غزوة دومة الجندل «١»
وفي ربيع الأول من هذا العام بلغ النبي ﷺ أن جمعا من الأعراب بدومة الجندل يظلمون من مرّ بهم، وأنهم يريدون الدنوّ من المدينة، فتجهز لغزوتهم، وخرج في ألف من أصحابه بعد أن ولّى على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري «٢»، ولم يزل يسير الليل ويكمن النهار حتى قرب منهم، فلمّا بلغهم الخبر تفرّقوا، فهجم المسلمون على ما شيتهم ورعائهم، فأصيب من أصيب، وهرب من هرب، ثم نزل بساحتهم فلم يلق أحدا، وبث السرايا فلم تجد منهم أحدا، فرجع ﵊ غانما، وصالح وهو عائد عيينة بن حصن الفزاري، وهو الذي كان يسميه ﵊ الأحمق المطاع «٣» لأنه يتّبعه ألف قناة، وأقطعه ﵊ أرضا يرعى فيها بهمه «٤» على بعد ستة وثلاثين ميلا من المدينة لأن أرضه كانت قد أجدبت.
غزوة بني المصطلق «٥»
في شعبان بلغه ﵊ أن الحارث بن ضرار سيّد بني المصطلق
_________________
(١) مدينة بينها وبين دمشق خمس ليال وبينها وبين طيبة خمس عشرة ليلة (المؤلف) . (دومة بضم الدال عند أهل اللغة، وأصحاب الحديث يفتحونها. هكذا في الصحاح. قال البكري: سميت بدومي بن اسماعيل، وكان نزلها، وأنها على عشر مراحل من المدينة وعشر من الكوفة وثمان من دمشق واثنتي عشر من مصر.
(٢) ويقال له الكناني وقد استخلفه النبي ﷺ على المدينة وهو بخيبر.
(٣) أسلم ثم أرتد، وامن بطليحة حيث تنبّأ وأخذ أسيرا، فأتي به أبو بكر أسيرا فمنّ عليه، ولم يزل مظهرا للإسلام على جفوته وعنجهيته ولوثة أعرابيته حتى مات.
(٤) صغار غنمه.
(٥) قال البخاري: وهي غزوة المريسيع قال محمد بن اسحاق: وذلك في سنة ست وقال موسى بن عقبة سنة أربع. وقد اختلف في زمن هذه الغزوة والراجح أنها في شعبان تشهد لها الأحاديث الصحيحة.
[ ١٣٧ ]
الذين ساعدوا قريشا على حرب المسلمين في أحد يجمع الجموع لحربه، فخرج له ﵊ في جمع كثير، وولّى على المدينة زيد بن حارثة، وخرج معه من نسائه عائشة وأم سلمة، وخرج معه ناس من المنافقين لم يخرجوا قط في غزوة قبلها يرجون أن يصيبوا من عرض الدنيا، وفي أثناء مسيره ﵊ التقى بعين بني المصطلق، فسأله عن أحوال العدو فلم يجب فأمر بقتله.
ولما بلغ الحارث رئيس الجيش مجيء المسلمين لحربه، وأنهم قتلوا جاسوسه خاف هو وجيشه خوفا شديدا حتى تفرّق عنه بعضهم، ولما وصل المسلمون إلى المريسيع «١» تصافّ الفريقان للقتال، بعد أن عرض عليهم الإسلام فلم يقبلوا، فتراموا بالنبل ساعة، ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فلم يتركوا لرجل من عدوهم مجالا للهرب، بل قتلوا عشرة منهم وأسروا باقيهم مع النساء والذّرية واستاقوا الإبل والشياه، وكانت الإبل ألفي بعير، والشياه خمسة الاف استعمل الرسول على ضبطها مولاه شقران «٢»، وعلى الأسرى بريدة «٣» . وكان في نساء المشركين برّة بنت الحارث «٤» سيد القوم، وقد أخذ من قومها مئتا بنت أسرى وزّعت على المسلمين، وهنا يظهر حسن السياسة، ومنتهى الكرم، فإن بني المصطلق من أعزّ العرب دارا، فأسر نسائهم بهذه الحال صعب جدا، فأراد ﵊ أن يجعل المسلمين يمنّون على النساء بالحرية من تلقاء أنفسهم، فتزوّج برة بنت الحارث التي سمّاها جويرية، فقال المسلمون: أصهار رسول الله ﷺ لا ينبغي أسرهم في أيدينا، فمنّوا عليهم بالعتق، فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها «٥» كما قالت عائشة ﵂، وتسبّب عن هذا الكرم العظيم،
_________________
(١) ماء لخزاعة على يوم من الفرع (المؤلف) .
(٢) كان شقران عبدا حبشيا لعبد الرحمن بن عوف، فوهبه لرسول الله ﷺ، وكان فيمن حضر غسل رسول الله ﷺ عند موته، وشهد بدرا وهو عبد فلم يسهم له، وقد نزل في قبر الرسول ﷺ، وكان شقران قد أخذ قطيفة كان النبي ﷺ يلبسها فدفنها في قبره. ويقال كانت له دار بالبصرة.
(٣) يكنى أبا عبد الله: أسلم قبل بدر ولم يشهدها، وشهد الحديبية، فكان ممن بايع الرضوان، وقد تعلم شيئا من القران، ثم قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد فشهد معه مشاهده، وكان من ساكني المدينة ثم تحول إلى البصرة، ثم خرج منها إلى خراسان غازيا فمات بمرو في إمرة يزيد بن معاوية.
(٤) زوج النبي ﷺ، وكانت قبله تحت مسامع بن صفوان المصطلقي، كان اسمها برة فغير رسول الله ﷺ اسمها وسماها جويرية، حفظت عن رسول الله ﷺ وروت عنه، وتوفيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين من الهجرة.
(٥) أقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته، فلما بلغ العقيق نظر إلى الإبل فرغب في بعيرين منها،
[ ١٣٨ ]
وهذه المعاملة الجليلة أن أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم، وكانوا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم. وقد حصل في هذه الغزوة نادرتان، لولا أن صاحبتهما حكمة رسول الله ﷺ لعادتا بالتفريق على المسلمين.
