[ ٤ / ٥ ]
الصليبي سمير جعجع، قائدُ القوَّات الصَّليبيَّة - بلُبنانَ يَسُبُّ الرسولَ - ﷺ - والمسلمين
تَقدَّمت المحاميةُ "ميُّ الخنساء" ببلاغ إلى النائب العام اللبنانيِّ، تطالب فيه بالتحقيق مع كُلٍّ من "سمير جعجع" قائدِ القوَّاتِ اللبنانيَّةِ المسيحيَّة، والمسؤولين عن موقع القوَّات على الإنترنت، لنشرهم مقالًا يتضمَّن سِبَابًا مُقْذِعًا للمسلمين سنَّةً وشيعةً وللرسول - ﷺ -، وهاجم المقالُ -الذي حَصلت "الأهرامُ العربي" على نُسخةٍ منه "حسن نصر الله" الأمينَ العامَّ لحزب الله، ووَصَفه بالكاذِبِ والمخادع، وأنه يضحكُ على المسلمين بادعاءِ أنه قادر على محاربةِ إسرائيل، متناسِينَ أن إسرائيل قادرةٌ على إبادةِ كلِّ العرب، وعلى تدميرِ السدَّ العالي لإغراقِ مصر، وعلى تدميرِ "طِهران"، وعلى الوصولِ إلى غرفةِ نومِ الرئيس السوري "بشَّار الأسد"!!.
ووَصَف المقالُ المسلمينَ سُنَّةً وشيعةً بأَنهم "مهابيل"، وأنهم كائنات لم تَصِلْ بعدُ إلى درجةِ "القِرْد" على مِقياس "دارون".
كما وُصف الرسولُ - ﷺ - بألفاظٍ نَعِفُّ عن إعادةِ نشرها.
° وخَتَم القول: "إن الخداعَ الذي يُمارسُه "حسن نصر الله" وحزبه على هؤلاء المساطيل يُعتَبَر تافِهًا إذا ما قُورِن بأساطير محمد بن عبد الله".
"ميُّ الخنساء" أوضحت للأهرم العربي أن المقالَ منشورٌ على موقع القوَّات اللبنانية
http://www.lebanese-forces.com/web
، وهو يُمثِّلُ جريمةً طبقًا لقانونِ العقوبات اللبناني، وقد طَلبت في البلاع المقدَّم منها بتوقيف "جعجع" والمسؤولين عن الموقع وإحالتِهم إلى المحاكمة أمام القضاء
[ ٤ / ٧ ]
المُخْتَصّ، ومطالبتهم بدفع تعويضِ مِئةِ مليون دولار، يتم توزيعُ ٨٠% منه على عائلاتِ شُهداء وأسرى المقاومة، و١٠% يُسلَّم لدار الفتوى، ومثلُها إلى المجلس الشيعيَّ الأعلى، تخصص لطباعة كتبٍ عن سيرة الرسول الأكرم - ﷺ - (^١).
° وقبل "سمير جعجع" بعشراتِ السنين كانت الحربُ اللبنانية الصليبية العاشرةُ.
* الحرب الصليبية العاشرة:
سمَّاها بهذا الأستاذ "أحمد بهاء الدين" (العربي- العدد ٢١٣ - أغسطس ١٩٧٦) حربٌ شاب لهولها الأطفالُ من المسلمين، قَدمت أكثرَ من خمسينَ ألفًا من القتلى -تسعون في المئة منهم من المسلمين-، وثَلاثِمِئةِ ألفِ جريح، وهم ألوفٌ لم يَخسرِ العربُ مجتمِعين نِصفَهم في حروبهم الأربع مع إسرائيل!.
صليبية … سلوكُ أوغادِها ومجرميها من المارون صليبي، تفكيرُهم صليبي، حُلْمُهم صليبي .. أسفروا عن وجوهِهِم الكالحة، وباطنُهم العفنُ يقودُهم:
١ - "حزبُ الكتائبِ اللبنانيِّ" الذي يتزعمه "بِيير الجميل" (^٢)، و"بَشير الجميل".
° يقول "بيير الجميل": "إنَّ مهمةَ الكتائِب في لبنانَ مهمةٌ رسوليَّة".
_________________
(١) مجلة "المختار الإسلامي" (العدد ٢٨٧) غرة رجب ١٤٢٧ هـ- ٢٦ يوليو ٢٠٠٦ م- كلمة المحرر تحت عنوان "موقع لسمير جعجع يسبُّ الرسول والمسلمين".
(٢) وقد ذهب قريبًا إلى ربَّه ليجد عاقبة عمله كاملةً.
[ ٤ / ٨ ]
٢ - "تنظيمُ النمور" يقودهم "كميل شمعون" رأس الأفعى المارونيَّة.
° صَرَّح هذا القَذِرُ للصحفي "جي سيتون" مندوبِ "نوفيل ابرز فاتور" الفرنسية قائلًا: "يوجد في شَرْقِنا هذا فئتانِ من المسيحيين، المسيحيون الأحرار الذين لم يَقبلوا أبدًا بأن تكونَ لأحدٍ سُلطةٌ عليهم، والمسيحيون الآخرون الذين خَضعوا للخلفاءِ المسلمين، وأدَّوُا الجزيةَ في سبيل البقاء على قَيد الحياة، وهؤلاء الذين يرفضون الحمايةَ الإسرائيليةَ جُزءٌ من هذه الفئة الثانية، فهم ليسوا من العِرْقِ اللبناني، وإنني أعتقدُ بأننا -على الأقل- يهود مِثلُهم" (نقلًا عن الجمهورية- القاهرة-٦/ ٨/ ١٩٧٨ م) (^١).
٣ - "جبهة حُرَّاسِ الأَرْزَ"، وهي الجَناحُ العسكريُّ لحزب "الطليعة التبادعية" الذي يقودُه الشاعر الصليبيُّ الكارهُ للإسلام "سعيد عقل".
٤ - "حزب التحرير الزغرتاوي" يقودُ جيشَه "طوني سليمان فرنجية".
٥ - "الرابطة المارونية".
٦ - "فتيات مارون".
٧ - "فتيان مار نهرا".
٨ - "جبهة الموت لأعداء مارون".
المارون تحالَفوا مع المسيحيين القادمين من أُوربَّا في القرون الوسطى خلالَ الحربِ الصليبيةِ، وهم الآنَ ألدُّ أعداء المسلمين .. يُشكّلون نسبة ١٧% من سُكَّان لبنان، ويشكّلُ المسلمون المستضعَفون ٦٥% من سكان لبنان.
_________________
(١) "الحرب الصليبية العاشرة" لحلمي محمد القاعود (ص ١٥٢) - دار الاعتصام.
[ ٤ / ٩ ]
° صليبيُّون حتى النخاع … "سعد حدَّاد" و"سامي شِدْياق" وهما يقومانِ بعمليةِ تصفيةٍ للمسلمين في جنوب لبنان، والاتصالِ الدائم مع "مِناحم بيجين" رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، والأبِ "شربيل القَسَّ" أو "الأباتي شربي" كما يطلقون عليه في لبنان، هو أكثرُ تعبيرًا عن صليبيتِه، وله الزياراتُ المتكرَّرةُ إلى الفاتيكان، وسافَرَ إلى إسرائيل عن طريق قبرص، واجتمع بالمسؤولين الإسرائيليين، وحَصَل منهم على كميَّاتٍ من الأسلحة والذخائِرِ، كما حَصَل على مُساعَداتٍ ماديةٍ قُدَّرت بثلاثةِ ملايين دولار، فحوَّل الأديرةَ في جبال لبنان إلى ترسانةِ أسلحة، وقام بتدريب سبعةِ آلافِ راهبٍ مارونيَّ، اشتركوا في القتال في الحربِ الصليبيةِ العاشرةِ العنيفةِ الشرسةِ والضاريةِ في لبنانِ (^١).
° وتبقى مذابحُ مخَّيمِ "تل الزعتر" في شهر يوليو ١٩٧٦ دليلًا فاضحًا على الجرائم البشعة للمارون ضدَّ المسلمين .. لقد ظل الُمخَّيم صامدًا مدةَ ثلاثةٍ وخمسيِن يومًا، بعد أن صَدَّ سبعين هجومًا. عنيفًا تحت أقسى الظروف .. وبعد سقوطِ المخيَم كانت المذابحُ المرَّوعةُ. الموارنة ومعهم جيش "حافظ الأسد" الخائن، وتنضمُّ إليهم منظمة "أمل" الشيعيَّة.
° قاله "حافظ الأسد" لكمال جنبلاط: "لن نسمحَ لكم أن تتغلبوا على الانغزاليين أبدًا .. فقال له جنبلاط: إنهم أعداء العروبة والإسلام! قال الأسد: هذا لايمنع من أننا سنمنعُكم بالقوةِ من أن تنتصروا على الانغزاليين" (^٢).
_________________
(١) نفس المصدر السابق (ص ٣٤).
(٢) "الحرب الصلبيية العاشرة" (ص ٧٤)، ومجلة الإذاعة والتليفزيون ٢/ ١٠/ ١٩٧٦.
[ ٤ / ١٠ ]
° سوف نتوقفُ لحظات ٍعند الَمجزرة التي قادتها الكتائبُ والمارون يومَ ٧ ديسمبر ١٩٧٥، والتي أُطلق عليها مذبحة "السبت الدامي" (راجع "روز اليوسف"، رسالة عاجلة من بيروت بقلم "بكر الشرقاوي "-العدد ٢٤٨١ - بتاريخ ٢٩/ ١٢/ ١٩٧٥).
فقد تَّم في هذا اليومِ وخلالَ دقائق َقليلةٍ ذَبح ٣٠ مسلمًا -ما تُذبح الشاه -في قلب الشوارع، وقد كان المارون يسألون من يمر بهم قبل هذه المذبحة عن دين، فإذا عرفوا أنه مسلم قالوا له:"سُبَّ ربَّك" .. فإذا سَبَّ الله وهو في رُعبٍ شديدٍ، عادوا وقالوا:"سَبَّ محمدًا نبيك". فإذا سَبَّ -وكان سَبُّه مُقذِعًا وفاحشًا في كلَّ ما طُلب منه-، أعتَقوه وجعلوه يمَرُّ!.
هذا ما كان يحدثُ أيام الهدوء النسبيَّ -كما يذكرُ مراسل ُ"روز اليوسف" ..
أماَّ ما حدث بعد ذلك في يوم "السبت الدامي"، فتقشعرُّ له الأبدان:
° على سبيل المثال:
- أمٌّ عجوزٌ كانت تعبرُ الشارع مع ابنها، التقطوه وذبحوه أمامها مِن الوريد إلى الوريد؛ ولم يرحموا ضراعتها!.
- زوجةٌ مسلمةٌ صغيرةُ السنِّ، اصطادوها هي وزوجَها، بَقَروا بطنهَ وفقؤوا عَينيه، ثم أجهزوا عليه بضربةِ بَلطةٍ فوقَ رأسه، ثم عادوا واستداروا لها وغَمَدوا "السونكي" في فَرجها من فوقِ ملابسها وقالوا لها: "هاي ليكي يا مسلمة"!.
- ولدٌ كتائبيٌّ (١٦ سنة) راح يَدفعُ أمامَه رجلًا مسلمًا وهو يوجَّهُ الرشَّاشَ إلى بطنِه .. سَقط الرجلُ على الأرضِ بعد أن تعثَّر من الرعب،
[ ٤ / ١١ ]
أمسك هذا الصبيُّ الرجلَ من شعره، وسَحَب سكيِّنا طويلًا من حِزامه، وراح يذبحُ الرجلَ من رقبتِه حتى تمكَّن من فصلها في النهاية أمام "سينما ريفولي" بساحة البرج!!.
- إحراق المصاحف .. فقد كانت سيارةٌ متوجِّهةٌ إلى سورية على الطريق الدولي في منعطفِ "عاريَّا"، وتَحمِلُ مصاحفَ مطبوعة، أوقَفَها الكتائبيون، وقَلَبوا المصاحفَ على الأرض، وأشعلوا فيها النار بعد ذَبح سائقها! (^١).
وسَجَّلت كلُّ وكالاتِ الأنباء إمدادَ إسرائيل بالسلاحِ للمارون والكتائب.
وذَكرت وكالةُ الأنباء الفرنسيةِ في نبإٍ عاجلٍ لها من لبنان: أن من المرتزَقة الأقباط المصريين كانوا يَعملون في صفوفِ قوات "حزب الوطنيين الأَحرار" برئاسة "كميل شمعون".
ولك أن تتخيلَ أن القواتِ السوريةَ الخائنةَ لله ورسوله التي قاتَلت بجانبِ المارون، كانت أربعين ألفَ رجل ومعهم سبعُمئةِ دبابةٍ، وأن نفقاتها يوميًّا على الأقل كانت مليون دولار، تُساندُ (٠٠٠، ١٥) من قوات المارون الصليبيين، و(٠٠٠، ١٢) مقاتلٍ من قوات الجيش اللبناني الرسميِّ بقيادة العميد "حَنَّا سعيد" انضمَّت أغلبيَّتُها إلى الجبهة الصليبية.
° يقول كميل شمعون: "لا خلاص لأحداثِ لبنان ووقفِ القتال، سوى إخراجِ الفلسطينيين من لبنان، وقتل من يتبقى منهم، وإقامةِ لبنان الحر
_________________
(١) "الحرب الصليبية العاشرة" (ص ٢٥ - ٢٦).
[ ٤ / ١٢ ]
الذي لا ينتمي لا للعروبة ولا للإِسلام".
* كلهم البابا "أوربان الثاني":
كلُّ صَلِيبي هنا في أرض العرب لا يَقلُّ عن البابا "أوربان الثاني" و"بطرس الناسك كيو كيو"- أي: الضئيل كما كان مواطنوه يُسَمُّونه- و"والتر المفلس"، كلُّهم يَحملُ حقدًا رهيبًا للإسلام.
يذكرُ التاريخ أن "بطرس الناسك" اجتَمع بشمعون بطريَرك القدس، وشكى شمعونُ أحوالَ المسيحيين (^١)، وأجابه بطرسُ قائلًا: "اعلمْ -أيها الأبُ المقدَّس- أنه لو كان لدى الكنيسةِ في روما والملوكِ في الغرب أيُّ مُخبِرٍ حَذِرٍ وموثوق يُخبِرُهم بالمصائبِ التي تُكابدونها (^٢)، لكانوا سيحاولون حتمًا تقديمَ العلاج بالسُّرْعةِ الممكنةِ وبالقولِ والفعل لمصاعبكم هذه، ولذلك اكتُبْ أنت بكلِّ اجتهادِ إلى البابا العظيم وإلى الكنيسة في روما، واكتبْ أيضَا إلى ملوكِ وأمراءِ الغرب، وصادِقْ على الرسالة بخاتَم سُلطانِك الكهنوتي، وبالحقيقة -إنني لمداواةِ رُوحي- لن أتوانَى عن الاضطلاع بهذه المهمة" (^٣).
وهكذا كتب بطريرك القدس الخائنُ الرسالةَ، وسلَّمها لبطرس الناسك الذي سَلَّمها بدوره للبابا أوربان الثاني.
_________________
(١) على حد زعمه الباطل الذي يصوره "وليم" رئيس أساقفة "صُور" وكبير مستشاري ملك القدس في كتابه "تاريخ الحروب الصليبية" (ص ١٦٣).
(٢) وهذا كذب.
(٣) "تاريخ الحروب الصليبية" (ص ١٦٤).
[ ٤ / ١٣ ]
° ودعا البابا أوربانُ الثاني الجماهيرَ الصليبيةَ وخَطَبهم في مؤتمرهم وهو على باب كنيسة "كليرِمون" في نوفمبر (١٠٩٥ م- شوال ٤٨٨ هـ) قائلًا: "يا شعبَ الفرنجة! شعبَ اللهِ المحبوبَ المختار، لقد جاءت من تُخومِ قلسطين" ومن مدينة القسطنطينية أنباءُ مُحزِنةٌ تُعلِنُ أن جنسًا لعينًا -أبعدَ ما يكونُ عن الله- قد طغَى وبَغَى في تلك البلادَ -بلادِ المسيحيين-، وخَربها بما نَشَره فيها من أعمال السلب والحرائق، ولقد ساقوا بعضَ الأسرى إلى بلادهم وقَتلوا بعضهمُ الآخرَ بعد أن عَذبوهم أشنَعَ تعذيب، وهم يَهدِمون المذابحَ والكنائسَ بعد أن يُدنَّسوها برِجْسهم؛ ولقد قطُعوا أوصالَ مملكةِ اليونان، فانتزعوا منها أقاليمَ بَلَغ من سَعَتِها أن المسافرَ فيها لا يستطيعُ اجتيازَها في شهرَينِ كاملَيْن.
عَلَى من تقعُ تَبِعةُ الانتقامِ لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع، إذا لم تَقَع عليكم أنتم؟! أنتم يا مَنْ حباكم "اللَّه ُ-أكثَر من أيَّ قوم ٍآخرين- بالمجدِ في القتالِ وبالبسالةِ العظيمة، وبالقدرة على إذلال رؤوسِ مَن يقفون في وجوهكم؟!.
ألا فليكنُ من أعمالِ أسلافكم ما يُقوَّي قلوبَكم -أمجاد شارلمان وعظمته، وأمجاد غيرِه في ملوككم وعظمتم-، فليُثِرْ همّتَكم ضريحُ المسيح المقَّدس ربنَّا ومُنقذنا، الضريحُ الذى تمتلكُه الآن أممٌ نجسة، وغيره من الأماكن المقدَّسة التى لُوثَّت ودُنَّست لا تدعوا شيئًا يقعدُ بكم عن أملاككم أو من شؤون أُسَرِكم، ذلك بأن هذه الأرضَ التي تسكنونها الآن -والتي تُحيطُ كلها عن جميع جوانبها البحارُ وقُلَلُ الجبالِ- ضيقةٌ لا تتَّسع لسكَّانها
[ ٤ / ١٤ ]
الكثيرين، تَكادُ تَعجزُ عن أن تجودَ بما يَكفيكم من الطعام، ومِن هذا يَذبحُ بعضُكم بعضًا، ويَلتهمُ بَعضُكم بعضًا، وتتحاربون ويَهلِكُ الكثيرون منكم في الحروب الداخلية.
طهِّروا قلوبكم إِذنْ من أدرانِ الحِقد، واقْضُوا على ما بينكمِ من نزاعٍ، واتخِذوا طريقَكم إلى الضريحِ المقدَّس، وانتزِعوا هذه الأرض من ذلك الجنسِ الخبيثِ، وتملَّكوها أنتم، إنَّ "أورشليم" أرضٌ لا نظيرَ لها في ثِمارِها، هي فردوسُ المباهج.
إن المدينةَ العظيمةَ القائمةَ في وسط العالم تَستغيثُ بكم أنْ هُبُّوا لإنقاذها، فقوموا بهذه الرحلةِ راغبين متحمِّسين، تتخلَّصوا من ذنوبكم، وثِقوا أنكم ستنالون من أجل ذلك مجدًا لا يَفْنى في السماوات" (^١).
° يقول "وليم" -رئيسُ أساقفةِ "صور"- في كتابه "تاريخ الحروب الصليبية" بعض ما جاء في موعظة البابا -حسب روايته-: "إنَّ مَهْدَ عقيدتِنا وموطنَ ربِّنا وأُمَّ الخلاص يَستولي عليها الآن بكلِّ قوة شعبَ بدون ربٍّ، إنه ابنٌ لجاريةٍ مصرية (^٢)، وهو يفرضُ شروطًا مفرِطةً في شدَّتها على الأبناءِ الأسْرى للمرأةِ الحُرَّة (^٣)، وذلك على الرَّغْم من أنه هو المستحِقُّ لهذه الأحوال.
_________________
(١) انظر "قصة الحضارة" لول ديورنت (١٥/ ١٥ - ١٦) الترجمة العربية بقلم محمد بدران، وكتاب "وثائق الحروب الصليبية" للدكتور محمد ماهر حمادة- مؤسسة الرسالة.
(٢) أي: المسلمون باعتبار أن أمهم هاجر أم إسماعيل ﵇.
(٣) أي: سارة - ﵁ - أم إسحاق ﵇.
[ ٤ / ١٥ ]
لقد اضطَّهد عرقُ السراسنة (^١) الشّرِيرُ التابعُ للمعتقداتِ الخرافيَّةِ (^٢) النَّجِسةِ -لسنواتٍ عديدة وبكلِّ عُنفٍ واستبدادٍ - الأماكنَ المقدَسةَ حيث ارتكزت أقدامُ ربِّنا، وأخضَعَ المؤمنين لرغباته، وحَكَم بالعبودية عليهم، ولقد دَخلت الكلابُ الأماكنَ المقدَّسةَ، وجَرى تدنيسُ المقدَّسات، وإذلالُ الناس عَبَدةِ الربَّ.
إنَّ معبدَ الربَّ الذي طَرَد منه -بغَيرته- الذين باعوا واشتَرَوا، حتى لا يُصبحَ بَيتُ أبيه مَغَارة للصوص، قد جُعِل بيتًا للشياطين.
إن مدينةَ مَلِكِ الملوك التي نَقلت إلى الآخَرين مبادئَ عقيدةٍ عصماءَ، تُدْفَع علي الرَّغم من إرإدتها لتكونَ خاضعةً لدعاوى الشعوبِ المُنْحَطَّة.
كما أن "كنيسةَ القيامة" المقدَّسة -مكانَ الاستراحةِ الأخيرة للرب النائم-!! تتحمَّل حُكمَهم، وقد دنَّستها قذارةُ الذين ليس لهم نصيبٌ في القيامة (^٣)، بل مُقدَّرٌ عليهم أن يُحرَقوا للأبدِ كالقَشَّ بأَلسِنةِ النيرانِ السَّرمَدِية.
لِنذهبْ إلى نجدةِ إخوانِنا، لِنقطعْ قيودَهم، ولْنَطرحْ عنهم رَبْطَهم، اذهبوا ولْيكنِ الربُّ معكم، وجَّهوا أسلحتَكم التي لطَّختموها بشكلٍ محرم في ذبح بعضِكم بعضًا إلى أعداءِ العقيدة وأعداءِ اسم المسيح.
عليكم أن تكبَحوا بكراهيةٍ قويمةٍ غطرسةَ الكَفَرة (^٤) الذين يُحاولون
_________________
(١) أي: العرب المسلمون.
(٢) يقصدون بذلك الإسلام.
(٣) يعني: المسلمين.
(٤) أي: المسلمين.
[ ٤ / ١٦ ]
استعباد الممالِكِ والإماراتِ والقُوى، وأن تُهاجِموا بكُلَّ قوَّتِكم أولئك العاقدي العزمَ على تدميرِ الاسم المسيحي، وإلاَّ فسيحدثُ أن كنيسةَ الربّ -التي تُكابِدُ الآنَ من نِيرِ العبودِية المُجحِفة- ستُعاني خلالَ فترة قصيرة من خَسارةِ العقيدةِ، وستنتصرُ خرافاتُ الوثنيين (^١) .. ولقد رأى بعضُكم بأُمَّ عينيه هذه الأشياءَ التي نتحدَّثُ عنها الآن، ويَعرفُ نوعَ المِحنةِ التي يَعيشُ إخوانُنا فيها، وإن كتابَهم الذي أحضَرَه باليد "بُطرس" الرجلُ المُبَجل الموجودُ معنا هنا ينطِقُ بمحتوى هذه الرسالة ذاتها.
وبناء عليه نقومُ واثِقين برحمةِ الرب، وبسلطانِ الرسل المبارَكِين -بطرس وبولس- بمَنع المسيحيين المؤمنين الذين يَحمِلون السِّلاحَ ضد المُلحدين (^٢)، ويتولَّون للقيام بأعباءِ هذا الحج مغفرة للعقوباتِ المفروضةِ عليهم بسببِ خطاياهم، ولْيَثِقِ الذين سيَرحلون إلى هناك بتوبةٍ صادقةٍ أنهم سيُلاقون التكفيرَ عن آثامِهم، وسَيَجنون ثمارَ الجزاءِ السَّرْمَدِيِّ، ونضع في الوقتِ نفسِه تحتَ حمايةِ الكنيسةِ وحمايةِ بطرسَ وبولسَ المباركَيْنِ جميعَ الذين سيُباشِرون هذه المهمَّةَ بحماسةِ الإيمان ويتوَلَّون قتالَ المُلحِدِينِ".
° يقول أسقُف صور: "ويمكن القولُ بالفعل بأن قولَ الربِّ كان يتحقَّقُ حيث يقول: "ما جئتُ لأُلقيَ سلامًا بل سيفًا" (^٣).
فماذا فعل الصليبيون بأتباع محمدٍ - ﷺ - في الحملةِ الصليبية؟!.
_________________
(١) يعني المسلمين.
(٢) يقصد المسلمين.
(٣) "تاريخ الحروب الصليبية" (ص ١٦٩ - ١٧٣).
[ ٤ / ١٧ ]
عندما دخلوا "أنطاكية" عام ٤٩١ هـ قَتلوا وأسَروا وسَبَوْا ما لا يدركه حَصْرٌ (^١).
° يقولُ صاحب كتاب "أعمال الفرنجة": "إن الإنسانَ لم يكن يَسير في الطرقات إلاَّ على الجثث، وقد تَعفَّنت كلها تحتَ شمسِ يونيو وحرارته" (^٢).
° وعندما هاجموا "معرَّةَ النعمان" سنة ٤٩١ هـ، واضطُرَّ أهلُها للاستسلام مقابلَ أمانٍ أخذوه، غدر الفرنجةُ بأهلها، ونَهَبوا ما وجدوه، وقدَّر عددُ القتلى من المسلمين بأكثرَ من عشرينَ ألفًا، بينما يقدِّرُهم ابنُ الأثير بمئةِ ألف" (^٣).
° أما في بيت القدس:
فقد فاقت وحشيَّتُهم كلَّ وصف، ارتَكبوا فيها ما قد استنكره مؤرِّخو الإفرنجِ أنفسُهم.
° روى شاهدُ عيان منهم ما فَعله قومُه عندما دخلوا بيت المقدس، فقال: "إن النساءَ كُنَّ يُقتَلْن طعنًا بالسيوف والحِراب، وكان الأطفالُ يُختَطَفون بأرجُلهم من أثداءِ أمَّهاتهم، فيُقذَف بهم من فوقِ الأسوار، أَوْ تُهَشَّمُ رؤوسهم بدقِّها بالأعمدة، وذُبح سبعون ألفًا من المسلمين الذين بَقُوا في المدينة" (^٤).
_________________
(١) "ذيل تاريخ دمشق" لابن القلانسي (ص ١٣٥).
(٢) "نور الدين محمود" لحسين مؤنس (ص ٥٩).
(٣) "الكامل في التاريخ" (٨/ ١٨٧).
(٤) "قصة الحضارة" (٤/ ٢٥) لول ديورانت -ترجمة محمد بدران- طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٥٧ م.
[ ٤ / ١٨ ]
° وذَكَر الراهبُ "روبرت" بيتَ المقدس بعد فتحها فقال: "كان قومُنا يَجُوبون الشوارعَ والميادينَ وسُطوحَ المنازل؛ ليَرْوُوا غَلِيلَهم من التقتيل، كانوا كاللبؤات التي خطِفت صِغارُها، يَذبحون الأولاد والشُّبانَ والشيوخَ، ويقطِّعونهم إرَبًا إرَبًا.
كانوا يَشنقون أناسًا كثيرين بحبلٍ واحد بُغيةَ السرعة، ويا للغرابة أن تُذبح تلك الجماعة الكبيرةُ المسلمة بأمضى سلاح، من غيرِ مقاومة!!.
كان قومُنا يَبقرون بطونَ الموتى، ليخرجوا منها قطعًا ذهبية، فكانت الدماءُ تَسيل كالأنهار في طرقِ المدينة المغطَّاةِ بالجثث" (^١).
° قال ابنُ الأثير: "قَتلوا بالمسجد الأقصى ما يَزيدُ على سبعين ألفًا، منهم كثيرٌ من أئمةِ المسلمين وعلمائِهم وعُبَّادِهم وزُهَّادهم ممن فارَقَ الأوطان، وجاوَرَ ذلك الموضعَ الشريف" (^٢).
° يقول "وليم" أسقف صور: "لقد كان بالفعل حُكمُ اللهِ القويمُ (^٣) الذي قَضَى على الذين دنَّسوا حَرَمَ المسيح بطقوسهم الخرافية، وجَعلوه مكانًا غريبًا بالنسبة لأهلِه المؤمنين: أن يُكفروا عن خطاياهم بالموت، وأن يُطهَّروا الأَرَوِقةَ المقدَّسةَ بسَفكِ دمائهم.
وبات من المحالِ النظرُ إلى الأعدادِ الكبيرة للمقتولين دونَ هَلَع، فقد انتَشرت أشلاءُ الجثثِ البشرية في كل مَكان، وكانت الأرضُ ذاتها مُغطَّاةً بدم القتلى، ولم يكن مَشهدُ الجثثِ التي فُصلت الرؤوسُ عنها والأضلاعِ
_________________
(١) "حضارة العرب" لغوستاف لوبون (ص ٣٢٥).
(٢) "الكامل في التاريخ" (٨/ ١٨٩).
(٣) بل هو -واللهِ- حُكمُ الشيطان الرجيم.
[ ٤ / ١٩ ]
المبتورةِ المتناثرة في جميع الاتجاهات هو وحدَه الذي أثارَ الرعبَ في كلّ مَن نظر إليها، فقد كان الأرهبُ من ذلك هو النظر إلى المنتصرين أنفسهم وهم مُلَطَّخون بالدم من رؤوسهم إلى أقدامهم .. إنه منظر مشؤوم جَلب الرعبَ لجميع مَن واجهوه" (^١).
° يقول "وليم" أسقف صور: "طاف بَقيَّةُ الجنودِ خلالَ المدينة بحثًا عن التعساء الباقين على قَيد الحياة، والذين يُمكن أن يكونوا مختبئين في مداخلَ ضيِّقةٍ وطرقٍ فرعيَّةٍ للنجاة من الموت، وسُحب هؤلاء على مرأًى من الجميع، وذُبِحوا كالأغنام، وتَشَكَّل البعضُ في زُمَرٍ، واقتَحموا المنازلَ حيث قَبضوا على أربابِ الأُسَرِ وزوجاتِهم وأطفالِهم وجميع أُسرهم، وقُتِلت هذه الضَّحايا، أو قُذِفت من مكانٍ مرتفع حيث هَلكت بشكلٍ مأساوي" (^٢).
* * *
_________________
(١) "تاريخ الحروب الصليبية" (ص ٤٣٣).
(٢) "تاريخ الحروب الصليبية" لوليم أسقف صور.
[ ٤ / ٢٠ ]
بل هي حربٌ على الإسلام
* من أوربان الثاني إِلى البابا يوحنَّا بولس الثاني:
اسمُه "كارول فوجيتلا" من بولندا .. وُلد في ١٨ مايو ١٩٢٠ م، وفي ١٤ أكتوبر ١٩٧٨ انتُخب "كارول" بابًا للكرسيِّ الرسولي للفتيكان، وهو أولُ بابا غيرِ إيطالي يَتِمُّ اختيارُه منذ ٤٥٠ سنة، وسُمِّي بالبابا "يُوحنا بولس الثاني".
* رأيُ "يوحنا بولس الثاني" في القرآن:
° رأي البابا في القرآن أنه مقتبَسٌ من التراث المسيحي (^١)، فقد قال البابا في حوارٍ له مع صحافيًّ إيطالي: "أيُّ شخص ٍيقرأُ القرآنَ -وهو على درايةٍ مُسبَقَةٍ بالعهد القديم والجديد-، سيلَحظُ بوضوح: سياقَ الاختزالِ الذي تعرَّض له التنزيلُ الإلهيُّ المسيحيُّ، ومن المحالِ ألاَّ يَصطدمَ المرءُ من عدم الفهم الذي يَظهرُ في القرآن بوضوح لما قاله الله عن نفسه: أوَّلًا: عن طريق الأنبياء في العهدِ القديم، ثم لِمَا قاله بصورةٍ نهائيةٍ في العهد الجديد عن طريقِ ابنه، وبالفعل إن كلَّ هذا الثراءَ الخاصَّ يَكشفُ اللهُ عن ذاته، والذي يُمثِّل تراثَ العهد القديم والجديد، قد تُرِك جانبًا في الإسلام" (^٢).
* رأيُ البابا في إِله المسلمين:
° يقول هذا القِزم: "إنَّ اللهَ القرآنيَّ تُطلقُ عليه أجملُ الأسماءِ
_________________
(١) انظر كتاب "الفاتيكان والإسلام" للدكتورة زينب عبد العزيز- دار الكتاب العربي ٢٠٠٥.
(٢) "كلام في الممنوع .. الاختراق اليهودي للفاتيكان" (ص ١٤ - ١٥) لمحمد عبد الحليم عبد الفتاح- القاهرة.
[ ٤ / ٢١ ]
المعروفةِ في اللغة الأسبانية، لكنه في نهايةِ المطافِ إلهٌ يظَلُّ غريبًا عن العالم، إنه إلهٌ عبارة عن إلهِ جلاله (كبرياء) فحسب، وليس إلهًا متواصلًا مع البشر (عمانوئيل) -اللهُ معنا- إن الإسلامَ ليس دينَ فِداء، وهو لا يُعطي أيَّةَ مساحةٍ للصليبِ ولا للبعث" (^١).
* عداوة دفينةٌ أبدَّيةٌ:
من أين جاءت هذه العداوةُ الدفينةُ من الصليبيين في الشرقِ أو الغرب عَرَبًا كانوا أم عجمًا لكلِّ ما يَمُتُّ إلى الإسلامِ ونبيَّة والمسلمينَ بصِلَةٍ؟! حتى كأن الشعرَ الجاهلي "لَقيطَ بن يَعْمَرَ الإيادي" يَعنيهم حين قال:
في كل يوم يسنُّون الحِرابَ لكم … لا يهْجَعون إذا ما غافلٌ هَجَعَا
خزرٌ عيونهمُ كأن لَحْظَهم … حريقُ غابٍ ترى منه السَّنا قِطَعًا
° يقول "غوستاف لوبون": "لقد تجمَّعت العُقَدُ الموروثة، عُقَدُ التعصُّب التي ندينُ بها ضدَّ الإسلام ورجاله، وتراكمت خلالَ قرونٍ سحيقةٍ، حتى أصبحت ضِمنَ تركيبنا العضوي" (^٢).
هل خَبَت هذه الرُّوحُ التي لا تُطيقُ سماعَ اسم محمدٍ - ﷺ - أو المسلمين من أتباعه؟!
واللهِ ما خَبَت يومًا رُوحُ العداوةِ للنبيِّ محمدٍ - ﷺ - وأتباعِه، بل هي في ازدياد، وما وقع في البوسنة والعراق فاق محاكِمَ التفتيشِ في الأندلس، أو
_________________
(١) نفس المصدر السابق.
(٢) مقدمة "التعصب الأوربي أم التعصب الإسلامي"، تعليقات الأمير شكيب أرسلان على كتاب "مئة مشروع لتقسيم الدولة العثمانية" (ص ١١) هذبه محمد العبدة- دار ابن حزم.
[ ٤ / ٢٢ ]
إبادةَ الهنود في أمريكا الشمالية.
° يَصِفُ "كافين رايلي" في كتابِه "الغرب والعالم" المذبحةَ التي تَمَّت للمسلمين يومَ سقوطِ القُدسِ على أيدي الصليبيين بقوله: "بعد أن سَقطت المدِينةُ وقَعَت المذبحة؛ إذْ ذُبح كلُّ المسلمين رجالًا ونساءً وأطفالًا، فيما عدا الحاكم وحَرَسَه، الذين تمكَّنوا من افتداءِ أنفُسِهم بالمال، وتمَّ اصطحابُهم إلى خارج المدينة".
وفي مَعبد"سليمان" وحولَه، خاضت الجيادُ في الدم حتى الركب واللجام، فقد كان حُكمُ اللهِ عادلًا ورائعًا، ففي هذا المكانِ نفسه ارتفعت هَرطقاتُ هؤلاء المُجدِفين (^١) في حق اللهِ الذي يتلقَّى فيه دماءَهم الآن".
وقد نَظَم الصليبيون يوم ذاك مواكب النصرِ إلى كنيسة القبر المقدَّس، وهم يَبكُون من شدةِ الفرح، ويُغنُّون أغانيَ الشكرِ للربَّ "يسوع":
أيُّها اليومُ الجديد
أيتُها البهجة
أيها الفرح الجديدُ الدائم
ذلك اليومُ خالدةٌ ذِكراه
طوالَ القرونِ الآتية
حَوَّل كلَّ عذابنا ومصاعبنا
إلى فرحٍ وبهجة
_________________
(١) يعني بذلك المسلمين .. والمجدفين أي الضالين.
[ ٤ / ٢٣ ]
ذلك اليوم تثبيتٌ اكيدٌ للمسيحية
وسحقٌ للوثنية
وتأكيدٌ لإيماننا" (^١).
ويومَ أن عادت القدسُ على يدِ البطل "صلاح الدين الأيوبي" ما نَسِيَ الصليبيون له هذه، ويومَ اجتاحت جَحافلُ الصليبِ الفرنسيِّ أرضَ سوريا، فأقدم الجنرالُ الصليبيّ الحاقد "غورو"، ووَضَع قدمَه على قبرِ "صلاح الدين" قائلًا: "قُمْ يا صلاح الدين، ها قد عدنا" .. وقالها الجنرال "إِلِلنْبي" عند دخوله القدس: "الآن انتهت الحروبُ الصليبية".
* الصليبيون الإِنجليز عند دخولهم الهند:
يوم أنِ احتلَّ البريطانيون الهندَ، فعلوا بالمسلمين ما يَفوقُ الوصف، وخُذْ على سبيل المثال:
° يقولُ المؤرخُّ الأمريكي "إدوارد توماس": "سيق ٨٥ جنديًّا إلى المحكمةِ العسكرية، تحتَ مراقبةِ الحُرَّاس، وحُكِم عليهم جميعًا بأن تُعَرَّى أجسادُهم جميعًا، وأن يُكَبَّلُوا بالأصفاد، وأن يُترَكوا بلا طعام، وكان منظرًا مؤلمًا، ارتجفت له قلوبُ الرفقاء، إذ كان بينَهم مَن خَدَم هؤلاء الصليبيين خِدماتٍ جليلة، ومنهم مَن حارَبَ في صفوفهم، ولَقِيَ الشدائدَ والأذى في سبيل إرضائهم.
_________________
(١) "عندما حكم الصليب" (ص ١٦ - ١٧) لأبي إسلام أحمد عبد الله -بيت الحكمة- القاهرة.
[ ٤ / ٢٤ ]
ولكنهم كانوا جميعًا ينتمون إلى دينِ الإسلام؛ ولذا فَقَد صدر القرارُ أن يَموتوا هكذا جوعًا وعطشًا وذِلَّةً، وهم عرايا كما ولدتهم أُمَّهاتُهم مُكبَّلون في القيود أمام أعيُنِ الجميع، حتى عَلق اللورد "كايننج" -حاكمُ الهند العام- على هذا الحكم الذي شارك في إصدارِه بقوله: بلغ هذا الحكمُ من السَّفاهة مبلغًا لا يُوجدُ له نظيرٌ في تاريخ الهند" (^١).
° يقول المؤرِّخ الأمريكي" إدوارد توماس" عن مذابح الإنجليز للمسلمين بالهند: "لقد تطوَّرت مذابحُ الإنجليز، حتى باتُوا لا يكتفون بالشَّنق، بل كانوا يُغلِقون عليهم بيوتَهم، ثم يُشعِلون فيها النار؛ فيصيرون رمادًا".
° وكتب "دلين لين" مدير صحيفة "تايمز أو إنديا" نقلًا عن أجندةِ أحدِ الجنود: "كان المسلمون يُحَاطُون بجلود الخنازير، ثم يُخيِّطونها عليهم، أو يَدْلكونهم بشحومها، ثم يُشعلون فيهم النارَ وهم أحياءٌ كما كان يُجبَرُ المسلمون على أن يفعلَ أحدُهم الفاحشةَ في أخيه.
وسوف تظلُّ هذه التصرَّفاتُ وصمةَ عارٍ على جَبينِ المسيحيين الإنجليزِ لا تُمحَى على مر الأيَّام".
° ونقلًا عن سطور من كتاب قائدِ قوَّات الجيشِ البريطاني في الهند (٤١ سنة)، كتب يصفُ حالَ مدينة "دلهي" يوم أن دَخَلها في ٢٤ سبتمبر ١٨٥٧ فقال: "لقد كانت "دلهي" في الحقيقة مدينةَ الأهوال، ليس بها داع ولا مُجيبٌ، فلا صوتَ إلا صوتُ سنابك الخيل، ولم يَقَعْ بصرُنا على عِرْقٍ
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٢٤ - ٢٥).
[ ٤ / ٢٥ ]
ينبض، أو عينٍ تَطرِف، لم تكن هناك إلاَّ جُثث هامدةٌ مبعثرةٌ هنا وهُناك، وقد كانت في أوضاع مختلفةٍ ضَيَّعها صراعُ الحياة مع الوت في أدوارٍ مختلفة.
كُنَّا لا نتكلَّمُ إلاَّ همسًا؛ حتى لا نُزعجَ هؤلاء الأشقياءَ الذين كانوا مستغرقين في نَومةِ الوت، إنَّ ما رأيناه من الناظِرِ كانت هائلةً مُفزِعةً، وكانت مُؤسِفةً مُحزنةً، وقد كانت بعضُ الجثثِ تنَتهشُها "كلاب"، وكان عند بعضها "نِسرٌ" يرفرف بجناحَيْه، وُيحاوِل أن يَطير، فلا يستطيعُ، لفرط الشَبَّع والثُّقْل.
لقد كان منظرًا مَهيبًا مُوحِشًا لا يمكن تصويرُه، وكأنَّ خَيْلَنا قد استولى عليها الذُّعْر، فكانت تَجفَلُ وتنتفخُ مناخرُها، وقد كان المحيطُ كله مُرَوِّعًا، يَغُضُّ بروائحَ مُضرةٍ تَبعثُ الأمراض" (^١).
° ويُسَجِّل الشيخُ أحمد حسين المدني -أحدُ شهودِ العيان- سلوكَ الصليبيِّين الإنجليز قائلًا: "إني لا أجدُ وصْفًا أُعَبِّر به عن أعمالِ البشاعة وما فيها من خِسَّةٍ ودناءةٍ ارتكبها أهلُ الصليب، فقد أَمروا خَوَنةَ السِّيخ أن يفعلوا أفعالًا شاذَّةً قبيحةً مع المسلمين على أعْينِ الناس، وعَلَّقُوا رؤوسَ الشهداءِ وجُثَثَهم على الأشجار، وحَوَّلوا مسجد "شاه جهان" إلى مكانٍ للقمامة".
° وقال الشيخ "فضل حق خير أبادي" أحد علماء الهند الكبار: "بهذه الرُّوح الخبيثة -رُوح التَّشَفِّي والانتقام- انهالوا على "دلهي" وأهلِها يُدَمِّرون
_________________
(١) "المسلمون في الهند" لأبي الحسن الندوي (ص ٧٦ - ٧٧) -دار الفتح- دمشق.
[ ٤ / ٢٦ ]
وَيقتُلون وينهبون، حتى بَلغ عددُ قتلى المسلمين (٢٧) ألفًا، وتحوَّلت معظمُ أحيائها أنقاضًا، والمساجدُ خرابًا، وتكدَّست الجثثُ في الشوارع، وجَرَتِ الدماءُ في الساحاتِ أنهارًا".
° ويقرِّر "إدوارد توماس" فظاعةَ الصليبيين وخِسَّتهم فيقول: "في "دلهي" قُبض على المَلِكِ وأسرته جميعًا، وسِيقُوا مُقيَّدين في ذِلَةٍ وانكسار، وفي الطريق أَطَلَقَ الضَّابطُ الصليبي "هيدسين" الرصاصَ على ثلاثةٍ من أبناءِ المَلِك، ثم قَطعوا رؤوسَهم، ثم سَوَّلت للذين يدَّعون الحضارةَ نفوسُهم بالبشاعة إلى حدًّ تشمئزُّ منه النفوس، فحين قدموا الطعامَ للمَلِك وهو في السجن، كانت مفاجاةً مُذهِلة عندما كَشَف الغطاء، فلم يجد طعامًا، بل وجد رؤوسَ أبنائِه الثلاثة.
وهنا تمالك الشيخ الضعيفُ نفسَه في رباطةِ جأشٍ وقال: "إن أبناءَ التيموريِّين البواسلَ يأتون هكذا إلى آبائهم مُحْمَرة وجوهُهم".
ثم أخذوا الرؤوسَ، وعلَّقوها على بوابةٍ كبيرة في "نيودلهي" تُسمَّى الآن "فوني دروازه" أي: "بوَّابة الدماء".
° يقول المؤرَّخ "سبنسر بول" شاهدًا على جرائم أهل الصليب: "إن الإنجليزَ عندما استولَوا على "دلهي" نَصبوا المشانقَ في الشوارع، وصَلَبوا (٣٠٠٠) رجل مسلم، كان منهم (٢٩) من الأسرة الحاكمة".
° ولعلَّ أفضلَ تلخيصٍ لموقفِ عَبَدَةِ الصليب من أتباع محمدٍ - ﷺ -، هو ذلك الطلبُ الذي تقدَّم به القائدُ الإنجليزيُّ "الفنسين نكلسون" إلى سيِّده
[ ٤ / ٢٧ ]
"إدوار كايننج" الحاكم العام للهند: "علينا أن نَسُنَّ قانونًا يُبيحُ لنا إحراقَ المسلمين وسَلْخَ جُلودهم؛ لأن نارَ الانتقام لا تَشفِي الغليل، ولا تُخمِدُه، بالشَّنق وحده" (^١).
