سرية «١»
في ربيع الأول أرسل ﵊ علي بن أبي طالب في مائة راكب وخمسين فارسا لهدم الفلس «٢» - صنم لطيىء- فسار إليه وهدمه وأحرقه، ولما حارب عبّاده هزمهم واستاق نعمهم وشاءهم وسبيهم، وكان فيه سفّانة بنت حاتم طيىء «٣» . ولما رجع علي إلى المدينة طلبت سفّانة من رسول الله أن يمنّ عليها، فأجابها لأنه كان من سننه أن يكرم الكرام، فدعت له، وكان من دعائها «شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا مكانتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة ولا سلب نعمة كريم إلّا وجعلك سببا لردّها عليه» . وكانت هذه المعاملة من رسول الله سببا في إسلام أخيها عدي بن حاتم الطائي «٤» الذي كان فرّ إلى الشام عندما رأى الرايات الإسلامية قاصدة بلاده، وكان من حديث مجيئه أنّ أخته توجّهت إليه بالشام، وأخبرته بما عوملت به من الكرم، فقال لها: ما ترين في أمر هذا الرجل؟ فقالت: أرى أن تلحق به سريعا فإن يكن نبيّا فللسابق إليه فضل، وإن يكن ملكا فأنت أنت. قال: والله هذا هو الرأي.
_________________
(١) هي سرية علي إلى هدم صنم طيء.
(٢) بضم الفاء واللام، أو سكونها أو بفتح الفاء وسكون اللام. كان انفا أحمر في وسط أجأ كأنه تمثال إنسان.
(٣) بنت الجواد المشهور، وقد أسلمت وحسن إسلامها، وكانت سببا في إسلام أخيها عدي.
(٤) تقدم نسبه في ترجمة أخته سفّانة- كنيته أبو طريف أسلم في سنة تسع، وكان نصرانيا وثبت على إسلامه في الردة، وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر، وشهد فتح العراق ثم سكن الكوفة، وشهد صفين مع علي، ومات بعد الستين، وهو ابن مائة وعشرين سنة.
[ ٢١٦ ]
وفود عدي بن حاتم
فخرج حتى جاء المدينة، ولقي رسول الله فقال ﵊: من الرجل؟ قال عدي بن حاتم، فأخذه إلى بيته وبينما يمشيان إذ لقيت رسول الله امرأة عجوز، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، فقال عدي: والله ما هو بملك. ثم مضى رسول الله حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من جلد محشوّة ليفا فقدمها إلى عدي، وقال: اجلس على هذه، فقال: بل أنت تجلس عليها، فامتنع ﵊، وأعطاها له، وجلس هو على الأرض، ثم قال: يا عدي أسلم تسلم قالها ثلاثا، فقال عدي: إني على دين وكان نصرانيا فقال ﵊: أنا أعلم بدينك منك، فقال عدي: أأنت أعلم بديني منّي؟ قال:
نعم. ثم عدّد له أشياء كان يفعلها اتباعا لقواعد العرب وليست من دين المسيح في شيء كأخذه المرباع وهو ربع الغنائم. ثم قال: يا عدي إنما يمنعك من الدخول في الدّين ما ترى، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قدرة لهم، وقد رمتهم العرب مع حاجتهم، فو الله ليوشكنّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلّة عددهم، أتعرف الحيرة؟ قال: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فو الله ليتمنّ هذا الأمر حتى تخرج المرأة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكنّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم «١» فأسلم عدي ﵁ وعاش حتى رأى كل ذلك.
غزوة تبوك «٢»
بلغ رسول الله ﷺ أن الروم جمعت الجموع تريد غزوه في بلاده، وكان ذلك
_________________
(١) رواه البخاري بلفظ قريب من هذا وقال السهيلي: حديث إسلامه صحيح عجيب خرّجه الترمذي.
