يا لله يقضي على الشقي بالشقاوة حتى لا يسمع ولا يبصر، فيتّخذ الغدر رداء والخيانة شعارا، فلا ينجح معه إلّا إراحة العالم من شرّه، هذا كعب بن الأشرف اليهودي عظيم بني النضير، أعمته عداوة المسلمين حتى خلع برقع الحياء، وصار يحرّض قريشا على حرب رسول الله، ويهجوه بالشعر، ويجتهد في إثارة الشحناء «١» بين المسلمين، فكلّما جبر ﵊ كسرا هاضه «٢» هذا الشقي بما ينفثه من سموم لسانه.
قتل كعب بن الأشرف
ولمّا انتصر المسلمون ببدر، ورأى الأسرى مقرّنين في الحبال خرج إلى قريش يبكي قتلاهم، ويحرّضهم على حرب المسلمين، فقال ﵊: من لكعب بن الأشرف فإنه قد اذى الله ورسوله «٣»؟! فقال محمّد بن مسلمة «٤» الأنصاري الأوسي: أتحبّ أن أقتله؟ قال: نعم، قال: أنا لك به، وأذن لي أقول شيئا أتمكن به، فأذن له، ثم خرج ومعه أربعة من قومه حتى أتى كعبا فقال له: إن هذا الرجل يريد رسول الله قد سألنا صدقة وإنه قد عنانا «٥» وإني قد
_________________
(١) البغضاء.
(٢) أعاد كسره.
(٣) هذه رواية البخاري عن جابر. يعني من ينتدب لقتله.
(٤) ابن الحارثي أبو عبد الرحمن المدني، ولد قبل البعثة ب ٢٢ سنة وهو من سمي في الجاهلية محمدا ويكنى أبا عبد الله، وأسلم قديما على يدي مصعب بن عمير، واخى الرسول بينه وبين أبي عبيدة، وشهد المشاهد إلّا غزوة تبوك فإنه تخلف بإذن رسول الله ﷺ، وكان من فضلاء الصحابة، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة في بعض غزواته، وكان ممن اعتزل الفتنة، فلم يشهد الجمل ولا صفين، مات بالمدينة سنة ٤٣، وله سبع وسبعون سنة.
(٥) أتعبنا.
[ ١١٦ ]
أتيتك أستسلفك، قال: وأيضا والله لتملّنّه «١»، قال: إنا قد اتّبعناه فلا نحبّ أن ندعه حتى ننظر إلى أيّ شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين «٢»، قال: نعم ولكن ارهنوني. قالوا: أي شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم قالوا:
كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسبّ أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، ولكن نرهنك اللأمة- يعني السلاح- فرضي، فواعده ليلا أن يأتيه فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة «٣» أخو كعب من الرضاع وعبّاد بن بشر «٤» والحارث بن أوس «٥» وأبو عبس بن جبر- وكلهم أوسيون- فناداه محمّد بن مسلمة فأراد أن ينزل فقالت له امرأته: أين تخرج الساعة: وإنك امرؤ محارب؟ فقال: إنما هو ابن أخي محمّد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب. ثم قال محمّد لمن معه: إذا جاءني فإني اخذ بشعره فأشمّه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فاضربوه، فنزل إليهم كعب متوشّحا سيفه، وهو ينفح منه ريح المسك، فقال محمد: ما رأيت كاليوم، ريحا أطيب، أتأذن لي أن أشمّ رأسك؟ قال: نعم فشمّه، فلما استمكن منه قال: دونكم فاقتلوه ففعلوا «٦»، وأراح الله المسلمين من شرّ أعماله التي كان يقصدها بهم، ثم أتوا النبي فأخبروه، وكان قتل هذا الشقي في ربيع الأول من هذا العام، وكان ﵊ إذا رأى من رئيس غدرا ومقاصد سوء ومحبة لإثارة الحرب، أرسل له من يريحه من شرّه.
وقد فعل كذلك مع أبي عفك اليهودي وكان مثل كعب في الشرّ.
_________________
(١) لتضجرن منه.
(٢) الوسق: ستون صاعا أو حمل بعير.
(٣) اسمه سلطان الانصاري الأوسي الأشهلي أخو سلمة بن سلامة بن وقس، شهد أحدا وغيرها، وكان شاعرا ومن الرماة المذكورين.
(٤) شهد بدرا، واستشهد باليمامة وهو ابن ٤٥ سنة، وصح أن النبي ﷺ سمع صوت عباد بن بشر فقال: «اللهم ارحم عبادا» .
(٥) ابن عتاب بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعوراء بن جشم بن الحارث بن الخزرج وشهد بدرا والخندق.
(٦) رواه الشيخان قال السهيلي وذكر في الذين قتلوا كعبا أبا عبس به جبر، واسمه: عبد الرحمن، وذكر سلكان بن سلامه، واسمه سعد.
