* قال تَعَالي: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]؟!، وقالَ سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]؟!.
* قال الله -﷿-: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
* وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ".
قلوبٌ سَوداءُ لا تَحملُ لرسولِ الإسلام - ﷺ - إلاَّ كل حِقدٍ وتحقير واستهزاءٍ ومكرٍ وكَيدٍ لئيمٍ وتبجُّحٍ فج، وإثارةِ الشبهاتِ حَولَ دعوتِه ورسالتِه، وخَلْقِ أجواءِ الرِّيبةِ والاتهامات، يَجمعُهم الحِقدُ الشديدُ على الإسلام ونبيِّه - ﷺ -، هم رُوَّادُ حَركةِ التغريب، وكِبارُ مخططيها، وأبرز دعاتِها، الذين حَمَلوا لواءَ العَمَل في ميادينِ التبشيرِ والاستشراقِ والكتاباتِ السوداءِ عن الإسلام ورسولِه - ﷺ -، كأرنست رينان، وفولتير، وصمويل زويمر، وجبرائيل هانوتو، ومرجليوث، والقَسِّ لويس شيخو.
ورابطةُ العِقد بينهم التطاولُ على نبيِّ الإسلام - ﷺ -، وإنكارُ نبوَّتِه، والطعنُ في رسالتِه ..
وما ضَرَّ الورُودَ وما عليها … إذا المزكومُ لم يَطعَمْ شذاها
أوْ:
ما يَضُر البَحْرَ أمسَى زاخرًا … أنْ رَمَى فيه غلامٌ بحَجَرْ
[ ٣ / ٧ ]
° وها هم حَمَلَةُ السموم والحِقدِ الواضح -لا الدفين- الذي تَطفحُ به مواقفُهم -لا كتاباتُهم-، أكاذيبُ وافتراءات وعِداءٌ ذو جذورٍ عميقة، يُوضحُها الجنرالُ الإنجليزي "جلوب باشا" -اللفتنانت جنرال جون باجوت (١٨٩٧ - ١٩٨٦) - والذي سَبَق وعمل قائدًا للجيش الأُردني حتى عام ١٩٥٦، قال:"إن تاريخ مشكلةِ الشرق الأوسط (أي مشكلة الغرب مع الشرق الإسلامي) إنما يعودُ إلى القرنِ السابع للميلاد"!! أي إلى ظهور الإسلام (^١).
فنحن -إذن- أمامَ موقفٍ ثابتٍ وقديم .. ولسنا أمامَ مَقالٍ هنا أو رَسمٍ "كاريكاتوري" هناك.
* قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].
* وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].
لقد رُصدت الأكاذيبُ حولَ رسول الله - ﷺ - في مشروع بَحثيٍّ أُنجز في "ألمانيا" فبلغت ثمانيةَ مُجلدات، وتُصَوِّرُ رسولَ الله - ﷺ - كاردينالًا كاثوليكيًّا رَشَّح نفسه في انتخاباتِ البابوية، فلمَّا رَسَبَ أحدَث انشقاقًا هو الأكبرُ والأخطرُ في تاريخ النصرانية.
* يكفي قولُ الله -﷿-: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا
_________________
(١) "الإسلام والغرب افترءات لها تاريخ" للأستاذ الدكتور محمد عمارة (ص ١٧) - مركز الإعلام العربي- القاهرة.
[ ٣ / ٨ ]
تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] وقوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، يكفي كلامُ مَلِكِ الملوك -وكلامُ الملوك ملوكُ الكلام- لمن يُوقِنُ بهذا الدين ويتَّخذُه منهجًا لحياته .. ولكن نُريدُ أن نكشفَ القِناعَ لعوامِّ المسلمين، حتى لا يأتيَ الدَّجَاجلةُ بزَيفِهم وأخطائِهم وادعاءاتِهم -وهم عَبيدُ الغربِ وأذنابُه وصِبيانه-، فيُزعزِعوا العوامَّ عن دينِهم، وحالُ هؤلاءِ الصبيان يصوِّرُه الشاعر فيقول:
يُرمرِمُ مِن فُتَاتِ الكفرِ قُوتًا … ويَشرَبُ من كؤوسِهِمُ الثُّمالَةْ
يُقبِّلُ راحةَ الإفرنج دومًا … ويَلثُمُ دونما خَجَل نِعالهْ
وقد جَمع الدكتور عبد الرحمن بدوي في كاتبه "دفاع عن محمد - ﷺ - ضد المنتقصِين مِن قدْره" أقوالَ المتَّهِمين من مصادرها الأصلية، وتتبَّعها واستقصاها على ما في ذلك من مَشقةٍ بالغةٍ، وقد حَرِصَ في حصادِه الطويل والمرِّ من كتابات الغربيين على بيانِ أقوالِ أسماءٍ كثيرةٍ جدًّا مِن مثل: المؤرخ البيزنطي ثيوفان ت ٨١٨ م، وأنستاس ٨٨٦ م، وقسطنطين بورفيرو جنتيا ٩٥٩ م، سدرينو ١٠٥٧ م، وجيوبرت ١١٢٤ م، وكلوني ١١٥٦ م، وفانسبان دي بوفيه ١٢٦٤ م، وبيير باسكاسيو ١٣٠٠ م، وتاسو توسكا ١٤٨٨ م، ونيقولاي كوزا ١٤٦٤ م، وبركنهام ١٥١٥ م، وبيلياندر ١٥٦٤ م، وأزد بالنجر ١٥٧٥ وغيرهم.
* * *
[ ٣ / ٩ ]
أسطورة محمد - ﷺ - في أوروبا عَشَرةُ قرون من الأكاذيب والمؤامرات (^١)
° إذا حاوَلْنا استطلاع تاريخ الأوربيِّيَن خلالَ قرونٍ طويلةٍ عن نبيِّ الإسلام - ﷺ -، سيصيبنا الفَزَع من جَهْلِهم وسُوءِ نيَّتِهم الواضح الجَلِيّ.
ومِن بينهم فلاسفةٌ وعلماء ورجالُ دين ومؤرِّخون.
° ومنذ القرونِ التي شَهِدتِ انطلاقةَ الفكرِ الأوروبِّيِّ -أعني القرنَ الثالثَ عَشَر، والقرنَ السابعَ عَشَر-، لم يُحاول أن يبدأ أحدُ هولاءِ المفكِّرين دراسةً موضوعيةً وعادلةً للإسلام ورسولِه - ﷺ -.
أعني: "ألبرت جراند"، و"توماس داكين"، و"وبوبافنتير"، أو "روجيه باكون" -في القرن الثالث عشر-، أو "ديكارت"، و"باسكال" و"سبينوزا"، و"مالبرانش" -في القرن السابع عَشَرَ-.
في العصور الوسطي -في النِّصف الأولِ منها- كانوا يتصوَّرون أن محمدًا -وكانوا يُسمُّونه "ماهوميه"- إلهًا يعبُده المسلمون، ويُقدِّمون إليه قرابينَ من البشر بسببِ ضلالِهم وغَيِّهم (^٢).
° وفي القرن الثانيَ عَشَر بدأ الأُوربيُّون في اعتبارِ محمدٍ - ﷺ - نبِيًّا مزَيفًا -أو مُدَّعِيًّا-، وحاوَلوا فقط إظهارَ وإثباتَ خِداعِه!!.
° كان الإمبراطور "شارلمان" يعتقد أن التمثالَ الذي يمَثِّل محمدًا في
_________________
(١) من كتاب "الدفاع عن النبي - ﷺ -" لعبد الرحمن بدوي- دار النشر (أفكار) - باريس ١٩٩٠ م.
(٢) المصدر السابق (ص ١٠).
[ ٣ / ١٠ ]
(١) ثم حاول المفكر الإيطالي "ألكسندر دانكونا"
مدينة "كاديكس" من الخطر هدمُه؛ لأنَّ مجموعةً من الشياطين تَسكنه!!!.
° ثم وَضَعه "دانتي" في مكانٍ مرموقٍ من الجحيم!!.
° وحينما كَتب "أوركانيا" اختارَ ثلاثَ شخصيَّاتٍ يستحقُّون النارَ، وهم: محمد - ﷺ -، وابن رشد، والمسيحُ الدجَّال!!.
° في العصور الوسطي أيضًا تمَّ وصفُ محمدٍ بأنه "ساحر"، وبأنه "شخصٌ منحل"، وأنه "لِصُّ نُوق -جِمال- "!!!، وأنه "رجل من رجالِ الكنيسةِ لم يَنجحْ في الوصولِ إلى البابَوِيَّةِ"، فاخترع دِينًا جديدًا لِيقتص من أقرانِه رجالِ الدين المسيحيِّ!!.
° أمَّا عن سِيرته - ﷺ -، فقد حَوَتْ كلَّ الجرائم التي يُمكن -والتي لا يُمكن- تخيُّلُها، حتى أصبحت مِثلَ حكاياتِ المغامرات!.
أما عن القرنِ السادسَ والسابعَ عَشَر، فكما ورد في كتاب "إرنست رينان" فلم يكن أكثرَ عَدْلًا في الحكم على محمدٍ - ﷺ -، فلم يَهتمَّ "بيبلياندر وهوتينجر وماراسي" بالقرآن إلاَّ ليرفضوه جُملةً وتفصيلا (^١).
(١) ثم حاول المفكِّر الإيطالي "ألكسندر دانكونا" أن يَخُطَّ سُطورًا في كتابه "هذا التاريخ" في دراسته بعنوان "أسطورة محمد في الغرب" والتي ظهرت عام ١٨٨٩ م.
بدأ دراستَه بما قاله المؤرِّخ البيزنطيُّ "تيوفان" (- ٨١٧٥١٨)، والذي رَوَى أن موتَ محمدٍ - ﷺ - كان بسببِ ثمانيةٍ من اليهودِ عندما رَأَوْا فيه امتدادًا
_________________
(١) "دراسات في التاريخي الديني"- لإرنست رينان (ص ١٧١ - ١٧٣) - باريس ١٩٥٥.
[ ٣ / ١١ ]
(٢) ثم أخذت الأسطورة منحى آخر مع رجل من رجال الكنيسة يسمي "جيلبار دي نوجان"
لرسالةِ السيد المسيح، في البدايةِ التفُّوا حوله، ثم انقَلَبوا عليه عندما وجدوه يأكلُ لَحْمَ الإبل -لأنَه مَحرَّمٌ في الديانة اليهودية-!!!.
ثم يَستمر في عَرضِ حياةِ محمدٍ - ﷺ - قائلًا: "إنه ذَهَب إلى فِلسطينَ، وتَحدَّث مع اليهودِ والنصارى هناك، ثُمَّ تعلَّم منهم مُحتوى ومضمونَ الكُتبِ السابقة -التوراة والإنجيل-" (^١).
(٢) ثم أخذت الأسطورةُ مَنْحًى آخَرَ مع رجل من رجالِ الكنيسة يُسَمي "جيلبار دي نوجان" (١٠٥٢ - ١١٢٤)، وحَسْبَ روايتِه، فإنه بعد وفاةِ بَطرِيَرْك الإسكندرية، حاول راهب أن يَخلُفَه، لكنه أخفَقَ في ذلك، فقرر أن ينتقم، عند ذلك أوحَى إلى شاب بعضَ الأفكارِ والمعتقداتِ الغريبة، ودَفَعَه لأن يُعلِنَ ويدعي أنه المسيح، ووَعَده بأن يُزوجه أرملةً ثَرِيَّةً تُدعَي"خديجة"، والتي وَعَدها الراهبُ أن يزوجها نبيًّا.
° بدأ "ماتومُس" -كما سمَّاه الراهبُ- يَنشُرُ خَبَرَ نبوَّتِه، فاجتَمَع الناسُ، وأعلَن لهم أن اللهَ سيُنزِلُ قانونًا جديدًا بشكل خُرافي ورائع.
° وأتَى "ماتومس" ببقرةٍ، ثم وَضَع بين قَرْنيْها كتابًا صغيرًا، وفي ذات يومٍ خَرجت البقرةُ أمامَ حُشودِ وجموع الناسِ من مَخبئِها، وعندما قرؤوا الكتابَ وَجَدوا فيه كل الانحلالِ الأخلاقي والفسادِ مسجَّلًا بالكتاب.
وقد أَعجب هذا الكتابُ -الذي أحَل كل الرغباتِ البشريةِ- الناسَ، ممّا أساء إلى الديانةِ المسيحيَّة؛ لأن هذا المذهبَ انتَشَر في إفريقيا، وفي مصر،
_________________
(١) "كرونوجرافيا" لتيوفان (ص ٥١١) - مدينة بون "ألمانيا"١٨٣٩.
[ ٣ / ١٢ ]
(٣) ومن هؤلاء الذين حاولوا إثبات هذا الافتراض "بييركلوني"
وفي إثيوبيا، وحتى في أسبانيا (^١).
° قال الدكتور عبد الرحمن بدوي مُعَقِّبًا: كما نرى، هذه الأسطورةُ ارتَكزت على حَدَثَيْن:
الأول: الراهب "بحيرَى" -المذكور في "سيرة ابن هشام"-.
والثاني: السورة الثانية في القرآن- "سورة البقرة"-.
على هذيْن الحَدَثَيْنِ ارتكز الخيالُ المريضُ للكُتَّابِ المسيحيين في العُصورِ الوسطي في أوروبا، فألَّفوا هذه الأسطورةَ المجنونةَ والمبالَغَ فيها.
مِن كُل ما سبق يتَّضحُ لنا أن العصورَ الوسطي كانت تَعتبرُ الإسلامَ مجردَ هَرْطَقةٍ أو تحريفِ للديانةِ المسيحية .. أمَّا محمد، فقد جاءِ ليُحدِثَ زلزالًا بداخل المسيحيَّة.
(٣) ومن هؤلاء الذين حاولوا إثباتَ هذا الافتراض "بييركلوني" المتوفَّي عام ١١٥٦ م .. اختَلَق نَصًّا جاء فيه ذِكرُ نفسِ الراهب، والذي سَمَّاه "سيرجيوس"، والذي كان من أتباع صاحبِ "الهَرْطقة" الذي يُدْعَي "نستوريوس"، وعندما تمَّ طردُه من الكنيسة، جاء إلى الجزيرةِ العربية، وكان "سيرجيوس" قد علَّم محمدًا كل ما كان يَنقصُه -العهدَ القديم والعهدَ الجديد- لكن وفقًا لنظرية "نستوريوس" الذي يُنكِر أن المسيحَ إله (^٢).
(٤) "جاك ديفيتري" (المتوفَّى عام ١٢٤٤ م)، سَلَك نفسَ الطريقِ
_________________
(١) دوريَّات "مؤرِّخو الحروب الصليبية" لجستا دي بير فرانكوس- طبع أكاديمية الآداب بباريس- ١٨٧٩ المجلد الرابع (ص ١٢٨).
(٢) "ماكوميتيس حياته ومذهبه" لبيبلياندر- المجلد الثالث (ص ٣) - مدينة "بال"١٥٤٧ م.
[ ٣ / ١٣ ]
(٥) "مارتان بولونكو"
(٦) ثم كتب "فانسون دي بوفيه"
مستخدمًا "بحيري الراهب" الذي نَسَجَ قصتَه مُدَّعيًا أن الشيطانَ أمدَّ محمدًا بالموالي والأعوانِ من بينهم، سَمَّى أحدَ الرُّهبانِ المرتدين الملحِدِين يُدْعَي "سوسيو"، وهذا الراهبُ أُدِينَ مِن قِبَل بابا روما، واعتبره مرتدًّا، وكان منبوذًا في قومه، فلَجَأَ إلى الجزيرةِ العربية، وأراد أن ينتقمَ لنفسه، فاتَّفق مع رجلٍ يهودي، والاثنانِ حثَّا محمدًا على أن يَدَّعيَ النبوَّة، وقد أخذ محمدٌ من التوراةِ والإنجيل شريعتَه الجديدةَ مضيفًا لها ما وَسْوَسَ إليه الشيطانُ (^١).
(٥) "مارتان بولونكو" (المتوفَّي في ١٢٧٤)، وَصَف محمدًا - ﷺ - "بالمجوسيِّ مُدَّعي النبوة"، وبأنه "زعيم اللصوص" قُطع الطريق، ومحمدٌ بالنسبة له تعلَّم على يدِ راهبٍ يُدْعَي "سيرجيوس"، وشريعتُه أُمْلِيت عليه من قِبَل الشيطان، وبمساعدةِ هذا الراهب المُلحِدِ "سيرجيوس"، وأن شريعتَه التي أرساها محمدٌ تمَّ الدفاعُ عنها وفَرْضُها بحدَّ السيف، وتأسست على سَفْكِ الدماء (^٢).
(٦) ثم كتب "فانسون دي بوفيه" (^٣) الكاتبُ الشهير للموسوعة "المرايا" -وهي من أربعة أجزاء: الموسوعة الدينية، الموسوعة الطبيعية، والموسوعة التاريخية، والأخيرةُ هي تاريخُ العالَم منذ الخَلْقِ وحتى عام (١٢٤٤) التي امتدَّت أيضًا بواسطة "فانسون" نفسِه حتى عام (١٢٥٣)، وامتدَّت أبعدَ من ذلك بواسطةِ مَن جاء بعدَه.
ومِن المعلوم أن "فانسون" كان راهبًا وواعظًا، وهو أحدُ الدومينيك في
_________________
(١) إستور ياهير وسوليميت في مجلة "بونجزر" (ص ١٠٥٦)، هانوفر لعام ١٦١١.
(٢) مارتن بولو، كرونيكا (ص ٢٧٣) لسنة ١٥٧٤.
(٣) فانسون ولد في ١١٩٠ وتوفي في ١٢٦٤ م.
[ ٣ / ١٤ ]
"دير بوفيه"، وأنشأ علاقاتٍ وطيدةً مع القِدِّيس "لويس التاسع" الذي قاد الحَمْلةَ الصليبيةَ السادسةَ في (١٢٤٩ - ١٢٥٠)، ولقد حَظِي بثِقةِ المَلِك، وكان قارئه وأمينَ مكتبته ومُعلِّمَ أولادِه، وهذا كلُّه يُفسِّرُ اهتمامَه بالإسلام الذي أطال الحديثَ عنه في موسوعته "المرآة التاريخية"، وأفرَدَ له صفحاتٍ طويلة (الثالثة والعشرون من الفصل ٣٩ - ٦١).
° وفي حديثهِ عن الإسلام اقتَبَس من ثلاثةِ مصادر:
المصدر الأول: لاكروناكا "كرونيكا"، لإيجور فلور ياسنيس الذي أخذ منه ذِكْرَ نَوباتِ الصَّرَع المزعومة التي تعرَّض لها النبي - ﷺ - بزعمهم.
المصدر الثاني: "ليبيلوس إن باركيبس تراتسمارين دوماشومتي فالاس"، وهو كُتيِّب عن "فِكر محمد فيما وراء البحار".
المصدر الثالث: "ديسبو تاتيو كوجو سدام ساراسيني، كويسدام كربستياني".
من المصدر الأول، استَوحى قصَّةَ السِّحرِ عند محمدٍ، وحالاتِ الصَّرَع المتتابعةِ عنده.
ومن المصدر الثاني استَوحى مُلخصًا عن البقرة، وعن بَركةِ إناءِ اللبنِ والعسل، وعلى اليمامةِ (الحمامة) المُدَرَّبة على النَّقْرِ في أُذُنِ محمدٍ ما اعتقد هو أنه "الروح القدس"!!!.
ويبدو أنَّ هذه القصةَ ظَهرت في أسطورة محمدٍ لأولِ مرةٍ في العالَم الغربيِّ كما يقول "دانكونا" في كتابه (OP.Cit صفحة ٢٣٥).
° ومن المصدر الثالث أخذ قصةَ الراهبِ "سرجيوس" الآثم في
[ ٣ / ١٥ ]
(٧) وأول من حاول استخدام المصادر العربية هو "جيوم دي تريبولي"
صومعته وطَرْدِه ولجوئِه إلى منطقة "تَيماء" في الجزيرة العربية حيث كان يعيشُ شبعانَ: الأول كان يعبدُ الاصنام، والآخرُ كان يهوديًّا، وهناك وَجد "سرجيوس" محمدًا الذي يَعشَقُ عبادةَ الأصنام، وكان مُعجبًا بالرهبان المطرودِين، ويرى التوفيقَ بينهم، لقد أقنع "سرجيوس" محمدًا بالتَخلِّي عن عبادةِ الأصنام وأن يُصبحَ نصرانيًّا نسطوريًّا.
لقد نَجَحَ إذن في إقناع محمدٍ الذي صار تلميذَه، ولهذا أَخَذ اسمَ ولَقَبَ "نسطورس".
لقد تعلَّم محمدٌ من "نسطورس" تعاليمَ العهدِ القديم والعهدِ الجديد، ورَكَّب منهما القرآن، وأدخَلَ عليهما قَصَصًا وأساطيرَ وأكاذيبَ أُخرى، ولكن اليهودَ رَأَوا أن محمدًا يمكنُه الوصولُ إلى "الحقيقة" النصرانية "المسيحية الحقة"، فاندسُّوا عنده كأتباعٍ له، وادَّعَوا طَلَبَ المعرفةِ عن الدين الجديد، وحاولوا تغذيةَ الإسلام بالطُقوسِ اليهودية، فأضافوا إلى القرآنِ بعضَ التغيُّرات، وعَدَّلوا أخرى، وحَذَفوا أجزاءَ ثالثةً ومقاطعَ كاملةً.
ويُعتبر "فانسان دي بوفيه" أكبرَ كاتبٍ نصراني، بل قمَّةَ المؤلِّفين والكُتَابِ المسيحيّين الذين لم يَرجِعوا قط إلى المصادِرِ العربيَّة، ولم يَقتبِسوا منها.
(٧) وأول مَن حاوَلَ استخدامَ المصادر العربية هو "جيوم دي تريبولي" (الطرابلسي) (^١)، وهو أيضًا كان راهبًا من المجموعة المُسمَاه "الفرير" (الدومنيك)، وفي عام ١٢١٧ م استقر به المُقامُ في دَير بالقرب من طرابلس،
_________________
(١) طرابلس بلبنان.
[ ٣ / ١٦ ]
وكَتب كتابًا عن رِحِلاتِه في سوريا الذي قدَمه إلى "تيدالد" عام ١٢٧٣ في قصَته عن حياةِ محمدٍ، رَكَّز على دَور"بحيرى" الراهبِ الذي كان يعيشُ في صَومعتِه الواقعةِ على الطريق الذي يؤدي إلى عَرَب مكةَ ناحيةَ "جبل سيناء"، وذاتَ يومٍ مر رجل من عند "بحيرى"، ومن خلاله عَلِمَ أن الكنيسةَ مصيبة عظيمة، أتى هذا اليومُ، وعرَفَ "بحيرى" بواسطةِ التجلي الروحي الذي تمَ إخبارُه به مُسبقًا، وكان الأمرُ يتعلَّقُ بالطفل اليتيم السَقيم الفقيرِ راعي النوقِ "الجِمال".
° يقول "جويوم الطرابلسي": "إن المسلمين يَحْكُون أن البابَ الصغيرَ للصومعة كان مفتوحًا، ودَخَل منه هذا الطفلُ، وفي لحظةِ دخولِه ارتَفَع ودَخَل حتى أخذ قَوسًا ملكيًّا، وقد استَقبل بحيرى الطفلَ بكل تِرحاب، وأعطاه طعامًا ولباسًا، واعتَبَره كابن له بالتبني، وعَلَّمه احتقارَ عِبادةِ الأصنام، وأن يَتضرع بإخلاص، ويَعبُدَ بكل قلبِه الرب "يسوع"!!.
وبعد بُرهةٍ من الزمان غادَرَ الطفلُ الصومعةَ؛ لأنَّه كان في خِدمةِ تاجر غنيّ، ولكنه وَعَده بالرجوع.
لقد مارس الطفلُ التجارةَ بنجاح، وعاد عِدَّةَ مراتٍ إلى بحيرى الراهب، وفي أثناءِ ذلك مات سيدُه، فتزوج بأرملتِه، واستمر في زيارةِ هذا الراهبِ، فتضايَقَ عَشَرةٌ من أصحابه، وفكَّروا في قَتل "بحيرى"، ولكنهم خافوا من غَضَبِ محمدٍ، وذاتَ ليلةٍ مَلُّوا من طُولِ النقاش وأحاديثِ "بحيرى" مِع محمد، وقَتلوا "بحيرى" بسيفِ محمدٍ نفسِه، واعتَذروا له بأنهم قد شرِبوا كثيرًا، وهذا هو السببُ الذي قادهم إلى أن يَضَعوا السيفَ
[ ٣ / ١٧ ]
(٨) والكاتب الثاني الذي اقتبس من المصادر العربية مباشرة هو "بيير باسكاسيو"
في بطنِ بحيرى، وصَدَّق محمد هذا الاعتذارَ الآثم، وسَبَّ الخَمْرَ، ومَنَعَ شُربَ الخمرِ بين أصحابه.
° وبعد موتِ الراهبِ بحيرى، انطلق أتباعُ محمدٍ يَسرقون البلاد، ويقتلون الرجالَ واستمروا في ذلك حتى وفاةِ محمدٍ.
لقد عَرَض "جويوم" الدينَ الإسلاميَ بالتفصيل حَسْبَ إدراكِه الوعي، وخَتَمَ مؤكِّدًا أن المسلمينَ لا يزالون بعيدًا عن رُوح الديانةِ المسيحيةِ الحقَّة.
إذن قصة "جويوم" الطرابلسي كانت أقربَ للحقيقةِ التاريخيةِ عنها من سابقِيهِ الأوربيِّين.
(٨) والكاتبُ الثاني الذي اقتَبَس من المصادرِ العربية مباشرةً هو "بيير باسكاسيو" (١٢٢٨ - ١٣٠٠)، الذي أتى من "غرناطة" بأسبانيا ثم من "جُون" -وكان راهبًا-، وكَتَب معالجاتٍ طويلةً عن مِلَّةِ المحمديِّين .. لقد هجَمَ بنفسِه على بحيرى الذي وَصَفه بالهَرْطقة، وأنه الراهبُ الضال، ومِن خِلاله حكي القصةَ بأسلوبٍ باطل، وهنا قال: إنَّ بحيرى كان راهبًا عالمًا ينغمسُ في الفنونِ التحرريَّة، طَموحًا للشرف، وطامعًا في مجدٍ متوهَّم.
لقد أتى إلى روما، لكنه لم يَحصُلْ على شيءٍ مما كان يَطمعُ فيه، فأصابه الغَضَبُ، وامتلأ كراهيةً ضدَّ البلاط الروماني، وأراد أن يَنتقم لنفسهِ واضعًا الشِّقاقَ بين النصارى، وعندما قَرأ في العهدِ القديم أن المُنحدِرِينَ مِن نسل "هاجر" أم إسماعيلَ ولدِ إبراهيم ليس لهم أيُّ قيمةٍ، ونزوانيُّون وجَشِعون طلاَّبٌ للسلطة المادية، فرَحَل إلى الجزيرة العربية حيث يوجدُ نَسل"هاجر" ولقد وَجَد في الجزيرة العربية شعبًا قد اهتدى حديثًا
[ ٣ / ١٨ ]
للنصرانية، فنزل بينهم وعاش في صومعةٍ في مكانٍ منعزل، وبعد بُرهةٍ قابَلَ الشاب محمدًا الذي كان يرعى الإبل، وعندما رآه يَتمتَعُ بهيئةٍ جميلةٍ وذَكاءٍ، وعَلَّمه أشياءَ كثيرةً، وعندما تأكَّد بأنه قد استولي على لُبِّه وَعَدَه بأن يجعلَه أميرًا لهذه البلدة وما حولها، وطَلَب منه أن يطيعَه في كلِّ شيءٍ، فوافق محمد على هذا، وكان بحيرى الراهب خبيرًا بتحضيرِ الأرواح والفَلَكِ واللغات، وفي هذا الوقتِ مات مَلِكُ تلك المنطقةِ بدون أن يتركَ وريثًا له، ونَشَب الشقاق بين الناس، ولجأ الكِبار إلى الراهبِ لكي يُخمِدَ هذه الفتنةَ، فردَّ عليهم أنه سيَستدعيهم إليهِ خلالَ ثمانيةِ أيام.
وخلال هذه الفترةِ اتَّفق مع محمدٍ، ودبَّرا حيلةَ "اليمامة"، وقصةَ "الثور الأبيض"، وعندما عاد الناسُ إليه اقترح عليهم أن يختاروا رجلًا يكونُ بعد ذلك مَلِكًا عليهم، ولكنه يكون قادرًا على أن يَتصدَّى لثورٍ هائجٍ يجري بين الجبال، ومحمدٌ الذي تدرَّب على الثورِ هو الوحيدُ الذي رَوَّضه، وأتى به للناسِ الذين أنهِكت قواهم، وتَعطَّشوِا لصيدِ الثور، وأظهر لهم جَدولَ الماءِ الصافي الذي وضع فيه القِرَب، واهتمَّ بإخفائه، ولهذا اختارَ القومُ محمدًا مَلِكًا عليهم.
ولقد نَشَر محمدٌ شريعتَه التي تَخدُم الربَّ، وأيضًا لشهوةٍ، وبمساعدةِ الراهب اخترع القرآنَ الذي وَضَعه على قَرنِ الثور، وعنده كانت "اليمامةُ المدرَّبة" بواسطته، وجَعَل الناسَ يعتقدون فيها بأنها الوحيُ التي تُوحي إليه في أذنه.
في هذه القصة لم يذكر "بيير باسكاسيو" اسمَ الراهب، ولكنه قال أبعدَ من ذلك في "كتب المسلمين"، وذكر "سرجيوس" النصراني صاحبَ
[ ٣ / ١٩ ]
محمدٍ الذي لم يَقتبسْ منه حِدَّةَ الذكاء ولا التدين، ولكن فقط المَيلُ إلى قَطع الطريق.
وقال: "إن سرجيوس كان يَعلَمُ كل الطرقِ والمسالِكِ في الجزيرة، وعندما بدؤوا مشاريعَهم لجؤوا إلى استخدام الحِيَل، كان يَدُسُّ بَيضَ النَّعام المملوءَ بالماءِ في الرمال، ويُعطيها لأصحابه لكي يَشرَبوا عندما يشعرون بالعطش، والناسُ الذين نَهَبَهم قُطَاعُ الطريق لمِ يَتْبَعُوهم، وأنهم يموتون في وسطِ الصحراء من العطش، ولكنْ عندما يرَون قُطَاعَ الطريقِ يعودون أصحَّاءَ، يعتقدون في هذه المعجزة، وهذا زاد من صيتِ محمدٍ".
وقال بيير باسكاسيو:"بواسطة سرجيوس تَفهمُ أيَّ نوع من الناس كان أوائلُ الأتْباع لمحمد، وأيَّ دِينٍ من الصحَّةِ البدنيَّةِ والروحية نادَى به إذن".
بالنسبة لبسكاسيو ربما كان سرجيوس هو بحيرى نفسه، وفي نظره لم يكن راهبًا، ولم يكن في صومعةٍ، ولكن كان قائدًا ماهِرًا في قَطع الطريق.
لقد ألَّف باسكاسيو الروايةَ كلَّها، والتي استعار فيها القَصَصَ من سابِقِيه الأوربيين، وبالرغم من أنه ادَّعي أنه لَجَأ إلى المصادر الإسلامية، ولكن لا يُوجدُ بُرهانٌ على ذلك، فروايتُه تُظهِرُ تخيُّلًا باطلًا بالكامل، بالرغم من أنه عاش بين المسلمين، وفي قلبِ المملكةِ الإسلامية في "غرناطة" التي ظَلت مسلمةَ حتى نهايةِ السيطرة الإسلاميةِ على أسبانيا في عام ١٤٩٢ م.
إنه نَسِي أنه عاش يومًا بينهم، وكان في متناوَلِ يديه جميعُ أنواع الكُتبِ والوثائق، وكان لديه الفرصةُ أن يُطيلَ الحديثَ عن العلوم الإسلامية ليعرفَ جيدًا حقيقةَ الإسلام، أو حتى يكونَ لديه فكرةٌ قريبةٌ من الحقيقة بدلًا
[ ٣ / ٢٠ ]
(٩) و"تومازو تيسكو"
(١٠) وفي هذه الآونة
من التحصُّنِ في قلعة الآراء المتعصبِّةِ والأفكارِ الخاطئةِ عن الآخرين، وما زلنا في أيامِنا هذه نُعَلِّق على القَسِّ النصراني في بلاد الإسلام الذي عنده نفسُ الموقفِ الذي تبنَّاه "بيير باسكاسيو" في القَرنِ الثالثَ عَشَرَ، والجديدُ في الأسطورة كالتي حُكيت بواسطة "باسكاسيو" أن مَجِيءَ "سرجيوس" إلى روما وأطماعَه في أكبرِ شرفٍ دينيٍّ على سبيل المثال، أن يكونَ كاردينالًا أوْ ربما يكونُ هو البابا.
سرجيوس -أو بحيرى- لم يَعُدِ الراهبَ النصراني الذي يَعيشُ في صَومعتِه على الطريق المؤدي إلى "مكةَ "أو "تَيماء"، أو في جَبَل سَيناء، ولكنه رجل دين ذهب إلى روما لينالَ مكانةً كَنَسِيَّةً عاليةً، ويَذيعَ له صِيتٌ، ومات ولم يَحصُلْ على شيءٍ من ذلك، فأراد أن ينتقمَ لنفسه، فعمل خُطةً ليزرعَ الشِّقاقَ في عُقرِ دارِ النصرانية.
(٩) و"تومازو تيسكو" كَتَب في ١٧٢٨ م قصة ادَّعي فيها أنَّه استعارَها من كتابٍ موجودٍ في كنيسةٍ في "بولونيا" شمالَ إيطاليا، روايتُه عن رواية باسكاسيو، إلاَّ في عِدَّة نِقاطٍ فرعيةٍ، وبعض الإضافات لها أهمية قليلة.
(١٠) وفي هذه الآوِنة، لم تَهتمَ الأسطورةُ بوَصفِ القَس الذي جاء إلى رُوما لينالَ مكانةً دينيةً رفيعةً وسُمعةً، وأصبح بعد ذلك محرضًا على الانشقاق، إذن الأسطورةُ أخذت شكلًا آخر، ولم تَجعل من هذا الراهبِ أنه معلِّمُ محمدٍ وأستاذُه، ولكن هو محمدٌ بنفسه!.
في هذا الشكل الجديد، أعطَوا لمحمدٍ اسم "نيكولا" في روايةِ "ليبر نيكولاي".
[ ٣ / ٢١ ]
يقول: إن "نيكولا" هو محمد، كان أحَدَ الكهنة السبعةِ الكَرَادلةِ في الكنيسةِ الرومانية، كان مُنفتِحًا على جميع العلوم، خبيرًا بكلِّ القضايا الإنسانيةِ، وعالِمًا بكلِّ اللغات.
والبابا الذي كان في أسبانيا وفي الدول البربريَّة شمالَ أفريقيا كان مُعَمَّرًا، وعندما كان "نيكولا" في بَعثتِه مات البابا، وكما يتطلَّب الأمرُ لا يُقبَرُ البابا حتى يختارَ خليفةً له يُعطيه الغُفران، فاختارُوا بابًا جديدًا ولُقِّب بـ"لورونزو"، وكان كاردينالَ الكهنة وكان مُسِنًّا، وأوشَكَ على الموتِ من لحظةٍ إلى أخرى، فأرسل الكرادلة إلى "نيكولا" يطلُبون منه العَودةَ إلى روما، واستَغرقت رحلةُ عَودتِه وقتًا طويلًا، مات خلالها البابا، واختاروا بابًا آخَرَ، كان ضعيفًا عندما كان كاردينالًا، وعندما صار بابًا أصبح صارمًا، وفي هيئةٍ قوية.
وعندما وصل "نيكولا" إلى روما استقبله الكرادلة، وقدَّموا له الاعتذاراتِ على ما حَدَث، ووعدوه بأنهم لا يُقدِّرون شيئًا بدونِ موافقته، وعندما قَدَّم "نيكولا" نفسَه للبابا لم يُظهِرْ له أيَّ إجلالٍ، وأَمَره البابا ألا يأتيَ إلى البلاط الكَنَسيِّ بدونِ إذنه، ورَحَل "نيكولا" ساخطًا، ومِن هذه اللحظة كانت لديه نيَّةُ الانتقام، وشَكَّل دينًا جديدًا لهدم النصرانيَّة.
وبَعدَما سَرَدَ الكاتب العقائدَ التي طالب بها "نيكولا" العرب، قال الكاف: إنَّ نيكولا "محمدًا" قُتل بواسطةِ أحدِ "المارزيكو" التي كانت زوجتُه تسَمَّى "كاريفا".
كان محمد "نيكولا" حبيبًا إلى الناس، وعندما قَتل "مارزيكو"
[ ٣ / ٢٢ ]
وزوجتُه محمدًا اخترعوا هذه الأكذوبة حتى لا تفترسَهما عامةُ الناس، وأعلَموهم بأن الملائكةَ حَملت محمدًا "نيكولا" إلى السماءِ، فأمسكت "كاريفا" بقَدَمِه لتحتفظَ بها، وظَلَّت القَدَمُ في يدها، وأظهروا هذه القَدَمَ للناس!.
° وقصَّةُ القَدَم موجودةٌ عند "بيير باسكاسيو" صفحة (٨٧) التي تحكِي أن محمدًا كان يَعشَقُ امرأةً يهوديةً التي دَعَتْه ليأتي إليها ذات ليلة، وتآمرت مع اليهود لقَتلِهِ، ويَقطعوا قَدَمَه اليُسرى، وباقي الجسدِ يُلْقُوه للخنازير، وهذه المرأة احتَفظت بالقَدَم، ودَهَنَت عليها بعضَ الدهانات وقالت لأتباع محمدٍ: إنه صَعِد إلى السماء، وبينما أتى المَلَكانِ لِيرفعَا الجُثة إلى السماء، أَمَسَكَت بالقَدَم، فظَلَتْ هذه القَدَمُ في يدها.
° وبهذا التخيل الجنوني عند الكُتَّابِ الأوربيِّين في القَرنِ الثالثَ عَشَرَ كونوا هذه القصَةَ الواهمةَ التي تَستندُ إلى حَدَثِ صغير مذكورِ في كُتب "سيراحي" تعني ما هو آتٍ: أن يهوديَّة تُدعي "زينبَ بنتَ الحارث" زَوْجَ "سَلام بن مِشكم" أحدِ زعماءِ اليهود، سَمَّت محمدًا في شاةٍ مسمومة، والتي وَضعت فيها سُمًّا قاتلًا وشديدًا. (انظر التفاصيل ص ١٣٥)، وانظر "سيرة ابن هشام" (ص ٧٦٤، ٧٦٥).
"زينب" أصبحت "كاريفا" و"سلام بن مِشكم" أصبح "مارزيكو"، وبدلًا من محاولةِ السُّمِّ لمحمدٍ في شاةٍ مشويةٍ مملوءةٍ بالسُّمِّ، وليس لها أيُّ تأثير إلاَّ بعدَ أربع سنواب، هذه القصَةُ تتحدَّث عن محاولةِ اغتيالٍ بواسطةِ مجموعةٍ من اليهود، عِلاوةً على الخاتمةِ المثيرةِ للسخرية بأسلوبِ الأقاصيصِ الباطلة، هذا هو المِثالُ النموذجي لعقليةِ الكُتَّابِ الأوربيين
[ ٣ / ٢٣ ]
(١١) وفي روايته "ليجوندا أورا"
(١٢) وعلى نفس منوال الأساطير
المؤرخين، المحاضِرِين، علماء اللاهوت والشعراء.
° هذه الأقصوصةُ البابويَّةُ الموعودةُ غيرُ مختلِفةٍ كما عَلَّق "دانكونا" (ص ٢٥٠) ببعضِ الاختلافاتِ في التفاصيل، مرةً بذكرِ اسم "نيكولا"، ومرة بغيره، ومرة بذِكرِ الكاردينال المُلحِد الذي عَلَّم محمدًا، ومرة ذاكِرين أن هذا الراهبَ هو نفسُ شخصيةِ محمدٍ، ونشروا ذلك بين عامةِ الناس في أوروبا.
لقد أَعطي "دانكونا" مثالَيْن أخذهما من شاعريْن:
الأول: "نيكول ودكازولا" في قصيدته "أتاليا" في منتصف القرن الرابع عشر، والآخر هو مؤلِّفُ القصيدةِ الشعبية "لودانوا" التي أُلِّفت في منتصفِ القرن الخامسَ عشَرَ.
(١١) وفي روايته "ليجوندا أورا" اختار "جاكو بودا فاراجين" ثلاثةَ تراجمَ، اختار من بينِهنَّ الأقاصيصَ التي أشرنا إليها قبلَ ذلك، ولكنه حَكي قصَّةَ قتل محمدٍ بالسم بأسلوبِ مُحايِد، ووافق التاريخَ؛ لأنَه قالَ: إن النبيَّ مات بالسُّم الذي وُضع له في الشاةِ المَصْلِيةِ بعد عِدَّةِ سنوات.
(١٢) وعلى نفسِ مِنوالِ الأساطيرِ نَصلُ الآنَ إلى كاتبٍ آخَرَ هو "ريكالدودا مونتيروس"، وهو راهبٌ دُومنِيكي مُدافعٌ عن النصرانيةِ، ورَحَّالةٌ كبيرٌ في بلادِ الإسلام، وُلِدَ في "فلورنسا" عام ١٢٤٣، ومات في ٣١ أكتوبر ١٣٢٠، وأصبح رجلَ دين عام ١٢٦٧ م، وبأمرٍ من البابا "نيكولا الرابع"، بدأ رحلتَه نحوَ المشرقِ العربي، لَجَأ إلى فِلسطينَ، وفيها لُقِّب بـ"دامونتيروس"، ثُمَّ أرمينيا الصغرى، وتركيا، وإيران، والعراق،
[ ٣ / ٢٤ ]
(١٣) وخط جديد للأسطورة يوجد في شخص "جاكو بودا أكي"
والمَوصل .. وسَجَّل قصَّةَ رِحلاتِه في كتابِ يُسَمَّى "ليبر بيريقرينا شوني" ولكنَّ الأهمَّ بالنسبةِ لموضوعِنا هنا هو كتابُهُ "نَقدُ القرآن" الذي كَتَبَه في "فلورنسا" في ١٣٤٠ عام وفاته، هذا الكتاب تُرجِم إلى اليونانية، ثم أُعيدت ترجمتُه إلى اللاتينية بواسطةِ "بي بيسرنو" (روما ١٥٠٦)، ولكن التأثيرَ الأصلي على الترجمةِ كان اللاتيني، وفي بعض النسخ نلاحظُ الفَرقَ بين الترجمةِ اليونانيةِ والترجمةِ اللاتينية.
° وفي هذا الكتابِ يقول "ريكالدو": "إن الوحيَ الحقيقي لمحمدٍ هو الشيطانُ الذي كان مملوءَ بالحقدِ بسببِ انتصاراتِ "هرقل" الإمبراطورِ البِيزنطي على الفُرْس".
° وقال: "إن الشيطانَ مَنَحَ محمدًا بعضَ اليهودِ والنصارى ليُعلموه؛ لأنَه كان أُميًّا، ومن بين هؤلاء ذَكَر أسماءَ، منها "بحيرى الراهب" الذي قَتَلَه محمدٌ فيما بعد، و"عبد الله بن سلَام"، وبعضَ النَسطوريين الذين يعتقدون في السيد المسيح أنه رجلٌ وليس ربًّا، وهو ابنُ السيدةِ مريم".
وحَرَّف الحديثَ الذي يقول: "نَزَل القرآنُ على سبعة أحرف" إلى: "نَزَل القرآنُ على سبعةِ رجالٍ"، وهؤلاء الرجال هم: "نفل، عَون، عمر، عَمْرة، اليسار، أُسير بن سيزير، وابن عمر"، وهذا هو التحريفُ للقراءاتِ السبعة!.
(١٣) وخَطٌّ جديدٌ للأسطورة يُوجد في شخصِ "جاكو بودا أكي" المتوفى عام (١٣٣٧) مؤلفِ "صورة العالم"، ويدَّعي أن قضيةَ محمدٍ كلَّها أتت من عند النصارى، وقال: إن قسًّا نصرانيًّا يُسمَّى "نيكولا" الذي أتى
[ ٣ / ٢٥ ]
روما، فاستُقبل بكلِّ الإهانات، فيئس وتَخلَّي عن العقيدةِ النصرانية، وذَهَبِ إلى بلادِ ما وراءَ البحر، وكان رجلًا بارعًا وحقودًا، واستطاع أن يَعيشَ بينهم بجدارةٍ عالية، وبالفعل كان رجلًا مثقفًا، فصيحًا، بشوشًا، وذا أخلاقٍ حميدة، وَصَل إلى الفُرس، أخفى قداستَه الكبيرةَ وكلَّ شيءٍ يدلُّ على الزهد والعِفَّة.
في هذه المناطق يُوجد النصارى والوثنيون، والأولون كانوا متخلِّفِين بسبب نقصانِ عددِ المبشرين وظهورِ كثير من الملحدين .. "نيكولا" هذا وجَدَ عَونًا له وصاحبًا الذي هيَّأه له الشيطانُ، وتعرَّف على تاجر وراعي الإبل الذي يُسمَّى "محمدً"، الذي تعامَل مع جميع الناس -نصارى، ويهود، ووثنيِّين-، وعلاوةً على مِهنتِهِ هذه، كان ذا ذكاءٍ حاد، متعلّما قليلًا، عالِمًا بعاداتِ وتقاليدِ هذه المناطق، "نيوكولا" القَسَّ و"محمد" اتَّحدا معًا، وتسمَّيا باسم "سرجيوس" الذي كان قبلَ ذلك راهبًا نصرانيًّا، واتَّفَقَا على تشكيل ديانةٍ جديدةٍ ضدَّ النصرانية، حيث عاشا حياةً مرِحةً، فاستدعيا مَن كانوا من نَسَبِ السيدة "هاجر"، وقالوا لهؤلاء الأجلاف: نحن لا نريدُ أن نسميكم باسم "عَبَدَةِ هاجر" ولكن باسم "السارسيِّين" نسبةً إلى السيدةِ "سارة"، ولأنَّ محمدًا كان يتمتَّعُ بهَيبةٍ كبيرةٍ قال عن نفسِه: إنه "نبيُّ العرب"، وهؤلاءِ الأجلاف اختَبروه، وتفنَّن هو في ترويضِ الحمامة، واقَتبس محمدٌ من شرائع النصارى واليهود، لِيُعجَبوا به، مضيفًا إليها شريعتَه الخاصة.
"جاكوب دا أكي" أنهي قصته حاكيًا أن محمدًا مات مسمومًا، وكان
[ ٣ / ٢٦ ]
محمولًا على قَوس مُعلَّق في الهواء.
هذه القصةُ الخياليةُ الأخيرةُ انتَشرت بين الأوربيين حتى القرنِ الثامنَ عَشَرَ، فنجد "بالي" في كتابِه "القاموس التاريخي والنقدي" (مقالة محمد ص ١٨٦١ وكردام ١٧٢٠) قال في موضوعه: "إن لا تناهيَ للناس الذين يقولون ويعتقدون أن نَعْشَ محمدٍ من الحديد وتحتَ القُبَّةِ الزرقاء من الحَجَرِ المُمغنَطِ المُعَلَّق في الهواء، وهذا هو الذي صَنَع معجزةً كبيرةً في رُوح مُعتنِقِي دينِه، هذه أقصوصةٌ باعثةٌ على الضحكِ عندما نعلمُ أن النصارى يحكونها كأنها حَدَثٌ مؤكَد".
بَعدَ هذا العَرضِ التاريخيِّ "دانكونا" يُلخصُ هذا الغُموضَ الذي يَعتقدُ فيه الأوربيُّون خلالَ أكثرَ من أربعةِ قرونٍ، فقال: "بالفعل أستاذُ ومُعلِّمُ محمدٍ أَخَذَ مرةً من "بحيرى"، ومرةً أخرى من "ورقة بن نوفل"، وشَكَّل الأسطورةَ الإسلاميةَ، فمرَّةً كان معتقِدًا أو مدافِعًا عن النصرانية .. ومَرَّةً كان مرتدًّا، أو كان "آريًّا، أو يعقوبيًّا، أو نسطوريًّا".
وطبقًا للترجمة: عَمِل للحصول على شُكرِ إخوانهِ الذين طَرَدوه. وحَسْبَ ترجمةٍ أخرى: عَمِلَ لينتقمَ لنفسه، كان راهبًا، بطريركًا كاردينالًا، اسمه كان "بحيرى، سرجيوس، سوسيو، أو جروسيو، نسطورس، نيوكولا".
محمدٌ نفسُه عُرِض مرَّةً كوثني، ومرة أخرى كنصرانيٍّ ويُسمَّى "أوسان، بيلاجيوس، نيوكولا"، كان مجوسيًّا، أُميًّا، وعالِمًا في "بولوني"، أتى القسطنطينيةَ من "أنتيوش"، من "سميرن"، من مناطقَ
[ ٣ / ٢٧ ]
(١٤) في القرن الخامس عشر
(١٥) وفي القرن السادس عشر
أخرى للوثنيين أو للنصارى، كان عربيًّا، أسبانيًّا، رومانيًا من عائلة كولونا، وأحيانًا يختلط بالأستاذ، وكان شمَاسَه، أو الكاردينال، واقترب من منصب "البابا".
وما زلنا نرى اختلافاتٍ أخرى، والتباساتٍ أخرى، ولَوثاتٍ من أساطيرَ متعدِّدةٍ، ومن أسطورةٍ إلى أخرى، الأسماءُ والأجزاءُ تتغيرُ، وتعكِسُ الالتباسَ الروحي، وهذا الاختلافُ الدائمُ في أن محمدًا كان نصرانيا، أو متعلِّمًا مِن قِبَل نصرانيٍّ، وأن الإسلامَ تفرع عن النصرانية.
° وبالنسبةِ لاسم "بيلاج" الذي أُطلق على النبيِّ محمدٍ - ﷺ - يعترف دانكونا: "لا نعرفُ كل الاكتشافات وأصلَ وتحوُّلَ محمدٍ إلى بيلاج " (٢٧٤ صفحة op. c: t) .
هذا عن القرن الرابع عشر.
(١٤) في القرنِ الخامِسَ عَشَرَ، لا نجدُ شيئًا جديدًا يَخُصُّ هذه الأسطورةَ، كتاب "نيكولا دوكيوس" المتوفَي سنة ١٤٦٤، كتابُه "كربراتيو" يُقدَّم لدحضِ أو نَقدِ بعضِ الموضوعاتِ في القرآن، حيث يدَّعي فيه أنه وَجَد متناقضاتٍ في القرآن.
(١٥) وفي القرن السادسَ عَشَرَ، نجدُ أوَّلًا نقدًا صغيرًا مطبوعًا في حوالَي سنةِ ١٥١٥، وهو موجود في مكتبة "بردش"، ليس له عنوان، مكوَّن من ٦ ورقات، وهذه بعضُ تراجم ما قالوه عن محمد:
"محمد هذا وُلِد في الجزيرةِ العربية، وعَمِلَ أوَّلًا أجيرًا وحارسًا للخيل في إسطبل، ورَحَل بعد ذلك مع التجَّار، وهكذا حتى وَصَلَ إلى
[ ٣ / ٢٨ ]
مصرَ في قافلةٍ تجاريةٍ، وفي هذا العصرِ كانت مصرُ نصرانيَّةً، وكانت هناك كنيسة قريبة من الجزيرةِ العربيةِ، حيث كان يَعيشُ بها راهبٌ، وعندما دخل محمد إلى الكنيسة التي لم تكنْ إلاَّ بيتًا صغيرًا ببابٍ منخفضٍ، وبدأت هذه الكنيسةُ تكبرُ، حتى أصبَحَ بابُها مِثْلَ بابِ القصر، والمسلمون يقولون: إن هذه هي أولُ معجزةٍ لمحمدٍ في شبابه، وبعدما أصبح محمدٌ حكيمًا، صار عالِمًا بالفَلَك، وقال: إنه رعي مالَ أمراء "كوريدان"، فأداره ورعاه بحكمةٍ، وعندما مات أميرُ كوريدان تَزوَّج محمد بأرملتِه وهي السيدة التي تُسمَّى "كادريج" (خديجة)، وكان محمدٌ يُصرعَ، وهذا أغضَبَ هذه السيدة؛ لأنها أَخَذَتْه على أنه زَوج، ولكن محمدًا جَعَلها تعتقِدُ كلَّ مرَّةٍ أنه يُصرعَ؛ لأنَّ المَلَكَ جبريلَ يُحدِّثه، فيُصرعَ بسببِ عظمةِ نورِ هذا المَلَك، ولذلك يَسقطُ محمدٌ علي الأرض.
ولقد سيطر هذا التاجرُ على الجزيرة في عام ٦٢٠ م.
° ومحمد هذا ارتبط مع رجل عابدٍ يَعيشُ معزولًا على بُعد مِيل من جَبل سيناء، وكان محمدٌ يأتي غالبًا إلى هذه الصَّومعة، وهذا هو الذي هَيَّج الناسَ عليه؛ لأنَّه كان مُعجبًا بالسَّماع لهذا الراهبِ الخاطئِ، ويتركُ الرجالَ "التجار" يَمشُون في الطريقِ طوالَ الليل، وكان هؤلاء الرجال يتمنَّوْن موتَ هذا الراهبِ، وأتتْ ليلةٌ شرب فيها محمدٌ الخَمْرَ، فنام نومًا عميقًا، وأخذ هؤلاء الرجالُ سيفَ محمدٍ من غِمْدِهِ عندما كان نائمًا، وبهذا السيفِ قَتلوا هذا الراهبَ، ثم أعادوا السيفَ في غمدِه مُلطخًا بالدماء، وفي الغدِ وَجَد محمدٌ الراهبَ مقتولًا؛ فغَضِب غضبًا شديدًا، وأوشك على قتل هؤلاء الرجال، ولكنهم اتَّفقوا فيما بينهم وقالوا له: إنك أنتَ الذي قَتلتَ هذا
[ ٣ / ٢٩ ]
(١٦) وفي القرن السابع عشر
(١٧) "هيجود وجروت"
الراهبَ وأنت سكرانٌ، ورجَوْا من محمدٍ أن ينظرَ إلى سيفه، فاقتنع وصَدَّق مَقولتَهم، وهذا هو الذي جَعل محمدًا يَلعَنُ الخمرَ وشارَبها؛ ولهذا السبب لا يَجرؤُ المسلمون على شُربِ الخمر، لكنَّ بعضَهم يشربونها سِرًّا.
° ويذهبُ أحيانًا ويقول: إن هؤلاء الرجالَ النصارى أصبحوا مسلمين؛ بسبب فَقرِهم أو بسبب نسائِهم، وعندما كَفَروا بعقيدتِهم النصرانيةِ علَّموهم هذه العقائدَ الفاسدةَ، وأَمَروهم أن يقولوا: "لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله". فأضاف هذا الكُتيِّبُ للأسطورة قضيةَ "مال الأمير كوريدان".
(١٦) وفي القرن السابع عشر: نُشيرُ إلى أكذوبةٍ سخيفةٍ مصنوعةٍ أو مكررة بواسطةِ "فرانسيس بيكون" (١٥٦١ - ١٦٢٦ م) المؤسس المشهورِ بالطريقةِ التجريبية في كتاب له عنوانه "الخدعة"، حكي فيه مثالًا عن "الخُدعة" في شخصِ محمدٍ الذي قال ذاتَ يوم للعرب: إنه يستطيعُ أن يُنادِيَ على الجبل البعيد، ولكن بعد ما نادى عليه لم يأتِ ولم يتحرَّكْ، فقال لهم: "إذًا الجبلُ لم يأتِ إلى محمدٍ، محمدٌ سوف يذهبُ إلى الجبل".
(١٧) "هيجود وجروت" أو باللاتينية "دوجر وتيوس" المؤلِّف المشهور بكتاباته تحت عنوان "مِن قانون الحرب والسلام" (امستردام ١٦٣٠ م)، كَتب "معالجةَ حقيقةِ الدين المسيحي" باللاتينية والذي ظهر في ١٦٢٧ م، في كتابه السادس حاول أن يَنقُضَ المِلَّةَ المحمديَّةَ، وأن يثبتَ مِيزةَ الدينِ المسيحي التي تَفُوقُ الدينَ الإسلامي -حَسْبَ كلماتِه- والذي يُهِمُّنا هنا هو المبدأُ الخاطئُ الذي صَنَعه عن محمدٍ والإسلام، وها هي الأُسس التي
[ ٣ / ٣٠ ]
قالها في هذا الموضوع:
١ - يدَّعي أن محمدًا قال: "إنه أتى لِيتَّبِعَه الناسُ، ليس بالمعجزات، ولكن بقوةِ السلاح" (ص ٢٩٦).
٢ - يُسنِدُ أتباعُ محمدٍ إليه المعجزةَ التي يَدَّعي فيها أن محمدًا عَلَّم حمامةً لتطيرَ إلى أُذنه.
° وقال جروت: "إن الأمرَ يتعلَّقُ بأنَّ لديه مُحادثاتٍ مستمرةً مع جَمَل أثناء الليل".
ومعجزةٌ أخرى، يقول أتباعه: إنَّ جزءً من القمر سَقَط في كُمِّه، وأعاد هذا النجمَ إلى استدارته مرةً أخرى.
٣ - قال: إنَّ صِيتَ محمدٍ ذاع بسببِ سَرِقاته، ونَهْبِه، وفجُوره!. ٤ - ادَّعي أن محمدًا أخْبَرَ سيدةً تتمتعُ بجمالٍ طبيعي، تسمع منه ترتيلًا عجيبًا بالسِّرِّ العجيب في الصعودِ أو النزول من السماء، وهذه السيدةُ رَدَّدت ألفاظَ هذا الترتيل، وأرادت أن تَتحقَّقَ مما تعلَّمتْه، فصَعَّدت رأسَها في السماوات العُلَي، وعندما أوقفها الربُّ حوَّلها إلى الكوكبِ الذي نُسميه "فينوس"!!!.
° وقال جروت: إنَّ محمدًا قال: "إنَّ الفأرَ مخلوق من رَوَثِ النيل، وإن القِطَّ مولودٌ من نفخةِ أسد" (ص ٣٠٥).
٥ - "ادَّعي أن القرآنَ يقول: إن الموت سيتحوَلُ إلى كَبش، ويختارُ مأواه بين السماء والأرض" (ص ٣٠٥).
٦ - ووَصَفَ الدينَ المحمَّديَّ، فقال: "إن هذا الدينَ لم يأتِ إلاَّ
[ ٣ / ٣١ ]
ليخضِّب الأرضَ مِن دماءِ الشعوبِ، هو كلُّه غريبٌ، مؤسسٌ على عددٍ كبير من الشعائر، يَقترحُ كل ما يريدُه ليعتِقده، ويجبُ أن يَخضعَ المرءُ له بطريقةٍ عمياءَ دون أي تجربة.
° لقد قال: إنَّ الكُتبَ التي تَحتوي على هذا الدين كُتب مقدَّسة، والقراءةَ فيها محرمة على الناس.
ها هي الأكذوباتُ القاسيةُ لهذا الرجل الذي زَكَّتْه نفوسٌ كبيرةٌ في أوروبا: "لونيز" في كتابه "أنكومبارا بلنر دوكترنا"، و"بييربال" في "قاموسه التاريخي والنقدي" يَرى فيه أنه واحدٌ من أعظم رجالِ أوروبا.
وآخَرون مَدَحوا أعماله القانونية التي تشيرُ إلى التجديدِ الدائم في القانونِ الدولي.
١ - فبأي هَلْوَسةٍ غريبةٍ يقول: "إن قراءةَ القرآن محرمةٌ على المسلم؟ ".
٢ - وفي أي قرآنٍ قرأ "جروت" أن الموت سيتحولُ إلى كبش يختارُ مَصيره إلى السماء أو إلى الأرض؟!.
٣ - كرَّر أليًّا قصةَ "الحمامة" التي دَرَّبها محمد، والتي تَهمِسُ في أُذنيه.
٤ - لقد فاق أسلافَه، واختَرعَ قَصصًا أخرى، قِصةَ الجَمَل الذي اعتاد محمدٌ أن يُحادثَه، وقصةَ القمر وسقوطِ جزءٍ منه في يد محمد، وأُعيد لمداره، وأيضًا قصةَ المرأةِ المنقولةِ إلى السماء، ثم أوقفها الربُّ وحَوَّلها إلى الكوكبِ الذي نُسَمِّيهِ "فينوس"!.
"هيجوه" لَقَّبوه بأعظم رجل في أوروبا بشيئيْن: إمَّا أنه ذا غباءٍ متناهٍ،
[ ٣ / ٣٢ ]
أو ذا خداعٍ متناهٍ.
(١٨) يريدوكس:
أفاض "يريدوكس" في ذِكرِ الأساطيرِ والأكاذيبِ السخيفة:
١ - فحكي بعضَ الأشياءِ المذهلةِ فيما يَخص الشاعرَ "كعبَ بنَ زُهير" صاحب القصيدة المعروفة والتي مَطلعها: "بانت سعاد"، فيدَّعي أن كعبًا كان يهوديًّا!! وما زال يقولُ: إن بعضَ الناسِ نَسَبوا إلى كعبٍ أنه ساعدَ محمدًا أكثرَ من أيِّ أحدٍ في خِداعه، وأيضًا في تأليفِ القرآن الذي يبدو أنه تأثَّر بفصاحةِ وطبيعةِ هذا اليهوديِّ.
٢ - لقد ترك "يريدوكس" نفسَه تنساقُ وراءَ أسطورةٍ أخرى مختَرعة هذه المرَّة، وهي تدورُ حولَ "عبد الله بن سلام"، ويعتقدُ فيما قاله الراهب "ريكارد" في كتابه "نقض الشريعة المحمدية" في الفصل (١٣)، وقال: إن محمدًا كان جاهلًا، استخدم وزارةَ "عبديد بن سالون" اليهودي الفارسيَّ المتحدث بالعربية، ومَنَحه اسمَ "عبد الله بن سلام" (ص ٦٢).
° وقال مدَّعيًا أن هذا الرجل "مِن المُحتَمَل أنه هو نفسُه الرجلُ الذي تحدَّث بالقرآن".
ثم ادَّعي "يريدوكس" أن عبد الله بن سلام هو نفس الرجل الفارسي المُلقب بسلمانَ الفارسيِّ المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]
[ ٣ / ٣٣ ]
(١٩) رولاند:
أولُ كاتبٍ أوربي يُنصِفُ الإسلام (^١)، وُلِد في ١٧ يوليو ١٦٧٦ م في شمال هولندا، ومات في الخامس من فبراير ١٧١٨ عن عمر ٤٢ سنة ..
والذي يُهمُّنا هنا هو كتابُه "الدين المحمَّدي"، وتُرجِم هذا الكتاب إلى الإلمانيةِ بعدَ موتِ رولاند في صيف ١٧٢١ م في مجلدٍ واحدٍ بواسطة "ديفيد ديراند".
وُيعلِنُ رولاند عن هدفه الذي يقترحُه في الكتاب، هذا ما قاله بدون مراوغاتٍ: "هدفي ليس خفيًّا، وهو سقوطُ دينٍ أُبغضه، والابتعادُ عن أيِّ تحالُفٍ معه" (^٢) اهـ.
كلُّ هذا نقلناه من كتابِ الدكتور عبد الرحمن بدوي الذي أجادَ في نقل الأساطيرِ المخترعةِ والتُّهَم والشتائم الملصَقة بالإسلام والمسلمين، فالغربيون لا ينفكُّون عن وصفِ المسلمين بأنهم حُمُرٌ وحشية، مَجَّانون، حَمقي، رَعني، هم الشياطين أنفسهم".
خرافاتٌ مكدَّسة، وأكاذيبُ متراكمة منذ عَشَرةِ قرونٍ، هذا بخلافِ أكاذيبِ "فولتير، ومونتسكيو، وهيرد، وجيبون، وهيجل" التي سنعرضُ لها بالتفصيل.
_________________
(١) إنصافه للإسلام ليس المقصود به الاعتراف به كدين أو بنبيِّه - ﷺ - كرسول، وإنما بنقدِ وتكذيب بعض الأساطير الغربية التي ألصقها أهل القرون الوسطي في أوربا بالإسلام.
(٢) انتهى النقل من كتاب الدكتور عبد الرحمن بدوي بعد ترجمته بواسطة الشيخ الفاضل عبده عويس من بني سويف -جزاه الله عنا خير الجزاء وأجزل له المثوبة-.
[ ٣ / ٣٤ ]
° يقول الدكتور "ميجيل إيرناندت" الأستاذ بجامعة "مدريد" -وذلك في بحث له بعنوان "الجذور الاجتماعية والسياسية للصورة المُزيَفَّة التي كونتها المسيحية عن النبي محمدٍ"، كان قد قدَّمه للمؤتمرِ الثاني للحوارِ الإسلامي المسيحي الذي عُقِد في "قرطبة" بأسبانيا عام ١٩٧٧ -، وقال فيه: "لا يُوجدُ صاحبُ دعوةٍ تَعرَّض للتجريح والإهانةِ ظُلمًا على مَدارِ التاريخ مثلُ محمدٍ؛ إن الأفكارَ حولَ الإسلام والمسلمين ونبيهم محمدٍ استمرت تَسودُها الخرافةُ حتى نهايةِ القَرنِ الثاني عَشَرَ الميلادي، ولَم يَمنع الاحتكاكُ المباشرُ بين الطائفتين من انتشارِ هذه الخرافات" (^١).
° ويقول: "فيليب سيناك" في مولَّفه: "صورة الطرف الآخر": "حتى نهايةِ القرنِ الثالثَ عَشَرَ كانت أغلبُ الوثائقِ المكتوبةِ عن الإسلام صادرةً عن رجالِ الكنيسة، وهؤلاء كانت حِرفتُهم الطبيعيةُ نَقْدُ ديانةِ غيرِهم وتشويهُها، وذلك بالإضافة إلى أن المعلوماتِ التي عَكَسَتْها تلك القرونُ كانت ضئيلةً، وأن أقليَّةً فقط من رجالِ الدينِ المسيحي "الإكليروس" كانت تَعرِفُ القِراءةَ والكتابة .. لقد وُصِف المسلمون بأنهم شَعب غيرُ مَسيحيٍّ يَنبعُ أساسًا مِن "القوقاز"! وقد جاؤوا في أعدادٍ هائلةٍ ليستولُوا قَسْرًا وبكلِّ توحُّشٍ على القدسِ والإسكندرية وكل إفريقيا .. وفي النصفِ الأول من القرنِ الثامن استُخدِمت كلمةُ "سارسان"، لتَعني المسلمَ ثم الكافرَ بوجهٍ عام، وأنه محارِبٌ عُدوانيٌّ وَثَني" (^٢).
_________________
(١) "الإسلام في الفكر العربي" (ص ١٢) للواء أحمد عبد الوهاب - مكتبة التراث الإسلامي.
(٢) L، I mage de L، Autre. pp.٨،١٤،٢٤.
[ ٣ / ٣٥ ]
° ويقول "جوزيف رينو" في مُؤَلَّفِه: "الفتوحات الإسلامية في فرنسا وإيطاليا وسويسرا": "إن الكُتَّابَ المسيحيين في العصور الوسطي كانوا يُطلقون على جميع فئاتِ الغُزاة المسلمين اسم "الوثنيين"، ولا توجد عقيدة أبعدُ عن الوثنيةِ من الإسلام الذي حَطَّم الأصنام، والواقعُ أنَّ الإسلامَ يُنادِي بعبادةِ إلهٍ واحدٍ لا شريكَ له، خالقِ السماواتِ والأرض، ولشدَّةِ استفظاع الإسلام للوثنية، فإنه يَمنعُ تصويرَ كلِّ ما هو حَيٌّ .. وقد زَعَمَ كاتبُ التاريخ المنسوب إلى رئيس أساقفة "تورين" أنه يُوجَدُ في الأندلس على شاطئِ البحر فوقَ عمودٍ شديدِ الارتفاع، صَنَمٌ من البُرونز صَنَعه محمدٌ بنفسه، ويَعبدُه المسلمون!.
كذلك ادَّعي "فيلومين" في تاريخه القصصي حول غزوة شارلمان لمقاطعة "لانجدوك"، أنه كان يوجد تمثالٌ مصنوعٌ من فِضَّةٍ مُذهبة في مدينةِ "أربونة"، وضع في معبدٍ أثناءَ احتلالِ المسلمينَ لهذه المدينة".
° ثم قال: "فيا لَسُخريةِ القَدَرِ والجهل الأعمي بالإسلام!.
ما هو السبب الذي دَفع آباءَنا إلى هذا الوَهم والخطأ يا تري؟!.
ذهب بعضُ العلماءِ إلى أن "النورمانديِّين" وغيرَهم من الشعوب الوثنيَّة، كانوا ضِمْنَ الشعوبِ التي كان يَشملُها اسم "سارازين" الذين كانوا يَعبدون الأوثان، وهكذا خَلَطَ العامَّة بين المسلمين وهذه الشعوبِ بصورةٍ مُخجِلة" (^١).
* عداءٌ وإِهاناتٌ لها تاريخ:
° في كتاب "صورة الإسلام في التراث الغربي" "دراسات ألمانية" وهو
_________________
(١) "الفتوحات الإسلامية في فرنسا وإيطاليا وسويسرا" تأليف جوزيف رينو (ص ٢٢١ - ٢٢٣).
[ ٣ / ٣٦ ]
كتاب مترجَم عن الألمانية كَتَب المفكِّر الألماني "هوبرت هيركومر" أستاذُ الأدبِ الألمانيِّ بجامعة "برن" بسويسرا مقالًا بعنوان "صورة الإسلام في الأدب الألماني الوسيط"، وقد نُشِر الأصلُ الألماني في عدد مجلة " du" السويسرية الصادر في صيف ١٩٩٤، قال: "اعتَبر المسيحيُّون مَن سمَّاه المسلمون نبيًّا، وخاتمًا لسلسلةِ الأنبياءِ التي بدأت بآدمَ ﵇، رجلًا عاشَ حياةً داعرةً، وتجاوَزَ خُبثُه كل حدودِ الدَّناءةِ والانحطاط، ولم يتورَّعْ خيال مسيحييِّ أوربا المتعطشين للظفَرِ والتوسع، والذي نَتَجت عنه أساطير وَهميَّةٌ عَدائيَّة، عن خَلْقِ الأكاذيب وترويجها، بل إنَّ الأوربيِّين ادَّعَوْا أَنَّ رسولَ الإسلام كان في الأصل كاردينالًا كاثولكيًّا، تجاهلته الكنيسةُ في انتخاباتِ البابا، فقام بتأسيس طائفةٍ ملحدةٍ في الشَّرقِ انتقامًا من الكنيسة، واعتَبرت أوروبا المسيحيةُ في القرون الوسطي محمدًا - ﷺ - المرتدَّ الأكبَرَ عن المسيحيَّة، الذي يتحمَّلُ وِزْرَ انقسامِ نصفِ البشرية عن الديانة المسيحية" (^١).
° وفي نفس المقال يقول: "اتَّفق أورثوذكس أوربا ورجالُ دينِها .. اتفقوا على أنَّ الإسلام هو كَنِيفُ (حرفِيًّا: مجاري) الزندقةِ جميعًا" (^٢).
° "وبشهادةِ المستشرق الفرنسيِّ الشهير "مكسيم رودنسون" (١٩١٥ - ٢٠٠٤ م): "فلقد حَدَث أنَّ الكُتَّابَ اللاتين، الذين أَخَذوا بين عامَيْ ١١٠٠ م ١١٤٠ م على عاتِقِهم إشباعَ الحاجةِ لدى الإنسانِ العامِّيِّ، أَخذوا
_________________
(١) "صورة الإسلام في التراث الغربي" (ص ٢٣، ٢٤) ترجمة ثابت عيد، وتقديم د. محمد عمارة. طبعة دار نهضة مصر- القاهرة ١٩٩٩ م سلسلة "في التنوير الإسلامي".
(٢) المصدر السابق (ص ٢٣).
[ ٣ / ٣٧ ]
يُوجِّهون اهتمامَهم نحو حياةِ محمدٍ، دونَ أي اعتبارٍ للدِّقة، فأطلَقوا العِنانَ لـ "جهل الخيالِ المنتصِر" .. فكان محمد "في عرفهم" ساحرًا، هَدَم الكنيسةَ في إفريقيَّا والشرقِ عن طريقِ السِّحرِ والخديعة، وضَمِنَ نجاحَه بأن أباحَ الاتصالاتِ الجنسيةَ، وكان محمدٌ "في عرف تلك الملاحم" هو صَنَمُهم الرئيسيُّ، وكان مُعظَمُ الشُّعراءِ الجَوَالةِ يَعتبرونه كبيرَ آلهةِ السراسنة "البدو"، وكانت تماثيلُه "حسب أقوالهم" تُصنَعُ من موادَّ غنيةٍ، وذات أحجام هائلة!!.
لقد اعتُبر الإسلامُ في العصورِ الوسطي نوعًا من الانشقاق الديني، أو هَرطقةً ضَمنَ المسيحيةِ، وهكذا رآه "دانتي" (١٢٩٥ - ١٣٢١ م) .. " (^١).
تلك هي صورةُ الإسلام ورسولِه في الثقافةِ الشعبية الأوروبية، التي تَبلورت وشاعَت منذ العصور الأوروبية الوسيطة .. قَبلَ العلمانية، وقبل أن يَعرفَ الغربُ شيئًا اسمُه "حرية التعبير"! اهـ (^٢).
وحاجتُنا ماسَّةٌ إلى دراسةِ كل ما يُكتب عنَّا وعن دينِنا في السابق واللاحق دراسةً عميقةً واعيةً؛ لأنَّ هذه الكتاباتِ تَمَسُّ أقدَسَ ما لدينا، وتَمَسُّنا في أخص خصائصِنا وهو عقيدتُنا التي نعتزُّ بها، وتَمس شَخصَ نبينا الذي جَعَله اللهُ لنا "أسوةً حسنة"، وتَمَسُّ قرآنَنا الذي جَعَله الله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وتَمس سُنةَ نبينا التي هي مصدرُنا الثاني للتشريع، وبصفةٍ عامةٍ تَمسُّ تاريخَنا كله.
_________________
(١) "الإسلام في عيونٍ غربيةٍ بين افتراءِ الجهلاء وإنصافِ العلماء" للدكتور محمد عمارة (ص ٦٤) - طبعة دار الشروق- القاهرة ٢٠٠٥ م، و"الإسلام والغرب" افتراءات لها تاريخ للدكتور محمد عمارة (ص ٢٦ - ٢٧) - مركز الإعلام العربي- القاهرة ٢٠٠٦ م.
(٢) "الإسلام في عيونٍ غربيةٍ بين افتراءِ الجهلاء وإنصافِ العلماء" للدكتور محمد عمارة (ص ٦٤) - طبعة دار الشروق- القاهرة ٢٠٠٥ م، و"الإسلام والغرب" افتراءات لها تاريخ للدكتور محمد عمارة (ص ٢٦ - ٢٧) - مركز الإعلام العربي- القاهرة ٢٠٠٦ م.
[ ٣ / ٣٨ ]
وربما تكونُ بعضُ هذه التصوراتِ الغربيةِ عن الاسلام ونبيِّه قد دَخلت إلى عالَم النسيان، وعفا عليها الزمن، وخاصةَ ما يتعلقُ منها بأساطيرِ العصورِ الوسطي عن النبيِّ - ﷺ -، ولكنها مع ذلك لا تزالُ وستظل جزءً أساسيًّا من تراثِ الغربيين، لابدَّ لنا من الاطلاعِ عليه ومعرفته.
ومن المعلوم أن الكتاباتِ الغربيةَ عن الإسلام ونبيِّه تتراوحُ بين الجَهل التامِّ والمعرفةِ المُوجَّهة، بين الإسفاف الشنيع والموضوعيةِ النسبية، بين الافتراءِ والإنصاف، بين الاستعلاءِ والنزاهة، بين الفُحشِ الصارخ والتسامح العاقل.
ونحن إذ نُترجِمُ هنا هذه الصفحاتِ بما تتضمنه أحيانًا من أوصافٍ شنيعةِ للنبى - ﷺ -، وهجومٍ دنِيءٍ عليه وعلى دينه، دونَ أن نَحذفَ من ذلك شيئًا؛ فذلك لأننا على يقينٍ من أنه لن يُجدِيَ نفعًا إخفاءُ شيءٍ من ذلك، فهذا الكلامُ منشورٌ بشتَّى اللغاتِ الحيَّة، وكما لا يُجدي النعامةَ في شيءٍ إخفاءُ رأسِها في الرمال ظنًّا منها أنها ستكونُ بمَنجاةِ من الصياد، فكذلك لا يُجدينا في شيءٍ أنْ نتجاهلَ كل ما يُنشَرُ عنَا وعن ديننا؛ لأننا بذلك لن نستطيعَ أن نمحوَه من تراثِ الغربيين، أو نُبعِدَه من رُفوفِ المكتبات في بلادِ الغربِ المختلفة، أو نمنعَه من الوصولِ إلى أيدِي الباحثين.
وقد يُلاحظُ القارئُ تِكرارًا لبعضِ الأقوالِ، وخاصةً الأساطير التي نسَجَها خيالُ الغربِ حول نبيِّنا - ﷺ -، ومِن خلال هذا التكرارِ يتبينُ مَدَى الانتشارِ الواسع لمثل هذه الأساطير.
[ ٣ / ٣٩ ]
* "ملحمة رولاند" .. المسلمون يَعبُدون الأصنام .. يعبدون محمدًا:
إذا كانت الملاحمُ الشَّعبيةُ إنما تُمثِّل أكبرَ المكوِّناتِ لثقافةِ جمهورِ أيةِ أُمةٍ من الأمم أو حضارةٍ من الحضارات، فإنَّ "ملحمة رولاند" الشعبية -حوالي عام ١٠٠٠ م- تصوِّرُ المسلمين- الذين يَبلُغُ التوحيدُ الديني للألوهيةِ عندهم أرقي درجات التنزيه والتجريد-، تُصَوِّرهم هذه الملحمةُ الشِّعريةُ الشعبيةُ الأوربيةُ "وَثَنيِّينَ" يعبدون ثالوث!!.
١ - أبوللين Apollin.
٢ - تيرفاجانت Tervagant.
٣ - محمد Mahamed.
° يقول "هوبرت هيركومر" في مقاله السابق: "مِن غرائبِ الأوهام المسيحيَّةِ الكاذبة عن الإسلام اتِّهامُ المسلمين بعبادةِ الأصنام، وتذكر "أغنية رولاند" Chanson de Roland الفرنسيةُ القديمة (حوالي سنة ١١٠٠ م) أسماءَ هذه الأصنام: "أبوللين Apollin"، " وتيرفاجانت Tervagant"، " ماحوميت Mahumet" (محمد).
ثم إن هذا الثالوثَ الفَلكي قد تَمَّ تطويرُه في الترجمةِ الألمانية الوسيطة (عصر اللغة الأدبية الألمانية الوسيطة يمتد من القرن الحادي عشر حتى القرن الرابع عشر) لملحمة رولاند Rolandslied التي نَشَرها القِسِّيس "كونراد pfaffe Konrad" حوالي سنة ١١٧٠ م، عندما قام بتكليف مِن دُوق عائلةِ الفلفين "هنري الأسد Heinrich der Loewe " (حوالي سنة ١١٢٩ - ١١٩٥ م) وزوجتِه الأنجلو- فرنسية "ماتهيلدا Mathilde" بتحويل تلك اللحمة إلى
[ ٣ / ٤٠ ]
روايةٍ صليبية.
في تلك الرواية، يدعو الكَفَرَةُ "المسلمون" آلهتَهم -قبلَ معركةِ "رونسسفاليس Roncesvalles"" الفاصلة في جبالِ البِرانس- قائلين: "على هؤلاءِ الذين يُريدون الخلاصَ أن يَجتمعوا معًا، ها هو "تيرفاجانت- Tervagant" الرحيم، فلْنَعبُدْه، وكذلك "ماخميت" (محمد Machmet) العزيز، و"أبوللو Apollo" المجيد، ولَنَعبُدْ أيضًا المخلِّصِينَ الآخَرِينَ من الآلهة الخالدة".
° وعندما يَسمعُ الإمبراطورُ "كارل الأكبر Kalser Karl der Grosse" هذا الدعاءَ، تزدادُ ثِقتُه في نجاح مهمَّتِه، حيث يقول: "انظروا إلى هذا الشعبِ الملعون! إنه شَعبٌ ملحِد، لا علاقةَ له بالله، سوف يُمحى اسمُهم من فوق الأرض الزاخرةِ بالحياة؛ لأنهم يَعبُدون الأصنام، لا يمكنُ أن يكونَ لهم أيُّ خَلاصٍ، لقد حُكِم عليهم، فلنبدأ إذن في تنفيذِ الحُكم: بسم الله" .. ثم تبدأ المذبحة.
وما زالت النسخةُ المنقَّحةُ لهذه القصة "ملحمة رولاند" التي نَشَرها "شتريكر Stricker" في كتاب بعنوان "كارل الأعظم Karl der Grosse " (كتب بين سنة ١٢١٥ وسنة ١٢٣٣ م) تَحتوي على خُرافةِ الصنم "ماحميت" (محمد Mahmet) (^١) .
وفي "ملحمة رولاند" في النسخة الألمانية عند "شتريكر" يُطلَقُ لقب "الكَفَرةِ الملحِدين المنغمسِين في شهواتهم جيشِ الشيطان وسِرْبه" على
_________________
(١) "صورة الإسلام في التراث الغربي" (ص ٢٥ - ٢٦).
[ ٣ / ٤١ ]
المسلمين!! بل وُيلَقَّبون بالكِلاب والكائناتِ الحقيرة (^١).
* صَلِيبيَّانِ أرادا سرقةَ جسدِ النبي - ﷺ - وضرب نور الدين زَنكي لرقبتَيْهما:
ذَكَر "العماد الحنبلي" في "شَذَرات الذهب" -نقلًا عن المَطَريِّ في كتابه "تاريخِ المدينةِ"-: "أن السلطان "محمودًا" (^٢) رأى النبي - ﷺ - في ليلةٍ واحدةٍ ثلاث مراتٍ، وهو يقول له في كل واحدةٍ منها: "يا محمود، أنقِذْني مِن هَذيْنِ الشخصيْن" -لشخصيْن أشقَرينِ تُجاهه-، فاستحضَرَ وزيرَه قبلَ الصبح، فأخبره، فقال له: هذا أمر حَدَث في مدينة النبي - ﷺ - ليس له غيرُك، فتجهَّزَ نورُ الدين، وخَرَج على عَجَل بمقدارِ ألفِ راحلةٍ وما يتَبعُها مِن خيل وغيرِ ذلك، دَخَل المدينةَ على غَفلةٍ، فلما زار، طَلَبَ الناسَ عامةً للصَّدَقة، وقال: لا يَبقي بالمدينةِ أحدٌ إلاَّ جاء، فلم يَبقَ إلاَّ رجلانِ مُجاوِرانِ من أهل الأندلس نازِلانِ في الناحية التي قِبلةَ حُجْرَةِ النبيِّ - ﷺ - من خارج المسجدِ عند دارِ آل عمر بن الخطاب - ﵁ - .. قالا-: نحنُ في كفاية .. فَجَدَّ في طلبِهما حتى جِيءَ بهما، فلما رآهما قال للوزير: هما هذانِ .. فسألهما عن حالهما وما جاء بهما؟ فقالا: لِمجاورةِ النبيﷺ - .. فكرر السؤالَ عليهما حتى أفضي إلى العقوبة، فأقرا أنهما من النصَارى، وصلا لكي يَنقِلا النبيﷺمِنْ هذه الحجرةِ الشريفة، ووَجَدهما قد حَفَرا نَقْبًا تحتَ الأرضِ مِن تحتِ حائطِ المسجد القِبْلِي، ويجعلانِ الترابَ في بئر عندهما في البيت.
فضَرَب أعناقَهما عند الشُّباكِ الذي في شَرقِيِّ حُجرةِ النبي - ﷺ - خارجَ المسجد، ورَكِبَ مُتَوَجِّهًا إلى الشام راجعًا، فصاحَ بهِ مَن كان نازلًا خارج
_________________
(١) المصدر السابق ص (٣٠).
(٢) أي: نور الدين محمود زنكي.
[ ٣ / ٤٢ ]
السُّورِ، واستغاثوا أن يَبنيَ لهم سُورًا يَحفظُهم .. فأمر ببناءِ هذا السُّورِ، الموجودِ اليوم" (^١).
هذي المَكارمُ لا قُعبانُ من لَبَنٍ … وذلك السَّيفُ لا سَيف بنِ ذي يَزَنِ
* دانتي الإِيطالي صاحب "الكوميديا الإِلهية":
° "دانتي" الإيطالي (١٢٩٥ - ١٣٢١ م) صاحب "الكوميديا الإلهية" التي غدت مَعْلمًا من معالِم ثقافةِ أوروبا منذ عصرِ النهضة وحتى هذه اللحظة، ونصًّا يَدرُسُهُ الطلاَّبُ في المدارس والجامعات .. "دانتي" هذا الكريهُ القِزمُ الكافرُ يقول عنه "هوبرت هيركومر" في مقاله السابق: "كان منطقيًّا -بِناءً على ما سبق- أن يقوم "دانتي" بإقصاء رسول الإسلام - ﷺ -، وعليِّ بنِ أبي طالب -زوج ابنتِه فاطمة، والخليفة الرابع-، إلى الحُفرةِ التاسعةِ في ثامنِ حَلْقَةٍ من حَلقاتِ جهنم، حيث يقول في "الكوميديا الإلهية":
"برميل فَقَدَ سَدَّادَتَه وضِلْعَه-
ليس مشقوقًا مِثلَ شخصٍ هناك-
كان مشقوقًا مِن ذَقنه حتى قَضيبِه-
عندما أردتُ أن أتأمله بدقةٍ -
نظر إليَّ، ثم مَزق صدرَه بيديه، قائلًا:
"انظر كيف أمزِّق جِسمي-
تعالَ وتأمل كيف يتألَمُ "محمد Mahomet " في جهنم-
_________________
(١) "شذرات الذهب" (٤/ ٢٣٠ - ٢٣١) للعماد الحنبلي، و"الكواكب الدُّرية" لابن قاضي شهبة (ص ٧٢، ٧٣)، و"نور الدين محمود زنكي" للدكتور أنس أحمد كرزون (ص ٣٩ - ٤٠) - دار ابن حزم.
