سرية «١»
وفي صفر أرسل ﵊ غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوّح وهم قوم من العرب يسكنون بالكديد «٢» فسار القوم حتى إذا كانوا بقديد «٣» التقوا بالحارث بن مالك الليثي «٤» المعروف بابن البرصاء، وكان خصما لدودا فأسروه، فقال لهم: ما جئت إلّا للإسلام، فقالوا له إن تكن مسلما لن يضرك رباط ليلة وإلّا استوثقنا منك، ثم ساروا حتى وصلوا محلة بني الملوّح فاستاقوا النعم والشاء، وخرج الصريخ إلى القوم فجاءهم ما لا قبل لهم به ولكن منّ الله على المسلمين، فأرسل سيلا شديدا حال بينهم وبين عدوهم حتى صار المشركون يرون نعمهم تساق وهم لا يقدرون على ردّها.
سرية «٥»
ولمّا رجع غالب إلى المدينة ظافرا أرسله ﵊ في مائتي رجل ليقتصّ من بني مرّة بفدك وهم الذين أصابوا سرية بشير بن سعد، فساروا حتى إذا كانوا قريبا من القوم خطب غالب فيمن معه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله واحده لا شريك له وأن تطيعوني ولا تخالفوا لي أمرا فإنه لا رأي لمن لا يطاع» ثم اخى بين الجند فقال: يا فلان أنت
_________________
(١) هي سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح.
(٢) ماء بين الحرمين شرفهما الله تعالى.
(٣) قديد: قرب التنعيم.
(٤) سكن مكة ثم المدينة وقد بقي إلى خلافة معاوية. وله حديث واحد وهو قوله سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الفتح «لا تغزى مكة بعد اليوم إلى يوم القيامة» .
(٥) هي سرية غالب إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك.
[ ١٨٩ ]
وفلان، ويا فلان أنت وفلان لا يفارق أحد منكم زميله، وإياكم أن يرجع الرجل منكم فأقول له: أين صاحبك؟ فيقول لا أدري، فإذا كبّرت فكبّروا، فلمّا أحاطوا بالعدو، وكبّر كبّروا، وجرّدوا السيوف، فلم يفلت من عدوهم أحد واستاقوا نعمهم، فكان لكل واحد من الغزاة عشرة أبعرة.
سرية «١»
وفي ربيع الأول أرسل ﵊ كعب بن عمير الغفاري «٢» إلى ذات أطلاح «٣» من أرض الشام في خمسة عشر رجلا، فوجدوا جمعا كثيرا فدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا وقاتلوا، وكانوا أكثر عددا، فاستشهد المسلمون عن اخرهم إلّا رئيسهم كعب بن عمير فإنه نجا، وأتى بالخبر إلى رسول الله فشقّ عليه، وأراد أن يبعث إليهم من يقتصّ منهم، فبلغه أنهم تحولوا من منزلهم فعدل عن ذلك.
غزوة مؤتة
جهّز ﵊ في جمادى الأولى جيشا للقصاص ممّن قتلوا الحارث بن عمير الأزدي رسوله إلى أمير بصرى، وأمّر عليهم زيد بن حارثة، وقال لهم: إن أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة.
وكان عدة الجيش ثلاثة الاف، فساروا وشيعهم «٤» ﵊، وكان فيما وصاهم به: «اغزوا باسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيها رجالا في الصوامع معتزلين فلا تتعرضوا لهم، ولا تقتلوا امرأة ولا صغيرا ولا بصيرا فانيا، ولا تقطعوا شجرا ولا تهدموا بناء» ولم يزالوا سائرين حتى
_________________
(١) سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات اطلاح.
(٢) كان من كبار الصحابة أمره النبي ﷺ على سرية فقتل. ذكره موسى بن عقبة عن ابن شهاب وأبو الأسود عن عروة قالا: بعث رسول الله ﷺ كعب بن عمير الغفاري نحو ذات اطلاع من البلقاء، فأصيب كعب ومن معه. كذا قال وقد ساق شيخه الواقدي القصة ولكن فيها: فتحامله رجل جريح في القتل لما برد الليل فنجا ذكره ابن اسحاق وأن كعب بن عمير قتل يومئذ.
(٣) موضع قرب وادي القرى.
(٤) ودعهم.
[ ١٩٠ ]
وصلوا مؤتة «١» مقتل الحارث بن عمير، وهناك وجدوا الروم قد جمعوا لهم جمعا عظيما «٢» منهم ومن العرب المتنصرة. فتفاوض رجال الجيش فيما يفعلونه:
أيرسلون لرسول الله يطلبون منه مددا أم يقدمون على الحرب؟؟ فقال عبد الله بن رواحة: يا قوم والله إن الذي تكرهون هو ما خرجتم له، خرجتم تطلبون الشهادة، ونحن ما نقاتل بعدد ولا بقوة ولا بكثرة ما نقاتل إلّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فإنما هي إحدى الحسنيين إما الظهور وإما الشهادة، فقال الناس: صدق والله ابن رواحة. ومضوا للقتال، فلقوا هذه الجموع المتكاثرة، فقاتل زيد بن حارثة ﵁ حتى استشهد، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب وهو يقول:
يا حبّذا الجنّة واقترابها طيّبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذ لاقيتها ضرابها
ولم يزل يقاتل حتى استشهد ﵁ «٣»، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فتقدم ثم تردد بعض التردّد، فقال يخاطب نفسه:
أقسمت يا نفس لتنزلنّه طائعة أو لتكرهنّه
إن أجلب الناس وشدّوا الرّنّة مالي أراك تكرهين الجنّة
قد طالما قد كنت مطمئنّة هل أنت إلّا نطفة في شنّه؟ «٤»
ثم اقتحم بفرسه المعمعة، ولم يزل يقاتل ﵁ حتى استشهد، فهم بعض المسلمين بالرجوع إلى الوراء، فقال لهم عقبة بن عامر «٥»: يا قوم يقتل
_________________
(١) قرية قريبة من الكرك وهي مشارف الشام. (المؤلف) . وهي على مرحلتين من بيت المقدس جنوب شرقي البحر الميت وتسمى أيضا غزوة جيش الأمراء وقد سمى البخاري هذه السرية غزوة إن لم يخرج فيها النبي ﷺ لكثرة جيش المسلمين فيها.
(٢) مائة ألف من الروم وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبليّ مائة ألف منهم وعليهم رجل من بليّ يقال له مالك بن زافلة.
(٣) الأصح أن جعفر مات وقد استوفى أربعين سنة وزاد عليها، وجزم ابن عبد البر أن سنه كان إحدى وأربعين سنة. وفي رواية للبخاري أنهم وجدوا بجسمه بضعا وتسعين من طعنة برمح ورمية بسهم، وكان ابن عمر ﵄: إذا سلم على ابن جعفر يقول: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين، رواه البخاري لأنه أخذ بيده راية الإسلام فقطعت يداه فعوضه الله منهما جناحان يطير بهما في الجنة.
(٤) إن أجلب الناس: صاموا واجتمعوا والرنة صوت ترجيع شبه البكاء. النطفة: الماء القليل الصافي. الشنه: السقاء البالي.
(٥) شهد بدرا بعد شهود العقبة الأولى، ثم شهد أحدا، وشهد الخندق، وسائر المشاهد، وقتل يوم اليمامة شهيدا.
[ ١٩١ ]
الإنسان مقبلا خير من أن يقتل مدبرا، فتراجعوا واتفقوا على تأمير الشهم الباسل خالد بن الوليد، وبهمّته ومهارته الحربية حمى هذا الجيش من الضياع إذ ما تفعل ثلاثة الاف بمائة وخمسين ألفا، فإنه لما أخذ الراية قاتل يومه قتالا شديدا. وفي غده خالف ترتيب العسكر. فجعل الساقة مقدمة، والمقدمة ساقة، والميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، فظن الروم أن المدد جاء للمسلمين فرعبوا. ثم أخذ خالد الجيش وصار يرجع إلى الوراء حتى انحاز إلى مؤتة، ثم مكث يناوش الأعداء سبعة أيام، ثم تحاجز الفريقان لأن الكفّار ظنوا أن الأمداد تتوالى للمسلمين، وخافوا أن يجروهم إلى وسط الصحارى حيث لا يمكنهم التخلّص، وبذلك انقطع القتال. «وقد نعى النبي ﷺ زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وكانت عينا رسول الله تذرفان «١»، ثم قال: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم»، وجاءه رجل فقال: يا رسول الله إن نساء جعفر يبكين، فأمره أن ينهاهنّ، فذهب الرجل ثم أتى فقال: قد نهيتهن فلم يطعن! فأمره فذهب ثانيا ثم جاء فقال: والله لقد غلبننا، فقال له ﵊: «أحث في أفواههنّ التراب»، ولما أقبل الجيش إلى المدينة، قابلهم المسلمون يقولون لهم: يا فرّار «٢»، فقال ﵊ بل هم الكرّار! ظن المقيمون بالمدينة أن انحياز خالد بالجيش هزيمة، ولكن رسول الله ﷺ أراهم أن ذلك من مكايد الحرب وأثنى على خالد مهارته.
