إذا تأمل المتأمل ما قدّمناه من جميل أثر هذا السيد الكريم. وحميد سيره، وبراعة علمه، ورجاحة عقله وحلمه، وجملة كماله، وجميع خصاله، وشاهد حاله، وصواب مقاله لم يمتر «٣» في صحة نبوّته، وصدق دعوته، وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه، والإيمان به، كعبد الله بن سلام. فإنه قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة جئته لا نظر إليه؛ فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. وروى مسلم أن ضمادا لما وفد عليه، قال له ﷺ «إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله واحده لا شريك له، وأن محمّدا عبده ورسوله» فقال له ضماد: أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فلقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك. ولما بلغ ملك عمان أن رسول الله ﵊ يدعوه إلى الإسلام قال: والله لقد دلّني على هذا النبيّ الأمي أنه لا يأمر بخير إلّا كان أول اخذ به، ولا ينهى عن شيء إلّا كان أول تارك له، وإنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يضجر، ويفي بالعهد، وينجز الموعود، وأشهد أنه نبي. قال ابن رواحة:
لو لم تكن فيه ايات مبيّنة لكان منظره ينبيك بالخبر
_________________
(١) قال العراقي لا أصل له وهو يشبه كلام الصوفية وقال الحافظ ابن حجر: لا أصل له وقال السيوطي في المناهل موضوع.
(٢) المعجزة: هي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي، الدال على صدق الأنبياء ﵈.
(٣) أي الشك.
[ ٢٦٤ ]
كيف وقد أظهر الله على يده تصديقا لدعوته من المعجزات ما لا يفي به العدّ فهو أكثر الأنبياء اية، وأظهرهم برهانا، وسنذكر لك في هذا الفصل من الايات ما تقرّبه عينك، ويزداد به يقينك مما رواه الجمّ الغفير من الصحابة رضوان الله عليهم، وأثبته المحدّثون في صحاحهم، ونبدأ منها بأظهرها شأنا، وأوضحها بيانا، وهو القران الشريف وإعجازه.
[إعجاز القرآن الكريم]
اعلم أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة:
أولها: حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحته
، ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة العرب، وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن، وفرسان الكلام، قد خصّوا من البلاغة والحكم بما لم يخصّ به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة «١» اللسان ما لم يؤت إنسان، ومن فصل الخطاب ما يقيّد الألباب، جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة، وفيهم غريزة وقوة، يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، يخطبون بديها في المقامات، وشديد الخطب، ويرتجزون «٢» به بين الطعن والضرب، ويمدحون ويقدحون، ويتوسّلون، ويتوصّلون، ويرفعون ويضعون، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال «٣»، ويطوّقون من أوصافهم أجمل من سمط اللال «٤»، فيخدعون الألباب، ويذلّلون الصعاب، ويذهبون الإحن «٥»، ويهيجون الدّمن «٦» ويجرّئون الجبان، ويبسطون يد الجعد البنان «٧» ويصيرون الناقص كاملا، ويتركون النبيه خاملا. منهم البدوي ذو اللفظ الجزل «٨»، والقول الفصل، والكلام الفخم، والطّبع الجوهري، والمنزع القوي «٩»، ومنهم الحضري، ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطّبع السّهل،
_________________
(١) فصاحته.
(٢) أي ينشدون شعرا من بحر الرجز.
(٣) وهو أن يأتوا الكلام البليغ الذي تأزر به النفوس واللال: اللالئ: جمع لؤلؤة وهي الدرة.
(٤) أي الخيط الذي عليه تنظم حبات العقد وتنجذب به القلوب.
(٥) الاحقاد والضغائن.
(٦) أي يهيجون الأحقاد الكامنة في قلوبهم.
(٧) المراد به: البخيل.
(٨) القوي الفصيح الجامع.
(٩) أي الجذب والأخذ.
[ ٢٦٥ ]
والتصرّف في القول القليل الكلفة، الكثير الرّونق، الرقيق الحاشية. وكلاهما له في الحجة البلاغة البالغة، والقوة الدامغة، والقدح الفالج «١»، والمهيع الناهج «٢»، لا يشكّون أنّ الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قد حووا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها، فقالوا في الخطير والمهين، وتفنّنوا في الغث والسمين، وتقاولوا في القّل والكثر، وتساجلوا في النظم والنثر، فما راعهم إلّا رسول كريم بكتاب عزيز، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «٣» أحكمت آياته، وفصّلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول، وتضافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كلّ البيان جوامعه وبدائعه، واعتدل مع إيجازه حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه، وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا، وأشهر في الخطابة رجالا، وأكثر في السّجع والشعر ارتجالا «٤»، وأوسع في الغريب واللغة مقالا؛ بلغتهم التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يتناضلون، صارخا بها في كل حين، ومقرعا لهم بضعا وعشرين عاما على رؤوس الملأ أجمعين أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «٦» قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا «٧»، قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ «٨»، فلم يزل يقرّعهم أشدّ التقريع. ويوبّخهم غاية التوبيخ، ويسفّه أحلامهم، ويحط أعلامهم، ويشتّت نظامهم. ويذمّ الهتم واباءهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون «٩» عن معارضته.
