اعلمَ يا أخي أن الاعتصامَ بالسُّنةِ نجاة .. قال تعالى عن رسوله - ﷺ - ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
- ولا بدَّ للمسلم في كلِّ نَفَسٍ من أنفاسِه هِجرةٌ إلى رسول الله - ﷺ - في حَرَكاتِه وسَكَناتِه الظاهرةِ والباطنة، بحيث تكونُ موافقةً لشَرعِه الذي هو تفضيلُ مَحَابِّ الله ومَرضاته، ولا يَقبلُ اللهُ مِن أحدٍ دِيَنًا سواه، وكلُّ عَمَلٍ سواه فعَيشُ النفس وحَظُّها -لا زادُ المعاد-.
° قال بعضُ العارفين: "كلُّ عملٍ بلا متابعةٍ فهو عيشُ النفس" (^١) والمؤمنونَ في أهلِ الإِسلام غُرباء، وأهلُ العِلمِ في المؤمنين غرباء، وأهلُ السُّنةِ -الذين يُميِّزونها من الأهواء والبدع- فيهم غرباء، والدَّاعون إليها الصابرون على أذى المخالِفِين هم أشدُّ هؤلاء غربةً .. ولكنَّ هؤلاءِ هم أهلُ الله حقًّا، فلا غُربةَ عليهم، وإنما غُربتُهم بين الأكثرين الذين قال الله ﷿ فيهم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
فأولئك همُ الغرباءُ عن الله ﷿ ورسولِه ودينه، وغربيُهم هي الغربةُ المُوحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشارَ إليهم، كما قيل:
فليس غريبًا مَن تناءتْ ديارُهُ … ولكنَّ مَن تَنْأيْنَ عنهُ غريبُ
* وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ
_________________
(١) انظر "طريق الهجرتين" لابن القيم (ص ٧).
[ ٢ / ٤٥٧ ]
يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ..
وخيرُ أمورِ الدِّينِ ما كان سُنَّةَ … وشرُّ الأمورِ المحدَثَاتُ البدائِعُ
° وقال إمامُ دار الهجرة مالك: "أكلَّما جاءنا رَجُلُ أَجْدَلُ من رجلٍ، تَرَكنا ما نَزَل به جبريل على محمدٍ - ﷺ - لَجَدَله" (^١).
ومَن وَقَّر مُنكري السُّنة فقد أعان -واللهِ- على هدم الإِسلام. ومَن تَرَك السُّنَّةَ ولَّاه الله ما تولَّى، وأصلاه جهنَّمَ وساءتْ مصيرًا.
° وقال الشافعي: "لولا أصحابُ المحابِر، لَخَطَبَتِ الزَّنادقة على المنابر".
° وقال الشافعي: "لَم أسمعْ أحدًا نَسَبَتْه عامَّةٌ -أو نَسَبَ نَفْسَه- إلى عِلمٍ، يُخالِفُ في أنَّ فَرضَ الله: اتَباعُ أمرِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، والتسليمُ لحُكمِه، فإن الله لم يَجعل لأحدٍ بعدَه إلاَّ اتَباعَه .. وإنَّ فَرْضَ الله علينا -وعلى مَن بعدنا وقَبْلَنا- في قَبولِ الخبرِ عن رسول الله - ﷺ - واحدٌ، لا يُختَلَفُ فيه أنه الفرضُ، وواجبٌ قَبولُ الخبر عن رسول الله - ﷺ -" اهـ.
ومَن رَدَّ حديثَ رسولِ الله بالهوى، وأنكر حُجِّيَّةَ السُّنةِ، أدخَلَه اللهُ أسفلَ سافلين، وحَشَره مع فرعونَ وهامانَ وقارون.
° قال ابنُ حزم: "اتَّفقوا على أن مَن شكَّ في التوحيد أو النبوَّة، أو في حرفٍ مما أتى به - ﵇ -، أو في شريعةٍ أتى بها - ﵇ -، ممَّا نُقِل عنه نَقْلَ كافةٍ، فإنَّ مَن جَحَد شيئًا ممَّا ذكرناه، أو شكَّ في شيءٍ منه، ومات على ذلك، فإنه كافرٌ مشرِكٌ مُخلَّدٌ في النار أبدًا" (^٢).
_________________
(١) "حلية الأولياء" (٦/ ٣٢٤)، و"السير" (٨/ ٩٩).
(٢) "مراتب الإجماع" لابن حزم (ص ١٧٧) - دار الكتب العلمية - بيروت.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
° قال ابنُ حزَم: "والقرآنُ والخَبَرُ الصحيح بعضُها مضافٌ إلى بعض، وهما شيءٌ واحدٌ في باب وجوبِ الطاعةِ لهما" (^١).
* وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكرَ وَإِنَّا لَه لَحَافِطونَ﴾ [الحجر: ٩].
نَبَتَتْ نَبْتَةٌ شيطانيَّةٌ على أبوابِ جهنَّمَ، أرادت أنْ تجحَدَ حُجِّيَّةَ السُّنة، وتَصُدَّ الناسَ عن السُّنةِ والإِسلام صدًّا، وهم -واللهِ- أكبرُ شانِئِي الرسول - ﷺ -، وهم أعداؤه حقًّا، فلهم الخُسرَان المُبين والذِّلَّةُ والصَّغار، والفَضحُ على رؤوسِ الأشهاد في الدنيا قبل الآخرة، وها نحن نُعريِّهم، ونَكشِفُ للناس أسماءَهم، ليَلعنوهم صباحَ مساء، وليتقرَّبوا إلى الله ببُغضِهم وكَشْف عارِهم وعَوَارِهم .. فواللهِ ما يُريدون إلاَّ هَدْمَ الإِسلام .. لِيصبحَ رَسْمًا بعدَ عَيْنٍ .. ﴿وَالله متِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرونَ﴾ [الصف: ٨].
* السيد أحمد خان، دَجَّالُ الهند، ومدرسته الشيطانية:
وُلد في ١٧ أكتوبر عام ١٨١٧، وتوفِّي في ٢٧ مارس ١٨٩٧ م، أنشأ جامعةِ "عُلَيكرة".
° يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي: "ما إنْ حَلَّ القرنُ الثالَثَ عَشَرَ الهجرى حتى دَبَّتِ الحياةُ في هذه الفِتنة "فتنة إنكار حُجِّيَة السُّنة" من جديد، فكانت ولادتُها في العراق (^٢)، وترعرعت في الهند، وإنَّ بدايتَها لَتعودُ في الهندِ إلى "سيد أحمد خان، ومولوي (شيخ) جَرَاغ علي"، ثم كان فارسُها المِقدامُ "مولوي عبد الله جكرالوي"، ثم استَلَم الرايةَ "مولوي أحمد الدين
_________________
(١) "الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم (١/ ٩٨).
(٢) لعلّ الصواب في مصر.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
أمر تسري"، ثم تَقدَّم بها مولانا "أسلم جراجبوري"، وأخيرًا تولى رياستها "غلام أحمد برويز" الذي أوصَلَها إلى ساحلِ الضلال" (^١).
يُمثِّلُ هذا الرجلُ الاتِّجاهَ الفكريَّ المُماليء للغرب -والاستعمارِ الإنجليزي على وجهِ الخصوص-.
وتقومُ حركتُه على الافتتانِ بحضارةِ الغرب المادِّية، ومن هنا فقد أنكر المُعجزاتِ وخَوارِقَ العادات، واعتَبَر أنَّ النبوَّةَ غايةٌ تُكتَسبُ عن طريقِ الرياضة النفسيَّة (^٢).
لقد أنكر "سيد أحمد خان" ما تُنكِرُه الثقافةُ الغربية -ولو كان دِينًا-، وأثبَتَ ما تُثبِتُه -ولو كان مخالفًا للدين وإجماع المسلمين-.
"لقد قامت مدرستُه الفِكرية على أساسِ تقليدِ الحضارةِ الغربية وأُسُسِها المادِّية، واقتباسِ العلوم العصريَّةِ بحذافيرها، وعلى عِلاَّتها، وتفسيرِ الإِسلام والقرآنِ تفسيرًا يُطابقُ ما وَصَلت إليه المَدَنَّيةُ والمعلوماتُ الحديثة في آخِرِ القرنِ التاسَعَ عَشَرَ المَسيحيِّ، ويُطابقُ هَوَى الغربِّيين وآراءَهم، ومن ثَمَّ الاستهانةُ بما لا يُثبتُه الحِسُّ والتجربة" (^٣).
° وتَبلُغُ التَّبعيَّةُ أَوْجَها، إذا عَرَفْنا أن "أحمد خان"، كان يُعارِضُ في إنشاءِ دراساتٍ عِلميةٍ تجريبيةٍ في الجامعة التي أنشأها في الهند -وهو ممَّن
_________________
(١) "القرآنيون وشبهاتهم حول السنة" لخادم حسين إلهي بخش (ص ٩٩) - دار الصديق - السعودية، نقلًا عن "مكانة السنة التشريعية" للمودوي (ص ١٦).
(٢) انظر: "الفكر الإِسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" د. محمد البهي - الطبعة التاسعة ١٩٨١ م - مصر (ص ٣٣ - ٣٧).
(٣) "الصراع بين الفكرة الإِسلامية والفكرة الغربية" لـ أبو الحسن الندوي (ص ٧١) - الطبعة الثالثة - القاهرة مطبعة المتقدم ١٩٧٧ م.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
قَضَوْا حِقبةً في بلاد الإِنجليز-، قال في مقالٍ له نُشر في مجلة "عليكرة" في ١٩ فبراير ١٨٩٨ م: "إنَّ الهند -نظرًا إلى حالتها الراهنة- ليست في حاجةٍ إلى تعليم الصنائع، إنَّ الأهمَّ المقدَّمَ هو الثقافةُ الفكريةُ من المستوى الأعلى" (^١).
هذا رَغْمَ حاجةِ البلادِ إلى العلوم التطبيقية.!!.
ومن المعلوم أنَّ حركة "أحمد خان" في الهند كانت مُعاصرةً للمدرسة الإصلاحية وشيخها "محمد عبده"، وسوف نلاحظُ أنَّ المنطلقاتِ متشابهةٌ، والانحرافاتِ واحدةٌ، والإعجابَ بالغربيين واحد.
* ظهور حياته (^٢):
نشأ "أحمد خان" في أُسرةٍ فقيرة، وفي جوٍّ مُشْبَعٍ بالتصوُّف، وعاش في شبابه حياةَ مَرَحٍ، فحَضَر حَفَلاتِ الرقصِ والغناء، ثم التَحَق بخِدمةِ الحكومةِ الإنجليزية في سِلْكِ القضاء، وبعد فترةٍ ثاب إلى رُشدِه، أقبل على إصلاحِ نفسه وتعليمها.
وكان لإخفاق "الثورة الهندية" أَثَرٌ في حياته، وكان يُدرِكُ أنَّ مآلَ الثورةِ الفشلُ، ولذلك كان يُناصِرُ الإنجليز، ويُساعِدُ في حمايتِهم ونجاةِ بعضِ عائلاتهم من القتل.
وأَيقَنَ بعدها أنَّ ولاءَ المسلمين للحُكم الإنجليزيِّ هو السبيلُ الوحيدُ لإنقاذهم، وكان ذلك نابعًا من إعجابِه المُفرِطِ بالإنجليز وحضارتهم، ولذلك
_________________
(١) "الابتعاث ومخاطره" الأستاذ محمد الصباغ - المكتب الإِسلامي (ط ٢/ ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م).
(٢) انظر "مفهوم تجديد الدين" بسطامي محمد سعيد (ص ١٢٠ - ١٢٣).
[ ٢ / ٤٦١ ]
جَعَل هَدَفَه طُولَ حياتِه أن يُقلِّدَ المسلمون الإِنجليزَ، ويَتْبَعوا حضارةَ الغربِ في كلِّ شيء. وبعد زيارته لبريطانيا (١٨٦٩ م) -التي استمرت سَبْعَةَ عَشَرَ شهرًا، وكان قد نَزَل ضيفًا مبجَّلًا على الأوساط الإِنجليزية "الراقية"، ونال الوِسامَ المَلكِيَّ، ولَقَبَ الشرف-، قابَلَ المَلكةَ ووَلِيَّ العهد، والوزراء الكِبار.
وعاد إلى بلاده وقد أَخَذ على عاتِقِه أن يَفتَح أعينَ المسلمين على عَظَمةِ الحضارة الغربية، ويَشُقَّ لهم طريقًا للاقتباس منها، وكانت وَسيلتُه إلى ذلك التعاوُنِ في المجال السياسيِّ، واستيعابُ علومِ الغَرْبِ في المجالِ الثقافي، وتكييفُ وإعادةُ تأويِل الإِسلام في المجال الفِكريِّ.
* آراء سيد خان:
اعتمد "سيد خان" على مُعطِياتِ العقل، وإيحاءِ الغربيين فيما سماه "تجديدًا عصريًا". فقد اعتبر أن القرآن وحدَه هو الأساسُ لفهم الإِسلام .. ذلك أنه في ضَوءِ الظروفِ الجديدة وتوسُّعِ المعرفةِ الإنسانية، لا يُمكنُ الاعتمادُ في فَهم القرآنِ على التفاسير القديمةِ وَحْدَها، تلك التي اشتَمَلت على كثيرٍ من الخرافات، ولكنْ ينبغي الاعتمادُ على نصِّ القرآن وحدَه (^١).
° "وقد هَيَّجَ الرأيَ العامَّ ضدَّه، وزاد في هَياجِ الرأيِ العامِّ المسلمِ وتشديدِ النكير عليه من العلماء -حتى حَكَموا بكفره- لِمَا قَرَّره في تفسيره من أنَّ القرآنَ نَزَل على الرسول - ﷺ - بالمعنى فقط، ثم صاغ الرسولُ ألفاظَه من عنده" (^٢).
_________________
(١) "مفهوم تجديد الدين" بسطامي محمد سعيد (ص ١٢٣) وما بعدها.
(٢) "كفاح المسلمين في تحرير الهند" د. عبد المنعم نمر (ص ٤٤ - ٤٥) - طبعة أولى نشر مكتبة وهبة - القاهرة ١٣٨٤ هـ.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
° فيقول: "مِن المُسَلَّم به أنَّ القرآنَ نَزَل بلفظِه على قلبِ محمدٍ - ﷺ -، أوْ أُوحِي إليه، سواءً سلَّمنا أنَّ جبريلَ أوصَلَه إليه بلفظِه كما هو اعتقادُ علماءِ الإِسلام، أو وَصَل إليه بمَلَكَةِ النبوَّة -التي عَبَّر عنها "برُوحِ الأمين" دون توسُّطِ جبريل- الملقاةِ على قَلْبه - ﵇ - كما أعتقدُه وأدينُ اللهَ به" (^١).
وقد أكثَرَ من التأويل في الغيبَّات في مقالاتِه الدينية.