سرية «٣»
وفي جمادى الاخرة بلغه ﵊ أن جمعا من قضاعة يتجمعون في ديارهم وراء وادي القرى ليغيروا على المدينة، فأرسل لهم عمرو بن العاص
_________________
(١) رواه البخاري تذرفان: تبكيان.
(٢) عند الحاكم أن خالد قاتلهم. فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأصاب غنيمة، وفي صحيح البخاري عن خالد لقد انقطعت في يدي يوم مؤته تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلّا صفيحة يمانية. كل هذا يدل على أن خالدا قاتل بالمسلمين الروم قتالا شديدا. ورواية الصحيح: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم، وهذا يؤكّد النصر؛ هذا الحديث والذي قبله أخرجهما البخاري.
(٣) هي سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل.
[ ١٩٢ ]
في ثلاثمائة رجل من سراة «١» المهاجرين، ثم أمده بأبي عبيدة بن الجراح في مائتي من المهاجرين فيهم أبو بكر وعمر، فلحقوا عمرا قبل أن يصل إلى القوم، وقد أراد رجال من الجيش إيقاد نار فمنعهم عمرو، فأنكر عليه عمر بن الخطاب، فقال أبو بكر: إنما بعثه رسول الله علينا رئيسا لمعرفته بالحرب أكثر منا فلا تعصه، فامتثل، ولما حلوا بساحة القوم حملوا عليهم فلم يكن أكثر من ساعة حتى تفرّق الأعداء منهزمين، فجمعوا غنائمهم وأرادوا اتباع أثرهم فمنعهم قائدهم، ثم رجعوا إلى المدينة ظافرين، وبينما هم في الطريق أدركت عمرو بن العاص جنابة في ليلة باردة فلمّا أصبح قال: إن أنا اغتسلت هلكت والله يقول وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ «٢» ثم تيمم وصلّى، ثم أمر بالسير حتى إذا وصلوا إلى المدينة قام رسول الله ﵊ يسأل عن أنباء سفرهم كما هي عادته، فأخبروه بما نقموه من عمرو بن العاص من نهيهم عن إيقاد النار ونهيهم عن اتّباع العدو وصلاته جنبا، فسأله ﵊ عن ذلك فقال: منعتهم من إيقاد النار لئلا يرى العدو قلتهم فيطمع فيهم، ونهيتهم عن اتّباع العدو لئلا يكون له كمين، وصليت جنبا لأن الله يقول: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وإن أنا اغتسلت هلكت، فتبسم ﵊ وأثنى على عمرو خيرا.
سرية «٣»
وفي رجب أرسل ﵊ أبا عبيدة عامر بن الجرّاح في ثلاثمائة فارس لغزو قبيلة جهينه التي تسكن ساحل البحر «٤»، وزوّد ﵊ هذا الجيش جرابا من التمر، فساروا حتى إذا وصلوا الساحل أقاموا فيه نحو نصف شهر ينتظرون العدو، وقد فني زادهم حتى أكلوا الخبط- وهو ورق السّمر يبلونه بالماء ويأكلونه إلى أن تقرّحت أشداقهم «٥»، وكان في القوم الكريم ابن
_________________
(١) جمع سرى وهو النفيس الشريف، ضبطها ابن الأثير في النهاية، والجمع سراة بالفتح على غير قياس، وقد تضم السين، وضبطها صاحب القاموس بفتح السين سميت باسم ماء بأرض جذام يقال له السلسل.
(٢) سورة البقرة اية ١٩٥.
(٣) هي سرية الخبط وسماها البخاري غزوة سيف البحر.
(٤) كما في البخاري ومسلم.
(٥) جمع ومفرده الشدق وهو جانب الفم.
[ ١٩٣ ]
الكريم قيس بن سعد بن عبادة «١» فنحر لهم ثلاث جزر في كل يوم جزور. وفي اليوم الرابع أراد أن ينحر فنهاه رئيسه أبو عبيدة لأن قيسا كان أخذ تلك الجزر بدين على أبيه، فخاف أبو عبيدة ألّا يفي له أبوه بما استدان، فقال قيس: أترى سعدا يقضي ديون الناس، ويطعم في المجاعة، ولا يقضي دينا استدنته لقوم مجاهدين في سبيل الله؟! ولما يئسوا من لقاء عدوهم رجعوا إلى المدينة، فقال قيس بن سعد لأبيه: كنت في الجيش فجاعوا، قال انحر، قال نحرت، قال: ثم:
جاعو قال: انحر، قال: نحرت، قال: ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نحرت قال: ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نهيت.
غزوة الفتح الأعظم
إذا أراد الله أمرا هيّأ أسبابه، وأزال موانعه، فقد كان ﵊ يعلم أنه لا تذلّ العرب حتى تذل قريش، ولا تنقاد البلاد حتى تنقاد مكّة، فكان يتشوف لفتحها، ولكن كان يمنعه من ذلك العهود التي أعطاها قريشا في الحديبية، وهو سيد من وفّى. ولكن إذا أراد الله أمرا هيّأ أسبابه، فقد علمت أن قبيلة خزاعة دخلت في عهد رسول الله، وقبيلة بني بكر دخلت في عهد قريش، وكان بين خزاعة وبني بكر دماء في الجاهلية كمنت «٢» نارها بظهور الإسلام، فلمّا حصلت الهدنة، وقف رجل من بني بكر «٣» يتغنّى بهجاء الرسول ﷺ على مسمع من رجل خزاعي، فقام هذا وضربه فحرّك ذلك كامن الأحقاد، وتذكّر بنو بكر ثأرهم فشدّوا العزيمة لحرب خصومهم، واستعانوا بأوليائهم من قريش، فأعانوهم سرا بالعدّة والرجال، ثم توجّهوا إلى خزاعة وهم امنون، فقتلوا منهم ما يربو على العشرين، ولما رأى ذلك حلفاء السيد الأمين أرسلوا منهم وفدا برياسة عمرو بن سالم الخزاعي «٤» ليخبر
_________________
(١) ابن دليم الأنصاري الخزرجي (تقدم نسبه في ترجمة والده) . كان قيس ضخما حسنا طويلا سخيا كريما داهية حامل راية الأنصار مع رسول الله ﷺ، وكان من ذوي الرأي من الناس، شهد فتح مصر، وكان من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، وقد خدم النبي ﷺ عشر سنين، وكان شريف قومه غير مدافع، وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد، وصحب قيس عليا وشهد معه مشاهده ثم كان مع الحسين بن علي حتى صالح معاوية، فرجع قيس إلى المدينة وأقام بها، مات في اخر خلافة معاوية بالمدينة.
(٢) اختفت.
(٣) هو نوفل بن معاوية الديلي.
(٤) هو عمرو بن سالم بن كلثوم الخزاعي وكان أحد من يحمل ألوية خزاعة يوم الفتح.
[ ١٩٤ ]
رسول الله بما فعل بهم بنو بكر وقريش، فلمّا حلّوا بين يديه، وأخبروه قال: والله لأمنعنكم مما أمنع نفسي منه، أما قريش فإنهم لما رأوا أن ما عملوه نقض للعهود التي أخذت عليهم ندموا على ما فعلوا، وأرادوا مداواة هذا الجرح، فأرسلوا قائدهم أبا سفيان بن حرب إلى المدينة ليشدّ العقد «١» ويزيد في المدة، فركب راحلته- وهو يظن أنه لم يسبقه أحد، حتى إذا جاء المدينة، نزل على أمّ المؤمنين أم حبيبة بنته، وقد أراد أن يجلس على فراش رسول الله فطوته عنه، فقال يا بنيّة:
أرغبت به عني أم رغبت بي عنه؟ فقالت: ما كان لك أن تجلس على فراش رسول الله وأنت مشرك نجس، فقال: لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج من عندها، وأتى النبي في المسجد، وعرض عليه ما جاء له فقال له ﵊: هل كان من حدث؟ قال: لا، فقال ﵊: فنحن على مدتنا وصلحنا، ولم يزد عن ذلك. فقام أبو سفيان ومشى إلى أكابر المهاجرين من قريش لعلّهم يساعدونه على مقصده، فلم يجد منهم معينا وكلهم قالوا: جوارنا في جوار رسول الله فرجع إلى قومه ولم يصنع شيئا، فاتهموه بأنه خانهم واتّبع الإسلام، فتنسّك عند الأوثان لينفي عن نفسه هذه التهمة.