[ ١١٧ ]
غزوة غطفان «١»
بلغ رسول الله انّ بني ثعلبة ومحارب من غطفان تجمّعوا برياسة رئيس منهم اسمه دعثور «٢» يريدون الغارة على المدينة، فأراد ﵊ أن يغلّ أيديهم كيلا يتمكّنوا من هذا الاعتداء، فخرج إليهم من المدينة في أربعمائة وخمسين رجلا لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، وخلف على المدينة عثمان بن عفّان. ولمّا سمعوا بسير رسول الله هربوا إلى رؤوس الجبال، ولم يزل المسلمون سائرين حتى وصلوا ماء يسمى ذا أمر، فعكسروا به، وحدث أنه ﵊ نزع ثوبه يجفّفه من مطر بلّله وارتاح تحت شجرة والمسلمون متفرقون، فأبصره دعثور فأقبل إليه بسيفه حتى وقف على رأسه وقال: من يمنعك مني يا محمّد؟ فقال: الله. فأدركت الرجل هيبة ورعب أسقطا السيف من يده، فتناوله ﵊ وقال لدعثور: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد. فعفا عنه»
فأسلم الرجل ودعا قومه للإسلام، وحول الله قلبه من عداوة رسول الله وجمع الناس لحربه إلى محبته وجمع الناس له ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ «٤» وهذا ما ينتجه حسن المعاملة، والبعد عن الفظاظة وغلظ القلب فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ «٥» .
غزوة بحران «٦»
بلغه ﵊ أن جمعا من بين سليم يريدون الغارة على المدينة،
_________________
(١) قال ابن اسحاق: فلما رجع رسول الله ﷺ من غزوة السّويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها، ثم غزا نجدا يريد غطفان وهي ذي أمر (موضع من ديار غطفان. وقال ابن سعد: بناحية النخيل) فخرج إليهم من المدينة يوم الخميس.
(٢) أو غورث بن الحارث.
(٣) رواه الشيخان وقال البيهقي: وسيأتي في غزوة ذات الرقاع قصة تشبه هذه فلعلهما قصتان. قال ابن كثير: إن كانت هذه محفوظة فهي غيرها قطعا، لأن ذلك الرجل اسمه غورث بن الحارث أيضا لم يسلم بل استمرّ على دينه، ولم يكن عاهد النبي ﷺ ألا يقاتله والله أعلم.
(٤) سورة المائدة اية ٥٤.
(٥) سورة ال عمران اية ١٥٩.
(٦) هو مكان بالحجاز من ناحية الفرع (بضم الفاء والراء وفي المواهب بفتحهما) .
[ ١١٨ ]
فسار إليهم في ثلاثمائة من أصحابه لست خلون من جمادى الأولى، وخلف على المدينة ابن أم مكتوم ولما وصل بحران «١» تفرقوا ولم يلق كيدا فرجع.
سرية «٢»
لما تيقنت قريش أن طريق الشام من جهة المدينة أغلق في وجه تجارتهم، ولا يمكنهم الصبر عنها لأن بها حياتهم، أرسلوا عيرا إلى الشام من طريق العراق، وكان فيها جمع من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزى، فجاءت أخبارهم لرسول الله فأرسل لهم زيد بن حارثة في مائة راكب يترقبونهم، وكان ذلك في جمادى الاخرة فسارت السرية حتى لقيت وما فيها وهرب الرجال، وقد خمّس الرسول ﵊ هذه حينما وصلت له.
غزوة أحد «٣»
ولما أصاب قريشا ما أصابها ببدر، وأغلقت في وجوههم طرق التجارة، اجتمع من بقي من أشرافهم إلى أبي سفيان رئيس تلك العير التي جلبت عليهم المصائب- وكانت موقوفة بدار الندوة، ولم تكن سلّمت لأصحابها بعد- فقالوا:
إن محمّدا قد وترنا «٤» وقتل خيارنا، وإنا رضينا أن نترك ربح أموالنا فيها استعدادا لحرب محمّد وأصحابه، وقد رضي بذلك كلّ من له فيها نصيب، وكان ربحها نحوا من خمسين ألف دينار، فجمعوا لذلك الرجال، فاجتمع من قريش ثلاثة الاف رجل ومعهم الأحابيش وهم حلفاؤهم من بني المصطلق وبني الهون بن خزيمة ومعهم أبو عامر الراهب الأوسي، وكان قد فارق المدينة كراهية لرسول الله ﷺ، ومعه عدد ممّن هم على شاكلته، وخرج معهم جماعات من أعراب كنانة
_________________
(١) موضع بناحية الفرع وهذا موضع من أضخم أعراض المدينة- (المؤلف) (بحران: بضم الباء وفتحها) .
(٢) تسمى سرية زيد بن حارثة إلى القرده.
(٣) كانت هذه الغزوة في شوال سنة ثلاث. قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن اسحاق ومالك، وقال ابن اسحاق: للنصف من شوال، وقال قتادة: يوم السبت الحادي عشر منه. قال مالك: وكانت الواقعة في أول النهار وهي على المشهور. وسميت غزوة أحد لقربها من جبل أحد (سمي أحد لتواحده من بين تلك الجبال) وهو جبل العرب بقرب المدينة من جهة الشام.