فأولاهما أنّ أجيرا «١» لعمر بن الخطاب اختصم مع حليف للخزرج «٢»، فضرب الأجير الحليف حتى سال دمه، فاستصرخ بقومه الخزرج، واستصرخ الأجير بالمهاجرين، فأقبل الذعر من الفريقين، وكادوا يقتتلون لولا أن خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ - وهي ما يقال في الاستغاثة يا لفلان- فأخبر الخبر، فقال: دعوا هذه الكلمة فإنها منتنة، ثم كلّم المضروب حتى أسقط حقّه، وبذلك سكنت الفتنة، فلمّا بلغ عبد الله بن أبي هذا الخصام غضب، وكان عنده رهط من الخزرج فقال: ما رأيت كاليوم مذلة أوقد فعلوها؟
نافرونا «٣» في ديارنا، والله ما نحن والمهاجرون إلا كما قال الأول: سمّن كلبك يأكلك، أما والله لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ «٤» ثم التفت إلى من معه، وقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير داركم، ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم غرضا للمنايا دون محمّد ﷺ، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضّوا من عنده، وكان في مجلسه شاب حديث السن قوي الإسلام اسمه زيد بن أرقم «٥»، فأخبر رسول الله الخبر، فتغير وجهه. قال: يا غلام لعلك غضبت عليه فقلت ما قلت، فقال: والله يا رسول الله لقد سمعته. قال لعلّه أخطأ سمعك، فاستأذن عمر الرسول في قتل ابن
_________________
(١) فاخفاهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي وقال: يا محمد أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها، فقال رسول الله ﷺ: أين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق؟ فقال الحارث: أشهد ألاإله إلا الله وأنك رسول الله، والله ما اطلع على ذلك إلا الله فأسلم وأسلم معه ابنان له، وناس من قومه، وأرسل إليه البعيرين. وحديث جويرية بنت الحارث في غزوة بني المصطلق رواه الشيخان وأبو داود.
(٢) من بني غفار يقال له جهجاه بن مسعود.
(٣) سنان بن وبر حليف بني عوف بن الخزرج.
(٤) أي غلبونا وكاثرونا في بلادنا، أي وأنكروا ملّتنا.
(٥) سورة المنافقين اية ٨.
(٦) استصغر يوم أحد وأول مشاهده الخندق، وغزا مع النبي ﷺ سبع عشرة غزوة، وله أحاديث كثيرة وشهد صفين مع علي ومات بالكوفة سنة ٦٦ هـ.
[ ١٣٩ ]
أبيّ أو أن يأمر أحدا غيره بقتله فنهاه عن ذلك. وقال: كيف يا عمر إذا تحدّث الناس أن محمّدا يقتل أصحابه، ثم أذن بالرّحيل، في وقت لم يكن يرتحل فيه حين اشتدّ الحرّ، يقصد بذلك ﵊ شغل الناس عن التكلّم في هذا الموضوع، فجاءه أسيد بن حضير، وسأله عن سبب الارتحال في هذا الوقت؟ فقال: أوما بلغك ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، قال: أنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم سار ﵊ بالناس سيرا حثيثا «١» حتى اذتهم الشمس، فنزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض حتى وقعوا نياما، وكلم رجال من الأنصار عبد الله بن أبيّ في أن يطلب من الرسول الاستغفار فلوى رأسه واستكبر. وهنا نزل على الرسول سورة المنافقين التي فضحت عبد الله بن أبيّ وإخوانه، وصدقت زيد بن أرقم، ولما بلغ ذلك عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، استأذن رسول الله في قتل أبيه حذرا من أن يكلف بذلك غيره، فيكون عنده من ذلك أضغان وأحقاد، فأمره ﵊ بالإحسان إلى أبيه «٢» .
حديث الإفك
النادرة الثانية وهي أفظع من الأولى وأجلب منها للمصائب وهي رمي عائشة الصّدّيقة زوج رسول الله بالإفك، فاتهموها بصفوان بن المعطّل «٣» السّلمي وذلك أنهم لما دنوا من المدينة أذن ﵊ ليله بالرحيل. وكانت السيدة عائشة قد مضت لقضاء حاجتها حتى جاوزت الجيش، فلمّا قضت شأنها أقبلت إلى
_________________
(١) سريعا.
(٢) وفي رواية ابن اسحاق أن عبد الله بن أبي بن سلول أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمر لي به فأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر لوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا.
(٣) قال السهيلي: وكان يكون على ساقة العسكر يلتقط ما يسقط من متاع المسلمين، حتى يأتيهم به. سكن المدينة وشهد الخندق والمشاهد كلها يكنى أبا عمرو، وكان خيرا فاضلا شجاعا بطلا، وكان جلدا حصورا لا يأتي النساء، وقتل شهيدا في خلافة معاوية، واندقت رجله يوم قتل فطاعن بها، وهي منكسرة، حتى مات.
[ ١٤٠ ]
رحلها. فلمست صدرها فإذا عقد لها من جزع ظفار «١» قد انقطع، فرجعت تلتمس عقدها، فحبسها ابتغاؤه، فأقبل الرهط «٢» الذين كانو يرحلونها فاحتملوا هودجها «٣» ظانين أنها فيه لأن النساء كن إذ ذاك خفافا لم يغشهنّ اللحم، فلم يستنكر القوم خفّة الهودج، وكانت عائشة جارية حديثة السنّ، فجاءت منزل الجيش بعد أن وجدت عقدها، وليس بالمنزل داع ولا مجيب، فغلبتها عيناها فنامت، وكان الذي يسير وراء الجيش يفتقد ضائعه صفوان بن المعطّل. فأصبح عند منزلها فعرفها لأنه كان راها قبل الحجاب، فاسترجع، فاستيقظت باسترجاعه «٤»، وسترت وجهها بجلبابها «٥» فأناخ راحلته، وأركبها من غير أن يتكلّما بكلمة، ثم انطلق يقود بها الراحلة حتى وصل الجيش، وهو نازل للراحة، فقامت قيامة أهل الافك، قالوا ما قالوا في عائشة وصفوان. والذي تولّى كبر الإفك عبد الله بن أبيّ، ولما قدموا المدينة مرضت عائشة شهرا، والناس يفيضون «٦» في قول أهل الإفك. وهي لا تشعر بشيء، وكانت تعرف في رسول الله رقّة إذا مرضت، فلم يعطها نصيبا منها في هذا المرض، بل كان يمرّ على باب الحجرة لا يزيد على قوله: كيف حالكم؟
مما جعلها في ريب عظيم، فلما نقهت «٧» خرجت هي وأم مسطح بن أثاثة «٨» أحد أهل الإفك للتبرز خارج البيوت، فعثرت أم مسطح في مرطها «٩» فقالت: تعس مسطح! فقالت عائشة: بئس ما قلت!!! أتسبيّن رجلا شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه «١٠» أولم تسمعي ما قالوا؟ فسألتها عائشة عن ذلك فأخبرتها الخبر، فازدادت مرضا على مرضها، ولما جاءها ﵊ كعادته، استأذنته أن تمرّض في بيت أبيها، فأذن لها، فسألت أمها عمّا يقول الناس فقالت با بنيّة هوّني عليك،
_________________
(١) الجزع: الخرز. وظفار: مدينة باليمن.