[ ٣ / ٤٣ ]
وتَرى أمامي عليَّ بنَ أبي طالب يخطو باكيًا-
وقد شُقَّت رأَسُه مِن الذقن حتى شَعْرِ الرأس-
وجميعُ مَن تُشاهدُهم هنا في هذا الجزءِ من جهنم-
كانوا في الحياةِ الدنيا أهلَ شِجارٍ وشقاق-
ولذلك فقد قُطِعت أجسامُهم وشُوِّهت أجسادُهم هنا في دار السعير". اهـ " (^١).
* مارتن لوثر دَجَّال البروتستانتية يشتم سيِّدَ البشر - ﷺ -:
عندما قام السويسري البازلي "يوحنَّا أوبورين" سنة ١٥٤٢ م بطبع الترجمة اللاتينية للقرآن، سارعت بلدية مدينة "بازل" بحَظرِ نشره، ولم تَسْحَبْ حظرها إلاَّ بعد التدُّخل المُكَثف "لمارتين لوثر Martin Luther" - مؤسسِ الكنيسة البروتستانتية الإصلاحية-، بَيْدَ أن حُجَّة لوثر في ذلك -كما صاغَها هو بنفسه-، كانت كما يلي: "لقد استيقنتُ أنه لا يُمكنُ عَمَلُ شيءٍ أكثرَ إزعاجًا لـ "لمحمدٍ Mahmet" أو الأتراك، ولا أشدَّ ضررًا (أشد من جميع أنواع السلاح)، من ترجمةِ قرآنهم ونَشرِه بين المسيحيين، عندئذٍ سيتضحُ لهم أيُّ كتابٍ بغيضٍ وفظيع وملعونٍ -هذا القرآن- مَلِيئٍ بالأكاذيبِ والخرافات والفظائع".
° إن "لوثر" البروتستانتي -الذي أهان نبي الإسلام بلا أدنى حياءٍ أو تأنيبِ ضمير، واصمًا إياه بأنه "خادم العاهرات، وصائد المومسات"، كان ينظر إلى قرآنٍ مترجَم إلى اللاتينيةِ في عصر الحروبِ التركية، على أنه
_________________
(١) "صورة الإسلام في التراث الغربي" (ص ٢٤).
[ ٣ / ٤٤ ]
وَسيلةٌ مثالية لتسليح القلوبِ اليائسةِ للمسيحيين، ورَفع روحِهِمُ المعنوية، حيث أعلَنَ قائلَا: "بعد ظهورِ الأتراك عي حقيقتِهم، أرى أن القساوسةَ عليهم أن يَخطُبوا الآنَ أمامَ الشَّعبِ عن فظائع محمد Mahmet حتى يزدادَ المسيحيُّون عداوةً له، وأيضًا ليتقوى إيمانُهم بالمسيحية، ولتتضاعفَ جَسارتُهم وبَسالتُهم في الحرب، ويضحُّوا بأموالِهم وأنفسِهم .. من شأنِ موعظةٍ كهذه أن يكونَ أثرُها النفسي على المسيحي أشدَّ من طُبولِ الحرب وأبواقها، بل إنها ستَمنحُه قَلْبَ أسدٍ حقيقي في ساحةِ القتال" (^١).
* تُوماس الأكويني THomas von Aquin الكَذُّاب الأشر وافتراءاته على الإِسلام:
"لقد تَورَّط مفكِّرو أوروبا -باستثناءِ حالاتٍ قليلةٍ، ولكنها رائعة-، في علاقةِ طَعن وهجومٍ ضدَّ الإسلام، فصحيح أن توماس الأكويني قد تلقي دَفْعَاتٍ فكريةً هامةً من خلالِ دراستهِ العقلانيةِ للفيلسوف الأرسطوطالي العربي الأندلسي "ابن رشد" (١١٢٦ - ١١٩٨ م)، ولكنه ظل في تقييمِه للإسلام ورسولِ الإسلام محمدٍ - ﷺ -، على المستوى الوضيع المكرَّرِ والمعروفِ لعصره، والذي حدَّده "بطرس المبجَّل Petrus Venerabilis" (١١٢٦ - ١١٩٨ م) في مؤلفاته التي طَعن فيها الإسلام.
ففي كتابه"الشامل في الردِّ على الكفرة" Summa contra gentiles - الذي مَهَّد الطريقَ أمامَ العمل التبشيري في إسبانيا للدفاع عن المسيحية والطعنِ في الإسلام- نَقل "توماس الأكويني" الاتهاماتِ القديمةَ، وادَّعي
_________________
(١) "صورة الإسلام في التراث الغربي" (ص ٢٠ - ٢١).
[ ٣ / ٤٥ ]
أن:"ماحوميت Mahmet" (محمدًا) قد أغوى الشعوبَ من خلالِ وُعودِه لها بالمُتَع الشهوانية، وبالتالي لم يَجِدِ الشهوانيون من البشرِ أيَّ صُعوبةِ في اتباع تعاليمه.
° ويستطردُ "توماس الأكويني" قائلًا: "إن محمدًا لم يَرِدْ ذِكرُه في التوراة والأناجيل، ولا يمكنُه أن يدَّعِي أن الرسلَ الأسبَقِين قد تنبؤوا بظهورِه وبعثتِه من بعدِهم".
واتهم "توماس الأكويني" رسولَ الإسلام بتحريفِ جميع الأدلةِ الواردةِ في التوراةِ والأناجيل من خلالِ الأساطيرِ والخرافاتِ التي كان يَتلُوها على أصحابِه، ولم يؤمِنْ برسالةِ محمد - ﷺ -، إلاَّ المتوحشون من البشر homies bestiales الذين كانوا يَعيشون في البادية (^١).
* أوتو الفرايسنجي Otto von Freising ينفي تُهمةَ عبادةِ الأصنام عن المسلمين، ولكنه يطعنُ في محمد - ﷺ -:
كان بُوسع الأوروبيين أن يعرفوا في القرن الثاني عَشَرَ أن "السراسنة" Sarrazin- وهو اسمُ أعداءِ المسيحيين عند "شتريكر Stricker" - لم يَعبُدوا الأصنام، كان هذا على كلِّ حالٍ ما ذكره في تاريخه بوضوح "أوتو الفرايسنجي Otto von Freising (١١١١ / ١٥ - ١١٥٨ م) خال الإمبراطور "فريدريخ بارباروسا Friedrich Barbarossa" فهو- أي: أوتو الفرايسنجي Otto von Freising"- انتَقَد الروايةَ القائلة: (إن المسلمين قد قَتلوا رئيسَ الأساقفةِ"تيمو السالزبورجي Thiemo von Salzburg"؛ لأنه حَطَم أصنامَهم
_________________
(١) "صورة الإسلام في التراث الغربي " (ص ٣٢ - ٣٣).
[ ٣ / ٤٦ ]
بدلًا مِن أن يعبدَها، حيث يشيرُ إلى أن الرواياتِ الموثوقَ فيها تَذهبُ فقط إلى أن "تيمو" قد استُشهد من أجل الديانة المسيحية، ثم يذكرُ المؤرِّخ الدقيقُ في عمله: "أما القول بأن "تيمو" قد حَطَّم الأصنام، فيَصعُبُ تصديقه؛ لأنه من المعروف أن المسلمين Sarazenen لا يَعبُدون، إلاَّ إلهًا واحدًا، ولديهم شريعتُهم السماويةُ، ويمارِسون الختان، كذلك فإنهم يَعترِفون بالمسيح وحوارَّييه وأتباعِهم، وهم فقط بعيدون عن الخَلاصِ لأنهم يُنكِرون أن المسيحَ هو مُخلَّصُ الإنسانية، وأنه الربُّ وابنُ الربِّ في الوقت نفسه، ويقدِّسون المُضَلِّلَ محمدًا، الذي تحدَّثنا عنه سابقًا، باعتباره أعظمَ أنبياءِ الله تعالى" (^١).
* أرنِسْت رٍينان، يصِفُ الرسولَ محمدًا - ﷺ - بالخداع والدجل، ويَطعنُ في الإسلام، ويتهِمُه بأنه عدو العلم والعقلِ:
أرنست رينان (١٨٢٣ - ١٨٩٢ م) فيلسوف ومستشرق فرنسي.
لقد طَعَن "رينان" في الإسلام، وقال: "إنه دين طبيعي عَقلي يتصفُ بالجديةِ والليبرالية والبرود" (^٢).
وقد وصَفَه أيضًا بأنه "عدوُّ العلم والعقل"، ووصَفَ العربَ بأن عقولَهم قاصرة بطَبعِها غيرُ مُستعِدَّةٍ لفهم ما وراءَ الطبيعة.
ومع ذلك فإن آراءَ "رينان" حافلةٌ بالتناقضِ والاضطراب، فبينما هو يَمقُتُ الإسلام ويَحمِلُ عليه ويَنتقِدُه انتقادًا مُرًّا، يعترف برهبةِ هذا
_________________
(١) "صورة الإسلام في التراث الغربي" (ص ٢٦ - ٢٧).
(٢) "الإسلام في تصوّرات الغرب" (ص ١٥٩) للدكتور محمود حمدي زقزوق- مكتبة وهبة - القاهرة.
[ ٣ / ٤٧ ]
الدينِ وعَظَمتِه!!.
ورأيُ "رينان" في النبيِّ محمدٍ - ﷺ - رأيُ كافر جهولٍ متعصِّب، فقد وَصَفه بالخِداع والدَّجَل، وقَرَّر أن الذي أسس الإسلامَ وَشيَّد صَرْحَه هو "عُمر"؛ لأنه يُماثِلُ القدِّيسَ "بولس" في المسيحية!!.
° وقال: "إن الإسلام دينٌ لا يَسمحُ بحريَّةِ الفِكرِ ورُوح النقد".
° وقال: "إنَّ الإسلامَ يُعادِي العلمَ والفلسفةَ، وإنه صارمٌ يتحكَّمُ في العبدِ وفي دنياه وفي آخرته، وإنه ذلك القَيدُ الثقيلُ الذي لم تُصَبْ بمثلِه الإنسانيةُ في تاريخها".
° والواقعُ أن "رينان" لم يُثبِتْ في نَظَرِ مؤرِّخيه بأنه باحثٌ مستقرٌّ الفِكرِ، بل عُرف باضطرابِ الرأي، وقد وَصَفه "بيكافيه" أكبرُ الباحثين في إثارة: "بأنه رجل يَقلِب أوضاعَ الأشياءِ والمسائل، وذلك لاختمارِ النَّزعةِ الصليبيةِ في عَقلِه الباطن، وتَمَلُّكها على أفكارِه في الحكم عَلَي مَن يُخالِفُ تعاليمَ دِينِه الأولِ قبلَ إلحادِه وكفرِه".
° وقال مؤرِّخوه: "إنه أفسَدَ الاستشراقَ الفِرنسي بهذه الآراء، وقد سار على نَهجه كازانوفا في كتابه "محمد ونهاية العالم" .. ".
° يقول "رينان" المُلحِد في كتابه "مقالات ومحاضرات": "أقولُ دائمًا -وَلَستُ بحاجةٍ إلى أن أكرِّر-: إن العقلَ البشريَّ يجب أن يُنزَّه من كلِّ المعتقداتِ الدينيَّة، وأنْ يَحصُرَ جُهودَه في مجالِهِ الخاص، وهو إقامةُ العلم الوَضعيِّ".
ولرينانَ محاضرة مشهورة ألقاها في ٢٩ مارس ١٨٨٣ في "جامعة
[ ٣ / ٤٨ ]
السربون" عنوانها "الإسلام والعلم"، حَمَل فيها على الإسلام حَمْلَةَ متعصَّبةً عنيفة.
° وقال: "إن الدينَ الإسلاميَّ عَقبةٌ في سَبيل تقدُّم العلم بسببِ التعصُّب".
° وقال: "إنه اضطَهَد العِلمَ والفلسفة، ووَصَف العقليةَ الساميةَ بأنها مُجدِبَةٌ، كالصحراءِ التي نَبَتَتْ فيها".
° وقال: "إن انحطاطَ بلادِ الإسلام في العالَم واضح، وسببُ هذا الانحطاطِ هو أن عقولَ المسلمين بَلغت منَ الحُمقِ غايتَه حتى كأنَّ دِينَهم صار حِجابًا على قُلوبهم، مَنَعها من أن تَعِيَ شيئًا من العلوم".
° وقال: "إن العَجْزَ عن التقدُم ناتجٌ عن دينِ الإسلام، وإن دينَ الإسلام قد نَجَح، ولكن لشقائه، فإنه لَمَّا قَبِلَ الإسلامُ الفلسفةَ قَتَل نفسَه، وحَكَم عليها بالانحطاط التام".
وقد رَدَّ على "رينان" رجالٌ من أبناء جِلْدَتِه، منهم "غوستاف لوبون" الذي قد أشار إلى محاضرةِ رينان، ووصَفَها بالتناقض، وأنه أراد أنْ يُثبِتَ عَجْزَ العربِ.
° وقال "لوبون": "ولكنْ ترَّهاتُه كانت تُنقَضُ بما كان يَجِيءُ في الصفحة التي تَليها، فبَعدَ أنْ قال "رينان": إن تقدُمَ العلوم مَدِين للعرب وحدَهم عِدَّةَ سِتمئةِ سنةٍ .. ذكَرَ أن عَدَمَ التسامُح ممَا لا يَعرفُه الإسلام إلاَّ بعدَ أن حَلَّت مَحِل العربِ شعوبٌ متأخِّرةٌ كالبَرْبر والتُرك .. ثم عاد فادَّعي أن الإسلام اضطَهَد العلمَ وقَضَي على العقل في البلادِ التي دَانت له!! ".
[ ٣ / ٤٩ ]
* فكتور شوفان (١٨٤٤ - ١٩١٣ م):
فكتور شوفان، مستشرق بلجيكي، عَمِل أستاذًا للغةِ العربية بجامعة "ليج"، ووضع فِهرسًا مفصلًا للكتابات التي صَدَرت حولَ محمدٍ - ﷺ -، وذلك في الجزء التاسع كتابه "فهرس المصنَّفات العربية أو المصنَّفات المتصلةِ بالغرب"، وقد وَضع الفهرسَ في اثنَىْ عَشَر جزءً.
وفي القِسم الأول من هذا المؤلَّف يتناولُ "شوفان" المؤلَّفاتِ الحديثةَ - أي المؤلَّفات التي صَدَرت حولَ محمد - ﷺ - في الفترة الممتدة من عام ١٨١٠ حتى عام ١٩٠٨ -، وبجانب ذِكرِه لعناوينِ هذه المؤلَفات بكلَّ دقةٍ، فإنه يُقدَّمُ لنا أيضًا بيانًا بمحتوياتِ المؤلَّفاتِ ذاتِ الأهمية، ويشيرُ إلى أهمِّ ما وُجِّه إليها من نَقدٍ.
أمَّا القسمُ الثاني، فإنه يتضمنُ ذِكرَ المؤلَفاتِ السابقةِ على عام ١٨١٠، ويتناولُ بالتفصيل -بصفةٍ خاصةٍ - المؤلَفاتِ البيزنطيةَ والأسبانيةَ ومؤلَّفاتِ القرون الوسطي.
وفي القسم الثالث يَتناولُ رسائلَ جامعيةً حولَ بعضِ المسائل الخاصة مثل: الوفود، بدر، بَحِيرى، الصَّرَع، فاطمة، نساء محمد، شجرة النَّسَب، المعجزات، وفاة محمد، مولده، نَبَالة نسبه، أسماء محمد، صورته الجسمية وأخلاقه .. إلخ.
وأما القسم الرابع، فإنه يُخصِّصُه للأساطير الغربية عن محمدٍ - ﷺ - كما يُخصِّصُ القسمَ الخامسَ للحديثِ عن محمد - ﷺ - في الأدب.
ولعلَّ القارئَ يلاحظُ هنا أن موضوعَ "الصَّرَع" مُقحَم بين هذه
[ ٣ / ٥٠ ]
الموضوعات التي تتحدَّثُ عن سيرةِ محمدٍ - ﷺ -، وأن الأمرَ هنا ربما يدورُ حولَ خطأٍ مطبعيٍّ أو خطأٍ من الترجمة! ولكن الأمرَ ليس كذلك، فالحديثُ عن "الصرع" هنا حديثٌ مقصود، إذ يَحلُو لبعضِ المستشرقين أن يُفسروا ظاهرةَ "وحي الله" إلى نبيِّه ﵊ بأنها كانت عبارةً عن نَوباتٍ من الصرَع تَعتريه بين الحِين والحين، وذلك انطلاقًا مِن مبدأِ عدم الاعترافِ بنبوَّته، وبالتالي فليس هناك أصلًا -في زعمهم- وَحيٌ كان يأتيه.
وهذا الموقفُ يَدخلُ في باب التعصُّبِ الأعمي الذي هو نفسُه مرضٌ لا أَمَلَ في شِفائه، ولا جَدوى من علاجِه.
* القِسِّيس السويسري ببلياندر:
وَضَع هذا القسيسُ كتابًا من ثلاثةِ مجلداتٍ، وصدر عام ١٥٤٣ م، ويمثِّل الوضعَ الذي وَصَل إليه الجَدَلُ كلُّه ضِدَّ الإسلام حتى ذلك العصر، كما يمثل حاصلَ هذا الجدل، فالكتابُ لا يَشتملُ فقط على الترجمة اللاتينية للقرآن، والتي تَمَّتْ قبلَ ذلك بأرْبَعِمِئةِ عام، وإنما يَشتملُ أيضًا على عددٍ كبير من الكتاباتِ المضادَّةِ للقرآن والإسلام، ابتداءً من عَصرِ بطرس الموقَّر حتى عصرِ الإصلاح الديني (^١).
* هوتنجر السويسري (١٦٢٠ - ١٦٦٧ م):
هذا المستشرقُ السويسري كان أستاذًا للغات السامِية في كل من "زيوريخ وهايدلبرج"، ويقدِّمُ في كتابه "تاريخ الشرق" الصادرِ في "زيوريخ" عام ١٦٥١ م نقضًا للقرآن، إسهامًا في مكافحةِ الخُرافات
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ٨٣).
[ ٣ / ٥١ ]
المحمدية -كما يدَّعي هذا الأفَّاك - (^١).
أمضَى هذا الأثيم أربعين عامًا في دراسةِ القرآن، وكُتبِ التفسير العربية لكي يحاربَ محمدًا - ﷺ - بنفسِ سلاحه، وقد كانت حَصيلةُ هذه الدراسةِ هذا العملَ الأسودَ الضحمَ الذي أنجزه، والذي تَضمَّن النصَّ العربيَّ الكاملَ للقرآن مع ترجمةِ لاتينيةٍ مصحوبةٍ بهوامشَ توضيحية، ونقضٍ مُفصَّلٍ لكل فقرةِ قرآنيةٍ على حِدَة، وقد أصدر "مراتشي" قبل ذلك في عام ١٦٩١ م كتابًا حَولَ نقضِ القرآن، قَدَّم فيه لَمحةً عن حياةِ محمدٍ - ﷺ - وعن القرآن، ثم بَرْهَنَ -كما يزعمُ ويَفتري ويدَّعي- على بُطلانِ الإسلام وحقيقةِ الديانة المسيحية .. وكل ما كَتَبه عن محمدٍ - ﷺ - يلاحَظُ فيه النفورُ إزاءَ محمدٍ - ﷺوتعاليمه (^٢) ..
يا ناطِحَ الجَبَلِ العالي لتُكْلِمَهُ … أشفِقْ على الرأسِ لا تُشفِق على الجَبَلِ
* ماراتشي Marracci:
وقد قدَّم "ماراتشي" في كتابه "الرائد في تفنيد القرآن" (^٣) نَظرةً على حياةِ وأعمالِ محمدٍ مؤلِّف القرآن.
وقد حاول جاهدًا -كما فَعل "بوكوك وهوتنجر"- أن يَرجعَ إلى مصادرَ عربية، وُيعبِّرُ "مارتشي" هنا عن الغايةِ مِن وصفه لحياةِ محمدٍ على النحو
_________________
(١) انظر "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ٨٢، ٨٣).
(٢) المصدر السابق (ص ٨٣).
(٣) صدر الكتاب عام ١٦٥١ م وأُعيد نشره عام ١٦٦٠.
[ ٣ / ٥٢ ]
التالي: "إذا أردتُ أصوِّرَ حياةَ محمدٍ حسبما كَتب في ذلك مؤلِّفونا وكُتَّابُنا، فسأجعلُ نفسي مَدْعاةً للسخرية لدى المحمَّديين، فالفرقُ كبير جدًّا بين ما يَروُونه وما نَرويه نحن، لدرجةِ أنَّ المرء لا يُمكنُه أن يُصدّقَ أنَّ كِلا الجانبيَنِ يتناولُ بالحديث رجلًا واحدًا، ومِن أجل ذلك فإنني أريدُ أن أتابعَ أولئك، ليس لأني آخُذُ كل شيءٍ على أنه حق، بل لأننا إذا تناوَلْنا عدوَّ الدينِ بالنقض والتنفيد، فإن محاربتَه بأسلحتِه هو أفضلُ مِن محاربته بأسلحتنا، وحينئذٍ يَسهُلُ التغلُّبُ عليه. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كثيرًا من كُتَّابنا يَروُونَ عن محمدٍ أشياءَ تُثيرُ الضحِكَ لدى المحمَّديين، ولا تُجدِي إلاَّ في زيادةِ تقويتهم في خرافاتِهم، وعلى ذلك فإني سأعتمدُ في الحديث عن حياةِ محمدٍ على أكثرِ المؤلفين العرب قَدرًا، وإذا كنتُ على عِلمٍ أيضًا بأن هؤلاء يأتون بالكثيرِ من الأكاذيب لإعلاءِ شأنِ نبيهم الزائفِ، فإنني لن أجعلَهم يعتبرونني كاذبًا".
° وقد ظل رسولُ الله - ﷺ - لدى "ماراتشي" هو النبيَّ الزائفَ، والمُضَلِّلَ والغاصبَ، ومؤسِّسَ طائفةٍ تُثيرُ الاشمئزاز، ومؤلِّفَ كتابٍ -يعني: القرآن- مملوءٍ بالتناقضاتِ والخرافاتِ الكاذِبةِ والأباطيل (^١).
° لقد كان "مارتشي" أحدَ رجالِ اللاهوت الإيطاليين، أمضى حياتَه كلَّها في إعدادِ دراساتٍ هَدَفُها البرهنةُ -كما يزعُم- على بُطلانِ الإسلام وحقيقةِ الديانة المِسيحية، وقد صَدَر كتابُه في "تفنيد القرآن" عام ١٦٩١ م، وقدَّم فيه أيضًا لَمحةً عن حياةِ محمدٍ، ثم نَشَر النص العربي الكاملَ للقرآنِ
_________________
(١) "الإسلام وتصورات الغرب" (ص ١٣٥، ١٣٦).
[ ٣ / ٥٣ ]
عام ١٦٩٨ م مع ترجمةٍ لاتينيةٍ مصحوبةٍ بهوامشَ كثيرةٍ، ومحاولةٍ فاشلةٍ لنَقْضِ القرآن فقرةً فقرة، وينطلقُ "مارتشي" في دراساته -مثلما يفعلُ غيرُه من اللاهوتيين ومعظمُ المستشرقين- من فرضيةٍ يَضَعونها كأنها حُجَّةٌ مسلِّمةٌ، ويَبنون عليها كل مزاعِمِهم، وتتمثَّلُ هذه الفَرْضيَّةُ في أن محمدًا ليس نبيًّا حقيقيًّا، وأنه هو الذي قام بتأليفِ القرآن، وقد سبق أنْ فَعَل الشيءَ نفسَه مشركو مكة، وقد وَصف "بفانموللر" نفسُه موقفَ "ماراتشي" بأنه "نُفورٌ داخليٌّ إزاءَ محمدٍ وتعاليمه"، فكيف يُنتظرُ منه -وقلبُه مليء هكذا بالحقدِ على الإسلام- أن يكون منصِفًا للإسلام ونبيِّه؟! وأين ذلك من تعاليم القرآن -التي لابدَّ أنه قد اطَّلَع عليها- والتي تتمثلُ في الإنصافِ المطلقِ الذي يعلو فوقُ كلِّ اعتبار؟! ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
* همفري بريدو (١٦٤٨ - ١٧٢٤):
هذا المستشرقُ الإنجليزى الذي جَعَل كتابه "حياة محمد" مرآةً تعكِسُ نُفورَه من محمدٍ - ﷺ -، وتعكِسُ الصورةَ الخاصَّةَ لكل من الكفَّارِ والزنادقةِ وأصحابِ مذهبِ "التأليه الطبيعي" والإباحيين (^١).
° يقول نجيب العقيقي معلقًا على كتاب "حياة محمد" لـ "بريدو":
"إنه ترجمةٌ تافهةٌ لا غَنَاء فيها" (^٢).
ويُصوِّر "بريدو" محمدًا - ﷺ - ليس بوَصفِه أكبرَ الدجَّالين فحسب، بل
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٨٣، ٨٤).
(٢) "المستشرقون" (٢/ ٤٥).
[ ٣ / ٥٤ ]
بوَصفه أيضًا أحد المجرمين.
وقد أراد "بريدو" أن يكونَ كتابُه مجرد جزءٍ من تاريخ الكنيسة في الشرق، وأن يُثبِتَ فيه أن النبيَّ - ﷺ - كان بمَثابةِ سَوطِ الله لمعاقبةِ الكنائسِ الشرقية وحَمْلِها علي التوبة النصوح.
وقد صَدَر الكتابُ في "لندن" عام ١٦٩٧، وصَدَر بالفرنسية عام ١٦٩٨ م.
ويصف "بفانموللر" موقف "بريدو" من رسولِ الله - ﷺ - بأنه "حَمَاسٌ حَقود" (^١).
* هادريان ريلاند (١٧٧٦ - ١٨١٨ م):
هذا المسشرقُ الهُولندي كان أستاذًا للغات الشرقية في جامعة "أوترشت" بهولندا، ومن مؤلَفاته التي كان لها صَدَى بعيدٌ في أوربا كتابه عن الإسلام في مجلدَيْن: أحدهما عن "الديانة الإسلامية"، والثاني: "حول تصويب فكرة الأوربيين الخاطئة عن الإسلام"، وقد تُرجِم الكتابُ إلى عدَّةِ لغاتِ أوروبية، وكان "ريلاند" أولَ مَن قام بعرض عِلميٍّ للإسلام في أوروبا، ومع هذا حَرَّمت الكنيسةُ تَداوُلَ الكِتاب.
° يقول "بفانموللر" المستشرقُ الألماني في كتابه "موجز في أدب علوم الإسلام": "قال "ريلاند": هل مِن الممكن أن تَجِدَ ديانة متناقضة -كما يَصِفُها المؤلفون المسيحيون- ملايينَ الأتباع؟ دَعُوا المسلمين أنفسَهم
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٣٨، ١٣٩).
[ ٣ / ٥٥ ]
يَصفون لنا دينَهم.
وفضلًا عن ذلك فإنه يَتحتَّم على المرءِ أن يعرفَ الإسلامَ جيِّدًا لكي يستطيعَ أن يُحاربَه بطريقةٍ فعَّالةٍ، ولكنْ ضرورةُ محاربتِه تنمو مع كلِّ يومٍ؛ لأن علاقاتِ الأوروبيين بالمحمديِّين في تركيا وإفريقيا وسوريا وإيران وجُزرِ الهند التابعة لهولندا تتَّسع دائرتُها باستمرار، وفي وُسْع المرءِ -عن طريقِ النقاش الدِّينيِّ- أن يَكسِبَ المسلمين إلى صفِّ العقيدةِ الحقَّة، وهذا أفضلُ بكثير منَ القيام بتوجيهِ الشتائم لهم بطريقةٍ حمقاء.
والمعرفةُ الدقيقةُ بالإسلام وأتباعِه ستجعلُنا نَضَعُ مكانَ الكبرياءِ الساذجةِ الإحساسَ بالشكر لله الذي أنعَمَ علينا من فضلة بالمسيحية.
وعلى الرغم من كلِّ ذلك، فإنه لم يَدُرْ بخَلَدِ "ريلاند" أن يقومَ بتمجيدِ الإسلام، فهو بالأحرى يستفظعه كما يوضح هو ذلك" (^١).
* جان جانييه (١٦٧٠ - ١٧٤٠) العدوُّ اللدود لرسول الله - ﷺ -:
كان هذا المجرمُ أستاذًا للعبريَّة ثم العربية في "أكسفورد"، وفي عام ١٧٢٣ قام بترجمة "سيرة النبي" لأبي الفداء إلى اللاتينية ثم إلى الفرنسية، وقد ألَّف كتابًا عن حياةِ محمدٍ - ﷺ - في جزئينِ بالفرنسية (١٧٣٢) م.
وفي مقدِّمةِ كتاب جانييه يَصِفُ هذا المجرمُ رسولَ الله - ﷺ - بأنه أكثرُ الناس شرًّا، وبأنه عدوٌّ لدودٌ لله (^٢).
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ٨٤، ٨٥).
(٢) المصدر السابق (ص ٨٦).
[ ٣ / ٥٦ ]
* جورج سيل (١٦٩٧ - ١٧٣٦):
مستشرقٌ إنجيلزي، ترجم القرآنَ إلى الإنجليزية، ونُشرت الترجمةُ في لندن عام ١٧٣٤ م، وقد اشتملت على حواشٍ وشروح ومقدِّمةٍ مُسهَبَةٍ عن الدين الإسلاميِّ تَضمَنتِ الكثيرَ من الإفك واللغوِ والتجريح، ووَصَف الرسولَ - ﷺ - والنظرَ إليه على أنه مُضلِّل (^١).
ويَرى هذا الدَّجالُ أن محمدًا - ﷺ - لم يكن واحدًا من أمثالِ جبابرة الملحِدين -كما يتصوَّرة المسيحيُّون عادةً-، والضرر الذي ألحقه محمدٌ بالمسيحية يُنسَبُ إلى جَهلِه أكثرَ مما يُنسَب إلى خُبثه!!.
° يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق: "يَزعُمُ المستشرقون واللاهوتيون أن محمدًا - ﷺ - لم يَعرِفِ التعاليمَ "الصحيحة" للمسيحية، وبَنَى معارضتَه للتعاليم المسيحية على ما عَرَفه من صورةٍ زائفةٍ كانت شاسعةً حينذاك، ويُعبِّرُ مستشرقٌ معاصر هو "رُودي بارت" عن ذلك بقوله: لقد كانت معلوماتُ الناس عن المسيحية في مكةَ في العصر الذي عاش فيه محمدٌ معلوماتٍ محدودةً وناقصةً، ولم يكن المسيحيون العَربُ يَسلُكون النَّهْجَ الصحيحَ في معتقداتهم، وكانت تَرُوج هناك آراءُ بِدعيَّةٌ منحرفةٌ، ولولا ذلك -كما يزعمُ "بارت"- لَمَا كان محمدٌ على علم بأمثالِ تلك الآراءِ التي تنكِر صَلْبَ المسيح، وتَذهبُ إلى أن نَظريةَ "التثليث" لا تَعني الآب والابن وروح القدس، وإنما تَعني اللهَ وعيسي ومريم إلخ (راجع كتابنا: "الإسلام في الفكر الغربي" (٦٧) وما بعدها).
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٨٧).
[ ٣ / ٥٧ ]
وهكذا يُنكِرُ المستشرقون أن يكون محمد - ﷺ - قد تلقي معلوماتِه عن المسيحية من أعلي عن طريقِ وَحيٍ سَمَاوي أراد اللهُ به أن يُصحِّحَ العقائدَ التي أفسَدتها عقولُ البشرِ على مر العصور (^١).
* فولتير وروايتُه السوداءُ المأساوية الكاذِبة "محمد أو التعصُّب" (١٦٩٤ - ١٧٧٨ م):
فيلسوف وأديب فِرنسي شهيرُ، يَعدُّ قُطْبَ عصرِ التنوير -كما يُسَمُّونه- في فرنسا.
"فرانسوا ماري أرويه" المعروف باسم "فولتير Voltaire".
° كَتب فولتير مسرحيتَه السوداءَ الشهيرة -التي أسماها (التعصُّب أو محمد النبي" التي عُرِضت لأولِ مرةِ- في مدينة "لِيل" بفرنسا عام ١٧٤١ م وأهداها إلى "البناينوا الرابعَ عَشَرَ"، ويقول في تقديمه المسرحية: "إلى رئيسِ الديانةِ الحقيقية ضدَّ مؤسس ديانةِ كاذبةٍ بربريةٍ، أضَعُ عند مَوطِئِ قَدَمَيْك الكتابَ ومؤلِّفَه، إن صاحبَ القَدَاسةِ سيَغفرُ ولا شك الجُرأةَ التي يأخذُ أسبابَها أحدُ المؤمنين المتواضِعين في أنْ يُهديَ حبرَ أحبارِ الكنيسةِ الكاثوليكية الحَقَّةِ هذه المسرحية" (^٢).
ولقد سب فيها "فولتير" رسولَ الله - ﷺ - سيدَ البشر سبًّا مُقذِعًا، ووَصَفه بأنه كان "دجَّالًا، ومستبدًا، تُحركه الشهواتُ الحِسيّةُ،
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٤١).
(٢) "آفاق جديدة للدعوة الإسلامية في عالم الغرب" للأستاذ أنور الجندي- مؤسسة الرسالة.
[ ٣ / ٥٨ ]
ومُتعطِّشًا للدماء".
° يقول المستشرق الألماني "بفانموللر" في كتاب "موجز في أدب علوم الإسلام": (أما "فولتير"، فقد كَتب روايتَه المأساوية "محمد أو التعصُّب" دون أن يراعيَ الحقائقَ التاريخية، وقد كان "فولتير" نفسُه مقتنِعًا بأن كتابَه المنبثِقَ من خيالِه يَتناقضُ تناقضًا حادًّا مع التاريخ، ومع ذلك فقد أراد أن يَعرِضَ على الجمهورِ شَخصيةَ "تارتوف Tartuffe " (^١) ممسكًا سلاحًا في يده، وكان يَعتقدُ أنه يستطيعُ أن يُعِيرَ "محمدًا" هذا الدَّورَ، ولكن "فولتير" لم يكن له أن يفعل ذلك، لو لم يكن التصوُّرُ السائدُ حينَذَاك هو أن محمدًا يُمثِّلُ التعصُّبَ والتضليلَ الديني.
وهكذا كانت أوروبا تَمُوجُ بآراءَ كثيرةٍ حولَ عَمَل محمد، ولكن الحِس التاريخي الحقيقي الذي يَتمتُع به خِيرةُ علماءِ عصرِنا، كان لا يزالُ معدومًا تمامًا" (^٢).
° يقول الدكتور "محمود حمدي زقزوق": "إنه لأَمرٌ غريبٌ حقًّا أن يلجأَ "فولتير" إلى التشهير بالنبي - ﷺ -، جاعلًا منه في هذه الروايةِ التي مُثِّلت على المسرح "منافقًا لا يعرفُ الحياءَ، ومُضَلِّلَا، وظالمًا تدفعُه النوازعُ الحِسيةُ والتعطُّشُ للدماء .. إلخ"، وهو يعلمُ تمامَ العلم أن كل ذلك غيرُ صحيح ولا يتفقُ مع الحقيقةِ التاريخية، ولكن "فولتير" أراد بذلك أن يتخذَ من محمدٍ
_________________
(١) تارتوف اسم يطلق على شخصية الرجل المنافق في أحدى مسرحيات الأديب الفرنسي الشهير"موليير" Moliere" (١٦٢٢ - ١٦٧٣) والتي تحمل نفس الاسم أيضًا.
(٢) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ٨٧ - ٨٨).
[ ٣ / ٥٩ ]
أداةَ حربٍ على الكنيسة على طريقةِ "أياك أعني، واسمعي يا جارة"، ولذلك يقول "بفانموللر": "لكن "فولتير" لم يُرِدْ إطلاقًا "بمأساته" أن يُصور شخصيةَ محمدٍ التاريخية، وإنما أراد بذلك فقط أن يُحوِّل دَفَّةَ الحديثِ ضدَّ المسيحية الكاثوليكية، وضدَّ التضليل الكهنوتي، وضدَّ الخرافات، وضدَّ الدينِ نفسِه وما يَرتبطُ به ضرورةً مَن تعصَّب".
وقد مُثِّلت المسرحيةُ في مدينة "لِيل" عام ١٧٤١ م، ثم قَدَّمتها "الكوميدي فرانسيز" في باريس عام ١٨٤٢ م، فاحتَجَّ عليها السفيرُ التركي لدى الحكومةِ الفرنسية، وعَقَد مؤتمرًا دعا إليه كُتَّابَ فرنسا الأحرار، فأَوقَفَتِ الحكومةُ تمثيلَها حينذاك (انظر: "الشرق والإسلام في أدب جوته" لعبد الرحمن صدقي ص ٢٣).
وبجانب هذه الصورةِ الظالمةِ، نَجِدُ "فولتير" في مقالته moeurs) Esai sur les) يُقدم لنا صورةً أخرى، يَصِفُ فيها "محمدًا" بأنه "الرجل العظيم الذي جَمع في شخصِه بين الفاتح والمُشرع والحاكِم والكاهن، والذي لَعِبَ أعظمَ الأدوارِ التي يُمكنُ أن يَلعَبَها إنسان على ظَهرِ الأرض" (انظر "بفانموللر" ١٧٢).
وفي وَسَطِ هذا البحرِ المتلاطِم بأمواج التخبُّطِ الواضح والتناقضِ الصارخ، لم يكن هناك كان للحقيقةِ التاريخيةِ والموضوعيةِ النزيهة.
وممَّا هو جديرٌ بالذكر أن "فولتير" كان يُعَدُّ من الملَاحِدِة حينًا، ومِن مُنكِرِي النبوَّاتِ عامة في أكثر الأحايين" (^١).
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٨٨).
[ ٣ / ٦٠ ]
نِفاقٌ كَريهٌ، وتَضليل متعمد، وعَمَل لا أخلاقي، وحوادثُ وشخصيات مفتعَلَة قائمةٌ على التخيُّل أكثَرَ ممَا تقومُ على الواقعِ التاريخي، ثم لَم يتحرز من الأخطاءِ الكبرى لحقائقَ يعرفُها كلُّ مَن يعرفُ تاريخ الإسلام، فيَجعلُ "الزبير" زعيمًا لسادةِ قريش المناهِضِين لمحمد!! وهو يُوجِّهُ كتابَه على نحوٍ مثير، يَفضحُ دَخِيلةَ النفس، ويَكشِفُ عن الضعفِ البَشري لكاتبٍ وُصف بأنه "حُرُّ الفِكر".
" فولتير" الذي قَدَمه المثقفون العِلمانيوُن في بلادنا باعتباره نموذجَ "الشجاعةِ الفكرية"، "المستعد للموت في سبيل حُريَّة الآخرين"!!! يَجعلُ هذا الأفاكُ الدَّجالُ رسولَ الله - ﷺ - وهو خيرُ المتسامِحِين الذي أرسله اللهُ رحمةً للعالمين-، يَجعلُه نموذجًا ورمزًا للتعصُّب، ويُخفِي "فولتير" في هذه المسرحيَّةِ جُبْنَه أمامَ الكنيسة، وخَوْفَه من مهاجمةِ المسيحية أو نَقدِها، بالهجوم على الإسلام ورسولِ الإسلام.
° وكتب "جمال الدين الأفغاني" كاشفًا لحقيقةِ الذي جعلوه فيلسوفًا للحرية والتنوير، كتب الأفغاني عن "فولتير" و"رُوسو" (١٧١٢ - ١٧٧٨ م) فقال: "ولقد زَعَمَا حمايةَ العَدْلِ، ومُغالبةَ الظُلم، والقيامَ بإنارةِ الأفكار، وهدايةِ العقول، فنَبَشَا قَبْرَ "أبيقور الكلبي" (٣٤١ - ٢٧٠ ق. م)، وأحيَيَا ما يَلي من عِظامٍ الدهريين، ونَبَذا كل تكليفٍ ديني، وغَرَسَا بُذورَ الإباحيةِ والاشتراك، وزَعَما أن الآدابَ الإلهيةَ "جَعْلِياتٍ خرافيَّة"، كما زَعَمَا أن
[ ٣ / ٦١ ]
الأديان "مخترعاتٌ أحْدَثَها نقصُ العقل الإنساني"، وجَهَر كِلاهما بإنكارِ الألوهية، ورَفَع كل عقيرتَه بالتشنيع على الأنبياء -برَّأهم اللهُ ممَّا قالا-، وكثيرًا ما ألَّفَ "فولتير" مِن الكتب في تخطئةِ الأنبياءِ والسخريةِ بهم والقدح في أنسابهم وعَيبِ ما جاؤوا به" (^١).
° "وقد واجَهَ توفيقُ الحكيم هذه القصة، فقال: قرأتُ قصةَ "فولتير" التمثيلية "محمد"، فخَجِلتُ أن يكونَ كاتبُها معدودًا في أصحابِ "الفكر الحر"، فقد سَبَّ فيها النبي سبًّا قبيحًا عَجِبتُ له وما أَدركتُ له عِلَّةً، لكن عَجَبي لم يَطُلْ، فقد رأيتُه يُهديها إلى "البابا بنوا الرابع عشر"، وعَلِمتُ أن "روسو" كان يتناولُ بالنقدِ أعمالَ "فولتير" التمثيلية، فاطَّلعتُ على ما قال في قصة "محمد"، عَلَّني أجدُ ما يَرُدُّ الحقَّ إلى نِصابه، فلم أَرَ هذا المُفكرَ الحر أيضًا يَدفعُ عن النبي ما أُلْصِقَ به كَذِبًا، كأن الأمرَ لا يَعنِيه، وكأنَّ ما قيل في النبي لا غبارَ عليه ولا حَرَج منه، ولم يتعرض للقصَةِ إلاَّ مِن حيثُ هيَ "أدبٌ وفن"، وقد قرأتُ بعد ذلك ردَّ "الباب بنوا" على "فولتير"، فألفيته ردًّا رقيقًا كيِّسًا لا يُشيرُ بكلمةٍ واحدةٍ إلى الدين، وكلُّه حديث في الأدب، فعَظُم عَجَبي لأمرِ "فولتير"، وسألتُ نفسي طويلًا: أيستطيعُ عقل مثقَّفٌ كعقل هذا الكاتبِ العظيم أن يعتقدَ ما يقول؟! دينٌ يتبعُه آلافُ الملايينِ من البشر على مَدَى الأجيال، هو في نظرِه حقًّا دينٌ كاذب؟! ومبادئُ إنسانية كالتي جاء بها الإسلامُ هي عنده حقًّا مبادئُ بربرية، أم أنه التملُّقُ والزَّلفي
_________________
(١) جمال الدين الأفعاني "الأعمال الكاملة" (ص ١٦١) - دراسة وتحقيق د. محمد عمارة- طبعة القاهرة ١٩٦٨. انظر "الإسلام والغرب .. افتراءات لها تاريخ" (ص ٣١).
[ ٣ / ٦٢ ]
والنفاق، وأن الزمن والتاريخ يضعان أحيانًا أقنعةً زائفةً على نفوسٍ تَزعُم أنها خُلقت للدفاع عن حريَّةِ الفكر؟!!.
منذ ذلك اليوم وأنا أُحِسُّ كأني فُجِعتُ في شيءٍ عزيز لديَّ: الإيمانِ بنزاهةِ الفِكرِ الحُرِّ، ولقد كنتُ أحيانًا التمسُ الأعذار لـ"فولتير"، وأزعُمُ أنه قال ما قال لا عن مجاملةٍ أو مَلَقٍ، بل عن عقيدةٍ وحُسنِ طَوِيَّةٍ، استنادًا على عِلم خاطئٍ بأخبارِ النبي، ولكن كتابه إلى البابا كان يتَّهمُه اتهامًا صارخًا، ولا يَدَع مجالًا للشك في دَخيلةِ أمرِه، إني قرأتُ لـ"فولتير" كُتبًا أخرى كانت تَكشِفُ عن آراءَ حُرَّةٍ حقًّا في مسائِل الأديانِ، وتنمُّ عن رُوح واسعةِ الآفاقِ تكرهُ التعصُّبَ الذميمَ، فما بالُه عندما عَرَض لذِكرِ "محمدٍ والإسلام" كَتب شيئًا هو التعصبُ بعينه، تَعصُّبٌ لدينهِ ذهب فيه إلى حدّ السجودِ وتقبيل الأقدام، لا لرب العِزة والخَلقِ، بل لبشر هو رئيسُ الكنيسة التي ما أرى أن "فولتير" كان ذاتَ يومٍ من خُدَّامها المخلِصين.
وإنما هي الأطماعُ التي كانت تَدفعُ "فولتير" -فيما أرى- إلى التمسُّح بأعاتبِ الملوك والبابوات، وقد يُقدمُ ثَمَنًا لذلك أفكارَه الحُرة أحيانًا، منذ ذلك الحين، و"فولتير" عندي مُتَّهمٌ، ولن أبرِّئه أبدًا، ولن أَعُدَّه أبدًا من بين أولئك العِظام الذين عاشُوا بالفِكرِ وحدَه، وللفكرِ، وأحسَبُ أن التاريخَ العادلَ سوف يَحكُمُ عليه هذا الحُكمَ، فينتقمُ للحقِّ بما افتراه على نَبيٍّ كريم ظلمًا وزُورًا.
على أن الذي يدعُو إلى الدَّهَشِ أكثَرَ مِن كل هذا: أن الشرقَ والإسلامَ وَقَفَا مِن هذا الأمرِ موقفَ النائم الذي لا يَعِي ولا يَشعُرُ بما يَحدُثُ حولَه،
[ ٣ / ٦٣ ]
فلم نَرَ كاتبًا من كُتَّابِ الإسلام قام في ذلك الوقت يدفعُ عن دِينه هذا الهُراءَ الذي قاله "فولتير"، ويَقذِفُ في وجهِ هذا الكتاب بالحقائقِ الباهرةِ القاطعة، أو أن مؤلِّفًا وَضَع كتابًا يُبرِزُ فيه شخصيةَ النبيِّ الخيرةَ العظيمةَ واضحةً جليةً، لقد كان الشرقُ في ليلٍ هادئٍ بَهيم لم تُثِرْ فيه حركةُ "فولتير" يومئذٍ ساكنًا.
ولكنَّ الأمرَ قد تغيَّر اليوم، ولاحت في أُفُقِ الشرقِ خُيوطُ الفجر، وقام في هذا القَرنِ كُتَّابٌ يَمجِّدون عقيدتَهم وهم يَعلمون أن ذلك تمجيدٌ للحق وللشرق، فإنَّ المسألةَ ليست مسألةَ دين فقط، وإنما هي مسالةُ جِنس وقومية (^١)، وإذ تقولُ أوروبا عن "الإسلام" -وتعني في غالِبِ الأحيان "الشرق"-: "إن الحربَ الصليبيةَ لم تكن في حقيقتها إلاَّ حربَ الغربِ على الشرق"، وهذا المَدُّ والجَزْرُ بين الغربِ والشرقِ يَفهمُه مُفكِّرو الأوربيين تمامَ اللهم، ويَحسَبون له الحسابَ، فالدفاعُ عن شخصيتِنا وعقيدتِنا دفاعٌ عن حياتِنا" (^٢).
* المستشرق الفرنسي اللعين "كيمون" وكتابه "باثولوجيا الإِسلام":
° يقول هذا الدجَّالُ المجنونُ القِزمُ في كتابه "باثولوجيا الإسلام": "إن الديانةَ المحمديةَ جُذامٌ تَفشَّي بين الناس، وأخذ يَفتِكُ بهم فتكًا ذريعًا، بل هو مَرَضٌ مُريع، وشَلَلٌ عامٌّ، وجُنونٌ ذُهوليٌّ يَبعثُ الإنسانَ على الخُمولِ والكَسَل، ولا يوقظُه من الخُمولِ والكَسَل إلاَّ ليدفعَه إلى سَفْكِ الدماء،
_________________
(١) لا للجنس، لا للقومية، وإنما الدين والدين فقط.
(٢) انظر "مقدمات العلوم والمناهج" و"الفكر الإسلامي والثقافة الغربية" وكلاهما للأستاذ أنور الجندي -﵀-.
[ ٣ / ٦٤ ]
والإدمانِ على مُعاقَرَةِ الخمور، وارتكابِ جميع القبائح، وما قَبرُ محمدٍ إلاَّ عمودٌ كهرُبائيٌّ يَبعثُ الجنونَ في رؤوسِ المسلمين، فيأتون بمظاهِرِ الصَّرَع والذُّهولِ العَقلي إلى ما لا نهاية، ويَعتادون على عاداتٍ تنقلبُ إلى طِباع أصليةٍ، ككراهةِ لحم الخنزيرِ والخمرِ والموسيقي .. إنَّ الإسلام كله قائمٌ على القَسوةِ والفجورِ في اللذات".
° وُيتابع هذا المستشرقُ المجنون: "أعتقدُ أنَّ مِن الواجبِ إبادةَ خُمْسِ المسلمين، والحكمَ على الباقين بالأشغالِ الشاقَّة، وتدميرَ الكعبة، ووَضعَ قَبرِ محمدٍ وجُثَّتِه في مُتحف اللوفر" (^١).
* أرناط اللعين صاحب الكَرَك، عدوُّ اللهِ ورسوله:
هو Reginald de chatllon المعروف عند المؤرخين بـ "أرناط صاحب الكَرَك"، شيطانٌ من أكابرِ مُجرِمِي وشياطينِ الإنس، أراد في سَنة ٥٧٧ هـ أن يقصدَ "تيماء" وهي دهليز المدينة النبوية، وحَدثَتْه نفسُه الخبيثةُ بذلك، فما زال نائبُ دمشق ابن أخي السلطان صلاح الدين الأيوبي "عز الدين مُزَّخشاه" في مقابلته حتى نَقَصَ اللعينُ على عَقِبَيْه ذليلًا، ولم تجِدْ إلى ما حَدَّثته به نفسُه سبيلًا، وكَتَب السلطانُ صلاح الدين الأيوبي إلى الخليفة ببغداد باللفظ العِمِادي: "وابنُ أخينا غائبٌ في أقصي بلادِ الفرنج في أولَ بريَةِ الحجاز، فإنَّ طاغيةً منهم جَمَع خَيْلَه ورَجْلَه، وحدَّثته نفسُه الخبيثةُ
_________________
(١) "الاتجاهات الوطنية" للدكتور محمد محمد حسين (ص ٣٢١)، ونقل ذلك عنه جلال العالم في كتابه "قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله" (ص ٦٠ - ٦١) -مكتبة ابن تيمية- القاهرة.
[ ٣ / ٦٥ ]
بقصد "تيْماء"، وهي دِهيلزُ المدينة -على ساكنها السلام-، واغتَنَم كونَ البريةِ مُعْشِبَةً مُخْصِبةً في هذا العام. والعجبُ أنَّا نُحامِي عن قبرِ النبي - ﷺ -، مشتغِلِين بهَمّه، والمذكورُ -يعني صاحبَ المَوْصل- يُنازعُ في ولايةِ هي لنا ليأخذَها بيَدِ ظُلمِهِ .. " (^١).
° وفي سنة ٥٧٨ هـ كتب أبو شامة في "عيون الروضتين" فصل "في أخذ الفرنج السَّالكين لقَصدِ الحجاز": "قال العماد: وفي شوَّال سنة ثمانٍ وسبعين كانت نُصرةُ الأسطولِ المتوجهِ إلى "بحر القُلْزمُ" (^٢)، والمُقدَّم فيه الحاجبُ "حسام الدين لؤلؤ" لطلب الفرنجِ السالكينَ بَحرَ الحجاز؛ وذلك أن الإبرنس -أرناط- صاحب الكَرَك لَمَّا صعُب عليه ما توالي عليه من نكايةِ أصحابنا المقيمين بقلعةِ "أَيْلَة" -وهي في وَسَط البحر، لا سبيل عليها لأهل الكفر-، وأفكر في أسبابِ احتياله، وفَتَح أبوابَ اغتياله، فبَنَي سُفُنًا، ونَقَل أخشابَها على الجِمالِ إلى الساحل، ثم ركَّب المراكب، وشَحَنها بالرجال وآلاتِ القتال؛ ووقَّف منها مركبينِ على جزيرة القلعة، فمَنَع أهلَها من استقاءِ الماء، ومضى الباقون في مراكبَ نحوَ "عَيْذَاب"، فقطعوا طريقَ التجَّار، وشَرَعوا في القتلِ والنَّهْبِ والإسار، ثم توجهوا إلى أرضِ الحجاز، فتعذَّر على الناسِ وجهُ الاحتراز، فعَظُمَ النبلاء، وأعضَل الدَّاء، وأشرفَ أهلُ المدينةِ النبوية منهم على خطَر، ووَصَل الخبرُ إلى مصرَ وبها
_________________
(١) كتاب "عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" (٣/ ٨٢، ٨٣) لأبي شامة- مؤسسة الرسالة.
(٢) هو البحر الأحمر.
[ ٣ / ٦٦ ]
"العادلُ" أخو السلطان، فأمر الحاجبَ "حسامَ الدين لؤلؤ"، فعَمَر في بحر القُلْزُم مراكبَ بالرجال البحريَّة، ذَوِي التجربةِ من أهل النَّخْوة للدين والحَميَّة، وسار إلى أَيْلَة، فظَفِر بالمركبِ الفِرنجي عندها، فخرق السفينة وأخذ جُنْدها، ثم عدَّى إلى "عَيْذَاب"، وشاهَدَ بأهلها العذاب، ودُل على مراكبِ العدوِّ فتبِعها، فوقع بها بعدَ أيامٍ، فأوقع بها وواقعها، وأطَلَق المأسورِينَ من التجَّار، ورَدَّ عليهم كل ما أُخِذ لهم، ثم صَعِد إلى البَر، فوَجَد أعرابًا قد نزلوا منه شِعابًا، فركِبَ خَيْلَهم وراءَ الهاربين، وكانوا في أرضِ تلك الطُرق ضارِبينَ، فحَصَرهم في شِعْبٍ لا ماءَ فيه، فأسَرهم بِأسْرِهم، وكان ذلك في أشهُرِ الحج، فَسَاقَ منهم أسيرَيْن إلى "مِنى" كما يُساق الهَدي، وعاد إلى القاهرة ومعه الأُسارى، فكتب السلطانُ إليه بضربِ رقابِهم وقطع أسبابهم، بحيثُ لا تَبقَي منهم عَينٌ تطرِف، ولا أحدٌ يَخْبُرُ طريقَ ذلك البحرِ أو يَعْرف" (^١).
حَبَّذَا لؤلؤٌ يصيدُ الأعادي … وسِوَاهُ من اللآلي يُصادُ
° وفي كتاب آخَرَ إلى بغداد: "كان الفِرْنج قد رَكبوا من الأَمْر نُكْرًا، وافتضوا من البحر بِكْرًا، وعَمَّروا مراكبَ حربيَّةً شحنوها بالمقاتِلة والأسلحة والأزواد، وضربوا بها سواحلَ اليمن والحجاز، وأثخنوا وأوْغلوا في البلاد، واشتدَّت مخافة أهل تلك الجوانب، بل أهلُ القبلةِ لِمَا أومَضَ إليهم مِن خَلَل العواقب، وما ظَنَّ المسلمون إلاَّ أنَّها الساعة، وقد نُشِرَ مَطوِيُّ أشراطِها، والدنيا قد طُوِي مَنشورُ بِساطها، وانتظرَ غضبُ الله لفناءِ بيتِه
_________________
(١) "عيون الروضتيْن" (٣/ ١٣٣ - ١٣٥).
[ ٣ / ٦٧ ]
المحَرَّم، ومقام خليلِه الأكرم، وتراثِ أنبيائِه الأقدم، وضَريح نبيه الأعظم - ﷺ -، ورَجَوا أن تَشْحَذَ البصائرَ آيةٌ كآيةِ هذا البيت، إذ قَصَده أصحاب الفيل، ووَكَلوا إلى الله الأمر، وكان حَسْبَهم ونعمَ الوكيل.
وأما السائرةُ إلى بحر الحجاز، فتمادتْ في الساحل الحجازي إلى "رابغ" إلى سواحل "الحوراء" (^١)، فأخذت تجَّارًا، وأخافتْ رِفاقًا، ودَلَّها على عَوْراتِ البلاد من الأعرابِ من هو أشدُّ كفرًا ونفاقًا، وهناك وَقَع عليها أصحابُنا وأُخذت المراكبُ بأسرها، وفَرَّ فِرنجُها بعدَ إسلام المراكب، وسَلَكوا في الجبالِ مهاوِيَ المهالك، ومعاطِنَ المعاطب، ورَكِبَ أصحابُنا وراءَهم خَيلَ العربِ يَشُلُّونهم شلاًّ، ويقتنِصونهم أسرًا وقتلًا، وما زالوا يتبعونهم خمسةَ أيامٍ خيْلًا ورَجْلًا، ونهارًا وليلًا، حتى لم يتركوا عنهم مُخبرًا، ولم يُبقوا لهم أثرًا، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]، وقُيِّد منهم إلى مصر مئةٌ وسبعون أُسرَا" (^٢).
° قال الذهبيُّ عن بطل هذه المعركة "حسام الدين العادلي": "لؤلؤ العادلي الحاجب بَطلٌ من أبطالِ الإسلام، وهو كان المندوبَ لحرب فرنج الكَرَك الذين ساروا لأخذِ "طَيبة"، أوْ فرنج سواهم، ساروا في البحر المالح، فلم يَسِرْ "لؤلؤ" إلاَّ ومعه قيودٌ بعددهم، فأدركهم عند "الفحلتيْن"، فأحاط بهم، فسلَّموا نفوسهم، فقيَّدهم، وكانوا أكثَرَ من ثلاثِمئةِ مقاتل، وأقبل بهم
_________________
(١) الحوراء: كورة من كور مصر القِبليّة في آخر حدودها من جهة الحجاز، وهي على البحر في شرقي القُلْزُم "البحر الأحمر". انظر "معجم البلدان" (٢/ ٣١٦).
(٢) "عيون الروضتين" (٣/ ١٣٩، ١٤٠ - ١٤١).
[ ٣ / ٦٨ ]
إلى القاهرة، فكان يومًا مشهودًا" (^١).
° وقال الذهبي أيضًا: "وقيل: إن الملاعين التجؤوا منه إلى جبل، فترجَّل وصَعِد إليهم في تِسعةِ أجناد، فأُلقي في قلوبهم الرُّعْب، وطَلبوا منه الأمان، وقُتلوا بمصر، تولَّي قَتْلَهم العلماءُ والصالحون" (^٢).
* "قولوا لمحمدٍ: لِمَ لَمْ يُخَلِّصكُمْ؟! ":
في سنة ٥٨٢ هـ عَبَر "بالشوبك" قَفْلٌ من الديار المصرية في حالةِ الصُّلح مع أرناط برنس الكَرَك، فنزلوا عنده بالأمان، فغَدَر بهم وقَتَلهم، فناشَدوه اللهَ والصلحَ الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما يتضمَّنُ الاستخفافَ بالنبيّ - ﷺ -، وقال: "قولوا لمحمد: لِمَ لم يُخلِّصكم؟! "، وبلغ ذلك السلطانَ -صلاح الدين -﵀-، فحمَلَه الدينُ والحَمِيَّة على أنه نذر إنْ ظَفِر به قَتَله (^٣).
° قال أبو شامة في "عيون الرَّوْضتَيْن": "كان إبرنسُ "الكَرَك" أَغْدَر الفرنجيَّة وأخبَثَها، وأفحَصَها عن الرديِّ والرَّداءة وأبْحَثها، وأنقضَها للمواثيقِ المُحْكَمةِ والأيمانِ المبرَمة وأنكثَها وأحنثَها، ومعه شِرْذِمةٌ لها شَرُّ ذِمَّة، وهي مِن شرِّ أمة، وهم على طريقِ الحجاز، ومِن نَهج الحجّ على المجاز، وكُنَّا في كلّ سنةٍ نغزوه، وبالبوائقِ نَعرُوه، ويصيبه منَّا المكروه، فأظهر أنه على الهُدْنة، وجَنَح للسَّلْم، وأخذ الأمانَ لبلدِه وأهلِه وقومِه
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" (٢١/ ٣٨٤ - ٣٨٥).
(٢) "السير" (٢١/ ٣٨٥).
(٣) "عيون الروضتين" (ص ٣/ ٢٩٦).
[ ٣ / ٦٩ ]
ورُوحِه، وبَقِيَ الأمنُ له شاملًا، والقُفْلُ من مصرَ في طريقِ بلدِه متواصلًا، وهو يَمكُسُ الجائي والذاهب، حتى لاحتْ له فرصةٌ في الغَدْر، فقَطَع الطريق، وأخاف السبيل، ووَقَع في قافلةٍ ثقيلة، معها نَعَمٌ جليلة، فأخذها بأسْرِها، وكان معها جَماعةٌ من الأجناد، فأوقعهم في الشَّرَك، وحَمَلَهم إلى الكَرَك، وأخَذَ خَيْلَهم والعُدَّة، وسامَهم الشدَّ والشدَّة، فأرسلنا إليه، وذَمَمْنا فِعَالَه، وقَبَّحْنا احتيالَه واغتيالَه، فأبَى إلاَّ الإصرارَ والإضرار، فنَذَر السلطانُ دَمَه، ووفَّى في إراقةِ دمه بما التزمه، وذلك في السنَة الآتية".
* ها أنا أنتصرُ لمحمد - ﷺ -:
° ففي سنةِ ثلاثٍ وثمانين وخَمْسِمئة (٥٨٣) وهي السنةُ الحَسَنَةُ المُحْسنة كانت كَسْرَة "حِطِّين"، وفيها أسَرَ صلاحُ الدين جميعَ ملوكِ الفِرنجة سوى "قومس" طرابلس، فإنه انهزم في أول المعركة.
° قال أبو شامة في "عيون الروضتين": "جلس السلطانُ لِعَرضِ أكابرِ الأسارى وهم يتهادَون في القيود تَهادِي السُّكارى، فقُدم بدايةً مقدَّم "الدَّاوية"، وعِدَّةٌ كثيرةٌ منهم، ومن الإسبتاريةِ، وأُحضِر المَلِكُ "كي" وأخوه "جفري"، و"أوك" صاحب جُبيل، و"هنفري"، والإبرنس "أرناط" صاحب الكَرَك، وهو أوَّل مَن وقعِ في الشَّرَك، وكان السلطانُ قد نَذَر دَمَه، وقال: "لأعجِّلَنَّ عند وِجْدانه عَدَمه".
فلمَّا حضر بين يديْه، أجلسه إلى جَنب المَلِكِ والمَلِكُ بجنْبه، وقرَّعه على عذرِه، وذَكَّره بذَنبه، وقال له: كم تَحْلْفُ وتَحْنَث، وتعهَدُ وتنكُث، وتُبرِمُ الميثاقَ وتَنقُض، وتُقْبِلُ على الوِفاقِ ثم تُعْرِض؟!.
فقال الترجمان عنه: إنه يقول: قدْ جَرَت بذلك عادةُ الملوك، وما
[ ٣ / ٧٠ ]
سَلَكْتُ غيرَ السنَن المسلوك.
وكان المَلِكُ يَلهَثُ ظمأ، ويَمِيلُ مِن سَكْرَةٍ الرُّعْب مُنْتَشِيَا، فآنَسَه السلطانُ وحاوره، وفثَأَ سَوْرَةَ الوَجَل الذي ساوَره، وسكَّن رُعْبَه، وأَمَّن قلبَه، وأَمَر له بماءٍ مَثلُوج فشَرِبه، وأطفأَ به لَهَبه، ثم ناول المَلِكُ الإبرنسَ القَدَح، فاستشفَّه، وبَرد به لَهْفَه، فقال السلطانُ للمَلِك: لَمْ تأخذ في سَقْيه مني إذْنًا، فلا يُوجبُ ذلك له مِني أَمْنًا، ثم ركب وخلاَّهُما، وبَنارِ الوَهَل (^١) أصْلَاهُما، ولم ينزلْ إلى أن ضُرِب سُرَادقُه، ورَكزَت أعلامُه وبَيَارقُه، وعادت إلى الحِمَي عن الحَوْمهِ فَيَالِقُه.
فلمَّا دَخَل سُرَادقَه استَحضَرَ الإبرنسَ، فقام إليه، وتلقَّاه بالسَّيف، فَحَل عاتقَه، وحين صُرع أمرَ برأسِه فَقُطع، وجُرَّ برِجلِه قُدَّامَ المَلِكِ حين أخرج، فارتاع المَلِكُ وانزَعَج، فعَرَف السلطانُ أنه خامَرَه الفَزَع، وساوَرَه الهَلَع، وسَامَرَه الجَزَع، فاستدعاه واستَدْناه، وأَمَّنه وطمَّنه، ومكَّنَه من قُرْبهِ وسَكَّنه، وقال له: ذاك رداءتُه أَرْدَتْه، وغَدْرته كما تراه غادَرَتْه، وقد هلك بِغيه وبَغْيِه، ونبا زَنْدُ حياتِه وَوِرْدُها عن رِيه ووَرْيه" (^٢).
° وقال أبو شامة أيضًا: "لَمَّا فَتَح اللهُ عليه بالنصر والظَفَر، جَلَس في دِهليز الخيْمة؛ فإنها لم تكُنْ نُصبتْ بعدُ، والناسُ يتقرَّبون إليه بالأُسارى وبمن وَجدوه من المتقدِّمين، ونُصِبت الخَيمةُ، وجَلَس فَرِحًا مسرورًا، وشاكرًا لِمَا أنعَمَ اللهُ به عليه، ثم استَحَضَر الملك "جفري" وأخاه والبرنس
_________________
(١) الوَهَل: الفَزَع.
(٢) "عيون الروضتين" (٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
[ ٣ / ٧١ ]
"أرناط"، وناوَلَ المَلِكَ شَرْبةً من حُلابٍ مُبَرَّد بثلج، فشَرِب منها، وكان على أشدِّ حالٍ من العَطَش، ثم ناول بعضَها البرنس، فقال السلطانُ للتَّرجُمان: قُلْ للمَلِك: أنتَ الذي سَقَيْتَه وإلاَّ أنا ما سَقَيتُه، وكان على جميل عادةِ العرب وكريم أخلاقِهم أن الأسيرَ إذا أَكَل أو شَرِب من مالِ مَن أسَرَه أَمِن، فقَصَد السلطانُ بذلك الجرْيَ على مكارم الأخلاق.
وأُقعِد المَلِكُ في الدِّهليز، واستُحضر البرنس، ووافقه على ما قال، ثم قال له:" ها أنا أنتصرُ لمحمد - ﷺ - " (^١)، ثم عَرَض عليه الإسلامِ، فلم يَفْعل، فقام إليه وسَلَّ المِجنَّاةَ وضربه بها، فَحَلَّ كَتِفه، وتمم عليه مَن حضَر، ثم رُمي على باب الخيمة" (^٢).
° ومن كتابٍ للقاضي الفاضل: "فأُخِذ الملكُ أسيرًا، ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]، وأُسِر الإبرنسُ -لعنه الله-، فحُصِدَ بذْرُه، وقَتَله الخادم -يعني السلطانَ صلاحَ الدين- بيده، ووفَّى بذلك نَذْرَه".
° ولله درُّ القائل:
وأنجَزَ اللهُ للسُّلطانِ مَوْعِدَه … ونَذْرَه في كَفُورٍ دِينُهُ البَطَرُ
وعايَنَ المَلِكُ الإبرنسَ في دَمِه … فمات حَيًّا وحَيًّا وهْو يعتذِرُ (^٣)
° والقائل:
ألمْ تَرَ للسلطانِ صُدِّق نَذْرُهُ … دَم الغادرِ الإبرنسِ فاقتيد أربَدَا
_________________
(١) وفي "البداية والنهاية": "نعم أنا أنوب عن رسول الله - ﷺ - في الانتصار لأمته".
(٢) "عيون الروضتين" (٣/ ٣١٣).
(٣) المصدر السابق (٣/ ٤٠٦).
[ ٣ / ٧٢ ]
وباشرَهُ بالقتلِ وَسْطَ خِبائه … وعاينه الكند المليك فأرعدا (^١)
° وقال العمادُ -﵀-:
يا طُهْرَ سيفِ بَرَى رأسَ البرنسِ فقد … أصاب أعظم من بالشرك قد نجُسا
وغاص إِذ طار ذاك الرأسُ في دَمَهِ … كأنه ضفدعٌ في الماء قد غطسا
ما زال يَعْطُسُ مَزْكُومًا بغَدْرَتِه … والقتل تشميت من بالغدر قد عطشا
عرَّى ظُباه مِنَ الأغمادِ مُهْرَقَةً … دمًا من الشرك ردَّاها به وكسَا (^٢)
° وقال العمادُ أيضًا:
شكَا يَبَسًا رأسُ البِرْنسِ الذي به … تندي حسامٌ حاسمٌ ذلك اليُبسا
حَسَا دَمَه ماضي الغِرارِ (^٣) لِغَدْرِه … وما كان لولا غدره دمُهُ يحسَي
فلله ما أهْدَى يَدًا فَتكَتْ بِهِ … وأطهر سيفًا معدمًا رجسَه النَّجسا
نَسَفْتَ به رَأسَ البرنسِ بِضَرْبَةٍ … فأشبه راسي رأسه العهن (^٤) والبرسا (^٥)
تَبوَّغَ (^٦) في أَوْدَاجِه دَمُ بَغْيِه … فصال عليه السيف يلحسُه لحسا
_________________
(١) المصدر السابق (٣/ ٤٠٨).
(٢) "عيون الروضتيْن" (٣/ ٣٠١).
(٣) الغرار: حَدُّ السيف.
(٤) العهن: الصوف.
(٥) البِرس: بكسر الباء وضمها: القطن.
(٦) تبوَّغ به الدم: هاج به، وذلك حين تظهر حمرته في البدن .. انظر "لسان العرب" (بوغ- بيغ).
[ ٣ / ٧٣ ]
بَعَثْتَ أمام أُمةِ النَّار نحوَها … إمامَهُمُ أرناطَها ذلك الجِبْسَا (^١) (^٢)
* السِّير وليم موير (١٨١٩ - ١٩٠٥):
السير "وليم موير" مستشرقٌ أسكتلندي، عَمِل في الهند، ثم اختِير رئيسًا لجامعة "أَدِنْبَره"، ومن مؤلَّفاته "حياة محمد" في أربعةِ أجزاء، وقد صَدَر في لندن من ١٨٥٨ حتى ١٨٦١.
وهو -على الرغم من أرثوذوكسيته الإنجليزية- فإنه قد اكتَسَب خلالَ دراسته تعاطُفًا مُعيَّنًا لرجل (يقصد رسول الله - ﷺ -)، ظَهَر أنه كان ضحيَّةَ للشيطان" (^٣).
أو أن محمدًا كان أداةً من أدواتِ الشيطان، ولكنه مع ذلك اعترف بأن هذا الشيطانَ قد ظَهر لمحمدٍ في صورةِ رسول الله - ﷺ - (^٤).
ومحمدٌ - ﷺ - ليس في حاجةٍ إلى مِثل هذا التعاطُفِ المردودِ على صاحبه، وقد سَبَق لمشرِكي مكةَ أنْ زَعَموا أن محمدًا - ﷺ - به مَسٌّ من الجن، فلا جديدَ في زَعم "موير"، فهو ترديدٌ من كافر لمزاعمَ قديمةٍ في صورةٍ أُخرَى.
* ثيوفانس Theophanes البريطاني:
كاتبٌ دجَّالُ بريطانيٌّ، تولَّى كِبْرَ اتهام النبي - ﷺ - بالصرع، وهو أولُ
_________________
(١) الجبس: الجبان الضعيف اللئيم .. انظر "اللسان" (جبس).
(٢) "عيون الروضتين" (٣/ ٣٠٣).
(٣) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ٩١ - ٩٢).
(٤) المصدر السابق (ص ١٧١).
[ ٣ / ٧٤ ]
منَ أذاع في الغربِ "أسطورةَ الصَّرَع" انظر (ص ٥٢٢) مِنْ Hand woer terbuch des Islam) وقد كان الكُتَابُ البريطانيون هم المصدرُ الوحيدُ الذي تلقي منه الغربُ معلوماتِه الأولى عن الإسلام، وإليهم تَرجعُ أغلبُ الأساطيرِ التي شاعَت في الغرب حولَ محمدٍ - ﷺ - في العصورِ الوسطي (^١).
* اشبرنجر (sprenger):
لويس اشبرنجر (١٨١٣ - ١٨٩٣) مستشرقٌ نمساويُّ الأصل، تجنس بالجنسية البريطانية عام ١٨٣٨، عَمِل في الهند، ثم عَمِل أستاذًا للغات الشرقية في جامعة "بِرن" بسويسرا، ومن مؤلَّفاته "حياة محمد" في ثلاثة أجزاء، وقد صَدَر الجزءُ الأول في "الله آباد" عام ١٨٥١ بالإنجليزية، ثم صدرت الأجزاءُ الثلاثةُ بالألمانية في "برلين" من ١٨٦١ حتى ١٨٦٥، وأُعيد طبعُه عام ١٨٦٩.
ويُعلِّقُ المستشرقُ الألماني المعاصرُ "رودي بارت" على كِتاب اشبرنجر "حياة محمد" بأنه كتابٌ جاء مُخيبًا للآمال في أكثرَ من ناحية، وأنه لم يُراع شروطَ ومتطلَّباتِ التقريرِ العلمي (^٢).
° في هذا الكتابِ "حياة محمد وتعاليمه" يَخلُصُ "اشبرنجر" الأفَاكُ الأثيمُ إلى الاقتناع -كما يدَّعي- بأن محمدًا كان "إنسانًا هستيريًّا"، وقد نَقَد "فيلهاوزن" في كتابه "محمد في المدينة" (ص ٢٠) وما بعدها آراءَ "اشبرنجر".
_________________
(١) انظر "الإسلام في تصوّرات الغرب" (ص ٩٣).
(٢) انظر "الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية" لبارت ترجمة مصطفي ماهر (ص ٢٣).
[ ٣ / ٧٥ ]
وما قاله "اشبرنجر" ودجَّالو المستشرقين من أنَّ ظاهرةَ الوحي للنبيِّ - ﷺ - لم تكن إلاَّ نَوْباتٍ من الصرع تَعتريه، أو ما يقولُه "اشبرنجر" من أنَّ محمدًا - ﷺ - كان مصابًا بالهستيريا، فهذه مزاعُم قَذِرةٌ كلُّها تَكمُنُ في محاولةِ استبعادِ القولِ بنبوَّتِه وإنكارِ تلقِّيه الوحيَ من عند الله، وما دام هذا هو الموقف المبدئي لهذه المزاعِم، فلن يستطيعَ القائلون بها فَهمَ ظاهرةِ الوحي، ولو طَبقْنا هذه المزاعمَ على جميع الأنبياءِ والمرسَلين لأَبْطَلْنا الأديانَ السماويةَ جميعًا.
وهذا الموقفُ ليس أمرًا جديدًا، فقد سَبَق لمشركي مكةَ أن اتَّخذوا موقفًا مماثلًا من محمدٍ - ﷺ -، كما اتخذ المعانِدون من أقوامِ الأنبياء السابقين مواقفَ مشابهة، والقرآنُ نفسُه يُخبرُنا أن محمدًا ﵊- والمرسَلين مِن قبلِه- قد وُجِّهت إليهم تُهمةُ الجنون من أقوامهم.
* ومن ذلك قوله تعالى حكايته عنهم: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦].
* وقوله: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات: ٥٢].
* وقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾ [الدخان: ١٤].
* وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)﴾ [القمر: ٩].
ولسنا هنا في حاجةِ إلى مناقشةٍ مستفيضةٍ لأسطورَتَي "الصرع والهستيريا"، فكل مَن يعرفُ أعراضَ هذين المَرَضَينِ وما لهما من آثارٍ في
[ ٣ / ٧٦ ]
شخصيةِ المصابِ بأيٍّ منهما، ويَعرفُ السيرةَ الصحيحةَ لمحمدٍ - ﷺ -، يَعرفُ حتمًا أن هذه المزاعمَ لَغوٌ باطلٌ وافتراءٌ كاذبٌ لا يستحقُّ أن يأخذَه المرءُ مأخَذَ الجِدِّ.
وقد أساء المستشرقون -عن جَهل أو عن عَمدٍ- فَهْمَ الظواهر التي كانت تُصاحبُ الوحيَ عند نزوله على النبي - ﷺ - من أنه -كما يقول الرسولُ - ﷺ - نفسه- كان يأتيه مِثلَ صَلصلةِ الجَرَس، وكما تقولُ عائشة - ﵂ -: "رأيتُه يَنزلُ عليه الوحيُ في اليوم الشديدِ البَرْدِ، فيَفصِمُ عنه وإن جَبينَه لَيتفصَّدُ عَرَقًا"، كما روى ذلك البخاري في "صحيحه" في حديثٍ مشهور (^١).
* أساطيرُ العصرِ الوسيط في الغرب عن رسول الله - ﷺ -:
° أسخفُ التصوُّراتِ الجنونيَّة، وأخبثُ الافتراءات سَوَّدَتْها أقلامُ الغربِ الكافر في العصر الوسيط عن رسول الله - ﷺ - .. ولله درُّ القائل:
والحق أبلجُ لو يَبغُونُ رؤيتَه … هيهات يُبْصِرُ مَن في ناظِرَيْه عَمَى
وصرخةُ الحق تأباها مَسَامعُهم … مَن يسمع الحق منهم يَشتكي الصَّمَمَا
محمدٌ سيِّدُ البَشر - ﷺ - يَصِفُونه بأقبح الصفات، وهو النورُ الذي أضاء بهَديه وبقرآنه جَنَباتُ الكون، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥]. .
والنورُ هو محمدٌ - ﷺ - كما قال الطبري شيخ المفسرين. أشرق النور .. هَلَّ النور .. سَطَع النور .. بَزَغَ النور .. بَثَق النور .. بَرِقَ النور .. أبرَقَ النور .. أضاء النور .. فاض النور .. بَدَا النور .. اتَّسَع النور .. تأَلَّق
_________________
(١) "الإسلام في تصوُّرات الغرب" (ص ٩٣).
[ ٣ / ٧٧ ]
النور .. أَلِقَ النور .. ائتَلَق النور .. تلألأ النور .. ظَهَر النور .. بَهَر النور .. لَمَع النور .. طَلَع النور .. أبلَجَ النور .. ازدَهَر النور .. زَهَا النور .. أزهَرَ النور .. سَفَر النور .. أسفَرَ النور .. انتَشَر النور .. أومَضَ النور .. سَنَا النور .. انفَجَر النور .. تهاطَل النور .. هيَطَل النور .. نَبَع النور .. شَفَا نورَ القلبِ والروح والجسد، وأزال عن البشريةِ آلامَها وكُدورَها، وأبرأَ جِراحَها .. عندما أتى رسولُ الله - ﷺ - برسالته العظيمة.
ولكنَّ خنازيرَ أوروبا وكلابَ الغَرب المسعورةَ يأتون بأقبح الأقوالِ وأسمج الأساطير عن رسول الله - ﷺ -، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ٥] أسطِّرُ ذلك والقلبُ ينفطرُ ألمًا وحياءً من رسول الله - ﷺ - .. أُسطِّرُ ذلك إقامة للحجَّةِ على صِبيان الغرب .. الأغبياءِ الأقزام الذين يسيرون في فَلَك الغرب، ويردِّدون كالببَّغاوات مقالتَهم ..
ويَدَّعون أنهم لا يعرفون هذا الجانبَ القبيحَ المظلِمَ عن معتقداتِ الغربِ عن - ﷺ - وافتراءاتِهم عليه.
* اليهوديُّ الأسبانيُّ المتنصِّر بتروس ألفونسوس:
حاوَلَ هذا اللئيمُ نقضَ القرآن في بدايةِ القرنِ الحادي عَشَر، وألَّف كتابًا بعنوان: " Forta litium fidei".
* الأب بطرس "الموقر" بل "الأحقر" وأباطيله:
يُسمونه "الموقر"، وهذه جريمةٌ في حقِّ التاريخ، بل هو "الأحقر، والمُضلِّل، والكذَّاب، والدجَّال"، ولا يبقى مكانٌ أبدًا لدى عاقلٍ بوَصفه بالتوقير والاحترام، بل هو الذي ازداد كُفرًا فوقَ كُفرِه بتطاوُلِه الفجِّ القَذِر
[ ٣ / ٧٨ ]
على أطهرِ مَن مَشَى على الأرضِ - ﷺ -.
بطرس الموقر (١٠٩٤ - ١١٥٦) هذا راهبٌ فِرنسيٌّ، ينتمي إلى "جماعةِ الرهبانية البندكتية" التي شَيَّدت "ديركلوني" عام ٩١٠ في فرنسا، وكان بطرسُ رئيسًا لرهبان "كلوني".
وقد عَمِل "بطرس" في البداية على إنجازِ ترجمةٍ للقرآن إلى اللغةِ اللاتينية، وتمَّت هذه الترجمة عام ١١٤٣ م على يد العالم الإنجليزي "روبرت أوف كيتون" بإيعازٍ من بطرس الموقَّر، وبالإضافةِ إلى ذلك أَمَر بترجمةِ كتابيْن آخريْن، أحدهما عن سيرة النبي - ﷺ -، والثاني عَرضٌ للنقاط الأساسية في تعاليم العقيدة المحمدية في شكل حوار.
وأخيرًا قام بتاليفِ أربعةِ كتبٍ "ضدَّ الزندقة البغيضة لطائفة المسلمين"، وهذه الأعمالُ التي قام بها هذا "الرجلُ الكلوني" المتحمِّس لا تَرسمُ مجردَ بدايةِ الجَدَلِ الأوروبي ضدَّ الإسلام فحسب، بل أصبَحَتِ المصدَرَ الرئيسي أيضًا للتصوَّرات غيرِ المعقولةِ التي صارت فيما بعدُ مألوفةَ لدى المسيحيين عن حياةِ محمدٍ وتعاليمه، وإلي مؤلَفات "بطرس الموقر" ترجعُ غالبيةُ المؤلَفات الجَدَليةِ العديدةِ التي نشأت في العصر الوسيط ضدَّ الإسلامِ، سواءٌ أكانت نثرًا، أو في شكل شِعريٍّ، أو في صيغةِ أخبارٍ وتقارير حَولَ المناقشاتِ التي جَرَت -زعمًا كان ذلك أو حقيقةً- بين رجالِ الدينِ المسيحيين والمحمَّديين، وفي هذه المناقشاتِ يَظهرُ محمد ليس فقط نبيًّا زائفًا ومضلِّلًا، وإنما أيضًا محتالًا وَضيعًا ومِن عُشَّاق اللذة (^١).
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١١٧).
[ ٣ / ٧٩ ]
° "ومِن بين التصوُّراتِ التي كانت منتشرةً بصفةٍ خاصةٍ: القولُ بأن المحمَّديِّين لم يكونوا يُجلُّون محمدًا لمجرَّدِ كونِه نبيَّهم ومؤسِّس دينِهم، بل كانوا يَعبُدونه بوصفِه يُمثِّلُ الالوهية، وبالإضافة إلى ذلك وُصفَ دين محمدٍ -على النقيضِ تمامًا من الحقيقة التاريخية- بأنه دين الشِّرك وتعدُّدِ الألوهية.
وقد اتُّهم المحمَّديون أيضًا -دون سَندٍ تاريخيٍّ- بأنهم يمارِسون عبادةَ التماثيل بطريقةٍ فَظَّة، وكذلك كان المَرءُ يَهْزأ من أُميةِ النبيِّ، ويَسخرُ من الراعي السابق للأبل والحمير" (^١) -كما يقول "بفانموللر"-.
* تيوفانس البيزنطي" Theophanes":
صاحبُ أقدم التقاريرِ التاريخية عن نشأةِ الإسلام، وقد عَرَضه أمينُ المكتبة الروماني "أناستاسيوس" في كتابه عن تاريخ الكنيسة، وإلي هذا التقريرِ ترجعُ غالبيةُ الأساطير التي قِيلت عن محمدٍ - ﷺ - في العصر الوسيط.
وبعد ذلك قَدَّمت الحَمَلاتُ الصليبيةُ دافعًا جديدًا، ومِن هنا اتَّخذت صورةُ محمدٍ باستمرارِ لونًا أشنَّعَ مِن ذي قبل، وعُرضت باستمرارٍ بصورةٍ أكثرَ فظاعة، ويُقدِّمُ لنا أولًا "جيبير النوجنتي Guibert de nogent Sous Coucy" صورةً شاملةً، وكثيرًا ما عُرضت أسطورةُ محمدٍ أيضًا في صورٍ شِعرية، وهكذا قام "هيلديبرت" المنتسب إلى "ليمو Lemans " والذي كان
_________________
(١) لا يضير رسول الله - ﷺ - ما يقوله عنه أوباش الغرب، فقد قال رسول الله - ﷺ -:"ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم" رواه البخاري.
[ ٣ / ٨٠ ]
فيما بعدُ رئيسًا لأساقفةِ "تور Tours " (تُوفي عام ١١٣٣ م) قام بكتابةِ تاريخ محمدٍ في صورةٍ شعريةٍ معينةٍ (Distichen) تتضمَنُ ذكرياتٍ كلاسيكية، وقد ظَهرت فيما بعدُ قصيدةٌ مشابِهة، وهي "أساطير محمد لدى فالتيري" (Otia Walteri de Mahomet) وعلى هذه القصيدةُ اللاتينيةُ تعتمدُ اعتمادًا تامًّا "رواية محمد" (Roman de Mahomet) التي كتبها "الكسندر دو بون" du pont، وفي العَرضِ الذي قدمه لنا "أندريا داندولو الفينيسي Andrea Den dolo" تتجمعُ عناصرُ الأساطيرِ البيزنطية عن محمد، مع الاختراعاتِ التي يجبُ أن توضَعَ على حسابِ خيالِ المحارِبين الصليبيين، وعلى حسابِ قادتِهم الروحيين. ونحن نجدُ التجميعَ الكاملَ لكل ما يتعلَّقُ بمحمدٍ من أساطيرَ وخرافاتٍ ومخترعاتٍ افترائيةٍ للعصر المسيحي الوسيطِ في كتاب "فينسينز Vincenz" المنتسب إلى "بوفيه Beauvais" والمسمى" المرآة التاريخية Speculum historiale (^١) .