أما رسول الله ﷺ فتجهّز للسفر، وأمر أصحابه بذلك، وأخبر الصدّيق بالوجهة فقال له: يا رسول الله أوليس بينك وبين قريش عهد؟ قال: نعم ولكن غدروا ونقضوا. ثم استنفر ﵊ الأعراب الذين حول المدينة، وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليحضر رمضان بالمدينة»، فقدم جمع من قبائل أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهنية، وطوى ﵊ الأخبار عن الجيش كيلا يشيع الأمر، فتعلّم قريش فتستعد للحرب، والرسول ﵊ لا يريد أن يقيم حربا بمكّة بل يريد انقياد أهلها مع عدم المساس بحرمتها، فدعا مولاه جلّ ذكره وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها «٢» في بلادها» فقام حاطب بن أبي بلتعة أحد الذين شهدوا بدرا، وكتب كتابا لقريش يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، وأرسله مع جارية لتوصله إلى قريش على جعل، فأعلم الله رسوله ذلك، فأرسل في أثرها عليا والزبير والمقداد وقال:
_________________
(١) أي ليجدد العهد.
(٢) أي نفاجئها.
[ ١٩٥ ]
انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ «١»، فإن بها ظعينة «٢» معها كتاب فخذوه منها، فانطلقوا حتى أتوا الروضة، فوجدوا بها المرأة، فقالوا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب! فقالوا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب، فأخرجته من عقاصها «٣»، فأتوا به رسول الله فقال ﵊: يا حاطب ما هذا؟
قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ، إني كنت حليفا لقريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتّخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضاء بالكفر بعد الإسلام، فقال ﵊: أما أنه قد صدقكم، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدرا وما يدر بك لعلّ الله اطّلع على من شهد بدرا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم «٤»، وفي ذلك أنزل الله سورة الممتحنة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ «٥» ثم سار ﵊ بهذا الجيش العظيم في منتصف رمضان بعد أن ولّى على المدينة ابن أم مكتوم «٦» وكانت عدّة الجيش عدّة الجيش عشرة الاف مجاهد، ولما وصل الأبواء لقيه اثنان كانا من أشدّ أعدائه: وهما ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شقيق عبيدة بن الحارث شهيد بدر، وصهره عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة «٧» شقيق زوجه أم سلمة وكانا يريدان الإسلام فقبلهما ﵊ وفرح بهما شديد الفرح
_________________
(١) قال السهيلي وكان هشيم يرويه حاج (بالحاء والجيم) وهو مما حفظ من تصحيف هشيم على أن البخاري، قد ذكر عن أبي عوانة أيضا أنه قال فيه: حاج لما قيل عن هشيم.
(٢) المرأة في الهودج.
(٣) أي ضفيرتها.
(٤) هكذا أورد ابن اسحاق هذه القصة مرسلة. وقد ذكر السهيلي أنه كان في كتاب حاطب: أن رسول الله ﷺ قد توجّه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم بالله لو سار إليكم واحده لنصره الله عليكم فإنه منجز له ما وعده. وقد رواه البخاري وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه وقال الترمذي: حسن صحيح. فدل على أن من فعل مثل فعله، وليس بيدري أنه يقتل.
(٥) اية رقم ١.
(٦) ذكر ابن كثير أنه ولى على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري.
(٧) هو أخو أم سلمة لأبيها، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، وهو عامر بن قيس الفراسي، واسم أبي أمية حذيفة.
[ ١٩٦ ]
وقال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ «١» ولمّا وصل ﵊ الكديد «٢» رأى أن الصوم شق على المسلمين، فأمرهم بالفطر، وأفطر هو أيضا، وقد قابل ﵊ في الطريق عمه العباس ابن عبد المطلب مهاجرا بأهله وعياله، فأمره أن يعود معه إلى مكّة ويرسل عياله إلى المدينة.
ولمّا وصل ﵊ مرّ الظهران أمر بإيقاد عشرة الاف نار، وكانت قريش قد بلغهم أن محمّدا زاحف بجيش عظيم لا تدري وجهته، فأرسلوا أبا سفيان بن حرب «٣» وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرّ الظهران، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه لكأنها نيران عرفة! فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو «٤»، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك، فراهم ناس من حرس رسول الله فأدركوهم، فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله، فأسلم أبو سفيان، فلمّا سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند خطم الخيل «٥»، حتى ينظر إلى المسلمين، فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان، وهو يسأل، ويقول مالي ولها، حتى إذا مرّت به قبيلة الأنصار وحامل رايتها سعد بن عبادة فقال سعد: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة «٦»، اليوم تستحلّ الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس حبّذا يوم الذّمار «٧» ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب «٨» فيها رسول الله وأصحابه، وحامل الراية الزبير بن العوّام، فأخبر أبو سفيان رسول الله بمقالة سعد، فقال ﵊ كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه
_________________
(١) سورة يوسف اية ٩٢.
(٢) هو ما بين الحرمين.
(٣) كان أبو سفيان رضيع رسول الله ﷺ أرضعتهما حليمة، وكان الف الناس له قبل النبوة لا يفارقه، فلما نبئ كان أبعد الناس عنه. وأهجاهم له إلى أن أسلم، فكان أصح الناس إيمانا، وألزمهم له ﷺ، ومات أبو سفيان في خلافة عمر ﵁، وقال عند موته: لا تبكنّ عليّ. فإني لم أنتطق بخطيئة منذ أسلمت.
(٤) يعني خزاعة.
(٥) هو المكان الناتىء منه في الطريق، ليتمكن من رؤية الجيش كله.
(٦) أي يوم حرب.
(٧) ما يلزم حفظه وحمايته. ومراده استعطاف العباس ليحميه من القتل.
(٨) لأن عدد المهاجرين كان أقل من عدد غيرهم من القبائل.
[ ١٩٧ ]
الكعبة «١» ثم أمر ﵊ أن تركز رايته بالحجون «٢» وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكّة من كديّ «٣» ودخل هو من أعلاها من كداء، ونادى مناديه: من دخل داره وأغلق بابه فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو امن «٤»، وهذه أعظم منّة له، واستثنى من ذلك جماعة عظمت ذنوبهم، واذوا الإسلام وأهله عظيم الأذى، فأهدر دمهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة منهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي أسلم وكتب لرسول الله الوحي ثم ارتدّ، وافترى الكذب على الأمين المأمون، فكان يقول: إن محمّدا كان يأمرني أن أكتب عليم حكيم فأكتب غفور رحيم، فيقول: كل جيد،! ومنهم عكرمة ابن أبي جهل وصفوان بن أمية، وهبار بن الأسود، والحارث بن هشام، وزهير بن أمية وكعب بن زهير «٥» ووحشي قاتل حمزة، وهند بنت عتبة زوج أبي سفيان وقليل غيرهم، ونهى عن قتل واحد سوى هؤلاء إلّا من قاتل، فأما جيش خالد بن الوليد فقابله الذعر من قريش يريدون صدّه، فقاتلهم وقتل منهم أربعة وعشرين، وقتل من جيشه اثنان، ودخلها عنوة من هذه الجهة، وأما جيش رسول الله ﷺ فلم يصادف مانعا، وهو ﵊ راكب راحلته منحن على الرحل، تواضعا لله، وشكرا له على هذه النعمة حتى تكاد جبهته تمسّ الرحل، وأسامة بن زيد رديفه، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان حتى وصل إلى الحجون موضع رايته، وقد نصبت له هناك قبة فيها أمّ سلمة وميمونة، فاستراح قليلا، ثم سار وبجانبه أبو بكر يحادثه، وهو يقرأ سورة الفتح حتى بلغ البيت، وطاف سبعا على راحلته، واستلم الحجر بمحجنه، وكان حول الكعبة إذ ذاك ثلاثمائه وستون صنما، فجعل ﵊ يطعنها بعود في يده، ويقول:
_________________
(١) هذا ما ذكره في صحيح البخاري، وذكر ابن اسحاق أن ذلك عند الدخول والذي نرجحه ما في الصحيح.
(٢) جبل بمعلاة مكة (المؤلف) وهو موضع بقرب مقبرة مكة.
(٣) كدى كقوى جبل مسفلة مكة على طريق اليمن. وكداء كسحاب جبل بأعلى مكة، (المؤلف) . قال السهيلي وكدى من ناحية عرفة وفي البخاري أمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد أن يدخل من أعلى مكة من كداء.
(٤) قطعة من حديث رواه مسلم.
(٥) المزني الشاعر المشهور- صحابي معروف أهدر دمه ﷺ فأسلم، فبايع النبي ﷺ وأسفر عن وجهه، فأنشده قصيدته المعروفة، فكساه النبي ﷺ بردة له. كان كعب بن زهير شاعرا مجودا كثير الشعر مقدما في طبقته هو وأخوه بجير، وكعب أشعرهما.