(٢) قوم الرجل وقبيلته ومن ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة.
(٣) مركب النساء.
(٤) أي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(٥) الجلباب هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار
(٦) أي يخوضون.
(٧) أي أفاقت من المرض.
(٨) رائطة بنت صخر وهي مشهورة بكذبها، أسلمت فحسن إسلامها، وكانت من أشد الناس على مسطح حين تكلم مع أهل الإفك.
(٩) وأحد المروط وهي أكسية من صوف أو خز كان يؤتزر بها.
(١٠) أي هذه.
[ ١٤١ ]
فو الله لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة «١» عند رجل يحبّها لها ضرائر إلّا أكثرن عليها فقالت عائشة: سبحان الله! أو قد تحدّث الناس بهذا؟! وبكت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها دمع، ولا تكتحل بنوم. وفي خلال ذلك كان ﵊ يستشير كبار أهل بيته فيما يفعل، فقال له أسامه بن زيد «٢» لما يعلمه من براءة عائشة: أهلك أهلك ولا نعلم عليهم إلّا خيرا، وقال علي بن أبي طالب: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فدعا ﵊ بريرة «٣» جارية عائشة وقال لها: هل رأيت من شيء يريبك؟ فقالت:
والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه «٤» غير أنها جارية حديثة السّن تنام عن عجينها، فتأتي الداجن «٥» فتأكله.
فقام ﵊ من يومه، وصعد المنبر، والمسلمون مجتمعون، وقال: من يعذرني «٦» من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلّا خيرا. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما يدخل على أهلي إلّا معي.
فقال سعد بن معاذ: أنا يا رسول الله أعذرك منه، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة الخزرجي وقال: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أنه يقتل، فقام أسيد بن خضير، وقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه، فإنك منافق تجادل المنافقين. وكادت تكون فتنة بين الأوس والخزرج لولا أن رسول الله ﷺ نزل من فوق المنبر، وخفّضهم حتى سكتوا، أما عائشة فبقيت ليلتين لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم. وبينما هي مع أبويها إذ دخل النبي عليه
_________________
(١) أي حسنة جميلة.
(٢) الكلبي الحب ابن الحب يكنى أبا محمد فأمه أم أيمن حاضنة النبي ﷺ، ولد أسامه في الإسلام ومات النبي ﷺ وله عشرون سنة، وقد أمّره على جيش عظيم، فمات النبي ﷺ قبل أن يتوجّه فأنفذه أبو بكر، وكان عمر يجلّه ويكرمه، اعتزل أسامة الفتن بعد قتل عثمان إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية، وكان سكن المزة من أعمال دمشق، ثم رجع فسكن وادي القرى، ثم نزل إلى المدينة، فمات بها بالجرف سنة ٥٤ هـ، وفضائله كبيرة، أحاديثه شهيرة.
(٣) اشترتها عائشة فاعتقتها، وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، وقصتها تلك في الصحيحين. والبريرة واحدة البرير وهو ثمر الأراك.
(٤) أعيبه عليها.
(٥) هي الشاة التي تألف في البيوت ولا تخرج إلى المرعى.
(٦) أي ينصرني إن جازيته على سوء صنيعه.
[ ١٤٢ ]
الصلاة والسلام فسلّم ثم جلس فقال: أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف وتاب تاب الله عليه، فتقلّص «١» دمع عائشة، وقالت لأبويها:
أجيبا رسول الله ﷺ، فقالا: والله ما ندري ما نقول، فقالت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم:
إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة لتصدّقنّي، فو الله لا أجدلي ولكم مثلا إلّا أبا يوسف حيث قال فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ «٢» .
ثم تحولت واضطجعت على فراشها، ولم يزاول رسول الله ﷺ مجلسه حتى نزلت عليه الايات من سورة النور ببراءة السيدة المطهرة عائشة الصديقة إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «٣» فسرّي عن رسول وهو يضحك، وبشّر عائشة بالبراءة «٤»، فقالت لها أمها: قومي فاشكري رسول الله، فقالت: لا والله،
_________________
(١) أي بمعنى جف من شدّة الحزن.
(٢) سورة يوسف اية ١٨.
(٣) اية ١١- ٢١
(٤) وقد برأ الله أربعة بأربعة برأ يوسف بلسان الشاهد (وشهد شاهد من أهلها) وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها (إني عبد الله) وبرأ عائشة بهذه الايات العظام.
[ ١٤٣ ]
لا أشكر إلّا الله الذي برّأني «١» . وبعد ذلك أمر ﵊ بأن يجلد من صرّح بالإفك ثمانين جلدة وهي حد القاذف، وكانوا ثلاثة: حمنة بنت جحش «٢» ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت. وكان أبو بكر ينفق على مسطح بن أثاثة «٣» لقرابته منه، فلمّا تكلّم بالإفك قطع عنه النفقة، فأنزل الله وَلا يَأْتَلِ «٤» أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٥» فقال أبو بكر: بل نحب ذلك يا رسول الله، وأعاد النفقة على مسطح. فهذه مضار المنافقين الذين يدخلون بين الأمم مظهرين لهم المحبة وقلوبهم مملوءة حقدا يتربصون الفتن، فمتى رأوا بابا لها ولجوه فنعوذ بالله منهم.