(٢) هو موضع بين وادي القرى والشام، بينه وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، وهي غزوة العسرة، وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة وهي اخر غزواته ﷺ. وتبوك سميت بعين تبوك وهي العين التي أمر رسول الله ﷺ الناس ألا يمسوا من مائها شيئا فسبق إليها رجلان، وهي تبض بشيء من ماء، فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها، فسبّهما رسول الله ﷺ وقال لها ما زلتما تبوكانها منذ اليوم. وقد روى مالك ومسلم بعد هذا اللفظ راجع فتح الباري.
[ ٢١٧ ]
في زمن عسرة الناس، وجدب البلاد، وشدّة الحرّ، حين طابت الثمار، والناس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، فأمر ﵊ بالتجهّز، وكان قلّما يخرج في غزوة إلّا ورّى بغيرها «١» ليعمّي الأخبار على العدو إلّا في هذه الغزوة، فإنه أخبر بمقصده لبعد الشقة «٢»، ولشدّة العدو، ليأخذ الناس عدّتهم لذلك، وبعث إلى مكّة وقبائل الأعراب يستنفرهم لذلك، وحثّ الموسرين على تجهيز المعسرين، فأنفق عثمان بن عفّان عشرة الاف دينار، وأعطى ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها «٣»، وخمسين فرسا، فقال ﷺ: «اللهم ارض عن عثمان فإني راض عنه» «٤» . وجاء أبو بكر بكل ماله: وهو أربعة الاف درهم، فقال ﷺ: هل أبقيت لأهلك شيئا؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائة أوقية، وجاء العباس وطلحة بمال كثير.
وتصدق عاصم بن عدي «٥» بسبعين وسقا من تمر، وأرسلت النساء بكل ما يقدرن عليه من حليهنّ، وجاءه ﷺ سبعة أنفس من فقهاء الصحابة يطلبون إليه أن يحملهم. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألّا يجدوا ما ينفقون. فجهز عثمان ثلاثة منهم، وجهز العباس إثنين، وجهز يامين ابن عمرو اثنين، ولمّا اجتمع الرجال خرج بهم رسول الله وهم ثلاثون ألفا، وولّى على المدينة محمّد بن مسلمة، وعلى أهله علي بن أبي طالب، وتخلّف كثير من المنافقين يرأسهم عبد الله بن أبيّ، وقال: يغزو محمّد بني الأصفر مع جهد الحال والحرّ والبلد البعيد!! أيحسب محمّد أن قتال بني الأصفر معه اللعب؟ والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرّنين في الحبال، واجتمع جماعة منهم، فقالوا في حق رسول الله وأصحابه ما يريدون من الإرجاف، فبلغه ذلك، فأرسل إليهم عمار بن ياسر يسألهم عما قالوا، فقالوا: إنما كنّا نخوض ونلعب. وجاء إليه جماعة، منهم الجد ابن قيس، يعتذرون عن الخروج، فقالوا: يا رسول الله ائذن لنا ولا تفتنا، لأنّا لا
_________________
(١) في مسلم من حديث كعب بن مالك. وورّى بغبرها: أي ورى الخبر تورية: أي ستره وأظهر غيره كأنه مأخوذ من وراء الانسان كأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر.
(٢) بعد المسير.
(٣) الأحلاس جمع حلس وهو كساء رقيق تحت الرحل. والأقتاب: جمع قتب هو للجمل كالإكاف لغيره.
(٤) رواه الترمذي بلفظ (ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين) .
(٥) هو أخو معن بن عدي يكنى أبا عمرو، واتفقوا على ذكره في البدريين. وقال الواقدي: إنه شهد أحدا مات في سنة ٤٥ هـ وهو ابن ١١٥.