* محاكم التفتيش في أسبانيا: (من سنة ١٥٥٢ إِلى سنة ١٦٠٩ م):
فَعَل فيها الصليبيون ما تقشَعِرُّ لهوله الأبدان: "آلاتٌ لتكسير العظام وسَحقِ الأجساد، كانوا يبدؤون بسَحقِ عِظامِ الأرجل، ثم عِظامِ الصدرِ والرأسِ واليديْن، حتى تأتيَ الآلةُ على البَدنِ المهشَّمِ كلِّه، فيَخرجُ من الجانب الآخَرِ كتلةً واحدةً.
° وصندوقٌ في حجم رأسِ الإنسان تمامًا، تُوضعُ فيه رأسُ المُعَذَّبُ بعد أن يُربَطَ بالسلاسل من يدَيْه ورِجلَيْه، ثم تُقطَرُ على رأسِه نُقطٌ من الماءِ الباردِ من ثُقبٍ أعلى الصندوق، فتَقعُ على رأسِه بانتظام، حتى يَلفِظَ أنفاسَه مجنونًا، وآلات لتقطيع اللسان، وأخرى لتمزيق أثداء النساءِ وسَحبِها من الصدورِ بواسطة كلاليب، ومجالد من الحديد الشائكِ لضرب المُعَذبين وهم عرايا حتى يتناثرَ اللحمُ عن العظم.
كانت تَصدُرُ أحكامُ الإعدامِ بالجملة بصفةٍ يوميةٍ ضدَّ المسلمين رميًا بالرصاص في مهرجاناتٍ ضخمةٍ يحضرُها القساوسةُ ورجالُ الدولةِ والأهالي، وكثيرًا ما كان المَلِكُ يَحضُرُ بنفسِه ليباركَ عملَ الكنيسة!.
أما عائلاتُ المسلمين، فكان يتمُّ حَرقُهم في محارِقَ ضخمةٍ أسمَوْها "مواكب الموت".
° يقول المؤرَّخُ "لورنتي": "ألقت محكمةُ التفتيش أكثَرَ من
_________________
(١) "عندما حكم الصليب" (٢٨ - ٣١).
[ ٤ / ٢٨ ]
(٠٠٠، ٣١) نَفْسى في النار و(٠٠٠، ٢٩٠) عقوبةٍ تلي الإعدام".
أما عن عقوبة الإلقاء في النار، فقد أُقيمت محارقُ عدَّةٌ في الميادين العامةِ بالمدن الكبيرة، وكانت تنُظمُ لها مهرجاناتٌ واحتفالات، يَشهَدُها الأحبارُ وأبناءُ الكنيسة والملوكُ أحيانًا، كأنها أعيادٌ يَطرَبُ لها الناس، ولا يَجِدُون في مناظِرها ما يدعُو إلى الضِّيق والاشمئزاز" (^١).
ومِن آلاتِ التعذيبِ عند هؤلاء الصليبيينَ -الذين نُزِعت من قلوبهم الرحمة، فلم تَبْقَ منها ذرةٌ واحدة في صدورهم، وقد قال رسول الله - ﷺ -: "لا تُنزع الرحمةُ إلاَّ مِن شَقِيًّ" (^٢) -، فمن وسائل تعذيبهم: غُرفٌ صغيرة في حجم الإنسان، بعضُها رأسي، وبعضُها أُفقِي، كانت مُخَصصةً للسجناء يَقضُون فيها حياتَهم إلى الممات، ثم تبقى الجثثُ في سِجنها الضيَّق حتى تَبلَى ويتساقَطَ اللحمُ عن العظم، وتبقى الهياكلُ البشريةُ في أغلالها سجينةً.
° ومن آلاتِ التعذيب عند هؤلاء الوحوش اَلةٌ تُسمَى "السيدة الجميلة"، وهي عبارةٌ عن تابوتٍ تنامُ فيه صورةُ فتاة جميلةٍ مصنوعةٍ على هيئة الاستعداد لعناق من يَنامُ معها، وقد بَرزت من أعضائها سكاكينُ حادةٌ، كانوا يَطرحون الشاب المعذبَ فوقَ الصورة، ثم يُطبِقُون عليه بابَ
_________________
(١) "الاضطهاد الديني في المسيحية" (ص ٤٠) لتوفيق الطويل- الزهراء للإعلام العربي القاهرة.
(٢) صحيح: رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم في "المستدرك" عن أبي هريرة، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (٧٤٦٧).
[ ٤ / ٢٩ ]
التابوت، حتى يتمزَّقَ جسدُ الشابِّ ويُقطَعَ إربًا.
* ومن أعداءِ رسول الله - ﷺ -: الصليبيون الفرنسيون الذين احتلُّوا الجزائر وفَعلوا بها الأفاعيل:
إرهابٌ صليبيٌ قذر يَدُلُّ على نفوسٍ مُنحَطَّةٍ مُجرمةٍ لا تَمُتُّ إلى الإنسانيةِ بصِلَةٍ، تحاول فرضَ العقيدةِ الصليبيةِ على مُسلِمِي الجزائرِ جبرًا وبمباركة الكنيسة!.
ففي عام ١٨٣٢ م أعلن القائدُ "روفجيو" عن تحويل مسجدِ "القشاوة" -أجمل مساجد الجزائر، والذي يَقعُ بالحيِّ الأوروبي وسط مدينة الجزائر- إلى كنيسة.
وتحدَّد ظُهرُ يوم ١٨ ديسمبر ١٨٣٢ م لإنجازِ هذا العمل، وتقدَّمت في الموعدِ المحدَّدِ إحدى طائراتِ الجيش، أَنزلت فرقةً من سلاح المهندسين، توجَّهت مباشرةً إلى محاصَرةِ أبوابِ المسجد "بالبُلَط" و"الفؤوس"، وبداخل المسجدِ أربعةُ الآفِ مسلم، كانوا قد اعتَصموا داخلَ المسجد خَلْفَ متاريس.
ثم اندَفعتِ القوةُ العسكريةُ تَسبِقُها سناكي البنادق، فخرَّ المسلمون جَرحى وصَرعى تحتَ أرجل الجنود، واستمرَّت هذه المذبحةُ طوالَ الليل، حتى إذا جاء الصباحُ صار الجامعُ "كاتدرائيةَ الجزائر".
وما أن انتهى الجنودُ من وَضْع الصليبِ على كل بابٍ من أبوابِ المسجد، وفي نَشوةِ هذا الانتصار، داروا على أعقابِهم صَوْبَ مسجد "القصبة"، فدخله الضُباطُ والجنودُ، وأقاموا فيه شعائرَهم الدينية.
[ ٤ / ٣٠ ]
° وتَزعَّم القَسُّ "شوسيه" -الوكيلُ العامُّ لأسقفِ- الجزائر -قيادةَ طابورهم، يُرتّلون أنشودةَ الغُفران .. وأَعدَّ هذا القَسُّ لنفسِه منبرًا للوعظ، وأُتي له بمنبر أثريٍّ من مسجدٍ يُقال. له: "المقدَّس"، ووقف سكرتيرُ الحاكم "يوجو" يقول: "إنَّ آخِرَ أيام الإسلام قد دَنَتْ، وفي خلالِ عشرين عامًا، لن يكونَ للجزائر إلهٌ غير المسيح، ونحن إذا أمكننا أن نشكَّ في أن هذه الأرضَ تملِكُها فرنسا، فلا يمكنُنا أن نشكَّ -على أيِّ حالٍ - أنها قد ضاعت من الإسلام للأبد .. أما العرب، فلن يكونوا مِلْكًا لفرنسا إلاَّ إذا أصبحوا مسيحيين جميعًا" (^١).
° وانظر إلى نموذج من خِسة الصليبيين الفرنسيين وبشاعةِ مذابحهم للمسلمين التي وصفتها التقاريرُ الرسميةُ التي أُرسلت إلى العاصمة "باريس": "جريمةٌ شنعاءُ، وهي إبادةُ قبيلةٍ بأكملها، تحت دعوى اتهام أحدِ أفرادها بارتكابِ جريمةِ سرقة، ثم تحقَّق بعد أن تمَّت عمليةُ الإبادة أن المتهمَ بريءٌ!!.
وبِناءً على تعليمات الجنرال "روفجيو" خرجت قوةٌ من الجنود من مدينةِ الجزائر في ليل ٦ أبريل ١٨٣٢، وانقضَّتَ قُبيلَ الفجر على أفرادِ القبيلة، وهم نيام تحت خيامِهم، فذَبَحتهم جميعًا بغيرِ ما تمييز في الأعمار والأجناس، وعاد الفرسانُ الفرنسيُّون من هذه الحملة، وهم يَحملون رؤوسَ القتلى على أَسِنَّة رِماحهم" (^٢).
_________________
(١) "الجزائر الثائرة" لكوليت جانسون، وفرانسين- ترجمة محمد علوي الشريف (ص ٤١) دار الهلال، وراجع أيضَا "ثورة الجزائر" لجوان جليسبي ترجمة عبد الرحمن صدقي (ص ٧٨) - إصدار الدار المصرية للتأليف والترجمة.
(٢) "الجزائر الثائرة" (ص ٢١).
[ ٤ / ٣١ ]
° وباتت عملياتُ إبادةِ الجزائريين المسلمين شيئًا يستحقُّ الفَخْرَ والتهنئة والمباركةَ من الكنيسة، فكَتبت إحدى الصحفِ الفرنسيةِ "مثلًا" في أكتوبر ١٨٣٦ م قائلة: "أُرسلت إلى باريس مؤخَّرًا عشرون رأسًا، ليبلغَ عددُ الرؤوس التي وَصلت إلى معسكرِ العمليَّات ثمانيةَ وستين رأسًا، وهي معلَّقةٌ على سناكي البنادق، إنها لَصفقةٌ عظيمةٌ وبداية طيبةٌ تفتحُ لنا الطريق".
° وُيعلق الجنرالُ الفرنسيُّ "شارنجارنييه" قائلًا: "إن رجالي وَجَدوا التسليةَ في قَطع رقابِ المسلمين من رجالِ القبائل الثائرةِ في بلدتي "الحراش" و"بورقيقة" .. ".
° وانظر إلى بشاعةِ اللئام: في تقريرٍ كَنَسِيًّ جاءت هذه السطور "أمَّا باقي الغنيمة، فقد عُرِضت في سوق "باب عزون"، حيث عُرِضت أساوِرُ النساء وهي ما زالت تُحيط بمعاصمِهنَّ المقطوعة، والأقراطُ تتدلَّى من قِطَعِ لحم آدميًّ، وقد بِيعت بأكملِها ووُزِّع ثمنها".
* مجرمون أبالسةٌ أعداءٌ لرسول الله - ﷺ -:
يَقفُ رسولُ الله يوم القيامة يَسألُ العسكريين الصليبيين الفرنسيين عمَّا اقترفوا من مذابحَ لأتباعه في الجزائر .. أبالسة فرنسيون أبادوا المسلمين .. سيسألُهم الله ﷿ عمَّا اقترفوا من مذابح عام ١٨٤١ م وما بعدها في الجزائر، منهم الجنرالُ الصليبي" يوجو" الذي تولَّى الحُكمَ في الجزائر، يُعاوِنه الجنرال "بليسيه"، والجنرال "سانت أرنو" و"شانجارنييه" و"دي هيريسون" و"مونتانياك" و"لاموريسيير" و"كافينياك" .. شياطينُ الإنسِ
[ ٤ / ٣٢ ]
وفرنسا في جزائر الإسلام.
° يقول الصليبي "سانت أرنو" في خطابِ لأسرته بفرنسا: "لقد أحرَقْنا فيها (^١) كل شيء، دمرنا كل شيء، الحربُ أوَّاهُ منها، ما أكثَرَ مَن هلك فيها من نساءِ وأطفالِ هاجروا إلى جِبال "الأطلس"، فقَضَوْا نَحْبَهم بين ثلوجِها، بتأثيرِ البردِ والبؤس!! ".
° وكتب في رسالةٍ أخرى لزوجته عام ١٨٤٣ م يقول: "لقد كنتُ في قبيلةِ "البزار"، فأحرقتُ أفرادَها جميعًا، ونَشرتُ حولَهم الخرابَ، أنا الآن عند "السنجا"، أُعيد فيهم الشيءَ نفسَه، ولكن على نطاقٍ واسع".
° ويقول "مونتانياك" في كتاب له بعنوان "رسائل جندي":" إنَّ أولادَ سعدٍ كانوا قد تركوا نساءَهم وأولادَهم جميعًا في"الأحراج"، وقد كان يُمكنُني أنْ أقضيَ عليهم جميعًا، ولكن لم يكن عَددُنا كافيًا للتفرُّغ لهذا.
لقد كانت مذبحةً شنيعةً حقًا، كانت المساكنُ، والخيامُ في الميادين، والشوارعُ، والأفنيةُ التي انتشرت عليها الجثثُ، في كلِّ مكان، وقُمنا بعملِ إحصائيةٍ في جوٍّ هادئٍ بعد الاستيلاء على المدينة، فبَلَغ عددُ القتلى من النساء والأطفال (٣٠٠، ٢)، أما عددُ الجرحى، فلا يَكادُ يُذكَر، لسببٍ يسير، هو أننا لم نتركْ جَرحاهم على قيدِ الحياة".
° وكتب الكونت "دي هيريسون": "فظائعُ لا مثيلَ لها، أوامرُ بالشَّنق تَصدُرُ من نفوس كالصخر، وقلوب كالحجر، أوامرُ بالرَّمْي بالرصاصِ أحيانًا، وباستعمالِ السيف أحيانًا أُخرى في أُناسٍ مساكين، جُلُّ ذنبِهم أنهم
_________________
(١) أي: في الجزائر.
[ ٤ / ٣٣ ]
يَستطيعون إرشادَنا إلى ما نطلبُ إليهم أن يُرشِدونا إليه".
° ثم تحكي "كوليت جانسون" مؤلِّفة كتاب "الجزائر الثائرة" فتقول: "وتَصِلُ الحالُ على هذا المنوال حتى عام ١٨٤٥ م، إذْ تبلغ الهَمَجِيَّةُ شأوها، وتَندثُر المُثُلُ الإنسانية وتتلاشى، ويَجتاجُ الجزائَر لَونٌ جديدٌ من ألوان البربريَّة، والخِسَّة، والإجرام، والوحشيَّةِ في حقِّ المسلمين العزَّل.
ففي ذلك العام أدخِل نظامُ "الإبادة" للقضاءِ على الشعبِ الجزائري، "طريقة جهنم"، وما أدراك ما جهنم!!
وقد نشأت هذه الطريقة -أولَ ما نشأت- عن مَحضِ الصُّدْفة، ولكن سَرعانَ ما أصبحت نظامًا من أنظمةِ الجيش المعمولِ بها في مهمَّتِه ضدَّ المسلمين.
ففي يونيو (١٨٤٥) كانت قبيلةُ "أولاد الرياح" قد تَلَقَّتْ من القائدِ الفرنسي أمرًا بالتسليم، ولكنَّ القبيلةَ بدلًا من الامتثالِ للأمرِ، لاذتْ بالفرارِ إلى المغاوِرِ والكهوف لتستأنفَ الجهادَ والمقاومة، فلما ضَيَّق القائدُ "بليسيه" الخناقَ على أفرادِ القبيلة، وهم في بطن أحدِ الكهوف، واشتَرطوا عليه سَحْبَ القوَّاتِ الصليبيةِ ليَخرجوا إليه، رفض هذا الشرط، وقرَّر أن يَصُبَّ عليهمِ نارَ جهنم؛ لِيَصْلَوها سعيرًا، وأَنَّى للقلم أن يَصفَ هذا المشهدَ الجبَّارَ العاتي؛ فالقواتُ الفرنسية تتقدَّمُ تحتَ جُنْح اليل البهيم صَوْبَ فجوةِ
الكهف يَسُدُّونها بالمتاريس، ثم يقذفون النارَ بداخلها ويُشعلونها من حولها، وهؤلاء هم المسلمون المعتصِمون في جوفِ الكهف، تنطلق منهم الأنَّاتُ والصرخاتُ، فتَصُمُّ الآذان، وتولوِلُ النساء، ويَصرخُ الأطفال،
[ ٤ / ٣٤ ]
وتَنعِقُ الحيوانات، وتحترقُ الصخور؛ فتنهار وتنتشرُ منها الأتربةُ تخنقُ المجموع .. وتتناثرُ الجنادل، فتصيبُ الرؤوس، وتنفجرُ الذخائر، فيَعُمُّ الدَّمار، وتنتشرُ جُثَثُ الموتى، وبرغم كلَّ هذا، ما زال الرجالُ يجاهِدون للخروج من بطنِ الأرض، فتنطبقُ عليهم، ويَقبُرُهم الجماد".
° ثم تستطرد كاتبةُ "الجزائر الثائرة" فتقول: "ويُقبِل الصباحُ، وتتولَّى فرقةٌ من الجنود الفرنسيين -يتدلَّى الصليبُ على صُدورهم- مُعاينةَ الأتُونِ الذي صَبَّوا فيه النيرانَ في أثناءِ الليل، فيرتدُّ منهم البصرُ من هولِ ما يَرَون، ففي مدخل الغَوْر انتشرت هياكلُ ثيرانٍ وحميرٍ وخِرافٍ حَدَتْ بها الغريزة صَوبَ مخرج الكهف، لاستنشاقِ الهواء الذي عُدِم بالداخل، وتكدَّست بين هذه الحيوانات، ومِن تحتها جُثثُ رجالٍ ونساءٍ وأطفال، وشُوهِد رجلٌ ميت وهو جاثٍ على رُكْبتيه، وقد أمسكت يداه قَرْنَ ثورٍ نافِق، وبجواره امرأةٌ ميتةٌ تحتضنُ بين ذراعيْها طِفلَها الميتَ، مما يَدُل على أن الرجل قد اختنق وهو يُدافعُ عن امرأتِه وطِفلِه اللذَيْنِ اختَنَقا أيضًا من هجومِ الثوْر عليهما أثناء الحريق.
وفي سراديبِ هذه المغاوِرِ الفسيحةِ، وجَدَ الجنودُ الفرنسيون (٧٦٠) جُثةً، أخرجوا منها (٦٠) مُسلمًا يُعانون سَكْرةَ الموت، ما لَبِث أربعون منهم أنْ قَضَوا نَحْبَهم، وعشرةٌ منهم حَمَلتهم سياراتُ الإسعَاف، والباقون أُطلِق سراحُهم ليعودوا إلى مساكنهم، عِبرَةً لمن لا يعتبر، ولم يَبْقَ من حُطامِ الدنيا سوى الدَّمع القاني يذرفونه على الدَّمار العميم" (^١).
_________________
(١) الجزائر الثائرة" (ص ٢٨ - ٣٠).
[ ٤ / ٣٥ ]
° وكان الذي أمر بهذا هو المارشال "يوجو" في أمره إلى القائد "بليسيه" ١١ يونيو سنة ١٨٤٥ م: "إذا احتَمَى هؤلاء الرَّعاعُ في الكهوف، فافعلوا بهم ما فعله "كافينياك" من قبل، وأحرقوهم حَرْقَ الثعالب".
* هيلاسلاسي الصليبي الأثيوبيُّ عدوُّ الله ورسوله والمسلمين:
استولت الحبشةُ عن "أرِيتْرِيا" المسلمة بتأييدٍ من فرنسا وإنجلترا، فماذا فعلت فيها؟!!.
صادرت معظمَ أراضيها، وأسلَمَتْها للإقطاعيين من الحبشة، كان الإقطاعيُّ والكاهنُ مخَوَّليْنِ بقتل أيِّ مسلم دون الرجوع إلى السلُّطة، فكان الإقطاعيُّ أو الكاهنُ يَشنقُ فلاَّحِيه أو يُعذبهم في الوقتِ الذي يُريد.
فُتحت للفلاحين المسلمين سجون جماعية رهيبة، يُجلَد فيها الفلاَّحون بسِياطٍ تَزِنُ أكثَرَ من عشرةِ كيلو غرامات، وبعد إنزالِ أفظع أنواع العذاب بهم كانوا يُلقَوْن في زنزاناتٍ بعدَ أن تُربَطَ أيديهم بأرجُلِهم، وُيتركون هكذا لعشرِ سنين أو أكثر، وعندما كانوا يخرجون من السجون كانوا لا يستطيعون الوقوف؛ لأن ظهورهم قد أخذت شكل القَوْس.
كل ذلك كان قبلَ استلام "هيلاسلاسي" السلطةَ في الحبشة، فلمَّا أصبح إمبراطورًا للحبشة وَضَع خُطَةً لإنهاء المسلمين خلالَ خمسةَ عَشَرَ عامًا، وتباهى بخُطَته هذه أمام الكونغرس الأمريكي.
° شنَّ تشريعاتٍ لإذلالِ المسلمين، منها: أن عليهم أن يَركعوا لموظَفي الدولةِ وألا يُقتلوا.
° أمر أن تُستباحَ دماؤُهم لأقل سبب، فقد وُجِد شرطيٌّ قتيلًا قُرب
[ ٤ / ٣٦ ]
قريةٍ مسلمة، فأرسلت الحكومةُ كتيبةً كاملةً قَتلت أهلَ القريةِ كلَّهم، وأحرقتهم مع قريتهم، ثم تَبيَّن أن القاتلَ هو صديقُ المقتول، الذي اعتدى على زوجته، وحاول أحدُ العلماء -واسمه "الشيخ عبد القادر"- أن يثورَ على هذه الإبادة، فجمع الرجال، واختفى في الغابات، فجَمعت الحكومةُ أطفالَهم ونساءَهم وشيوخَهم في أكواخ من الحشيش والقَصَب، وسَكبت عليهم البنزينَ وأحرقتهم جميعًا.
ومَن قَبَضَت عليه من الثوَّار كانت تُعذبه عذابًا رهيبًا قبلَ قتلِه، من ذلك إطفاءُ السجائر في عينيه وأُذنَيْه، وهَتْكُ عِرضِ بناتِه وزوجتِه وأخواتِه أمامَ عينيْه، ودَقُّ خِصيَتْيه بأعقابِ البنادق، وجَره على الأسلاكِ الشائكةِ حتى يَتفتَّت، وإلقاؤهُ جريحًا قبل أن يموتَ لتأكلَه الحيواناتُ الجارحةُ، قبلَ أن تربطَهُ بالسلاسل حتى لا يُقاوِم.
° أصدر "هيلاسلاسي" أمرًا بإغلاقِ مدارسِ المسلمين، وأَمَر بفتح مدارس مسيحيَّةٍ، وأجبَرَ المسلمين على إدخالِ أبنائِهم فيها ليُصبِحوا مسيحيين.
° عَيَّن حُكَّامًا فجرةً على مقاطعاتِ أريتريا، منهم واحدٌ عيَّنه على مقاطعةِ "جَمَّة"، ابتدأ عَمَلَه بأن أصدر أمرًا أن لا يَقطِفَ الفلاَّحون ثمارَ أراضيهم إلاَّ بعد موافقته، وكان لا يَسمحُ بقُطافِها إلاَّ بعد أن تتلفَ، وأخيرًا صادر ٩٠% من الأراضي، أخذ هو نصفَها، وأعطى الإمبراطورَ نصفَها، ونَهَبَ جميعَ ممتلكاتِ المسلمين.
° وأمرهم أن يَبنُوا كنيسةً في الإقليم فبَنَوْها .. ثم أَمَرهم أن يُعمِّروا كنيسةً عند مَدخل كل قريةٍ أو بَلدةٍ .. ولم يكتفِ بذلك، بل بنى دُورًا
[ ٤ / ٣٧ ]
للعاهرات حول المساجد ومعها الحاناتُ التي يَسْكَرُ فيها الجنودُ، ثم يدخلون إلى المساجدِ ليبولوا بها ويتغوَّطوا، وُيراقصوا العاهرات فيها وهم سُكارى.
كما فَرض على الفلاحين أن يَبيعوا أبقارَهم لشركةِ "أنكودا" اليهودية فكافاه الإمبراطورُ "هيلاسلاسي" على أعماله هذه بأن عيَّنه وزيرًا للداخلية.
وكانت حكومةُ الإمبراطور تُلاحِقُ كلَّ مثقَّفٍ مسلمٍ لتزُجَّه في السجن حتى الموت، أو تُجبِرَه على مغادرةِ البلاد حتى يبقى شعبُ "أريتريا" المسلم مُستعْبَدًا جاهلًا وغير ذلك كثيرًا" (^١).
هذا مع العلم بأن نسبةَ المسلمين في أثيوبيا بلغت ٧٥% من سكانها، فلعنةُ الله على "هيلاسلاسي" ومن هو على شاكلته.
* السَّفَّاحُ الصليبيُّ عدوُّ رسولِ الله - ﷺ -: "جوليوس نيريري":
كيف لا يكونُ الصليبي "جوليوس نيريري" عدوَّ الله ورسوله والمسلمين -بل والبشريةِ جمعاء-، ولم تَجِفَّ بعدُ دماءُ المسلمين في "زنجبار" يومَ أباد (٠٠٠، ١٢) مسلم، وألقى (٠٠٠، ٤) آخرين في عَرضِ البحر (^٢).
* التحالفُ الصليبيُّ الوثنيُّ وعلى رأسِه "تشارلز تايلور"، يقتل ٢٥ ألف مسلم في ليبريا:
تقعُ ليبيريا على ساحل الجنوب الغربيِّ من القارةِ الأفريقية، ويَحدُّها جنوبًا المحيطُ الأطلسي، وعددُ سكانها ٣ ملايين نسمة، ٣٥% مسلمون، و٢٥% نصارى، والباقي وثنيُّون.
_________________
(١) "كفاح دين" للشيخ محمد الغزالي (ص ٦٠ - ٨٠) مُلَخَّصًا.
(٢) "عندما حكم الصليب" (ص ١٢).
[ ٤ / ٣٨ ]
° والإسلامُ أسبقُ من النصرانية في هذه البلاد وأقدمُ رسوخًا.
وتعرض المسلمون في التسعينات ١٩٩٤ م لمجازرِ إبادةٍ وتشريدٍ واعتداءٍ على الأعراض وسَلبٍ للمتلكات.
وشَتَّت مجموعةٌ وثنيَّةٌ متمرِّدة حاقدة على الإسلام والمسلمين تحتَ اسم "الجبهة الوطنية الليبيرية" بقيادةِ الصليبي الكريه عدِّو الإِسلامِ ورسول الله - ﷺ - "تشارلز تايلور" هجومًا شرسا من "ساحل العاج" بحثًا عن كلِّ ما هو مسلمٌ أو إسلاميٌّ للقضاءِ عليه.
وفي حوارِ مجلة "الدعوة" مع الشيخ "سيكو أبو بكر" ممثِّل "حركةِ إنقاذِ مسلمي ليبيريا" في المملكة السعودية، أوضَحَ أن مُحصَّلةَ المحنةِ من الضحايا والأضرار المادية والمعنوية كالآتي:
١ - قتل ما لا يَقِل عن ٢٥ ألفِ مسلمٍ شَرَّ قِتْلةٍ، حيث أُحرِقَ الدعاةُ والأئمةُ بإشعالِ النيران فيهم بعدَ صبِّ البنزينِ عليهم، وفُصِلت رؤوسُهم عن أجسامِهم، وقُطِعت ألسُنُ وآذانُ المؤذنين أحياءً، وبُقِرَت بطون الحوامِل .. فضلًا عن المذابح الوحشيةِ البشعة التي في ارتُكِبت في أكثرَ من مكان.
٢ - وجودُ عشراتِ الآلاف من المفقودين والجرحى والمصابين.
٣ - تشريدُ وإخراج أكثرَ من ٧٠٠ ألف مسلم من ديارِهم، وهم موجودون الآن لاجئين في الدولِ المجاورة مِثل غينيا وسيراليون.
٤ - اغتصابُ عددٍ كبير من النساءِ والفتياتِ المسلمات.
٥ - هدمُ المساجدِ ومنازلِ المسلمين ومؤسساتِهم التعليميةِ والاقتصاديةِ،
[ ٤ / ٣٩ ]
وسرقةُ ونهبُ كل ممتلكاتِ المسلمين -بما في ذلك المكتباتُ الإسلامية العامة-، مع تدنيسِ المصاحف (^١).
* الصليبيُّ القذر "يعقوب غاوون" وإِرادتُه القضاءَ على المسلمين في نيجيريا:
في عام ١٩٦٧ م قام الصليبيُّ "يعقوب غاوون " بانقلابٍ دمويًّ في نيجيريا على الصليبي "جويبي إيرونسي"، وكان "غاوون" ممثِّلَ الكنيسةِ العالَمية، وكان هدفُه القضاءَ على الوجودِ الإسلاميِّ في نيجيريا، حتى لو استدعى ذلك قيامَ حربُ أهلية في البلاد، وهذا ما حَدث بالفعل في عام ١٩٦٧ م عندما اشتَعلت الحربُ الأهلية في نيجيريا، والتي ذهب ضحيتَها أكثرُ من مليون نيجيري، ولقد ساعد "غاوون" الحركةُ الانفصاليةُ في إقليم "بيافرا" التي أبادت آلافَ المسلمين (^٢).
* وفي "تشاد" ذَبَح الصليبيون الفرنسيون ٤٠٠ من خِيرةِ علماءِ المسلمين:
عندما احتل الفرنسيون "تشاد" في أوائل القرنِ العشرين الميلادي، ذَبح الفرنسيون الصليبيون ٤٠٠ من خِيرةِ المسلمين وعلمائِهم في مذبحةِ "كبكب" الشهيرة .. فلعنة الله على الكافرين.
* نشيدُ الصليبيين الإِيطاليين البُغاة عند احتلالهم لليبيا:
كان الجنديُّ الصليبي الإيطالي ينادِي بأعلى صوته، حين كان يَلبسُ
_________________
(١) "وجاء الدور على الإسلام" لرضا محمد العراقي (ص ٨٤) - دار طريق للنشر والتوزيع.
(٢) المصدر السابق (ص ٧٥).
[ ٤ / ٤٠ ]
بَذَّةَ الحرب قادمًا إلى ليبيا:
أمَّاه ..
أتمي صلالك .. لا تبكي …
بل اضحكي وتأمَّلي …
أنا ذاهب إلى طرابلس …
فَرحًا مسرورًا …
سأبذل دَمِي في سبيلِ سَحقِ الأُمةِ الملعونة …
ساُحاربُ الديانةَ الإسلاميةَ …
ساُقاتِل بكل قوتي، لمحو القرآن (^١)
* عُبَّادُ البقر من أشدِّ الناس عداوةً للنبي - ﷺ -:
قَتَل الجيشُ الهنديُّ في "بنجلاديش" -عُبَّادُ البقر الذي كان يقودُه اليهودُ- عشرةَ آلافِ عالم مسلم بعد انتصاره على جيشِ باكستان عام ١٩٧١ م، وقَتل مئةَ ألفِ من طلبةِ المعاهد الإسلامية، وموظَّفي الدولة، وسَجَن خمسين ألفًا من العلماء وأساتذةِ الجامعات، وقَتَل رُبعَ مليون مسلم هنديٍّ هاجروا من الهند إلى باكستانَ قبل الحرب، وسَلَب الجيشُ الهنديُّ ما قيمتُه (٣٠ مليار رُوبية) من باكستانَ الشرقية التي سَقطت من أموال الناس والدولة (^٢).
_________________
(١) "قادة الغرب يقولون: دمَّروا الإسلام أبيدوا أهله" (ص ١٠) لجلال العالم- مكتبة ابن تيمية.
(٢) "مأساة بنغلاديش" لمحمد خليل الله (ص ٧، ١٩، ٢٠، ٢٢، ٢٣).
[ ٤ / ٤١ ]
* في ولاية "جامو وكشمير" المسلمة:
° كتب أحدُ رموز الهندوس وكُتَّابِهِم المدعو "أمير شبح الهندوسي" الحقيرُ مقالًا يَستهزيء فيه بالإسلامِ وبتاريخ الإسلام وبأُمةِ الإسلام، وقال: "حياةُ المسلمين أقربُ إلى حياةِ الحيوان" (^١).
كمْ مِن هَمَّ يَركبُ ناصيةَ القلبِ ويقود زِمامَه!! وكم من دمعةٍ حرَّى تَخطُّ وَسْمًا على الخَدِّ بعد أن حَوَّل الهندوس -عبَّادُ البقر- أرضَ كشمير إلى جحيم مُستَعِر يَلتهمُ الأخضَرَ واليابس، يَقتلُ الأبرياءَ، ويَهتِكُ الأعراضَ، ويَهدِمُ المساجدَ!!.
° يقول الشيخ "إعجاز الإسلام" عن الجرائم التي قام بها الهنودُ في كشمير: "إنه لا يُوجَدُ لها مثيل في تاريخ العدوان والظلم .. قاموا بقَتلِ الأبرياء، وذَبح الشبابِ أمامَ آبائهم وأمهاتهم، كما اعَتَدوا على الذكور من الشباب، وقاموا بتصفيتهم، وهتكوا أعراضَ النساءِ المسلمات جماعيًّا، ونَهبوا الأموال، وأحرَقوا البيوتَ والمتاجر، وهناك أكثرُ من خمسينَ ألفًا من المسلمين في زنزاناتِ التعذيب، وتمَّ قتل أكثَرَ من واحدٍ وعشرين ألفًا، وهناك أكثر من ٥٢ ألف معوَّق وكل ذلك جَرَى مؤَخَرًا" (^٢).
° سيطر الاستعمارُ البريطاني على ولاية "جامو وكشمير"، ثم اشترى مِن طائفةِ (الدوجرة) الهندوسية "كشمير "بمبلغٍ ضئيلٍ قَدرْه سبعة ُملايين
_________________
(١) "مأساة إخواننا المسلمين في كشمير المسلمة" (ص ٧٠) للدكتور فهد حمود العصيمي- دار النشر الدولي.
(٢) المصدر السابق (ص ٤٩).
[ ٤ / ٤٢ ]
ونصفُ مليون روبية، أي قد بيع النفرُ الواحد بسبع روبيات، وهي تعادلُ ثُلُثَ الدولار الأمريكي، وتلك الاتفاقيهُ لبَيع الولايةِ تُسمَّى اتفاقية "أمرتسر"، وليس لهذه الاتفاقية أيَّةُ مكانةٍ من الناحية القانونية والخُلُقِيَّة.
ولمَّا تمكَّن المسلمون من إنقاذِ ثُلُثِ الولاية، وأسسوا الحكومةَ الحرَّة لولاية "جامو وكشمير" المسلمة في ٢٤ من أكتوبر عام ١٩٤٧، واضْطُرَّ الملكُ الهندوسيُّ "هري سنغ" إلى الفرارِ من عاصمةِ الولاية إلى "جامو"، وقدَّم خلالَ فرارِه إلى الحاكم العامِّ للهند طلبًا للموافقةِ على انضمام الولايةِ الهند، وصَدَر قرارُ الأمم المتحدة بإجراءِ استفتاءٍ لتقريرِ مصيرِ الولاية بانضمامِها إلى باكستان أو الهند -وذلك في ٥ من يناير عام ١٩٤٩ م-، وماطلت الهندُ لعلمها مُسْبَقًا بما تكونُ عليه نتيجة الاستفتاء، إذ إن نسبةَ المسلمين في كشمير ٨٥% من سكانها.
° لقد ارتكب الهنود عُبَّاد البقر من الجرائم البشعةِ ما يفوقُ الوصفَ وما لا تفعلُه الوحوشُ الضارية.
ففي قرية "كنان بوش بورا" ليلة ٢٣ فبراير ١٩٩١، حين دخل القريةَ مئاتٌ من جنود الكتيبةِ الرابعةِ "لراجيوت رايلفز" التابعةِ للفرقة ٦٨ مشاة في تلك الليلةِ الباردةِ، وأوقفت كلَّ الأولادِ والرجالِ في ملابسِ نومهم في العَرَاء وهم يَقْشَعِرُّون البرد، بينما بدأ الجنودُ يَنهَبون وَيحرِقون ويغتصِبون، فحطَّموا الأبوابَ، وطافوا بالبيوت بيتًا بيتًا، واغتَصبوا على الأقل (٥٣) امرأة، كانت أكبرهن سنًّا "جانا" التي تبلغ من العمر ٨٠ سنة والتي تعَرَّضت لاغتصابٍ جماعيٍّ هي وزوجة ابنها، وأصغرُهن تعرُّضًا للاغتصاب هما الفتاة "ميشرا" البالغة من العمر ١٣ سنة وأختُها البالغةُ من
[ ٤ / ٤٣ ]
العمر ١٨ سنة، واغتصبوا "ظريفة" التي تبلغُ من العمر ٢١ سنة وهي في الأيام الأخيرة من حملها، ووضعت مولودَها بعد ثلاثةِ أيام من الحادثة، وقالت: "أحيا فقط لكي يكبرَ ابني ويثأرَ لي" (^١).
° وعلى سبيل المثال انظر إلى موجز عن العمليات الإجراميَّةِ الوحشيةِ للجيشِ الهندوسي البربريِّ الغاشِم في ولايةِ "كشمير" المسلمة منذ يناير ١٩٩٠ م حتى يناير عام ١٩٩٢ م:
- عددُ الشهداء من مُسلِمي "كشمير" رجالًا ونساءً وأطفالًا على أيدي الجنودِ الهندوس: ٣٩ ألف شهيد.
- عددُ الجرحى من الرجال والنساء والأطفال: ٥٠ ألف جريح.
- عددُ الطلاَّب الذين قد حُرقوا أحياءً في مدينة "كبواره" في أكتوبر ١٩٩٠ م: ٢٠٠ طالب.
- عددُ الطلاَّب الذين قد حُرقوا أحياءً في المدارس الابتدائية الأخرى: ٥٠٠ طالب.
- عدد المسلمين من الرجال والنساء والأطفال في السجون ومراكز التفتيش "في كشمير": ٥٠ ألف سجين.
- عددُ المسلمين الذين قد حرقوا أحياءً في بيوتهم: ٦٠٠ مسلم.
- عددُ المسلمين المهاجرين من "كشمير": ٢٠ ألف مهاجر.
- عددُ النساء المسلمات اللاتي قد هُتكَت أعراضُهن جماعيًّا: ٣ آلاف أمرة مسلمة.
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٨٧).
[ ٤ / ٤٤ ]
- عدد النساء المسلمات التي قد وُجدت جُثثهن في "نهر جهلم" بعد هَتكِ أعراضهن: ٣٥٠ امرأة مسلمة.
- عدد الشابات المسلمات اللاتي استشهدن بسبب هتك أعراضهن جماعيًّا: ١٥٠ مسلمة.
- عددُ النساء الحواملُ اللاتي قد وَضعن قبل الموعد بسبب هتكِ أعراضِهن جماعيًّا: ١٥٠ مسلمة.
- عدد البيوت والدكاكين التي قد حُرِقت بالبنزين والبارود في مساكن المسلمين: ٢٥ ألف دكان ومنزل.
- عددُ المستشفيات والمدارس والكليات التي قد حُرِقت بالبنزين والبارود: ٥٠٠.
- عددُ الأنعام التي قد حُرِقت حَيَّةً: ٠٠٠، ١ من المواشي.
- قيمةُ الحبوب الغذائية التي قد حُرِقت: ٠٠٠، ١ مليون دولار.
- قيمةُ البساتين والغابات التي قد حُرِقت: ٠٠٠، ١ بليون دولار.
الجيشُ الهندوسي القَذِرُ في "كشمير" يَغتصبُ ويَحرِقُ ويدمرُ ويَقتلُ ويسرق كأحطَّ ما يفعلُ البشر.
* أما هدمُ المساجد في الهند:
فقد قام الهندوسُ في ٦/ ١٢/ ١٩٩٢ بهدم المسجد "البابري" وإقامةِ معبدٍ وثنيٍّ مؤقَّتِ على أنقاضِه لإلههم "راما" الذين زَعموا أنه وُلِد في مكانِ المسجد، ولَمَّا هَبَّ المسلمون مستنكِرين لهذا في مناطقِ الهند قُتل منهم خمسةُ آلافِ مسلم، وعشراتٌ منهم أُحرِقوا أحياءً.
[ ٤ / ٤٥ ]
* عودة أخرى إِلى "كشمير":
لقد قَتل الهندوس أكثرَ من ١٢٠ ألفًا من المسلمين في سنواتٍ أربعَ فقط.
* وا إسلاماه:
° ويذكر الشيخ "نفيس كشميري" رئيس "اللجنة السياسية لتحريك المجاهدين "الاعتداءَ الهنديَّ الغاشم على قرية "كونن بشه بوره"، فيقول: "إنهم أخرجوا الرجالَ في الحاديةَ عَشْرةَ ليلًا من بيوتهم، ودخلوا على النساء -وكن ثلاثًا وخمسين امرأةً مسلمة-، فعاثوا في أعراضِهن هتكًا، كان الرجال مقيَّدين خارج القرية لا حول لهم ولا قوَّة، والنساُء يصرُخْنَ بأعلى أصواتهنَّ: "واإسلاماه واإسلاماه" .. ومما يذوبُ منه القلبُ كَمَدًاو ألَمًا أن الجنود قاموا بهتك أعراضِ النساء جماعيًّا، ثم قاموا بقتلهنَّ وألقَوا بجثثهن في الأنهار وأن جثث مئاتٍ من النساء المسلماتِ قد وجدت في نهرِ "جهلم" .. " (^١)
° ومن جرائمِ هؤلاءِ الكفَرَةِ عُبَّادِ البقر: تعليقُ الرجالِ والنساء في الأشجارِ من رؤوسهم حتى الموت أو الجنون.
° وذَكرت مجلة "آسيا واتش" الهنديةُ في تقريرها الشامل ِ في مايو ١٩٩١ ميلادية: قيامَ القواتِ الهندوسية يوم ٢٣ فبراير ١٩٩١ م باقتحامِ البيوت في قرية "كونان بوشبورا" والقيام باغتصابِ كافَّةِ النساءِ والفتيات من ١٣ إلى ٨٠ سنة.
_________________
(١) "مأساة إخواننا المسلمين في كشمير المسلمة" (ص ٥٠).
[ ٤ / ٤٦ ]
° وذكر الشيخ "أحمد القطَّان" أنه تَمَّ في يومٍ واحدٍ قَتلُ نصفِ مليون مسلم في وَضَحِ النهار بدون أن يَعلمَ العالَم، وقتَها كان العالمُ الإسلاميُّ غارِقًا في سماع أغاني كوكب الشرق وفيروز (^١).
* الهندوس واليهود:
التاريخُ يُعيدُ نفسَه .. مِثلما شَهِدَ اليهودُ للمشركين بأنهم أهدى سبيلًا وأضحُّ دينا كما قال الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١] … سافر "شيمون بيريز" -دَجَّالُ اليهود- إلى الهند، وقال هناك: "غاندي هو بمثابةِ نبيٍّ للإسرائيليين" (^٢).
أما موضوعُ مباحثاتِ "بيريز" مع القادةِ الهنود، فهو: "التصدِّي للأصولية الإسلامية"، ويؤكد القادةُ الكشميريُّون أن عددًا من جنرالاتِ الجيش الصهيوني يُشرِفون على حرب الإبادة التي يمارسُها الجيشُ الهنديُّ ضدَّ الشعب الكشميري (^٣).
° ولقد قال "بنيامين نيتانياهو" -أحد وزراء حكومة "شامير" السابقة- لصحيفة "هاآرتس" الصهيونية: "إن ديمقراطيةَ الهندِ وإسرائيلَ تُواجِهُ بربريةَ العرب والمسلمين في آسيا وأفريقيا" (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٧٦).
(٢) المصدر السابق (ص ١٣٣).
(٣) المصدر السابق (ص ١٥٢).
(٤) المصدر السابق ص (١٥١ - ١٥٢).
[ ٤ / ٤٧ ]
° ولا تعجبْ! فالكُفُر مِلةٌ واحدة .. "وعندما أرادت الهندُ أن تُمزِّق دولةَ باكستان، اختارت لجيشها قائدًا يهوديًّا، مع أن عددَ اليهود في الجيش الهنديَّ يتجاوز أصابعَ اليد الواحدة" (^١).
* تركستان المسلمة والدُّبُّ الروسيُّ عدوُّ الله ورسوله - ﷺ - القياصرةُ منهم والشيوعيون:
بلاد التُّركستان "وهي الجمهورياتُ الإسلاميةُ في الاتحاد السوفيتي سابقًا .. وهي "تركستان الغربية"، أما "تركستان الشرقيةُ"، فقد استولت عليها الصينُ عام ١٨٨١ م .. أما تركستان الغربية، فقد استمرت حروب الدبَّ الروسى لها مُتصلةً لفترةٍ دامت (٣٤٨) سنة، بدأت في عام (١٥٥٢ م) باحتلان "قازان"، وتوففت عام ١٩٠٠ م بالوصول إلى "بامير" على حدود الصين.
هذه الدولةُ التي دخلها الإسلامُ سنة ٢٣٢ هـ بإسلامِ خاقانها "ستوق بوغراخان" ووزرائِه وقوَّادِ جَيشِه، وأصبح دينُها الرسمي الإسلام، وكَوَّنت إمبراطوريةً عظيمةً خلالَ القرنيْن الرابعَ عَشَر والخامسَ عَشَرَ، وكانت "موسكو" تُسمَّى شيخة "الموسكوف" وحُكَّامها يدفعون الجزيةَ للمسلمين.
وتغيرَّت الأيامُ بإخلادِ المسلمين إلى التَّرَفِ والحياة الدنيا، وهَجَم عليها "إِيفانُ الرابع" -كناز موسكو- المدعو والمعروف بـ "إِيفانِ الرهيب" على رأسِ مئتَي ألفِ جُنديًّ وعددٍ كبيرٍ من رجالِ الدين والمهندسين المدنيين الألمانِ المستأجَرين بالمال، وحارَبَهم أهلُ قازان، ودام القتالُ أربعين يومًا،
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٥٣).
[ ٤ / ٤٨ ]
تَلِف فيه نِصفُ الجيشِ الروسيِّ المهاجِم، لكن تَمكَّن المهندسون الألمانُ من نَسفِ جُسور القلعة بالبارود، ثم احتلُّوها .. وبعد بِضعةِ أيام سَقطت "قازان" عاصمة الدولة الإسلامية في ١٥ أكتوبر سنة (١٥٥٢ م) (^١).