* دانكونا D.ancona:
له بحث نُشِر في العدد رقم (١٣) من المجلة التاريخية للآداب الإيطالية بعنوان "أسطورة محمد في الغرب"، ويرسمُ الكاتبُ صورةً لأسطورة محمدٍ - ﷺ - في الغرب، ويتناولُ "دانكونا" على وجهِ الخصوصِ التأثيرات المسيحيةِ على محمدٍ (الراهب بحيرَى)، والأخبار المختلفة حولَ وفاةِ محمدٍ، ويبين "دانكونا" الوحدةَ المميزةَ لهذه الأساطيرِ منذ زمنِ المؤرِّخ
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١١٨ - ١١٩).
[ ٣ / ٨١ ]
البيزنطي "تيوفانس Theophanus"، وطِبقًا لهذه الأساطير يَظهرُ محمدٌ على أنه "زنديق"، وأنه "آريوس" جديد أسوأ من "أريوس الأول" (^١).
_________________
(١) آريوس (٢٧٠ - ٣٣٦ م) وُلد في الاسكندرية، وكان قسيسًا بها، وقد عارَضَ أسقفَ الإسكندرية الذي كان يذهب إلى القول بأن المسيحَ ابن الله وأنه مساوٍ للآب وأنَّ له طبيعة وذاتًا واحدةً مع الآب، وقد ذهب آريوس إلى القول بأن المسيحَ غيرُ مساوٍ للآب فيِ الجَوهر والعظمة، وأنه مخلوقٌ بإرادة الأب حادثٌ غير أزلي .. إلخ. وقد تَبع آريوس كثيرون، وعندما طُرد من الإسكندرية خَرح قاصدًا فلسطين وسوريا، فتحزَّب له أساقفةٌ كثيرون في تلك الجهات، ولا سيَّما أسقف "قيصرية" وغيره من أساقفة بيروت وصُور واللاذقية وغيرها. وقد عُقدت عدة مجامعَ كنَسية لمناقشة تعاليمه، منها "مَجمع الإسكندرية" عام ٣١٩، و"مجمع نيقية" عام ٣٢٥ بأمر الإمبراطور "قسطنطين"، و"مجمع القسطنطينية" عام ٣٣٦، وعلى الرغم من أن الغَلَبةَ في النهاية استقرت لآراءِ مخالفيه الذي جَعلوا من المسيح إلهًا وقالوا بالتثليث، فإن تعاليمَه قد انتَشرت بعد موتِه أكثرَ مما انتَشَرت في حياته، واعتَنق الملكُ "قسطنس" خليفة "قسطنطين" آراء آريوس، وقد أمَرَ "قسطنس" بعَقد "مجمع" في مديولان "ميلان" حَضَره أكثرُ من ثلاثمئةِ أسقف، وتبيَّن أن أكثريةَ الآراءِ فيه كانت للآريوسيين، وقد بَقِيت التعاليمُ الآريوسيةُ ممتدَةَ في أسبانيا والولاياتِ الجِرمانية أكثرَ من ثلاثة قرون. ولكن عندما وَقع الانشقاقُ بين الآريوسيين وانقَسموا إلى فِرَقٍ عديدةِ ضَعُفت قوتهم، وتمكن منهم خصومُهم، وفي أيام "ثيودوسيوس الثاني"صَدَر الأمرُ باستئصالِ الآريوسيين وإبادتهم، وكان ذلك في عام ٤٢٨ م، ويقال: إن "سرفتس" أحيا تعاليم الآريوسية في القرن السادس عشر، فذاعت هذه ب التعاليم، وسَببت إزعاجًا للكنيسة التي سارعت بالقضاء على معتنقيها (راجع "دائرة المعارف للبستاتي"). والأمرُ الجديرُ بالذكر هو أن الرأيَ الذي كان يقولُ به آريوس هو الرأيُ الذي يَعتبرُه القرآنُ الكريمُ العقيدةَ المسيحيةَ الصحيحةَ التي ترفضُ التثليثَ وترفضُ ألوهية المسيح، ومِن هنا جاء هذا الاتهامُ الموجهُ إلى محمدٍ - ﷺبأنه آريوس جديد؛ لأنه أكَّد بنص القرآنِ بشريةَ المسيح ورَفَض ما عدا ذلك من تعاليمَ مصط
[ ٣ / ٨٢ ]
وأسطورتُه تَنهجُ نهجَ أسطورةِ الزنادقةِ الكَنَسِيين الكبار من أمثال "سيمون ماجوس S.Magus " أو " نيكولاوس Nikolaus".
وتُضيف المولَّفاتُ الشعبيةُ إلى ذلك افتراءاتٍ شنيعةً، وأن محمَّدًا - ﷺ - لَمَّا حِيل بينه وبين مَنصبِ "البابوية" الذي يستحِقُّه، تَحوَّل إلى مُنشَق على الكنيسة، وهذه أسطورةٌ مضحِكةٌ لا تستحقُّ الوقوفَ عندها.
ويُصبحُ محمد - ﷺ - عند هؤلاء الأوباش مشابهًا لـ "نيكولاوس" و"بلاجيوس pelagins"، أجل، فالبعضُ كان يرى أنَّ الإسلام قد انبَثَق من النزاعاتِ الداخليةِ الخبيثةِ للكرادلة الرومانيين! وأخيرًا تبقي الأسطورةُ عند موت محمدٍ، مع إحساسٍ بنوع خاصٍّ من الغبطة، فالخنازيرُ قد التهمته وهو في حالة سُكر! ولهذا السبب أصبح أكلُ لحم الخنزيرِ محرمًا لدى المحمَّديين -أي: المسلمين- (^١).
هكذا يَروي أوباشُ الغرب وكتَّابُهم ومُفَكِّروهم بشَغفٍ قصةَ موتِ النبي محمدِ - ﷺ - الذي يُرثى له، فالخنازيرُ قد وَجَدَتْه مخمورًا فوقَ كَومةٍ من القمامة فالتهمته!!!! (^٢)
هكذا يزورون التاريخَ ويزيِّفونه .. وقد كان موتُ النبي - ﷺ - أطيَبَ موتِ وأعطَرَه وأطهَرَه مثلما كانت حياتُه - ﷺ -:
قد تُنكِرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رَمَدٍ … ويُنكر الفَمُ طَعْمَ الماءِ من سَقَم
* ر. شرودر R.Schroeder:
أما "ر. شرودر"، فإنه قد جَمَع الخطوطَ الرئيسيةَ لأسطورةِ محمدٍ في
_________________
(١) "الإسلام في تصوُّرات الغرب" (ص ١٢٢).
(٢) المصدر السابق (ص ١٢٤).
[ ٣ / ٨٣ ]
العصر الوسيط، كما تتمثلُ في الشَّعر الفرنسي القديم، وذلك في كتابه الذي صَدَر بالألمانية عام ١٨٨٦ بعنوان "العقيدة والخرافة في الأشعار الفرنسية".
وحسبما وَرَد في هذا الشعر، فإن محمدًا وَحده هو صاحبُ نظرية التعدُّدِ في الألوهية بكامِلها، تلك النظريةُ التي يقولُ بها المسلمون، وفي الأساطير الشعبيةِ الأصيلةِ لا يَظهرُ محمدٌ أبدًا بوصفه "نبيًّا"، وإنما يَظهرُ باستمرار بوصفه "إلها"، وعلى وجهِ التحديد بوصفه أعظمَ وأقوى الآلهةِ الوثنية، وقبل أن يتحوَّل محمدٌ إلى هذا الاعتقادِ كان مسيحيًّا مؤمنًا، وكان هو نفسُه يؤمنُ بعقيدةِ "الخلاص" المسيحية.
ويُعَدُّ محمد لدى الوثنيَّين (أي: المسلمين!!!) خالقَ هذا العالَم وحافظَه، وتَحدُثُ عبادتُه بطبيعة الحال في شَكِل عبادةِ التماثيل، هذا الشكلُ الذي اعتادَتْه جماعةُ المحمديين، وكما هو الحالُ مع إلهِ المسيحيين فإن محمدًا محاطٌ أيضًا في السماء بالقدَّسين، ومِثلما تُعَدُّ القُدسُ مدينةً مقدَّسةً بالنسبةِ للمسيحيين، فكذلك تُعدُّ مكةُ مدينةً مقدسةً بالنسبة للوثنيين، حيث يوجدُ داخلَ أسوارِها قَبرُ إلههم .. أما العيدُ الكبيرُ السنويُّ الذي يُقامُ لتمجيدِ محمدٍ، فيُوصَفُ بأنه يتوافقُ مع "عيدِ الفِصح".
وأشدُّ التناقضاتِ بين المؤسَّسات المسيحية والوثنية تتمثَّلُ في رأي الجانبين في الزواج، والمحمَّديُّون يكرهون إلهَ المسيحيين، وكذلك لا تَعرفُ كراهيةُ المسيحيين لأتباع محمدٍ حُدودًا تقفُ عندها، فالمسيحيون يُشككون بشتى الطُرقِ الممكنةِ في طهارةِ محمدٍ من الذنوب أثناءَ حياته الأرضية،
[ ٣ / ٨٤ ]
وتَروي بشَغَفٍ خاصٍّ قصةَ موتهِ الذي يُرثى له (^١).
* دُوتيه Doutte:
يتناولُ "دوتيه" في كتابه بالفرنسية "محمد الكاردينال" الصادرِ في باريس عام ١٨٩٩ الخرافةَ التي انتشَرَت انتشارًا واسعًا في العصرِ الوسيط والتي تقولُ بأنَّ محمدًا كان في الأصل "كاردينالًا رومانيًّا" يسعى للحصول على تاج البابوية، ولكنه عندما فَشَل في الحصول عليه أسس الطائفة المحمديَّة، وصَرَف آلافًا كثيرةً من النفوسِ عن المسيحية (^٢).
* باسيه Basset:
باسيه مستشرقٌ فِرنسيٌّ (١٨٥٥ - ١٩٢٤)، له العديدُ من الأبحاثِ والدراساتِ الإسلامية والعربيَّة، ورَأَسَ مؤتمرَ المستشرقين بالجزائر عام ١٩٠٥، وأسهَمَ في دائرة المعارف الإسلاميَّة، وله بحثٌ بعنوان "هرقل ومحمد" نشره عام ١٩٠٣ في مجلة العلماء من (ص ٣٩١ - ٤٠٢) تناول فيه أسطورةً أخرى عن محمدٍ، كانت هي الأخرى منتشرةً أيضًا انتشارًا واسعًا في العصر الوسيط، وتقولُ هذه الأسطورةُ: إن القيصرَ "كارل الكبير" قام
بتحطيم كل تماثيل الآلهةِ التي كانت قائمةً في "أسبانيا" ما عدا تمثالًا واحدًا فقط كان موجودًا في "قادس " Cadiz" (^٣) وَيروي المسلمون أن محمدًا نفسَه قد قام بعمل هذا التمثالِ أثناءَ حياتِه باسمه هو، وأنه بفضل ما لديه من فنٍّ
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٢٣ - ١٢٤).
(٢) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٢٥ - ١٢٦).
(٣) قادس: مدينة أسبانية هي عاصمة إقليم قادس.
[ ٣ / ٨٥ ]
سِحريٍّ قام بحبسِ كتيبةٍ من الجنِّ بداخله، وقد عَمِلت هذه الكتيبةُ -بما لها من تأثير- على مَنع تحطيم هذا التمثالِ من جانبِ أيِّ أحدٍ يريدُ تحطيمَه.
وقد أثبت "باسيه" بالتفصيل انتشارَ هذه الأسطورةِ في المصادر المسيحية والعربية والأسكندنافية، وبَرهَنَ على أن الأمرَ هنا يدور -على الأرجح- في الأصل حولَ تمثالِ لهرقلَ ظنَّ المحمَّديون خطأً أنه يرمز إلى محمد! ثم انتَقلت الأسطورةُ عن طريقِ المسلمين إلى المسيحيين في أسبانيا، ومن هناك تسرَّبت إلى الأدب الفرنسيِّ في العصر الوسيط (^١).
° قال الدكتور محمود حمدي زقزوق في كتابه "الإسلام في تصوُّرات الغرب": "إذا رُويت هذه الأساطير على ألسِنةِ الغربيِّين، ودُوِّنت في مؤلَّفاتهم، فهذا أمرٌ مفهومٌ، وقد اعتدنا عليه، أمَّا أن يُقالَ: إن المسلمين أنفسَهم قد قالوا بهذا الهُراء، وإن مصادِرَهم قد دُوِّن فيها هذا الباطلُ، فهذا أمرٌ لا يمكنُ تصديقُه، وذلك لأسبابٍ كثيرةٍ أهمُّها ما يأتي:
أولًا: المسلمون يَعرِفون تمامًا أن النبيَّ - ﷺ - قد حَرَّم التماثيل لأنها تُذكِّر بالأصنام من ناحية؛ ولأن فيها محاكاةً لخَلِق اللهِ من ناحيةٍ أخرى، وقد وَرَد في هذا الصددِ العديدُ من الأحاديث الصحيحة، ومن ذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" أن النبي - ﷺ - قال: "لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيه تماثيلُ أو تصاوير"، وقوله: "يا عائشة: أشدُّ الناسِ عذابًا عند الله يومَ القيامة الذين يُضاهُون بحلِق الله"، وفي روايةٍ أخرى: "الذين يُشبِّهون بخَلقِ الله".
فهل يُعقلُ -بعد هذا التحذير الشديدِ- أنْ يَنسِبَ المسلمون إلى نبيهم أنه
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٢٦ - ١٢٧).
[ ٣ / ٨٦ ]
صَنَع لنفسه تمثالًا أو أوعَزَ بصُنعِه؟ وقد يقال: إن بعضَ العلماءِ في العصرِ الحديث قد قال بتأويل مثل هذه الأحاديث، ولكن هذا التأويلَ لم يكن بالقطع قائمًا لدى المسلمين في الأندلس.
ثانيًا: المسلمون يتحرَّجون حتى اليوم -بعد مرورِ أكثرَ من أربعةَ عَشَرَ قرنًا على ظهورِ الإسلام- من مجردِ ظهورِ شخصياتٍ تمثل أدوار أحدٍ من الصحابة في مشاهدَ هادفة، ناهِيك عن إقامةِ تماثيلَ لهم، فما بالُك إذا كان الأمرُ يتعلَّقُ بالنبيِّ - ﷺ -؟! وإذا كان هذا شأنَ المسلمين اليومَ حيث تنتشرُ التماثيلُ في كل مكان، وحيثُ أصبَحَ التمثيلُ أمرًا مألوفًا، فما بالُك بالمسلمين منذ قرونٍ عديدة، وفي بلادٍ أحرقت كتاب "الإحياء" للغزالي ظنًّا منها أنه رُبما يحمل أفكارًا فلسفيةً لا يَرضى عنها الإسلام؟!.
إن الأمرَ الأقربَ إلى المعقول هو أن هناك أسطورةً كانت قائمةً قبلَ أن يدخلَ المسلمون إلى هذه البلاد، ثم حَوَّرها الأوروبيُّون أنفسُهم -وإيمانُهم بالأساطيرِ كان شديدًا في العصرِ الوسيط-، ورَوَّجوها على أَلسِنَةِ المسلمين" (^١).
هذه مَورُوثاتُ وتصوُّراتُ العصورِ الوسطي عن رسول اللهﷺ -، ولا يزالُ الغربيُّون الصليبيون أسرى هذه التصوُّرات والأساطيرِ والتجني الواضح على رسول الله - ﷺ -.
لقد بَلَغ ما كَتَبه المستشرقون عن الإسلام في قرنٍ ونصفٍ (منذ أوائل القرن التاسعَ عَشَرَ حتى منتصفِ القرن العشرين) نحوَ ستينَ ألفَ
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٢٧).
[ ٣ / ٨٧ ]
كتابٍ (^١) مُعظمُها يَطفحُ بالعَداء لنبيِّ الإسلام - ﷺ - وأتباعِه، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
° قال "كارلايل": "إن الأكاذيبَ التي عَمِل على تراكُمها الحماسُ المنبعثُ بحُسنِ نيَّةٍ حولَ محمدٍ لا تَسُبُّ أحدًا غيرَنا" (^٢).
وتعالَ معيَ مرةً ثانيةً لنتابعَ ما يقولُه الصليبيون عن رسول الله - ﷺ -:
* كريل:
° يقول هذا المأفونُ: "يجبُ أن يعترفَ المَرءُ بأنَّ محمدًا كان -رَغْمَ كلِّ أخطائه- مؤسسَ المدنيَّةِ العربية، وأنه قد وَضَع شَعْبَه على دَرجةٍ عُلْيَا من التديُن" (^٣).
فأيَّةُ أخطاءٍ كانت للمعصوم سيِّدِ ولدِ آدمَ - ﷺ - الذي أقسَمَ اللهُ بحياته؟!.
* ألكسندر دوبون:
في الرواية التي كتبها "الكسندر دوبون A. du pont" عن محمد " Romande Mahomet"، يَظهَرُ محمدٌ بوصفِه أحدَ قُطَّاع الطُّرُق، وقد أصابه مَسٌّ من الشيطان، ويقومُ بفعِل كلِّ نوع من أنواع الأفعالِ الدنيئةِ والتضليل (^٤).
_________________
(١) انظر "الاستشراق" لإدوارد سعيد (ص ٣٩) ترجمة كمال أبو ديب- مؤسسة الأبحاث العربية- بيروت، و"الإسلام في تصوُّرات الغرب".
(٢) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٣٠).
(٣) المصدر السابق (ص ١٣١).
(٤) المصدر السابق (ص ٩٥ - ٩٦).
[ ٣ / ٨٨ ]
° وظَهَر دَجَلُ الصليبيين وسُوءُ طَوِيتِهم وقُبحُ ما يُكِنُّونَه للنبي - ﷺ - في كتاب "القانون لدى المسلمين Livrede La Loi au sarrasin" فإنه يتضمَّنُ أكثَرَ خرافاتِ المسلمين زِرايةً -كما يدَّعي الغربُ الصليبيُّ-، ويجعلون من رسول الله - ﷺ - نبيًّا مزَيَفًا، وزنديقًا مارقًا، وجعلوا منه كاردنيالًا أسلمَ نفسَه للشيطان ليأسِه من أن يَظفَرَ بمنصبِ "البابا"! وقد كان حُكمُ العصرِ على شخصية محمدٍ كلها هو الانغماسُ في المُتَع والخديعة (^١).
* دورييه Du Ryer:
تُعَدُّ ترجمةُ دورييه للقرآن التي ظَهرت عام ١٦٤٧ أولَ ترجمةٍ فرنسيةٍ للقرآن، وقد عَمِلَ دورييه مدةً طويلةً قُنصلًا لبلاده في مصر، وهناك تَعلَّم العربية، وقد طُبعت هذه الترجمةُ مرَّاتٍ عديدةً على مَدى قرنٍ ونصفٍ، وأقبل الناسُ على قِراءتها إقبالًا كبيرًا، ولم يكن "دورييه" منصِفًا للإسلام بأيِّ حالٍ من الأحوال، وقد ظلَّت ترجمتُه تمارِسُ تأثيرَها الأسودَ في عقولِ الغربيِّين، حتى قام "سافاري" بإنجازِ ترجمةٍ فرنسيةٍ أخرى للقرآن ظهرت عام ١٧٨٣ م (^٢).
* بليس بسكال Blaise Pascal (١٦٢٣ - ١٦٦٢ م):
هو الفيلسوفُ الفرنسي المعروف، وقد صَدَر كتابُه "خواطر حول الدين" (pensees sur la religion) في باريس عام ١٦٧٠، وقد كان "بسكال" يرى في محمدٍ العدوَّ اللدودَ للكنيسة، ولهذا كان حريصًا كلَّ الحرصِ على
_________________
(١) المصدر نفسه (ص ٩٦).
(٢) "الإسلام في تصوُّرات الغرب" (ص ٩٧).
[ ٣ / ٨٩ ]
محاربتِه، ففي كتابِه السابقِ يتناول محمدًا - ﷺ - في تِسْع شَذَراتٍ من بينِ الشَّذَرات التي يَضُمُّها هذا الكتاب، ويَعقِدُ في أحدِها مقارنةً بين محمدٍ والمسيح، يقول فيها: "إن محمدًا لم يَجْرِ التنبؤُ بظهورِه في "العهدِ القديم" في حينِ جرى التنبؤُ بظهور المسيح، ومحمدٌ كان يقترفُ القتلَ في حين كان المسيحُ يَدَعُ أتباعَه يُقتلون، ومحمدٌ كان يُحرِّمُ القراءةَ في حين كان الحواريُّون يأمُرون بالقراءة، ومحمدٌ صادف نجاحًا دنيويًّا، في حين كان المسيحُ مغلوبًا على أمرِه، وانتهى به الأمرُ إلى الصلب .. " إلخ.
وكان "بسكال" يَفتقدُ لدى محمدٍ عدمَ إتيانِه بالمعجزات، كما أن تعاليمَه لم تشتملُ على أسرارٍ (كما هو الشأن في المسيحية)، ويُنكر "بسكال" على محمدٍ الأخلاقَ "السيئة" التي أتى بها، كما يُنكِرُ عليه تصوُّراتِه الحسِّيةَ للجنة، ويقول:"إنه لم يَجِدْ في هذا الدينِ سببًا يحملُه على قبولِه؛ لأنه دينٌ ليس فيه أيُّ أمارةٍ من أماراتِ الحقيقة" (راجع بفانموللر ص ١٤٩).
هذا هو "بسكال" الفيلسوف، والفلسفةُ تعني البحثَ عن الحقيقة -كما يدَّعون- وتَعني التجرد التامَّ والنزاهةَ والموضوعية، وتَرفُضُ التقليدَ وقبولَ الأحكام المسبقة، ولكنَّ "بسكال" كان في موقفِه من الإسلام ونبيِّه يَفتقدُ كلِّ هذه الصفات، وبَرهَنَ على جَهلٍ فاضحٍ، وراح يتبنَّى الآراءَ الكاذبةَ السائدة حينَذاك حولَ الإسلام ونبيّه، شأنُه في ذلك شأنُ رجل الشارع، فأساء لنفسِه وللفلسفةِ وللحقيقةِ بصفةٍ عامة (^١).
أساطيرُ وأكاذيبُ ومزاعمُ وشتائمُ ووقاحةٌ وتطاولٌ وتسفُّلٌ من مفكِّري
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٩٧ - ٩٨).
[ ٣ / ٩٠ ]
الغرب على السِّراج المنير - ﷺ -، ثم بَعد هذا يدَّعون العلمَ والمعرفة .. ألَا شاهت الوجوه النَّكِدةُ، وزُبالاتُ الأذهانِ العَفِنة، وانتكاسُ الفطرة.
° وفي أثناء العصر الوسيط كلِّه، وكذلك في القرْنَيْن السادسَ عَشَرَ والسابعَ عَشَر، كان الحُكمُ على محمدٍ حُكْمًا سيئًا إلى أبعدِ الحدود، إذ يُوصَفُ بأنه "دجَّال" و"نبيٌّ مُزَيف"، و"مؤسِّس طائفةٍ " وتجسيد لشتَّي ألوانِ الرذائل والمنكرات (^١).
* تور أندريه Tor Andrae (١٨٨٥ - ١٩٤٧):
تور أندريه مستشرقٌ سويدي .. عَمِل أستاذًا للعلوم الدينية في جامعتَي "استوكهلم"، و"أوبساله"، ومن مؤلَّفاته: "مَن هو محمد؟ " و"شخصُ محمدٍ في تعاليم وعقيدةِ أتباعِه" وهو رسالةُ الدكتوراة التي تقدَّم بها إلى جامعة "استوكهلم" عام ١٩١٧ م، وقدْ تُرجم هذا الكتابُ إلى الإيطالية والإنجليزية والألمانية.
° يقولُ هذا المفترِي: إن "التغييرَ غيرَ المتوقع لظروف -رسول الله - ﷺ - الخارجية -وبصفةٍ خاصَةٍ انتصارُه في بدر- كان له تأثيرٌ قويٌّ على وَعي النبي باصطفائه، وأخيرًا أصبح الوحيُ الذي كان يَظهرُ في البدايةِ بوصفِه تأثيرًا من جِهةٍ عُليا فوقَ التشخص -دونَ أن يكونَ ذا صِلَةٍ واعيةٍ بحياةِ النبي النفسية- أصبح بالتدريج يأتيه أيضًا مرتبطًا بوعي عاديٍّ، وهذا الارتباطُ جَعل الوحيَ أخيرًا واقعًا إلى حدٍّ ما تحتَ مراقبةٍ نفسيةٍ، وهكذا وَصل الأمرُ بالنبيِّ بالتدريج إلى الحدِّ الذي جَعله يَعتبرُ ما يبدُو له من أفكارٍ وقراراتٍ
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٠٤).
[ ٣ / ٩١ ]
على أنها وحيُ الله، ويتحدَّثُ عن اللهِ ورسولِه حديثًا يكادُ يجعلُهما في مكانةٍ واحدة" (^١).
وهذا واللهِ عَينُ الكَذِبِ على النبي - ﷺ -، واتهامٌ له -حاشاه- بالكَذِبِ على الله، إذ يَنسِبُ إليه ما لَم يَقُلْه .. وإنكارٌ للوحي بُرمَّتِه.
° ويقول هذا الدجال المفتَري: "وكنتيجةٍ للتطوُّرِ الذي وَصَل إليه الوعيُ النبويُّ لدى محمدٍ بتأثير من انتصاراتِه العظيمةِ، نَجِدُ الاقتناعَ لديه بأن رسالتَه جاءت عامةً للعالَم كلِّه، وأن دِينَه قد قُدِّر له أن يُحققَ النصرَ على كل الديانات الأخرى، وأنه هو نفسُه "خاتم النبيين"، وأفضلُ الأنبياءِ وآخِرُهم، وأنه كان مَقصِدَ تطوُّرِ النبوَّةِ كله في حقيقة الأمر، وعلى هذا النحوِ كان في وُسع التقديس الذي نشأ فيما بعدُ للنبي أن يَجِدَ في الواقع أيضًا نِقاطَ ارتباطٍ معينةٍ في الشهاداتِ الذاتيةِ لمحمد" (^٢).
وهذا أيضًا عينُ الكذبِ وصريحُه .. فعموميةُ رسالتِه للعالَمين كانت وحيًا من الله لا لانتصاراتهِ - ﷺ - الخارجية.
° ويَكذِبُ الدجالُ "أندريه" ويتكلَّمُ في الفصل الأولِ عن نشأةِ "أسطورة النبي" وكيف كانت بصفةٍ خاصةٍ عملًا من أعمالِ القُصَّاص، وهم أولئك الذين احتَرفوا مِهنةَ حكايةِ الأساطير، وتُصادفُنا آثارُ نشاطِهم في كتاب ابنِ إسحاق، فحياةُ محمدٍ كلُّها يُتْمٌ نَسَجها هكذا بالتدريج في شَبكةٍ من المعجزات، وَيبسُطُ "أندريه" القولَ بوجهٍ خاصٍّ في قصةِ ميلادِ محمدٍ والمعراج، ومعجزاتِ الطعام والماء، ومعجزة الشفاء، وشق الصدر،
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٠٥).
(٢) المصدر السابق (ص ١٠٦ - ١٠٧).
[ ٣ / ٩٢ ]
وانشقاقِ القمر .. والمصدرُ الرئيسيُّ لهذا المعجزات هو أساطيرُ وأقاصيصُ دوائرِ الحضارة الهللينية (^١) وبعدَ مَضِى بعضِ الوقتِ (على أعمال القُصَّاص) ظهرت مؤلَفاتٌ حولَ معجزاتِ محمد، وقد حَظِيت هذه المؤلَّفات أيضًا بعرضٍ تفصيليٍّ من جانبِ "أندريه" .. ".
يَستكثر "أندريه"، ويُنكِرُ المعجزات، وهم يَرَون ألوانًا شتَّى من الأقاصيصِ والغرائبِ عن حياةِ القديسينَ المسيحيين، ويُسارعُ برد المعجزات وقَصَصِها إلى الحضارة اليونانية، فأيُّ منطقٍ هذا؟ وأين وكيف اتصل هؤلاءِ "القُصَّاصُ" الذين رَوى عنهم ابنُ إسحاقَ هذه المعجزاتِ بالحضارة اليونانية؟!.
° ويَجعل "أندريه" مفهومَ الوحي ضمنَ العناصرِ التي دَخلت إلى الإسلام "السني" بتأثير شيعيٍّ .. فالمعروفُ أن مفهومَ الوحي مفهومٌ قرآنيٌّ خالص قبلَ ظهورِ الفِرَق!!.
* التراجمُ الحديثةُ لسِيرة الرسولِ محمد - ﷺ - عند الغرب:
* ميشيل بودييه Michael Baudier:
يَرجعُ الفضلُ إلى "ميشيل بودييه" (^٢) في أنه أولُ مَن قام بوضع وصفٍ شامل لحياةِ محمدِ بدلًا من الكتاباتِ الجَدَليةِ الكَنَسية، وقد كان "بودييه"
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٠٨).
(٢) صدر كتابًا "بودييه" بالفرنسية في باريس عام ١٦٢٥ و١٦٣٢ ثم بعد ذلك بأكثر من قرن من الزمان في عام ١٧٤١ تحت العنوان التالي: (Histoire de la religion des Turcs avec la naissance. la vie et la mort de leur faux prophete Mahomet) .
[ ٣ / ٩٣ ]
بالنسبة لعصره -على أيِّ حالٍ - مؤرِّخًا معتَبَرًا، كما كان كاتبًا شعبيًّا، ويَدينُ له الجمهورُ الفرنسي بالفضل لكتابِه الذي استطاع أن يُعرفه فيه بالإسلام، ويُباهِي "بودييه" بحقٍّ بأنه أولُ مَن جَمَع هذه المادةَ "المتعلقة بحياة محمد"، وذلك في كتابه "تاريخ ديانةِ الأتراك ومولدِ وحياةِ ووفاةِ نبيِّهم المزيِّف محمد" الصادرِ في باريس ١٦٢٥، وقد أعيد طبعُه عام ١٦٣٢، وعام ١٧٤١، وقد كان "بودييه" أولَ مَن قام بتأليف مسيرةٍ لمحمد بالفرنسية، وكان لكِتابِه تأثيرٌ يفوقُ الوصفَ على التصوُّرات الغربيةِ عن الإسلام وعن محمد - ﷺ -، ولم يكن هذا العملُ -على وجهِ اليقين- عملًا محايدًا، فقد كانت غايةُ "بودييه" هي "الكشف عن أباطيل ورذائل نبيِّ الأتراك وفُحشِه وخدائع محمدٍ وزَيفِ طائفتِه، والكشفُ عن تضليله وتفاهةِ طائفتهِ وتعاليمه المضحِكة والوحشية".
وقد كان "بودييه" كاثوليكيًّا متدينًا، يستقي معلوماتِه من مصادرَ كَنَسيَّةٍ فقط، وكان يَنقُلُ عنها دونَ نقد، وبفضل كتاباته لم يَرَ القرنُ السابَعَ عَشَرَ في محمدٍ إلاَّ دجَّالًا أو مُضلِّلًا، ولم تكن لدى هذا القرنِ إلاَّ الرغبةُ في دَفنِ محمدٍ تحتَ أكوام من النَّقضِ والتفنيد.
ولقد أُغرِمَ "بودييه" بوَصفِ أعمالِ السَّلبِ والنَّهبِ والقَسوةِ والفجورِ مِن جانبِ النبيِّ -كما يدَّعي هذا الكذَّابُ الأشر-.
° وتحت عنوان "إلحاديات محمد" يصف "بودييه" بإسهابٍ المواضعَ القرآنيةَ التي أفسد فيها النبي الزائف -حاشاه- الديانةَ المسيحية، ولكي يَجعلَ "بودييه" الخديعةَ أو التضليلَ واضحًا بقَدْرِ الإمكان أمامَ الجمهورِ، فإنه
[ ٣ / ٩٤ ]
يَقتبسُ آياتٍ من القرآن بجانبِ نصوصٍ من الكتاب المقدَّس (^١).
ونقول لهذا المفترِي: موعدُك مع محمدٍ - ﷺ - يومَ القيامة .. واللهُ الموعد .. يومَ أنَ ينادَى على رؤوس الأشهادِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
* هوتنجر Hottinger:
في كتابه "تاريخ الشرق" (^٢) " Historia Orientalis" حاول المستشرقُ السويسري "يوهان هينريش هوتنجر" (١٦٢٠ - ١٦٦٧) الذي تَخرج بوصفِه مستشرقًا في كلٍّ مِن "جروننجن وليدن"، ثم أصبح أستاذًا لتاريخ الكنيسة واللغاتِ الشرقية في "زيوريخ" أنْ يتكلَّم عن تاريخ العرب بوجهٍ عامَ وتاريخ الرسول - ﷺ - بوجهٍ خاصٍّ.
ويرى "هوتنجر" في مقدمة كتابه أن من الضروري أنه يجبُ عليه أن يعتذرَ لقيامه بتقديم عرضٍ لحياة محمدٍ وتعاليمه، ولكي يبرِّرَ عَمَلَه هذا يَستشهدُ بعلماءَ من أمثال "بوللينجر Bullimger" و"ميكونيوس Myconius" و"ببلياندر Bibliander"، وكذلك يَستشهدُ بالشخصياتِ المعاصرةِ الشهيرةِ من أمثال " لامبرور L. Empreur" الأستاذ بجامعة "ليدن".
ويريد "هوتنجر" أنْ يُسْهمَ في محاربةِ خيانةِ المحمَدِيين وغَدرِهم ومحاربةِ السيادةِ التركية، ويَعتقدُ "هوتنجر" أن تفنيدَ الديانةِ التركية يُعَدُّ أيضًا بمثابةِ توجيهِ ضربةٍ للسيادةِ التركية (^٣).
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٣٣ - ١٣٤).
(٢) صدر الكتاب عام ١٦٥١ م وأعيد نشره عام ١٦٦٠.
(٣) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٣٥ - ١٣٦).
[ ٣ / ٩٥ ]
* ألكسندرروس A. ROSS:
بعد ظهور كتاب "هوتنجر" "تاريخ الشرق" بعاميْن ظَهر في "إنجلترا" في عام ١٦٥٣ أولُ كتابٍ في تاريخ الأديانِ العامِّ، من تأليف "ألكسندر روس" تحت عُنوان "التقديس الشامل" أو " Pansebeia" وقد تُرجم أيضًا إلى الألمانية بعد ذلك بخَمْسَهَ عَشَرَ عامًا تحت عنوان "العبادات المتبايِنة في العالَم كلِّه".
ولا يُنكرُ "روس" في كتابه "أن محمدًا كان عَدُوًّا للمسيح!! لإتيانِه بتعاليمَ قام بترويجِها تُعارِضُ ألوهيةَ المسيح" (^١).
* ديدرو Didedro (١٧١٣ - ١٧٨٤):
" دينيه ديدرو" أحدُ أعلام الكُتَّابِ في عصرِ التنوير الفِرنسيِّ، كان رئيسَ تحريرِ دائرة المعارف الفرنسية الشهيرة، ومؤلِّفَ العديدِ من مقالاتها.
في كتابه "رسائل إلى صوفي فولاند" وَصَف النبي - ﷺ - بأنه "كان أفضلَ صَديقٍ للنساء، وأكبَرَ عدوٍّ للعقل"، بجانب وصفِه له بعد ذلك بأنه "مُشَرِّعٌ ماهر، ورسولٌ من رُسُل الفضيلة"، وهذا يدل على التخبُّطِ والتناقضِ؛ إذ كيف يُوصَفُ المُشَرِّع الماهرُ الداعي إلى الفضيلةِ بأنه عدوٌّ للعقل؟! (^٢).
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٣٦ - ١٣٧).
(٢) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٤٣).
[ ٣ / ٩٦ ]
من أعظم أدباءِ ألمانيا في القرن الثامنَ عَشَر.
° في "شذرات فولفنبوتل" يُرجعُ "ليسنج" تعاليمَ محمدٍ إلى الدينِ الطبيعي كما فعل "ليبنتز": "صحيحٌ أن قرآنَ محمدٍ والعقيدةَ التركيةَ لهما لدينا سُمعةٌ سيئة، وليس ذلك فقط لأن مؤسِّس هذا الدينِ قد استَخدم التضليلَ والعُنف، بل لأن هناك أيضًا (في هذه العقيدة) كثيرًا من الحماقاتِ والأضاليل مختلِطةً ببعضِ العاداتِ الخارجيةِ الوافدةِ التي لا ضرورةَ لها، ولستُ أريدُ أيضًا أن أتحدَّثَ باسمِه -أي باسم محمد-، وأقلُّ من ذلك كثيرًا أن أرفعَ من شأنِه على حساب الديانة المسيحية، ولكني على يقينٍ من أن هناك مِن بين مَن يُحَمِّلون الديانةَ التركيةَ مسؤولية هذا أو ذاك من الأخطاءِ قلَّةً قليلةً جدًّا ممَّن اطَّلع على القرآن، وأن هناك أيضًا قلةً قليلةً جدًّا مِن بين هؤلاءِ الذين قرؤوه كان لديهم القصدُ لإعطاءِ كلماتِ القرآن معنًى معقولًا يمكنُ للمرءِ أن يَفهَمه، وفي وُسعي -إذا كان هذا مَقصِدي الأساسي- أن أُبيِّنَ أفضلَ ما في الدينِ الطبيعي من القرآنِ معروضًا بوضوحٍ ومُعبِّرًا عنه إلى حدٍّ ما تعبيرًا جميلًا" (^١).
* جُوته Goethe:
" يُوهان فولفجانج فون جوته" (١٧٤٩ - ١٨٣٢) يُعَدُّ أعظمَ شعراءِ ألمانيا على الإطلاق.
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٤٥، ١٤٦).
[ ٣ / ٩٧ ]
° يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق في كتابه "الإسلام في تصوُّرات الغرب" (ص ١٤٧): "كان منصفًا للشرقِ وللإسلام ونبيِّه - ﷺ -، وقرأ القرآنَ وتأثَّر به واقتَبَس منه الكثيرَ، وبخاصةٍ في الديوانِ الذي أطلق عليه اسم "الديوان الشرقي الغربي".
° ويقول عنه (ص ١٠١): "قرأ القرآنَ بإمعانٍ في ترجمتين، إحداهما لاتينية، والأخرى ألمانية، واقتَبس منه الكثير، ويَظهرُ تأثرُه بالقرآن بوجهٍ خاصٍّ في الديوانِ الذي أسماه "الديوان الشرقي الغربي"، ومِن بين ما نقرؤه له في هذا الديوان قوله: "لله المشرق ولله المغرب، وفي راحتَيه الشَّمالُ والجَنوبُ جميعًا، هو الحقُّ، وما يشاء بعباده فهو الحق سبحانه، له الأسماء الحسني، وتبارك اسمُه الحق، وتعالي علوًّا كبيرًا".
وفي بعض أشعارِ الحِكمة من ديوانه يقول عن الإسلام: "مِن حماقةِ الإنسانِ في دنياه أن يتعصَّبَ كلٌّ منَّا لِمَا يراه، وإذا الإسلامُ كان معناه التسليمَ لله، فإننا أجمعين، نحيا ونموت مسلمين".
وقد وَضع "جوته" مشروعَ تمثيلةٍ عن محمدٍ تدلُّ على إعجابهِ وتقديرِه لنبي الإسلام، مما يدل على سَعَةِ أُفقِه، وسُموِّ فِكرِه، ونزاهةِ حُكمه، وترفُّعِه عن التعصُّب الشُّعوبي والديني "انظر مزيدًا من التفصيل عن ذلك في كتاب: "الشرق والإسلام في أدب جوته" للأستاذ عبد الرحمن صدقي (ص ١٤) وما بعدها من سلسلة المكتبة الثقافية رقم ١٠) ".
° يقول المستشرق الألماني "بفانموللر": "وفي خريف عام ١٧٧٣ ظهر "نشيد محمد" وفيه يُقارن "جوته" محمدًا بنهرٍ ينمو باستمرارٍ ويجذبُ في
[ ٣ / ٩٨ ]
سَيرِه إخوتَه معه إلى الأب الخالد.
° وفي كتابه "الشعر والحقيقة" يقول "جوته": "إن هذا النشيدَ المَدْحِيَّ كان قد قُصد به في الأصل أن يكونَ إضافةً شِعريةً لمسرحيةٍ عن محمد كان قد خُطط لها"، وقد كان يريدُ أن يُصوِّرَ فيها كيف تؤثِّرُ العبقريةُ في الناس عن طريقِ الأخلاقِ والعقل، وكيف تنتصرُ العبقريةُ في ذلك وكيف تَخسر.
وفي عام ١٧٩٩ عاد "جوته" مرةً أخرى إلى الاشتغالِ بموضوع محمد، بأنْ قام بِناءً على رغبةِ الدُّوق "كارل أوجسطس Augusts " وضدَّ إرادتِه هو تمامًا -بترجمة مسرحية "فولتير" عن محمدٍ وإعدادِها للمسرح.
وهناك أخيرًا أكثرُ من اثنَتَيْ عَشْرَةَ قصيدةً من أشعاره في "الديوان الشرقي الغربي" تهتمُّ بمحمدٍ وبالقرآن، وفي الملاحظات والمَقالاتِ حولَ هذا الديوان يَعودُ "جوته" -بوصفه مؤرِّخًا- للحديث عن محمدٍ وتعاليمه" (^١).
° إلاَّ أن المستشرقَ الألماني "جيرنوت روتر" يقول في بَحثه ومقاله "الإسلام والغرب- الحوار المفقود" التي تضمَّنه كتاب "صورة الإسلام في التراث الغربي" "دراسات ألمانية": "تحدَّث "جوته" عن العرب بحماسٍ وهُيام، ولكنَّ حَماسَه هذا فَتَر عندما تَعرض لمحمدٍ - ﷺ -؛ لأنه نَصَب حولَ العَرَب غلافًا دينيًّا كئيبًا، وعَرف كيف يَحجُبُ عنهم الأملَ في أيِّ تقدُّمٍ حقيقيٍّ" (^٢).
_________________
(١) انظر "الإسلام في تصوُّرات الغرب" (ص ١٤٨).
(٢) "صورة الإسلام في التراث الغربي" (ص ٥٧)، و"صناعة العداء للإسلام" (ص ٢٣٥) لرجب البنا -دار المعارف- مصر.
[ ٣ / ٩٩ ]
° وقال "جوته" عن "القرآن": "إنه الكتابُ الذي يكرِّرُ نفسَه تكراراتٍ لا تَنتهي، فيثير اشمئزازَنا دائمًا، كلَّما شَرَعْنا في قراءته" (^١).
* هردر Herder (١٧٤٤ - ١٨٠٣):
" يوهان جوتفريد فون هردر" كاتبٌ ألماني معروف، وعالِمٌ في اللاهوت، وقد تأثر به "جوته" في شبابه.
يصفُ هردر محمدًا - ﷺ - بأنه: "مزيجٌ خاصٌّ من كلِّ ما يُمِكنُ أن تُعطيَه الأمَّةُ والقَبيلةُ والزمانُ والمكان، فقد كان تاجرًا ونبيًّا وخطيبًا وشاعرًا وبطلًا ومُشرِّعًا، وكلُّ ذلك حَسَبَ الطريقةِ العربية".
° ويَبدُو أن سَبب نبوَّتهِ يتمثَّلُ في البُغضِ لشناعةِ عبادةِ الأصنام والتحمُّس لتعاليم توحيدِ الله وطريقةِ التعبُّدِ له بالطهارةِ والذِّكرِ والعمل الصالح، "وقد كانت التقاليدُ الفاسدةُ لليهودية والمسيحية، وطريقةُ التفكير الشاعريةُ لأُمَّته، ولغةُ قبيلته، ومواهبُه الشخصية -كانت كلُّها كأنها الأجنحةُ التي حَلَّقت به فوقَ نفسِه وخارجَ نفسه".
° ولكن "هردر" يُعبِّرُ عن حُكمه على القرآن على النحو التالي: "هذا الخليطُ الفريدُ من فنِّ الشِّعرِ وحُسنِ البيانِ والجَهل والذكاءِ والتكبُّرِ، هو مرآةُ نفسِه التي تُبين مواهِبَه ونقائصَه ومُيولَه وأخطاءَه وخِداعَ نفسِه والمعوناتِ الوقتيةَ التي خدَع بها نَفسَه، وخَدَع الآخرين، وذلك كله بدرجةٍ أكثرَ
_________________
(١) من نصوص تحت الطبع ترجمها الباحث ثابت عيد مترجم "صورة الإسلام في التراث الغربي"، ونقلها عنه ا. د محمد عمارة في كتابه "الإسلام والغرب- افتراءات لها تاريخ" (ص ٣٢).
[ ٣ / ١٠٠ ]
وضوحًا ممَّا يتبينُ في أي قرآنٍ آخَرَ لنبيٍّ من الأنبياء" (^١).
فالفكرةُ الأساسيةُ لدى "هردر" وأمثالِه هي أن القرآنَ مِن تأليفِ محمدٍ - ﷺ -؛ ولذلك فهو مِرآةُ نفسِه وإنتاجُ عقلِه، ومن هنا فإذا وَرَدَ في القرآن أنه "وحيُ اللهْ " اعتَبروا ذلك نوعًا من الخِداع أو التضليل، وإذا كان هذا هو موقفُهم الأساسي الذي يُسيطرُ عليهم قبلَ التعرُّف على القرآن، فلن يَصِلوا إلى حقيقةِ الإسلام أبدًا، إلاَّ إذا أزالوا مِن على أعيُنهم وقلوبِهم هذه الغِشاوةَ المتمثلة في الأوهام والأحكام السابقة، وتخلَّصوا من التعصُّبِ الذي يَحجُبُ عنهم نُورَ الحقيقة.
* أولزنر Oelsner:
عنده يُعَدُّ محمدٌ - ﷺ - في الأصل متحمِّسًا وَجَد الدليلَ على بَعثتِه في قوةِ اعتقاده فقط، ومن السهل أن يَخلِطَ المرءُ بينه وبين مجردِ إنسانٍ دجَّال، وإذا لم تكن هناك أيضًا أغراضٌ طُموحية قد عَمِلت على تحريكِه في البداية، فإنها قد أتت في أعقابِ الحماس، وبنفسِ القَدْرِ الذي بَرَد فيه الحَماسُ لقضيةِ "الله" أو قضيةِ "الوطن" اشتدَّ لديه الغَرضُ الأنانيُّ عن طريقِ كل الوسائل المساعِدةِ التي أكسَبَها له حَماسُه الناري السابق، وبطبيعةِ الحال لا يمكنُ تحديدُ التوقيتِ الذي انتَهى فيه خِداعُ الذاتِ وبدأ فيه الدَّجَلُ تحديدًا دقيقًا.
وَيصِفُ "أولزنر" محمدًا بالتفصيل بأنه الداعي للإلهِ الواحدِ، وبأنه أستاذٌ في الديبلوماسية، وبأنه رجلُ دولةٍ وقائدُ جيشٍ عبقريٌّ، ولكنْ بمرورِ
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٤٩).
[ ٣ / ١٠١ ]
الزمن تحوَّل دينه من دين يدعو للسلام ويمقت الحربَ إلى دينٍ للسيف، وإنْ كان "أولزنر" أيضًا -كما كان "فولتير" من قبلِه- لا يَرى إطلاقًا أن النجاحاتِ التي حقَّقها الإسلام يعودُ الفضل فيها إلى السيف وحده (^١).
* هامر بورجشتال (Hammer-Purgstall):
أمَّا المستشرق النسماوي الشهير "يوسف فون هامر بورجشتال" الذي أصدر أولَ مجلةٍ استشراقيةٍ متخصِّصةٍ في أوربا عام ١٨٠٩ وهي مجلة "ينابيع الشرق"والذي كان لمولَّفاته تأثيرٌ قوي على "جوته"-، فقد تناول محمدًا أيضًا في المَقام الأول في كتابه "صورة لحياة الحُكَّام المسلمين العظام".
ويُلَخِّصُ "هامر برجشتال" حُكمَه على محمدٍ في نهاية كتابِه على النحو التالي: "على الرغم من ضلالِ شَهوانيته، وعلى الرغم من الجرائم التي سَولَتْها لنفسه حِدةُ الطبع، وبصفةٍ خاصةٍ الثأرُ لشَرَفِه المهانِ عن طريق السخرية والاستهزاء، وعلى الرغم مِن وجهةِ النظرِ المتناقضةِ التي عَبَّر عنها مؤرِّخون مشهورون ومستشرقون، والتي تتمثَّلُ في أنَّ محمدًا لم يكن إلاَّ مجردَ كذَّابٍ ودجَّالٍ من منطَلَقِ حُبِّه للسيطرة -على الرغم من كل ذلك، فإننا يجب أن نثبُتَ على رأينا، وهو أن محمدًا لم يَنطلِقْ فقط من الفكرةِ العظيمة التي تتمثَّلُ في هدايةِ شَعبِه من ضلالِ الوثنية إلى الطريق المستقيم بعبادةِ الله وحدَه، بل كان يتمتَّع أيضًا بمواهب شِعريةٍ ومشاعرَ دينيةٍ حيَّةٍ، وكان مقتنعًا ببَعثتِه في ساعاتِ حماسه، ورأى -كما رأى غيرُه من الأنبياء الذين سَبقوه- أنه أداةُ السماءِ لهدايةِ شَعبه، وأنه مؤسِّسُ واحدٍ من الأديان
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٥٠).
[ ٣ / ١٠٢ ]
الثلاثة التي انتَشرت من مصرَ وسوريا وبلاد العرب إلى كلّ بِقاع الأرضِ، وأنه خاتم الأنبياء واللَّبِنةُ الأخيرة" (^١).
كَذب "هامر" حين قال عن النبي - ﷺ -: "على الرغم من ضلال شهوانيته"، فالمعروف أن محمدًا - ﷺ - قد تزوَّج "خديجة" - ﵂ - التي كانت تكبرُهُ بسنواتٍ، وعمرة خمسةٌ وعشرون عامًا، وكان قد سبق لها أن تزوَّجت قبل ذلك مرَّتين، وظَلَّت له زوجةً وحيدةً إلى أن ماتت بعد أن أمضى معها ثمانيةً وعشرين عامًا، وبعد ذلك -أي: وهو في العقدِ السادس من عُمرِه- تزوَّج "سَودةَ بنتَ زَمْعة" - ﵂ - أرملةَ أحدِ صحابته، ثم تزوج باقي نسائِه لأسبابٍ إنسانيةٍ نبيلةٍ، أو أهدافٍ تشريعية، فأين هنا ضلال شهوانيته المزعوم؟!.
أما الثأرُ لشرفه المهان وحِدَّة الطبع .. إلخ، فهذا لم يعرَفْ عنه إطلاقًا، فقد كان (رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) تمكَّن من أهل مكةَ الذين لاقي هو وأصحابُه على أيديهم الأمَرينِ، وكان يستطيعُ أن يَجمَعَهم ويأمرَ بقتلِهم جزاءً وِفاقًا على ما اقترفوه في حقِّه وحقِّ أصحابه من جرائم، ولكنه عفا عنهم يومَ "فتح مكة" عَفوًا مطلقًا، وقال قولَته الشهيرة: "اذهبوا فأنتم الطُّلَقاء".
* توماس كارلايل- أو كارليل- (١٧٩٥ - ١٨٨١):
هو المؤرِّخُ الإنجليزى وأحد فلاسفة الحضارة "كارليل" أصدر عام ١٨٤٠ كتابَه الشهير "حول الأبطال وتقدير الأبطال" الذي خَصَّص فيه المحاضرةَ الثانيةَ للحديث عن محمدٍ وعن الإسلام، و"كارلايل" لا يَعتبِر
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٥٢ - ١٥٣).
[ ٣ / ١٠٣ ]
محمدًا أحق الأنبياء، ولكن يعتبرُه نبيًّا حقيقيًّا، أمَّا الرأيُ السائدُ عن حقيقةِ محمدٍ -والذي يتمثلُ في أنه كان دجَّالًا متعمِّدًا، وأن دينَه عبارةٌ عن خليطٍ من الدَّجَل الطبِّي والإسفاف-، فإن "كارلايل" يعتبرُه رأيًا باطلًا.
° "فالأكاذيبُ التي عَمِل على تراكُمِها الحماسُ المنبعثُ بحُسنِ نيةٍ حول هذا الرجل -يقصد محمدًا- لا تَسُبُّ أحدًا غيرَنا".
° وأكثرُ من ذلك، يَصِفُ "كارلايل" محمدًا بأنه كان "نَفْسًا عظيمةً وهادئةً، لقد كان واحدًا من هؤلاء الذين استطاعوا أن يأخُذوا الأمورَ بجِدية، والذين وجهتهم الطبيعة نفسها لكي يكونوا مستقيمين".
فالأصالةُ والاستقامةُ هما الصِّفتانِ المميِّزتانِ لأخلاقه، ولكن هذه الاستقامةَ كانت تشتملُ على شيءٍ إلهي، "فكلمةُ مثل هذا الإنسانِ هي صوتٌ مباشرٌ من قلبِ الطبيعة الحقيقية".
ولم يكن محمدٌ في حياته الشخصية من عُشَّاقِ اللذَّةِ على الإطلاق، فقد كان مَتاعُ بيتِه يُعَدُّ من أكثرِ الأمورِ اعتدالًا، ومع ذلك "فلم يَحْظَ أيُّ قيصر بتاجِه بالطاعةِ مثلما حَظِيَ هذا الرجلُ بردائه الذي كان يُرقِّعُه بيده".
أمَّا القرآنُ، فإن "كارلايل" يُطلِق عليه أنه "بَلبلةٌ ثقيلةٌ ومحيِّرةٌ، فهو ساذَجٌ ومُجدِبٌ، يشتملُ على تكرير وإسهابٍ وتشابُكٍ لا حدَّ له، وهو جافٌّ وغيرُ ناضج، وباختصارٍ هو سُخفٌ لا يُطاق".
ومع ذلك تكمنُ فيه قيمةٌ أخرى تختلفُ تمامًا عن القيمةِ الأدبية، فهو بمثابةِ تخمُّرٍ مُبهَمٍ لنفس إنسانيةٍ كبيرةٍ وساذجة، غيرِ ناضجةٍ، وغيرِ مُثقفة، ولم تكن تستطيعُ حتى أن تقرأَ، ولكنها نَفْسٌ جادَّة، وتَفيضُ حماسًا،
[ ٣ / ١٠٤ ]
وتَسعى سعيًا جبَّارًا لكي تُعبِّرَ عن ذاتِها في كلمات" (^١).
° ويقول: "إن محمدًا شيءٌ، والقرآنَ شيء آخر، فالقرآنُ هو خَليطٌ طويل ومُمِلٌّ، ومشوَّش .. جافٌ وغليظ .. باختصار، هو غَباءٌ لا يُحتمَل" (^٢).
* ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ٥]، ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم: ٩٠].
فالموقفُ الأساسي الغربيُّ يُصِرُّ على أن القرآنَ من تأليف محمد، و"كارليل" كما هو واضح لا يَشُذُّ عن هذا الموقفِ مع حديثهِ الإيجابيِّ عن رسول الله - ﷺ -.
وما يُجدِي شيئًا هذا الحديث بعد أن طَعَن في قُدْسِ الأقداس .. القرآنِ كلام الله.
* جوستاف فايل Weil:
مستشرقٌ ألماني (١٨٠٨ - ١٨٨٩) له كتاب عن "حياة محمد" و"مقدمة تاريخية نقدية في القرآن"، ويذهبُ إلى أنَّ القرآنَ يُمثِّل مزيجًا مختلفَ الألوان من الأناشيدِ والصلواتِ والأساطيرِ والعقائدِ والمواعظِ والقوانين والتنظيماتِ (^٣) أساطير الأولين .. هكذا يقول مفكر الغرب .. مثلما قال كفار قريش .. اللهم إنا نعوذُ بك من عِلم لا ينفع .. اللهم لا تَحشُرْنا مع
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٥٣ - ١٥٤).
(٢) "نصوص تحت الطبع" ترجمة ثابت عيد- انظر "الإسلام والغرب .. افتراءات لها تاريخ" (ص ٣٣).
(٣) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٥٦).
[ ٣ / ١٠٥ ]
قومٍ طالمَا عادَيْناهم فيك بذمِّهم لكتابك وقولِهم عنه: "إنه أساطير الأولين".
* أوجست موللر A.Muller (١٨٤٨ - ١٨٩٢):
" أوجست موللر" مستشرقٌ ألماني .. كان أُستاذًا للعربية في جامعة "فيينا"، كَتَب "الإسلام في الشرق والغرب"، صَدَر في "برلين" عام ١٨٨٥، تكلَّم فيه عن حياةِ محمدٍ - ﷺ -.
° يقول "موللر": "بالمعني التاريخيِّ الخالصِ يكونُ من الصَّعبِ على المَرءِ أن يُنكِرَ على محمدٍ اسم "النبي"، حقًّا لا يستطيعُ المرءُ أن يُنكِرَ أنه كان واقعًا تحتَ حالاتٍ عصبيَّةٍ مختلفةٍ نتيجةً لِمِزاجهِ الذي كان سريعَ الانفعال بطريقةٍ غيرِ عادية، وقد ارتَفعت هذه الحالاتُ في بعضِ الأحيانِ إلى درجةِ الهلوسة، ولكنَّ هذه الحالاتِ لم تكن أبدًا ذاتَ طبيعةٍ صَرْعيَّة، بل كانت تتلاءمُ أيضًا مع الانفعالات العصبيةِ المعروفة (التي تعتري) الأشخاصَ مِن ذَوِي الحِسِّ المرهفِ دينيًّا، ولكن قُدرتَه الكاملةَ على التمييزِ بصفةٍ خاصةٍ لم تكن تعاني تحت (وطأةِ) هذه الحالات، ولا يستطيعُ المرءُ أيضًا أن يُشكِّكَ في إخلاصِه الكامِل في الفترةِ المكيَّة".
وإذا كان المرءُ لا يَستطيعُ أن يُنكِرَ على محمدٍ صِفَة "نبيّ حقيقيٍّ"، فإن "موللر" له مع ذلك بعضُ التحفظات، فهو يَعيبُ على محمدٍ أنه لم يُدرِك إلا جانبًا واحدًا فقط من الطبيعةِ الإلهية، وأنه يَنقُصُه تمامًا مفهومُ القَداسةِ بوجهٍ خاص، وبذلك يَنقُصه الأساسُ لتشكيل عميقٍ بطريقةٍ ما لفكرةِ نظامٍ أخلاقيٍّ للحياة، ثم يَصدُمُنا لدى محمدٍ في المدينة على وجهِ الخصوصِ أنه قد حَوَّل الدينَ إلى السياسة في تزايُدٍ مستمرٍّ: فقد استعان بالكَذِبَ لكي
[ ٣ / ١٠٦ ]
يَفرضَ الحقيقة، وربَّما كان ذلك في البداية دون وعيٍ، ثم بنصفِ وعيٍ، وفي النهاية بوعي كامل! " (^١).
وهو هنا يُحاولُ أن يُطبِّقَ مفاهيمَ النصارى وتَصوُّراتِهم على الإسلام .. ثم كيف يَعترفُ له بالنبوَّة ويَتَهمه بالكذب -حاشاه- وبأنه يَنقصُه تمامًا مفهومَ "القداسة"؟! ثم بجهله ونصرانيَّته المحرَّفة يَعيبُ على النبي - ﷺ - أنه قد حَوَّل الدينَ إلى السياسة، وليس في الإسلام مقولةُ النصارى القاصرة "ما لقيصر لقيصر .. وما لله لله".
* هوبرت جريمه H. Grimme (١٨٦٤ - ١٩٤٢):
" هوبرت جريمه" مستشرقٌ ألماني كان أُستاذًا للغات الشرقية في "مونستر" بألمانيا، ومن مؤلَّفاته "محمد" في جزئين، وله دراساتٌ حولَ اسم "محمد"، وله مقدمةٌ في القرآن، ونَسَّقَ علمَ الإلهيات القرآني، ولهذا الدجَّال الأشِر كلامٌ عن شكل السُّور القرآنية وتتابُعِها الزَّمني، وسار فيه على دَربِ مَن سَبَقه من النصارى .. والأمر الذي عليه المسلمون أن هذه القضيةَ قضيةٌ توقيفية لا تَخضعُ للاجتهاد البشريِّ، والنبى - ﷺ - لم يَترك الأمر في ذلك للأهواءِ والأغراض، بل حَسَمه بتوجيهٍ إلهيٍّ تَمَّ بِناءً عليه ترتيب الآياتِ والسُّوَر على النحوِ المعروفِ في المصحف.
° ويذهب "جريمه" إلى القول بأن محمدًا كان في المَقام الأوَّلِ مثيرًا للفِتَنِ أو محرِّضًا " Agitator" ذكيًّا وسياسيًّا كبيرًا، وفي المدينة تطوَّر محمدٌ -حَسْبَ رأي "جريمه"- في تزايدِ مستمر إلى دجَّالِ عن وَعي بذلك، ولكن
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٦٨).
[ ٣ / ١٠٧ ]
الأمرَ الجديدَ تمامًا هو دعوى "جريمه" بأن محمدًا عند ظهورِه الأول "بدعوته" لم يكن يدعُو إلى دين إطلاقًا، بل كان يدعو إلى شكل من أشكالِ الاشتراكية، فالإسلام "لم يَظهرْ إطلاقًا بوصفِه نَسَقًا دينيًّا في الحياة، وإنما بوَصْفِه محاولةً لشكل من أشكالِ الاشتراكية، ليواجهَ ما كان سائدًا إلى حدٍّ بعيدٍ من أحوالٍ أرضيةٍ سيئةٍ معيَّنة.
وقد كان التناقُضُ المُخيفُ بين الأغنياءِ والفقراء -والذي كان سائدًا في مكة- هو الذي دَفع محمدًا إلى المطالبةِ بضرورةِ أن يَدفعَ كلُّ فردٍ ضريبةً معينةً لمساعدةِ المحتاجين، ولكي يَجِدَ محمدٌ آذانًا صاغيةً لهذه الدعوة، استخدم عقيدةَ "يوم الحساب" كوسيلةِ إجبارٍ رُوحية" (^١).
وما قاله عن الإسلام والاشتراكية، وأنَّ النبي - ﷺ - كان يدعو إلى لَونٍ من ألوانِ الاشتراكية: دعوى لا يُوافقُه عليها مُعظَمُ المستشرقين؛ بل لعل هذا الكذابَ الأشِرَ قد انفَرَد بها وحدَه، يُحاسِبُه الله عليها يومَ القيامة.
وقد عارَضَ هذا الرأيَ في محمدٍ "سنوك هورجرونيه" في مقالةٍ مُسهَبةٍ في "مجلة تاريخ الأديان" (^٢).
° ثم تعالَ إلى دَجَلٍ آخَرَ لهذا الكذابِ المفترِي "جريمه"، فإن حديثَه عن محمد - ﷺ - في كتابه "تاريخ العالم في صور مميزة"، يأتي بفرضيةٍ جديدةٍ يُحاولُ إثباتَها، وهي الأصلُ العربي الجنوبي لأفكارِ محمدٍ الدينية، ومن أجل هذا الغَرَض خَصَّص النصفَ الأولَ كله من دراستِه لبحث التاريخ
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٦٩، ١٧٠ - ١٧١).
(٢) المصدر السابق (ص ١٧١).
[ ٣ / ١٠٨ ]
الأقدم لبلادِ العرب، وهنا نتعرَّف على التاريخ السياسيِّ والحضاريِّ لبلادِ العربِ القديمةِ الشماليةِ والجنوبية.
والآنَ، فإن الاقتباسَ من جنوبِ العرب لا يُعدُّ فقط أمرًا محتمَلًا، بل هو أمر راجح إلى أقصي حدٍّ .. أجل، فهناك في عبادةِ الإسلام، على كلِّ حالٍ أمورٌ كثيرةٌ مما كان في بلادِ العربِ القديمةِ بقَدْرٍ أكثرَ ممَا كان يفترضُه المرء في العادة.
ولكن الأمرَ الذي يُعدُّ بعيدَ الاحتمال جدًّا هو أن تكونَ التأثيراتُ العربيةُ الجنوبيةُ وحدَها هي كل شيء، فالأحرى أنه لا يَجوزُ التغاضي عن التأثيراتِ اليهوديةِ والمسيحيةِ والفارسية، ويُضافُ إلى ذلك أن مكةَ كانت مَدينةً لها صِبغةٌ عالميةٌ لدرجةٍ كبيرة، ومِن ناحيةٍ أخرى كان ظهورُ محمدٍ أمرًا غيرَ عاديٍّ إلى حدٍّ كبير (^١).
_________________
(١) الديانات السماوية تختلف في طبيعها عن الديانات البشرية، فهذه تخضعُ لمنطقِ التأثير والتأثر .. ومن هنا يُمكنُ البحثُ عن أصولها وفروعها في حضاراتِ وديانات قديمة، أما الدياناتُ السماوية القائمةُ على الوحي الإلهي، فلا تخضعُ لهذا المنطق، وما يبدو فيها من تشابهِ يَرجعُ إلى وحدةِ الأصل الإلهي، والوحيُ اللاحقُ يصحِّحُ ما طرأ على الوحيِ السابق من عناصرَ غريبة، وقد بيَّن القرآن -وهو النصُّ الدينيُّ الذي لم تَنَلْه يدُ التحريف والتبديل باعترافِ كثير من المستشرقين، وعلى رأسهم "رودي بارت" صاحب أحدث ترجمة المانية للقرآن- بين ما طرأ على اليهودية والمسيحية من تصوُّرات لم يتضمنها الوَحْي الأصلي ولا صِلَةَ لها بالوحي الحقيقي، ومنذ أن كَشَف القرآنُ عن ذلك والحَملةُ مستمرةٌ من أتباع هذين الدينين ضدَّ الإسلام، ولا تزالُ قائمةَ لإظهاره بمظهر الدين البشريِّ الملفَّق من ديانات وحضاراتِ سابقة .. اهـ. ما قاله الدكتور محمود حمدي زقزوق في كتابه "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٨٢).
[ ٣ / ١٠٩ ]
° ومن الطبيعي أن تتوقَّفَ التأثيراتُ العربيةُ الجنوبيةُ بالهجرة (إلى المدينة)، ومِن هذه اللحظة فصاعدًا فَقَدَ "جريمه" أيضًا كلَّ اهتمامٍ بالتطوُّرِ الديني لمحمد، فكلُّ شيءٍ بعدَ ذلك يُعَدُّ بالنسبةِ "لجريمه"، مناورةً سياسيةً لدجَّالٍ امتَهَن الدينَ من أجل غاياتٍ دنيوية، وقد كان هذا الرأيُ عن محمدٍ رأيًا عامًّا شائعًا في السابق، ولا يزالُ الآنَ أيضًا قويَّ الانتشار، ولكنَّ محمدًا لم يكن يَجعلُ هناك أبدًا فارقًا بين الأمور الدينيةِ والأمورِ السياسية، فهو يريدُ الإنسانَ كلَّه، والارتباطُ السياسيُّ هو النتيجةُ البديهيةُ تمامًا للتحوُّل إلى الإسلام، والرعايةُ السياسيةُ لأتباعه تُعَدُّ جانبًا أساسيًّا لنبوَّته، وأيضًا فإنَّ ضَمَّ الكعبةِ إلى دائرةِ نظرتِه أو تأمُّلِه لا يُعَدُّ مناورةً سياسيةً، بل يُعَدُّ تطوُّرًا دينيًّا داخليًّا.
° وفي مقالٍ خاصٍّ نُشر في "مجلة الشرق" الشهرية النمساوية عَرض "جريمه" مرةً أخرى "أصول دين محمد" باختصار، فبجانبِ اليهوديةِ والمسيحيةِ كان هناك دين قائم في الجنوبِ العربي هو "دين الرحمانان"، بِناءً على شهاداتِ النقوش السبئية.
ويحاولُ "جريمه" أن يَصِفَ هذا الدينَ من واقع النفوشِ وصفًا دقيقًا، وأن يُبيّنَ صِلَتَه الوثيقةَ بدينِ محمد، ونتيجةً لبحوثه يُقرِّرُ "جريمه" أن الإسلامَ "لم يكن شيئًا وُلد في رأسِ محمدٍ ثمرةً لتأمُّل أصيل دون أيِّ تأثير من العالَم المحيطِ به، بل كان في بداياتِه الأولى كما كان في استمرارِ تطوُّره -طالمَا كان هذا التطوُّرُ يَحدُثُ على أرضِ مكة- متشابكًا تشابُكًا وثيقًا مع "دين الرحمانين" الجنوبي العربي".
[ ٣ / ١١٠ ]
وبصرفِ النظرِ عمَّا إذا كان "دين الرحمانان" هذا لم يَثبُتْ إطلاقًا أنه كان دينًا خاصًّا، فإنه يبدو أن "جريمه" هنا أيضًا لم يُقدِّرْ قيمةَ التأثيراتِ اليهوديةِ والمسيحيةِ إلا في أقلِّ القليل، والأمرُ كلُّه لا يعدُو أن يكونَ فَرْضيَّةً طريفة! (^١).
° قال الدكتور محمود حمدي زقزوق: "إنها فرضية باطلةٌ تَستهينُ بعقولِ الناس، فإذا كان "دينُ الرحمانان" هذا المزعومُ لم يَثبُتْ إطلاقًا كما يقول "بفانموللر" نفسه: "إنه كان دينًا خاصًّا له كيانٌ متميِّز"، فكيف يمكنُ أن يَنتُجَ عنه هذا الدينُ العالمي المتمثِّلُ في الإسلام؟! " (^٢).
* سنوك هورجرونيه (Hurgronje):
يَذهبُ "سنوك" في مقالِهِ المُسَهب في "مجلة تاريخ الأديان" إلى أن "أفكارَ محمدٍ - ﷺ - الرئيسيةَ هي -مع بعضِ التغييراتِ في الشكل- تلك الأفكارُ التي تشتركُ فيها كلٌّ من اليهوديةِ والمسيحية، وفي التفاصيل يُبدِي وَحْيُه تارةً الصِّبغةَ اليهودية، وتارةً أخرى الطابعَ المسيحي، وتارةً ثالثة يُبدي أمورًا متنوعةً لخيالٍ حرٍّ نسبيًّا مبنيٍّ على أساسٍ يهوديٍّ مسيحيٍّ.
ولكن محمدًا لم تكن لديه إلاَّ معلوماتٌ ناقصةٌ وقاصرةٌ عن اليهودية والمسيحية، فلم يكن يَعرفُ مثلًا الكتابَ المقدَّس، أو عِلمَ العقيدة الأرثوذكسية، بل كان يعرفُ فقط الأدبَ والتراثَ المشكوكَ في صحَّته
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٨٢ - ١٨٣).
(٢) المصدر السابق هامش "٩٦ " (ص ١٨٣).
[ ٣ / ١١١ ]
(Die apokryphe Literatur) لهذين الدينين (^١)، وقد كان محمدٌ -فضلًا عن ذلك- رجلًا أُمِّيًّا، وهكذا ظَلَّت الكُتبُ المقدَّسةُ اليهوديةُ والمسيحيةُ غريبةً عنه، وعن طريقِ الحديثِ فقط مع أتباع هذين الدينينِ تعرَّف محمدٌ عليهما كما كانا قائمَينِ في بلادِ العربٍ حينذاك، ويضافُ إلى ذلك أن من الأمور التي تركت لديه انطباعًا خاصًّا كان فنُّ قراءة النصوص المقدَّسة، أو فنُّ تلاوتها وترتيلِها في صلواتِ اليهود والمسيحيين، خاصةً وأنه قد سَمع الناسَ يقولون -واعتقد (ما يقولون) بلا حدود- أن الكُتبَ والألواحَ التي يقرؤُها اليهودُ والمسيحيُّون في صلواتهم، والتي تتضمَّنُ شرائعَهم ومؤسساتِهم ليست ذاتَ مصدرٍ إنسانيٍّ، بل مصدرُها إلهيٌّ.
_________________
(١) يحاول "سنوك هورجرونيه" هنا -وفيما يلي من تفاصيل- بيانَ أن الإسلام دين مأخوذ أساسًا من اليهودية والمسيحية، وقد كانت المعلوماتُ التي تلقَّاها محمد عن هذين الدينين معلوماتٍ ناقصةً وقاصرةً، نظرًا لاعتمادها على مصادرَ مشكوكِ فيها، وهذا الاتجاهُ يكادُ أن يكونَ اتجاهًا عامًّا لدى المستشرقين الذين يُريدون أن يُظهِروا الإسلامَ بمَظهرِ الدينِ البشري الملفقِ من تلك المعلوماتِ التي عَرفها محمدٌ عن طريقِ لقاءاته مع أتباع هذين الدينين، ولكن السؤال هو: لماذا لا يكونُ الإسلامُ دينًا أصيلًا مأخوذًا مباشرةً من نفس النبع الذي أُخذت عنه الدياناتُ السماويةُ قبلَ أن تتدخِّل أيدي الشرِ لتحريفها؟ لماذا لا يكونُ الإسلامُ هو الحَلقةُ الأخيرةُ من حلقاتِ الوحي الإلهي الذي أقام الاتصالَ بين السماء والأرض على مَدى تاريخ الشرية؟ هل مبدأُ جواز اتصالِ السماءٍ بالأرض عن طريقِ الوحي مبدأْ مسلَّمٌ به أم لا؟ إنه إذا كان هذا المبدأُ مسلَّمًا به فلا معنى لأن تحتكرَه اليهوديةُ والمسيحيةُ وتمنعه عن الإسلام، وإذا لم يكن -في عُرفهم- مبدأً مسلَّمًا به فلا مجالَ للديانات جميعًا .. راجع في مناقشة هذا الموضوع كتابنا: "الإسلام في الفكر الغربي" (ص ٦٧ - ٧٣). انتهى ما قاله د. محمود حمدي زقزوق في كتابه "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٧٢) هامش "٨١".
[ ٣ / ١١٢ ]
ولكن كيف تكوَّنَ لدى محمدٍ مفهومُ "الوحي"؟!.
في البداية لم يكن محمدٌ يلحَظُ إطلاقًا الموقفَ العَدائي الذي تتَّخذه الطوائفُ والكنائسُ المختلفةُ من بعضِها بعضًا، فالفرقُ بين اليهود والمسيحيين، ووجودِ الطوائفِ والكنائسِ العديدةِ التي كانت تُعادِي بعضُها بعضًا خارجَ هذين الدينين، كل ذلكُّ قد بدا في التصوُّرِ الساذج لمحمدٍ أنه يرجعُ إلى اختلافِ الأجناس أو القوميَّات، فقد تصوَّر البشريةَ -من حيث إنها تَملكُ نِعمةَ الوحي- مقسَّمةً في "جماعات" يمكنُ أن تتميزَ كُتبُها وألواحُها في الشكل والمضمون، ولكنها جميعًا قد جاءت وحيًا من لَدُنْ إلهٍ واحدٍ وللغاية ذاتها.
وقد تأسست كل جماعةٍ -في رأيه- عن طريقِ إنسانٍ اصطفاه اللهُ من بين شَعبِه، وتَحمَّل مُهمَّةَ دعوةِ قومِه إلى كلمةِ الله بوصفه نبيًّا ومبعوثًا أو نذيرًا، وهناك عددٌ كبيرٌ من الأنبياء، وليس بينَهم فرقٌ جَوهريٌّ، ولم يَكُنِ اصطفاْءُ محمدٍ للعرب -في نظرِ محمدٍ - أمرًا مختلِفًا عن اصطفاءِ الأنبياءِ السابقين، فقد كان كلُّ منهم مختارًا لشَعبِه الذي ينتمِي إليه (^١).
_________________
(١) لم يكن ذلك كلُّه اجتهادًا من محمدٍ - ﷺ -، بل كان وحيًا تلقَّاه من ربه -﷿-، وفي هذا الوحي تأكيدٌ على وِحدةِ الأصل البشري وإشارةٌ إلى أن اللهَ سبحانه وتعالي قد جَعل الناسَ شعوبًا وقبائلَ لكي يتعارفوا، وجعل أكرَمَهم عنده أتقاهم، كما أشار الوحيُ إلى أنه ليست هناك أمَّةٌ إلاَّ خلا فيها نذير، وأن اللهَ قد أَرسل إلى كلَّ أمَّةٍ رسولًا بلسانِ قومه، وهناك آياتٌ قرآنيةٌ عديدة توضحُ هذه القضيةَ بجِلاء، ثم كانت رسالةُ محمدٍ - ﷺ - رسالةً عامةً للناس جميعًا، وليس للعرب فقط -كما يزعُم "هورجرونيه"-، وفي أولِ إعلانٍ جَهريٍّ بالدعوة أعلن محمد - ﷺ - أنه أُرسِلَ إلى العرب -خاصةً- وإلي الناس- كافةً-، وجاء ذلك في الوحيِ المكيَّ أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وفي قوله تعالي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١
[ ٣ / ١١٣ ]
وهكذا كان في وُسع محمدٍ أن يفترضَ بلا عَناءٍ أنَّ أتباع الدينَينِ القائمينِ الموحَى بهما يُمكنُهم أن يعترفوا به بوصفِه نذيرًا مرسَلًا من الله للغرب، دون أن يَلحَقَ ذلك أيُّ ضررٍ بمعتقداتهم (اليهودية والمسيحية)، ولكن عندما اتَّصل محمدٌ باليهود في المدينة اتصالًا مباشرًا كان لابدَّ له حينئذٍ أن يَعرفَ أن اليهودَ الحقيقيين والمسيحيين الحقيقيين لن يَعترفوا إطلاقًا بأصالةِ بَعثتِه الدينية.
ولكنْ نظرًا لأنه من ناحيتِه كان مقتنعًا بشرعيةِ بعثتِه، وكان يعتقدُ أنها من جِنسِ بَعثةِ موسى وعيسي وأسلافهما، فقد أدَّى به ذلك بطبيعةِ الحال إلي نتيجةٍ مؤدَّاها أنَّ اليهودَ والمسحيين قد فَسَّروا الوحيَ الذي لديهم تفسيرًا سيئًا، وعليه إذن أن يقومَ بواجبِ تصحيحهم! وتلك مهمةٌ صعبةٌ لمن لم يَستطعْ أن يقرأَ كُتبَهُم المقدَّسةَ، وكانت لديه أيضًا فضلًا عن ذلك مفاهيم مشوَّشةٌ عن طبيعةِ هذه الكُتبِ وعن مضمونها (^١).
وفي الفترةِ الثانية من نشاطِه شَرعَ محمد أيضًا شروعًا حقيقيًّا في التعرُّف بعضَ الشيءِ عن قُربٍ على التاريخ التقليديِّ الموروثِ للوحي السابق، وحَصَل -مع بعض التغييرات الضرورية- على ما أمكن أن يَخدُمَه في التحرُّرِ من اليهودية والمسيحية اللتين استَشهَدَ بهما في السابق أكثَرَ من
_________________
(١) لم يكن محمدٌ - ﷺ - في حاجه إلى قراءةِ كُتبِ اليهود والنصارى، ولم تكن لديه معلوماتٌ مشوَّشةٌ عن تلك الكتب؛ لأن الله الذي أنزل التوراة والإنجيل هو نفسُه الذي أخبَرَ محمدًا عن طريقِ الوحي بما طَرَأ على هذين الدينينِ من تحريفٍ وتبديل، وبين له طبيعةَ هذا التحريف.
[ ٣ / ١١٤ ]
مرةٍ على حقيقةِ بَعثته، ولم يكن في ذلك الاستشهادِ شيءٌ من الحِكمة (^١).
ولن نَقِفَ عند المراحل الجزئيةِ لعمليةِ التحرُّر هذه، وسنقتصرُ على إثباتِ أن محمدًا لم يتوصَّلْ إلى حَل المشكلةِ دَفعة واحدةً، بل تمَ ذلك بالتدريج شيئًا فشيئًا، ففي حين كان إبراهيمُ يُعَدُّ في الوحيِ السابق [الذي نزَل على محمد] واحدًا من أسلافِ محمدٍ العديِدينَ فحسب، يُصبحُ الآن [بالنسبة لمحمد] رائدَه ومَثَلَه الأعلى على الإطلاق، وقد استَمدَّ إبراهيمُ هذه المنزلةَ العالية لدى محمدٍ من أمرينِ توصَّل محمدٌ إلى معرفتِهما أولًا في المدينة.
الأمرُ الأول: يتمثلُ في أن إبراهيمَ -الذي يُقدسُه اليهودُ والمسيحيون بنفس الطريقةِ بوصفِه "رجلَ الله"- لم يكن يهوديا ولا مسيحيًّا (^٢)، وكونُ محمدٍ قد جَعل اصطفاءَه مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتلك الأبوَّةِ، مَكَّنه مِن تفادِي اتهاماتِ اليهودِ الذين رَمَوه بأنه لم يُراع شريعتَهم مراعاةً تامةً، واتهاماتِ المسيحيين أيضًا الذين عارَضوه بعقيدةِ الخلاصِ عن طريق المسيح وحدَه.
_________________
(١) ما يقوله "هورجرونيه" في كلِّ تفصيلاته حولَ موضوِع علاقةِ محمد - ﷺ - باليهودية والمسيحية مبني على افتراضِ أن الإسلامَ دين بشري تفتَق عنه ذهنُ محمدٍ - ﷺ -، ومِن هنا نجدُ هذا الحِرصَ الشديدَ على تفسيرِ كل شيءٍ من هذا المنطلق، وبناءً على هذا الفَرض الذي يَعُدُّه المستشرقون حُجَّة مسلَّمة، فالأمرُ إذن يدورُ حولَ رفض مُسبَقٍ للإسلام بوصفه دينًا سماويًّا، وهذا الرفضُ ليس له من علاج إلا دراسةُ الإسلام دراسةً نزيهةً محايدةً دون أن تكون هناك أوهام وتصورات أو أحكام سابقة.
(٢) لم يكن ذلك معرفةً تَوصَّل إليها محمدٌ، بل كان وحيًا قرآنيًّا جاء في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧].
[ ٣ / ١١٥ ]
أما الأمر الثاني: فقد كان يَتمثَّلُ في أنَّ محمدًا قد عَرَف أن الكتابَ المقدَّس قد جَعَل من إبراهيمَ الأبَ الأولَ للعرب، وهكذا كان محمدٌ يَميلُ بطبيعةِ الحال إلى الاستنادِ إلى أبي الجِنس الذي ينتمي هو إليه، وقد وَصف محمدٌ نفسَه من الآنِ فصاعِدًا بأنه ذلك النبي الذي جاء لإكمالِ العمل الذي بدأه الأبَوانِ إبراهيمُ وإسماعيل، فالإسلامُ الذي دعا إليه محمدٌ كان هو نفسَه تمامًا ذلك الذي دعا إليه إبراهيم، وقد كان إبراهيمُ -الأبُ الأولُ للعرب- مثلَ محمدٍ تمامًا مُسلِمًا وحَنِيفًا، ولكن إبراهيمَ لم يكن بالنسبةِ لمحمدٍ المحرِّرَ من اليهوديةِ والمسيحية فحسب، فقد خَدَم النبي الأبُ محمدًا أيضًا في إدخالِ طقوسِ العبادةِ المَكيَّةِ في الإسلام بعدَ أن خَلَّصها من بعضِ المراسِم التي تكشِفُ بوضوح عن أصلٍ وَثَني.
وكان إبراهيمُ قد دَفع بإسماعيلَ وأمه إلى بلاد العرب، وفي وُسع المرءِ إذن أن يَفترضَ أنهما قد جاءَا إلى مكةَ وأسسا الكعبةَ هناك بِناءً على أمر إلهيٍّ، وهذا الافتراضُ يَتضمَّنُ بطبيعةِ الحال أن نَسْلَ إسماعيلَ قد أفسَدَ بصفةٍ عامةٍ العبادةَ والدينَ بطريقةٍ مُزعجة.
إنَّ صِلاتِ محمدٍ باليهوديةِ والمسيحية -كما وصفناها هنا- وتاريخَ تطوُّرِ أسطورةِ إبراهيمَ في عَقِل محمدٍ بصفةٍ خاصة-، كلُّ ذلك يَستبعدُ الآنَ تمامًا الرأيَ الذي يَذهبُ إلى القولِ بأن دَعوةَ محمدٍ قد استَندت إلى جماعةِ الحنفاءِ الذين كانوا مِن قَبلِه يَدْعُون إلى شيءِ من اليهودية والمسيحية تحت اسم "دين إبراهيم" (^١).
_________________
(١) لقد ورد ذكرُ إبراهيمَ ﵇ في القرآن في تِسع وستين موضعًا، منها اثنتانِ وثلاثون مرةً في =
[ ٣ / ١١٦ ]
وبعد أنْ وَصَف "سنوك هورجرونيه" صِلاتِ محمدٍ باليهودية والمسيحية يَطرحُ السؤالَ عن الدافع المحدَّدِ لبَعثتِه النبوية.
لقد كان المرء في السابق يَرى بطريقةٍ عامةٍ أن مِحورَ دعوةِ محمدٍ يتمثَّلُ في كِفاحِه ضدَّ الوثنيةِ لصالح "عقيدةِ" التوحيدِ الصارم، ومن المؤكَّد -كما يرى "سنوك هورجرونيه"- أن وِحدةَ الله كانت تُمثِّلُ أحدَ الأعمدةِ الرئيسيةِ للإسلامِ، وقد نالت هذه العقيدةُ -فيما بعدُ- أهميةً متنامِيةً باستمرار، ولكن الحماس للدفاع عن الوحدةِ الالهيةِ ضذَ الوثنيةِ وضدَّ التثليث .. إلخ لم يكن بالنسبةِ لمحمدٍ هو الدافعَ المحدَّدَ لبعثتِه النبوية، فقد كانت هناك بالأحرى منذُ البدايةِ فكرةٌ احتَلَّت مكانَ الصدارة من تفكيره وسلوكِه، وهي فكرةُ "يوم الحساب"، فالأمرُ الذي كان يُقلِقُه هو الاقتناعُ بأن الناسَ جميعًا سوف يُضطرُّون في يومٍ من الأيام للمُثول أمامَ الله للحساب، وأنه لن يكونَ أمامَهم مَخرجٌ آخَرُ غيرُ بابِ النارِ أو بابِ الجنة (^١).