[ ٢١٨ ]
نأمن من نساء بني الأصفر، وجاء إليه المعذّرون من الأعراب- وهم أصحاب الأعذار من ضعف أو قلة- ليؤذن لهم، فأذن لهم، وكذلك استأذن كثير من المنافقين فأذن لهم، وقد عتب الله عليه في ذلك الإذن بقوله في سورة براءة: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ «١» ثم قال في حقهم: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ «٢» ثم كذبهم الله في عذرهم فقال: * وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ «٣» ثم لكيلا ياسى المسلمون على قعود المنافقين عنهم قال جلّ ذكره: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
«٤» . وتخلّف جماعة من المسلمين لا يتّهمون في إسلامهم منهم كعب ابن مالك «٥»، وهلال بن أمية «٦»، ومرارة بن الربيع «٧» وأبو خيثمة «٨» . ولما خلّف ﷺ عليا، قال المنافقون: قد استثقله فتركه، فأسرع إلى رسول الله وشكا له ما سمع، فقال ﷺ: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟» «٩» . ثم سار ﷺ بالجيش، وأعطى لواءه الأعظم أبا بكر الصّدّيق، وفي إعطاء اللواء لأبي بكر اخر غزوة للرسول وتخليف عليّ على أهل البيت حكمة لطيفة يفهمها القارىء.
وفرّق ﵊ الرايات، فأعطى الزبير راية المهاجرين، وأسيد بن حضير راية الأوس، والحباب بن المنذر راية الخزرج، ولمّا مرّ الجيش بالحجر وهي ديار ثمود قال ﷺ لأصحابه: «لا تدخلوا ديار الذين ظلموا إلّا وأنتم
_________________
(١) اية ٤٣.
(٢) سورة التوبة اية ٤٥.
(٣) سورة التوبة اية ٤٦.
(٤) سورة التوبة اية ٤٧. والخبال: الهلاك والفساد الذي يورث الاضطراب. ولأوضعوا خلالكم: لأسرعوا في إيقاع الشر بينكم.
(٥) شهد العقبة وبايع فيها وتخلف عن بدر وشهد أحدا وما بعدها، ولم يشترك في حرب علي ومعاوية. مات بالشام في خلافة معاوية.
(٦) الأنصاري شهد بدرا وما بعدها.
(٧) الأنصاري الأوسي من بني عمرو بن عوف شهد بدرا على الصحيح.
(٨) الأنصاري السالمي أحد بني سالم من الخزرج شهد أحدا مع النبي ﷺ، وبقي إلى أيام يزيد بن معاوية.
(٩) رواه الشيخان وتتمته غير أنه لا نبي بعدي.
[ ٢١٩ ]
باكون» «١» ليشعر قلوبهم رهبة الله، وكان مستعملا على حرس الجيش عبّاد بن بشر، وكان أبو بكر يصلي بالجيش، ولما وصلوا إلى تبوك، وكانت أرضا لا عمارية فيها، قال الرسول لمعاذ بن جبل: يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هنا مليء بساتين «٢»، وقد كان.
ولمّا استراح الجيش لحقه أبو خيثمة، وكان من خبر مجيئه أن دخل على أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشتين لهما في بستان قد رشت كلّ منهما عريشتها، وبرّدت فيها ماء، وهيأت طعاما، وكان يوما شديد الحر، فلما نظر ذلك قال: يكون رسول الله في الحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وماء مهيأ وامرأة حسناء! ما هذا بالنّصف «٣» . ثم قال: والله لا أدخل عريشة واحدة منكما حتى ألحق برسول الله فهيئا لي زادا ففعلتا، ثم ركب بعيره، وأخذ سيفه ورمحه، وخرج يريد رسول الله فصادفه حين نزل بتبوك.
وفود صاحب أيلة
هذا ولم ير ﷺ بتبوك جيشا كما كان قد سمع، فأقام هناك أياما جاءه في أثنائها يوحنا»
صاحب أيلة، وصحبته أهل جرباء «٥» وأهل أذرح «٦» وأهل ميناء، فصالح يوحنا رسول الله على اعطاء الجزية ولم يسلم. وكتب له الرسول كتابا هذه صورته:
كتاب صاحب أيلة
بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمنة من الله ومحمّد النبي رسول الله ليوحنا وأهل أيلة: سفنهم وسيارتهم في البرّ والبحر لهم ذمة الله ومحمّد النبي، ومن كان
_________________
(١) رواه الشيخان. والحجر: هي ديار ثمود بين تبوك والحجاز. وقنع رأسه: ستره.
