بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
والصلاة والسلام على الطيّب المطيّب الذي أرسله الله رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، وجعل سيرته العطرة خالدة أبد الدهر إلى يوم الدين.
ويعد..
فإن تاريخ الأمم هو تراثها الماضى الذى تستمد منه الإلهام والثقة في حاضرها، وتستشرف به مستقبلها؛ مقتفية الأثر، متجنبة الزلل، اخذة بالمثل العليا.
وما تاريخ الأمم إلا تاريخ رجالها الخالدين الذين غيّروا بأعمالهم وجه التاريخ وتركوا بصمات واضحة على جبين الإنسانية.
والرسل هم أعظم العظماء؛ بهم استنارت القلوب والعقول؛ بلّغوا رسالات السماء، وأخرجوا الإنسانية من ظلمات الجهل والجاهلية، وأرسوا أسس حضارات متميزة. مجدوا الفضيلة، وكانوا حربا على الرذيلة، ونادوا بارتقاء الإنسان عن الحيوانية، ورسموا له أسس حياة إنسانية راقية.
وسير الأنبياء والرسل، وقصصهم- من ادم ﵊ إلى نبينا ﷺ- فنّ إلهي تربوي، ورد في التوراة والإنجيل [قبل تبديلهما]، وفي القران الكريم: بما أورده من سيرهم عظة وعبرة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]، ولا تكاد تخلو سورة من سور القران من سيرة رسول أو نبي، بل سميت سور بأسماء رسل وهى على ترتيبها في المصحف: يونس (١٠)، وهود (١١)، ويوسف (١٢)، وإبراهيم (١٥)، وطه (٢٠)، ويس (٣٦)، ومحمد (٤٧)، ونوح (٧١)، عليهم أفضل الصلاة والسلام.
[ ٣ ]
ونبينا محمد ﷺ هو خاتم الأنبياء ومتمّم رسالاتهم، وإنّا- وإن كان ﵊ قد نهانا عن المفاضلة بين الأنبياء حتّى لا ننتقص من قدر أحدهم- نراه بلا مراء أعظمهم أثرا في تاريخ الإنسانية بما أرساه من مفاهيم وقيم روحية وعملية وأخلاق ومبادئ كانت أساسا لحقبة جديدة في طور الرقى الإنساني.
لذا كانت السيرة النبوية الشريفة أشرف وأطرف العلوم الإنسانية، وكان لها مكان الصدارة من علوم الدين؛ ذلك أن الإسلام رسالة ورسول يبلغها، وسيدنا محمد ﷺ رسول ورسالة بعث بها إذ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣، ٤] فارتبط تدوين السيرة المحمدية بسائر العلوم الدينية؛ من تفسير لاى الذكر الحكيم وعلم حديث وفقه وأصول دين وغيرها، أخذا وعطاء.
وللسيرة النبوية مصدران أساسيان: القران الكريم بما أورد من إشارات لبعض الأحداث النبوية، والحديث الشريف الذى ليس إلا مواقف نبوية إن قولا أو فعلا أو تقريرا، ثم تأتى مصادر أخرى- فرعية- هى اثار الصحابة ورواياتهم، ثم روايات غيرهم بعد تمحيصها وتدقيقها.
والمؤرخ للسيرة النبوية حين يشرع فيها يجمع شوارد هذه السيرة في ترتيب تاريخى معيّن في إطار العصر وأحداثه.
وللسيرة النبوية جوانب عديدة؛ فهي إلى جانب كونها تاريخ رجل: طفولته وصباه، وشبابه ورجولته إلى وفاته، فهى تاريخ عصر عاشه ﷺ، وتاريخ رجال صحبوه واخرين عادوه؛ ففيها منهاج حياة في السلم والحرب، وهى حياته الخاصة في بيته مع نسائه التى علّمت الناس أصول العشرة واداب البيوت، وهى سيرة عشرته مع أصحابه وذويه التى علمت الناس أصول الصحبة والإخاء والمودة، وهى نظام اجتماعى متين: الأسرة نواته والتكافل رباطه، وهى نظام اقتصادى لا ضرر فيه ولا ضرار الخ
لذلك فإن من كتب من العلماء والحفّاظ في فن السيرة والتأريخ للنبى ﷺ لم يستطيعوا الإحاطة بشتّى جوانبها على كثرتهم ولم يوفوه حقه ﷺ.