_________________
(١) = آياتٍ مكيةٍ وسَبعٌ وثلاثون مرةً في آيات مدنية. وقد جاء الأمرُ باتباع مِلَّةِ إبراهيم أولًا في آيةٍ مكية في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وتكرر هذا المعنى في أكثرَ من آيةِ مَدَنية، مثل قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، أما بِناءُ الكعبةِ، فقد تم علي يد إبراهيمَ وإسماعيل ﵉، كما ورد ذلكَ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. ويريد "هورجرونيه" -كعادةِ غالبية المستشرقين- أن يُصوِّرَ علاقة محمد - ﷺ - بإبراهيمَ وإسماعيلَ -عليهما الصلاةُ والسلامَ- بأنها أسطورةٌ كانت تدورُ في عقل محمد إنطلاقًا من زعمه الباطل بأن القرآن ليس وحيًا حقيقيًّا من عند الله.
(٢) الإيمانُ باللَه الواحدِ الذي لا شريكَ له مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالإيمانِ باليوم الآخر، والقرآ
[ ٣ / ١١٧ ]
وقد كانت هناك فكرتانِ تتنازعانِ في عَقلهِ على السيطرة.
فمن ناحيةٍ كانت هناك فكرةٌ محكمةٌ عامةٌ للناس جميعًا بعد بَعثِ الأموات.
ومن ناحيةٍ أخرى كان هناك الخوفُ من المحاكَماتِ الجزئيةِ التي تتعرَّض لها من عصر إلى عصر الشعوبُ التي تتمرَّدُ على رُسُل الله.
وقد كانت هذه الأفكارُ المتمثِّلةُ في الكارثةِ النهائيةِ وبَعثِ الأمواتِ والحسابِ والنارِ والجنة، هي التي دَفعت محمدًا إلى إنعامِ الفِكرِ وإلي النبوَّة، وقد عَرَضت أقدمُ الآياتِ القرآنيةِ هذه القضايا بإثارةٍ عاطِفِيَّةٍ تكاد أن تكونَ في صورةٍ وحشيَّة، وقد اتَّخذت هذه القضايا فيما بعدُ اشكالًا أكثرَ ثَباتًا وأكثرَ تقليديةً، وأخيرًا عندما أصبح النبيُّ على رأسِ جماعةٍ تَحتَّمَ عليه أن يقومَ بتنظيمها، وعندما توقَّف الصراعُ ضدَّ الكفارِ -في مُحيطه- ظَلَّت عقيدةُ "العالم الآخر" عنصرًا أساسيًّا من عناصرِ الإسلام، ولكنَّ التصويرَ المثيرَ للعواطفِ بشأنِ يوم الحساب لم يَعُدْ يَظهرُ في الوحي المحمديِّ إلاَّ نادرًا (^١).
_________________
(١) = الكريمُ يَربطُ باستمرارٍ بينهما، فالإيمانُ باليوم الآخر ينبني على الإيمان بالله، ولا يُتصوَّرُ إيمان باليوم الآخر دونَ الإيمانِ بالله، يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ..﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقد ورد تعبير "الإيمان باليوم الآخر" مسبوقًا "بالإيمان بالله" في كل المواضع القرآنية التي ذُكر فيها اليوم الآخر.
(٢) لم تكن هذه أفكارًا تتنازعُ في عَقل محمدٍ كما يزعمُ "هورجرونيه"، وإنما كانت وحيًا من عند الله، أمَّا كونُ الحديثِ عن البعثِ والحسابِ والجنةِ والنار .. إلِخ قد جاء في البداية في صورة تُثيرُ العواطفِ وتَهُز القلوبَ، فذلك يرجعُ إلى أن القلوب كانت فِعلًا في حاجةٍ =
[ ٣ / ١١٨ ]
إنَّ فِكرةَ "المَحكمة الإلهية" -التي كانت فكرةَ مشتركةَ بين اليهود والمسيحيين- قد أرَّقت محمدًا، واقَضَّتْ مَضْجَعَه إذن منذ البداية، ولكن اليهودَ والمسيحيين كانوا قد عَرفوا عن طريقِ الوحي يقينيَّةَ يوم الحساب، وليس هذا فحسب، بل عَرفوا أيضًا الأوامرَ التي أعطَتْهم مراعاتُها اليقينَ بأنهم سيكونون من الناجِين في يوم الحساب، (أما العرب فلم يأتهم نذير) ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦].
ولم تكنِ المساواةُ التي أقرَّها محمدٌ بين الشعوبِ أو الأجناسِ والطوائفِ الدينيةِ تَسمحُ له بالاعتقادِ بأن وَحيًّا مِن هذا الوَحيِ السابقِ (في اليهودية والمسيحية) كان مقرَّرًا لشعبهِ أو مقرَّرًا له هو، فكيف إذن يَتجنَّبُ محمدٌ وقومه العذابَ المقيم؟.
لقد أجابت عن هذه القضيةِ الحياتية "المصيرية" آياتُ القرآن التي يُنظَرُ إليها بالإجماع على أنها أقدمُ الآياتِ، سواءٌ من جانبِ المسلمين الأصوليين
_________________
(١) = إلي هذه الإثارةِ العاطفيةِ، نظرًا لتحجُّرها وجُمودها وانغلاقها، وقد سَجَّل الوحيُ المكي ذلك في قوله تعالي: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ومن هنا كان حديثُ القرآنِ عن نهايةِ العالَم ويوم القيامة بأوصاف "الزلزلة، والقارعة، والراجفة، والصاخَّة، والطامَّة الكبري". وبعد أن فتح اللهُ القلوب الغُلْفَ والآذانَ الصُم والأعينَ العُمْيَ، ودَخَل الناسُ في دين الله أفواجًا، لم يكن القرآنُ في حاجةٍ إلى تكرير نفسِ الأسلوب، فلكل مَقامٍ مَقال، ولكن هذا الأسلوبَ سيظل أيضًا قائمًا في كل العصور للقلوب التي يُصيبُها الوَهْنُ والعقولِ التي يَعتريها الغرور، فيكون عِلاجًا مستمرًّا ناجعًا لأمراض القلوب.
[ ٣ / ١١٩ ]
أو من جانبِ النظرةِ النقديةِ أيضًا.
فإذا أراد المرءُ أن يَعتبرَ محمدًا إنسانًا قد أوحي إليه حقًّا من عند الله، أو إذا أراد المرء أن يَعتبرَ أنه قد أُعطي له حدٌّ أدنى فقط من الرُّوح النبويِّ، أو إذا أراد أن يَعتبرَ أن الشيطانَ قد تَلبَّسه، أو أنه إنسان هِستيريٌّ، أو مصابٌ بالصرع، فإن الأمرَ الذي لا جِدالَ فيه أنه كان لديه المِزَاجُ العقليُّ الخاصُّ الذي يَدفع أُناسًا معيَّنين إلى إنعام الفِكرِ وتعذيبِ أنفسِهم بمسائلَ دينيةٍ إلى أن يَجِدوا حَلاًّ لها، ولم يكن هناك في الماضي "بالنسبة لمحمد" أحدٌ من رجالِ الله استطاع أن يُجيبَ عن الشدَّةِ والمعاناةِ التي أقَضت مَضْجَعَ محمدٍ بوَحيٍ يَشتملُ على الحقيقةِ الواضحة عن البَعث ويوم الحساب، والأمرُ الأقل مِن ذلك بكثير أنه لم يكن هناك أحدٌ مِن أمثالِ هؤلاءِ بين معاصِرِيه وقد أتى إليه الخلاص من أعلي! وقد كان هو نفسه مُعيَّنًا مِن قِبَل اللهِ لإخراج قومِه من الظلماتِ إلى النور! (^١).
* مرجليوث Margoliouth (١٨٥٨ - ١٩٤٠):
" د. س. مرجليوث" (١٨٥٨ - ١٩٤٠) مستشرقٌ إنجليزي معروف، كان أستاذًا للعربية في جامعة "أكسفورد" منذ عام ١٨٨٩، ومن مؤلَّفاته "محمد ونهضة الإسلام" (١٩٠٥ م)، و"أصول الشعر العربي" (١٩٢٥) وهذا البحث الأخيرُ هو الذي اعتَمد عليه الدكتور "طه حسين" في كتابه عن "الشعر الجاهلي" عام ١٩٢٦ م.
_________________
(١) "الإسلام في تصورات الغرب" (ص ١٧١ - ١٧٨).
[ ٣ / ١٢٠ ]
"مرجليوث" -وهو من كبار المستشرقين- كان له اتصالٌ واسع المدى مع المصريِّين بعد الاحتلالِ البريطاني، وقد اتَّصل به الشيخ "عبد العزيز جاويش" وهاجَمَه عندما أصدر كتابه "محمد وظهور الإسلام".
ومنذ عام ١٩٠٧ تناوَلت الصُّحُفُ في مصرَ آراءَه، فقد أَصدرَ في ذلك الوقتِ كتابًا عن النبيِّ محمدٍ - ﷺ -، وجَعله حَلْقةً من سلسلةِ "عظماء الأمم"، وَصَفه "سليمانُ النَّدْويُّ" فيما بعدُ بأنه لم يؤلَّف بالإنجليزية كتابٌ أشدُّ تحامُلًا على النبيِّ - ﷺ - منه، حاوَل فيه "مرجليوث" أن يُشوِّهَ كل ما يَتعلَّقُ بالسيرة، وأن يُشكِّكَ في أسانيدها، ولم يَأْلُ جَهْدًا في نَقضِ ما أَبْرمَه التاريخُ ومعارضةِ ما حَقَّقه المحقِّقون من المُنصِفين، وقد أشار الشيخ "جاويش" إلى آراء "مرجليوث"، وقال: "إنه -أي مرجليوث- حارَبَ التاريخَ كما حارَبَ الإنصَافَ، وحَمَل على الرسولِ - ﷺ - حَمْلاتٍ مُنكَرَةً "، وأشار إلى قولِ "مرجليوث": " إنَّ المسلمَ معناه في الأصل: الخائن"، وعَلَّل ذلك بأن هذه الكلمة مشتقَّةٌ من اسم مسلم، وادَّعي "مرجليوث" أن النبيَّ - ﷺ - كانت تنتابهُ النُّوَبُ العصبيةُ كثيرًا، وزَعَم المؤلِّفُ أن النبيَّ - ﷺ - عاشَرَ بعضَ النصارى، فاستفاد كثيرًا من القَصص، واقتَبَس بعضَ أساليبِ التعبير، وعَلَّل زَواجَه بخديجةَ بطَمَعِه في مالها.
وقد صارت آراءُ "مرجليوث" مَصدرًا للمتعصِّبين من الكُتَّابِ الغربيِّين، ومن ذلك ما نَقَله عنه مستر "سكوت" وأثار كثيرًا من الاعتراضات، وقد أشار رضا إلى أن السببَ في أكثرِ غَلَط "مرجليوث" وخَطأه في السيرة هو التحكُّمُ في الاستنباطِ والقياسِ الجُزئيِّ وبيانِ أسبابِ
[ ٣ / ١٢١ ]
الحوادث، كما هو شأنُهم في أَخذِ تاريخ الأقدمِين من الآثارِ المكتَشَفة واللغات المَنسِيَّة ونَقصِ فهمهم.
° كما أشار صاحبُ المقبس "محمد كرد علي" إلى كتابه "عظماء الأمم" فقال: "إنه لم يؤلَّفْ كتابٌ بالإنجليزية أشدُّ تحامُلًا على النبيِّ - ﷺ - مما جاء بهذا الكتاب، فقد حاول "مرجليوث" أن يُشوِّهَ كلَّ ما يَتعلَّقُ بالسيرة الشريفة، وأن يُشكِّك في أسانيدها، ولم يَأْلُ جَهدًا في نقضِ ما أَبرمه التاريخ ويعارِضُ ما حَقَّقه من المثقفين، و"مرجليوثُ" له فَرضٌ في الشَّعر الجاهلي، نَشَره في يوليو ١٩٣٥ في إحدى المجلات الاستشراقية، وفي ١٩٢٦ نَقَله "طه حسين" في كتابه المشهور عن الشعر الجاهلي، يقول "مالك بن نبي": "ربما لم يكن فَرضُ "مرجليوث" ليحتويَ على شيءٍ خاصٍّ غيرِ عادي لو أنه حينَ نُشِر لم يُصادِفْ ذلك الترحيبَ الحارَّ من المجلاَّت المستغربة، ومِن بعض الرسالاتِ التي يقومُ بها دكاترةٌ عَرَب مُحدَثون، حتى لقد كَسَب هذا الفرضُ قيمةَ المقياسِ الثابتِ في دراسةِ الدكتورِ "صبَّاغ" عن "المجاز في القرآن"، وقد رفض الدكتور "صبَّاغ" رفضًا مقصودًا مغرضًا الاعترافَ بالشِّعر الجاهليِّ كحقيقةٍ موضوعيةٍ في تاريخ الأدب العربي".
وكَتَب "مرجليوثُ" مقالًا نشر عام ١٩٠٤، فردَّد قولَ "برايس" مِن أنَّ الإسلام لم يَبْقَ من عُمرِه إلاَّ قَرنان، كما أعاد ما قاله أحدُ المبشِّرين مِن أن الإسلام لا يَلبثُ أن يَذوبَ ذَوَبانَ الثلْج بين يَدَيِ العِلو والتمدُّنِ والنصرانية، كما نَقَل رأْيَ الدكتور "بروين" الذي قال: "إن الإسلام يذهبُ بذَهابِ الدولةِ العثمانية"، ومضى يُردِّدُ الكلماتِ التقليديةَ التي يُرددها المتعصِّبون وخُدَّامُ الاستعمار من أنَّ الإسلام لن يَبقَي بعدَ احتكاكِه بالتمدُّنِ الحديث،
[ ٣ / ١٢٢ ]
ويموتُ لا محالةَ، كما رَدَّدَ ما قاله أحدُ كُتَّاب التغريب من أنَّ الانحطاطَ الذي يَعيشُه المسلمون -في هذه الفترة- يَرجع إلى أسبابٍ متَّصلةٍ بالإسلام نفسه؛ لأنه لا يوافقُ رُوحَ التمدُّنِ، وهكذا يَتكشَّفُ في كتاباتِه جُمَّاع مُنَسَّقٌ لِمَا تُورِدُه حَمْلاتُ التشكيك التي لا يَرقي كُتَّابُها إلى مَقام العلماء، ونَقَد العلاَّمة "عبد العزيز جاويش" هذا الكتاب "محمد وظهور الإسلام" لـ"مرجليوث"، فقال: كتاب وَضَعه مستر "مرجليوث": ظهر هذا الكتابُ من نحوِ سبعةِ أعوامٍ، ونُفوسُ الإنجليز والأمريكيين تَرقُبُه لِمَا لذلك الرجل عندهم من المكانةِ العِلميَّةِ الرفيعة، ولا سيَّما وهو مشغوفٌ بدعوى أنه محيطٌ بأكثرِ لغاتِ العالم، فتراه يَدَّعَي العِلمَ بالإسبانيةِ والفِرنسيةِ والإيطالية والألمانيةِ والعَربيةِ والفارسية والعِبرانية، وقد كُنتُ إِبَّانَ ظُهورِ الكِتابِ في مدينة "أكسفورد" حيث المؤلّف، لَمَّا ذَكرتُ له رغبتي في شراءِ كتابه، وَعَد أن يُقدِّمَ لي منه نُسخةً، ثم جَعَل يتباطأ تارةً، ويتناسى أخرى، حتى مَلِلتُ وُعودَه، وظَننتُ أنه لا بد لهذا الكِتابِ مِن سرٍّ يُريدُ إخفاءَه عني، ولا سيَّما والمؤلفُ يَعلمُ أنني ضعيفُ الثقةِ بكثير من المستشرقين، سيئُ الظنِّ بهم، وقد كنتُ في الواقع كذلك، ولكنْ بعد أن خَبَرتُهم، وسَبَرْتُ غَوْرَ معلوماتِهم، وتَتبَّعتُ مَبلغَ كفاءتَهم، ولولا أنني وَجدتُ مِن بينهم أفذاذًا قليلينَ جدًّا، لَمَا اطمأنَّت نفسي إلى أحدٍ منهم، فلما حَصُلتُ على الكِتابِ وتصفَّحتُه ثم درستُه بابًا بابًا وكلمةً كلمةً، حتى جِئتُ على آخِرِه، فوجدتُه عند ظنِّي به، وجدتُه حارَبَ التاريخ كما حارَبَ الإنصافَ، وحَمَل على الرسولِ - ﷺ - حَمْلاتٍ منكرةً، ويَظهرُ أن المؤلِّفَ توقَّع أنْ لا يَقَعَ كتابُه إلاَّ في أيدي البُلْهِ، ولا يَطَّلعُ عليه إلاَّ الأغرارُ، فلم يُبالِ أنْ جاء فيه بمُحدَثاتٍ لو أنه تَدبَّر لَمَا
[ ٣ / ١٢٣ ]
اجترأَ على الإقدام عليها، فمِن ذلك أنه يقول: إن "المسلم"معناه في الأصل "الخائن"، وعَلَّل ذلك بأن الكلمةَ مشتقَّةٌ من اسمٍ مسلم، ثم زَعَم أن المسلمين سَمَّوا أنفُسَهم بذلك من غيرِ تدبُّر، ثم حَوَّلوا هذه المادةَ إلى معنَى "التسليم" المشهور اليومَ، وادَّعى المسترُ "مرجليوث" أن النبي - ﷺ - كانت تنتابُه النُّوَبُ العصبيةُ كثيرًا، وفَسر بذلك ما كان يُصيبُه - ﷺ - من الجَهدِ خلالَ نزولِ الوحي، مع أنه - ﷺ - لَم يُعرفْ في تاريخ حياته أنه كان يُصابُ بأمثالِ تلك النوْباتِ العصبيةِ قبلَ زَمَنِ البعثةِ ومُقدماتِها.
وزَعَم أنَّ ما كان من بلاغ النبي ورسالاتِه لم يكن وحيًا يُوحى، وإنما آراءٌ وأنباء يَجيئُه بها جواسيسُه وعُيونُه.
وقال: إن محمدًا والذين آمنوا به قد كَوَّنوا جماعةً سِرِّيَّةً على نحوِ ما يفعل الماسون، وإن هذا الجَمْعَ السِّرِّيَّ قد اتَّخذ له بِضعَ رُموزٍ، منها قولهم: "السلام عليكم".
وللمستر "مرجليوث" عِدة تأويلاتٍ من أعجبِ ما يَرى الراؤون، فمِن ذلك ما قاله في "التوحيد" -الذي هو رُوحُ الإسلام-، فلقد زَعَم أن النبي - ﷺ - نَظَر في تعاليم النصارى واليهود، فأخرج منها ما لا يَقبلُه العقلُ، وكان "الله" أحدَ أصنام الكعبة قبلَ الإسلام، فوفَّق بين إلهِ اليهود والنصارى، وجَعَلهما واحدًا، فكيف يكونُ التوحيدُ هو عينَ التثليث، إلاَّ في نَظَرِ مَن يُغالِطون في القضايا الحسابية العقلية؟! ولو أن الكاتبَ أراد أن يُنصِف الحقَّ والتاريخَ لقال بما قال به القرآنُ -في أكثرَ مِن آيةٍ- من أن التوحيدَ هو دينُ جميع رُسُل الله وأنبيائه.
[ ٣ / ١٢٤ ]
ومما وَرَد في الكتاب في تعليل إسلام عُمرَ بنِ الخطاب - ﵁ - بأن سِرَّ انقلابِ عُمرَ من اضطهادِ أُختِهِ وضَربِها إلى مجاراتِها والمبادرةِ باعتناقِ الإسلام، بأنه تأثر مِن رؤيتِها مجروحةً بسببِ قَسوتِه وتَسرُّعِه، فأحبَّ أن يُكفِّرَ عن سيئته هذه، فأظهر إعجابَه بالقرآن، ورَضِي الإسلام دينًا (^١).
يتصفَّحُ الناقدُ هذا الكتابَ فيتمثلُ صاحبَه إذ أَخذ يُدافعُ عن اليهود كأنه يهوديُّ المنبَت، وإذا كتب للدفاع عن النصارى فكأنه هو نصرانيٌّ صميم .. وإذا ذَكَر حوادثَ الوثنيين من العرب، وما أصاب النبيَّ من أذاهم وكيدِهم طَرِبَ طَربه ممن دبَّر تلك الحكايةَ، وأمعن في إيصالها إلى الرسول - ﷺ -.
وقد اشتُهر مستر "مرجليوث" بقُدرتِه البليغةِ وعلمه الواسع باللغة العربية، وأنا لا أريدُ أن أذكرَ هنا رأيي في هذا المستشرق الشهيرِ اكتفاءً بحادثةٍ وقعت لنا في جامعة "أكسفورد"، ذلك أنني كنتُ مدعوًّا معه في بعض المنازل، فلمَّا كنَّا على المادة، سألني بعضُ الحاضرين: هل سَبَق لي أكلُ لَحم الجَزُور، فأجبته أنني لا أذكرُ ذلك، وربما اتفق لي هذا وأنا صغير، فلمَّا سمع الأستاذ "مرجليوث" هذا الكلام قال: كيف ذلك، وعلى كلِّ مسلم فَرضٌ أن يأكلَ لَحمَ الجِمالِ ولو مرةً واحدةً في حياته؛ لأنه من قواعدِ الإسلام، عند ذلك أجبتُه -وأنا دَهِشٌ مما قال-: يا سيدي، إنَني أَعرِفُ أن قواعدَ الإسلام خمس، أمَّا هذا السادسُ، فلا أعرفُه، بَيْدَ أني أستميحُ الأستاذَ عَفوًا أن يذكرَ لي مأخذَ هذا الحُكم! فقال: إنه وَرَد في "صحيح البخاري" أنه قد جاء أحدُ اليهود إلى رسول الله - ﷺ -، وقال له: "إني جئت
_________________
(١) هذه القصة مشهورة في بعض كتب التاريخ، لكنها لا تصحُّ -كما ذَكَر حُفَّاظُ الحديث .. فانتبه.
[ ٣ / ١٢٥ ]
أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وأنك رسول الله، فأجلَسَه الرسولُ - ﷺ - وأَمَر له بلَحم جَزورٍ"، ومِن هنا استنبط مِستر "مرجليوث" أنه يَجب على كلِّ مسلم أن يأكلَ لَحم الجَزور وأنَّ هذا من العوائدِ الإسلامية التي يَنهدم الدين بانهدامها، فلمَّا فَرَغ قلت له: إنْ صَح وجود هذا الحديثِ في "البخاريِّ" فالذي يَفهمُه المسلم الذي يَفقَه اللغةَ العربيةَ منه أحدَ أمرين:
فإمَّا أن يكون الرسول - ﷺ - أراد يُقدِّم لذلك اليهوديِّ شيئًا من الطعام؛ لأنه ضَيفُه في بيته.
وإمَّا أنه أراد أن يَمتحنَ إيمانَ اليهوديِّ بإطعامه شيئًا ممَّا حَرَّمه اللهُ على بني إسرائيلَ في التوارة من أجزاءِ اللحم.
ثم تَلَوث الأدلةَ المفيدةَ لذلك، فبُهت الأستاذ، ولكنْ لم تَجْسَر قُوَّةُ المكابَرة وشِدُّة العنادِ التي فطر عليها الأوربيون -ولا سيَّما المستشرقون منهم- على أن تحوله عن رأيه، وبمثل كلام هذا الأستاذِ يَقتدي واضِعوا الكتبِ التاريخيةِ القانونية، وعن مِثلِه يَنقل أمثالُ مستر "سكوت" آدابَ الإسلام ودقائقَ أسراره.
° يقول "بفانموللر" المستشرقُ الألماني: "ويَرى "مرجليوث" في محمدٍ دَجَّالًا ماكرًا معدومَ الضمير، وسياسيًّا يَخدعُ الآخَرين بشعوذاته، وبذلك يَسُدُّ "مرجليوث" على نفسِه الطريقَ لفَهم أخلاقِ محمدٍ وتطوُّره" (^١).
فيا لَه من إسفافٍ وتطاولٍ وافتراءٍ وكذبٍ على سيِّد البشر - ﷺ -!.
وتَتَبَّعَ "مرجليوث" بشَغَفٍ ظاهرة الوحي لدى محمدٍ - ﷺ -، ويقارنُها بأقوالِ المذهبِ الرُّوحيِّ الحديث وبالمذهبِ المورموني (Mormonism) (^٢) .
_________________
(١) " الإسلام في تصوُّرات الغرب" (ص ١٨٥).
(٢) المصدر السابق (ص ١٨٥).
[ ٣ / ١٢٦ ]
* ماير (Meyer) (١٨٥٥ - ١٩٣٠):
" إدوارد ماير"، مستشرق ألماني، وقد صدر كتابه عن "أصل المورمون وتاريخهم مع نظرةٍ حول بدايات الإسلام والمسيحية" في "هاله" بألمانيا عام ١٩١٢ م، وقد قام "ماير" باستخلاصِ أوجُهِ الشبَّهِ بين ظهورِ محمدٍ ومؤسِّسِ طائفةِ المورمون "جوزيف سميث"
° والمورمون طائفةٌ مسيحية، أسَّسها في الولاياتِ المتَحدة عام ١٨٣٠ "جوزيف سميث" (١٨٠٥ - ١٨٤٤)، وادَّعي أنه يُوحَى إليه، وقد أسَّس المورمون عام ١٨٤٨ مدينةَ "المورمون" انتظارًا لعودة المسيح، والسؤالُ الآن هو: أيُّ أوجُهِ شَبَهٍ يريد أن يستخلصَها "ماير" من مقارنتِه بين بَعثةِ محمدٍ - ﷺ - ومؤسسِ هذه البدعةِ الجديدةِ "جوزيف سميث"؟ إنَّ هذا ضربٌ من العَبَث، واستهانةٌ بعقليةِ القارئ الذي لا تَخفي عليه أهدافُ هذا العَبَثِ الذي ليس له مبرِّرٌ ديني أو أخلاقي (^١).
وَيرى الدَّجَّالُ "ماير" أن "سِدْرةَ المنتهى" مكان معيَّن لدى "مكة" ضاعت مَعالمُه بَعدَ ذلك -متفِقًا في ذلك مع "اشبرنجر"-، وهذا فَهمٌ أَبْلَهُ ليس له ما يُبرره إلاَّ محاولةُ فَهم الإسلام بأنه مقطوعُ الصِّلة بالسماء!.
* ليوني كيتاني (١٨٥٩ - ١٩٢٦):
° الأمير "ليوني كيتاني"، مستشرقٌ إيطالي، قال عن النبي - ﷺ - فيما يقوله "بفانموللر": "كيف تَحوَّل الداعيةُ المتحمِّسُ للهِ تحوُّلًا سريعًا، بمجردِ
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٩٥).
[ ٣ / ١٢٧ ]
أنِ استقرت أقدامُه في المدينة، إلى سيدٍ دُنيويٍّ وسياسيٍّ عبقريٍّ، دونَ أن يَحدُثَ في باطنِه تصدُّعٌ واعٍ وحقيقي؟! والأمرُ الهامُ أن محمدًا أيضًا في شتَّى تنظيماتِه وأعمالِه التي تَجرحُ شعورَنا الأخلاقي جُرحًا بالغًا لم يَفقدِ الوعيَ بأنه أداةُ إلهِهِ، هذا الإلُه الذي هو نَفسُه لديه نِقاطُ ضعفٍ إنسانيٍّ إلى حدٍّ ما.
° يقول الدكتور حمدي زقزوق معلِّقًا:"الإسلام دينٌ ودنيا، وسياسةٌ وأخلاق، عقيدةٌ وشريعة، وهذا أمرٌ لا يُريدُ المستشرقون أن يَفهموه، ثم ما هي تلك الأعمالُ التي صَدرت من محمدٍ - ﷺ -، وتَجرحُ الشعورَ الأخلاقي لدى الأوربيين جُرحًا بالغًا؟!! وما هي نِقاطُ الضعفِ الإنسانيِّ التي يُريدُ أن يَنسِبَها "كيتاني" إلى الله -﷿-؟!!!! هذا كلامٌ غريبٌ لا سَندَ له على الإطلاق من عقائد الإسلام وتشريعاته، فالإسلام جاء لِيُتَمِّمَ الله به مكارمَ الأخلاق، وتنزيهُ الله في الإسلام عن صفاتِ المخلوقين، ومخالفتُه للحوادثِ من الأمورِ المشهورة التي لا تَحتاج إلى مزيدِ بيان".
* هنري لامنس، الراهبُ اليسوعي المورِّخُ الكذاب (١٨٦٢ - ١٩٣٧):
يُعدُّ "هنري لامنس" من أشدِّ المستشرقين تعصُّبًا على الفِكرِ العربيِّ الإسلاميِّ، وقد بالَغ في التعصُّبِ على الإسلام، حتى أعلَن المنصِفون شَكَّهم في أمانتِه العلمية، وقالوا: "إنه لا يَنسَى عواطفَه فيما يكتبُ عن النبيِّ والإسلام، وإنه كان داعيةً ولم يكن عالِمًا"، وقد عُرف بتهكُّمِه على النصوص العربية، كما وُصف بإرهاقه للنصوص وتحميلِها أكثرَ مما تحتمل، فإذا وَجد في الإسلام موضعًا للفضل ذَهب بنسبتِه إلى مَصدَرٍ
[ ٣ / ١٢٨ ]
غيرِ إسلامي.
ولد عام ١٨٦٢ في "بلجيكا"، واتَّخذ "لبنان" موطِنًا، ودَرَس في "الكلية اليسوعية" ببيروت، واشتَغل بالتدريس فيها من ١٨٨٦، وتَخصَّص في "تاريخ الشرق الأدنى وحضارة أهله"، وأتقن اللغةَ العربيةَ، وعُيِّن ١٩٠٧ أستاذًا في "مَعهدِ الدراساتِ الشرقيَّةِ" في الكليَّةِ اليسوعية ببيروت، وتُوفِّي في مايو ١٩٣٧، ووصف بالراهب المؤرِّخ، وأخذ عن "جولد زهير" و"نولدكه" و"كيناني" و"ولهوزن"، وله كتابٌ عن حياةِ محمدٍ، لم تُوافِقْ دوائرُ الفاتيكان على نَشره، خَشيةَ أن يؤدي ما فيه مِن طعن وتهجُّم إلى احتجاج الأُمم الإسلامية، وله كتابُ "فاطمة وبنات محمد"، وكتابه عن الثلاثة: " أبو بكر وعمر وأبو عبيدة"، و"مغزى الرَّبط بينهم هو ادعاؤه بأنهم تآمروا على الخلافةِ بعدَ وفاةِ النبي دون عليٍّ "!! ويقول "فييت": "إن كتابه عن فاطمة وبناتِ محمد يَسُودُه التعصبُ والاتجاهُ العَدائي".
وقد تَحيَّز "لامنس" للأمويين، ووقف جانبًا كبيرًا من جهودِه العِلميةِ لدرسِ تاريخِهم السياسي وخلافِهم مع العباسيين، ومَصدرُ إعجابِه ببني أمية أن دولتَهم كانت في تقديره -لا دينية-، ولأنهم أقاموا مُلكَهم في الشام، وتأثَّروا بالمدنيةِ القديمةِ التي أقامت في رُبوعه.
يتَّهمُ "الأب لامنس" في جميع مؤلَّفاته رُواةَ السِّيرةِ بأنهم مخترِعون، ولكنه لا يُحجِمُ عن الاعتمادِ على روايةٍ من رواياتهم إذا استطاع أن يَلمَحَ فيها مَطعنًا على الإسلام.
وهو إن تكلَّم عن "السيدة عائشة" لم يَجِدْ من مفرداتِ الفرنسية إلاَّ
[ ٣ / ١٢٩ ]
كلمة " Favorite" ليَصِفَ بها زوجةَ النبي - ﷺ -، وأقربُ ترجمةٍ لها بالعربية "مَحْظية".
ويَذكرُ هذا المجرمُ أن "رُقيَّة" ابنةَ النبي - ﵂ - كانت جميلةَ، وأن عثمان ابنَ عفان - ﵁ - إنما اعتَنق الإسلام ليتزوجها.
وقد سَجَّل عليه تَعَصُّبه زملاءُ له من أعلام الاستشراق، في مقدمتهم: "بيكرودسو، وجور فروا، وبمومبين، وماسيه".
° وقال "فييت" في نَعيِ "لامنس" بجلسة ١٠ مايو ١٩٣٧: "إنه من الصَّعب أن نَقبلَ كتابَ "فاطمة وبنات محمد" في ثقةٍ ودونَ تحفُّظٍ، فإنَّ التعصُّبَ والاتجاهَ العُدوانيَّ يَسُودانِهِ إلى حدٍّ كبير".
وهكذا ترى أن "الأب لامنس" كان من أشدِّ المتعصبين على الإسلام، وكان المستشرقون يَعرِفون في "لامنس" هذا العَيبَ الكبيرَ ويأخذونه به.
وادَّعي هذا الكاذبُ أن أبا بكر وعمرَ وأبا عبيدةَ - ﵃ - اجتَمعت كَلِمتهم في أواخِرِ عهدِ النبي - ﷺ - أن يَحتكِروا الحُكمَ بعد وفاتِه ويتداولوه واحدًا بعد واحد، وأن اثنتينِ من أزواج النبي - ﷺ - هما عائشة وحَفصةُ - ﵄ - مَهَّدَتا لهم السبيل، وأن هذه المؤامرةَ قد نَجحت إلى حدٍّ بعيد، وقد رَدَّ عليه الأستاذُ "عبد الحميد العبادي" فأفحمه، وممَّن رَدَّ على "لامنس" فأجاد الأستاذُ "كرد علي".
وقد ذَكَر أن عالِمَ قريش خالد بن يزيد تلميذُ راهبٍ، ولم يَقُلْ كلمةً واحدةً في أَثَرِ هذا الراهبِ عليه.
وادَّعي أن شيخَ الإسلام ابنَ تيميَّةَ هو صاحبُ "المَذهب الارتجاعي"،
[ ٣ / ١٣٠ ]
وأن عَمَلَه مُختَلٌّ، وأنه كان لا يَفتُرُ عن مُقاتَلَةِ البِدع، وقضْي حياتَه وهو يَسُوقُ أبناءَ أمَّتِه في سبيل التعصُّب.
° وادَّعي هذا الدجَّالُ بأن الفقهَ الإسلاميَّ قد تأثر بالفقهِ اليوناني، ووصف "صلاحِ الدين الأيوبي" بـ "الطَمَّاع"، ووصف الحروبِ الصليبيةِ بـ "البسالة"، وصوَّر ملوكَ الصليبيين على الغاية من النجدة والعقل، وقال: "إن تَرْكَ صلاح الدين للأسرى الصليبيين يومَ فتح بيتِ المقدس أحياءً، ولم يُعمِل السيف فيهم مِثلَما فَعلوا هم يومَ أَخذوا القُدس قال: إن هذا العملَ كان عن "عَجزٍ وخوف" واعتذر عن فَعْلَةِ الصليبيين في بيتِ المقدس بأنَّ هذه المدينة عُوملت بما تقضي به الأخلاقُ الحربيةُ في ذلك العهد.
° وقال: "إن دَورَ الأكرادِ الأيوبيين كان قليلَ البهاء".
ولا يعترف "لامنس" الدجَّال بأنه قامت للعدل سُوقٌ في ديارِ الشام منذ فتحها العرب.
° وقال "كُرد علي": "إن "لامنس" ألَّف تاريخًا مختصرًا للشام، لم يَذكرْ فيه للإسلام ولا للعربِ مَحْمَدةً من ثلاثةَ عَشَرَ قرنًا ونصفِ قرن، ووَصَف العربي بأنه ليس شجاعًا، وأنه على استعدادٍ للنَّهبِ، كما تَمدَّح الصليبيين -وهم بشهادة المؤرخين من أهل الخُبثِ والفجور-، وادَّعي أن الصليبيين عاملوا الأهالي في الحروب الصليبية معاملةً حسنةً، وفي تقديرِ الباحثين أن "لامنس" أضعَفَ مِن شأنِ أكثرِ مؤرِّخي العرب -أمثال الطبري والبلاذري وابنِ سعد والأصفهاني وابن الأثير وابن خلدون وأبي الفداء-، ووثَّق بعضَ القُصَّاصِ الوُضَّاع، وقد ذَكر "إميل درمنجم" -وهو من كُتَّاب
[ ٣ / ١٣١ ]
الغرب- "الأبَ لامنس" باللوم، وقال: "إن كُتبَه قد شَوَّهت محاسنَها بما بدا في تضاعيفها من كراهيةِ الإسلام ورسولهِ، وإنه استَعمل إلى التاريخ طُرقًا بالغ فيها بالنقد".
° وقال "كرد علي": "إن "لامنس" نَشَر أخطاءَه وأكاذيبَه في "دائرة المعارف الإسلامية"، ومِن عَمَلِه تحريفُ آيات القرآن، وحَذْفُ ما لا يروقُه من كُتب المسلمين، وخَلْطُ الآياتِ القرآنيةِ بأبياتٍ من الشِّعر، وبجَعل الأحاديثِ النبوية من كلامِ بعضهم، ومن ذلك اقتطاعُ جُملةٍ واحدةٍ من نصٍّ طويل، وإيرادُ الخرافاتِ المنقولةِ من كُتب الوضَّاعين والقصَّاصين، مُدَّعيًّا أنها منقولةٌ من كُتب الثقات الأثبات.
وادَّعي هذا الدجَّالُ الراهبُ أن رسولَ الله - ﷺ - كان رجلًا غير أمين!!! قليلَ الشجاعة أكولٌ ونَؤُومٌ .. قال هذا في كتابه "هل كان محمدًا مخلصًا صادقًا"، ويعتقد "لامنس" أنه يتحتم الإجابة بالنفي على هذا السؤال (^١).
ووصفه بأنه أسلَمَ نفسَه للتمتع بلذات العيش، وأنه مصروع، وادَّعي أن النبي لم يكن له ولد يُسمَّى "القاسم"، وأن فاطمة ﵍ تزوَّجت في سنٍّ متقدِّمةٍ، وأنها لم تكن حَسَنةَ الصورة.
ولقد أبدى هذا الراهبُ إعجابًا كبيرًا في مقالٍ له "نظرة في حاضر الإسلام" نَشَره في "المشرق" سنة ١٩٣٠ لَمَّا بَلَغ إليه الأمرُ مِن أن التعليمَ القرآنيَّ في تأخر مستمر ومُطَّرِدٍ في البلاد الإسلامية المستقلَّة، وأن تطوُّرَ التعليم الرسمي في المعاهِدِ العاليةِ والثانوية يتحرَّرُ شيئًا فشيئًا من تأثيرِ الدين
_________________
(١) "الإسلام في تصوُّرات الغرب" (ص ١٩٠).
[ ٣ / ١٣٢ ]
حتى يُصبحَ "لا دينيًّا" محضًا، وأن دعاةَ التطُّورِ قد مَدُّوا أصابَعهم داخلَ "الجامع الأزهر"، و"الزيتونة"، وأشار إلى أن ذلك سيؤدِّي إلى اضطرابِ الشبيبةِ الإسلامية في مبادئِها وعقائدِها، وأن ذلك سيؤدِّي إلى صَدمةٍ قويةٍ يُعانيها الإسلام.
* القَسُّ اليَسوعي لويس شيخو، الصليبيُّ المتعصِّب، ورسالتُه "خرافات القرآن":
يُعَدُّ "لويس شيخو" من أقسى المستشرقين على الإسلام والفكرِ الإسلامي وفي مجلة "المشرق" التي أصدرها منذُ رُبع قرنٍ حَمْلاتٌ متَّصلةٌ وإثارةٌ مستمرةٌ للشبهات، وفي مجالِ دراساتِه الأدبية لا يَنسى خصومتَه وتعصُّبه، ففي عشرات المجالات والأبحاث يتناولُ الإسلام والفكرَ الإسلاميَّ على نحو لا يُشرِّفُ العالِمَ أو الباحث، ومِن أبرز آثارِه رسالةٌ أسماها "خرافات القرآن"، ترجَمَها "زويمر" عام ١٩١٤، وانتفع بها دعاةُ التبشير في مصرَ والبلادِ العربيةِ في الطعنِ على الإسلام ونَشَرَها في مجلةِ "العالم الإسلامي".
و"لويس شيخو" قَسٌّ يسوعيٌّ وُلد بـ "ماردين"، وتَعلَّم بمدرسةِ الآباءِ اليسوعيين في "غزير" بلبنان، وانتَظم في سِلكِ الرهبانية اليسوعية، وَتنقَّل في بلادِ أوربا والشرق، وقد عُهد إليه بتعليم الآدابِ العربيةِ في جامعة "القديس يوسف"، وأنشأ مجلة "المشرق" (١٨٩٨)، وتُوفي في بيروت (١٩٢٧ م)، وله مؤلَّفات متعدِّدةٌ أهمُّها "شعراءُ النصرانية"، وقد وُجِّه إليه النَّقدُ من زملائه المستشرقين لتعصُّبه، ومما ذكره "إميل درمنجم" عنه قوله:
[ ٣ / ١٣٣ ]
"وشيخو مِثلُ لامنس، لم يَألُ جهدًا في إثباتِ دعواه أن العربَ -قبلَ الإسلام وبَعدَه- لا شأنَ لهم في المدنية، وإذا كان هناك حضارة، فإن أصحابَها هم نصارى العرب".
هذا القزمُ الذي كَتب مُعظمَ مقالاتِ مجلَّته مُدةَ خمسٍ وعشرينَ سنةً؛ كلُّها سمومٌ تَقْطُرُ حِقدًا على نبي الله - ﷺ - وعلى كتابِ الله "القرآن"، ولو لم يكنْ له إلاَّ كتابُه المسمَّي بـ "خرافات القرآن"، لكفي به عداوةً للنبي - ﷺ - الذي نزل عليه القرآن.
* اللورد كرومر وهجومُه على الإِسلام في كتابه "مصر الحديثة":
يُعَدُّ "إفيلنجُ بارنج كرومر" من كِبارِ دُعاةِ التغريب والاستعماريين في العالم الإسلامي، وواحدًا من الذين وَضعوا مُخطَّطَ السياسة التي جَرى عليها الاستعمارُ -ولا يزال-، في محاولةِ القضاء على مقوماتِ العالَم الإسلامي -والأمةُ العربية جزءٌ منه-، والإيمانِ بأن هذا العملَ الفكريَّ هو أهمُّ الأعمالِ القادرةِ على دَعم نفوذِ الاستعمار وتركيزِ قُوى الغربِ في قلبِ المنطقة، وتُمثلُ كتاباته في تقاريره -وفي كتابه "مصر الحديثة"- خُطَّةَ عَمل كاملةٍ، وأيدلوجيا شاملةً للقضاء على مقوِّمات الفكرِ العربي الإسلامي، وتمزيقِ وِحدةِ العالَم الإسلاميّ، ومقاومةِ القِيَم والمفاهيم العربيةِ والإسلامية.
ولقد أمضى "لورد كرومر" في مصرَ ما لا يَقلُّ عن رُبع قرنٍ قابضًا على زِمام السُّلطات (١٨٨٢ - ١٩٠٦)، وأُتيح له مِن قَبلُ أن يمضِيَ وقتًا في الهند، دَرَس في خلالها مناهجَ الاستعمارِ البريطاني هنالك، وقد عَمِلَ أولَ
[ ٣ / ١٣٤ ]
أمرِه في مصرَ مندوبًا في "صندوق الدين المصري" ١٨٧٧، ثم ما لَبِث أن عُين بعدَ الاحتلالِ البريطاني مباشرةً -مندوبًا ساميًا، ومعتمَدًا لبريطانيا، وُيهِمُّنا في هذه الدراسة أن نتناولَ آثارَه في مجالِ الفكرِ العربي الإسلامي، ومخطَّطَه الذي سار عليه مِن بَعدِه كل دعاةِ التغريبِ، والذي اتخذته منظَّماتُ التبشيرِ ومعاهدُ الإرساليات وكل مَنِ اشتَرَك في مُخططِ العمل (دستورًا) من أجل تأكيدِ النفوذِ الأجنبيِّ عن طريق الفكر.
° وقد تبلورت حَمْلاتُ "كرومر" في نقاطٍ هامةٍ قليلة:
١ - إثارةُ الشبهاتِ حولَ الإسلام، وذلك بالادعاء بأنه دينٌ مُنافٍ للمدنية، ولم يكن صالحا إلاَّ للبيئةِ والزمانِ اللذَينِ وُجد فيهما.
٢ - أن المسلمين لا يُمكنُهم أن يَرْقَوْا في سُلَّم الحضارةِ والتمدُّنِ إلاَّ بعدَ أن يَتركوا دينَهم وَينبِذوا القرآنَ وأوامرَه ظِهريًّا؛ لأنه يأمرُهم بالخُمولِ والتعصُّب، ويبحث فيهم رُوحَ البُغضِ لمن يُخالفُهم والشِّقاقِ وحُبِّ الانتقام، وأن المانعَ الأعظمَ والعَقبةَ الكؤودَ في سبيل رُقِيِّ الأمةِ هو:"القرآن والإسلام".
٣ - أن الإسلام يُناقضُ مدنيةَ هذا العصرِ من حيثُ المرأةُ والرقيقُ، وأن الإسلامَ يجعلُ المرأةَ في مركز مُنحَطٍّ.
٤ - الطعنُ في شريعةِ الإسلام وسياستِه ومعاملاته.
٥ - أن الشابِّ المصريَّ المسلمَ أثناءَ ممارستِه التعليمَ الأوربي يَفقدُ إسلامَه، أو أَفضلَ قِسمٍ منه، ويَقطعُ حَبْلَ المَرساةِ الذي يَربطُه بمرفإِ إيمانه، وأن الشُّبَّانَ الذين يَتلقُّونَ عُلومَهم في أوربا يَفقِدون صِلَتَهم الثقافيةَ
[ ٣ / ١٣٥ ]
١
[ ٣ / ١٣٦ ]
تُعطَي لهم"، وقال: "إن هؤلاء هم حُلفاءُ الأوربيِّ المُصلح ومساعِدوه، وسوف يَجِدُ محبُّو الوطنية المصريةِ أحسَنَ أمل في ترقِّي أتباع الشيخ "محمد عبده"، للحصول على مصرَ مستقلةٍ بالتدريج".
وهذه النصوصُ المنقولةُ من كلماتِ "كرومر" تُمثل جُمَّاعَ ما دعا إليه المبشِّرون والمستشرقون دُعاةُ التغريبِ والشُّعوبيون -وما يزالون يَدْعُون إليه حتى الآن-، وهي مجموعةٌ من الأكاذيبِ المنبعثةِ من التعصُّبِ واستخدام سلاح الشُّبهاتِ للقضاءِ على مقوِّمات الأُمةِ وقِيَم فِكرها، بعد أن تأكَّدَ الاستعمارُ والنفوذُ الأجنبيُّ مِن أن هذه المقوِّماتِ هي مَصدرُ القُوَّةِ في العالَم الإسلاميِّ لمقاومةِ كل ضَغطٍ أجنبي.
وقد استَهدفت هذه الحَملةُ أساسًا قَتْلَ رُوح المقاومةِ والحَمْلةِ على الاستعمار، وخَلْقَ رُوح تدعو إلى تَقَبُّلِه والرضا به والاستسلام له، على أساسِ أنه أمرٌ لا يُمكنُ مقاومتُه، ومِن المصلحة الانتفاعُ بالمستعمِرِين وقَبولُ فِكرِهم وحضارتِهم، وتَقَبُّلُ الحريةِ والاستقلالِ على مراحل، وهذا التيارُ الذي دُعي فيما بعدُ بـ"تيار التعقيل" أو "الالتقاء مع الإنجليز في منتصف الطريق"، وقد ارتَفع هذا الصوتُ في السنواتِ الأخيرة لكرومر، وحاوَلَ خَلْقَ فَلسفةٍ قوامُها تقبلُ الاستعمارِ وصداقتُه وعدمُ معارضته، وذلك بتصويرِ الاحتلالِ على أنه حقيقةٌ واقعة، وكانت حُجَّةُ دعاةِ هذه الحركةِ -التي تُعَدُّ خُطواتُ التغريبِ والشُّعوبيةِ القائمة الآنَ في العالم الإسلامي امتدادًا لها-، كانت حُجَّةُ هذه الحركةِ في "الاعتدال" أو "التعقيل"على أساسِ فَهم سلبي قِوامُه أن التخلُّص من الاحتلالِ يَحتاجُ إلى قوة ليست
[ ٣ / ١٣٧ ]
موجودةً لدى المصريين، وأن الدعوةَ إلى مقاومةِ الاستعمارِ هو إنفاقٌ للوقتِ فيما لا طائلَ تحتَه، وما دام الإنجليزُ هم الذين يُمسِكون زِمامَ الأمورِ وحدَهم، فلا سبيلَ إلى الإصلاح إلاَّ بمُصادقتِهم .. ذَكَره كرومر، وأعاد إلى الذاكرةِ ما وَجَّهه إلى المستشار الإنجليزي عام ١٩٠٥ عندما هاجَمَ الشريعةَ الإسلامية، وقد جاء في ذلك قولُه إلى كرومر: "هل عَنَيتَ بما قُلتَ في تقريرِك الأخيرِ عن الحُكم بالشريعة الإسلامية -التي وُضعت منذُ أكثرَ مِن ألفِ سَنةٍ- الدينَ الإسلاميَ نفسَه الذي هو عبارة عن القرآنِ الكريم والسُّنةِ النبويةِ؟ أم عَنيتَ بذلك الفقهَ الإسلاميَّ الذي وَضَعه الفقهاء؟! ".
وقد رَدَّ كرمر في مَكر ولؤم، فقال: "إنه إنما قَصَد الفقهَ، ولم يَقصِدِ الدينَ الإسلاميَ نفسَه".
° وكان كرومر في تقريره ١٩٠٦ قد هاجَمَ الإسلامَ والفِكرَ العربي الإسلامي في ثلاثةِ مواضع:
١ - إباحة الاسترقاق.
٢ - المرأة.
٣ - اجتماع الأصول المدنية والقانونية في الإسلام.
وقد رَدَّ عليه كثيرون، في مقدمتهم "فريد وجدي"، و"مصطفي الغلاييني"، والدكتور "شبلي شميل".
وإن لم يكن "كرومر" عدوًّا لله ورسوله - ﷺ -، فليس على ظهرِ الأرض لرسول الله - ﷺ - عدوٌّ.
[ ٣ / ١٣٨ ]
* جبرائيل هانوتو يأمرُ الأوربيين بقَطع الصِّلَةِ بين المسلمين والإِسلام، ويدَّعي أن الإِسلامَ يدعو أتباعه إِلى الكسل:
نَشَر "هانوتو" -أحدُ وزراءِ خارجيةِ فرنسا- في "الجورنال" الفرنسية ١٩١٠ بعضَ مقالاتٍ هاجَمَ فيها الإسلامَ والثقافةَ العربيةَ الإسلامية، وقد تَرجم هذه المقالاتِ "محمد مسعود" في "المؤيد" (٢ - ١٥) إبريل ١٩٠٠، وقد نَشر الشيخ "محمد عبده" على الإثرِ مقالاتٍ ردَّ فيها على اتهاماتِ "هانوتو"، كما نشر "فريد وجدي" فصلًا مطوَّلًا.
وقد حَمَلت كلماتُ "هانوتو" عباراتٍ غايةً في العُنف والتعصُّب، ومن ذلك قوله: "الإسلام دين بشري يُثقِلُ معتقديهِ دائمًا، ويغريهم بالكسل أو التسكُّع والتبرء من شرِّ الفسوق، وإن السياسةَ التي تجبُ على أوربا المستعمِرة في الشرق أن تجتذبَها مع المسلمين: هي تلقيحُ أفكارِهم بجانبٍ من الأخلاق الأوربية، وقَطعُ الصِّلةِ بينهم وبين كعبةِ الإسلام".
وأشار إلى كلمات "كيمون" وردَّدها، وقال: "إن "كيمون" دعا إلى نَسفِ الكعبة، ونَقل قبرِ محمدٍ إلى مُتحفِ اللوفر".
وهاجَمَ "هانوتو" أصولَ الإسلام، ودعا قومَه إلى قِتالِ المسلمين والقضاءِ عليهم.
° وقال الشيخ "محمد عبده" في الرد عليه: "لو لم يَعترَّضْ "مسيو هانوتو" إلى الطعنِ في أصل من أصول الإسلام، ما حَرَّكتُ قلمي لذِكرِ اسمِه، وكان حظي من النظرِ في مقالِه هو العظةُ والاعتبار .. يرى الناظرُ في كلام "مسيو هانوتو" لأولِ وَهلةٍ أنه مُقلِّدٌ في التاريخ كما هو مقلِّدٌ في
[ ٣ / ١٣٩ ]
العقائد، وأنه جَمَع خليطًا من الصور، وحَشَرها في ذِهنه، ثم هو سَلَّط قَلَمَه يَنثُرُها كما يشاءُ القَدَرُ لِيُدهِشَ بها مَن لا يَعرفُ الإسلام من الفرنساويين".
° وقال: "يجبُ على الباحثِ في الإسلام أن يَطلُبَه في كِتابه، كما يجبُ عليه أن يَطلُبَ آثارَه، والإسلامُ إسلامٌ، والمسلمون مسلمون، لا أُنكِرُ أن الزمانَ تَجَهَّمَ للمسلمين، كما كان قد تَنكَّر لغيرهم وابتلاهم بمن فَسَد من المتصوِّفة من عِدَّةِ قرون، فبَثُّوا فيهم أوهامًا لا نِسبةَ بينها وبين أصولِ دِينهم، فلَصِقَتْ بأذهانهم لا على أنها عقائدُ، ولكنها وساوس، قد تَملِكُ الجاهلَ وتُربِكُ العاقل، إذا لم يَغلِبْها بعوامل الدينِ الصحيح، فنَشَأ الكسلُ بين المسلمين بفُشُوِّ الجهل بأصولِ دينهم، أمَّا لو رَجَع المسلمون إلى الحقيقةِ مِن دينهم، لأَدوا فرضَهم، واستنبتوا أرضَهم، واستعزُّوا من الثروة، واعتَمدوا في نجاحٍ أعمالهم على مَعونةِ القَدَر، وأيقنوا في صَولتِهم عِلمًا أنْ ليس منَ الموتِ مفرٌّ، ثم سأل صائلُهم على مكانِ العِزة منها، ونال ما يَنالُ القَوِيُّ من الضعيف.
أما لو رَجَع المسلمون إلى كِتابهم، واستَرجعوا باتباعه ما فَقَدوه من آدابهم، لَسَمَتْ نُفوسُهم من العَيب، وطلبوا من أسباب السعادة ما هداهم اللهُ إليه في تنزيله وعلى لِسانِ نبيِّه، واستَجمعت لهم القوة، ودَبَّت فيهم الروحُ قوةً، وكان ما يلقاه "هانوتو وكيمون" من دينٍ صحيح شرًّا عليهما مما يَخْشوه من دين شوهته أيديهما.
ويرى "كيمون" أن يُخلَي وجهُ الأرضِ من الإسلام والمسلمين، ويستحسنُ رأيَ "هانوتو"، لولا ما يَقفُ في طريقِ ذلك من كثرةِ عددِ المسلمين .. وبئسما اختارَا لسياسةِ بلادهما أن يُظهِرا ضِغْنَهما وُيعلِنا رأيهما
[ ٣ / ١٤٠ ]
وضَعْفَ حُلْمِهما.
أمَا فلْيَعلما -ولْيَعلمْ كلُّ مَن يَخدعُ نفسَه بمِثل حُلمِهما- أن الإسلامَ إنْ طالت به غَيبة فله أَوْبَة، وإن صَدَّعَتْه النوائبُ فله نَوْبة.
وقد يقول عنه المُنصِفون اليومَ من الإنكليز -مثل "إسحاق طيار"، وهو قَسٌّ شهير ورئيسُ كنيسة-: " إنه يَمتدُّ في إفريقيا، ومعه تَسيرُ الفضائلُ حيث سار، فالكرمُ والعفافُ والنجدةُ من آثارِه، والشجاعةُ والإقدامُ من أنصاره، ثم هو لا يَزالُ ينتشرُ في الصِّين وغيرِه من أطرافِ آسيا، وستُرشِدُه الحوادثُ إلى طريقِ الرجوع إلى إظهاره، وتَنثني به المُلِمَّاتُ إلى ما كان عليه لأولِ نشأتِه، وتُدرِكُ عند ذلك الأممُ منه خيرَ ما ترجُو إن شاء الله" .. ".
* نشيدُ الجنود الإيطاليين عند غَزْو "ليبيا":
صليبيُّون حتى النخاع .. وعَداءٌ متأصِّل للإسلام، "كان جُنْدِيُّهم يُنادِي بأعلي صوته، حين كان يَلبَسُ بَدلةَ الحرب قادمًا لاستعمارِ بلادِ الإسلام:
أُمَّاه …
أَتِمِّي صَلَاتَكِ .. لا تَبكي ..
بل اضحَكي وتأمَّلي ..
أنا ذاهبٌ إلى طرابلس ..
فرحًا مسرورًا ..
سأبذُلُ دَمي في سبيل سَحقِ الأمَّةِ الملعونة ..
سأحاربُ الديانةَ الإسلامية ..
[ ٣ / ١٤١ ]
سأقاتلُ بكل قوَّتي لِمَحْوِ القرآن (^١).
* غلادستون:
° قال "غلادستون" -رئيس وزراء بريطانيا سابقًا-: "ما دام هذا القرآنُ موجودًا في أيدي المسلمين، فلن تستطيعَ أوربا السيطرةَ على الشرق، ولا أن تكونَ هي نفسُها في أمانٍ" (^٢).
* وليم جيفورد بالكراف:
° قال المبشِّرُ "وليم جيفورد بالكراف": "متى توارَى القرآنُ ومدينة "مكة" عن بلاد العرب، يمكنُنا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في طريقِ الحضارة الغربية بعيدًا عن محمدٍ وكتابه" (^٣).
* تاكلي:
° قال المبشر "تاكلي": "يجبُ أن نستخدمَ القرآنَ -وهو أمضى سلاح في الإسلام- ضِدَّ الإسلام نفسِه حتى نقضيَ عليه تمامًا، يجبُ أن نُبين للمسلمين أن الصحيحَ في القرآنِ ليس جديدًا، وأن الجديدَ فيه ليس صحيحا" (^٤).
* غاردنر:
° يقول "غاردنر": "إن الحروبَ الصليبيَّةَ لم تكن لإنقاذِ القُدسِ، إنها
_________________
(١) "قادة الغرب يقولون: دمِّروا الإسلام أبيدوا أهله" (ص ١٠).
(٢) المصدر السابق (ص ٤٠، ٦٧ - ٦٨).
(٣) المصدر السابق (ص ٦٨).
(٤) المصدر السابق (ص ٦٨).
[ ٣ / ١٤٢ ]
كانت لتدميرِ الإسلام" (^١).
* مورو بيرجر:
° يقول "موروبيجر" في كتابه "العالم العربي": "لقد ثبت تاريخيًّا أن قوَّة العربِ تعني قوةَ الإسلام، فليُدَمِّروا العربَ لِيدمِّروا بتدميرهم الإسلام" (^٢).
* اليونسكو:
وضع الغربُ الصليبي الكُتُبَ التي تَطعَنُ في الإسلام، وتُشككُ في مبادئِه، وتَغمِزُ نبيه - ﷺ - .. وشاركت في هذا المنظَّماتُ الدولية.
من هذه الكتب "موسوعة تاريخ الجنس البشري وتقدُّمه الثقافي والعلمي" الذي أصدرته "منظمة العلوم والثقافة" (اليونسكو) للأمم المتحدة فقد جاء في الفصل العاشر من المجلد الثالث ما يلي:
١ - الإسلامُ ترتيب مُلَفَّقٌ من اليهودية والمسيحية والوثنية العربية.
٢ - القرآنُ كتاب ليس فيه بلاغة.
٣ - الأحاديثُ النبويةُ وُضِعت من قِبَل بعضِ الناس بعدَ الرسول - ﷺ - بفترةٍ طويلةٍ، ونُسِبت إلى الرسول - ﷺ -.
٤ - وَضَع الفقهاءُ المسلمون الفِقهَ الإسلاميَّ مُستنِدِين إلى القانونِ الروماني والقانونِ الفارسي والتوراةِ وقوانين الكنيسة.
٥ - لا قيمةَ للمرأة في المجتمع الإسلامي.
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٥٩).
(٢) المصدر السابق (ص ٧٨ - ٧٩).
[ ٣ / ١٤٣ ]
٦ - أرهَقَ الإسلامُ أهلَ الذِّمَّة بالجزية والخَرَاج (^١).
هكذا يكتبون بهذا الحِقد وهذه الحقارةِ والكذبِ في أعلي هيئةٍ ثقافيةٍ تابعةِ للأمم المتحدة دون حياءٍ، إنه حِقدُهم الأسود (^٢).
* اليهود عند دخولهم "القدس" عام ١٩٦٧:
عندما دخلت قوَّاتُ إسرائيل القدسَ عام ١٩٦٧ م تجمهر الجنودُ حولَ "حائط المبكَي"، وأخذوا يَهتفون مع "موشى ديان": "هذا يومٌ بيوم خيبر .. يا لَثاراتِ خيبر".
وتابعوا هتافَهم: حُطُّوا المشمش عالتفَّاح، دين محمد ولَّى وراح …
وهتفوا أيضًا: محمد مات .. خَلَّف بنات ..
° كلُّ ذلك دعا الشاعر "محمد الفيتوري" إلى تنظيم قصيدتهِ في رسول الله - ﷺ - قائلًا:
يا سيدي ..
عليك أفضلُ الصلاةِ والسلام.
مِن أُمَّة مضاعَةٍ
تَقذِفُها حضارةُ الخرابِ والظلام ..
يا سيِّدي ..
منذُ رَدَمنا البحر بالسُّدود
_________________
(١) مجلة "التمدن الإسلامي" مجلد (٤٤) عدد ٧، (ص ٥٠٨)، تموز ١٩٧٧.
(٢) "قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام وأبيدو أهله" (ص ٧٨).
[ ٣ / ١٤٤ ]
وانتصبَتْ ما بيننا الحدود
متنا ..
وداستْ فوقنا ماشيةُ اليهود (^١).
* تيودو نولدكه [١٨٣٦ - ١٩٣٠ م]:
° تكلَّم المستشرقُ الألماني "تيودر نولدكه" في كتابه "من تاريخ القرآن" عن: "لغة القرآن المتراخية والركيكة .. وتكراراتِه التي لا تنتهي، والتي يَستحي الرسولُ من استخدام الكلماتِ نفسِها فيها، والبراهينِ التي تُعوِزُها الدِّقةُ والوضوح، والتي لا تُقنعُ إلاَّ المؤمنين من البداية بالعاقبة النهائية .. والقصصِ التي لا تُقدِّم إلاَّ قليلًا من التنوُّعُ، والتي كثيرًا ما تَجعلُ آياتِ الوحيِ أقربَ إلى المَلَل والسآمة .. فأسلوبُ القرآن فيه عيوبٌ كثيرة، عيوبٌ غيرُ موجودة في القصائِدِ العربيةِ القديمةِ ولا في أخبارِ العرب .. وأفكارُه ضَحْلَةٌ وساذَجة وبدائية"!!! (^٢).
* إِيجانس جولد تسيهر (١٨٥٠ - ١٩٢١):
مستشرقٌ يهوديٌ من أصلٍ مَجَريٍّ، عَمِل أستاذًا في جامعة "بودابست" .. يُعَدُّ من كبارِ أئمَةِ الدراسات الإسلامية في أوروبا، كَتَب العديدَ من البحوثِ عن الإسلام باللغاتِ الألمانية والإنجليزية والفرنسية وغيرها، وقد شَكَّك في الأحاديثِ النبوية، واعتبرها في جُملتِها تَعكسُ
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣٦ - ٣٧).
(٢) "الغرب والإسلام .. أين الخطأ؟ وأين الصواب؟ … " (ص ٧٢) - للدكتور محمد عمارة- مكتبة الشروق الدولية- القاهرة.
[ ٣ / ١٤٥ ]
تطوُّرَ الإسلام الديني والتاريخي والاجتماعيَّ في القرنَيْنِ الأولِ والثاني، وقد تلقَّف كثيرٌ من المستشرقين مِن بعده هذا الزَّعْمَ، وبَنَوا عليه الكثيرَ من النتائج.
ومن مؤلَّفاته: "العقيدة والشريعة في الإسلام"، و"دراسات إسلامية" في جزأين، وكان يهوديًّا متعصبًا متحامِلًا على الإسلام.
° قال عنه الشيخ "محمد الغزالي" في كتابه "دفاع عن العقيدة والشريعة ضدَّ مطاعِنِ المستشرقين": "إنه من أعمدةِ المستشرقين ودُهاتِهم، ولا شكَّ أنه قرأ كثيرًا من الأصولِ والمصنَّفاتِ الإسلامية، ولكنه منذ قرأ وكَتَب، لم يَحمِلْ بين جَنبَيْهِ إلاَّ فؤادًا مُترَعًا بتكذيبِ الإسلام، فهو يَدُسُّ إصبَعَه في كل شيءٍ، لِيتَّخذَ من أيِّ شيءٍ دليلًا على أنَّ محمَّدًا كاذب، وقرآنَه مُفتَعَلٌ، وسُنّتَه مختلَقةٌ، والإسلامَ كلَّه منذ جاء -وإلى أن بلغنا- "مجموعة مفتريات" .. ".
° وقال عنه الدكتور "محمد البهي" في كتابه "الفكر الإسلامي الحديث وصِلته بالاستعمار الغربي": "عُرِف بِعَدائه للإسلام، وبخطورةِ كتاباتِه عنه، ومِن مُحرري "دائرةِ المعارف الإسلامية"، وكَتب عن القرآنِ والحديث، ومن كُتبه "تاريخ مذاهب التفسير الإسلامي" .. ".
هذا المستشرقُ أشاد به أساتذة ومُفكرون مسلمون كبار، مثل الدكتور "عبد الرحمن بدوي"، والدكتور " أبو العلا عفيفي" رَغمَ ما في كتاباته من تشكيكٍ في أصولِ الإسلام، والدَّأبِ في إثباتِ أنَّ رسولَ الإسلام - ﷺ - لم يأتِ بجديد، ولكنه سَرَق كلَّ شيءٍ من اليهود والمسيحيين؛ ولأنه كان ذا
[ ٣ / ١٤٦ ]
منزلةٍ كبيرةٍ بين المستشرقين وصاحبَ مدرسةٍ في الاستشراق، فقد أثر في كثير من الدارِسين للإسلام الألمانِ وغيرِ الألمان، ومازال تأثيرُه مستمرًّا إلى اليوم، ولا تزالُ كُتبُه المليئةُ بالسموم تُعتبر من أهم مراجع طَلَبةِ الدراساتِ الإسلاميةِ في جامعات أوربا .. بل والجامعات العربية! (^١).
* جوزيف فان إِس، العدوُّ اللَّدود للنبي - ﷺ -:
أما المستشرق "جوزيف فان إس" الذي يَعملُ أستاذَ كرسيٍّ في "معهدِ الاستشراق بجامعة تيبنجن" في ألمانيا، فيقول الدكتور "ثابت عيد": "إنه قابَلَه ليناقشَه في موضوع "الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم" فوجده يَشُنُّ هُجومًا عنيفًا على لُغة القرآن، ويُدافعُ عن "مسيلِمة الكذاب"، ويُوجِّهُ الشتائمَ إلى المؤرخين المسلمين لأنهم أطلقوا عليه اسم "الكذاب" .. ".
° وحينَ قال له "ثابت عيد": "إن محاولةَ "مسيلِمة الكذاب" تقليدَ القرآن مُضحِكة، ولُغتَه في غايةِ الركاكة"، زأر في وجهه غاضبًا وقال: "هذه أقاويلكم أنتم -المسلمون- وهي كاذبة".
وما كاد هذا المستشرقُ يَسمعُ عن مشروع الباحث العراقي الدكتور "عبد الأمير الأعسم" لِجَمع كل ما كتبه ابنُ الراوَندي وكل ما كُتب عنه، حتى سارع بتشجيعِه ومساعدته، بل إنه ساهَم ببحثٍ خاصٍّ في هذا المشروع بعنوان "الفارابي وابن الراوَندي" .. ويتهكَّمُ "جوزيف فان إس" على الله -سبحانه وتعالي-، ويسخرُ من المسلمين في كتابه عن
_________________
(١) "صناعة العداء للإسلام" لرجب البنا (ص ٣٢٢).
[ ٣ / ١٤٧ ]
الإسلام ويقول فيه: "إن اللهَ يتكلَّمُ اللغةَ العربيةَ ولا يخطئ في النحو! " ..
أستغفر الله.
° ويقول ثابت عيد: "إن "جوزيف فان إس" شديدُ التحامل على الإسلام عندما يكون في قلعته في جامعة "تيبنجن"، ولكن عندما تضطرُّه الظروفُ للسفر إلى دولةِ إسلامية فإنه يَلبَسُ قِناعًا آخَرَ، فلا يتحدَّثُ عن الإسلام إلاَّ بالمدح، ومنذ سنواتٍ جاء إلى القاهرة لإلقاءِ محاضرةٍ في الجامعة الأمريكية، فتحدَّث عن الجامعات في بلاد الإسلام، وامتَدَح الإسلام، ولما عاد إلى ألمانيا استمر يواصلُ السَّبَّ واللعنَ في الإسلام".
° ويقول ثابت عيد: "إن عداء "جوزيف فان إس" للإسلام أشدُّ من عداء سَلمان رُشدي صاحب رواية "آيات شيطانية" التي تضمنت اتهاماتٍ مُقذِعةً للإسلام وللرسول - ﷺ - وزوجاته وبناته" (^١).
كذلك "اهتمَّ "فان إس" بما جاء في "سِيرة ابن هشام" عن النضْرِ بنِ الحارث الذي سَبَق مسيلِمةَ الكذابَ في محاولةِ تقليدِ القرآن، وقال عنه ابن هشام: " .. وكان النضرُ بنُ الحارث من شياطينِ قريش، وممن كانوا يُؤذُون رسولَ الله - ﷺ -، ويَنصِبون له العَداوة، وكان قد قدم "الحِيرةَ"، وتعلَّم بها أحاديثَ ملوك الفرس، وأحاديثَ رُستم واسفنديار، فكان إذا جَلس رسولُ الله - ﷺ - مجلسًا فذكر فيه اللهَ، وحَذَّر قومَه ما أصاب مَن قبلهم من الأمم مِن نقمة الله، خَلَفَه في مجلسه، ثم قال: أنا واللهِ -يا معشر قريش- أحسنُ حديثًا منه، فهلمَّ إلي، فأنا أحدثكم أحسنَ من حديثه، ثم يُحدثهم
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣٢٤ - ٣٢٥).
[ ٣ / ١٤٨ ]
عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمدٌ أحسنُ حديثًا منِّي؟ ".
° وقال ابنُ هشام عن النضرِ بن الحارث: "وهو الذي قال -فيما بلغني-: سأنزِلُ مثلَ ما أنزل الله! " (^١).
لماذا يَهيمُ وَيعجَبُ "فان إس" كل هذا الإعجاب بابن الراوَندي أكبرِ شخصيتهٍ مُلحِدةٍ في تاريخ الإسلام؟!.
ابنُ الراوندي الذي "وضع لليهود كتاب "البصيرة" ردًّا على الإسلام مقابلَ أربَعمِئةِ درهم أخَذَها من يهود "سامرا"، فلمَّا أخَذَ المالَ أراد نَقضَ ما في كتابه هذا، حتى أعطوه مئةَ درهم أخرى، وله كتابُ "الزمرد" يُبرهِنُ فيه على إبطالِ النبوَّات، وكتاب "الفرند" في الطعن على رسول الله - ﷺ -، وكتاب "التاج" في الردِّ على الموحدين، وكتاب "عبث الحكمة" وكتاب "الدامغ" في الردِّ على القرآن، وكتب "فضيحة المعتزلة" .. وتصدَّى له فلاسفةُ المعتزلة من أمثالِ أبي الحسن الخياط، وأبي علي الجُبائي، والقاضي عبد الجبار.
° وقال ابنُ الراوَندي: "إن الرسول - ﷺ - أتى بما كان منافرًا للعقولِ مثل الصلاة، وغُسل الجنابة، ورَمْي الحجارة، والطوافِ حولَ بيتِ لا يَسمعُ ولا يُبصِر، والعَدْوِ بين حَجَرَينِ لا يَنفعانِ ولا يَضُران، وهذا كله لا يَقتضيه عقل، فما الفرقُ بين "الصفا والمروة" إلاَّ كالفَرقِ بين "أبي قبيس وحِرَى" (جبلان في مكة) وما الطواف بالبيت إلا كالطوافِ على غيره من البيوت".
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣٢٨ - ٣٢٩).
[ ٣ / ١٤٩ ]
° ويقول: "إن الملائكةَ الذين أنزلهم الله يوم "بدر" لنُصرةِ النبي - ﷺبزعمكم-، كانوا مغلولي الشَّوكة، قليلي البَطْشة على كثرةِ عَددهم واجتماع أيديهم وأيدِي المسلمين، فلم يَقدِروا على أن يَقتُلوا زيادةً على سبعين رجلًا .. أين كانت الملائكةُ يومَ "أُحُد" لَمَّا توارَى النبي - ﷺ - ما بين القتلى فَزَعًا، وما بالُه ما ينصروه في ذلك المقام؟ ".
° ويقول عن القرآن: "إنا نجدُ في كلام أكثَمَ الصيفي شيئًا أحسَنَ من ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ".
وما قاله ابنُ الراوَندي كثير .. ولا أُريدُ أن أنقُلَ كل ما قاله وذكره الدكتور "ثابت عيد" في بحثه، أُريدُ فقط أن أُدلِّلَ على أن صناعةَ العَداءِ للإسلام كانت من خارج الإسلام، وكانت أيضًا من الطابور الخامس الذي كان محسوبًا على المسلمين وأساء إلى الإسلام، وأعطي للمستشرقين وأعداءِ الإسلام في الخارج ما يُحارِبون به الإسلام.
وهدفي من ذلك أن أُحذِّرَ المسلمين لكي ينتبِهوا إلى كلِّ كلمةٍ تُقال على لسانِ مسلم أو غير مسلم، ولا يستبعدوا أن يكون في صفوفِ المسلمين خائنٌ لربِّه ودينه" (^١).
* المستشرق جاك فاردينبورج وزوجته:
ويذكر "ثابت عيد" المستشرقَ اليهوديَّ الهولنديَّ "جاك فاردينبورج"، وهذا المستشرق أستاذُ كرسي الأديان بجامعة "لوزان" بسويسرا، وله كتاب بعنوان "الإسلام في مِرآة الغرب"، وزوجتُه أيضًا يهودية متعصِّبة، حَصَلَت
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣٣٢).
[ ٣ / ١٥٠ ]
على الدكتوراة في الأدب العربي في جامعة "أكسفورد" تحت إشراف أستاذ مصري هو الدكتور "مصطفي بدوي"، وعندما سألها "ثابت عيد": لماذا اختارت الأدبَ الإسلامي قالت له: لكي أتحاشى المواقفَ الصعبةَ عندما أذهبُ إلى الدولِ الإسلامية .. مع أنها هي التي قالت: "إن محمدًا سَرَق منا الصيامَ في يوم عاشوراء وإنه كَتَب القرآن بنفسه" (^١).
* أوجست فيشر:
المستشرق الألماني "أوجست فيشر"، له مقالٌ بعنوان "في مسألة ترجمات القرآن"، وقد أثبت فيه أنه ليس هناك كتابٌ عربي له هذا القَدْرُ الهائلُ من الترجمات مِثلُ القرآن، وتزدادُ هذه الترجماتُ من سَنَةٍ إلى أخرى، ولكنْ لم تتمَّ ترجمةُ معاني القرآن إلى اللغات الأخرى ترجمةً دقيقةً وصادقةً، لصعوبة نَقل هذه المعاني إلى لغاتٍ أخرى، وعدم وجودِ المؤهَّلين لهذا العمل، و"فيشر" ينتقدُ جَميعَ المُترجِمِين الألمان لمعاني القرآن الكريم لأسبابٍ كثيرة؛ مِن بينها عدمُ إلمام معظمِهم بقواعدِ النحوِ العربي وبالأساليبِ والتعبيراتِ اللغويةِ العربية، ولأن غايتَهم هي البحثُ في القرآن عن عناصرَ مسيحيةٍ ويهوديةٍ، وتجاهُلُهم لحقيقةِ أن هذا القرآنَ عربي.
° ويضربُ "فيشر" مثلًا على الأخطاءِ التي وقع فيها المستشرقون الألمان الذين ترجَموا معاني القرآن فيقول: "إنهم لم يَفهموا معنى أربع آياتٍ من الآياتِ الخمسِ المكوِّنة لسورة "المسد"، فقد أخطؤوا في ترجمة معاني
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣٢٥).
[ ٣ / ١٥١ ]
أربع آيات، والآيةُ الوحيدةُ التي نَجَحوا في ترجمتها كانت الآية الثالثة ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ".
ومع ذلك فقد لاحظ الدكتور "ثابت عيد" أن "فيشر" نفسَه وقع في خطأٍ فاحشٍ مِثلَ كلِّ المستشرقين، إذِ اعتَبَر القرآنَ من تأليفِ محمدٍ - ﷺ -، ونظر إليه على أنه نصٌّ أدبيٌّ لا يختلفُ كثيرًا عن النصوص الأدبية في الشِّعر والنثر العربي، وبالتالي اعتقد أن يُمكنُ إخضاعُه للتحليل اللغوي والتاريخي والتعامل معه كما يتمُّ التعاملُ مع أيِّ نصٍّ آخَرَ في التراثِ العربي، وعلى ذلك قال: إن القرآن يَعيبه انعدامُ النظام في تركيبِ وترتيبِ الآيات، وإنَّ السورَ الطويلةَ تتكوَّنُ من آياتٍ غيرِ متجانسةٍ، ونَزَلت في أوقاتٍ متبايِنةٍ ومتباعِدة، وهذا يجعلُ مهمةَ المترجِمِين أكثرَ صعوبةً!! " (^١).
* المستشرق الألماني رودي بارت:
له ترجمةٌ لمعاني القرآن تَحظَي باحترامٍ كبير في معاهِدِ الاستشراق، في أوربا، ويعتبرونها أفضلَ ترجمةٍ ألمانيةٍ لمعاني القرآن، وقد ظهرت هذه الترجمةُ في مجلَّدين؛ أولهما يتضمَّن ترجمةَ النصِّ القرآني صدر عام ١٩٦٦ .. والثاني: يتضمنُ تعليقاتٍ وفهارسَ، وصدر عام ١٩٧١، ولكن "رودي بارت" عاد في عام ١٩٧٤ ونَشَر مقالًا بعنوان "البحوث القرآنية" أشار فيه إلى أنه كرَّس الجُزءَ الأكبَرَ من حياتِه العلميةِ في دراسةِ القرآنِ وترجمةِ معانيه إلى اللغةِ الألمانية، وأنه قرأ ترجمةَ "ريتشارد بيل" الإنجليزية لمعاني القرآن التي ظهرت سنة ١٩٣٧، وعلى ترجمة "بلاشير" الفرنسية
_________________
(١) "صناعة العداء للإسلام" (ص ٣٣٣).
[ ٣ / ١٥٢ ]
التي نشرت عام ١٩٤٩، واطَّلع اطلاعًا وافيًا على "تفسير الطبري" في أجزائِهِ الثلاثين المطبوع في القاهرة عام ١٩٠٣، في عشرةِ مجلَّدات، وعلى "تفسير الزمخشري" في أربعةِ مجلدات الصادر في القاهرة عام ١٩٥٣، وكذلك رَجَع في بعضِ المواضع إلى "تفسير البيضاوي"، في مجلَّدين طبعة "ليبزج" سنة ١٨٤٦، وأنه في منتهي الحِرص والحذرِ وهو يرجعُ إلى هذه الكتب، على عكسِ المترجِمين الآخَرِين الذين نَقَلوا بعضَ التفسيرات الغامضة، وأنه كان على وعي بضرورةِ ترجمةِ النصِّ بمعناه الذي أَخبَرَ به محمد - ﷺ -، كما أنه حَرِص على تفسيرِ القرآن بالاستعانةِ بالقرآن ذاتِه، ومع ذلك فإنه يعترفُ بأنه وَقَع في بعضِ الأخطاء في ترجمتِه لمعاني القرآن.
° ويُعلِّق "ثابت عيد" على ذلك بأن "رودي بارت" عبقري، ولكن ماذا تنفعُنا عبقريته إذا كان لا يؤمنُ أصلًا بصحَّةِ ما يُترجِمُه، وإذا كان همُّه الأكبرُ إثبات أن محمدًا - ﷺ - سَرَق هذا وذاك من النصاري واليهود، وإذا كان يتعاملُ مع القرآن كما يتعاملُ مع أيِّ نصٍّ أدبى، وقد ظَهَر ما يُخفيه في ضميره دون أن يَدري حين قال: "إن السورة الثانية "البقرة" تتحدَّثُ في الآيات من ٦٧ حتى ٧٣ عن ذبح بقرة، ويبدو أن الآيات من ٦٧ حتى ٧١ مطابقة تمامًا لِمَا ورد في التوراة".
ولا يَملِك الإنسانُ إلاَّ أن يتفقَ مع ما توصَّل إليه "ثابت عيد" من أن ترجمةَ معاني القرآن إلى اللغاتِ الأجنبية يستحيلُ على غيرِ المسلمين أن يقوموا بها بدقَّة .. ولقد أخطأ "رودي بارت" في ترجمة "النبي الأمي"،
[ ٣ / ١٥٣ ]
ولأن المستشرقين يَدَّعون أن الرسول - ﷺ - هو مؤلِّفُ القرآن، فهم يَرَون أنه لابدَّ أن يكونَ مُتقنًا للقراءة والكتابة، ولذلك جاءت قريحةُ "رودي بارت" بترجمةِ كلمة "الأمي" إلى كلمة "الوثني" أو "الكافر"، وهكذا يُحرِّفون الكَلِمَ في مواضِعه، كذلك فعل "رودي بارت" بلفظ "الجهاد" الذي يُعرفه الجُرجانيُّ في كتابه "التعريفات"، فيقول: "الجهاد هو الدعاءُ إلى الدين الحق"، إلاَّ أن الأوربيين ما زالوا مُصممين على أن الجهادَ يَعني "الحربَ المقدَّسةَ ضدَّ غيرِ المسلمين"، وحتى "رودي بارت" -الذي يُعتبر أكثَرَ المترجمين دِقَّةً- ترجَمَ لفظَ "الجهاد" إلى لفظ "الحرب" .. وهكذا، فإن الترجمةَ التي تُعتبرُ أفضلَ ترجمةٍ لمعاني القرآن تتضمَّنُ طَعنًا في الإسلام، وتُشكِّكُ في قواعِدِه وأصوله (^١).
* الفيلسوف الفرنسي بونودي كونديلاك:
° قال الفيلسوف الفرنسي "بونودي كونديلاك" في كتابه "التاريخ الحديث" عن نزولِ القرآن على الرسول - ﷺ -: "لقد كَوَّن مشروعَه بمحض الصدفة، وسانَدَه بفضل جُرأةِ احتياله، واستطاع أن يُتِمَّه لأنَّ الظروفَ ساعَدَتْه على ذلك، فقد كان مصابًا بالصَّرَع، وذاتَ يوم فاجأَته زوجتُه "كاديج" في إحدى النَّوبات، وتَخيَّلت أنه في حالةِ وَجْدٍ .. واستَغلَّ محمدٌ سذاجتَها، وأكَّد لها أنه يَرى الرؤيا، وأن اللهَ يُحدثه خلالَها عن طريقِ الملاك "جيريل"، وقامت "كاديج" بنَقل ذلك إلى نساءٍ أُخرَيَاتٍ مُعلِنةً أن زوْجَها نبيٌّ، وانتَشَر الخَبَرُ، وتراكمت النبوءاتُ مع تراكُم الكلام وتزايُدِه، فقامت
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣٣٤ - ٣٣٦).
[ ٣ / ١٥٤ ]
الجماهيرُ باتباع ذلك الرجل المهمِّ الذي أقنعهم بسَخَاءِ خياله، وقد صَدَر هذا العامَ "عام ١٧٦٧" (^١).
* الأب لويس موريري:
° وقبل ذلك قال الأب "لويس موريري" في "القاموس التاريخي الكبير" سنة ١٦٧٤: "محمدٌ نبيٌّ مزيف، عربيُّ المَوطن، ولد عام ٥٧١، فقد والدَيهِ وهو طفل، وقام عمُّه أبو طالب بتربيته، ودَفَعَه الفقرُ إلى أن يَخدُمَ عند أحدِ التجار العرب، وعند وفاةِ هذا التاجر قام بإمتاع أرملتِه "كاديج" لدرجةِ أنه تزوَجها، وأصبح وريثَها الوحيد، فاستخدم أموالَها في خِدمةِ طموحاته .. وبعد ذلك شارك كلّ مِن "باتيراس" -وهو هرطقي يعقوبي-، والأب "سرجيوس" -وهو واهب نسطوري-، وعاونه بعضُ اليهود على تجميع قرآنه، وبذلك أصبح دينُه مكونا جزئيًّا من اليهودية، وجُزءً آخَرَ من أحلام هَرطقيةٍ واستسهالاتٍ جِنسيةٍ لطبيعةٍ منحرفة .. وقامت جماعةٌ من اللصوص الذين لا يَعرِفون اللهَ ولا الدين باعتناقِ هذه الديانة" (^٢).
* دومنيك بودييه الفرنسي:
° قال عالِمُ الإنسانياتِ الفرنسي "دومنيك بودييه" في سنة ١٦٣٢ في كتابه "التاريخ العام للأتراك": "إن المعجزات من علاماتِ الأنبياء .. وبما أن محمدًا لم يكن بُوسعِه أن يُقدِّمَ للناس ما يؤكِّدُ معجزاتهِ، فقد استعان بالخُدعَ والخرافةِ لِيسوقَ أفكارَ شَعبِهِ الفظِّ الجاهل، ويَفرِضَها على كلِّ العرب، وفي
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣٣٦).
(٢) المصدر السابق (ص ٣٣٦).