وانطلق الروسُ القياصرةُ الذين كانت مساحةُ بلادهم عام (١٤٣٠ م) لا تزيدُ على (٤٠٠٠٠) كم ٢، حَولَ موسكو .. انطلقوا بوحشيتهم البربريةِ الصليبيةِ حتى أخذوا من ديارِ المسلمين مساحةً تزيدُ على ١٠ مليون كم ٢.
° يقول عدوُّ اللهِ ورسوله - ﷺ - الجنرال الروسي -جَلاَّد "طَشْقَند" -عما شهده بأمِّ عَيْنه عند سقوطِ" طشقند": "إن مدينةَ "طشقند" كانت مستعدةً بأكياسِ الرِّمال في شوارعها، وكانت المقاومةُ عنيفةً جدًّا، وقد مات كثيرٌ من الناسِ وهم يُهاجِمون جماعاتٍ أو منفردين في شوارع المدينة، ولم يَستَسْلموا -بل ماتوا على أَسِنةِ الرِّماح-، ورأى جنودُنا "الروس" الذين اجتازوا الشوارعَ مقاومةً عنيفةً وقتالًا شديدًا، ولم تُبْسَطْ أيدينا على مجتمع "أوتاد" إلاَّ بعد أن سَبَحَ جنودُنا في بحارٍ من الدماء"!!! (^٢).
° جاء في كتاب "الخطر الإسلامي على الدولة السوفيتية" لمؤلِّفَيْه "ألكسندر بنيجست" و"ماري بروكسوب": "اعتُبرت روسيا" ثَغْرَ أوربا الشرقي، كما كانت أسبانيا "الأندلس" ثغر أوروبا الغربي -أي: دولة المواجهة مع المسلمين-، والتي تحمي أوربا من الخطر الإسلامي".
والتاريخُ الروسي يقومُ على مقولةٍ تَزعُم أن روسيا أَنهكت نفسَها في
_________________
(١) "تركستان بين الدب الروسي والتنين الصيني" (ص ٢٥ - ٢٦) - دار الدعوة بالإسكندرية.
(٢) المصدر السابق (ص ٣١ - ٣٢).
[ ٤ / ٤٩ ]
كفاح بطوليٍّ ضدَّ المسلمين دار عِدَّةَ قرونٍ، ولكنه لم يَذهبْ هَباءً، فقد أَنقذ هذا الكفاحُ أوروبا التي استطاعت -بفضل الحمايةِ الروسيةِ- أن تَمضيَ في تطويرِ حضارتها الرائعة، ولكنَّ الثمنَ كان فادِحًا، لأن روسيا تقهرُ برابرةَ آسيا!!!.
كان عليها أن تَهبطَ لمستواهم، وتتبنَّى أساليبهم مثل: الحكم الاستبدادي، والأساليب الهمجية، وفقدان الحريَّة ..
هذه هي الصورةُ التي تُقَدَّم في الأدب الروسي .. روسيا هي الفارسُ الذي قَتل التِّنين الآسيويَّ المسلم، وأنقذ "الأميرة" أوروبا، ومِن ثمَ للفارس حق السيادة على الأوربيين الصغار، وامتياز تحضيرِ الآسيويين الروس المتوحّشين مقابلَ الدَّورِ الذي لَعِبه في قهرِ المسلمين!!!.
ولكنَّ الحقيقةَ مخالِفةٌ لهذا الزعم تمامًا، فقد كان المسلمون في قِمَّةِ الرُّقِيِّ والحضارة، وكان الرُّوسُ في قمَّةِ التخلُّف.
ومنذ الغزو القيصريِّ الروسيِّ لبلاد التركستان إلى بدايةِ الثورةِ الشيوعيَّة، كان القياصرةُ الروسُ الصليبيون أعداءُ رسول الله - ﷺ - يَهدِفون إلى التخلُّصِ النهائي من المسلمين بالأساليب القذرةِ الآتية:
١ - الإبادةُ بالطردِ اجماعي، وهي سياسة قاسية بربرية، وقد استُخدمت مع قبائل الشركس، ومسلمي "أبخاذيان" وجزئيًّا مع تتارِ القِرْم الذي أُجِبروا على الهجرة إلى الدولةِ العثمانية عام (١٨٦٥ م) ليَحُل مَحِلَّهم الروسُ والجورجيُّون (١).
_________________
(١) انظر المصدر السابق (ص ٣٥ - ٣٦).
[ ٤ / ٥٠ ]
٢ - الإبادةُ بالقتل الجماعي، مثل المذابحِ التي قام بها الجنرالُ الصليبي القذر "سكوبولوف" ضدَّ التركمان عام (١٨٨١ م).
٣ - الابتلاعُ من خلالِ عملياتِ التنصير للمذهبِ "الأرثوذكسي"، وهي سياسةٌ طبَّقوها مع تتارِ "الفولجا" في القرنِ السادسَ عَشَرَ، ثم في القرن التاسعَ عَشَرَ.
لقد استخدم الروسُ أبشعَ وأحطَّ الوسائل مع المسلمين، وصُودرت أوقافُهم، واختَفى ما بين سنة ١٧٣٨ م إلى سنة ١٧٥٥ م (٤١٨) مسجدًا من مجموع ٥٣٦ مسجدًا، وكانت عقوبةُ الإعدام هي جزاءَ مَن يدعو إلى الإسلام، وما بين ١٨٦٥ م و(١٩٠٠ م) -أي خلالَ خمسةٍ وثلاثين عامًا- اعتنق أكثرُ من مئةِ ألف تَتَرِيّ المسيحيةَ قهرًا، وحين انتهى حكمُ القياصرة عام ١٩١٧ م، أصدر"لينين" أمرًا في إبريل عام ١٩١٨ بالزحف إلى البلادِ الإسلامية، وأخذت الدباباتُ تَحصِدُ المدنَ حَصدًا، وتدكُّ القِلاع والحصون، وتَهدِمُ البيوتَ والمنازلَ على رؤوسِ أصحابها.
وبعد استيلاءِ الشيوعيَّين على "القِرْم" عام ١٩٢٠ م، أَخذ الروسُ يطبَّقون سياسةَ الهدمِ والتهجير والتشريد الجماعيِّ لمسلمي القِرْم، التي كان عددُ سكَّانها في ذلك الحين يُقاربُ الخمسةَ ملايين نَسمةً، ونتيجةً للمعاركِ الدمويَّةِ والضغطِ السياسيِّ والحصارِ الاقتصاديِّ أُجبِر مسلمو القِرْم على الهجرةِ بغرضِ إيواءِ اليهود بدلًا منهم؛ ولم يَبْقَ من سكَّانِ البلاد بعد عام (١٩٤٠ م) سوى (٤٠٠.٠٠٠) مسلم.
لقد هُدِّمت المساجد والمدارس، وحُوّل بعضُها إلى كنائسَ، ولم يَبْقَ
[ ٤ / ٥١ ]
من (١٥٥٨) مسجدًا إلاَّ (٧٠٠)، حُولت مِن بعدُ إلى دُورٍ للَّهو، أو مَقَاهٍ، أو دورٍ للسينما والمسرح، أو مستودعاتٍ للذخائر، أو إستطبلاتٍ للخيول .. أو متاحف!!!.
° وجاء في "تقرير لينين" الذي نَشرته جريدة "أُزفتسيا" أن عدد الذين ماتوا من الجوع في القِرْم (٤٧.٠٦٩) فردًا.
° وجاء في أقوال "لينين" عن بلادِ القِرْم "المسلمين": "إن أكلَ لحم الإنسانِ لم يكن من الحوادثِ التي يُستغربُ لها، أو يبدو عجيبًا في بابه"!! (^١).
° وتفرق المسلمون في بلاد القِرْم بحثًا عما يَسُدُّ رَمَقَهم ورَمَقَ عيالهم .. حتى الحشائشُ والعشب، وإذا لم يَعثُروا على هذا ولا ذاك تساقطوا صرعى.
° وتقولُ بعضُ الروايات: "إن المجاعةَ وصلت إلى حدَّ أن بعضَ النساءِ كُن يقتُلْن أولادَهن ويأكُلْنَ لحومَهم، ثم يَجمعون العظام في ركن يَبكينها.
* أغربُ من الخيال: "ستالين" عدوُّ رسول الله - ﷺ - والمسلمين يَنفي ما يَزيدُ عن (١.٥) مليون مسلم عن بلادهم:
وصدر في ديسمبر عام ١٩٤٣، قرارٌ عن "مجلس السوفيات الأعلى" برئاسة "ستالين" عدوَّ رسول الله - ﷺ - ينص على ما يلي:
١ - جمهورية "شيشان" المتمتعةُ بالحكم الذاتي، والتي يَبلغُ عدد سكانها (٨٠٠،٠٠٠) نسمة.
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٦٢)، نقلًا عن "كارثة القرم" لولي شاه.
[ ٤ / ٥٢ ]
٢ - جمهورية "قرة- شاي بالقار" المتمتعةُ بالحكم الذاتي، والتي يبلغُ عدد سكانها (٣٥٠.٠٠٠) نسمة.
٣ - جمهورية "القِرْم" المتمتعةُ بالحكم الذاتي، والتي يبلغُ عددُ سكَانها (٤٠٠.٠٠٠) نسمة.
هذه الجمهورياتُ يجبُ محوُها لتعاونها مع العدو (^١)، وسكَّانُ هذه الجمهورياتِ من النساءِ والرجالِ والشيوخ والأطفالِ سيُطردون من بلادهم إلى المناطقِ الشمالية من روسيا (^٢).
وأصبح هذا القرارُ ساريَ المفعول في الثالث والعشرين من فبراير ١٩٤٤ م، وأذيع على العالَم في الخامس والعشرين من يونية ١٩٤٦ م.
فلعنةُ الله على "ستالين" الشيوعيَّ العَفِنِ الذي نفى أكثرَ من مليون ونصف مليون مسلم عن بلادهم إلى "سيبيريا" أكثرَ من ثلاثةَ عَشَرَ عامًا، فعادوا بعد موته في ٩/ ١/ ١٩٥٧ م.
° لقد قَدَّر بعضُ المراقِبين والمُطَّلِعين أنه تم إغلاقُ (٩٠.٠٠٠) مسجدٍ في جميع أنحاءِ الاتحاد السوفيتي، كما يقول "فور محمد خان" في كتابه "القصة الحقيقية لحياة المسلمين في ظِلَّ الحكم الروسي والصيني".
* أعداءُ اللهِ ورسوِله - ﷺ - من الروس -سواءٌ القياصرة أم البلاشفة-:
* "إِيفان الرهيب" (١٥٤٧ - ١٥٨٤ م):
تولَّى الحُكمَ في الفترة من (١٥٤٧ - ١٥٨٤ م) إيفانَ الرابع المعروف
_________________
(١) أي: الدولة العثمانية.
(٢) أي: يُنفَوْن إلى سيبيريا.
[ ٤ / ٥٣ ]
تاريخياًّ بإيفان الرهيب لدمويته، وقد قام باجتياحاتٍ كبرى للمناطق الإسلامية في القوقاز وآسيا الوسطى.
وفي عام (١٥٨٤ م) هاجَمَ الروسُ بقيادة "إيفان الرهيب" منطقةَ " القِرْم" إلاَّ أن استبسال تتارها ودَعْمَ العثمانيين لهم أفشَلَ الهجوم، وألحَقَ الهزيمةَ للمرةِ الأولى بإيفان الذي مات في العام نفسِه تُشيَّعه لعناتُ اللاعنين بما فعل بالمسلمين (^١).
* القيصر بطرس الأول:
"لمَّا ثارت "أستراخان" ضدَّ القيصر بطرس الأول، قَمَع ثورتَها بشدَّة، وارتكب مذبحةً رهيبةً بحقِّ المسلمين التتار" (^٢).
* الإِمبراطورة "تسارينا آنا" (١٧٣٨ - ١٧٥٥):
"في عهدِ هذه الإمبراطورة اللعينة، دَمَرَّ الروسُ في "قازان" وحدَها (٤١٨) مسجدًا ومركزًا دينيًّا من أصلِ (٥٣٦)، وشَنَّ القياسرة حَملاتِ اضطهادٍ ضدَّ المسلمين التتار في القوقاز، لدرجة أن المؤرِّخين يُشبِّهون تلك الفترةَ بفترةِ التطهير العِرقيِّ والديني التي شَنَّها "جوزيف ستالين" في العهد الشيوعي ضد المسلمين، وتنوَّعت أساليبُ القهرِ القيصري من قمع وتهجيرِ المسلمين، ثم فرضوا التنصيرَ القَسْريَّ، لقد كان القانونُ القيصريُّ يُحرَّمُ اعتناقَ أيِّ دينٍ غير المسيحية الأرثوذكسية، واستُبدلت السلافية بكل اللغات العربية والتركية والفارسية" (^٣).
_________________
(١) "محنة الشيشان" لشعبان عبد الرحمن (ص ٧٢) دار الوفاء.
(٢) "محنة الشيشان" لشعبان عبد الرحمن (ص ٧٢) دار الوفاء.
(٣) المصدر السابق (ص ٧٣).
[ ٤ / ٥٤ ]
* مرةً أخرى مع ستالين اللعين .. ومَن أَولى منه بقعر الجحيم؟!:
الدُبُّ الأحمر، لكأنَّا نوجِّه إهانةً مباشرةً إلى فصيلة الدُّبِّ، وأَوْلَى به أن يُوصفَ بأنها "خنزيرٌ أحمر"، وإن كان دونَ مستوى الخنازير، لفظًا ومعنىً، وشكلًا وحقيقةً، وعَرَضًا وجوهرًا.
لقد وَلَغَ في دماءِ المسلمين -في روسيا- كالكلبِ العقور .. ففي أقلَّ من نصفِ قرنٍ، لَقِيَ أكثر من عشرينَ مليون مسلم مصرعهم، وتقولُ الأحصائيات: إن "ستالين" وحدَه خلالَ حُكمِه الذي دام زُهاءَ ثلاثين عامًا، قَتَل اكثَرَ من أحَدَ عَشَرَ مليون مسلم، لقد كان هذا الكلبُ العقورُ لا يتلذذُ إلاَّ بالقتل الجماعي، وبمنظرِ حماماتِ الدم التي كان يُشرِفُ عليها (^١).
وليلهُ ليلُ سُكرٍ وعَربدةٍ:
° وبرغم ذلك كتب الأستاذ "خالد محمد خالد" في جريدة "المصري" إثر هلاك الطاغية في الرابع من مارس ١٩٥٧ م مقالًا إضافيًا تحت عنوان "طبتَ حَيًّا وميَتًا يا ستالين! " (^٢).
° ستالين الذي كان التهجير الثاني في فبراير ١٩٤٤ م لأهل الشيشان إلى سيبيريا على يديه، "وكان التهجير إلى مناطقِ سيبيريا القارة المتجمِّدة والتي تَصِلُ درجة الحرارةِ فيها إلى (٥٠) درجةً تحت الصفر، ففي الشعب الشيشاني كلِّه (١.٢ مليون)، وقد مات (٥٠%) من الشعب الشيشاني أثناءَ
_________________
(١) "الذين طغوا في البلاد" (ص ١١٥ - ١١٦) لمحمد عبد الله السمان -الكلمة المطيبة- للنشر والتوزيع.
(٢) المصدر السابق (ص ١١٧).
[ ٤ / ٥٥ ]
هذا التهجيرِ القَسْريَّ من الأطفال والنساء بسبب سياسةِ التجويع حتى الموت، لقد كانت وسائلُ التهجير في غايةِ القسوة، فقد جُمع الشعبُ الشيشاني ُّبأكملِه في محطاتِ القطارات دونَ السماح لهم بحَمل أي شيءٍ من المتاع مجردين من كل شيءٍ -حتى المال- تحت طلقاتِ الرصاصِ وتهديدِ الحراب، وحُشِر الناسُ في عرباتِ القطارات الخاصةِ بالبضائع والحيواناتِ إلى أراضي البراريَّ في شَمالِ جمهورية "قازاخستان" دونَ طعام ولا ماءٍ ولا كساء، وكلُّ مَنْ يرفضُ تنفيذَ الأوامر يُقتلُ مباشرةً أمامَ الناسِ بوحشيةٍ تُرْهِب مَن يَرى ويسمع .. أما أهالي الجبال -أصحابُ العزائم الشديدة-، فقد جُمِعوا في إسطبلات الخيول، وسُكِب عليهم البترولُ وأُحْرِقوا أحياءً، ومِن بين المواقع التي أُحْرِق فيها أعداد لا حَصْرَ لها قريه "خيباخي" التي ما زالت شاهدةً على هذه الأحداثِ الجِسام" (^١).
° قال هذا الدبُّ الأحمر "ستالين" في أُخريات حياته: "انتهيتُ أنني لا أثقُ بأحدٍ حتى ولا بنفسي" (^٢).
° فلعنةُ الله على هذا الصليبي الشيوعيَّ ستالين.
_________________
(١) "محنة الشيشان" لشعبان عبد الرحمن (ص ٧٥، ٧٦). و"الشيشان بين المحنة وواجب المسلمين" لمصطفى دسوقي كسبة- هدية مجلة الأزهر لذي القعدة ١٤١٥ هـ (١٠٤) "تاريخ النفي ورد في خطاب خرتشوف السِّري- فبراير ١٩٥٦ م- كان في مارس ١٩٤٤ م، وتقول المصادر الغربية: إنه كان في ٢٠ فبراير عام ١٩٤٤ م.
(٢) "ستالين" لبسام العسيلي نقلًا عن "الذين طغوا في البلاد" (ص ١١٨).
[ ٤ / ٥٦ ]
* وا إِسلاماه .. وا إِسلاماه:
* مسلمو البُشناق -البوسنة والهِرْسك وكوسوفو-، ووحشيَّةُ الصِّرْب والكُرْواتِ الصليبيين أعداءِ الله ورسوله - ﷺ -:
الصليبيون في البوشناق من القديم هم وحوشٌ ضوارٍ وأفاعٍ، وذئابٌ وثعالب، بلغوا أقذَرَ درجاتِ الانحطاطِ البهيمي .. أقاموا من المجازر ما يَعجِزُ الخيالُ عن تصوَّرِه .. هم أعداءُ رسول اللهِ - ﷺ - حقًّا، وإنْ لم يكونوا هم أولَ أعدائِه، فليس على ظهرِ الأرض للرسول - ﷺ - عدوٌّ، هم الذين أذاقوا مسلمي البوسنةِ والهِرسك وكوسوفو أشدَّ أنواع العذاب في الدنيا في هذا القرن .. هم الذين اغتصبوا النساءَ جماعيًّا .. إن رجالَ الدينِ الارثوذكس كانوا هم أنفسُهُم يُحرضون الجنودَ على اغتصابِ المسلمات .. وللعلم، فإن الصربَ الأرثوذكس تابعون لكاتدرائيةِ الإسكندرية وللبابا شنودة!!.
° تقول إحدى الصبايا المسلمات التي اعتُدِي عليها مخاطِبةً العالَم الإسلاميَّ: "إنْ عَجزتُم عن مَدِّنا بالسلاح للدفاع عن شَرفِنا وديننا، فأمِدُّونا بحبوبِ مَنع الحمل حتى لا تتعاظمَ المصيبة" (^١).
° والمقابرُ الجماعيةُ التي ستظلُّ وصمَةَ عارٍ لأوربا الصليبية، كلُّها أقذرُ من محاكم التفتيش.
_________________
(١) انظر "ملحمة البوسنة والهرسك الجريمة الكبرى" للدكتور عدنان النحوي (ص ٩٦) -دار النحوي-، و"البوسنة والهرسك- القضية والمأساة" لعبد العزيز المهنا، وكتاب "الصراع في يوغوسلافيا ومستقبل المسلمين" لعبد الله عاصم إسمايتش.
[ ٤ / ٥٧ ]
لِنرجعْ إلى الوراءِ قليلًا، ونسألِ التاريخَ عن قذارةِ الصربِ والكُرْوات.
° قبل الحربِ العالميةِ الثانية تم هدم (١٧٠ ألف) مسجد، وقُتِل (٢٤ ألف) مسلم، وتَشَرَّد مئات الآلاف من المسلمين.
° وقد نَشرت صحيفةُ "لوتون" الفرنسية في أحدِ أعدادِها الصادرة في أبريل سنة (١٩١٩ م) حديثًا لرئيسِ العلماء المسلمين في يوغسلافيا قال فيه: "إنه في السَّنةِ الأولى من حُكم الصِّرب تم إحراقُ وتدميرُ (٢٧٠) قرية، وقَتلُ آلافِ المسلمين" (^١).
* الصليبيُّ مَلِكُ الصرب "كرال بيتر":
تتحدثُ الوثائقُ والبياناتُ الدقيقةُ عن المجازِرِ البشعةِ الكثيرةِ التي ارتُكِبت بحقِّ مسلمي كوسوفو والبوسنة في تلك الفترةِ بقيادة مَلِكِ الصِّرب "كرال بيتر" .. وإليك واحدةً من تلك المجازِرِ البشعةِ الكثيرةِ التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى.
° يَروي عالِمٌ يوغسلافيٌّ مشهورٌ "برانكو هورفان" -وهو كرواتي من "زَغْرب"- في كتابه "مسألة كوسوفو": "أن مَلِكَ يوغسلافيا في الفترة ما بين الحربيْن مَرَّ في طريقه من "كوسوفو" إلى "ماكدونيا" بحَشدٍ من المسلمين تحتَ رقابةِ الجنودِ الصربيِّين، فسأل مساعديه: مَن هؤلاء؟ قالوا: إنهم مسلمون. قال: إن هؤلاء لا فائدةَ للملكة منهم، ويجبُ أن يُبادوا جميعًا،
_________________
(١) "جمهورية البوسنة والهرسك والحقد الصليبي الصهيوني على المسلمين" لأم القعقاع (ص ٣١) - دار ابن الجوزي ..
[ ٤ / ٥٨ ]
ولكنْ مِن دونِ أن نخسَرَ تَكْلِفَةَ الذخيرةِ والرصاص، اقتُلوهم بالخَشَبِ على حافَةِ الطُرقات .. ونُفِّذت أوامرُه على الفَورِ، فكانت المجازرُ الجماعيةُ سلوكًا عاديًّا في تلك الفترة" (^١).
وما زال المسلمون المتقدَّمون في السَّن يَذكُرون مواقعَ بعضِ هذه المجازِرِ التي لم يكنْ عددُ الضحايا فيها يَقِلُّ عن ثمانيةِ آلافِ مسلم في المذبحة الواحدة من المذابح الكثيرة، كان الجيشُ الصربي يمر ببعضِ القُرى المسلمة فيحرقُها بكل ما فيها من بَشر وحيواناتٍ ومنازل .. وفي مناسباتٍ أخرى كانوا يصُفُّون الذكورَ ويَعدِمُونهم جميعًا دونَ استثناء.
وعلى صعيدٍ آخَرَ هدموا مساجدَ المسلمين، وحَولوا بعضَها إلى ملاهٍ، وانتهكوا مقابرَهم، وحوَّلوها إلى ملاعبِ كرة (^٢).
* مذابحُ للمسلمين في الحرب العالمية الثانية مِن قِبلَ عِصَابات "التشتنيك" الصربية والصليبي "دراجا ميخائيلوفتش" وزير حربية يوغسلافيا عدوُّ الله ورسوله - ﷺ -:
عندما دخلت القوَّاتُ الألمانية وسائرُ قواتِ "المِحور" في الحربِ العالمية الثانية أراضي "يوغسلافيا"، ونشأ عن ذلك تشكيلُ مجموعاتِ مقاوَمةٍ تمثَّلتْ في قِسْمَيْن: الجيش اليوغسلافي أو "التشتنيك"، و"جيش التحرير الوطني" يقوده "جوزيف بروز تيتو" -الكرواتي الأصل- الذي أصبح أمينًا عامًّا للحزب الشيوعي، وتكوَّنت قوةٌ ثالثةٌ هي "الأستابشا"، وهي حركةٌ
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣١).
(٢) المصدر السابق (ص ٣١ - ٣٢).
[ ٤ / ٥٩ ]
مؤيدةٌ للنازية، ودار التنافس بين هذه القُوى الثلاثُ، وأدَّى ذلك إلى حربٍ أهليةٍ نفَّذت فيها عمليات إبادةٍ منهجيةِ ضدَّ المسلمين، حتى بَلَغ عددُ الضحايا التي قَتَلها "التشتنيك" بحدود نصفِ مليون شخصٍ في البوسنة والهرسك وسنجق وكوسوف كما يذكر الأستاذ "عبد الله عاصم" في كتابه (^١)، ولكنَّ الأرقامَ تختلفُ من مصدرٍ إلى مصدر، وربمَّا كان العدد النصفُ مليون يمثلُ الضحايا في المناطق كلَّها.
° ويذكر سماحةُ الحاج "محمد أمين الحسيني" في كلمته عن البوسنة والهرسك في مجلة "فلسطين" أن عددَ القتلى أَرْبَى على مِئتَيْ ألفٍ، وأن هذه الفاجعةَ كانت بتوجيهِ "دراجا ميخائيلوفتش" وزيرِ حربية يوغوسلافيا ورئيسِ العصابات الصربية للقضاء على المسلمين في "سنجق بني بازار"، وعلى المسلمين والكاثوليك في "البوسنة والهرسك"، وذلك على إِثْرِ الخلافِ الشديد بين الصرب وكرواتيا ورغبةِ كلِّ منهما بالتوسُّع وضمِّ عناصِرِهم الموزعين في البوسنة والهرسك وغيرها إليهم.
لقد استَنجد أهل البوسنة والهرسك آنَذَاك بكلِّ مَن يعرفونه لمساعدتهم على النَّجاةِ من المجازِرِ المروِّعة التي يرتكبها الصَّرب ضدَّ المسلمين العُزَّل، فاتَّصلوا بسماحةِ مفتي فلسطين الحاج "محمد أمين الحسيني" … واهتم سماحتُه بالأمر أثناءَ وجودِه في ألمانيا، ويقول سماحته: "لقد كنتُ في روما في ١٩ كانون الأول سنة ١٩٤٢ م، حينما اتَّصَل بي السيد "مصطفى بوصولا جيتش" البوشناقي الطالبُ في جامعة روما، وأنبأني بالمجزرةِ
_________________
(١) "الصراع في يوغوسلافيا" (ص ٣١ - ٣٥).
[ ٤ / ٦٠ ]
الوحشيةِ التي اقترفت ضدَّ المسلمين في منطقتي بوسنة وهرسك من قِبَل عصابات "التشتنيك" الصربية، ثم تتابعت الأنباءُ المُحزِنةُ تفضِّلُ تلك الفظائعَ الرهيبة" (^١).
وكان للشيخ "أمين الحسيني" جَهْدٌ مشكور مع الحكومةِ الألمانيةِ والإيطالية، ووافقت الحكومةُ الألمانية على تجنيدِ الشُّبان المسلمين وتسليحِهم للدفاع عن أنفسِهم وعن عائلاتهم داخل بلادِهم، وتكوَّنت فِرقتانِ مدربتانِ: فرقة "خنجر" وفرقة "قاما"، بلغ عددُ جنودهما ٣٧ ألفًا، كما تكونت فِرَقٌ من الشرطة والحرس، حتى بَلغ مجموعُ المجاهدين كلِّهم بحدودِ مئةِ ألفٍ .. وقفت هذه القوى في وجه السَّفَّاح "ميخائيلوفتش" قائدِ المجازر والمذابح، لما حاول العودةَ إلى الاعتداء على المسلمين، فاستطاعوا بذلك إيقافَ المجازِرِ عن جميع مسلمي البَلْقَان، وقد كتب سماحة المفتي الحاج "محمد أمين الحسيني" إلى "مصطفى النَّحاس باشا" يُطلِعُه على تفاصيل عملياتِ الإبادة، ويَطلُبُ منه التدخلَ مع مَلِك يوغوسلافيا الملك "بطرس" الذي كان مقيمًا في مصر، فقام مصطفى النحاس بجَهدٍ طيِّب، وزار المَلِك، وهدَّد بإخراج جميع اليوغوسلافيين من مصرَ إذا استمرت هذه الاعتداءات .. ولقد كان "ميخائيلوفتش" من أتباع المَلِك" (^٢).
لَعَن الله ميخائيلوفتش وأسكنه الله سقر جزاءَ ما فَعل بأتْباع رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) "ملحمة البوسنة والهرسك" (ص ٧٠، ٧١).
(٢) انظر المصدر السابق (ص ٧١ - ٧٤).
[ ٤ / ٦١ ]
° ونُشيرُ هنا إلى واحدةٍ من المذابح التي تعرَّض لها المسلمون أثناءَ الحرب العالمية الثانية -وذلك في شهر سبتمبر سنة ١٩٤١ م حين كان الرجالُ في الحربَ، قام الصرب -الذين يُكِنُّون للمسلمين حِقدًا وغِلاًّ شديديْن- بَجمع حوالَي تسعةِ آلافِ مسلم ومسلمةٍ من النساء والأطفال والشيوخ من بعضِ المدن، ثم حَشَدوهم في سهل "فوجا"، وأطلقوا عليهم النار، فقتلوهم جميعًا، ثم الْقَوْا بهم في نهر "درينا"، ثم كَرَّروا المذبَحةَ مرَّةً أخرى في شهر ديسمبر مع ما يَقرُب من (٣٠ ألف) مسلم آخَرين، حيث كانت درجة الحرارة عِشرين تحتَ الصِّفر، ومارسوا معهم أشدَّ أنواع العنف، حيث كانوا يَفتِكون بالأطفال، ويَبقُرُون بطونَ النساء، ثم يلقُونهم في النهرِ الذي تحوَّل إلى مقبرةٍ مثلَّجةٍ مغمورةٍ بدم المسلمين الأبرياء.
لقد كانت الحربُ العالميةُ الثانية من سنة (١٩٤١ م- ١٩٤٥ م) -والتي راح ضحيَّتَها مئاتُ الآلاف من المسلمين في إبادةٍ جماعيةٍ من سفاحين وقَتَلَةٍ من تشتنيك الصرب واستاش "منظمة فاشية كرواتيه ينظمها اليهودُ"- من أخطرِ المراحل للمسلمين في يوغسلافيا.
وعلى سبيل المثال نَظَّم الجنرالُ الصربيُّ "ميخائيلوفتش" في (٢٠/ ١٢/ ١٩٤١ م)، عملياتِ قمع وإبادةٍ رسميةً بأمر رسميٍّ منه برقم (٣٧٠)، وذلك غدرًا بالمسلمين، حيث أَمَر عصابته بذَبح المسلمين عن بَكْرةِ أبيهم، وخلالَ بضعةِ أيام ذُبح من المسلمين (أ ١٥٠ لف شهيد) -منهم الأطفال والنساء والشيوخ والشباب-، ومَن لم يَمُتْ ذبْحًا مات غَرَقًا أو تحتَ الأنقاض أو حَرْقًا.
[ ٤ / ٦٢ ]
° وتكوَّنت منظمةٌ عالمية للتنصير في أوربا، وقال رئيس المنظمة آنَذَاك -ويُدْعى "جورج"-: "ينبغي محاربةُ الإسلامِ في نفوسِ المسلمين المقيمين في أوربا".
° وقال أيضًا: "إنَّ الملايينَ العشرةَ من المسلمين المقيمين في أوربا هدية بَعَثها اللهُ لنا".
وخَرجت وسائلُ الأعلام توعِزُ لمن تبقَّى من المسلمين بعدَ هذه المجازر باعتناقِ المسيحيةِ حرصًا على سلامتهم (^١).
° لقد مارس الصربُ والكرواتُ الشيوعيون والصليبيون مع المسلمين كلَّ ما تفتَّق عنه الذهنُ الشيطاني للتنكيل بهم.
* هذا أول قربان في هذا العيد:
لما دخلت الكتائبُ الصليبيةُ مدينةَ "فوتشا بوم" يومَ عيدِ الأضحى سنة (١٩٤٢ م)، أخذ أميرُ الكتائبِ مفتي المدينة، وثَبَّت سنابكَ الخيل على رِجْلَيِ المفتي بالمسامير، ثم رَكِبَ ظَهرَه إلى المسجد حيث ذَبح المفتي على عتبةِ المسجد قائلًا: "هذا أولُ قربانِ في هذا العيد" (^٢).
* مذابحُ على نهر "درينا"، وتجميدُ الكاتبِ الشيوعي "إِيفوندريس" صاحبِ جائزة "نوبل" عدوّ الله ورسوله لها:
قتل الصِّربُ على جسور نهر "درينا" في يومِ عيد الأضحى سنة (١٩٤٢ م) حوالَي (٢٢ ألف) مسلم، كما قتلوا إبَّانَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ ما
_________________
(١) "جمهورية البوسنة والهرسك" (ص ٣٢ - ٣٤).
(٢) "جمهورية البوسنة والهرسك والحقد الصليبي الصهيوني على المسلمين" (ص ٥٧).
[ ٤ / ٦٣ ]
يَزيدُ على (٢٤٠ ألف) مسلم في نفس المنطقة .. ووراءَ هذه المجازر الأصابعُ اليهودية" (^١).
فقد كتب أحدُ كُتَّابِ اليهود -وهو الكاتبُ الشيوعي "إيفوندريس" كتاب "جسر على نهر درينا" وقد طُبع للمرة التاسعةِ حتى سنة ١٩٥٣ م، وتُرجِم الكتاب إلى لُغاتٍ كثيرة، ونال الجائزةَ اليهوديةَ المسمَّاة "نوبل" ولا عجَب أن يَلقى الكتابُ كلَّ هذه الدعايةِ والرَّوَاج إذا عَلِمنا أنه يتهجم على الإسلام والمسلمين، وخاصةً شعبَ البُشناقِ البطل الذي صَوره الكاتب اليهوديُّ أشنعَ تصوير، ناسبًا لهم وللإسلام الأعمالَ الوحشية، معتمدًا على الأكاذيبِ والخُرافات، وقد سارعت السلطات اليوغسلافيةُ الشيوعيةُ إلى تشجيع الناس على اقتناءِ الكتاب، بل وسَخَّرت صحافاتِها وإذاعاتِها للإطراء على الكاتب الذي حَبَّذَ القتلَ الجماعيَّ، وأشاد بالمذابح التي ذهب ضحيتَها عشراتُ الألوف من البشناق المسلمين، وبارك ذبح المسلمين (^٢).
° يقول الكاتب الدكتور عدنان النحوي: "وفي بداية نوفمبر سنة ١٩٢٤ م، وقعت أبشعُ جرائم الإبادةِ في قُرى "صاهوبيتش" و"بافينو بوليا" في مقاطعة "بيلوا بوليا"، حيث ذَبح رجالُ الجبل الأسود (٦٠٠) مسلم في ليلةٍ واحدة، كانت أجسامُ الرجال الأحياءِ تمزَّق، والعيونُ تُخرق، والآذانُ تُقطَع، وأجزاءُ من الجسم تُفصل، والأجهزةُ الداخليةُ -كالمَعِدة وغيرها- تُخرج، وتُرسَمُ علامةُ الصليبِ بالسكاكين على الأجسام (^٣) .. ثُمَّ يَتبعُ ذلك
_________________
(١) "الدعوة"- ٢٠ شوال سنة ١٤١٢ هـ.
(٢) "جمهورية البوسنة والهرسك" (ص ٧٣ - ٧٤).
(٣) نفس المصدر (٨٧ - ٨٨).
[ ٤ / ٦٤ ]
احتفالاتٌ حيوانيةٌ يقيمها المجرمون (^١).
ومن الوسائل البشعةِ للتعذيب: سَلخُ جِلدِ الوجهِ والرأسِ والظَهرِ للمرأة المسلمة، إشارةَ من الصرب المجرمين إلى انتقامهم من حِجابِ المرأةِ المسلمة .. وكذلك سَلْخُ جِلدِ اليدين إشارةً إلى انتقامهم من وضوءِ المسلم وغَسل يديه عند الوضوء (^٢).
وذُبح المسلمون على ضفافِ نهر "درينا"، حتى يُظهِر لهم المجرمون الصربُ أنه لم يَعُدْ لهم جُسورٌ تَربِطُهم بالمستقبل.
وكان يُلقَى بالمسلمين أحياءً في آبارٍ طبيعية، وُيضربُ الأطفالُ الضعفاءُ على الصخور، وُيذبَحُ بعضُهم وُيلقى في الأنهار، أو تُلقَى الجُثَثُ دون دفنٍ أشهرًا عديدة.
أعدادٌ كثيرة من الناجين لا يُعرف مصيرُهم، قَصَصٌ مُرعبة تقشعر منها الأبدان، وتَشيبُ لهولها النواصي، وترتجفُ القلوبُ وتتجَّمدُ الدماء، وتتكتَّمُ العناصرُ الصربيةُ على هذه الجرائِم، وتُعاقِبُ مَن يحاولُ الإشارةَ إليها، وتُزيلُ آثارَ أماكنها، وعجيب لهم -وهم يَدَّعون انتسابهم لدينٍ- ألاَّ يعلموا أن اللهَ يراهم ويَعلمُ سرهم ونجواهم، وأن الحسابَ الحق عنده والعذابَ الشديدَ للمجرمين يوم القيامة؟!.
نَبَشوا قُبورَ المسلمين وأزالوها، وحَرقوا الكُتبَ، ودمَّروا المكتبات،
_________________
(١) "البوسنة والهرسك" لوكالة الأنباء الإسلامية (ص ١٦)، و"ملحمة البوسنة والهرسك" (٧٨).
(٢) المصدر السابق (ص ٢٢)، و"ملحمة البوسنة والهرسك" (ص ٧٨، ٧٩).
[ ٤ / ٦٥ ]
وغيَّروا أسماء الشوارع.
* عدوُّ اللهِ ورسولهِ القِسيس الشاعر "نيقوس" وديوانُه "انتقام الجبل":
لقد سَجَّل القسيسُ الشاعر "نيقوس" في ديوانه "انتقام الجبل" -أي: الجبل الأسود- الأعمالَ الإجراميةَ التي قام بها الصربُ مُنطلِقين من الجبل الأسود .. هذا القِسيسُ يُسوِّغُ كل جرائم الذبح في المسلمين مثيرًا كل النعراتِ الجاهلية، وأهدى ديوانَه هذا إلى القائدِ الصربيِّ الأعلى لأولِ عُدوانٍ صربيٍّ ضدَّ مُسلِمي البوسنة، وأسوأُ حالاتِ الإبادة لمسلمي البوسنة كما صوَّرها ديوان "انتقام الجبل" وَقعت عشيةَ رأسِ السنةِ الأرثوذكسية .. أيُّ دينٍ هذا؟! أيُّ عِيدٍ هذا؟! أي حضارةٍ هذه؟! وظَلَّت ذكرى ليلةِ رأس السنة الأرثوذكسية يُحييها الصربيون بمذابحَ جديدةٍ في المسلمين كلَّما واتتهمُ الفرصةُ لذلك، وخاصةً خلالَ سِنِي الحربِ العالمية الثانية (١٩٤١ م -١٩٤٥ م) (^١).
لم تكن أعمالُ التصفية مقتصرةً على مُسلمي البوسنةِ والهرسك، ولكنها طالت المسلمين في كلِّ أرضِ البَلقان، حيث كانت أيدي النصارى الصربِ تنالُهم، ففي (٨/ ١/ ١٨٠٧ م) دخل المجرمون الصربُ مدينةَ "بلغراد"، وأشعلوا المذابحَ بالمسلمين وغيرهم، وهَدموا المساجدَ والمدارسَ والقبورَ، ولم تَشهَدْ بلغراد ليلةً مِثلَ تلك الليلةِ في تاريخها المليءِ بالمآسي (^٢).
_________________
(١) "البوسنة والهرسك" لوكالة الأنباء الإسلامية (ص ١١ - ١٢).
(٢) "ملحمة البوسنة والهرسك" (ص ٧٧ - ٧٨).
[ ٤ / ٦٦ ]
* السَّفَاحُ الكُرْوَاتيُّ "تيتو" جَزَّارُ المسلمين الشيوعي عدوُّ رسول الله - ﷺ -:
في عام (١٩٤٥) م أصبحت يوغوسلافيا جمهوريةً شيوعيةً تحت قيادة "تيتو"، وهنا بدأ فصلٌ جديدٌ من العنف والإرهاب ضدَّ المسلمين، فقد خَدَع المقاطعاتِ الإسلاميةَ، ومنَّاها بالاستقلال بعد الحرب، وقاتَلَ المسلمين حتى انتصر الحلفاءُ ومعهم "تيتو"، فكانت المكافأةُ أنِ اعترف "تيتو" بالاستقلالِ الذاتي لجمهوريات يوغسلافيا وبقومياتها ما عدا المسلمين في البوسنة والهرسك، واعتَرف بقوميةِ الصِّرب والكروات، وتجاهَلَ قوميةَ البشناق المسلمين .. كان الجميعُ يتمتعُ بحرياتِ شخصيةٍ ما عدا المسلمين الذين كانت تُقام ُلهم المجازرُ بلا سبب، وكان يزجُّ بهم في السجون بتُهَمٍ مُفتَعَلة، ففي سنة (١٩٤٧ م) حَكم على اثنَيْ عَشَرَ عالِمًا بالسَّجن مُددًا تتراوحُ بين سنتين وخَمْسَ عَشْرةَ سَنةً مع مصادرة أملاكهم.
وفي سنة (١٩٤٩ م) حُوكم بعضُ الشباب المسلم بتهمةِ "محاولة قَلبِ نظام حكم تيتو"، وأُعدم منهم مَن أُعدم، وسجن كثير منهم حيث قاسُوا داخلَ السجون صنوفًا من العذاب، فأُصيب بعضهم بالجنون والبعضُ الآخر بالعَمَى، أو تكسير العظام، وكلُّ ذنبِهم أنهم تنادَوا فيما بينهم بإقامة شعارِ الإسلام وتركِ الإلحاد (^١).
وفي ظل الحكم الشيوعي أُلغي ما كان يُسمَّى بمجلس العلماء المسلمين في كلٍّ من سيراييفو واسكوب والجبل الأسود وبني بازار.
_________________
(١) "محاضرة الطالب اليوغوسلافي" في جامعة أم القرى.
[ ٤ / ٦٧ ]
وكان للمسلمين أربعَ عَشْرَةَ مدرسةً ثانويةً، واحدةٌ منها للبنات في سيراييفو سنة (١٩٣٣ م) ومدرسة شرعية ثانوية، وأكاديمية إسلامية لإعداد المثقفين كلُّها أُلغيت.
كان للمسلمين محكمة شرعية في كل مركز يضمُ عددًا من المسلمين يتجاوز الخمسةَ آلاف، وكانت صِلتهم بالأزهر الشريف والعالم الإسلامي قويةً، ولكنْ في عهدِ الحُكم الشيوعي أُلغيت المحاكمُ الشرعيةُ، ومُنع تحكيم الشرع الحنيف في مسائل الأحوال الشخصية والمواريث.
وصُودرت المجلات والصحف الإسلامية.
ومن القوانين التعسُّفية التي أصدرتها الشيوعية: قانونُ إجبار المسلمات على السفور، وتشجيعُ الفتياتِ المسلمات على الفساد والانحلال (^١)، وصدورُ قانونِ إرغام المسلمين -سواءٌ في الجيش أو منازلِ الطلبةِ وكتائبِ العمل- على أكل لحم الخنزير وشَحمِه، وصدورُ أوامرَ بهدمِ المساجدِ أو استخدامِها كمخازنَ للغلال أو لأغراض ٍأخرى، ولا بد من الإشارةِ إلى وسائل التعذيبِ التي استخدمها الشيوعيون ضدَّ المسلمين الذين أوقعهم سُوءُ حظَّهم تحتَ الحُكم الشيوعيَّ الباغي (^٢).
وتجدُرُ الإشارةُ إلى أن هذه الوسائلَ الوحشيةَ هي مِن وَحيِ التوراة والتِّلمود، وهي من صُنع اليهود، وتدلُّ على أن أصابعَ الصهيونيةِ الخفيَّةِ وراءها.
_________________
(١) نشرة من هيئة الإغاثة العالمية.
(٢) "الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام" عبد الله التل (ص ١٢٢ - ١٢٣).
[ ٤ / ٦٨ ]
نُهبت أموالُ المسلمين وأراضيهم، وسَلِمت للنصارى الأرثوذكس، ثم بدأت أعمالٌ تَهدِفُ إلى إفقارِ المسلمين، وإجبارِهم على اعتناقِ المسيحية، أو الرحيل عن البلاد (^١).
لقد هاجر قُرابةُ ستةِ ملايين مسلم بعد الحربِ العالمية الثانية من يوغوسلافيا فرارًا بدينهم (^٢).
أُعدَّ برنامجٌ لإرغام المسلمين على الإلحادِ بالقوةِ والقهر، ومَن يَرفُضُ الارتدادَ عن دينه يُقتل.
كما أُلغيت المدارسُ الخاصة بالمسلمين، والتي كانت تُنفِقُ عليها الأوقافُ الإسلاميةُ، والمدارسُ الثانويةُ التي يُعنى فيها بتدريسِ العلوم الدينية عنايةً كاملة، وأُلغيت الكتاتيبُ، وكان عددُها قبل الشيوعية (٨٩٧) تضمُّ (٤٣) ألف طفل و(٩٤٦) معلمًا سنة ١٩٣٥ م.
وهذه نصُّ المذكِّرة التي رَفعها رئيسُ جماعةِ "الكفاح لتحرير الشعوب الإسلامية" إلى الأمم المتحدة:
° "نتشرَّف بَرفع هذه الشكوى إلى هيئتكم الموقَّرة، باسم الشعوب الإسلامية التي تَرسُفُ في أغلالِ الذُّل والعبوديةِ تحتَ وطأةِ الحُكم الشيوعي الذي امتدَّ سلطانُه حتى شَمِلَ البلادَ الواقعةَ بين شِبهِ جزيرةِ البَلْقان والمحيط الهادي.