(٤) الذي قتل له قتيل فلم يدرك دمه.
[ ١١٩ ]
وتهامة، وقال صفوان بن أمية لأبي عزّة الشاعر الذي لا ينسى القارىء أن الرسول منّ عليه ببدر، وأطلقه من غير فداء: إنك رجل شاعر، فأعنّا بلسانك، فقال: إني عاهدت محمّدا ألاأعين عليه، وأخاف أن وقعت في يده مرة ثانية ألّا أنجو، فلم يزل به صفوان حتى أطاعه، وذهب يستنفر الناس لحرب المسلمين، ودعا جبير بن مطعم غلاما حبشيا له اسمه وحشي، وكان راميا قلّما يخطىء. فقال له:
اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة بعمّي طعيمة فأنت حرّ. ثم خرج الجيش، ومعهم القيان والدفوف والمعازف والخمور، واصطحب الأشراف منهم نساءهم كيلا ينهزموا، ولم يزالوا سائرين حتى نزلوا مقابل المدينة بذي الحليفة.
أما رسول الله ﵊ فكان قد بلغه الخبر من كتاب بعث به إليه عمه العباس بن عبد المطلب الذي لم يخرج مع المشركين في هذه الحرب محتجّا بما أصابه يوم بدر. ولمّا وصلت الأخبار باقتراب المشركين، جمع ﵊ أصحابه وأخبرهم الخبر. وقال: إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن هم أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم، فكان مع رأيه شيوخ المهاجرين والأنصار، ورأى ذلك أيضا عبد الله بن أبي، أما الأحداث وخصوصا من لم يشهد بدرا منهم فأشاروا عليه بالخروج، وكان مع رأيهم حمزة بن عبد المطلب، وما زال هؤلاء بالرسول حتى تبع رأيهم، لأنهم الأكثرون عددا والأقوون جلدا، فصلى الجمعة بالناس في يومها لعشر خلون من شوال وحضّهم في خطبتها على الثبات والصبر وقال لهم: «لكم النصر ما صبرتم» ثم دخل حجرته ولبس عدّته فظاهر بين درعين «١»، وتقلّد السيف، وألقى الترس وراء ظهره. ولما رأى ذوو الرأي من الأنصار أنّ الأحداث استكرهوا الرسول على الخروج لاموهم، وقالوا ردوا الأمر لرسول الله، فما أمر ائتمرنا، فلمّا خرج ﵊ قالوا: يا رسول الله نتّبع رأيك فقال: ما كان لنبي لبس سلاحه أن يضعه حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، ثم عقد الألوية فأعطى لواء المهاجرين لمصعب بن عمير، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن الحضير، وخرج من المدينة بألف رجل. فلمّا وصلوا رأس الثنية نظر ﵊ إلى كتيبة كبيرة، فسأل عنها فقيل هؤلاء حلفاء عبد الله بن
_________________
(١) أي لبس درعا فوق درع وهما ذات الفضول وفضة التي أصابها من قينقاع (المؤلف) .
[ ١٢٠ ]
أبي من اليهود، فقال: إنا لا نستعين بكافر على مشرك، وأمر بردهم لأنه لا يأمن جانبهم من حيث لهم اليد الطولى في الخيانة. ثم استعرض الجيش فرد من استصغر «١» وكان فيمن ردّ رافع بن خديج «٢» وسمرة بن جندب «٣» ثم أجاز رافعا لما قيل له أنه رام فبكى سمرة، وقال لزوج أمه: أجاز رسول الله رافعا وردّني مع أني أصرعه، فبلغ رسول الله الخبر، فأمرهما بالمصارعة فكان الغالب سمرة فأجازه، ثم بات ﵊ محله ليلة السبت، واستعمل على حرس الجيش محمّد بن مسلمة، وعلى حرسه الخاص ذكوان بن عبد قيس «٤» . وفي السّحر سار الجيش حتى إذا كان بالشوط- وهو بستان بين أحد والمدينة- رجع عبد الله بن أبي بثلاثمائة من أصحابه وقال: عصاني وأطاع الولدان فعلام نقتل أنفسنا؟ فتبعهم عبد الله بن عمرو والد جابر، وقال: يا قوم أذكّركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم: قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ «٥» فقال لهم: أبعدكم الله فسيغني الله عنكم نبيّه. ولمّا فعل ذلك عبد الله بن أبي، همّت طائفتان من المؤمنين أن تفشلا: بنو حارثة من الخزرج، وبنو سلمة من الأوس، فيعصمهما الله وقد افترق المسلمون فرقتين فيما يفعلون بالمنخذلين، فقوم يقولون نقاتلهم، وقوم يقولون نتركهم، فأنزل الله في سورة النساء فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا «٦»، ثم سار الجيش حتى نزل الشعب من أحد «٧»، وجعل ظهره للجبل، ووجهه للمدينة، أما المشركون فنزلوا ببطن الوادي من قبل أحد، وكان على ميمنتهم خالد بن
_________________
(١) ورد أيضا ابن عمر وأسامه بن زيد وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وعمر بن حزم وسعد بن بجير وأسيد ابن ظهير وعرابة بن أوس بن قيظي وابن سعد بن خيثمة وأجازهم كلهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة سنة.