غزوة الخندق «٦»
لم يقرّ لعظماء بني النضير قرار بعد جلائهم عن ديارهم وإرث المسلمين لها، بل كان في نفوسهم دائما أن يأخذوا ثأرهم، ويستردّوا بلادهم، فذهب جمع منهم إلى مكّة، وقابلوا رؤساء قريش، وحرّضوهم على حرب رسول الله ﷺ ومنّوهم المساعدة، فوجدوا منهم قبولا لما طلبوه، ثم جاؤوا إلى قبيلة غطفان وحرّضوا
_________________
(١) وفي المسند من حديث عائشة أنه لما أنزل الله براءتها قام إليها أبو بكر، فقبل رأسها، فقالت له: هلّا كنت عذرتني، فقال: أي سماء تظلني وأني أرض تقلني، إن قلت بما لا أعلم.
(٢) كانت زوج مصعب بن عمير فقتل عنها يوم أحد فتزوجها طلحة بن عبد الله، فولدت له محمّدا وعمرا. وقال أبو عمر: كانت من المبايعات وشهدت أحدا فكانت تسقي العطشى وتحمل الجرحى وتداويهم، وهي والدة محمد بن طلحة المعروف بالسجاد.
(٣) كان اسمه عوفا وأما مسطح فهو لقبه وأمه بنت خالة أبي بكر أسلمت وأسلم أبوها قديما، فحديث الإفك ثبت في الصحيحين في حديث عائشة الطويل في الإفك، وفي الخبر الذي أخرجه أبو داود من وجه اخر عن عائشة أن النبي ﷺ جلد الذين قذفوا عائشة وعده منهم، ومات مسطح سنة ٣٤ في خلافة عثمان.
(٤) ولا يحلف.
(٥) سورة النور اية ٢٢ وقد روى هذه القصة الشيخان بالسند عن عائشة.
(٦) كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن اسحاق وعروة بن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفا وخلفا وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذلك قال الإمام مالك بن أنس، فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى بن داود عنه. قال البيهقي: ولا اختلاف بينهم في الحقيقة، لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس، والصحيح قول الجمهور: إن أحدا في شوال سنة ثلاث وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة والله أعلم.
[ ١٤٤ ]
رجالها كذلك، وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب، فوجدوا منهم ارتياحا، فتجهزت قريش وأتباعها يرأسهم أبو سفيان، ويحمل لواءهم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، وعددهم أربعة الاف معهم ثلاثمائة فرس وألف بعير.
وتجهزت غطفان يرأسهم عيينة بن حصن الذي جازى إحسان رسول الله كفرا، فإنه كما قدّمنا أقطعه أرضا يرعى فيها سوائمه، حتى إذا سمن خفّه وحافره، قام يقود الجيوش لحرب من أنعم عليه، وكان معه ألف فارس. وتجهّزت بنو مرّة يرأسهم الحارث بن عوف المري وهم أربعمائة، وتجهّزت بنو أشجع يرأسهم أبو مسعود ابن رخيلة «١»، وتجهّزت بنو سليم يرأسهم سفيان بن عبد شمس، وهم سبعمائة، وتجهّزت بنو أسد يرأسهم طليحة بن خويلد الأسدي، وعدة الجميع عشرة الاف محارب قائدهم العام أبو سفيان. ولمّا بلغه ﵊ أخبار هاته التجهيزات، استشار أصحابه فيما يصنع أيمكث بالمدينة أم يخرج للقاء هذا الجيش الجرّار؟ فأشار عليه سلمان الفارسي بعمل الخندق وهو عمل لم تكن العرب تعرفه، فأمر ﵊ المسلمين بعمله، وشرعوا في حفره شمالي المدينة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، وهذه هي الجهة التي كانت عورة تؤتى المدينة من قبلها. أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل، لا يتمكّن العدو من الحرب جهتها، وقد قاسى المسلمون صعوبات جسيمة في حفر الخندق، لأنهم لم يكونوا في سعة من العيش حتى يتيسر لهم العمل، وعمل معهم ﵊، فكان ينقل التراب متمثّلا بشعر ابن رواحة:
اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا «٢»
وأقام الجيش في الجهة الشرقية مسندا ظهره إلى سلع وهو جبل مطل على المدينة وعدّتهم ثلاثة الاف، وكان لواء المهاجرين مع زيد بن حارثة، ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة. أما قريش فنزلت بمجمع الأسيال «٣»، وأما غطفان
_________________
(١) في الأصل أبو مسعود وهو خطأ وفي الإصابة وأسد الغاية مسعود بن رخيلة الأشجعي ثم أسلم فحسن اسلامه
(٢) في البخاري وفي رواية أخرى عن البراء فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ثم ذكر الرجز السابق.
(٣) الموضع الذي تجتمع فيه السيول.
[ ١٤٥ ]
فنزلت جهة أحد، وكان المشركون معجبين بمكيدة الخندق التي لم تكن العرب تعرفها، فصاروا يترامون مع المسلمين بالنبل. ولما طال المطال عليه أكره جماعة منهم على اقتحام الخندق، منهم: عكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن ود واخرون، وقد برز عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لعمرو بن ود فقتله وهرب إخوانه، وهوى في الخندق نوفل بن عبد الله فاندقت عنقه ورمي «١» سعد بن معاذ ﵁ بسهم قطع أكحله وهو شريان الذراع واستمرّت المناوشة والمراماة بالنبل يوما كاملا حتى فاتت المسلمين صلاة ذاك اليوم وقضوها بعد، وجعل ﵊ على الخندق حرّاسا حتى لا يقتحمه المشركون بالليل، وكان يحرس بنفسه ثلمة «٢» فيه مع شدّة البرد، وكان ﵊ يبشّر أصحابه بالنصر والظفر ويعدهم الخير. أما المنافقون فقد أظهروا في هذه الشدّة ما تكنّه ضمائرهم حتى قالوا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا «٣» وانسحبوا قائلين: إنّ بيوتنا عورة نخاف أن يغير عليها العدو وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا «٤»، واشتدّت الحال بالمسلمين، فإنّ هذا الحصار صاحبه ضيق على فقراء المدينة، والذي زاد الشدّة عليهم ما بلغهم من أنّ يهود بني قريظة الذين يساكنونهم في المدينة قد انتهزوا هذه الفرصة لنقض العهود، وسبب ذلك أنّ حييّ بن أخطب سيد بني النضير المجليّين توجّه إلى كعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة، وكان له كالشيطان إذ قال للإنسان: اكفر، فحسّن له نقض العهد، ولم يزل به حتى أجابه لقتال المسلمين، ولمّا بلغت هذه الأخبار رسول الله ﷺ أرسل مسلمة بن أسلم «٥» في مائتين، وزيد ابن حارثة في ثلاثمائة لحراسة المدينة خوفا على النساء والذراري، وأرسل الزبير ابن العوّام يستجلي له الخبر، فلمّا وصلهم وجدهم حانقين يظهر على وجوههم الشرّ، ونالوا من رسول الله والمسلمين أمامه، فرجع وأخبر الرسول بذلك.