_________________
(١) "محنة الإسلام في يوغوسلافيا" -نشرة رقم ١٧ - بيروت سنة ١٩٦٢ م (ص ١٤).
(٢) شريط كاسيت -محاضرة للشيخ "سلمان العودة" عن أوضاع المسلمين في البوسنة والهرسك.
[ ٤ / ٦٩ ]
ويُقيمُ على هذه الرُّقعةِ اكثرُ من مئةِ مليون من المسلمين في أحوالٍ وظروفٍ تفوقُ في فظاعتها وقسوتِها أظلَمَ عصورِ التاريخ الغابرة (^١).
حتى إن الأجيالَ المُقبلةَ ستستحي وتخجلُ من مدنيَّتِنا الحديثةِ المعاصِرة، ومِن نُظُمِنا السياسية والخُلقيةِ والفلسفية جميعًا، عندما نذكر هذه الظروفَ القاسيةَ التي يَعيشُ فيها مئةُ مليون من بني الإنسان، دون أن تتحركَ الهيئاتُ العالميةُ لنجدتهم .. تلك الهيئاتُ التي أُسَّست لحمايةِ الكرامة الإنسانية، ولضمانِ أبسطِ الحرياتِ التي نؤمن وتؤمنون معنا بوجوبِ توفُّرِها للناس أجمعين من غيرِ نظرٍ إلى دينهم أو جِنسِهم أو لَونِهم أو لُغتِهم، فإن هناك قاسِمًا مشتركًا بين بني البشر جميعًا -وهو الإنسانية-، إننا نجأرُ بالشكوى لدى هيئتِكم الموقَّرة ضدَّ نظامِ الحكم المفروضِ بقوةِ السلاح على هؤلاء الناس، وهو نوعٌ من الحكمِ يَسعى إلى هدم كلِّ ما بَنَتْه يدُ الإنسان منذ آلافِ السنين، ويحاولُ أن يدوس بأقدامِه كل ما قَدَّسَتْه الإنسانيةُ منذ القِدم ليخلقَ عالمًا جديدًا خاليًا من الاعتقادِ بالله، لا عبادةَ فيه إلا للقوة الغاشمة والمادة الفانية.
إن أكثرَ من مئةِ مليون من المسلمين مُهدَّدٌ كِيانُهم في بلادٍ كانت يومًا ما مركزًا للحضارة الإسلامية -بل الحضارة العالمية جمعاء-".
وهذه أمثلةٌ لاضطهادِ المسلمين الذين دأبت الشيوعيةُ على مَحوِ معالِم دينِهم ومدنيتِهم.
_________________
(١) "الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام" عبد الله التل (ص ٢٢٦ - ٢٢٧).
[ ٤ / ٧٠ ]
أباد الشيوعيون في يوغوسلافيا بعدَ الحرب العالمية الثانية مباشرةً (٢٤) ألف مسلم - (١٥) ألف من مقاطعة طوزلا، (٣) آلاف من مدينة سراييفو، (٦) آلاف من ماكدونيا وكوسوفا-، أَتَوا بهم إلى مدينة "دويرونيك" ثم أبادوهم.
هَدُم المساجد، وتحويلُها إلى دُورٍ للهوِ، واستخدامُها في أغراضٍ أُخرى، وإقفالُ المدارسِ الدينية، فقد هَدَموا في مدينة "زَغْرب" في يوغوسلافيا جامعًا عظيمًا، وأغلقوا في مدينة "سراييفو" الأكاديميةَ الإسلاميةَ العليا للشريعة الإسلامية وجميعَ المدارس الدينية باستثناء واحدةٍ فقط أبقَوا عليها للدعاية (^١).
قَتلُ رجالِ الدين، أو نَفيُهم، أو الحكمُ عليهم بالأشغال الشاقة، أو مَنعُهم من الحقوقِ السياسية، بل الحقوقِ الإنسانية، وإيجادُ أيةِ عقبةٍ أخرى تحولُ بينهم وبين مزاولتهم لمهنتهم، ففي يوغوسلافيا قَتلوا مُفتي كرواتيا فضيلة الشيخ "عصمت منقتيشي" والعالِمَ الفاضلَ الشيخَ "مصطفى حبيتش"، وحكموا بالأشغالِ الشاقة مُدَدًا مختلفة على (١٢) عالِمًا دينيًّا بعد محاكمةٍ صوريةٍ في مدينة "سراييفو"، منهم فضيلة الشيخ "قاسم دوراجا" شيخ علماء البوسنة والهرسك، وفضيلة الشيخ "عبد الله دروبسيوفتش" وكلاهما من علماء الأزهر.
قَتلُ الزعماءِ السياسيين أو نفيُهم .. من أمثال ذلك في يوغوسلافيا:
_________________
(١) "الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام" عبد الله التل (ص ٢٣٠).
[ ٤ / ٧١ ]
حَكمت محكمةُ "اسكوب" في "ماكدونيا" سنة ١٩٤٧ م على سبعةَ عَشَرَ زعيمًا ألبانيًّا من الألبانيين المقيمين في يوغوسلافيا، وفي نفس السنة حَكمت محكمة "بريثينا" على ٣٧ من الأعيان ثلاثة منهم بالإعدام، والباقي بالأشغال الشاقة.
وفي سنة ١٩٤٩ م -أي بعد إنفصال يوغوسلافيا من دول الكومنيفورم- حَكمت محكمةُ سراييفو على ١٣ زعيمًا من المنتمين إلى جمعية الشبَّان المسلمين المُنحلَّةِ أربعةٌ منهم بالإعدام، والباقي بالأشغال الشاقة.
- مَنعُ المسلمين من التمتع بالنُّظُم الإسلامية في دائرة الأحوال الشخصية، فقد أُلغيت المحاكمُ الشرعيةُ في كل أنحاءِ البلاد التي تحكمُها الشيوعية، وفي يوغوسلافيا نَشرت جريدة "نوفودوب" الصادرة في سراييفو -بتاريخ ١٣ مارس سنة ١٩٤٦ م- قانونًا بإلغاءِ المحاكم الشرعية في جميع أنحاءِ يوغوسلافيا، ومعنى ذلك خروجُ الأسرةِ الإسلامية من دائرة توجيه الشريعة الإسلامية إلى دائرةِ القوانين الشيوعية التي تُنادي بالإباحيةِ التامة، وانحلالُ روابط الأسرة.
- هذا إلى جانب نَهبِ البلادِ الإسلامية، ونَقل ثرواتها إلى مقاطعاتٍ أخرى وتمزيقِ أوصالِ كلِّ بلدٍ إسلامي، وخَلْقِ قومياتٍ مستقلَّةٍ على أساسِ اللهجاتِ بقصدِ تشتيتِ المسلمين، وخَلقِ منازعاتٍ مصطَنعةٍ بينهم.
- ثم نذكرُ أن الشيوعيين يقومون بشتَّى أنواع الدعاية اللادينية دون أن يَسمحوا بالدعايةِ الدينية.
- مِن أمثال ذلك قيامُ الشبيبةِ الشيوعيةِ وجماعةِ الملحدين الروادِ
[ ٤ / ٧٢ ]
بمظاهراتٍ لا دينيةِ صاخبةٍ في مواسم الأعياد الإسلامية، وُيهينون كل ما يُقدِّسُه المسلمون.
بِناءً على ما سبق، نتشرفُ برفع هذه الشكوى إلى هيئتكم الموقَّرة رجاءَ بحثها، واتخاذِ قرارٍ فيها يردُّ لمئةِ مليون مسلم حقوقَهم الطبيعيةَ والإنسانية، وَيرفعُ عنهم هذه المظالِمَ البشعةَ ليتمكَّنوا من الاشتراك مع غيرهم من بني الإنسان مِن بِناءِ عالَمٍ أفضلَ يسودُه العدلُ والحريةُ والمساواة، ويكونُ أساسُه تمتُّعَ كلِّ شعبٍ بحقِّ تقريرِ مصيره.
هذا وتقبَّلوا فائقَ الاحترام.
القاهرة يناير سنة ١٩٦٥ م.
محمد عبد اللطيف دراز (^١).
* وا إِسلاماه .. وا إِسلاماه .. وا إِسلاماه:
مذابحُ المسلمين في البوسنة والهرسك سنة ١٩٩٢:
أعلن الصربُ ضَمَّهم البوسنةَ والهرسكَ وعاصمتَها سراييفو إلى يوغوسلافيا الجديدة، وكان ذلك في منتصفِ مارس سنة ١٩٩٢ م، وتفجَّر الموقفُ في البوسنة والهرسك في ٥ رمضان ١٤١٢ هـ (٩ مارس سنة ١٩٩٢ م) عندما أعلن راديو كرواتيا عن معارك يَشُنها الصِّربُ في جمهورية البوسنة والهرسك، وازداد القتالُ ضراوةً عندما دَخل الصِّرْبُ بالمدرَّعات والدباباتِ بَلدةَ "بوسانسكي برود"، فأخلى الجيشُ الصربيُّ المدينةَ من كلِّ
_________________
(١) "جمهورية البوسنة والهرسك" (٣٤ - ٤٠).
[ ٤ / ٧٣ ]
سكَّانها، وأحرق ٨٠% من مبانيها، وفي ١٨ رمضان ١٤١٢ هـ (٢٢ آذار ١٩٩٢ م) بدأ قصف مدينةِ سراييفو.
وامتدَّ الاعتداءُ واتَّسع على المسلمين، وازداد وَحْشيَّةً وضراوةً وجنونًا، وما أتى يوم ٢١ رمضان (٢٥ مارس) حتى عمَّ القتال جميعَ مدنِ البوسنة والهرسك، وتشرَّد أكثر من سبعين ألفَ مسلمٍ بعد أن هدِّمتِ منازلهم ونَجَوا بأرواحهم.
وأرسل رئيس جمهورية البوسنة مئةَ رسالة إلى زعماءِ العالَم الإسلاميِّ والدولِ الأخرى، فلم يتلق إلاَّ ثلاثَ رسائل (^١).
ووَجَد الصربُ الدعمَ العلنيَّ الكاملَ من الجيشِ اليوغوسلافيِّ الاتحاديِّ الذي كان أقربَ ما يكون لجيشٍ صِرْبي .. وبدأت المذابح الوحشية للأطفالِ والوجالِ العُزل المدنيين، وشَهدت عدة مُدنٍ عدةَ مذابحً رهيبةٍ في شهر شوَّال، كان من أشدِّها ما تَمَ في مدينة "بيلينيا".
وفي ٢٥ شوال ٩٤٩٢ هـ (٧ إبريل ٩٩٩٢ م) أعلنت النمسا والولاياتُ المتحدة الأمريكية لمجموعة الأوربية اعترافَها يجمهورية "البوسنة والهرسك"، وازداد عدد الدولِ المعترِفة، حتى بلغ في منتصفِ إبريل ٢٧ دولة .. ولم يُبالِ الصرب بكل هذا، لم يبالوا بفَزَع الطفل الذي يذبحونه والشيخ الذي يقطعونه، ومضوْا في جريمتهم تزداد كلَ يوم وحشية.
واشترك في الجريمة جميع أنواع الأسلحة التي تملِكها الصِّربة أو
_________________
(١) "كتاب البوسنة والهرسك" (ص ٣١) لوكالة الأنباء الإسلامية- إيتا.
[ ٤ / ٧٤ ]
الجيشُ الاتحاديُّ، من دبَّاباتٍ وطائرات وقاذفاتٍ وأسلحةٍ خفيفةٍ وثقيلةٍ، حتى الخناجر والمُدَى الكبيرة والصغيرةُ اشتركت في صنع الجريمة، وحتى الفؤوس ومختلفُ وسائل التعذيب.
بلغ عددُ القتلى في البوسنة، والهرسيك -حَسْبَ تصريح وزير خارجيتها في مؤتمر وزراء خارجيَّةِ الدولِ الإسلامية في "جدَّة"، في ٩ جمادى الآخرة ١٤١٣ هـ، ٣ ديسمبر ١٩٩٢ م -: مئةً وعشرين ألفَ قتيل تقريبًا.
كانت عمليات الذبح بالمُدَى واسعةَ الانتشار، يقيد الشابُّ الأَعزل، ويلْقى أرضًا، ثم يذبح، ثم يلقى في نهر أَو في أَكوام، أو يمَثَّل بالجثةِ تمثيلًا قَذِرًا نستحي من وصفه، أو يقَطَّعُ إربًا إربًا.
كانت عملياتُ الذبْح والتمثيل تَشمل الشبابَ والشيوخَ والأَطفالَ والنساء، والصور التي توزعها وكالات الأَنباء تقشعرُّ منها الأبدان.
كان الاعتداء على النساءِ واغتصابهنَّ يُمثِّلُ عمليةً مخططًا لها، تتبنَّاها قيادةُ الصربِ النصرانيةِ وجنودُها، وتَنزلُ التعليماتُ الرسمية المشددةُ بها ..
والأَعجب أن رجال الدين الأرثوذكس كانوا هم أَنفسُهم يُحرضون الجنودَ على اغتصاب المسلمات (^١).
° ونَشرت الصحفُ الأَجنبيةُ قَصصًا مُفزِعةً عن هَولِ هذه الجرائم،
_________________
(١) "البوسنة والهرسك- القضية والمأساة" عبد العزيز المهنا. (ص ٦٩)، والكتاب يَروي مآسيَ كثيرةً في صفحاتٍ متعددة، وكذلك كتاب "وكالة الأنباء الإسلامية"، وكتاب رضا العراقي، وكتاب الصراع في يوغوسلافيا ومستقبل المسلمين لعبد الله عاصم إسمايتش.
[ ٤ / ٧٥ ]
وتقول إحدى الصبايا التي اعتُدي عليها مخاطبة العالم الإسلامي: "إن عَجَزتم عن مَدِّنا بالسلاح للدفاع عن شَرَفِنا وديننا، فأمِدُّونا بحبوب مَنع الحمل حتى لا تتعاظم المصيبة".
امتدَّ الاعتداءُ على المساجدِ التاريخيةِ ودُورِ العلم وتهديمُها وقَتلُ من فيها، وكم قَتلوا من أَئمةٍ فيها، ثم يُعلقون جُثَثَهم على المنابرِ أَو الشجرِ، أو يُمثِّلون بهم بصورةٍ يتفجَّرُ الحقد منها.
الهجرةُ الواسعةُ التي تَهدفُ إِلى تفريغ الأَرض من سكانها المسلمين بعمليات الإِبادة الوحشيَّة أَو التهجير:
كان أَهلُ البوسنة يُضطرُّون بالقوةِ والتهديدِ إلى تركِ منازلهم وأَثَاثهم وثرواتهم، وربما كان يأخذُ رجالُ الصرب النصارى توقيعَهم على التخلِّي عن ذلك كلِّه مقابلَ خروجِهم أَحياءً.
لقد امتد اللجوءُ إلى دول أوروبا، حيث تتلقَّف المؤسساتُ النصرانيةُ الأَعدادَ الهائلةَ لتحولهم إلى النصرانية تحت ضغطِ الحاجة أو تحتَ تأثيرِ الإغراء، ولقد كان العددُ الأَكبرُ من اللاجئين من الأطفال، وربما تجاوزت نسبتهم ٦٠% من مجموع اللاجئين، إنهم الأطفالُ الذين فَقدوا آباءهم، أو نُزِعُوا منهم حتى يبقى الآباءُ في ميدانِ القتال، ونسبةٌ أُخرى عاليةٌ كانت من النساءِ الصبايا أو الأَيامى والثكالى، ممن نَجَيْنَ بأَرواحِهن أو بشرفهن أَو تَرَكْنَ أَزواجَهن وأَبناءَهن في ساحات القتال.
لقد مُزِّقت العائلاتُ المسلمةُ بين قتلى ومقاتلين ولاجئين، افتَرق الابنُ
[ ٤ / ٧٦ ]
عن أبيه والزوجةُ عن زوجها في متاهةٍ مُظلِمةٍ تَلفُّها الأعاصير، وربما تجاوزَ عددُ الذين أُرغموا على تركِ منازلهم ١.٥ مليون (^١).
وحاصر الصربُ عددًا من المُدن كان من أهمها "سراييفو"، وعَطَّلوا الكهرباءَ والمياهَ ومصادرَ الحياة لينشروا الموتَ والهلاكَ فيها.
كل هذا يتم على مَسمَع ومرأَى العالَم المتحضرِ الذي يتحدثُ في مؤسساته عن حقوقِ الإنسان، هذه المؤسساتُ المتحضرةُ التي تغضبُ وتَشغلُ العالَمَ بسبب خطفِ رجلٍ أو بِضعةِ رجال، إنها تَغضبُ وتَعتبرُ هذا إخلالًا بحقوقِ الإنسان، وتعتبرُ إسقاطَ طائرةٍ هنا جريمةً كبيرةَ وإسقاطَها هناك مسألةً بسيطةً .. قضيةُ رجل أَو طائرةٍ تستدعي الحصارَ والحربَ والويلَ والثبور، وقضيَّةُ شعبٍ كاملٍ يبادُ لا يستدعي التدخلَ العسكريَّ، ولا الغضبةَ الإنسانيةَ، ولا تَحَرُّك لِجانِ حقوقِ الإنسان:
قَتلُ امريءٍ في غابة … جَريمةٌ لا تُغْتَفَرْ
وقتلُ شَعبٍ آمِنٍ … مَسْألةٌ فيها نَظَرْ
عالَم كأنَّما تموجُ به الوحوشُ الضواري والأفاعي والذئابُ والثعالبُ، ويَطْلُعُ هؤلاء بمبادئَ برَّاقةٍ كل يوم: حقوق الإنسان، النظام العالَمي الجديد، الديمقراطية، الحرية، حرية الأديان.
في بلاد المسلمين يجبُ إعطاءُ المسيحي حُريةَ دينهِ وإقامةَ كنائسَ ولو لم يكن من أهل البلاد، إذا مَنعتَ ذلك فهذه جريمةٌ كبيرةٌ واعتداءٌ على حقوق الإنسان وحرية العبادة، وأنت لا تمنعُه عادةً إلا بصورةٍ قانونيةٍ، أو
_________________
(١) "وكالة الأنباء الإسلامية- اينا- البوسنة والهرسك" (ص ٥٠).
[ ٤ / ٧٧ ]
لأنهم مفسدون في الأرض، أما في البوسنة والهرسك، فتُهدمُ المساجد وتُحرق ويقتل المصلّون والأئمة والعلماء، ويعلَّقون على الأشجارِ والأعمد، أو يُقَطَّعون ويُمثَّلُ بأجسادهم، وتُغتصبُ النساء، ويَزيدُ عددُ القتلى على (١٣٠) ألف قتيل، وتُمزَّقُ العائلات، ويُقطَّعُ الأطفال، ويُحرَّك رجالُ الكنيسة كل هذ الجرائم والعالَمُ أعمى أصمّ أبكمُ، والخائنُ العميلُ الصليبي "بُطرس غالي" أمين عام الأممِ المتحدة، عدوُّ رسول الله - ﷺ - يُصرَّح في ٢٤/ ١٠/ ١٤١٢ هـ: "إن توسيع عمليَّاتِ حفظِ السلام ونَشرِ قوَّات الأمم المتحدة في البوسنة والهرسك ليس أمرًا عمليًّا" (^١) .. ثم يطلب توسيع ذلك في موزامبيق!!!.
* عدو الله ورسوله - ﷺ - السَّفاحُ والجزَّارُ البربريُّ رئيسُ الصربِ الصليبي سلوبودان ميلو سيفيتش
فَعَل هذا الوغدُ بالمسلمين أقذَرَ وأنكى ما فعل صليبيٌّ في هذا القرن، هذا الكافرُ الفظ غليظُ القلب الذى لا يُحرِّكه بكاءُ يتيم، ولا تَقَضُّه استغاثة أرملة أو بَقْرُ بطنِ حاملٍ أو اغتصابُ الفتيات حتى بعد موتهن، الذي لا يبالي بأنين الشيخ .. يُشبَّههُ بعضُ السياسيين بهتلر.
لقد وُلد هذا الحاكمُ عام سنة ١٩٣٠ م في بلجرد العاصمة، ولم يُكمِلْ تعليمه الجامعي، وانخرط في قواتِ الأنصار أثناءَ الحربِ العالمية الثانية، وتدرج داخل صفوفِ الحزب الشيوعي حتى صار عضوًا في اللجنةِ المركزية بفرع الحزب في صربيا أواخِرَ السبعينات، ثم صار عضوًا في برلمان صربيا ثم
_________________
(١) "البوسنة والهرسك" لوكالة الأنباء الإسلامية (ص ٣٩).
[ ٤ / ٧٨ ]
في مجلس رئاستها، وفي عام ١٩٨٧ م تولَّى "سلوبدان" قيادةَ رابطةِ الشيوعيين في صربيا، إلى أن قَفَزَ إلى الرئاسةِ الأولى عام ١٩٨٨ م (^١).
° يقول السياسيون: "إنه "الميكافيلي" الذي لا يَعرفُ معنى الحقيقة، أو في أحسن الأحوالِ القيصرُ الصغيرُ، حيث استطاع أن يوظِّف مَلَكاتِه الشخصيةَ كخطيبٍ حماسيٍّ مُفوَّهٍ لِشَحذِ هِمَم الناس، ولَعِب في ذلك على وَتَرَينِ حسَّاسين لدى الصِّرب:
أولًا: الوتر القومي.
ثانيًا: الوتر الديني.
كان هذا الكافرُ يخرجُ على الناسِ مرتديًا مُسوحَ الأرثوذكسي المتديِّن، ويُخاطبُهم بآياتٍ من الكتاب المقدَّس، ويذكِّرُهم بما تعرض له الأرثوذكسيون الصربيون على يدِ الأتراكِ والكاثوليك، ومرةً أخرى تكونُ "كوسوفو" هي الضحية، فيخاطِبُ الناس مشيرًا إلى موقعة كوسوفو التي هُزم فيها أجدادُه أمامَ الأتراك، ويُقيم احتفالاتٍ ضخمةً في كوسوفو نفسها، ويطالِبُ بتطهيرها من المسلمين الذين استوطنوها -حسب زعمه- منذ هزيمةِ أجداده، وبدأت حملاتُ العنفِ والمجازِرِ تُقامُ للشعب الألباني، وحاول كَسْبَ أوربا إلى صفه بأنِ ادَّعى أن حَمْلتَه العدوانيةَ على ألبان كوسوفو إنما يحمي بها البوابةَ الجنوبيةَ الغربيةَ من خطر الأصولية الإسلامية!!.
وسعى "سلوبودان ميلوسيفيتش" دكتاتور الصرب إلى أيِّ سلوكٍ من شأنه أن يَبعثَ الحقدَ الأسودَ في نفوس النصارى ليُحفِّزَهم على الانتقام من المسلمين، فمِن أعجبِ الأمور أن يُخرجَ حاكمُ الصربِ تابوتَ الأمير
_________________
(١) "الشرق الأوسط" -العدد (٤٩٥٦) - الثلاثاء ٢٣/ ٦/ ١٩٩٢ م (ص ٦) مقال أسعد طه.
[ ٤ / ٧٩ ]
"لازار" آخرِ حُكَامِ دولةِ الصَّربِ من قبرهِ، ويَطوفَ به في جميع المناطقِ التي يُقيمُ فيها شعبُ الصرب في يوغوسلافيا، لقد مر ٦٠٠ سنة على زوال عرشِ الأمير" لازار" الذي انهزم سنة ١٣٨٩ م أمامَ الفتوح العثمانيةِ، وسَقَط حكمُ الصربِ الذي كان يتولاه "لازار"، ولهذا سَلك حاكمُ الصربِ ذلك السلوكَ الاستفزازيَّ ليُذكَّرَ الصربَ بذُلِّ الهزيمة وضرورةِ إعادةِ مجدِ الدولةِ الصربيةِ، وقد رافقت هذا الطوافَ هتافاتٌ بوجوبِ الانتقام من المسلمين، وطَرْدِ ما يُطلقون عليهم "العثمانيين".
* وهذي نماذجُ مما فَعَل هذا الخنزير بالمسلمين:
المذبحة الكبرى في مدينة "مبيلينا":
تقعُ مدينة "مبيلينا" على بعد (٢٥٠) كيلو متر من العاصمة سيراييفو "يُشكِّلُ الصربُ ٦٠% من السكان، والمسلمون ٤٠%"، اقتحمت المليشياتُ الصربيةُ المسلحةُ بقيادةِ "الكوماندانت أركان" -الذي يدَّعي أن الجيشَ يَخضعُ لسلطته-، اقتحمت الحواجزَ التي أقامها المسلمون للدفاع عن أنفسهم، واستولت على وسط المدينة، وفي أيام عيدِ الفطرِ الثلاثِ ارتكب الصربُ أشنعَ مجزرةٍ عَرَفها التاريخ، وهاجم الصربُ بيوتَ المسلمين العُزَّل، وقتلوا (١٥٠) شخصًا أكثرُهم من الأطفالِ والنساءِ والشيوخ، ودخلوا القرى المحيطة بالمدينة، وفَعلوا مِثلَ ذلك، ونَهَبوا الأموال، واعتدَوا على الحرائر أمامَ ذويهم، وبَقَروا بطونَ الحوامل، وأخرجوا الأَجِنَّة، وألقَوا بها في الشوارع، وحَرَقوا المنازل بمَن فيها من الأبرياء، ومَنعوا الناسَ مِن نَقل جَرحاهم إلى المستشفات، كما أمَرُوا المستشفياتِ أن لا تقبلَ جَرحى
[ ٤ / ٨٠ ]
المسلمين، وتُركت الجثثُ تملاُ الشوارعَ عدَّةَ أيام (^١).
° المجازرُ اليوميةُ في العاصمة سيراييفو:
حاصَرَ الجيشُ الاتحاديُّ عاصمةَ المسلمين سيراييفو، وغَدَتِ المجازرُ تُرتكبُ فيها يوميًّا، والمدينةُ هدفٌ لقَصفِ الطائرات والدبابات.
- شَكَّل الصربُ منظَّماتٍ إرهابيةً من القَنَّاصةِ تدرَّبوا على أيدي اليهود، فاعَتَلوا أسطُحَ المنازل، وكانوا يَصطادون المسلمين بأسلحتِهم ورشاشاتهم، وذَهب ضحيةَ هذه الأعمالِ الإرهابيةِ أعدادٌ كبيرةٌ من المسلمين.
° في مدينة "زخورنيك":
دخل الجيشُ الاتحاديُّ، واحتجز ثلاثةَ آلاف مسلم مِن بينهم نساءٌ وأطفال، وجَعلوهم رهائنَ مهددةً بالقتل بعدَ أن أملَوا شروطَهم على المسلمين.
- أذاع راديو "زغرب" أن المليشياتِ الصربيةَ دخلت معاركَ ضدَّ المسلمين.
- ترددت أنباءُ بوقوع اشتباكاتٍ ضدَّ المُدنِ الآتية: "بوسكانسكي برود" شمال البوسنة، "فوتشا" جنوب شرق العاصمة، و"موستار".
استولى الجيشُ الاتحاديُّ على "زخورنيك" وبها ٦٠% من السكان من المسلمين وعددُهم عشَرةُ آلافِ مسلم.
_________________
(١) تقرير من رابطة العالم الإسلامي/ هيئة الإغاثة الإسلامية في ١٦/ ١٠/ ١٤١٢ هـ- ١٩/ ٤ / ١٩٩٢ م.
[ ٤ / ٨١ ]
- صرَّحت هيئةُ الإذاعةِ البريطانيةِ في تقرير لها عن "سراييفو" أن الآلاف من أهالي البوسنةِ والهِرسك يَفِرُّون من القتالِ الضاري الذي تَشهَدُه الجمهوريةُ، وأن الفارِّين لا يعرفون إلى أين يتَّجِهون بعدَ أن تَدخَّل الجيشُ الاتحادى إلى جانبِ الصربِ في قتالهم، فأصبحوا محاصَرين من كل جانب.
* ما أشبَهَ اليومَ بالبارحة!!:
ومثلما فَعَلت الكتائبُ الصربيةُ في عيد الأضحى سنة ١٩٤٢ م في مدينة "فوتشا يوم" وذبحوا مُفتي المسلمين على عتبة المسجد، جاء دَورُ أبنائِهم ليقتفوا آثارَ آبائِهم حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة، وها هم يُعاوِدون الكَرَّةَ بعد أن أعدُّوا العُدَّةَ منذ ٤٠ سنة لِمعركةٍ تاريخيةٍ مقدسةٍ مع المسلمين -كما يسمونها-، ففي مدينة "بيلينا" شمالَ شرق البوسنة نجا فقط ثلاثة من أعضاءِ المجلسِ التنفيذيِّ للحزب الإِسلامي (SDA)، وأما الآخَرون فقد ذُبحوا، ورُسمت على جُثثهم صلبانٌ صِربيةٌ أرثوذوكسيةٌ بالسكاكين، وقد وقعت المذبحةُ إثرَ هجوم القواتِ الصِّربيةِ المكوَّنةِ من المرتزَقة المجرِمين المدربين على أيدي الإسرائيليين، وسَبق الهجومَ قصفٌ عنيفٌ بالمدافع وبالتنسيق مع الجيشِ الاتحادي بعدَ آخِرِ صلاةِ التراويح في رمضان من السنة الجارية ١٤١٢ هـ، وعَقِبَ خروج المُصلِّين من المسجد أَخذت القُواتُ الصربيةُ اثنين مِن المصلِّين، وذَبَحَتْهما على باب المسجد، ثم أطلقتِ النارَ على الآخرين، عندئذٍ هُرع المصلُّون إلى داخل المسجد، فألقى الصربُ القنابلَ في داخلِه، ثم قَضَوا الحاجةَ على جثثِ القتلى المسلمين!!.
[ ٤ / ٨٢ ]
ويبدو أن الذي يُخطِّطُ لهم أحدُ شياطين بني إسرائيل، فقد نَقل تلفزيون بلغراد هذا المشهدَ المروِّع، وبَثَّه في نشرةِ الأخبار بعد أن عَرَض القتلى في الكنيسة بدلًا من المسجد المُهدَّم، وعَلَّق على الصورة بأن المسلمين المدعومين من الخارج هكذا يُعامِلون أفرادَ الشعبِ الصربي في البوسنة والهرسك!! وأنَّ هذا هو مصيرُ ما يَزيدُ على مليونَ صربي، ولمنع هذه المجزرة ناشَدَ جميعَ شبابِ الصِّربِ سرعةَ الالتحاقِ بمراكزِ المتطوعين لإنقاذِ الصرب الأبرياء!!.
وفي إثرِ هذه المذبحة هاجَرَ ما يَزيدُ عن ٤٠ ألفًا من المدينة فرارًا بدينهم وعِرضهم، ثم بدأ قصفُ ثلاثِ مدن حدوديةٍ أخرى هي: زرونيك وفيتشغراد وفوتشا ذات الأغلبية المسلمة، وذلك مع القصف المستمرِّ على سيراييفو، والتركيزِ على الأحياءِ القديمةِ ذاتِ الآثارِ العثمانية الإسلامية.
وفي مدينة "زرونيك" وحدها أَسَرَ الصربُ المرتزقةُ ثلاثةَ آلافِ مسلم كما أحرقوا نِصفَ مدينة "فوتشا"، وفي جميع هذه المُدن اغتَصب الصربُ كثيرًا من النساء المسلمات، وكانوا يُجبرون الرجالَ على خَلع الملابس، فمَن وجوده مختونًا [أي: مسلمًا] قَتلوه ورَسموا على جُثَّتهِ الصليبَ بالسكين.
ولم يسلم مسجدٌ من المساجدِ في هذه المدن التي دنَّسوها من عدوانِهم وكُفرِهم وبَغيهم .. وقد قُتل في هذه المذابح ٦٠ شخصا، ومُثِّل بجُثَثِهم، فلم يتمكَّن الشهودُ من تحديدِ هُويةِ القتلى، فقد اقتلع الصربُ عيونَ القتلى، وقَطعوا آذانَهم، وأحيانًا يقومون بإحراقِ الجثة.
[ ٤ / ٨٣ ]
° مذبحةِ كوبرس:
مدينةٌ واقعةٌ على بعدِ ٩٠ كيلو متر من سيراييفو، استولت عليها قواتٌ كرواتيةٌ، وقد ذكر راديو بلغراد أن مئاتِ الأشخاصِ قد قتلوا.
° مذبحة دونمي فاكوف:
شهدت قتالًا عنيفًا، حيث نَصب الصربُ كمينًا لخمسِ حافلاتٍ تُقِلُّ عُمَّالًا مسلمين من سيراييفو كانوا في طريقهم للانضمام إلى المسيرةِ السِّلْميةِ التي أَعلن المسلمون عن تنظيمها لتأييدِ قرارِ المجموعةِ الأوربيةِ باستقلالِ البوسنة، ففَتَح الصربُ نيرانَهم على الحافلاتِ الخمسِ مما أدَّى إلى مَصرع الكثيرين وإصابةِ الكثيرين بإصابات خطيرة.
وطريقةُ الذبح كما وصفها شاهدُ عِيانٍ: يُجمَع المسلمون، ويقيدون بالسلاسل، ويَذهَبُ بهم على حافةِ النهر، ثم يتم الذبحُ بالسكين كالنِّعاج، مدعين أن الرصاصةَ خسارةٌ في المسلم!.
° يَروي مُفوَّضُ جمهورية البوسنة والهرسك في دُولِ الخليج قَصَصًا مروِّعةً ومخازيَ يَندى لها تاريخُ البشرية، ووصمةَ عارٍ في جبينِ القرن العشرين، فيقول حسين عمر سباهيتش: "يروي شهودُ العِيانِ الذين نَجَوا من سكاكين ومناشيرِ العصابات الصربيةِ المسمَّاة "تشتنيك" (^١) قصصًا بشعةً منها: قام "تشتنيك" لإحراقِ المسلمين داخلَ مساجدِهم وبيوتهم في جنوبِ شرق البوسنة، وكانوا يُمثِّلون بالقتلى بعد ذبحِهم بالسكاكين، ويَقْطَعون أثداءَ النساء بعد اغتصابهن، كانوا يَبقُرون بطونَ الحوامل للتمثيل بالأجنَّةِ
_________________
(١) مجلة المجتمع ٢٤ شوال سنة ١٤١٢ هـ (العدد ٩٩٨).
[ ٤ / ٨٤ ]
أو يُلقُون بهم أحياءً في الماءِ المغلي، أو يَشوُونهم شَيَّ الذبائح، ويُرسلون هذه الرؤوس المشويةَ هديةً لذويهم، كما كانوا يَقطَعون رؤوسَ الرجالِ وَيشوونها وُيرسلونها هديةً إلى قادتهم".
وقد استطاعت جريدةُ "المسلمون" أن تَدخل قُرى ومدُنَ البوسنة والهرسك، وشاهَدَ مُوفَدها "فراج إسماعيل" أكبرَ محطةٍ لتكريرِ النفطِ في الجمهورية، وقد قَصَفتها الدباباتُ الصربية، وقُدِّرت الخسائرُ بأكثرَ من مئةِ مليون دولار، وتُعدُّ هذه المحطةُ شُريانَ الحياةِ الرئيسيِّ في البوسنة، حيث تُولَّد بواسطتها معظمُ الطاقةِ الكهربائية، وقال شاهد عيانٍ: إنه شاهَد من التلفزيون الكرواتي أن سيراييفو تحترقُ معظمُها.
وفي مدينة "بيلينا" ذَبحت المليشياتُ الصربيةُ إمامَ المسجد، وأَطلقت النيرانَ على المصلِّين، وقاموا بالتمثيل بالجثث، ورَفْع العَلَم الصربيِّ على المئذنة.
يُقيم الصربُ معسكراتٍ للسبايا النساء، حيث يتعرضنَ للمعاملاتِ الوحشيةِ والاغتصاب، كما قاموا بتقطيع أثداءِ بعضِهن.
وشَهِد أيضًا مندوبُ جريدة المسلمون مذبحةً في قرية "جورنية تولبية" والتي ذُبح فيها ٢٠٠ مسلم، معظمُهم من النساء والأطفال، وقد دَمَّروا القرية تمامًا.
أذاع رئيسُ بلدية "زفورنيك" الواقعةِ قُربَ الحدودِ الصربية في الإذاعة "سيراييفو" أن المدينة تعرَّضت لهجوم وحشيٍّ من قِبَل المليشياتِ الصربيةِ المسلَّحةِ والجيشِ الاتحاديِّ اليوغسلافي، علمًا بأن المدينةَ بها ٦٠% من
[ ٤ / ٨٥ ]
المسلمين، وأنه لا شيءَ يَمنغ هذه المليشياتِ من ارتكاب جرائمِها ضدَّ المسلمين، وأن عملياتِ النهبِ والسلبِ واسعة النطاق (^١).
° وقال الرئيسُ "علي عزت": "إن قواتِ الصربِ احتَجزت في هذه المدينة -زفورنيك- ثلاثةَ آلافِ مسلم، وتُهدِّدُ بقتلهم".
أصدر اتحاد الطلابِ العربِ والمسلمين في مدينة "زَغرب" بكرواتيا البيان التالي: "نُعلِمُكم أن المسلمين يتعرصون في البوسنةِ والهرسك للذبح، واغتصابِ الحرائر، وتدنيس وتدميرِ بيوتِ الله، وإلقاءِ القنابل وسط المساجد، وإطلاقِ النيران على المصلين، بل إن المليشيات الصربيةَ تقضي حاجتَها على جُثث المسلمين" (^٢).
أقيمت معسكراتٌ للفارِّين بدينهم من مذابح دكتاتور الصرب في كرواتيا، ولكن نقلت وكالاتُ الأنباءِ أخبارَ ترحيل الأطفالِ المسلمين إلى ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، وأن الليشيات الصربيةَّ لا تتصدى لهذه الأتوبيساتِ عما تتصدى للمهاجِرين الآخرين، وكذلك وُجد القساوسةُ يقومون بتنصيرِ المسلمين وَيطرحون إغراءاتِ التنصيرِ على المسلمين مستغلين ظروفَهم الصعبة، وبعضُهم يَعرِض استضافةَ الأطفال في كنائسهم (^٣)، ومَن لم يستجب لهذه العروض يتعرض لسرقةِ أطفاله، فقد اشتكى الكثيرُ من المسلمين من اختفاءِ أطفالهم من المعسكرات.
_________________
(١) الدعوة العدد ١٣٣٧، ١٣ شوال سنة ١٤١٢ هـ.
(٢) الإغاثة الإسلامية ٦ ذو القعدة سنة ١٤١٢ هـ.
(٣) "المسلمون" العدد ٣٨١.
[ ٤ / ٨٦ ]
قام الصرب بتلغيم نَفَق "برادين" الواقع على الطريق السريع بين مدينتي "سراييفو" و"موستار"، وأدى ذلك إلى إغلاقِ كافةِ المداخل المؤديةِ لمدينةِ "سيراييفو" ومَنْع دخولِ الطعام ورجالِ الصحافةِ والأعلام، وتتعرضُ العاصمة لمجاعة.
° صرَّح الدكتورُ "عادل بترجي" رئيسُ "لجنةِ البر" بالندوة العالمية للشباب أنه قد قُتل في "سيراييفو" قرابةُ خمسةِ آلاف مسلم (^١).
هناك ملفٌّ فظيعٌ من الصورِ والمنشورات أحضَرَها أحدُ أعضاء "لجنةِ البر" المنبثِقةِ من الندوة العالمية للشباب الذين مَكَثوا عدةَ أسابيعَ في كرواتيا على مقربةٍ لِمَا يجري في جمهورية البوسنة والهرسك، وفي هذا الملفِّ الصربيون يُمزِّقون المصاحف، وَيبقُرون بطونَ النساء، ويضع الصربي قَدَمَه على رَقبةِ المسلم ثم يذبحُه، ويقول له: "هل ترى الجنةَ أم النار؟ ".
اعتصم بعض المسلمين في أحدِ المساجد يَبكون مِن هَول ما رأوا، فهدم المسجد ُعلي رؤوسهم، وفي مدينة "يانيا" شنق الصربيون إمامَ المسجد ومؤذِّنَه ثم أذاعوا من ميكوفونات المسجد الأغانيَ القوميةَ لإِذلال المسلمين (^٢).
سَقطت مدينة "برتشكو" وفيها واحدٌ وأربعونَ ألفَ وسَبعمئةِ مسلم
_________________
(١) محاضرة للدكتور عادل البترجي مسجلة على شريط كاسيت في ذي الحجة سنة ١٤١٢ هـ.
(٢) محاضرة للشيخ عائض القرني. انظر كل هذا الملف في كتاب "جمهورية البوسنة والهرسك" (ص ٥٥ - ٦٦).
[ ٤ / ٨٧ ]
بعدَ أن استبسل جنودُ محمد - ﷺ - وهمُ يرددون "لا إله إلا الله " تحت قَصفِ
المدفعية الثقيلة.
وفي إحدى القرى دخلوا مدرسةَ أطفالٍ لا تتجاوزُ أعمارُهم العاشرة، وقَتلوهم عن بَكرةِ أبيهم، ثم اتجهوا إلى القرية، ولم يتركوا بها طفلًا أو امرأةً إلا قتلوه، وهرب البعضُ، ولكنَّ "جماعاتِ الصقورِ البيضاء المتوحشة" من الصربيين كانت في انتظارِ الهاربين من القرية، فأكملت المذبحة (^١).
* تقريرٌ موجَزٌ عمَّا خَلَّفته الحربُ في غضون ٣ أسابيع (^٢):
° أسفرت الحربُ الصربيةُ خلالَ ثلاثةِ أسابيع عن:
١ - ثلاثةِ آلاف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى.
٢ - تشريدِ أكثر من (٣٥٠.٠٠٠) مهاجر نَزحوا عن منازلهم إلى كرواتيا.
٣ - اغتصابِ مئاتِ النساء ثم قَتلِهن، واختطافِ بعضِهن، والهربِ بهن إلى صربيا.
٤ - تدميرِ ١٦٠ ألف منزل في المدن والقرى الإسلامية.
٥ - تدميرِ مئات المساجدِ بالقَصف، وإحراقٍ متعمَّدٍ لمحتوياتها.
٦ - تدميرِ عشراتِ المصانع ومحطاتِ الكهرباءِ والمرافقِ الحيوية الأخرى.
_________________
(١) نفس المصدر السابق.
(٢) تقرير لجنة مسلمي البوسنة والهرسك بالندوة العالمية للشباب الإسلامي ٢٢/ ٧/ ١٤١٢ هـ انظر كتاب "البوسنة والهرسك" (ص ٧٠ - ٧١).
[ ٤ / ٨٨ ]
٧ - تدميرِ مئاتِ المدارسِ وعشراتِ المستشفيات.
٨ - سقوطِ عَشْرِ مُدُنٍ وعديدِ من القرى بأيدي الصرب، ونهبِ المحلات والبنوك، وسرقةِ أغراضِ المسلمين وأموالهم من منازلهم، ونقلِها إلى صربيا، ثم بيعها هناك.
٩ - تدميرِ عشراتِ الجسورِ التي كانت تمتدُّ فوقَ أنهارِ البوسنة وكانت تربطها بكرواتيا.
١٠ - إصابةِ مِصفاةِ البترول الوحيدة في الجمهورية وإحداثِ أضرارٍ ماديةٍ جسيمةٍ، علمًا بأن المصفاة كُلِّفت ٦٠٠ مليون دولار.
١١ - ذَكرت جريدة "المدينة" أن الوزير النمساوي لوزارة الداخلية صرَّح بأن عدد اللاجئين من كافةِ الجمهوريات اليوغسلافية بَلغ (١.٣٠٠) مليون نسمة منهم (١٧٠٠ ألف) من البوسنة والهرسك فقط خلالَ الأسابيع القليلة الماضية (^١).
١٢ - اعتَقلت قواتُ القائد الديمقراطي للحزب الصربي "كراجيتش" الإرهابية (٢١٨) مسلمًا في بلدة "فوتشتشت" وحَرَمتهم من الأكل.
وُيرسلُ الصليبيون المجرمون رسائلَ إلى المسلمين تقول: "تقبلوا تهانيَنا بمناسبة العيد، وتبريكاتِنا باستقلالِ الجمهورية، والاعترافِ الدولي".
* السفاحُ الصربيُّ الحنزير يستعين باليهود:
لا عجبَ أن نَرى الجرائمَ البشعةَ التي يَندى لها جبينُ الإنسانية
_________________
(١) جريدة المدينة ذو القعدة سنة ١٤١٢ هـ، وجريدة عكاظ ٢٦/ ١١/ ١٤١٢ هـ.
[ ٤ / ٨٩ ]
تَستشري على أرضِ يوغوسلافيا، إذا استعان شيطانُ الصرب "سلوبدان ميلوسيفيتش" بشياطينِ اليهود .. لا عَجبَ إذا عَلِمنا أن يوغوسلافيا يعيشُ على أرضها أقليَّة يهوديةٌ تعدادها (٥٥٠٠) يهودي (^١)، وهذه نماذجُ من أساليبِ التعذيب التي اتُّبِعت في الخمسينات والستينات من هذا القرن العشرين، أما الآن فقد تفتَّقت الوحشيةُ اليهوديةُ الصليبيةُ عن اختراع وابتكارِ أساليبَ أشدَّ وحسية وأكثرَ إمعانًا في الاستهانةِ بالإنسان الذي يُعتبر في نظرِ التوراة والتلمود حيوانًا يَحِلُّ ذبحه أو ركوبُه، واستخدامُه لتحقيقِ أهدافِ الشعب المختار!:
١ - دَقُّ مساميرَ طويلةٍ في الرأس حتى تَصِلَ إلى المخ (^٢).
٢ - إحراقُ المسجون بعد صبِّ البترول عليه وإشعالِ النار فيه.
٣ - جَعلُ المسجون هدفًا يتدرَّبُ الجنودُ عليه في إطلاق الرصاص.
٤ - وضعُ أَغطيةٍ معدنية على الرأسِ، وتمريرُ التيارِ الكهربائيِّ فيها لاقتلاع العيون.