[ ١٩٨ ]
جاء الحق وزهق الباطل وما يبدىء الباطل وما يعيد «١»، ثم أمر بالالهة فأخرجت من البيت وفيها صورة اسماعيل وإبراهيم في أيديهما الأزلام، فقال ﵊: قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قطّ!! وهذا أول يوم طهّرت فيه الكعبة من هذه المعبودات الباطلة، وبطهارة الكعبة المقدسة عند جميع العرب، باديها وحاضرها من هذه الأدناس سقطت عبادة الأوثان من جميع بلاد العرب إلّا قليلا. ويوشك أن نذكر للقارىء اختفاء اثارها ومحو عبادتها بالكلية.
العفو عند المقدرة
ثم إن النبي ﷺ دخل الكعبة وكبّر في نواحيها، ثم خرج إلى مقام إبراهيم، وصلّى فيه، ثم شرب من زمزم، وجلس في المسجد والناس حوله والعيون شاخصة إليه ينتظرون ما هو فاعل بمشركي قريش الذين اذوه، وأخرجوه من بلاده وقاتلوه، ولكن هنا تظهر مكارم الأخلاق التي يلزم أن يتعلّم منها المسلم، أن يكون رضاه وغضبه لله لا لهوى النفس، فقال ﵊: «يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم»؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال ﵊: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، ويرحم الله الإمام البوصيري حيث قال:
وإذا كان القطع والوصل لله تساوى التّقريب والإقصاء
وسواء عليه فيما أتاه من سواه الملام والإطراء
ولو أن انتقامه لهوى النف س لدامت قطيعة وجفاء
قام لله في الأمور فأرضى الله منه تباين ووفاء
فعله كله جميل وهل ينض ح إلّا بما حواه الإناء
ثم خطب ﵊ خطبة أبان فيها كثيرا من الأحكام الإسلامية منها ألّا يقتل مسلم بكافر، ولا يتوارث أهل ملّتين مختلفتين، ولا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، والبيّنة على من ادّعى، واليمين على من أنكر، ولا تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام إلّا مع ذي محرم، ولا صلاة بعد الصبح والعصر، ولا يصام يوم الأضحى ويوم الفطر، ثم قال: «يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالاباء، والناس من ادم وادم من تراب، ثم تلا هذه الاية
_________________
(١) رواه الشيخان.
[ ١٩٩ ]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «١» ثم شرع الناس يبايعون رسول الله ﷺ على الإسلام، وممن أسلم في هذا اليوم معاوية بن أبي سفيان وأبو قحافة «٢» والد الصديق، وقد فرح الرسول كثيرا بإسلامه. وجاء رجل يرتعد خوفا فقال له ﵊:
«هوّن عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امراة من قريش كانت تأكل القديد» «٣» .
أما الذين أهدر رسول الله دمهم فقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فمنهم من حقّت عليه كلمة العذاب فقتل، ومنهم من أدركته عناية الله فأسلم: فعبد الله بن سعد بن أبي سرح لجأ إلى أخيه من الرضاع عثمان بن عفّان، وطلب منه أن يستأمن له رسول الله، فغيّبه عثمان حتى هدأ الناس، ثم أتى به النبي وقال: يا رسول الله قد أمنّته فبايعه، فأعرض عنه ﵊ مرارا ثم بايعه، فلمّا خرج عثمان وعبد الله قال ﵊، أعرضت عنه ليقوم إليه أحدكم فيضرب عنقه، فقالوا: هلّا أشرت إلينا؟ فقال: لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين «٤» .
وأما عكرمة بن أبي جهل فهرب فخرجت وراءه زوجته وبنت عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وكانت قد أسلمت قبل الفتح «٥»، وقد أخذت له أمانا من رسول الله فلحقته، وقد أراد أن يركب البحر «٦» فقالت: جئتك من عند أبرّ الناس وخيرهم، لا تهلك نفسك، وإني قد استأمنته لك فرجع، ولما راه ﵊ وثب قائما فرحا به، وقال: مرحبا بمن جاءنا مهاجرا مسلما، ثم أسلم ﵁، وطلب من رسول الله أن يستغفر له كل عداوة عاداه إياها فاستغفر
_________________
(١) سورة الحجرات اية ١٣.
(٢) اسمه عثمان بن عامر، ولم يعش له ولد ذكر إلا أبو بكر، ولا نعرف له بنت إلا أم فروة التي أنكحها أبو بكر بن الأشعث بن قيس، وكانت قبله تحت تميم الداري.
(٣) رواه البيهقي عن ابن مسعود.
(٤) ثم أسلم وحسن إسلامه وعرف فضله وجهاده، فكان على ميمنة عمرو العاص حين افتتح مصر، وهو الذي افتتح أفريقيا، واعتزل الفتنة، ودعا الله أن يقبضه إثر صلاة الفجر، فصلى الصبح، فقبضت نفسه بين التسليمتين، وكان وفاته بعسفان.
(٥) الصواب عند الفتح.
(٦) روى أبو داود والنسائي أنه ركب البحر فأصابتهم ريح عاصف فنادى عكرمة اللات والعزى، فقال أهل السفينة: أخلصوا فالهتكم لا تغني عنكم شيئا ها هنا، فقال عكرمة والله لئن لم ينجني من البحر إلّا الإخلاص لا ينجني في البر غيره اللهم لك عهد إن أنت عافيتني بما أنا فيه أن اتي محمدا أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا غفورا كريما.
[ ٢٠٠ ]
له، وكان ﵁ بعد ذلك من خيرة المسلمين وأغيرهم على الإسلام «١» .
وأما هبار بن الأسود فهرب واختفى حتى إذا كان رسول الله بالجعرانة «٢» جاءه مسلما، وقال: يا رسول الله هربت منك وأردت اللحاق بالأعاجم ثم ذكرت عائدتك وصلتك وصفحك عمّن جهل عليك، وكنا يا رسول الله أهل شرك فهدانا الله بك، وأنقذنا من الهلكة فاصفح الصفح الجميل، فقال ﵊:
قد عفوت عنك.
وأما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية المخزومي، فأجارتهما أم هانىء بنت أبي طالب، فأجاز ﵊ جوارها، ولما قابل رسول الله الحارث بن هشام مسلما قال له الحمد الله الذي هداك ما كان مثلك يجهل الإسلام، وقد كان بعد ذلك من فضلاء الصحابة.
وأما صفوان بن أمية فاختفى وأراد أن يذهب ويلقي نفسه في البحر، فجاء ابن عمه عمير بن وهب الجمحي وقال: يا نبيّ الله إن صفوان سيد قومه، هرب ليقذف نفسه في البحر، فأمّنه فإنك قد أمّنت الأحمر والأسود، فقال ﵊: أدرك ابن عمك فهو امن، فقال: أعطني علامة فأعطاه عمامته، فأخذها عمير حتى إذا لقي صفوان قال له: فداك أبي وأمي، جئتك من عند أفضل الناس، وأبرّ الناس وأحلم الناس وخير الناس، وهو ابن عمك، وعزّه عزّك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك، قال صفوان: إني أخاف على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، وأراه العمامة علامة الأمان، فرجع إلى رسول الله وقال له: إن هذا يزعم أنك أمّنتني؟ قال: صدق، قال: أمهلني بالخيار فيه شهرين، قال: أنت بالخيار فيه أربعة أشهر، ثم أسلم ﵁ وحسن إسلامه.
وأما هند بنت عتبة فاختفت ثم أسلمت، وجاءت إلى رسول الله فرحب بها، وقالت له: والله يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك ثم ما أصبح اليوم أهل خباء أحبّ إلي أن يعزوا من أهل خبائك «٣» .
_________________
(١) خرج إلى قتال أهل الردة، ووجهه أبو بكر إلى جيش النعمان فظهر عليهم، ثم إلى اليمن، ثم رجع فخرج إلى الجهاد عام وفاته فاستشهد في أجنادين.
(٢) موضع بين مكة والطائف وبعضهم يضبطه بسكون العين وفتح الراء مخففة. (المؤلف) .
(٣) بايعت النبي ﷺ مع نسوة من قريش يبايعن على الإسلام رواه الشيخان والخباء: خيمة من وبر أو
[ ٢٠١ ]
وفود كعب بن زهير
وأما كعب بن زهير فلمّا ضاقت به الأرض، ولم يجد له مجيرا جاء المدينة بعد أن قدّمها رسول الله من مكّة «١»، فأسلم وأنشد قصيدته التي يقول فيها:
وقال كلّ صديق كنت امله لا ألهينّك «٢» إني عنك مشغول
فقلت خلوا سبيلي لا أبالكم «٣» فكلّ ما قدّر الرّحمن مفعول
كلّ ابن انثى وإن طالت سلامته يوما على الة «٤» حدباء محمول
نبّئت أنّ رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة «٥» ال قران فيها مواعيظ وتفصيل
وقال فيها مادحا:
إنّ الرسول لسيف يستضاء به مهنّد من سيوف الله مسلول
ولمّا قال هذا البيت خلع عليه الرسول بردته.