[ ٣ / ١٥٥ ]
محاولةٍ منه لاستتبابِ المَشْرَع بمعجزاتٍ جديدة كان يجمعُ الشعبَ في المَيدانِ العام ليكونَ شاهدًا على أن رُوحَ الله يَنزلُ عليه، وبينما هو منساقٌ في اختراع الأقاصيصِ الجديدة، كانت هناك حَمامة مدرَّبةٌ تطيرُ من مكانٍ، ما قُربَ مَنكِبَيهِ، وتَلتقطُ الحَبَّ الذي كان يَضعُه لها في فتحةِ أُذنه، مُوهِمًا العربَ بذلك أنها كانت تُملِي عليه إرادةَ الله وكلماتِ شريعته".
هل يُمكنُ أن يُصدقَ إنسانٌ عاقلٌ مِثلَ هذه الخرافات؟! ولكن ما حَدَثَ أن كثيرًا من الأوربيين صَدَّقوها ضِمنَ الحَملةِ على الإسلام وكتابِه ونبيِّه .. وفي كتاب الدكتورة "زينب عبد العزيز" مئاتٌ من النصوص والإشاراتِ إلى كُتبٍ ومراجعَ من هذا النوع منذ القرنِ السادس الميلادي حتى اليوم .. وحتى "اللورد كرومر" في كتابه "مصر الحديثة" سنة ١٩٠٨ قال: "إنَّ القرآنَ هو المسؤول عن تأخُّر مصرَ في مِضمارِ الحضارةِ الحديثة" .. وذلك ما اتَّبعه المستشرقُ الفرنسيُّ الشهورُ "جاك بيرك" في ترجمتِه للقرآن التي صَدَرت عام ١٩٩٠ م.
* جان بيرك:
والحقيقةُ أن ما جاء في دراسة الدكتورة "زينب عبد العزيز" لترجمة "جاك بيرك" لمعاني القرآن إلى الفرنسية يُعتبر مفاجأةً للعرب وللمسلمين؛ لأن "جاك بيرك" معروفٌ عند الباحثين العربِ والمسلمين بأنه مُنصِفٌ للعرب وللمسلمين، حتى إنه حَصَل على عُضوية مَجْمَع اللغةِ العربية في مصر، وهذه الترجمةُ استغرقت ما يَزيدُ على عَشْرِ سنواتٍ -على حدِّ قوله-، وهو يقول: "إنه أقدَمَ على ترجمةِ معاني القرآن لأنه لاحَظَ أن كثيرًا من
[ ٣ / ١٥٦ ]
الناس والمفكرين يَنبِذُون الآنَ الصورةَ الماديةَ للحياة المعاصِرة، ويَرفُضون المجتمعَ الاستهلاكي، هذَا المجتمعُ المادي المحض، ويُفضلون مدينةَ الإسلام الروحيةِ على المدينة المعاصِرة، ويُنادون بالعَودةِ إليها، فكأنه أراد بهذه الترجمةِ الحدَّ من هذه المَوجةِ الآخِذةِ في الانتشارِ في الانجذاب إلى الإسلام.
° وتُلخصُ الدكتورة "زينب عبد العزيز" المَحاوِرَ الأساسيةَ التي تَناوَلَها في المقدمة، ومنها:
- التشكيك في نزولِ وترتيبِ وتجميع القرآن.
- تأثر القرآنِ بالشعر الجاهلي، وبالفكرِ اليوناني القديم.
- تأثُّرُ القرآن بمزاميرِ داود.
- احتواءُ القرآنِ على أساطيرَ ترى التاريخَ سلسلة من الكوارث.
- فظاظةُ صورةِ "الله" كما هي واردةٌ في القرآن.
- غموضُ التعبيرِ في الأحكام مما سَمَح للمفسِّرين بحريَّةِ التصرُّف، وكانت النتيجة أن كل مَذهبٍ غير مقبولٍ من المذاهب الأخرى.
- تناقضُ الشريعةِ التي جاء بها القرآن، ممَا أدَّى إلى ظهورِ الجماعاتِ الإسلامية، وإلي القول بعدم فَصل الدين عن السياسة.
- ضرب العِلمانية الحديثة.
- إثارةُ قضيةِ "خلق القرآن" التي تحوَّلت إلى فتنةٍ بين المسلمين.
- تحريفُ القرآن للأساطير.
- اتهامُ المفسِّرين بإلغاءِ بعضِ الآياتِ أو تحريفِ معناها.
- وجودُ تشابهٍ بين مفهوم "اللَّه" في القرآن ومفهوم "الله" في الفِكرِ اليوناني، وخاصة "بارمنيدس"، وتأثرُ القرآن بأصداءِ القانون المدنيِّ وتقنينِ
[ ٣ / ١٥٧ ]
الكنيسةِ السورية، والأخذُ من الميراثِ الجاهليِّ وميراثِ اليونانيين بعد أنْ فَرَضَ على كل منهما تعديلاتٍ استعلائيةً صارمة.
- إن مشكلةَ الإسلام اليوم "الانفصالُ بين العقيدة ومسيرةِ العالم الفعلية، بل مسيرة العالم الإسلامي نفسه"، فالإسلامُ يَلجأ إلى الأصول، ولا يَنقُلُها إلى الحاضر، و"الذكي" الحقيقي هو الذي يُحوِّلُ الذكرى إلى مستقبل، وهي عمليةٌ خَلافة تُدمجُ العَصريةَ بالأصالةِ لمواجهةِ التجديدات التي يَجبُ على كلِّ نظام في العالَم الحالي أن يَقترحَ الحلولَ الممكنةَ لها، فالثورةُ التكنولوجية والعلمية تتعدَّى مراحلَ لم تَصِلْ إليها مِن قبلُ، وانعكاساتُ هذه الثورةِ على التصرفاتِ الفرديةِ والجماعية، والتوحُّدِ المتزايدِ للكُرة الأرضية والتحدياتِ الناتجة عنه، بالإضافة إلى متطلَّباتِ جماهيرِ العالَم الثالث في مجال الحريَّات، وحقوق الإنسان، والرفاهية.
"جاك بيرك" ترجم سورة "الإسراء"، فجعلها "المسيرة الليلية"، وأضاف إلى هذا العنوان عنوانًا آخَرَ هو "أو أبناء إسرائيل"، وهذا -طبعًا- غيرُ واردٍ في المصاحف، وترجَمَ اسم سورة "غافر" إلى "المؤمن أو المتسامح"، وسورة "النصر" ترجَمَها إلى "النجدة المنتصرة"، ولم يَستخدْم كلمة "النصر" الفرنسيةَ أبدًا رغم أنها تكرَّرت في القرآنِ ما يَقرُبُ من مئةِ مرة، وكأنه يأبى كتابةَ "النصر للإسلام" أو كتابة "أن الإسلام انتصر"، وسورة "الفتح" ترجَمَها بما معناه "أنَّ كلَّ شيءٍ ينفتح"، وسورة "الروم" ترجَمها باسم "روما" عاصمة إيطاليا!، وسورة "الملك" ترجمها بكلمةٍ تعني "المِلكية"، عِلمًا بأن كلمة "المُلك" بمعنى "ملكوت الله" موجودةٌ في اللغةِ
[ ٣ / ١٥٨ ]
الفرنسية، ومستخدَمةٌ في "العهد القديم" و" العهد الجديد" في الإنجليل، وسورة "التكاثر" ترجَمَها إلى ما معناه "التنافسُ عن طريق العدد".
° تقول الدكتورة "زينب عبد العزيز": "إنه لا يمكنُ أن تكونَ هذه الأخطاءُ صَدَرت عن المستشرق الكبير "جاك بيرك" بدون قصدٍ، فهذا مستبعَدٌ لمن كان في مِثل مكانته العلمية، والتفسيرُ الوحيدُ لذلك أنه تمَّ بسُوءِ قَصدٍ، بدليل أنه أصر على ترجمةِ كلمة "الرسول" ومعناها في القرآن "النبي" - ﷺ -، فلم يستخدم كلمة "النبي" ليُبعِدَ عن ذِهنِ القارئِ معنى "النبوَّة"، واستَخدم كلمةً معناها "المرسَل" أو"المِرسال"، ولم يستخدم كلمة "مسجد" -ولها مقابلٌ بالفرنسية معروف-، واستخدم كلمةً تعني "جُزءً من الكنيسة حول المذبح" تتمُّ فيه المراسِمُ الطقسية، وقد تعني "مكانًا مقدَّسًا" بصفةٍ عامة، كما استخدم كلمةً أخرى مشتقةً من اللاتينية معناها "كنيسة صغيرة تستخدمها جماعة معينة"، وبهذه المعاني ترجم "المسجد الحرام"، وترجَمَ "إسراء الرسول إلى المسجد الأقصي" بأنه "إسراء في لحظةٍ من الليل إلى النهائي"، لكيلا يربطَ القدسَ بالإسلام!.
و"جاك بيرك" يعرفُ اللغةَ العربيةَ جيدًا، بل هو ضليعٌ في اللغة العربية، ويعرفُ معنى كلِّ كلمةٍ بمنتهي الدقة، فكيف يُترجمُ كلمةَ "الألباب" إلى كلمة "النخاع" في الفرنسية، وهو يعلمُ أن وَقْعَها في الترجمةِ يثيرُ السخريةَ لدى القارئ الفرنسي، ومع أن كلمة "الألباب" وردت في القرآن ستَّ عَشْرةَ مرةً، إلاَّ أنه لم يُترجِمْها بمعناها المقصودِ أو المنطقيِّ والذي يعني "ذوي العقول" أو"ذوي الأفهامَ"، وكيف يُترجُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، فلا يقول: إن "الميعاد" هو "وعدُ الله أو وعيده"، ولكن يترجمُها
[ ٣ / ١٥٩ ]
بكلمة "راندفو"؛ وحذف من سورة "آل عمران" في الآية قوله تعالى:
﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، فلم يذكر هذه العبارة، وتوقف عند منتصف الآية الرابعة عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾.
أما أسلوبه في وصف الله، فقد ترجم ما ورد منه في القرآن بكلماتٍ معناها أن القرآن يشير بروعةٍ مرعبةٍ إلى الذعر الذي سيصيبكم أمام الحاكم (ويقصد الله)، وها هي ذي القشعريرة تسري في أبدانكم عند مجرد ذكر اسمه، وتناول مضمون الآية ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، إلى ما معناه: "أن الله يمحو ويبدل ويؤكد النبواءات وفقًا لهواه"، ويترجم: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ بما يفهم منه أن القرآن هو المقصود، وأن القرآن له أجل، وينسب هذا المعنى -زورًا- إلى أبي بكر الصديق - ﵁ -، ويضع في الهامش أن مصدره في ذلك "الطبري" في المجلد ١٣ صفحة ١١١ السطر ١٤، وهو متأكد أن هذا التزوير لن يكتشفه أحدٌ، ولن يرجع أحدٌ إلى المرجع الأصلي للتأكد منه" (^١).
* جورج بوش الجد وكتابه "محمد مؤسس الدين الإسلامي، ومؤسس إمبراطورية المسلمين":
"جورج بوش" (١٧٩٦ - ١٨٥٩)، هو علم من أعلام الاستشراق الأنجلو ساكسون، درس في "كلية اللاهوت" ببرنستون، وعُيِّن راعيًا لإحدي الكنائس في "إنديانا بولس"، وعين أستاذًا للغة العبرية والآداب الشرقية في جامعة "نيويورك"، وقد ذكر الباحث والناقد "منير العكش" في
_________________
(١) "صناعة العداء للإسلام" (ص ٣٣٧ - ٣٤٠).
[ ٣ / ١٦٠ ]
كتابه "حق التضحية بالآخر" أمريكا والإبادة الجماعية - بيروت ٢٠٠٢، حيث ذَكَر في صفحة (٩٦) أن مؤلِّف الكتاب هو الجدُّ الأكبرُ لأسرة "آل بوش" التي ينحدرُ منها رئيسًا الولايات المتحدة "بوش" الأب والابن.
وكتابَ جورج بوش "محمد مؤسِّسُ الدين الإسلامي ومؤسِّسُ إمبراطورية المسلمين" (^١) مشحونٌ بالافتراءات على خاتم النبيِّين - ﷺ -، ويدلُّ على خُبثِ طويَّهِ جورج بوش لسيِّد البشرية، ويُعرِّفُنا بالفِكرِ الصليبيِّ الأسود الذي يَسُودُ رأسَ الرئيسِ الحالي وقلبَه كما ساد قلبَ جِدِّه الأكبر.
وجورج بوش القِزمُ يَصِفُ سيدَ البشريةِ - ﷺ - بـ "الدَّعيِّ".
* يقول بوش: "لقد وَضَع محمدٌ أساسَ إمبراطوريةٍ استطاعت في ظَرفِ ثمانين سنةً فقط أن تَبسُطَ سلطانَها على ممالكَ وبلادٍ أكثرَ وأوسعَ مما استطاعته روما في ثمانِمئةِ سَنَة، وتزدادُ دهشتُنا أكثَرَ وأكثَرَ إذا ترَكْنا هذا النجاحَ السياسيِّ، وتحدَّثنا عن صعودِ دِينه وانتشارِه السريع واستمرارِه ورسوخِه الدائم .. والحقيقةُ أنَّ ما حَقَّقه نبيُّ الإسلام والإسلامُ لا يمكنُ تفسيرُه إلاَّ بأنَّ اللهَ كان يخصُّهما برعايةٍ خاصةٍ، فالنجاحُ الذي حقَّقه محمدٌ لا يتناسبُ مع إمكاناتِه، ولا يمكنُ تفسيرُه بحساباتِ بشريةٍ معقولة.
لا مناص إذن من القولِ أنه كان يَعملُ في ظلِّ حمايةِ الله ورعايته، لا تفسيرَ غيرُ هذا التفسير لهذه الإنجازاتِ ذات النتائج الباهرة، ولا شك أنه يجبُ علينا أن تنظرَ للدين المحمديِّ في أيامنا هذه بوصفِه شاهدًا قائمًا
_________________
(١) ترجمة وتحقيق وتعليق د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ - دار المرّيخ للنشر، والكتاب موجود بمكتبة الكونجرس الأمريكي.
[ ٣ / ١٦١ ]
ينطوي على حِكمةٍ غامضةٍ للَّه سبحانه لا ندري مغزاها .. حكمةٌ لا تفهمُها عقولُ البشر أو على الأقلِّ لا تفهمُها عقولُ البشرِ حتى يتحقَّق الغرضُ منها" (^١).
* ويقول: "إن اللهَ أراد للإسلام أن ينتصرَ على يد هذا النبيِّ المحارِب ليؤدِّبَ الكنائسَ المسيحيةَ "أي الكنائس الشرقية" التي ضَلَّت السبيلَ إلى حين، وإنَّ مَن أسلموا سيَتركون إسلامَهم مَرَّةً أخرى ليعودوا إلى حِضنِ كنيسةٍ أخرى سليمةِ العقيدة .. وربَّما كان هذا عند عودةِ المسيح في الألفيَّة".
* ويقول جورج بوش في "الملحق الأول" لكتابه (ص ٢٠٨): "وإذا كان ما يُذكَرُ بشأنِ ظهورِ الإسلام وتقدُّمِه وسلطانِه غيرَ كاف، وإذا كانت الأسبابُ البشريةُ التي عادةً ما يَجري اقتباسُها لشرحِ النجاح المُذهِلِ للادِّعاء الإسلامي "المحمدي" لا تزالُ تبدو لنا غيرَ كافية، وإذا كانت أعظمُ ثورةٍ على الإطلاق واجَهَت الكنيسةَ المسيحيةَ تبدو مُعْضِلةً لا حَلَّ لها، فَلم نتردَّدُ في أنْ نعزوَ هذا مباشرةً إلى إرادةِ الله ومشيئتِه، وبذا نجدُ الحلَّ الذي يُفسِّرُ كل هذه الأسرار.
لماذا نحن توَّاقين للهرب من الاعترافِ بالتدخُّل الإلهيِّ في قيامِ هذه الهرطقة التي هي رأسُ الهرطقات؟ إن صحَّ تفسيرُنا لنبوءتَي دانيال ويوحنا، فإنَّ الخِداعَ المحمديَّ "الإسلام" كما هو حقيقةٌ تشهدُ بصحَّةِ النبوءة".
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٥٦ - ١٥٧).
[ ٣ / ١٦٢ ]
* يزعمُ جورج بوش الدجَّالُ أن محمدًا - ﷺ - هو إِنسانُ الخطيَّة التي تنبَّأت به الكتب المسيحية:
عند المسيحيين نبوءة عمَّا يُسَمَّى "إنسان الخطيَّة" أو "الخطيئة"، يَظهرُ ويَستعلي قبلَ المجيءِ الثاني للمسيح، فقد وَرَدَ في "رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي" (في اليونان) عن "إنسان الخطية" أن المسيحيين من أهلِ هذه البلاد اعتقدوا أنَّ المجيءَ الثاني للمسيح قد حَلَّ أوانه، فقال لهم بولس: "إنه -أي المسيح- مجيئه الثاني لم يأت إنْ لم يأتِ الارتدادُ أوَّلًا، ويَستعلِنُ إنسانُ الخطيَّة (أي: يَجهر بدعوته) ابن الهلاك، المقاوم والمرتفع على كلِّ مَن يُدعى إلهًا أو معبودًا حتى إنه يجلسُ في هيكلِ الله كإلهٍ، مظهرًا أنه إلهٌ".
ويُذكِّر بولس أهلَ تسالونيكي (في اليونان) أنه سَبَق أن قال لهم هذه النبوءة، وأنَّ أوانها لم يأتِ بعدُ لأنه "سيُستعلَنُ في وقته"، "لم يأتِ الوقتُ حتى يُستعلنَ الأثيمُ الذي الرَّبُّ يُبيده بنفخة فمه ويُبطِلُه بظهورِ مجيئهِ" .. "السفر الثاني من رسالة بولس إلى أهل تسالونيكي".
والمؤلف جورج بوش وطائفةٌ من المسيحيين يعتبرون محمدًا - ﷺ - هو "إنسان الخطيئة" المشارُ إليه في النبوءةِ السابقة، ويَعتبرون "الارتداد" الذي يَسبقُ المجيءَ الثاني للمسيح هو "انتشارُ الإسلام"، وَيعتبرون جلوسَ إنسانِ الخطيَّة في هيكل الله، هو فتح المسلمين للشامِ وللقُدسِ خاصةً حيث الهيكل.
لذا وجدنا المؤلِّفَ "جورج بوش" في مقدمة كتابه "الصفحة ٢١ من النصِّ الإنجليزي والصفحة المقابلة لها في النص العربي" يؤكّد على أنَّ
[ ٣ / ١٦٣ ]
المقصودَ بإنسان الخطيَّة هو محمدٌ - ﷺ -، والمؤلِّفُ وطائفتُه الدينيةُ يتوقَّعون عند بدايةِ كلِّ ألفيَّةِ مجيءَ المسيحِ ثانيةً وعودةَ المسلمين إلى المسيحيةِ ثانيةً وارتدادَهم عن الإسلام.
° ثم نتتبعُ المؤلفَ مع أقواله من بدايةِ الكتاب، لترى سُمَّه يقطرُ في كتابته وكَذِبَه وخُبثَه وتطاوُلَه عن سيِّد ولد آدمَ - ﷺ -.
° يقول "جورج بوش" (ص ٥): "فكلُّ ما يمكنُ أن نتوقَّعه الآنَ هو تناولُ تاريخ هذا الدَّعيِّ" .. يعني: رسولَ الله - ﷺ -.
° وقال في (ص ٥): "فالمؤلِّفُ بَذَل قُصارَى جَهده في استخلاصِ صورةٍ عادلةٍ من خلالِ المصادرِ المُتاحةِ له لشخصيةِ مؤسِّسِ الإسلام" .. يعني رسول الله - ﷺ - .. فلا ينظر "جورج بوش" إلى الإسلام كأنه دين.
* الإِسلام عند جورج بوش "هرطقة" (^١):
° يقول في (ص ١٧): "إنَّ كثيرين من الكُتَّابِ المتميِّزين الذين دَرَسوا -بعُمقٍ- أصولَ هذا الدين، وعبقريتَه وتاريخَه، فينظرون إليه بوصفه هرطقة مسيحيَّةً أوْ نتاجًا لهرطقاتٍ قال بها بعض المسيحيِّين، أكثر من وصفهم له بأنه خُرافةٌ وثنية".
° وقال أيضًا في نفس الصفحة: "ومِن هنا فقد كان قَدَرُ هذا الدين أن يرتبطَ بكلِّ العقائدِ الفاسدةِ التي أفسَدَتِ الإنجيل، وبقَدْر ما نَفضحُ هذه النُّبُوَّة ونْكشفُها، أوْ بَقْدرِ ما نكشفِ الادِّعاءَ الحاليَّ الموجودَ على ظهر الأرض، كلَّما عَجَّلنا بسقوطِ الخداع، وكلَّما عجَّلنا بتأثيلِ الحق، وكلما زاد اهتمامُنا -بعمقٍ- بهذه المناطقِ التي طالت فيها سيادةُ هذا الدين".
_________________
(١) هرطقة: أي مذهب غير صحيح.
[ ٣ / ١٦٤ ]
° وقال في (ص ١٩): "لذا، فإن عَرْضًا موجَزًا لحالةِ المسيحية وقتَ ظهورِ محمدٍ -خاصةً في المنطقة التي شَهِدت ظهورَ دعواه-، ربَّما تُلفِتُ انتباهَ القارئِ في هذه المقدمة، هذا سيَظهرُ بوضوء أكثَرَ لماذا حَكَم اللهُ بأن ينقضَّ التضليلُ الإسلاميُّ على كنيسةِ المسيح، وبدون فَهم أحوالِ الكنيسةِ وقتَ ظهورِ الإسلام لاستحالَ الحكمُ الصحيحُ تمامًا على الإسلام".
° وقال في (ص ٢٣، ٢٤) عن فساد رجال الدين المسيحيين عند ظهور محمدٍ - ﷺ -: "هذا الفسادُ المُحزنُ في عقائدِ رجالِ الدين وأخلاقِهم، أعقَبَه -كما هو متوقَّعٌ- فسادٌ عامٌّ بين الجمهور، ورغمَ أننا لا يمكنُ أن نفترضَ أن اللهَ قد تَرك نفسه تمامًا وليس من شاهدٍ عليه في هذه الحِقبةِ المُظلِمة، فقد كان هناك عددٌ من المؤمنين الصادِقين قد تضاءلوا حتى أصبحوا أشبَهَ ما يكونون بمجردِ بقايا، وبدا أنَّ الرِّدةَ عن الدين الصحيح قد انتَشرت انتشارًا واسعًا، وبدا أن هذا الأمرَ في حاجةٍ إلى حُكم يأتي من السماء بالنظرِ لهذه الحال البائسة التي وَصلت إليها المسيحيةُ في الفترةِ التي سَبقت ظهورَ محمدٍ، فإننا نكونُ مهيَّئين لقبولِ حُكمِ الله بالسماح لهذا البلاءِ الكئيبِ بالظهور (يقصد الإسلام) أثناءَ هذه الأزمةِ التي ألَمَّتْ بالعالم".
° يقول "بريدو": "أخيرًا فَقَدَ اللهُ صَبْرَه، فقد طالت مُعاناتُه، فبَعث العربَ والمسلمين "السرسريَّة" ليكونوا أداةَ سَخطةٍ ليعاقبَهم لهذا، فانتهز المسلمون فرصةَ ضَعفِهم والتهائِهم بالمَجَامع الكَنَسيةِ التي سَبَّبت انقسامَهم، فاجتاحوهم، وألحَقوا بهم تدميرًا مرعبًا، واستولَوا على كلِّ الولاياتِ الشرقيةِ للإمبراطورية الرومانية، وثبَّتوا حُكمَهم الطاغيَ في هذه الولايات، وحَوَّلوا كنائسَهم في كلِّ مكانٍ إلى مساجد، وحَوَّلوا طقوسَ عباداتِهم إلى
[ ٣ / ١٦٥ ]
خرافةٍ بشعةٍ كريهة، وفرضوا عليهم الادِّعاءَ المحمديَّ البغيضَ بدلًا من هذا الدين المقدَّسِ (الإلهي) الذي شوَّهوه.
وبذا أطلق اللهُ على هذه الكنائسِ عقابًا لها لضعفها أسوأَ الأعداء، فأهانوها ودمَّروها واحتقروها، لقد اجتاحوها اجتياحًا مرعبًا، وأوصلوها إلى هذه الحال المنحطَّة البائسة، ومِن يومِها وهذه الكنائسُ تَرزَحُ وتئنُّ متوجِّعةَ تحت هذا الطغيان.
لقد رأى اللهُ بحِكمته الكليَّة أنْ يَظَلُّوا حتى يومِنا هذا يئنُّون تحت الاضطهادِ المحمَّديِّ، لا لشيءٍ إلاَّ ليكونوا عِبرةً للمسيحيين الآخَرين، فلا يَضعُفوا ولا ينقسموا ولا ينفصلُ بعضُهم عن بعضِهم الآخر".
* ويقول في (ص ٣٢): "محمدٌ الذي وُلد بمكةَ في سنة ٥٦٩، أصبح بعد ذلك مشرِّعًا لبلادِ العرب، ومؤسِّسًا للدين الإسلامي -أو الدين المحمديِّ-، فشرَّف نفسه -وشرَّفه أتباعُه- بالقول بأنه نبيُّ الله ورسولُه".
* جورج بوش يدَّعي أن رسولَ الله - ﷺ - كان يَعلَمُ القراءةَ والكتابة:
° يقول في (ص ٣٨ - ٣٩): "حقيقةً إنَّ أتباعَ محمدِ رغبةً منهم في المبالغة في مواهب نبيِّهم، وعَزْوها إلى قوًى خارقة، ورغبةً منهم في إضفاءِ مزيدٍ من الإعجاز على القرآن (الكَريم)، فإنهم يؤكِّدون عمومًا على أن محمدًا كان يَجهلُ القراءةَ والكتابةَ تمامًا، حقيقةً إنَّ هذا الادعاءَ أكَّده محمدٌ نفْسُه، فهو يقول: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وفي السورةِ السابقة أيضًا آية ١٥٨ الأعراف نقرأ: ﴿.. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ
[ ٣ / ١٦٦ ]
وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
لكنْ آخِرُ ما نتوقَّعُه من القرآن -وهو ادِّعاءٌ بكلِّ ما في الكلمة من معنًى- أن يكونَ صادقًا دالاًّ على الحقيقة، فهناك أدلَّةٌ كثيرةٌ من هذا الوحي الزائفِ نفسِه تدلُّنا على أن الكتابةَ كانت شائعةً بين العرب في تلك الأيام، فالوصيةُ التالية التي وردت في القرآن (الكريم) تؤكِّدُ ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ..﴾ [البقرة: ٢٨٢].
نحن نعلمُ أيضًا أنَّ عليًّا بنَ أبي طالب -وهو ابنُ عم محمدٍ الذي تربَّى مع محمد- أصبح بعد ذلك أحدَ الذين كَتبوا له (المقصود أحدُ كُتَّابِ الوحي)، وقد اختار منهم محمدٌ عددًا لعملِ نُسَخٍ من القرآن (الكريم) مرتبةً على حَسَبِ تعاقُبِ نزولها .. كيف يُعقل إذَنْ أن أبا طالبٍ عَلَّم ابنَه الكتابةَ ولم يُعلِّم ابنَ أخيه؟.
وأكثرُ من هذا، فقد كانت مكةُ ملتقَى حركةٍ تجارية، ولابد أن التجَّارَ كانوا يُحِسُّون -كلَّ ساعةٍ- بحاجتهم إلى تسجيلِ صَفقاتهم ومعاملاتِهم المالية، ونعلمُ أن محمدًا ظلَّ لعدَّةِ سنواتٍ يعملُ في التجارة قبلَ أن يبدأ دعوتَه إلى الدينِ الجديدِ، فمِن غيرِ المحتمَل ألاَّ يكونَ عارفًا باستخدامِ الحروف".
* ويقول (ص ٤٢): "لكنَّنا لا ندري كيف ساعد آخَرون محمدًا في تدبيج القرآن؟ إننا لا نستطيعُ أنْ نَحُلَّ هذه المشكلة، أو بتعبيرٍ آخَرَ لا نستطيعُ أن نَصِلَ فيها إلى نتيجةٍ مُرضِية".
[ ٣ / ١٦٧ ]
° ويقول في (ص ٤٥): "وممَّا يُؤسَفُ له كثيرًا أن سياسةَ الدَّعيِّ، وما ألَمَّ بعصرِه من خرابٍ هي كلُّ المصادر المتاحة لنا .. ".
° ويقول في (ص ٤٦ - ٤٧): "كان من الطبيعيِّ أن تُؤَدِّي به ظروفُ تنسُّكِه إلى ترسيخِ هذه المعاني بشكل أعمقَ في عقلِه ونفسِه، ومِن المفترَضِ أنه -بهذه الطريقة- بدأ مُهمَّته، لكنه -وقد وَجَد نفسَه قد حَقَّق نجاحًا فاق ما كان يتوقَّعُه، وزادت شعبيتُه وقُوَّتُه -طغى أخيرًا حُبُّه لنفسه على أمانته، وفاق طموحُه إخلاصَه وتقواه، وراحت خُطَطُه تتَّسعُ وتزدادُ كلَّما حَقَّق نجاحًا .. لقد بدأ مشروعَه بدافعِ التقوى، فأصبح في خاتمةِ المَطافِ مدَّعيًا عنيدًا، وحاكمًا (إمبراطورًا) بلا مبادئَ، منغمسًا في الملذَّات".
وهذه فِريةٌ من الدجَّال الكذاب "جورج بوش"، فما عَلِمَ العالَمُ أزهَدَ من رسول الله - ﷺ -، ولا أرحَمَ منه .. كيف وقد قال الله عنه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: ١٠٧].
° وقال في (ص ٤٧): "راح يتظاهر بأنَّ المَلَكَ يأتيه تِباعًا، كما راح يُظهِرُ بين الحينِ والحين سُوَرًا من القرآن باعتبارِها وحيًا إِلهيًّا، ولم يكن هذا كلُّه إلاَّ متضاربًا مع فِكرةِ كونِه مجرَّد متعصِّبٍ مخادع، وتغطيةً على عَدمِ قُدرتهِ على الإتيانِ بالمعجزات -التي هي الشاهدُ الكبيرُ الدالُّ على الرسولِ المبعوثِ من الله-، وكان لابد أن يكونَ هذا كافيًا لإبعادِ الرغبةِ في الخداعِ عن عقلِه ونفسِه.
ويُقال ما هو أكثرُ من هذا، فإن ظروفًا كثيرةً قد تكونُ زامَنَت جهودَه، فساعدت على ترسيخِ هذا الادِّعاءِ الكبير".
° ويقول في (ص ٤٩ - ٥٠): "وبرغم كلِّ شيءِ، فليس من المستبعَدِ
[ ٣ / ١٦٨ ]
أن الحكمةَ اللانهائية (المقصود إرادةُ الله سبحانه) قد قَضَت بهذا، أي بضرورةِ أن تَجثُمَ هذه الظُلْمةُ غيرُ المفهومة على دوافع الدَّعي (المقصود محمد - ﷺ -) كي يتحقَّق هذا التدبيرُ الخاصُّ في ظهورِ هذا الضلالِ الكبير ورسوخِ قمَّةٍ في عالمَنا.
ففي غيابِ أسبابٍ بشريةٍ كافيةٍ لتفسيرِ هذه الظاهرة، لا بد أن نعترفَ بأن الله أراد هذا، أو بتعبيرٍ آخَرَ لا بد أن نعترفَ بأن الله تدخَّلَ ليَتمَّ هذا الأمرُ (انتشار الإسلام)، فالعقلُ والوحيُ -كلاهما- يُعلِّمانِنا أن نعترفَ بيَدِ الله سبحانه تُحرِّكُ الأحداثَ لعِقابِ المذنِبين، بصرفِ النظرِ عن القائمين على هذه الأحداث الذين لم يتحرَّكوا إلاَّ بأمرِ الله، والذين كانوا بمثابةِ يدِهِ الفاعِلة، وبصرفِ النظرِ عن الدوافعِ التي حرَّكتهم.
يقول الربُّ: "أهناك شرٌّ في المدينة وأكونُ أنا لستُ فاعلَه؟! " والشرُّ في هذه الآية (العبارة) يعني المعاناةَ وليس الخطيئة.
لا يمكنُنا أن نشكَّ في حقيقةِ أن ظهورَ الدينِ المحمديِّ (الإسلام) نَتَجَ عنه بلاءٌ بكنائسِ الشرقِ المرتدَّة (عن الدين المسيحي الصحيح)، لقد كان سَوطًا مرعبًا هَوَى عليها، بل وهَوَى على أجزاءٍ أخرى من المملكةِ المسيحية (المقصود العالم المسيحي)، فإذا لم نستبعدْ إرادةَ اللهِ وتدخله -على وِفقِ إرادته في شؤون خَلقِه-، لم يُجانِبْنا الصواب، فالبشرُ وُكلاءُ عنه سبحانه وَكالة معنويةً في تحقيقِ إرادته في تأديبِ العصاة (المقصود بالعصاة هنا الكنائس الشرقية على نحوٍ خاص كما يفيد السياق).
إن حياة محمدٍ وأفعالَه ودعوتَه إلى دينِ القرآن ليست سوى حَلْقةٍ في سلسلةِ الثورات السياسية، إلاَّ أنها في حَجمها وأهميَّتِها لا تَقِلُّ عن الثورات
[ ٣ / ١٦٩ ]
العظمى التي شهِدها التاريخ، فالثوراتُ يَظهرُ فيها بوضوح العقوقُ وعدمُ التقوى، لدرجةِ أنها تَستبعدُ كلَّ فكرةٍ عن قضاءِ الله وقَدَرِه، أو بتعبير آخَرَ تستبعدُ ما قَضى اللهُ به.
وعلى هذا، فإننا إذا اعترفنا بتدخُّل إلهيٍّ خاصٍّ في هذا النجاحِ المدهشِ الذي حقَّقته جيوشُ المسلمين (العرب أو السرسريَّة) بعد موتِ محمدٍ، فلابد أن نعترفَ أيضًا أن هذا النجاحَ يَرجعُ إلى أن هذا الدينَ هو الذي وَحَّد العربَ وجَعَلهم تحتَ قيادةِ "رأسٍ" واحدةٍ أو "زعيمٍ" واحد، وأن هذا الدينَ هو الذي ألهمهم مِثلَ هذه السلسلةِ من الفتوحاتِ السريعةِ الباهرة.
لقد راح النبيُّ الدَّعيُّ يُنضجُ خُطَطَه، ويتدبَّرُها لفترةٍ طويلةٍ قبلَ أن يَضَعَها موضعَ التنفيذ بالتدريج وبحذرٍ شديد".
* ويقول في (ص ٥٢): "وفي القرآن ما يُفيدُ أن النبيَّ محمدًا ودينَه الزائفَ يَجِدُهما أهلُ الكتاب عندهم -في كتبهم المقدَّسة في العهد القديم-: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٧].
° ويقول في (ص ٥٤): "بعد أن نَجَح محمدٌ في إقناع زوجِه خديجة، واصَلَ حياةَ العُزلةِ والتقشُّفِ ليكتسبَ شهرةً في مجالِ التقوى والورع، وقبل ذلك ضمَّ خادِمَه زيدًا بنَ حارثة إلى قائمةِ المهتدين، وكافأه
[ ٣ / ١٧٠ ]
على ذلك بأن أعتقه، وأصبحَ من القواعِدِ المقرَّرةِ بعد ذلك أن يُصبحَ العبدُ إذا ما اعتَنق الإسلام حرًّا.
وكان عليُّ بنُ أبي طالب -ابنُ عمِّ الرسول- هو ثالثُ من أسلم، لكنه اعتَبر نفسَه أولَ المسلمين؛ لأن هذا الشابَّ المندفعَ اعتَبر مَن سَبَقاه إلى الإسلام (خديجة وزيد بن حارثة) قَلِيلِي الشأن (^١)، وكان رابعُ مَن تحوَّل للإسلام -وهو الأكثر أهميةً- هو أبو بكر- وهو رجلٌ قويٌّ من أهل مكة-، دخل في الإسلامِ على يديه عددٌ من ذَوي المكانةِ والنفوذِ، ونعني بهم: عثمانَ والزبيرَ وسعدًا وعبدَ الرحمن وأبا عُبيدة، الذين أصبحوا فيما بعدُ القادةَ الرئيسيين في جيوشِه والأدواتِ الأساسيةَ التي استخدمها في ترسيخ ادِّعائِه (المقصود دينه) وإمبراطوريتِه (المقصود دولته).
لقد مضى أربعُ سنواتٍ قضاها في جَهدٍ جَهيدٍ ليضُمَّ إلى دينه هؤلاء التِّسعة، وكان بعضهم من رجالِ مكة المهمِّين، هؤلاء هم كلُّ المؤمنين به قبلَ أن يَجهَرَ بدعوته، لقد بَلَغ من العُمرِ الآنَ أربعةً وأربعين عامًا.
ويلاحَظُ أن هناك تزامنًا غريبًا يدعو للدهشة بين فترةِ اعتكافِ محمدٍ في "غار حراء" لتدبيرِ أمرِ نَشرِ دينه الدَّعيِّ (المفبرَك)، وفترةِ ادِّعاءِ "بونيفاس" بابا روما بمساندةٍ من الطاغية "فوكاس" لقبَ "الباب العالمي" أو "الراعي الكنسي لكلِّ أمورِ العالم"، أو بعبارةِ أخرى "اليونيفيرسال بوستر" زاعمًا إشرافَه الروحيَّ على كنيسةِ المسيح، وظَلَّ أخلافُه يدَّعُون هذا لأنفسهم.
_________________
(١) هذه محاولةٌ من هذا الخبيث الدجَّال "جورج بوش" للطعن في رموزِ الإسلام العظيمة.
[ ٣ / ١٧١ ]
يقول بريدو: "ومنذ ذلك الوقت عَمِل الاثنان (باب روما ومحمد) على أن يكوِّنَ كلٌّ منهما لنفسِه إمبراطوريةً من الادعاء، وعَمِل أتباعُهما منذ ذاك الوقت، متَّخِذين الوسائلَ نفسَها المتمثِّلةَ في النار والسيف، لنَشرِ دعوتِهم بين البشر، حتى بَدَتِ الحركةُ المعاديةُ للمسيح في ذاك الوقت تَطَأُ بقَدَمِها على العالَم المسيحيَّ في وقتٍ واحدٍ أحدَ فَرْعَي الحركةِ في الشرق، والفرع الآخر في الغرب .. لقد داسا كنيسةَ المسيح، فعانت منهما كثيرًا في العصور التالية".
إنَّ اتفاقَ التواريخ (تاريخ اعتكاف محمدٍ في غار حراء، وتاريخ دعوة بابا روما -بونيفاس- إشرافه العالمي على كنيسة المسيح) أمرٌ يستحقُّ الالتفات، فكِلَا الحدثين جَرَيَا في السنواتِ الستِّ أو الثمانِ الأولى من القرن السابع للميلاد، لكننا لا نملكُ بُرهانًا يُقنِعُنا باعتبارِ محمدٍ يستحقُّ أن نُطلقَ عليه لقب: عدو المسيح، أو المناهض له .. ".
° ويقول (ص ٥٨ - ٥٩) عن عقيدةِ التوحيد وعن سورة "الإخلاص": "وهي تتكوَّنُ من جُملةٍ واحدة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وتتردُّد هذه العقيدةُ تِباعًا في سور القرآن وآياته، والمؤلفُ (يقصد واضع القرآن) لا يَهدِفُ بهذا التكرارِ مجردَ خطأِ تعدُّدِ الآلهة والوثنية اللتين كانتا شائقين آنَئذٍ بين أُممِ الشرق، وإنما هو يُوجِّهُ أيضًا ضربةً قاضيةً للعقيدةِ المسيحيةِ القائلةِ بأن المسيحَ هو ابنُ الله "الابن الوحيد لله".
إنَّ محمدًا مَثَلُه في ذلك مَثَلُ آخَرِينَ في عصورٍ أخرى، لم يستطعْ أن
[ ٣ / ١٧٢ ]
يَتصوَّرَ عقيدةَ المسيحيين في نسبةِ المسيح إلى الله، أو بتعبير آخَرَ لم يستطعْ أن يَفهمَ بنوَّةَ المسيح لله أو تحدُّرَه منه، مع أن هذه الفكرةَ لا تؤثِّرُ بشكلٍ مباشرٍ في حقيقةٍ أن اللهَ ﷻ واحدٌ، أو بتعبيرٍ آخَرَ: مع أن هذه الفكرةَ لا تؤثِّرُ مباشرةً، وفيما يرى محمدٌ أن أكبرَ السخافاتِ هو التأكيدُ على أن المسيحَ هو ابنُ الله، أو أنه مُساوٍ للآب (الله) في النِّديَّةِ والأزليَّة، وعلى هذا فإعلاناتُ العهدِ الجديد (الأناجيل وملاحقها) فيما يتعلقُ بشخصِ المسيح وطبيعتِه، هاجَمَها واضعُ القرآنِ بلا هوادةٍ؛ لأنه لم يكن لديه الصِّدقُ والموضوعيةُ أو القُدرةُ على فَهم الفَرقِ بين عقيدةِ الثالوث الأقدس (كون الآب والابن والروح القدس إلهًا واحدًا) وعقيدةِ التثليث التي تعني وجودَ ثلاثةِ آلهةٍ منفصِلين (أي الفرق بين عقيدة الترينيتي وعقيدة التريثزم).
* وقال في (ص ٦١): لقد قَدَّم محمد -لفترةٍ- حقيقةَ أن كتابَيِ العهدِ القديم (التوراة وملاحقها) والعهد الجديد (الأناجيل وملاحقها) كانت في الأصل وحيًا من الله، إلاَّ أنها حُرِّفت -ويا للخجل- بعد ذلك، وأن النُّسَخَ الموجودةَ الآنَ غيرُ جديرةٍ بالتصديق أبدًا، وبالتالي فهو قلَّما يَقتبسُ منهما في القرآن".
° ويقول في (ص ٦٢ - ٦٣) عن نزولِ القرآن مُنَجَّمًا: "وكانت هذه الطريقةُ التدريجيةُ في نزولِ الوحي، بالتأكيد، ضربةً شديدة، فنحن نقرأ في القرآن، سورة (الفرقان): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
فلو أنَّ القرآنَ ظَهَر جُملةً واحدةً لأدَّى التمعُّنُ في محتوياته ومقارنةِ سوره وآياتِه بعضِها ببعضِها الآخَر إلى اكتشافِ عدم اتِّساقِه، ولربَّما صَعُب
[ ٣ / ١٧٣ ]
عليه (أي على محمد - ﷺ -) أن يَجِدَ إجابةً لِمَا يواجهُه من أسئلةٍ بهذا الشأنِ، ولاستحال عليه أن يكون مقنعًا.
لكن بتظاهُره أنه يتلقَّى الوحيَ مفرَّقًا (كلُّ جزءٍ منفصلٌ عن الآخَر) في أزمنةٍ مختلِفةٍ على وِفقِ ما تُمليه الضرورةُ أو على وِفقِ ما يَطلبُ أتباعُه، فإنه بذلك يكونُ قد أوجَدَ لنفسِه طريقًا لإسكاتِ كلِّ الاعتراضاتِ، ولتخليصِ نفسِه مِن كلِّ الصِّعاب، فلا شيءَ يَمنعُ تعديلَ ما نَزل من وحيِ اليوم -أو حتى نسخه (إبطاله) - غدًا.
وبهذا الطريق مضى ثلاثٌ وعشرون سنةً قبل أن تكتملَ سلسلةُ الوحي، رَغمَ أن النبيَّ أَخبَرَ صاحبتَ أنه تعزَّى برؤيةِ القرآن كاملًا مجلَّدًا بالحريرِ ومُحلًّى بذهبِ الجنةِ وجواهرها، مرَّةً كلَّ عام، إلاَّ أنه رآه مرَّتين (المقصود في الرؤيا) في آخِرِ عامٍ من حياته.
وقد كان جزءٌ من هذا الوحي الزائف في مكة، أما الباقي ففي المدينة المنوَّرة.
ويقال: إن الطريقةَ الخاصةَ بتدوين الوحي كانت كالتالي: عندما تنزلُ سورةٌ على النبيِّ، يَشْرَعُ في إذاعتِها لصالح العالم، فيُمليها أولًا على سكرتيره (المقصود كاتب الوحي)، وبعدها يُسلِّمُ الورقةَ المكتوبةَ لأصحابه، ليقرؤوا ما فيها ويُكرِّروه، حتى يرسَخَ تمامًا في ذاكرتهم، ومِن ثَمَّ يُعيدون الورقةَ للنبيِّ الذي يَحفظُها بعنايةٍ في صندوقٍ (خزانة) يُسمِّيها "خزانة الوحى" .. ".
* ويقول في (ص ٧٥ - ٧٦): "إن علاماتِ الادعاءِ أصبحتِ الآنَ أكثَرَ
[ ٣ / ١٧٤ ]
وضوحًا في صفحاتِ وحيهِ على شكلٍ مُتوالٍ، ففي هذه الصفحاتِ حَدَّد أهدافًا خاصةً ذاتَ طابعٍ شرير، ولم يكتفِ بمجردِ الدعوةِ علنًا في الاجتماعاتِ العامةِ، بل راح يدعو لدينِه في تلك الأفكارِ الرئيسية التي تتضمَّنُها تحذيراتُه، وهو يُحذَّرُ الناسَ من مَخاطِرِ الكفرِ، ويَحُثُّهم بلغتِه البليغةِ الفصيحةِ على تجنُّبِ اللعنة بالإيمانِ به رسولًا من الله، وبالإضافةِ هذه البواعثِ القويةِ التي تَجعلُ المَرءَ يتحسَّبُ لِمَا سيواجهُه في الآخرة، فقد أسرف أيضًا في التهديدِ بعقوباتٍ مُرعبةٍ في هذه الحياةِ الدنيا إذا لم يُصغُوا لِمَا يقول.
* ولتحقيقِ هذا الغرضِ بَسَط أمامَهم المصائبَ التي حَلَّت بأممٍ قَبْلَهم رفضوا طاعةَ الأنبياء الذين أُرسلوا إليهم: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ [الأنعام: ١٠ - ١١].
° وفي السورة نفسها نقرأ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٥].
لقد اقتبس حالاتِ أهل العالَمِ الذين لم يَسمعوا المواعظِ نُوح .. ".
° في (ص ٨٠ - ٨١) يدَّعي هذا الكذَّابُ أنَّ الإسلامَ انتشر بحدِّ
[ ٣ / ١٧٥ ]
السيف: "وفي الفترةِ اللاحقة -عندما كان في المدينة على رأس جيشٍ- كان لديه طريقٌ مختصرٌ آخرُ لَحِلِّ كلِّ المشاكلِ الناجمةِ عن هذا المصدر (عدم الإتيان بالمعجزات)، ذلك أن عقيدتَه ساعَتَها كانت هي أن اللهَ سبحانه أرسل موسى وعيسى مزوِّدًا إيَّاهما بقوةِ صُنع المعجزات، ومع هذا فإن الناسَ لم يؤمنوا، لذا فإن اللهَ أرسله (أي محمدًا - ﷺ -) بوصفه نبيًّا من نوعٍ آخَرَ، نبيٍّ مكلَّفِ بفَرضِ العقيدة الصحيحة بقوةِ السيف، وبالتالي فقد أصبح السيفُ هو الأداةُ الحقيقةُ لفرضِ رسالته، ولقد لاحظ المورِّخ -عن حقّ- أن "محمدًا حاملًا سيفًا في إحدى يديه، والقرآن في اليد الأخرى أقام عَرشَه على أطلالِ المسيحية وأطلالِ روما" (^١).
لكنَّ بعضَ أتباع النبيِّ الأكثرِ سذاجةً عَزَوْا إليه عِدَّةَ معجزاتٍ -كشَقِّ القمر، وتقدُّم الأشجارِ لِلُقياهُ، ونَبعِ الماءِ من بينِ أصابعِه، وتحيَّةِ الأحجارِ له، وحَنينِ الجِذع إليه، وشكوى الجَمَل له، وإخبارِ كَتِفِ الضأنِ له أنه مسمومٌ، وغير ذلك-، لكن محمدًا نفسَه لم يؤكِّد هذه المعجزات، كما أن الكُتَّابَ المسلمين الموثوقَ بهم لم يُوردوها.
* والمعجزةُ الوحيدةُ التي أكَّدها هو نفسُه وأكَّدها أنصارُه الأذكياءُ هو القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣].
° وفي الفصل السابع يدَّعي "جورج بوش" أن النبي - ﷺ - تظاهَرَ بقيامه
_________________
(١) وقد رددنا على هذه الفِريةِ والمقولة الظالمة من قبلُ، بل ورَدَّ عليها "غوستاف لوبون" في كتابه "حضارة العرب".
[ ٣ / ١٧٦ ]
برحلةٍ ليليةٍ إلى السماء السابعة (المقصود: المعراج) ودوافعُه لاختلاقِ هذه القصةِ المبالغ فيها -حَسْبَما قال الكذَّاب "جورج بوش"-، إذ يقول في (ص ٨٩): "آثَرَ اللهُ محمدًا في السَّنةِ الثانيةَ عَشْرةَ لبعثتِه المزيَّفة برحلةٍ ليلةٍ -فيما يقول هو- من مكةَ (المكرمة) إلى القُدس، ومِن القُدس إلى السماءِ السابعة بصُحبة جبريل، ونجدُ إشارةً لهذا في مَطْلَعِ سورة "الإسراء" من القرآن الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] الآية الأولى من سورة الإسراء، بالإضافة إلى هذه الحكايةِ التافهةِ المبالَغ فيها التي لم تَردْ في القرآن، وإنما تَنقُلُها الرواياتُ (يقصد المعراجِ)، ربما ابتَدَعها المُدَّعي كي يُحقِّقَ لنفسِه شُهرةً بوصفه قدِّيسًا، وربما ليرفع نفسَه فوقَ مَقامِ موسى كليم الله فوقَ الجَبَلِ المقدس .. وعلى أيَّةِ حالٍ، فإن المسلمين يؤمنون بقصةِ عُروج النبيِّ إلى السماء إيمانًا يقينيًّا".
° ويقول أيضًا عن "رحلة الإسراء والمعراج" (ص ٩١ - ٩٢): " .. لندخلْ في حقيقةِ هذه القصةِ الصِّبيانيةِ، نشعرُ على الفور أن خيالَ النبيِّ يُعاني من خَلَلٍ .. والسُّخْفُ البائسُ الذي يَظهرُ في التلفيقِ الذي قدَّمه لنا النبيُّ".
° ويقول (ص ٩٦ - ٩٨): "تلك هي التصوُّراتُ أو الخيالاتُ الصبيانيةُ للنبي، تلك هي القصةُ المَلحميَّةُ الغَبيَّةُ التي خَدَع بها السُّذَّجَ من أتباعه بما فيها من وصفٍ حيٍّ، وعلى أيَّةِ حالٍ، فإن هذه القصةَ بما فيها من سُخفٍ أدَّت إلى تخلِّي عددٍ من أتباعه عنه، وبدا أنَّ دعوتَه قد اقتَربت من نهايتها، وأخيرًا جاء دَورُ أبي بكرٍ ذي النفوذِ الأكبرِ بين صحابةِ النبيِّ، إذ صَدَّق ما
[ ٣ / ١٧٧ ]
قاله النبيُّ مُلقِيًا الملامةَ على مَن لم يُصدِّقوه، وبذا خَلَّص زعيمَه (يقصد النبي - ﷺ -) من هذه الورطةِ التَّعِسة، لقد أعلَنَ بجسارةٍ تصديقَه للنبيِّ قائلًا: "إنه إن كان قد قال ذلك فقد صَدَق".
إن هذا الحَدَثَ الملائمَ لم يُجدِّدْ -فحسب- الإيمانَ بالنبيِّ، وإنما زادَه لدرجةٍ جَعَلَتْه متأكِّدًا من قُدرتِه على وَضعِ أيِّ حكايةٍ يريدُ أن يُصدِّقَها أتباعُه سريعي التصديق، وهكذا وجدنا أن هذه الحكايةَ الرديئةَ عديمةَ المعنى -التي هَدَّدت في البداية بدفنِ كلِّ ادعاءاته في مهدها- قد عَمِلت في الحقيقةِ على زيادةِ نجاحاتِه لمواكبتها لبعضِ الظروف، وهكذا حَمَل أبو بكر لقبَ التشريف والكرامة، ألا وهو "الصدِّيق".
ونَعلمُ مِن "سيل" الإنجليزي الذي شَرَح القرآن أنه لَا يزالُ هناك خلافٌ -على نحوٍ ما- بين العلماءِ المسلمين حولَ ما إذا كان العروجُ بالنبيِّ إلى السماوات كان بالجسدِ أم بالروح (أي أنه رؤيا منامية)، فبعضُهم يَرى أنه مجردُ رؤيا أو حُلمٍ، معتمِّدِين على روايةِ معاوية (بن أبي سفيان)، ويرى آخرون أنه أُسرِي به ببدنه إلى القدس، أما العروجُ للسماء فكان بالروح.
لكنَّ الرأيَ السائدَ أن الإسراءَ والمعراج كانا بالجسد، ويَرُدُّ القائلون بهذا على المعترِضين بأن الله على كلِّ شيءٍ قدير، وليس من المُحتَمَل أن يكون هدفُ محمدٍ مجردَ إدهاشِ أتباعه، فالمراقِبُ اليَقِظُ لخصائصِ الإسلام المميِّزةِ له لن يَفشَلَ في اكتشافِ ما لا يُحصى من أوجُهِ الشبه بين هذا النظام (الإسلامي) والدينِ اليهوديِّ الذي أَوحى به الله، ويبدو أن المدَّعي (يقصد المصطفى ﵊) يَقصِدُ التشُّبهَ بموسى - ﷺ - على قَدْرِ ما يُمكنُه، وَيقصِدُ أن يُدخِلَ في دينِه أكبرَ قَدْرٍ من التفاصيل الموجودةِ في
[ ٣ / ١٧٨ ]
اليهوديةِ دون أن يُدمِّرَ البساطةَ التي اتَّسم بها دينُه".
° وقال في (ص ١٠٠): "إنَّ المدَّعي كان توَّاقًا جِدًّا لأن يُؤمنَ الناسُ إيمانًا راسخًا بعجائبه التي يَرويها".
° وقال (ص ١١٢): " ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ …﴾ [التوبة: ١١١].
هذه الروحُ الدمويةُ العُدوانيةُ غيرُ المتسامحةِ سنجدُها تُميِّزُ معظمَ سُوَرِ القرآن التي نَزلت في المدينة، إذ يمكنُ في أحيانٍ كثيرةٍ أن نحكمَ -من خلالِ الروحِ السائدةِ في السورة والمزاج العامِّ فيها- ما إذا كانت قد نَزلت في المدينةِ أم في مكة دونَ الخوضِ في تاريخ نزولها".
° ويقول في "الفصل العاشر" (ص ١٢٠): "لقد كان تغييرُ القِبلةِ -حقيقةً- مَصْدَرَ إزعاجٍ لكثيرين من أتباعِه، إذ كان يعني بالنسبة لهم تقلُّبًا في عقائدِ النبيِّ، فتخلَّوا عنه، لكنَّ تناميَ كراهيتِه لليهود جَعَله يؤكِّدُ هذا التغييرَ في اتجاهِ القبلةِ من القُدس إلى الكعبة".
° ويقول في "الفصل الحادي عشر" (١٢٦) عن سَيرِ النبي - ﷺ - إلى غزوة "أُحد": "إنه قرَّر في البداية أن ينتظرَهم حتى يَصِلُوا إلى المدينة المنوَّرة وَيصُدَّ هجومَهم داخلَها، ولكنَّ حماسَ رجالِه الذي أشْعَلَه نصرُهم السابقُ في "بدر" لم يكن له حدودٌ، وطالبوا بالخروج لمواجهةِ الأعداء، فوافقهم النبيُّ، ولم يكن حكيمًا في هذا، بل لقد وَعَدهم بالنصر الأكيدِ دون حَذَرٍ مندفعًا برُوحِ الثقة التي تلبَّسَتْه، لقد كانت القُوى النبويَّةُ للرسولِ محمدٍ على
[ ٣ / ١٧٩ ]
مَحَكِّ أحداثِ هذا اليوم، لقد كان محمدٌ متمتعًا بدرجةٍ كبيرةٍ بمواهبِ الجنرال (القائد العسكري) ".
° يَكذِبُ على النبيِّ - ﷺ - وأنه وَعَد أصحابَه بالنصر قبلَ "أُحُد"، ثم يكذبُ على الصحابة وعلى التاريخ فيما يقولُه عن أحداثِ ما بعد المعركة (ص ١٢): "لقد راح أتباعُه يُهمهِمون حولَ النتيجةِ المشؤومةِ للمعركة، وحولَ ما إذا كان النبيُّ قد خَدَعهم، وأن إرادةَ اللهِ لم تَنكشفْ له (لم تُوحَ إليه)، فقد تنبَّأ تنبُّؤَ الواثِقِ بالنصرِ، بينما النتيجةُ كانت هي الهزيمة".
° ثم قال (ص ١٢٩ - ١٣٠): "ولكي يُخمِدَ محمدٌ هَمهمةَ هؤلاء الذين اجتاحهم الحزنُ لفَقدِ رِفاقهم وأقارِبهم، ذَكَر لهم أن لكلِّ أجلٍ كتابًا، وأن الذين قُتلوا في المعركة ما كانوا لِينجُوا من الموتِ المقدَّر عليهم لو أنهم مَكَثوا في بيوتهم، وهم الآن قد ماتُوا شهداءُ، وتلك مِيزَةٌ عظيمة لأنهم سُينعَّمون بدخول الفردوس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ [آل عمران: ١٥٦ - ١٥٧].
بهذه المرواغةِ تَملَّص من الوعد الذي سَبَق أنْ وَعَد به أصحابَه بالنصر، وغَطَّى على خِزيِ هزيمتِه".
° وفي الفصل الثاني عشر (ص ١٣٥) يقول: "لقد أدَّى عنادُ اليهود إلى تحوُّلِ اتجاهِ محمدٍ إلى كراهيةٍ شديدة، وظَلَّ إلى آخِرِ لحظةٍ في حياته
[ ٣ / ١٨٠ ]
يَحُثُّ على اضطهادِ هؤلاءِ البائسين اضطهادًا لم يَضطهِدْه المسلمون لأيِّ شَعبِ آخَر".
° ويقول في (ص ١٣٦): "إنَّ القلبَ يأسَى أن يجد النبيَّ رسولَ الله يَنتقلُ من مَشهدٍ دمويٍّ إلى مشهدِ دمويٍّ آخر، ومن مذبحةٍ إلى أخرى، جاعلًا دعاوى الدين عَباءةَ يُغطِّي بها طموحاتِه التي لا حدَّ لها ومباهجَه الحسِّيَّة التافهة .. إن المرءَ المتأمِّلَ هنا يُدرِكُ المعنى العميقَ لطهارةِ دينِ يسوع المسيح وجنوحِه للمسالمة، فهذا المعنى يزدادُ تألقًا إذا ما قارناه ببريقِ الانتصارات (الحربية) التي حقَّقها النبيُّ المغازي، تلك الانتصاراتُ التي تَفتقدُ الهدفَ الديني.
إن الشخصَ الذي يَشعُرُ بقوةِ المبادئِ المسيحيةِ لن يرتاحَ -أو يَعْجَبَ- بهذه المعاركِ الضاريةِ التي انتصر فيها مؤسِّسُ الإسلام وأمثالُه من الغزاة بحصارِهم الناجحِ، ولا بالمُدن التي نَهَبوها أو أخضعوها، وإن فاق المسلمون غيرَهم في هذا".
° ويقول في (ص ١٤٠) ساخِرًا مستهزئًا عن سَمِّ اليهودية للنبي - ﷺ -: "وإنْ كان لنا أن نؤيِّدَ الذين يتحدَّثون عن معجزاتِ محمدٍ، فإنَّ الكَتِفَ أخبَرَتْه أنها مسمومة، ولا شكَّ أن هذه المعلومةَ وَصَلَتْه متأخِّرًا، لقد راحت بذورُ المَوت تنخَرُ فيه منذ هذا الوقت".
° وقال في "الفصل الثالث عشر" (ص ١٤٣) عن إسلامِ أبي سفيان والعباسِ قبلَ "فتح مكة": "في هذه الظروفِ لم يكن أمامَ أبي سفيان -العدوِّ اللدودِ لمحمدٍ ودينه- والعباسِ- عمِّ النبي- إلاَّ أن يُسلِّموا مفاتيحَ مكةَ للفاتح، وكان هذا موقفًا مَهينًا لأهل مكة، ولم يتوقفِ الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل إنهما
[ ٣ / ١٨١ ]
اعتَرفا بالدعاوى النبويةِ لسيدهما الجديد، وأقرَّا أنه رسول الله ويمكننا أن نفترضَ هنا أن إسلامَهما كان بالإكراه تحت وطأةِ سيفِ عمر (بن الخطاب) المرفوع -وكان عمرُ شديدَ الوطأة-، لقد أسلما إذن إنقاذًا لحياتهما، ورغمَ أن محمدًا كان فاتحًا (غازيًا) ودَعِيًّا، إلاَّ أنه -في المعتاد- لم يكن قاسيًا، لقد كان غضبُه موجَّهًا ضدَّ صالحِ بلدِه (مكة) أكثَرَ منه ضدَّ أهلها".
° وفي "الفصل الخامس عشر" (ص ١٥٦) يقول: "وهكذا انتهت مهمةُ محمدٍ على ظَهرِ الأرض، هكذا انتهت مهمةُ واحدٍ من أبرزِ الرجال وأكثرِهم جدارةً بالالتفاتِ على الإطلاق، هكذا انتَهت المهمةُ الدنيويةُ لأكثرِ المدَّعين نجاحًا وتصميمًا، لقد استطاع بطموحِه الواسع أن يُوجِّهَ المواهبَ الوطنيةَ، فتطوَّرت بداياتُه المتواضعةُ إلى ذُروةِ القوة بين العرب، وكان قد بدأ قبلَ أن يموتَ ثورةً من أعظم الثوْرات التي عَرَفها تاريخُ البشرية، لقد وَضَع أساسَ إمبراطوريةِ استطاعت في ظرفِ ثمانين سنةً فقط أن تَبسُطَ سلطانَها على ممالكَ وبلادٍ أكثَرَ وأوسعَ مما استطاعته روما في ثمانِمئة سَنة.
وَتزدادُ دهشتُنا أكثَرَ وأكثَرَ إذا تركنا نجاحَه السياسيَّ، وتحدَّثْنا عن صعودِ دينِه، وانتشارِه السريع، واستمراره، ورسوخه الدائم، والحقيقةُ أن ما حقَّقه نبيُّ الإسلام والإسلامُ لا يمكنُ تفسيره إلاَّ بأن اللهَ كان يَخُصُّهما برعايةٍ خاصة، فالنجاحُ الذي حقَّقه محمدٌ لا يتناسبُ مع إمكاناته، ولا يمكنُ تفسيرُه بحساباتٍ بشريةٍ معقولة".
° ويقول في (ص ١٥٨ - ١٥٩): "ويَمتدحُ الكُتَّابُ المسلمون شخصيةَ
[ ٣ / ١٨٢ ]
نبيِّهم بغير حدود، بل إنَّ مِن بينِهم مَن ابتَدعوا حكاياتٍ توصَفُ بالغباء، مؤدَّاها أن مَلَكانِ (بفتح الميم والسلام) أخذاه وهو في طفولته، وشقَّا بَدَنَه بسكينٍ، واستَخرجا قَلْبَه، وضَغَطَا عليه، وعَصَراه حتى استخرجا منه الفسادَ الأصلي (أو المتأصِّلَ في الإنسان)، فتساقَطَ على هيئةِ قِطراتٍ سوداءَ نَتِنَةٍ، ثم أعادوا قلبَه إلى موضعِه طاهرًا نقيًّا، أمَّا الجُرحُ الناتجُ عن شَقِّ الصدر (النص: البدن) فقد التَأَمَ بشكلٍ إعجازيٍّ، لذا فإنَّ أخلاقَه ظَلَّت فوقَ مستوى الجِنسِ البشريِّ، لكننا نجدُ هنا أن تاريخَ حياتِه وصفحاتِ القرآنِ تُمكنِّنُا من النظر إلى هذه الأمورِ التي نَسبوها إليه مِن خلال إنجازاتِه الشخصية، مما يجعلُنا نتشكَّكُ فيها ولابد، لقد مَجَّده أتباعُه لتقواه وصدقِه وعدالتِه وتواضعِه وصِدقِه وإنكارِه لذاته، إنهم لا يُساوِرُهم أدنى شكَّ في أنه نموذجٌ كاملٌ للإيمان والصدق، إنهم يتحدَّثون عن إحسانِه، ويُركِّزون عليه بشكلٍ خاص، فهم يقولون: إنه كان محسِنًا بشكلٍ واضحٍ لا يمكنُ إغفالُه، فقلَّما كان يَحتفظُ في بيته بمالٍ أكثَرَ مما يكفي لإعاشةِ أسرته، بل إنه كان يُؤثِرُ على نفسِه، فيُقدِّمُ للفقراءِ ما يَحتاجُ هو إليه، ربما كان الأمرُ كذلك، لكن عندما نكوِّنُ رأيًا حولَ هذه الصفات الخُلُقية التي تحلَّى بها لا يمكنُ أن نَنسى أنه كانت له غاياتٌ خاصةٌ يريدُ تحقيقَها، لذا فمن المُحالِ أن نَفصِلَ بين دوافعِه لعمل الخيراتِ الصادرةِ عن قلبٍ نبيل، ودوافعِه لعملِ الخيراتِ لتحقيقِ مصالحَ سياسية، ليس مِن غيرِ المعتادِ أن يُصاحِبَ الرغبةَ الشديدةَ في الحكم عواطفُ أو رغباتٌ أخرى أحيانًا ما تكون متناقضةً تناقضًا شديدًا وغيرَ متَّسِقةٍ بأيةِ حالٍ من الأحوال، ومع هذا نجدُها متَّسقةً يَخضعُ بعضُها لبعضِها الآخر بحكم الضرورة، فالطموحُ -أحيانًا- يُسيطرُ على نَزعةِ
[ ٣ / ١٨٣ ]
حُبِّ المال أو الجشع، وحُبُّ المسرَّات لا يَحكمُ كليهما (الطموحُ والجشع) كما نلاحظُ في حالاتٍ كثيرة، فالإنسانُ قد يَهدِفُ لأن يكون عادلًا كريمًا، وأن يتصرفَ بوصفِه قِدِّيسًا عندما لا يكونُ لديه باعثٌ سِوى تقمُّصِ شخصيةِ نبيٍّ وسُلطانٍ مَلِكٍ، فإنْ كان محمدٌ حقيقةً قد تحلَّى بفضائلِ نبيٍّ، فلا شك أنه كان يضعُ عينيه على ما يَحُوزُه النبيُّ من مكافأةٍ أو جزاء، لكن لا ينبغي أن نقسوَ في حكمنا -دون مُبرِّرٍ- على صفاتِه الخُلقية، إننا نظنُّ أنه من غيرِ المُحتَمل ألاَّ تكونَ تصرُّفاتُه طيبةً وطبيعيةً ومتفتحةً ونبيلةً جذابةً وربما عظيمةً متسمةً بالشهامة وسَعَةِ الأفق، ونحن نظنُّ أن الكُتَّابَ المسيحيين ظلموا الرجل (يقصد محمدًا - ﷺ -) نظرًا لمقتهم له، لكن طالمَا نحن نبغي الحقيقةَ التاريخيةَ فيما يتعلَّقُ بالإسلام ومؤسسِه، فإننا نجدُ أنه من الواضح أنه إذا كان يَمتلكُ في طبيعتِه صفاتٍ جديرةً بالثناء، فيجبُ أن يتوقفوا عند التعرُّفِ عليه في مِراحل تطورِ حياته، لأن صفاتِه السيئةَ تواكبُ نجاحاته، ومَيلُه لانتهاكِ القانون زاد كلَّما امتدَّ به العمرُ".
° وقال في (ص ١٦١): عن النبي - ﷺ -: "ربما كان مستواه (الحضاريُّ) عظيمًا بين القبائل البدوية، ولكنه ما كان ليكونَ أكثرَ من إنسانٍ عاديٍّ لو عاش في المحيط الأوربيِّ المتحضِّر .. كان منَ الممكنِ أن يَغرقَ مؤسِّسُ الإسلام وإمبراطوريتُه في بحرِ النسيان مع ملايينَ مجهولينَ من بني جِنسه كما تمتصُّ الرمالُ قطراتِ المطر في صحارى بلاده".
° وقال أيضًا في نفس الصفحة: "إن تاريخَ محمدٍ كلَّه يُظهِرُ أن التعصُّبَ والطموحَ والشهوةَ كانت هي الدوافعَ التي تحرِّكُه، كما كانت هي العواطفُ والانفعالاتُ المتأجِّجةُ في صدره، ويبدو أن التعصبَ قد راح
[ ٣ / ١٨٤ ]
يخبو تدريجيًّا بزيادةِ قوةِ العاطفتين الأخرَيَينِ (الطموح والشهوة)، ومع أنه كان متحمِّسًا بطبعه، إلاَّ أنه أصبح -بحكم الظروف السياسية- مُرائيًا، وكلَّما زادت مُيولُه ونزعاتُه انحرافًا، لم يتورَّعْ عن إشباعِها على حسابِ الحقِّ والعدلِ والصداقةِ والروح الإنساني، حقيقةً إنه يجبُ علينا عند تقويمِ سلوكه في جوانبه الأكثرِ بغضًا أن نضعَ في اعتبارنا جَهلَ مَن كان يعيشُ بينهم وإجحافَهم وجاهليتَهم وطبيعةَ شرائعهم، فالشعبُ الوثنيُّ البربريُّ لا يمكنُ حُكمُه على وفقِ المقاييسِ المسيحية أو القواعدِ المسيحيَّة".
° ويقول في (ص ١٦٢ - ١٦٦): "حقيقةً إننا يجبُ أن نفكِّرَ في أخلاقِ هؤلاء الناس (المقصود العرب والمسلمين) -مع استثناءاتٍ قليلة- بسُخطٍ عليهم وعلى أيِّ نبيٍّ دعِيٍّ، وفي الوقت نفسِه نعترفُ بأن هذا النبيَّ طهَّر شرائعَ قومِه الأخلاقية، مع أنه عَمِل على استمرارِ ممارسةِ أسوأِ ما كان لديهم من أفكار، هنا -في الحقيقة- نُوقعُ أثقلَ اللوم على محمدٍ، إنه لم يُراعِ القواعدَ الأخلاقيةَ التي قال بها هو نفسُه، والتي فَرَضها على الآخَرين بأوامرَ صارمةٍ مرعبة، ليس مِن عُذر نقدِّمه لمحمدٍ في هذا، لقد أساء استعمالَ حقوقِ النبوَّة التي ادَّعاها ليسترَ إسرافَه في حياته الشخصية، فتَحتَ سِتارِ الوحيِ أعفى نفسَه من شرائعَ أتى بها دينُه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ
[ ٣ / ١٨٥ ]
عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾ [الأحزاب: ٥٠].
هذه المِيزةُ المبالَغُ فيها التي تمتَّعَ بها النبيُّ ربما تناقضت مع ما هو مسموحٌ لأتباعه أو ما هو مسموحٌ به لسائر المسلمين: ﴿.. فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ..﴾ [النساء: ٣].
ويمنعُنا الحياءُ من الدخولِ في تفاصيلِ هذا الجانبِ من حياةِ محمدٍ وشخصيته (يقصد الجانب المتعلق بالزواج ومِلْكِ اليمين)، لكن القارئَ يستطيعُ مِن خلال ما ذكرناه آنفًا أن يُدركَ كيف استغلَّ النبي نبوَّته بوصفِها أداةً لإشباع الرغبات الحسية، ومِن الأمثلة الصارخةِ ما حَدَث مِن اتصالِه بالجاريةِ المصرية مارية (القبطية)، لقد وصل خَبَرُ هذا الحُبِّ المحظور (الاتصال بمِلْكِ اليمين) لِمَسْمَعِ إحدى زوجاته الشرعيات، بل لقد رأت بعينيها ما حدث (أي هذا الاتصال الجنسي)، فوَّبخته توبيخًا مريرًا، فوَعَدها مُقسِمًا -ليهدِّيها- ألاَّ يعودَ لهذا، لكن طبيعتَه غَلبت عليه بعد ذلك بوقتٍ غيرِ بعيد، فلجأ إلى الوحي ليغطيَ هذا الخِزيَ، فكان لا بد من نصٍّ قرآني يُحِلُّه من قَسَمِه الآنِفِ ذِكرُه، وتلك صفحة سوداء لوَّثت القرآنَ ومؤلِّفَه (يقصد محمدًا - ﷺ -): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ١ - ٢].
هنا نجدُ الأمرَ يتناقض مع ما يَفرضُه نبيُّ الحقِّ على أتباعه، فنحن نقرأ في القرآن ما فرضه عليهم في الآيات التالية: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا
[ ٣ / ١٨٦ ]
تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ..﴾ [النحل: ٩١، ٩٢].
وفي السورة نفسها: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤].
هذه مجردُ أمثلةٍ من الطبيعة العامةِ القرآن، إن الجزءَ الأكبرَ منه -إلى حدٍّ كبير- قد صِيغ لتحقيقِ أغراضٍ خاصةٍ ليكونَ ذريعةً قلَّما تَفشلُ إذا تَعذَّرَت الذرائعُ الأخرى، فجبريلُ يَنزلُ بوحيٍ جديد -دائمًا- مطابقٍ للغرض (^١) المطلوبِ تحقيقُه، إنْ شَرعَ النبيُّ في مشروعٍ جديد، وإن واجَهَ اعتراضاتٍ جديدةً، وإن كانت هناك صعوباتٌ يجبُ حَلُّها أو تجاوُزُها، وإنْ نَشَبَ نزاعٌ بين أتباعه .. لذا فإننا نجدُ -كنتيجةٍ حتميةِ لهذا- اختلافاتٍ وتناقضاتٍ في هذا الكتاب (يقصد القرآن الكريم) يصعبُ إنكارها، ومفسِّرو القرآن والمسلمون عامةً يعرفون هذه الحقيقةَ، لكنهم يُبرِّرون ذلك بقولهم: إذا ناقَضَ الوحيُ اللاحقُ الوحيَ السابقَ، فإن الوحيَ اللاحقَ نَسَخ -أو ألغى- الوحيَ السابقَ، وهناك أكثرُ من مئةِ وخمسين آيةً ينطبقُ عليها هذا (حكم الناسخ والمنسوِخ)، بل إنَّ الدَّعِيَّ نفسَه (يقصد محمدًا - ﷺ -) يؤكِّدُ هذا، ففي القرآن: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ
_________________
(١) هذا ما يقوله الدَّعِيُّ الدجَّالُ "جورج بوش"، نضعه بين أيدي المسلمين ليقفوا على جذور ومرجعية ما يختصِمُه الآخرون مع هذا الدين منذ وقتٍ مبكِّر، ونحن أشدُّ حِرصًا على سيرة نبيِّنا المُطهَّرةِ وخُلقه الذي هو خُلُق القرآن الكريم .. وهو -والله- أحبُّ إلينا من أنفُسِنا وأهلينا وأموالنا.
[ ٣ / ١٨٧ ]
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦].
* ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١].
وإذا وُوجِهَ المسلمون المعاصرون بهذا -كما حدث أثناءَ نِقاش "هنري مارتين" معهم -أجابوا: هذا الاعتراضُ تافهٌ لا جدوى منه؛ لأن الله سبحانه يُراعي دائمًا ما هو لازمٌ لعبيده، ولا شك أن الآياتِ المنسوخةً نَزلت في وقتٍ اختَلفت أحوالُه عن أحوالِ لاحقةٍ كان لها مقتضياتٌ أخرى، فاللَّهُ واهبُ الشريعةٍ الإلهية لابدَّ أن ننظرَ إليه بوصفِه معالجًا رُوحيًّا لعبيده تمامًا، كما يصفُ الطبيبُ لمريضه المناسبَ لعلَّته".
إنَّ التلميذَ هنا (يقصد المسلم القائل بهذا) جديرٌ بأستاذه (المقصود نبيُّه محمد - ﷺ -) لأنهما متَّفقان على أن مبادئَ الأخلاقِ الكبرى ليست خالدةً دائمةً غيرَ قابلةٍ للتغيير مرتبطةً بالعلاقةٍ الدائمةٍ بين الخالق وخَلْقه، وإنما هي مجردُ قواعدَ أو أحكامٍ اضطراريةٍ قابِلةٍ للتخفيف والتعديل أو حتى التغيير على وِفقِ ما تُملِيه الظروف، وبالنظرِ إلى هذه الوسيلةٍ الهزيلةٍ (التافهة) لإبطالِ أو لنسخِ بعضِ الواجبات التي فَرضها الله سبحانه، لاستخدامها -أي هذه الوسيلةٍ التافهةٍ أو الهزيلة- لصالحِ الضَّعفِ البشريِّ وتقلُّبِ الأهواء، فإن المرءَ يَدهَشُ أن يَعمَى أتباعُه (المسلمون) عن هذا التضليلِ والخداع، ليس هناك ما هو أقوى من هذه الحُجَّة، وليس هناك ما هو أسخفُ من هذا في أيِّ دِينٍ، ومع هذا فالمسلمون مؤمنون به، إنه دليلٌ على سذاجتهم وسُرعةِ تصديقِهم، إنه استخفافٌ بعقولهم".
[ ٣ / ١٨٨ ]
° ويقول جورج بوش المفتري عن دخول الناس في الإسلام أفواجًا (ص ١٩٤ - ١٩٥): "نودُّ الإشارةً إلى أن الآلافَ قَبِلوا الحياة "بسلامٍ" أو باطمئنانِ، وقَبِلوا "الدينَ الدَّعِيَّ" الذي أدخله الغُزاةُ أثناءَ تقدُّمِ جُيوشهم المنتصرة، هذا ما تعنيه الكلمات "وبالسلام (أو بالاطمئنان) حطَّم الكثيرين"، أي أنه أفسدهم بالشروط التي فَرضها عليهم لإتاحةٍ السلام (الاطمئنان) لهم، وهذه الشروطُ سيئةُ السمعةٍ تتمثَّلُ في: "الموت أو دفعِ الجزية أو الالتزام بالقرآنِ أو بعبارةٍ أخرى اعتناقِ الإسلام"، وإذا نجت الأمَمُ التابعةُ من حدِّ السيف، دمَّرتهم العقائدُ الخرافيةُ المشوَّهةُ التي اعتنقوها.
وتَمضي نبوءةُ دانيال قائلةً: "لكنه سوف يُدمَّرُ دونَ يدٍ تدمِّرُه" (أو على حد صياغة الترجمة العربية المأخوذ بها لهذا السفر: وبلا يد ينكسر)، وهذا يعني أنه سينكسر بغيرِ يدٍ بشريةٍ تَكسِرُه وبغيرِ سُلطةٍ بشريةٍ، إنه سَينكسر (سيُهزم) بطريقةٍ مختلفةٍ عن الطريقةٍ التي تنكسرُ (تنهزم) بها القُوى الأخرى، ستنتهي هذه الهيمنةُ الروحيَّةُ للإسلام عندما يَتصدَّع الحَجَرُ (دون أيدٍ تُصدِّعه) في مواجهةٍ التمثال (أو الصنم) فتتحول كلُّ قوى الطغيان (الاستبداد والحكم المطلق desptism) والضلالِ إلى هباء، وكثيرون من شارِحي نبوءةٍ دانيال مقتنعون أن الخداعَ المُحمَّديَّ (يقصد الإسلام) سيبدأ انكسارُه، دون يدٍ تكسِرُه في الوقت الذي تُدمَّر فيه البهيمة الرومانية المتمثِّلةُ في كنفدراليةٍ مناهضةٍ للمسيحية، وفي الحِقبةٍ التي تبدأُ فيها الألفيةُ (المقصود بالألفية الألف سنة التي يحكم فيها المسيحُ العالَمَ فيملأه خيرًا وعدلًا على وِفقِ الاعتقادِ المسيحي، وفكرةٍ عودةٍ المسيح تترددُ أيضًا في الفكرِ الإسلامي لكن بأبعادٍ أخرى)، في هذه الفترةٍ سيبدأ التبشيرُ بالإنجيل بنجاحٍ في العالَم
[ ٣ / ١٨٩ ]
كلِّه، وسينضمُّ كلُّ الأغيار (وهو تعبيرٌ يهوديٌّ يعني غيرَ اليهود، لكن بوش هنا يستخدُمه ليعني غيرَ المسيحيين) إلى حظيرةٍ الكنيسة المسيحية، خلالَ هذه الفترة سيتركُ المسلمون دينَهم ليدَخلوا في العقيدةٍ الحقَّة (المسيحية)، وعندما يتحولُ المسلمون جميعًا إلى المسيحية، ستنكسرُ -بلا شك- مملكةُ القَرنِ الصغيرِ الشرقية (دولة الإسلام على حد تفسيره للعبارات الرمزية لنبوءة دانيال)، مِن الواضح أن انكسارَها عندئذٍ يكونُ بلا يدٍ (بلا يد تنكسر) لأنها ساعتَها لا تكونُ قد انكسرت بحدِّ السيف على يدِ غازٍ من بني البشر، وإنما بتأييدٍ من الروح القُدُس الذي يُميل قلوبَ الناس ليعلنوا خطأهم وليؤمنوا بعقيدةٍ نبيِّ الله الحق.
وهكذا رأينا أن القرنَ الصغيرَ لهذا الخروف (التيس) الرمزيِّ يُشيرُ إلى نجاح ادِّعاءِ محمدٍ، وإن كان هذا النجاحُ عَرَضيًّا -أي سيزول، وقد تم المرادُ (أي وصل هذا النجاحُ لنهايته وحان وقت إزاحته)، وعلى هذا فنتيجةُ كلِّ هذا الاستقصاء يجبُ أن تكون هي أن القَرنَ الصغيرَ كما وصُف في "سِفرِ دانيال"، يَرمِزُ إلى مملكةٍ الإسلام (أو دولة الإسلام) ".
° ويقول في (ص ١٩٢ - ١٩٣): "استأصل أتباعُ محمدٍ المبشِّرين بالإنحيل، وحَوَّلوا إلى الإسلام خَلقًا كثيرًا بحدِّ السيف، وفرضوا دينَهم على الشعوب التي امتدَّ إليها حُكمُهم الدنيويُّ، وكلمةُ السياسة هنا (في الترجمة العربية المتداوَلة للسِّفر تُوجَدُ كلمة "حِذاقة" بدلًا من كلمة سياسة)، ربما أمكن فَهمُها بمعنَى الدهاءِ الخالي من المبادئ، أو الدَّهاء الذي لا يَضعُ صاحبُه القيمَ والمبادئ في اعتباره، أو العملُ بذكاءٍ لكن دون وَضعِ اعتبارٍ للأخلاق أي بمعنى وَضعِ الخُططِ بنعومةٍ أفعوانية، ووضعها موضعَ التنفيذ
[ ٣ / ١٩٠ ]
بجرأةٍ وتهوُّرٍ كامِلَينِ، بصرفِ النظر عن الطبيعةٍ الأخلاقيةٍ للوسائل المستخدمة، وبهذه الطريقة كَلَّل النجاحُ قوى الإسلام، لقد ازدهرت -بشكلٍ غريبٍ فنونُهم الوضيعةُ وحِرَفُهم وخياناتُهم التي هي طبيعةٌ من طباعهم، لا أحدَ يُجارِي محمدًا وأتباعَه في طباعهم المميَّزة هذه، يقول "جيبون - gibbon": " في مجال ممارسة سياسةٍ الحكم، اضطُر محمد لأبطالِ حِدَّةِ التعصب إذعانًا منه -إلى حدٍّ ما- لمشاعِرِ أتباعه وما حاق بهم من ضرر، كما اضطُر حتى لاستخدام رذائلِ البشريةٍ كأداةٍ لتحقيقِ الخلاصِ لهم (أو لتحقيق النجاة لها)، وكان استخدامُ الاحتيالِ والخداع والقسوةٍ والظلمِ من العواملِ المساعدة في نشرِ العقيدة (أي الإسلام) " .. ويقول "جيبون" أيضًا: "ولدعم العقيدةِ (أو الحق) لم يكن محمدٌ يَعتبرُ فنونَ الخداعِ وتلفيقِ القصصِ جُرمًا كبيرًا، وقد يبدأُ بالوسائل القذِرة، إذا لم يَرْضَ بالنهاية العادلة".
° ويقول في (ص ١٨٩): "وعلى هذا فمحمدٌ بوصفه مُلفِّقًا للقرآن (هكذا يدَّعي بوش صاحب هذا التلفيق المغرض) أكَّد دعواه بتميُّزه النبويِّ في فهم "الجُمل الغامضة" أو الظلمة (المترجم: سبق القول أن هذه العبارت التي تشير إلى تأويل الأحاديث منسوبةٌ في القرآن الكريم إلى يوسفَ - ﷺ -)، ذلك لأنه (أي محمد) أَعلن في القرآن -ذلك الوحيِ المُدَّعى- أن هدفَه هو إحياءُ تراثٍ دينيٍّ قديمٍ عن الله والدين (^١)، بل وأعلن أنه يفكُّ مغاليقَ الحياةِ بعد الموت وأسرارَ الغيب (ادعاء من بوش، وإلا فالله سبحانه علام الغيوب/ المترجم) ".
_________________
(١) المقصود به مِلَّةُ إبراهيمَ أو الحنيفية.
[ ٣ / ١٩١ ]
° وقال في (ص ١٨٨): "إنَّ من الحقائقِ التي يتجنَّبُ المسلمون الإعلانَ عنها أن نبيَّهم (مؤسِّسَ دينِهم) كان يستخدمُ السيفَ كأداةٍ أساسيةٍ لإدخالِ الناس في الإسلام، وقد شاركه المؤمنون برسالتهِ في كل العصور -غالبًا- في هذه الروح القاسية، على أيةٍ حال، فإن البعض يَرى أن الترجمةَ الصحيحة هي "ذو الوجه الصارم أو الثابت"، ويعنون بذلك الوقاحةَ والبرودَ اللذَينِ يتميَّزُ بهما الكذابُ ذو الوجهِ المكشوف (قليل الحياء) والمتَّسمُ بالصفاقة، وهي صفاتٌ اتَّصف بها محمدٌ وخلفاؤه، فدينُهم -حقًّا- خداعٌ وادِّعاء لا لَبْسَ فيهما، تَسبَّب في لوم البشرِ لسذاجتِهم وسُرعةٍ تصديقِهم".