٥ - صَبُّ الزيتِ المَغلِي على جسم المعذَّب.
٦ - ضربُ المعذَّب على أعضائه التناسلية.
٧ - إدخالُ شَعرِ الخنزير في فَتحةِ العُضوِ التناسلي، وإدخال قضيب حديدي ساخن في الأماكن الحساسة من الجسم.
٨ - تمشيطُ الجسم مشاط حديديةٍ حادة.
_________________
(١) "الدعوة" العدد ١٣٣٨، ٢٠/ ١٠/ ١٤١٢ هـ.
(٢) "الأفعى اليهودية" لعبد الله التل (ص ١٢٦).
[ ٤ / ٩٠ ]
٩ - صبُّ مواد حارقةٍ وكاويةٍ في فم المسجون وأنفِه وعينيه بعدَ ربطه ربطًا محكمًا.
١٠ - تسميرُ أُذُنَيِ المسجونِ في الجدار حتى يَظلَّ واقفًا ليلًا ونهارًا.
١١ - خياطةُ أصابع اليدين والرجلين، وشبكُ بعضِها إلى بعض.
١٢ - رَبطُ الرأسِ في طرفِ آلةٍ ميكانيكية وباقي الجسم في آلةٍ أخرى، ثم تُدارُ كلٌّ منهما في اتجاهين متعاكسين، فيتمدَّد الجسمُ وينفصل الرأسُ عن الجسد نتيجةً للجذب المعاكس للآلتين.
١٣ - خَلعُ الأظافرِ، والنومُ على الثلج شِتاءً بلا ملابس، والضرب بالكرابيج حتى يتساقطَ اللحم ويَبرُزَ العظم.
° انظر إلى قذارةِ السفاح الصليبيِّ الصربيِّ ويهود: فحادث تسمم الأطفالِ بالألبانِ الشهير الذي وُضِعت فيه موادُّ سامَّة في خزَّاناتِ المياه التابعة لبعضِ المدراس الابتدائية .. لا يفعله إلاَّ وَحشٌ كاسر لا ينتمي إلى البشر، بل هو إلى الخنازير أشبه، وأوردت الأنباء وقتَها أن هذا السُمَّ قد تَمَّ استيراده خصِّيصًا من إسرائيل (^١).
* الصربيُّ الصليبيُّ "شيشل" يقترحُ إِبادةَ الألبان:
حِقدٌ أسودُ بَثَّه هذا الصليبيُّ الصربيُّ الزعيمُ "شيشل" الذي يشكِّلُ امتدادَ المليشياتِ الصربيةِ القوميةِ في الحرب العالمية وزعيمُ "تشتنيك" حين يُعلِنُ مرارًا عن استحالة التعايشِ الصربي الإسلامي، واقترح إبادةَ الشعبِ
_________________
(١) "الشرق الأوسط" الثلاثاء ٢٣/ ٦/ ١٩٩٢ م (ص ٦).
[ ٤ / ٩١ ]
الألباني في كوسوفو إذا رفض مغادرة أراضيه (^١).
* الصليب في الفلبين يشرِف على قتل المسلمين:
° يقول الشيخ "سلامات هاشم" رئيسُ "جبهة تحرير مورو الإسلامية": "إن السلطاتِ الفلبينيةَ كلَّها من النصارى الذين يكرهون المسلمين، ويعدُّونهم العدوَّ الأولَ لهم".
° ثم قال: "يُمكنُ القولُ: إن عددَ الشهداء -منذ بدأت الحرب في عام ١٩٧٠ م- هو (٣٢٦.٨٤٥) شهيدًا ومفقودًا من الرجال والنساء والأطفال حتى نهاية ١٩٩١ م، أمَّا عدد الشهداءِ الذين استُشهدوا في ساحاتِ الجهاد، فهو (٢٤.٧٨٦) من الرجال والنساء" (^٢).
* البوذيُّون أعداء رسولِ الله - ﷺ - في "كمبوديا" يَطردون المسلمين من المدن، ويُدبِّرون المذابحَ البشعةَ لهم:
قررت الحكومة الكمبوديةُ مَنْعَ وجودِ المسلمين في العاصمةِ "فنوم نبه"، وتهجيرَ جميع العائلاتِ المسلمةِ إجباريًّا إلى القُرى النائِية، وإجبارَهم على العَيشِ في منازلِ الصفيح والأخشاب، وذلك خوفًا على البوذيَّة من المدّ الإسلامي!.
وتمَّ ترحيلُ المسلمين بطريقةٍ مَهينةٍ إلى القُرى والنجوع النائيةِ خَلْفَ نهرِ "الميكونج" في منطقةٍ تسمي "رس كيو"، وقد وَضعت الحكومةُ في المنطقة أكثَرَ من ثلاثةِ آلافِ عائلةٍ مسلمةٍ في حالةٍ سيئةٍ للغاية.
_________________
(١) "جمهورية البوسنة والهرسك" (ص ١١٢ - ١١٣) لأم القعقاع.
(٢) "وجاء الدور على الإسلام" (ص ١٥٤).
[ ٤ / ٩٢ ]
ويتذكَّر المسلمون في "كمبوديا" المذابحَ الإجراميَّة التي قامت بها عصاباتُ "الخمير الحمر" أواسطَ السبعيناتِ ضدهم، حيث إن هذه العصاباتِ قامت بقَتل عشراتِ الَالافِ من المسلمين وَسَطَ تعتيم إعلامى واسع، فلم يَعرف أحد هذه المذابحَ إلاَّ بعد فرارِ بعضِ المسلمين الناجِين من المذابح إلى الدول المجاورة لكمبوديا (^١).
والكفر ملة واحدة .. والحقدُ على الإسلام والمسلمين ونبيِّهم - ﷺ - شعارُ القوم ودثارُهم .. فلعنة الله على الجميع.
* الصليبيُّون آكِلُو لحومِ المسلمين:
° يقول "رانسيمان" في كتابه عن الحروب الصليبية: "كان الجيشُ في "معرَّة النعُمْان" يُعاني الجوعَ بعد أن نَفِدَتِ المُؤَنُ التي استولى عليها من الجوار، ولم يكنْ له من سبيل سوى أن يأكلَ لحومَ البشر"، "وهذا دَرْكٌ لا يَنحدِرُ إليه الحيوان" -على حدِّ قولِ مترجم ذلك الكتاب-.
ثم قال "رانسيمان": "فراح فرسانُ المسيح يَشْوُون جُثثَ قتلاهم من الرجالِ والصبيان المسلمين ليأكلوها" .. واللهم لا تعليق!.
° وقد كتب المؤرِّخُ "راؤل دي كايين" المُرافق للفرنج قائلًا: "في مدينة "المَعَرَّة" كان رجالنا يقومون بِغَلْي شبانِ الوثنيِّين (^٢) في آزانات، وُيوثِقون الأطفالَ على الأسياخ ويأكلونهم مَشْويِّين".
وما أكثَرَ الوثائقَ الموجودةَ عن قصصِ آكلي لحوم البشر التي ارتكبها
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٥٧ - ١٥٨).
(٢) أي المسلمين.
[ ٤ / ٩٣ ]
جنودُ "الفرنجة" الصليبيُّون في مدينة "المعرَّة" عام ١٠٩٨ م، وحتى القرن التاسعَ عَشَرَ كان يمكن العثورُ عليها في كتابات المؤرخين الأوربيين، وهو ما نُطالعُه في كتابِ "تاريخ الحروب الصليبية" للمؤرخ "ميشو" الفرنسي المنشور فيما بين ١٨١٧ - ١٨٢٢ م (راجع المجلد الأول ص ٣٥٧، ٥٧٧)، و"ببلوغرافيا الحروب الصليبية" صفحات (٤٨، ٧٦، ١٨٣، ٢٤٨).
أمَّا في القرنِ العشرين، فقد تمَّ التعتيمُ على مِثل هذه الحقائق، إذْ لا نكادُ نَجِدُ لها أثرًا، اللهم إلاَّ عبارةَ "رانسيمان" السالفةَ الذِّكْر، وما أكثَرَ ما اعتادوا التعتيمَ عليها (^١).
الصليبيون عارُ الإنسانية ورِجسُها ودَنَسُها ونَتْنُها ووَحْلُها، والمسلمون عبيرُ الوجود وَطُهْرُه وطِيبُه.
* "يلتسين" المجرمُ الروسيُّ عدوُّ الرسول - ﷺ - والإِسلام وما فَعَله بأهل الشيشان:
شَنَّ "يلتسين" الدُّبُّ الروسيُّ حَملةَ إبادةٍ على الشعب الشيشانيِّ، شاركه فيها رئيسُ وزرائه السَّفَّاحُ المجرمُ "فلاديمير بوتين"، وهذه بعض آثارِ الحربِ الروسية في الشيشان التي خلّفتها الجولة الأولى (١٩٩٤ - ١٩٩٦ م) من الحربِ الشيشانية، وما تَلا ذلك من عملياتٍ سرَّيةٍ وحَملاتٍ إعلاميةٍ ضدَّ الشيشانِ وشَعْبِها، هي في الحقيقة استمرار للحربِ الروسيةِ التي بدأتها روسيا فورَ إعلانِ الشيشان استقلالها سنة ١٩٩١ م.
_________________
(١) "حرب صليبية بكل المقاييس" للأستاذة الدكتور زينب عبد العزيز (ص ١٢) - دار الكتاب العربي- دمشق، القاهرة.
[ ٤ / ٩٤ ]
° أولًا: خسائرُ فادحةٌ في الأنفس:
ففي الشيشانِ -التي لا يَزيدُ تِعدادُ سكَّانها عن مليونَ وثلاثِمئةِ ألفِ نسمةٍ - قَتَل الروسُ منهم أربعين ألفَ مدنيٍّ، وفُقد ألفانِ من السكان، ألقت المخابراتُ الروسيةُ القبضَ عليهم في بيوتهم وفي الشوارع، ولم يُعرف مصيرُهم حتى هذه اللحظة.
وعلاوةً على القتلى، خَلَّفت الحربُ ٧٤ ألف مُعاقٍ منهم ١٩ ألف طفل، وفَقد منهم ألفانِ حاسةَ الأبصار، وألف وخَمْسُمئةِ فَقدوا السمعَ والنطق، وفي الشيشان ١٢ ألف طفل يتيم فقدوا آباءهم، ومن الشيشانيين ٣٥% دُمِّرت منازلهم، فأصبحوا بلا مأوًى، و٨٥% لا يَجِدون عَمَلًا، وبين كلِّ عَشَرةِ أُسر شيشانيةٍ هناك تسعةُ أُسَرٍ لا تجدُ ما يكفي لطعامها اليومي، وبدأ الناسُ بالفعل يأكلون عَلَفَ الماشية، فقد دَمَّرت الحربُ المصانعَ وقَتلت معظمَ حيوانات المزارع.
° ثانيًا: تدميرُ البِنيةِ الأساسيةِ للنظام التعليمي:
كان تدميرُ النظامِ التعليميِّ أولَ ما استهدفته القواتُ الروسية في الحرب، فقد دُمِّرت الجامعةُ الشيشانيةُ إلى جانب ثمانيةِ معاهدَ فنيةٍ للدراسات العليا، وأربعةِ مدارسَ فنيةٍ متوسطة، وأربعةِ مراكزَ للأبحاث، إلى جانب التدميرِ المتعمَّدِ لقاعاتِ المحاضراتِ والأرشيفِ الوطنيِّ والمُتحَفِ الوطني.
° كارثةٌ بيئية وصحيَّة:
دَمَّرت القواتُ الروسيةُ آبارَ البترول، فتدفَّقت آلافُ الأطنانِ المشتعِلةِ
[ ٤ / ٩٥ ]
منه في حدائقَ لوَّثت الهواءَ والتربةَ، وأحدثت كارثةً بيئيةً لا تقل عن كارثةِ الكويت في حربِ الخليج الثانية.
وتدهورت الأوضاع الصحيةُ للشعب الشيشانى، خصوصًا بين الفئات الضعيفة والأكثرِ فقرًا من النساء والأطفال وكبارِ السنن، نتيجةً لسوءِ التغذية وتدنِّي الخدماتِ الصحيةِ، وافتقادِ النظافةِ والمَرافقِ الصحية، والتلوُّثِ البيئي الذي أصاب المياهَ والهواء.
ولذلك ارتفعت نسبةُ الوَفَياتِ بين الأطفال (١٢٠ من كل ألفِ طفل يموتون)، وطبقًا لأبحاثِ دوليةٍ أُجريت، وُجد أن كل ثاني طفل مولودٍ يموتُ في شهرِه الأول، وأن الأطفالَ الشيشانيين يُعانون من الأنيميا وفُقدانِ سوائل الجسم، وُيولدُ كثرةٌ من الأطفالَ مرضى وضعافَ البِنيةِ ومشوَّهين.
وهناك قصور في الخِدماتِ الصحيةِ للحوامل والتوليد، فقد دَمَّر الروسُ المستشفياتِ متعمَّدين، ولا توجدُ في المستشفيات الباقيةِ سوى (٦، ٦%) من الاحتياجاتِ المطلوبة للأطفال.
وفي السنتين السابقتين للجولة الثانية من الحرب، انخَفَض معدلُ المواليد مرتينِ ونصفَ مرةِ عن معدَّلاتها الطبيعية السابقة.
ويوجدُ نَقصٌ هائل في الأدويةِ والأدواتِ الطبيةِ، حتى أصبحت الحُقنةُ الواحدةُ يتكررُ استخدامُها لمرضى آخَرين.
وهناك يأس عامٌّ ورعبٌ دفينٌ يُطِلُّ من عيونِ الأطفال الذين رَوَّعتهم أحداثُ الحربِ واجتثَّتهم من بيوتِهم وحياتِهم المستقرة، وألقت بهم في الملاجئ وأصبحت الكثرةُ الغالبةُ منهم لا يَعرِفون طريقَهم إلى المدارس
[ ٤ / ٩٦ ]
التي دمَّرتها الروس.
النساءُ الشيشانياتُ مُشكلاتُهن الصحيةُ أكثرُ حَرَجًا -خصوصًا الحوامل منهن-، فقد دُمرت المؤسساتُ التي كانت ترعاهن، وأول ما يُعانِينَ منه إصاباتُ الجهازِ الهضمي التي تؤدي إلى الوفاة بنسبة ٨٠%، هذا إلى جانب أمراضِ الكبدِ الفيروسية وسرطاناتِ الدم، وقد وُجد أن امرأةً من كل خمسةِ نساءٍ حواملَ تحتاجُ في الولادةِ إلى عمليةِ قيصرية.
استشرى مرضُ الدرن الرئوي (السِّل) بشكلٍ وبائي، ولا يوجدُ مكان للعلاج، وإذا وُجد المكانُ فلا يوجدُ أطباءُ ولا أدوية كافية، فالمستشفياتُ كلُّها تقريبًا محطَّمة، والتي لم يتم تحطيمُها معطَّلة، أو لا تعملُ بكامل طاقتها، خصوصًا بعد رحيل هيئةِ الصليبِ الأحمر الدولية على إِثْرِ مقتل ستةٍ من موظفيها على يدِ عملاءِ المخابرات الروسية.
* الروس الكَفَرةُ مصاصو الدماء:
يُطلِقُ الروسُ على الشيشانيين المسلمين لقب "مصاصِي الدماء"!! والروسُ أولى الناس بهذا، وهم -والله- وحوشُ البشرية وأعداءُ رسولِ الله - ﷺ - بل وأعداءُ الحياة، وإليك أنموذجًا صغيرًا من مجازِرِهم:
° مجزرة قرية سامشكي:
للشيشانيين تقاليدُ راسخةٌ في كَرَم الضيافة، وعِشقِ الحرية والمساواة، ورُوح الفروسية، مما تردَّد صداه في الأدبِ الروسي الكلاسيكي والكتاباتِ الأخرى، وفي الحربِ التي فَرَضَتها الحكومةُ الروسيةُ عليهم تصرفوا بشجاعةٍ وكانوا أبطالًا شرفاء، فلما انتهت الجولةُ السابقةُ من الحرب
[ ٤ / ٩٧ ]
وأُبرمت اتفاقية سلامٍ بينهم وبين القوات الروسية، نَفَّذوا بُنودَها بأمانةٍ وشرفٍ، وأفرجوا عن جميع الأسرى الروس دون أن يَمَسُّوا أحدًا منهم بسوء، أما الروسُ، فكانوا أبعدَ ما يكونون عن الأمانةِ والشرف، فلم يعبؤوا بتنفيذِ الاتفاقيةِ التي وَقَّعوها، لم يَفوا بوعودهم وعهودِهم، وكان لديهم ألفَا سجينٍ مدنيٍّ قتلوهم بلا محاكماتٍ ولا توجيهِ تُهَم إليهم.
وكان سلوكهم في الحرب سلوكَ قَتَلَةٍ وقُطَّاع طرقٍ لا سلوكَ محارِبين، وفيما يلي نموذجٌ واحدٌ من مئاتِ الجرائم التي ارتكبوها أثناءَ الحرب في حقِّ المدنيين:
فقد قامت القواتُ الروسيةُ في ٥ إبريل ١٩٩٥ م باقتحام قرية "سامشكي" الشيشانية، وأوقعوا بالأهالي المسلمين مجزرةً وحشيةً.
° يقول شهود العيان: "توجَّهْنا إلى القرية بعد خروج الروس منها لنتحققَ من خبر شاع في المنطقة بأن مجزرةً ما حَدثت في مدرسةِ أطفال القرية، فلما وَصَلْنا إلى المدرسة هالنا منظرُ عشراتٍ من جُثثِ الأطفال ممزَّقةٍ بالرصاص في أرجاءِ المدرسة، وكان هناك نساءٌ من أمهاتِ الأطفال وأقارِبهم يحاوِلْنَ جَمْعَ الأشلاء المبعثَرةِ لدفنها، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى منزلٍ أشار إليه الأهالي، فدخلناه لَنفاجأَ بمشهدٍ مروِّع لجُثثِ أطفالٍ مشنوقين بأسلاك كهرباء، معلَّقين في سقف المنزل، كانت عيونُهم جاحظةً ووجوهُهم متورِّمة .. لقد هرب هؤلاء الأطفالُ من مجزرةِ المدرسة، ولكن تتبَّعهم الجنود الروسُ إلى حيث عثروا عليهم مختبِئين في ذلك المنزل، فأمسكوا بهم وشَنقوهم هناك، ولم يَكتفِ الروسُ بقتل الأطفالِ فقط، وإنما
[ ٤ / ٩٨ ]
قاموا بإحراقِ ثلاثينَ جثةً رأيناها مبعثرةً حولَ المنزلِ المنحوس".
° فماذا فَعل الروسُ بعد المجزرة؟ لقد أحاطوا القريةَ بسِياج، ومَنعوا الدخولَ إليها لمدةِ ثلاثةِ أيام في محاولةِ لإخفاءِ معالِم جريمتهم، ولكن يبدو أنه لم يكن لديهم الوقتُ الكافي لطَمسِ كل آثارِ المجزرةِ، فأشعلوا النارَ في جُثثِ الأطفال قبلَ أن يَرحلوا (انظر في هذه الواقعة تقارير منظمة العفو الدولية في نوفمبر ١٩٩٥ م).
° وفي الجولة الثانية من الحربِ التي بدأت في سبتمبر ١٩٩٩ م -ولا تزال تطوراتُها المأساويةُ تطالِعُنا حتى اليوم-، ارتكبت القواتُ المسلحةُ الروسية جرائمَ وحشيةَ ضد المدنيين، عَرَفنا أطرافًا منها، وخَفِيَ عنَّا الكثيرُ من حقائقها وتفاصيلها؛ وذلك بسبب التعتيم الإعلاميِّ الذي تَفرِضُه السلطات الروسية بالقوةِ والتهديد بالقتل، فالصحفيون الروس ممنوعون من دخولِ أراضي الشيشان، أو التحدَّثِ مع الشيشانيين، وقد صرح بعضُهم أن تهديداتٍ بالقتل وجِّهت إليهم من مصادرَ أمنيةٍ إذا تحايلوا على الدخولِ إلى الشيشان أو نَشروا أخبارًا أو صورًا عن الحربِ غيرَ تلك التي تنشرُها السلطاتُ الرسمية في أجهزةِ إعلامها.
° وفي ٣٠ ديسمبر ١٩٩٩ م أَفرجت السلطات الروسية عن سبعةٍ من الصحفيين الأجانبِ تمكَّنوا من دخول الشيشان، وأذاعوا أخبارًا عن وجودِ مقابرَ جماعيةٍ ومجازِرَ وقعت في بلدةِ "خان يورت"، فقَبضت عليهم السلطاتُ الروسية وحَجَزتهم عدةَ أيام بحجَّةِ التحقيق معهم لدخولهم -إلى الشيشانِ بدون تصريح رسميّ، وصادرت الأفلامَ التي كانت معهم، ولكنْ تمكَّن بعضُهم من تهريبِ بعضِ صورٍ للقتلى وللمقابر الجماعية.
[ ٤ / ٩٩ ]
° في "الأوبزرفر" البريطانية قصةُ المأساةِ التي تَعيشُها قريةُ "سامشكي" مرةً ثانيةً في الحرب الحالية بعد مرورِ أربعةِ أعوامٍ على مجزرتِها السابقة، فقد قامت الصحفية" إميلدا جنتلمان" بتحقيق تحت عنوان "أسرار الحرب الانتقامية: الرعب في الشيشان محجوب عن العالم"، تحكي فيه قصةَ القرية من خلال مأساةٍ حَلَّت بأسرةٍ فيها تقول: ("مدينا عبد الرحمانوف" فتاةٌ شيشانية كَسر الروس ساقَها في الحرب السابقة، وفي هذه الحرب قَطعوا ساقَها وذراعيها جميعًا، إنها فتاة في الثانيةِ والعشرين من عمرها، مَكثت المرةَ الأولى خمسةَ أشهُر في المستشفى بعد هجوم إبريل ١٩٩٥ م، وهي ترقدُ الآن في المستشفى للمرة الثانية غارقةً في أوجاع لا تُحتمل، أجريت لها عدةُ عملياتٍ جراحيةٍ، ولكنها لم تَنجح، وهي لا تدري كم من الوقت ستبقى في المستشفى.
والدةُ "مدينا" عمرها ٤٢ سنة واسمُها "خافا" كانت تعملُ محاسبةً في مصنع تعليبِ أغذيةٍ، تقول: كنتُ أُجهزُ طعامَ العَشاءِ في مطبغ مُظلِم بدونِ كهرباء ولا غاز، عندما رأيتُ الطائراتِ الروسيةَ تُحلّقُ فوقَ القرية في الشهرِ الماضي، فأَسرعتُ أنا وابنتي إلى مخبإٍ بأسفل البيت، هو غرفةٌ صغيرة كنَّا نحفظُ فيها محصولَ البطاطس، وكنا قد أعددناه لنأويَ إليه أثناءَ الغارات في الحربِ السابقة، ولم تَزَلِ الشموعُ موجودةً به، كانت أصواتُ الانفجاراتِ تَصُمّ الآذانَ، فكنا لذلك صامِتين أثناءَ القَصْف، وبين الغارةِ والأخرى كنَّا نتحدثُ أحيانًا ماذا سنفعلُ إذا نَجَوْنا من هذه الحربِ؟ وكيف سيكونُ الحالُ إذا قُتلنا؟.
"سامشكي" التي كانت رمزًا للدمار التي أحدثتْه القواتُ الروسيةُ في
[ ٤ / ١٠٠ ]
الحرب الشيشانية الأولى، أصبح سكَّانُها أشدَ رُعبًا من القصفِ هذه المرة، ولذلك اتفقت إدارةُ القريةِ مع القواتِ الروسية أن تُخلِيَ القريةَ من المتمردين في مقابل ضمانٍ من القواتِ الروسيةِ ألاَّ تهاجمَ القريةَ. تقول "خافا": "كنا نعرفُ أنه ليس عندنا متمردون ولا مسلحون فيما عدا بعضَ صبيانٍ كانوا يَلبَسون زِي المقاتِلين وَيمشُون مزهوِّين في القرية، وقد اقتنعوا بالرحيل عن القريةِ والالتحاقِ بالمقاتِلين في "جروزني"، وعَلِم الروسُ بالأمر، ومع ذلك قَذَفوا القريةَ بوابلٍ من القنابل"، وهكذا قالت "إيمان أفديفيا" عندما تحدثنا إليها في عَربةِ قطارٍ قديمةٍ هي ملجؤها في "إنجوشيا" بعد خروجِها من القرية لتعيشَ فيها مع أطفالها الأربعة).
° وتمضي "ميلدا جنتلمان" في استكمالِ قصة "سامشكي" المنكوبة، فتكتب على لسان لاجئ ٍآخر كان يَعملُ بالشرطة الشيشانية هو "وحيد دربيشيف": "حدث أعنفُ هجومٍ روسي علينا يوم ٢٣ أكتوبر استمر لمدةِ ساعةٍ ونصفٍ متواصلةٍ، كانت الصواريخُ تُمرق سكونَ الليل في القرية وتتساقطُ علينا من كل ناحية، وفي الصباح خرجنا إلى قائدِ القواتِ الروسيةِ المرابِطِ خارجَ القرية، فقالت لنا: "لقد كان خطأً"، ووعد ألا يتكررَ هذا الخطأ، وكان علينا أن نَقبلَ الوعد، فلم يكن في مقدورنا الخروجُ من القريةِ والرحيلُ إلى "إنجوشيا"؛ لأن الطريقَ الذي كان مفتوحًا لسَفَرِ اللاجئين أغلقه الروسُ بحُجةِ أنهم لا يستطيعون التمييزَ بين الأهالي وبين الإرهابيين، وفي ٢٥ أكتوبر عاد الروسُ لقَصفِ القريةِ مرةً أخرى، وفي هذا الهجومِ ارتَفع عددُ الضحايا كثيرًا، وغضب الأهالي، فذهبوا يَشكون إلى إدارة القرية، فقيل لهم: "لا حيلةَ لنا مع الروس إنهم يَعِدُون وُيخلِفون".
[ ٤ / ١٠١ ]
استمَّر القصفُ بعد ذلك لعدةِ أيام دون انقطاع والأهالي قابعون في المخابئ لم يجرؤ أحدٌ على الخروج أثناءَ النهار، كانت المحلاَّت التجارية مغلقةً، ولم يَذهبْ أحدٌ إلى العمل، فالمصانع أيضًا كانت مغلقة".
° وتمضي "إميلدا جنتلمان" تستكمل قصةَ قرية" سامشكي" على ألسِنةِ أهلها في المهجر: "بعيدًا في إنجوشيا التقيتُ بالطفل "رستم دربيشيف" ١٢ سنة كانت أسرتُه قد أرسلته إلى إنجوشيا ليعيشَ في خَيمةٍ مع إخوته الثلاثة .. يقول: بدأ الروس يَقصِفون القرية، ثم دخلوها وقتلوا ابنةَ عمتي، وقتلوا جدي برصاصةٍ في ظهرِه، وكَذَبوا علينا عندما قالوا: إنها كانت حادثةً، لقد بدأتُ أكرهُ الروسَ من قلبي.
ويعقِّبُ "وحيد أبو رستم" يَصِف الهجومَ الذي قُتلت فيه ابنةُ أخته: بدأ الهجوم الساعة ٨.١٩ مساء يوم ٢٦ أكتوبر، واستمرَّ طول الليل .. كل شيء في القرية كان يحترق .. لم نكن قد تمكَنَّا من إعادةِ قطيع الماشية من الحقول .. وكان الروس ُيقتُلون كلَّ شيءٍ حيّ يتحرك على الأرض .. قتلوا البقرَ والكلابَ والقِططَ لم يتركوا شيئًا .. في تلك الليلة قُصف منزلُ أختي فأُصيبت في رأسها وعمودِها الفَقري، وقُتلت ابنتها على الفور .. في الصباح أسرعت إلى منزل أُختي، فحَمَلتها إلى المستشفى .. ولكني وجدتُ المستشفئ مليئةً بالجرحى .. رأيتُ الجحيمَ في المستشفى: أكوامٌ من البشر بدون أذرعٍ وبدون أرجل، وأنينٌ يفوقُ الاحتمال .. نَصَحني الطبيب أن نَذهبَ إلى مستشفى أخرى، فأخذتُها وذهبُ، وكانت الطائراتُ الروسية تحومُ فوق رؤوسنا .. كانت أختي تهلوسُ ودرجة حرارتِها مرتفعةٌ، وتقول
[ ٤ / ١٠٢ ]
في أنينٍ: "كانت ابنتي بجانبي طوالَ الوقت فأين ذهبت .. أين ذهبت؟ ".
° في ذلك الصباح أُصيبت "مدينا" عندما خرجت من مخبئها تُحضِّرُ بعضَ مياهٍ للشرب، تقول أمها: "توقفَتِ الغارةُ ذلك الصباح، وظننَّا أن هذا كان نهايةَ الهجوم فخَرَجْنا، وعندئذٍ استأنف الروسُ غاراتِهم من جديد، وكان منزلُنا أولَ منزلٍ تُصيبُه القذائف .. استعنت بجارٍ لنا، حَمَلناها في سيارته، وذهبنا نبحثُ عن مستشفى، ولكنَّ الطائراتِ كانت تَقصِفُ طريقَنا والسيارةُ تسيرُ بسرعةٍ كبيرةٍ، وظننا أن نهايتنا قد اقتربت".
° يتذكرُ أهالي قرية "سامشكي" المتقدمون في العُمر أنها كانت قريةً جميلةً آمنةً ترقدُ في أحضانِ النهرِ وتمتلئُ حقولُها بأشجارِ التفاح، أما اللاجؤون العائدون منها حديثًا، فإنهم يقولون: "إنها أبشعُ الأماكنِ وأكثرُها خرابًا"، ويقول أحدُهم واسمه "حسبو اللاطوف"، عمره ٦٣ سنة، رَحَل منها الأسبوع الماضي: "الذين قرَّروا البقاءَ في القرية يلاقُون أسوأَ معاملةٍ وأقسى اضطهادٍ من الجُنود الروس، فهؤلاء الجنودُ لديهم تعليماتٌ لتطهيرِ القريةِ من سكانها .. إنهم يُفتِّشون البيوتَ كل يوم، ويقرؤون كل ورقةٍ فيها بحُجةِ البحثِ عن أسلحةٍ، ويَقتحِمون البيوت المهجورة، فيَسرقون كل ما فيها لا يتركون شيئًا من الدقيقِ أو الأجهزة الكهربائية .. حتى لَعبِ الأطفال".
سكانُ قرية "سامشكي" عشرةُ آلافٍ، هَرَب نصفُهم لاجئين، وأما الباقي، فبعضُهم من كبارِ السنِّ أقعَدَهم العجزُ، والآخرون فضَّلوا البقاء في وطنهم مع خطرِ الموت على عذابِ اللجوء والتشرد.
[ ٤ / ١٠٣ ]
* بوتين الرئيس الروسي عدو الله ورسوله - ﷺ - وعدوُّ الحياة:
المتعطشُ للثأر من المسلمين، وعصابتُه الذين اغتالوا كلَّ مَظهر من مظاهرِ الحياة في الشيشان -وخاصةً عاصمتها جروزني- بجيشي روسي نظامي لا يَقِل عن نصفِ مليون، كما قال المجاهد "خطَّاب" -﵀- وعلى رأسِ الأبالسةِ من عصابة "بوتين" الجنرال "أناتولي كفاشني" رئيسُ الأركان القائل: "لابدَّ في هذه المرة من استئصالِ الداءِ من جذورِه قبل أن تستشريَ العَدْوى في كل مكان".
و"فيكتور كازانتسيف" قائدُ قواتِ منطقةِ شمال القوقاز (٥٤ سنة، كولونيل جنرال)، رغم أنه لم يَشتركْ في الحرب السابقة، ولكن أُصيب فيها ابنُه بجُرح بليغ، ربما يفسِّرُ عُنفَه وحدَّته، إنه يجيدُ الوقوفَ أمام الكاميرات والحديث إلى التلفاز، وكثيرًا ما صرخَ قائلًا: "لقد تعلمْنا من الشيشانيين أشياء، وجاء دَوُرنا لنعلِّمَهم الكثير".
و"فلاديمير شمانوف" قائدُ الجبهة الغربية (٤٢ سنة، جنرال بنجمة واحدة)، كان من قادةِ الحربِ السابقة، وعندما قيل له: "كن رحيمًا بالنساء البريئات"، قال ساخرًا: "عن أيِّ نساءٍ بريئات تتحدثون؟! ليس في الشيشانِ إلاَّ مجرمون" .. إنه من أشرسِ الشخصيات في الجيش الروسي، ويكرهُ الشيشانيين كراهيةً عمياءَ.
و"جينادي تروشيف" قائدُ الجبهة الشرقية (٥٢ سنة، جنرال بنجمتين)، من قادة الحرب السابقة، كان معتادًا على التفاوُضِ مع الأهالي لإقناع المتمرِّدين بالخروج من بلدةٍ ما، فإذا خَرجوا دَكَّها بالمدافع كنوع من
[ ٤ / ١٠٤ ]
العقوباتِ الجماعية، فهو رجلٌ لا يَرحم ولا يَرعى شرفَ الكلمة.
أسقط المجرمون القنابلَ الإنشطاريةَ -زنِةَ خَمْسِمئةِ كيلو جرام من المتفجرات-، وأَسقطت الطائراتُ الروسية قنابلَ النابالمَ المحرَّمة دوليًّا، وقنابلَ الغازِ السامِّ، والأسلحةَ غيرَ التقليديةِ ذاتَ الدمار الشامل.
وقَدَّرت المصادرُ الشيشانيةُ حَجمَ خسائرِ الشيشان في الحصارِ بين حَرْبَيْ ٩٤ - ٩٩ بنحو ٢٥٠ مليار دولار.
لم يَرحم العدو الروسي الهمجي أيَّ شيءٍ، وسَوَّى بالأرضِ المساكنَ والمستشفياتِ والمؤسساتِ والمصانع، وأصبح الشعبُ في العَراء.
أجهَزَتِ الحربُ حتى ٩/ ٩/ ١٩٩٦ م على كل شيءٍ تقريبًا:
هنا ١١٠ آلاف راحوا شهداءَ، وبَقِيَ ١٥ ألفًا من الجرحى بينهم ١٤ ألفًا من الأطفال، وتفشَّت أمراضُ الحرب، وأبرزُها مرضن الصدر الذي افترس ٥١٠٠ شخص، ٧٠% منهم رجال، وهذا هو المسجَّل فقط .. ولم يَبقَ في المدينة حَجَرٌ على حجر، واختفت كل مظاهِرِ الحياة.
والغريبُ أن الغربَ الصَليبي الذي كان يُدينُ وُيندد بالموقف الروسي قَدم لروسيا مساعداتٍ في الحرب (ما بين سنة ٩٤ - ٩٦) بلغت (١١.٥) مليار دولار .. فماذا يكون الحالُ إذن في هذه الحربِ التي انقلب فيها موقفُ الغربِ الصليبي مئةً وثمانين درجةً لصالح الموقفِ الروسي على الصعيد السياسي والإعلامي؟!.
وهل يُصدق عاقل في هذه الدنيا ما يقولُه الدبُّ الروسيُ -بل قل الشيطان- عن المسلم الشيشاني بأنه هجمي، ومصاصُ دماءِ، وقاطعُ طريق،
[ ٤ / ١٠٥ ]
وقائدُ عصاباتِ لصوص، وإرهابيٌّ، وبربري، وكما يَصِفُهم كتابُ وزارة الداخلية الروسية "النظام الإجرامي من ١٩٩١ إلى ١٩٩٥ م "؟!.
الفكرةُ الأساسية للكتاب تتركَّزُ حولَ تصويرِ الشيشان بأنها دولةُ عبيد، وأحدُ فصولِه يَحملُ عنوان "عبيد القرن العشرين"، وهو محاولةٌ للتأثير على القارئ، بل حَمْلِهِ على الاعتقادِ بانحطاطِ أخلاقِ الشيشانيين، حيث يَصِفُهم بالوحشيةِ والساديةِ والتعصُّبِ والفاشية، بل يتهمُهم بأنهم مسؤولون عن إدمانِ الشبابِ الروسي للفودكا وإغرائهم بالإفراطِ فيها.
الكتابُ حافلٌ بمثل هذه الاتهاماتِ والسبابِ المُقذع دون تقديم أدلةٍ أو وقائعَ تُثبِتُ هذه الاتهامات، وتتلخصُ رسالةُ الكتاب في آخِرِ عبارة وردت به: "لقد نَفِد صبرُ الشعب الروسي .. فمن لهؤلاء المجرمين لكلي يوقفوهم عند حدودهم؟ ".
° في الصحافة كتب "ميخاييل بارسكوف" في "أخبار موسكو" (٢٠ يناير ١٩٩٦ م يقول: الشيشاني قادر فقط على القتل، فإذا لم يَستطع ذلك فإنه يسطو، فإذا لم يستطع السطوَ يسرق، وليس هناك نوع آخرُ عن الشيشانيين خلاف ذلك".
° هذا ما يقول الدب الروسيُ "بوتين" وعصابتُه أبالسةُ البشر. . ولكن الله يمهلهم .. حتى إذا أخذهم لم يُفلِتهم لإجرامِهم في حق المسلمين أتباع رسول الله - ﷺ -.
* عدو اللهِ - ﷺ - المتعصبُ الروسيُّ الأحمق"جيرنيوفسكي":
° يقول المتعصب الروسي "جيرنيوفسكي" الذي ظَهرَ أخيرًا بقوةٍ
[ ٤ / ١٠٦ ]
على المسرح السياسي بعد انهيارِ الاتحاد السوفيتي: "إن جميعَ مصائب روسيا آتيةٌ من الجنوب (^١)، ولابدَّ من حملة ٍصليبيةٍ يشُنُّها الجيشُ الروسيُّ للوصولِ إلى شطآنِ المحيطِ الهنديَّ والبحر ِالمتوسِّط"
° ويقول أيضًا: "فالجنسُ التركي الملعونُ (!!) هو الجنسُ الذى هدد أوربا -ولايزل-، وهو الجنس الذى دمر "القسطنطينية"، وقرع أبواب "فيينا"، وشن حربَ إبادة على العِرْق السُّلافي" (^٢).
° وفي مقابلةٍ مع هذا الحاقدِ العنصري، يقول: "سنطرحُ تجزئةَ تركيا وإيران أفغانستان بوَصفِها دولًا مُصطنعةً لا آفاقَ لها، خُذ تركيا مثلًا: فقيل خمسة قرون ركِبَ الأتراكُ خيولَهم ويمَّموا صَوبَ الغَرب، حيث كانت تزدهر الإمبراطورية البيزنطية بعلومها وفنونها، الآن هناك "استنابول" بدلًا من القسطنطينية، إنه اغتصابُ أراضيِ الغير، ينبغي أن تعودَ الأمورُ إلى نِصابها، وأن يتَحدَ العالَمُ المسيحيُّ مجدَّدًا في القدس، وأن تصدحَ في القسطنطينية أجراسُ الكنائس .. إذا لَم نتحرك نحوَ الجنوبِ فإنهم (^٣) سيَصعدون إلى الشمال، وليس ثَمَةَ خِيارٌ ثالثٌ" (^٤).
° يقول الأمير "شكيب أرسلان": "إن الروح الصليبيةَ لم تَبرحْ كامتةً في صُدور النصارى كُمُونَ النَّارِ في الرماد، وروحَ التعَصُّبِ لم تنفَكَّ مُعتلِجَةً في قلوبهم حتى اليوم ِكما كانت في قلبِ "بطرس الناسك" من
_________________
(١) أي: من المسلمين.
(٢) جريدة "الحياة" ٦/ ٥/ ١٩٩٤.
(٣) المسلمون.
(٤) جريدة "الحياة" ١٠/ ٥/ ٩٤، وكتاب التعصب الأوربي أم التعصب الإسلامي مقدمة لمحمد العبدة (ص ١٢ - ١٣).
[ ٤ / ١٠٧ ]
قبلُ، وإنَّ ما يَدْعُوه الفرنجةُ عندنا في الشرق تعصبا مذمومًا، هو عندهم في بلادهم العصبيةُ الجنسيةُ المبارَكةُ والقومتةُ المقدَّسة" (^١).
* "غودفروا كورت" الصليبي وكتابه "الصليب والهلال":
° يقول "غودفروا كورت" في كتابه "الصليب والهلال" الذي كتبه في سنة ١٨٨٩ م: "إن الإسلامَ قد عَمِل ما لم يَقْدِرْ أن يَعْمَلَه -بل ما لم يجرؤ أن يَعملَه- دينٌ آخرُ؛ وذلك بأن الصليبَ تغَلَّبَ على كل شيءٍ أمامه، وجاء الإسلامُ أحيانًا فتغلب عليه، وكان الصليبيون يقولون في قتال الإسلام: هكذا يريدُ الله، ونحن يمكنُنا أن نُعيدَ اليوم العبارةَ نفسَها، وأن نحاربَ العدوّ الذي حارَبَه آباؤنا".
° ولا يزال التاريخُ يذكرُ أن أولَ من دعا الأوربيين إلى حربٍ صليبيةٍ هو البابا "سلفستر الثاني" -وذلك سنة ١٠٠٢ م-، ثم جاء البابا "غريغوريوس السابع"، فاستنفر جميعَ ملوكِ أوربا لحربٍ دينيةٍ ضدَّ الإسلام، وذلك سنة (١٠٧٥).
° ولمَا سقطت "عكا وصور"، كتب البابا "نيقولا الرابع" كتابًا تاريخُه ٢٣/ ٨/ ١٢٩١ إلى "فيليب لوبيل" ملك فرنسا، يُظهر له به أَلَمَه، ويستنجدُه ليجمعَ كلمةَ ملوكِ النصارى، ويتتقمَ من الإسلام، ولكن البابا مات قبل تحقيقِ أمله (^٢).
° وتقدَّم البابا "أكليما ندوس الخامس" إلى "جاك دوموليه" رئيس
_________________
(١) "حاضر العالم الإسلامي" (١/ ١٣٧).
(٢) "تعليقات الأمير شكيب أرسلان على مئة مشروع لتقسيم الدولة العثمانية" (ص ٢٨).
[ ٤ / ١٠٨ ]
نظام الفرسان الهيكليين "فرسان المعبد أو فرسان الهيكل" "الداوية" بترتيبِ برنامجٍ لمحاربةِ المسلمين، وذلك سنة ١٣٠٧ م، فأشار هذا الرئيسُ بجمع كلمةِ النصرانية على قتالِ المسلمين، وأنه لا يجبُ أن يَقِل الجيشُ عن خمسةٍ وستين ألفَ مقاتل، وأن يكون معزرًا بأسطولٍ يرسو في مياه قبرص (^١).
° وكتب البابا "سيلفويورس" إلى السلطان "محمد الخامس" سنة ١٤٦٣ م يدعوه أن يتنصَّر، وقال له: "بقليل من الماءِ على بدنك تتعمَّدُ وتصيرُ نصرانيًّا خادمًا للإنجيل، فإن فعلتَ هذا لا يكونُ على وجهِ الأرض مَلِكٌ يمكنه أن يفوقَك في المجدِ والاقتدار" (^٢).
* الصليبيُّ المجرم "بيوس الخامس":
ما أسمَجَ هذه الرسالة، وما أقل عقولَ هؤلاء القُسُس!!.
° ومِن أعداءِ المسلمين المتعصبُ الصليبي القذر "البابا بيوس الخامس" الذي جَمع جيوشَ فرنسا وإسبانيا والبندقية وملوكَها لمحاربةِ العثمانيين والانتصارِ عليهم في خليج "ليبانت" (^٣) سنة ١٥٧١ م.
ومن أراد التوسُّعَ في عمل الصليبيين ضد الإسلام، فليقرأْ كتاب "مئة مشروع لتقسيم الدولة العثمانية"، يستوي في ذلك الرجال والنساء .. وما أمرُ "إيزابيللا" ملكة أسبانيا، و"كاترينا الثانية" إمبراطورة روسيا -الألمانية الأصل- منا ببعيد.
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣٢).
(٢) المصدر السابق (ص ٣٤).
(٣) خليج ما بين شبه جزيرة المورة وبقية شمال اليونان عند مدينة ليبانت.
[ ٤ / ١٠٩ ]
° ضع إلى جانبِ هولاء الأفعى اليهودية عَدوَّةَ الله ورسوله - ﷺ - بدءً من "هرتزل، وبن جوريون، ومناحم نيجين، وشارون، ورابين، وموفاز، وكيسنجر" .. ولا ننسى الأفعى عدوَّةَ رسولِ الله - ﷺ "جولدا مائير" التي وصفها "بن جوريون" في مذكِّرَاته بإنها "الرجل الوحيد في إسرائيل"، وهي التي طافت بدولِ الغرب، وجَمَعت المال لقيام دولةِ "إسرائيل" .. عليها لعنةُ الله ولعنةُ اللاعنين.
* أمريكا عدوة رسول الله - ﷺ - و"عاصفةُ الصحراء" أو "المَجْدُ للعذراء":" Avemary".
لقد كان الاسم الكوديُّ لمعركةِ العراق كفيلًا بأن يفهم أي غَبِيًّ مراميه، كان " Ave mary"، وتعني "المجد للعذراء" فهولاء السفلةُ الفُجَّارُ نسبوا للعذراء الطاهرةِ ما هي منه براء (^١).
° وقال الدكتور محمد عباس: "إن الاسمَ الرمزيَّ لحرب تدميرِ العراق ليس "عاصفة الصحراء"، بل "المجد للعذراء - AVe Mary"، كانت هذه الترتيلةُ الكنسيةُ في تحيةِ وتمجيد العذراء مريم هي الصيحةُ التي أطلقها السفاحُ "شوارتسكوف" مع أولِ صاروخ في حرب الخليج، ولقد كتبوا على صاروخ منها: "إن كان محمدهم لا يستجيبُ لدعائهم، فليدعوا المسيح".