وأما وحشي قاتل حمزة، فكذلك أسلم وحسن إسلامه، وقبله ﵊، وقد جاءه ابنا أبي لهب عتبة ومعتب فأسلما وفرح بهما ﵊.
وكان من الذين اختفوا سهيل بن عمرو، فاستأمن له ابنه عبد الله فأمّنه ﵊، وقال: إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل يجهل الإسلام، فلمّا بلغت هذه المقالة سهيلا قال: كان والله برّا صغيرا برّا كبيرا ثم أسلم بعد ذلك.
_________________
(١) صوف ثم أطلقت على البيت كيف ما كان.
(٢) فقال: يا رسول الله (وهو لا يعرفه) إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما. فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله ﷺ نعم، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير.
(٣) لا أشغلنك.
(٤) خلوا سبيلي: اتركوا طريقي لا ابالهم: ذم لهم، لأنهم لم يغنوا عنه شيئا.
(٥) النعش الذي يحمل عليه الميت.
(٦) الزيادة وسمى القران نافلة، لأنه عطية زائدة عن النبوة.
[ ٢٠٢ ]
بيعة النساء
هذا، ولما تمّت بيعة الرجال بايعه النساء، وكن يبايعن على ألّا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصين الرسول في معروف «١» .
ثم أمر ﵇ بلالا أن يؤذّن على ظهر الكعبة، وهذا بدء ظهور الإسلام على ظهر البيت الكريم، فلا عجب أن اتّخذ المسلمون هذا اليوم عيدا يحمدون فيه الله حقّ حمده على هذه النعمة الكبرى والنصر العظيم، وأقام ﵊ بمكّة بعد فتحها تسعة عشر يوما كل يوم يقصر فيها الصلاة، وولّى عليها عتّاب بن أسيد «٢» وجعل رزقه كل يوم درهما فكان عتاب ﵁ يقول: لا أشبع الله بطنا جاع على درهم كلّ يوم.
هدم العزّى
وفي الخامس من مقامه ﵊ بمكّة أرسل خالد بن الوليد في ثلاثين فارسا لهدم هيكل العزى وهي أكبر صنم لقريش وكان هيكلها ببطن نخلة، فتوجّه إليها خالد وهدمها.
هدم سواع
وأرسل ﵇ عمرو بن العاص لهدم سواع وهو أعظم صنم لهذيل وهيكله على ثلاثة أميال من مكّة فذهب إليه وهدمه.
هدم مناة
وبعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا لهدم مناة وهي صنم لكلب وخزاعة وهيكلها بالمشلّل وهو جبل على ساحل البحر يهبط منه إلى قديد فتوجّهوا إليها وهدموها.
_________________
(١) بيعة النساء وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي يبايع النساء بالكلام بهذه الاية- لا يشركن بالله شيئا- قالت وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلّا امرأة يملكها. رواه الشيخان.
(٢) أسلم يوم الفتح وسنه عشرون سنة.
[ ٢٠٣ ]
غزوة حنين «١»
بهذا الفتح العظيم وسقوط دولة الأوثان دانت للإسلام جموع العرب ودخلوا فيه أفواجا. أما قبيلتا هوازن وثقيف فأدركتهما حميّة الجاهلية، واجتمع الأشراف منهما للشورى، وقالوا: قد فرغ محمّد من قتال قومه ولا ناهية له عنا، فلنغزه قبل أن يغزونا. فأجمعوا أمرهم على ذلك، وولّوا رياستهم مالك بن عوف النّصري، فاجتمع له من القبائل جموع كثيرة فيهم بنو سعد بن بكر الذين كان رسول الله مسترضعا فيهم، وكان في القوم دريد بن الصّمّة المشهور بأصالة الرأي، وشدّة البأس في الحرب، ولتقدم سنّه لم يكن له في هذه الحرب إلّا الرأي، ثم إن مالك ابن عوف أمر الناس أن يأخذوا معهم نساءهم وذراريهم وأموالهم، فلمّا علم بذلك دريد سأل مالكا عن السبب، فقال: سقت مع الناس أموالهم وذراريهم ونساءهم لأجعل خلف كل رجل أهله وماله يقاتل عنهم. فقال دريد: وهل يردّ المنهزم شيء؟ إن كانت لك لم ينفعك إلّا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، فلم يقبل مالك مشورته، وجعل النساء صفوفا وراء المقاتلة، ووراءهم الإبل، ثم البقر، ثم الغنم كيلا يفر أحد المقاتلين.
أما رسول الله ﷺ فإنه لما بلغه أن هوازن وثقيف يستعدون لحربه، أجمع رأيه على المسير إليهم، وخرج معه اثنا عشر ألف غاز، ومنهم ألفان من أهل مكة، والباقون هم الذين أتوا معه من المدينة، وخرج أهل مكة ركبانا ومشاة حتى النساء يمشين من غير ضعف يرجون الغنائم، وخرج في الجيش ثمانون من المشركين، منهم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، ولما قرب الجيش من معسكر العدو صفّ ﵊ الغزاة، وعقد الألوية، فأعطى لواء المهاجرين لعليّ بن أبي طالب، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن حضير، وكذلك أعطى ألوية القبائل العرب الاخرى، ثم ركب ﵊ بغلته، ولبس درعين والبيضة «٢» والمغفر «٣» . هذا، وقد أعجب
_________________
(١) هو واد في طريق الطائف إلى جنب ذي المجاز بينه وبين مكة ثلاث ليال وتسمى غزوة هوازن وهوازن اسم قبيلة كبيرة من العرب فيها عدّة بطون، وكانت هذه الغزوة في ١٠ شوال سنة ثمان من الهجرة سنة ٦٣٠ م.
(٢) هي الخوذة التي توضع على الرأس.
(٣) ذرد ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة.
[ ٢٠٤ ]
المسلمون بكثرتهم فلم تغن عنهم شيئا فإن مقدمة المسلمين توجّهت جهة العدو، فخرج لهم كمين كان مستترا في شعاب الوادي ومضايقه، وقابلهم بنبل كأنه الجراد المنتشر، فلووا أعنّة خيلهم متقهقرين، ولما وصلوا إلى من قبلهم تبعوهم في الهزيمة لما لحقهم من الدهشة، أما رسول الله ﷺ فثبت على بغلته في ميدان القتال، وثبت معه قليل من المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وعلي والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان بن الحارث «١» وأخوه ربيعة بن الحارث ومعتّب بن أبي لهب، وكان العباس اخذا بلجام البغلة «٢»، وأبو سفيان اخذ بالركاب، وكان ﵊ ينادي: إليّ أيها الناس، ولا يلوي عليه أحد، وضاقت بالمنهزمين الأرض بما رحبت. أما رجال مكّة الذين هم حديثو عهد بالإسلام والذين لم ينزعوا عنهم ربقة الشرك فمنهم من فرح، ومنهم من ساءه هذا الإدبار، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وقال أخ لصفوان بن أمية: الان بطل السحر، فقال له صفوان وهو على شركه أسكت فضّ الله فاك «٣» ! والله لأن يربّني «٤» رجل من قريش خير من أن يربّني رجل من هوازن. ومرّ عليه رجل من قريش وهو يقول: أبشر بهزيمة محمّد وأصحابه، فو الله لا يجبرونها أبدا، فغضب صفوان وقال: ويلك أتبشرني بظهور الأعراب؟ وقال عكرمة بن أبي جهل لذاك الرجل: كونهم لا يجبرونها أبدا ليس بيدك، الأمر بيد الله ليس إلى محمّد منه شيء أن أديل عليه «٥» اليوم، فإن العاقبة له غدا. فقال سهيل بن عمرو: والله إن عهدك بخلافه لحديث، فقال له: يا أبا يزيد إنّا كنا على غير شيء وعقولنا ذاهبة نعبد حجرا لا يضر ولا ينفع. وبلغت هزيمة بعض الفارّين مكّة. كلّ هذا ورسول الله واقف مكانه يقول:
_________________
(١) ابن عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة، وكان ممن يشبه رسول الله ﷺ، وكان ممن يؤذي ﷺ ويهجوه ويؤذي المسلمين، وأسلم يوم الفتح، وشهد حنينا، وكان في اخر حياته يفتش عن موضع قبره حتى يدخله في داره، وأمر بأن يحفر في قاعها قبرا ففعل فقعد عليه ساعة ثم انصرف، فلم يلبث إلّا يومين حتى مات فدفن فيه.