مِثلُ تأويلِه في تعريفِ الشيطان بأنه: "القُوى العِدائيةُ التي لا يَمِلكُ الإنسانُ السيطرةَ عليها".
ومِثلُ إنكاره للأمرِ الخارِقِ للعادة، فما كان منه في القرآن نَفَاه على أنه لم يَقَعْ، كَنْفِيهِ إلقاءَ إبراهيمَ في النار، وولادةَ عيسى - ﵇ - من غيرِ أبٍ، وابتلاع الحوتِ ليونس.
وما كان من الخوارقِ في السُّنَّةِ أنكَرَه استنادًا على أنه مخالِفٌ للقوانين الطبيعية (^٢).
وأنكر الجِنَّ على المعنى المعهود بالخَلْقِ النارِيِّ، ففَسَّرها بسُكَّانِ الغابات والصحارِي من البشر (^٣)، وأوَّلَ الملائكةَ على أنهم القُوى المدَبِّرةَ للعالَم التي يُمكنُ السيطرةُ عليها، أوْ هيَ القوى التي في مقدورِ الإنسانِ تسخيرُها (^٤).
_________________
(١) "تحرير في أصول التفسير" لسيد خان (ص ١٩).
(٢) "مقالات سر سيد" للسيد أحمد خان، جمع وترتيب محمد إسماعيل (١/ ١٢٨) -طبع لاهور - نقلًا عن "القرآنيون" لخادم حسين إلهي بخش.
(٣) "تفسير الجن والجان على ما في القرآن" لسيد أحمد خان (ص ٥).
(٤) "مقالات سر سيد" لسيد أحمد خان (١/ ٢٢٠).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
* تشكيكُه في السُّنَّة النبويَّة:
أنكر "السيد" جُزئياتٍ من السُّنَّة: مثل إنكاره السُّنََّةَ الواردةَ في مماثَلَةِ الأرضينَ للسماوات في العدد، وقال: "إن هذا التصوُّرَ مما كان يقول به الجاهليُّون دون من سواهم .. وبناءً على لفظِ ﴿مِثْلَهنَّ﴾ في الآية (^١) وُضِعت تلك الرواياتُ كلُّها في هذا الباب، واللهُ ورسولُه بَرِيءٌ منها" (^٢).
وأنكر أحاديثَ الجنِّ الثابتة.
° ثم وَضَع لَبنَةً عامَّةً للتشكيك في السُّنَّةِ كلِّها، فقال: "بعد وفاة النبي - ﷺ - ظَلَّت الرواياتُ تتناقلُ على الألسِنةِ إلى عهدِ التصنيف في الكُتب المعتَمَدة، غيرَ أننا لا نَستطيعُ أن نَغُضَّ -الطَرْفَ عن الهيئةِ التي دُوِّنت بها تلك الأحاديثُ، تلك التي كان مبناها من الذاكرة، بينما البُعدُ الزمنيُّ كَفيلٌ بمَزْجِ الزائدِ بها وإضافةِ الجديدِ إليها" (^٣).
وهذه الفِريةُ الظالمةُ والشُّبهةُ التي يَسُوقُها شيطانُ الإِنس، يَرُدُّ عليها علماءُ الحديث، ودُوِّنت فيها الكتبُ، ومن أعظمِها ما كُتب حديثًا وهو "السُّنَّةَ قبل التدوين" للدكتور "محمد عجاج الخطيب".
° ويُضيف دَجَّالُ الهند: "بأنَّ ما دُوِّن في هذه الكُتب من الأحاديث، إنما هي ألفاظٌ للرواة، ولا تَعرفُ ما بين اللفظِ الأصليِّ -الصادِرِ من شفتَيْهِ ﵊- والمعبَّرِ به من وِفاقٍ أو خِلافٍ، وليس من العَجَبَ أن
_________________
(١) يعني قول الله تعالى: ﴿الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].
(٢) "مقالات" (١/ ٢٥٧).
(٣) انظر "مقالات" للسيد أحمد خان (١/ ٢٣).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
يُخطئَ أحدُ الرواةِ في فهْمِ الحديث ممَّا يكونُ سببًا في ضَياعِ المفهومِ الصحيح" (^١).
وبِناءً على موقفه هذا جَعَل الأحكامَ المستنبَطَةَ من السُّنَّةِ بوجهٍ عامٍّ أحكامًا لا يَجبُ على المسلمين اتباعُها، "وأنَّ ما استَخرج العلماءُ من نصوصِها الحاليةِ إنما هي أحكامٌ اجتهاديةٌ -لا نَصِّيَّةَ فيها ولا حتميَّة-، لاحتمالِ ألاَّ يكونَ ذلك مقصودَه -عليه الصلاه والسلام-" (^٢).
° وهو -بزَعْمِه الكاذب- يُحمِّل المحدِّثين التقصير في عدمِ تمحيصِ مُتونِ السُّنَّةِ مِثل السَّند، ويقول: "وإنا لا ندري عن الأحاديث التي وُثِّقت أَوُجِّهت الجهود إليها من حيثُ المضمون والمُحْتوى أم لا؟ وأيُّ السُّبُل سُلِكَت في ذلك" (^٣).
وهذا إن دَلَّ إنما يدلُّ على جَهلِه وقِلَّةِ بضاعتِه في العلم، وإلاَّ، فأين كُتبُ الجرح والتعديل وكتبُ الضعفاءِ والمتروكين، وأين كتبُ العِلَل لابن المدِيني والدَّارَقطْني؟!
قبَّح الله "سيد أحمد خان! ".
° وأخيرًا يحاولُ الكذَّاب الأشِرُ أن يُجهِزَ على السُّنَّةِ بوضعِه الشروطَ التي يتعذَّرُ توفُّرُها في أغلبِ الأحاديث، فقال: "والمعيارُ السَّليم لقَبولها هو أن ينظر إلى المَرْوِيِّ بمِنظارِ القرآن، فما وافَقَه أخذناه، وما لم يوافِقْه
_________________
(١) "مقالات" (١/ ٤٩).
(٢) "مقالات" (١/ ٦٩).
(٣) "مقالات" (١/ ٢٣).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
نَبَذْناه .. وإِنْ نُسِب شيءٌ من ذلك إلى الرسول، فيَجبُ فيه توفُّرُ شروطٍ ثلاثة:
١ - أن يكون الحديثُ المرويُّ قولَ الرسولِ بالجَزْم واليقين.
٢ - أن تُوجَدَ شهادةٌ تُثبِتُ أن الكلماتِ التي أتى بها الراوي هي الكلماتُ النبويَّةُ بعينها.
٣ - ألاَّ يكونَ للكلماتِ التي أتى بها الرواةُ معانٍ سوى ما ذَكَره الشُّرَّاحُ، فإنْ تَخَلَّفَ أحدُ هذه الشروط الثلاثة لم يَصحَّ نسبةُ القولِ إلى الرسول - ﷺ -، أو أنه حديث من أحاديثه" (^١).
وهذه الشرُوط لا تتوفَّرُ إلاَّ في المتواتر اللفظي دون سائِر السُّنةِ الصحيحة المتواترةِ تواترًا معنويًّا، أو السنَّة الآحادية التي عليها مدارُ الأحكامِ الشرعيَّةِ عند المسلمين (^٢).
وهو يَقبَلُ من الأحاديث فقط ما يَتَّفقُ مع نصِّ ورُوح القرآن، وما يتَّفقُ مع العقل والتجربةِ البشرية، وما لا يُناقِضُ حقائقَ التاريخَ الثابتة .. ولا يَقبلُ مِن الأحاديثِ إلاَّ المتواتر، أما أحاديثُ الآحادُ فهو لا يَميلُ إلى قَبولِها مطلقًا.
وحتى الأحاديثُ المقبولةُ لديه، فهو يُقَسِّمُها إلى قِسمين:
أحاديثُ خاصَّةٌ بالأمورِ الدينية -كالعقيدة والعبادة-.
وأحاديثُ خاصةٌ بالأمور الدنيوية -كقضايا السياسة والاقتصاد والاجتماع-.
_________________
(١) "مقالات" (١/ ٤٠).
(٢) "القرآنيون" (ص ١٠٦).
[ ٢ / ٤٦٦ ]
فالأولى مُلزِمةٌ في نظرة .. أما الثانية، فغيرُ ملزِمةٌ؛ لأنها من أمورِ الدنيا المتغيِّرة (^١).
* وهو ينكرُ الإِجماعَ كمصدرٍ من مصادِرِ التشريع:
أما مسائلُ الفقه: فقد كانت نظرتُه فيها تَسير وِفقَ مَنهجِه، لتقريبِ أمورِ الدين من مفاهيم الحضارةِ الغربية: ففي فقهِ العبادات كان مَنهجُه يَتمثَّل في تفسيرِ ممارساتِ العبادةِ بمنطقٍ عقليٍّ بحت، فغَسلُ الأعضاءِ عنده في الوُضوء نظافةٌ ورمزٌ للطهارةِ المعنوية، ويُقصَدُ من الصلاةِ توجيهُ انتباه المَرءِ لخالقه، أمَّا الإحرامُ والطوافُ ورَميُ الجَمَراتِ، فهي عاداتٌ باقيةٌ من الأديانِ الأولى في طفولة البشرية، واحتفظ بها الإِسلامُ مع أنها عاداتٌ بدائية، مثل لُبسِ الثوبِ من غيرِ مخيطٍ (^٢).
أما الرِّبا المحرم: فهو عنده يَقتصرُ على الرِّبح المركَّب، ولا يَعتبرُ الفائدةَ البسيطة -في البنوك والمعاملات التجارية- ربًا ولا حرامًا.
ويناقش "سيد أحمد خان" قضيةَ تعدُّدِ الزوجات الذي أُبيح بنصِّ القرآن، ويَرى أن الأصلَ فيه زواجُ الواحدة، أما التعدد فهو حالةٌ استثنائية، وفي دائرة الحدود يرفضُ إقامتَها -كما أوجب الشرع-، وُينكِرُ عقوبةَ الرَّجْمِ للزاني، ويَعتبرُ أنَّ عقوبةَ قَطعِ الأيدي والأرجل عقوباتٌ وحشية، ينبغي الكفُّ عنها؛ لأنها تنافي التمدُّنَ والحضارة.
أما الجهاد: فيرى أنه مشروعٌ "فقط" للدفاع عن النفس، وفي حالةٍ
_________________
(١) "مفهوم تجديد" (ص ١٢٦) لبسطامي محمد سعيد.
(٢) المصدر السابق (ص ١٢٩ - ١٣٠).
[ ٢ / ٤٦٧ ]
واحدة، هي اعتداء الكافرين على المسلمين إذا أرادوا حَمْلَهم على تغيير دينهم!! أما إذا كان الاعتداءُ من أجلِ أمرٍ آخر -كاحتلالِ الأراضي-، فالجهادُ غير مشروعٍ عنده، وذلك حتى يَجِدَ مبررًا لمسالمةِ الإِنجليز المحتلِّين لبلاده (^١).
ومِن الملاحَظِ أن "أحمد خان" يُكرِّر نفسَ المسائل التي قال بها الإصلاحيون، ومِن ثَمَّ المستشرقون، وإن كان أكثَرَ صراحةً في الإعلانِ عن بعضها من الإصلاحيين.
° يقول الشيخ "عبد الحي الحَسَني" مؤرِّخُ الهند: "كان كبيرَ العقل، قليلَ العلم، قليلَ العمل، لا يُصلِّي ولا يصومُ غالبًا" (^٢).
° ولَقد اتَّفقتِ المصادرُ التي بَحثَتْ عن نشأةِ "القرآنيِّين" وخروجِهم إلى حيِّز الوجود وإدلائِهم بالآراءِ المخالفةِ في الدين، على أنهم الثمرةُ الطبيعية التي بَذَرَ بذورَها "السيد أحمد خان" وحركته (^٣).
° يقول أسد البنجاب وشيخها "ثناء الله الأمر تسري": "ما أشام ذلك اليومَ الذي خَرَّف فيه صوتُ عليكرة (^٤) المخالفُ لجميع الأمةِ الإِسلامية، الداعي إلى الاعتمادِ على القرآن وحده في الدين، وأنَّ السُّنَّة لا تكوِّنُ دليلًا شرعيًّا، فأثَّر هذا الصوتُ على الحافظ "محب الحق عظيم أبادي" في "بَتْنَة" بالهند، كما أثَّر على "عبد الله جكرالوي" في "لاهور" بباكستان أعظمَ تأثير" (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق (١٣٠ - ١٣١).
(٢) "نزهة الخواطر" (٨/ ٣٠).
(٣) "القرآنيون" (ص ٢١).
(٤) يعني به: السيد أحمد خان.
(٥) مجلة أهل حديث الأمر تسرية (ص ٣) عدد مارس ١٩٣٣. وكان الشيخ ثناء الله الأمر =
[ ٢ / ٤٦٨ ]
* جَرَاغ علي عدوُّ السُّنَّة، وتلميذ سيد أحمد خان:
ولد سنة ١٨٤٤ م، وكان بحقٍّ تلميذَ سيد أحمد خان الوفيَّ والرجلَ البارزَ بعد سيد خان في حركة "عليكرة"، وأحدَ أعمدتها .. وتُوفِّي في ١٥ يونيو ١٨٩٥ م.
رَضَع جراع -أو شراغ- علي من لُبانِ تلك المدرسة؛ بل أسْهَمَ في الدِّفاعِ عن آرائها أيَّما إسهام، وحاوَلَ صَبْغَ الإِسلامِ بالحضارةِ الغربية مِثل أستاذِه سيد أحمد خان، فأوَّل نصوصَ الإِسلام بما يتلاءَمُ مع تلك الحياة الأوربية.
° يقول الدكتور محمد مصطفى أعظمي: "إنَّ المستعمرين قد تنبَّهوا لخطورةِ رُوحِ الجهادِ بالسَّيف، فشَرَعوا بالطعن في أحاديثِ الجهاد، وكان "جَرَاغ علي" و"المتنبي الكذَّاب القادياني" من قادةِ هذه المدرسة، كما أنتجت الروحُ الانهزامية رجالًا مثل "السيد أحمد خان" و"عبد الله جكرالوي" و"أحمد الدين أمر تسري" وآخرين، وأخيرًا جاء "غلام أحمد برويز" الذي أبدى نشاطًا ملحوظًا، فأسسَّ جميعةً باسم "أهل القرآن"، كما أصدَرَ مجلةً شهريةً ونشر عدَّةَ كتبٍ في هذا الصدد" (^١).
° ويَكشفُ "جَرَاغ علي" عن موقفه من السُّنَّةِ فيقول: "إنَّ القرآنَ كاملٌ من كلِّ الوجوه، ويواكبُ سَيْرَ الحضارة وتطوُّرَها، ويَرفعُ متَّبعيه إلى
_________________
(١) = تسري مدير تحريرها. وقد ردَّ على كل من عبد الله جكرالوي وغلام أحمد القادياني، والشيعة والبريلوية وكثيرٍ من فرق الهندوس.