_________________
(١) السهم الفائز.
(٢) أي الطريق الواضح.
(٣) سورة فصلت اية ٤٢.
(٤) أي تكلّما به من غير فكر ورويّة.
(٥) سورة يونس اية ٣٨.
(٦) سورة البقرة اية ٢٣- ٢٤.
(٧) سورة الإسراء اية ٨٨.
(٨) سورة هود اية ١٣.
(٩) أي محجمون.
[ ٢٦٦ ]
محجمون عن مماثلته. يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب، والاعتراء بالافتراء، وقولهم فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ «١» وسِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «٢» إِفْكٌ افْتَراهُ «٣» أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ «٤» والمباهتة، والرضا بالدنية. كقولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ «٥» وفِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ «٦» ولا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ «٧» والادعاء مع العجز كقولهم لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا «٨» وقد قال لهم وَلَنْ تَفْعَلُوا «٩» فما فعلوا ولا قدروا. ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة، كشف عواره لجميعهم، وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم، وإلّا فلم يخف على أهل الميز «١٠» منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم، ولا جنس بلاغتهم؛ بل ولّوا عنه مدبرين، وأتوا إليه مذعنين من بيد مهتد وبين مفتون.
وأنت إذا تأملت قوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ «١١» وقوله وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ «١٢» وقوله ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «١٣» وقوله وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ «١٤» وقوله فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «١٥» وأشباهها من الاي، بل أكثر ايات القران حقّقت ما بيّنته
_________________
(١) سورة المدثر الاية ٢٤.
(٢) سورة القمر الاية ٢.
(٣) سورة الفرقان الاية ٤.
(٤) سورة الفرقان الاية ٥.
(٥) سورة البقرة ٨٨.
(٦) سورة فصلت اية ٥.
(٧) سورة فصلت اية ٢٦.
(٨) سورة الأنفال اية ٣١.
(٩) سورة البقرة ٢٤.
(١٠) أي أهل التمييز والعقل.
(١١) سورة البقرة ١٧٩.
(١٢) سورة سبأ اية ٥١.
(١٣) سورة فصلت اية ٣٤.
(١٤) سورة هود اية ٤٤.
(١٥) سورة العنكبوت اية ٤٠.
[ ٢٦٧ ]
من إيجاز ألفاظها، وكثرة معانيها، وديباجة عبارتها، وحسن تأليف حروفها، وتلاؤم كلمها، وأنّ تحت كلّ لفظة منها جملا كثيرة، وفصولا جمّة، وعلوما زواخر، ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها، وكثرة المقالات في المستنبطات عنها.
ثم هو في سرد القصص الطوال، وأخبار القرون السوالف، التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام، ويذهب ماء البيان، اية لمتأمّله، من ربط الكلام بعضه ببعض، والتئام سرده، وتناصف وجوهه، كقصة يوسف على طولها. ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة تردّدها، حتى تكاد كلّ واحدة ينسي في البيان صاحبتها. وتناصف في الحسن وجه مقابلتها، ولا نفور للنفوس من ترديدها، ولا معاداة لمعادها.
الوجه الثاني من إعجاز القران: صورة نظمه العجيب
، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه، ووقفت عليه مقاطع ايه، وانتهت فواصل كلماته إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل حارت فيه عقولهم، وتدلّهت «١» دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر، أو نظم، أو سجع، أو رجز، أو شعر.
والإعجاز بكل واحد من النوعين، والإيجاز والبلاغة بذاتها، أو الأسلوب الغريب بذاته، كلّ واحد منهما نوع إعجاز على التحقيق، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما، إذ كل واحد منهما خارج عن قدرتها، مباين لفصاحتها وكلامها.
الوجه الثالث من الإعجاز: ما أنطوى عليه من الأخبار بالمغيّبات
، وما لم يكن ولم يقع، فوجد كما ورد، وعلى الوجه الذي أخبر به كقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «٢» وقوله عن الروم: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ «٣» وقوله لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ «٤» وقوله: وَعَدَ اللَّهُ
_________________
(١) اندهشت.
(٢) سورة الفتح آية ٢٧.
(٣) آية ٣.
(٤) سورة التوبة: ٣٣.
[ ٢٦٨ ]
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا «١» وقوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا «٢» فكان جميع هذا، كما أخبر فغلبت الروم فارس في بضع سنين، ودخلت الناس في الإسلام أفواجا، واتّسع ملك المسلمين حتى كان لهم في وقت من أقصى بلاد الأندلس غربا إلى أقاصي الهند شرقا، ومن بلاد الأناضول شمالا إلى أقاصي السودان جنوبا وقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٣» فكان كذلك إلى الان والحمد لله، وقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٤» فكان كذلك في بدر والاية نزلت بمكة، وقوله: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ «٥» فكان كذلك مما اطّلع عليه قارىء هذه السيرة، وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود، ومقالهم وكذبهم في حلفهم، كقوله: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ «٦» وقوله:
يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ «٧» وقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ «٨» إلى غير ذلك من الايات البيّنات.