(٢) قال السهيلي: والبغلة التي كان عليها يومئذ التي تسمى البيضاء، وقد روى مسلم أنه كان على بغلة له بيضاء ولكن في مسلم أيضا أنه كان على بغلته الشهباء أيضا وقد قال النووي: إن البيضاء والشهباء واحدة ولا يعرف له غيرها.
(٣) فض الله فاه: أي أسقط أسنانه.
(٤) يربني: يكون ربا لي، أي ملكا علي.
(٥) يعني أن نغلبه اليوم فإن الغلبة له غدا.
[ ٢٠٥ ]
أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب
«١» ثم قال للعباس وكان جهوريّ الصوت: ناد بالأنصار يا عباس، فنادى يا معشر الأنصار، يا أصحاب بيعة الرضوان، فأسمع من في الوادي، وصار الأنصار يقولون: لبّيك لبّيك، ويريد كل واحد منهم أن يلوي عنان بعيره، فيمنعه من ذلك كثرة الأعراب المنهزمين، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، وينزل عن بعيره، ويخلي سبيله ويؤمّ الصوت حتى اجتمع حول رسول الله جمع عظيم منهم. وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودا لم يروها «٢» فكرّ المسلمون على عدوهم يدا واحدة، فانتكث فتل المشركين، وتفرّقوا في كل وجه لا يلوون على شيء من الأموال والنساء والذراري، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فأخذوا النساء والذراري، وأسروا كثيرا من المحاربين، وهرب من هرب، وجرح في هذا اليوم خالد بن الوليد جراحات بالغة، وأسلم ناس كثيرون من مشركي مكّى لما رأوه من عناية الله بالمسلمين.
هذا، والذي حصل في هذه الغزوة درس مهمّ في دروس الحرب، فإن هذا الجيش دخله أخلاط كثيرون من مشركين وأعراب وحديثي عهد بالإسلام، هؤلاء سيّان عندهم نصر الإسلام وخذلانه، ولذلك بادروا لأول صدمة إلى الهزيمة، وكادت تتم الكلمة على المسلمين لولا فضل الله، فلا ينبغي أن يكون في الجيش إلّا من يقاتل خالصا مخلصا من قلبه، ليكون مدافعا حقّا عن دينه، فلا تميل نفسه إلى الفرار خشية ما أعده الله للفارين من أليم العقاب.
ثم أمر ﵊ بجمع السبي والغنائم، وكانت نحو أربعة وعشرين ألف بعير، وأكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة الاف أوقية من الفضة، فجمع ذلك كله بالجعرانة «٣» . أما المشركون فتفرّقوا ثلاث فرق: فرقة لحقت
_________________
(١) قال السهيلي: هو كلام موزون، وأنه ليس بشعر حتى يقصد به الشعر. وللخطابي في كتاب الأعلام تنبيه على قوله: أنا ابن عبد المطلب: قال إنما خصّ عبد المطلب بالذكر في هذا المقام، وقد انهزم الناس لنبوته، وإزالة للشك لما اشتهر، وعرف من رؤيا عبد المطلب المبشرة بالنبي ﷺ، وهي في رواية البخاري ومسلم.
(٢) قال ابن اسحاق قال جبير بن مطعم: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق وكانت الملائكة، فأراهم الله لذلك الهوازني على صور الخيل والرجال ترهيبا للعدو.
(٣) وقد تكسر العين وتشدد الراء قال الشافعي: التشديد خطأ هي بين مكة والطائف.
[ ٢٠٦ ]
بالطائف، وفرقة لحقت بنخلة، وفرقة عسكرت بأوطاس» .
سرية
«٢» فأرسل ﵊ لهذه الفرقة أبا عامر الأشعري في جماعة منهم أبو موسى الأشعري «٣» فسار إليهم وبددّهم، وظفر بما بقي معهم من الغنائم، وقد استشهد أبو عامر «٤» في هذه الغزوة، وخلّف على الغزاة ابن أخيه أبا موسى فرجع ظافرا منصورا.
غزوة الطائف «٥»
وسار ﵊ بمن معه إلى الطائف، ليجهز على بقية حياة ثقيف، ومن تجمّع معهم من هوازن، وجعل على مقدمته خالد بن الوليد، ومرّ ﵊ بحصن لعوف بن مالك النّصري «٦» فأمر بهدمه، ومرّ ببستان لرجل من ثقيف قد تمنّع فيه، فأرسل إليه أن أخرج، وإلّا حرّقنا عليك بستانك، فامتنع الرجل فأمر ﵊ بحرقه. ولما وصل المسلمون إلى الطائف وجدوا الأعداء قد تحصّنوا به، وأدخلوا معهم قوت سنتهم. فعسكر المسلمون قريب الحصن، فرماهم المشركون بالنّبل رميا شديدا حتى أصيب منهم كثيرون بجراحات منهم عبد الله بن أبي بكر. وقد طاوله جرحه حتى أماته في خلافة أبيه، ومنهم أبو سفيان بن حرب فقئت عينه، وقد مات بالجراحات اثنا عشر رجلا من
_________________
(١) واد بديار هوازن. (المؤلف) .
(٢) سرية أبي عامر الأشعري.
(٣) كان قد سكن الرملة وحالف سعيد بن العاص ثم أسلم، وهاجر إلى الحبشة، وقدم المدينة بعد فتح خيبر، صادفت سفينته جعفر بن أبي طالب فقدموا جميعا، واستعمله النبي ﷺ على بعض اليمن كزبيد وعدن وأعمالها، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة فافتتح الأهواز ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين، وكان حسن الصوت مات وهو ابن نيف وستين.
(٤) وفي البخاري ومسلم قال فدعا له الرسول ﷺ (اللهم اغفر لعبيد أبي عامر اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك.
(٥) هي بلدة في الحجاز على مسافة ٦٥ ميلا جنوبا شرقيا من مكة، وهي مشهورة بجودة مناخها وخصب أرضها، وهي مصيف مكة. وسميت الطائف أن ملك بن مالك أصاب دما من قومه، فلحق بثقيف، فأقام فيهم، وقال لهم: ألا أبني لكم حائطا يطيف ببلدكم فبناه فسمي به الطائف.
(٦) وهو خطأ، الصحيح مالك بن عوف النصري كما في ابن هشام والسيرة الحلبية.
[ ٢٠٧ ]
المسلمين «١» . ولمّا رأى رسول الله أنّ العدو متمكّن من رميهم، ارتفع إلى محل مسجد الطائف الان، وضرب لأم سلمة وزينب قبتين هناك، واستمرّ الحصار ثمانية عشر يوما، كان فيها ينادي خالد بن الوليد بالبراز فلم يجبه أحد، وناداه عبد ياليل عظيم ثقيف لا ينزل إليك منّا أحد. ولكن نقيم في حصننا، فإنّ فيه من الطعام ما يكفينا سنين، فإن أقمت حتى يفنى هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعا حتى نموت عن اخرنا، فأمر ﵊ بأن ينصب عليهم المنجنيق «٢» فنصب. ودخل جمع من الأصحاب تحت دبابتين «٣» لينقبوا الحصن، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار حتى أرجعوهم. فأمر ﵊ أن تقطع أعنابهم ونخيلهم، فقطع المسلمون فيها قطعا ذريعا، فناداه أهل الحصن أن دعها لله وللرحم، فقال: أدعها لله وللرحم. ثم أمر من ينادي بأن كل من ترك الحصن ونزل فهو امن، فخرج إليه بضعة عشر رجلا. ولما رأى ﵊ أن تمنّع ثقيف شديد، وأن الفتح لم يؤذن فيه استشار نوفل بن معاوية الديلي «٤» في الذهاب أو المقام، فقال: يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت أخذته وأن تركته لم يضرّك، فأمر ﵊ بالرحيل «٥» وطلب منه بعض الصحابة أن يدعو على ثقيف فقال: «اللهم أهد ثقيفا وائت بهم مسلمين» «٦» .
_________________
(١) سعيد بن سعيد بن العاص وعبد الله بن أبي أمية وعبد الله بن عامر بن ربيعة والسائب بن الحارث وأخوه عبد الله بن الحارث وحليحة بن عبد الله ومن الأنصار جليحة بن عبد الله وثابت بن الجذع والحارث بن سهل والمنذر بن عبد الله ورقيم بن ثابت فسبعة من قريش وأربعة من الأنصار ورجل من بني ليث.
(٢) هي من الات الحصار الثقيلة ونحوها، وأن أول من رمى بالمنجنيق في الجاهلية والإسلام النبي ﷺ.
(٣) الدبابة الة تتخذ للحرب فتدفع في أصل الحصن فينقبون وهم في جوفها. (المؤلف) وقد كانت تكسى بالجلود الغليظة فلذلك أحرقتها كرات النار.