وفي مخبأ "العامرية" في بغداد قُتل مئات المدنيين، من بينهم أكثر من أربعمئة طفل بصاروخٍ من صوريخ المجزرة الأطلسية في حرب
_________________
(١) "بغداد عروس عروبتكم" (ص ٢٢٣ - ٢٢٤) للدكتور محمد عباس -مكتبة مدبولي الصغير.
[ ٤ / ١١٠ ]
الخليج" (^١).
قبلَ دخول أمريكا العراق قَدَّم "رامسي كلارك" شكوى جنائيةً ضدَّ الولاياتِ المتحدة الأمريكية لتسبُّبِها في موتِ أكثرَ من مليون ونصف مليون شخص- بينهم (٧٥٠.٠٠٠) طفل دون الخامسة -عن طريق عقوباتِ الإبادة الجماعية.
° ماذا فعلت أمريكا بالعراقيِّين في حرب الكويت قبل غزوِها واحتلالها للعراق نفسه؟! هذا ما يقصُّه علينا الدكتور محمد عباس في كتابه "بغداد عروس عروبتكم" (ص ٢١٨ - ٢٢٥): "يقول الطيار الأمريكيُّ "ريتشارد وايت" عن الغارات الجوية على العراق: إنها كانت "تكاد تُشبِهُ إضاءةَ المصباح في المطبخ ليلًا، فتنطلق الصراصيرُ مسرعةً فتقتلها".
° لم يكنِ القرارُ قرارَ الأمم المتحدة، كان قرارَ أمريكا المجرمة، ولقد نشرت صحيفةُ "الإندبندنت" أن "صدام حسين" قال للأمين العام للأمم المتحدة: "إن قراراتِ الأمم المتحدة كانت في الواقع قراراتٍ أمريكيةً، وليست ما يريدُه مجلسُ الأمن" .. فرد عليه: "أوافقك الرأي".
أظهَرَ شريطُ فيديو متطورٌ التُقط ليلًا المجنَّدين العراقيين سيئي الحظَّ والنارُ تطلَق عليهم في الظلام، وبعضُهم قد تمزَّق بفعل قنابل المدفعية.
° وكتب "جون بالزار" من صحيفة "لوس أنجيلوس تايمز" يقول، إن العراقيين كانوا: "مِثلَ قطيعٍ من الغنم أُخرج من حظيرته، كانوا مصعوقين
_________________
(١) "إني أرى الملك عاريًا" للدكتور محمد عباس (ص ١٥٨).
[ ٤ / ١١١ ]
ومرتعِبين، استيقظوا فزِعين فارِّين من خنادقِ النار، كانوا يُذبَحون واحدًا بعد الآخَر على أيدي مهاجمين لا يستطيعون رؤيتَهم أو فهمهم، ومزَّقت بعضَهم انفجاراتُ قذائفَ مدفعيةٍ عيار (ثلاثين ملم)، وسقط جندي وتلوَّى على الأرض وحاول النهوض، ولكن انفجارًا آخَرَ مزقه إرَبًا".
° الطيارُ الأمريكي المجرم "رون بالاك" يفخر قائلًا: "عندما عدتُ جلستُ على جَناح الطائرة ورُحتُ أضحك، ربما كنتُ أسخرُ من نفسي، أتسلل إلى هناك، وأضربُ هنا، وأضرب هناك، اقترب رجل مني وربَّت كلٌّ منَّا على ظَهرِ الآخر، ثم قال: يا إلهي، ظننتُ أننا قَصَفْنا مزرعةً، بدا وكأن أحدًا قد فتح بوابةَ حظيرةِ الخراف".
° أما القرصانُ الضابط "براين ووكر"، فقد كان يتطلِعُ إلى المزيدِ من نفسِ النوع من القتل حيث قال: "لا يوجد ما يمكنُ أن يُخرجهم من أماكنهم مثل الآباتشي -طائرة هجومية-، سيكون الأمر مِثلَ صَيدِ البط".
أحدث العَرضُ الشامل للأسلحة المتطوَّرةِ مجزرةً جماعيةً لعدوًّ لا حول له ولا قوة، استَعملت الجيوشُ الأمريكيةُ والبريطانيةُ قاذفةَ صواريخ من طراز" MLRS" وكلُّ عربةٍ من هذا النوع تستطيعُ إطلاق اثنَي عَشَرَ صاروخًا لمسافةٍ تزيدُ على عِشرينَ ميلًا، وُيطلِقُ كل صاروخ من هذا النوع ثمانيةَ آلافِ قنبلةٍ مضادةٍ للأفراد".
° في المراحل الأخيرةِ من الحرب أطلَقَ الجيشُ الأمريكي عشَرةَ آلافِ قذيفة " MLRS" في حين أَطلقت القواتُ البريطانية ٢٥٠٠ قذيفةٍ أخرى.
[ ٤ / ١١٢ ]
° قنابل "روك" -أي العنقودية- تحتوي الواحدةُ منها على (٢٤٧) قنبلةً يدويةَ ضدَّ الأفراد تنفجرُ إلى ألفَيْ شظيةٍ عاليةِ السرعة كالمُوسَى تُمزَّق الأشخاص".
° ويقول: "بدأت هذه المرحلةُ من المذبحة عندما رَصدت الطائراتُ الأمريكيةُ أرتالًا من الرجالِ اليائسين في طوابيرَ من العَجَلاتِ العسكرية والمَدَنيةِ متَجهةً صَوبَ العراق، كان العراقيون وقتَها يَلتزمون بمطالبِ الأمم المتحدة بالانسحاب من الكويت، غيرَ أن هذا الانسحابَ الواضحَ لم يُنقِذْهم، وتعاقَبت الطائرتُ الأمريكيةُ على شنِّ الغارات، فكانت المذبحةُ كاملةَ .. هُوجم العراقيون الهاربون، وأَسَرَهم الكويتيون بلا رحمةٍ بالقنابل العنقودية التي تَقطَعُ اللحمَ البشري قِطَعًا صغيرةً .. كانت المجزرةُ جهنميةً، واستمرث ساعاتٍ عدةً، وتناثرت الجثثُ والأشلاءُ المقطعةُ في كل مكان، وتَحَجَّر بعضُ الجثثِ في العجلات، واحترق بعضُها الآخر، ولم يَتبقَّ من الوجوه سوى الأسنان".
° عَلق ضابطُ الاستخباراتِ العسكريةِ المقدِّم "بوب نجنت" أنه لم يشاهِدْ مِثلَ هذه المجزرةِ حتى في "فيتنام".
° ووردت تقاريرُ بأن قواتِ التحالُفِ استعملت البلدوزرات لدفنِ الآلافِ من قتلى العدوّ في الخنادق، وأثناءَ تقدمها قُتل جنود عراقيون كثيرون بدفنهم أحياءً.
° العقيدُ الأمريكي "لون ماغارت" يُقدِّرُ أن القوةَ التابعةَ له قَتلت ٦٥٠ عراقيًا (^١) .. ومثالًا على البربريَّة الأمريكية:
_________________
(١) "بغداد عروس عروبتكم" (ص ٢٢) للدكتور محمد عباس- مكتبة مدبولي الصغير.
[ ٤ / ١١٣ ]
° تحت عنوان "المجد للشيطان" كتب الدكتور محمد عباس قائلًا: "كان ما حَدَث في مخبأِ إلعامرية مجدًا للشيطان، وأيَّ مجد!.
هاجمت طائرةٌ أمريكيةُ من نوع "الشبح" ملجأَ العامرية بصاروخ موجَّهٍ بالليزر مُحدِثًا فتحةً في السطح والسقفِ، وانفجر في مستشفى الملجإ، وبعد أربع دقائقَ وُجه صاروخٌ اَخَر عَبَر الفتحةَ نفسَها التي أحدَثها الصاروخُ الأول، وأغلق انفجارُ الصاروخ الثاني الأبوابَ الفولاذيةَ التي يَبلغُ وَزنُها ستةَ أطنانٍ وسُمكها نصفَ متر، وأَحرق مئاتٍ عدةً من الأشخاص، في الطابق الأعلى، تبخَّر كثيرون منهم بالحرارةِ، التي بَلغت درجتُها آلافًا عدةً والمتولِّدةِ من الانفجار، وكان مصير مئاتٍ عدةٍ من الأشخاصِ الغَلَيانَ حتى الموتِ في مياه المراجِل الضخمةِ المدمَّرةِ في الانفجار.
لا يُعرفُ على وجهِ التأكيد عدد المدنيين الذين قُتلوا في ملجإِ العامرية في تلك الليلة، كان السجِل المدونةُ به أسماءُ الأشخاص الذين احتَمَوا بالملجإِ قد أُودع في الملجإِ نفسِه ولم يَعُدْ له أثرٌ، ولكن من المعروف أنه قَبل تلك الليلة، كان (١٥٠٠) شخصٍ يُوقِّعون عند دخول الملجإِ كل ليلة، وعُثر بعدَ الجزرةِ على أحدَ عَشَرَ شخصًا قذف بهم خارجَ الملجإ، وبعد ساعاتٍ عدةٍ مرعبةٍ استُخرجت من البناية البقايا السوداءُ المشوَّهةُ لأربَعِمئةٍ وثلاثةِ أشخاص، وقُدر أن مئاتٍ عدةً من الأشخاص قد احتَرقوا وتبخَّروا ولم تَعُدْ ثَمَّةَ وسيلةٌ لتحديدِ هُويَّتِهم أو حتى عددِهم، ووَصَف شهودٌ -منهم "تام دالي" العضو العمالي في البرلمان البريطاني- آثارَ النساءِ والأطفال المتفحِّمةَ على جُدران الملجإ، تفحمت طَبعات أقدامٍ وأيدٍ صغيرةٍ على الجدران والسقوفِ، وانطبعت على جدرانِ الطابق الأسفل عند علامةِ الماء في
[ ٤ / ١١٤ ]
الخوانات المتفجرة آثارُ اللحم البشريِّ على ارتفاع خمسةِ أقدام" (^١).
* جرائمُ الإِبادةِ الأمريكية للمسلمين في العراق وأفغانستان وفلسطين وغيرها:
إن هذه الصفحاتِ تكتب بدموع العين ودماءِ القلوب .. كل سطر فيها يَنطق بالبربريةِ والوحشيةِ الأمريكيَّة .. كلّ حَرف فيها يكتب بالقنابل العُنقودية المحرَّمة دوليًّا .. وإذا جمعت مذابحُ المسلمين في كلِّ مكان، فهي ضئيلة بالنسبة لِمَا حَدَثَ ويَحدُثُ في العراق وأفغانستان، والسلاح الأمريكى في فلسطين يُسيلُ أنهارَ الدماء المسلمة، والقتلُ الوحشي والجماعيُّ للأطفال والشيوخ، بل ودَفنُ المسلمين أحياءً، والاغتصاب الجماعيُّ للفتيات والنساء، وما سِجنُ "أبو غريب" مِنَّا ببعيد .. قَتلُ الأخضر واليابس، وقَتلُ الحياة كأبشع ما يكون القتل: بَقْر بطونِ الحوامل، واغتصابُ الحرائر، وذَبحُ الشيوخ والأطفال، والشذوذ مع الرجال .. رأسُ الأفعى أمريكا تُهدِّدُ العالم، ونحن قطعانٌ تُساق إلى المجزرة .. أجسادُنا أجسادٌ ممزقةٌ بمخالبِ الوحوشِ الأسطورية.
° لقد فعلت أمريكا بالبشر ما لا يُصدِّقه عقل، يقول "تشومسكى" عن القتل الذي يُمارسه الأمريكيون غِلاظُ الأكباد: "لم يكن عملُ القوَّاتِ التي حَركناها هو القتلَ العادي، ولكن كان بصفةٍ رئيسيةٍ القسوةَ والتعذيبَ الساديَّ: تعليقُ النساءِ من أقدامِهن بعد قطع أثدائِهن وتقشيرِ بَشَراتِهن، قَطعُ رؤوس الناس وتعليقُها على خوازيق، وضرب الأطفال بالحوائط".
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣٣٤ - ٢٢٥).
[ ٤ / ١١٥ ]
لا تكتفي فِرقُ الموت بقتل المواطنين، بل تَفْصِلُ رؤوسَهم وتَضعُها على خوازيق .. تَنزعُ أحشاءَ الرجال، وتَقطَعُ أعضاءَ ذكررتهم، وتَضعُها في أفواههم .. ولا يكتفي الحرسُ الوطنيُّ باغتصابِ النساء، بل بقطع أرحامهن، ولا يَكتفي بقتل الأطفال، بل يَسحبهم على الأسلاكِ الشائكةِ، أمامَ أعيُنِ آبائهم" (^١).
° واللهِ لو أن شياطينَ الإنسِ والجن اجتمعوا لدمارِ قُطرٍ ما زادوا على ما فَعَلَتْه أمريكا بأهل العراق وأفغانستان .. وهي رأسُ الشرَّ ضدَّ المسلمين في كل مكان .. فلعنةُ الله على النصارى الصليبيين الذين روعوا ديارَ المسلمين وملؤوها دماءً ودموعًا .. واللهُ حسيبهم، وهو المنتقمُ منهم .. وإن غدًا لموعدهم قريبًا.
* القَسُّ المجرمُ عدوُّ الله ورسوله - ﷺ -: زكريَّا بطرس، أقذرُ أهل الأرض:
نعم .. هو أقذرُ أهل الأرض وأنتنُهم وأقبحُهم وأفجرُهم، وأشدُّ أعداء النبي - ﷺ -، ما نال في عصرِنا أحدٌ من نبيِّنا ما نال، وما حَقد أحدٌ على نبينا ما حَقَد هذا اللئيمُ، وما افترى أحد على نبينا ما افترى هذا الخنزيرُ عارُ البشرية الذي يبثُّ سمومَه على قناتِه "الحياة" وهو عدوُّ الحياةِ والبشرية .. واللهِ لو لَقِيتُه يومًا لَثأرتُ لرسولِ الله - ﷺ - ثأرًا يقربني من رسول الله - ﷺ - مثلما فَعل "صلاح الدين" مع الفارس اللص "أرناط".
° إنَّ نهايةَ هذه الأكاذيبِ المتفشية، ونهايةَ هذه الغطرسةِ العنصريةِ وتلك الثرثرةِ المنشورة، نهايةُ كل هذا سُمٌّ مصفًّى يتسرَّب في شرايينِ هذا
_________________
(١) "بغداد عروس عروبتكم" (ص ٣٣).
[ ٤ / ١١٦ ]
الوغد الذميم القمِيء "زكريا بطرس".
[ ٤ / ١١٧ ]
* رأسُ الأفعى الصليبيةِ المصرية بطريك الأرثوذكس:
° من خطابِ "البابا شنودة" لشعبِ الكنيسة في مصر نقرأُ ما يلي: "يجبُ مضاعفةُ الجهودِ التبشيريةِ الحالية، إذ إن الخُطةَ التبشيريةَ التي وُضعت على أساس اتُّفق عليه للمرحلةِ القادمة، هو زحزحةُ أكبرِ عددٍ ممكن من المسلمين عن دينهم والتمسك به، على ألاَّ يكونَ من الضروري اعتناقُهم المسيحية، فإنَّ الهدفَ هو زعزعةُ الدين في نفوسهم، وتشكيكُ المجموع الغفيرةِ منهم في كتابهم وصِدقِ محمد، ومِن ثَمَّ يجبُ عملُ كلِّ الطرقِ واستغلالُ كلَّ الإمكانيات الكَنَسيةِ للتشكيك في القرآن، وإثباتِ بطلانِه وتكذيبِ محمد.
[ ٤ / ١٣١ ]
وإذا أفلَحْنا في تنفيذِ هذا المخطَّطِ التبشيري في المرحلة المُقبلةِ فإننا نكون قد نَجَحْنا في إزاحةِ هذه الفئةِ من طريقنا، وإن لم تكن هذه الفئاتُ مستقبلًا معنا فلن تكون علينا.
غيرَ أنه ينبغي أن يراعى في تنفيذِ هذا المخطَّط التبشيريِّ أن يَتِمَّ بطريقةٍ هادئةٍ لَبِقَةٍ وذكيَّةٍ، حتى لا يكونَ ذلك سببًا في إثارةِ حفيظةِ المسلمين أو يقظتهم" (^١).
هذا الذي جاب الأرضَ شرقًا وغربًا دَعْوَةً إلى التنصير .. وهو المسؤول الأوَّلُ عمَّا يفعلُه الأرثوذكس بالمسلمين وعلى رأسِهم الصرب، فبكلمةٍ منه واحدةٍ كان يستطيع أن يمنعَ مجازرَ الصربِ للمسلمين، ولكنه لم يفعل، ولن يفعلَ مع أيِّ مجزرةٍ للمسلمين.
وللأرثوذكس في مصرَ الكذب الفاجرُ بادعاءِ اضطهادِ المسلمين لهم وحرمانِهم من المناصبِ العُليا في الدولة.
وهذه نسبتُهم في مصر سنة ٢٠٠٦ من موقعٍ لا يُحابي ولا يُجامل المسلمين في أي يوم من الأيام، وهو موقعُ جهاز المخابرات الأمريكية يوليو ٢٠٠٦.
www.cia.gov/library/publications/the-world-factbookprint/eg.html
عدد سكان مصر في يوليو ٢٠٠٦ هو:
(population:٧٨.٨٨٧.٠٠٧ (july ٢٠٠٦ est
_________________
(١) انظر كامل الخطاب في كتاب "قذائف الحق" للشيخ محمد الغزالي .. وانظر "أجنحة المكر الثلاثة" لعبد الرحمن حسن بن حَبنكَة الميداني -دار القلم- دمشق.
[ ٤ / ١٣٢ ]
نسبة النصارى المصريين في يوليو ٢٠٠٦ هو:
Religious:muslim (mostly sunni) ٩٠% coptic ٩% otheristian ١%
عدد النصارى الأقباط (المصريين) في يوليو ٢٠٠٦ هو أقل من: ٧.١ مليون مسيحي قبطي.
ينقسمون إلى ثلاثة طوائف كبرى هي: الأرثوذكس (٧ طوائف)، والكاثوليك (٧ طوائف)، والإنجيليين (٧٣ طائفة)، وعشرات الطوائف الصغرى مثل الأدفنتست، وشهود يهوة، وكنيسة الله الخمسينية، والعلم المسيحي، والمورمون وغيرهم (^١).
° يقول الدكتور محمد عمارة:" إن الأرقام -التي لا تكذبُ ولا تُجامِلُ- تُعلن أن الأقليةَ القبطية -التي لا تتعدَّى الثلاثةَ الملايين- هي الحاكمةُ الفعليةُ في المجتمع المصري -الذي يَزيدُ تعدادُه على الستين مليونًا!! - فهم يملِكون ويمثلون:
- ٢٢.٥% من الشركات التي تأسَّست بين عامَي ١٩٧٤ م و١٩٩٥ م!!.
-و٢٠% من شركات المقاولات في مصر.
- و٥٠% من المكاتب الاستشارية.
- و٦٠% من الصيدليات.
- و٤٥% من العيادات الطبية الخاصة.
- ٣٥ percentage من عضويةِ غرفة التجارة الأمريكية وغرفة
_________________
(١) نقلًا عن مركز التنوير الإسلامي للخدمات المعرفية والنشر- لأبي إسلام أحمد عبد الله.
[ ٤ / ١٣٣ ]
التجارة الألمانية.
- و٦٠% من عضوية غرفة التجارة الفرنسية (منتدى رجال الأعمال المصريين والفرنسيين).
- و٢٠% من رجال الأعمال المصريين.
- و٢٠% من وظائف المدراء بقطاعات النشاط الاقتصادي بمصر.
- وأكثر من ٢٠% من المستثمرين في مدينتي "السادات"، و"العاشر من رمضان".
- و١٥.٩% من وظائف وزارة المالية المصرية.
- و٢٥% من المهن الممتازة والمتميزة- الصيادلة والأطباء والمهندسين والمحاميين والبيطريين-.
أي أن ٥.٩% من سكان مصر -الأقباط- يملكون ما يتراوح بين ٣٥% و٤٠% من ثروة مصر وامتيازاتها!! ..
تُرى كم هي نسبةُ الأقباطِ في الأميَّة وفي سُكنَى المقابر وفي البطالة وفي المعتقلات وفي المقتولين من التعذيب؟!. وكم نسبتُهم في الجامعات؟! وكم نِسبتُهم في أصحابِ البلايين؟! وكم نسبتُهم في أصحاب الملايين؟! .. كم نسبتهم؟!.
كم نسبةُ الكنائسِ إلى عدد السكان؟ .. وأيهما أكثر: نسبةُ الكنائس أو نسبة المساجد؟! ولماذا لم يتطرَّقِ الأقباطُ إلى هذه التساؤلات قط؟!.
إن نسبةَ الكنائِس إلى السكان أعلى من نسبة المساجد، فحسبَ التقرير
[ ٤ / ١٣٤ ]
الاستراتيجي للأهرام لعام ١٩٩٩، فإن هناك كنيسةً لكلِّ سبعةَ عَشَرَ ألفَ قبطي، بالمقابل هناك مسجدٌ لكل ثمانيةَ عَشَرَ ألف مسلم.
° ويُعلِّقُ الدكتور عمارة على ذلك قائلًا: "إذا كانت نسبةُ الكنائس لعدد النصارى تكادُ أن تساويَ نسبةَ المساجدِ لعدد المسلمين، فإن الواقعَ يقول: إن الكنائسَ مفتوحة على مدارِ النهارِ والليل .. والمساجدَ تُغلَقُ عقب الصلاة.
ومنبر الكنيسة حرٌّ كل الحرية،، ومنبرُ المسجد مؤمَّمٌ، لا يرقاه إلاَّ من ترضاه وترضى آراءه "الأجهزة"! .. والشبابُ القبطي المتدينُ ينام في بيته آمنًا، ونظيرُه المسلم يعيشُ في رُعبِ قوائم "الاشتباه "! .. وأروقة الكنائس مفتوحة أمام التبتل النصراني -وحتى الرهبنة-، بينما الشابُ المسلم إذا أراد الاعتكافَ بالمسجد في رمضان، لا يُتاح له ذلك إلاَّ إذا تقدم بصورة البطاقة إلى "الأجهزة الأمنيَّة" (^١).
* المسرحيةُ الملعونة "كنتُ أعمى والآن أُبصرُ":
مسرحية ساقطة ملعونة أجازها كاهن أو كَهَنَة ساقطين على مسرح "بيت العبادة" الذي حَوَّله أبناءُ الأفاعي -كما وصف أمثالَهم عيسى ﵊- إلى مغارةِ لصوص .. مُثلت المسرحيةُ المجرمة التي تسيءُ إلى الإسلام أبلغَ إساءة، مُثِّلَتْ في إحدِى الكنائس في مدينة الإِسكندرية هذه المسرحية كلُّها إجرام وبَذاءةٌ وكذبٌ تُسَفِّه الإسلامَ وتحتقرُه وتزدريه.
_________________
(١) "هل أصبح المسلمون في مصر هم الأقلية" (ص ٢٩ - ٣١) للدكتور محمد عباس- كتاب المختار.
[ ٤ / ١٣٥ ]
إن ما وَرد في هذه المسرحية الساقطة إساءةٌ للإسلام نفسِه، إساءةٌ فاجرة، للإسلام وليس للإرهاب، الإسلامِ المتمثل في القرآن الكريم والسنةِ الشريفةِ مباشرةً .. نعم .. الإهانةُ مُوَجَّهةٌ للإسلامِ: للقرآن الكريم وللرسولِ العظيم - ﷺ - (^١).
إن هذه المسرحيةَ السافلةَ ليست سوى قِمَّةِ جَبَل الثلج العائم الذي يَختفي معظمه .. هي المفضوحُ وما تُخفيه صُدُورهم أكبر .. كما أنها مُتَّصلةٌ بسياقٍ يتصلُ فيه الداخلُ بالخارج والماضي بالحاضر في منظومةٍ شيطانيَّةٍ واحدة منذ "يوحنا الدمشقي" حتى الآن، سياقُ المؤامرة، سياقُ الغارة على العالم الإسلامي، سياقُ تبرير للجرائم التي يوشكون على ارتكابها فيُبادرون بالتمهيدِ والتبرير لها، وفي هذا السياقِ المتَّصل يقول خنزير من خنازيرهم في مجلة "صوت مصر الحُرِّ": "أنا القبطيُّ الفرعوني صاحبُ الأرض، أنا القبطي الشامخُ صاحبُ هذا الوطن الذي سُلِب مني منذ الغزو الأسباني وإلى الآن، وسيرحل قريبًا كما رَحَل من أسبانيا، فلم تُعد النَّعرةُ الإسلاميةُ لها جاذبيتُها الآن في جوٍّ أصبح الغربُ المتحضّرُ يَفهمُ أن العربَ جُرْبٌ".
فأيُّ كذبٍ فاجر وخِسَّةٍ وانحطاط، وهل رأى الناسُ كذبًا أكثَرَ وقاحةً وفُجْرًا؟! كَذِبُ الماضي وكَذِبُ الحاضر وكَذِبُ التاريخ .. كذبٌ يُبارزون فيه الشيطانَ فيتفوَّقون (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٠).
(٢) المصدر السابق (ص ١١، ١٢، ١٣).
[ ٤ / ١٣٦ ]
° "هذه الفتنةُ التي أشعلها أعداءُ الله وأعداءُ الرسل وأعداءُ البشر ليستِ طارِئًا قَطع ما اتَّصل .. بل هي انحراف ممتدٌّ عبرَ التاريخ، ذلك أن هذه الحملةَ العدوانيّةَ الشرسةَ -المتمثلةَ في تصوير الإسلام ونبيِّه - ﷺ - في صورةٍ بالغةِ البشاعةِ ومغايرةٍ تمامًا للحقيقة وقائمةٍ على التلفيق والكذب- حَملةٌ تعفَّنت عبرَ القرون حتى أصبحت أشبَهَ بالمستنقع الآسِنِ التي تغرفُ منه الميديا الغربية والمسيحية الصهيونية، وينشرونها عَبْرَ وسائلهم المختلفة على أنها حقائق .. ينشرونها أيضًا عَبْرَ عملائهم وجواسيسِهم مِن أقباط مَهْجَرَ في الخارج وعلمانيِّين وشيوعيين وقوميِّين في الداخل.
نعم، الحملةُ لا تقتصرُ على المسرحية السافلةِ ولا على الكاهِنِ الساقطِ الذي باركها .. الحملةُ سلسلةٌ طويلة تمتدَّ من "يهوذا الإسخربوطي" إلى كاهن الكنيسة الساقط .. الحملةُ تضمُ الآلافَ والملايين.
الحملةُ تضمُّ خنازيرَ مثل "جيري فالويل" و"بات روبرتسون" و"فرانكلين جراهام" و"جيري فاينز" و"روبرت أوف كيتون" و"بطرس المُكرَّم"، والتي لا تزيدُ أقوالُهم عما جاء في المسرحية الملعونة.
إن عُواءَ الذِّئاب ونُباحَ الكلابِ والخنازير على الإسلام لم يتوقفْ أبدًا، والمسرحيةُ السافلة التي مُثَّلت في مغارةِ اللصوص لم تكن استثناءً، بل استمرارًا لحملةٍ شيطانيةٍ بدأت منذ غزوةِ "مؤتة" ولم تنقطعْ، ولكنها لم تؤثِّرْ في الإسلام أبدًا، فقد شكَّلت تلك الحملةُ النَّجسةُ العفنةُ موردَ الماءِ الوحيدِ لقُطعانِ العلمانيين والقوميِّين والشيوعيين في بلادنا .. وإذا عُرِف المنبعُ
[ ٤ / ١٣٧ ]
النَجِسُ بَطَل العجب" (^١).
° جاء في النص الحرفيِّ من حَيثيِّاتِ حكم محكمةِ القضاء الإِداريِّ بتاريخ ٣ فبراير ١٩٨٢ في التظلُّم المُقدَّم من البابا شنودة ضد قرار رئيس الجمهورية بعَزله من منصبه: "إن البابا شنودة خَيَّب الآمال، وتنكَّب الصراطَ المستقيمَ الذي تُمليه عليه قوانينُ البلاد، واتَّخذ من الدين ستارًا يُخفي أطماعًا سياسية، كلُّ أقباط مصر بَراءٌ منها (^٢).
وإذا به يجاهرُ بتلك الأطماع واضعًا بديلًا لها -على حدِّ تعبيره- بحرًا من الدَّماء تَغرقُ فيه البلاد من أقصاها إلى أقصاها، باذلًا قُصارى جَهدِه في دَفع عَجلةِ الفتنة بأقصى سرعةٍ وعلى غيرِ هدًى، في كل أرجاءِ البلادِ، غيرَ عابيء بوطنٍ يُؤويه ودولةٍ تَحميه، وبذلك يكون قد خرج عن ردائِه الذي خَلعه عليه أقباطُ مصر" (^٣).
ولعلَه يتذكَّرُ يومًا فيرعوي ماذا فعل الرومانُ ببطريق الإسكندرية قبلَ دخولِ المسلمين لمصر، وكم سنةً أجبَرَه الرومانُ على الاختفاءِ والتشرُّدِ، ومَن الذي رَدَّه إلى مَنصبِه، حتى يَعلمَ مَن هم المسلمون الطيبون الذي يَعبقُ نَشرهم وعَبيرهم وأريجُهم فيعطر الدنيا بأسرها، والكونَ كلَّه، ويضفون بقيمهم التي استمدُّوها من دينِهم ونبيهم - ﷺ - جمالًا ونورًا وألقًا على الكون كلَّه.
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٤٦ - ٤٤).
(٢) بل والله شركاؤه فيها.
(٣) المصدر السابق (ص ٦٨ - ٦٩).
[ ٤ / ١٣٨ ]
* الجامعاتُ التبشيريةُ في ديارِ المسلمين .. الكارههُّ لله ورسوله - ﷺ - وعلى رأسها "الجامعة الأمريكية":
مغاراتُ وأوكارُ لصوص من المنصِّرين الذين يسمُّونهم "المبشِّرين" .. لا يريدون إلاَّ تذويب الهُويةِ الإسلامية وقطعَ الصلةِ بين أبناءِ المسلمين ورسولِهم - ﷺ - والتأسي به.
ولقد ذكرنا أن المبشِّرين إذا لم يستطيعوا أن يُنصِّروا المسلمين، فتَنصَبُّ جهودُهم إلى أن يتركَ المسلم دينَه حتى يعيشَ بلا دين ولا رسالةٍ، فيَسهل السيطرةُ عليه وتوجيهُه حسب مخططاتهم الخبيثة، ففي المؤتمرِ التبشيريِّ الذي عُقد في القدس سنة ١٩٣٥ صرَّح القَسُّ "صموئيل زويمر" بما يلي: "إن مهمةَ التبشير التي نَدَبَتْكم دولُ المسيحيةِ للقياِم بها في البلاد المحمدية، ليست هي إدخالَ المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هدايةً لهم وتكريمًا، وإنما مهمَّتُكم أن تخرِجوا المسلمَ من الإسلام ليصبحَ مخلوقًا لا صِلةَ له بالله، وبالتالي لا صلةَ تربطه بالأخلاقِ التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، ولذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعةَ الفتح الاستعماريِّ في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به في خلالِ الأعوام المئةِ السالفةِ خيرَ قيام، وهذا ما أُهنؤكم عليه، وتهنؤكم دولُ المسيحية والمسيحيون جميعًا من أجلِه كلَّ التهنئة.
لقد قَبَضْنا -أيها الإخوان- في هذه الحِقبةِ من الدهر -من ثُلتِ القرنِ التاسعَ عَشَرَ إلى يومنا هذا- على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية المستقلَّة، أو التي تَخضعُ للنفوذ المسيحيِّ، أو التي يَحكُمُها المسيحيون حُكمًا
[ ٤ / ١٣٩ ]
مباشرًا، ونَشَرْنا في تلك الربوع مكامنَ التبشير المسيحيِّ والكنائس والجمعيات، وفي المدارس الكثيرةِ التي تُسيطرُ عليها الدولُ الأوربية والأمريكية وفي مراكز كثيرة .. إنكم أعددتم بوسائلكم جميعَ العقول في الممالكِ الإسلامية إلى قبولِ السَّيرِ في الطريق الذي مهدتم له كلَّ التمهيد (إخراج المسلم من الإسلام)، إنكم أعددتم نشئًا لا يَعرفُ الصلةَ بالله، ولا يريدُ أن يعرفَها، وأخرجتم المسلمَ من الإسلام، ولم تُدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشءُ الإسلاميُ طبقًا لما أراده له الاستعمار، لا يهتمُّ بالعظائم، ويحب الراحةَ والكسل، فإذا تعلَّم فللشهوات، وإن تبوَّأ أسمى المراكزِ ففي سبيل الشهوات" (^١).
ومن وسائل الغزوِ الصليبي في العصر الحديث: التركيزُ على إفسادِ المرأةِ وإبعادِها عن دينها، وكذلك العملُ على إفسادِ أبناءِ الحُكَّام في البلاد الإسلامة بإنشاءِ معاهدَ ومدارسَ خاصةٍ لهم، يقومُ على تربيتهم صليبيون حاقدون على الإسلام وأهلِه ليجتالوهم عن دينهم (^٢)، وما أُنشئت كلية
_________________
(١) "جذور النبلاء" لعبد الله التل (٢٧٥ - ٢٧٦).
(٢) وهؤلاء الخبثاءُ قد يَفتحون بعضَ أبواب الخيرِ للمسلمين، ليُوقعوهم في ما هو أعظمُ وأخطر .. واستمعْ معي إلى هذه القصة: قال بعضُ الدعاة: (ذهبنا إلَى الدعوة في "نيجيريا"، فوجدنا مسجدًا في إحدى القُرى، فسألنا: مَنِ بَنَى هذا المسجد؟ فقيل: بناه رجلٌ نصرانِي .. فتعحبنا، وقلنا: سبحان الله! نصراني يبني مسجدًا؟ فقيل لنا: ليس هذا فحسب، بل لقد بنَى مَدرسةً لأولادنا أيضًا .. فذهبنا إلى هذه المدرسة، ووجدنا فيها مَجموعةً من الأولاد جالسين، فأردنا أن نَختبِرهم .. فكتبنا على "السبورة": مَن ربُّك؟ فرفع الأولاد أصابعَهم طلبًا للإجابة .. فاختَرْنا صبيًّا منهم، فقام وقال: ربِّي المسيح) .. ولا تعليق!! -. من كتاب: "قصص رائعة من الأشرطة"، لِمحمد بن يَحيي مفرح (٩٢، ٩٣ - ط: دار العاصمة).
[ ٤ / ١٤٠ ]
"فكتوريا" على يد "كرومر" إلا لإفسادِ هؤلاءِ الأبناءِ وتغريبهم ليفكروا بعقليةِ الغزاة الصليبيين، وهذا ما صرَّح به اللورد "لوبد" الممثل البريطاني في مصرَ، فقد قال في خطبةِ له في كلية "فكتوريا" بالإسكندرية سنة ١٩٣٦ عن طَلَبةِ هذا المعهد:"كلُّ هؤلاء لا يَمضي عليهم وقتٌ طويلٌ حتى يتشبَّعوا بوجهةِ النظر البريطانية، بفضل العِشْرةِ الوثيقةِ بين المعلمين والتلاميذِ، فيصيروا قادِرين على أن يَفهموا أساليبَنا ويَعطِفوا عليها" (^١).
* وعن الدَّورِ التبشيريِّ الخطيرِ القذرِ الذي تلعبه الجامعةُ الأمريكية بمصر، يحدّثنا البطُل "عبد القادر الحسيني" في تجربة خاصة معه فيقول: "تدَّعي إدارةُ الجامعةِ الأمريكية بالقاهرة أنها علمية محضة، وليس لها أدنى علاقةِ بالتبشير، وهي تتبرأُ مما حَصَل في المعادي حيث يسكنُ أساتذتُها المبشرون، وفيهم من أُرسل خصيصًا على حسابِ أحدِ الموسِرين الكبار للتبشير، وادعاءُ الجامعة أنها علمية ليس صحيحًا، وإليك حُجَّتي وأدلتي الواضحة:
من هو رئيس الجامعة؟:
رئيسُ الجامعة هو الدكتور "شارلز واطسون" مبشِّر، ووالدُه وأُمُّه مُبَشِّرانِ، فهو من سُلالةِ مبشِّرين، وإني أَستشهدُ على ذلك بكتابه المسمى: "حروب صليبية مسيحية في مصر"، ويعني بهذا الحروبِ الحملةَ التبشيريةَ، وقد قال في مقدمةِ ذلك الكتاب: "أُهديه لأمي وأبي اللذين قضيا حياتَهما مبشِّرينَ في مصر".
_________________
(١) انظر "مجتمعنا المعاصر" (ص ٢٩٤) للدكتور محمد عبد القادر أبو فارس، نقلًا عن كتاب التبشير والاستعمار.
[ ٤ / ١٤١ ]
ويوجَّهُ فيه الدعوةَ إلى أهل الخير والإحساس، ليَرَوا الانتصارَ الباهرَ لأعمالِ التبشير في مصر، كما أنه يوجِّهُ إلى المبشرين كلمةً مؤداها: "أنهم هم الذين سوف يتم تنصيرُ مصرَ بأكملِها على أيديهم"، وبذلك يتوِّجون رؤوسَهم بأكاليل الظَّفَرِ والفخَار، جزاءً لهم على جهادِهم المقدس.
° أوَ تدري ماذا يقول ُهذا المبشَّرُ أيضًا في كتابه المشار إليه؟ إنه يقول:
"إن للمسلمين طقسًا دينيًّا أساسُ الإسلام، وهذا الطقسُ هو الحجُّ، ويجبُ على كلّ مقتدرٍ أن يؤدِّيَه، وهو عبارةٌ عن الذهاب إلى الكعبة، حيث تقام طقوس دينيةٌ مخزِية، وهذا المكانُ -الكعبة- قَلب العالَم الإسلامي، وَكرُ لصوصٍ تؤتى فيه جميعُ أنواع المخازي الأخلاقية (كذا)، ولكنه يَجعلُ بين المسلمين رابطهً متينةً يخاف منها".
وبعد .. فهذا رئيس الجامعة الأمريكيةِ الدكتور "شارلز واطسون" كما تراه في كتاب واحدٍ من كتبه .. والآن إليك غيرُ هذا الرجل من أقطاب الجامعة:
هناك قسم في الجامعة الأمريكية يسمونه "مدرسة اللغات الشرقية" يؤمٌّه الأجانب، ويرأسه الدكتور "جوفري" وهو رجلٌ لاهوتي، وهذا القسم إن هو إلاَّ معهدٌ لتدريب المبشرين وتعليمِهم اللغةَ العريية، وكيفيةَ مهاجمةِ الإِسلامِ مهاجمةً علميةً فنيةً، ومَن يَزُرْ مكتبةَ الجامعة وَيرى الكتبَ التي نُقلت من هذا القسم إليها يحقِّق صِدقَ قولي.
وهذه الكتب تؤلِّف الآنَ قسمًا كبيرًا من المكتبة، وكلُّها تِبشيرية، بعضها يبحثُ الحركاتِ التبشيريةَ -تاريخَها ونجاحَها وأعمالَها- في الشرقَينِ
[ ٤ / ١٤٢ ]
الأدنى والأقصى، وبعضُها يبحث في كيفيةِ التنصير، والبعضُ -وهو أكثرها- يَحتوي على شتائمَ في الإسلام والمسلمين.
والدكتور "جوفري" رئيس هذا القسم هو مبشِّرُ الجامعةِ الأكبر، ويليه المستر "مولر"، وكلاهما قاطن بالمعادي، حيث المبشِّر "بطرس عيان" صديقُهم الأعزُّ وبطلُ الحادثة المشهورة.
والدكتور "جوفري" يصلِّي بطلبة الجامعة أيامَ الآحاد وهم مجبَرون على الاستماع لطعنِه في الإسلام والمسلمين ونبيهم، بل في المذاهب المسيحية التي لا تتفق مع مذهبِه، وأذكر أنه قال يومًا في إحدى عِظاته وعنوانها: "النبي الكاذب": "إن محمدًا لا يمكن أن يكون نبيًّا" ولأن مستوى أخلاقِه العادي (كذا)، إذ أباح لنفسه أن يتزوجَ من عدةِ نساء (كذا)، كما اختَصَّ نفسَه بأثمنِ أسلابِ الحرب، فهو رجلٌ شهواني (كذا) ".
وفي عِظةٍ أخرى ألقاها هذه السنة، أتانا ببراهينَ واهيةٍ ليقنعَنا بأن القرآنَ ليس من كلام الله، كما أنه ليس كلُّه من كلام محمد؛ لأنه أُدخل عليه كثيرٌ من الآيات التي ثَبت علميًّا أنها لا يمكن أن تكونَ من رُوح محمد.
هذا عدا ما يقولُه في الدروسِ اليومية التي يسمُّونها "علم الأخلاق وفلسفة الديانات، وعلم النفس وعلم الاجتماع" من الافترءات والشتائم، مما لا يتلفظ به مسيحيٌّ، لأن الدين المسيحي نفسَه دين سماحةٍ ولُطف، أما ما يفعله هؤلاء فتحاملٌ وشتائمُ وسبابٌ وبثُّ كراهية وإشعالُ حروب، فالإسلام في رأيهم دينٌ وحشيٌّ بربريٌّ، يحثُّ على القتال والسَّلْب والنهب، ولن يرتقيَ الشرقُ وَيسعد حالًا إلا إذا تخلَّص من هذا الدين،
[ ٤ / ١٤٣ ]
والكَثلكةُ لديهم عبادةُ أوثانِ وخرافاتٌ وأساطيرُ مضرَّةٌ مخلَّةٌ بالآداب .. إلخ.
أكتفي بهذا القدر الآن مشيرًا إلى أن هذه الحركةَ التي تقومُ بها الجامعةُ الأمريكيةُ غيرُ محمودة، بل هي تَخلُقُ رُوحًا سيئةً في البلاد، فالواجبُ على كل وطني -مسلمًا كان أم مسيحيًّا- أن يحاربَ هذه الفكرةَ ليعيشَ المسلمون والمسيحيون أهلُ هذا البلد وغيرِه من الأقطار هانئين آمِنين".
عبد القادر الحسيني
خريج الجامعة الأمريكية بمصر
وقد كان للبطل الفلسطيني المحبَّ لدينه ورسوله - ﷺ - أكبرُ الأثرِ في فَضحِ هؤلاءِ الدجاجلةِ الصليبيين، إذ إنه في حفلةِ تخرُّجه من الجامعة الأمريكية بعد انتهاء دراسته، وعندما نوديَ على اسمه ليصعد إلى منصة التكريم ويتسلم شهادةَ التخرُّج، ألقى قنبلةً مُدَوَّيةً عن نشاطِ الجامعةِ التبشيري وكرهِهم للإسلام ونبيَّه - ﷺ -، وأنه لا يُشرِّفه تسلُّم هذه الشهادةِ .. وأُسقط في أيدي القوم بعدما فضحهم هذا البطلُ الغيُور على دينه.
وعلى إثر ذلك اتصلت إدارةُ الجامعةِ بالإنجليز والأمريكان، الذين اتَّصلوا بدَورهم بالحكومة المصرية وأخبروها بالأمر، وطلبوا منها إخراجَ عبد القادر من مصر، فما كان من الحكومةِ المصرية إلا أن أصدرت قرارًا يقضي بوَضعِه في سجنِ الأجانب كإجراءٍ احترازي، ثم بطردِه من مصرَ خلالَ أربع وعشرين ساعة، وبعد ذلك أصدرت الحكومةُ المصريةُ قرارًا موقَّعًا من رئيس الوزراء الطاغية "إسماعيل صدقي" بإخراج عبد القادر
[ ٤ / ١٤٤ ]
وترحيلِه إلى فلسطين في تموز ١٩٣٢ م (^١).
أسكنه الله فسيحَ جِنانه وكَتَب له الشهادةَ إن شاء الله بعد أن سَقَط البطلُ في ساحةِ القتال على أبوابِ القدس.
* * *
_________________
(١) انظر "الصراع مع الصليبيين" (ص ٢٧٤ - ٢٧٦).
[ ٤ / ١٤٥ ]
مؤتمرات المُبشَّرين
مَرَّت أعمال المبشِّرين في مراحلَ تكاملت فيها خُططُهم وبرامجُهم وأعمالُهم الراميةُ إلى تحقيقِ أهدافهم، وأخذوا خلالَ هذه المراحل يُعدِّلون فيها ويُحسَّنون، فيَحذِفون أشياءَ ويُضيفون أخرى، وجَعلوا يُطوِّرون وسائلَهم، ويَبتكرون فيها أشياءَ جديدةَ تُوصِّلُ إليها حِيَلُ الذكاء والتجاربُ والاختباراتُ ورَصدُ نتائج الأعمال، أو تُرشِدُ إليها مداولاتُ الآراءِ في المؤتمرات التي يعقِدونها لهذه الغاية.
ولَمَّا كانت مؤتمراتُهم تُمثِّلُ جانبًا مُهمًّا من تاريخ التبشير والمبشِّرين، اقتضى البحثُ في تاريخ التبشير عَرضَ أمثلةٍ موجَزةٍ منها، وفيما يلي طائفة من ذلك:
١ - المؤتمر التبشيري الذي انعَقد في القاهرة سنة (١٩٠٦ م):
كان "زويمر" رئيس إرسالية التبشير في البحرين أوَّلَ مَنِ ابتَكر فكرةَ عقدِ مؤتمرٍ عامٍّ يَجمعُ إرسالياتِ التبشيرِ البروتستانتية، للتفكير في مسألةِ التبشير بين المسلمين.
وفي سنة (١٩٠٦ م) أذاع اقتراحَه، وأبانَ الكيفيَّةَ التي يكونُ بها، فوُضعت هذه الفكرةُ على بِساطِ البحثِ في "ميسور" من ولايةِ "كرناكا" في الهند، نظرًا إلى أنَّ هذه الولايةَ كانت ذاتَ أهميةٍ كبرى عندَ المبشِّرين فيما يتعلَّقُ بالمسائل الإِسلامية، لوجودِ مدرسة "عليكرا" هناك.