الوجه الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة
، والأمم البائدة، والشرائع الدّاثرة»
مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلّا الفذّ من أحبار أهل الكتاب «١٠»، الذي قطع عمره في تعلّم ذلك، فيورده ﵊ على وجهه، ويأتي به على نصّه، فيقرّ العالم بذلك بصحّته وصدقه، وأنّ مثله لم ينله بتعليم. وقد علموا أنه ﷺ أميّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة ولا مجالسة، لم يغب عنهم، ولا جهل حاله أحد منهم.
_________________
(١) سورة النور اية ٥٥.
(٢) النصر اية ١- ٣.
(٣) سورة الحجر الاية ٩.
(٤) سورة القمر اية ٤٥.
(٥) سورة التوبة اية ١٤.
(٦) سورة المجادلة اية ٨.
(٧) سورة ال عمران اية ١٥٤.
(٨) سورة النساء اية ٤٦.
(٩) أي الدراسة التي لم يبق لها أثر.
(١٠) الواحد النادر المنفرد من علماء أهل الكتاب.
[ ٢٦٩ ]
وقد كان أهل الكتاب كثيرا ما يسألونه ﷺ عن هذا، فينزل عليه من القران ما يتلو عليهم منه ذكرا: كقصص الأنبياء، وبدء الخلق، وما في الكتب السابقة، مما صدّقه فيها العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، ولم يؤثر أن واحدا منهم أظهر خلاف قوله من كتبه، ولا أبدى صحيحا ولا سقيما من صحفه بعد أن قرّعهم، ووبّخهم بقوله: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١» . ومما يدل على أنّ أهل الكتاب يعلمون صدقه ما تحداهم فيه الله بقوله: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٢» ثم حتّم عدم إجابتهم بقوله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ «٣» فما سمع عن أحد منهم أنه تمنّى ذلك، ولو بلسانه، مع أنهم كانوا أحرص الناس على تكذيبه. ومثل ذلك ما فعله أهل نجران حينما دعاهم للمباهلة «٤» فأبوا، وقد قدّمنا ذلك في فصل وفودهم.
ومما يدل على أن هذا القران ليس من كلام البشر: الرّوعة التي تلحق قلوب سامعيه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوّة حاله، وإنافة «٥» خطره؛ وهي على المكاذبين به أعظم، حتى كانوا يستثقلون سماعه، ويزيدهم نفورا. ولهذا قال ﷺ:
«إن القران صعب مستصعب على من كرهه، وهو الحكم» «٦» . وأما المؤمن فلا تزال روعته به، وهيبته إياه مع تلاوته، توليه انجذابا، وتكسبه هشاشة «٧» لميل قلبه إليه وتصديقه به. قال تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ «٨» وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ «٩» .
_________________
(١) سورة ال عمران اية ٩٣.
(٢) سورة البقرة اية ٩٤.
(٣) سورة البقرة اية ٩٥.
(٤) الملاعنة.
(٥) أي علو مرتبته.
(٦) رواه الديلمي وغيره عن الحكم بن عمير صعب: في نفسه بمعنى أنه لا يقدر أحد على محاكاته وضبط الفاظه بسهولة مستصعب: أي يعسر فهمه بالرأي ولا يمكن تغييره وتحريفه (الحكم) أي الحاكم الفاصل بين الحق والباطل.
(٧) أي مسرة وخفة.
(٨) سورة الزمر اية ٢٣.
(٩) سورة الحشر اية ٢١.
[ ٢٧٠ ]
ومن وجوه إعجاز القران كونه اية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفّل الله بحفظه فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١» وقال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٢» وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها، فلم يبق إلّا خبرها «٣»، والقران إلى وقتنا هذا حجّته قاهرة، ومعارضته ممتنعة، والأعصار كلها طافحة بأهل البيان، وحملة علم اللسان، وأئمة البلاغة، وفرسان الكلام، وجهابذة البراعة، والملحد فيهم كثير، والمعادي للشرع عتيد «٤»، فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته، ولا ألّف كلمتين في مناقضته، ولا قدر فيه على مطعن صحيح، ولا قدح المتكلّف من ذهنه في ذلك إلّا بزند شحيح «٥»، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه، والنكوص على عقبيه «٦» .
ولنختم لك هذا الباب بحديثه ﵊ في القران قال: إنّ الله أنزل هذا القران امرا وزاجرا، وسنّة خالية، ومثلا مضروبا، فيه نبؤكم، وخبر ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول الردّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الحقّ ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن حكم به أقسط، ومن عمل به أجر، ومن تمسّك به هدي إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضلّه الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذّكر الحكيم، والنّور المبين، والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، والشّفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتّبعه، لا يعوجّ فيقوّم، ولا يزيغ فيستعتب «٧» . ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرّد.