(٢) "دراسات في الحديث النبوي" لمحمد مصطفى أعظمي (ص ٣٨).
[ ٢ / ٤٦٩ ]
أعلى درجات الرُّقيِّ والتمدُّنِ، فإنْ أحْسَنَّا تفسيرَه وتعبيرَه سَلَكَ بنا هذا المَسْلك، وإنْ قيَّدْناه بآراءِ المفسِّرين ومَنْهَجِهم وحَصَرْناه في الرواياتِ، فإن الوضعَ يَنقلبُ رأسًا على عَقِب، فنسيرُ نحوَ الهاوية بدلًا من التقدُّمِ ومسايرةِ الرَّكْب؛ لأنَّ الرواياتِ لم يصح منها إلاَّ القليل، بل جُلُّها فرضيَّات وأوهامٌ للعلماء، أو أنها دلائلُ قياسيةٌ وإجماعيَّة، وهذا المَسْلَكُ هو ما يَسيرُ عليه قانونُ الشريعةِ والفقه، ولا شكَّ أنَّ مِثلَ هذا المَسْلَكِ يَحجُزُ عن الرُّقِيِّ والتقدُّم ومسايرةِ ظروفِ الحياة" (^١).
° وأضاف في موضعٍ آخر فقال: "إنَّ المحقِّقين الذين جَمَعوا الأحاديثَ وميَّزوا بين سقيمها وصحيحها، صَرَّحوا بأنَّ الحديثَ مهما قَوِيَ سَنَدُه لا يُمكنُ الاعتمادُ عليه، وما ذُكِرَ فيه غيرُ حتميٍّ قطعًا، فلو أمعنَّا النظرَ في هذه الحقيقةِ لاضطررْنا أن نقول: إنَّ معاييرَ الصِّدقِ والأصولِ العقليةِ لا حاجةَ لإقامتها لتمييز الحديث؛ لأنَّ الحديثَ في حدِّ ذاته شيء لا يمكنُ الاعتمادُ عليه، ولا اعتبارَ لِمَا يَتحدَّثُ عنه" (^٢).
° وله انحرافاتٌ كثيرةٌ تتلخَّصُ في:
أ- نفي أن يكونَ الحِجابُ ممَّا أَمَر به الإِسلام.
ب - حروبُ النبيِّ - ﷺ - كلُّها دفاعية، وأنه - ﷺ - لم يَخُضْ حَربًا هجوميةً في حياته.
_________________
(١) "تحقيق الجهاد" (ص ١٢١) لجراغ علي ترجمة غلام حسين - لاهور - باكستان.
(٢) "أعظم الكلام في ارتقاء الإِسلام" (١/ ٣٠) لجراغ علي ونواب يارجنك ترجمة مولانا عبد الحق - لاهور.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
جـ- لم يُعيِّنِ القرآنُ المقصودَ من الزكاة، وإنما أَمَر بإعطاءِ الفقراءَ ما زاد عن الحاجة.
° ومن أشهر مؤلفاته: "الإصلاحاتُ السياسيةُ القانونية، والاجتماعيةُ المقترَحةُ للإمبراطوريةِ العثمانية والدولِ الإِسلامية الأخرى".
° وفي هذا الكتاب تَظهَرُ الدعوةُ إلى التوفيق بين الإِسلامِ والعصر، بالطريقةِ المفضَّلةِ لهذه المدرسة، وخلاصةُ ما فيه: "أنه يرى ضرورةَ الفصلِ بين الدين والدولة؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يُوحِّدْ بين الدينِ والدولةِ مطلقًا" (^١).
* مُحبُّ الحق عظيم آبادي في "بهار" بالهند وإِنكارُه للسُّنَّة:
هو الحافظُ محبُّ الحق المنسوبُ إلى مدينة "عظيم آباد" بالهند، البهاري البَتْني، وُلد في آخِرِ السَّبعينات من القَرْنِ التاسعَ عَشَر، وكان حَنَفِيَّ المَسْلَكِ في أوَّلِ أمرِه، يَتَّبعُ طريقةَ الصوفية النَّقشبنديَّة، ثم تَحَوَّل عنها ليصبحَ عُضوًا غيرَ بارزٍ في زُمرة "القرآنيين"، وله مؤلَّفاتٌ عديدة منها: "دعوة الحق" و"شرعة الحق" و"منهاج الحق" و"بلاغ الحق".
وقد صَنَّف كتابَه الأولَ والثاني قبل أن ينضمَّ إلى الحركةِ القرآنية، والثالثَ أثناءَ تذبذُبه، والأخيرُ فيه التصريحُ بعدم أخذ السُّنَّةِ في الدين، وكان يَكتب في كلٍّ من مجلتي "البيان" و"طلوع الإِسلام" .. تُوفي في آخِرِ الخمسينات من القرن العشرين "بكراتشي" بعد استقلال باكستان.
° يقول مؤلِّف كتاب "القرآنيون": "وقد تزعَّم حركةَ القرآنيين في
_________________
(١) "مفهوم تجديد الدين" (ص ١٣١) وما بعدها.
[ ٢ / ٤٧١ ]
بدايةِ الأمر شخصيَّتانِ: "محب الحق عظيم آبادي" في "بهار" -شرقي الهند-، و"عبد الله جَكْرَالَوِي" في "لاهور" في آنٍ واحدٍ من مَنبعٍ متَّحدٍ، غيرَ أنَّ الأولَ -محب الحق- لم يُخالِفِ المسلمين في الأعمال الظاهرة، بل كان يَمتثلُ لها كأيِّ فردٍ من المسلمين باستنباطِ ذلك من القرآن الكريم، دون اللجوءِ إلى السُّنَّةِ المُشرَّفة، مما جَعَل الأنظارَ لا تَلتفِتُ إليه بدهشةٍ واستغراب، مع ما سَجَّله من المخالفات الظاهرة كقوله: "اللهم امْحُ وثنيَّة عقيدةِ البرزخ كما مَحَيْتَ الأصنامَ من جَوفِ الكعبة" (^١).
وإنكارهُ وجودَ منصبِ الإمامة في الإِسلام لعدم ذِكْرِ القرآن له (^٢).
القرآنيُّون وزعماؤهم
قبل مُضِيِّ أرْبَعِ سنواتٍ من موتِ "سيد أحمد خان" ظهرت حركةُ "القرآنيين" في "بِنجاب" بأواسط الهند، وما أسوأَ حظَّ هذه البقعةَ من الأرض، إذْ نَبَعَتْ منها حركتانِ هَدَّامتانِ للإِسلام: "القاديانية"، و"القرآنيون".
ففي سنة ١٩٠٠ م نهض من تلك البقعة "غلام أحمد القادياني"، وادَّعى النبوَّة.
ومنها في عام ١٩٠٢ م بدأ "غلام نَبِي" المعروف بـ "عبد الله جَكْرَالَوي" مؤسِّسُ الحركةِ القرآنيةِ نشاطَه الهدَّام بإنكارِ السُّنَّة كلِّها مُتخِذًا "مسجدَ جِيْنيان" بلاهور مقرًّا لحركتِه.
_________________
(١) "منهاج الحق" لمحب الحق (ص ٤٩).
(٢) "بلاغ الحق" لمحب الحق (ص ٢٩).
[ ٢ / ٤٧٢ ]
وسَنَعْرِضُ ذِكْرَ أكبرِ زعمائِهم، ثم بعد ذلك نَذكرُ أهمَّ آرائهم:
* ومن أكبر زعماء هذه الحركة:
* مؤسِّسُ حركة "القرآنيِّين" عبد الله جَكْرَالَوِي عدوُّ السُّنَّة:
هو عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ الجَكْرَالَوِي، نزيل "لاهور" الذي دعا الناسَ إلى مذهبٍ جديدٍ سَمَّى أتباعَه "أهلَ الذِّكر والقرآن"، وأنكر الأحاديثَ قاطبةً، وصَنَّف الرسائلَ في ذلك (^١).
وُلد عبدُ الله في بلدة "جَكْرَالَهْ" بمقاطعة "مِيَانْوَالِيْ" بـ "بنجاب" بـ "الباكستان"، في نهاية العِقدِ الثالثِ من القرنِ التاسعَ عَشَرَ الميلادي في أُسرةِ عِلمٍ ودِين، وكان والدُه ممن يَستظلُّ بظلِّ مشيخة "تَونْسَة بِرَاج"، ولهذه الصِّلةِ الرُّوحيةِ ذَهَب والدُه به إلى مُتَولِّي المَشيخةِ آنذاك، فحَنَّكه ومَسَحَ على رأسه وأسماه "غلام نَبِي"، وظَلَّ معروفًا بهذا الاسم حتى سنةِ ١٨٩٩ م، إذ سَجَّله مع اسمِه المختار "عبد الله" في نهاية مقدِّمة تفسيرِه، ثم تحاشاه بعد ذلك التاريخ لشُبهةِ الشِّركِ فيه حتى الممات.
* صِلته بالاستعمار:
اختَلفت النقولُ في اتِّصالِ "عبدِ الله" بالإِنجليز وممالأتِه لهم، "فغلام أحمد برويز" -ومَن يرى رأيَه يَذهبون إلى أنَّ المِرزا "غلام أحمد القادياني" كان من البذور التي تَولَّت الحكومةُ البريطانيةُ بَذْرَها، وأنَّ دعوتَه أتت من صميمِ النداء الإِنجليزي، بَيْدَ أن "عبد الله" نراه سليمَ النيَّة، اكتَوَى بنارِ ما
_________________
(١) "نزهة الخواطر" (٨/ ٢٨٩).
[ ٢ / ٤٧٣ ]
أُصيب به الإِسلامُ في عصرِه من الفِرَق المتعددة.
° وفريقٌ آخَرُ من المحقِّقين -أمثال "محمد علي قَصُورِي"- يَرَى أنَّ الحكومةَ البريطانيةَ كانت لها يَدٌ وراءَ الحركتين: "القاديانية، والجكرالوية"، حيث يقول: "وفي هذه الآوِنةِ اتَّخذ المشروعُ الإِنجليزيُّ نوعًا جديدًا من المناورات المناوِئةِ للإِسلام، فضَمَّت صُفوفُه السياسيةُ كثيرًا من القساوسة المبشِّرين، مما مَكَّنها من اصطيادِ بعضِ الشخصيَّاتِ الإِسلامية، وإيقاعِها في شَبكةِ التحريفِ ضدَّ الإِسلام، كما انضمَّ إلى هؤلاءِ بعضُ من يُريدُ الدنيا، فحرَّضَتْهمُ السلطاتُ الإِنجليزيةُ على أن يقوموا بأعمالٍ تُبعِدُ الثِّقةَ عن النفوس تُجاهَ الحديثِ الشريف، ويَستغِلُّوا الضمائرَ المنافقةَ من المسلمين، وكان على رأسِ هؤلاء جميعًا "عبد الله جكرالوي"، وقد اختاره المسيحيُّون لأداءِ هذه المهمَّة، فرَفَعَ صوتَه بإنكارِ السُّنةِ كلها، وأَخَذَ يدعو إلى هذا المشروعِ الهدَّام، فأَخَذَتْ كُتبُ التأييدِ والرسائلِ تَصِل إليه من المبشِّرين بالمسيحية، وتَعِدُه بالمساعدات المالية، وتشكرُه على هذا المجهود الجبَّار، وقد عَرَفْنا كلَّ ذلك مِن قِبَل أحدِ أصدقائِنا الصادقين، الذي كان يقومُ بدَورِ الترجمة لهذه الرسائل، لعدمِ معرفةِ "عبدِ الله" باللغةِ الإِنجليزية، ولو بَذَلْنا قليلًا من الجَهدِ لأمكَنَنَا الحصولُ عليها، غيرَ أنَّا لا نريدُ ذلك" (^١).
ولعلَّ الذي مَنَع الدكتور "محمد علي" من التصريح باسم صديقِه أو نَشرِ شيءٍ من الرسائل، هو قُربُ عهدِ الاستقلالِ للدولة الباكستانية، وتوغُّلِ القاديانين والقرآنيين في مناصِبها الحسَّاسة، والبَطشُ بكلِّ مَن
_________________
(١) "القرآنيون" (ص ٣١).
[ ٢ / ٤٧٤ ]
يُخالفُهم أو يُبدي مَساوءَهم، والذي يَتحقَّقُ للمُتَتبِّعِ لأحداثِ تلك الحِقبةِ التاريخيةِ هو وجودُ الصِّلَةِ بين "الحركة الجكرالوية" والدولة المستعمِرة آنَذَاك، ولو صِلَةً خَفِيَّةً، ولعلَّ الزمنَ يَكشِفُ لنا عنها -عاجلًا أو آجلًا-.
* موقفُ العلماءِ من أفكاره:
اتَّخذ "عبد الله" مدينة "لاهور" -مدينة العلم- سنة ١٩٠٢ م مقرًّا دائمًا لإبلاغِ رسالته إلى المسلمين، ونَشْرِ أفكارِه بين الناس، بَيْدَ أنَّ مجلة "إشاعة السنة" كانت له بالمرصاد، إذ أسرعت إلى جَمْعِ أفكارِه وإجراءِ استفتاءٍ عامٍّ حولَها، ووضعَتْها على بِساطِ البحثِ في الأوساطِ العِلميَّة، بَعدَ عَرضٍ وجيزٍ لبعضِ أفكارِ "عبد الله" الانحرافية، وطالَبَت من علماءِ الدين وقادةِ فِكرِه بيانَ موقفِ الإِسلام من مِثل صاحبِ هذه الأفكار، وهل يَبقَى الرجلُ مُسلِمًا مع اعتناقِ هذه الأفكار؟ أو يَخرجُ من دائرةِ الإِسلام، ولا يَبقى له به صِلَةٌ؟!.
فأفتى بكُفرِ "عبد الله" جُلُّ علماءِ شِبهِ القارَّةِ الهندية في باكستان والهند وبنغلاديش، وفي نهاية سنة ١٩٠٢ م تولَّت "إشاعةُ السنة" نَشْرَ عَشَراتِ التوقيعاتِ لعلماءِ الدينِ الذين أفتَوا بكُفرِ "عبد الله" وخروجِه من بَوْتَقَةِ الإِسلام، وأنه مقطوعُ الصِّلَةِ عن الدين والمسلمين (^١).
غيرَ أن "عبد الله" لَقِيَ مستمرًّا في دَعوتِه حتى اختَرَمَتْه المنيةُ، ولَقِيَ ربَّه ﷿ عام ١٩١٤ في مدينة "مِبَانْوَالي" القريبة من "جكراله".