وهنالك اشتدّ وجل المسلمين وزلزلوا زلزالا شديدا، لأنّ العدو جاءهم من فوقهم ومن أسفل منهم وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وظنّوا بالله الظنون،
_________________
(١) رماه رجل من قريش يقال له حيان بن العرفة.
(٢) فرجة المكسور والمهدوم.
(٣) سورة الأحزاب اية ١٢.
(٤) سورة الأحزاب اية ١٣.
(٥) قتل يوم جسر أبي عبيد.
[ ١٤٦ ]
وتكلّم المنافقون بما بدا لهم، فأراد ﵊ أن يرسل لعيينة بن حصن، ويصالحه على ثلث ثمار المدينة لينسحب بغطفان، فأبى الأنصار ذلك قائلين: إنهم لم يكونوا ينالون منّا إلّا قليلا من ثمارنا ونحن كفار، أفبعد الإسلام يشاركوننا فيها؟! وإذا أراد الله العناية بقوم هيأ لهم أسباب الظفر من حيث لا يعلمون. فانظر إلى هذه العناية من الله للمتمسكين بدينه القويم.
جاء نعيم بن مسعود الأشجعي وهو صديق قريش واليهود ومن غطفان، فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وقومي لا يعلمون بإسلامي فمرني بأمرك حتى أساعدك. فقال: أنت رجل واحد وماذا عسى أن تفعل؟ ولكن خذّل عنّا ما استطعت فإن الحرب خدعة «١» .
الخدعة في الحرب
فخرج من عنده وتوجّه إلى بني قريظة الذين نقضوا عهود المسلمين، فلمّا رأوه أكرموه لصداقته معهم فقال: يا بني قريظة تعرفون ودّي لكم وخوفي عليكم، وإني محدّثكم حديثا فاكتموه عنّي، قالوا: نعم، فقال: لقد رأيتم ما وقع لبني قينقاع والنضير من إجلائهم وأخذ أموالهم وديارهم، وإنّ قريشا وغطفان ليسوا مثلكم فهم إذ رأوا فرصة انتهزوها وإلّا انصرفوا لبلادهم. وأما أنتم فتساكنون الرجل يريد الرسول ولا طاقة لكم بحربه واحدكم فأرى ألاتدخلوا في هذه الحرب حتى تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن يتركوكم ويذهبوا إلى بلادهم بأن تأخذوا منهم رهائن سبعين شريفا منهم، فاستحسنوا رأيه وأجابوه إلى ذلك.
ثم قام من عندهم وتوجّه إلى قريش فاجتمع برؤسائهم، وقال: أنتم تعرفون ودّي لكم ومحبتي إيّاكم وإني محدّثكم حديثا فاكتموه عني، قالوا: نفعل، فقال لهم: إنّ بني قريظة قد ندموا على ما فعلوه مع محمد وخافوا منكم أن ترجعوا وتتركوهم معه، فقالوا له: أيرضيك أن نأخذ جمعا من أشرافهم ونعطيهم لك، وتردّ جناحنا الذي كسرت- يريد بني النضير- فرضي بذلك منهم. وها هم مرسلون إليكم فاحذروهم ولا تذكروا مما قلت لكم حرفا. ثم أتى غطفان
_________________
(١) فتح الخاء وضمها والفتح أفصح.
[ ١٤٧ ]
فأخبرهم بمثل ما أخبر به قريشا فأرسل أبو سفيان وفدا «١» لقريظة يدعوهم للقتال غدا فأجابوا: إنّا لا يمكننا أن نقاتل في السبت وكان إرساله لهم ليلة السبت- ولم يصبنا ما أصابنا إلّا من التعدّي فيه، ومع ذلك فلا نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم حتى لا تتركونا، وتذهبوا إلى بلادكم «٢»، فتحققت قريش وغطفان كلام نعيم بن مسعود، وتفرّقت القلوب فخاف بعضهم بعضا. وكان ﵊ قد ابتهل إلى الله الذي لا ملجأ إلّا إليه ودعاه بقوله: «اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم» «٣» وقد أجاب الله دعاءه ﵊ فأرسل على الأعداء ريحا باردة في ليلة مظلمة، فخاف العرب أن تتفق اليهود مع المسلمين ويهجموا عليهم في الليلة المدلهمّة «٤» فأجمعوا أمرهم على الرحيل قبل أن يصبح الصباح. ولمّا سمع ﵊ الضوضاء في جيش العدو، قال لأصحابه: لا بدّ من حادث. فمن منكم ينظر لنا القوم؟ فسكتوا حتى كرّر ذلك ثلاثا. وكان فيهم حذيفة بن اليمان، فقال ﵊:
تسمع صوتي منذ الليلة ولا تجيب! فقال: يا رسول الله البرد شديد، فقال: اذهب في حاجة رسول الله واكشف لنا خبر القوم فخاطر ﵁ بنفسه في خدمة نبيّه حتى اطّلع على جليّة الخبر، وأن الأعداء عازمون على الرحلة «٥» .
هزيمة الأحزاب
وقد بلغ من خوفهم أن كان رئيسهم أبو سفيان يقول لهم: ليتعرّف كلّ منكم أخاه، وليمسك بيده حذرا من أن يدخل بينكم عدو، وقد حلّ عقال بعيره يريد أن يبدأ بالرحيل، فقال له صفوان بن أمية: إنك رئيس القوم فلا تتركهم وتمضي، فنزل أبو سفيان وأذن بالرحيل، وترك خالد بن الوليد في جماعة ليحموا ظهور المرتحلين حتى لا يدهموا من ورائهم، وأزاح الله عن المسلمين هذه الغمّة التي تحزّب فيها الأحزاب من عرب ويهود على المسلمين، ولولا لطف الله وعنايته
_________________
(١) عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان.
(٢) رواه ابن اسحاق في المعنى.
(٣) ثبت في الصحيحين.
(٤) أدلهم الظلام إذا اشتد.
(٥) رواه مسلم في صحيحه عن يزيد عن أبيه وقد رواه الحاكم والحافظ البيهقي في الدلائل.