(٢) يكنى أبا عبد الله أبو خديج عرض على النبي ﷺ يوم بدر فاستصغره وأجازه يوم أحد فخرج بها وشهد ما بعدها، واستوطن المدينة إلى أن انتقضت جراحته في أول سنة ٧٤ فمات وهو ابن ٨٦ سنة.
(٣) يكنى أبا سليمان، وكان من حلفاء الأنصار، وكان يحفظ عن رسول الله ﷺ، ونزل سمرة البصرة ومات قبل سنة ستين.
(٤) يكنى أبا سبع شهد العقبة الأولى وشهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا وقتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق.
(٥) سورة ال عمران اية ١٦٧.
(٦) اية رقم ٨٨.
(٧) جبل شمالي المدينة الشرقي (المؤلف) .
[ ١٢١ ]
الوليد «١»، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل «٢» . وعلى المشاة صفوان بن أمية، فجعل ﵊ الزبير بن العوام بازاء خالد، وجعل اخرين أمام الباقين، واستحضر الرماة وكانوا خمسين رجلا يرأسهم عبد الله بن جبير «٣» الأنصاري فوقفهم خلف الجيش على ظهر الجبل وقال: «لا تبرحوا: إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تبرحوا «٤»» ثم عدّل ﵊ الصفوف، وخطب المسلمين، وكان فيما قال: «ألقى في قلبي الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شيء وأن أبطأ عنها فاتّقوا ربكم وأجملوا في طلب الرزق، لا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية الله. والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى له سائر جسده» ثم. ابتدأ القتال بالمبارزة، فخرج رجل «٥» من صفوف المشركين فبرز له الزبير فقتله، ثم حمل اللواء طلحة بن أبي طلحة فقتله عليّ، فحمل اللواء أخوه عثمان فقتله حمزة، فحمله أخ لهما اسمه أبو سعيد فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم قضى عليه، فتناوب اللواء بعده أربعة من أولاد طلحة بن أبي طلحة، وكلهم يقتلون، وخرج من صفوف المشركين عبد الرحمن بن أبي بكر «٦» يطلب البراز فأراد أبوه أن يبرز له، فقال ﵊: متعنا بنفسك يا أبا بكر، ثم
_________________
(١) سيف الله أبو سليمان، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكان إليه أعنة الخيل في الجاهلية، وشهد مع كفار قريش الحروب إلى عمرة الحديبية، ثم أسلم في سنة سبع بعد خيبر ثم شهد غزوة مؤته فلما استشهد عبد الله بن رواحة أخذ الراية فانحاز بالناس ونجى الجيش وشهد فتح مكة ثم شهد حنينا والطائف في هدم العزى، وأرسله أبو بكر إلى قتال أهل الردة، ثم ولاه حرب فارس والروم، فأثر فيهم تأثيرا شديدا، وفتح دمشق، ومات بمدينة حمص سنة ٢١.
(٢) كان كأبيه من أشد الناس على رسول الله ﷺ، ثم أسلم عام الفتح، وخرج إلى المدينة، ثم إلى قتال أهل الردة، ووجهه أبو بكر إلى جيش نعمان فظهر عليهم ثم إلى اليمن ثم رجع فخرج إلى الجهاد عام وفاته فاستشهد، وذكر الطبري أن النبي ﷺ استعمله على صدقات هوازن عام وفاته وأنه قتل بأجنادين.
(٣) كان أمير الرماة يومئذ، وقد شهد العقبة ثم شهد بدرا، وقتل يوم أحد شهيدا، وهو أخو خوات بن جبير بن النعمان لأبيه وأمه.
(٤) هذا له شاهد في الصحيحين.
(٥) يدعى طلحة بن أبي طلحة العبدري.
(٦) شهد بدرا أو أحدا وكان كافرا، ثم أسلم وحسن إسلامه، وصحب النبي ﷺ في هدنة الحديبية، وكان اسمه عبد الكعبة، فغير رسول الله ﷺ اسمه وسماه عبد الرحمن، وكان من أشجع رجال قريش وأرماهم بسهم، وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد فقتل سبعة من كبارهم، وشهد الجمل مع أخته عائشة، مات في مكّة في سنة ٥٣.
