سرية «١»
لأربع بقين من صفر جهّز ﵊ جيشا برياسة أسامة بن زيد إلى أبني «٢» حيث قتل زيد بن حارثة والد أسامة وقال له: «سر إلى موضع قتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتك هذا الجيش، فأغر صباحا على أهل أبنى، وحرّق عليهم، وأسرع السير لتسبق الأخبار، فإن أظفرك الله فأقل اللبث فيهم، وخذ الأدلّاء، وقدم العيون والطلائع معك» . وكان مع أسامة في هذا الجيش كبار المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر «٣» وأبو عبيدة وسعد. ثم عقد ﵊ لأسامة اللواء، وقال له: أغز باسم الله في سبيل الله، وقاتل من كفر بالله. وقد انتقد جماعة على تأمير أسامة وهو شاب لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره على جيش فيه كبار المهاجرين، فأبلغ الرسول هذه المقالة فغضب غضبا شديدا، وخرج فقال: أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة، لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله؟! وايم الله إن كان لخليقا بالإمارة، وإن ابنه من بعده لخليق بها «٤»، وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ «٥»، وإنهما لمظنة لكل خير، فاستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم. ولم يتم لهذا الجيش الخروج في عهد المصطفى ﷺ لأنّ المرض بدأه فاختاره الله
_________________
(١) هي سرية أسامة بن زيد إلى أهل أبني.
(٢) محل قريب من مؤتة (المؤلف) .
(٣) الصحيح أن أبا بكر وعمر لم يكونا في بعث أسامة، بدليل أنهما كانا في المدينة يوم وفاة رسول الله ﷺ، في حين كان جيش أسامة خارجها.
(٤) لجدير.
(٥) رواه الإمام مالك ورواه الشيخان عن أن عمر أنه ﷺ بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمارته، فقام ﷺ، فقال «إن تطعنوا في امارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان خليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده» .
[ ٢٤٠ ]
للرفيق الأعلى. وسيرى القارىء إن شاء الله خروج هذا الجيش متمما في كتابنا إتمام الوفاء بسيرة الخلفاء.
مرض الرسول ﷺ
لما تمم ﵊ ما كلّف به، وأدى ما اؤتمن عليه، وهدى الله به أمته اختاره الله للرفيق الأعلى، فجلس على المنبر مرّة، وكان فيما قال: «إن عبدا من عباد الله قد خيّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده» «١» فبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله فديناك بابائنا وأمهاتنا، فقال ﵊: «إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، لو كنت متخذا خليلا لا تّخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام. لا يبقى في المسجد خوخة إلّا سدّت إلّا خوخة أبي بكر» «٢» . وقد بدأه ﵊ مرضه في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة من الهجرة في بيت ميمونة، واستمرّ مريضا ثلاثة عشر يوما كان في خلالها ينتقل إلى بيوت أزواجه، ولما اشتدّ عليه المرض استأذن منهن أن يمرض في بيت عائشة الصديقية فأذن له، ولما دخل بيتها واشتدّ عليه وجعه قال: هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن لعلي أعهد إلى الناس، فأجلس في مخضب «٣» وصب عليه الماء حتى أشار بيده أن قد فعلتن «٤»، وكان هذا الماء لتخفيف حرارة الحمى التي كانت تصيب من يضع يده فوق ثوبه.
صلاة أبي بكر بالناس
ولمّا تعذر عليه الخروج إلى الصلاة قال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس «٥» فرضيه ﵊ خليفة له في حياته. ولما رأت الأنصار اشتداد وجع الرسول طافوا بالمسجد، فدخل العباس، وأعلمه بمكانهم واشفاقهم، فخرج ﷺ
_________________
(١) رواه البيهقي.
(٢) رواه مسلم في صحيحه. وحديث (لو كنت متخذا ) رواه البخاري، والخوخة هي كورة تؤدي إلى البيت، ومخترقه بين دارين، يعني الباب الصغير.
(٣) وعاء كبير يغتسل فيه
(٤) رواه البخاري. أوكيتهن: الأوكية: جمع وكاء والوكاء خيط تشد به القربة.
(٥) رواه البخاري.