(٢) أي العدل ولفظه «يوشك يا معاذ الله أن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا.
(٣) رواه مسلم.
(٤) بضم أوله وفتح الباقي- ابن رؤبة بضم الراء وسكون الهمزة وفتح الباء في اخره تاء ملك أيلة في القاموس.
(٥) قرية في جنوب الشام (المؤلف) .
(٦) مدينة تلقاء السراة (المؤلف) .
[ ٢٢٠ ]
معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحوز ماله دون نفسه، وإنه لطيبة لمن أخذه من الناس وإنه لا يحلّ أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر.
كتاب أهل أذرح وجرباء
وكتب لأهل أذرح وجرباء كتابا صورته: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمّد النبي لأهل أذرح وجرباء، إنهم امنون بأمان الله وأمان محمّد، وإن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل بالنصح والإحسان للمسلمين» وصالح أهل ميناء على ربع ثمارهم.
ثم إنّ الرسول استشار أصحابه في مجاوزة تبوك إلى ما هو أبعد منها من ديار الشام، فقال له عمر: إن كنت أمرت بالسير فسرّ. فقال ﵊: لو كنت أمرت بالسير لم أستشر، فقال: يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة، وليس بالشام أحد من أهل الإسلام، وقد دنونا وقد أفزعهم دنوّك، فلو رجعنا في هذه السنة حتى نرى أو يحدث الله أمرا، فتبع ﵊ مشورته، وأمر بالقفول فرجع الجيش إلى المدينة.
مسجد الضّرار
ولمّا كان على مقربة منها «١» بلغه خبر مسجد الضّرار وهو مسجد أسسه جماعة من المنافقين «٢» معارضة لمسجد قباء، ليفرقوا جماعة المسلمين. وجاء جماعة منهم إلى الرسول طالبين منه أن يصلّي لهم فيه، فسألهم عن سبب بنائه، فحلفوا بالله إن أردنا إلّا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون، فأمر ﵊ جماعة من أصحابه «٣» لينطلقوا إليه ويهدموه ففعلوا. هذا ولمّا استقر ﵊ بالمدينة جاءه جماعات من الذين تخلّفوا يعتذرون كذبا. فقبل منهم ﵊ علانيتهم، ووكل ضمائرهم إلى الله واستغفر لهم.
_________________
(١) أي من المدينة بذي أوان، بينها وبين المدينة ساعة. وبلغه خبره من السماء.
(٢) قال السهيلي ذكر منهم جارية بن عامر وابنه مجمّع بن جارية وخذام بن خالد وثعلبه بن حاطب، ومعتّب ابن قشير وبنتل بن الحارث.
(٣) وهما مالك بن الدخشم ومعن بن عدي.
[ ٢٢١ ]
حديث الثلاثة الذين خلّفوا
وجاءه كعب بن مالك الخزرجي، ومرارة بن الرّبيع، وهلال بن أميّة الأوسيان مقرّين بذنوبهم، فلمّا دخل عليه كعب تبسّم تبسّم الغضب، وقال: ما خلّفك؟ فقال: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أوتيت جدلا «١»، ولكني والله لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكنّ الله أن يسخط عليّ فيه، ولئن حدّثتك حديث صدق تغضب عليّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي من عذر. فقال ﵊: أمّا هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك. وقال صاحباه مثل قوله، فقال لهما ﵊ كما قال لكعب، ونهى المسلمين عن كلامهم، فاجتنبهم الناس، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، واستأذنت زوج هلال بن أمية في خدمة زوجها لأنه شيخ ضائع ليس له خادم فأذن لها، ولم يزالوا كذلك حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا ألا ملجأ من الله إلّا إليه، ثم تاب عليهم، فأرسل لهم ﵊ من يبشّرهم بهذه النّعمة الكبرى، فتلقاهم الناس أفواجا أفواجا يهنئونهم بتوبة الله. فلمّا دخل كعب المسجد تلقاه رسول الله مسرورا، فقال: أبشر يا كعب بخير يوم يمرّ عليك منذ ولدتك أمك، فقال: من عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله. فقال كعب: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله، فقال ﵊: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. ثم قرأ ﵊ الايات التي فيها توبته هو وصاحباه في سورة براءة وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «٢» .