فإنّ فضل رسول الله ليس له حدّ فيعرب عنه ناطق بفم
[ ٤ ]
وكتابنا هذا الذى نقدم له «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» زهرة من الزهور اليانعة في بستان السيرة المحمدية. يمتاز بالأصالة وغزارة المادة العلمية وعمق الفكرة، صيغت بلسان عربى ويراع يعرف كيف يعبر عن فكره، وينقله فى يسر ووضوح إلى القاريء.
والكتاب في جملته يراعى الترتيب الزمنى المعهود في كتب السيرة السابقة عليه: بدا بمولده حتّى وفاته ﷺ، ويضيف فصولا عن نظم الدولة الحديثة التى أرساها الإسلام وهو باب مستحدث لم يوفه السابقون عن المؤلف﵀- حقّه.
والمؤلف يستخدم المنهج العلمى في دراسته؛ فإذا ما تعرّض لحادثة عجيبة أو حدث تاريخى مختلف عليه، أو مسألة فقهية عرضت له في سرده، أخذ القاريء في سياحة طريفة، ووافاه من علمه الغزير بما يحيط بالمسألة ويجليها؛ إذ يقلّبها على وجوهها، ويشرك القاريء معه في التوصل إلى اقتناع عقلى يميط اللبس ويجلى الحق.
ومؤلف الكتاب عالم جليل من أبناء مصر؛ «السيد رفاعة الطهطاوى» [شريف حسيني] ينتسب إلى الرسول ﷺ عن طريق الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبى طالب من فاطمة الزهراء ﵃، وذلك من جهة أبيه، أما أخواله فمن الأنصار. وهو [عالم أزهرى جليل] تعلّم في الأزهر على كبار العلماء، ومنهم الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر. [وهو خطيب وإمام فصيح]، وهو [إمام النهضة العلمية في مصر] كما وصفه الأمير عمر طوسون ﵀، فهو الذى نقل العلوم الحديثة إلى مصر بما ترجم من مؤلفات وما بث فى تلاميذه من روح العلم في شتّى فروع المعرفة، من: هندسة وجغرافيا وأدب وطب وعلوم حربية الخ. وهو إلى جانب ذلك كله [ذو شمائل فاضلة] فهو ذكى الفؤاد، متوقد الذهن، حديدى الإرادة، طيب الخلق.
وسوف تطّلع بنفسك أيها القاريء الكريم على حسن تعبيره ودقة معانيه مما لا يتوفّر إلا [لأديب مطبوع] .
وسوف يعرض لك محققا الكتاب ترجمة له تنبئك بالخبر تفصيلا بعد إيجاز.
[ ٥ ]
[عملنا في هذا الكتاب]
طبعنا هذا الكتاب عن طبعة طبعت عام ١٢٩١ هـ بمطبعة المعارف الملكية «نظارة قلم الروضة والمطبوعات» بمصر.
. ولقد تولى تحقيق هذه الطبعة وإخراجها على هذه الصورة الأستاذان الجليلان:
عبد الرحمن حسن محمود، وفاروق حامد بدر، جزاهما الله خيرا عما أسدياه للمكتبة الإسلامية من خدمات جليلة توّجاها بعملهما الطيب الذى سوف يحكم عليه القارئ بنفسه.
فلقد تصدى [الأستاذ عبد الرحمن حسن] لشرح بعض غامض الكلام، وتخريج ما يحتاج إلى تخريج من الحديث الشريف، والرّد ما أمكن على بعض المسائل التى تحتاج إلى رد. وقد تصدى أيضا لتصحيح الأخطاء العديدة التى كانت بالطبعة التى راجعنا عليها، وهي أخطاء نعتقد أنها مطبعية لا يسأل عنها الشيخ رفاعة، فمن أغرب ما صحّح من هذه الأخطاء- وهى عديدة- عنوان فيه: «وهجرته إلى الحبشة وإلى الطائف» والمعروف أن الرسول ﷺ لم يهاجر إلى الحبشة، وإنما الصحيح «وهجرة المسلمين إلى الحبشة وخروجه إلى الطائف» .