ومن معجزاته ﷺ: انشقاق القمر
«٨» وقد قدّمنا حديثه مستوفى.
_________________
(١) سورة الحجر اية ٩.
(٢) سورة فصلت اية ٤٢.
(٣) أي انقضت بانقضاء أوقاتها.
(٤) أي حاضر في كل وقت للعدوان.
(٥) أي الذي لا يرى ولا يقدح.
(٦) أي رجع عما كان قد اعتزمه وأحجم عنه.
(٧) رواه الترمذي عن علي بلفظ قريب من هذا اللفظ قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلّا من هذا الوجه واسناده مجهول. سنة خاليه: طريقة متبعة. لا يخلقه طول الرد: لا تضعفه وتوهنه كثرة القراءة، فلج: ظفر بالغلبة. ولا يزيغ فيستعب: لا يميل عن الحق، فيستحق اللوم.
(٨) قد أجمع المسلمون على وقوع ذلك منه ﵊ وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع. قال الفخر الرازي في تفسيره: روى انشقاق القمر عن أنس بن مالك وجبير
[ ٢٧١ ]
ومن معجزاته ﷺ: نبع الماء من بين أصابعه، وتكثيره ببركته
، وقد روى هذا الجمّ الغفير من الصحابة منهم: أنس وجابر، وابن مسعود، قال أنس: رأيت رسول الله ﷺ وقد حانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتى النبي ﷺ بوضوء، فوضع في الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه. قال:
فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضّأ الناس حتى توضؤوا عن اخرهم، فقيل:
كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاثمائة «١» . وقال ابن مسعود: بينما نحن مع النبي ﷺ.
وليس معنا ماء، فقال لنا: «اطلبوا من معه فضل ماء»، فأتي بماء فصبّه في إناء، ثم وضع كفّه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه «٢» . وقال جابر: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله بين يديه ركوة، فتوضأ منها، وأقبل الناس نحوه، وقالوا ليس عندنا ماء إلّا ما في ركوتك، فوضع النبي يده في الرّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون: قيل: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة «٣»، وروى هذه القصة جمع عظيم من الصحابة، ومثل هذا في هذه المواطن الحفلة «٤»، والجموع الكثيرة، لا تتطرّق التهمة إلى المحدّث به، لأنهم كانوا أسرع شيء إلى تكذيبه، لما جبلت عليه النفوس من ذلك، ولأنهم كانوا ممن لا يسكت على باطل، فهؤلاء قد رووا هذا، وأشاعوه، ونسبوا حضور الجمّاء الغفير «٥» له، ولم ينكر عليهم من الناس ما حدّثوا به عنهم أنهم فعلوا، وشاهدوا، فصار كتصديق جميعهم له.
ومما يشبه هذا تفجير الماء ببركته، وانبعاثه بمسّه ودعوته، كما ورد عن معاذ ابن جبل في قصة غزوة تبوك، وأنهم وردوا العين وهي تبضّ بشيء من ماء مثل الشّراك، فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شيء، ثم غسل ﵊ فيه وجهه ويديه، وأعاده فيها، فجرت بماء كثير، فاستقى الناس، وفي رواية ابن اسحاق: فانخرق من الماء ما له حسّ كحسّ الصّواعق، ثم قال: يوشك
_________________
(١) ابن مطعم وحذيفة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود.
(٢) رواه الشيخان (زهاء): قدر.
(٣) رواه البخاري والدارمي واللفظ له الفضل: ما بقي من الشيء يسيل وترشح.
(٤) رواه البخاري ومسلم مختصرا (الركوة) إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء.
(٥) أي الأماكن التي احتشد فيها الناس.
(٦) أي العدد الكبير من الناس.
[ ٢٧٢ ]
يا معاذ إن طالت بك حياة، أن ترى ما هنا قد ملىء جنانا «١» . وقد قدّمنا ذلك في غزوة تبوك. وروي عن البراء، وسلمة بن الأكوع تكثير عين الحديبية بدعوته ﵊. وروى أبو قتادة، أنّ النّاس شكوا إلى رسول الله العطش في بعض أسفاره فدعا بالميضأة، فجعلها في ضبنه- ما بين الكشح إلى الإبط- ثم التقم فمها، فالله أعلم- أنفث فيها أم لا- فشرب النّاس حتى رووا، وملؤوا كلّ إناء معهم، فخيّل إليّ أنها كما أخذها مني. وكانوا اثنين وسبعين رجلا «٢» .
ورويت قصص مشابهة لهذه عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم في محال مختلفة بحيث لا يشك أحد في صدقها بعد تضافر الثقات على روايتها.