وفود ثقيف
وعقب مقدمه ﵊ من تبوك وفد عليه وفد ثقيف، وكان من خبرهم أنه لمّا انصرف رسول الله من محاصرتهم تبع أثره عروة بن مسعود الثقفي
_________________
(١) أي فصاحة وقوة كلام.
(٢) اية ١١٨. وقصة توبة كعب مذكورة في الصحيحين.
[ ٢٢٢ ]
حتى أدركه قبل أن يصل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه ويدعوهم إلى الإسلام، فقال له: إنهم قاتلوك، فقال: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم، فخرج إلى قومه يرجو منهم طاعته لمرتبته فيهم، لأنه كان فيهم محببا مطاعا، فلمّا جاء الطائف وأظهر لهم ما جاء به رموه بالنبل فقتلوه، وبعد شهر من مقتله ائتمروا فيما بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، فأجمعوا أمرهم على أن يرسلوا لرسول الله رجلا منهم يكلّمه، وطلبوا من عبد ياليل بن عمرو أن يكون ذلك الرجل فأبى، وقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا، فبعثوا معه خمسة من أشرافهم «١» فخرجوا متوجهين إلى المدينة، ولما قابلوا رسول الله ضرب لهم قبة في ناحية المسجد ليسمعوا القران ويروا الناس إذا صلّوا. وكانوا يغدون إلى رسول الله كل يوم ويخلّفون في رحالهم أصغرهم سنّا عثمان بن أبي العاص «٢» فكان إذا رجعوا ذهب للنّبيّ واستقرأه القران، وإذا راه نائما استقرأ أبا بكر حتى حفظ شيئا من القران، وهو يكتم ذلك عن أصحابه، ثم أسلم القوم، وطلبوا أن يعيّن لهم من يؤمّهم، فأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص لما راه من حرصه على الإسلام وقراءة القران وتعلّم الدين.
كتاب أهل الطائف
ثم كتب لهم كتابا من جملته: «بسم الله الرّحمن الرّحيم من محمّد النبي رسول الله إلى المؤمنين إن عضاه وجّ «٣» وصيده حرام، لا يعضد شجره ومن وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه» ثم سألوا رسول الله ﷺ أن يؤجّل هدم صنمهم شهرا حتى يدخل الإسلام في قلوب القوم ولا يرتاع السفهاء من النساء من هدمه، فرضى ﵊، ولمّا خرجوا من عنده قال لهم رئيسهم: أنا أعلمكم بثقيف اكتموا عنهم إسلامكم خوّفوهم الحرب والقتال، وأخبروهم أن محمّدا طلب أمورا عظيمة أبيناها عليه، سألنا أن نهدم الطاغية، وأن نترك الزنا،
_________________
(١) عبد ياليل الحكم بن عمرو وشرحبيل بن غيلان وعثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف وغير بن قرشه ابن ربيعة.
(٢) ذكره البلاذري في الأنساب وقال: قتل أبوه يوم بدر كافرا، وأقره أبو بكر وعمر ثم استعمله عمر على عمان والبحرين، ثم سكن البصرة حتى مات فيها في خلافة معاوية سنة ٥٥ هـ.
(٣) عضاه كل شجر له شوك، ووجّ: بلد الطائف، قال السهيلي: حرم عضاهه وشجره على غير أهله كتحريم المدينة ومكة.