[ ١٢٢ ]
حملت خيّالة المشركين على المسلمين ثلاث مرّات وفي كلّها ينضحهم المسلمون بالنبل فيتقهقرون. ولما التقت الصفوف، وحميت الحرب ابتدأ نساء المشركين يضربن بالدفوف، وينشدن الأشعار تهييجا لعواطف الرجال، وكان ﵊ كلما سمع نشيد النساء يقول: «اللهم بك أحول وبك أصول وفيك أقاتل «١»، حسبي الله ونعم الوكيل» . وفي هذه المعمة قتل حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله سيّد الشهداء، غافله وحشي «٢» وهو يجول في الصفوف وضربه بحربة لم تخطىء ثنايا بطنه.
هذا، ولما قتل حملة اللواء من المشركين، ولم يقدر أحد على الدنو منه ولّوا الأدبار ونساؤهم يبكين ويولولن، وتبعهم المسلمون يجمعون الغنائم والأسلاب، فلمّا رأى ذلك الرماة الذين يحمون ظهور المسلمون فوق الجبل، قالوا: ما لنا في الوقوف من حاجة، ونسوا أمر السيد الحكيم ﷺ، فذكّرهم رئيسهم به فلم يلتفتوا وانطلقوا ينتهبون. أما رئيسهم فثبت وثبت معه قليل منهم، فلمّا رأى خالد بن الوليد أحد رؤساء المشركين خلوّ الجبل من الرماة انطلق ببعض الجيش، فقتل من ثبت من الرماة، وأتى المسلمين من ورائهم وهم مشتغلون بدنياهم، فلمّا رأوا ذلك البلاء دهشوا وتركوا ما بأيديهم، وانتقضت صفوفهم، واختلطوا من غير شعور، حتى صار يضرب بعضهم بعضا، ورفعت إحدى نساء المشركين «٣» . اللواء فاجتمعوا حوله، وكان من المشركين رجل يقال له ابن قمئة قتل مصعب بن عمير صاحب اللواء، وأشاع أن محمّدا قد قتل، فدخل الفشل في المسلمين حتى قال بعضهم: علام نقاتل إذا كان محمّد ﷺ قد قتل؟ فارجعوا إلى قومكم يؤمّنوكم، وقال جماعة: إذا كان محمّد قد قتل، فقاتلوا عن دينكم، وكان نتيجة هذا الفشل أن انهزم جماعة من المسلمين من بينهم الوليد بن عقبة، وخارجة
_________________
(١) رواه أبو داود- واللفظ له- والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي: حسن غريب بلفظ اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل
(٢) المشهور أن وحشيا هو الذي قتل حمزة لما روى ابن اسحاق عن عبد الله بن عمر وكذلك روى البخاري عن ابن عمرو بن أمية الضمري، ووحشي هو ابن حرب الحبشي من سودان مكة مولى لطعيمة بن عدي، ويقال مولى جبير بن مطعم بن عدي كذا قال ابن اسحاق، وكان يكنى أبا دسمة ثم أسلم بعد أخذ الطائف وشهد اليمامة، وقتل مسيلمة الكذاب بحربته التي قتل بها حمزة، ثم سكن حمص.
(٣) عمرة بنت علقمة.
[ ١٢٣ ]
ابن زيد، ورفاعة بن المعلى، وعثمان بن عفان، وتوجّهوا إلى المدينة، ولكنهم استحيوا أن يدخلوها فرجعوا بعد ثلاث، وثبت رسول الله ﷺ ومعه جماعة منهم:
أبو طلحة الأنصاري «١» استمرّ بين يديه يمنع عنه بجحفته «٢»، وكان راميا شديد الرمي. فنثر كنانته «٣» بين يدي رسول الله، وصار يقول: وجهي لوجهك فداء، وكل من كان يمر ومعه كنانة يقول له ﵊: انثرها لأبي طلحة، وكان ينظر إلى القوم ليرى ماذا يفعلون، فيقول له أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي، لا تنظر يصيبك سهم من سهام القوم! نحري دون نحرك.
وممن ثبت سعد بن أبي وقاص، فكان ﵊ يقول له: «إرم سعد! فداك أبي وأمي» . ومنهم سهل بن حنيف «٤» وكان من مشاهير الرماة نضح عن رسول الله بالنبل حتى انفرج عنه الناس. ومنهم أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري «٥» تترّس على رسول الله ﷺ، فصار النبل يقع على ظهره وهو منحن حتى كثر فيه. وكان يقاتل عن الرسول ﷺ زيادة بن السكن «٦» حتى أصابت الجراح مقاتله، فأمر به فأدني منه ووسده قدمه حتى مات. وقد أصابه ﵊ شدائد عظيمة تحمّلها بما أعطاه الله من الثبات، فقد أقبل أبي بن خلف يريد قتله، فأخذ ﵊ الحربة ممّن كانوا معه، وقال: خلّوا طريقه، فلمّا قرب منه ضربه ضربة كانت سبب هلاكه وهو راجع، ولم يقتل رسول الله غيره لا في هذه الغزوة ولا في غيرها. وكان أبو عامر الراهب قد حفر حفرا وغطاها ليقع فيها المسلمون، فوقع الرسول ﷺ في حفرة منها، فأغمي عليه، وخدشت ركبتاه، فأخذ عليّ بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله وهما ممن ثبت حتى
_________________
(١) مشهور بكنية، كان من فضلاء الصحابة وهو زوج أم سليم وقد شهد بدرا. مات سنة ٣٤ هـ وصلّى عليه عثمان.