[ ١٤٨ ]
بهذا الدين منّة منه وفضلا لساءت الحال. وكان جلاء الأحزاب في ذي القعدة، وكان حقا على الله أن يسمّيه نعمة بقوله في سورة الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا «١» .
غزوة بني قريظة
ولمّا رجع ﵊ بأصحابه، وأراد أن يخلع لباس الحرب، أمره الله باللحوق ببني قريظة «٢»، حتى يطهّر أرضه من قوم لم تعد تنفع معهم العهود، ولا تربطهم المواثيق، ولا يأمن المسلمون جانبهم في شدّة، فقال لأصحابه: «لا يصلينّ أحد منكم العصر إلّا في بني قريظة» فساروا مسرعين، وتبعهم ﵊ راكبا على حماره، ولواؤه بيد علي بن أبي طالب، وخليفته على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وكان عدد المسلمين ثلاثة الاف، وقد أدرك جماعة من الأصحاب صلاة العصر في الطريق فصلّاها بعضهم حاملين أمر الرسول بعدم صلاتها على قصد السرعة، ولم يصلّها الاخرون إلّا في بني قريظة بعد مضي وقتها حاملين الأمر على حقيقته فلم يعنّف فريقا «٣» منهم. ولمّا رأى بنو قريظة جيش المسلمين ألقى الله الرعب في قلوبهم، وأرادوا التنصّل من فعلتهم القبيحة وهي الغدر بمن عاهدوهم وقت الشغل بعدو اخر، ولكن أنّى لهم ذلك وقد ثبت للمسلمين غدرهم، فلمّا رأوا ذلك تحصّنوا بحصونهم وحاصرهم
_________________
(١) اية ٩ إلى ١٣.
(٢) وفي البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت لما رجع النبي ﷺ من الخندق، وضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل فقال قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه، فأخرج إليهم «قال فإلى اين» قال: هاهنا وأشار إلى قريظة فخرج إليهم
(٣) رواه البخاري ومسلم وفي هذا دليل على أن كل مختلفين في الفروع أن المجتهد فيه مصيب. وقد رواه أيضا البيهقي من طريقين ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها. وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو؟ بل الإجماع على أن كلا من الفريقين مأجور ومعذور غير معنف.
[ ١٤٩ ]
المسلمون خمسا وعشرين ليلة، فلمّا رأوا ألامناص من الحرب، وأنهم إن استمرّوا على ذلك ماتوا جوعا وطلبوا من المسلمين أن ينزلوا على ما نزل عليه بنو النضير من الجلاء بالأموال وترك السلاح، فلم يقبل الرسول ﷺ، فطلبوا أن يجلوا بأنفسهم من غير سلاح فلم يرض أيضا، بل قال: لا بدّ من النزول والرضا بما يحكم عليهم خيرا كان أو شرّا، فقالوا له: أرسل لنا أبا لبابة نستشيره، وكان أوسيا من حلفاء بني قريظة، له بينهم أولاد وأموال، فلمّا توجّه إليهم استشاروه في النزول على حكم الرسول. فقال لهم: انزلوا وأومأ بيده إلى حلقه يريد أن الحكم الذبح، ويقول أبو لبابة «١»: لم أبارح موقفي حتى علمت أني خنت الله ورسوله، فنزل من عندهم قاصدا المدينة خجلا من مقابلة رسول الله، ولما سأل عنه ﵊ أخبر بما فعل، فقال: أما أنه لو جاءني لاستغفرت له، أما وقد فعل ما فعل فنتركه حتى يقضي الله فيه «٢» . ثم إن بني قريظة لمّا لم يروا بدّا من النزول على حكم رسول الله فعلوا، فأمر برجالهم فكتّفوا، فجاءه رجال من الأوس وسألوه أن يعاملهم كما عامل بني قينقاع حلفاء إخوانهم الخزرج، فقال لهم: ألا يرضيكم أن يحكم فيهم رجل منكم؟ فقالوا: نعم. واختاروا سيدهم سعد بن معاذ الذي كان جريحا من السهم الذي أصيب به في الخندق، وكان مقيما بخيمة في المسجد معدة لمعاملة الجرحى، فأرسل ﵊ من يأتي به، فحملوه على حماره، والتفّ عليه جماعة من الأوس يقولون له: أحسن في مواليك ألا ترى ما فعل ابن أبيّ في مواليه؟ فقال ﵁: لقد ان لسعد ألّا تأخذه في الله لومة لائم. ولما أقبل على الرسول وأصحابه وهم جلوس، قال ﵊: قوموا إلى سيّدكم فأنزلوه، ففعلوا وقالوا له: إن رسول الله قد ولّاك أمر مواليك لتحكم فيهم. وقال له الرسول: احكم فيهم يا سعد فالتفت سعد للناحية التي ليس فيها رسول الله وقال: عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم كما حكمت؟ فقالوا: نعم، فالتفت إلى الجهة التي فيها الرسول وقال: وعلى من هنا كذلك؟ وهو غاضّ طرفه إجلالا فقالوا: نعم، فقال: فإني أحكم أن تقتلوا الرجال، وتسبوا النساء والذرية، فقال ﵊: «لقد حكمت فيهم
_________________
(١) هو بشير بن عبد المنذر بن المدني أحد النقباء، عاش إلى خلافة علي.
(٢) رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري وهكذا رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة كما ذكره محمد بن اسحاق في مغازيه في مثل سياق موسى بن عقبة عن الزهري وقد ذكره المؤلف باختصار.
[ ١٥٠ ]
بحكم الله» «١» لأن هذا جزاء الخائن الغادر. ثم أمر بتنفيذ الحكم فنفذ عليهم، وجمعت غنائمهم، فكانت ألفا وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفي رمح وخمسمائة ترس وجحفة، ووجد أثاثا كثيرا وانية وجمالا نواضح «٢» وشياها فخمس ذلك كله مع النخل والسبي للراجل ثلث الفارس، وأعطى النساء اللاتي يمرضنّ الجرحى، ووجد في الغنيمة جرار خمر فأريقت. وبعد اتمام هذا الأمر انفجر جرح سعد بن معاذ فمات «٣» ﵁ وأرضاه، كان في الأنصار كأبي بكر في المهاجرين. وقد كان له العزم الثابت في جميع المشاهد التي تقدمت الخندق، وكان ﵊ يحبّه كثيرا وبشّره بالجنّة على عظيم أعماله.