(٤) أسلم يوم الفتح، وحج مع أبي بكر سنة تسع، ومع النبي ﷺ سنة عشر، وكان قد بلغ المائة، وقال أبو عمر: كان ممن عاش في الجاهلية ستين وفي الإسلام ستين مات في خلافة يزيد بن معاوية.
(٥) وفي الشيخين حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا فقال: إنا قافلون إن شاء الله، قال: أصحابه ترجع ولم تفتحه، فقال لهم النبي ﷺ: اغدوا على القتال فغدوا عليه، فأصابهم جراح فقال لهم النبي ﷺ: إنا قافلون غدا. قال فأعجبهم ذلك فضحك النبي ﷺ.
(٦) رواه الترمذي بلفظ ما عدا (وائت بهم مسلمين) بسند صحيح.
[ ٢٠٨ ]
تقسيم السبي
ثم رجع ﵊ إلى الجعرانة حيث ترك السبي فأحصاه، وخمّسه وأعطى منه شيئا كثيرا لأناس ضعف إسلامهم يتألّفهم بذلك، وأعطى أناسا لم يسلموا ليحبّب إليهم الإسلام، ومن الأوّلين: أبو سفيان أعطاه أربعين أوقية من الذهب ومائة من الإبل، وكذلك ابناه معاوية ويزيد، فقال له: بأبي أنت وأمي لأنت كريم في السلم والحرب. ومنهم حكيم بن حزام أعطاه كأبي سفيان فاستزاده فأعطاه. ثم استزاده فأعطاه مثلها. وقال: «يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السّفلى «١» فأخذ حكيم المائة الأولى وترك ما عداها، ثم قال: والذي بعثك بالحقّ لا أرزأ أحدا «٢» بعدك شيئا حتى أفارق الدّنيا، فكان الخلفاء بعد رسول الله يعرضون عليه العطاء. الذي يستحقه من بيت المال فلا يأخذه. وأعطى ﵊ عيينة بن حصن مائة من الإبل، وكذلك الأقرع بن حابس «٣» والعباس بن مرداس «٤» وأعطى صفوان ابن أمية شعبا مملوا نعما وشاء، كان راه يرمقه «٥» فقال له: هل يعجبك هذا؟ قال نعم، قال: هو لك. فقال صفوان: ما طابت بمثل هذا نفس أحد، وكان سبب إسلامه «٦» . وكان ﵊ يقصد من هذه العطايا تأليف القلوب وجمعها على الدين القويم، وهذا ضرب من ضروب السياسة الدينية حتى جعل من الصدقات قسما للمؤلفة قلوبهم، وقد عاد ذلك بفائدة عظمى، فإن كثيرين ممّن
_________________
(١) رواه الشيخان والترمذي والنسائي باختصار.
(٢) يعني لن اخذ من أحد شيئا.
(٣) وفد على النبي ﷺ وشهد فتح مكّة وحنينا والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه، وشهد اليمامة، ومع شرحبيل بن حسنة دومة الجندل، وشهد مع خالد حرب أهل العراق وفتح الأنبار، استعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان، فأصيب بالجوزجان هو والجيش وذلك في خلافة عثمان.
(٤) السلمي شهد مع النبي ﷺ الفتح وحنينا ويقال أنه ممن حرم الخمر في الجاهلية، وكان من أشجع الناس في شعره، وكان ينزل البادية بناحية البصرة.
(٥) ينظر إليه.
(٦) أعطى دون المائة رجالا من قريش منهم مخرمة بن نوفل بن نوفل الزهري، وعمير بن وهب الجمحي، وهشام بن عمر. وقال ابن اسحاق: لا أحفظ ما أعطاهم، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين وكذلك السهمي.
[ ٢٠٩ ]
أعطوا في هذا اليوم ولم يكونوا أشربوا في قلوبهم حبّ الإسلام صاروا بعد من أجّلاء المسلمين، وأعظمهم نفعا كصفوان بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان، والحارث بن هشام وغيرهم.
ثم أمر ﵊ زيد بن ثابت فأحصى ما بقي من الغنائم، وقسّمه على الغزاة بعد أن اجتمع إليه الأعراب، وصاروا يقولون له: اقسم علينا حتى ألجؤوه إلى شجرة فتعلق رداؤه فقال «ردّوا ردائي أيها الناس، فو الله إن كان لي شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا» ثم قام إلى بعيره، وأخذ وبرة من سنامه، وقال: «أيها الناس، والله مالي من غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلّا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدّوا الخياط والمخيط، فإن الغلول «١» يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة» فصار كل من أخذ شيئا من الغنائم خلسة يرده ولو كان زهيدا، ثم شرع يقسم فأصاب الرجل أربعة من الإبل وأربعون شاة، والفارس ثلاثة أمثال ذلك، فقال رجل من المنافقين «٢»: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فغضب ﵊ حتى أحمر وجهه، وقال: «ويحك من يعدل إذا لم أعدل؟!» «٣» فلم يؤده غضبه أن ينتقم لنفسه حاشاه ﵊ من ذلك بل لم يزد على أن نصح وحذّر، وقال له عمر وخالد بن الوليد: دعنا يا رسول الله نضرب عنقه، فقال: لا! لعلّه أن يكون يصلّي، فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال ﷺ:
إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس «٤» ولا أشق عن بطونهم.
ولما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا لقريش وقبائل العرب، وترك الأنصار غضب بعضهم حتى قالوا: إن هذا لهو العجب يعطي قريشا. ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم!!! فبلغه ذلك فأمر بجمعهم وليس معهم غيرهم. فلمّا اجتمعوا قال: «يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم أجدكم ضلّالا فهداكم
_________________
(١) الاختلاس من الغنيمة. (المؤلف) .
(٢) قال السهيلي: فالرجل هو ذي الخويصرة كذلك جاء ذكره في الصحيحين وقال فيه النبي ﷺ يخرج من ضئضئه قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فكان كما قال وظهر صدق الحديث في الخوارج وكان أولهم من أصله.
(٣) رواه الشيخان في المعنى.
(٤) هو البحث والتفتيش. وفي صحيح مسلم: إني لم أثقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم.
[ ٢١٠ ]
الله بي؟ وعالة «١» فأغناكم الله بي؟ وأعداء فألّف الله بين قلوبكم بي؟ إن قريشا حديثو عهد بكفر ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأ تألّفهم، أغضبتم يا معشر الأنصار في أنفسكم لشيء قليل من الدنيا ألّفت به قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم الثابت الذي لا يزلزل؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمّد بيده، لولا الهجرة لكنت امرا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار «٢»، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار» «٣» . فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا، ثم انصرف ﵊ وتفرّقوا.
وفود هوازن
وبعد بضعة عشرة ليلة جاءه ﷺ وفد هوازن يرأسهم زهير بن صرد وقالوا: يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والعمّات والخالات، وهنّ مخازي الأقوام، ونرغب إلى الله وإليك يا رسول الله، وقال زهير أن في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ثم قال أبياتا يستعطفه بها:
امنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وننتظر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها إذ فوك مملوءة من مخضها الدّرر
انّا لنشكر للنعماء إن كفرت وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر
انّا نؤمّل عفوا منك نلبسه هذي البريّة أن تعفو وتنتصر
فالبس العفو من قد كنت ترضعه من أمهاتك إنّ العفو مشتهر
فقال ﷺ: إن أحبّ الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين أما السبي وإما المال. وقد كنت انتظرتكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، أردد علينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير، فقال ﷺ: «أما مالي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا أنا
_________________
(١) جمع عائل وهو الفقير. (المؤلف) .
(٢) رواه البخاري والترمذي فيه تقديم وتأخير ومسلم كتاب الزكاة.
(٣) رواه مسلم والترمذي.
[ ٢١١ ]
صليت الظهر فقوموا وقولوا: نحن نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله بعد أن تظهروا إسلامكم وتقولوا: نحن إخوانكم في الدّين»، ففعلوا. فقال ﷺ لاصحابه: «أما بعد فإنّ إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين، وإني قد رأيت أن أردّ عليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل» «١»، فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله. وامتنع من ذلك جماعة من الأعراب كالأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والعباس بن مرداس، فأخذه الرسول منهم قرضا، وأمر ﷺ بأن تحبس عائلة مالك بن عوف النصري رئيس تلك الحرب بمكّة عند عمتهم أمّ عبد الله بن أمية. فقال له الوفد: أولئك سادتنا، فقال ﷺ:
إنما أريد بهم الخير، ثم سأل عن مالك فقالوا: هرب مع ثقيف، فقال: أخبروه أنه إن جاءني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل، فلمّا بلغ ذلك مالكا نزل من الحصن خفية حتى أتى رسول الله بالجعرانة فأسلم وأحرز ماله، واستعمله ﵊ على من أسلم من هوازن.