_________________
(١) انظر مجلة "إشاعة السُّنَّة" مجلد ١٩ ملحق ٧ (ص ٢١١).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
* أحمد الدين الأَمْرَتْسَرِّي:
هو الخَواجةُ أحمد الدين، ابنُ الخَواجة ميان محمد، بن محمدِ إبراهيمَ، دعامةُ الفكرِ العميق للحركة القرآنية، ولد عام ١٨٦١ بمدينة "أمْرتسر" بالهند، وتُوفِّي في ٢ يونيو عام ١٩٣٦ وكان يُجيدُ اللغات: العربية، والفارسية، والأُرْدية، والبنجابية، والإِنجليزية.
أ- صلته بأحمد خان:
لقد استفاد الخواجة "أحمد الدين" من نظرياتِ السيد أحمد خان، وإن لَم يَجْعَلْها أساسًا ومركزًا لأفكارِه، لشدَّةِ نَقْدِ العلماءِ لها والنكيرِ على قائلِها آنذاك، فاتَّخذ الخواجةُ جانبَ الحَذَر والحَيْطَة، فلم يَجْهَرْ بما جَهَرَ به السيد "أحمد خان"، وإنما كَنَّى واستعارَ ووَرَّى.
° يقول "ضياء الله" الابن البكر لأحمد الدين الذي رَتَّبَ ترجمةَ حياةِ أبيه حول هذه الصِّلة ما نصه: "يبدو أنَّ أولَ مَن وَضَعَ أساسَ استدلالِه على القرآن الكريم وحده هو "السيد أحمد خان" .. وقد قَضَتْ أفكارُه على الجُمودِ الذي ساوَرَ على عقولِ المسلمين، ثم نَسَجَ على مِنوالِه "عبدُ الله جكرالوي"، وظَلَّ الخواجة مدَّةً يَستفيدُ من أفكارِه وأفكارِ عبدِ الله، ولأفكارِ الأخيرِ تأثيرٌ بالغٌ في تعديل الوضع للسُّنةِ النبويَّة، فأصبح الذين كانوا يُفضِّلونها على القرآن يجعلونها بعدَ القرآن" (^١).
ب - صِلته بعبد الله جكرالوي:
اتَّصل "أحمد الدين" لعبد الله منذ أنْ صَدَعَ الأخير بدعوته عام
_________________
(١) مجلة "بلاغ" (ص ٨٨) عدد سبتمبر ١٩٣٦ م العدد الخاص بترجمة أحمد الدين.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
١٩٠٢ م، وكثيرًا ما كان الخواجةُ يَزورُه في العُطَلِ الصيفية أيامَ تدريسِه بالمدرسة الإِسلامية، لِتَبادُلِ الآراءِ والمناقشةِ حولَ العديدِ من المسائل العلمية، فيُقنعُ عبدُ الله الخواجةَ حيْنًا، كما كان يَقتنعُ هو بآراءِ الخواجةِ أحيانًا أخرى.
° وحينما نَشَر عبدُ الله كتابه "صلاة القرآن" في العِقدِ الأولِ من القرنِ العشرين، قام الخواجةُ بزيارةٍ خاصةٍ له، ونَصَحه بعدمِ إصدارِ مِثل هذه الكتب في الوقتِ الحاضر، وأثناءَ النقاشِ حَضَرَتْ صلاةُ العصر، فصلَّى الخواجةُ على الطريقةِ الجكرالوية، فقال له عبد الله: "كيف تعترضُ على الكتاب وتُصلِّي بمثله؟ " فردَّ الخواجةُ عليه بقوله: "إني لا أَراها باطلةً، ولكنَّ التَّفرقةَ لا تجوزُ بين المسلمين" (^١).
* نشاطه في دعوتهِ، وآثارُه العلمية:
قام الخواجة "أحمد الدين" عام ١٩٢٦ م بتأسيس طائفتِه المنفصلةِ بـ "أمرتسر" والتي اختار لها اسم "أمة مسلمة"، فتسارَعَ الناسُ إلى اختيارِ عضويتها، بالإضافة إلى إصدارِ مجلة "بلاغ" الخاصةِ بهذهِ الجماعة، تَحملُ أفكارَهم، وتَنشرُ نظرياتُهم الخاصة.
هذا وقد شَمَّر أعضاءُ "أمة مسلمة" ودُعاتُها عن ساعِدِ الجِدِّ، فأخَذوا يَطبَعون الكُتُبَ على حسابهم الخاص، ويُرسلونها إلى كلِّ من عَرَفوا عُنوانه دونَ مقابلٍ، ممَّا ساعَدَ في نَشرِ أفكارِهم وانضمامِ الناسِ إليهم.
وممَّا يلاحَظُ في فِكرِ أحمد الدين نَقْدُه اللاذعُ للنظامِ السائد في الميراث
_________________
(١) مجلة "بلاغ" (ص ٢٠) عدد سبتمبر ١٩٣٦ م.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
عند المسلمين، والدعوةُ بالاكتفاءِ على ما وَرَدَ في القرآنِ الكريم دون السُّنة، كتوريثِ ابنِ الابنِ مع وجودِ الابنِ للميِّت .. وجَعَل الوصيةَ فَرْضَ عينٍ على المتوفَّى لمن شاء مِن وَرَثَتِه، وإعطاءَ الإرثِ لمستحقِّه -بقَطعِ النظرِ عن ديانتِه وحريتهِ- إلى غير ذلك من الآراء الغريبة المخالفةِ لإِجماعِ المسلمين.
° وله:
(١) "معجزة القرآن"، وهو مجلد واحد.
(٢) "أصل مطاع"، وهو مجلد واحد.
(٣) تفسير "بيان للناس"، وهو سبع مجلدات وصل فيه إلى قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠].
(٤) "برهان الفرقان"، وهو مجلد واحد.
(٥) "ريحان القرآن"، وهو مجلد واحد.
(٦) "قرآن مجيد ورسول حميد"، وهو مجلد واحد.
* الحَافِظ أسْلم جِرَاجْبُوْرِي:
هو محمد أسلم، ابن العلامة سلامةِ الله البهوبالي، المؤرِّخُ الفيلسوفُ، أحدُ أركان القرآنيين البارزين.
ولد في "جراجبور" ١٢٩٩ هـ/ ١٨٨٠ م بمقاطعة "أَعْظَمْ كَرَهْ" بالهند في أسرةِ أهلِ الحديث -أثناءَ أداءِ والدِه مناسِكِ الحجِّ، وحَفِظَ القرآنَ الكريم قبل أن يناهزَ التاسعةَ من عمره، فلذلك لُقِّب بالحافظ، ثم أَخَذ في دراسةِ اللغة الفارسية -لغةِ العلوم الدينية آنذاك-، ثم الرياضياتِ، فاللغةِ الإِنجليزية، كما أنه درس العربيةَ على مولانا فتح الله، وتُوفِّي في ٢٨ ديسمبر ١٩٥٥ م.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
° أما صِلتُه بالخواجة "أحمد الدين" وتأثُّرُه بأفكارِه، فتبدو واضحةً في ترجمتِه كتابَ الخواجة "معجزة قرآن" إلى اللغة العربية، ونَشْرِه بين البلاد العربية، كما أنَّ "الحافظ" سار في موضوعِ "الإِرث" على نَهجِ الخواجة، فأخرج كتابه "محجوب الإرث" نَقْدًا لقواعِدِ الميراث المُجْمَعِ عليها بين المسلمين، كما أنَّ لِفِكْرِ "الحافظ" نصيبًا وافرًا في صَبغِ الأفكار الاشتراكية بالإِسلام، كتحويلِ مِلْكِيَّةِ الأرضِ إلى الدولة، واختراعِ مَنصبِ "مركز المِلَّة" لِيَحُلَّ مَحَلَّ "مجلس التشريع الحاكم" عند الاشتراكيين.
° يقول هذا المأفونُ في مَدحِ الاتحاد السوفيتي ما نصُّه: "إن المِلَّةَ الرُّوسيةَ جَدَّدتِ العملَ الإِسلاميَّ الذي وُجِد في العهود السابقة، بل أجودَ منه، إذْ أطاحت بالرأسماليين ومُلاَّكِ الأرضِ وأصحابِ الإماراتِ الصغيرة، وهذا معنى "لا" من كلمة "لا إله إلاَّ الله"، وهي أولُ لَبِنَةٍ في الإِسلام، وهذا العمل هو عَينُ الامتثالِ لمبدأِ الشهادتين" (^١).
ومما لا يَسَعُ الباحثَ إنكارُه أنَّ "الحافظ أسلم" هو الرجلُ الثاني بعد "بَرويز" (^٢) الذي نَبَغَ من حيث التأليف، وقام بالنشر لأفكارِ القرآنيين، وتُوفِّي في مارس ١٩٥٥ م ولَحِقَ بربِّه ليلقَى جزاءَ أعمالِه.
* غلام أحمد بَرْويز، عَدُّو السُّنَّة اللَّدُود:
هو غلام أحمد برويز بنُ فضلِ دين، وُلِد في ٩ يوليو ١٩٠٣ م، في بلدة "بَتَالة" القريبة من "قاديان" بالبِنْجاب الشرقية في الهند.
_________________
(١) "نوادرات" (ص ١١٥) للحافظ أسلم.
(٢) برويز هو تلميذ الحافظ أسلم.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
في سنة ١٩٣٨ م أصدر السيد "نذير أحمد" -بتمويلٍ من صديقه برويز- مجلة "طلوع إسلام" دونَ تسجيلها باسمه الخاص.
وبعد استقلال باكستان، وبعد أن أصبحَ "محمد علي جناح القادياني" أولَ زعيمٍ ورئيسٍ لباكستان!!! انتَقل "برويز" من الهند إلى باكستان مع مجلته "طلوع إسلام".
* فِكرُه ونَشاطه لدعوته:
بَعدَ ما وصَلَ "برويز" إلى "كراتشي" وطاب له المُقامُ فيها، نَشِطَ في دعوتِه نشاطًا بالغًا لِخُلُوِّ الجوِّ من المعارضةِ القويَّةِ من جهةٍ، وللإِعانةِ الفعليةِ من أربابِ الحُكمِ من جهةٍ أخرى، فوجَدَ أرضًا خِصبةً لنَشرِ أفكاره، فوَضَع لمؤيِّديه أُسُسًا واضحةً، وجَعَل لهم مكاتبَ فِكرٍ تحتَ إدارته، وأَطلقَ عليها اسم "نوادي طلوع الإِسلام" تَبَعًا لاسم مجلته، ولم تَمضِ بِضعُ سنواتٍ على مجيئِه حتى عمَّ ذِكرُه في أرجاء باكستان، بل تجاوَزَها إلى الدول العربية والأوربية والأميركية، فأخذ الناسُ يَهرعون للانضمامِ إلى دعوته.
وعلى جانبٍ آخَرَ أَخذت أجهزةُ الإِعلام للدولة تُكِيلُ له المَدْحَ كَيلًا، فانضمَّ إلى صُفوفه كثيرٌ من المثقفينَ والمحامِيينَ والقُضاةِ والمُحاضِرِينَ وأساتذةِ الجامعات والطلاَّبِ والمهندسين.
وفي نوفمبر سنة ١٩٥٦ م عُقد أولُ اجتماعٍ عامٍّ لجميع نوادي "طلوع إسلام" في "لاهور"، ثم تتابعت الاجتماعاتُ السَّنَويةُ لاتخاذِ اللازم، والبحثِ في المشاكل التي تَعترضُ طريقَهم لنشرِ الأفكارِ في أرجاءِ الوطنِ الإسلامي الكبير.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وفي هذه السَّنةِ نفسِها كان "برويز" قد عُيِّن عُضوًا في "لجنةِ التقنين" في باكستان، غيرَ أنه لم يَستمرَّ بها طويلًا، إذ عُطِّل الدستورُ بأكملِه إثْرَ انقلابٍ عسكريٍّ قام به الجنرال "أيوب خان"، وأَمَر بالغاءِ جميعِ الحركاتِ والأحزابِ ما عدا حركةَ "طلوع إسلام"، ولعلَّ السببَ في ذلك يعودُ إلى ملاءمةِ الأفكارِ البرويزية لكلِّ حاكم.
ومركز "المِلَّة" عند برويز يتولاَّه كلُّ مَن تمكَّن منه، وقد مُنح لهذا المركز سلطاتٌ تشريعيةٌ واسعة، من الحَظْرِ والإباحةِ والإِجبار، وهذا ما يَبتغيه كلُّ حاكمٍ لبقائه في الحُكم، ولعلَّ هذا هو أحدُ الأسبابِ الخَفِيَّةِ العاملةِ في إلغاءِ قانونِ الأحوالِ الشخصيةِ الإِسلامية إبَّانَ حُكمِ هذا الجنرال، وإحلالِ القوانينِ الوضعيةِ -المقدَّمةِ من لجنةِ الأحوال الشخصية- مَحِلَّه.
والحقُّ أن فِكرَ "برويز" يمتازُ بالاطِّلاع الواسع على الأفكار الأوربية، ويَرى وجوبَ صَبْغِ الإِسلام بها .. وبالإضافةِ إلى ذلك يعتقدُ أنَّ النظرياتِ العلميةَ حقائقُ لا تَقبلُ الجَدَلَ والمناقشة؛ لذا يجبُ تفسيرُ القرآنِ بمقتضاها، كالقول بالتطوُّر في وجودِ الخَلْق، وإنكارِ خوارِقٍ العادات .. أمَّا التأويلُ وصَرفُ الكلماتِ عن معانيها الحقيقيةِ في كُتُبه، فحدِّثْ ولا حَرَجَ، فما من مُعتقَدٍ إسلاميٍّ إلَّا مَسَّه قلمُ "برويز" بالتأويل.
و"غلام أحمد برويز" يُقلِّدُ "توفيق صدقي" تقليدًا تامًّا -مع دعوى الاجتهادِ والانفراد-؛ لأنه يُنكِرُ إنكارًا تامًّا أن يكونَ للأحاديث أيُّ قيمةٍ تشريعيةٍ (^١).
ولعلَّ أولَ إعلانِه بأفكارِ القرآنيين، وإثارةِ الشبهاتِ حولَ السُّنةِ لإِزالةِ
_________________
(١) "دراسات في الحديث النبوي" لمحمد مصطفى الأعظمي (ص ٢٨).
[ ٢ / ٤٨١ ]
الثِّقة عنها، ودعوةِ الجماهير إليها جِهارًا: يعودُ تاريخُه إلى مسجد "سكرتارية دهلي" الذي كان قد مَنح "برويز" مِن قِبَلِ مسؤوليِ المسجدِ حُقوقَ خُطبةِ الجمعة فيه، لِحُسنِ نواياه السابقة، لكنه سَرعانَ ما أَخذ أسلوبُه يتلوَّنُ من يومٍ لآخر، فبدأ بالتأويل في السُّنة، فالتعريضُ بها، وأخيرًا إنكارُ حُجِّيَّتِها وعدمُ الاعتمادِ عليها في شَرعِ الله ﷿، غيرَ أنه لَم يَمْضِ وقتٌ طويلٌ على هذه الأفكار حتى استولى الحماسُ الدينيُّ على "موسى" الفَرَّاش، بالسكرتارية، فأخذ بتلابيبِ الخطيب، ونهاه عن إلقاءِ مِثلِ هذه التُّرَّهاتِ، ما كان سببًا مباشرًا لعَدَمِ عودتِه إلى المسجدِ للخطبةِ مرةً أَخرى.