وعقب رجوع المسلمين إلى المدينة تاب الله على أبي لبابة بقوله: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٤» وقد عاهد الله أن يهجر ديار بني قريظة التي حصلت فيها هذه الزلّة.
وبتمام هذه الغزوة أراح الله المسلمين من شرّ مجاورة اليهود الذين تعودوا الغدر والخيانة، ولم تبق إلّا بقية من كبارهم بخيبر وأهلها وهم الذين كانوا السبب في إثارة الأحزاب. وسيأتي للقارىء قريبا اليوم الذي يعاقبون فيه.
زواج زينب بنت جحش
وفي هذا العام تزوج ﵊ زينب بنت جحش- وأمها أميمة عمته- بعد أن طلقها مولاه زيد بن حارثة، وكان من أمر زواجها لزيد أن الرسول ﷺ خطبها له فتأفف أهلها من ذلك لمكانها في الشرف العظيم، فإن العرب كانوا يكرهون تزويج بناتهم من الموالي، ويعتقدون ألاكفء من سواهم لبناتهم، وزيد وإن كان الرسول تبنّاه ولكن هذا لا يلحقه بالأشراف، فلمّا نزل قوله تعالى في سورة الأحزاب وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ
_________________
(١) رواه الشيخان وأبو داود.
(٢) النواضح جمع ناضح. وقال ابن هشام الناضح: البعير الذي عليه الماء لسقي النخل.
(٣) فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش وفي حديث اخر: قال ﵊: لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك ما وطؤا الأرض قبلها، ويذكر أن قبره وجد منه رائحة المسك أخرجه ابن سعد وأبو نعيم.
(٤) سورة التوبة ١٠٢.
[ ١٥١ ]
الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا «١» . لم يروا بدّا من القبول، فلمّا دخل عليها زيد أرته من كبريائها وعظمتها ما لم يتحمّله، فاشتكاها لرسول الله ﷺ فأمره باحتمالها والصبر عليها إلى أن ضاقت نفسه، فأخبره بالعزم على طلاقها وقرر ذلك، ولما كانت العشرة بين مثل هذين الزوجين ضربا من العبث، أمر الله نبيّه ﷺ أن يتزوج زينب بعد طلاقها حسما لهذا الشقاق من جهة، وحفظا لشرفها أن يضيع بعد زواجها بمولى من جهة أخرى، ولكن رسول الله ﷺ خشي من لوم اليهود والعرب له في زواجه بزوج ابنه «٢» فقال لزيد: أمسك عليك زوجك واتق الله، وأخفى في نفسه ما أبداه الله فبتّ الله حكمه بإبطال هذه القاعدة وهي تحريم زوج المتبنى بقوله في سورة الأحزاب فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا «٣» ثم إن الله حرم التبني على المسلمين لما فيه من الإضرار، وأنزل فيه في سورة الأحزاب ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا «٤» ومن هذا الحين صار اسم زيد «زيد بن حارثة» بدل «زيد بن محمد» . وأبدل بذلك أن ذكر اسمه في قران يتلى على مرّ الدهور والأعوام «٥»
يقول المؤرخون وذوو المقاصد السافلة منهم في هذه القصة أقوالا لا تجوز إلّا ممّن ضاع رشده، ولم يفقه حقيقة ما يقول، فإنهم يذكرون أن الرسول توجّه يوما لزيارة زيد فرأى زوجه مصادفة لأن الريح رفعت الستر عنها، فوقعت في قلبه، فقال: سبحان الله، فلما جاء زوجها ذكرت له ذلك، فرأى من الواجب عليه فراقها، فتوجّه وأخبر الرسول بعزمه، فنهاه عن ذلك إلخ. وهذا مما يكذبه أن نساء
_________________
(١) اية ٣٦.
(٢) روى أن أبي حاتم والطبري عن علي بن الحسين بن علي قال: (أعلم الله نبيّه أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها فلما أتاه زيد يشكوها وقال له: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» قال الله قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه) وهذا ما ذهب إليه المحققون من المفسرين وغيرهم في تفسير الخشية كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي والقاضي عياض في الشفاء. والحافظ المؤرخ ابن كثير في التفسير والبداية والنهاية.
(٣) اية ٣٧.
(٤) اية ٤٠.
(٥) رواه البخاري.
[ ١٥٢ ]
العرب لم تكن قبل ذلك تعرف ستر الوجوه، وزينب بنت عمته أسلمت قديما ورسول الله بمكّة، فكيف لم يرها، وقد مضى على إسلامها نحو عشر سنوات وهي بنت عمته، إلّا حينما رفعت الريح الستر مصادفة، ورسول الله هو الذي زوجها زيدا، فلو كان له فيها رغبة حب أو عشق لتزوجها هو ولا مانع يمنعه من ذلك.
ومن منا يتصوّر أن السيد الأكرم يقول لقومه: إنه مرسل من ربه، ويتلو عليهم صباح مساء أمر الله له بقوله في سورة الحجر المكية لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ «١» وفي سورة طه المكية أيضا وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا «٢» ثم هو بعد ذلك يدخل بيت رجل من متّبعيه، وينظر إلى زوجه مصادفة، ثم يشتهي زواجها؟ إن هذا الأمر عظيم تشعر بذلك صدورنا. ولو حدث أمر مثل ذلك من أقلّ الناس لعيب عليه، فكيف بمن اجتمعت كلمة المؤرخين على أنه أحسن الناس خلقا، وأبعدهم عن الدنايا، وأشدّهم ذكاء وفراسة حتى مدحه الله بقول في سورة ن وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٣» لا شكّ أنّ هذه الخرافة مما يلتحق بخرافة الغرانيق، وضعها أعداء الدين ليصلوا بها إلى أغراضهم، والحمد لله قد ناقضت النقل والعقل، فلم تبق شبهة في أن الحقيقة ما نقلناه لك أولا، وهو الذي يستفاد من القران الشريف قال تعالى في سورة الأحزاب وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا «٤» . والذي أبداه الله هو زواجه بها، ولم يبد غير ذلك وهذا القران أعظم شاهد.
الحجاب
وفيه نزلت اية الحجاب وهو خاص بنساء رسول الله ﷺ «٥» . وكان عمر بن
_________________
(١) اية ٨٨.
(٢) اية ١٣١.
(٣) اية ٤.