ومن ذلك تكثير الطعام ببركته ودعائه ﷺ: روى أبو طلحة أنه ﵊ أطعم ثمانين- أو سبعين- رجلا من أقراص من شعير، جاء بها أنس تحت يده- أي إبطه- فأمر بها ﵊ ففتّت وقال فيها ما شاء الله أن يقول «٣» . وروى جابر أنه ﵊ أطعم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير وعناق، وقال جابر: فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا. وإنّ برمتنا لتغطّ كما هي. وإنّ عجيننا ليخبز. وكان ﵊ قد بصق في العجين والبرمة، وبارك «٤» . وروى أبو أيوب أنه صنع لرسول الله وأبي بكر طعاما يكفيهما، فأطعم منه ﵊ مائة وثمانين رجلا «٥» . وروى مثل ذلك في كثير من الصحابة، كعبد الرحمن بن أبي بكر. وسلمة بن الأكوع. وأبي هريرة. وعمر بن الخطاب. وأنس بن مالك، رضوان الله عليهم أجمعين.
ومن معجزاته ﵇ قصة حنين الجذع.
قال جابر بن عبد الله: كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان ﵊ إذا خطب يقوم إلى
_________________
(١) حديث معاذ رواه مالك بن الموطأ وأخره مسلم في الفضائل و(تبض) تسيل (الشراك) وهو سير النعل ومعناه ماء قليل جدّا (جنانا) أي بساتين وعمرانا. وقد تحققت وأصبحت تبوك الان من أفضل المناطق الزراعية في السعودية.
(٢) رواه مسلم (الميضأة): هي الإناء الذي يتوضأ به (فجعلها في ضبنه)، أي حضنه.
(٣) رواه الشيخان (أبو طلحة) زوج أم سليم.
(٤) رواه الشيخان والعناق: الأنثى من ولد المعز. والبرمة: القدر من الحجارة. تغط: تغلي بالطعام، ويسمع صوت غليانها.
(٥) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني، وفي اسناده من لم أعرفه.
[ ٢٧٣ ]
جذع منها، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار. وفي رواية أنس: حتى ارتجّ المسجد بخواره. وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوه به «١» . وفي رواية المطلب: حتى تصدّع وانشق، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكت. زاد غيره: فقال ﵊ «إنّ هذا بكى لما فقد من الذكر» «٢»، وزاد غيره: «والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزّنا على رسول الله، فأمر به فدفن تحت المنبر» . وهذا الحديث خرّجه أهل الصحة. ورواه من الصحابة كثيرون ورواه عنهم من التابعين ضعفهم. وبمن دون عدتهم يقع العلم لمن عني بهذا الباب. والله المثبّت على الصواب.
ومن معجزاته ﵇: إبراء المرضى، وذوي العاهات.
فقد أصيبت يوم أحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته. فردّها علي الصلاة والسلام، فكانت أحسن عينيه «٣» وأحدّهما، وبصق على أثر سهم في وجه أبي قتادة في يوم ذي قرد. فما ضرب عليه ولا قاح «٤» . وأصاب ابن ملاعب الأسنّة استسقاء، فبعث إلى النبي ﵊. فأخذ بيده حثوة من الأرض، فتفل عليها، ثم أعطاها رسوله، فأخذها متعجّبا يرى أنه قد هزىء به، فأتاه بها، وهو على شفا فشربها، فشفاه الله «٥» . وتقدّم حديث علي ورمده في غزوة خيبر وغير ذلك كثير مما يعجز قلمنا عن عدّه، ورواه ثقات المسلمين الأعلام.
أما ما منحه الله إياه من إجابة دعواته، فروي عن أنس بن مالك قال: قالت أمي سليم: يا رسول الله خادمك أنس، أدع الله له، فقال: «اللهم أكثر ماله
_________________
(١) منهم أبي بن كعب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وسهل بن سعيد وأبو سعيد الخدري وبريدة وأم سلمة والمطلب بن أبي وداعة كلهم حدث بمعنى هذا الحديث وروى حديث الجذع البخاري عن جابر بن عبد الله وقد وصلت أحاديث حنين الجذع إلى درجة التواتر.
(٢) أخرجه أحمد وابن خزيمة في صحيحه.
(٣) رواه ابن اسحاق في سيرته والبيهقي في الدلائل ووصله أبو نعيم، دلائل النبوّة وأبو يعلي كلاهما من طريق عاصم عن عمر بن قتادة عن أبيه عن قتادة بن النعمان: وقال السيوطي في المناهل ووصله ابن عدي والبيهقي عن عاصم عن جده قتادة وذكره الهيثمي في المجمع وقال رواه الطبراني وأبو يعلي وفي اسناد الطبراني من لم أعرفهم وفي اسناد أبي يعلى عبد الحميد الحماني وهو ضعيف.
(٤) رواه الحاكم والبيهقي في الدلائل والواقدي في المغازي. قوله (ولا قاح): قاح الجرح: صار فيه القح.