[ ٢٤١ ]
متوكئا على عليّ والفضل «١»، وتقدّم العباس أمامهم والنّبيّ معصوب الرأس يخطّ برجليه، حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر، وثار الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلّد نبي قبلي فيمن بعث الله فأخلّد فيكم؟، ألا إني لاحق بربي وأنكم لاحقون بي فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا، وأوصى المهاجرين فيما بينهم، فإن الله تعالى يقول:
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ «٢» وإن الأمور تجري بإذن الله، ولا يحملنّكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله ﷿ لا يعجّل بعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ»
وأوصيكم بالأنصار خيرا، فإنهم الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم من الثمار؟ ألم يوسّعوا لكم في الدّيار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولّي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا وإني فرط «٤» لكم، وأنتم لا حقون بي، ألا فإن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يرده عليّ غدا فليكفف يده ولسانه إلا فيما ينبغي» . وبينما المسلمون في صلاة الفجر من يوم الإثنين ثالث عشر ربيع الأول وأبو بكر يصلي بهم إذا برسول ﷺ قد كشف سجف «٥» حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسّم يضحك، فنكص أبو بكر ﵁ على عقبه ليصل الصّف، وظن أن رسول الله يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله، فأشار إليهم بيده أن أتمّوا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر «٦» .
_________________
(١) كان أكبر الإخوة وبه كان يكنى أبوه وأمه، كان أسن ولد العباس، وغزا مع النبي ﷺ مكّة وحنينا وثبت معه يومئذ، وشهد معه حجة الوداع، وكان يكنى أبا العباس مات في طاعون عمواس.
(٢) سورة العصر.
(٣) سورة محمد اية ٢٢.
(٤) بفتحتين الذي يتقدم إلى الورد لإصلاح الحوض والدلاء.
(٥) السترة.
(٦) رواه الشيخان.
[ ٢٤٢ ]
وفاة رسول الله ﷺ
ولم تأت ضحوة هذا اليوم حتى فارق رسول الله ﷺ دنياه ولحق بمولاه، وكان ذلك في يوم الإثنين ١٣ ربيع أول سنة ١١، (٨ يونيو سنة ٦٣٣) فيكون عمره ﵊ ٦٣ سنة قمرية كاملة، وثلاثة أيام، وإحدى وستين شمسية، وأربعة وثمانين يوما، وكان أبو بكر غائبا بالسّنح وهي منازل بني الحارث بن الخزرج عند زوجه حبيبة بنت خارجة بن زيد-، فسلّ عمر سيفه، وتوعد من يقول مات رسول الله، وقال: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن يقطّع أيدي رجال وأرجلهم، فلمّا أقبل أبو بكر، وأخبر الخبر دخل بيت عائشة، وكشف عن وجه رسول الله، فجثا يقبّله، ويبكي، ويقول: توفي والذي نفسي بيده، صلوات الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حيّا وميتا: بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين «١»، ثم خرج فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ألا من كان يعبد محمّدا، فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت» وتلا قوله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٢» وقوله وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ «٣» قال عمر:
فكأني لم أتل هذه الاية قطّ «٤»، ثم مكث ﵊ في بيته بقية يوم الاثنين، وليلة الثلاثاء ويومه، وليلة الأربعاء حتى انتهى المسلمون من إقامة خليفة عليهم، فغسّل ودفن، وكان الذي يغسله عليّ بن أبي طالب، ويساعده العباس وابناه الفضل وقثم «٥» وأسامة بن زيد وشقران «٦» مولى رسول الله، وكفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، ولا عمامة. ولمّا فرغوا من تجهيزه وضع على سريره في بيته، ودخل الناس عليه أرسالا- أي جماعات- متتابعين يصلّون عليه، ولم يؤمّهم أحد. ثم حفر له لحد في حجرة عائشة حيث توفّي، وأنزله القبر عليّ والعباس
_________________
(١) رواه البخاري ونتمته الحديث أبدا أي في الدنيا بل هي واحدة.
(٢) سورة الزمر الاية ٣٠.
(٣) سورة ال عمران الاية ١٤٤
(٤) رواه البخاري
(٥) قال ابن حبان: خرج مع سعد وعثمان بن عفان إلى سمرقند فاستشهد هناك.
(٦) تقدم ترجمته سابقا.
[ ٢٤٣ ]
وولداه الفضل وقثم، ورشّ قبره بلال بالماء، ورفع قبره عن الأرض قدر شبر.
توفّي رسول الله ﷺ، وترك للمسلمين ما أن اتبعوه لم يضرّهم شيء: كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وترك أصحابه البررة الكرام يوضّحون الدين، ويتمّمون فتح البلاد، ويظهرون في الدنيا شمس الدين الإسلامي القويم حتى يتمّ الله كلمته، ويحقّ وعده، وقد فعل، فنسأل الله أن يقدّرنا على أداء شكره على هذه المنة العظمى والنعمة الكبرى.