° ويقول هذا الدجَّالُ الكذَّابُ الأشِرُ عن زوجاتِ النبي - ﷺ - في "الفصل السادس عشر" قال عن عائشة أم المؤمنين - ﵂ - (ص ١٦٦): "وقد أُشيع ما يُفيدُ عدمَ إخلاصِ عائشة، ولم تَزُل هذه الوصمةُ عن عائشة تمامًا حتى أيامنا هذه، وعلى أيَّةٍ حال فإن النبيَّ نفسَه لم يُصَدِّق ما نُسِب إليها (^١) ".
° وقال عن أمِّ المؤمنين زينب بنت جحش (ص ١٦٩ - ١٧٠): "وزينبُ زوجةٌ أخرى للنبيِّ، وكانت متزوِّجةً من "زيد"، وقد أنعم اللهُ عليها -فيما يقول القرآن- بأنها كانت مِن بين أوَّلِ مَن أسلم، وحكايةُ زواج النبي بها حكايةٌ جديرةٌ بأنْ تُرْوَى، لقد ذهب محمدٌ يومًا إلى منزل زيدٍ لأمر، ولم يجِد زيدًا، وتَصادَف أنْ وقعت عيناه على "زينب" الجميلة، فافتُتن الرسولُ بمفاتنها (^٢) من أولِ نظرةٍ، فلم يتمالَكْ نفسَه، فرفع صوتَه ذاكرًا أنْ "سبحان
_________________
(١) يقصد حادثة الإفك.
(٢) لعن الله الكذاب جورج بوش بما أساء لسيد البشر - ﷺ -.
[ ٣ / ١٩٢ ]
الله مقلِّبِ القلوبِ كيفما شاء"، ومِن وقتها توتَّر حُبُّها لزيد، وأدَّى هذا إلى كثير من الإرباكات، لقد راح زيدٌ يُوازِن بين حُبِّه لزوجتهِ ورغبتِه في الإبقاء عليها من ناحية، وإحساسِه بالالتزام والإخلاصِ لسيدِه (أي: محمدٍ - ﷺ -) الذي أعتقه، بل وتبنَّاه أي اعتبره ابنًا له ووريثًا، ووثَّق هذا بطقوسٍ دينيةٍ علنيَّةٍ عند الحَجَرِ الأسود في رُكنِ الكعبة، وقرَّر زيدٌ بعد تفكيرٍ متأنٍّ أن يُطلِّقَ زينب ليتزوَّجها المنعِم عليه، أو بتعبيرٍ آخر صاحبُ الفضل عليه، الذي كان يعرف -بشكل شخصي- هدفَه، وفي الوقت نفسه راح النبي يعلن أنه لم يعد يريد الزواج منها ويقول لزيد: "أَمْسِك عليك زوجَك"، وكان محمدٌ واعيًا بالخزي الذي سينتج عن هذا والذي يُثيرُ انتقادَ الناسِ لاتخاده زوجةً هي بمثابةٍ ابنتِه، فخَدَع الناسَ بانصرافِه عن هذا، وكَبَح عاطفتَه، ولكنه وَجد أنَّ شَغَفه بها أصبح شديدًا لا يُقهر، فتخلَّص من المشكلة بآياتٍ قرآنيةٍ أراحته وأزالت كلَّ الموانع الشرعيةٍ القائمةٍ أمامَ ارتباطِه بها بزوجةٍ زيد ابنهِ بالتبني: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب: ٣٧].
° ويقول هذا الأفَّاكُ عن النبيِّ الكريم - ﷺ - (ص ١٧٨ - ١٧٩): "وعلى أيةِ حالٍ، فإننا لا نشكُّ في أن كُتُبَنا المقدَّسةَ قد تنبَّأت بهذا الدَّعيِّ الكبيرِ ودينِه، لكن بمعنًى آخَرَ يختلفُ عما ذكره محمدٌ وأتباعه، فلم تكن كُتبُنا المقدسةُ لِتُغفِلَ التنبؤَ بهذا الدينِ الذي أتى به محمدٌ وهذه الأمبراطوريةٍ التي
[ ٣ / ١٩٣ ]
شاهدها بوصفهما سَوطَ عذابٍ نَزل على الكنيسة والعالَم المتحَضِّر".
° ويقول عن ظهور الإسلام (ص ١٨٢): "ليس هناك حَدَثٌ أعظمُ من هذا، كان له تأثيرٌ كاسحٌ على وضع الكنيسةٍ المسيحي في ترسيخ هذا الدَّجَل واسع النطاق" المقصود ظهور الإسلام وانتشاره.
° ويقول في تفسيره لنبوءة دانيال (ص ١٨٣): "إنَّ الإسلام قد حقَّق هذه النبوءةَ بوضوح برفعِ مقامِ مؤسِّسه (النبي محمد) إلى درجةٍ من التوقير والتشريفِ مساويةً لدرجةٍ التوقير والتشريف التي يَحظى بها يسوعُ المسيح، بل إن الإسلامَ يرفعُ نبيَّه محمدًا درجة فوق درجةٍ المسيح، فالدَّعيُّ العربيُّ (يقصد محمدًا - ﷺ -) جَعل من المسيح مجرَّد نبيٍّ، بل واحتَفظ لنفسِه بمكانةِ أعظمِ الأنبياء، وقال: إن القرآنَ نَسَخ الأناجيل Gospel، بل إن الإسلامَ جَعل من نبيِّه أميرًا للحشدِ (مجموعة المؤمنين المتقين host كما يفيد استخدام المؤلف للكلمات) "اهـ.
° ويقول هذا الدجَّالُ في (١٨٧ - ١٨٨) عن رجلِ الخطيَّة (ويعني بذلك رسولَ الله - ﷺ -): "إننا نعلمُ من التاريخ المدني، ومن التاريخ المقدس (الديني) الأحوالَ وقتَ ظهورِ محمد، فقد كانت الكنيسةُ المسيحيةُ قد وصلت إلى ذُروةٍ الانحرافِ في العقيدة وفي الممارسة والتطبيق، وهو الأمرُ الذي كان قد تنبأ به بوضوح القديسُ "بولس Paul" عن "رجل الخطية Man of Sin"، لقد كان النجاحُ غيرُ العاديِّ الذي حَقَّقه الخِداعُ المحمديُّ (التضليل الإسلامي) عقابًا لهذا التقصيرِ الكبيرِ (أو عقابًا للارتداد عن الدين الصحيح defetion والمقصود خروج المذاهب المسيحية الأخرى عن النهج الصحيح فيما يراه بوش/ المترجم)، لقد عُوقب هؤلاء النجومُ (وفقًا للتعبير المجازي)
[ ٣ / ١٩٤ ]
بسبب ابتعادِهم عن الحق، فتم إخضاعُهم -لهذا- لطغيانِ القَرنِ الصغير (المقصود ثم إخضاعهم للمسلمين عن وفق تصير بوش لنبوءة دانيال)، لكن هذه الرِّدَّة (أو الانحراف عن الدين المسيحي الحق فيما يراه بوش) التي استَشْرَتْ لفترةٍ طويلةٍ في الشرق والغرب على سواءٍ كانت قد اكتَملت أو بَلغت ذُروتَها في حوالَي بدايةٍ القرن السابع للميلاد عندما ظهر نبيُّ الإسلام لأوَّل مرة، والمؤرِّخُ "جيبون" يقدم لنا رؤيتَه للإسلام (النص: الدين المحمدي) بملاحظته "أن المسيحيين في القرن السابع -دون وعي منهم- أصبحوا مِثْلَ الوثنيين".
وعلى هذا، فمنذ ذلك الوقتِ وقعت النجوم (المقصود: المسيحيون) في أيدي القَرن الصغير (المسلمون على وِفق تفسير بوش لنبوءة دانيال)، لقد غَضِب الربُّ عليهم، فهَوى بعصاه على رؤوسهم، لقد أُخضِعوا لطغيانه (أي طغيان الإسلام) بسبب ارتدادِهم إلى خرافاتِ الأغيار الوثنية، ومرة أخرى فما دُمنا نقصِدُ في بحثنا هذا الإسلامَ (الدين المحمدي) فإنَّ هذه السيطرة الدينية العجيبةَ يُمكن أن تُوصِفَ بأنها "مملكة الوجه المُتَجَهِّم" (^١)، ذلك أن من الحقائق التي يتجنَّبُ المسلمون الإعلانَ عنها أن نبيَّهم (مؤسس دينهم) كان يستخدمُ السَّيفَ كأداةٍ أساسيةٍ لإدخالِ الناس في الإسلام، وقد شاركه المؤمنون برسالته في كلِّ العصور -غالبًا- في هذه الروح القاسِية .. على أيَّةِ حالٍ، فإن البعضَ يَرى أن الترجمةً الصحيحةً هي "ذو الوجه الصارم أو الثابت Firm "، ويعنونُ بذلك الوقاحةً والبرودَ اللذيْنِ يتميَّزُ بهما
_________________
(١) أوْ على حدِّ الترجمة العربية المُعتمَّدة: مملكة على رأسها "مَلِك جافي الوجه".
[ ٣ / ١٩٥ ]
الكذَّابُ ذو الوجهِ المكشوف "قليل الحياء"، والمتَّسمُ بالصَّفاقة، وهي صفاتٌ اتَّصف بها محمدٌ وخلفاؤه، فدينُهم -حقًّا- خداعٌ وادِّعاءٌ لا لَبْسَ فيهما تسبِّب في لَومِ البشر لسذاجتهم وسرعةٍ تصديقهم".
* جورج بوش راعي البقر:
يزعم "جورج بوش" أن القرآنَ منقولٌ من التوراة والأناجيل، ويعترفُ "بوش" بأن ما ورد في القرآن الكريم -ممَّا يخالِفُ ما هو موجودٌ في التوارة والأناجيل موجودٌ أيضًا في أناجيلَ وأسفارٍ شاعت في القرون الأولى للمسيحية، ويَصِفُ هذه الأناجيلَ بأنها خاطئة (^١).
° وأعفانا بوش من ردِّ بعضِ مَن قال: "إن الراهبَ بَحيْرا ساعد محمدًا - ﷺ - على وَضْعه"، فبوش نفسُه يُنكر هذا، ويستشهدُ بباحثٍ مسيحيٍّ آخَرَ أثبت أن "بَحيرا" أو "سرجيوس" لم يغادرْ مكانَه في الشام متوجِّهًا لشِبهِ الجزيرة العربية، والأهمُّ من كلِّ هذا أن القرآنَ الكريم نزل منجَّمًا -أيْ مُفَرَّقًا- وليس دَفعةً واحدة، فهل كان الرسولُ - ﷺ - كلما أراد (تأليف) آية "حاشاه، وعياذًا بالله"، ارتحل إلى الشام ليستعينَ "ببَحيْرا" هذا؟ أم أنه كان يستدعيه بشكل سِرِّيٍّ ليأتيَ إليه قاطعًا الفيافي مارًّا بكلِّ هَذه القبائل التي تتشمَّمُ ريحَ الغريب مِن بُعْدِ فرسخ؟! " (^٢).
° يقول "جورج بوش" (ص ٢٢٨): "ومِن الواضح أنه ليس هناك
_________________
(١) "محمد مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين" (ص ٥٧١) - دار المريخ.
(٢) المصدر السابق (ص ٥٧١).
[ ٣ / ١٩٦ ]
شيء يُشبهُ التخطيطَ أو المنهجَ في ترتيب السور أو الآيات، وليس هناك بيانٌ بوقتِ نزولها ولا بموضوعها (محتواها)، فليس أيٌّ منهما هو أساسُ الترتيب، فالآياتُ والسور -في الحقيقة- موضوعةٌ كيفما اتُّفق دون نظامٍ أو معنًى، فقلَّما ترتبطُ آيةٌ بالتي تليها، فليست هناك حالةٌ واحدةٌ ارتبطت فيها اثنتا عَشْرةً آيةً إلاَّ في حالةٍ القَصص القرآني (السور التي تناولت قصص الأنبياء مثلًا)، مثل قصةٍ إبراهيم وقصةٍ يوسف وفرعون، وكِلا القصَّتين محرَّفتانِ عن الكُتب المقدسة المسيحية واليهودية (هكذا يعتقد المؤلف)، وفيما عدا هذا فالآياتُ تبدو فُرادى منعزلةً عن أيِّ سياقٍ، ومن الصعب -بل من المستحيل- أن نكتشفَ الصِّلَةً بينها، كذلك من الصعب فَهمُ تتابعِ السور في القرآن، ويكفي أن نَذكُرَ للقارئ عناوينَ السور التِّسع الأولى، فهذا يُعطيه فكرةً حرَّةً عن ترتيب السُّور وطبيعةٍ الموضوعات التي تعالجها:
-١ - الفاتحة. ٢ - البقرة. ٣ - آل عمران.
-٤ - النساء. ٥ - المائدة. ٦ - الأنعام.
-٧ - الأعراف. ٨ - الأنفال. ٩ - براءة (التوبة).
وبالنسبة لِخُطَّةٍ هذا الوحي الزائف وتكوينه، يُلاحَظُ أنَّ محمدًا جَعل اللهَ هو المتكلِّم في هذا النصِّ (القرآني)، هذا ما يتبادرُ للقارئ عندما يقرأُ -بتمعُّنٍ- المقتطفاتِ القرآنيةَ التي أوردناها، فالخطابُ في القرآنِ موجَّهٌ -مباشرةً- للنبي مخبرًا إيَّاه بما يُبلِّغُه لأهل بلدِه وللعالَم، وفي حالاتٍ أخرى يوجِّهُ القرآنُ أوامرَه ووصاياه ووعودَه وتهديداته -مباشرةً- إلى غير المؤمنين أو إلى المؤمنين على وِفقِ ما يقتضيه السِّياق".
[ ٣ / ١٩٧ ]
° وفي (ص ٢٣٠) يقول: "وبشكل عامٍّ نجدُ أن القرآنَ يتفقُ مع العهدِ القديم في التفاصيل التاريخيةٍ التالية: قصة الخَلْق، وعصيان آدم لربِّه، ونجاةِ نوح وأهلِه بركوبهم الفُلْك، وبدعوة إبراهيم، وقصَّتي إسحاق وإسماعيل، وقصة يعقوب وآباء البشر، واعتبار اليهود هم شَعبُ الله المختار (!)، وبنبوَّة موسى ومعجزاته، وبصحَّةِ ما قاله المؤرِّخون والأنبياءُ وأصحابُ المزاميرِ اليهودُ -خاصةً داود وسليمان-، وأخيرًا يقول الإسلام بعَودة المسياح وما يرتبط به من نبوءات.
ومرةً أخرى نجدُ القرآن يتَّفقُ مع العهد الجديد (الأناجيل) في الاعترافِ بأن يسوع المسيح هو نفسُه المسياح Messiah المنتظر الذي ينتظره اليهود، ويتَّفقُ مع العَهد الجديد في الحَمْلِ الإعجازي بالمسيح، وأن هذا تم بالنفخ أو بتعبير آخَرَ النفخُ من روح الله، وفي طهارةٍ مريم العذراء، وفي تسميةِ المسيح بكلمةٍ الله، وفي الميلادِ الإعجازي ليوحنا المَعمدان ابن زكريا الذي مهَّد الطريقَ لعيسى (بن مريم)، أو بتعبير آخر كان بشيرًا به، وفي قيام المسيح بِكثيرٍ من المعجزات كإبراءِ المريضِ، وإحياءِ الموتى، وإخراج الشياطين".
° وفي (ص ٢٣١) يقول: "وعلى أيةِ حالٍ، فإن محمدًا بعد أن تأثَّر ببعضِ الهَرْطقات القديمة -كما سيظهر من الفقرات (يقصد الآيات) التالية-، عاد فأنكر صَلْبَ المخلِّص (المقصود المسيح Saviour): ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦ - ١٥٨].
[ ٣ / ١٩٨ ]
* ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٢ - ٥٤].
(المترجم: النص الإنجليزي للآية كما أوردها المؤلف يختلف شيئًا ما إذ يجري هكذا: وحَبَك اليهود المؤامرات ضده، وحَبَك الله المؤامرات ضدهم والله هو خير الماكرين).
وكلمة "المكر Stratagem" على وِفق فهم المسلمين لها، تعني رَفْعَ اللهِ المسيحَ إلى السماء وإلقاءَ شِبْهِهِ على شخصٍ آخَرَ، فتمَّ صَلبُه (أي هذا الشخص الآخر) بدلًا من المسيح ﵇.
هذا التوافقُ بين القرآن والأناجيل في مواضعَ كثيرةٍ قد اختلط بشكلٍ غريبٍ بأمورٍ متضاربةٍ تضاربًا شديدًا أدَّت إلى تحريفٍ غريبٍ ومبالغاتٍ لا محلَّ لها، وهذا يجعلُنا نقول: إن الحقائقَ الصادقةً التي أوردها القرآن عن المسيح، استقاها مباشرةً من الأناجيل القانونية (المعتمدة)، أما القصصُ والحكاياتُ غير الصادقة، فقد استقاها -في جانبٍ منها- من الروايات التلمودية وكتاباتِ الرابيين (الحاخامات) اليهود، واستقى بعضَها الآخَرَ من الأناجيل غيرِ المعترَف بها (الأبوكريفا)، أو من أسفار آدمَ وشَيْث ونوح وغيرِها من الأسفار الموضوعة (الكاذبة أو المفبركة) المعروفة جيدًا في تاريخ الكنيسة والتي انتشرت بين الهراطقة في القرون الأولى، انتشارًا كبيرًا".
° ويقول في (ص ٢٣٣): "مع اتفاقِ القرآنِ مع العهدَين القديم
[ ٣ / ١٩٩ ]
(التوراة وملحقاتها) والجديد (الأناجيل وملحقاتها)، فإنه -أي القرآن- يَضِلُّ عن التزامه بما ورد في الكتابِ المقدس المسيحي (بعهدَيه القديم والجديد) بسبب إغفالِه ما ورد به من مشاعرَ ودلالاتٍ خياليةٍ وأسلوبٍ مميَّز .. الحقيقةُ أن أفضلَ منظورٍ ننظرُ منه للقرآن هو أنه تقليدٌ زائف للوحيَيْن اليهودي والمسيحي، وقلَّما يتبيَّنُ المرءُ الذي لم يَدرُس محتوى كليهما (القرآن، والكتاب المسيحي المقدس بعهديه) مدى التشابهِ بينهما، بمعنى مَدى انتحالٍ القرآن لِمَا ورد فيهما، وعلى أيةِ حالٍ، فإن القرآنَ قد تمت صياغةُ محتواه -إلى حدٍّ كبير- مِن موادَّ مِن العهدين القديم والجديد، وهذا أمرٌ لا جدال فيه ولا يمكن لأحد أن ينكره".
° وبعد سوقه للآيات (البقرة: ٢٦٢)، (البقرة: ٨٧)، و(المائدة: ٤٥)، و(الأنعام: ٢٥) و(الأنعام: ٣٧)، و(آل عمران: ٤٧)، و(الأنعام: ٧٣)، و(يونس: ١٦)، و(يوسف: ١٠٤)، و(الأنعام: ٧٣)، و(إبراهيم: ٤٨ - ٥١)، و(الكهف: ٢٨)، و(النحل: ٦١)، و(طه: ٥٥)، و(الإسراء: ٧)، و(فصلت: ٣٤)، و(الأعراف: ١٩٤)، و(المعارج: ٤٣)، و(الحج: ٤٧)، و(الكهف: ٢٣)، و(الأعراف: ١٨٧)، وقد قارن هذه الآيات بما جاء في كتاب المسيحيين المقدس عندهم.
° ثم قال هذا الدَّعيُّ الدجالُ راعي البقر: "سيظهرُ من الأمثلةِ التي سقناها آنفًا مَدى وضوحِ انتحالِ القرآنِ، وأن كَوْنَ القرآن منحولًا ليس قَصْرًا على حقائقِ التوراةِ والأناجيل ورواياتهما، وإنما يمتدُّ إلى كثيرٍ مما ورد بهما من تفاصيلَ دقيقة: في منهجِ التفكير والشخوص (الأعلام)، بل وحتى في أشكالِ التعبير، بل إننا نقابلُ أمثلةً عديدةً تدلُّ على هذا الانتحالِ
[ ٣ / ٢٠٠ ]
الغريبِ تُدينُ هذا الناسخَ (أو الناقل)، ووقوعُه في تزييفاتٍ محضةٍ تدلُّ على الجهل، فهو يجعلُ النبيَّ "إيليا Elijah" (الخضْر) معاصرًا لموسى، ويجعل إبراهيمَ الخليل على وشكِ ذبع ابنه إسماعيل بَدلًا من إسحاق، ويجبل "شاول Saul" هو الذي قادَ العشرةَ آلافِ إلى حافة النهرِ بدلًا من "جدعون"، بل ويقعُ في خطأٍ شنيع بأنْ جَعَل مريمَ أمَّ يسوع هي نفسَها مريم أخت موسى".
إن الاحتذاءَ الواضحَ لهذا الوحي الزائفِ للكتب المقدسةِ السابقة عليه، والعجزَ الحقيقيَّ أو المفترضَ لمؤلِّفه (مفبركِه) كان -وهذا طبيعيٌّ تمامًا- من المحتَّم أن يُثيرَ قضايا وأسئلةً عن تاريخِ تأليفه (يَقصد القرآن الكريم)، غالبيةُ من كتب عن الإسلام (يقصد من الأوربيين) يأخذون بما أَخذ به المسيحيون الشرقيون، إذ يتَّفقون بشكلٍ عامٍّ على الافتراضِ القائل بأن محمدًا عند تأليف القرآنَ كان يَلجأُ لمساعدةِ واحدٍ أو أكثرَ اشتركوا معه، ومن المؤكَّد -من خلالِ النصِّ القرآني نفسِه- أن هذا الاتهامَ قد واجَهه في مستهَلِّ الدعوة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤].
* ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
لكنَّ هذا الإنكارَ المتشدِّدَ الذي أبداه هذا النبيُّ لم يكن مُقْنِعًا، فغير المصدِّقين في المملكة المسيحية استمروُّا إلى جانبِ أهل مكة، فلم يدخلِ الدينَ الدَّعيَّ -ولم يشترك في الدعوة إليه- إلاَّ عددٌ لا يتجاوزُ الثمانيةَ
[ ٣ / ٢٠١ ]
أشخاص أو العَشَرة (المقصود في المرحلة المكية)، والاعتقادُ الأكثر شيوعًا هو أن محمدًا تبقَّى العَونَ الرئيسي (على وضع القرآن أو تأليفه) من راهبٍ مسيحيٍّ على المذهبِ النَّسطوري اسمُه "سرجيوس Sergius" يُفترض أنه هو نفسه "بَحيْرا" الذي تَعرَّف به -أي محمد - ﷺ -- في فترةٍ باكرةٍ من حياته، في "بُصْرى Bosra، في "الشام Syria"، وعن هذه المسألة يُحدِّثنا الكاتبُ "سيل Sale " فيقول: "إنْ كان بحيْرا وسرجيوس اسمَين لشخص واحدٍ، فإنني لا أجدُ أدنى إشارةٍ لدى الكُتَّابِ المسلمين أنه ترك دَيْرَه ليتوجَّه إلى شِبهِ الجزيرة العربية، كما أنَّ تعرُّفه على محمدٍ في بُصرى كان في فترةٍ باكرةٍ جدًّا مما يَدحضُ القولَ بأنه ساعَده في (إعداد) النص القرآني، رغم أنَّ محمدًا ربما يكونُ قد عَلم بعضَ المعارفِ عن المسيحية، والكِتابُ المقدس المسيحي استخدمها في هذا الأمر".
وعلى أيةِ حالٍ، فإن هذا الكاتبَ نفسَه يتَّفقُ مع الكاتب "بريدو Pri-deaux" وغيرِه في أن محمدًا يُعتبر هو المخطِّطَ الأصلي للقرآن ومؤلِّفه، وربما أعانه في ذلك -على نحوٍ ما- آخرون، رَغْمَ حِذْرَه الشديد -أي محمد- الذي جَعَلَنا حتى هذا اليومِ غيرَ قادِرين على معرفةِ هؤلاء الذين ساعدوه، ولا إلى أيِّ مدًى كانت هذه المساعدة، فلم تتأكد أبدًا هذه الدعوى القائلة بأن آخرينَ ساعدوا محمدًا على تأليف القرآن، وليست هناك أدلةٌ مقنعةٌ على هذا، فالمسألةُ كلُّها لا تعدو قصصًا افتراضيَّةً صِيغت لمواجهةِ صعوبةِ تفسيرِ هذه المسألة (مسألة النص القرآني وكيفية ظهوره)، فالصعوباتُ حولَ هذا الموضوعِ لم تَنقشعْ جميعًا رغمَ الاعتقادِ العامِّ السائد (بين الكُتَّاب المسيحيين الذين أوردناهم آنفًا)، فمَن هو هذا القادرُ في هذه الفترةِ الحالكة
[ ٣ / ٢٠٢ ]
على وَضع نصٍّ كهذا؟ (التساؤل هنا يعني: كهذا النص الراقي)، هذا الوحيُ المدَّعى بادعائه استقلاليَّتِه عن كُتبنا المقدسة، يضمُّ رَغمَ هذا -فقراتٍ (آيات) أرقى كثيرًا من أيِّ بقايا أدبيةٍ تعودُ للقرن السابع -سواءٌ كانت يهوديةً أو مسيحيةً، فهذه الآثارُ الأدبيةُ أدنى كثيرًا بلا شك من محتوياتِ ذلك الكتابِ المقدَّس الذي يَفترض القرآن -مجدِّفًا- أنه يشبهه ويكمله، وعلى هذا فستظلُّ مسألةُ حقيقةِ القرآن مسألةً لا حلَّ لها إلى الأبد، فليس لدينا أدلةٌ حاسمةٌ على تاريخ "وضع" القرآن، ولا نعرف إلى أيِّ مدًى كان محمدٌ عارفًا بالكُتب المسيحية المقدسة.
وليس من السهلِ ترجمةُ القرآن، وبالنسبة للذين تعرَّفوا عليه في لُغته الأصلية، فهناك اعترافٌ عالمي بأنه -أي القرآن- يتَّسمُ بامتيازٍ لا حدَّ له لدرجةِ أنه لا يمكنُ ترجمتُه لأيةِ لغةِ أخرى، إنه -أي القرآن- نموذج يحتذيه اللسانُ العربي، إنه مكتوبٌ في مُعظَمه بأسلوبٍ نقيٍّ أنيقٍ، تَكثُرُ فيه الشخصياتُ الجرئيةُ على النسقِ الشرقيِّ، ويَجْنَحُ إلى الإيجاز مما يؤدِّي به -غالبَا- إلى الغموض، ورَغمَ أنه مكتوبٌ بالنثر، إلاَّ أن آياتِه عادةً ما تنتهي بسجعٍ (كأنه قافية)، وقد تتباعدُ القوافي مما يؤدِّي إلى تداخُل المعاني، وإلى تكرارِ لا مبرِّرَ له .. وخصائصُ النص القرآني -برغم استعصائه على الترجمة- تحظى بتقديرٍ يفوقُ الوصفَ لدى العرب الذين أَلِفَتْ آذانُهم إيقاعَه وتكوينَ فِقراتِه وكيفيةَ انتهاء آياته.
وإذا ما انتقلنا من مجردِ الصوت إلى طريقةِ الأداء التي تَسم "الكتاب الثاقب أو الحاد ذهنه The perspicuous book" وجدنا من الثابت أن أجملَ آياتِه هي تلك التي لا تتسمُ بالأصالة (ربما يقصد: غير المستقاة من الكتب
[ ٣ / ٢٠٣ ]
المقدسة السابقة عليه)، يلاحِظُ السير "وليم جونز" أن "القرآن -حقًّا- يتألَّقُ بنورٍ مستعار، طالما أن معظَمَ ما فيه من جَمالٍ مأخوذٌ من كتبنا المقدسة، لكنه يتَّسمُ بجمالٍ عظيم لدرجةِ أن المسلمين لن يقتنعوا بأنه جمالٌ مستعار"، فعند تعرُّضه لجلال اللَّه وصفاتِه وتنوُّعِ الخَلْقِ وعظمتِه، نجدُه -أي القرآن- غالبًا ما يسمو سُمُوًّا هائلًا لدرجةٍ مؤثِّرةٍ تفوقُ الوصفَ، ومع هذا ففي معظم الأمثلة من هذا النوع يجدُ الكاتبُ أنها دائمًا أدنى من الأصل المأخوذةِ عنه، بل إن نتيجةَ الفحصِ النزيهِ غيرِ المتحيز لكتاب المسلمين المدَّعى (يقصد القرآن الكريم) حتى في طبعتِه الإنجليزية كما توصَّل إليها الكُتَّابُ المسيحيون، سواءٌ فيما يتعلَّقُ بما فيه من جمال أو فيما يتعلق بالمعاني المبثوثة فيه، قلمَّا تكونُ عادلةً، رغمَ ما يَعتري تأليفَه من عيوبٍ، ورغم الاقتناع بما فيه من نقصٍ شائن.
وعلى أيةِ حالٍ، فإنه (يقصد القرآن) أدنى من مستوى كثيرٍ من الإنتاج (الأدبي) البشري الموجود بمختلفِ اللغاتِ وفي أنحاء الأرض، بصرف النظر عن دعواه بأنَّه ليس من كلامِ البشرِ بلاغةً ومعنًى.
فمع وجود آياتٍ ذوتِ جمالٍ حقيقيٍّ وقوةٍ يصادفُها المرءُ فيه، إلاَّ أنه بشكلٍ عامٍّ مختلطٌ اختلاطًا غريبًا، ففيه ما هو سامٌّ، وقد ارتبط أيضًا ارتباطًا وثيقًا بما هو سخيف، مضحك، مرعب، حتى إنَّ كلَّ سورةٍ فيه، بل وكلَّ صفحةٍ أو فقرةٍ فيه، كثيرًا ما تضمُّ بالتأكيد عواطفَ متناقضةً كأشدِّ ما يكونُ التناقض، فمشاعرُ الاحترامِ والازدراء والإعجابِ والاشمئزازِ تتوالى تواليًا سريعًا، أو بتعبيرٍ آخَرَ يَعقُبُ بعضُها بعضًا في نفسِ المرءِ بشكلٍ متوالٍ، بحيثُ لا تتركُ انطباعًا ثابتًا وحدًا في النفس (أو العقل) "اهـ.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
هذا ملخَّصُ ما قاله "جورج بوش" الجَد، وسار على نهجه "جورج بوش" الابن، والحفيد ..
ومَن جَعَل الغرابَ له دليلًا … يَمُرُّ به على جِيَفِ الكلاب
* أو كما قال القائل:
إذا كان ربُّ البيتِ بالدُّف ضاربًا … فشيمةُ أهلِ البيت كلِّهم الرقصُ
* مارك توين:
كَتب "مارك توين" في عام ١٨٦٩ كتابه "أبرياء بالخارج" وقال فيه: "إن أتْباع محمدٍ وثنيُّون .. ملاحدةٌ متوحشون .. عيونُهم قاسية، ومليئة بالكراهية (^١).
* جيري فالويل وعداوتُه للنبي - ﷺ -:
القَسُّ "جيري فالويل"، من المقرَّبين إلى الرئيس الأمريكي "جورج بوش"، وهو من تيَّار اليمين الديني الذي ينتمي إليه بوش، وهو أيضًا من الذين ساعدوه بقوَّةٍ في الوصول إلى البيتِ الأبيض، وله مَوقعٌ باسمه على "الإنترنت" مليءٌ بالمعلومات المشوَّهة عن العقيدة الإسلامية والتاريخِ الإسلامي، وفي شهر أكتوبر ٢٠٠٢ ظهر في برنامجٍ تليفزيوني على شبكة "سي. بي. إس" قال فيه: "إنه قرأ التاريخَ الإسلاميَّ جيِّدًا، والنتيجةُ التي توصَّل إليها من قراءاته هذه أن رسولَ الإسلام - ﷺ -، رجلُ عُنفٍ، وإرهابي"، وإنْ كان قد حاول التهرُّبَ من انتقاداتِ المسلمين في أمريكا
_________________
(١) "صناعة العداء للإسلام" (ص ١١٤).
[ ٣ / ٢٠٥ ]
بالقول بعدَ ذلك بأنه لَم يقصد الإساءةَ إلى المسلمين الملتزمين بالقانون دونَ أن يتراجع عمَّا قاله عن الرسول وعن الدين الإسلامي" (^١).
و"جيري" نفسه خسر دعوةً أقامها أمام المحكمة العليا ظهر الأربعاء ٢٣/ ٢/ الماضي ضد إحدى مجالات الجنس التي اتهمته بممارسة الجنس مع والدته وصوَّرته في كاريكاتور أثار ضجةً واسعةً.
° "وقد ظهر في البرنامج الشهير "ستون دقيقة" في شبكة "سي. بي. إس" قال: "إنَّ نبيَّ الإسلام إرهابي" (٢).
وقد ادعى هذا الدجَّال بأن إلهَه ذاتَ ليلة توسَّل إليه أن يُعيدَ كتابةَ الإنجيل بلغةٍ حديثة سلسة، وأن يزوِّد الإنجيل الجديدَ بالصور والقصص المشوِّقة حتى يجذبَ الشباب ويشيع محبة ابنه في الأرض، و"جيري فالويل"؛ هو المبشِّرُ الشهيرِ بسِبابه وتطاوله على الرسول الكريم ﵊ (^٢).
* بات روبرتسون راعي البقر الدجَّال:
هو مؤسِّسُ "الائتلاف المسيحي" وصاحبُ برنامجٍ دينيٍّ للتبشير في التلفزيون، وقد قال: "إنَّ الظنَّ بأنَّ الإسلامَ دينُ سلامٍ هو نوعٌ من التفكير المخادع".
° وقال عن النبي محمد - ﷺ -: "إنه متعصِّبٌ، راديكالي، لصٌّ يَسرقُ
_________________
(١) "صناعة العداء للإسلام" (ص ٢٠٠).
(٢) مقالة "حرابة القرن" للدكتور عبد الفتاح الحسيني (ص ٥١) من العدد ٢٨٦ من مجلة "المختار الإسلامي" - غرة جمادى الآخر ١٤٢٧ هـ - ٢٦ يونيو ٢٠٠٦ م.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
علنًا، وقاتِلٌ يَقتل علنًا" (^١).
روبرتسون يبشِّر الذين يتبرَّعون له ولمركزه بمحبَّةِ مسيحِهِ لهم، وأنه سيهبطُ عليهم، ويَطيرُ بهم، ويرفعهم إليه ليصطحبوه، ويحَلِّقوا معه في السماواتِ العلا عندما يشرعُ أبوه في تحطيمِ الأرض ويبيدُ مَن عليها ممَّن لا يستمعون إلى برنامج "نادي ٧٠٠" الذي يَبُثُّه يوميًّا، والذين لا يجزلون لوكيله "روبرتسون" العطاءَ حتى يتوسَّعَ في إمبراطوريته وتمتلئَ خزائنُه بالأموالِ ولنشرِ رسالة المحبةِ بين الناس، والتي بمُقتضاها يَنقضُّ إلهه على البشرِ، فلا يُبقي ولا يَذَر، ويفني الناسَ جميعًا سوى الصفوةِ من الذين يَبذُلون له العطاءَ ممن يقومُ "روبرتسون" بتدوين أسمائِهم في سِجِلِّه ويُسلِّمها إلى إلهه بيده.
° ومن أعمال "روبرتسون" التي يتفاخرُ بها أنه أسَّس محطةً فضائيةً أو كما يُسمِّيها البعض "كنيسةً على الهواء" تُبَثُّ من لبنان بالعربية، قام بتمويلها أثرياءُ متأسلِمون وأعراب، وقد زاد التمويلُ الأعرابيُّ المتأسلمُ لها بعد أن أفحَشَ "روبرتسون" في سَبِّ الإسلام والتجنِّي على المسلمين وعلى قرآنهم الكريم ورسولِ البشرية أجمعَ - ﷺ -؛ بل إن دولةً إسلاميةً كبرى تتكفَّلُ بتلك القناة، بعد أن حدبتها برعايتها واحتضنتها. وقد رَشَّح "روبرتسون" نفسَه للرئاسة الأمريكية، لكنه فشِل، فحوَّل جهودَه في العمل الدؤوب على تجميعِ مَن يُسمُّون أنفسَهم "بالمسيحيين اليمينيين" لتأييد مرشحه للرئاسة.
° وربما مِن حظِّ المسلمين إصرارُه على أنَّ إلهَه غيرُ إلهِ المسلمين، وأن
_________________
(١) "صناعة العداء للإسلام" (ص ١٩٩).
[ ٣ / ٢٠٧ ]
مسيحَه غيرُ عيسى - ﷺ - الذي يؤمنُ المسلمون به كرسولٍ نبيٍّ.
° وقد أعلن "بات روبرتسون" -بفخرٍ وزهوٍ- عَقِبَ هبوبِ أعاصيرَ مُدمِّرةٍ على شرقِ الولايات المتحدة الأمريكية أنه التقى مع إلهه في مقابلةٍ وديَّةٍ، وطلب منه أن يوجِّهَ مسارَ الإعصارِ الذي كاد يهبُّ على بلده، وما يرافقُه من عواصفَ بعيدًا عن مَقَرِّ مركزِه الضخمِ الذي يحتلُّ مساحةً شاسعة على ساحلِ "فرجينيا"، والذي يَشغَلُه "كنيسةُ الهواء" الذي يَبُثُّ منه برنامجَه على التلفاز.
وبالطبع لم يُخبر إلهَه الغافلَ عمَّا يجري في الدنيا بأنه لا يتورَّعُ عن ابتزازِ العجائز والمُعدِمين والفقراءٍ، لقاءَ وعدِهم بالشفاعةِ لهم حتى ينعَموا بحظيَّةِ ومحبةِ ومعيَّةِ ولده -عسى أن تكونَ أُخراهم أفضلَ من دنياهم- وبناءً على تعهُّدٍ من إلهه اتَّجهت عاصفتانِ إلى مكانٍ بعيدٍ عن المركز، ودَمَّرت ممتلكاتٍ غنيَّةً عن الحصر، وشرَّدت الخلقَ الكثيرَ من حُثالةِ المخلوقات التي لا تستحقُّ الحياة، على حَسْبِ قوله عن الأمريكيين الذين تضرَّروا من إعصارِ "جلوريا" في نيويورك و"فيليكس" في الولايات المحيطة به.
جاء إعلان "روبرتسون" عن محادثاتِه الخاصةِ مع آلهته التي تُلاغيه وتأتمرُ بأمرِه خلال الفترة التي ترقَّب فيها المواطنون بهَلَعٍ مسيرةَ إعصار "كاترينا" قبلَ يوميْن من ضربهِ لشواطئ ولاياتِ جنوبِ الساحل الشَّرقيِّ للولايات المتحدة الأمريكية، فما كان من فريقٍ من الشباب -مِمَّن استمعوا إليه وهو يعدِّد بركاته ونفوذَه عند إلهه- إلاَّ التجمُّعَ في شارعٍ بالحيِّ الفرنسي بمدينةِ "نيو أورليانز"؛ ليلةَ مرور "إعصار كاترينا" على ولاية "لويزيانا" تحدِّيًا لروبرتسون وآلهته الخاصةِ به، وقضَوْا وقتَ مرور العواصف بالمدينة في
[ ٣ / ٢٠٨ ]
السُّكر والعربدة والرقصِ والغناء والسخريةِ من الشخصيةِ الشهيرة التي تُروِّجُ للحروبِ والاغتيالاتِ والنَّكَباتٍ، والذي يَدَّعي مجالستَه لإلهٍ ومسيحٍ من صنيع يديْه، والذي يتوعَّدهم بالهلاك إن لم يقتصدوا في الإنفاقِ على مجونهم ليُنفِقوا عليه وعلى كنيسته الفضائية .. وشاء اللهُ أنْ غَمَرت المياهُ المدينةَ بأسرها سوى رُقعةٍ صغيرةٍ من الحيِّ الفرنسي، فاعتبره الشبابُ انتصارًا على "روبرتسون" الذي ادَّعى -ككثيرٍ غيره- السيطرةَ على آلهةٍ خَلقوها لأنفسِهم ومَن هو على شاكلتهم.
* قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
ولعلَّ أثرياءَ المسلمين العرب الذين يُموِّلون حَمْلَتَه وفضائياتِه يَخْشَوْن من غضبِ إلهِ "روبرتسون" ومسيحِه عليهم، لذا فهم يتسارعون في تقديمٍ القرابين إليه، خاصةً بعد إعلان "روبرتسون" أنَّ الإسلام دينُ إرهابٍ وشعوذة، وأن العربَ حُثالةُ الأرض، وأنَّ إلههَ يَندمُ على أنه خَلَقهم على صورة بشر" (^١).
° ولهذا الدجَّال "بات روبرتسون" مؤسسةٌ يُسمِّيها "عمليَّة حلول البركة الثانية"، وتاريخها حافلٌ بأعمال النَّصْب والاحتيال على الأبرياء
_________________
(١) مقالة "حرابة القرن" (ص ٤٨ - ٥٠).
[ ٣ / ٢٠٩ ]
الذين تسلُبُ منهم المؤسسةُ أموالَهم بسيفِ إله "روبرتسون" ومسيحه؛ فقد جَمعت المؤسسةُ في منتصفِ العِقدِ التاسعِ من القرن الماضي تَبرُّعاتٍ طائلةً لتمويلِ أسطولٍ جوِّيٍّ لنقل المعونات للاجئي رواندا الفارِّين إلى زائير، وتبيَّن في التحقيقاتِ التي أعقبت حَمْلَةَ جمع التبرُّعات أنَّ الطائراتِ كانت تنقلُ معدَّاتٍ لمناجمِ ماسٍ في زائير يملكُها "بات روبرتسون"، ولولا دعمُ "روبرتسون" اللنائب العام آنذاك في حَملته الانتخابية في ولاية "فرجينيا" لانتهى به المطافُ إلى السجن بتهمةِ الاحتيال.
وعَقِبَ ذلك قام بالترويج على ناديهِ التلفازيِّ للديكتاتور "تشارلز تيلور" حاكم ليبريا السابق الذي أُدين بالبلطجةِ والقتل الجماعيِّ، على أنه راعي الديمقراطية في أفريقيا وناشر المحبة بين الناس، وقد نجح "روبرتسون" في جمعِ التبرُّعات لعدةِ زياراتٍ قام بها إلى ليبريا للإشراف على مناجمِ الذهب التي كان يُشاركُ فيها "تيلور" آنذاكَ بدعوى أنه ذهب لدعم محبة الليبريين لابن إلهه" (^١).
° يقول "بات روبرتسون" الأب الروحي لجورج بوش: "إنَّ الدينَ الإسلاميَّ دعا إلى العنف .. وإننا في هذه الحربِ إنما نعلي كلمةَ الربِّ الذي يقفُ معنا، مع الحق، في هذا الصراعِ الديني الذي نخوضُه وُيحيطنا بعنايته" (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٥٤، ٥٥).
(٢) صحيفة "الشرق الأوسط" في ٣/ ٢/ ٢٠٠٢، و"الحياة" - لندن في ٢٦/ ٢/ ٢٠٠٢، و"الأهرام" في ١١/ ١٢/ ٢٠٠٣.
[ ٣ / ٢١٠ ]
* بيل جراهام الأبُ الروحي لجورج بوش:
وَصَف هذا المجرمُ الاثيمُ محمدًا رسول الله - ﷺ - بأنه إرهابيٌّ ووثنيٌّ كما قالت مجلة "النيوزويك" الأمريكية، وتَرجمت مقالها جريدةُ الأسبوع في ١٤/ ٤/ ٢٠٠٣ م، وهذا الضال هو الأب الروحي لـ "جورج بوش".
° والذي قال عنه بوش: "إنه الرجل الذي قادني إلى الرب .. وهو الذي جَعل بوش يواظبُ يوميًّا على القراءةِ في كتابِ القَس "أوزوالد شامبرز"، الذي مات سنة ١٩١٧ م وهو يَعِظُ الجنودَ البريطانيين والاستراليين بالزحف إلى القُدسِ وانتزاعِها من المسلمين" (^١)!!.
* القَسُّ فرانكلين جراهام:
° تقول "واشنطن بولست" -وهي أقربُ الصحف الأمريكية إلى البيت الأبيض والمخابرات الأمريكية عن القادة البارزين في تيارِ "اليمين الديني" في أمريكا، وهم من الحلفاء المقرَّبين للرئيس الأمريكي، والرئيسُ بوش نفسه لا يعارضُ الأفكار التي يعلنونها والخُططَ التي يُنفِّذونها تعبيرًا عن التعصُّب الديني المعادي للمسلمين.
ومِن هؤلاء القسُّ "فرانكلين جراهام"، وهو ابنُ وخليفةُ "بيل جراهام" وقد شارك في مراسم تسلُّم الرئيس بوش رئاسةَ أمريكا، وقد أعلن: "أن الإسلام دينٌ شرِّير وكريهٌ جدًّا" (^٢).
° ذَكَرت صحيفة "هيرالد تريبيون" الأمريكية ما أعلنه القَسُّ "فرانكلين
_________________
(١) جريدة "الأسبوع" في ١٤/ ٤/ ٢٠٠٣ نقلًا عن "النيوزويك" الأمريكية.
(٢) "صناعة العداء للإسلام" (ص ١٩٩).
[ ٣ / ٢١١ ]
جراهام" في خطابه يوم تولِّي الرئيس "بوش" الابنُ السلطةَ، فقد قال: "نحن لا نهاجمُ الإسلام، ولكنَّ الإسلامَ هو الذي يهاجمُنا .. إن إلهَ الإسلام ليس هو نفسَ الإله، إنه ليس ابنَ الإله كما في العقيدة المسيحية، إنه إلهٌ مختلف، وإنني أعتقدُ أن هذا الدينَ دينٌ شِرِّيرٌ ويدعُو لإيذاءِ الغير".
* القَسُّ جيمي سويجارت:
"المُنصِّرُ الصليبيُّ القسُّ "جيمي سويجارت" صاحبُ الأحاديث التلفزيونيَّة التي يشاهدُها أكثرُ من ميلونَيْ شخصٍ في الولايات المتحدة، وتَصِلُ لأكثر من ١٤٠ بلدًا، واستطاع أن يَحصُل على أكثرَ من ١٤٠ مليون دولار سنويًّا، ويعتبر من أكثرِ المُنصِّرين نفوذًا في العالم" (^١).
ولقد أفحمه الشيخ "أحمد ديدات" وبَيَّن دَجَلَه وكَذِبَه في المناظرة التي تطاوَل فيها على سيِّد البشر - ﷺ - .. ولقد سارع المسلمون لشراء تسجيلات هذه المناظرة الشهيرة .. والذي زاد حَماسةَ المسلمين للمتابعة هو السمعةُ غيرُ الحَميدةِ التي كَسَبها "سواغرت" بتطاوُلِه المستمرِّ على القرآن الكريم، وسَبِّه لشخصِ الرسول - ﷺ -، ودعايتِه المغرضةِ ضدَّ الإسلام والمسلمين.
ففي أحدِ أحاديثه التليفزيونية -التي يشاهدُها أكثرُ من مليونَيْ شخصٍ في الولايات المتحدة وتصلُ لأكثرَ من ١٤٠ بلدًا-، قال سواغرت: "إن الخطر الذي يُهدِّدُ الحضارةَ الغربيةَ الآن ليس هو الشيوعيةَ والاتحادَ السوفيتي، إنما الإسلامُ الذي يغزو بلادَ الغرب بصورةٍ مذهلة".
_________________
(١) من كتاب الشيخ أحمد ديدات: "بين الإنجيل والقرآن" (٢٧: ٣٠) - كتاب "المختار الإسلامي".
[ ٣ / ٢١٢ ]
وذَكَر المشاهدين بأن "لندن" عاصمة "فكتوريا" التي كانت تحكمُ العالَمَ الإسلاميَّ كلَّه، أصبحت تأوِي أنشطَ مركز إسلاميٍّ في العالَم، وأن عددَ المراكز الإسلاميةِ في الولايات المتحدة أصبح يفوقُ عددَ أعضاءِ الحزبِ الشيوعي الأمريكي، وفي حين يتراجعُ الأخير "الحزب الشيوعي"، يتزايدُ عددُ المراكز، وتَقوَى جموعُ المسلمين، وأكَّد "أن الشيوعيةَ هي من صُلبِ الحضارة الغربية وإن تعارضت مع قِيَمها الروحية"!.
° وأخيرًا، تعرَّض للقرآن الكريم والرسول - ﷺ - بكلماتِ بذيئةٍ جارحةٍ وأكاذيبَ ملفَّقةٍ، وهو يُعتبر الوحيد من بينِ رجالِ الدين المسيحيين الأمريكيين الذي لا يتورَّع عن مهاجمةِ الدياناتِ الأخرى، ولا يَعصِمُ لسانَه من الطعنِ في زملاءِ عقيدتِه وكنيسته.
° في العام الماضي استطاع "سواغرت" القضاءَ على منافِسِه "جيم بيكر" بإشاعةِ علاقاتِه الجنسية المحرمة وممارساتِ زوجتِه "تامي بيكر" اللا أخلاقية، وقال حَملةَ التشهير بها، وقال عن "بيكر": إنه "سرطانٌ في جَسَدِ المسيح" يجبُ اجتثاثه، وقد فعل.
° وفي العام ١٩٨٦ م، اعترف القَسُّ "مارفن غورمان"، من مدينة "نيو أورليانز" بولاية "ليويزيانا" بارتكابه لـ "عمل غير أخلاقي" مع امرأة، فما كان من "سواغرت" إلاَّ انتهازُ الفرصة والتشهيرُ بـ "غورمان" واتهامُه بقضايا أخلاقيةِ لا تُحصى، قام على إثرها "غورمان" برفع دعوى قضائيةٍ ضدَّ "سواغرت" مطالِبًا فيها بـ ٩٠ مليون دولار كتعويضٍ، ولكنَّ القضيةَ شُطبت في وقتٍ لاحق.
° وكان "سواغرت" دائمًا يردد: "الغلمانُ الصِّغارُ الذين صَفَّفوا
[ ٣ / ٢١٣ ]
شعورهم، وقاموا بطلاء أظافرهم، وسمَّوا أنفسَهم مبشِّرين"، ويعني بذلك زملاءَه القساوسةَ والمنصَّرين، ومنهم "جيم بيكر" و"غورمان" وغيرهما.
° ولكنْ دارت الأيام، وجاءت الأخبارُ بما لا يشتهي "سواغرت"، وإذا بالخَصمِ القديم "مارفن غورمان" يضعُ يدَه على سانحةِ الثأر وقاصمةِ الظهر بعد أن تَجمَّعت لديه المعلوماتُ والصورُ عن ممارسات "سواغرت" اللا أخلاقية، فقدم الصورَ والبراهينَ إلى مجلس "جمعيات الرب"، التي يقفُ على رأسها "سواغرت"، حيث بادَرَ المجلسُ إلى الاجتماع بـ "سواغرت" في جلسةِ تحقيقٍ دامت عَشْرَ ساعاتٍ يوم الخميس ١٨ شُباط "فبراير" بمدينة "سبرينغ فيلد" بولاية "ميسوري"، وعقب الاجتماع، قال "فورست هال" سكرتير خزانةِ جمعيات الرب: إن سواغرت "اعترف بحوادثِ سقوطٍ أخلاقيٍّ محددة .. "، وأضاف: "أنه في اعترافه لم يحاوِلْ أن يُلقيَ بلائمةِ سقوطِه على أيِّ أحد".
° وفي عُطلة الأسبوع، قدَّم "سواغرت"، اعترافًا أمام أفراد أسرته، تلاه باعترافاتٍ أمامَ جمهورٍ من أتباع كنيسته بَلَغ حوالي ٨ آلاف شخص، ونَقلت الاعترافَ كلُّ كاميرات التليفزيون عَبْرَ الولايات المتحدة، وقد أجهَشَ بالبكاء وهو يُقدِّمُ اعترافاتهِ في ٢١/ ٢/ في "مركز الإيمان العالمي" في مدينة "باتن روج" بولاية "لويزيانا"، فقال: "ليست لديَّ النيَّةُ بتاتًا لنكرانِ خطيئتي .. ولا أُسمِّيها غَلطةً .. جريمةً .. أنا أُسمِّيها خطيئة".
وأشار إلى خطيئةٍ بأنها "أحداث" قادت إلى اعتراف، هكذا أشار إليها بصيغة الجَمع دون أن يُعطي تفصيلاتٍ لهذه الأحداث.
واتَّجه في اعترافاته يوم الأحد ٢١/ ٢، نحوَ زوجته "فرانسيس"،
[ ٣ / ٢١٤ ]
وقال: "أوه، لقد ارتكبتُ الخطيئة ضدَّك .. "، وأضاف: "إنَّ خطيئتي كانت في الخفاء"، وطلب مِن "كلِّ مَن جَلَبت لهم الفضيحةُ العارَ والإحراج .. السماح".
وكانت المعلومات قد أوضحت أن "سواغرت" كان على علاقةٍ بعددٍ من "المومسات"، وقد التُقطت له صور وهو يدخلُ ويخرجُ بعضَ فنادق "نيو أورليانز"، وقد دفع أموالًا للمومسات للقيام بأعمالٍ داعرةٍ لإشباع رغبةٍ نشأ عليها ولم يستطع التخلُّصَ منها رَغمَ وضعِه الديني وتقدُّم سِنِّه.
"سواغرت" -الذي يبلغ من العمر ٥٢ سنة- وصلت شهرتُه إلى ١٤٢ قطرًا، واستطاع أن يَحصُلَ على أكثرَ من ١٤٠ مليون دولار سنويًّا، ويُعتبر من أكثرِ المنصِّرين نفوذًا في العالَم.
وقد أنفق "سواغرت" على بناءِ مَجْمَعٍ له في مدينة "باتن روج"، ما قيمتُه ١٢٣ مليون دولار، راح معظمُها في شراءِ الأراضي وأعمالِ التشييد التي استمرت من العام ١٩٨١ وحتى آذار "مارس" من العام الماضي، ويحتوي المَجمعُ على كليةِ الإنجيل، وإرسالياتٍ، ومراكزِ خدماتٍ طبية، ويَعملُ بالمَجمع موظفون كانت جُملةُ مستحقَّاتهم الشهريةِ في العام الماضي ١٦ مليون دولار.
° وقال قسيس من "جماعات الرب": "إن المسؤولين قرَّروا "الإجراءاتِ التأديبيةَ المناسبة" ضدَّ سواغرت، وقال: إن العدلَ أحيانًا يمكنُ أن يتحققَ بالرحمة"، لقد تقرَّر مَنعُ "سواغرت" من الوعظِ لمدةِ ثلاثةِ أشهر، وإخضاعُه للعلاج النفسي تحتَ إشراف مجموعةِ من القساوسة على أن يُقدِّمَ هو تقريرًا مكتوبًا عن حالتِه كلَّ أسبوع، وتقريرًا آخَرَ كلَّ شهرٍ يبين
[ ٣ / ٢١٥ ]
فيه التقدمَ الذي حقَّقه بشأنِ التزامِه الأخلاقي، وقد مُنع كذلك من الحديث للصحفيين أو أيِّ أحدٍ آخَرَ غيرِ أساقفة كنيسته.
وهذه الإجراءاتُ التأديبيةُ التي فُرضت من قِبَل مقاطعة "لويزيانا" الكنسية، يوم الإثنين ٢٢ شباط (فبراير) الماضي، ولمِ تَجِد موافقةَ "جماعات الرب" في مركز "سبرينغ فيلد" الرئيسي، حيث صرَّح مصدرٌ بأن مجلسَ "جماعاتِ الرب" رَفض قبول "توصيات قساوسة لويزيانا"، وقال: إنه لن يسمحَ لـ "سواغرت" بالعودة للوعظ في وقتٍ قريب، كما أنه لم يَسمحْ من قبلُ بعودةِ منصِّرٍ واعظٍ ارتكب جُرْمًا أخلاقيًّا بالعودة إلى الخدمة الكهنوتية مرةً ثانية.
وفي رَدِّه على سؤالٍ عمَّا إذا كانت شبكةُ التليفزيون المسيحية (CBN) ستستمر في عرضِ حلقاتِ برنامج "سواغرت"، قال "بنتون ميلر" التحدِّثُ باسم الشبكة: "أعتقد أننا سنكون في وضعٍ أفضلَ للتعليق على هذا بعد مراجعةِ كلِّ المعلومات المتاحةِ الآن، ولكن في الموعد المتحدَّد لِبَثِّ حلقةِ الأحد (٢١/ ٢) اعتذرت الشبكةُ عن تقديم برنامج "سواغرت" واضعةً بذلك حدًّا عمليًّا للوعظ الذي كان يشاهدُه أكثرُ من مليونَين في الولايات المتحدة وتَصحبُه ترجمةٌ فوريةٌ لأكثرَ من ١٦ لغةً لتعادَ مشاهدتُه في ١٤٢ قطرًا.
وإذا كانت فضيحتا "غورمان وبيكر" قد أضعفت مصداقيةَ وُعَّاظِ التليفزيون في أمريكا، وتسبَّبت في هُبوط معدَّل التبرعات والمشاهدين، فإن جريمةَ "سواغرت" قد هبطت ككارثةٍ عنيفةِ الوَقْعِ على المؤسَّسات التنصيرية، وزادت الفتنُ في جَرحِ الكنيسة الذي لم يندملْ بعد، والفضيحةُ
[ ٣ / ٢١٦ ]
الجديدةُ بكلِّ المقاييس أكبرُ، وستكونُ لها آثارُها الوخيمة" (^١).
* الجنرال الأمريكي "ويليام م. ج. بويكن" نائب وزير الدفاع الأمريكي:
° قال راعي البقر الدجَّالُ الجنرال الأمريكي "ويليام م. ج. بويكن" نائبُ وزير الدفاع الأمريكي -وهو يخطب في إحدى الكنائس- وهو بزيِّه العسكري: "إنَّ إلهَنا أكبرُ من إلههم .. إنَّ إلهَنا إلهٌ حقيقي، وإلهَ المسلمين صَنَمٌ .. وإنهم يَكرَهون الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها أُمةٌ مسيحيةٌ يهودية، وحَربُنا معهم هي حربٌ على الشيطان، وإن دينَ الإسلام دينٌ شيطانيٌّ شرير .. ومحمدٌ هو الشيطان نفسه" (^٢) ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
نسأل اللهَ أن يأخذَ منك ومِن دولتك لرسولِه حتى يرضى .. ولدماءِ المسلمين وعَوْراتِهم ونسائِهم وأطفالِهم حتى يرضَوا.
* وزير العدل الأمريكي السابق "جون أشكروفت":
° لم يَقِفِ الأمرُ عند إساءةِ وزيرِ العدل الأمريكي السابق إلى الإسلام ورسوله - ﷺ -، بل يتطاولُ على الذاتِ الإلهية، فيقول: "إنَّ المسيحيةَ دينٌ أرسل الربُّ فيه ابنَه ليموتَ من أجلِ الناس، أمَّا الإسلام، فهو دينٌ
_________________
(١) من كتاب "أحمد ديدات بين الإنجيل والقرآن" (ص ٢٧ - ٣٠) كتاب "المختار الإسلامي".
(٢) صحيفة "الحياة" لندن في ١٧/ ١٠/ ٢٠٠٣ م، وصحيفة "الأهرام" - القاهرة في ١٨/ ١٠/ ٢٠٠٣ م.
[ ٣ / ٢١٧ ]
يطلبُ اللهُ فيه من الشخصِ إرسالَ ابنِه ليموت من أجل هذا الإله" (^١).
* مور تايمر زوكارمان:
كتب "مور تايمر زوكارمان" في يونيو ١٩٩٦ م يقول: "إن النبيَّ محمدًا لم يكن أمينًا، وكان من مبادئه عدمُ احترامِ المعاهدات، وقد يقتدي "ياسر عرفات" بتصرُّفات محمدٍ، ولا يحترمُ اتفاقاتِه مع إسرائيل، فعرفات يتبعُ مبدأ النبيِّ محمدٍ بإبرام معاهداتٍ مع العدوِّ حينما يكونُ ضعيفًا، وانتهاكِها حينما يصير قويًّا" (^٢).
* ريتش لوري يدعو لضرب مكة بقنبلة نوويَّة:
نشرت مجلة "ناشيونال ريفيو" الأمريكية مقالًا بقلم ريتش لوري أحدِ كُتَّابِ المجلة، قال فيه: "إنَّ ضَرْبَ مكةَ بقنبلةٍ نووية سوف يكونُ رسالةً للمسلمين".
هكذا يريدُ هؤلاء البربريون ضربَ الكعبةِ ومكةَ أقدسِ مكانٍ للمسلمين .. وتناقلت هذه الكلماتِ الصحفُ ومواقعُ الإنترنت بمختلفِ اللغات .. وهذا يدلُّ على الحِقدِ الأسودِ الكريه الذي يُكِنُّهُ الأمريكيون للإسلام ولرسوله - ﷺ -.
* الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن:
بعد أحداثِ الحادي عشر من سبتمبر سنة ٢٠٠١ م في أمريكا، وقبل
_________________
(١) صحيفة "الشرق الأوسط" - لندن - في ٢١/ ٢/ ٢٠٠٢ م.
(٢) "صناعة العداء للإسلام" (ص ١٢٠).
[ ٣ / ٢١٨ ]
بَدءِ التحقيق في هذه الأحداث التي انتهى التحقيقُ فيها دون توجيهِ أيِّ اتهامٍ قانوني لأي متهمٍ من المتهمين!! أعلن بوش الذي يقودُ اليمينَ الديني لأمريكا حربًا وَصَفها جورج بوش في ١٦ سبتمبر سنة ٢٠٠١ م بأنها "حملة صليبية"، ثم جَرَت محاولاتٌ غربيةٌ ومتغرِّبةٌ للتخفيفِ من وَقْع هذه العبارة على العالَم الإسلاميِّ، بالقولِ بأنها "زلَّةُ لسانٍ" وليست -واللهِ- بزلَّةِ لسان، بل هي حربٌ صليبية.
° يقول الأنبا "يوحنا قَلْته" نائب البطريرك الكاثوليكي في مصر: "إن بوش يستخدمُ المسيحَ دِرعًا والصليبيةَ ثوبًا للدفاع عن مصالحِ أمريكا المادية .. وإنه كان يقصِدُ تمامًا معنى عبارة "الحملة الصليبية" .. ولم تكن أبدًا زلَّةَ لسان" (^١).
نعم .. هي حربٌ صليبية .. فقد أذاع الفاتيكان -وهو أكبرُ كنائسِ النصارى- من خلالِ إذاعته الرسمية، التي تُذاع بتسعٍ وثلاثين لغةً، وعلى لسانِ مدير هذه الإذاعةِ الرسميةِ الأبِ "باسكوالي بور جوميو" قال عن حملةِ أمريكا وحَربِها على العراق: "في الوقت الذي يدعو الفاتيكانُ إلى التعقل، ويُشجِّعُ العملَ الديبلوماسيِّ، ويدافعُ عن الحقِّ الدولي، نرى في الجانبِ الآخَرِ قوةً عُظمى تقودُها إدارةٌ خَوَّلت إلى نفسِها مهمةً إنقاذيةً [مقدَّسةً] واتخذت لهجةً ومواقفَ صليبية" (^٢).
° وأعلن السيناتور "إدوارد كيندي" والسيناتور "بابريك ليهي": أن
_________________
(١) "الغرب والإسلام .. أين الخطأ .. وأين الصواب".
(٢) صحيفة "الحياة" - لندن في ٢٩/ ٢/ ٢٠٠٣ م.
[ ٣ / ٢١٩ ]
الإدارة الأمريكية مدفوعةٌ إلى هذه الحرب "بحماسةٍ مسيحية" (^١).
° وكتبت "النيوزويك" الأمريكية عن "بوش - الصغير" "حامل البشارة"، فقلت: "إنه يؤمن أنَّ حربَه على العراق ستكون حربًا عادلة وفقَ المفهومِ المسيحيِّ كما شَرَحها القديسُ "أغسطين" -في القرن الرابع- وفصَّلها كلٌّ من "توما الأكويني" [١٢٢٥ - ١٢٧٤ م] و"مارتن لوثر" [١٤٨٣ - ١٥٤٦] وآخرون، وأنه عندما استخدم مصطلح "الأشرار" في وصفِ خُصومه، قد "نَبَش هذه الكلمةَ مباشرةً من المزامير"، و"أنه يُفكِّرُ في سياسةٍ خارجيةٍ تستندُ إلى الإيمان .. ويُفكَّرُ في حربٍ باسمِ الحرية المدنيَّة -بما في ذلك الحرية الدينية- في القلبِ القديم للإسلام العربيِّ، ويحظى بدعمٍ قويٍّ من قاعدته في الجَناحِ السياسي للمؤتمر المَعْمَداني الجنوبي، من أمثال "ريتشارد لاند" و"فرانكلين جراهام" -الأب الروحي لبوش- والذي سَبَّ رسولَ الإسلام، ويُندِّدُ بالإسلام باعتبارِه إيمانًا عنيفًا وفاسدًا!.
ولا يخفى -مع المبشِّرين الإنجيليين- رغبتهم تحويلَ المسلمين إلى المسيحية -لا سيَّما في بغداد-" (^٢).
هذا ما كتبته "النيوزويك" -الأمريكية- قبل شَنِّ الحربِ على العراق.
أما الـ "نيويورك تايمز"، فإنها كَتبت مقالَين - في ٥، ٦/ ٤/ سنة ٢٠٠٣ م -أي في ذُورةِ الحرب على العراق- عن انخراطِ المبشِّرين الإنجيليين، تحت قيادةِ الآباءِ الروحيِّين "لبوش"، في الحملةِ الأمريكيةِ على العراق،
_________________
(١) المصدر السابق في ١٥/ ٣/ ٢٠٠٣ م.
(٢) مجلة "النيوزويك" الأمريكية عدد ١١/ ٣/ ٢٠٠٣ م.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
بصُحبةِ القواتِ الأمريكيةِ الغازيةِ .. الأمرُ الذي "صَبَغ الحربَ على العراق بصِبغةِ الحروب الصليبية، وأنَّ مِن بينِ تلك الجماعات التبشيرية المصاحبةِ للجيش الأمريكي مبشِّرين تابِعِين للكنيسةِ المعمدانية والكنيسةِ المنهجية، وكِلتا الكنيستين كانت ضِمنَ أهمِّ الجماعاتِ التي دَعَّمت الرئيسَ بوش .. وهناك ٨٠٠ مبشِّر تطوَّعوا لمصاحبةِ الجيش الأمريكي الزاحفِ على العراق، لتقديم الدعمِ الروحيِّ والماديِّ للشعب العراقي .. ومِن بين هولاءِ المبشِّرين "فرانكلين جراهام"، الذي دشن حفلَ تنصيبِ جورج بوش رئيسًا .. ووالده "بيل جراهام"، الذي أثار عاصفةً داخلَ المجتمعات الإسلامية عندما وَصف النبيَّ محمدًا بأنه "إرهابيٌّ ووثني" .. ولقد أَعلن المبشِّرُ "فرانكلين جراهام" -في القاعدة الأمريكية في الكويت-: "لقد جئتُ إلى هنا تمهيدًا لدخولِ العراق، فرغم أن نِسبةَ المسلمين في العراق تُشكِّلُ ٩٧% من إجمالي تِعدادِ السكان، إلا أننا يجبُ ألاَّ ننسى أن المسيحيةَ سَبقت الإسلامَ في دخول العراق .. إنني هنا لدعم مسيحيِّ العراق، لكننا في الوقت ذاتِه نُخطِّطُ لتقديمِ الدعمِ للمسلمين، ليس باسمنا، ولكن باسم الرب" (^١).
جورج بوش -أو "أوربان العصر الحديث"- يُريدُها حربًا صليبيةً تُريقُ دماءَ المسلمين -أو الكفار عنده- مثلما فَعَل الباب "أوربان الثاني" [١٠٨٨ - ١٠٩٩ م]، مُشعِلُ الحروبِ الصليبيَّةِ الذي قال في خطابه الذهبيِّ للـ "فرسان الإقطاعيين" يوجِّهُهم لغسل أيديهم بدماءِ المسلمين -الكافرين- وليحتلوا
_________________
(١) ترجمة مقالي "النيويورك تايمز" عن صحيفة "الأسبوع" - القاهرة في ١٤/ ٤/ ٢٠٠٣ م.
[ ٣ / ٢٢١ ]
أرضَهم التي تُدِرُّ لبنًا وعَسَلًا، فقال: "يا من كنتم لصوصًا، كونوا الآن جنودًا .. لقد آنَ الزمانُ الذي فيه تُحوِّلون ضدَّ الإسلام تلك الأسلحةَ التي أنتم لحدِّ الآنَ تستخدمونها بعضُكم ضدَّ بعض .. فالحربُ المقدَّسةُ المعتمدةُ الآن .. هي في حقِّ الله عينه .. وليست هي لاكتسابِ مدينةٍ واحدة .. بل هي أقاليمُ آسيا بجُملتها، مع غِناها وخزاينها العديمةِ الإحصاء.
فاتخِذوا محجةَ القَبرِ المقدس، وخَلِّصوا الأراضيَ المقدسةَ من أيادي المختلِسين، وأنتم املِكوها لذواتكم، فهذه الأرضُ -حَسْبَ ألفاظِ التوراة- تَفيضُ لبنًا وعسلًا .. ومدينةُ "أورشليم" هي قُطبُ الأرضِ المذكورة، والأمكنةِ المخصِبةِ المشابهةِ فِردوسًا سماويًّا.
اذهَبوا وحارِبوا البربر -[يقصد المسلمين]- لتخليصِ الأراضي المقدسةِ من استيلائهم .. امضُوا متسلِّحين بسيفِ مفاتيحي البطرسية -[مفاتيح الجنة التي صنعها لهم الباب]- واكتسِبوا بها لذواتكم خزاينَ المكافآتِ السماويةِ الأبدية، فإذا أنتم انتصرتم على أعدائكم، فالمُلكُ الشرقيُّ يكونُ لكم قَسْمًا وميراثًا.
وهذا هو الحينُ الذي فيه أنتم تَفُون عن كثرةِ الاغتصابات التي مارستموها عُدوانًا .. ومن حيث إنكم صَبغتم أيديَكم بالدمِ ظُلمًا، فاغسِلوها بدمِ غيرِ المؤمنين .. "!! (^١).
هكذا دعا الباب الذهبي "الفرسان -اللصوص" -بعدَ أن أعطاهم
_________________
(١) "تاريخ حرب الصليب" لمكسيموس مونروند (١/ ١٣، ١٤) طبعة أورشليم سنة ١٨٦٥ م.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
مفاتيحَ الجنة- إلى غَسل دماءِ أيديهم بدماءِ المسلمين، وذلك لامتلاكِ الأرض التي تُشبِهُ خصوبتُها فردوسَ السماء، والتي لا تُحصَى خزائنُ ثرواتها، والتي تَفيضُ لبنًا وعسلًا .. فالمُلك الشرقيُّ سيكونُ لهم ميراثًا، إذا هم غسلوا أيديَهم بدماءِ المسلمين -غيرِ المؤمنين-!!.
فكيف غَسَل هؤلاء الفرسانُ "اللصوص" الذين حَشَدت البابويةُ أوربا من ورائِهم أيإيَهم الملطَّخةَ بدماءِ بعضِهم البعض - كيف غَسَلوها بدماءِ المسلمين؟!.
° يَصِفُ الكتابُ بأسلوبه الركيك نقلًا عن شهودِ العيان -كيف تمَّ ذلك في صفحاتٍ داميةٍ نكتفي منها بسطورٍ تقول: "على أنه باطلًا- أي: عبثًا -كان الإسلامُ- أي: المسلمون -في أورشليم، في اليوم المذكور- يوم دخول الصليبيين للقُدس- يَجِدُّون مفتِّشين عن مَهربٍ يَحمُون به حياتَهم؛ لأن هذه المدينةَ خَلَت من ملجإٍ لهم، فعددٌ كليٌّ منهم قد هربوا إلى جامع عُمرَ -مسجد قبة الصخرة- ظانين أنهم هناك يَحمُون ذواتَهم من الموت، ولكنْ ظنُّهم خاب، إذ إنَّ الصليبيين -خيَّالةً ومُشاةً مختلِطين- قد دَخلوا الجامعَ المذكور، وأبادوا بحدِّ السيف كلَّ الموجودين هناك.
فالمؤرخون، بنوعٍ خاصٍّ، ذمُّوا قساوةَ هؤلاءِ الجنودِ البربريةِ عن هذا الفعل.
وحَسْبَ تقرير "رايموند ده أجيلاس": قد طاف الجامعُ من الدماء حتى إنه تحتَ القناطرِ التي عند بابه احتَقَن الدمُ وعلا إلى حدِّ الركب، بل إلى لُجُم الخيل.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
° وقال "روبارتوس" الراهب: إن جامع عُمرَ قد استَوعب من الدمِ المحتَقنِ فيه كَفَّيْ بحرٍ متموِّج، وذلك مما فَتكت به سيوفُ الجيوشِ الصليبية أرقاب -رقاب- الإسلام -المسلمين-" (^١).
° ولم يكتفِ الصليبيون بذلك الذي صنعوه .. وإنما اجتمع "ديوان مشورتهم"، وقرَّر هذا "الديوانُ" إبادةَ جميع مَن بَقِي من المسلمين -وأيضًا من اليهود- في المدينة المقدَّسة .. أي إبادةَ جميع المخالفين! .. فأعمَلوا القتلَ والحَرْقَ والذبحَ في السكَّانِ العُزَّلِ أسبوعًا كاملًا .. حتى لقد شَمِل القتلُ مَن حَصَل على الأمانِ مِن بعضِ الأمراء الصليبيين!.
° وعن هذه المجزرة، يتحدَّثُ صاحبُ كتاب "تاريخ حرب الصليب"، فيقول: "إن ديوانَ المشورةِ العسكرية التيم -اجتمع- وقَطَع حُكما مُرْهِبًا، وهو: أن يُمات كلُّ مسلمٍ باقٍ داخلَ المدينة المقدسة، وهذا الحكمُ المَهيلُ قد تباشَرَ بالعمل .. ودامت هذه الملحمةُ مدةَ سمت -أي: سبعة أيام- كلمة.
والمؤرِّخون يتَّفقون على أن الإسلام -أي: المسلمين- الذي ذُبحوا داخل أورشليم بلغوا سبعين ألفًا، ثم إن اليهودَ قد كانوا داخِلين في عددِ المحكوم؛ لأن ألفاظَ الحُكمِ كانت بالموت ضدَّ غيرِ المؤمنين، بدون تمييزِ المسلم من اليهودي، فهؤلاء العبرانيون قد هَربوا إلى كنيسهم محاصَرين فيه، إلاَّ أن الصليبيين أضرَموا النارَ في جهاتِ الكنيس، فأبادوه وإياهم جُملةً بالحريق، ولم يَبْقَ من مَعبَدهِم هذا إلاَّ بعضُ فضلاتِه الدالةِ على قديمته".
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ١٧٢، ١٧٣).
[ ٣ / ٢٢٤ ]
° وبعد أن كانت القُدس -في ظل السيادة الإسلامية- مُشاعةَ القُدْسيةِ لكل أصحابِ المقدسات؛ لأن الإسلامَ مؤتَمَنٌ على كلِّ المقداسات، لا يُفرِّقُ أهلُه بين أحدٍ من الأنبياء والمرسلين .. تم احتكارُ القدسِ للصليبيين اللاتين -الكاثوليك- ونُهبت كلُّ كنوزها، بما في ذلك كنوزُ المساجد .. وبعبارةِ مؤلف كتاب "تاريخ حرب الصليب": " .. ومَنظر أورشليم استحال بغتةً إلى مَشهدٍ جديد؛ لأنها في أيامٍ قليلةٍ انقلبت مِن ديانةٍ إلى أخرى، ومن شرايعَ إلى غيرها، ومن مراسيمَ وعوايدَ إلى أخرى، ومِن سُكَّانٍ إلى غيرهم، فالغالبون أضحَوا أغنيا بالغنائم التي امتلكوها بين أيديهم .. فالقايدُ "تنكريد" قد امتَلك جميع الغِنى الذي وَجد في جامعِ الإمام عُمر، وهذه قد كانت عظيمةَ المقدارِ والقيمة، حتى إنه -حسب تقريرِ أحدِ المؤرِّخين- لم يَكْفِها ستُّ عراباناتٍ كبيرةٍ لنقلها، وأنه قد استمر هو مدةَ يومين مباشرًا إخراجَها من ذلك الجامع .. ".
أما الجنودُ والقادةُ الصليبيون، الذين -كما يقول "مكسيموس مونروند"- "قد كلَّت أيديهم من سفك الدماء"!! (^١)، فإنهم أَخذوا يَعُبُّون خُمورَ المَعَاصِر حتى أتوا عليها، ثم ذهبوا يتضرَّعون إلى ربِّهم وهم سُكارى، وأيديهم مُخضَّبةٌ بدماء المسلمين .. ويا لها من "صلاة" تَصِفُها "دائرة المعارف البريطانية" - وهي تتحدثُ عن دخولِ القائدِ الصليبي "جودفري" (١٠٦١ - ١١٠٠ م) القدس- فتقول: كانت المذابحُ رهيبةً، جَرَت دماءُ المغلوبين في شوارع المدينة حتى ارتفع مستوى الدمِ ووَصَل إلى
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ١٧٤ - ١٧٦).
[ ٣ / ٢٢٥ ]
رُكَبِ مَن سار فيها، وَلَا حَلَّ المساء، اندفع الصليبيون يبكُون من فرطِ الضحك!! -بعد أن أتَوا على نبيذِ المَعاصر- إلى كنيسةِ القيامة، ووَضعوا أكُفَّهم الغارقةَ في الدماءِ على جُدرانها، وردَّدوا الصلوات"!!.
° "جورج بوش" أو "ريتشارد قلب الأسد القرن العشرين" يفعلُ بالمسلمين في أفغانستان والعراقِ مِثلما فَعَل "ريتشارد قلب الأسد" (١١٨٩ - ١١٩٩)، فقد قام بذبح ثلاثةِ آلافِ جنديٍّ من أسرى المسلمين بعد أن قَطَع لهم عَهْدَ الأمان، وبشهادةِ وعبارةِ المستشرقةِ الألمانية الدكتورة "سيجريد هونكه": "فعلى العكس من المسلمين -الذين شَمِلوا أسرى الصليبيين بمُرُوءتهم، وأسبغوا عليهم من الجُودِ والرحمةِ ما صار مضربًا للمَثَل في التخلُّقِ بروح الفروسية العالية -لم تعرفِ الفروسيةُ النصرانيةُ أيَّ التزامٍ خُلقيٍّ تُجاهَ كلمةِ الشرف أو الأسرى، فالمَلكُ "ريتشارد قلب الأسد"، الذي أقسَمَ بشَرفِه لثلاثةِ آلافِ أسيرٍ عربي أن حياتَهم آمِنة، إذ هو فجأةً متقلِّبُ المِزاج، فيأمرُ بذَبحهم جميعًا" (^١).
° "جورج بوش" هو "بونابرت القرن العشرين": "وفي العصر الحديث، رأينا "بونابرت" (١٧٦٩ - ١٨٢١ م) يقترفُ ذاتَ الجريمة -جريمةِ الغَدرِ بعهدِ الأمان الذي قطعه لأسرى معركة "يافا" (١٢١٤ هـ/ ١٧٩٩ م) -، فلقد ذَبَح آلافَ الجنود المسلمين الذين استسلموا، والذين أعطاهم عهدَ الأمان!! ولقد وَصف المؤرِّخ الحُجَّة "عبد الرحمن الرافعي" هذا الغَدْرَ، والانتهاكَ لقداسةِ عهودِ الأمان، فقال -نقلًا عن المؤرخين الفرنسي-: "لقد
_________________
(١) "الله ليس كذلك" (ص ٣٤) - للدكتورة سيجريد هونكه - طبعة دار الشروق - القاهرة ١٩٩٥ م.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
وصل نابليون بجيشه تُجاهَ يافا يوم ٣ من مارس ١٧٩٩ م، وكان الجيشُ العثمانيُّ بقيادة "عبدِ الله باشا الجزار" (١١٣٢ - ١٢١٩ هـ/ ٠ - ١٧٢١٨٠٤ م) ممتنعًا بها، فحاصرها نابليون بجنوده، واستولى عليها يوم ٧ من مارس، بعد معركةٍ شديدةٍ قُتل فيها من الجنود العثمانيين ٢٠٠٠ قتيل، ودخل الفرنسيون المدينة، وأعمَلوا فيها السيفَ والنار.
لقد نهب الجنود الفرنسيُّون "يافا"، وارتكبوا فيها من الفظائع ما تقشعرُّ منه الأبدان -باعترافِ المؤرِّخين الفرنسيين- واستمرَّ النهبُ والقتلُ يومين متواليين، واضطُّرَّ الجنرال "روبان" -الذي عَيَّنه نابليون قائدًا للمدينة- أن يَقتلَ بعضَ الجنودِ لإعادةِ النظام، فذهب جَهدُه عَبثًا، ولم ينقطعِ النهبُ إلاَّ بعد أن كَلَّ الجنودُ من الاعتداءِ وسَفكِ الدماء!!.
ولم يكدْ ينقطعُ النهبُ لمدينة "يافا"، حتى أعقبته مأساةٌ أخرى أشدُّ هَولًا وفظاعة، ذلك أنه بعدَ انتهاءِ المعركةِ ودخولِ الفرنسيين المدينة، كان بها من الجنودِ العثمانيين نحوُ ثلاثةِ آلاف مقاتِل، آثَروا التسليمَ وإلقاءَ السلاح في يدِ الفرنسيين بشروطٍ اتفقوا عليها مع اثنين من ياوران نابليون، وهما "بورهارنيه، وكروازييه"، ومن هذه الشروط: أن تُضمنَ لهم أرواحُهم بعد التسليم، وتَعهَّد الياوران بذلك باسم القائد العام "نابليون"، وتلقاهم الفرنسيون كأسرى حرب، ولكن نابليون -بعد أن فكر طويلًا في أسرهم، وتردَّد في شأنهم-، أَمَر بإعدامهم جميعًا رميًا بالرصاص، فسِيق أولئك الأسرى إلى شاطئِ البحر وأُعدِموا جميعًا رميًا بالرصاص" (^١).
_________________
(١) "تاريخ الحركة القومية" (٢/ ٢٩، ٣٠) - طبعة القاهرة.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
* فضائحُ العدوِّ اللدود للإسلام ورسوله - ﷺ -: جورج بوش:
وفي القرن الحادي والعشرين .. وبعد احتلال أمريكا للعراق عام ٢٠٠٣ م -بواسطة تحالفٍ صليبيٍّ غربيٍّ يُضاهي الحملاتِ الصليبيةَ الأولى -وَجَدْنا رُعاةَ البقرِ يتعمَّدون انتهاكَ كلِّ حُرماتِ المسلمين، مركِّزين على حُرْمَتَيِ "العِرْض" و"الدين".
صَنعوا ذلك عندما انتَهكوا مقدَّساتِ الأعراض -للنساء والرجال- ومقدَّسات العقائدِ في سِجن "أبو غريب" -وغيره من السجون- على النحو الذي سَجَّلت نماذجَه الصورُ التي شاهدها الناسُ عبرَ الفضائيات والصحفِ والمجلات.
وصَنعوا ذلك في مدينةِ "الفالوجة" العراقية في أكتوبر/ نوفمبر ٢٠٠٤ م، ففي مدينة تِعدادُها ٠٠٠، ٣٥٠ - أي نحو ثُلث مليون-، ومساحتُها أربعةُ كيلو مترات في الطول والعرض:
- دَمَّر الأمريكيون ٤٠ مسجدًا -من جملةِ مساجدها السبعين.
- وأَجهزوا على الجَرحى في المساجد، ورأى الناسُ ذلك، عَبرَ الصور، في الفضائيات.
- ودنَّسوا ودمَّروا محتوياتِ المساجد -بما في ذلك المصاحفُ وكتبُ السنة النبوية المطهَّرة.
- كما استَخدموا الأسلحةَ المحرمةَ دوليًّا -مثل الفوسفور الأبيض، والقنابل العنقودية- ضدّ المدنيين الأبرياء، بمن فيهم الأطفال والنساء.
وصنع الأمريكيون ذلك -أيضًا- في مُعتقل "جوانتاناموا" حيث دَنَّسوا القرآنَ الكريمَ، ووضعوا صحائفَه في المراحيض؛ ليُهينوا الأسرى والمعتقَلين
[ ٣ / ٢٢٨ ]
الذين يُقدِّسون هذا القرآن الكريمَ!!.
وصَنعوا ذلك ببغداد -في يناير ٢٠٠٦ م- عندما اقتَحم الجيشُ الأمريكيُّ مسجد "أم القرى" -مقرَّ "هيئة علماء المسلمين" بالعراق-، ودمَّروا ودنَّسوا المقدَّسات الإسلامية، بما فيها القرآنُ الكريم وكُتبُ السنة النبوية المطهرة، ثم رَسموا الصليبَ على جُدران هذا المسجد.
فهل ينسى المسلمون -يا بوش- تبوُّلَ جنودِك على مُصحفِهم الطاهر واغتصابَ الرجالِ والنساءِ وهَتكَ الأعراضِ وتدنيسَ المساجد؟!.
* هل ينسى الناسُ -يا بوش- اغتصابَ الفتيات المسلمات؟
هل ينسى لكم التاريخُ ما فَعله جنودكم في ٦/ ٢٠٠٦ م في قرية "المحمودية" بالعراق واغتصابَ "عبير" ابنة الخمسة عشر ربيعًا.
يدخلُ الجنودُ ليقتادوا والدها وأمَّها وإخوتَها ويَقتلوهم بأربعين رصاصةً، ثم يغتصبُ عشرون جنديًّا أمريكيًّا "عبير"، ثم يقتلونها ويشعِلون النار فيها!.
ونحن ننتظرُ فِعلَ اللهِ بهذا الدجالِ "بوش" جزاءَ ما فعل بالإسلامِ والمسلمين.