ولوضع الأمور في نصابها نقول: إن الشيخ ﵀ توفى عام ١٢٩٠ هـ، والكتاب طبع في عام ١٢٩١ هـ، ومن هنا نعرف أن الشيخ ﵀ لم يتمكن من مراجعته، كما أشار ابنه إلى هذا في نهاية الطبعة الأولى، وحتّى لو فرض أنها كتبت بيده الكريمة فإنها من باب السهو و«جلّ من لا يسهو» .
[أما الأستاذ فاروق بدر] فقد تصدى للناحية التاريخية من العمل بدا بإعداد ترجمة وافية للمؤلف في إطار عصره. كما أضاف بعض المعلومات التاريخية الهامة التي قد يكون أغفلها المؤلف. وعلّق على بعض الأحداث التاريخية التى ذكرت دون أن تستوضح. وعنى كذلك بعمل خرائط للمواضع والبلدان والغزوات التى تدور في إطارها السيرة، وكذلك بعض الجداول الإيضاحية.
وكلّ ما نرجو أن نكون قد وفّينا السيرة الشريفة بعض حقها علينا، وأن ينفع الله بهذا العمل. اللهم صلّ علي سيدنا محمد، وغفر الله للمؤلف، وسدّد خطانا ووفقنا إلى ما فيه خير البلاد والعباد.
محمد عبده وأحمد عبده ابنا على حسن مكتبة الاداب غرة المحرم ١٤٠٣ هـ- ١٨ أكتوبر ١٩٨٢ م
[ ٦ ]
ترجمة المؤلف
هو السيد/ رفاعه بن بدوى بن علي بن محمد ابن علي بن رافع، وهو شريف حسينى يتصل نسبه بالرسول ﵊ عن طريق محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين بن فاطمة الزهراء، أما أخواله فمن الأنصار.
ولد رفاعة الطهطاوى سنة (١٢١٦ هـ/ ١٨٠١ م) وهى السنة التى غادرت فيها حملة «نابليون بونابرت» مصر. ولد في بلدة طهطا، إحدى قرى مديرية سوهاج في صعيد مصر.
ولد رفاعه لأبوين كانا على قدر من اليسار لم يلبث أن زال بسبب سحب والي مصر محمد علي باشا ما كان بأيدى العلماء والأشراف من الالتزامات.
وقد دفعت الضائقة المالية أباه إلى ترك بلدته بحثا عن الرزق، وصاحب رفاعة أباه في هذه الجولة من قنا إلى جرجا، ثم عاد إلى طهطا بعد وفاة والده.
وهناك تعهده أخواله، فحفظ القران الكريم، وكتب المتون العلمية التى كانت معروفة يومئذ على يد نفر من أقاربه العلماء.
وفي سنة ١٢٣٢ هـ/ ١٨١٧ م وفد رفاعة إلى الأزهر يطلب العلم، وسنّه إذ ذاك تناهز السادسة عشرة سنة، واتصل منذ دخل الأزهر بشيخه الشيخ حسن العطار الذى احتضن تلميذه واختصه بمزيد من الرعاية لما أنسه فيه من الذكاء وحب العلم.
ولم تطل المدة بالفتى رفاعة في طلب العلم حتّى تخرّج في الأزهر (فى مدة لا تتجاوز الستة أعوام)، ثم عمل سنتين بعد التخرج مدرسا في الأزهر، قام خلالها بتدريس كتب كثيرة في بعض العلوم الأزهرية، مثل الحديث، والمنطق، والبيان، والبديع، والعروض، وغيرها. وكان شيخا سلس الحديث، واضح العبارة، يفهم دروسه الكبير والصغير بلا مشقة.
[ ٧ ]
وفي عام ١٢٤٠ هـ/ ١٨٢٤ م عين الشيخ رفاعة الطهطاوى واعظا وإماما لإحدى فرق الجيش المصرى النظامي، الذى كوّنه والى مصر «محمد علي باشا»، فأدى مهمته على أكمل وجه.