ثم عُرض الاقتراح على مؤتمر التبشير الذي كان يَنعقدُ في مدينة
[ ٤ / ١٤٦ ]
"مِدراس" الهندية كل عشر سنوات، فأقر َّالمؤتمِرون عقدَ المؤتمر الذي قَدَّم "زويمر" الاقتراحَ بشأنه.
ولما تقرر عقدُ المؤتمر شَرعَ المبشِّرُ "زويمر" مع زميل له يَعُدَّان ما يلزمُ لتأليف لجنةٍ مؤقتةٍ تضعُ جدولَ أعمالِه، وتدعو المبشِّرين المنتشرين في كل البلادِ للاشتراك فيه.
وفي اليوم الرابع من شهرِ نيسان "إبريل" من سنة (١٩٠٦ م) تم انعقادُ المؤتمر في القاهرة، وحَضر فيه ممثِّلون عن إرسالياتِ التبشيرِ الأمريكية، والإنكليزية، والإسكتلندية، والألمانية، والهولندية، والسويدية، وعن إرسالية التبشير الدانمركية الموجودةِ في بلاد العرب.
° وانتُخب "زويمر" رئيسًا للمؤتمر، وقد تناول جدولُ أعمالِ المؤتمرِ مداولةَ المسائل التالية:
١ - ملخص إحصائي عن عدد المسلمين في العالم.
٢ - الإسلام في إفريقية.
٣ - الإسلام في السلطنة العثمانية.
٤ - الإسلام في الهند.
٥ - الإسلام في فارس.
٦ - الإسلام في الملايو.
٧ - الإسلام في الصين.
٨ - النشرات التي ينبغي إذاعتُها بين المسلمين المتنورين والمسلمين العوام.
[ ٤ / ١٤٧ ]
٩ - الارتداد.
١٠ - وسائل إسعاف الذين يُضطهدون بسبب تركهم للإسلام.
١١ - شؤون نسائية إسلامية.
١٢ - موضوعات تتعلق بتربيةِ المبشرين، والعلاقات بينهم، وكيفية التعليم في الإسلام.
° ومن البحوث التفصيليةِ التي دارت في المؤتمر: الصعوباتُ التي تَحُول دونَ تبشيرِ المسلمين العوام، والوسائلُ التي يمكن استجلابُهم بها، وتُحبِّب المبشِّرين إليهم، وقد وُجِّه المؤتمِرون لضرورةِ استخدام الوسائل التالية في التبشير:
أ- استخدام وسيلة العزفِ بالموسيقى الذي يَميل إليه الشرقيون كثيرًا.
ب- عرض مناظرِ الفانوسِ السحري على المسلمين.
جـ- تأسيسُ الإرساليات الطبيَّةِ التي يجبُ أن تَنبَثَّ بينهم.
د- ضرورةُ تعلُّم المبشرين لهجاتِ المسلمين العامية، واصطلاحاتِها نظريًّا وعمليًّا، وضرورةُ دراستهم للقرآن حتى يَقِفوا على ما يحتويه.
هـ- أن يخاطبَ المبشرون عوامَّ المسلمين على قَدْرِ عقولهم ومستوى علمهم.
و- ينبغي أن يُلقِيَ المبشرون الخُطبَ على عوامِّ المسلمين بأصواتِ رخيمة، وبفصاحةٍ، وينبغي أن يَخطُبَ المبشِّرُ وهو جالس، ليكونَ تأثيرُه أشدَّ على السامعين، وأن لا تتخلَّلَ خطاباتِه كلماتٌ أجنبية عنهم، وأن يَبذُلَ عنايتَه في اختيارِ الموضوعات، وأن يكونَ بصيرًا بآياتِ القرآنِ والإنجيل،
[ ٤ / ١٤٨ ]
عارفًا بمحلِّ المناقشة، وأن يستعملَ التشبيهَ والتمثيلَ أكثَرَ مما يَستعملُ القواعد المنطقية.
ز- ضرورةُ كونِ المبشِّرِ خبيرًا بالنفس الشرقية.
وناقَشَ المؤتمرُ الصعوباتِ التي يُلاقيها المبشرون لدى تبشير المتنوِّرين من المسلمين، وهذه الصعوباتُ هي التي جَعلت المؤتمرُ يَبحثُ في الوسائل التي يكونُ لها تأثير ما على عقيدةِ الأجيالِ الناشئةِ الإسلاميةِ المتنوِّرة.
° وهنا قال أمين سر المؤتمر: "إن الخُطةَ العَدائيةَ التي انتهجها الشُّبَّانُ المسلمون المتعلِّمون ضدَّ المبشرين؛ اضطَرَّتِ المبشرين في القطرِ المِصري إلى محاولةِ إعادةِ ثقةِ الشُّبانِ المسلمين بهم، فصار هؤلاء المبشرون يُلقُون محاضراتِهم في موضوعاتٍ اجتماعيةٍ وخُلُقيةٍ وتاريخية، ولا يستطردون فيها إلى مباحثَ دينية، رغبةً في جلبِ قلوبِ المسلمين إليهم".
وأنشؤوا بعدَ ذلك في القاهرة مجلةً أسبوعيةً اسمها: "الشرق والغرب"، افتتحوا فيها بابًا غيرَ ديني، وأخذوا يبحثون فيه أمورًا تتعلقُ بالشؤون الاجتماعية والتاريخية، وأسسوا أيضًا مكتبةً لبيع الكُتب بأثمانٍ قليلة، والغرضُ من ذلك اجتلاب الزبائن، ومحادثتهم أثناء البيع.
° وبعدَ ثلاثِ سنواتٍ فقط تَسنَّى للمبشرين أن يَتوصلوا إلى النتائج التالية:
الأولى: أنهم عَرفوا أحوال البلاد، وأفكارَ المسلمين، وشُعورَهم، وعواطفَهم، وميولَهم.
الثانية: أنهم حَصُلوا على ثقةِ عددٍ من المسلمين بهم.
[ ٤ / ١٤٩ ]
الثالثة: أن المبشَّرين تحقَّقوا أنهم بتظاهُرِهم في وِدادِ المسلمين، ومَيلِهم إلى ما تَطمح إليه نفوسُهم من الاستقلالِ السياسي والاجتماعيِّ والنشأةِ القومية، يمكنُهم أن يَدخلوا إلى قلوبهم.
ثم عَرَض أمينُ سرِّ المؤتمر اقتراحًا بتأسيسِ مدرسةٍ جامعةٍ تشتركُ فيها المؤسساتُ التبشيريةُ كلُّها، على اختلافِ مذاهبِها لِتتمكَّنَ من مزاحمةِ الجامع الأزهر بسهولة، وتتكفَّلُ هذه المدرسةُ الجامعةُ بإتقانِ تعليم اللغة العربية، وقال: "إن في الإمكانِ مباشرةَ هذا العمل في دائرةٍ صغيرة".
ثم اقتَرح أحدُ المندوبين في المؤتمرِ أن تُراجَعَ المؤلفات التي قَدُم عليها العهدُ لإصلاحها، واستخدامِها في تبشير "المسلمين المتنورين، الذين اقتبسوا علومَهم في المعاهدِ العصرية، مثل مدرسةِ أكسفورد وبرلين، وأشار إلى وجوب تخفيفِ اللهجةِ في المجادلاتِ الدينية.
ثم بَحَث المؤتمرُ بعد ذلك في مسألةِ إرسالياتِ التبشيرِ الطبية، فقام المستر "هارير" وأبان عن وجوبِ الإكثارِ من الإرسالياتِ الطبية، لأن رجالَها يحتكُّون دائمًا بالجماهير، ويكونُ لهم تأثيرٌ على المسلمين أكثَرَ مما للمبشرين الآخرين.
ثم قام الدكتور "اراهارس" طبيبُ إرسالية التبشير في طرابلس الشام، فقال: إنه قد مر عليه اثنان وثلاثون عامًا، وهو في مِهنته التبشيرية عن طريقِ الطب، فلم يَفشَلْ إلاَّ مرتينِ فقط، ذلك عَقِبَ مَنع الحكومةِ العثمانيةِ أو أحدِ الشيوخ لاثنين من زبائنِه من الحضورِ إليه.
° وأورد إحصاءً لزبائنه فقال: "إن (٦٨) في المئة منهم مسلمون،
[ ٤ / ١٥٠ ]
ونصفُ هؤلاءِ من النساء".
° ثم قال: "يجب على طبيبِ إرساليات التبشير أن لا يَنسى ولا في لحظةٍ واحدةٍ أنه مبشِّر قبلَ كل شيءٍ، ثم هو طبيب بعد ذلك".
ثم تكلَّم المبشر الطبيب الدكتور "تمباني"، وذَكَر الصعوباتِ التي يلقاها الطبيبُ في التوفيق بين مِهنتَيِ التبشيرِ والطب، كما حَدَث معه هو، إلا أن ما بَذَله من المجهوداتِ قد أعانه على النجاح، حتى تمكَّنَ من تأسيسِ مستشفى التبشير عن طريق التبرعات، وكان أولُ متبرع لهذا المستشفى التبشيري رجلًا من المسلمين.
° وخَطب الأستاذ "ممبسون" بعد ذلك، فتحدَّث عن فضل الإرساليات الطبية، ومما قاله: "إن المرضى والذين يُنازعُهم الموتُ بوجهٍ خاص لابد لهم من مراجعةِ الطبيب، وحَسَنٌ أن يكونَ هذا الطبيب في جانبِ المريضِ حينما يكون في حالةِ الاحتضار، التي لا بد أن يَبلغَها كل واحدٍ من أفراد البشر".
° ثم خطبت المبشِّرةُ "أتاوستون"، فتحدثت عن إرساليةِ التبشيرِ الطبيةِ في مدينة طنطا قائلة: "إن ثلاثين في المئةِ من الذين يُعالَجون في مستشفى هذه الإرسالية، هم من الفلاَّحين المسلمين" وأكثرهم من النساء".
وتحدَّث المؤتمر عن الأعمالِ النسائية في التبشير، وكان لهذا الأمرِ اهتمامٌ كبير من قِبَل الأعضاء؛ لأنَّه خاص -كما قالوا- بنصفِ مسلِمِي العالَم.
° فقالت المبشرةُ "ولسون": "إن النساءَ المبشَّراتِ يَسْتَعِن في الهندِ بالمدارس وبالعياداتِ الطبية، وزيارةِ قرى الفلاحين، لِيَنْشُرن أفكارَهن بين طبقاتِ الناس".
[ ٤ / ١٥١ ]
ثم حثَّتِ المبشرةُ "هلداي" على الرفقِ بالمرأة المسلمة.
° ثم تناوَبَ الحديثَ عددٌ مِن المبشرات، فتحدَّثْنَ عن نجاحِهِنَّ في المناطق التي انتُدبنَ للتبشير فيها، وقالت إحداهنَّ: "إن المسلِماتِ الفارسياتِ يُظهِرنَ ميلًا شديدًا للعلم، بالرغم من جَهْلِهِنَّ باتساع نطاقه، وهن يعتقدنَ أن الذي يعرفُ جغرافيةَ البلاد نابغةٌ".
° ثم انتقل المؤتمرُ إلى بحثِ موضوع "تربية النساء اللاتي يتطوَّعن للتبشير" .. وناقش المؤتمرُ بعد ذلك بعضَ وسائل التبشير الحكيم، فعَرض المبشِّرُ القسيس "هاريك" على المؤتمر نتائجَ أبحاثِه التي أجراها في بلادِ السلطنةِ العثمانية، فكان مما عَرَضه أنه لا فائدةَ تُرجى من استخدامِ وسيلةِ المناظرةِ والجدل التي وضعها المبشرُ الدكتور "فاندر"، وذكر أن نَشْرَ الكتبِ التبشيرية بدون مناقشةٍ أو مجادلةٍ أكثرُ فائدةً وأعمُّ نفعًا، وقال: "إن الجدلَ والمناظرةَ يُبعِدانِ المحبة لتي لها وقعٌ كبير على قلوبِ الأغيار .. فالمحبةُ والمجاملةُ هما آلةُ المبشِّر؛ لأن طريقَ الاعتقادِ غايتُه دائمًا هي قلب الإنسان".
وأكَد المبشِّرُ "هاريك" على أنه يجبُ على المبشِّر أن يتحلى بمبادئ الدعوة التي يُبشِّرُ بها، قبل أن يُعنَى بالأمور النظرية.
° ثم عَرض المبشِّرُ القسيسُ "ثرونتن" على المؤتمر بعضَ النظرياتِ الأوليةِ في أساليبِ التبشيرِ بين المسلمين، واستنتج منها القواعدَ التالية:
القاعدة الأولى: يجبُ على المبشر أن لا يُثيرَ نزاعًا مع مسلم.
القاعدة الثانية: يجبُ على المبشِّر أن لا يُحرِّضَ المسلمَ على الموافقةِ والتسليم بالمبادئِ التي تخالفُ دينَه إلاَّ عَرَضًا، وبعد أن يَشعُرَ المبشِّرُ بأن
[ ٤ / ١٥٢ ]
الشروطَ الطبيعيةَ والعقليةَ والروحيةَ قد توافرت في ذلك المسلم.
القاعدة الثالثة: إذا حَدث سُوءُ تفاهم حولَ المبادئ التي يُدْعى المسلمُ إلى الاعتقاد بها، فيجبُ أن يُزالَ في الحال، ولو أفضى الأمرُ إلى ترك المناقشة.
° ثم أكد أسقفُ "لاهور" ضرورةَ استخدامِ الوسائل اللينة في التبشير، فكان مما رآه ما يلي:
١ - أن المبشَّر الذي يُعدُ نفسَه لمجادلةِ المسلمين في أمورِ الدين، يجبُ أن تتفوق فيه الصفاتُ الخُلقيةُ والاستقامةُ التامةُ على المزايا العقلية.
٢ - أن يكون صحيحَ المجاملة، وأن يَضَعَ الأملَ بالفوزِ على خَصمه نُصبَ عينيه.
ثم أبدى استنكارَه لقسوةِ التعاليم القديمة، وأنها كانت تَرمي إلى التغلُّبِ على العدوّ، لا إلى اكتسابِ مودَّته.
° ثم قال: "ويظهرُ لي أن كثيرًا من إخواننا المبشَّرين يريدون أن يُبشَّروا الناس برَشقِهِم بالحجارة".
° وختم كلامه بقوله: "يجبُ على المبشِّرِ أن يتذَّرعَ بالصبرِ والسكينة، وأن يكونَ حاكمًا على عواطِفه إلى الغايةِ القصوى، وأن لا يُخاجَ نفسَه أقل ريبٍ في أنه هو الذي سيفوز".
° ثم انتهى المؤتمر، وختمه رئيسُه المبشر "زويمر" فقال: "إن انعقادَ هذا المؤتمرِ كان بالتقريبِ نتيجةً لأعمال "شبان التبشير المتطوعين"، أما البحثُ في أحوال العالم الإسلامي وتبشيرُه، فقد سبق الخوضُ فيه في مؤتمر
[ ٤ / ١٥٣ ]
"كلفلند"، وهذه الخريطةُ التي نراها أمامنا الآن موسومةً باسم "خريطة تنصير العالم الإِسلامي في هذا العصر" قد بَعثت الأملَ في قلوبِ ألوفٍ من الطلبة في مؤتمر "ناشفيل" الذي انعَقد في شهر فبراير (شباط) الماضي (أي: من سنة ١٩٠٦ م)، والتبشيرُ متوقفٌ على وجودِ زُمرةٍ من البشِّرين المتطوِّعين الذين يَقفِون حياتَهم ويُضحُّونها في هذا السبيل".
ثم خَتم كلامَه راجيًا أن يكونَ لندائِه صدًى في الدارس والجامعات في أوربا وأمريكا.
* * *
٢ - مؤتمر "إِدنبرج" التبشيري:
في شهر أيلول (سبتمبر) من سنة (١٩١٠ م) انعقد مؤتمرُ "إدنبرج" التبشيري، وكان للمسائل الإسلامية حظٌّ كبيرٌ من مداولاتِ أعضائه، وقد تفرَّغت فيه لجنتانِ من أهمِّ لجانِه للبحث في أمرِ الإِسلام والمسلمين، وكيفيةِ القيامِ بمهامَّ التبشير بينهم.
° وقد نُشرت أعمال هذا المؤتمر في تِسع مجلدات، وتحدَّثت ثلاثُ مجلاتٍ تبشيريةٍ عن بعضِ ما جَرى فيه من بحوث، وهي:
١ - "مجلة الشرق المسيحي" التابعة لجمعية التبشير الشرقية الإلمانية.
٢ - "مجلة العالم الإِسلامي" التبشيرية الإِنكليزية.
٣ - "مجلة إرساليات التبشير البروتستانتية" التابعة لجمعية التبشير في "بال" بسويسرا.
[ ٤ / ١٥٤ ]
° وقد جاء في مجلة "العالم الإسلامي" الفرنسية التبشيرية لدى حديثِها عن هذا المؤتمر: "وأعمالُ مؤتمرِ إدنبرج لم تكن حِبْرًا على ورق، بدليل أن المؤتمرَ الاستعماريَّ الألمانيَّ الذي عُقد عَقِبَ مؤتمرِ إدنبرج التبشيري اهتمَّ بأمرِ إرسالياتِ التبشير الجرمانية، حتى خُيِّل إلى الناسِ أن هذا المؤتمرَ الاستعماريَّ السياسي تحوَّل إلى مؤتمو تبشيري ديني".
ونشرت "مجلة الشرق المسيحي" التابعةُ لجمعية التبشير الشرقيةِ الألمانية مقالةً بقلم المبِشِّر الألماني "فون لبسيوس" تحتَ عنوان "دخول التبشير العام في طور جديد"، ذَكر فيها أهميةَ مؤتمرِ إدنبرج الذي أبان عن ارتقاءٍ في أعمال المبشرين، وقد حَضر في هذا المؤتمر مئتانِ وألفُ مندوبٍ، منهم بعض كبارِ السياسيين في دول عالمية كبرى.
واقتبس صاحبُ هذه المقالة من مستندات مؤتمر "إدنبرج" أنَّ عددَ جيشِ المبشرين البروتستانت قد بَلَغ (٩٨٣٨٨) ثمانيةً وتسعين ألفًا وثلاثَمِئةٍ وثمانيةً وثمانين، تَعضُدُهم لِجان يبلغُ عددُ أعضائِها خمسةً ملايين ونصف المليون، يُضافُ إلى ذلك أعداد كثيرةٌ أخرى من رجالٍ ونساءٍ وطلابٍ وأساتذةٍ وأطباءَ وممرِّضاتٍ وغيرهم.
وقد كان هذا كلُّه في سنة (١٩٠٢ م)، ومَن يقارنُ بينه وبين ما وصل إليه إحصاءُ العاملين في مهمات التبشير سنة (١٩١١ م) يلاحظُ ارتقاءً باهرًا؛ لأنَّ عددَ إرسالياتِ التبشيرِ العامةِ في هذه السنة قد بَلغ (٣٨٣٨)، وأما الإرسالياتُ التي هي في الدرجة الثانية، فقد بلغ عددُها (٣٤٧١٩)، وعددُ الأساتذةِ والتلاميذِ قد بلغ مليونًا ونصفَ المليون تقريبًا، ووصل عددُ الجامعاتِ والكلِّياتِ إلى ثمانيةٍ وثمانين، وصار لدى المبشرين خَمْسُمئةٍ
[ ٤ / ١٥٥ ]
واثنتانِ وعشرون مدرسةً دينيةً لتخريج المبشرين، هذا إلى جانبِ حشدٍ كبير من المدارس العليا والابتدائيةِ والمستشفياتِ والصيدليات، وُيشرِفُ على إرسالياتِ التبشيرِ نحوُ ألفِ جمعيةٍ ما بين جمعياتِ عموميةِ عاملة، وجمعياتٍ لإعانتها، وجمعياتٍ أخرى.
° وجاء في "مجلة العالم الإسلامي" الإنكليزيةِ التبشيريةِ التابعةِ لإرسالية البحرين ما يلي: "ومجلتُنا تَستحسنُ الاهتمامَ الشديدَ الذي أبداه مؤتمر "إدنبرج"، وستجتهدُ في متابعةِ البحثِ والمداولةِ في المسائل التي بَحث المؤتمرُ فيها".
° وقد نشرت هذه المجلةُ مقالةً بقلم المبشِّر المستر "تشارلس وطسون" تحت عنوان "العالم الإسلامي" قال فيها: "إن من الخطإِ الحُكمَ على مؤتمرِ "إدنبرج" بأنه لم يهتمَّ بالمسائل الإسلامية .. فقد كان المؤتمرُ مؤلَّفًا من ثماني لجان، اختُصت الأولى والرابعة منها بالتوسُّع في بحثِ المسألة الإسلامية، أما مهمةُ اللحنةِ الأولى، فهي أن تَبحثَ في المسائل الإسلامية من الوجهةِ الخارجية، وفي إيجادِ ميدانٍ عامٍّ مشتركٍ لأعمالِ المبشِّرين، واختيارِ خُطةِ الهجوم والغارة، وتقريرُ هذه اللجنة يتضمن إحصاءً متعلِّقًا بالمسلمين وعددِهم ومَبلغ ارتقائهم في كل قُطر؛ ثم تناولت اللجنةُ البحثَ في الأمورِ الاجتماعية الإسلامية التي تُمهدُ السبيلَ لتحويل المسلمين عن دينهم، فحَضَّت جمعياتُ التبشير على توسيع نطاقِ التعليم الذي يُشرِفُ عليه المبشرون، وحَصرت قراراتِها بجُملَتَينِ اثنتين:
° وقد جاء في الجملةِ الثانيةِ منهما ما يلي: "إن المسائلَ الإسلاميةَ في
[ ٤ / ١٥٦ ]
الشرق على الخصوصِ صار لها مكان هامٌّ في أعمالِ المبشرين، عَقِبَ الانقلاباتِ التي حَدثت في بلادِ الدولةِ العثمانيةِ وفارسَ، ولذلك أصبح من مقتضياتِ الظروفِ أن تقومَ إرسالياتُ التبشيرِ بعمل ينطبقُ على المسائل الإسلامية".
° وقالت اللجنةُ الثالثة في تقريرها: "اتفقت آراءُ سُفراءِ الدولِ الكبرى في عاصمةِ السلطنةِ العثمانيةِ على أن معاهدَ التعليمِ الثانويةِ التي أسَّسها الاروبيون كان لها تأثيرٌ في حل المسألة الشرقية، يَرْجحُ على تأثيرِ العمل المشتَرَكِ الذي قامت به دولُ أوربا كلها".
وتداولت اللجنةُ الخامسةُ في كيفيةِ تعليم المبشرين وتربيتهم، وألَحَّتْ على ضرورةِ تعليم الذين يَقومون بالتبشيرِ في البلادِ الإسلامية دينَ الإسلام ولغةَ البلاد.
° وجاء في تقريرِ اللجنة الثامنة قولها: "الأمرُ الذي لا مِريةَ فيه أن المهمةَ الصعبةَ التي يقومُ بها المبشرون في البلادِ الإسلاميةِ لم تَظهَرْ في غايةِ الصعوبة إلاَّ لأنه يَعسُرُ على جميعةِ تبشير واحدةٍ أن تقومَ بها، ولكنَّ وِحدةَ العمل ستكونُ أحسنَ وأسرع حل لهذه المُعضِلةِ في إكمالِ مهمةِ التبشير".
° وتحدَّثت "مجلة إرساليات التبشير البروتستانتية" التابعةُ لجمعيةِ التبشير في مدينة" بال" بسويسرا عن مؤتمرِ "إدنبرج" في سلسلةِ مقالات، ومنها مقالةٌ بقلم المبشَّر "شلاثار"، وجاء فيها ما يلي: "ولما انتهت اللجنةُ السابعةُ من أعمالِها قال "اللورد بلفور" رئيس الشرف: "إن المبشرين هم ساعِدٌ لكلِّ الحكومات في أمورٍ هامة، ولولاهم لتعذَّر عليها أن تقاوِمَ كثيرًا
[ ٤ / ١٥٧ ]
من العقبات، وعلى هذا فنحن في حاجةٍ إلى لجنةٍ دائمةٍ يُناطُ بها التوسطُ والعملُ لِمَا فيه مصلحةُ المبشَّرين"، فأجيب "اللورد بلفور" إلى اقتراحه، وتألَّفت لجنةٌ مختلِطةٌ، ولجنةٌ لمواصلةِ العمل" (^١).
* نتائج مؤتمر "إِدنبرج":
وعلى إثْرِ انتهاءِ أعمالِ مؤتمر "إدنبرج" تألفت لجنة لمواصلةِ الأعمالِ التي بدأ بها، وانبَثَق عن هذه اللجنة فروع كثيرة، بعضُها للإِحصائيات، وبعضُها للنشر والمطبوعات، وبعضُها للتربية والتعليم، وآخَر لحسم المشكلاتِ بين المبشّرين، وفرغ خاصٌّ لدراسةِ علاقاتِ المبشِّرين بالحكوماتِ (أي: الاستعمارية)، كما خُصِّص أحدُ الفروع لدراسةِ العقباتِ التي تَحولُ دونَ التبشير بين المسلمين.
وفي شهرِ أيار (مايو) من سنة (١٩١١ م) اجتمعت لجنةُ مواصلةِ أعمالِ المؤتمر، وبَحثت في طرائقِ التربيةِ والتعليم التي يَنبغي للذين يقومون بمهمةِ التبشير بين المسلمين أن يتبِعوها، وقرَّرت أن تنتهزَ الفرصَ، وتنتفعَ بالظروف السانحة، وأن تنشر مجلةً مشتركةً تصدُر سنة (١٩١٢ م) مرةً في كلِّ ثلاثةِ أشهر.
° وتقول مجلة "العالم الإسلامي" الأنكليزية التبشيرية: "إنَّ أوَّل ما يُنفَّذُ من قراراتِ مؤتمر "إدنبرج" إنشاءُ مدرسةِ تبشير مشتركةٍ بين كل الفرق البروتستانتية، وتكونُ خاصةً بتعليمِ مبشِّري الأقطار الإسلامية، وهذه المدرسةُ يُحتفل بافتتحها في خريف سنة (١٩١١ م) وتَقبَلُ النساءَ والرجال،
_________________
(١) وهذا يكشف لنا العلاقة الوثيقة بين التبشير والاستعمار.
[ ٤ / ١٥٨ ]
وتُعلَّمُ فيها اللغةُ العربية والعلومُ الإسلامية، وتاريخُ الأوضاع الإسلامية، والأمورُ الاجتماعيةُ التي اقتبسها المبشِّرون من بلاد الإسلام، وسيكونُ لهذه المدرسةِ مكتبةٌ تحتوي على أمهاتِ الكتبِ العربيةِ وغيرِ العربية المتعلِّقةِ بالإسلام.
* * *
٣ - مؤتمر "لكنو" التبشيري:
في مَطلَع سنة (١٩١١ م) انعَقَد في الهندِ مؤتمرُ "لكنو" التبشيري، وتداول المؤتمِرون أمورًا كثيرةً تتعلقُ بالعالَم الإسلامي، وكيفيةِ إحكامِ الخَناقِ عليه، وتفكيكِ أواصِرِ وِحدةِ المسلمين.
° فكان ممن تكلَّم فيه المبشر القسيسُ "سيمون"، فتحدث عن فكرةِ الجامعة الإسلامية التي تُهيمنُ على الشعوبِ المسلمةِ في مختلَفِ بلادِ الإسلام، ثم قال: "ولكنْ عبثًا يَبني هؤلاء آمالَهم على الجامعةِ الإسلامية؛ لأنَّ التربيةَ غيرَ الإسلامية قد انبَثَّت في دمائِهم بفضل مدارس التبشير".
° وتحدث في المؤتمر المبشِّرُ الأستاذ "مينهُف" فكان مما قاله: "ينبغي لإرسالياتِ التبشير أن تحتكَّ بالمسلمين، وتتسلَّحَ بالمعداتِ الكافيةِ لقتالهم، وأن لا تَخشَى ذلك كما كانت تفعلُ حتى الآن، وينبغي لهم أن لا تكونَ أعمالُهم لاهوتيةً فقط، بل يَنبغي أن يَطرُقوا أبوابَ الطبِّ والصناعةِ وكُل الأعمال التي يتفوقُ فيها الأوربيُّ على الشرقي".
° أما المبشِّرُ الأستاذ "استِورَدْ كْرَوْفورد"، فقد عَلَّق في المؤتمر المذكور
[ ٤ / ١٥٩ ]
أهميةً كبرى لدى تبشيرِ المسلمين على أسلوبِ التدرج والصبر، ثم قال: "إن المسلمين يقتبسون من حيثُ لا يَشعرون شَطْرًا من المدنيَّةِ المسيحية، وُيدخلونها في ارتقائِهم الاجتماعي، وما دامت الشعوبُ الإسلاميةُ تتدرجُّ إلى غاياتٍ ونزعاتٍ ذاتِ علاقةٍ بالإنجيل؛ فإن الاستعدادَ لاقتباسِ المسيحيةِ يتولَّدُ فيها من غير قصدٍ منها".
وفي تقريرِ المبشِّر القسيس "ويلسون" ما يُفصحُ عن أن "ويلسون" هذا لا يشكُّ في أن التربيةَ الغربيةَ هي بمثابةِ قوةٍ تنحلُّ بها عُرى الروابطِ الإسلامية.
° وقال المبشِّرُ القسيسُ "جون تكل" في تقريره: "إن الوقوفَ على أسبابِ نمو الإسلام يُمهِّدُ للحصولِ على وسائل توقيفِ تياره".
ثم أورد بعضَ مقترَحاتٍ تتعلقُ بالاحتياطاتِ التي يجدُرُ بالمبشرين اتخاذُها، وأهمها ضرورةُ زيادةِ القوى البشرية الاختصاصية.
° أما القراراتُ التي دَوَّنها هذا الموتمرُ التبشيري في مَحضر جَلْساتِه، فقد كان منها ما يلي:
١ - يُعقَدُ المؤتمرُ مرةً أخرى في القاهرة سنة (١٩١٦ م)، وإذا طرأت أمورٌ سياسية، أو أمورٌ أخرى تحولُ دون اجتماعِه في هذه المدينة، فيُعقَدُ في لندن.
٢ - مؤتمر "لكنو" يوافقُ مؤتمرَ إرسالياتِ التبشير الذي عُقد سنة (١٩١٠ م) على ضرورةِ حصرِ الجهودِ في القارَّةِ الإفريقية، دون أن تُمسَّ الجهودُ التي تُبذلُ في البلاد الأخرى.
[ ٤ / ١٦٠ ]
ولذلك فهو يَرى أنه يَجدُرُ بالجمعيات التبشيرية، أن تتكاتفَ وتتعاضدَ لكي تؤلِّفَ سلسلةً قويةً من إرساليات التبشير، تطوفُ كل إفريقية، وتؤسِّسُ مراكزَ قويةً في الأماكنِ التي هي موطنُ الخطر.
ويجبُ أن يكونَ إخراجُ هذه الفكرةِ إلى حيِّز الفعل موضعَ بحثٍ أهمَّ وأوسعَ مما كان في السابق، سواءٌ من جهةِ تربيةِ المبشرين، أو من جهةِ حُسنِ اختيارهم، الأمرُ الذي يُحتِّمُ اتخاذَ التدابيرِ بلا تأخير لإتمام المشروعات التي بُوشر بها.
٣ - ويرى المؤتمرُ أنه من الضروري العاجل تأسيسُ مدرسةٍ في مصرَ خاصةٍ بالتبشير، تكونُ عامةً لكلِّ الفِرَق البروتستانتية، وُيشدِّدُ بلزوم التدقيقِ التامِّ في انتقاءِ المبشِّرين الأَكْفاء الممتازِين بصفاتِهم ومواهبِهم العقلية، وبلزوم تعليمِهم اللغةَ العربيةَ بوجهٍ خاص.
* * *
٤ - مؤتمر القدس التبشيري:
كان القسيسُ الدكتورُ "صمويل زويمر" رئيسَ إرسالية التبشير في البحرين منذ مَقْدَمِه إلى الشرقِ في أوائل القرنِ العشرين، إلاَّ أن نشاطَه التبشيريَّ الزائدَ وسَعْيَه لعقدِ مختلفِ المؤتمراتِ التبشيرية، جَعله يرتقي في المراتبِ بين المبشرين، حتى صار رئيسَ المبشرين في الشرق، وحتى صاروا يُلقِّبونه بـ "الرسول المختارِ إلى العالم الإسلامي"، أي: حاملُ رسالةِ تحويل المسلمين عن دينهم.
فمن المؤتمراتِ التبشيرية التي دعا إليها هذا القسيسُ: مؤتمرُ "القدس"
[ ٤ / ١٦١ ]
الذي تمَّ انعقادة برئاسته في نِيسان سنة (١٩٣٥ م) إبَّانَ الاحتلالِ البريطاني لفلسطين.
وبعد أن شَرح أعضاء المؤتمر العقباتِ الكثيرةَ التي اعتَرضت سبيلَ المبشرين، والتي لم تَسمحْ لهم بأن يُخرِجوا المسلمين عن دينهم، ويدخلوهم في المسيحية، وبعدَ أن خَطَب كثيرٌ منهم خُطَبَهم اليائسة، قام "زويمر" رئيس المؤتمر، وألقى على المؤتمرين الخطبة التالية (^١): "أيها الإخوانُ الأبطال، والزملاءُ الذين كَتب الله لهم الجهادَ في سبيل المسيحية، واستعمارها لبلادِ الإسلام، فأحاطتكم عنايةُ الرَّبِّ بالتوفيقِ الجليل المقدَّس، لقد أدَّيتمَ الرسالةَ التي نِيطت بكم أحسَنَ أداءٍ، ووفِّقتم لها أسمى توفيق، وإن كان ليخَيَّلُ إليَّ أنه -مع إتمامِكم العملَ على أكمل الوجوه-، لم يَفطِنْ بعضكم إلى الغايةِ الأساسية منه، إنني أُقِرُّكم على أنَّ الذين دَخلوا من المسلمين في حظيرةِ المسيحيةِ لم يَكونوا مسلمين حقيقيين، لقد كانوا كما قلتم أحدَ ثلاثة:
- إما صغيرٌ لم يكنْ له من أهلِه مَن يُعرِّفه ما هو الإسلام.
- أو رجل مستخفٌّ بالأديان لا يبغي غيرَ الحصولِ على قوْتِه، وقد اشتدَّ به الفقر، وعَزَّت عليه لُقمة العيش.
- وآخَر يَبغي الوصولَ إلى غايةٍ من الغايات الشخصيَّة.
ولكنَّ مهمةَ التبشيرِ التي نَدَبَتْكم دولُ المسيحيةِ للقيام بها في البلاد
_________________
(١) انظر كتاب "جذور البلاء" لعبد الله التل (ص ٢٧٥).
[ ٤ / ١٦٢ ]
المحمَّدية، ليست هي إدخالَ المسلمين في المسيحية، فإنَّ في هذا هدايةً لهم وتكريمًا، وإنَّما مهمتكم أن تخرجوا المسلمَ من الإسلام، ليصبحَ مخلوقًا لا صِلةَ له بالله، وبالتالي فلا صِلةَ تَربِطه بالأخلاق التي تعتمدُ عليها الأممِ في حياتها، وبذلك تكونون أنتم بعَمَلكم هذا طليعةَ الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به خلالَ الأعوام المئةِ السالفةِ خيرَ قيام، وهذا ما أُهنِّؤُكم عليه، وتُهنِّؤُكم دول المسيحيةِ والمسيحيون جميعًا عليه كلَّ التهنئة.
لقد قَبَضنا -أيها الإخوان- في هذه الحِقبةِ من الدهر مِن ثُلُثِ القَرنِ التاسعَ عَشَرَ إلى يومِنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالكِ الإسلامية، ونَشَرنا في تلك الربوع مكامِنَ التبشير، والكنائسِ، والجمعياتِ، والمدارسِ المسيحيةِ الكثيرةِ التي تهيمن عليها الدولُ الأوربيةُ والأمريكية، والفضلُ إليكم وحدَكم أيها الزملاء.
إنكم أعددتُم له بوسائِلِكم جميعَ العقولِ في الممالكِ الإسلامية إلى قبولِ السير في الطريقِ الذي مَهَّدتم له كل التمهيد.
إنكم أعددتم شبابًا في ديار المسلمين لا يعرفُ الصِّلةَ بالله، ولا يريدُ أن يَعرِفَها، وأخرجتم المسلمَ من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلاميُّ طبقًا لما أراده له الاستعمارُ، لا يَهتمُّ للعظائم، ويحبُّ الراحةَ والكسل، ولا يُصرِّفُ هَمَّه في دنياه إلاَّ في الشهوات، فإذا تَعلَّم فللشهوات، وإذا جَمَع المال فللشهوات، وإن تَبوأَ أسمى المراكزِ فللشهوات، ففي سبيل الشهوات يجودُ بكلّ شيء.
[ ٤ / ١٦٣ ]
إنَّ مهمتَكم تمت على أكملِ الوجوه، وانتهيتم إلى خيرِ النتائج، وباركَتْكم المسيحية، ورَضِي عنكم الاستعمار، فاستمِرُّوا في أداءِ رسالتِكم، فقد أصبحتم -بفضل جهادكم المبارِك- موضعَ بركاتِ الربِّ".
وبهذه الكلماتِ انتهى خطابه، وما أحسَبُ هذا الخطابَ بحاجةٍ إلى أي تعليق عليه، ولكنَّني لستُ أدري ما هو هذا الربُّ الذي تُلتمسُ بركاته ثوابًا على تضليل الناس، وإخراجِهم من دينِهم وعقائدِهم بالله وبرسالاته، وغمسِهم بالشهواتِ والموبقات والرذائل؟!.
* ويكفيني عن أي تعليق قولُ الله تعالى في سورة "الجاثية/ ٤٥ مصحف/ ٦٥ نزول): ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
وقد بلغ القسيسُ "زويمر" الخامسةَ والثمانينَ، ومات سنة (١٩٥٢ م) دون أن يَظفَرَ بما كان يصبو إليه، إلاَّ أنه قد لَقِي عند ربه جهنَمَ وبئسَ المصير، إذ كرَّس حياتَه لتضليلِ أهل الإيمان، وتحويلِهم عن صراطِ الله.
* * *
٥ - مؤتمرات أخرى:
وما يزال المبشِّرون يَعقِدون المؤتمراتِ لتطويرِ وتحسينِ وسائلِهم لتنصيرِ العالم الإسلامي.
° ومن هذه المؤتمراتِ مؤتمرْ كَنَسيٌّ عُقد في ولاية "كولارادو" بأمريكا في عام (١٩٧٧ م)؛ وموضوع هذا المؤتمر هو ما يلي: "العملُ على اكتشافِ
[ ٤ / ١٦٤ ]
وتحديدِ المسؤوليات المسيحيةِ في أمريكا الشمالية تُجاهَ تنصيرِ المسلمين".
وهذا المؤتمرُ امتدادٌ لمؤتمراتٍ أخرى عُقدت لهذا الغرضِ في "لوزان" عام (١٩٧٤ م) بهدفِ تنصيرِ شعوبِ العالم.
وتمَّ اختيارُ المرشَّحين لهذا المؤتمر من المبشِّرين المهتِّمين بتنصيرِ المسلمين.
وكان الإحساسُ السائدُ بين المشارِكين في المؤتمر أنه يجمث تغيير طريقةِ العمل الرئيسة وفقًا لوضع العالَم الإسلاميِّ المعاصر؛ وأنه يجب قبولُ مبدإِ قُدرةِ الله وسيطرتِه وتحكُّمِه، لإزالة الشكِّ الذي لدى المسلمين الذي يَرى أن العالَم المسيحيَّ يُشجِّعُ بقوةٍ عمليةٍ توجيهَ العالَم الإسلاميِّ إلى العِلمانية.
ووافق المشتركون في المؤتمر على أنَّ الموقفَ المتشدِّدَ تُجاهَ العالَم الإسلامي لن يُعينَ في عمليةِ تنصيرِ العالم الإسلامي، لذلك فهم يَعتقدون أنه يجبُ العملُ على إيجادِ جوٍّ وُدِّي بينهما.
° ومن مقررات هذا المؤتمر ما يلي:
١ - يجبُ بذلُ الاهتمام الكافي والتركيزُ بقوةٍ على زَرع جالياتٍ مسيحيةٍ في قلب العالم الإسلامي، وهم سيحاولون بدَورهم تطويرَ وإيجادَ وسائلَ منهجيةٍ جديدة أكثَرَ ملاءمةً عند تقديم الإنجيل للمسلمين.
ويجب الاهتمامُ الشديدُ باستخدام الآياتِ القرآنيةِ ذات الصلةِ بهذه الموضوعات، وخاصةً في المراحل الأوليةِ لعمليةِ التنصير.
٢ - بناءُ وزَرعُ الكنائس التي تهتمُّ بالمتنصِّرين، والترتيباتِ الخاصة بهم، والشعائرِ الدينية.
إلى غير ذلك من مقررات.
[ ٤ / ١٦٥ ]
مجالات أنشطة المبشرين
١ - التحدِّي المباشِرُ للإِسلام عن طريقِ المُناظرة لعلماء المسلمين:
كان المجالُ الأولُ الذي بدأ به المبشرون (المنصرون) هو مجالُ التحدِّي المباشِر للاسلام، عن طريقِ المناظَرةِ لعلماء المسلمين.
وقد بدأ هذا التحدِّي القَسُّ "فاندر" أحدُ مؤلفي كتاب "ميزان الحق" عمدةُ المبشرين والمستشرقين في مناظراتهم للمسلمين.
وتصدَّى له في الهند الشيخ "رحمة الله الهندي" (الكيرانوي" (١٢٣٣ - ١٣٠٨ هـ) صاحب كتاب "إظهار الحق".
قامت بينهما مناظرةٌ علنيةٌ في (١١ رجب سنة ١٢٧٥ هـ) الموافق لـ (١٠ نيسان ١٨٥٤ م) في مدينة "أكبر آباد آكره" إحدى مجالاتِ النشاطِ التبشيري في الهند، وقد حَضَرَ هذه المناظرةَ ولاةُ المديرية.، وموظَّفو الثكنةِ الإنكليزية من الإنكليز، وعددٌ كبيرٌ من أعيانِ البلد ووجهائه.
وقد أَسفرت هذه المناظرةُ في يومها الأول عن اعترافِ القَسِّ "فاندر" بوقوع التحريفِ في ثمانيةِ مواضعَ من الأنجيل.
وفي اليوم التالي تزايد عددُ الذين حَضروا المناظرة من الحُكَّام الإنجليز والمسيحيين والهنادك والسيخ، وظَهر ضَعف القَسّ "فاندر" في المناظرة وظَهر تعنُته.
وفي اليوم الثالث لم يَعُدِ القَسُّ إلى مجلسِ المناظرة التي لم تَنْتَهِ، وكان
[ ٤ / ١٦٦ ]
كلَّما عَلم بوجود الشيخ -﵀- في مكانٍ غادره (^١).
ثم عَدَل المبشِّرون عن مِثل هذه المواجهةِ الصريحة، وانطلقوا في المجالاتِ الأخرى غيرِ المباشرة.
٢ - مجالُ الخِدماتِ الصحية:
وكان ذلك بتأسيسِ المستشفيات والمستوصفاتِ التبشيرية، وتوجيهِ الأطباءِ المتنقِّلين، والمستوصفاتِ المتنقَّلة، وقد تحمَّلوا في ذلك مشقاتِ الدخولِ في أصعبِ الأماكنِ الإفريقية، وغيرها.
وقد وَجَّهوا اهتماماتٍ كبرى لتنصيرِ المسلمين في مجالِ خِدماتِهم الطبية، في معظم بلدانِ العالم الإسلامي الكبرى والصغرى، واستثمروا مؤسساتِهم الطبيةَ استثمارًا اقتصاديًا واسعًا مع قيامهم بمهمَّاتِ التنصير.
٣ - مجال تأسيسِ الكنائسِ والأديرة والرهبنات:
وذلك في كلِّ بلدٍ إسلامي يوجَدُ فيه نصارى، ولو لم يتجاوزوا عددَ أصابع اليدين، لتكونَ هذه المؤسساتُ الدينية بؤرةً للتنصير، ومسوِّغًا للادعاءاتِ المستقبليةِ بحقوقٍ تاريخيةٍ في بلاد المسلمين
٤ - مجال تأسيس المدارس:
وذلك في المرحلةِ دون المرحلةِ الجامعية التي هي من اختصاصِ المستشرقين، وقد أسَّسوا في هذا المجالِ مدارسَ كثيرة في بلدانِ العالم
_________________
(١) انظر ما كتبه الشيخ "أبو الحسن الندوي" في مجلة البعث الإسلامي بعددها الممتاز رمضان وشوال من سنة (١٤٠٢ هـ).
[ ٤ / ١٦٧ ]
الإسلامي، مِن دُورِ الحضانة حتى شهادةِ الدراسة الثانوية، وأتقنوا بناءَها ونظامها، واجتَذبوا إليها أعدادًا هائلةً من أبناءِ وبناتِ المسلمين، وكان من ثمراتِها إخراجُ أجيالٍ متنكرةٍ لدينها، ولأمتها، ولأوطانها، تابعةٍ للغرب، متشبثةٍ بذيولِ الحضارةِ الأوربية وبريقِ ألوانها، مع ما فيها مع انحلالٍ وفوضى خُلُقيةٍ وسلوكية، دون الأخذِ بعوامل النهضةِ الماديةِ الحقيقة.
ومن الأمثلة على ذلك: ما تَكشِفُه الإحصائياتُ عن وجودِ قُرابةِ (١٤٠) مدرسةً طائفيةً وأجنبيةً في الأردن في السبعيات من القرن العشرين الميلادي البخاري، وعددُ الطُّلابِ والطالباتِ فيها يَزيدُ على ثلاثين ألفًا، معظمُهم من أبناءِ وبناتِ المسلمين، والمعلِّمون والمعلِّماتُ فيها معظمهم من غيرِ المسلمين.