(٤) اية ٣٧.
(٥) قال جمهور المفسرين على أن هذه الاية وإن كانت خطابا لأزواج النبي ﷺ فحكمها لجميع نساء الأمة، وإنما خص نساء النبي لمنزلتهن وعظم فضلهن، ومكانهن من النبي ﷺ.
[ ١٥٣ ]
الخطاب قبل نزول ايته يحبه ويذكره كثيرا «١» . ويودّ أن ينزل فيه قران، وكان يقول:
لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزل في سورة الأحزاب وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ «٢»، فقال بعضهم: أننهى أن نكلم بنات عمّنا إلّا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن عائشة! فنزل بعد الاية المتقدمة وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا «٣» أما أزواجه ﵊ من المؤمنات «٤»، فأمرن بغض الأبصار، وحفظ الفروج كما أمر بذلك الرجال، وأمرن ألايبدين زينتهن للأجانب إلّا ما ظهر منها كالخاتم في الإصبع، والخضاب في اليد، والكحل في العين أما ما خفي منها فلا يحل إبداؤه كالسوار للذراع، والدّملج للعضد، والخلخال للرجل، والقلادة للعنق، والإكليل للرأس، والوشاح للصدر، والقرط للأذن. والمراد بالزينة الظاهرة والخفية موضعها، وأمرن أيضا بأن يضربن بخمرهن على الجيوب كيلا تبقى صدورهنّ مكشوفة، فإن النساء إذ ذاك كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهنّ وصدورهنّ وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهنّ، ونهين عن أن يضربن بأرجلهنّ ليعلم أنهنّ ذوات خلخال. وإذا كان النهي عن إظهار صوت الحلي بعد ما نهين عن إظهار الحلي علم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ قال تعالى في سورة النور وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
_________________
(١) قال عمر ﵁: قلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل بعد اية الحجاب رواه البخاري.
(٢) اية ٥٣.
(٣) اية ٥٣ من سورة الأحزاب.
(٤) الحجاب عام بنساء المؤمنين بدليل قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ فإن الله يأمر نساء النبي وبنات النبي لشرفهن أن يدنين عليهن من جلابيبهن ثم يعطف على ذلك بنساء المؤمنين. ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية، والجلباب (هو الرداء فوق الخمار) قال ابن مسعود وجمع من الصحابة والتابعين هو بمنزلة الإزار اليوم قال الجوهري: الجلباب هو الملحفة. وعن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة، وقال محمد بن سيرين سألت عبيدة السلماني عن قول الله ﷿: يدنين عليهن من جلابيبهن فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. ولما نزلت هذه الاية: خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها. راجع كتاب الحجاب لأبي الأعلى المودودي.
[ ١٥٤ ]
أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
«١» وكان النساء في أول الإسلام كما كن في الجاهلية متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار، لا فرق بين الحرّة والأمة، وكان الفتيان وأهل الشطارة «٢» يتعرضون للإماء إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهن في النخيل والغيطان «٣»، وربما تعرضوا للحرّة بعلّة الأمة يقولون: حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهنّ عن زي الإماء بأن يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ ليغطي الوجه والأعطاف «٤» ليحتشمن، ويهبن فلا يطمع فيهنّ طامع، قال تعالى في سورة الأحزاب يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا «٥» .
أما حجب المرأة عمّن يريد خطبتها فهو أمر لم يكن يفعل في عهد الرسول ﷺ ولا في عهد السلف الصالح، فإن الشارع الحكيم سنّ ذلك ليكون الرجل على علم مما يقدم عليه، حتى يتم الوفاق والوئام بين الزوجين في أمر أجمع عليه أئمة الدين. قال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء: «وقد ندب الشرع إلى مراعاة أسباب الألفة، ولذلك استحبّ النظر، فقال: إذا أوقع الله في نفس أحدكم من امرأة، فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما «٦» - أي يؤلف بينهما- من وقوع الأدمة على الأدمة والأدمة: هي الجلدة الباطنة، والبشرة: الجلدة الظاهرة، وإنما ذكر ذلك للمبالغة في الائتلاف، وقال ﵊: «إن في أعين الأنصار شيئا فإذا أراد أحدكم أن يتزوج منهنّ فلينظر إليهنّ» «٧» قيل: كان في أعينهن عمش وقيل: صغر. وكان بعض الصالحين لا ينكحون كرائمهم إلّا بعد
_________________
(١) اية ٣١.
(٢) الشاطر من أعيا أهله خبثا.
(٣) الغيظ دخول الشيء في الشيء.
(٤) عطفا (بالكسر) جانبا كل شيء وتنح عن عطف الطريق أي قارعته ويفتح.
(٥) اية ٥٩.
(٦) رواه الترمذي وابن ماجه.
(٧) رواه مسلم والنسائي.
[ ١٥٥ ]
النظر احترازا من الغرور، وقال الأعمش «١»: كل تزويج يقع على غير نظر فاخره همّ وغمّ، ولا يبعد أن يكون فساد الزمن والابتعاد عن التربية الدينية التي تسوق إلى مكارم الأخلاق قد حسّنا عند عامّة المسلمين في العصور الأولى حجب المرأة مطلقا حسما للمفاسد ودرا للفتنة.
فرض الحج «٢»
وفي هذا العام على ما عليه الأكثرون «٣» فرض الله على الأمة الإسلامية حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا، ليجتمع المسلمون من جميع الأقطار، فيتجهوا إلى الله ويبتهلوا إليه أن يؤيدهم بنصره ويعينهم على اتباع دينه القويم، وفي ذلك من تقوية الرابطة، واتّحاد القلوب ما فيه للمسلمين الفائدة العظمى.
_________________
(١) هو سليمان بن مهران الكاهلي، كنيته الكوفي تابعي مشهور أحد الأعلام الحفاظ والقراء.
(٢) الحج: هو زيارة الأماكن المقدسة للنسك. ونزل فرض الحج كما قرره الشافعي ﵀ زمن الحديبية في قوله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ولهذا ذهب إلى أن الحج فرض على التراخي لا على الفور لأنه ﷺ لم يحج إلّا في سنة عشر، وخالفه الثلاثة مالك وأبو حنيفة وأحمد، فعندهم أن الحج يجب على كل من استطاعه على الفور.
(٣) وقيل في السنة السادسة وإليه ذهب الشافعي.
[ ١٥٦ ]