لكن الشيخ رفاعة لم يمكث في الجيش إلا فترة قصيرة، إذ عند ما قرر محمد علي أن يوفد عددا من شباب مصر إلى باريس سنة ١٢٤١ هـ/ ١٨٢٦ م زيّن الشيخ حسن العطار للوالى أن يجعل لهؤلاء المبعوثين إماما يذكّرهم بالدين ويعظهم ويرشدهم، ويؤمهم في الصلاة، وأن يكون هذا الإمام هو الشيخ رفاعة الطهطاوي.
سافر الشيخ رفاعة إلى باريس إماما للبعثة، وبدأ في تعلم اللغة الفرنسية، وأقبل على دراسة العلوم المقررة على طلاب البعثة بأكثر مما أقبل عليها طلاب البعثة أنفسهم.
وكان تعمّق الشيخ رفاعة في دراسة اللغة العربية وإتقانها بالأزهر سببا في أن وجّهه المشرفون علي البعثة لإتقان اللغة الفرنسية ودراسة فن الترجمة، حتى يستطيع أن يؤدى نصيبه في النهضة العلمية والحركة الفكرية متى عاد إلى مصر، وذلك بترجمة العلوم المختلفة التى كان الوطن في أشد الحاجة إلى ترجمتها.
ولما كان فن الترجمة يحتاج من المترجم إلى معرفة بالعلوم التى سيترجمها من لغة إلى أخرى، نظمت للشيخ رفاعة دراسات في مختلف الفنون والعلوم، فقرأ كثيرا من كتب الهندسة، والرياضة، والعلوم، والتاريخ، والجغرافيا، والاجتماع، والعلوم العسكرية، والقانون وغيرها، وتمرّن على الترجمة، فقام بترجمة بعض الكتب الصغيرة، وبعض الفصول من الكتب الكبيرة التي أتمّ ترجمتها بعد عودته إلى مصر.
انتهز الشيخ فرصة وجوده في باريس، فأمعن النظر في كل ما راه، وتغلغل فى الحياة الفرنسية من جميع نواحيها، فعرف ما هو الدستور، وما هى الانتخابات، وعرف المدارس الفرنسية، ومجامع العلماء في باريس وأثرها في الحياة الفكرية.
[ ٨ ]
وتكلّم عن المكتبات وأثرها في هذه الحياة، كما انتقد الفرنسيين في كثير من أخلاقهم، وعوائدهم، وعقائدهم التى لم يكن يقرها.
* وبعد خمس سنوات قضاها الشيخ رفاعة في باريس عاد إلى مصر سنة ١٢٤٦ هـ ١٨٣١ م حيث استقبله المصريون أحسن استقبال.
عين الشيخ رفاعة بعد عودته إلى مصر مترجما بمدرسة الطب، وكان أوّل مصرى يعيّن مترجما بهذه المدرسة، وقام خلال هذه الفترة بمراجعة كتاب «التوضيح لألفاظ التشريح، في الطب البيطري.
ثم نقل رفاعة الطهطاوى سنة ١٢٤٩ هـ ١٨٣٣ م مترجما بمدرسة الطوبجية (المدفعية) بطره، وفيها قام بترجمة بعض الكتب الهندسية والجغرافية اللازمة للمدرسة وغيرها من المدارس الحربية، فأتمّ ترجمة كتاب «مباديء الهندسة» الذى طبع في بولاق سنة ١٨٣٣ م.
ولما كان رفاعة الطهطاوى يعشق علمي: الجغرافيا والتاريخ، منذ كان يتلقى العلم في باريس، فقد بدأ بترجمة كتاب خاص أسماه «التقريبات الشافعية لمريد الجغرافية» وطبعه عام ١٨٣٤ م، كما طبع كتابين ترجمهما في باريس هما «المعادن النافعة» و«قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر» .
وفي أواخر سنة ١٢٥٠ هـ/ ١٨٣٤ م تقدم رفاعة لأولى الأمر باقتراح يتلخص في أن يؤذن له بافتتاح مدرسة للترجمة تعلّم فيها الألسن الشرقية والغربية وبعض المواد المساعدة كالتاريخ والجغرافيا، والرياضة، ليقوم خريجوها بترجمة الكتب في العلوم المختلفة. وأنشئت المدرسة سنة ١٨٣٤، وكان مقرها «سراى الدفتردار» بحى الأزبكية، وكانت تسمى أوّل الأمر «مدرسة الترجمة» ثم صارت «مدرسة الألسن» . وكان الغرض من إنشائها تخريج مترجمين لمصالح الحكومة. ثم اتجهت إلى أن يكوّن من خريجيها قلم يعرف «بقلم الترجمة»، ثم استقر علي أن يكون هدفها إعداد المترجمين والمدرسين، وإمداد المدارس الخصوصية (العالية) بتلاميذ يعرفون اللغة الفرنسية، وكان رفاعة مديرا لهذه المدرسة، ويقوم بالتدريس فيها.