وكان "برويز" قد اتَّصل في هذه الآونةِ بأستاذه الفكري "الحافظ محمد أسلم جراجبوري"، فتتلمذ عليه، ووَرِثَ منه جميعَ مُخلَّفاتِ الخواجةِ الفكرية حولَ السُّنة، وما أضاف "الحافظ إليها طُوالَ عمرِه الطويل، بَيْدَ أن الأرضَ لم تكن خِصبةً لنشرِ أفكارِه بين المسلمين آنَذَاك لكثرةِ ما كانت تكتظُّ به "دهلي" من العلماء الأجلَّاء من جهةٍ، والتغيُّراتِ السياسيةِ التي أوشكت أن تَحُلَّ بالمسلمين وقتَئذٍ من جهةٍ أخرى، فَبقِيَتْ أفكارِه تختلجُ في صدرِه حتى نالت باكستان استقلالها، فجاءها مهاجِرًا كبقية المسلمين، واتخذ "كراتشي" مقرًّا مؤقَّتًا لنشر دعوته.
وإذا أردنا أن نعرفَ موقفَ الرجل من "السيد أحمد خان" وأفكاره، فنراه يُبجِّلُه، ويَضَعُه في قائمةِ مفكِّري هذا العصر، ويقول: "وفي عصرِنا الحاضرِ يُعتبر "السيد أحمد خان" والدكتور "محمد إقبال" أشهرَ مُفكِّري هذا العصر" (^١).
* أما موقفهُ من "عبدِ الله جكرالوي"، فنراه يَمدحُ مَنهجَه، ويُنكِرُ
_________________
(١) "فرقة أهل القرآن" لبرويز (ص ٨).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
عليه تعيينَ الجزئياتِ من القرآنِ الكريم، غيرَ أن "برويز" يُخَوِّلُ تعيينَ الجزئياتِ إلى مركز "المِلَّة" فالرجلانِ متَّفقانِ في المبدأِ والغاية، غيرَ أنهما اختَلَفا في السبيِل الموصِّلِ إليها، فكلاهما ادَّعى كمالَ الدينِ في القرآنِ وعدمَ التسليم لغيرِه في الحُجَّةِ والبرهان، واختلفا في تعيينِ هذا الكمالِ، فيَرى "عبد الله" كمالَه لشُمولِه جزئيَّات الدين، ويرى "برويز" كمالَه وشموله بذِكرِ الأصولِ وتركِ الجزئيات إلى مركزِ المِلَّة، وبذا يكونُ قد وَصَلا إلى الغاية المنشودةِ، وهي إلغاءُ السُّنةِ من مصادِر التشريعِ في الإِسلام.
* يقول "برويز" في ذلك ما نَصُّه: "وإنا نرى "عبدَ اللهِ جكرالوي" كان سَليمَ النيَّةِ، اكتوى بنارِ ما أُصيب به الإِسلامُ في هذا القَرنِ من الفِرَقِ المتعدِّدة، فانتَحَل عِلاجَ هذه المُعضِلةِ، فنادى بجمع المسلمينَ على القرآن الكريم، وإلى هذا الحدِّ كان سليمَ الممشى صحيحَ المَسْلَك، غيرَ أنه تقدَّم فوَقَعَ في اللَّبْسِ حين قال: إنَّ العمل على الإِسلام ليس بحاجةٍ إلى غيرِ ما في القرآن" (^١).
وُيعتبر "برويز" أكثرَ القرآنيِّين تأليفًا، بل هو مؤلِّفُ الحركةِ القاديانية، وقد زادت مؤلَّفاتُه على ثلاثين مُؤَلَّفًا.
* موقفُ العلماءِ من أفكاره:
أصبحت مدينة "لاهور" مدينة إقبال منذ عام ١٩٥٨ م مقرًّا دائمًا لدعوةِ "طلوع إسلام"، لكنَّ العلماءَ كانوا لها بالمرصاد، إذ جَعَل مولانا "المودودي" "لاهور" نفسَها مقرًّا للجماعةِ الإِسلامية، وسَلَّط أضواءً مستفيضةً على دَعوة "برويز"، وحَذَّر الناسَ مِنِ اتِّباعِها وعواقِبِها الوخيمةِ
_________________
(١) "فرقة أهل القرآن" لبرويز (ص ٨).
[ ٢ / ٤٨٣ ]
التي تَنتظرُ متَّبعيهِ يومَ القيامة.
وفي سنة ١٩٦١ م وُضعت أفكارُ "برويز" ومعتقداتُه على مَحَكِّ البحث الإِسلاميِّ أمامَ العلماءِ لِيُفُتوا فيها، ولِيبيِّنوا حُكمَ الإِسلام فيمنَ اعتَنَق هذه الأفكار، وهل تَبقى له صِلةٌ بالإِسلام، أو أنَّ الإِسلامَ بريءٌ منه؟ .. وقد تولَّى إجراءَ هذا الاستفتاء أركانُ المدرسةِ العربيةِ الإِسلاميةِ بـ "كراتشي"، فأفتَى ما لا يَقِلُّ عن ألفِ عالِمٍ من علماءِ الدينِ من باكستانَ والهندِ والشامِ والحجازِ بتكفيرِه وخُروجِه عن رِبْقَةِ الإِسلام.
* فِرَقُ القرآنيِّين المعاصرِة:
يُوجَدُ في الوقتِ الحاضِرِ أربعُ فِرَقٍ من القرآنيِّين، يَجمعُهم أمرانِ:
١ - القولُ بالاقتصار على القرآنِ وحدَه في أمورِ الدنيا والآخرة.
٢ - وأنَّ السُّنةَ النبويَّةَ -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- ليست بِحُجَّةٍ في الدين، فلا مَجالَ لإِقحامِها فيه.
١ - الفرقة الأولى: "فرقة أُمَّتْ مُسلِم أهل الذكر والقرآن":
وهذه الفئةُ هي البقْيةُ الباقيةُ من أصلِ فِرقة "عبد الله" مؤسِّسِ الحركةِ القرآنية، ضَمَّت في تسميتِها حِزْبَه وحِزْبَ الخواجةِ "أحمد الدين"، والواقعُ أنها لا تَمُتُّ إلى فرقة الخواجة بصِلةٍ، وقد وَضَع حَجَرَ أساسِها "محمد رمضان" تلميذُ "عبد الله جكرالوي"، وكان لها نَشاطٌ ملموسٌ أيامَ بانِيها، غيرَ أنها بعدَ وفاته أَخَذت تَضمحِلُّ شيئًا فشيئًا، وهي في طريقها إلى الانقراضِ عاجلًا أو آجلًا، وَينتمي إليها بِضعةُ آلافٍ من البشر، وقلَّما تَعثُرُ على النشءِ الجديدِ في صفوفها.
ولهم مجلةٌ خاصةٌ بهم تَحملُ اسم "بلاغ القرآن"، ولِفِئةِ بلاغِ القرآن
[ ٢ / ٤٨٤ ]
مساجد خاصةٌ في أكثر مدن باكستان، يُقيمون فيها الصلواتِ اليوميةَ الثلاثَ بطريقتِهم الشاذَّة.
٢ - الفرقةُ الثانية: فرقة "أمة مسلمة":
أسَّسها الخواجة "أحمد الدين" في "أمر تسر" بالهند، وكان لهما مَجلَّتانِ: "بلاغ" و"البيان" .. ولا تخلو مدينةٌ مِن مُدن باكستان من أعضاءِ هذه الحركة، وللأمةِ المسلمةِ مراكزُ متعدِّدةٌ في أغلبِ مُدنِ باكستان الرئيسية، وأمَّا مركزُهم الرئيسيُّ ففي "لاهور"، والذي تَجدُرُ الإشارةُ إليه أنَّ المنتمِينَ إلى هذه الفئةِ يُوافِقون المسلمينَ في الأعمالِ الإِسلاميةِ الظاهرة -من الصلواتِ الخمسِ وصيام الشهرِ كلِّه-، وذلك ما يَحُولُ دون تمييزهم منِ بينِ المسلمين، ولعلَّ مجلة "فيض إسلام" الرَّوَالْبَنْديَّة تُمثِّلُ وجهةَ نظرِهم غيرَ الرسمية في الوقت الحاضر، وبالإِضافةِ إلى أن أعضاءَها يَسْعَون لإعادةِ إصدارِ "البيان" من جديد.
٣ - الفرقةُ الثالثة: فرقة "طلوع إِسلام":
مؤسِّسُها "برويز"، وفرقةُ "طلوع إسلام" من أنشط فِرَقِ القرآنيين في الآونةِ المعاصرة، وقد خَفَّ نشاطُها عن عهدها السابق بسبب فتوى العلماء بكفر "برويز".
وفرقهُ "طلوع إسلام" قام بتأسيسها "غلام أحمد برويز" في الهند قَبلَ استقلال باكستان، إلَّا أنه نَشِطَ في الحركةِ بعدَ انتقالِه من "دهْلي" إلى باكستان، فما مِن مدينةٍ من مُدُنِ باكستان إلَّا وفيها فَرعٌ من فروعِ "طلوع إسلام"، بل لم يَقِفِ الأمرُ عند هذا الحدِّ، فقد تَجاوزَ ذلك إلى الدولِ
[ ٢ / ٤٨٥ ]
الأوربية عَبْرَ البحار، إذ "لطلوع إسلام" فروعٌ في المُدن الأوربية تتولَّى الدعوةَ إلى الأفكارِ البرويزية.
والجدير بالذِّكر في أمر "طلوع إسلام" أنَّ داعيتَها يقومُ بإلقاءِ درسٍ في تفسير القرآن الكريم منذُ بِضعٍ وثلاثينَ سَنةً في يومِ العطلةِ الأسبوعية، وتُحفظُ دروسُه عن طريقِ آلاتِ التسجيل، ويُستَمَعُ إليها في الأيام المُقبِلةِ في أكثَرَ مِن عَشْرِ مُدُنٍ مِن مُدُنِ باكستان الرئيسة بالإضافة إلى فرُوعها عَبْرَ البحار.
ومما لا شكَّ فيه أنَّ الأفكارَ البرويزية لها نفوذٌ في صفوفِ المثقَّفين، ولا سيَّما بين أولئك الذين يُريدون البقاءَ تحت الدَّوْحةِ الإِسلامية مع تلبيةِ رغباتهم الجامحة، والشيءُ المُلفِتُ للنظر أن أغلبَ كُتَّابِ "الأمة المسلمة الأمر تسرية" قد إنضمُّوا إلى صفوفِ "طلوع إسلام" مواصِلِين مَسيرتَهم الكتابية، كما انضمَّ إلى صفوفِه العديدُ من أفرادِ أهلِ الذِّكر والقرآنِ أيضًا.
ولـ "طلوع إسلام" مركزٌ رئيسي في "٢٥ B كُلْ بَرْك لاهور".
كما أن لهذه الفرقةِ مجلَّتُها الرسميةُ الشهريةُ الدائمةُ "طلوع إسلام" تَنشرُ آراءَها منذُ بِضعٍ وأربعين سنةً، وفي أواسِطِ السِّتينات من هذا القَرْن تَحوَّلَتْ إلى أسبوعيةٍ لفترةٍ من الزمن، بسبب الدعمِ الماليِّ الخَفِيِّ الذي حَصَلت عليه مِن بَعضِ الجهاتِ الخَفيَّة، ولا زالت مجلة "طلوع إسلام" تَصدرُ في غُرَّةِ كلِّ شهرٍ لاتيني مُعلِنةً بذلك تحدِّيها المستمر لمشاعِر الأمة الباكستانية المسلمة.
هذا وقد اختَلَفَتِ التقديراتُ لِتعدادِ أتباع "طلوع إسلام"، فمِن مُكثِرٍ يَبلُغُ بهم إلى بضعةِ ملايين، ومِن مُقِلٍّ يَصِلُ بهم إلى عَشَراتِ الألوف،
[ ٢ / ٤٨٦ ]
والحقيقةُ تكمُنُ بين التقديرين، ولعلَّ المكثِرِين قَدَّروا الأتباعَ أيامَ ازدهارِ الحركةِ في أواخِرِ الستينات، بينما المُقِلُّون بَخَسوا عَدَدَهم لعدمِ إدراكِهمُ التامِّ لنشاطِ الحركةِ داخلَ الدولةِ وخارجَها.
والواقعُ المؤسفُ حقًّا هو أنْ نَرَى المثقَّفين وأصحابَ المسؤوليةِ ينجرِفون وراءَ تيارِ "طلوع إسلام"، وينَخدِعون بسُحُبِه الكاذبة!.
٤ - حركة -أو فرقة- "تعمير إِنسانيت":
أما حركة "تعمير الإنسانية"، فهي فرقةٌ من فِرَقِ القرآنيين الموجودةِ في الآوِنةِ المعاصِرة، حديثةُ الولادةِ والنشوء، إذ بَرَزَتْ على صفحةِ الوجود منذُ ثلاثِ سنوات، يُمَوِّلُها الثَّرِيُّ "عبد الخالق مَالْوَادَه"، وهي تَجِدُّ وتَجتهدُ لكسبِ ثقةِ الشَّعب في أقربِ وقتٍ ممكن، كما أن رياسةَ هذه الحركةِ تعودُ إلى "عبدِ الخالق" نفسِه.
° ولهذا الحركة خطيبٌ مُفوَّةٌ هو القاضي "كفاية الله"، وهو مُعجَبٌ بأفكارِ "الجكرالوي"، ويقول عنه: "إن أفكارَه حَولَ السُّنة لم تتجاوَزْ ما أَمَرَ اللهُ به مِنِ اتِّباعِ ما أَنزَلَ اللهُ، وإنَّ لأفكارِ "عبد الله" اليدَ الَطُّولَى في القضاءِ على الجمودِ العقليِّ الذي كان مفروضًا على المسلمين قبلَه".
وهذه الحركةُ تَبُثُّ دَرْسَها الأُسبوعيَّ "يومَ الجملة" كلَّ أربعاء في صحيفة "مشرق" اليومية، والمجموعُ الكُلِّيُّ لأفرادِ فِرَقِ القرآنيِّين جميعًا لا يتجاوزُ ٣% من مجموع سُكَّانِ باكستان في الوقت الحاضر، ففتوى علماءِ الإِسلام ضدَّ مؤسِّسِ هذه الحركة، وضدَّ برويز قَلَّلتْ من شعبيتهما بصورة كبيرة، والحمدُ لله أنَّ وجودَهم لا يُهدِّد الكِيانَ الإِسلاميَّ في باكستان،
[ ٢ / ٤٨٧ ]
ومآلهم ومآلُ كلِّ باطلٍ إلى مزابِلِ التاريخ.