٥ - مجال الخدمات الاجتماعية المختلفة:
كدُورِ الأيتام، والعَجَزةِ، والأرامل، والمطلَّقاتِ، ونحو ذلك.
٦ - مجالُ العلاقات الاجتماعية:
فمن ذلك الصِّلاتُ الوديِّةُ الشخصيةُ والصداقاتُ والزياراتُ العائلية، والعلاقاتُ الاجتماعيةُ والاقتصاديةُ والثقافيةُ المختلفةُ، واتخاذُ هذه الأمورِ وسيلةً لإفسادِ المسلمين والمسلمات.
٧ - استغلالُ الأزماتِ والكوارثِ الفرديةِ والاجتماعية:
ويتجلى ذلك بتصيُّدِ اللقطاءِ والمشردين والمشرداتِ وأصحابِ الأزمات المختلفة من أبناءِ وبناتِ المسلمين، وكذلك الذين فَقدوا أهليهم في
[ ٤ / ١٦٨ ]
الحروب، والفتن، والمجاعات، والكوارثِ الطبيعية، والأزماتِ الأخرى، وإيوائهم لتنصيرهم.
ومن أمثلة ذلك: الحملاتُ المكثفةُ التبشيريةُ لتنصيرِ أطفال المسلمين اللاجئين في الصومال، التي نَشرت الصحفُ عنها في عام (١٤٠٢ هـ).
والحملاتُ التبشيريةُ لتنصيرِ أطفال لاجِئي الأفغانِ في باكستان، الذين فرَّ بهم أهلُوهم، خوفًا عليهم من التدميرِ الشيوعي الأحمر، وقد نُشر عنها في عام (١٤٠٣ هـ).
وهذه الحملاتُ تأتي تحتَ قناع هيئةِ "الصليب الأحمر".
وكذلك الحملاتُ التبشيريةُ لتنصيرِ أطفال من إندونيسيا، ليكونوا إذا كَبِرُوا مبشرين بالنصرانية بين ذَويهم، وقد أسمَوا هذا المشروعَ بمشروع "الأسر البديلة".
وحَصَل ما هو أشنعُ من ذلك في أطفال المسلمين اللبنانيين، وذلك في الفِتن السياسية التي قامت بين الطوائفِ اللبنانيةِ المختلفة، في السبعينات، وأوائل الثمانيناتِ من القرنِ العشرين الجاري، إذْ كانوا يُلتقطون ليؤخذوا إلى معسكراتِ وملاجئ التنصير، أو إلى القتل.
ونشرت الصحفُ أن بعضَ النصارى اللبنانيين باعُوا ألفين من أطفال المسلمين في لبنان إلى المؤسساتِ التنصريةِ في أوربا وأمريكا.
ونَشرت الصحفُ أيضًا ما يُثبتُ أنَّ هناك منظماتٍ سريةً يُشرِفُ عليها قساوسة لشراءِ أطفالِ من أبناءِ المسلمين، بُغيةَ أخذِهم إلى معسكرات التنصير.
[ ٤ / ١٦٩ ]
٨ - تأسيسُ الإِذاعات:
وهي الإذاعاتُ الخاصةُ بالدعوةِ إلى النصرانية، ونشرِ الإنجيل بصورةِ علنيةٍ ظاهرة، أو بصورةٍ خفيةٍ متوارية.
° ومن هذه الإذاعات:
١ - إذاعة "مونت كارلو".
٢ - إذاعة "صوت الغفران".
٣ - إذاعة "مركز النهضة".
٤ - إذاعة "قبرص" في نيقوسيا.
٥ - إذاعة "فيبا" بجمهورية السيشيل في المحيط الهندي.
٩ - توزيع المطبوعات والمنشورات الداعية إِلى النصرانية:
وذلك ببثِّها بين صفوفِ المسلمين، مقرونًا بالأساليب الودِّية، والوعد بتلبية المطالب.
والمبشِّرون بالنصرانية يستغلُّون إمكاناتِهم الواسعةَ الماديةَ والعلميةَ والبَشَريةَ، لطبع ملايينِ الكتب، والرسائل، والمنشوراتِ، وتوزيعِها بين المسلمين.
ومع ما لديهم من أموالٍ وفيرةٍ، تُحوَّلُ إليهم فوائد ودائع المسلمين في البنوك الغربية، الذين يوُدِعون أموالهم فيها، ولا يأخذون فوائدَها الربوية، وهم بذلك قد ساعَدوا أعداءَ الإسلام بأموالهم مرَّتين.
[ ٤ / ١٧٠ ]
١٠ - الإِغراءُ بين الجنسين:
وذلك بتصيدِ الشباب عن طريقِ الفتيات الحسناوات المرضيات بصداقاتهن الخاصة، والآسراتِ للنفوس، والباذلاتِ أجسادَهنَّ ولو بطرقٍ محرَّمةٍ.
١١ - تأسيسُ الجمعياتِ والمنظماتِ والنوادي:
ومن مجالاتِ أنشطةِ المبشِّرين بالنصرانية، الجمعياتُ والمنظماتُ والنوادي ذاتُ النشاطِ الاجتماعي أو الأدبي أو الثقافي، أو الفني أو الرياضي.
° ومن هذه المنظمات ما يلي:
١ - منظمة "نداء الرجاء" بمدينة "شتوتكارت" الألمانية.
٢ - منظمة "بعثة الصداقة" التي لها فروع في لبنان، وهولندا، وألمانيا، وفرنسا، وأمريكا.
٣ - منظمة "مركز الشبيبة النصراني" ومركزُها الرئيسي بألمانيا الغربية، ومؤسِّسُها "فالتر فاشرمان" الألماني الجنسية .. إلى غيرها من المنظمات.
١٢ - المساعدة على افتتاح أكبرِ عدد ممكنٍ من دور الخمور:
وقد تمَّ ذلك في بلدانِ العالم الإسلامي، لنشرِ معاقرةِ الخمورِ بين المسلمين.
وقد لاحَظَ المتتبِّعون في السودان أنَّ الكنيسةَ والمؤسَّساتِ التبشيريةَ وراءَ تعطيل أيِّ مشروع لتحريم الخمر، فعندما أعلَن مجلسُ منطقةِ أمِّ دِرمانَ تحريمَ بَيع الخمور، قامت الكنيسةُ بمعارضةِ ذلك، واضطَربت، ودَفعت
[ ٤ / ١٧١ ]
الأموالَ الطائلةَ لتعطيل تنفيذ القرار.
١٣ - الاهتمامُ بالمجتمعاتِ الإِسلامية الناميةِ والنائية:
تهتمُّ حركاتُ التنصيرِ بالمجتمعاتِ النائيةِ والنامية، والتي تكثُر فيها الأمية، وينتشرُ فيها الفقرُ والمرض، لاستغلالِ حاجاتهم والبؤسِ الذي يعانون منه، الأمرُ الذي قد يُسهِّلُ عليهم بَيعَ دينِهم لتحصيل الغذاءِ والدواءِ والكِساءِ، والعمل الذي يُحصِّلون عن طريقِه أرزاقَهم.
ويَقْنَعُ المنصِّرون بمن يتنصَّرُ طمعًا بتأمينِ حاجاته، لا عن إيمان بالنصرانية، ولا عن اعتقادٍ بصحتها.
١٤ - استغلالُ أشرطة "الكاسيت":
واستَخدمت حركاتُ التنصير -مع انتشارِ آلاتِ التسجيل على نطاقٍ واسع في العالم- طبعَ أشرطةِ "الكاسيت" وحَشْوَها بما يريدون بثَّه من أفكار، وتوزيعَها في مجالات أنشطتهم.
١٥ - تأسيس منظمات سِريةٍ تعمل في الخفاء:
ومن أمثلةِ هذه المنظماتِ السريِّةِ ما أعلنته الصحفُ السودانيةُ في أواخِرِ السبعينات من أن سُلطاتِ الأمنِ السودانية اكتَشفت خليةً سريةً تعملُ في الخفاء لبث الدسائسِ والأفكارِ المعاديةِ للإسلام، والداعيةِ إلى النصرانية، وذلك إذْ داهمت هذه السلطاتُ وَكرَ خليةٍ من خلايا هذه المنظمة في "الخرطوم" العاصمة السودانية.
وزعيمُ هذه الخليةِ طبيبٌ سويسري يعملُ في "الخرطوم"، وهي متابعة لمنظمةٍ دوليةٍ مركزُها في "بازل" بسويسرا، ولهذه المنظمةِ فروع في ألمانيا،
[ ٤ / ١٧٢ ]
والنمسا ولبنان.
وحين تمَّت مداهمةُ هذا المركز عُثر على (٢٠٠) ألف كتابٍ من الكتب المعادية للدين الإسلامي، والمحرِّفةِ له، والمشوِّهةِ لصورتهِ الحقيقية، والداعيةِ إلى الردَّة عنه.
وضُبطت فيه أيضًا كمياتٌ كبيرة من الأشرطة التي سُجِّلت فيها موضوعاتٌ وأحاديث مناوئةٌ للإسلام، وبعضُها يشتملُ على تلاواتٍ شبيهةٍ بالتلاوات القرآنيةِ -هي ليست قرآنًا- بل معاديةً ومناقضةً له، بُغيةَ تضليل عوام المنتمين إلى الإسلام في إفريقيةِ وغيرها، حيث الجهلُ بالإسلام منتشر.
وذَكرت الصحفُ السودانيةُ آنئذٍ أن رئيسَ هذه المنظمةِ هو الألماني "فالتر فشرمان"، وأنه كان قد بَعث بخطابٍ إلى الطبيبِ السويسري مديرِ الخليةِ في "الخرطوم" يدعوه فيه إلى تكثيفِ النشاطِ للحدِّ من المدِّ الإسلامي.
١٦ - مجالُ المسابقات بأنواعها:
ومِن هذه المسابقاتِ الإعلانُ عن مسابقاتٍ عن طريقِ المراسلة، ومضامينُ هذه المسابقاتِ تتطلبُ التعرفَ على موضوعاتٍ يُهِمُّ المبشِّرين التعريفُ بها.
وتُرصَدُ لهذه المسابقات جوائزُ مادية وعَينية قيمة، بُغيةَ شد انتباهِ الناس إليها، وتحريكِ مطامع ذَوِي المطامع للمشاركةِ فيها.
١٧ - تأليف الكتب:
وهي الكتبُ المعدة لتكونَ مراجعَ للبحوث الدينية، ومنها الكتبُ
[ ٤ / ١٧٣ ]
التالية:
١ - "ميزان الحق" مؤلَّف من ثلاثة أجزاء.
٢ - "تنوير الأفهام في مصادر الإسلام".
٣ - "الهداية" مؤلَّف من أربع أجزاء.
٤ - "مقالة في الإسلام".
٥ - "الباكورة الشهية في الروايات الدينية".
٦ - "دعوة الحق".
٧ - "أصول الإيمان".
٨ - "الصليب في الإنجيل والقرآن".
٩ - "دين المسيح لم ينسخ".
١٠ - "شخصية المسيح في الإنجيل والقرآن".
١٨ - مجال الفنادق العالمية الكبرى:
وذلك باستغلال الفنادق العالمية الكبرى ذات الفروع في معظم عواصم العالم، ودسِّ ما يمكن عن طريقها من غزوٍ تبشيري صليبي، وسلوكٍ غربي يخدم مصالح الاستعمار الغربي، ويُحوِّل المسلمين عن مفاهيمهم الإسلامية، وأنواع سلوكهم الإسلامي.
١٩ - استخدام الأسواق المجُمعة "السوبر ماركت":
يتمُّ ذلك باستغلالها لترويج ما يخدم أفكار الغزاة، ويُشجع على ممارسة أنواع سلوكهم وطرائق حياتهم.
[ ٤ / ١٧٤ ]
٢٠ - إِنشاءُ معاهدَ لإِعدادِ المنصِّرين المتخصِّصين بتنصيرِ المسلمين:
مثل: "معهد صمويل زويمر" الذي أُنشئ في شمال "كاليفورنيا"، وقرروا إنشاءَ معهدٍ آخَرَ، ورصدوا له مليارَ دولار أمريكي.
وهنالك مجالاتٌ كثيرة أخرى قائمة، أو يمكن أن تتفتَّقَ أذهانُ أعداء الإسلام لاستخدامها.
* * *
التآزُرُ بين المبشِّرين والمستعمرين
١ - تتابعت مخططاتُ المبشِّرين الهادفةُ إلى محوِ الإسلام من الوجود، وتمزيقِ وحدةِ المسلمين، واتَّسعت دوائرُ أعمالِهم وملاحقتِهم للإسلام في كل بلدٍ اتساعًا كبيرًا، ولكنهم لم يَظفَروا بكلِّ ما يُريدون تحقيقَه داخلَ المجتمعاتِ الإسلامية، عن طريقِ أعمالِهم ونشاطاتِهم الخاصةِ المنفصلةِ عن الحكوماتِ الاستعمارية، فلجؤوا إلى هذه الحكوماتِ يلتمسون منها العَونَ والتأييدَ المالي والسياسيَّ والعسكري.
فرأت الدولُ الاستعماريةُ جيوشَ المبشرين كَنزًا ثمينًا لها، فقررت أن تُدعِّمها في أهدافِها التبشيرية، لتستخدمَها في الأهداف الاستعمارية.
وقد كان المبشِّرون الذين يَفِدُون إلى البلاد الإسلامية، يأتون أولَ الأمر متستِّرين بأسماءٍ مختلفة، فإذا استقروا في البلاد أَخذوا يقُومون بالتبشيرِ على مقدارِ وُسعِهم، فإذا وَجدوا من الدولِ الإسلاميةِ مراقبةً لهم وتذمُّرًا من
[ ٤ / ١٧٥ ]
أعمالِهم وملاحقةً لتصرفاتهم لجؤوا إلى قناصلهم طالبين حمايتَهم، وكان المسؤولون في القنصلياتِ الأجنبيةِ يُدافعون عنهم ويَحمُونهم بوصفِهم من رعاياهم، وكلما ضَعُفت الدولُ الإسلاميةُ إمامَ نفوذِ الدولِ الأجنبيةِ زادت هذه الدولُ في دعم المبشِّرين داخلَ البلادِ الإسلامية، وفي حمايتهم وتأييدهم.
ومن أمثلةِ ذلك: لمَا أراد الخديوي "إسماعيل باشا" أن يُغلِقَ مدارسَ البشرين البروتستانت في مصر؛ لأن هؤلاء كانوا يتدخلون في السياسة، وُيثيرون الاضطراباتِ في البلاد، وَيزيدون مشاكلَ الحكومة، تدخلت في الأمر قنصليتانِ تابعتانِ لأكبرِ دولتينِ يومئذٍ، فأيدتَا المبشرين، وحَمَلتا الحكومةَ المصريةَ على أن تتقيدَ بالخط الهمايوني (أي: بالدستور) الذي ينص على احترام الحريةِ الدينية، عِلمًا بأن احترامَ الحريةِ الدينيةِ لا يتعارضُ مع الأمرِ لإغلاقِ مدارسَ تبشيريةٍ أجنبية، تحاولُ أن تَعبَثَ بعقائدِ المسلمين وتُخرِجَهم عن دينهم، ولكن سياسةَ دعم المبشرين هي التي حَرضت الدولَ الأجنبيةَ على أن تتدخلَ لصالح التبشيرِ هذا التدخلَ السافر.
٢ - ويكشفُ سياسةَ التآزرِ بين المبشرينِ والمستعمرين ما جاء في الكتابِ المئوي للمبشرين اليسوعيين، بعد أن أَمْسَتْ سورية ولبنان تحتَ الانتداب الفرنسي، وهو قولهم: "أجل، لقد كنا نعتمدُ على مساعدةِ فرنسا الظافرة، والآن ها هي فرنسا هنا".
٣ - وفي المؤتمر الذي أقامة المبشرون على ظَهرِ الباخرة "غالف" في البحر الأحمر، صَرَّح حاكمُ إفريقية الشرقية: بأنه يجب على الحكومةِ وعلى
[ ٤ / ١٧٦ ]
المبشرين أن يَشتركوا في العمل ضدَّ الإسلام.
٤ - وفي سبيل مؤازرةِ المبشّرين للدول الاستعمارية المتربِّصة، أَخَذَ المبشرون يفتعِلُون داخلَ البلاد الإسلامية الأسبابَ التي تقودُ إلى الحرب؛ لأن الحربَ ستُضعِفُ الدولَ الإسلامية، ومِن خلال ذلك يجدُ المبشرين منافذَ واسعةً لهم، كي يَقوموا بمهمةِ التبشير بين المسلمين على ما يُحبُّون، ويحاولُ المستعمرون مِن جهتهم تحقيقَ أهدافِهم الاستعمارية، بينما يحاولُ المبشِّرون تحقيقَ أهدافِهم التبشيرية.
وهذا ما أَعطى الحروبَ التي كانت تُشن ضدَّ العالم الإسلاميّ صفةً دينيةً صليبيةً، بما في ذلك الحروبُ التي شنتها الدولُ الأوربيةُ على الحكوماتِ الإسلاميةِ في القرنين التاسعَ عَشَرَ والعشرين.
° يقول المبشر"لورانس براون": "وكذلك شنت الدولُ الأوربيةُ في القرن التاسع عَشَرَ والقرن العشرين حروبًا عُدوانيةً على الحكوماتِ المسلمة، ثم انتَزعت منها أراضيَ ضمتها إلى سُلطانها هي، ولقد كانت النتائجُ في أحوالٍ كثيرةٍ غيرَ سارةٍ لبعضِ الشعوب التي استُعبدت، وخصوصًا من المسلمين، ولكن هذه الشعوبَ لم تَصِلْ بعدُ إلى درجةٍ تَشعُرُ فيها بأنها أصبحت أقلياتٍ مضطهدةً".
° ويقول "وليم كاش" في كتابٍ صغير له: "قبلَ هذه التطوراتِ التي طرأت على العالَم الإسلامي بعدَ الحربِ العالمية الأولى، كان المبشِّرون قد اتخذوا مراكزَ استراتيجيةً في العالَم الإسلامي، واستطاعوا في أثناءِ الثورات والحروبِ والاضطراباتِ أن يُتابعوا عَمَلَهم بهدوءٍ وثبات، ولقد
[ ٤ / ١٧٧ ]
كُتب هذا الكتاب الصغير ليدلَّ على هذه التطوراتِ التي حَدثت، وليبين للكنائسِ تلك الحاجةَ الملحة للتقدُّم بمشروعِها في يومِ الفرصةِ السانحة".
وقبل أن يحتلَّ الاستعمار الإيطاليّ "إِرِتْرِيا" استَخدم الطليانُ المبشِّرَ الطلياني الأب "سابيتو" ليبتاعَ لهم "عَصَب" من الأريتريين، ففعل، وكان ذلك هو البدايةُ للاحتلال الاستعماري.
وكذلك كانت للمبشرين أدوارٌ كثيرةٌ مماثلةٌ في التمهيد للاستعمار، كما كان للدول الاستعمارية أدوارٌ كثيرة في مساعدة المبشرين ومؤازرتهم وحمايتهم لهم، وخططُ العمل من الفريقين يكمِّلُ بعضها بعضًا.
٥ - ونجدُ الآنَ بعد استقلالِ البلادِ الإسلاميةِ من الاستعمارِ المباشر، نشاطًا كبيرًا للمبشرين في بلاد كثيرةٍ من بلاد المسلمين، وهذا النشاطُ تُدعِّمُه الدولُ الاستعمارية الكبرى، منه نشاط المبشِّرين في إفريقية، ونشاطُ المبشرين الكبير في إندونيسيا، إذ تتزايدُ فيها الإرسالياتُ التبشيريةُ تزايدًا كبيرًا.
نشرف صحيفة "واشنطن بوست" في عددها الصادر في (٧/ ٩/ ١٩٧٣ م) تعليقًا بعنوان: "تعاظُمُ التنصير في إندونيسيا" أشارت فيه إلى ازديادِ عددِ الكنائسِ في أوساط إندونيسيا المسلمة .. وذكرت أن "جاوه" -وهي أكثر الجزرِ ازدحامًا بالسكان، إذ تبلغُ نسبة عددِ سكانها (٦٥%) من مجموع سكان إندونيسيا- أصبحت تربةً صالحةً لنشاطِ الإرسالياتِ التبشيرية، وقد تضاعَف عددُ كنائس البروتستانت والكاثوليك في "جاوه الوسطى والشرقية" إلى أربعةِ أضعافِ ما كان عليه .. ويبلغ عددُ أعضاء كنيسة "جاوه الشرقية" وحدها (٢١٠٠٠) واحدًا وعشرين ألف
[ ٤ / ١٧٨ ]
شخص .. ورغم ما يواجهُ رجالَ التبشير في بعضِ المناطقِ الإسلاميةِ من مقاومةٍ وإعراض، إلاَّ أنهم بالأغراءِ الماديِّ المسيحيِّ استطاعوا أن يتغلَّبوا على هذه المصاعب.
° وقالت الجريدة: "إنه توجدُ في إندونيسيا الآن جريدتانِ إحداهما للبروتستانت، والأخرى للكاثوليك".
° وقالت: "إن المسيحيين الذين تبلغُ نسبتُهم (٥%) من مجموع سكان البلاد يُسيطرون على بعض المرافق".
وأعادت الصحيفةُ إلى الأذهانِ أن طلائعَ البعثاتِ التبشيريةِ دَخلت إندونيسيا في عام (١٥٠٠ م) مع البرتغاليين الذين استعمروا جُزر البهارات .. وقد استَمرت الحملاتُ التبشيريةُ وبعثاتُها تتوالى على البلاد في مختلفِ العهودِ التي مرت بها (^١).
ومع تزايُدِ النشاط التبشيري في إندونيسيا أَخذت الأموالُ تتدفقُ عليها من دولِ الغربِ ومن أمريكا بالذات، ومعظمُ هذه الأموالِ لخدمةِ أهدافِ المبشرين الراميةِ إلى تنصيرِ الشعبِ المسلم في إندونيسيا.
٦ - ومما يدل على أن التبشيرَ تمهيدٌ للاستعمار ومقدمة له، ما جاء في خطاب القسيس "زويمر" الذي ألقاه في مؤتمرِ القدس التبشيري، الذي سبق بيانه، إذ قال فيه للمؤتمرين: "وبذلك تكونون أنتم بعَملكم هذا طليعةَ الفتح
_________________
(١) مقتبس من مقال كتبه الدكتور محمد ناصر رئيس وزراء أندونيسيا الأسبق وعضو المجلس التأسيسي لرابطه العالم الإسلامي، نشر قسم منه في جريدة أخبار العالم الإسلامي، العدد ٣٥٣ في ٢٤/ ١٠/ ١٣٩٣ هـ.
[ ٤ / ١٧٩ ]
الاستعماري في الممالك الإسلامية".
° ويقول المبشر "لورنس براون" -وهو أحدُ أقطابِ المبشرين في العالم-: " .. ولكنَّ الخَطرَ الحقيقيَّ كامن في نظام الإسلام، وفي قُوته على التوسع والإخضاع، وفي حيويتِه، إنه الجدارُ الوحيدُ في وجهِ الاستعمار الأوربي".
° وتقول مجلة "العالم الإسلامي" الإنكليزية: "إن شيئًا من الخوف يجبُ أن يُسيطرَ على العالَم الغربي، ولهذا الخوفِ أسبابٌ، منها: أن الإسلامَ منذُ أن ظَهر في مكةَ لم يَضعُف عدديًّا، بل هو دائمًا في ازديادٍ واتساع، ثم إن الإسلامَ ليس دينًا فحسب، بل إن من أركانِه الجهادَ، ولم يَتَّفِقْ قط أن شعبًا دخلَ في الإسلام ثم عاد نصرانيًّا".
٧ - ويكشفُ سياسةَ التآزرِ بين المبشرين والمستعمِرين ما جرى في المؤتمر الاستعماري الألماني.
فقد نشرت "مجلة إرساليات التبشير البروتستانتية" التابعةُ لجميعة التبشير في مدينة "بال" بسويسرا مقالةً ذاتَ شأنٍ عن موقفِ إرساليات التبشير في المؤتمر الاستعماري الألماني، ومما يَزيدُ في أهميةِ هذه المقالة أنها مكتوبة بقلم المبشر "م. ك. اكسنفلد" صاحبِ التقرير عن الفرع المختص بالإسلام في المؤتمر الاستعماري المذكور، وهو أيضًا أمينُ سر جميعةِ التبشير في برلين.
° قال صاحب المقالة:، إنَّ المؤتمر الاستعماري امتاز بِمَزِيَّتين:
الأولى: أنه بَحث في الشؤونِ الصناعيةِ والاقتصادية.
الثانية: إجماعُه على وجوبِ ضمِّ المقاصِدِ السياسيةِ والاقتصاديةِ إلى
[ ٤ / ١٨٠ ]
الأعمالِ الأخلاقيةِ والدينيةِ في سياسةِ الاستعمارِ الألماني.
واستَشهد بقول "شنكال" رئيسِ غرفةِ التجارةِ في "همبرغ": "إن نموَّ ثروةِ الاستعمار متوقفٌ على أهميةِ الرجال الذين يَذهبون إلى المستعمراتِ، وأهمُّ وسيلةٍ للحصول على هذه الأمنية إدخالُ الدينِ المسيحي في البلادِ المستعمَرة؛ لأن هذا هو الشرطُ الجوهري للحصول على الأمنيةِ المنشودة، حتى من الوِجهة الاقتصادية".
ثم حَضَّ "اكسنفلد" على تقديرِ عمل المبشرين، وإحلالِه في مَحِله اللائق به، وعندما أَخذ المؤتمرُ الاستعماري يبحثُ في أعمالِ فرعِه الرابع الخاص بالمسألة الإسلامية، أفاض المبشرون المشتركون في المؤتمر، وتوسَّعوا في القول، حتى خُيِّل للجميع أن المؤتمرَ الاستعماري تحول إلى مؤتمر تبشيري.
° وجاء في قرارات المؤتمر الاستعماري المذكور ما يلي: "إن ارتقاءَ الإسلام يُهدَّدُ نموَّ مستعمراتنا بخطر عظيم، ولذلك فإن المؤتمرَ الاستعماري يَنصحُ الحكومةَ بزيادةِ الإشرافِ والمراقبةِ على أدوارِ هذه الحركة".
والمؤتمرُ الاستعماري -مع اعترافِه بضرورة المحافظة على خُطَّةِ الحِيادِ تمامًا في الشؤون الدينية- يُشيرُ على الذين في أيديهم زِمامُ المستعمراتِ أن يقاوِموا كلَّ عمل من شأنِه توسيعُ نطاقِ الإسلام، وأن يُزيلوا العراقيلَ من طريقِ انتشارِ المسيحية، وأن يَنتفعوا من أعمالِ إرسالياتِ التبشيرِ التي تبث مبادئَ المدنية، خصوصًا بخدماتهم التهذيبية والطبية.
ومِن رأيِ المؤتمر"أن الخطر الإسلامي يدعو إلى ضرورةِ الانتباهِ لاتخاذ التدابير -من غيرِ تسويفٍ- في كَل الأرجاء التي لم يَصِلْ إليها الإسلامُ بعد".
[ ٤ / ١٨١ ]
° وجاء في خِطابٍ ألقاه الأستاذُ "باكر" أحدُ أعضاءِ المؤتمرِ الاستعماري الألماني: "إن السياسةَ التي يَنبغي الجريُ عليها في معاملةِ المسلمين، تُحِّتمُ علينا وَضْعَ خُطةٍ جديدةٍ في مَجرى سياسةِ حكومتنا .. والمبشِّرون هم الذين اختُصُّوا وحدَهم بالاهتمام بأمرِ الإسلام، والبحثِ في شؤونه في كلِّ مستعمراتنا الألمانية إلى هذه الأيام الأخيرة .. وأنا لا أرى أن تَظَلَّ الحالةُ على ما هي عليه، بل مِن رأيي أن تَنتقلَ أزمةُ السياسةِ الإسلامية منذُ الآن وبعد الآن إلى يدِ الحكومةِ في مستعمراتنا، ويجبُ على حكومتنا في هذه الخطة الجديدة التي أُشير إليها أن تَستعينَ بالوجهةِ الوطنيةِ لا بالوجهةِ الدينية، كيما تتوصَّل إلى مقاصدها".
° ثم قال: "وأنا أقترحُ على حكومتنا أن تضعَ خُطةً موطَّدةَ الأركان في الأمور الآتية:
الأول: في الخطةِ العامةِ للنظام الإداري والديني.
الثاني: في علاقةِ الشرع الإسلامي بالقوانين الأوربية.
الثالث: في نظام التعليم".
° ثم خَتَم خطابه بقوله: "يجبُ علينا بالرغم من العنايةِ برعايةِ الإسلام أن نهتم بمقاومةِ انتشارِه في مستعمراتِنا على قَدْرِ الإمكان، وليس هنالك غير واسطةٍ واحدةٍ توصلنا إلى هذه الغاية، وهي إنشاءُ مراكزَ ثابتةِ الأركان، كما تفعلُ إرساليات التبشير".
٨ - ويكشفُ سياسةَ التآزر بين المبشِّرين والمستعمِرين ما قاله القَسُّ اليسوعي "مييز" في معرض حديثه عن سياسة فرنسا الدينية في الشرق: "إنَّ
[ ٤ / ١٨٢ ]
الحربَ الصليبةَ الهادئةَ التي بدأها مبشِّرونا في القرن السابعَ عَشَرَ، لا تزالُ مستمرة إلى أيَّامِنا هذه، ولقد احتَفظت فرنسا طويلًا بروح الحربِ الصليبيَّة، وبالحَنين إلى تلك الحروبِ حيَّةً في نفسها، وكان من غاياتِ الامتيازات الأجنبيةِ دائمًا أن تحتفظَ فرنسا بالدَّور الذي يلعبُه رُهبانها، وقد اعترِفَ لقناصِلنا وسُفرائنا بالحمايةِ للنصارى، وكثيرًا ما اختارت فرنسا قناصِلَها وسفراءَها من رجال الدين" (^١).
٩ - ويكشفُ سياسةَ التآزر بين المبشِّرين والمستعمِرين الكتابُ الذي أصدرته لجنةُ التبشير الامريكي، والتي تهتمُّ بالاستفادةِ من الحروبِ في أعمال التبشير في عام (١٩٢٠ م).
° وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب:"من أبرز الأمور المتعلِّقة بدخولِ الولاياتِ المتحدة في الحرب العالمية الأولى، أن الآراءَ والمبادئَ الَتي كانت تهدف إليها الإرساليات التبشيرية، قد تَبنَّتها الآن الأمَّةُ الأمريكية، ثم أعلتت أنها هي أهدافُها الأخلاقية، وغاياتُها من خوضِ تلك الحرب، إنَّ هذه المبادئَ التبشيريةَ قد سُميت الآن أسماء سياسيةً فقط" (^٢).
* * *
_________________
(١) أخذًا مما نقله الطاهر المعموري في بحثه الذي تحدَّث عنه عبد الله الرفاعي في جريدة المسلمون (العدد: ٦٣) تاريخ (١٠ - ١٦) شعبان ١٤٠٦ هـ.
(٢) المصدر السابق.
[ ٤ / ١٨٣ ]
الأموالُ التي تُجمع للتنصير مع إعدادِ المنصِّرين ووسائلِ التنصير
(١) إِينا "نيويووك": ذَكرت مجلة أمريكيَّة أنَّ ما تَمَ جمعُه خلالَ العام الماضي من تبرُّعُاتٍ لأغراض كنسيَّةٍ من غربِ أوروبَّا وشمالِ أمريكا بلغ (١٥١) بليون دولار، وذلك لتمويل النشاطِ الكنسيِّ في إفريقية، ولدى المؤسساتِ التنصيرية (١٩٠٠) محطةِ إذاعةٍ وتليفزيون، ولديهم أربعةُ ملايين وعشرون ألفَ منصِّر متفرِّغ، وأربعمئة مجلَّة دوريةٍ مسيحية (^١).
(٢) وجاء في مقال كتبه: "د. كامل الدقس" (^٢): "إن مجلسَ الكنائس العالمي رَصَد (١٣٠) بليون دولار أمريكي لتنصير قارَّةِ آسيا وأفريقية، وقد رَصدوا لجزيرةِ "جاوة" وحدها بليون دولار، لكي تكونَ مسيحيَّةً بحلول سنة (٢٠٠٠ م)، وقد جَمع "بيل جراهام" زعيمُ البروتستانتيين في أمريكا بليونَيْ دولارٍ أمريكي لتمويل مشروعاتِه التنصيرية في أفريقية وآسيا؛ ولدى الفاتيكان ميزانية ضخمةٌ للتنصير، قَدَّرها بعضُ الاقتصاديّين بأنَّها تجعل من العالم الثالثِ أغْنَى دول العالم" (^٣).
* * *
_________________
(١) نقلًا عن إحدى صحف المملكة العربية السعودية.
(٢) انظر: جريدة "الندوة" العدد (٩٣٨٦) الخميس ٩/ ٥/ ١٤١٠ هـ.
(٣) انظر: "أجنحة المكر الثلاثة" (٨٩: ١١٨) للعلامة عبد الرحمن بن حسن حبنَّكة الميداني.
[ ٤ / ١٨٤ ]
* ولنختم أخيرًا بهذا الخبر: "بيت الساحر":
° قال الشيخ عمر سليمان الأشقر -حفظه الله-: "في حديقةٍ عامةٍ في مدينة "روما" في إيطاليا مبنى مسجدٍ يُشبِهُ مساجدَ المسلمين، كُتب عليه "بيت الساحر"، لم يُبْنَ لتُقامَ فيه الصلاة، ويرتفعَ من مِئذنته صوتُ المؤذِّنِ مناديًا إلى الصلاة والفلاح، ولكنه شُيِّد للصدِّ عن دينِ الله، وتشويه صورة الإسلام والمسلمين.
تدخُلُ ذلك المبنى الذي دُعي بـ "بيت الساحر"، فلا تخطو خُطوةً إلاَّ قابلَكَ أمرٌ مُفزع مرعِبٌ مصنوعٌ بطريقةٍ سِحرية، وهكذا يرتبطُ اسمُ المسجدِ بالسِّحرِ والسحَرة، حتى تَنفِر نفوسُ الذين لا يَعرِفون حقيقةَ المسجدِ ورسالتِه من كل مسجد، فيُصَدُّ الناسُ عن الهداية والرشاد.
ولم يَكتفِ مُشيِّدو هذا المبنى بِمَلْئِهِ بالحِيَل السحريةِ المرعبة، بل نَصَّبوا فوقَه صُوَرَ ثلاثةِ أشخاص صُنعوا ليتحركوا في دائرة، صورةَ امرأةِ عربية، يتبعُها عبدٌ، وخَلْفَهما عربي يُمسِكُ بسَوطٍ غليظٍ مُلاحقًا المرأةَ والعبدَ ليهويَ عليهم بسوطه.
وفي البناء الذي سَمَّوه "بيت الساحر" مئذنةٌ، تُفتحُ فيها نافذة بين الفَينةِ والفَينة لِتَبرُزَ من خلالها صورةُ امرأةٍ عربيةٍ جميلة.
إنها مَشاهِدُ يُرادُ لها أن تَغرِسَ في نفوسِ مُشاهِديها صُورًا مُشوهةً للمسلمين، فالغربيون الذين جَعلوا المرأةَ سِلعةً يُداسُ عفافُها باسم "الحرية والحضارة والرقي" يَسِمُون المسلمين بظُلم المرأة!!.
والغربيون الذين لا يزالون بين الفَينةِ والفَينةِ يُقيمون أعراسًا حُمْرًا لكل مَن كان لونُه أسودَ، يَعيبوننا بأننا نَقهرُ ونسترق الجِنسَ الأسود!!.
[ ٤ / ١٨٥ ]
والمرأةُ في المِئذنةِ صورةٌ يُراد لها أن تُقرِّرَ في نفوس مِن يُشاهدونها أن المرأةَ تَعيشُ في الأغلال والقيود، فلا يؤذَنُ لها أن تَخرجَ إلى سَعَةِ الحياة.
لقد حاولتُ أن أعترضَ لدى القائمين على ذلك المبنى، ونقلتُ تألمي لإحدى السفاراتِ الإسلاميةِ مطالبًا تدخلهم لإِيقافِ هذا الباطل، ولا أدري هل لا يزالُ "بيت الساحر" يقوم بدَوره في تشويهِ صورةِ الإسلام والمسلمين، أم أنه أوقِفَ وأزيل، فقد كانت رؤيتي له من عَشْرِ سنوات تقريبًا.
لقد وصل الغربيون إلى مراحلَ متقدمةٍ في تشويهِ صورتِنا في عقولِ الذين لا يعرفوننا، وبخاصةٍ شبابِهم الذين يَخشَون عليهم من الإسلام.
وقد اطَّلعت في الوقت الذي شاهدتُ فيه ما دَعَوه "ببيت الساحر" في مجلة "العربي" الكويتية في عددها (٣٦٤) مارس ١٩٨٩ على مقالٍ كتبه الأستاذ "عبد الرحمن حمادي" تحدَّث فيه عن تشويهِ صورةِ الإسلام في نفوسِ الناشئةِ عن طريقِ الأفلام التي تُبذل فيها الأموال والجهود الهائلة لتحقيقِ هذا المَقصِدِ الخبيث.
وقد تحدَّث الأستاذُ "عبد الرحمن" عن ثلاثةِ أفلام من هذا النوع، الأول منها يسمى بـ "القط الطائر".
° يقول الأستاذ في حديثه عن هذا الفيلم: "أذكر أنني في بيروت بَقِيتُ أسبوعًا أحاول الدخولَ للصالة التي تَعرِضُ فيلم "القط الطائر"، وما نَجحث إلاَّ بالحصولِ على بطاقةٍ من السوق السوداء؛ ولقد ذُهلت حينما اكتَشفتُ أنني أمامَ أحدِ أسوإِ الأفلام عَدائيةً وتشويهًا لصورة العربي.
الفيلمُ من إنتاج شركة "مترو غولدن ماير" الشهيرة، وهو موجه للأطفال والناشئة أساسًا، بَيْدَ أنه بتقنياتِه وطَرافةِ موضوعِه يجعل الكبارَ
[ ٤ / ١٨٦ ]
-قبلَ الصغار- يتسابقون لمشاهدته، ويتحدثُ عن قط صغير جميل يأتي من كوكبٍ بعيدٍ -كلُّ سُكَّانه من القِطط-، وهذا القِطُّ يَملِكُ قوةً خارقةً في السيطرة على الأشياء، وذلك بسِوارٍ مُعلَّق في عنقه.
وَيسعى عالِم أمريكي للاستفادة من السوارِ بعدَ أن يُقيمَ علاقةَ صداقةٍ مع القط، وهدفُ العالِم الأمريكيِّ أن يَحلَّ مُشكلةَ المجاعاتِ في العالَم الثالث (لنلاحظ الصورة المشرقة للإنسان الغربي)، بَيْدَ أن عِصابةً خطيرةً تظهر فجأةً، وتحاولُ السيطرةَ على السِّوارِ لتسيطرَ به على العالَم، وهذه العصابةُ تَلبَسُ اللباسَ العربيَّ التقليدي، وتتسلَّحُ بالسيوف المعقوفة، ويتخاطبُ أفرادُها بأسماءٍ إسلاميةٍ عربية "أحمد- محمد- جعفر"، لكن "لابدَّ للشرِّ العربي أن يَنهزم" -كما يقول الفيلم-، وذلك من خلال تصدي العالِم الإمريكي للعصابة "المسلمة" وتدميرها.
إنه فيلم لا يَذكر العربَ مباشرةً، ولكنْ من الواضح أنهم ما صَنعوه إلاَّ ليُشوهوا من خلاله صورةَ العرب، ولِيُقنعِوا أطفالَهم وناشِئَتَهم -قبلَ بالِغِيهم- أن الخطرَ في العالَم مصدرة العرب، وعلى الغربِ أن يَسعى لتدميرِ هؤلاء العربِ قبل أن يُدمروا العالَم".
° ويتحدثُ الكاتبُ عن الفيلم الثاني فيقول: "هو من إنتاج شركة "متروغولدن ماير" أيضًا، يتحدثُ عن رِحلةٍ عِلميةٍ لعلماءَ أمريكيين في منْطاد، ومعهم مساعِدة شقراءُ جميلة، وفي رِحلتهم يتعرض مِنطادُهم لعطل، فيَقَعون في أَسْرِ جماعةٍ من المتوحِّشين آكِلِي لحوم البشر في إفريقيا، بَيْدَ أنهم بعدَ سلسلةٍ من المغامرات يَنجحون في الهربِ بمنطادهم، وقد هَمَّ الأفارقةُ بطَهيهم وأكل لحومهم.
[ ٤ / ١٨٧ ]
ثم يَصِل بهم مِنطادُهم إلى صحراءَ شاسعةِ، ويُحلقُ فوقَ مدينةٍ إسلاميةٍ ترتفعُ فيها المآذن بكثرة، وحين يَرى سكانُها المنطادَ يظنونه شيطانًا سماويًّا، فيخِرُّون ساجِدِينَ برُعبٍ، ويَهرعُ المؤذنون للمآذِنِ يُكبرون ويبتهلون لله أن يَصُدَّ عنهم هذا الشيطان.
وَيهبِطُ العلماءُ بمنطادِهم ليتزودوا بالمؤونة من هذه المدينةِ العربيةِ التي تَسْرَحُ فيها الجِمالُ، وَيعيشُ سكَانُها وَسَطَ القاذوراتِ والبهائم، والذين ما إن يطمئنوا إلى أنَّ هؤلاء الهابطين عليهم بَشَرٌ مِثلُهم، حتى يقودهم إلى أميرِهم في قَصْرِه الكبير.
والأميرُ المسلمُ هذا محاط بالحريم ورجالِ الدينِ الإسلامي، ويقرأُ القرآن، ويرتكبُ الفواحش -هكذا يقول الفيلم-، وما إن تَقَعْ عيناهُ على المساعِدةِ الشقراءِ حتى يَسيلَ لُعابُه على لحيته، وُيقرر اغتصابَها وضَمها إلى حريمةِ (لنراجع الأفلام التي حللها الدكتور جاك شاهين، وكيف أنها تُصوِّر العربي شَبِقًا)، ثم تدورُ مغامرات يُجابِهُ فيها الأمريكيون سُكانَ المدينةِ المسلمةِ الذين كلما شَعُرواَ بالهزيمة سَجدوا مبتهِلين لله أن يَنصُرَهم، وفي النهاية ينجحُ العلماءُ في إنقاذِ مساعِدتهم الشقراء (بالطيران بها)، وقد أوشك الأميرُ المسلمُ أن يفترسَها.
إنه فيلم مملوء حقدًا وعُدوانيةً على العرب، ولا يوفِّرُ وسيلةً في تشويهِ الإسلام والمسلمين، مُصوِّرًا إياهم بصورةٍ أسوأَ بكثير من صورةِ آكِلِي لحوم البشر المتوحشين، وخلافًا لِمَا عَهِدناه في هذا النوع من الأفلام، لا ينتهي الفيلمُ بتدميرِ المدينةِ العربيةِ المسلِمة، بل يتركُها في محاولةِ إقناع ناجحةٍ للمشاهِد بأن المسلمين والعرب خَطَر قائم مستمر، يجبُ أن تتكاتفَ الجهودُ
[ ٤ / ١٨٨ ]
لصدِّه وإنهائه.
° أما الفيلمُ الثالثُ فهو: "مغامرات في مصر" للثنائي "بود سبنسر" و"ترانسس هيل"، حيث مغامراتُهما الشيقةُ هذه المرةَ تدورُ على أرضِ "مِصر"، وتبدأُ بهبوطهما في "مطارِ القاهرة الدولي" بكل حداثتِه وحضاريَّتِه وسَعَتِه، ثم يَنتقلانِ لمدينة "القاهرة" التي هي عبارةٌ عن خِيَم وإبِل تسيرُ في شوارعَ صحراوية، وأناسٌ بعباءاتهم العربيةِ التقليديةِ يُحاربون بالسيوف المعقوفةِ ويَمْتَطُون الإبل، ويَهربون عند سماعِهم أصواتَ الطلَقات النارية من مسدس سبنسر وهيل!! ".
° ويقول الأستاذ "عبد الرحمن" في خاتمة مقاله: "وحتى أفلامُهم التي
تظاهروا فيها بالحياديةِ، لم يَخرجوا فيها من أَسْرِ نظرتِهم العَدائيةِ للعرب، ومحاولاتِهم الدائبةِ لتشويههم، كما في فيلم "عملية ميونخ"، فقد عُرض الفيلمُ في جميع الأقطار العربية وفي "إسرائيل"، كفيلم تحدث بحيادية عن "عملية ميونخ" الشهيرة، لكن الحقيقةَ أن الهَمْسَ استمرَّ على العرب طوالَ مَشاهِدِ الفيلم بشكل غيرِ مباشر، قد لا ندركُه نحن العرب، لكن يدركُه المشاهِدُ الغربي الذي هيَّأته السينما الأمريكيةُ والغربيةُ بصورة سابقةٍ عن العرب، فقائدُ العمليةِ العربى مثلًا حينما يَفْشَلون بالتفاوُضِ معه أو جَعْلِه يَلِينُ، يُرسِلون له مُضيفةً شقراء وسَرعانَ ما يَلِينُ أمامَها، ويكادُ يستسلمُ لها وللمطالِبِ التي تنقُلُها .. وُيعلنُ الفيلمُ مرةً أخرى أن العربي لا يَستطيعُ مقاومةَ شَبَقِهِ تُجاه الأنثى، وهي الصورةُ التقليديةُ عن العربيِّ في السينما الغربيةِ والأمريكية" .. " (^١).
_________________
(١) "جولة في رياض العلماء"، للشيخ عمر سليمان الأشقر (ص ١٢٣ - ١٢٧).
[ ٤ / ١٨٩ ]