أما في مجال الصحافة فكان لرفاعة الطهطاوى دور بارز؛ ففى عام ١٨٤٢ م
[ ٩ ]
صدر قرار رسمى عن ديوان المدارس، بتعيين رفاعة الطهطاوى رئيسا لتحرير صحيفة «الوقائع المصرية» وتضمّن هذا القرار دستورا جديدا لهذه الصحيفة، من المحقق أن رفاعة الطهطاوى اشترك بنفسه في وضع مواده، ثم تولى تنفيذ ذلك بطريقة كان لها الفضل كل الفضل في تنظيم الوقائع تنظيما جديدا، والدخول بها فى طور اخر من أطوار حياتها الطويلة المجيدة.
وخليق بنا أن نشير إلى بعض الإصلاحات التي أدخلها الطهطاوي، ومنها:
١- لاحظ أن هذه الصحيفة تكتب باللغتين العربية والتركية، غير أن التركية كانت تحتل اليمين من الصحيفة، بينما العربية تحتل الناحية اليسري، وحين أشرف على الوقائع أصر على أن تكون العربية ناحية اليمين والتركية ناحية اليسار.
٢- لاحظ الطهطاوى أن مواد الصحيفة تكتب أولا بالتركية ثم تترجم بعد ذلك إلى العربية، فإذا كان الأصل التركى سقيما في ذاته فأخلق بالترجمة العربية أن تكون ركيكة سقيمة كذلك. ولذلك وجدنا الطهطاوى يحتم على الصحيفة أن تقدم المواد كلها بالعربية أولا، ثم لا بأس من أن تترجم هذه المواد إلى التركية بعد ذلك.
٣- عنى الطهطاوى في صحيفة الوقائع عناية خاصة بالأخبار المصرية مقدما إياها على الأخبار الخارجية.
وفي سنة ١٨٤٩ تولى عباس الأوّل حكم مصر، وكان رجعيا ضيق الأفق، فأصدر أوامره بإغلاق المدارس الخصوصية، وكانت مدرسة الألسن أوّل مدرسة ألغيت. ولم يقنع عباس بذلك، بل أمر بإنشاء مدرسة ابتدائية بالخرطوم، وأن يتولى تأسيسها رفاعة الطهطاوي. ورغم شعور رفاعة بالأسى لإحساسه بأنه منفي، رغم ذلك قام بواجبه في مدرسة الخرطوم خير قيام، وشغل وقته بترجمة قصة «تليماك» لمؤلفها «فنلون»، وقد طبعت هذه الترجمة بعد ذلك في بيروت، بعنوان «مواقع الأفلاك في وقائع تليماك» كما عني بتكوين جيل من مثقفى السودان بثّ فيهم روح العلم والمعرفة، وكانوا نواة نهضة علمية مماثلة لتلك التى عرفتها مصر على يديه.
[ ١٠ ]
وفي عهد سعيد عاد السيد رفاعة إلى مصر، وكانت له جهود علمية في ميادين أخرى في عهدى سعيد وإسماعيل، أهمها تعيينه وكيلا للمدرسة الحربية تحت نظارة سليمان باشا الفرنساوي، إذ اتجه الرأى يومئذ إلى أن تكون هذه المدرسة نواة لمدرسة جديدة تحتفظ من المدرسة الأولى بصفتها العسكرية، ويتجه التعليم فيها وجهة مدنية بالإكثار من دراسة اللغات والعلوم الأدبية والرياضيات، إلى جانب التعليم العسكري.
أنشئت المدرسة بالقلعة سنة ١٨٥٦ م، وعيّن رفاعة رئيسا لها، فأقبل على عمله الجديد بهمة قويه، يريد أن يجدد بذلك عهد مدرسته القديمة (مدرسة الألسن) .