* آراءُ القرآنيين:
أولًا: موقفُهم من السُّنَّة:
أنكَرَت فِرَقُ القرآنيِّين السُّنَّةَ جُملةً وتفصيلًا .. وكان إنكارُهم لها إنكارًا كليًّا، وأثاروا بباطلهم الشبهاتِ التي لا تَثبُتُ بحالٍ من الأحوال أمامَ رُدودِ أهلِ السُّنة.
° فقالوا: حسبُنا كتابُ الله؛ لأنه تكفَّلَ بذِكرِ الأمورِ الدينيَّةِ كلِّها بالشرحِ والتفصيل، فلم يَبقَ للمسلمين حاجةٌ إلى السُّنَّةِ كمصدرٍ للتشريع وأخذِ الأحكامِ منها.
° قال "عبد الله الجكرالوي": "إنَّ الكتابَ المجيدَ ذَكَرَ كلَّ شيءٍ يُحتاجُ إليه في الدين مفصَّلًا مشروحًا من كلِّ وَجهٍ، فما الداعي إلى الوَحْيِ الخفيِّ؟ وما الحاجةُ إلى السُّنَّة؟ " (^١).
° ويقول: "كتابُ اللهِ كاملٌ مفصَّلٌ، لا يَحتاجُ إلى الشرح، ولا إلى تفسيرِ محمدٍ - ﷺ - له وتوضيحِه إياه، أو التعليمِ العَمَليِّ بمقتضاه" (^٢).
° ويقول "الحافظ أسلم" ما نَصُّه: "قدِ انحَصَرت ضروريَّاتُ الدين في اتِّباعِ القرآن المفصَّل ولا نتعداه".
والتفصيل المقصودُ في الآية ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ
_________________
(١) مجلة "إشاعة القرآن" (ص ٤٩) - العدد الثالث سنة ١٩٠٢ م. و"إشاعة السنة" (١٩/ ص ٢٨٦) عام ١٩٠٢ م.
(٢) "ترك افتراء تعامل" (ص ١٠).
[ ٢ / ٤٨٨ ]
كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١] معناه البيانُ وذِكرُ الأصولِ والقوانين، وليس المرادُ به العمومُ وتعيينُ الجزئيات -كما فهموا من لُغتهم الأُرْديَّة-، "فالتفصيلُ" في اللغة الأُرْدِيَّة غيرُه في اللغة العربية (^١).
° قال الراغب: "الفَصْلُ: إبانةُ أحدِ الشَّيئينِ عن الآخر" (^٢).
° وقالوا في إنكارهم مَصدريَّةَ السُّنَّة: "إنها لم تكن وحيًا من الله، وإنما هي أقوالٌ نَسَبها الناسُ إلى رسولِ الله - ﷺ - زُورًا وتزييفًا، وإنه لم يَنْزِلْ عليه من الوحي سوى ما حَوَاه القرآن".
° قال "عبد الله" مؤسِّس الحركة: "إنا لم نُؤمَرْ إلَّا باتباعِ ما أنزَلَه اللهُ بالوحي، ولو فَرَضْنا جدَلًا صِحَّةَ نِسبةِ بعضِ الأحاديثِ بطريقٍ قطعيٍّ إلى النبي - ﷺ -، فإنها -مَع صِحَّةِ نِسبتِها- لا تكونُ واجبةَ الاتباع؛ لأنها ليست بوحيٍ منزَّلٍ من عندِ الله ﷿" (^٣).
° ويقول: "يَعتقدُ أهلُ الحديثِ أن نزولَ الوحيِ من الله -﷿- إلى نبيِّه ﵊ قِسمان: جَلِيٌّ متلوٌّ، وخَفِيٌّ غيرُ متلوٍّ، والأولُ هو القرآن، والثاني هو حديثُ الرسول على الصلاة والسلام .. غيرَ أنَّ الوحيَ الإلهيَّ هو الذي لا يُمكنُ الإِتيانُ بمثِلهِ، بَيْدَ أنَّ وَحْيَ الأحاديثِ قد أُتي له مثيلٌ بمئاتِ الألوفِ من الأحاديثِ الموضوعة" (^٤).
_________________
(١) "مقام حديث" للحافظ أسلم (ص ١٤٣)، و"نكات قرآن" للحافظ أسلم (ص ٧٩).
(٢) "مفردات القرآن" للراغب الأصفهاني (ص ٣٨١).
(٣) "إشاعة السنة" (١٩/ ٢٩١) سنة ١٩٠٢ م.
(٤) مجلة "إشاعة القرآن" (ص ٣٥) العدد الرابع ١٩٠٣ م ومجلة "إشاعة السنة" (١٩/ ٣١٥) - العدد العاشر ١٩٠٢ م.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
° ويقول "برويز": "إن هذا التقسيمَ للوَحْيِ مُعْتَقَدٌ مستعارٌ من اليهود "شَبْكَتَب" المكتوبِ "وَشَبْعَلْفة"، المنقولِ بالرواية، وإنه لا صِلَةَ له بالإِسلام" (^١).
° وقالوا في رفضِ السُّنَّةِ وإنكارِ حُجِّيَّتِها: "إن اتِّباعَ السُّنَّةِ إشراكٌ في الحُكمِ، وقد نَهَى القرآنُ عنه ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٥٧] "!!!.
° قال الخواجة "أحمد الدين الأمرتسري": "قد وَضَع الناسُ لإحياءِ الشِّركِ طُرُقًا متعدِّدةً، فقالوا: إنا نؤمنُ أنَّ اللهَ هو الأصلُ المُطاع، غيرَ أنَّ اللهَ أمَرَنا باتِّباع رسوله، فهو اتِّباعٌ مضافٌ إلى الأصلِ المُطاع، وبِناءً على هذا "الدليلِ الفاسدِ" يُصحِّحون جميعَ أنواعِ الشِّرك، فهل يُصبحُ الأجنبيُّ زوجًا لمتزوِّجةٍ بقولِ زوجِها "إنها زوجته"؟! ألَا وإنَّ اللهَ لم يأمرْ بمِثل ذلك، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٥٧] " (^٢).
° وقَبْلَه قال "الجكرالوي": "الحضُّ على أقوالِ الرسُل وأفعالِهم وتقريراتِهم -مع وجودِ كتابِ الله- عِلَّةٌ قديمةٌ قِدَمَ الزَّمَن، وقد بَرَّأ اللهُ رُسُلَه وأنبياءَه من هذه الأحاديثِ، بل جَعَل تلك الأحاديثَ كُفرًا وشركًا" (^٣).
أإتباعُ السُّنةِ شِركٌ؟! أمِ الشِّركُ في جَعْلِ القرآنيِّين حقَّ التشريعِ -وهو حُكْمٌ- لِمَا أَسْمَوه "مركز الملَّة"؟!.
° وقالوا -افتراءً وكذِبًا وزورًا-: "إن السُّنَّة لم تكن شَرْعًا عند النبي - ﷺ -، وفهِمَها الصحابةُ على هذا المنوال"!.
_________________
(١) "مقام حديث" لبرويز (ص ٤٦).
(٢) "تفسير بيان للناس" لأحمد الدين (٢/ ٣٩٥ و٤٤٥).
(٣) "ترك افتراء تعامل" لعبد الله جكرالوي (ص ١٠).
[ ٢ / ٤٩٠ ]
° قال "برويز": "لو كانت السُّنَّةُ جُزءً من الدين، لَوَضعَ لها الرسولُ - ﷺ - مَنهجًا كمنهجِ القرآن من الكتابةِ والحفظِ والمذاكرة، ولا يُفارقُ الدنيا إلَّا بعدَ راحةِ بالٍ على هذا الجُزءِ من الدين؛ لأنَّ مَقامَ النبوَّة يقتضي أن يُعطِيَ الدينَ لأمتِه على شَكلٍ محفوظ، لكنه - ﷺ - احتاط بكلِّ الوسائلِ الممكنةِ لكتاب الله، ولم يَفعلْ شيئًا لسُنَّتِه، بل نَهى عن كتابتها" (^١).
° ويقول "الحافظ أسلم": "الأمرُ الذي لا مِراءَ فيه أنَّ الصحابةَ قد أدركوا نَهْيَ النبيِّ عن كتابةِ سُنَّتِه، وعَرَفوا أنَّ الأمَم السابقةَ لم تَضِل إلَّا بسببِ كتابةِ رواياتِ أنبيائها" (^٢)!!!.
° وقال: "والشيءُ المُلْفِتُ للنظر هو أنَّ الأحاديثَ لو كانت لها الصفةُ الدينيةُ، لَمَا اشتَدَّ نَهْيُ النبيِّ وصحابتِه عن كتابتها، ولهيَّؤوا السبلَ لحفظِها وتدوينِها" (^٣).
° ويقول الخواجة "أحمد الدين": "اعلمْ أنَّ طاعةَ الرسولِ - ﷺ - كانت طاعةً مُقَيَّدةً بزمنه، وامتثالِ أحكامِه لا تتجاوزُ حياتَه، وقد أُوصِد هذا البابُ منذ وفاتِه ﵊" (^٤).
° وقالوا: "إنَّ السُّنَّةَ قد انتُقِدت سَندًا ومَتْنًا، وما دَخَله النَّقدُ لا يَصلُحُ أن يكونَ دينًا".
° وقال "الحافظ أسلم": "الاعتراضاتُ الموجَّهةُ للإِسلام من غير أهلِه
_________________
(١) "مقام حديث" (ص ٧).
(٢) "مقام حديث" (ص ١٠٤).
(٣) "مقام حديث" (ص ١١٠).
(٤) مجلة "البيان" (ص ٣٢) عدد أغسطس ١٩٥١ م.
[ ٢ / ٤٩١ ]
لا تأتي إلَّا عن طريقِ الأحاديثِ التي أقرَّ المسلمون بصحَّتها، وهي موضوعةُ الأصلِ، لا صِلَةَ لها بالدين" (^١).
* وقالوا: "إنَّ القرآن حَضَّنا على الوِحدة، أمَّا السُّنَّةُ، فهي مُشَتِّتَةٌ للمسلمين"!!.
* قال عبد الله: "لا ترتفعُ الفُرقةُ والتشتيتُ عن المسلمين، ولن يَجْمَعَهم لِواءٌ، ولا يَضُمُّهم مَكتبُ فِكرٍ مَوَحَّدٍ ما بَقُوا متمسِّكين برواياتِ زيدٍ وعَمرو" (^٢)!!.
* ويقول "حشمت علي" -الكذَّابُ الأشِر-: "لن تتحقَّقَ وِحدةُ المسلمين ما لم يَتْرُكوا كُتُبَهم الموضوعةَ في طاعةِ الرسول - ﷺ -، ولن يَرَوا سبيلَ الرُّقِيِّ والتقدُّم ما لم يُمْحَ عنهم التشتُّتُ والفُرقة" (^٣).
* ويقول "برويز": "قد فاق تقديسُ هذه الكُتبِ "كتب السُّنَّة" كلَّ التصوُّراتِ البشريةِ، مع أنها جزءٌ من مؤامرةِ أعجميةٍ استَهدَفَتِ النَّيلَ من الإِسلام وأهله" (^٤).
* ويُعلِّلُ ذلك -كذبًا منه وجهلًا-، فيقول: "فما أصحابُ الكُتبِ السِّتَّةِ إلَّا جُزءً من تلك المؤامرة، لذا نَجِدُهم إيرانيِّين جميعًا، لا وجودَ لساكِنِ الجزيرة بينهم، والشيءُ المُحَيِّرُ للعقول أنَّ العربَ لم يُسهِموا في هذا العملِ البَنَّاء، بل أسنَدوا جَمْعَ الأحاديث وتدوينَها إلى العَجَم، حتى تمَّ بناءُ
_________________
(١) "مقام حديث" (ص ١٥٤).
(٢) مجلة "إشاعة القرآن" (ص ٣٩) عدد شعبان ١٣٢١ هـ نوفمبر ١٩٠٣ م.
(٣) مجلة "إشاعة القرآن" (ص ١٠) عدد ١٥ ديسمبر ١٩٢٧ م.
(٤) "شاهكار رسالت" لبرويز ومعناها "فارس الرسول".
[ ٢ / ٤٩٢ ]
هذا الصَّرح المُؤَامَر" (^١)!!!.
* ثانيًا: موقفُهم منَ القرآنِ وتفسيره:
* تبنَّى القرآنيُّون في تفاسيرهم أصولًا ثلاثةً، وهذه الأصول هي:
١ - حَسبُنا كتابُ الله، لكفايته في تلبية كلِّ ما له صِلَةٌ بالحياةِ الإِسلامية.
فعبد الله وأصحابُ "بلاغ القرآن" يردُّون كفاية القرآن وكمالَه بذِكرِ الأصول والجزئيَّاتِ (^٢).
وأما "برويز" وأستاذُه "الحافظ أسلم"، فإنهما يَرَيَانِ كمالَ القرآن بشُموله الأصولَ كلَّها، وذِكرِ جزئياتٍ يسيرةً (^٣)، وأما الجزئياتُ التي لم تَرِدْ في القرآنِ، فيتولَّى تقنينَها "مركز المِلَّة".
و"مركز المِلَّة" هي السُّلطةُ العليا عندَ القرآنيِّين في الحكومةِ الحاكمة بالقرآن وحدَه.
* وأجمَعَ القرآنيُّون على أنَّ ما بين دَفَّتَيِ القرآنِ لا وجودَ فيه لآياتٍ منسوخة!!.
٢ - الأصلُ الثاني: الاعتمادُ الكُلِّيُّ على اللغةِ العربية في فَهمِ الكتابِ المجيدِ، ما لَم يُقصَدَ استنباطُ نظريةٍ مُعَّيَّنَة.
* وبِناءً على هذا المَسْلَكِ اللُّغويِّ نَفَى أكثرُ القرآنيِّن جُلَّ الحقائقِ
_________________
(١) "مقام حديث" (ص ٢٢).
(٢) "برهان الفرقان" (ص ٢)، و"ترجمة القرآن" (١/ ١١) لعبد الله. وانظر مجلة "بلاغ القرآن" (ص ٢٥) عدد فبراير ١٩٧٥ م.
(٣) "تبويب القرآن" لبرويز (١/ ٤٤٦)، و"مقام حديث" للحافظ أسلم (ص ١٤٢).
[ ٢ / ٤٩٣ ]
الشرعيَّةِ، المستفادةِ من الألفاظِ التي خَصَّها الشارعُ لشيءٍ معيَّن -كالصلاة والزكاة والطواف وما شاكل ذلك-، فقالوا في تفسيرهم للطواف: "ليس معنى الطوافِ أن ندورَ حولَ البيت، بل معناه أن نتردَّدَ إليه بين الحين والآخرِ، وهو المقصودُ من قوله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨] " (^١).
٣ - الأصل الثالث: الإلحاد والتأويلُ وتحكيمُ العقل في بيانِ مرادِ الله، بقطع النظرِ عن اللغة ومدلولاتها الظاهرة، لاستنباطِ نظرياتٍ معينةٍ اعتَنَقها القرآنيُّون وِفقَ أهوائِهم، ومِن هذه النظريات:
أ- نظرية مركز المِلَّة:
أولُ مَن تشدَّق بها "الحافظ أسلم"، ووَضَّح حدودَها ومعالِمَها تلميذُه "برويز" .. ويتلخَّصُ مَفهومُهم "لمركز المِلَّة" في النقاط الآتية:
١ - الآيات الواردةُ في طاعةِ الله ورسوله، مفهومُها الآن طاعة "مركز المِلَّة".
٢ - "مركز المِلَّة" هو النظامُ الذي يَحكم بوفقِ القرآن.
٣ - مِن صلاحياتِ هذا المركز تعيينُ حُكمِ الشرعِ في الأحكامِ التي لم يَرِدْ ذِكرُها في القرآن، دونَ أن يلتزمَ بما سَبَقَتْه من الأنظمة.
٤ - من حقِّ مَن يَخلُفُ هذا النظامَ ألَّا يوافِقَ النظامَ القرآنيَّ السابقَ في الأحكام التي عيَّنها وفقَ بصيرته.
_________________
(١) مجلة "بلاغ القرآن" عدد يناير ١٩٧٥ م.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
٥ - يتمتعُ هذا النظامُ القرآنيُّ بالتحريمِ والإطلاقِ والتقييد لِمَا يَرَاه غير مَوافقٍ لظروفِه من الأحكامِ القرآنية (^١).
* نظرية "نظام القرآن الاقتصادي"، أو "اشتراكية الأموال":
° يقول "برويز": "في ظِلِّ هذا النظام "نظام القرآن الاقتصادي" لا يجوزُ جَمعُ المادَّةِ ألبتَّة، وقد جاء الوعيدُ الشديدُ على مَن يجمعُها: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].
وفي النظامِ القرآنيِّ لا يمكنُ البقاءُ للأموالِ النافلةِ في أيدي أصحابها، ولا يَسَعُنا أن نتصوَّرَ المِلكيَّة الفَرديَّةَ تحتَ حُكم هذا النظام، بل تُعَمَّمُ الأرضُ والأموالُ والمصانعُ والتجارةُ للمِلكيَّة الجماعية، حتى يستطيعَ هذا النظامُ القيامَ بتلبية ما يَحتاجُ إليه أفرادُه" (^٢).
فالدجَّالُ "برويز" أتى بأفكارِ الاشتراكيين الاقتصادية، فكساها أثوابًا قرآنيةً حتى يَتسنَّى له نشرُها بين المسلمين.
ونَفْيُ المِلكيَّةِ الفرديَّةِ مخالفٌ لصريح القرآنِ والسُّنةِ والإجماعِ، ولا يقولُ به إلَّا كذَّابٌ مفتر.
فأين هو من قولِ الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١]؟. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
_________________
(١) "القرآنيون" (ص ٢٨٠، ٢٨١).
(٢) "قراني قوانين" لبرويز (ص ١٥٧، ١٥٩).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢]؟.
° آراءُ القرآنيِّين الاعتقادية:
١ - الشِّركُ بالله:
يَذهبُ "عبد الله" و"الخواجة أحمد" إلى أن العمل بالسُّنَّةِ والنُّزول عند أحكامِ النبيِّ - ﷺ - الواردة في الأحاديث شِركٌ، وأنَّ الامتثال لتلك الأحكامِ طريقةٌ من طُرُقِ إحياءِ الشِّركِ وتصحيحِ المعتقَدَاتِ الشركيَّة (^١).
ويرَى "برويز" أنَّ اتِّباعَ أحكامِ غيرِ الله "يعني النبيَّ - ﷺ -" شِركٌ، وأنَّ افتراقَ المسلمين إلى العديد من الفِرَقِ والطوائفِ المتناحِرةِ شِركٌ (^٢).
٢ - العرش واستواء الرحمن عليه:
ذهب "عبدُ الله" و"برويز" إلى أن المقصودَ بعَرشِ الرحمن: "السُّلْطةُ والمُلْك" وليس عَرشًا حقيقيًّا، والمقصودُ باستوائه على العرش مِلْكُ جميعِ نُظُم الكائنات، وأنَّ له السُّلطةَ المتفرِّدةَ عليها (^٣).
٣ - النُّبُوَّات:
أ- المعجزاتُ وخَرقُ العادة على يد نبيِّنا - ﷺ -:
أجمع القرآنيُّون على إنكارِ وُقوعِها من محمدٍ - ﷺ - ما عدا معجزةَ القرآن.
_________________
(١) انظر "ترك افتراء تعامل" (ص ١٠) لعبد الله، و"تفسير بيان" للخواجة أحمد (٢/ ٣٩٥، ٤٤٥).
(٢) انظر "تبويب القرآن" (٢/ ٨٩٣) لبرويز، و"منزل به منزل" لبرويز (ص ٢٤).
(٣) انظر "برهان الفرقان" لعبد الله (ص ٢٦٢) و"تبويب القرآن" لبرويز (٣/ ١٠٣٢).
[ ٢ / ٤٩٦ ]
أما المسلمون، فلم يختلِفوا في صدورِ خوارقِ العاداتِ من النبيِّ - ﷺ -، وقد أوصَلَها بعضُهم إلى ما يَزيدُ على ألفِ خارقٍ (^١).
° قال "الحافظ أسلم": "لم يُعْطَ النبيُّ - ﷺ - معجزةً سوى القرآن، بينما الأحاديثُ ذكَرَت له معجزاتٍ حِسِّيَةً كثيرةً" (^٢).
° وموقفُهم من "خَرْق العادة" قبلَ عهدِ النبوة على قولَين:
١ - فريق يعترفُ بخوارقِ العاداتِ السابقةِ المذكورة في القرآن للأنبياء والصالحين .. وعلى رأس هؤلاء "عبد الله" مؤسِّسُ الحركة القرآنية و"الحافظ أسلم".
٢ - والفريقُ الآخَر مَنَعَ الخوارقَ بالكليَّةِ، وحَمَل الواردَ منها في القرآنِ على المعاني المجازيَّة. وهذا مسلك "برويز" و"الخواجة أحمد".
ب - قالوا عن ولادة المسيح عيسى بن مريمَ:
"إنه وُلِد من أبويْن شَرْعِيَّينِ، لا مِن مَريمَ وحدَها"!! وهذا قولُ "الخواجة أحمد" و"برويز" وأصحاب "بلاغ القرآن".
° أما عن عَودةِ المسيح قبلَ يومِ القيامة، فَهُمْ فريقان:
١ - فريقٌ يَرى عَدَمَ عودتِه إلى الأرض مرةً أخرى .. وهذا قولُ "الخواجة أحمد" و"مقبول أحمد" والحافظ "محب الحق" وأصحاب "بلاغ القرآن" و"برويز" .. وصَرَّح "الخواجة وبرويز" بوفاته - ﵇ - في كُهولته (^٣).
_________________
(١) "الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح" (١/ ١٤٠) لابن تيمية.
(٢) "تعليمات قرآن" (ص ١٥٠)، و"نكات قرآن" (١٦٨) للحافظ أسلم.
(٣) "تفسير بيان للناس" (٢/ ٩٣١).
[ ٢ / ٤٩٧ ]
وأما "الحافظ أسلم" و"عبد الله"، فيَرَون أن عيسى - ﵇ - حيٌّ على هذه الأرض، وأنه سيظهرُ مرةً أخرى قبل يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] ولقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩].
° وذهب الكذَّابُ الأشِرُ "مقبول أحمد" في "خَتْم النبوة": "أنَّ الرسل جاءت تترى لهداية الخَلْق أجمعين، وأنها ستستمرُّ في المجيءِ ما دام للجهلِ والظلماتِ بقاءٌ على هذه الأرض".
٤ - موقفُهم من الحياةِ البرزخيَّة:
اتَّفق القرآنيُّون جميعًا على إنكارها.
° قال "الحافظ أسلم": "عالَمُ البَرزخِ عالَمٌ مَوَاتٌ، لا حياةَ فيه ولا إدراك بأيِّ شكلٍ من أشكاله" (^١).
° ويقول "برويز": "القبرُ لا حقيقةَ له بُروحِ القرآنِ الكريم؛ لأنه مَدفنُ جِسمِ ميِّتٍ يَقِي الجوَّ الخارجيَّ من عُفونتِه ما لَوْ بقِيَ ذلك الجِسمُ على ظَهرِ الأرض بارزًا، لا أنه موضعُ سؤالٍ وعذاب" (^٢).
٥ - موقفُهم من الشََّفاعة يوم القيامة:
° أجمَعَ القرآنيُّون على نَفيِها ألبتَّة .. يقول "عبد الله" مؤسِّس الفرقة: "مسألةُ الشفاعةِ عمومًا، ومِن الرسلِ خصوصًا، جَعَلَتِ الناسَ تقولُ: "لن
_________________
(١) "نكات القرآن" للحافظ أسلم (ص ٤٣)، "تعليمات قرآن" (ص ١٩٠)، و"نكات قرآن" (ص ١٥٧) للحافظ أسلم.
(٢) "تبويب القرآن" لبرويز (٣/ ١٣٠٤).
[ ٢ / ٤٩٨ ]
ندخلَ النارَ إلَّا أيامًا معدودة، وستَخرجُ منها"، فعامَّةُ الناسِ كالأنعام لا تَعِي ما تقول، بل المعتَقَدُ بِرُمَّتِه وَرَد من أهلِ الحديث، وهو افتراءٌ منهم على هذه الشخصِيَّاتِ المباركة.
ويُقال: الشفاعةُ نوعان: صُغرى وكُبرى، والأخيرةُ هي ما تكونُ للخَلاص من مَيدان الحَشْر، وإنَّا نُنكِرُ هذه الشفاعة، وإنَّا لها خُصُوم؛ لأنها افتراء وبُهتانٌ على النبي - ﷺ -، وهو بَريءٌ من مِثل هذه المُنكراتِ الشَّنعاء".
والأولى نوعان:
أ- نجاةُ بعض المؤمنين مِن دخولِ جَهنَّمَ ممَّن يَستحقُّها.
ب - أو تخفيفُ العذابِ عنهم، وهذه التُّهمةُ أيضًا تبرَّأَ القرآنُ منها؛ لأنَّ الاستشفاعَ عَمَلٌ مخالِفٌ للعقلِ والنقل، بل هو ظُلمٌ في حدِّ ذاتِه، إذ لا يُتصَوَّرُ وقوعُ مِثلِه في محاكم الدنيا العادلة، فما بالُك في الآخِرة؟!، فلو شَفَع عاقلٌ لمجرمٍ وأُفرج عنه، لَمَا حُمدَت عقباه" (^١).
٦ - موقفُهم من الجنَّة والنار:
القرآنيُّون بإزائهما فِرقٌ ثلاث:
أ- ذهب "عبد الله" ومَن نحا نحوه - إلى "أنَّ الجنَّةَ والنارَ أمكِنةٌ حقيقيةٌ ستُخلَقُ يومَ القيامة، وأنه لا وجودَ لهما في الآونةِ المعاصرة؛ لأنَّ وجودَهما الآنَ يخلو عن الحِكمةِ والمصلحةِ، وأفعالُ الله لا تَعْرَى عنهما ألبتَّة" (^٢).
_________________
(١) "ترجمة القرآن" للجكرالوي (٣/ ١٢٥، ١٢٦)، و"تبويب القرآن" لبرويز (٣/ ١٠٢٢، ٢/ ٨٨٦)، و"تفسير بيان للناس" (٢/ ٤٩٤، ٣١٣، ٧٢٠، ٧٢٣، ٨٤٣).
(٢) "ترجمة القرآن" (٤/ ٣٢).
[ ٢ / ٤٩٩ ]
ب - وأما "الحافظ أسلم" و"مقبول أحمد" -ومَن تَبِعَها-، فيرَوَن أنَّ "الجنةَ والنارَ وما وُصِفتا به مِن نعيمٍ وعذابٍ صُورتانِ تمثيليَّتان، حَسبما كانت تَعرفُه وتُحِسُّ به البشريةُ عَصْرَ نزولِ القرآن، وقد اختلفَ الحسُّ البشريُّ في النعيم والعذابِ في الآونةِ المعاصِرة، فلذا ينبغي وَضعُ تعريفاتٍ جديدةٍ للجنَّةِ والنار، فلا يَلزمُ مِنِ احتراقِ النار احتراقٌ حِسِّيٌّ للجسم، بل المرادُ المشقَّةُ والكربُ التي تجعلُ الإنسانَ يُحِسُّ بالاحتراقِ داخلَ نفسِه" (^١).
جـ- أمَّا "برويز" والخواجة "أحمد الدين" و"جعفر شاه بلواري" (^٢) ومن نحا نحوهم، فيَرَوْن أنَّ الجنَّةَ والنارَ طَوْرٌ من أطوار الحياة البشرية، وأنَّ نُموَّ الحياةِ وإزدهارَها يعني حياةَ الجنَّة، وتوقُّفَها وعدمَ الرُّقِيَّ فيها يعني الجحيمَ والنارَ، كما أنَّ الجنَّةَ والنارَ ليستا الحَلْقَةَ الأخيرةَ من حياةِ البشر، ولا من الأشياءِ التي لا نَجِدُها إلَّا بعد الموت، بل الحياةُ أمرٌ أبديٌّ، والرُّقِيُّ مِن منزلةٍ إلى أخرى قائمٌ فيها على قَدَمٍ وساق، وسيَبقى إلى الأبد، فالجنةُ والنارُ تعبيراتُ لكيفيَّاتِ الحياةِ، لا أنهما أسماءُ أمكِنةٍ خاصةٍ" (^٣).
هذه معتقدات الدجَّالين الكذَّابين.
° آراءُ القرَانيِّين التشريعية (^٤):
ممَّا يُلفِتُ النَّظَرَ أنَّ آراءَ هؤلاءِ في التشريع كثيرةٌ جدًّا، وسوف نَعرِضُ
_________________
(١) "تعليمات قرآن" للحافظ أسلم (ص ٢١٢، ٢٢٥).
(٢) أحد زعماء "طلوع إسلام"، وأحد المكثرين في الكتابة في الآونة المعاصرة عن آراء القرآنيين.
(٣) "تبويب القرآن" لبرويز (٢/ ٢٥٥، ٥٥٧)، ومجلة "طلوع إسلام" (ص ٢٤) عدد أكتوبر ١٩٥١ م.
(٤) "القرآنيون وشبهاتهم حول السنة" لخادم حسين إلهي بخش (ص ٣٦٥ - ٤٤٠).