* رئيس وزراء إِيطاليا "سيلفيو بيرلسكوني":
أعلن رئيسُ وزراء إيطاليا "سيلفيو بيرلسكوني" في ٢٦ سبتمبر سنة ٢٠٠١ م: "أن الحضارةَ الغربيةَ أرقى من الحضارةِ الإسلامية .. ولا بدَّ من انتصار الحضارةِ الغربيةِ على الإسلام، الذي يجبُ أن يُهزم؛ لأنه لا يَعرفُ
الحريةَ ولا التعدُّديةَ ولا حقوقَ الإنسان .. وأن الغرب سيواصُل تعميمَ
[ ٣ / ٢٢٩ ]
حضارتهِ، وفَرْضَ نفسِه على الشعوب .. وأنه قد نَجح -حتى الآن- في تعميم حضارته وفَرْضِ نفسِه على العالم الشيوعي وقِسم من العالَم الإسلامي" (^١)!!.
° وقال أيضًا: "إن الحضارةَ الإسلاميةَ تتَّسمُ بالانحطاطِ والجهلِ، وإنها حضارةٌ متخلِّفة ولم تقدِّم للبشرية شيئًا، بينما الحضارةُ الغربيةُ هي الحضارةُ القائدةُ والرائدة منذُ الحضارة اليونانية والرومانية حتى الحضارة الغربية الحديثة" (^٢).
* وزير داخلية ألمانيا "أوتو شيلي":
وَصَف وزيرُ الداخلية في ألمانيا "أوتو شيلي" عقيدةَ الإسلامِ بأنها "هرطقةٌ وضلال" (^٣).
* وزير خارجية ألمانيا "يوشكا فيشر":
أمَّا وزير خارجية ألمانيا "يوشكا فيشر"، فإنه يعلن -في محاضرةٍ حول "آفاقِ السياسة الدولية إثرَ اعتداءات ١١ سبتمبر" أمامَ طلبةِ جامعةِ "فراي ببرلين"، يعلنُ شكوكَه في "قدرةِ الإسلام على التطوُّر"! … ويتساءلُ: "هل يوجدُ طريقٌ إسلاميٌّ إلى الحَدَاثة؟ -بمعناها الغربي! - ثم يصفُ الأصوليةَ الإسلاميةَ الرافضةَ للحداثة والقيم الغربية- بأنها "التوتاليتارية الجديدة" (^٤) - أي الديكتاتورية والشمولية الجديدة!!.
_________________
(١) صحيفة "الحياة" -لندن- في ٣٠/ ٩/ ٢٠٠١ م.
(٢) "صناعة العداء للإسلام" (ص ٤٩).
(٣) "صحيفة الأهرام" في ٢/ ٣/ ٢٠٠٢ م.
(٤) صحيفة "الشرق الأوسط" في ٢٦/ ٤/ ٢٠٠٢ م.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
* "فرانسو فوكوياما":
"فرانسو فوكويامَا" مِنْ أساطين الفكر الاستراتيجيِّ الأمريكيِّ المشيرون على صانع القرار، والذين تُوضع نظريَّاتُهم في الممارسةِ والتطبيق، وقد كانت لديه الصراحةُ ليعلنَ أن الحربَ التي يَشهَدُها العالَمُ ليست حربًا على "جماعاتِ العنف العشوائي" الإسلامية .. ولا على ما يُسمَّى "بالإرهاب"، وإنما هي "حربٌ داخلَ الإسلام"، لتغييرِ طبيعتِه وخصوصيتِه، و"حتى يَقبَلَ الحَدَاثةَ - بمعناها الغربي"، أي القطيعةَ مع خصوصيته وماضيه، "فيُصبحُ عِلمانيًّا يَقبلُ المبدأَ المسيحي: دَعْ ما لقيصرَ لقيصر، وما لله لله"، فيقفُ عند ما له في ملكوتِ السماء والدارِ الآخرة، وخَلاصِ الروح، وَيتركُ دنيا العالَم الإسلامي وثرواتِه للهيمنةِ الأمريكية والغربية .. !.
* وبعبارات "فوكوياما": "فإنَّ الحَداثةَ، التي تُمثِّلُها أمريكا- وغيرُها من الديموقراطيات المتطوِّرة-، ستبقى القوةَ المسيطرةَ في السياسةِ الدولية، والمؤسسات التي تجسِّدُ مبادئَ الغربِ الأساسيةَ ستستمرُّ في الانتشار عَبرَ العالم .. وهذه القيمُ والمؤسساتُ تلقى قبولًا لدى الكثيرِ من شعوب العالم غيرِ الغربية -إن لم نَقُلْ جميعَها-، لكنَّ السؤالَ الذي نحتاجُ إلى طرحه هو: "هل هناك ثقافاتٌ أو مناطقُ في العالم ستقاوِم، أو تُثبِتُ أنها منيعة على عمليةِ التحديث -بهذا المعنى الأمريكي والغربي-؟!.
ثم يُجيب "فوكوياما" عن هذا التساؤل الذي طرحه، فيقول: "إنَّ الإسلام هو الحضارةُ الرئيسيةُ الوحيدةُ في العالَم التي يمكنُ الجدال بأن لديها بعضَ المشاكل الأساسيةِ مع الحداثة .. فالعالمُ الإسلام يختلفُ عن غيرِه من الحضاراتِ في وجهٍ واحدٍ مهم، فهو وَحده قد وَلَّد تكرارًا خلالَ الأعوامِ
[ ٣ / ٢٣١ ]
الأخيرة حركاتٍ أصوليةً مهمة، تَرفضُ لا السياسياتِ الغربيةَ فحسب، وإنما المبدأَ الأكثرَ أساسيةً للحداثة: التسامح المديني .. والعلمانية نفسها .. وإنه بينما تجدُ شعوبُ آسيا وأمريكا اللاتينية ودولُ المعسكر الاشتراكي وأفريقيا الاستهلاكيةَ الغربيةَ مُغرِيةً، وتودُّ تقليدَها -لو أنها فقط استطاعت ذلك-، فإن الأصوليين المسلمين يَرَون في هذه الاستهلاكية دليلًا على الانحلال الغربي".
° وُيعلن "فوكوياما" أن الحربَ هي حربٌ على الإسلام الرافضِ للحَدَاثةِ الغربيةِ والعِلمانيةِ الغربيةِ والاستهلاكيةِ الغربية، فيقول في "صراحة عارية" يُحمدُ عليها: "إن الصراعَ الحالي ليس -ببساطةٍ- معركةً ضدَّ الإرهاب، ولا ضدَّ الإسلام كدين أو حضارةٍ، ولكنه صراعٌ ضدَّ العقيدة الإسلاميةِ الأصوليةِ التي تقفُ ضدَّ الحَداثةِ الغربية .. وإنَّ التحدي الذي يواجهُ الولاياتِ المتحدةَ اليومَ هو أكثرُ من مجرَّد معركةٍ مع مجموعةٍ صغيرة من الإرهابيين، فبحرُ الفاشية الإسلامية -الذي يسبحُ فيه الإرهابيون- يُشكِّلُ تحديًّا أيديولوجيًّا هو في بعض جوانبه أكثرُ أساسيةً من الخطر الذي شكَّلته الشيوعية".
° ثم يتحدَّث "فوكوياما" عن "التطور الأهم" الذي يجبُ أن يَحدُثَ للإسلام ذاتِه، والذي يجبُ أن يتمَّ داخلَ الإسلامِ لتعديلِ الإسلامِ حتى يُصبح قابِلًا للحداثة الغربية والعلمانية الغربية فيقول: "إنَّ التطوُّرَ الأهمَّ ينبغي أن يأتي من داخل الإسلام نفسه، فعلى المجتمع الإسلامي أن يقرِّر فيما إذا كان يريدُ أن يَصِلَ إلى وضع سِلْمِيٍّ مع الحَدَاثة خاصةً فيما يتعلَّقُ
[ ٣ / ٢٣٢ ]
° فقال "هاشم صالح
بالمبدأ الاساسيِّ حولَ الدولة العلمانية أم لا؟! " (^١).
° قال الكاتب البريطاني "باتريك سيل" في مقالٍ بعنوان "التحالف الأمريكي الروسي ضدَّ الإسلام"، نشرته صحيفة "الحياة" اللندنية في ١٨ يناير ٢٠٠١ م: "إنَّ الغربَ اعتاد الاختباءَ وراءَ عبارةِ "الأصولية الإسلامية"، بينما يقصد في الحقيقة "الإسلام" نفسه، ولذلك يتعمَّد الغربيون الخَلْطَ بين الإسلام والإرهاب؛ لأن مفهوم "الأصولية الإسلامية" عندهم هو الإسلام نفسه".
* دعاةٌ على أبواب جهنم:
ونَعَقَ على أثر "فوكوياما" وسار على نهجه حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ دعاةٌ على أبواب جهنم مِن بني جِلْدتِنا، يَمَّموا وجوهَهم شَطْرَ الغرب، وتبنَّوُا الحَدَاثةَ الغربيةَ منهاجًا للحياة.
° فقال "هاشم صالح" المتخصِّصُ في ترجمة وتسويق المشروع الحَدَاثي للدكتور محمد أركون .. فقال بعد أحداث ١١ سبتمبر "إننا يجبُ أن نلتحقَ بفولتير [١٧٣٤ - ١٧٧٨ م] وتصوُّرِه الطبيعيِّ عن الدين والأخلاق، فالدينُ الحقيقيُّ هو الدينُ الطبيعيُّ .. وإنَّ العبرةَ هي بأعمالِ الإنسان وليس بمعتقداتِه، أوْ حتى صَلواتِه وعباداتِه .. ولا بُدَّ مِن تأويلٍ جديد لتراثنا يختلفُ عن تأويل الأصولية -بل ويَنقُضُه- .. تأويلٌ يكشِفُ عن تاريخيةِ النصوصِ التأسيسية، ويُحِلُّ القراءةَ التاريخيةَ محلَّ القراءة التبجيليَّة لهذا التراث" (^٢).
_________________
(١) "النيوزويك" العدد السنوي -ديسمبر سنة ٢٠٠١ م- فبراير سنة ٢٠٠٢ م.
(٢) صحيفة "الشرق الأوسط" في ٢٦/ ١٢/ ٢٠٠١ م.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
° وقال الدكتور "علي حرب"
° وقال الدكتور "علي حرب"، والذي قال عن حَدَاثة مشروع "أركون وهاشم صالح": "إنها القولُ بمرجعيَّةِ العقلِ وحاكِمِيَّتِه .. وإحلالِ سيادة الإنسانِ وسيطرتِه على الطبيعة مكانَ إمبريالية الذاتِ الإلهية وهيمنتها على الكون" (^١)!!!.
فالعدوُّ -عند المشروع الأمريكي- هو الإسلامُ المُقاوِمُ للعِلمانيةِ الغربيةِ والحداثةِ الغربيةِ والاستهلاكيةِ الغربيةِ .. أي الإسلام المقاوِمُ للمَسْخ الغربيَّ والأمريكيِّ، والعدوُّ عند الحداثيين -الذين يَحمِلون الأسماءَ المسلمة- ليس الإمبرياليةَ الأمريكية وهيمنتها، وإنما إمبريالية الذات الإلهية وهيمنتها على الكون" .. ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله" (^٢).
* "صموئيل هنتنجتون" و"صراع الحضارات":
"صموئيل هنتنجتون" الأستاذ بجامعه "هارفارد"، ومِن المفكِّرين الكبار الذين لهم تأثيرٌ في صُنعِ القرارِ في البيتِ الأبيض، له نظريةٌ عن "صراعِ الحضارات" نشرها عام ١٩٩٣ م في مجلة "فورن إفيرز"، ثم طوَّرها في كتابٍ كامل وقال فيها: "إنه بعدَ انتهاء الحرب الباردةٍ، سوف تسيطرُ الصراعاتُ بين الحضارات".
° وقال: "إن الإسلامَ تحيطُ به حدودٌ دموية".
° ويقول كاتبُ المقال: "يبدو أن ما يَحدُثُ في "تِيمور الشرقية والشيشان وكوسوفا والعراق وكشمير" يؤكِّدُ هذه الملاحظةً، وسواءٌ اعتَقد المرءُ ذلك أم لم يعتقد، فإن اللومَ يقعُ على الإسلام! ".
_________________
(١) صحيفة "الحياة" في ١٨/ ١١/ ١٩٩٦ م.
(٢) "الغرب والإسلام .. أين الخطأ .. وأين الصواب" (ص ٨٩ - ٩٠).
[ ٣ / ٢٣٤ ]
وفي عام ١٩٩٦ قدم "هنتنجتون" وِجهةَ نظرِه في كتابِ بعنوان "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي"، وصفه "هنري كيسنجر" بأنه يُقَدِّمُ إطارًا جريئًا لفَهمِ السياساتِ العالمية في القرن الحادي والعشرين.
° وقال "كيسنجر": "إن تحليلاتِ هنتنجتون تُثبتُ صحَّتها ودقَّتَها إلى درجةٍ تُنذِرُ بالخطر، وتتلخَّص نظريتُه في أن الحضاراتِ الرئيسيةَ المعاصِرةَ هي الحضاراتُ الصينية، واليابانية، والهندوسية، والإسلامية، والأرثوذكسية، والغربية "أوروبا وأمريكا" وحضارةُ أمريكا اللاتينية، والحضاراتُ الأربع الكبرى في العالم هي: الحضاراتُ الصينية، والهِندوسية، والإسلامية، والحضارة الغربية، وكلٌّ مِن هذه الحضاراتِ تضمُّ حوالي مليار نَسَمة، وكلُّ حضارةِ منها لها دينٌ مؤسِّسٌ لها تشكَّلت وتبلورت حوله، وهذه الدياناتُ هي: الإسلام، والمسيحية، والكونفوشية، والهندوسية، وتُعتبرُ كلٌّ من الصين والهند قلبًا أو مِحورًا لحضارةِ كلٍّ منهما، أما الغربُ فينظر إليه على أنه مُنقسمٌ إلى مِحوَرَين رئيسيين هما: الولاياتُ المتحدة وأوروبا .. وبالنسبة للإسلام، فليست هناك دولةٌ تمثِّلُ قلبَ أو مِحورَ حضارته، وهذا ما يجعلُ من الصعوبةِ فَهمَ الإسلام وحضارته بالنسبة لمن هم خارجَ هذه الحضارة".
° ويقول هنتنجتون أيضًا: "إن صراعَ الإسلام والغربِ يُثيرُ مشكلاتٍ ضخمةً للعالَم بطريقة أو بأخرى".
° ويقول المقال: "إن الغربَ يُطالِبُ بسيطرةٍ فريدةٍ على العالَم، والمبرِّرُ لذلك أنه يُمثِّلُ القوةَ العالميةَ القائمةَ على أساسَين هما: تفوق التكنولوجيا الأمريكية، وتفوق الأيديولوجية العالمية القائمة على الليبرالية
[ ٣ / ٢٣٥ ]
وحقوق الإنسان، وتنظر الحضاراتُ الأخرى إلى الغربِ على أنه يَمتلكُ قوةً عسكريةً واقتصاديةً خطيرة، ولكنه منهارٌ من الناحيةِ الاجتماعية، ويتمثَّلُ هذا الانهيارُ الاجتماعيُّ في التفكك الأسرى، وعدمِ التمسُّك بالمعتقداتِ الدينيةٍ، وانتشارِ الجريمة، والمخدَّرات، وارتفاع نسبةِ المُسنِّين، وانتشارِ البطالة .. أما الغربُ، فإنه ينظرُ إلى نفسِه على أنه نموذجٌ لحضارةِ القرنِ الحادي والعشرين، وتنظرُ إليه الحضاراتُ الأخرى على أنه نموذَجٌ سيئٌ يَحسُنُ نجنُّبُه وليس محاكاته.
° ويقول هنتنجتون: "إن الغربَ يُسيطرُ على العالَم الآن سيطرةً كاملة، وسيظلُّ مسيطرًا ومتفوقًا في القوةِ خلالَ القرن الحادي والعشرين، إلاَّ أن التغييراتِ التدريجيةَ والحتميةَ الأساسيةَ تؤثِّرُ أيضًا على توازُنِ القوى بين الحضارات، وستأخذُ قوةُ الغرب في الاضمحلال، فخلالَ خمسةٍ وسبعين عامًا من ١٩٢٠ حتى ١٩٩٥ م تراجعت السيطرةُ السياسيةُ للغربِ على المناطقِ العالمية بنسبة ٥٠%، وتراجعت نسبةُ من يُسيطرُ عليهم الغربُ من سكانِ العالم ٨٠%، وتراجعت سيطرةُ الغربِ على الصناعةِ العالميةِ بنسبة ٣٥%، أما سيطرةُ الغربِ على القوةِ العسكرية، فقد تراجعت بنسبة ٦٠%.
° وحين يتحدث "هنتنجتون" عن الإسلام يقول: "إن في العالم ٤٥ دولةً مستقلةً تنضوي تحتَ رايةِ الإسلام، وهو أقوى الديانات العالميةِ من حيثُ سيطرتُه الثقافية على المؤمنين به، كما أنه دينٌ له ميزةٌ اقتصادية كبرى، هي أنه يسيطرُ على معظمِ احتياطي البترول العالمي، ولن يَنضَبَ هذا البترولُ إلاَّ بعد سنواتٍ طويلةٍ جدًّا، ولا يزالُ الإسلامُ يمرُّ بمرحلةِ النمو السكاني السريع، ومن المتوقَّع أن يشكِّلَ المسلمون ٣٠% من
[ ٣ / ٢٣٦ ]
سكن العالم في عام ٢٠٢٥ م.
° أمَّا مستقبلُ العلاقةِ بين الحضارات الأربع: الحضارة الغربية، وحضارة الصين، وحضارة الهند، والحضارة الإسلامية: فإن "هنتنجتون" يَرى أن الصراعَ بينها حتمي، ويرى أن الإسلامَ يُمثِّلُ مشكلةً ليس لها حل، وهكذا فإن الخوفَ من الإسلام واعتبارَه هو "العدو" للحضارة الغربية وللحضارات الأخرى أصبح قائمًا على أساسِ نظريةٍ متكاملةٍ، لها جذورٌ تاريخيةٌ قديمة، اكتَملت وتبلورت على يد "صمويل هنتنجتون" أستاذ الدراسات الدولية في جامعة "هارفارد" .. النظرية إذن نظريةٌ أمريكية .. وهي في حقيقتها ليست إلاًّ تبريرًا فلسفيًّا للحرب ضد الإسلام .. وقد يُنكر بعض الأمريكيون أنهم يعتقدون في صحةِ هذه النظرية .. ولكن ما تفعلُه أمريكا ليس إلاَّ التطبيقَ العَمَليَّ لها (^١).
° والدليل على نظرية "هنتنجتون" عن حتميةِ الصراع بين الإسلام والحضارةِ الغربية ما نراه من مناهجِ تدريسِ التاريخ للتلاميذ في أمريكا والدول الغربية وأسبانيا واليونان .. فالتاريخُ الذي يُدرَّسُ يقدِّمُ الرسول - ﷺ - على أنه شاعر يرى رؤًى خارقةً، ويُشارُ إليه بإلفاظٍ توحي بالشكِّ في مصداقيته (^٢).
* توماس فريدمان:
° قال الصحفيُّ اليهوديُّ الأمريكي "توماس فريدمان" في مقالٍ له في
_________________
(١) "صناعة العداء للإسلام" (ص ١٦٤ - ١٦٥، ١٦٦، ١٦٧).
(٢) المصدر السابق (ص ١٦٨).
[ ٣ / ٢٣٧ ]
"نيويورك تايمز": "إنَّ هناك حربَ مبادئَ وقيمٍ بين الغرب والعالَم الإسلامي" (^١).
° وتوماس فريدمان كاتب معروف بأنه قريبٌ من البيت الأبيض ووزارةِ الخارجيةِ والمخابراتِ الأمريكية، يقول في مقالٍ له في صحيفة "نيويورك تايمز" في ١٧ ديسمبر ٢٠٠١ م بعنوان "لإنهاء التعصب مطلوب حركة تنوير إسلامي" يقول: "ما يُهمُّنا أن يبدأ المسلمون بأنفسهم بإصلاح الإسلام بطريقةٍ تجعلُه متوفقًا مع التعليم الحديث، ومع التسامح الديني، وقبول التعددية" .. ويدسُّ بين السطور أن الإسلامَ دين تعصبٍ وديكتاتورية وعُنفٍ (^٢).
* مارجريت تيتشر رئيسة الوزراء البريطانية السابقة:
° كَتبت "مارجريت تيتشر" رئيسةُ الوزارء البريطانية السابقة مقالًا في "نيويورك تايمز" الأمريكية "والجارديان" البريطانية قالت فيه: "إن التيارَ الإسلامي هو البلشَفية الجديدة" (^٣).
* بيريجرين ورستون: الإِسلام عدوٌّ بدائي:
° في أوائل التسعينات قال "بيريجرين ورستون": "إن الإسلامَ كان في يومٍ ما حضارةً عظيمةً تستحقُّ الحوارَ معها"، ولكنه غيَّر رأيه، وقال بعد ذلك: "إنَّ الإسلام تحوَّل إلى عدوٍّ بدائيٍّ لا يناسبُه إلاَّ أن يَتِمَّ إخضاعُه" (^٤).
_________________
(١) "صناعة العداء للإسلام" (ص ٥٥).
(٢) المصدر السابق (ص ١٧٢).
(٣) المصدر السابق (ص ٥٥).
(٤) المصدر السابق (ص ٦٤).
[ ٣ / ٢٣٨ ]
* "فاي ويلدون":
° في الوقت الذي أُثيرت فيه قضيةُ "سلمان رشدي" ادَّعى "فاي ويلدون" في تعقيبٍ أصدره أن القرآن "غذاءٌ لعدم التفكير، وهو ليس شيئًا جميلًا يُمكن للمجتمع الاعتمادُ عليه، وهو فقط سلاحٌ وقوَّةٌ للنوايا العدوانية العسكرية" (^١).
* "الدكتور روبرت موري": الإِسلامُ ديانةُ إِلهِ القمر:
وَصَل تشويهُ الإسلام إلى حدِّ أنَّ البعضَ يتحدَّثُ في أمريكا عن المسلمين على أنهم "يَعبدون القمر"، ويَذكرُ أمثلةً على ذلك ما ردَّدته "جانيت بارشالز" في الإذاعة يوم ١٥ مايو ١٩٩٦، وكرره الدكتور "روبرت موري"، في محاضراتٍ ومطبوعاتٍ بعنوان "الله -إله القمر" و"الإسلام ديانة أهل القمر"، و"الغزو الإسلامي: التصدِّي لأسرع الأديان انتشارًا في العالم"، ويقول فيها: "إن دينَ الله -إلهِ القمرِ الصحراوي- يشقُّ طريقه إلى سجون كارولينا الجنوبية، وإن إله المسلمين إله وثني" (^٢).
* تعالى الله عما يقول الظالمون عُلُوًّا كبيرًا.
* مجلةِ "الإِيكونومست" البريطانية:
وهذه يَعُدُّونها أكثر المجلاَّت احترامًا في العالم .. أعدَّت تقريرًا خاصًّا بعنوان "الإسلام والغرب، الحرب القادمة كما يقولون"، في عددها الصادر في ٦ أغسطس سنة ١٩٩٤، وأفردت له عشرين صفحة (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٦٩).
(٢) المصدر السابق (ص ١١٢).
(٣) المصدر السابق (ص ١٢٧).
[ ٣ / ٢٣٩ ]
وتصل "الإيكونومست" إلى نتيجةٍ، هي أنه من الصعب حدوثُ تغيير في أوضاع المرأة المسلمة؛ لأن وضعَها المُتَدنِّي راسخٌ في الأعماقِ بسببِ القرآنِ والرسول محمد (^١).
° ثم تنتقل "الإيكونومست" إلى ما هو أهمُّ بالنسبة لها، فتقول: "إن القرآنُ مكتوبٌ بلغةٍ تناسبُ أسلوبَ القَرْنين السادس والسابع، وبلغةٍ أقربَ إلى الشِّعر، ولذلك فإنها تحتملُ أكثرَ من تفسير، والآية ٣٤ من سورة "النساء" تُعدُّ أكبرَ هَنَاتِ القرآن -هكذا تقول الإيكونومست-، لأنها تنُصُّ على أن الرجالَ قوامونُ على النساء، وحين تَعصي المرأةُ زوجَها تستحقُّ الضرب، ولكنَّ البعضَ يتلطَّفُ فيقول: إن الرجالَ قوامون على النساء بمعنى أنهم مسؤولون عن حمايةِ المرأة، ربما لأن الرجلَ في القرنين السادس والسابع كان هو وحدَه الذي يكسِبُ المال، أما عن الضرب، فيقول بعضُ المفسرين المتلطِّفين: إن المقصودَ مجردُ لطمةٍ لطيفة، ولكنَّ هذه التفسيراتِ غيرُ مقنِعةٍ، وتظلُّ هذه الآية مثارًا للدهشة" (!).
هذا ما تقولُه "الإيكونومست"، ولم يُفكِّرْ أحدٌ في إرسالِ ردٍّ يَشرحُ فيه التفسيرَ الصحيحَ لهذه الآية، وسكت الأزهرُ وعلماءُ الدين عن القول بأن هذه الآية "من هنات القرآن"! (^٢).
° وتقول: "إنَّ علماء الدين في أيديهم تفسيرُ القرآن، وهم الذين أخطؤوا في حق المرأة في العصور الماضية، ومازالوا مستمرِّين في الخطأ،
_________________
(١) "صناعة العداء للإسلام" (ص ١٣٤).
(٢) المصدر السابق (ص ١٣٥).
[ ٣ / ٢٤٠ ]
ولابد أن يُغيِّروا ما في عقولهم، ويَسمَحوا للمرأة بالوصول إلى أعلى مراتبِ التعليم، وأعلى المناصب، وتحقيقِ العدالة التي يأمرُ بها القرآن -فيما عدا آية أو اثنتين-".
° وكالعادة أرجعت "الإيكونومست" سرَّ تخلُّفِ المسلمين إلى الإسلام ذاتِه، فقالت: "إن معارضةَ الديمقراطية تستندُ إلى أن القرآنَ فيه منهجٌ أكثرُ صلاحيةً للبشر، وأن الديمقراطية لها بديلٌ عند المسلمين هو "الشورى"، فالحكومة تستشيرُ الناس".
° وتتساءل "الإيكونومست" بسخرية: "هل هناك ديمقراطية أكثر من ذلك؟.
° وتقول: "إن هناك أمرَينِ مهمَّين: الأمرُ الأول: أن الرجال الذين يستعينون بالشورى هم على قائمةِ المبشَّرين برحمة الله حَسْبَما جاء في (سورة الشورى - آية ٣٨) ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨].
وفي (سورة آل عمران - آية ١٥٩): ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
° وتتساءل "الإيكونومست": ما معنى الشورى؟ " وتجيب: "إنها ما كان يمارسُه باروناتُ العصور الوسطى، أو قادةُ الجيوش في العصرِ الحديث، فالحاكمُ يَسألُ الآخرين عما يَرَونْ، ثم يتَّخذُ هو القرار، فلا مكانَ للديمقراطية في الشورى! ".
° ولا تكتفي "الإيكونومست" في هذه الدراسة بتشويهِ مبدأ "الشورى"،
[ ٣ / ٢٤١ ]
ولكنها تواصلُ هجومَها على مبدأ "الإجماع" في الفقه، وتقول: "إنه قائمٌ على أن الأمة لا تُجمعُ على خطأ، فما اتفقت الجماعةُ على ما ينبغي عملُه، فهو ما يجبُ عمله، وقد يبدو ذلك ديمقراطيًّا، ولكنَّ المشكلةَ أن هذا الإجماعَ هو إجماعُ علماءِ الدين وهم الذين يُحدِّدون الرأيَ الصواب، وليس من حقِّ فردٍ من أفرادِ المجتمع أن ينطقَ بما يخالفُ ذلك، وإلاَّ يكونُ خارجًا على الإجماع، فالقرآنُ عند المسلمين هو "كلمة الله"، وكلمةُ الله تحتاجُ إلى تفسير، والتفسيرُ تحتكرُه مجموعةٌ تزعمُ قدرتَها على ذلك" (^١).
وتصلُ "الإيكونومست" إلى ما تريدُ أن تصلَ إليه منذ البداية وهو "أن الإسلام لا يزالُ يعيشُ في عصر الأوليجاركية (أي حكم الأقلية)، وأنه لا يزالُ يؤمنُ باليقين الثابت" (^٢).
° وتقول: "باختصارٍ، على الإسلام أن يعملَ على إصلاح نفسِه لكي يتحرَّك نحو عالَم الديمقراطية" (^٣).
* ميشيل هولبيك:
"ميشيل هولبيك" كاتب فرنسي، كَتب رواية "بلاتفورم"، وكلُّها إساءةٌ إلى الإسلام، وفي حديثٍ صحفي مع مجلة "ليز" الأدبية قال: "إن الإسلامَ أكثرُ الأديان غباءً، وإن قراءةَ القرآنِ تبعثُ على المَلل" .. ولا أحدَ يعرفُ ما هي مناسبةُ مِثل هذا الكلام إلاَّ أن يكون مساهَمةً في الحرب على الإسلام (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٣٦).
(٢) المصدر السابق (ص ١٣٧ - ١٣٨).
(٣) المصدر السابق (ص ١٤٠).
(٤) المصدر السابق (ص ١٧٧، ٢٠٠ - ٢٠١).
[ ٣ / ٢٤٢ ]
° وعندما رَفعت أربعُ مؤسساتٍ إسلاميةٍ في فرنسا دعوى أمامَ المحكمة، وانضمَّت إليها رابطةُ حقوقِ الإنسان الفرنسية، وأَعلنت أن تصريحاتِ "هولبيك" تُعبِّرُ عن "إسلاموفوبيا" -أي الخوف من الإسلام- وقف الكاتبُ الفرنسي أمام المحكمة ليقول: "إنني لم أُظهِرْ أيَّ ازدراءٍ للمسلمين .. ولكنَّ ازدرائي الشديد للإسلام لم يتغيَّر، وإنني أشعرُ أنَّ القرآنَ أقلُّ منزلةً من الإنجيل من الناحية الأدبية، فالإنجيلُ له أكثر من كاتبٍ بعضُهم جيِّد وبعضُهم رديءٌ، أما القرآنُ فله كاتبٌ واحدٌ وأسلوبُه متوسط.
وقد فاز "هولبيك" بجائزة "إمباك"، وهي أكبرُ جائزة أدبية في فرنسا.
° وكتب في روايته "بلاتفورم" على لسان بَطل الرواية: "إنني أشعرُ برِعشةِ سَعادة في كلِّ مرةٍ أسمعُ فيها بمقتلِ إرهابيٍّ فلسطيني".
* المستشرق الصهيوني برنارد لويس:
° المستشرق الأمريكي الصهيوني "برنارد لويس" -هو من أعمدة المشيرين على صانع القرارِ الأمريكي-، يقول في كتابه الذي أصدره بعد "قارعة سبتمبر" بعنوان "ما هو الخطأ في العلاقة بين الإسلام والغرب؟ ": "إن إرهابَ اليوم هو جزءٌ من كفاحٍ طويلٍ بين الإسلام والغرب .. - فالنظامُ الأخلاقيُّ الذي يَستندُ إليه الإسلامُ مختلفٌ عمَّا هو في الحضارة اليهودية/ المسيحية -[الغربية]- وآياتُ القرآن تَصدُقُ على ممارسةِ العنفِ ضدَّ غيرِ المسلمين .. وهذا الحربُ هي حربٌ بين الأديان"!! (^١).
_________________
(١) صحيفة "الأهرام" في ٢/ ٣/ ٢٠٠٢ م، نقلًا عن مقال "زخاري كاربيل" في "النيوزويك" الأمريكية بتاريخ ١٤/ ١/ ٢٠٠٢ م.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
وكتاب برنارد لويس "جذور الهياج الإسلامي" وكتاب صمويل هنتنجتون "صراع الحضارات" لهما من التأثير الخاصِّ والكبيرِ في العالم الغربي وتكوينِ فكره نحوَ الإسلام.
لقد كان "برنارد لويس" هو الذي قَدَّم الصورةَ التي صَدَمت الغربَ عن الإسلام والمسلمين في كتابه "الأصولية الإسلامية" باعتبارِهم أصوليين مقاتِلين خَطِرين، وكان هذا الكتابُ في أصلِه محاضرةً ألقاها "برنارد لويس" لعام ١٩٩٠ باسم "محاضرة جيفرسون"، وهي أعلى شرفٍ تُسبِغُه حكومة الولايات المتحدة على أي باحثٍ تقديرًا لمكانتِه التي وَصل إليها في مجالِ الدراساتِ الإنسانية، ثم نُشرت بعد ذلك منقَّحةً تحتَ عنوان "جذور الهياج الإسلامي" ونُشرت كموضوعٍ رئيسيٍّ في مجلة "أتلانتك" الشهرية، وبسبب مكانةِ "برنارد لويس" الدولية كباحثٍ وخبيرٍ في شؤون الشرق الأوسط، فقد كان لهذا المقالِ ردُّ فعلٍ واسع، وكان له تأثير عالمي في اللهم الغربي للإسلام.
ومع عنوان المقال نَشرت مجلة "أتلانتك" صورةَ مسلمٍ معمَّمٍ بلحيةٍ كبيرة، وفي عينيه المتوهجتين أعلامُ أمريكية، وداخلَ المجلة نشرف رسمًا يُصوِّرُ حَيَّةً ضخمةً وعليها نجومُ العَلَمِ الأمريكيِّ وهي تزحفُ على الصحراء، ورَسْمًا آخَرَ لنفسِ الحية وهي كامنةٌ وراءَ مسلمٍ يؤدِّي الصلاة، والمسلمُ في هذه الرسوم يَظهرُ وكأنه يَعيشُ في العصورِ الوسطى، وقد عَلَّق على المقال والرسوم "جون اسبوزيتو" فقال: "إن عنوان "جذور الهياج الإسلامي" في ذاته يَخلُقُ توجُّسًا، فهل نَرى مقالاتٍ تتحدثُ عن الغضبِ المسيحي أو الغضبِ اليهودي؟ .. ولماذا الإصرارُ على تسميةِ القدرات
[ ٣ / ٢٤٤ ]
النووية الباكستانية "القنبلة الإسلامية"، وليس "القنبلة الباكستانية" كما يقال: "القنبلة الهندية"، وليس "القنبلة الهندوسية"، ويقال: "القنبلة الإسرائيلية"، ولا يقال: "القنبلة اليهودية"، وكما يقال: "القنبلة الأمريكية"، ولا يقال: "القنبلة المسيحية؟ .. ".
° يقول "برنارد لويس": "إن الصراعَ بين الإسلام والغربِ استمرَّ حتى الآن على مدى أربعةَ عَشَرَ قرنًا من الزمان، وقد جاء تكوينُه من سلسلةٍ طويلةٍ من الهَجمات والهجمات المضادة .. الجهاد .. والحملات الصليبية .. والغزو .. واليوم فإنَّ معظمَ العالَمِ الإسلاميِّ تسيطرُ عليه مرةً أخرى حالةُ استياءٍ عنيفةٍ ضدَّ الغرب، وفجأة صارت أمريكا العدوَّ الأكبر، وتجسيدًا للشر الذي يُهدِّدُ المسلمين ويهدِّدُ الإسلام .. لماذا؟ ".
ويعلق "جون اسبوزيتو" على ذلك بأنه بسبب تصوير الإسلام والمسلمين في صورةِ المحرِّضين طوالَ أربعةَ عَشَر قرنًا .. أي أن الإسلامَ عدوانى .. والإسلامُ والمسلمون مسؤولون عن الهجمات، بينما الغربُ دفاعيٌّ يردُّ هجماتٍ مضادة.
° ويوردُ "اسبوزيتو" عبارةً لمعلِّقٍ إسرائيلي يقول فيها: "لا يُهمُّ كيف كانت الشيوعية سيئةً، فإنها لم تكن أبدًا خُطوةً للعودة إلى العصور الوسطى، أما ما يَصعبُ علينا تصوُّرُه هو كيف ستتمكنُ ديمقراطياتُ القرنِ الحادي والعشرين من العيشِ في سلامٍ مع قوًى عَقدت العزم على أن تُبرهِنَ أن الألفَ سَنةٍ الأخيرةِ لم تحدث وهو يقصد الإسلام والمسلمين" (^١).
_________________
(١) "صناعة العداء للإسلام" (ص ١٩٠ - ١٩١).
[ ٣ / ٢٤٥ ]
* كلير هولينجسورث:
° يقول "اسبوزيتو": "إن الصحافةَ البريطانية "التايمز، والديلي تلجراف، وسبكتاتور" عَكست الخوفَ من الإسلام "إسلاموفوبيا"، وكتبت "كلير هولينجسورث": "إن الأصوليةَ الإسلاميةَ أصبحت بسرعةِ التهديد الرئيسيِّ للسلام والأمن العالمي، كما تحوَّلت بالإرهاب إلى سَببٍ من أسبابِ الاضطرابِ الوطنيِّ والمَحَلي، وهي مثلُ التهديدِ الذي شكَّلته النازيةُ والفاشيةُ في ثَلاثيناتِ القرن العشرين، ثم الشيوعية في الخمسينات" (^١).
* مجلة "دير شبيجل" الألمانية:
° مجلة "دير شبيجل الألمانية" التي كَتبت بعد تفكك يوغسلافيا والحرب على المسلمين في البوسنة: "سرعانَ ما سيكون في أوروبا دولةٌ دينية "ثيوقراطية" متعصبةٌ جاثمةٌ على أعتابها".
° وكتبت أيضًا: "في الشرق الأوسط -على وجه الخصوص-، وهو المركز والمَهدُ للإسلام، يُمَثِّل الملتحون المتطرِّفون دائمًا صورةَ مقاتلٍ تتحددُ ملامحُه بالجهادِ والتضحيةِ بالدمِ والتعصبِ والعنفِ وعدمِ التسامح وقهر المرأة" (^٢).
* وفي فرنسا:
وفي فرنسا، فإن النزعةَ تُجاهَ المسلمين تتحدَّدُ باعتبارِهم قومًا معادِين للتقدُّمِ من أهل العنف، ويمكن شرحُ ذلك من خلالِ أصولِ دينِهم، فإنه دينٌ
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٩٢).
(٢) المصدر السابق (ص ١٩٢).
[ ٣ / ٢٤٦ ]
يدعو إلى الحربٍ، متعطِّشٌ للغزو، ومليءٌ بالاحتقارِ لغيرِ المسلمين.
وعندما احتَلَّت فرنسا الجزائر (١٣٤٦ هـ-١٨٣٠ م) لم تُنْسِها علمانيتُها المتوحشة الحقدَ النصرانيَّ الصليبيَّ على الإسلام والمسلمين، فاعتَبرت انتصارَها هذا انتصارًا للمسيحية على الإسلام، وسَجَّل رفاعة الطهطاوي (١٢١٦ - ١٢٩٠ هـ / ١٨٠١ - ١٨٧٣ م) هذه الحقيقة -وكان شاهد عيان عليها يومئذ بباريس- فقال: "إن المُطران الكبير (بباريس) لما سَمع بأخذِ الجزائر، ودخل الملك "شارل العاشر" (١٨٢٤ - ١٨٣٠ م) الكنيسةَ. يشكر اللهَ على ذلك، جاء إليه المُطرانُ ليهنئَه على هذه النصرة، فقال: إنه يَحمدُ اللهَ على كَونِ المِلَّةِ المسيحيةِ انتَصرت نُصرةَ عظيمةً على الملَّةِ الإسلامية، ولا زالت كذلك" (^١).
° وعندما احتَفل الفرنسيون -العلمانيون- بمرور مئةِ عام على احتلالهم للجزائر (١٣٤٩ هـ/ ١٩٣٠ م) ماذا قالوا في الخطب والكلمات التي عبرت عن حقدهم الصليبي على الإسلام؟! لقد خطب أحد كبار ساستهم فقال: "إننا لن ننتصرَ على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآنَ، ويتكلَّمون العربيةَ، فيجبُّ أن نُزيلَ القرآنَ من وجودهم، وأن نقتلعَ العربيةَ من ألسنتهم".
° وخَطَب سياسيٌّ آخر، فقال: "لا تظنوا أن هذه المهرجاناتِ من أجلِ بُلوغنا مئةَ سَنةٍ في هذا الوطن، فلقد أقام الرومان قَبلنا فيه ثلاثةَ قرون، ومع
_________________
(١) "الأعمال الكاملة" لرفاعة الطهطاوي (٢/ ٢١٩) - دراسة وتحقيق د. محمد عمارة - طبعة بيروت ١٩٧٣ م.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
ذلك خرجوا منه، ألا فلتعلموا أن مغزَى هذه المهرجاناتِ هو تشييعُ جِنازةِ الإسلام بهذه الديار .. ".
° وخَطب أحد كرادلة الكنيسة الفرنسية، فقال: "إن عهدَ الهلالِ في الجزائر قد غَبَر، وإن عهدَ الصليب قد بدأ، وإنه سيستمر إلى الأبد .. وإنَّ علينا أن نجعلَ أرضَ الجزائر مَهْدًا لدولةٍ مسيحيةٍ مضاءةٍ أرجاؤها بنورٍ مدنيةٍ منبعُ وحيها الإنجيل .. " (^١).
وفي استفتاءِ تبيَّن أن ثلاثةً من بين كلِّ أربعةِ فرنسيين تَمَّ سؤالُهم يَرَون أن كلمةَ "متعصِّب" تنطبق تمامًا على الإسلام، وقضيةُ مَنع التلميذات من لُبس الحجاب تمَثِّلُ الفجوةَ التي تتسعُ باستمرارٍ بين المجتمعِ الفرنسي والأقلية المسلمة، وبعد ثلاثةَ عَشَر قرنًا تقريبًا من تصدِّي "شارل مارتل" للغزو الإسلامي لفرنسا عند مدينة بواتييه، فإن معركة "بواتييه" الجديدة تتضمنُ في طياتِها الشكِّ المتصاعِد والعداوةَ تُجاهَ الدينِ الإسلامي في أوروبا.
° ويقول "اسبوزيتو": "إن مخاوفَ الغربيين يُعبِّرون عنها بقولهم: لقد كان المهاجرون الذين وفدوا إلينا من قَبلُ أوروبيين، أما هؤلاء فليسوا كذلك .. البنات يُبدين الإصرارَ على ارتداءِ الحجاب في مدارسنا، فهن لسنَ فِرنسياتٍ، ولا يُرِدْنَ أن يكن كذلك .. إن ماضي أوربا أبيض، ويهودي - مسيحي، أما المستقبلُ، فليس كذلك، وهناك شك في أن مؤسساتِنا وهياكلَنا القديمةَ سوف تصمدُ لهذه الضغوط".
وأقوالٌ أخرى كثيرةٌ يتقبسُها "اسبوزيتو" مثل: "بينما استطاعت أوروبا
_________________
(١) "الإسلام والغرب افتراءات لها تاريخ" للدكتور محمد عمارة (ص ٤٢).
[ ٣ / ٢٤٨ ]
أن تتغلبَ على الحربِ الباردة، فإنها تُخاطرُ الآن بخَلقِ نزاعاتٍ جديدةً باعتبارها القلعةَ البيضاءَ المسيحيةَ الغنيةَ التي تُصارعُ ضدَّ عالم إسلاميٍّ شديدِ الفقر".
* لوبن الصليبي الفرنسي المتطرف:
وعندما بدأ إنشاءُ الجامع الكبير في باريس ظهرت مخاوفُ، ووَجَد مقاومةٌ شديدةً من السلطات الفرنسية، وقيل: إنه سيكونُ مكانًا لتفريخ المتطرفين، انسياقًا وراءَ الفكرةِ السائدةِ بأن المسلمين متطرِّفون، وأنَّ كلَّ مسجدٍ هو مكانٌ لتفريخ المتطرفين، وأعلن حزب "الجبهة الوطنية" اليمينية المتطرفة التي يقودها "لوبن" -وهو حزب يُعادي الإسلامَ والمسلمين والمهاجرين- وزعيمُه يُعلنُ بكلِّ وضوح أنه عندما يَصِلُ إلى الحُكم فسوف يَطردُ كلَّ "الأجانب" من فرنسا لتبقى فرنسا للفرنسيين فقط. وفي حَملته الانتخابية حين كان "لوبن" مرشَّحًا للرئاسة ومنافِسًا للرئيس "جاك شيراك" أعلن عِداءَه الصريحَ لكلِّ ما يَمُتُّ للإسلام بصِلَةٍ، وكاد يُفوزُ بالرئاسة، وحَصَل على أصواتٍ جَعَلتْه يدخلُ انتخاباتِ الإعادة بينه وبين "شيراك"، مما يدل على القوةِ التي وَصَل إليها التيارُ المحافِظُ المُعادي للأجانبِ وللإسلامِ والمسلمين حتى في فرنسا بلدِ الحرية والإخاء والمساواة" (^١).
* "الإِسلاموفوبيا":
في تقرير لجنة "رينميبر" البريطانية بعنوان "الإسلاموفوبيا"، قالت: "إن الخطابَ النابعَ من الخوفِ من الإسلام صاخبٌ أحيانًا، وغالبًا ما يكونُ
_________________
(١) "صناعة العداء للإسلام" (ص ١٩٢، ١٩٣).
[ ٣ / ٢٤٩ ]
محمَّلًا بالرموز هو جزءٌ من نسيجِ الحياةِ اليوميةِ في بريطانيا، بنفس الروح التي كان عليها خطابُ معاداةِ الساميةٍ، يؤخَذُ كأمرٍ مُسلَّمٍ به في فترةٍ سابقةٍ من القرن العشرين" (^١).
وها هو "توني بلير" رئيس وزراء إنجلترا يُعلن في ١٧ سبتمبر سنة ٢٠٠١ م -أي بعد ستةِ أيام من "قارعة سبتمبر"- أن هذه الحربَ التي أعلنها الغربُ على الإسلام: "هي حربُ المدنية والحضارة [في الغرب] ضد البربرية [في الشرق] ".
° ومارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة تقول عن الذين: "يرفضون القيم الغربية بأنهم أعداءُ أمريكا وأعداؤنا، وتدعو الغرب إلى معاملتهم كما عامل الشيوعية"!!.
* جون اسبوزيتو المفكِّر والباحث الأمريكي:
يَعُدُّونه أكثرَ الباحثين الأمريكيين إنصافًا للإسلام وفهمًا له، إلاَّ أنَّ صورةَ الإسلام -كما تنعكسُ في كتاباته- مليئةٌ بالتشويه، وهو يدَّعي أن الإسلامَ إذا وَصَل إلى السلطة لا يعرفُ إلاَّ الحكمَ الدكتاتوريَّ، ولا يَسمحُ باختلافٍ أو معارضةٍ سياسية؛ لأن الحاكمَ يحكمُ بالشريعة، أي أنه يحكمُ بما أَنزل اللهُ، وأيةُ معارضةٍ ستكونُ معارضةً له، ولن تكون للأقلياتِ حرية، ولن تجدَ المرأةُ إلاَّ المكانةَ المنحطَّةَ التي وَضَعَتْها فيها حكومةُ "طالبان" في أفغانستان.
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٩٢)، وصحيفة "الشرق الأوسط" في ١٤/ ٢/ ٢٠٠٣ م، و"الغرب والإسلام" (ص ٨٥).
[ ٣ / ٢٥٠ ]
° ويقول "اسبوزيتو" أكثر من ذلك: "إن المسلمين يستسهلون الحديثَ عن التسامح وحقوقِ الإنسان في الإسلام، ولا يمارسونها في الواقع، والمسلمون يقولون: إن هناك فرقًا بين تعاليم الإسلام وما يفعلُه بعضُ المسلمين، وهذا نوعٌ من التضليل؛ لأن ما يفعلُه هؤلاء، البعضُ يستندون فيه إلى النصوصِ المقدَّسة، والمسلمون يقولون: إنهم يَعترفون بالأديانِ السابقة عليهم، وهذا غيرُ صحيح، بدليل أنهم يَعتبرون دينَهم قد نَسخ الأديانَ الأخرى، بينما يؤمنُ المسيحيون بأنهم أصحابُ الوحي الأخيرِ والكامل، وأن المسيحَ عندهم ابنُ الربِّ وليس نبيًّا، وأن لديهم تكليفًا عالميًّا بتحويل العالَم إلى المسيحية، وبعضُ المسلمين مِثلُ بعض المسيحيين، واليهود غير متسامحين قولًا وفعلًا، وبعضُ المسلمين والمسيحيين تَفرضُ عليهم مواقعُهم الدينيةُ نوعًا من الجمود المديني، وشعورًا بأنهم وحدَهم على الحق، والآخرون على الباطل، وهم يؤكِّدون على صحَّةِ ديانتهم، يُرحِّبون بالحِوارِ مع المؤمنين الآخَرين عندما يُدرِكون حقائقَ العالَم المعاصِرِ الذي يقوم على التعددية والاعتمادِ المتبادل، وبدون إعادةِ تفسيرِ الشريعةِ الإسلامية التي تَعتبرُ الأقلياتِ غيرَ المسلمةِ من أهل الذمة".
ويؤكَّد "اسبوزيتو" مِثلَ جميع الباحثين في الغرب أن أيةَ دولةٍ إسلاميةٍ تقومُ على أيديولوجية دينيةٍ لن تكونَ دولةً ديمقراطية، وفي أحسنِ الفروضِ ستكونُ الديمقراطيةُ فيها محدودةً.
كلُّ هذا و"جون اسبوزيتو" يُعتبر دارسًا موضوعيًّا ومُنصِفًا للإسلام!!.
إذا كان هذا رأيَ أكثرِ الباحثين الأمريكيين فهمًا للإسلام وإنصافًا له، فماذا ننتظرُ ممن لم يَدرِسوه ولم يفهموه؟ وهل فَكَّرت جهةٌ إسلاميةٌ في
[ ٣ / ٢٥١ ]
دعوتِه وأمثالِه إلى حوارِ لتصحيحِ هذه المفاهيمِ الظالمةِ للإسلامِ والمسلمين؟ .. وهل فكَّرت جهةٌ في تكوينِ جماعاتٍ من المفكِّرين والمُثقَّفين الدارِسِين للإسلام والمتابِعين للتياراتِ المعاديةِ له في الغرب والمدرِكين لطبيعةِ عصرِ العولمة الذي أصبح مستعدًّا لإعلان الحربِ على كلِّ مَن يختلفُ مع القيم والمفاهيم السياسية والاقتصادية التي جاءت مع العولمة؟!.
ماذا فعلنا .. وماذا يجبُ أن نفعل لإقناع العالَم بأن الإسلامَ دينُ الناسِ الطيِّبينٍ، وليس دينَ الشياطينِ والأشرارِ المخرِّبين (^١).
* هيستيريا العَداء للإِسلام ورسوله - ﷺ - في أمريكا:
والهجومُ على الإسلام ليس وليدَ تفجيرات سبتمبر ٢٠٠١ في نيويورك وواشنطن، ولكنه قبلَ ذلك بعشراتِ السنين، وقد عبَّرت عن ذلك صحيفةُ "هيرالد تريبيون" الأمريكية في عدد ٤ يناير ١٩٩٥ م في مقالٍ بعنوان: "إن اعتقاد واشنطن بكسب صداقة الإسلاميين وَهمٌ ساذج"، قالت فيه: "إن الإسلام مِثل جميعِ السلفيات الدينية الأخرى، كلُّها تتسمُ بالدكتاتورية بطبيعتها، وقد يكونُ من السهلِ رَسمُ صورةٍ كاريكاتورية للبحث عن "معتدلين" إسلاميين، وإن تبديدَ المفهوم عن الانتصارِ الإسلاميِّ المحتومِ يجبُ أن يُمثِّلَ الهدفَ الرئيسي لأيةِ استراتيجيةٍ أمريكية".
° وقالت الصحيفة في المقال الذي كتبه "بيترو رودمان": "إن عَداءَ المسلمين للغرب يرجعُ إلى الانحطاطِ الثقافيِّ والفسادٍ، وهما نِتاجُ العقيدةِ الاسلاميةِ ذاتِها، وَيرَون أن أمريكا القوةُ العظمى الوحيدة، فهي تُجسِّدُ كل
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٩٦ - ١٩٧).
[ ٣ / ٢٥٢ ]
ما يكرهونه وَيزْدَرُونه، والصحوةُ الإسلاميةُ هدفُها محاربةُ الحكوماتِ العربيةِ المعتدلةِ المواليةِ للغرب، وسَذاجةُ واشنطن أنها تصوَّرت أن في إمكانها كَسْبَ صداقةِ الإسلاميين لتغييرِ موقفهم من سياساتِ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومن الممكن أن تكون عمليةُ السلام العربيةِ الإسرائيلية هي الضحيةَ، إذ يَعتبرُها الإسلاميون خيانةً".
° وقال كاتب المقال: "في النهاية لابد من التسليمِ بأن التيارَ الاسلاميَّ في أيِّ مكانٍ يُمثِّلُ ضررًا بالغًا للشعوبِ المتحضِّرةِ وللذين يَقِفون على خطوطِ المواجهةِ لمقاومةِ هذا التيار".
° وقد كتبت "تيريزا واتنابي" تقريرًا لوكالة "لوس أنجلوس تايمز" الأمريكية نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" يوم ٣٠ سبتمبر ٢٠٠٢ قالت فيه: "إن تعاملَ بعضِ الأمريكيين مع المسلمين يتَّسمُ بالقسوة".
وقد نُشر خلال عام ٢٠٠٢ وحده أكثرُ من عشرين كتابًا عن "الخطر الإسلامي" وأكثرُ الكتب بيعًا في أمريكا كتاب "الإرهابيون بين ظهرانينا" من تأليف "ستيفن أميرسون" وكتاب "الإسلام المقاتل يضل إلى أمريكا" تأليف "دانيال بابيس" وقد أَصدر قادةُ طوائف إنجليكانية بياناتٍ تَزعمُ أن الإسلامَ دينٌ شرير، وتَدُلُّ الاستطلاعاتُ على أن الأمريكيين صاروا أقلَّ قبولًا للإسلام أو رضًا عنه، وفي استطلاعٍ أَجْرَتْه صحيفةُ "لوس أنجلوس تايمز" قال ٣٧% من الأمريكيين: "إن انطباعهم عن الإسلام سلبي" (^١).
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٢١٠ - ٢١١).
[ ٣ / ٢٥٣ ]
المستشرق الألماني "جيرنوت روتر"
* القس سام دوجلاس:
قَسُّ المنطقة التي تُسمَّى "حزام الإنجيل" في أمريكا، وتَشملُ أماكنَ مِثلَ "جرينفيل وتكساس"، حيث تتزايدُ كثافةُ المَعْمَدانيين، وَيظهرُ التأثيرُ القويُّ للكنيسة المعمدانية.
° يقول القسُّ "سام دوجلاس" عن الإسلام: "إنه دَرَس الإسلامَ عندما كان قسِّيسَا في الجامعة، والدينُ الإسلامي لا يَحترمُ قيمةَ الحياة الإنسانية، ويُمثِّلُ تهديدًا لكلِّ مَن يُمكنُ أن يُوصفَ بأنه "كافر" أي أنَّ كلَّ مَن ليس مسلمًا معرَّض للخطر على أيدي المسلمين".
° وقال في ختام كلمته: "إنه يُحبُّ المسلمين، ولكنه لا يُحبُّ ديانتَهم" (^١).
* المسلمون يَعبُدون اللهَ وفينوس إِلاهةَ الحبِّ!!!:
يضربُ المستشرق الألماني "جيرنوت روتر" في كتابه "الإسلام العدوُّ الوهمي الجديد للغرب" مثالَين على جَهل الغربيِّين في القرون الوسطى بحقيقة الإسلام، فقال:
المثالُ الأول: إنَّ مؤلف "ملحمة رولاند" (^٢) Rolandslied " يجعلُ
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٢١١ - ٢١٢).
(٢) ملحمة رولاند Chanson de Roland يعود تاريخُ كتابتها إلى فترة ما بين سنة ١١٠٠ م وسنة ١١٢٥ م. وتتكونُ من أكثرَ من أربعةِ آلاف بيتٍ من الشعر البطولي باللغة الفرنسية القديمة، تُصوِّر هذه الملحمةُ فَناءَ مؤخرةِ الجيشِ الجرماني الغربي على يد المسلمين في ممر رونسفال، ثم انتقام شارلمان من المسلمين، وتدور أحداثُ هذه الملحمة حول المعركة البطولية التي سَقط فيها الشريف الألماني "رولاند"، أحد فرسان شارلمان، وفي سنة ١١٣٥ قام القسيس "كونراد" بنقل هذه الملحمةِ إلى اللغة الألمانية الوسيطة، حيث أصبحت تعرف بـ Rolandslied.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
العربَ يَعبدون محمدًا - ﷺ - وأبوللو، وتيرفاجانت".
فالثالثوث المسيحي كان حقيقةً بديهيةً في عقولِ الغربيِّين إلى الحدِّ الذي جعلهم يتَّهمون المسلمين به أيضًا، كذلك فإن عبادةَ محمدِ - ﷺ -، كمؤسِّسِ دين، على التوازي مع عبادة المسيح، هي نقلٌ خاطئٌ تمامًا للتصورات الذاتية.
المثال الثاني: يتمثَّلُ في تُهمةٍ أخرى محبَّبة، كانت تقول: إن المسلمين يعبدون -بجانب الله- "فينوس Venus" - إلاهة الحب عند الرومان-، ومما استند إليه أصحابُ هذا الزعم قولُهم بأن المسلمين قد رفعوا من شأنِ يوم الجمعة، وجَعلوه أفضلَ أيامِ الأسبوع، وأن يوم الجمعة - (Dies veneis - vendredi، venerdi» (^١) قد كان في القرون الوسطى اللاتينية هو يومُ فينوس Venus - إلاهة الحب عند الرومان-، بينما كان يومُ الأحد (domenica dies، dimanche) (^٢) هو يومُ الإله" (^٣).
* دجَّالُ القرون الوسطى الألماني "ايمبريخو":
° يقول المستشرق الألماني "جيرنوت روتر": "بجانب عدوانيةِ الإسلام، تحتلُّ مكانةُ المرأة في المجتمعات الإسلامية مقامًا متميزًا في برنامج
_________________
(١) يوم الجمعة باللغة اللاتينية veneris dies - وبالفرنسية vendredi وبالإيطالية venerdi - يعني يوم إلاهة الحب فينوس.
(٢) يوم الأحد باللغة اللاتينية domenica dies- وبالفرنسية dimanche - وبالإيطالية- domen ice - يعني يوم الإله.
(٣) "صورة الإسلام في التراث الغربي" (ص ٤٢ - ٤٣).
[ ٣ / ٢٥٥ ]
الغرب الخاص بصورةِ العدوِّ الوهمي، وهذه أيضًا فكرةٌ نمطيةٌ ثابتة " Topos" تعودُ جذورُها إلى القرون الوسطى، بَيْدَ أن بعضَ مظاهرِها قد تغيَّر كليةً في تلك الأثناء، فقد نَتَج عن التصوراتِ الإسلاميةِ الخاصةِ بالجنة -وما فيها من حُورٍ عين ذواتِ البكارة الأبدية، وكثرة زوجاتِ النبي، والحق الشرعي لكل مسلم في الزواج من أربع نساء-، إن القرون الوسطى المسيحية صوَّرت الإسلامَ على أنه الوليدُ الشهواني للشيطان، ومحمد على أنه وحشٌ جنسيٌّ آثم.
وهكذا كَتب في نهاية القرن الحادي عشر رئيسُ كاتدرائية مدينة "ماينتس Maiz" في ألمانيا "ايمبريخو Embricho" يقول: "إن المسلمين يحتفلون بجميع أشكالِ الزواج التي تُحرِّمها الشريعةُ الإلهية، ولأنهم جرَّدوكِ -أيتها الطبيعة- من حقوقِك غصبًا، تسعى المرأةُ إلى ممارسةِ السِّحاق مع نظيرتها، ويمارسُ الرجلُ اللواط مع مثيله، بل -وخلافًا للتقاليد- يُجامعُ الشقيقُ شقيقتَه، ولا تُمانعُ الأختُ المتزوجةُ أن يباضعَها أخوها الشيطان، الأبناء يَهتِكون عِرْضَ أُمِّهم، والبنت تَغتصبُ أباها، وكلُّ ما هو محبَّبٌ على هذا المِنوال، كانت الشريعةُ الجديدة (الإسلام) تُحلِّله".
نظرًا لِمثل هذه الكتابات السطحية الوضيعة، لا يستطيعُ المَرءُ أن يتخلَّصَ من الإحساسِ بأن هؤلاء الكُتَّابَ قد أرادوا إشباعَ تخيُّلاتِهم الجنسيةَ الشاذَّةَ من ناحية، وسَعَوا من ناحيةٍ أخرى إلى صَرفِ الأنظار عن أوضاعٍ معينةٍ موجودةٍ بالفعل في الغرب المسيحي، بما في ذلك الأديرة المسيحية، أو أنهم أرادوا توجيهَ الموعظةِ إلى الآثمين في المجتمعاتِ الغربية وبالرغم من أن الإسلام لم يَعُد يَتصدَّرُ تصوُّراتِنا العَدائيةَ كمركزٍ للدعارة الجنسية
[ ٣ / ٢٥٦ ]
والفجور في المقام الأول، إلاَّ أن لَفظَ "حريم Harem" ما زال يلعبُ دورًا محدودًا في هذا السياق، وكونُ نظامِ الزوجةِ الواحدةِ هو القاعدة، وتعدُّد الزوجات هو الاستثناء في العالَم الإسلامي، فهذه حقيقةٌ لم تتمكنْ من التقليل من هذه الأفكارِ الخاطئة، تمامًا مثلما لم تُقلِّلِ الإباحيةُ الجنسيةُ الموجودةُ بالفعل في الغرب من تلك التصوراتِ المشوَّهةِ عن الإسلام، وبالرغم من ذلك فلم يَعُدْ موضوعُ "تعدد الزوجات" هو أهمُّ النقاطِ التي يُهاجمُها الغرب، إذ احتلَّ مكانَه الفكرةُ النمطية الثابتة " Tpos" الخاصةُ باضطهاد المرأةِ في المجتمعات الإسلامية.
إن الرواجَ المنقطعَ النظيرَ الذي حقَّقه كتاب "بيتي محمودي " Betty Mahmoody" وفيلمها "ليس بدون ابنتي" (^١) (Nich ohne meine Tochter) - يُرينا على أيِّ تربةٍ مُخصِبةٍ بالأوهامِ وقع ذلك العملُ الدنيءُ المشحونُ بالأقوال العنصرية" (^٢).
* ثالوث الفساد وتشويه صورة الإِسلام في ألمانيا:
(شول لاتور) و(جيرهارد كونسلمان)، و(بسام طيبي):
اتفق العلماءُ على أن فِرسانَ تشويهِ صورة العرب وتلطيخِ سُمعةِ
_________________
(١) رواية "ليس بدون ابنتي" كتبتها المسلمة الأمريكية الجنسية "بيتي محمود" التي ارتدَّت عن الإسلام، وهذه الرواية لعبت دورًا كبيرًا في تشويه مكانةِ المرأة في الإسلام، والإساءة إلى الإسلام بشكل عام، وقد بيع من الترجمة الألمانية لهذه الرواية ثلاثةُ ملايين نسخة، والرواية تحكي مأساة زواجٍ فاشلٍ بين مؤلفةِ الرواية ومسلمٍ إيراني، وعامةُ الغربيِّين يعمِّمون أحداثَ هذه الرواية.
(٢) "صورة الإسلام في التراث الغربي" (٥١ - ٥٢).
[ ٣ / ٢٥٧ ]
الإسلام في ألمانيا هم ثالوث الفساد: الصحفي الألماني "بيترشول لاتور"، وزميله "جيرهارد كونسلمان"، وثالثهم هو المهاجر السوري "بسام طيبي" كبير خبراء شتم العرب ولعن الإسلام (^١).
° وذهب الدجَّال الدكتور "بسَّام طيبي"، أستاذُ العلاقات الدولية بجامعة "جوتنجن" إلى صياغةِ مصطلح "الإسلام الأوربي"، ويعني التزاوجَ بين الإسلام والقيم السياسيةِ الغربية مثل: التعددية والتسامح، وفصل الدين عن الدولة، والمجتمع المدني، والديمقراطية، وحقوق وحرية الفرد، ويردد "طيبي" أن أمام المسلمين خيارَينِ لا ثالثَ لهما، إما الإسلامُ الأوربي، وإما الانغلاقُ والانعزالُ عن المجتمع (^٢).
* جُوسلين سيزاري:
° قالت في مقالٍ لها: "إن الإسلام هو دين الشيطان".
* القائد الأعلى السابق لقوات حِلف الأطلنطي جون كلفان:
° قال القائدُ الأعلى السابق لقوات حِلف الأطلنطي "جون كلفان" بصراحةٍ ووضوح، ودون التفاف وراءَ عباراتٍ وكلماتٍ مراوغة، وأعلن في محاضرةٍ ألقاها في عام "١٩٩١": "لقد عَرف هذا القرنُ أطولَ مجابهةٍ بين الغرب والإسلام منذ أكثر من ألفِ سنة، امتَدَّت من الحروب الصليبية
_________________
(١) راجع الدراسة الممتازة التي قامت بها الباحثة دورتيه يولكه تحت عنوان "ثلاثة في قارب واحد": التطرف الإسلامي عند جيتر جول لاتور وجيرهارد كونسلمان وبسام طيبي.
(٢) "صناعة العداء" (ص ٢١٢)، وهامش (ص ٤٧) من "صورة الإسلام في التراث الغربي".
[ ٣ / ٢٥٨ ]
حتى العصر الحديث .. وبعدَ أن انتَصر الغربُ في الحربِ الباردة، ها هو ذا الصراعُ يعودُ إلى المحورِ الرئيسي، وهو المواجهةُ بين الغربِ والإسلام، والسؤالُ هو: هل سيستعيدُ التاريخُ العسكريُّ الغربيُّ مِحورَه الرئيسيَّ الصحيح، أي المجابهةَ مع الإسلام، بعدَ أن انشَغل عنه منذ هزيمةِ الجيشِ التركيِّ على أبوابِ "فيينا" عام ١٦٨٣؟ هل سيُسلِّطُ "سيفُ الإسلام" الحربَ ضد أوروبا مدجَّجًا هذه المرةَ بأسلحةٍ حديثة، قد تكونُ منها القنبلة النووية الإسلامية؟! " (^١).
° وُيضيفُ الباحث الألماني "هاينس ديترفنتر"، إلى أقوالِ قائدِ قواتِ حِلفِ الأطلنطي السابق أنه من الصعبِ التغاضي عن أقوالِ "كلفان" الذي يتهمُ اكثرَ مِن مليارِ مسلم في العالم بأنهم أعداءُ محتَمَلين للغرب، وهذا الرأيُ يَلقى انتشارًا في التفكير السياسي الغربي، فبعدَ عامين من إعلانِ قادةِ حِلفِ "الناتو" عن أن "العدو هو الإسلام" ظهرت نظريةُ "صموئيل هنتنجتون" عن صراعِ الحضارات، وقال فيها: "إن الصراعَ القائمَ في السياسةِ الدولية -بعدَ انتهاء الحربِ الباردة- هو صراعٌ بين الحضارة الغربية والحضارات الأخرى وأولها الإسلام".
ولا شك أن مواقفَ "هنتنجتون وكلفان" وغيرِهما لها انعكاساتٌ سلبيةٌ على علاقةِ الغربِ بالعالَم العربي والإسلامي، وتشجِّعُ التفكيرَ العدائيَّ ضدَّ الإسلام في الغرب، وتجعلُ العقلَ الغربيَّ يَرى أن الإسلامَ هو الإرهابُ والأعمالُ المتطرفةُ للمجموعات الإسلامية (^٢).
_________________
(١) "صناعة العداء" (ص ٢١٦).
(٢) المصدر السابق (ص ٢١٨ - ٢١٩).
[ ٣ / ٢٥٩ ]
لقد كان الاستقبالُ الإيجابيُّ لنظرية "هنتنجتون" مدير المعهد الشهير للدراسات الاستراتيجية بجامِعة "هارفاد" .. لقد كان هذا الاستقبالُ الإعلاميُّ مخيفًا حقًّا، مما يُثبتُ أن حرب الحضاراتِ التي تنبَّأ بها كانت قد بدأت بالفعل في عقول الغربيين من قبلِ أن يُعلِنَ "هنتنجتون" نظريتَه، كما يقول المستشرق الألماني "جيرنوت روتر" في دراسةِ له عن "الإسلام والغرب الجاران المتخاصمان" (^١).
° ويقول المستشرق الألماني "جيرنوت روتر": "إنه إذا كان الغربيون قد استَمتعوا في ذلك الوقت -أي في القرون الوُسطى- بتصويرِ محمدٍ كوحشٍ شيطانيٍّ مخيف، وبالروايات التي تَصِفُ المسلمين وهو يُقطِّعون أطرافَ الصليبيين وهم أحياء، ويَنزِعون أحشاءَهم من أجسامهم، فقد احتلَّ مكانَها اليومَ كُتُبٌ مثل "سيف الله" و"سيف الإسلام" و"السيف الأخضر" .. إلخ .. ويأتي دائمًا الحديثُ عن "مشاعر الجماهير الإسلامية التي لا يمكنُ التنبؤُ بها" .. على حدِّ تعبير الصحفي الألماني "شول لاتور .. ".
* الكاتب الألماني كارل ماي:
كلَّما كثر الدجَّلُ والكَذِبُ على الإسلام والمسلمين، كلما ازداد إقبالُ الغربيين على المؤلَّف.
° قال المستشرق الألماني: "وأحسَنُ دليلٍ على ذلك هو نجاحُ أعمالِ الكاتب الشعبي "كارل ماي" Kari May (١٨٤٢ - ١٩١٢ م) (^٢) الذي طَبع
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٢٢٩).
(٢) "صورة الإسلام في التراث الغربي" (ص ٤٧).
[ ٣ / ٢٦٠ ]
صورةَ الشرقِ لدى أجيالٍ بُرمَّتها من الناطقين بالألمانية، وفي صورةِ الشرق هذه إذا غَضَضْنا النظرَ عن بعضِ الشخصياتِ الغريبة والساذجة -يَظهرُ المسلمون بالذات كأشخاصٍ محتالين، وحشيِّين، متجهمين، ينتصرُ عليهم "كارا بن نيمسي " Kara Ben Nemsi" المجاهدُ في سبيل المسيح، ويَظهرُ عند "كارل ماي" إحساسُ الأوروبيين بالتفوق الذي كان في تزايدٍ مستمرٍّ منذ دخول نابليون مصر على أبعدِ تقدير .. وفضلًا عن ذلك يعتقدُ الأوروبيون في هذا السياق أنهم مُلزَمون بالقيام بمهمةٍ حضاريةٍ تُجاهَ الشرق" (^١).
* النفي للإِسلام على يد الدَّجالَيْنِ: خالد أكشة وطارق متري:
كنائسُ الغرب التي خانت نصرانيَّتها مارست النفيَ للإسلام بالمجازرِ والمقابر الجماعية على أرضِ البلقان والشيشان، كما تمارسُه اليهوديةُ متحالفةً مع الصليبية الغربية على أرض فلسطين.
هذه الكنائسُ لا تستحي عندما تُعلِنُ هذا النفيَ للإسلام، حتى في المؤتمرات التي "تحاور" فيها رموزَ الإسلام، في عُقرِ دار الإسلام!! .. ففي مؤتمر "الحوار الإسلامي - المسيحي"، والذي عُقِد بالقاهرة بدعوةٍ من "المنتدى العالمي للحوار" بجُدَّة، ومؤتمر "العالم الإسلامي" .. والذي انعقدت جلساتُه في فندق "شيراتون هليوبوليس" في ٢٨ - ٢٩ أكتوبر سنة ٢٠٠١ م، رفض ممثِّل الفاتيكان، نائبُ الأمين العام للمجلس البابوي للحوار بين الأديان، القَسُّ "خالد أكشة"، وممثِّلُ "مجلس الكنائس العالمي" الدكتور "طارق متري" .. رفضًا التوقيعَ على البيانِ الختاميِّ للمؤتمر؛ لأنه
_________________
(١) "صورة الإسلام في التراث الغربي" (ص ٥٨).
[ ٣ / ٢٦١ ]
وَضَعَ الإسلامَ -مع اليهودية والنصرانية- تحت وصفِ "الأديان السماوية الربانيَّة"، وقالا: "إن وَصْفَ الإسلام كدينٍ سماوِيٍّ وربانيٍّ، لا يزالُ محلَّ خِلافٍ لم يُحْسَم بَعْدُ!!!.
° ولقد عَلَّق الدكتور "يوسف القرضاوي" -وكان مشاركًا مع شيخ الأزهر في هذا المؤتمر- على هذا الموقفِ، فقال: "إنني أستغربُ من توجُّسِ بعضِ رجالِ الدين المسيحيِّ من وصفِ الإسلام بالربَّانية والسماوية .. وإذا كان الفاتيكانُ والكنائسُ العالمية لا تعترفُ بالإسلام كدين سماويٍّ، فلماذا نجتمعُ إذن؟! وإذا لم يُقِرَّ رجالُ الدينِ المسيحي والفاتيكان بأن الإسلامَ دينٌ ربَّاني، فلا داعيَ من اللقاء والحوار" (^١).
° هكذا "رمتني بدائها وانسلَّت" .. أفبَعْدَ تحريفِهم لدينِهم لا يعترفون بالدينِ الذي ارتضاه للبشرية .. وأين .. على أرض الإسلام؟!!! ..
مَن يَهن يَسْهُلِ الهوانُ عليه … ما لجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ
° يقول المستشرق الفرنسي "جان بيرك" [١٩١٠ - ١٩٩٥ م]: "إن الإسلامَ الذي هو آخِرُ الدياناتِ السماويةِ الثلاث، والذي يَدينُ به أكثرُ من مليارِ نَسَمةٍ في العالم، والذي هو قريبٌ من الغرب جغرافيًّا، وتاريخيًّا، وحتى من ناحيةِ القِيم والمفاهيم .. قد ظلَّ ويَظَلُّ حتى هذه الساعةِ، بالنسبة للغرب: ابنَ العمِّ المجهول، والأخَ المرفوض .. والمنكورَ الأبديَّ .. والمُبعَدَ الأبدي .. والمُتَّهَمَ الأبدي .. والمشتبَهَ فيه الأبدي" (^٢).
_________________
(١) صحيفة "الأسبوع" - القاهرة في ٥/ ١١/ ٢٠٠١ م، وصحيفة "العالم الإسلامي"- مكة في ١٦/ ١١/ ٢٠٠١ م، وصحيفة "عقيدتي" - القاهرة في ٦/ ١١/ ٢٠٠١ م.
(٢) من حديث جان بيرك في ٢٧/ ٦/ ١٩٩٥. "انظر "العرب والإسلام في نظر المستشرق=
[ ٣ / ٢٦٢ ]
هم يريدون إطفاءَ النورِ الذي أتى به محمدٌ - ﷺ - إلى الناسِ كافةً .. يُريدون طيَّ صفحتِه من الوجود .. واللهُ متمُّ نورِه ولو كَرِه الكافرون.
لقد سَعى هذا الغربُ النصرانيُّ برعايةِ ودعم العلمانيةِ الغربيةِ للكنائسِ الغربية! سَعِيَ إلى تنصيرِ المسلمين في ديارهم.
° فجاء في "بروتوكولات قساوسة التنصير"، الذين اجتمعوا في مؤتمر "كولورادو" بأمريكا مايو سنة ١٩٧٨: "إن الإسلامَ هو الدينُ الوحيدُ الذي تُناقضُ مصادرُه الأصليةُ أُسسَ النصرانيَّة .. والنظامُ الإسلاميُّ هو أكثرُ النظُم الدينيةِ المتناسِقة اجتماعيًّا وسياسيًّا .. ونحن بحاجةٍ إلى مئاتِ المراكز لفَهم الإسلام، ولاختراقِه في صدقٍ ودهاء .. ولذلك لا يوجدُ لدينا أمرٌ أكثرُ أهميةً وأَوْلَويَّةً من موضوع تنصير المسلمين" (^١).
° بل ويُسفِرون في هذا المؤتمر عن وَجهِهم القبيح، فيقولون: "إنَّ بياناتِ مجلسِ الكنائس العالمي ليس بديلًا عن تحويل غير النصارى إلى النصرانية، وهذه البياناتُ -"عن حرية الإقناع والاقتناع"- لا تَلزَمُ المجلس!!! .. فالحوارُ -عند مجلسِ الكنائس العالمي- ليس بديلًا عن تحويلِ غيرِ النصارى إلى النصرانية .. وهذه البياناتُ -عن حرية الاقناعِ والاقتناع- لا تعني تخلِّي المجلسِ عن مواقِفِه المناصِرة "للجهود القسرية والواعيةِ والمتعمِّدة والتكتيكية لجذب الناسِ من مجتمع دينيٍّ ما إلى آخر"!!! (^٢).
_________________
(١) = الفرنسي جان بيرك"، صحيفة "الشرق الأوسط" - لندن في ١/ ١١/ ٢٠٠٠ م.
(٢) "التنصير: خطة لغزو العالم الإسلامي" (ص ٤٥٢، ٢٢، ٢٣) - وهو وثائق مؤتمر "كلو رادو" الطبعة العربية - مركز دراسات العالم الإسلامي - مالطة سنة ١٩٩١ م.
(٣) المصدر السابق (ص ٧٧٠).
[ ٣ / ٢٦٣ ]
° ويقولون: "إنه بينما يُوافقُ المُنَصِّرون على أن التحوُّلَ لدينٍ آخَرَ لا يجبُ ولا يُمكنُ أن يتمَّ بالقوَّة، فإنهم مازالوا يَشعرون أيضًا بأننا ينبغي "أن نجبرَهم على الدخولِ في النصرانية" (^١).
* الرئيسُ الأمريكيُّ السابق ريتشارد نيكسون:
الرئيسُ السابق لأمريكا "ريتشارد نيكسون" مفكرٌ استراتيجيٌّ من غُلاة النصارى المتهوِّدين، دعا اتحاد الغرب "الأمريكي .. والأوروبي .. والروسي" لمواجهةِ البَعثِ الإسلاميِّ الذي يقودُه "الأصوليون الإسلاميون" الذين هم -كما يقول-: "مصمِّمون على استرجاعِ الحضارةِ الإسلاميةِ السابقة، عن طريقِ بَعثِ الماضي، ويَهدفون إلى تطبيقِ الشريعةِ الإسلامية، وينادُون بأن الإسلامَ دينٌ ودولة، وعلى الرَّغْم من أنهم ينظُرون إلى الماضي فإنهم يتَّخذون منه هدايةً للمستقبل، فهم ليسوا محافِظين، ولكنهم ثُوَّار"! (^٢).
يدعو "نيكسون" الغربَ إلى "تحديد الخيار الذي تختارُه الشعوب المسلمة"!!! ليكونَ نموذجَ "تركيا العلمانية المنحازة نحو الغرب، والساعيةِ إلى ربط المسلمين بالغرب سياسيًّا واقتصاديًّا .. وذلك حفاظًا على مصالحِ الغربِ في الشرق .. لأن أكثَر ما يُهمُّنا في الشرق الأوسطِ هو "النِّفْط وإسرائيل" .. وإنَّ التزامَنا نحوَ إسرائيل عميق جدًّا، فنحن لسنا مجرَّد
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٧٧٠).
(٢) "الفرصة السانحة" لنيكسون (ص ١٤٠).
[ ٣ / ٢٦٤ ]
حلفاء، ولكننا مرتبطون ببعضِنا بأكثرَ مما يعنيه الوَرَق! نحن مرتبطون معهم ارتباطًا أخلاقيًّا .. ولن يستطيعَ أيُّ رئيسٍ أمريكيٍّ أو كونجرس أن يسمحَ بتدميرِ إسرائيل"!.
° فما يريدة "نيكسون" هو "الإسلام الأمريكي أو الأورُبي"، لا الإسلام الذي أنزله اللهُ على قلبِ سيِّد البشر - ﷺ -: "إن الإسلامَ الذي يريدُه الأمريكان حلفاؤهم في الشرق ليس هو الإسلامَ الذي يُقاومُ الاستعمار، وليس هو الإسلامَ الذي يُقاومُ الطغيان، ولكنه فقط الإسلامُ الذي يُقاومُ الشيوعية، إنهم لا يريدون للإسلام أن يَحكم، ولا يُطيقون من الإسلام أن يَحكم؛ لأن الإسلامَ حين يَحكم سيُنشِّئ الشعوبَ نشأةً أخرى، وسيُعلِّم الشعوبَ أن إعدادَ القوةِ فريضة، وأن طَرْدَ المستعمِرِ فريضة، وأن الشيوعية -كالاستعمار- وباءٌ، فكلاهما عدوٌّ، وكلاهما اعتداء .. الأمريكان وحلفاؤهم إذن يُريدون للشرق "إسلامًا أمريكانيًّا"، يجوزُ أن يُسْتَفتَى في مَنع الحمل، ويجوز أن يُستفتى في دخول المرأة البرلمان، ويجوزُ أن يُستفتى في نواقضِ الوضوءٍ، ولكنَّه لا يُستفتَى أبدًا في أوضاعنا السياسيةِ والقومية وفيما يربطُنا بالاستعمارِ مِن صِلات، فالحُكم بالإسلام، والتشريعُ بالإسلام، والانتصارُ للإسلامَ لا يجوزُ أن يَمَسَّها قلم، ولا حديث، ولا استفتاء" (^١) في الإسلام الأمريكاني!!!
_________________
(١) من كتاب "أمريكا من الداخل" لسيد قطب نقلًا عن مقال "سيد قطب والسلام الأمريكاني" للدكتور جابر قميحة - صحيفة "آفاق عربية" - القاهرة في ٢٧/ ١٢/ ٢٠٠١ م - انظر "مجلة الرسالة" سنة ١٩٥١.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
° ولقد أفصح "نيكسون" عن الموقف الأمريكي والغربيِّ الذي اتَّخذ الإسلامَ والمسلمينَ عدُوًّا، عندما قال: "إن الكثيرين من الأمريكيين قد أصبحوا ينظُرون إلى كلِّ المسلمين كأعداء .. ويتصوَّرُ كثيرٌ من الأمريكيين أن المسلمين هم شعوبٌ غيرُ متحضِّرة، ودَمَويُّون، وغيرُ منطقيِّين .. وليس هناك صورةٌ أسوأ من هذه الصورة -حتى بالنسبة للصين الشيوعية- في ذهن وضمير المواطنِ الأمريكي عن العالم الإسلامي .. ويُحذِّرُ بعضُ المُراقبين من أن الإسلامَ والغربَ متضادَّان .. وأن الإسلام سوف يُصبحُ قوةً جيبوليتيكية متطرِّفةً .. وأنه مع التزايُدِ السُّكاني والإمكانيَّاتِ الماديَّةِ المُتاحة، سوف يؤلِّفُ المسلمون مخاطرَ كبيرةً .. وأنهم يُوحِّدون صفوفَهم للقيام بثورةِ ضدَّ الغرب .. وسوف يَضطرُّ الغربُ إلى أن يتَّحدَ مع موسكو ليواجهَ الخَطَرَ العُدوانيَّ للعالَم الإسلامي" (^١).
هذا قاله "نيكسون" إبَّان "شهر العسل" بين أمريكا والغرب وبين كلِّ الحركات والدول الإسلامية إبَّانَ الجهادِ ضدَّ الشيوعية في أفغانستان .. فكيف يكون القولُ بعد "قارعة سبتمبر ٢٠٠١ م"؟!.
* جون كالفن السكرتير العام السابق لحلف شمالي الأطلسي:
° قال "جون كالفن" السكرتير العام السابق لحِلفِ شمال الأطلسي -بعد هدم جدار برلين- ما ترجمته: "لقد كَسَبْنا الحربَ الباردة بين الشرق والغرب، ولكن هناك خلافًا قديمًا سوف يتجدَّدُ (إنْ عاجلًا وإن عاجلًا) بيننا
_________________
(١) "الفرصة السانحة" لريتشارد نيكسون ترجمة أحمد صدقي مراد (ص ٢٨، ١٤٠، ١٤١، ١٥٢، ١٥٣، ١٣٥، ١٣٨، ١٣٩) - طبعة القاهرة سنة ١٩٩٢ م.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
وبين الإسلام، ولا ندري مَن الذي سيكسبُ المعركة" (^١).
* مايكل سالا:
من أساتذةِ الجامعة الأمريكية في واشنطن، ذَكَر أن العلاقاتِ بين السياسةِ الخارجية الغربية والإسلام سوف تكون علاقاتٍ عِدائيَّةً استئصاليَّةً على غِرارِ الاستراتيجيَّةِ التي اتَّبعتها الرأسماليةُ مع الشيوعية حتى أسقطت الاتحادَ السوفيتيَّ السابق حيث إنه لا يَرى أن هناك إسلامًا متطرِّفًا وآخَرَ معتدِلًا، فالفرقُ بينهما عنده في التكتيك -لا أكثر-، ومِن ثَمَّ فإنه يَرى -ومعه مدرسةٌ كبيرةٌ من غلاة الغرب- ضرورةَ دَعمِ الحكومات التي تقومُ على قمعِ الحركات الإسلامية لِمَا لتلك الحركاتِ من خطرٍ على الحضارةِ الغربية -حسْبَ زعمِه المريض- (^٢).
* حَمْلاتٌ مسعورةٌ على الإِسلام ورسوله - ﷺ - في الغرب:
يتزعَّمْ هذه الحملاتِ المسعورةَ نَفَرٌ من غلاةِ الصهاينة من أمثال برنارد لويس، وهنري كيسنجر، وبريجنسكي مستشار الأمن الأمريكي السابق، وجوزيف هوفان، وجوديث ميللر، ودانيال بايبسي وغيرهم.
* "الإسلام والغرب بين التعاون والمواجهة" أو "المسلمون خلف الحصار الغربي"، لجراهام فوللر، وإِيان ليسر-:
هذا الكتابُ من أخطر الكتب التي صدرت، تحت عنوان "شعور بالحصار .. السياسة بين الإسلام والغرب على أرض الواقع"، والمقصودُ
_________________
(١) "الإسلام والغرب في كتابات الغربيين" (ص ٢٣) للدكتور زغلول النجار - نهضة مصر.
(٢) المصدر السابق (ص ٢٣).