(٢) الترس من الجلد.
(٣) هي التي تجعل فيها السهام.
(٤) يكنى أبا سعد وأبا عبد الله من أهل بدر، وكان من السابقين، وشهد بدرا، وثبت يوم أحد حين انكشف الناس وبايع يومئذ على الموت، وكان ينفح عن رسول الله ﷺ بالنبل فيقول: نبلوا سهلا فإنه سهل، وشهد أيضا الخندق والمشاهد كلها، واستخلفه علي على البصرة بعد الجمل، ثم شهد معه صفين ومات سنة ٣٨ هـ.
(٥) أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج متفق على شهوده بدرا، قال علي: إنه استشهد باليمامة، وهو من اشترك في قتل مسيلمة الكذاب مع عبد الله بن زيد بن عاصم ووحشي بن حرب، وكان رسول الله ﷺ قد اخى بينه وبين عتبة بن غزوان.
(٦) الأصل: زيادة بن الحارث وهو خطأ.
[ ١٢٤ ]
استوى قائما، فرماه عتبه بن أبي وقاص بحجر كسر رباعيته فتبعه حاطب بن أبي بلتعه «١» فقتله، وشجّ وجهه ﵊ عبد الله بن شهاب الزهري، وجرحت وجنتاه بسبب دخول حلقتي المغفر فيهما من ضربة ضربه بها ابن قمئة غضب الله عليه، فجاء أبو عبيدة وعالج الحلقتين حتى نزعهما، فكسرت في ذلك ثنيتاه، وقال حينئذ ﵊: كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم؟
فأنزل الله في سورة ال عمران لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ»
وكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد هذه الدهشة كعب بن مالك الأنصاري «٣» فنادى: يا معشر المسلمين أبشروا، فأشار إليه الرسول أن اصمت.
ثم سار بين سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة يريد الشّعب ومعه جمع منهم: أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير والحارث بن الصمّة، وأقبل عليه إذ ذاك عثمان بن عبد المغيرة يقول: أين محمد لا نجوت إن نجا، فعثر به فرسه، ووقع في حفرة فمشى إليه الحارث بن الصمّة وقتله. ولما وصل الشّعب جاءت فاطمة فغسلت عنه الدم، وكان علي يسكب الماء، ثم أخذت قطعة من حصير فأحرقتها ووضعتها على الجرح فاستمسك الدّم. ثم أراد ﵊ أن يعلو الصخرة التي في الشّعب فلم يمكنه القيام لكثرة ما نزل من دمه، فحمله طلحة بن عبيد الله حتى أصعده، فنظر إلى جماعة من المشركين على ظهر الجبل فقال: لا ينبغي لهم أن يعلونا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، ثم أرسل إليهم عمر بن الخطاب في جماعة فأنزلوهم.
وقد أصاب المسلمين الذين كانوا يحوطون رسول الله كثير من الجراحات لأنّ الشخص منهم كان يتلقى السهم خوفا أن يصل للرسول ﷺ فوجد بطلحة نيف وسبعون جراحة، وشلّت يده، وأصاب كعب بن مالك سبع عشرة جراحة. أما القتلى فكانوا نيّفا وسبعين، منهم ستة من المهاجرين، والباقون من الأنصار.
_________________
(١) حليف بني أسد بن عبد العزى، اتفقوا على شهوده بدرا، بعثه رسول الله رسولا إلى المقوقس، وقال المرزباني: كان أحد فرسان قريش في الجاهلية وشعرائها، مات في سنة ٣٠.
(٢) اية ١٢٨.
(٣) أبو عبد الله الأنصاري السلمي ولم يكن لمالك ولد غير كعب الشاعر المشهور، شهد العقبة وبايع بها، وتخلف عن بدر وشهد أحدا وما بعدها، وتخلف في تبوك، قال ابن حبان: مات أيام قتل علي بن أبي طالب.
[ ١٢٥ ]
ومن المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، ومن الأنصار حنظلة بن أبي عامر «١» وعمرو بن الجموح، وابنه خلّاد بن عمرو وأخو زوجه والد جابر بن عبد الله، فأتت زوج عمرو هند بنت حرام وحملتهم زوجها وابنها وأخاها على بعير لتدفنهم بالمدينة، فنهى ﵊ عن الدفن خارج أحد فرجعوا وقتل سعد بن الربيع، وأرسل ﵊ من يأتيه بخبره فوجده بين القتلى وبه رمق، فقيل له إن رسول الله يسأل عنك، فقال لمبلغه: قل لقومي:
يقول لكم سعد بن الربيع: الله الله وما عاهدتم عليه رسوله ليلة العقبة، فو الله مالكم عندي عذر، وقتل أنس بن النضر «٢» عم أنس بن مالك، فإنه لما سمع بقتل رسول الله قال: يا قوم ما تصنعون بالبقاء بعده؟ موتوا على ما مات عليه إخوانكم، فلم يزل يقاتل حتى قتل ﵁.