[ ٢٢٣ ]
وشرب الخمر والرّبا، فلمّا حلّوا بلادهم جاءتهم ثقيف، فقال الوفد: جئنا رجلا فظا غليظا قد ظهر بالسيف، ودان النّاس له فعرض علينا أمورا شديدة، وذكروا ما تقدم. فقالوا: والله لا نطيعه أبدا، فقالوا لهم: أصلحوا سلاحكم، ورمّوا حصونكم، واستعدوا للقتال، فأجابوا، واستمروا على ذلك يومين أو ثلاثة، ثم ألقى الله الرعب في قلوبهم، فقالوا: والله مالنا بحربه من طاقة ارجعوا إليه وأعطوه ما سأل، فقال الوفد: قد قاضيناه وأسلمنا، فقالوا: لم كتمتم علينا ذلك؟ قالوا:
حتى تذهب عنكم نخوة الشيطان فأسلموا.
هدم اللّات
ولما بلغ رسول الله ﷺ اسلام ثقيف أرسل أبا سفيان والمغيرة بن شعبة الثقفي لهدم اللات صنم ثقيف بالطائف، فتوجّهوا وهدموه حتى سوّوه بالأرض.
حج أبي بكر
وفي أخريات ذي القعدة أرسل ﵊ أبا بكر ليحجّ بالناس فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة ومعه الهدي عشرون بدنة أهداها رسول الله ﷺ، وساق أبو بكر خمس بدنات، ولمّا سافر نزل على رسول الله ﷺ أوائل سورة براءة، فأرسل بها عليا ليبلغها الناس في يوم الحج الأكبر، وقال: لا يبلغ عني إلّا رجل منّي، فلحق أبا بكر في الطريق، فقال الصّدّيق: هل استعملك رسول الله ﷺ على الحج؟ قال: لا ولكن بعثني أقرأ أو أتلو براءة على الناس.
فلمّا اجتمعوا بمنى يوم النحر قرأ عليهم عليّ ثلاث عشرة اية من أول سورة براءة «١» تتضمن نبذ العهود لجميع المشركين الذين لم يوّفوا عهودهم، وإمهالها أربعة أشهر يسيحون فيها في الأرض كيف شاؤوا، وإتمام عهد المشركين الذين لم يظاهروا على المسلمين، ولم يغدروا بهم إلى مدتهم، ثم نادى: لا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان «٢»، وكان عليّ يصلي في هذا السفر وراء أبي بكر ﵄.
_________________
(١) سورة براءة هي التوبة.
(٢) رواه الشيخان كما روى الترمذي وحسنه وأحمد من حديث أنس قال: (بعث النبي ﷺ براءة أبي بكر، ثم دعا عليا فأعطاه إياها وقال لا ينبغي لأحد أن يبلّغ هذا إلا رجل من أهل بيتي) .
[ ٢٢٤ ]
وفاة ابن أبي
وفي ذي القعدة مات عبد الله بن أبي، وقد صلّى عليه رسول الله ﷺ صلاة لم يطل مثلها، وشيّع جنازته حتى وقف على قبره، وإنما فعل ذلك تطييبا لقلب ولده عبد الله بن عبد الله، وتأليفا لقلوب الخزرج، لمكانة عبد الله بن أبي فيهم، وقد نزع ربقة النفاق كثير من المنافقين «١» بعد هذا اليوم، لما رأوه من أعمال السيد الكريم ﷺ، وقد نهى الله رسوله عن الصلاة على المنافقين، فقال جلّ شأنه في سورة براءة: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ «٢» .
وفاة أم كلثوم
وفي هذه السنة توفيت أمّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ وزوج عثمان ﵄.
_________________
(١) أسلم منهم يومئذ ألف.
(٢) اية ٨٤. ليس في القران نهي عن الصلاة على المنافقين قبل نزول اية (ولا تصل) والظاهر أن عمر فهم ذلك من قوله سبحانه (استغفر لهم) . أو من قوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) صحيح البخاري- سورة التوبة- باب ولا تصل.
[ ٢٢٥ ]