(٥) حديث مرسل قال السيوطي في المناهل: رواه الواقدي وأبو نعيم في الدلائل (ملاعب الأسنّة) هو عامر ابن مالك (استسقاء) الاستسقاء: تجمع سائل مصلي في التجويف البريتونى لا يكاد يبرأ منه (حثوة) أي قبضة (يرى): يعتقد (وهو على شفا): أي قارب الهلاك.
[ ٢٧٤ ]
وولده، وبارك فيه فيما اتيته»، قال أنس: فو الله إنّ مالي لكثير، وإنّ ولدي وولد ولدي ليعادّون اليوم نحو المائة «١»، ودعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة فكان نصيب كل زوجة من زوجاته الأربع من تركته ثمانون ألفا. وتصدّق مرّة بعير «٢» فيها سبعمائة بعير. وردت عليه تحمل من كل شيء، فتصدّق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها «٣» .
ودعا لمعاوية بالتمكين في الأرض فنال الخلافة «٤» . ودعا لسعد بإجابة الدعوة. فما دعا على أحد إلّا استجيب له «٥» . وتقدم دعاؤه لعمر بن الخطاب أن يعزّ الإسلام به «٦» . وقال لأبي قتادة: أفلح وجهك، اللهم! بارك في شعره وبشره، فمات وهو ابن سبعين سنة، كأنه ابن خمس عشرة «٧» . ودعواته ﵊ المستجابة أكثر من أن تحصى يطّلع عليها قارىء سيرتنا هذه.
أما ما أطلعه الله عليه من علم ما لم يكن فمما سارت به الركبان فعن حذيفة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما. فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء فأعرفه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا راه عرفه «٨» . وما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه، والله ما ترك ﵊ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدّنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سمّاه لنا باسمه، واسم أبيه وقبيلته «٩» . وقد خرّج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به أصحابه ممّا وعدهم به من الظّهور على أعدائه «١٠»،
_________________
(١) أخرجه مسلم (ليعادون) أي ليزيدون.
(٢) العير: ما جلب عليه الطعام من قوافل الإبل والبغال والحمير.
(٣) أحلاسها: الجلس: كل ما ولي ظهر الدابة تحت الرحل والقتب والسرج.
(٤) رواه البيهقي في الدلائل وقال إسماعيل بن إبراهيم هذا ضعيف عند أهل المعرفة بالحديث غير أن لهذا الحديث شواهد. ونسبه في المناهل إلى ابن سعد.
(٥) رواه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.
(٦) رواه الترمذي وأحمد وغيره من حديث ابن عمر وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٧) رواه الحاكم والبيهقي في الدلائل.
(٨) رواه أبو داود والبخاري ومسلم.
(٩) رواه أبو داود وفي إسناده عبد الله بن فروخ، قال المنذري: وقد تكلم فيه غير واحد.
(١٠) رواه البخاري من حديث خبّاب «وليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب» ..
[ ٢٧٥ ]
وفتح مكّة «١»، وبيت المقدس «٢»، واليمن، والشام، والعراق، وظهور الأمن، حتى تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة، لا تخاف إلّا الله «٣» . وإنّ المدينة ستغزى «٤» .
وتفتح خيبر على يد علي في غد يومه «٥» . وما يفتح الله على أمّته من الدّنيا.
ويؤتون من زهرتها «٦» . وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر «٧» . وقد قدّمنا كثيرا من ذلك في هذه السيرة. وقدمنا ما في القران من ذلك. وهذا يغنينا عن الإطالة في هذا المقام فحسبك ما سمعت.
ومما ينير بصيرتك أيها القارىء ما منّ الله به على رسولنا من عصمته له من النّاس. وكفايته من اذاه قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «٨» وقال وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا «٩» وقال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ «١٠» وقال: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ «١١»، ولمّا نزل: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ صرف حجابه. وقال:
انصرفوا فقد عصمني ربي ﷿ «١٢» . وقدّمنا حديث دعثور وإرادته قتل النبي ﷺ. وعصمة الله لنبيّنا. وذكرنا كثيرا مما حصل من أبي جهل لما أراد بالرسول المكايد. فكفاه الله شرّه. وما منّ به عليه ليلة الهجرة. وحديث سراقة في الطريق، وعلى الجملة فيكفينا من هذا الباب أنه ﵊ مكث بين أعداء الدّاء بمكّة ثلاث عشرة سنة، وبين مشابهيهم من المنافقين واليهود عشر سنين. فما تمكّن أحد من إيصال أذى إليه ﷺ بل كفاه مولاه شرّ أعدائه حتى أظهر الدّين وتمّمه.
والحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافىء مزيده. ونسأله أن يوفق قارئي هذه السيرة إلى اتّباع رسول الله ﷺ وعلى أصحابه وأنصاره.
_________________
(١) رواه البخاري.
(٢) رواه البخاري.
(٣) رواه البخاري (تظعن) ترتحل (الحيرة) بلد في العراق بين النجف والكوفة.