كما أشرف رفاعة على قلم الترجمة الذى أنشيء في عهد إسماعيل، وقام بترجمة مجموعة من القوانين الفرنسية- بالاشتراك مع نفر من تلاميذه- غير أن نشاط رفاعة توقف مرة أخرى بإلغاء المدرسة الحربية بالقلعة سنة ١٨٦١ م.
واستدعى رفاعة في عهد إسماعيل ليتولى إصدار صحيفة جديدة ينفق عليها ديوان المدارس، وأطلق على هذه الصحيفة «روضة المدارس» . وصدر العدد الأوّل منها في شهر إبريل سنة ١٨٧٠، وكانت تصدر مرتين كل شهر، وكانت هذه المجلة تقصر عنايتها على أخبار الطلبة والامتحانات، ومن أهدافها النهوض باللغة العربية، ونشر المعارف الإنسانية، فلم تكن روضة المدارس مجلة سياسية، بل كانت مجلة علمية وأدبية.
وفي النصف الثانى من القرن التاسع عشر، وضع رفاعة جلّ مؤلفاته، ومنها «مباهج الألباب المصرية ومناهج الألباب العصرية»، و«المرشد الأمين في تربية البنات والبنين»، و«التحفة المكتبية لتقريب اللغة العربية» وغيرها.
وإذا كانت جهود رفاعة الطهطاوى في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر موجّهة لترجمة الكتب التاريخية لتزويد المكتبة العربية بمجموعة من الكتب
[ ١١ ]
المعرّبة، تغطى تاريخ العالم بقدر الإمكان، إلا أننا نجده في النصف الثانى من القرن التاسع عشر خطا خطوة جديدة، وبدأ يؤلف في التاريخ، وفي تاريخ مصر بوجه خاص.
ورغم أن الشيخ رفاعة لم يدرك ثورات المصريين ضد الحملة الفرنسية، إذ ولد في نفس السنة التي غادرت فيها الحملة مصر، لكنه سمع عنها الكثير، وقرأ عنها في كتاب الجبرتى «عجائب الاثار»، وكذلك قرأ الكثير عن الثورة الفرنسية أثناء دراسته في باريس، وقرأ كثيرا من مؤلفات الكتّاب الفرنسيين الذين مهدوا لقيام الثورة الفرنسية، أمثال «روسو» و«فولتير» و«منتسكيو»، وشهد ثورة فرنسا سنة ١٨٣٠ م، وترجم الدستور الفرنسى الذى وضعه لويس التاسع عشر.
لذلك كله اتجه رفاعة- عند ما بدأ التأليف في التاريخ- اتجاها قوميا، ووضع لنفسه خطة ترمى إلى وضع مؤلّف ضخم في تاريخ مصر، منذ عهد الفراعنة إلى العصر الحديث.
وكان للجهود التى بذلها علماء الحملة الفرنسية في مصر أثر كبير في لفت الأنظار إلى الاثار المصرية، وكان لعثور رجال الحملة على حجر رشيد، وعكوف علماء فرنسا على قراءة ما عليه من نصوص، وتوفيق العالم الفرنسى «شمبليون» فى فكّ رموز الكتابة الهيروغيلفية، مما مكّن من قراءة النصوص المنقوشة على جدران المقابر والمعابد، والمكتوبة على أوراق البردى وغيرها، وتمكين المؤرخين من التعرف على أسرار الحضارة المصرية القديمة، بعد أن ظلت مجهولة قرونا طويلة.
ثم أقبل الباحثون والمنقبون الأوروبيون على الحفر، وكشفوا كثيرا من الاثار المصرية القديمة، وبدأ الأثريون والمؤرخون الأوروبيون يكتبون تاريخ مصر القديم كتابة صحيحة إلى حد كبير. واستفاد رفاعة الطهطاوى من هذه الحركة، وبدأ يؤلف كتابا في تاريخ مصر منذ القدم، وخصص الجزء الأوّل لتاريخ مصر فى عصور الفراعنة، والبطالمة، والرومان، وسمّاه «أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر، وتوثيق بني إسماعيل» وقد طبع هذا الجزء في بولاق سنة ١٢٨٥ هـ.
[ ١٢ ]