عمرة الجعرانة
ثم إنّ الرسول ﷺ اعتمر فأحرم من الجعرانة ودخل مكّة بليل، فطاف واستلم الحجر ثم رجع من ليلته، وكانت إقامته بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة، ثم أمر ﵊ بالرّحيل، فسار الجيش امنا مطمئنا حتى دخل المدينة لثلاث بقين من ذي القعدة.
وغزوة حنين هي التي فرّق الله بها جموع الشرك، وأدال دولته، وأفقد سراة أهله، فإن هوازن لم تترك وراءها رجلا تمكّنه الحرب إلّا ساقته، ولم تترك لها بعيرا ولا شاة إلّا جاءت به معها، فأراد الله إعزاز الإسلام بخذلان أعدائه، وأخذ أموالهم، فانكسرت حدّة المشركين، ولم يبق فيهم من يمانع أو يدافع، ولذلك يمكننا أن نقول: إن انكسار هوازن كان خاتمة لحروب العرب، فلم يبق فيهم إلّا فئات قليلة يسوقهم الطيش إلى شهر السلاح، ثم لا يلبثون أن يغمدوا السيوف حينما تظهر لهم قوة الحقّ الساطعة.
_________________
(١) رواه البخاري: ومعنى يطيب: أي يرجع ما أخذ من السبي عن طيب نفس منه من غير عوض.
[ ٢١٢ ]
سرية «١»
ولما رجع ﵊ إلى المدينة أرسل قيس بن سعد في أربعمائة ليدعو صداء- قبيلة تسكن اليمن- إلى الإسلام، فجاء إلى رسول الله رجل منهم، فقال يا رسول الله: إني جئتك وافدا عمن ورائي، فاردد الجيش وأنا لك بقومي، فأمر ﵊ بردّ الجيش.
وفود صداء
وخرج الرجل إلى قومه فقدم بخمسة عشر رجلا منهم، فنزلوا ضيوفا على سعد بن عبادة. ثم بايعوا رسول الله على الإسلام، وقالوا: نحن لك على من وراءنا من قومنا، ولما رجعوا فشا فيهم الإسلام، وقدم على رسول الله منهم مائة في حجة الوداع.
سرية «٢»
ثم أرسل ﵊ بشر بن سفيان العدوي إلى بني كعب من خزاعة لأخذ صدقات أموالهم، فمنعهم بنو تميم المجاورة لهم من أداء ما فرض عليهم، فلمّا علم بذلك رسول الله أرسل إليهم عيينة بن حصن «٣» في خمسين فارسا من الأعراب فجاءهم وحاربهم، وأخذ منهم أحد عشر رجلا وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيا، وتوجّه بالكل إلى المدينة، فأمر عليه الصلاة السلام بجعلهم في دار رملة بنت الحارث «٤» .
وفود تميم
فجاء في أثرهم وفد تميم وفيه عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر «٥» وعمرو
_________________
(١) هي سرية قيس بن سعد إلى صداء.
(٢) هي سرية عيينة بن حصن إلى بني تميم.
(٣) يكنى أبا مالك أسلم بعد الفتح، وكان من الأعراب الجفاة، وكان يعد في الجاهلية من الجرارين يقود عشرة الاف وتزوج عثمان بن عفان ابنته.
(٤) الأنصارية النجارية ذكرها ابن حبيب في المبايعات.
(٥) كانت له ثلاثة أسماء: الزبرقان والقمر والحصين وثلاث كنى أبو العباس، وأبو شذرة، وأبو عياش.
[ ٢١٣ ]
ابن الأهتم، فجلسوا ينتظرون الرسول، فلمّا أبطأ عليهم نادوا من وراء الحجرات بصوت جاف: يا محمد اخرج إلينا نفاخرك، فإنّ مدحنا زين، وأن ذمّنا شين، فخرج إليهم ﵊، وقد تأذّى من صياحهم، وفيهم نزل في أوائل سورة الحجرات إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» وكان الوقت وقت الظهر، فأذن بلال، ودخل النّبي للصلاة، فتعلّقوا به يقولون: نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال لهم ﵊: «ما بالشعر بعثنا ولا بالفخار أمرنا» ثم صلّى واجتمع حوله رجال الوفد يتفاخرون بمجدهم ومجد ابائهم، وقد مدح عمرو بن الأهتم الزبرقان بن بدر، فقال: إنه لمطاع في أنديته سيد في عشيرته، فقال: الزبرقان: حسدني يا رسول الله لشرفي، وقد علم أفضل مما قال. فقال عمرو: إنه لزمر المروءة، ضيّق العطن»
، أحمق الأب، لئيم الخال، فرئي الغضب في وجه رسول الله ﷺ، لاختلاف قولي عمرو، فقال يا رسول الله: لقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الثانية، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أسوأ ما علمت. فقال ﵊ «إن من البيان لسحرا «٣»» ثم أسلم القوم فردّ النّبيّ ﵊ عليهم أسراهم، وأحسن جائزتهم، وأقاموا مدّة يتعلمون فيها القران، ويتفقهون في الدّين.
سرية «٤»
ثم بعث ﵊ الوليد بن عقبة بن أبي معيط «٥» لأخذ صدقات بني المصطلق، فلمّا علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجلا متقلدين سلاحهم
_________________
(١) اية ٤- ٥. وقد كان عمر وأبو بكر اختلفا في أمر الزبرقان وعمر وبن الأهتم فأشار أحدهما بتقديم الزبرقان فأشار الاخر بتقديم عمرو بن الأهتم حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله سورة الحجرات فكان عمر بعد ذلك إذا كلم النبي ﵇ لا يكلمه إلّا كأخي السرار وقد تفرد به البخاري ومسلم.
(٢) كناية عن ضيق الصدر.
(٣) رواه مالك وأحمد والبخاري وأبي داود والترمذي عن ابن عمر وأدخله مالك في باب ما يذم من القول من أجل أن السحر مذموم شرعا، وغيره يذهب إلى أنه مدح بالبيان واستمالة القلوب كالسحر.
(٤) هي سرية الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق.
(٥) أخو عثمان بن عفان لأمه قتل أبوه بعد الفراغ من غزوة بدر، أسلم وأخوه عمارة يوم الفتح، وكان الوليد شجاعا شاعرا جوادا، ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة، وأقام بالرقة إلى أن مات في خلافة معاوية.
[ ٢١٤ ]
احتفالا بقدومه، ومعهم إبل الصدقة، فلمّا نظرهم ظنّهم يريدون حربه لما كان بينه وبينهم من العداوة في الجاهلية، فرجع مسرعا إلى المدينة، وأخبر الرسول ﷺ أنّ القوم ارتدوا ومنعوا الزكاة، فأرسل لهم خالد بن الوليد لاستكشاف الخبر، فسار إليهم في عسكر خفية حتى إذا كان بناديهم سمع مؤذنهم يؤذن بالصبح، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلّا طاعة، فرجع وأخبر الرسول ﷺ، فأرسل ﵊ لهم غير الوليد لأخذ الصدقات، وفي الوليد نزل في أوائل الحجرات يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ «١» .
سرية «٢»
ثم بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من الحبشة راهم أهل جدّة في مراكبهم يريدون الإغارة عليها، فأرسل لهم علقمة بن مجزّر «٣» في ثلاثمائة. فذهب حتى وصل جدة، ونزل في المراكب ليدركهم، وكان الأحباش متحصّنين في جزيرة هناك، فلمّا رأوا المسلمين يريدونهم هربوا، ولم يلق المسلمون كيدا، فرجع علقمة بمن معه. ولما كان بالطريق أذن لسرعان القوم أن يتعجلوا، وأمّر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي، وكان فيه دعابة «٤»، فأوقد لهم في الطريق نارا، وقال لهم: ألستم مأمورين بطاعتي؟ قالوا: نعم، قال: عزمت عليكم إلّا ما تواثبتم في هذه النار، فقال بعضهم: ما أسلمنا إلّا فرارا من النار، وهمّ بذلك بعضهم فمنعهم عبد الله. وقال: كنت مازحا! فلمّا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «٥» .
_________________
(١) اية ٦.
(٢) هي سرية علقمه بن مجزّر إلى طائفة من الحبشة.
(٣) شهد اليرموك وحضر الجايبة، وكان عاملا لعمر على حرب فلسطين، ثم بعثه إلى الحبشة فهلك هو وجيشه.
(٤) هي ما يستحسن من المزاح.
(٥) رواه أحمد والحاكم عن عمران بن الحصين ورواه أبو داود والنسائي. وخبر هذه السرية رواه الشيخان.
[ ٢١٥ ]