(٤) رواه الشيخان.
(٥) رواه الشيخان وله طرق أخرى عن عدد من الصحابة.
(٦) رواه الشيخان.
(٧) رواه الشيخان.
(٨) سورة المائدة اية ٦٧.
(٩) سورة الطور اية ٤٨.
(١٠) سورة الزمر اية ٣٦.
(١١) سورة الحجر اية ٩٥.
(١٢) رواه الترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ في الفتح.
[ ٢٧٦ ]
المحتوى
مقدّمة الطبعة الثالثة ٣
النسب الشريف ٦
زواج عبد الله بامنة وحملها ٩
الرضاع ١٠
حادثة شق الصدر ١١
وفاة امنة وكفالة عبد المطلب ووفاته وكفالة أبي طالب ١١
السفر إلى الشام (المرة الأولى) ١٣
حرب الفجار ١٣
حلف الفضول ١٤
رحلته إلى الشام (المرّة الثانية) ١٥
زواجه خديجة ١٥
بناء البيت ١٦
معيشته ﵊ قبل البعثة ١٨
سيرته في قومه قبل البعثة ١٩
ما أكرمه الله به قبل النبوّة ٢٠
تبشير التوراة به ٢١
تبشير الإنجيل ٢٣
حركة الأفكار قبل البعثة ٢٤
بدء الوحي ٢٥
فترة الوحي ٢٨
عود الوحي ٢٨
الدعوة سرا ٢٩
الجهر بالتبليغ ٣٥
الإيذاء ٣٨
إسلام حمزة ٤٣
هجرة الحبشة الأولى ٥١
إسلام عمر ٥١
رجوع مهاجري الحبشة ٥٢
كتابة الصحيفة ٥٥
هجرة الحبشة الثانية ٥٥
نقض الصحيفة ٥٦
وفود نجران ٥٧
وفاة خديجة ﵂ ٥٨
زواج سودة ٥٨
زواج عائشة ﵂ ٥٩
هجرة الطائف ٦٠
الاحتماء بالمطعم بن عديّ ٦٢
وفد دوس ٦٢
الاسراء والمعراج ٦٣
العرض على القبائل ٦٦
بدء إسلام الأنصار ٦٧
العقبة الأولى ٦٧
العقبة الثانية ٦٩
هجرة المسلمين إلى المدينة ٧٠
دار الندوة ٧١
هجرة المصطفى ﷺ ٧٢
[ ٢٧٧ ]
النزول بقباء ٧٥
هجرة الأنبياء ٧٦
أعمال مكّة ٧٦
مسجد قباء ٧٧
الوصول إلى المدينة ٧٨
أول جمعة ٧٨
النزول على أبي أيوب ٧٩
نزول المهاجرين ٨٠
إخوة الإسلام ٨٠
هجرة أهل البيت ٨١
حمّى المدينة ٨١
منع المستضعفين من الهجرة ٨١
بدء الأذان ٨٤
يهود المدينة ٨٦
المنافقون ٨٧
معاهدة اليهود ٨٨
مشروعية القتال ٨٨
بدء القتال ٩٠
سرية عبيدة بن الحارث ٩٠
سرية ٩١
وفيات ٩١
السنة الثانية غزوة ودان ٩٣
غزوة بواط ٩٣
غزوة العشيرة ٩٤
غزوة بدر الأولى ٩٤
سرية عبد الله بن جحش ٩٥
تحويل القبلة ٩٦
صوم رمضان ٩٦
صدقة الفطر ٩٧
زكاة المال ٩٧
غزوة بدر الكبرى ٩٧
أسرى بدر ١٠٧
الفداء ١٠٨
العتاب في الفداء ١١٢
غزوة قينقاع ١١٣
جلاء قينقاع ١١٤
غزوة السّويق ١١٤
صلاة العيد ١١٥
زواج علي بفاطمة ﵉ ١١٥
السنة الثالثة ١١٦
قتل كعب بن الأشرف ١١٦
غزوة غطفان ١١٨
غزوة بحران ١١٨
سرية زيد بن حارثة إلى القردة ١١٩
غزوة أحد ١١٩
غزوة حمراء الأسد ١٢٧
حوادث ١٢٨
سرية أبي سلمة إلى قطن ١٣٠
سرية بئر معونة ١٣٢
غزوة بني النضير ١٣٣
غزوة ذات الرقاع ١٣٤
غزوة بدر الاخرة ١٣٥
حوادث ١٣٦
غزوة بني المصطلق ١٣٧
حديث الإفك ١٤٠
غزوة الخندق ١٤٤
الخدعة في الحرب ١٤٧
هزيمة الأحزاب ١٤٨
غزوة بني قريظة ١٤٩
زواج زينب بنت جحش ١٥١
الحجاب ١٥٣
فرض الحج ١٥٦
[ ٢٧٨ ]
غزوة بني لحيان ١٥٨
غزوة الغابة ١٥٨
سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر ١٥٩
سرية محمد بن سلمة إلى دي القصة ١٦٠