[ ٢ / ٥٠٠ ]
فيما يلي نماذج مختصرةً من آرائهم في العبادات والمعاملات:
أ- ففي العبادات: خَرَجت بعضُ فِرَقهم على أركان الصلاةِ عند المسلمين، وتوصَّلوا إلى شُذوذاتٍ عجيبةٍ قد تُخرِجُهم من المِلَّةَ -والعياذ بالله-:
ففي الصلاة: لهم اختلافاتٌ في كيفيَّتها -حَسْبَ طوائِفهم-، من ذلك وَصفُها كما وردت في كتاب "صلاةُ القرآن كما عَلَّم الرحمن" لمحمد رمضان -أحد دعاتهم-، وقد سَمَّوها: "صلاةَ أهلِ الذِّكر والقرآن"، وتتلَّخصُ في:
١ - أن المفروضَ من الصلواتِ ثلاثٌ، وأنَّ أداءَ العصرِ والمغربِ هو اتِّباعٌ لهوى النفس.
٢ - ولكلِّ صلاةٍ ركعتان، وما زاد على ذلك فهو تعيينٌ من الناس لا مِن ربِّ الناس.
٣ - تكبيرةُ الإحرام هي: "إنَّ الله كان عليًّا كبيرًا".
٤ - الرفعُ من الركوع مُخالِفٌ لتعليم القرآن، فيَجبُ أن يَخِرُّ المُصلِّي منَ الركوعِ إلى السجود مباشرةً، دونَ الرفع منه.
٥ - لكلِّ ركعةٍ سَجدةٌ واحدةٌ لا غير.
٦ - حين الانتهاء من أذكارِ السجود تنتهي الصلاة (^١).
ومِن الجديرِ بالذِّكرِ أنَّ هذه الصلاة تُطبَّقُ حتى الآنِ عند أصحاب "مجلة بلاغ القرآن" جُملةً وتفصيلًا.
_________________
(١) "القرآنيون وشبهاتهم حول السنة" لخادم حسين إلهي بخش (ص ٣٦٥ - ٤٤٠).
[ ٢ / ٥٠١ ]
° ويقول المؤلِّف "خادم حسين إلهي بخش": "وقد شَهدتُ لهم صلاةً بمركزِهم في "لاهور" حيث تُطبَّقُ صلاتُهم، وكان الإمامُ يقرأ القرآنَ من آياتٍ حدَّدها لهم "محمد رمضان"، وهي (٢٥) آيةً من مختلِف سور القرآن" (^١).
وترى طوائفُ أخرى أنَّ هنالك وقتَين للصلاة: الفجر والعشاء، وما عدا ذلك، فلا يجوزُ القيامُ به، ولا يَرى إمامُ هذه الطائفة- وهو "الخواجة أحمد الدين" استقبالَ القِبلةِ في الصلاة، بل تَجُوزُ الصلاةُ عنده إلى الشرقِ والغرب!!.
ولا شك أنَّ هذا الانحرافَ قد جاء نتيجةً طبيعيةً لإنكارِ السُّنة، وعدمِ الاعتراف بها في شرعِ الله (^٢).
ومِن شذوذات القرآنيين: أن بعضَهم لا يُجيزُ المَسحَ على الخُفَّينِ؛ لأنَّ القرآن أَمَر بمَسح القَدَمين، ويَرَون أنَّ الأحاديثَ الواردةَ في المَسحِ باطلةٌ لا أساسَ لها منَ الصِّحَّة، ولا يَرَون أنَّ للصلاة أذانًا؛ لأنَّ القرآنَ لم يأمرْ به، فالمُنبِّهُ الحقيقيُّ عندهم "للصلاة" هو دخولُ الوقتِ -وليس الأذانَ-.
ولا يَرَون تفضيلَ بُقعةٍ على أخرى في الصلاة، ولذلك فهم يُكذِّبون ما ورد عن المعصومِ - ﷺ - في المساجدِ الثلاثة وفضلها .. أمَّا صلاةُ التراويح، فيرى بعضُهم أنها بدعةٌ وضلالةٌ مُفضيةٌ إلى النار (^٣).
_________________
(١) "القرآنيون" (ص ٣٧١ - ٣٧٢).
(٢) المصدر السابق (ص ٣٧٣، ٣٧٨).
(٣) هذه الآراء منسوبة إلى طائفة عبد الله جكرالوي .. انظر "القرآنيون" (ص ٣٦٧) وما بعدها.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
وفي الزكاة: نُلخِّصُ آراءَ فِرَقِهم بما يأتي (^١):
أ- يجبُ إعطاءُ نِصفِ الخُمسِ للزكاة، سواءٌ كانت كَسْبًا من عَمَلِ يدٍ، أم ممَّا أَنْتَجَتْه أرضٌ زراعية.
ب - ثم تحدَّثوا عن المِقدارِ الذي يجبُ إعطاؤُه للزكاة، دونَ أن يكونَ لها نِصابٌ مُقدَّرٌ في المالِ الذي تَجبُ فيه الزكاة، فقالوا: "على المسلمين أن يَجتمعوا لصلاةِ الصبح في مسجدِ حَيِّهم كلَّ يوم، عند فُقدانِ الحكومةِ الإِسلامية، ويُقدِّموا إلى أميرِهم عُشْرَ ما اكتَسَبوه في اليومِ السابقِ زكاةً مفروضة، لِيَضُمَّه الأميرُ إلى خِزانةِ بيت المال، ولِيصرفَ الأميرُ منه على تبليغ القرآن وعلى الأفرادِ التُّعَساء" (^٢).
جـ- وَيرى آخرون رأيًا آخَرَ في وقتِ وجوبِ الزكاة، فقالوا: "صاحبُ الأجرِ يجبُ أخذُ الزكاةِ منه يومَ تَسَلُّم أَجْرِه .. وأنه لا داعيَ للانتظار سنةً كاملةً، ولا جَدوى منه" (^٣).
أما الصوم (^٤): فقد وافَقَ أعيانُ الحركةِ القرآنيةِ المسلمينَ على صيام الشهر القَمَريِّ؛ لأنَّ القرآنَ صَرَّح بصيامه، ولم يَشُذُّ عنهم إلَّا الخواجة "أحمد الدين"، والسيد "محمد رفيع الدين".
° حيث يرى الأولُ: "أن المطلوبَ هو صيامُ شهرَينِ من أشهُرِ السَّنة، دونَ التقيُّدِ برمضان .. وللمسلمِ أن يتقدَّمَ أو يتأخَّرَ في صيامِ الشهرِ حَسْبَ حاجتِه".
_________________
(١) ينظر "القرآنيون" (ص ٣٨٣ - ٣٩٥) خادم حسين إلهي بخش.
(٢) هذا الرأي ينسب لعبد الله جكرالوي و"أصحاب بلاغ القرآن".
(٣) هذا رأي الخواجة أحمد الدين وأتباعه.
(٤) ينظر "القرآنيون" (ص ٣٩٦ - ٣٩٧).
[ ٢ / ٥٠٣ ]
° ويَرى الثاني: "أنه يجبُ صيامُ ثلاثينَ يومًا، بالشهر الشَّمسيِّ؛ لأنه لا يَختلفُ من سَنَةٍ إلى أخرى".
وقد انضمَّ إلى قائمةِ الشذوذ كلٌّ من السيد "مقبول أحمد" والخواجة "عباد الله أختر" إذ يَرَيانِ: أن الصيامَ المفروضَ على المسلمينَ وِفْقَ رُوحِ القرآن يَبدأُ بالحادي والعشرينَ من رمضان، وينتهي بصباحِ يومِ العيد، لقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾، فالأيامُ جَمعُ "يوم"، وهي إحدى صِيَغِ جَمعِ القِلَّة، يبدأ إطلاقُها من ثلاثٍ إلى تِسعٍ.
ب - وفي المعاملات: خالَفَ القرآنيون كذلك ما أجمَعَ عليه المسلمون في كثيرٍ من القضايا.
ففي الحدود (^١): أنكروا حَدَّ الرَّجمِ للزاني المُحصَن، لأنه لم يَرِدْ في القرآن، وعقوبةُ الزِّنا -برأيهم- في جميع صُورَهِ مئةُ جَلْدةٍ لا غير، والشهودُ لا يَثبُتُ بهم الزِّنا عند بعضِ دعاتهم.
وأنكروا حَدَّ الخمر بتاتًا؛ لأنه لم يُذكَرْ في القرآن، وقد سبَقَهم إلى ذلك أحدُ رؤساءِ الخوارج "نَجْدَةُ بنُ عامرٍ الحَنَفي"، فقد أسقط حَدَّ الخمرِ عن أصحابه لِعَدَمِ ذِكرِه في القرآن، وكذلك فَعَل المعتزلة، إذا اعتَبَروا أنَّ إجماعَ الصحابةِ على حدِّ شارِبِ الخمرِ كان خطأً (^٢).
وفي حدِّ السرقة: كان يَرى أحدُ دعاتهم "برويز" أنه ليس المرادُ من قطعِ اليدِ بَتْرُها، بل معاقبةُ المجرمِ بما يَمنعُه من ارتكابِ الجُرْم، ويقولُ
_________________
(١) ينظر "القرآنيون وشبهاتهم حول السنة" (ص ٤٠٢ - ٤١٧).
(٢) ينظر "الفرق بين الفرق" (ص ٨٩).
[ ٢ / ٥٠٤ ]
أصحاب "بلاغ القرآن": "إنَّ المقصودَ بقوله ﷿ ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، هو بَترُ تلك القوى التي أَجْبَرَتْه على السرقة، وبمعنًى آَخَرَ هو تنبيهُ الحُكَّام لسَدِّ حاجاتِ المجتمعِ المسلم"، مع أنَّ النصوصَ واضحةٌ في الكتابِ والسُّنةِ على قَطْع يَدِ السارق، أي بتْرِها من مِفصَل الكَفِّ.
أما حَدُّ الرِّدَّة: فقد شَذَّ "برويزُ" بتصريحِ إنكارِ عقوبةِ المرتد، إذ يَعتبرُ أنَّ الإنسانَ لا يُجبَرُ على الإِيمانِ أو الكفر، وللإِنسانِ أن يَختارَ من الأديانِ ما يراه مناسبًا معقولًا .. وما جاء في قَتل المرتدِّ، إنما هو حُكمُ الرواياتِ التي تُخالِفُ منهجَ القرآن.
وفي تعدُّد الزوجات (^١): قد أباح الإِسلامُ تعدُّدَ الزوجاتِ، ووَضَعِ له قَيْدَ "العَدْل"، إلَّا أنَّ بعضَ القرآنيين لا يرى التعدُّدَ مطلقًا، وتطاوَلوا -كالعادة- على الشرع الحنيف.
° يقول "عبد الله جكرالوي": "إنَّ ما نُسب من التعدُّدِ إلى الأنبياء كَذِبٌ وافتراءٌ على أولئك الأطهار .. وما يُسنَدُ من ذلك إلى النبيِّ - ﷺ -، فهو بهتانٌ عليه أيضًا؛ لأنه أولُ المخاطَبينَ بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٩] ".
ويرَى "برويز" -ومن تَبِعه- أنَّ التعدُّدَ لا يُباحُ إلَّا إذا ازداد عددُ اليتامى النساء، سواءٌ كنَّ أراملَ، أو غيرَ متزوِّجاتٍ.
وفي الميراث (^٢): خالَفوا إجماعَ أئمةِ المسلمين، فيقول الخواجة
_________________
(١) "القرآنيون" (ص ٤١٩ - ٤٣٠).
(٢) "القرآنيون" (ص ٤١٩ - ٤٣٠).
[ ٢ / ٥٠٥ ]
"أحمد الدين": "إنَّ اختلافَ الدينِ بين الوارِثِ والموروثِ لا يَمنعُ من الميراث".
° ويقول "الحافظ أسلم": "إنَّ اسم الولدِ يُطلَقُ على الذَّكَرِ والأنثى، ولا فَرْقَ بين الابنِ والبنتِ وولدِ الابنِ وولدِ البنتِ في الميراث".
وقد جاء في الحديث الشريف أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: "لا يَرِثُ المُسلمُ الكافرَ، ولا يَرِثُ الكافرُ المسلمَ" (^١).
والحديثُ عامٌّ يَشملُ الزوجةَ وغيرَها، ولذا أجمَعَ العلماءُ على عدمِ إرْثِ الكافرِ من المسلم.
ولكنَّها التَّبَعِيَّةُ للأمم الضالَّةِ من اليهود والنصارى، هي التي أَخرجت هؤلاءِ عن حُدودِ النصوصِ القَطعيَّةِ من الكتاب والسُّنَّة، وأَرْدَتْهم في هُوِّةِ الضلال.
وهكذا، فإنَّ الحَرْبَ المُعلَنةَ على السُّنَّةِ النبويَّةِ في شِبْهِ القارَّة الهندية، وتأليهَ العقلِ، وتقديمَه على النصوص الشرعية، مع اتباعِ الهوى، والهزيمةِ أمامَ تيَّارِ الحضارةِ الغربية، كلُّ ذلك ساهم في حَلْقاتِ الانحراف، لِتستلِمَه أجيالٌ لاحقه، تدعو إلى إكمالِ المِشوارِ باسم "التجديد والتطوير"، لِفَصلِ الدينِ عن الحياةِ العامَّة.
° "وقد كان للحركةِ القاديانيةِ وأفكارِ القرآنيين وحركةِ السيد "أحمد خان" تأثيرٌ في الحياةِ العامَّةِ عند المسلمين.
فبَعدَ استقلالِ باكستان، استَولى على مراكزِها الحساسةِ كثيرٌ من
_________________
(١) رواه "البخاري" (٨/ ١١)، و"مسلم" (٥/ ٥٩).
[ ٢ / ٥٠٦ ]
القاديانيين وأصحابِ الأفكارِ القرآنية، وفي عام ١٩٥٨ م عُقِد مؤتمرٌ عالميٌّ تحتَ إشرافِ الدولةِ لقادةِ الفِكرِ الإِسلاميين، ولإِعطائِهم الجُرْعَاتِ الأَوَّلِيَّةَ للدعوة إلى الأفكارِ القرآنية، غيرَ أن علماءَ الشامِ ومصرَ والمغرب، صاحوا في وجه "برويز" مُعلِنِين تكفيرَ تلك الأفكار.
وعلى إثْرِ إخفاقِ هذا المؤتمر، عُقد مؤتمرٌ آخَرُ أقامته إحدى الشركاتِ الأمريكية، غيرَ أنَّ مصيرَه لم يَختلفْ عن مصيرِ صاحبه، ثم كَثَّفَ العلماءُ جُهودَهم لمقاومةِ هذه الحركاتِ في الأوساط الشعبية، وقد أثمرت هذه الجهودُ آنَذَاك -والحمدُ لله-.
والغريبُ أن كثيرًا من علماءِ باكستان حينما يتحدَّثون عن هذه الحركات، لا يَذكُرون عنها سوى أنها تُنكِرُ السُّنة، أمَّا ما يترتَّبُ على هذا الإنكارِ من نتائجَ، فقلَّما يَذكُرون عنها شيئًا" (^١).