ومثّلت قريش بقتلى أحد حتى إن هندا زوج أبي سفيان «٣» بقرت بطن حمزة، وأخذت كبده لتأكلها، فلاكتها ثم أرسلتها، وفعلوا قريبا من ذلك بإخوانه الشهداء، ثم إن أبا سفيان صعد الجبل، ونادى بأعلى صوته: أنعمت فعال، إنّ الحرب سجال يوم بيوم بدر، وموعدكم بدر العام المقبل، ثم قال: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة لم امر بها ولم تسؤني «٤» . ثم إن المشركين رجعوا إلى مكّة، ولم يعرجوا على المدينة، وهذا مما يدل على أن المسلمين لم ينهزموا في ذلك اليوم، وإلّا لم يكن بدّ من تعقب المشركين لهم حتى يغيروا على مدينتهم. ثم تفقّد ﵊ القتلى وحزن على عمه حمزة حزنا شديدا، ودفن الشهداء كلّهم بأحد، كل شهيد بثوبه الذي قتل فيه، وكان يدفن الرجلين والثلاثة في لحد واحد
_________________
(١) المعروف بغسيل الملائكة لأنه استشهد بأحد وهو جنب فغسلته الملائكة ولم يرو حديث تغسيل الملائكة لحنظلة سوى ابن اسحاق في مغازيه وقد أخرجه الحاكم في المستدرك وفي إسناده معلى ابن عبد الرحمن وهو متروك والطبراني، وفي اسناده حجاج وهو مدلس، والبيهقي وفي اسناده أبو شيبة الواسطي وهو ضعيف جدا، والسرقطي في غريبيه من طريق الزهري مرسلا
(٢) عم أنس بن مالك خادم النبي ﷺ غاب عن بدر وشهد أحدا فقاتل فيها قتالا شديدا واستشهد فمثل به وقطع قطعا صغيرة حتى أنه لم يعرفه أحد إلّا أخته من بنانه.
(٣) أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها، وكانت امرأة لها نفس وأنفة، شهدت أحدا كافرة مع زوجها، ثم ختم لها بالإسلام فأسلمت يوم الفتح، وتوفيت في خلافة عمر بن الخطاب في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق ﵁.
(٤) رواية ابن اسحاق بإيجاز وابن أبي حاتم والحاكم في مستدركه والبيهقي في الدلائل، وهذا حديث غريب، وهو من مرسلات ابن عباس، وله شواهد من وجوه كثيرة.
[ ١٢٦ ]
لما كان عليه المسلمون من التعب، فكان يشقّ عليهم أن يحفروا لكل شهيد حفرة.
ولما رجع المسلمون إلى المدينة سخر منهم اليهود والمنافقون، وأظهروا ما في قلوبهم من البغضاء، وقالوا لإخوانهم: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا «١» .
وهذا الذي ابتلي به المسلمون درس مهمّ لهم يذكرهم بأمرين عظيمين تركهما المسلمون فأصيبوا:
أولهما: طاعة الرسول ﷺ في أمره، فقد قال للرماة: لا تبرحوا مكانكم إن نحن نصرنا أو قهرنا، فعصوا أمره ونزلوا.
الثاني: أن تكون الأعمال كلها لله غير منظور فيها لهذه الدنيا التي كثيرا ما تكون سببا في مصائب عظيمة، وهؤلاء أرادوا عرض الدّنيا، والتهوا بالغنائم حتى عوقبوا، وفي ذلك أنزل الله في سورة ال عمران التي فصّلت غزوة أحد وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ «٢» فسبب هذا الابتلاء؛ التنازع فينبغي الاتفاق، والفشل فينبغي الثبات، والعصيان فينبغي طاعة الرئيس. نسأل الله التوفيق.
غزوة حمراء الأسد
لمّا رجع ﵊ إلى المدينة أصبح حذرا من رجوع المشركين إلى المدينة ليتمّموا انتصارهم، فنادى في أصحابه بالخروج خلف العدو، وأن لا يخرج إلّا من كان معه بالأمس، فاستجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح «٣»، فضمّدوا جراحاتهم، وخرجوا واللواء معقود لم يحلّ، فأعطاه عليّ بن أبي طالب، وولّى على المدينة ابن أم مكتوم، ثم سار الجيش حتى وصلوا حمراء
_________________
(١) سورة ال عمران اية ١٥٦.
(٢) اية ١٥٢.
(٣) الجرح.