سرية زيد بن حارثة إلى الجموم ١٦٠
سرية زيد بن حارثة إلى العيص ١٦١
سرية زيد بن حارثة إلى الطرف ١٦١
سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى ١٦١
سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل ١٦٢
سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد ١٦٢
قتل أبي رافع ١٦٣
سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن رزام ١٦٤
قصة عكل وعرينة ١٦٤
سرية عمر بن أميه الضمري إلى أبي سفيان ١٦٥
غزوة الحديبية ١٦٦
بيعة الرضوان ١٦٩
صلح الحديبية ١٦٩
مكاتبة الملوك ١٧٢
كتاب قيصر ١٧٣
حديث أبي سفيان ١٧٣
كتاب أمير بصرى ١٧٥
كتاب الحارث بن أبي شمر ١٧٥
كتاب المقوقس ١٧٥
كتاب النّجاشي ١٧٦
كتاب كسرى ١٧٧
كتاب المنذر بن ساوى ١٧٨
كتاب ملكي عمان ١٧٨
كتاب هوذة بن علي ١٧٩
زواج صفية ١٨٣
النهي عن نكاح المتعة ١٨٣
رجوع مهاجري الحبشة ١٨٤
فتح فدك ١٨٤
صلح تيماء ١٨٤
فتح وادي القرى ١٨٤
إسلام خالد ورفيقيه ١٨٥
سرية عمر بن الخطاب إلى تربة ١٨٥
سرية بشير بن سعد ١٨٦
سرية بشير إلى بني مرة ١٨٦
سرية بن سعد إلى يمن وجبار ١٨٧
(عمرة القضاء) ١٨٧
زواج ميمونة ١٨٨
السنة الثامنة ١٨٩
سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح ١٨٩
سرية غالب بن عبد الله بشير بن سعد بفدك ١٩٠
غزوة مؤتة ١٩٠
سرية كعب بن عمير الغفاري ١٩٢
إلى ذات اطلاح سرية الخبط ١٩٣
غزوة الفتح الأعظم ١٩٤
العفو عند المقدرة ١٩٩
وفود كعب بن زهير ٢٠٢
بيعة النساء ٢٠٣
هدم العزّى ٢٠٣
هدم سواع ٢٠٣
هدم مناة ٢٠٣
غزوة حنين ٢٠٤
[ ٢٧٩ ]
سرية أبي عامر الأشعري ٢٠٧
غزوة الطائف ٢٠٧
تقسيم السبي ٢٠٩
وفود هوازن ٢١١
عمرة الجعرانة ٢١٢
سرية قيس بن سعد إلى صداء ٢١٣
وفود صداء ٢١٣
سرية عيينة بن حصن إلى بني تميم ٢١٣
وفود تميم ٢١٣
سرية الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ٢١٤
سرية علقمة بن مجزر إلى ٢١٥
طائفة بن الحبشة وفود عدي بن حاتم ٢١٧
غزوة تبوك ٢١٧
وفود صاحب أيلة ٢٢٠
كتاب أهل أذرح وجرباء ٢٢١
مسجد الضّرار ٢٢١
حديث الثلاثة الذين خلّفوا ٢٢٢
وفود ثقيف ٢٢٢
كتاب أهل الطائف ٢٢٣
هدم اللّات ٢٢٤
حج أبي بكر ٢٢٤
وفاة ابن أبي ٢٢٥
وفاة أم كلثوم ٢٢٥
سرية علي بن أبي طالب ٢٢٦
إلى بن مذحج بعث العمال إلى اليمن ٢٢٧
حجة الوداع ٢٢٧
خطبة الوداع ٢٢٨
الوفود ٢٣٠
وفود نجران ٢٣٠
وفود ضمام بن ثعلبة ٢٣١
وفود عبد القيس ٢٣٢
وفود بني حنيفة ٢٣٣
وفود طيء ٢٣٣
وفود كندة ٢٣٣
وفود أزدشنوءة ٢٣٤
وفود رسول ملوك حمير ٢٣٤
كتاب ملوك حمير ٢٣٤
وفود همدان ٢٣٥
وفود تجيب ٢٣٦
وفود ثعلبة ٢٣٦
وفود بني سعد بن هذيم ٢٣٧
وفود بني فزارة ٢٣٧
وفود بني أسد ٢٣٨
وفود بني عذرة ٢٣٩
وفود بني محارب ٢٣٩
وفود غسّان ٢٣٩
وفاة إبراهيم بن النّبي ﵇ ٢٣٩
السنة الحادية عشر ٢٤٠
سرية أسامة بن زيد إلى ٢٤٠
أهل أبني مرض الرسول ﷺ ٢٤١
صلاة أبي بكر بالناس ٢٤١
وفاة رسول الله ﷺ ٢٤٣
شمائله ﵇ ٢٤٤
معجزاته ﵇ ٢٦٤
المحتوى ٢٧٦
[ ٢٨٠ ]