[ ١٢٧ ]
الأسد «١»، وقد كان ما ظنّه الرسول ﷺ حقّا. فإن المشركين تلاوموا على ترك المسلمين من غير شنّ الغارة على المدينة حتى يتمّ لهم النصر، فأصرّوا على الرجوع، ولكن لمّا بلغهم خروج الرسول في أثرهم ظنوا أنه قد حضر معه من لم يحضر بالأمس، وألقى الله الرعب في قلوبهم، فتمادوا في سيرهم إلى مكّة، وظفر ﵊ وهم في حمراء الأسد بأبي عزة الشاعر الذي منّ عليه ببدر بعد أن تعهّد ألا يكون على المسلمين فأمر بقتله، فقال: يا محمد أقلني، وامنن عليّ، ودعني لبناتي، وأعطيك عهدا ألّا أعود لمثل ما فعلت، فقال ﵊: «لا والله لا تمسح عارضيك بمكّة تقول: خدعت محمّدا مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين «٢»»، اضرب عنقه يا زيد «٣»، فضرب عنقه، وفي هذا تأديب عظيم من صاحب الشرع الشريف، فإن الرجل الذي لا يحترز مما أصيب منه ليس بعاقل، فلا بدّ من الحزم لإقامة دعائم الملك.
حوادث
وفي هذه السنة زوّج ﵊ بنته أم كلثوم لعثمان بن عفّان بعد أن ماتت رقية عنده، ولذلك كان يسمّى ذا النورين وفيها تزوّج ﵊ حفصة بنت عمر بن الخطاب، وأمها أخت عثمان بن مظعون، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي «٤» ﵁، فتوفّي عنها بجراحة أصابته ببدر، وفيها تزوج ﵊ زينب بنت خزيمة «٥» الهلالية من بني هلال ابن عامر، كانت تدعى في الجاهلية أم المساكين لرأفتها وإحسانها إليهم، وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش، فقتل عنها بأحد وهي أخت ميمونة بنت الحارث
_________________
(١) موضع على ثمانية أميال من المدينة بطريق مكة (المؤلف) .
(٢) رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجة والعسكري كلهم عن أبي هريرة مرفوعا وليس عند الاخرين لفظ واحد.
(٣) روى ابن هشام: أنه الزبير وقال ابن هشام: وبلغني عن ابن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ (الحديث) اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت فضرب عنقه.
(٤) كان من السابقين، وهاجر إلى الحبشة ثم رجع فهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، وأصابته جراحة يوم بدر فمات منها.
(٥) أم المؤمنين، وكان دخوله ﷺ بها بعد دخوله على حفصة بنت عمر، ثم لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة وماتت.
[ ١٢٨ ]
لأمها، وفيها ولد الحسن بن علي «١» ﵄.
وفيها حرّمت الخمر، وكان تحريمها بالتدريج لما عليه العرب من المحبة الشديدة لها، فيصعب إذا تحريمها دفعة واحدة، وكان ذلك التحريم تابعا لحوادث تنفّر عنها لأن المنكر إذا أسند تحريمه لحادثة أقرّ الجميع على تقبيحها، كان ذلك أشدّ تأثيرا في النفس. فأول ما بين فيها قوله تعالى في سورة البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ «٢» فمنفعة الميسر التصدق بربحه على الفقراء كما كانت عادة العرب، ومنفعة الخمر تقوية الجسم «٣»، ولما شربها بعض المسلمين وخلط في القراءة حرّمت الصلاة على السكران، فقال تعالى في سورة النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ «٤»، ولما حدث من شربها اعتداء بعض المسلمين على إخوانهم حرّمت قطعيا بقوله تعالى في سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ «٥» وَالْأَزْلامُ «٦» رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٧» وقد أجاب المسلمون على ذلك بقولهم: انتهينا، فليجب المسلمون الان.
_________________
(١) سبط رسول الله ﷺ وريحانته وابن فاطمة، كان شبيها بالنبي ﷺ وعق عنه يوم سابعه، وحلق شعره، وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضه، وكناه أبا محمد كان عاقلا حليما كريما فصيحا، من أحسن الناس منطقا وبديهة، حج عشرين حجة ماشيا، تنازل عن الخلافة لمعاوية عام ٤١ هـ وانصرف إلى المدينة حيث أقام إلى أن توفي مسموما سنة تسع وأربعين هجرية.
(٢) اية ٢١٩.
(٣) الخمر لا تقوي الجسم بل تضعفه بإجماع الأطباء مؤمنهم وكافرهم- راجع رسالة أضرار الخمر للدكتور نبيل الطويل.
(٤) اية ٤٣.
(٥) هي حجارة تصب عليها دماء الذبح وتعبد. (المؤلف) .
(٦) هي القداح التي كانوا يستقسمون بها؛ وفي قرن الخمر والميسر بالأنصاب والازلام نهاية التنفير، ولذلك قال ﵊: شارب الخمر كعابد الوثن. (المؤلف) .
(٧) سورة المائدة الاية ٩٠- ٩١.
[ ١٢٩ ]