[ ٣ / ٢٦٧ ]
بهذا العنوان: "المسلمون خَلفَ الحِصار الغربي" لمؤلِّفَيْه "جراهام فوللر" -النائب السابق لرئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي-، وزميله "إيان لِسر"، وكلاهما يَعملُ في مؤسسةٍ تابعةٍ لمؤسسة "أرويو"، والكتابُ ثمرةُ مشروعٍ استكشافيٍّ أشرفَ عليه المؤلِّفانِ ضمنَ برنامج "الاستراتيجية والعقيدة" الذي أعدَّته مؤسسة "راند"، وقد صدر الكتابُ أيضًا تحت رعاية "المركز الأعلى لدراسات المشرق العربي"، وهو مركزٌ تابعٌ لمؤسسة "راند"، وتم نشرُ الكتاب في كلٍّ من بولدر - كولورادو - وسان فرانسيسكو - وكاليفورنيا - أكسفورد - وإنجلترا في سنة ١٩٩٥، وقام "مركز الأهرام للترجمة والنشر" بترجمة الكتاب إلى العربية ونَشْرِه في القاهرة في سنة ١٩٩٧ م، وقام بترجمته الأستاذ "شوقي جلال" تحت عنوان "الإسلام والغرب بين التعاون والمواجهة".
° ذكر الكاتبان تحت عنوان "الإسلام كبدعةٍ مسيحية" ما ترجمتُه: "وهكذا فإنَّ نظرةَ الإسلام إلى المسيحية هي أنه -بَعْدَ أن قدَّم يسوعُ المسيحُ إلى العالَم بتعاليمَ جديدةٍ مهمةٍ أوحى بها اللهُ إليه- انحرف المسيحيون عن رسالته، واتخذوا الرسولَ المرسَلَ إليهم إلهًا يعبدونه من دون الله ذاتِه، وواقعُ الحالِ أنه باستثناءِ الزعم أنَّ يسوعَ المسيح ابنُ الله، وباستثناءِ الرواية عن قيامه، نجدُ أجزاءَ كثيرةً من التاريخ المسيحيِّ واليهوديِّ هي في صُلبِ الإسلام تمامًا، ذلك أن المسلمين يَرَوْن كُلاًّ من موسى وعيسى نبيِّين من أنبياءِ الله مِثلَ عددٍ كبير من أنبياءِ العهد القديم؛ ومعنى ذلك أن هناك مساحةً واسعةً من الاتفاقِ مع وجودِ بعضِ الخلاف، وإن كان من الصعب فَهْمُ مُبرِّراتِ أن يؤدِّيَ ذلك الخلافُ إلى صدامٍ حضاريٍّ على أساسٍ من العقيدةِ
[ ٣ / ٢٦٨ ]
الدينية وحدَها" (^١).
° يقول الدكتور "زغلول النجار"، -حفظه الله-: "ونَسِيَ الكاتبانِ أنْ التشابُهَ في القَصَصِ الدينيِّ بين القرانِ والعهْدَيْن القديم والجديد يُرَدُّ إلى أنَّ أصلَ كلِّ الكُتبِ السماويةِ واحد، ومصدرَها واحد وهو اللهُ الواحدُ الأحدُ الفَردُ الصمد، الذي أَرسل الأنبياءَ والمرسلين وأنزل الدينَ على فترةٍ من الرسل .. وبدلًا من الإيمان بهذه الحقيقة المنطقيَّة المُوَثَّقةِ توثيقًا دقيقًا، لجأ الغربُ إلى إنكارِ بَعثةِ المصطفى - ﷺ -، وإلى نَشرِ الادعاءِ الباطل بأن هذا النبيَّ والرسولَ الخاتَمَ - ﷺ - قد نَقل أفكارَه الدينيةَ عن كُلٍّ من التوراة والإنجيل"، (^٢).
* الدجَّال أنيس شورش .. مُسيلِمة الغرب، وكتابُه "الفرقان" أو القرآن الأمريكي" أضحوكة القرن الحادي والعشرين:
الدجَّالُ "أنيس سورس - أو شورشَ" هو أيرلندي، تخصَّص في الطبِّ النفسي، وحَصَل على الأستاذية من الجامعاتِ الأمريكية، وتخصَّص بعدَها في الدراساتِ الإنجيلية، وأمُّه أردنية، وأبوه فلسطيني، وهو عربيٌّ يهوديٌّ، فكلمة "شورش" هي كلمةٌ عبرية تعني "الجواز"، وقد اعتَنق أجدادُه النصرانيةَ منذ خمسةِ قرونِ ماضية.
هاجر "أنيس شورش" إلى الأردن، وواصل دراستَه بجامعةِ "مسيسبي Mississippi colleg"، وقبل حصولهِ على الدكتوراة دَرَس في جامعة Orleans Baptist new theological seminary، حَصَل على الدكتوراة
_________________
(١) "الإسلام والغرب في كتابات الغربيين" (ص ٥٤ - ٥٥).
(٢) المصدر السابق (ص ٥٥).
[ ٣ / ٢٦٩ ]
مرَّتين من جامعة Amercia Institute of Seminary ministry Dayton Tennessee، وجامعةِ International Luther Rice، وكان يعملُ في الأرض المحتلَّةِ مع اليهود، ومِن ذلك عَمَلُه في كنيسة "أورشليم بابتس" في القدس المحتلَّة، كما كان يعملُ في Judea وفي Samaria من سنة ١٩٥٩ إلى ١٩٦٦ م.
عَمِل كقسيسٍ لمدة (٤٠) سنةً ما بين إسرائيل وأمريكا، وعَمِل مُنَصِّرًا في بلدان إفريقيا: كينيا، كيبتاون، ودوربان، جوهانسبرغ .. وفي التسعينات وفي سنة ١٩٩٥ م عمل في نيوزيلندا .. ثم انتقل إلى إنجلترا .. ثم إلى البرتغال.
° ناظره الشيخ "أحمد ديدات" -﵀ - مرتين:
المرة الأولى: سنة (١٩٨٠) في لندن والموضوع: "هل عيسى إله؟ " .. حضر المناظرة (٥٠٠٠) شخص.
المرة الثانية: في برمنجهام، والموضوع: "القرآن والإنجيل: أيهما كلام الله؟ " .. وحضرها (١٢٠٠٠) نفر (^١).
° وفي مناظرته مع "ديدات" وقف "شورش"، وقال لديدات: "أنا أستطيعُ أن آتيَ بمِثل القرآن"، فقال له "ديدات": "لم يَستطعْ أجدادكُ أن يأتوا بسورةٍ مِن مِثله خلالَ أربعةَ عَشَرَ قرنًا، وأنت تستطيع؟! قال: "نعم" قال: "وأنا أتحدَّاك".
° وانتهت الفترةُ المحددةُ لديدات في تمام الخامسة إلاَّ خمسِ دقائق
_________________
(١) "القرآن الأمريكي أضحوكة القرن الحادي والعشرون" (ص ٥٥ - ٥٦) لمحمد السيد عبده - دار الرضوان و"أحمد ديدات بين الإنجيل والقرآن" (ص ٣٥) - كتاب المختار.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
مساءً ليقفَ "شورش" بملابسه العربية ليُحيِّيَ الحاضرينَ باللغةِ العربية قائلًا: "أُحيِّيكم باسم يسوع المسيح، ابنِ بلدي الناصرة، مُخلِّصي .. ".
ويبدأ "شورش" هجومَه على القرآن خلالَ تِسعينَ دقيقةً كاملة، يقرأُ من أوراقٍ مُعدَّةٍ سابقًا، وخالطًا بين ما يَنتهجُه المسلمون في بعضِ بلدان المسلمين وبين ما يُقرُّه الإسلام، منتقدًا لتعدُّدِ الزوجات، ومبالغةِ القرآن في بعض القصص، وزاعمًا بأن القرآنَ يَشملُ آياتٍ عديدةً مأخوذةً من مُعلَّقات "امرؤ القيس"! بالاضافة إلى وجودِ كلماتٍ مع سَبعِ لغاتٍ أجنبيةٍ في القرآن، وكذلك بعضُ الأخطاء النحوية!!.
والحقيقةُ أن "شورش" لم يأتِ بجديد، فكلُّ مزاعِمِه قد ردَّدها إخوانُه من عشرات -بل ومئات- السنين، ووَجدت من المسلمين الردَّ الكافي والشافي عليها، وهو -كما يزعُم- قد عَكَف على دراسةِ القرآن سنين، وخرج بهذه الاستنتاجات، وقد أثار "شورش" جمهورَ الحاضرين بقراءاتِه الخاطئةِ لآياتِ القرآنِ على نحو يُساعدُ اتجاهاتِه الضالَّةَ في تفسيرها.
وأنهى "شورش" حديثه في السادسة وخمسٍ وعشرين دقيقة، ووقف "ديدات" -الرجل المُسِنُّ- كالطَّودِ الشامخ، بِعزَّة من الله العظيم -ثم بتأييدٍ من المسلمين الحاضرين-، وقف دون أن يَبُلَّ ريقَه برشفةِ ماء، في الوقت الذي كان فيه الدكتور الشاب "أنيس شورش" يشربُ كأسًا من الماء، يَبُلُّ به "ريقه الناشف" كل بِضع دقائق .. وقف "ديدات" لِيدحضَ ضلالاتِ "شورس" ويفضحَ أخطاءَه في تفسير الآيات حَسْبَ مِزاجِه، وبما لا يتمشَّى مع قواعدِ اللغة العربية التي يدَّعي معرفتها، وأكَّد "ديدات" على تحدِّيه
[ ٣ / ٢٧١ ]
لشورش على أن يأتيَ بمثالٍ واحدٍ مما زَعَم أنه مأخوذٌ في القرآن من الأناجيل، فلم يردَّ.
وانتهت خمسَ عَشْرةَ دقيقةً ممتعةً أخرى، ضَجَّت فيها القاعةُ الكبرى بالتكبير والتهليل، وليبدأَ دَورُ الأسئلة، ولكن شورش -بعد حديثٍ هامسٍ مع مديرِ اللقاء -طَلَب خَمْسَ عشرةَ دقيقةً أخرى للردِّ على ديدات، فسَمَح له -على أن يَمنح ديدات نفس الفرصة-.
وبدأت جولةٌ أخرى، لم يأتِ فيها شورش بجديد سوى أنه دعا المسلمينَ إلى قراءةِ الإنجيل بتمعُّنٍ، دون تحكيمِ العواطف.
أما "ديدات"، فقد سَخِر من شورش الذي أضاع الوقتَ في مهاجماتٍ متواليةٍ وسريعةٍ تحتاجُ إلى مناقشةِ لكلِّ نقطةٍ فيها، بينما لم يردَّ شورش على قضيةٍ واحدةٍ من قضايا التناقضات التي أشار إليها "ديدات" في الأناجيل، وخلالَ هذه الجولة القصيرة ردَّ "ديدات" على بعضِ مزاعم شورش، فقال له: "لقد هاجمتَ تعدُّدَ الزوجات في الوقت الذي جاء فيه ذلك في القرآنِ مشروطًا بالعدل، وأنت أشرتَ إلى صَدرِ الآيةِ فقط، ولم تُشِرْ إلى باقيها .. كما أن تعدُّدَ الزوجاتِ جاء ليَحُلَّ مشاكلكم أنتم في أمريكا وأوروبا؛ وإلاَّ .. كيف تَجِدُ حلاًّ لِمَا يَقرب من سبعةِ ملايينَ امرأةً زيادةً على عددِ الرجال في أمريكا؟ وكيف تَجِدُ حلاًّ لآلافِ "المومسات" في إنجلترا؟ أتحدَّاك أن تَجِدَ حلاًّ لهذه القضايا في بلادكم .. الإسلام جاء لكم بالحل، وهو أن يتزوَّج الرجلُ أكثَرَ من امرأةٍ، بشرطِ أن يُحقِّق العدلَ بين زوجاتِه".
أما عن زَعم "شورش" بأن الإسلام قد انتَشر بحدِّ السيف -في الوقت
[ ٣ / ٢٧٢ ]
الذي تقول فيه الآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]- وهذه فِريةٌ قديمةٌ وَجَدَتْ لها الردَّ الكافي على يَدَيْ كثير من المسلمين-، فقال له "ديدات": "هناك ما يَقرُبُ من ١٥ مليون مسيحي يَعيشون في وَسَطِ المسلمين بالعالَم العربي، لماذا لم يتمَّ إكراهُ هؤلاءِ بالسيف لاعتناقِ الإسلام؟! ولماذا لم يتمَّ إجبارُ أجدادِك في فلسطينَ على اعتناقِ الإسلام بالسيف؟ وعلى مدى ١٤٠٠ عام مَنْ مِنَ المسلمين أجبَرَ مسيحيًّا على اعتناقِ الإسلام؟ إنَّ سيفَ الإسلام هو الحِكمةُ والموعظةُ الحسنة التي أَمَرنا اللهُ بها" (^١).
* أنيس شورش مؤلِف "الفرقان" أو "القرآن الأمريكي":
° رَمَز "أنيس شورش" لنفسه باسم "الصَّفِيِّ والمَهْدِيِّ" وهو يَدَّعي أنَّ وحيًا نزل عليه لأجلِ إصدارِ الكتاب.
وقد صَرَّح باسمِه الحقيقيِّ لأوَّلِ مرةٍ في موقعِ "أمازون" على "الإنترنت" للترويج للكتاب، بعدَ أن كان يتخفَّى ويَرمِزُ لنفسِه باسم "الصَّفِيِّ والمهدي المنتظر".
وقد ألَّف كتابًا بعد المناظَرَتين مع "ديدات" بعنوان: A Christian Islam reveald Arabic's View Of Islam، وذَكَر أن هذا الكتابَ يُوضِّحُ للناس أن الإسلامَ يَقتُلُ شخصًا من كلِّ خمسةِ أشخاصٍ في العالَم، وذَكَر فيه مناظرتَه مع الشيخ "ديدات".
° اتَّهم الإسلامَ بأنه يتضمَّنُ عقائدَ خاطئةً، وفيه الكثيرُ من الأخطاء، وأنه دينُ الإرهاب، ويدعُو إلى القتالِ وسَفْكِ الدماء، وأن المصدَرَ الأولَ
_________________
(١) "أحمد ديدات بين الإنجيل والقرآن" (ص ٣٧ - ٣٨).
[ ٣ / ٢٧٣ ]
لهذا هو القرآن؛ ولذا لا بدَّ للمسلمين أن يستبدِلوا بالقرآن قرآنَه الذي سمَّاه "الفرقان الحق"، وقال عن قرآنه هذا: "قرآني أَجْود، كتبتُه باللغةِ العربيةِ الجيِّدةٍ، وتُرجم إلى اللغة الإنجليزية الجيِّدة" (^١).
° وشورش -أو سوروس- هذا له باعٌ طويل في مهاجمةِ الإسلام والمسلمين، فعلى سبيل المثال: بعد يومين من أحداث (١١ سبتمبر ٢٠٠١ م) قام بإلقاءِ محاضرةٍ حاقدةٍ في جامعة "هيوستن" في الولايات المتحدة الأمريكية، دعا فيها إلى إبادةِ المسلمين؛ لأن الإسلام -دينُ إرهابٍ وسَفكِ دماء -على حدِّ زعمه-، وأن القرآن هو المصدرُ الاولُ للإرهاب، وأنه يجبُ القضاءُ على هذا القرآنِ للقضاء على الإرهاب! واقترح على الحكومة الأمريكية طَرْدَ أيِّ مسلمٍ من أمريكا، وتجميعَ كل المسلمين في منطقةِ "الشرق الأوسط"، ثم إبادتَهم بالقنابل النووية، وطَلَب الدعاءَ إلى اللهِ كلَّ ليلةِ سبت لإزالةِ الإسلام والقرآن!!.
° وكانت محاضرتُه في الجامعة في غايةِ العنصرية والحقد، واحتوت على العديدِ من البذاءات والشتائم ضدَّ الإسلام مما اضطَّر رئيسُ الجامعة إلى الاعتذارِ عنها في اليوم التالي!!.
° قام "شورش" بشراءِ أشهَرِ قناةِ تلفزيونية في إندونيسيا، وسَلَّم إدارتَها للنصارى الإندونيسيين.
° حاوَلَ أن يَكسِبَ الكاتبُ القزمُ تعاطُفَ القُرَّاء حينما يقولُ في مقدِّمة كتابه: "إنَّ والدهَ وابنَ عمِّه قد قُتلا جَرَّاءَ عمليةِ اجتياح شنَّتها القواتُ
_________________
(١) انظر: مجلة Garta رقم ١١٢٥ مايو ٢٠٠٢ م.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
الإسرائيليةُ على بلدته لأُسَرِ المقاوِمِين، مما جَعَله يهربُ هو وأسرتُه إلى الأردن، وكان ذلك في (يناير عام ١٩٧٦ م) "!!.
° ويُعرِّفُ "شورش" نفسَه من خلال كلمةٍ خاطَب بها المسلمين باللغة الإنجليزية مفسِّرًا ذلك في عُرفه أن كلمة " I Sincerely Love All Muslims"، أي إنني أحِبُّ بكلِّ الصدقِ والإخلاصِ كلَّ المسلمين، وأن هذا هو السببُ الحقيقيُّ وراءَ إصدارِ هذا الكتاب الذي يَصِفُه بأنه التتمةُ الهامةُ لكتابه السابق: "كشف حقيقة الإسلام".
° كما نَشَر له موقع " Israel - think" الصُّهيونيُّ مقالًا تحتَ عنوان: "الإسلام يستهدفُ أمريكا في مخطَّطٍ يمتدُّ عشرين عامًا"، ويتحدَّثُ فيه عن حقيقةِ تأليفهِ لكتاب "الفرقان الحق"، وكيف أنه جاء ليتحدَّى قرآنَ المسلمين في كل شيء "جوهره، أسلوبه، لغته، ومحتوياته"، كما أنه يَرى أن المسلمين أعدُّوا خُطَّةً بعيدةَ المدى لغزوِ أمريكا مع حُلول عام (٢٠٢٠ م)! في الوقت الذي يستغرقُ فيه الأمريكيون في النومِ مثلما فَعلوا عندما هاجمونا مع أحداثِ الحادث عشر من سبتمبر!.
ويواصِلُ "شورش" التعريفَ بنفسه في هذا المقالِ على أنه عضوُ هيئةِ التدريس في جامعة "أوكسفورد"، وقام بزيارةِ أكثرَ من (٧٦) دولة على مستوى العالَم، وهو كاتبٌ متخصِّصٌ في كشفِ حقيقة الإسلام، وتعريتهِ أمامَ المجتمع العالمي، ومتحدِّث لَبقٌ في العديدِ من المحَطَّات والقنواتِ التليفزيونية العالمية.
ويَصِفُ "شورش" كتابَه بأنه الكتابُ الذي يتحدَّى القرآنَ في مَقتل، ويفنِّدُ مزاعمَ المسلمين، وأنه كتابٌ خالدٌ يتحدَّى أيَّ مؤلَّف، وذلك من
[ ٣ / ٢٧٥ ]
خلال الكتابةِ الشعريةِ والنثريةِ والمترجَمةِ للغتين العربية والإنجليزية جنبًا إلى جنب!.
° ويضيفُ قائلًا: "إن المسلمين يزعُمون أن القرآن جاء متحدِّيًا للعالَم كلِّه منذ (١٤٠٠ سنة)، لذلك لم يَستطعْ أحدٌ تأليفَ كتابٍ مشابهٍ له يناسِبُ العصرَ وَيجمعُ ما بين التوراة والإنجيل ويقدِّمُ تفسيرًا معاصرًا لكلِّ الأديان الثلاثة، إلاَّ أن الفرقانَ الحقَّ جاء لِيدحضَ هذه المقولة"!!!.
° ويضيف: "لذلك جاء كتابُ "الفرقان الحق" ليكونَ نقطةَ الضعفِ الجديدة للعرب والمسلمين التي يُمكنُ اختراقُهم من خلالها بعد أن نَفَيْنا أسطورةَ قُرآنِهم وتحدِّيه للعالَم منذ (١٤٠٠ سنة)، وليكونَ هذا الكتابُ هو القرآنَ الحقيقيَّ الذي يَشرحُ معانيَ التوراةِ والإنجيل ورسالةَ المسيح في الأرض أيضًا.
° ويقول: "إن قرآنَ محمدٍ نبيَّ المسلمين استغرق (٢٣) سنةً من الوحي، أمَّا أنا، فلم استغرقْ أكثَرَ من (٧) سنوات لإصدارِ القرآن الجديد، ومكتوبٌ باللغتين الإنجليزية والعربية، -وليس العربيةَ فقط-، حيث بدأت العمل به فعِليًّا في (عام ١٩٩٩ م) "!.
° وزَعَم "أن القرآنَ الكريمَ احتَوى على أكثرَ من (١٠٠) خطإٍ لُغويٍّ في قواعد النحو، أما الفرقانُ الجديد، فليس به أخطاء، كما أن كتابي يحتوِي على الحقائقِ وليس على مجرَّد نِكاتٍ مثل القرآن"!!.
° وبعد أن عَرَّفَنا هذا الشورش بنفسه، هذا تعريف موجز بالكتاب: الاسم: الفرقان الحق.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
عدد الصفحات: (٣٦٦) صفحة مقاس ١٥ × ٢٠ سم.
عدد السور: اشتمل هذا الفرقانُ الباطل على: المقدمة، والبسملة، والخاتمة، ثم (٧٧) -سبعًا وسبعين- سورة.
أسماء سور "الفرقان":
كلُّ سورةٍ من سُورِ هذا العَفَنِ تتكوَّنُ من عددٍ من الآيات يتفاوتُ ما بين عددِ أصابع اليدِ الواحدةِ أو أصابع اليدين والقدمين، لا يَزيدُ عن ذلك، وقد اشتَملت هذه السورُ على موضوعاتٍ تكادُ تكونُ مكرَّرةً في كلِّ سورةٍ بصورةٍ مُملَّة، وهذا جدولٌ بأسماءِ وعددِ آياتِ وأهدافِ سورِ هذا "العفن الأمريكي":
السورة … آياتها … الموضوع
[البسملة] … ٧ … التثليث
الفاتحة … ٧ … تمجيد للفرقان
المحبة … ١٠ … الدعوة للاستسلام
النور … ٧ … تمجيد للفرقان والدعوة للإيمان به
السلام … ١٥ … انتشار الإسلام بحد السيف - التنصير
الإيمان … ٨ … اتهام المسلمين بتحريف الإنجيل
الحق … ١٠ … تمجيد الفرقان - إنكار الرسالة
التوحيد … ١٤ … الدعوة للتثليث
المسيح … ٢٧ … صحة الإنجيل، واتهام المسلمين بالنفاق
الصلب … ١٧ … إثبات صلب المسيح
الروح … ٧ … تشويه الاستشهاد والجنة
[ ٣ / ٢٧٧ ]
الفرقان الحق … ٢٧ … تمجيد الفرقان والإنجيل
الثالوث … ٣١ … التثليث -إنكار أسماء الله الحسنى
الموعظة … ٧ … ترك الجهاد - تشويه صورة الرسول
الحواريون … ١٤ … التنصير - تشويه صورة الرسول
الإعجاز … ١٣ … تشويه صورة الرسول
[القدر] … ١١ … تمجيد الفرقان - لا نبي بعد عيسى
المارقين … ١٥ … تشويه صورة المسلمين
الأضحى … ١٠ … التنصير - تشويه الأضاحى
الأساطير … ٦ … تشويه صورة الرسول والمسلمين
الجنة … ١٥ … تشويه الجنة
المحرضين … ١٦ … تشويه صورة الرسول
البهتان … ١٢ … الإيمان بالإنجيل - تشويه صورة الصحابة
اليسر … ٧ … تشويه الإسلام
الفقراء … ٨ … سب المسلمين
الوحي … ١٨ … سب المسلمين - تمجيد الفرقان
[المؤمنين] … ٧ … تمجيد النصرانية - تمجيد الفرقان
[التوبة] … ٧ … الإيمان بالإنجيل والفرقان
الصلاح … ٨ … نفي للولاء والبراء - ترك الجهاد
الطهر … ١٣ … التعدد - الطلاق
الغرانيق … ١٥ … شبهات حول المرأة
العطاء … ١٤ … القصاص والجهاد - الإسلام نُشر بالسيف
[النساء] … ١٦ … شبهات حول وضع المرأة في الإسلام
الزواج … ٧ … تجريم التعدد - الطلاق
[ ٣ / ٢٧٨ ]
[الطلاق] … ١٢ … الطلاق - تشويه صورة الرسول
الزنا … ١٣ … تعدد الزوجات
[المائدة] … ٥ … التنصير
المعجزات … ٨ … تأييد الفرقان بالمعجزات
[المنافقين] … ١٧ … تشويه صورة الإله ﷿
القتل … ١٥ … الإسلام نُشر بالسيف
الجزية … ١٤ … تحريم القتال - الجزية
الإفك … ٩ … التنصير - الإسلام نُشر بالسيف
الضالين … ١٥ … التثليث - تشويه الجنة والشهداء
الإخاء … ٨ … تشويه تعاليم الإسلام - الإيمان بالإنجيل
المهتدين … تشويه الإسلام والمسلمين - القصاص
طوبى … ١٤ … التنصير
الأولياء … ١٢ … تشويه معنى الشهادة - تمجيد الفرقان
اقرأ … ١٤ … إنكار الأسماء الحسنى تشويه الإسلام
[الكافرين] … ١٢ … التنصير - تحقير المسلمين
الخاتم … ١٤ … تشويه المسلمين - تمجيد الفرقان
الإصرار … ١١ … تشويه الإسلام - الجنة
التنزيل … ٨ … تمجيد الفرقان والإنجيل
الصيام … ٩ … العبادات في الإسلام
الكنز … ٦ … الإيمان بالإنجيل
[الأنبياء] … ١٨ … سب الرسول، لا نبي بعد عيسى
الماكرين … ١٨ … تحقير الرسول والمسلمين - القصاص
الأمَمِّيين … ١٢ … تحقير الرسول والمسلمين
[ ٣ / ٢٧٩ ]
المفترين … ٧ … تحقير الرسول والإسلام والمسلمين
الصلاة … ١٠ … تحقير الصلاة والمصلين
الملوك … ٨ … تشويه صورة الإله - الإسلام نُشر بالقوة
الطاغوت … ١٢ … تشويه الرسول والإسلام - القصاص
النسخ … ١٤ … النسخ في القرآن - القرآن غير معجز
الرعاة … ٦ … تشويه الإسلام والمسلمين
الشهادة … ٧ … تشويه صورة الرسول
الهدى … ١١ … تشويه صورة الرسول والمسلمين
الإنجيل … ٦ … تمجيد الإنجيل - تحقير المسلمين
المشركين … ٣٠ … وجوب عصيان الرسول
الحكم … ١٤ … تمجيد الإنجيل - القصاص
الوعيد … ٧ … تشويه صورة الرسول والمسلمين
الكبائر … ١٥ … تشويه الجنة
التحريف … ٨ … تمجيد الإنجيل والفرقان
العاملين … ١٣ … الدعوة للردة عن الإسلام
الآلاء … ١٠ … تحقير تعاليم الإسلام
المحاجة … ٨ … التنصير
الميزان … ١٣ … تشويه الإسلام - التعدد - الطلاق
القبس … ٨ … التنصير
الأسماء … ٢٥ … إنكار الأسماء الحسنى
الشهيد … ٨ … اتهام المسلمين بقتل مؤلف الفرقان
_________________
(١) لاحظ أن السور المظللة من أسماء سور القرآن الكريم. قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: وضعناها في هذه النسخة الإلكترونية بين [معكوفين] بدلا من التظليل في المطبوع
[ ٣ / ٢٨٠ ]
اللغة: طُبع هذا "الهباب" المسمى بـ "الفرقان" باللغة العربية واللغة الإنجليزية، ولعلَّك - أيها اللبيب- ستُدرِكُ من أولِ وَهلةٍ السرَّ في كَونِ الكتابِ باللغتين العربية والإنجليزية، فالعربيةُ لأن العربَ هم المقصودون من الكتاب؛ ولأن الإنجليزية هي من أهمِّ اللغات العالمية والأكثرُ شيوعًا في العالم، وهي لُغةُ المؤلِّفُ -قَبَّحه الله- لذا كانت ضِمنَ اللغاتِ التي كُتب بها هذا الكتاب.
دار النشر: كان الجزء الأول من "الفرقان الحق" قد صدر في مطلع هذا العام عن دارين للنشر في أمريكا هما: "وميجا ٢٠٠١ OMEGA"، و"واين بريس PRESS WINE"، الأولى معنى اسمها "المقاومة" لسنة ٢٠٠١، والثانية معنى اسمها "معصرة النبيذ" تمهيدًا لإصدار اثني عَشَر جزءً أخرى كتتمَّةِ له خلال السنواتِ الخمسِ القادمة.
ثمن الكتاب: ذكرت مجلة "الفرقان" التي تُصدِرُها أسبوعيًّا جميعةُ إحياء التراث الإسلامي بالكويت أن النسخة الواحدة تُباع بما يساوي ٣ دولارات، ويُباع الكتابُ حاليًا في المكتباتِ المختلفةِ في أمريكا وإسرائيل ولندن وبعضِ دول الاتحاد الأوربي، ويُباعُ الكِتابُ "المهزلة" عَبْرَ شبكة الإنترنت بمبلغ (١٩، ٩٥) دولارًا للنسخة الواحدة، شاملةً تكاليفَ الإرسالِ لأيِّ مكان بالعالم!.
أماكن نشر الكتاب:
إن الأمنيةَ التي يَحلُمُ بها هؤلاء المُرْجِفون هي أن يَدخُلَ هذا الكتابُ بَيتَ كلِّ مسلم؛ بل قَلْبَه وعَقْلَه، ولكن لأنهم يَعلَمون عِلْمَ اليقين أن هذا
[ ٣ / ٢٨١ ]
الكتابَ لا يَقْبَلُه أيُّ مسلم في العالم، وحتى لا يَصطدموا مع مشاعرِ المسلمين بدؤوا أولًا في عَرضِه في الأماكن الآتية:
- نُشر الكتاب في المكتبات المختلفة في أمريكا بصفتها راعيةَ الحَملةِ على الإسلام.
- ونُشر الكتاب أيضًا في لندن بصفتها راعيةَ الإرهاب والانحراف، فما موقفُها من سلمان رشدي -مسيلمة القرن العشرين- منكم ببعيد.
- كما تم توزيعُ ونَشرُ الكتابِ في بعضِ دول الاتحاد الأوربي.
- وقد أعطت أمريكا لربيبتها إسرائيل نُسخًا عديدةً من هذا الكتاب.
- وذكرت "مجلة الفرقان" أن هذا الكتاب يوزَّعُ في الكويت على "المتفوقين" من الطلبة في المدارس الأجنبية الخاصة .. التي أصبحت مرتعًا خِصبًا للمُنصِّرين؛ للتأثير على فَلَذاتِ أكبادنا، وبَثِّ ثقافةِ الاستسلام في أذهان الأجيال القادمة من أبنائنا وبناتنا، حتى يَردُّوهم عن دينهم الإسلاميِّ الحنيف، لا سيَّما أن الشبابَ يُمثِّلون طموحَ الأمةِ وقادةَ المستقبل، فها هي أصابعُ التغيير وجهودُ التنصير ومخاطرُ حِقبةِ السلام تتسلَّلُ إلى عقولِ أبنائِنا، وتَعبَثُ بمعتقداتِهم وقِيَمِهم وأفكارِهم، حَربٌ باردةٌ خفيَّةٌ تدورُ على أبنائنا في ظِلِّ غفلتِنا وانشغالنا بأعباءِ الحياة، وتكالُبِ الأعداء على أمتنا الإسلامية!.
والسؤال: لماذا اخْتِيرَت الكويت مقرًّا لهذه العملية؟ وهل الشرفاءُ في الكويت سيسطرُ عليهم الصمتُ والجمودُ وكُتَّابُ الكفر يُوزِّعون أباطيلَهمِ بأراضيكم؟! إن الأمورَ أخطرُ مما تصوَّرون، فأمةُ الإسلام لا يمكنُ أن تَحنِي
[ ٣ / ٢٨٢ ]
رأسَها لحربٍ إعلاميةٍ ولمزيدٍ من الدمار.
والغريبُ أنه تم إعطاءُ السلطةِ الفلسطينية -عن طريقِ إسرائيل- نسخًا عديدةً منه تمهيدًا لتدريسه في المدارس الفلسطينية!!.
والسؤال: لماذا فلسطين بالذات؟ وتبدو الإجابةُ سهلةً وبسيطةً عند مُطالعةِ ما جاء في هذا الكتاب الأضحوكةِ، فالكتاب يَخدُمُ الأهدافَ الإسرائيلية، فهو يدعو للاستسلام، والرضا بالأمرِ الواقع، ومقابلةِ الاعتداء بالحبِّ والسلام، ويُحذِّرُ من القتالِ والاستشهاد!!.
ويُشيرُ أحدُ التقاريرِ إلى أن الكِتابَ تمَ توزيعُه على السفاراتِ العربيةِ والإسلامية في كلٍّ من باريس ولندن وواشنطن، والعديدِ من الهيئات والمنظَّمات الإسلامية والعربية في أوربا بتاريخ (١٧/ ٤/ ٢٠٠٤ م).
كما تسلَّمت هيئةُ الإذاعةِ البريطانية (BBC) نُسخًا من الكتابِ بتاريخ. (٢٠ إبريل ٢٠٠٤ م).
كما أُرسلت نُسَخٌ منه بتاريخ (١٥ مايو ٢٠٠٤ م) إلى كلِّ المجلاَّت والمطبوعات الدوريةِ التي تُطْبع في القدس مترجَمًا إلى كلٍّ من العربية والإنجليزية والعبرية.
كما تسلَّمت بتاريخ ١٧ مايو أيضًا كل المطبوعاتِ والمجلاَّتِ الصادرةِ باللغة العربية في لندن نسَخًا من الكتاب.
كما يُباع الكتابُ الكارثةُ على شَبكةِ المعلومات الدولية "الإنترنت" في العديدِ من المواقع، مِثل موقع "أمازون" الشهير وغيرِه من المواقع، والملاحَظُ أنهم في هذه الفترة لم يَعمَلوا على تعميمِ الكتاب في البلاد الإسلامية؛
[ ٣ / ٢٨٣ ]
لأنهم يُدرِكون جيِّدًا أن رَدَّ الفعل الرسميَّ وغيرَ الرسميَّ سوف يكون قاسيًا، فكانت هذه المرحلةُ مرحلةً تمهيدية، لجسِّ نبضِ الشارع الإسلامي، ولا يَعلمُ ما في غدٍ إلاَّ الله.
* الجهود الأمريكية والصهيونية لنشر هذا الكتاب:
ذَكر "وليد رباح" رئيس تحرير "صوت العروبة" التي تَصدُر في أمريكا، حادثةً جرت له في مَطْلَع هذا العام، تتعلَّقُ بنشرِ ذلك الفرقان الحق" قائلًا: "قبل أشهُرٍ .. اتَّصل بي أمريكيٌّ يتحدَّثُ اللغةَ بلهجةِ أهل "تكساس"، وقال: أنا القسيس "إلياهو"، وأريدُ أن أقابلَك على وجهِ السرعة! قلت له: قسيس؟! كيف تكونُ قسيسًا واسمك يا سيدي "إلياهو"؟ لو قلتَ لي "جورج، ديفيد، سام" لصدَّقتُك! فقال لي بعدَ أن سمعتُ ضِحكته على الهاتف: إن معي هديةً ثمنيةً لك! فقلت له: على أيِّ حالٍ أنا على استعدادٍ للقائك، أين ومتي؟ قال: في جريدة "صوت العروبة"، قلت: هل تعرفُ المكان؟ قال: أحفظُه عن ظَهرِ قلب!! قلت له: تفضل، وذهبتُ فورًا إلى طاقم الجريدة في قاعة التحرير، وقلتُ لهم مضمونَ ما حدث، وطلبتُ إليهم أن يكونوا على أُهبةِ الاستعداد إن حَدَثَ مكروه، ويبدو أن الرجلَ كان يتحدثُ من هاتِفِه المحمول، فما هي إلاَّ دقائقُ ووجدتُه أمامي، رجل طويلُ القامة أشقرُ الشعر، يَرتدي بدلةً منمَّقةً، ويحملُ بيده شنطةً من نوع "سمسونايت"، وقال لي بلغةٍ مكسَّرةٍ ممطوطة: شلام العليكم، فقلت له: وعليكم السلام، تفضل واجلس، فقال: لا أريدُ أن آخذَ من وقتِك الكثير، ثم فَتَح حقيبتَه، وأخرج منها شيئًا ملفوفًا بورقٍ فضيٍّ
[ ٣ / ٢٨٤ ]
لامع، وقال: تفضلْ هذه هديتي لك، قلت له مازحًا: أمتأكِّدٌ أنت أنها ليست قنبلة؟ فأنا أعرفُ عاداتِكم تمامًا، فضحك وقال: بل هي حياةٌ جديدةٌ أَعرضُها عليك، وقام بفَضِّ الغلافِ الفَضِّي، وقَدَّم لي كتابًا قرأتُ عنوانَه بالعربية "الفرقان الحق"، وتركته يتحدَّثُ على سَجِيَّتهِ في الاقتصاد والسياسة والمال والأعمال والحياة التي سأعيشُها لمدةٍ تزيدُ على نصفِ ساعة دونَ أن أقاطعه، ثم قلتُ له: كم؟ فقال: ماذا تعني؟ قلت له ثانية: كم؟ فضحك وقال: أقصاه واحد، وقلتُ له: بل اثنين، فقال: ليكنْ، فقلت له: ماذا تعني بواحدٍ أو اثنين؟ قال: مليون أو اثنين مليون دولار، قلت: وما شروطُك؟ قال: أن يُنْشَرَ هذا الكتابُ على حلقاتٍ في "صوت العروبة" شَرْطَ أن تُضاعَفَ الطبعاتُ لمراتٍ عشرٍ على الأقل.
قلت له: نحن صحيفةٌ صغيرةٌ ومتواضعةٌ، فلماذا لا تَذهبُ إلى الصحف المشهورة والعالمية؟ قال: نحن لا نريد حاليًا إلاَّ الجاليةَ العربيةَ والمسلمة في أمريكا، ونحن نعرفُ أن الجاليةَ العربيةَ والإسلاميةَ في أمريكا تقرأُ "صوت العروبة"، ثم تَمَلْمَلَ الرجلُ في جِلسته وقال: لقد أخذتُ من وقتِك الكثير، سوف أتَّصلُ بك لاحقًا لتعلنَ لي موافقتَك وتُحدِّد ميعادًا للنشر.
ويُضيفُ رئيسُ تحرير "صوت العروبة" قائلًا: غادَرَ الرجل، وفَتحتُ الكتاب، فإذا به باللغتين العربية والإنجليزية معًا: وقرأتُ مقدِّمتَه التي تقول: "إلى الأُمة العربية خاصةً .. وإلى العالم الإسلاميِّ عامةً، سلامٌ لكم ورحمة من الله القادِرِ على كل شيء .. يُوجَدُ في أعماقِ النفسِ البشرية أشواقٌ للإيمان الخالصِ والسلامِ الداخليِّ والحرية الروحيةِ والحياةِ الأبدية ..
[ ٣ / ٢٨٥ ]
وإننا نَثِقُ بالإلهِ الواحِدِ الأوحدِ بأن القُرَّاءَ والمستمِعين سيَجِدون الطريقَ لتلك الأشواق من خلالِ "الفرقانِ الحق" .. إنَّ خالقَ البشريةِ يُقدِّمُ هذه البركاتِ السماويةَ لكلِّ إنسانٍ بحاجةٍ إلى النور بدون تمييزٍ لعُنصرِه أو لونِه أو جِنسِه أو لُغتِه أو أصلِه أو أُمَّتِه أو دِينهِ .. فاللهُ يهتمُّ كثيرًا بكل نَفْسٍ على هذا الكوكب .. أُوحيَ إلى الصفي .. تَرجم معانية المهدي!!.
ثم تصفَّح رئيسُ التحرير الصفحةَ الأولى منه، فإذا بها البَسملة التي تقول: "باسم الآب الكلمة الروح الإله الواحد الأوحد (٢) مُثلِّثِ التوحيد موحِّدِ التثليث ما تعدد (٣) فهو آبٌ لَم يلد (٤) كلمةٌ لم يولد (٥) رُوح لم يفرد (٦) خلاَّقٌ لم يخلق (٧) فسبحانَ مالِكِ المُلك والقوةِ والمَجد (٨) مِن أزلِ الأزلِ إلى أبدِ الأبد".
ثم عَرَّج على سورة الفاتحة التي تقول: "هو ذا الفرقانُ الحقُّ نوحِيه فبلِّغْه للضالِّين من عِبادنا وللناس كافةً ولا تَخْشَ القومَ المعتدين".
تقول بسملتهم: "بسم الأب الكلمة الروح الإله الواحد الأوحد، مُثلِّث التوحيد، موحِّد التثليث ما تعدد".
وهي خَلطٌ واضحٌ لمعنى "الإله"، فهو الأبُ كما زعمت النصارى، ومثلَّثُ التوحيد، وهو الإلهُ الوحد الأحدُ كما يعتقد المسلمون.
وفي سورة (الثالوث: ٦) زعموا كُفرًا: "ونحن اللهُ الرحمنُ الرحيمُ ثالوثٌ فردٌ إلهٌ واحدٌ لا شريكَ لنا في العالمين".
فأيُّ طفلٍ يُصَدِّقُ وحدانيةَ الله -﷿- بعد هذا السياقِ الثالوثيِّ الساذج؟! وأيُّ معادلةٍ تحتملُ الوحدانيةَ والثالوثيةَ، ثم الخاتمةَ بأنه لا شريك له؟!.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
وهم كما يقول البوصيري:
جَعَلوا الثلاثةَ واحدًا ولَو اهتدوا … لم يَجْعَلوا العَدَدَ الكثيرَ قليْلًا (^١)
* إِثباتُ صَلْبِ المسيح:
وفي سورة (الصلب: ١٠) قالوا: "إنما صَلَبوا عيسى المسيحَ ابنَ مريم جسدًا بشرًا سويًّا وقَتلوه يقينًا".
وهم بذلك يردُّون قول الله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٧].
عَجبًا للمَسيحِ بينَ النصارَى … وإلى أيِّ والدٍ نسَبُوهُ؟!
أسْلمُوه إلى اليهودِ وقالوا … إنهم بعدَ ضَرْبهِ صَلَبُوهُ
فإذا كانَ ما يقُولون حقًّا … وصَحيحًا فأيْن كانَ أبُوه؟!
حين خَلَّى ابْنَه رَهِينَ الأعَادي … أتراهُم أرْضَوْه أمْ أغْضَبُوه؟
فلَئِن كانَ راضيًا بأذاهم … فاحْمَدوهُم لأنهم عَذَّبوه
ولئن كانَ ساخطًا فاتركُوه … واعبُدوهُم بأنهمُ غَلبُوه (^٢)
* تشويهُ صورة الإِله:
ومن الأهداف الخبيثة لهذا الكتاب تشويهُ صورةِ الإله، وهذا التشويهُ يؤكدُ أن لليهود دَورًا كبيرًا في إعدادِ هذا الكتاب، ومِن صُورِ هذا التشويه:
_________________
(١) "منظومة البوصيري في الردِّ على النصارى" (ص ٧).
(٢) "تفسير القاسمي" (٣/ ٤٠٨).
[ ٣ / ٢٨٧ ]
إنكارُ أسماءِ الله الحسنى:
فقد أنكر هؤلاء الأقزامُ أسماءَ الله الحسنى وصفاتِه العُلى إنكارًا سافرًا بقولهم كفرًا: "إنَّ أهلَ الضلال من عِبادنا أشركوا بنا شركًا عظيمًا فجعلونا تِسعةً وتسعين شريكًا بصفاتٍ متضاربةٍ وأسماءٍ للإنس والجانِّ يدعونني بها وما أنزَلْنا بها من سلطان، وافتَرَوا علينا كذبًا بأنَّا الجبَّارُ المنتقمُ المُهلِكُ المتكبِّرُ المُذِلُّ، وحاشا لنا أن نتَّصفَ بإفكِ المفترين ونُزِّهنا عما يصفون" (الثالوث ٨: ١٠)!!.
وَصفُ إله المسلمين بصفاتٍ قبيحة:
ووصَفَ الكتابُ إلهَ المسلمين -حَسْبَ زعمِه- بالشيطان: " .. وقام منكم ناعٍ يَنْعِقُ بنقمةِ الباطل على الحقٍّ، وحِقدِ الكفرِ على الإيمان، ونُصرةِ الشرِّ على الخير، فكان لوحي الشيطان سميعًا" (المسيح: ١٥).
وتكرر هذا الوصفُ في أماكنَ كثيرة: "والذين آمنوا بالإنجيل الحقِّ وعمِلوا الصالحات، أولئك هم خيرُ البرية، والذين كفروا وآمنوا بالشيطان ورُسُله أولئك هم شرُّ البرية" (الإخاء: ٨).
"يا أيها الناس إنما تُتلى عليكم آياتُ الشيطان مضلِّلات، لِيُخرجَكم من النور إلى الظلمات، فلا تتبعوا وحيَ الشيطان، واتخذوه عدوًا لدودًا" (الإخاء: ١٥).
تشويهُ صورة الرسول - ﷺ -:
وأما عن موقفِ القرآنِ الأمريكي من الرسول - ﷺ -، فحَدِّث ولا حَرَج، فلقد بَلَغت وقاحةُ مَن أعدُّوا هذا الكتابَ مبلغًا كبيرًا، حيث وَصفوا الرسولَ - ﷺ - بصفاتٍ هم أحقُّ بها وأهلُها، ومِن هذه الصفات:
[ ٣ / ٢٨٨ ]
الأفَّاك: يقول كتاب أمريكا: "وحَذَّرْنا عبادنَا المؤمنين من رسولٍ أفَّاكٍ تَبَيَّنوه من بيِّنات الكفر، وعَرَفوه من ثمارِ أفعاله، وكَشفوا إفكَه وسِحرَه المبين، فهو رسولُ شيطانٍ رجيم لقومٍ كافرين" (الأنبياء: ١٨).
إنكارُ رسالته: لا يُقِرُّ الكتابُ برسالةِ محمدٍ - ﷺ -، ويقول: "وما بَشَّرْنا بني إسرائيلَ برسولٍ يأتي من بعدِ كلمتِنا، وما عساه أن يقولَ بعد أن قُلنا كلمةَ الحقِّ، وأنزلنا سُنَّةَ الكمال، وبَشَّرْنا الناسَ كافةً بدِينِ الحق، ولن يجدوا له نسْخًا، ولا تبديلًا إلى يوم يبعثون" (الأنبياء: ١٦).
وَصفُ الرسولِ - ﷺ - بالطاغوت:
وقد خَصَّه بسورة (الطاغوت)، واتَّهمه فيها بإشعالِ الحروب، وإخراج الناس من النورِ إلى الظلمات، والسَّلبٍ، والزنى، والكفر .. وفي سورة (الشهادة: ٤١): "وعَلَّم الأميين كافرٌ، فزادهم جهلًا وكفرًا".
وصفُه بالغواية والضلال: ويقول في سورة (الإعجاز ٥: ٩): "وما نُرسلُ من رسولٍ إلاَّ لخيرِ عِبادنا يُريهم صراطنَا المستقيم، وأمَّا مَن أغواهم وأضلَّهم فهو رسولُ شيطانٍ رجيم، فصراطُه عِوَجُ، وإعجازُه عُجمة، ونُورُه ظُلْمة، فلا تتَّبِعوه، ولا تُنصتوا له، واتخذوه مهجورًا، ولا يزالُ الذين كفروا في مِريةٍ من الفرقانِ الحقِّ حَتى تأتيَهم الساعةُ بغتةً أو يأتيَهم عذابٌ مقيم، ومِن الناس مَن يجادلُ فيه بغيرِ علمٍ ولا هُدًى ولا كتابٍ منير".
وجوب عصيان الرسول - ﷺ - وخيانتُه:
ويُوجبُ الكتابُ عصيانَ الرسول - ﷺ - كما، يَعُدُّ طاعةَ الرسول - ﷺ - والرجوعَ له في التنازع، والإيمانَ به، وعدمَ خيانته، وعدمَ عصيانه: من الشرك بالله! كما جاء في سورة (المشركين: ٥٠).
[ ٣ / ٢٨٩ ]
والفرقان الأمريكي يُنكِرُ القرآنَ الكريمَ ورسالةَ الرسول - ﷺ -: "وما نزَّلنا عليكم كتابًا، أو سورةً، أو آيةً، ولا أوحينا إليكم قولًا بلسانِ أحدٍ منكم، وما ألْهمناه، ولكن شُبِّه لكم فصَدَّقتموه، فَضَللْتُم سواءَ السبيل" (التنزيل: ٢: ٢٤).
وزَعم بأن القرآنَ الكريمَ من الأساطير: "وقام منكم مَن انتَحَل أساطيرَ الأولين اكتَبَها وأُمليت عليه، بُكرةً وأصيلًا، وهي إفكٌ افتراه وأعانه عليه قومٌ آخرون" (الأساطير: ١، ٢).
ويصفُه بالكُفر والمرُوق: ففي سورة (الزنى: ١١) في "ضلالهم المبين"، الكلمة التالية: "ووَصَّينا عبادَنا ألاَّ يَحلِفوا باسمنا أبدًا وجوابُهم نَعَمْ أَوْ لا، فقلتم بأن من كان حالفًا فلْيَحْلِفْ باسمِ الإله أو يَصمُت، وهذا قولُ الكَفَرة المارقين".
* تشويه صورة الإِسلام والمسلمين:
ومِن أهدافِ فرقان أمريكا تشويهُ صورةِ الإسلام المسلمين، فوَصَفهم مؤلِّفُ هذا العَفَنِ بأقبحِ الصفات، ويَستخدمُ فرقانُهم أقسى عباراتِ القَذْع والقَدْحِ والشَّتمِ ضدَّ المسلمين، ويَصِفُهم بأبشعِ الأوصاف، وَيقدَحُ في إلههم ودينِهم ونبيِّهم وقُرآنِهم بعباراتٍ فيها من العَداءِ واللددِ والحقدِ والخصومةِ ما يَفوقُ الوصف.
وكثيرٌ مما وَصَفَ به القرآنُ الكريمُ اليهودَ والنصارى أسقَطَه على المسلمين، وذلك بعد تحريفِ الآيات لتحقيقِ هذا الغرض، حتى إن أسماءَ الموضوعات (السور) تنضحُ بهذا الحِقدِ والعَداء مثل: "الماكرين، والأميين،
[ ٣ / ٢٩٠ ]
والمفترين، والطاغوت، والكبائر، والمحرِّضين، والبهتان، والكافرين".
ويمكنُ القولُ: إن الكتابَ يدورُ كلُّه من أوَّله لآخِرِه على المسلمين ونبيِّهم والكتابِ الذي أنزله الله عليه: لا يَشتُمُ غيرَهم، ولا يحاولُ أن يَخْتِلَ أحدًا عن دينهِ سواهم، ولا يترك شيئًا أيَّ شيءٍ في دينهم دونَ أن يُسفهِّه ويُزْرِيَ به مناديًا إياهم في مُفتَتَحِ كلِّ سورةٍ تقريبًا من سور "ضلالهم المبين" بـ "يا أَهل الجهل"، أو "يا أهل الظلم من عبادنا"، أو "يا أيها الذين ضلُّوا من عبادنا"، أو "يا أيها الذين أشركوا من عبادنا الضالين"، أو "يا أيها الذين كفروا من عِبادنا الضالين"، أو "يا أيها المنافقون من عِبادنا الضالين"، أو "يا أيها المفترون من عبادنا الضالين"، أو "يا أهل التحريف من عبادنا الضالين"، ولكن لِمَ يا تُرى؟ السببُ هو أن المسلمين يُوحِّدون اللهَ ولا يَنسِبون له وَلَدًا سبحانه! ولأنهم يُصَلُّون له وحدَه ولا يُشرِكون في عبادتِهم له أحدًا من خَلقِه، قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨].
° أو لَم تجِدوا في طولِ الأرض وعَرضِها على رَحْبها واتِّساعها مَن يَحتاجُ إلى الهِدايةِ إلاَّ المسلمين؟ أوَ لَم يأتِكم نبأُ عُبَّادِ البقرِ أو عُبَّادِ النارِ أو عُبَّادِ الشيطانِ أو الشيوعيين مثلًا؟ أَوَقَدْ نَسيتم ما كنتم تقولونه في اليهود الذين تتهمونهم بقتل ربِّكم؟! ألَا يَحتاجُ أيُّ مَن هؤلاء أن تُولُوه شيئًا مِن هذا الحَنان الزائفِ الذي تُغدِقُونه علينا بالإكراه والذي تُسمُّونه: "المحبة"؟.
ثم تقولون لنا بعد ذلك: إن دينَكم هو دينُ المحبة! أيَّةُ محبةٍ تلك التي تُسوِّلُ لكم التطاولَ علينا واتِّهامَنا مع ذلك كلِّه بأننا نحن المعتدون القاتِلون اللصوصُ السارقون، وفي الوقت الذي تَهجمون فيه على بلادِنا وتُدمِّرونها
[ ٣ / ٢٩١ ]
تدميرًا، وتُقتلون رجالَنا ونساءَنا وأطفالَنا، وتَسرِقون بترولنا، وتحتلُّون بلادَنا، وتُعذِّبوننا وتُهينوننا وتنتهكون أعراضَ نسائِنا، وتَضربوننا بالقنابل والصواريخ والطائرات والدبابات والبوارج .. إلخ؟! إن جنودَكم ومجنَّداتِكم يَعتدون على إخواننا وأخواتِنا في السجون والمعتقلات في أرض الرافدَينِ بكسرِ عظامهم، وإبقائهم عَرايا في صَبَارَّة الشتاء مع غَمْرِ الزَنَازين بالماءِ الوَسخ حتى لا يستطيعَ المساكينُ النوم، وتسليطِ الكلابِ المتوحشةِ عليهم تَنهشُ خُصَاهم وغراميلَهم فينزِفون حتى الموت، فضلًا عن اغتصابِ النساء والفتياتِ العفيفاتِ اللاتي يُفَضِّلنَ الموتَ بعد خروجِهنَّ من المعتقل على الحياة مع هذا العار، طالِبين منهم ومنهن أن يشتمُوا اللهَ ورسولَه (^١)، قائِلين: إنهم جاؤوا إليهم يَحمِلون رسالةَ المحبة، وهم لم يَحمِلوا إلاَّ رسالةَ اللواط والسِّحاق والتعذيب والتقتيل والتدمير البربريِّ الذي لا يتركُ شيئًا يمرُّ عليه إلاَّ جعله أنقاضًا وأحجارًا، لا يُعْفي من ذلك
_________________
(١) نشرت جريدة "الجمهورية" (الأحد ٦ من ذي الحجة هـ - ١٦ من يناير ٢٠٠٥) أن محكمةً عسكريةً أمريكية أدانت الجندي الأمريكي "تشارلز جرانر" الحارس السابق في سجن أبو غريب بتهم تعذيب وإساءة معاملة السجناء العراقيين في الفضيحة التي فجَّرت سُخطًا واشمئزارًا دوليًّا واسعًا ضد الولايات المتحدة، قالت هيئةُ المحلَّفين العسكرية المؤلَّفة من عشرةِ أعضاء إن "جرانر" ٣٦ عامًا مُدان في كل الاتهامات الموجهة إليه، وهي سوء معاملة معتقلين، والعجز عن حماية معتقلين من تعرضهم لتجاوزات وأعمال وحشية، وخدش حياء، وعرقلة عمل القضاء. وذكر محامي الدفاع أن موكِّله وحُرَّاسًا آخرين كانوا يتبعون "تعليمات رئاسية مستمرة تطلب منهم تقليل مقاومة المعتقلين"، وقد وُصف التعريف "جرانر وزميليه الآخرين" بأنهم كانوا كِباشَ فداءٍ قُدمت للمحاكمة لحماية ضباط كبار بالجيش الأمريكي.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
مَدرسةً ولا مَصنعًا ولا مَتحفًا ولا بيتًا ولا مسجدًا؟ أيَّةُ محبةٍ جئتمونا بها أيها الوحوش؟ أيُّ جنونٍ ذلك الذي طَوَّع لكم أننا يمكنُ أن نتركَ توحيدَنا الطاهرَ العظيمَ، وندخلَ معكم في تثليثكم وتصليبكم؟ فلتحتفظوا بهذه المحبةِ لأنفسِكم بدلًا من اللُّهاثِ وراءَ إضلالِ مَن هداهم الله وعافاهم من هذا الرِّجس، وذلك البلاءِ والعياذ بالله!.
ويُوغِلُ في ذمِّ المسلمين ووصفِهم بأقبح الأعمالٍ، فيقول في سورة (الكبائر: ٣) "فسيماؤكم كفرٌ وشركٌ وزنًى وغزوٌ وسَلبٌ وسَبْيٌ وجَهلٌ وعصيان".
ويصف الفرقانُ الأمريكيُّ الشريعةَ الإسلاميةً، بأنها شريعةُ الكفر والقتلِ والضلالِ (الهدى: ٤٨)، كما وَصف الدينَ الإسلاميَّ بأنه دينٌ لَقيط: "ولا تَغْلُوا في دينٍ لقيط، ولا تقولوا علينا غيرَ الحق المبين".
ويصفُ الفرقانُ المزعومُ شِرْعةَ المسلمين فيقول: "فشِرعةُ أهلِ الكفرِ شِرعةُ قومٍ حُفاةٍ، عُراةٍ، غُزاةٍ، زُناةٍ، أميِّين مُفتَرِين، ومُعتَدين ضالِّين ظالمين" (سورة الجنة: ١٤).
ولقد خَصَّص أصحابُ هذا الإفك سورةً من سُورِه للنَّيل من أصحابِ رسولِ الله - ﷺ - هي "سورة الرعاة"، وفيها هِجاء للصحابة والعربِ الأوائِل الذين حَمَلوا الإسلامَ إلى العالَمين، والذين يُحاولُ أولئك اللصوصُ السُّطَاةُ أن ينالوا منهم بالقولِ بأنهم لم يكونوا متحضِّرين ولا أغنياءَ، بل كانوا مجردَ رعاةٍ، وكان التلاميذَ الذين كانوا يَلتفُّون حولَ المسيح ﵇ كانوا من أصحابِ القصورِ ومِن خرِّيجي الجامعات، ولم يكونوا من صيَّادِي السمكِ والعُرْجِ والبُرْصِ والعُمْيِ والمخلَّعين والممسوسن والعشَّارين
[ ٣ / ٢٩٣ ]
والخُطاةِ -على حَسب ما جاء في الأناجيل نفسها-!.
إننا بطبيعةِ الحال لا نَبغي أن ننالَ من الفقراءِ والمساكين والمسحوقين، فنحن لسنا من أغنياءِ القومِ ولا من السادة، لكننا أردنا فقط أن نُنبِّهَ هؤلاء المأفونين إلى مَدى السُّخفِ والسفالةِ التي ينساقون إليها في العدوانِ على ديننا ورسولِنا وصحابتِه الكرام.
وبالمناسبة فلم يكنِ الصحابةُ جميعًا من الرعاة، بل كان فيهم التجارُ والزُّرَّاعُ والصُّناعُ والعلماءُ والقادةُ العسكريون، وكان منهم الأفرادُ العاديون والرؤساء، وكان منهم العربُ وغيرُ العرب، كما كان فيهم كثيرٌ ممن كانوا هُودًا أو نصارى ثم أسلموا .. وهكذا يستمر هؤلاء الأفَّاكون المجرمون إلى آخِرِ السُّوَر الشيطانيةِ المفتراةِ كذِبًا على الله (^١).
* القرَان الأمريكي يلغي فريضة الجهاد:
من أهمِّ الأهدافِ الخبيثة لهذا الكتاب: العملُ على استعبادِ المسلمين، وذلك بإرغامِهم على تركِ الجهادِ في سبيل الله، ودَفع الضرِّ عن أنفسِهم، وتركِهم للسلاح، فيحتلُّ هؤلاء الكفرةُ بلدانَنا ونكون خُدَّامًا مطيعين لهم فيها، وسببُ ذلك خوفُهم من الجهاد، ورغبتُهم في نشرِ ثقافةِ الاستسلام
_________________
(١) لقد أخبر الله تعالى في كتابه أن الكافرين قلوبهم تغلي حقدًا وبغضًا على أصحاب رسول الله - ﷺ - فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].
[ ٣ / ٢٩٤ ]
والخضوع والضعف والجُبن في ديار المسلمين وعقائدِهم، فقد زعم هذا "الفرقان" أن اللهَ سبحانه لم يأمرْ بالجهادِ في سبيله، وحَرِص على نَفي هذه الشعيرةَ، وبدا هذا الحرصُ في أكثرَ مِن مكان؛ لهدمِ هذه الفريضة، ويَصِفُها أنها مِن تحريضِ الشيطان: "وزعمتم بأننا قلنا: قاتِلوا في سبيل الله، وحرِّضوا المؤمنين على القتال، وما كان القتالُ سبيلَنا، وما كنَّا لنحرِّضَ المؤمنين على القتال، إنْ ذلك إلاَّ تحريضُ شيطانِ رجيمٍ لقومٍ مُجرِمين" (الموعظة: ٢)، وبَلَغ به حدُّ إنكارِ الجهادِ بأن سمَّى إحدى سوره بسورة (المحرضين: ٥٧)!.
أما فيما يُسمَّى: "سورة الطاغوت"، فإنه عند مهاجمته لشريعةِ الجهاد التي يتَّهمُها زُورًا بالعُدوانيةِ والظلم وتقتيل الأبرياء، يَنقلُ على نحوٍ محرَّف ما جاء في سورة "التوبة" ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١]، إذ يقول: "وافترَوْا على لساننا الكَذبَ: بأنَّا اشتَرَينا من المؤمنين أنفسَهم بأن لهم الجنةَ يقاتِلون في سبيلنا وعدًا علينا حقًّا في الإنجيل، ألَا إن المُفتَرين كاذبون .. " (الطاغوت: ٨).
* وواضحٌ أن الأفَّاكين قد أسقَطوا عِدَّة كلماتٍ من الآيةِ القرآنية الكريمةِ عمْدًا، حتى لا يُضْطرُّوا إلى الإقرارِ بأن في التوراةِ أمرًا بالقتال دفاعًا عن النفس والعِرْض فقط كما في الإسلام، بل بالقتل بدافعِ الكراهية للأمم الأخرى وإبادتِها لمجردِ الإبادة، وهو ما يَعضُدُ قولَ مَن قال: إنَّ هذا "الضلال المبين" هو ثمرةُ التعاون الأثيم بين الصهيونية والصليبية، فلذلك
[ ٣ / ٢٩٥ ]
يَعملون على إظهارِ اليهودِ في صورة المسالم البرئ.
وفي سورة (الموعظة)!! ما يؤكِّدُ توافُقَ هذه الحربِ على الإسلام والاستماتةَ في استسلامنا لهم، ونَشرِ ثقافةِ الذلِّ والخنوع لجبروتهم والتخاذلِ أمامَ سَطوتهم وإجرامهم: "زعمتم بأنا قلنا: قاتِلوا في سبيل الله وحرِّضوا المؤمنين على القتال، وما كان القتالُ سبيلَنا، وما كنا لنحرِّضَ المؤمنين على القتال، إنْ ذلك إلاَّ تحريضُ شيطانٍ رجيم لقومٍ مجرمين" (الموعظة: ٢).
فهل أصبح الجهادُ إجرامًا؟! وهل أصبح أمرُ الله بتحريضِ المؤمنين قولَ شيطانٍ رجيم؟! تعالى الله عمَّا يقولون عُلوًّا كبيرًا.
وفي سورة "الصلاح" المكذوبة نَفيٌ لمعاداةِ الكافرين والبراءةِ من الضالين المُلحِدين بقولهم افتراءً على الله: "يا أيها الذين ضلُّوا من عِبادنا هل ندلُّكم على تِجارةٍ تُنجيكم من عذابٍ أليم؟ تحابُّوا ولا تباغضوا، وأحِبُّوا ولا تكرهوا أعداءَكم، فالمحبةُ سُنَّتُنَا وصراطُنا المستقيم، وسكوا سيوفكم سككًا ورماحكم مناجلَ ومِن جنى أيديكم تأكلون".
ويتوالى الجُرْمُ الأعظمُ والتعدِّي على الله -﷿- بقولهم رفضًا للقرآن العظيم في السورة ذاتها: "ولا تطيعوا أمرَ الشيطانِ ولا تُصدِّقوه إنْ قال لكم: كلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا واتقوا الله إن الله غفور رحيم".
ويتواصلُ الرفضُ لاستخدامِ القوة في قتالِ الكفار أعداءِ الله بقولهم في السورة المزعومة نفسها: "وكم من فئةٍ قليلةٍ مؤمنةٍ غَلبت فئةً كثيرةً كافرةً بالمحبةِ والرحمةِ والسلام"!! وهم يَعنُون بهذا قول الله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ
[ ٣ / ٢٩٦ ]
قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩].
• والجهادُ كما أخبَرَ المعصومُ - ﷺ - ذُروةَ سَنامِ الإسلام، فقال: "رَأسُ الأمْرِ الإسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ" (^١).
ويُخْطئ مَن يظنُّ أن الجهادَ في الإسلام هو فقط حَملُ السلاح ضدَّ العدوِّ، وهذا ما يحاولُ أن يروِّجَ له أعداءُ الجهاد، فالجهادُ في الإسلام أشملُ وأعمُّ من هذا، فمن صور الجهاد في الإسلام:
- أن يَعملَ كلٌّ في موقعِه لزيادة الإنتاج، وتحقيقِ ما يُسمَّى بالاكتفاء الذاتي، حتى لا يكونَ المسلمون عالةً على غيرهم.
- الدعوةُ للدين، والردُّ على شبهاتِ المستشرقين والمُلحدِين.
- إعدادُ العُدَّةِ للدفاع عن الدينِ والوطن مِن مطامع المعتدِين، ومِن أعظم صُورِ الجهاد ما قام به عالِمُ الذرَّةِ الباكستاني الدكتور "عبد القدير خان"، الذي ساعَد باكستان لعمل توازنٍ عسكريٍّ مع الهند، ولولا هذا لَنَشِبت حَربٌ بين الدولتين لا يَعلمُ إلاَّ الله كيف ستكون نتائجُها الوخيمةُ على العالَم أجمع.
* فالإعدادُ للقوة قَدْرَ الاستطاعة هو أمرٌ إلهيٌّ، العملُ به هو قِمَّةُ العبادة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠].
_________________
(١) حديث صحيح: رواه الترمذي في رقم (٢٥٤١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" (٢/ ٢٣١٤).
[ ٣ / ٢٩٧ ]
* تشويه معنى الشهادة في سبيل الله:
ولم يَنْسَ صاحبُ الفرقان -في غِمارِ حَملتهِ على الجهاد والمجاهدين- أن يُشوِّهَ صورَ الشهيد، وذلك من خلالِ إظهارِ كلِّ مَن يُستشهد في سبيل الله لا يقومُ بعملٍ وطنيٍّ أو دينيٍّ، وإنما "لرغبتهِ الجنسية"، ففي سورة (الروح: ٣: ١) ينكشفُ وبشكلٍ واضحٍ نياتُ هذا الكتابِ والأهدافُ التي ابتغاها مُعِدُّوه، ففيها يتطرَّفون إلى "الشهادة"، ويَعكِسُ مضمونُها هَدفَ المجموعة من ترويج هذا الكتابِ هذه الأيامَ في المناطقِ الفلسطينيةٍ، حيث العملياتُ الاستشهاديةُ التي تُنفِّذُها التنظيمات الفلسطينية في إسرائيل.
تقول السورةُ المشوَّهة والتي لا عَلاقةَ لها بالقرآن: "يا أيها الذين ضلُّوا مِن عبادنا: إذا سُئل أحدُكم عن الروح قال: الروحُ مِن أمرِ ربي، فما أوتيتم من العلم كثيرًا أو قليلًا، وما سألتُم أهلَ الذكرِ الذين بَشَّروا بالروح قبل جاهليةِ مِلَّتِكم بمئاتِ السنين، وإذا استُشهدتم في سبيل جَنَّةِ الزنى فقد نَعِمَ كَفَرةُ الرومِ قبلَكم بجنةٍ تجري من تحتها الأنهارُ يَلبسون فيها ثيابًا خُضرًا وحُمرًا متقابِلين ومتكئين على الأرائك يطوفُ عليهم وِلدانٌ ونساءٌ بخمورٍ ولحمِ طيرٍ وما يشتهون وهم الكافرون، وبَزَّت جنَّتهم جنتَّكم التي استُشهدتم في سبيلها فرِحين طمعًا بما وعدتم به من زنًى وفجور .. ".
ولم تَسلَم الجنةُ دارُ النعيم التي أعدَّها اللهُ تعالى لعباده الموحِّدين الصالحين من تحريفِ هؤلاء، فوَصفوا جنةَ المسلمين بأنها مواخرُ للزناة، ومغاوِرُ للقَتَلة، ومَخادعُ رِجسٍ للزانيات، ونُزُلُ دَعارةٍ للسُّكارى والمجرمين، كما في (سورة الكبائر: ٥٣).
[ ٣ / ٢٩٨ ]
وَيرى المؤلفُ في هذا الكتابِ أنه لا زواجَ ولا طعامَ ولا شرابَ في الجنة، وإنما كالملائكةِ يُسبِّحون بحمدِ الله، هذه هي جنةُ المؤمنين، أما الشياطينُ (ويعني بهم المسلمين) فهم في كهوفٍ تَعُجُّ بالقَتَلةِ والكَفَرةِ والزُّناة يتمرَّغون في حَمْأة الفجورٍ، تَلفَحُهم زَفَراتُ الغرائز، وتَسُوطهم شهوةُ البهائم، فهم في الرِّجسِ والمُوبقاتِ غارِقون، وفي شُغلٍ فاكهون، متَّكؤون على سُررٍ مصفوفة، والمسافِحاتُ مسجوراتٌ في المواخِرِ يطوفُ عليهم ولدانُ اللواطِ بأكوابِ الرجسِ والخمرِ الحرام، يَلِغُون فيها فلا هم يُطفؤون أُوارهم، ولا هم يرتوون" (الجنة: ١: ٤).
وحُجةُ هؤلاء الأقزام في التنفير من جنةِ المسلمين أنها جنةٌ مادية! والسؤالُ: وماذا في الجنة المادية؟ ألَا تُحبُّون الأكل؟ ألَا تُحبُّون الشُّرب؟ ألَا تُحبُّون الجِنس؟ ألَا تحبُّون التمتعَ بالظِّلالِ والجمالِ والهدوء؟ ألَا تُحبُّون أن تَستمعوا إلى الأصوات العَذبةِ الجميلة؟ ألَا تُحبُّون راحةَ البال وسكينةَ النفس بعد كلِّ هذا القلقِ الذي اصطفيناه في الدنيا؟ إنَّ من يقول: "لا" لأيٍّ من هذه الأسئلة، لَهُوَ ثُعْلُبَانٌ كذابٌ أَشرٌ عريقٌ في النفاقِ والدجل! فما الحالُ إذا عرفنا أن هذه المُتَعَ الفردوسيةَ ستكونُ مُتَعًا صافيةً مبرَّأةً مِن كلِّ ما كان يَتلبَّسُ بها على الأرض مِن نُقصانٍ ونَفادٍ ومَللٍ أو كِظَّةٍ وغَثيانٍ أو قلقٍ وآلامٍ وأوجاعٍ وإفرازاتٍ وعِلَلٍ وتعبٍ وكَدْحٍ وصِراعٍ وخوفٍ، وكذلك مِن كلِّ ما كان يَعقُبُها من إخراجٍ وتجشُّؤٍ وفتورٍ وإرهاقٍ ونومٍ ومرضٍ .. إلخ؟.
لقد ذُكر القرآنُ المجيدُ أن أهلَ الجنة ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وأنهم سيَبْقَوْن ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨]، فما وجهُ التنطُّعِ والاشمئزازِ الكاذبِ إذن؟.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
لقد لاحظَتُ أن الذين يُزْرُون على جَنَّةِ القرآن هم من أشدِّ الناس طلبًا للدنيا وتطلُّعًا إليها وانخراطًا فيها وسُعارًا محمومًا خَلفَ لذائذِها، ومنهم هؤلاء المُبشِّرون الذين كانوا ولا يزالون يُمثِّلون طلائعَ الاستعمارِ والاحتلالِ الغربيِّ لبلادنا وبلادِ كلِّ الشعوبِ المستضعَفة، ذلك الاستعمارُ الذي يريدُ أن يستمتعَ بطيباتِ الحياة دونَنا، ويتركُ لنا الجوعَ والفقرَ والجهلَ والمرضَ والقذارةَ والذِّلَّةَ والتخلُّفَ والشقاءَ! أليس مُضحِكًا أن يأتيَ هؤلاء بالذات ليُظْهِروا النفورَ من تلك اللذائذ؟ فمَن هم إذن يا تُرَى الذين سُعروا بحبِّ الجِنسِ على النحوِ الذي نَعرفُه في بلادِ الغرب واقعًا مَعِيشًا، وأدبًا مكتوبًا، ولَوحاتٍ مصوَّرَةً، وأفلامًا عاريةً، ومسرحياتٍ عاهرة؟.
أفإن جاء الرسولُ الكريم - ﷺ - وقال لنا: إنكم ستستمتعون بهذه الطيباتِ في الجنة، لكنْ مصفَّاةً مما يَحُفُّها هنا على الأرض من أكدارٍ وشوائب، ومصحوبةً بالمحبة بين أهلِ الجنةِ، ومشاهدتِهم لوجهِ ربِّهم العظيم ذِي الجلال والإكرام، وتمتُّعِهم بالرضا الإلهي السامي عنهم، وانتشائِهم بالتسبيحات الملائكية حولَهم، نَلْوِي عنه عطْفنا، ونشمخُ بأنوفِنا، ونُبْدِي التأففَ والتنطُّس؟ إنَّ هذا -وَايْم الحق- لَنِفاقٌ أثيم!.
سنسمعُ هؤلاءِ المنافقين المنغمِسين في شهواتِ الجسدِ يتحدَّثون بتأفُّفٍ عن هذه اللذائذِ التي لا تَليقُ في نظرِهم ببني الإنسان، وهم الذين يمارِسون اللِّواطَ والسِّحاق مما يَنزِلُ بهذا الجسدِ وصاحبهِ أسفلَ سافلين.
وها هو السيدُ المسيحُ ﵇ نفسُه في الفقراتِ التي سَبقت جوابَه على سؤال اليهود، حين أراد أن يُوضِّحَ ملكوتَ السماوات، وهو ما يُقابلُ الجنةَ عندنا، ضَرَبَ لمستمعيه مثلًا مِن عُرْسٍ أقامه أحدُ الملوك لابنه أَوْلَمَ فيه وليمةً
[ ٣ / ٣٠٠ ]
قُدِّمتْ فيها الذبائحُ والمسمَّنات، وحَضرها المدعوُّون وقد لَبِسوا الحُلَلَ التي تَليقُ بهذه المناسبةِ السعيدة، فعلامَ يدلُّ هذا؟ وهل يَختلفُ يا تُرى عما نقولُه نحن عن الجنة؟ أَوَلَمْ يَقُلْ (مرقس: ١٤: ٢٥، ولوقا: ٢٢: ١٨): "إنه سيشربُ عصيرَ الكَرْمة في ملكوتِ الله جديدًا"، أي على نحوٍ آخَرَ غيرِ ما كان عليه في الدنيا، وهو ما يقولُه الإسلام؟ أو لم يقلْ لتلاميذِه: إنهم سيأكلون ويشربون معه على مائدته في الملكوت (لوقا: ٢٢: ٢٩ - ٣٠)؟ فما الفرقُ بين الشرابِ والطعامِ وبين الجنس؟ أليست كلُّها مُتَعًا من مُتَعِ هذه الدنيا التي تتأفَّفون منها نُفاقًا ورياءً، وأنتم غارقون فيها إلى أذقانكم؟.
ثم أين كان آدمُ وحَوَّاءُ في بَدءِ أمرهما؟ ألم يكونَا في الجنةِ؟ فماذا كانا يفعلانِ هناك؟ يقول "كتابكم المقدس": "إن هذه الجنةَ كان فيها أشجارٌ حسنةُ المنظرِ طَيبةُ المأكل، وإن الرجلَ يَتركُ أباه وأمه ويَلزمُ امرأتَه فيصيرانِ جسدًا واحدًا، وإن آدمَ وزوجَه كانا عُرْيانَينِ لا يشعُرانِ بخجل، وإن الله قد ضَمِن لهما الخلودَ فيها .. " إلخ (تكوين: ٢: ٨ - ٩، ٢٤).
فما معنى كلِّ هذا؟ وماذا كان أبوانا الأوَّلان يعملانِ في الجنة؟ أكانا يكتفيانِ بتمضيةِ وقتهما في التأملات الروحانيةِ واضعَيْنِ أيديَهما على خُدودهما ليلًا ونهارًا؟ كذلك يتحدَّثُ "بولس" في رسالته الأولى لأهل كورنتس (١٥: ٣٥ فصاعدًا) عن "الأجساد الأخروية" التي لا تَعرفُ الفسادَ ولا التحلُّلَ، والتي يُسمِّيها أيضًا بـ "الأجساد السماوية" و"الأجساد الروحانية"، وفي السِّفْر المسمَّى بـ "رؤيا القديس يوحنا" وَصْفٌ مفضَّلٌ لكثيرٍ من مُتَعِ الفردوسِ وعَذاباتِ الجحيم، وكلُّها ماديةٌ كالمُتع والعذاباتِ التي نَعرفُها في دنيانا هذه، مع التنبيهِ بين الحين والحين إلى أن كلَّ شيءٍ من هذه
[ ٣ / ٣٠١ ]
الأشياءِ سيكونُ جديدًا، ولا يجري عليه ما كان يَجري على نظيرِه في الأرض من فسادٍ ونقصان، وهو ما لا يختلفُ عما قلناه، فلِمَ التعنُّتُ إذن ومهاجمةُ الإسلام نفاقًا وحِقدًا؟!. ولعلك -أخي الحبيب- تعرفُ سببَ تنفيرِهم من الجنة وسَلْبِها ما فيها من نعيم، إنهم يريدون تشويهَ صورتِها في أعيُنِ المسلمين؛ حتى لا يَعمَلوا لها ويُقبِلوا على ملذَّاتِ الدنيا دونَ النظرِ إلى جنةِ الآخرة وما فيها من نعيم مقيمٍ أخبَرَ به الصادقُ الأمين، فقال فيما أخبر عن ربِّ العالمين: "أعْدَدْتُ لعبَادِي الصَّالحينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأتْ، وَلَا أذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤُوا إنْ شِئتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (^١).
* بثُّ الشبهات حول الإِسلام:
لقد أثار واضعوا هذا الكتاب الكثيرَ من الشبهاتِ الساقطةِ التي باستطاعة المسلم العادي -فضلًا عن العالِم- أن يقومَ بالردِّ عليها، وهم بذلك يَهدِفون إلى تشويهِ صورةِ الإسلام عند غيرِ المسلمين ممن لا يعرِفون عن الإسلام إلاَّ اسمَه .. ومن هذه الافتراءات:
١ - الزعمُ أن بالقرآن أخطاءَ لغويةً ونحويةً!!:
بمنتهى الصفاقةِ زَعم "شورش" أن القرآن الكريمَ احتوى على أكثرَ من (١٠٠) خطإٍ لغويٍّ في قواعد النحو، أما الفرقانُ الجديد فليس به أخطاء، وكنا نودُّ منه أن يذكرَ لنا هذه المواضعَ، والحقيقةُ أن كتابَ "الفرقان" المزعوم
_________________
(١) رواه البخاري في "بدء الخلق" برقم (٣٠٠٥)، ومسلم في "الجنة وصفة نعيمها" برقم (٥٠٥٠).
[ ٣ / ٣٠٢ ]
يَطفحُ بالأخطاء الساذجة التي لا يقعُ فيها طفلٌ في المرحلةِ الابتدائيةٍ، ولكنْ يأبى اللهُ إلاَّ أن يكشفَ سِتْرَ هذا الكذاب، وسوف أنقلُ بعضًا من أخطائِه اللغويةِ الساذجةِ التي سقط فيها سقوطَ الجرادل:
* بدأ الكلام بواو العطف:
هل رأيتم أحدًا قطُّ يبدأ كلامًا جديدًا له بواو العطف؟ إن هذه الواو إنما تعنى أن هناك كلامًا سابقًا، وأن الكلام الحاليَّ هو امتداد لفظيٌّ ومعنويٌّ له، وهو ما لا وجودَ له هنا؛ لأن هذه هي بدايةُ السورة، وهل قبل البدايةِ شيء؟ وعلى رغم وضوح المسألة -بل نصاعتها- فإن هؤلاء اللصوصَ لا يُراعُون هذه البديهيةَ في عالَم النحوِ والكتابةِ والأساليب، فتجِدُهم يقولون مثلًا في مطلع "سورة الطهر": "ودعانا الشيطانُ بأسماءٍ قُبْحَى غيَّبها بأسماءٍ حُسنى مكرًا منه .. ".
وكذلك في مطلع سورة "الرعاة" و"الإيمان" و"الحق" و"الطهر" و"الزنى" و"المعجزات و"الضالين" و"الصيام" و"الماكرين" و"الأميّين" و"الصلاة" و"الملوك" و"الهدى".
* "رمتني بدائها وانسلَّت":
هذا "الشورش" الدجَّال الذي يَدَّعي وجودَ الأخطاءِ في القرآن، وأتى بُفرقانِه المليءِ بالأخطاءِ مِن رفعِ "خبر كان"، ونَصْبِ "الفاعل" كما في سورة "الصلاة: ٣" والجهل بالضمائر، وعدم التفريق بين "جَمع المؤنَّثِ السالم"، و"جمع التكسير"، ونصبِ "المضارع" بغير ناصبٍ، وهذا لا يفعلُه إلاَّ خَواجة أعجميٌّ لا يَعي شيئًا من العربية .. فكيفَ يدَّعي هذا المأفونُ بأن
[ ٣ / ٣٠٣ ]
فرقانه مُنزَّلٌ من ربِّ العالمين؟! ..
فدعْ عنك الكتابةَ لست منها … ولو سَوَّدتَ وجهَكَ بالمِدادِ
* كيف يكون الفرقان بلغة العرب؟!:
أمرٌ آخرُ من التناقض وقع فيهِ هؤلاءُ العُلُوجُ، فقد ردَّدوا ما جاءَ في كتابنا العزيز من أنه ما مِن نبيٍّ أُرْسِل إلاَّ بلسانِ قومه، فما معنى نزول هذا "الضلال المبين" بالعربية؟ بل بالعربية المسجوعة؟ معناه أنه نَزل للعرب؛ لأنهم هم الذين يتكلَّمون العربية، أليس هذا هو ما تقتضيه العبارةُ التي قالها هؤلاء العُلوجُ، والتي سرقوها بنصِّها من القرآن المجيد ووضعوها في هذا الموضع الدَّنِس؟ بَيْدَ أنهم يقولون: إنَّ النبوةَ لا تكونُ إلاَّ في بني إسرائيل، فليس للعرب فيها -إذن- أيُّ نصيبٍ (حقدًا منهم على إسماعيل وأُمِّه هاجر، التي يقولون إنها أَمَة، وابنُ الأمَة لا نصيبَ له عندهم في البركة النبوية).
وبطبيعةِ الحال فالعربُ لا يُمكنُ أن يكونوا قومَ نبيٍّ من بني إسرائيل، إذ إن بني إسرائيل هم ذريةُ يعقوب ﵇، أمَّا العرب، فهم ذريةُ إسماعيل ﵇ هو معروف.
* هل يأتي المَلاكُ الرحيم بمكرٍ للشياطين؟!:
يقول بعد البسملة التثليثية في أول ما يسمَّى بـ "سورة الحق" -والحقُّ منها ومن مُزيِّفيها براء-: "وأنزلنا الفرقانَ الحقَّ نورًا على نورٍ مُحقًّا للحق ومُبطِلًا للباطل وإن كَرِه المُبطِلون * ففضح مَكرَ الشيطانِ الرجيم ولو تَنَزَّل بوحيِ مَلَكٍ رحيم".
بالله هل هذا كلامُ إلهٍ يدري ما يقول؟ ما معنى أنه سيَفضحُ مكرَ
[ ٣ / ٣٠٤ ]
الشيطانِ الرجيم حتى لو جاء به مَلاكٌ رحيم؟ تُرَى كيف يُمكنُ أن يأتيَ بالوحي الشيطاني مَلاكٌ رحيم؟ هل الملائكةُ تتصرَّفُ من تلقاء نفسها؟ بل هل يمكن أن يقعَ منها أيُّ عِصيانٍ لأوامرِ الله؟ ومِثلُ ذلك رَقاعةً وسُخْفًا قولُهم في الفقرة الثانية من "سورة الطهر": "ولو كنتم أنبياءَ وأُوتيتُم الحكمةَ واطَّلعتم على الغيب وأَتيتم بالمعجزاتِ دون محبةٍ، فلا حولَ لكم ولا مِنَّةً، وإنما أنتم مفترون".
كيف بالله يمكنُ أن يكون إنسانٌ ما نبيًّا مؤيَّدًا بالحكمة وعِلم الغيب والمعجزات جميعًا، ثم يرفضُ اللهُ تعالى أن يعترفَ به نبيًّا؟ فمَن الذي أرسله إذن وجَعَله نبيًّا وأيَّده بكلِّ هذه المواهبِ الإعجازية؟ إنَّ القومَ إنما يَصدُرون هنا عن الفِكرِ الوثني، إذ يتصوَّرون أن هناك إلهًا آخَرَ يُمكنُ أن يُرسِلَ نبيًّا من لدنه على غير هوَى الله فيرفضُ اللهُ مِن ثَمَّ أن يَعترفَ بنبوته.
* كيف يكون المؤمن منافقًا؟:
يقول الفرقان الأمريكي في سورة (الكبائر/ ٩) و"مؤمنين منافقين" ولا أدرى كيف يُوصَف المؤمن بأنه منافق؟!.
* التأييد بالمعجزات:
لقد زَعم هذا المخبولُ أنه قد أيَّد هذا "الضلال المبين" بالمعجزاتِ حسبما جاء في الفقرتين الرابعة والخامسة من "سورة المعجزات"، فأين تلك المعجزاتُ يا ترى؟ أَفتُوني بعلمٍ أيها العقلاء! إن النبيَّ الكذابَ صاحبَ هذا الكتاب لم يجرؤْ على الظهورِ للناس في أولِ الأمر، فكيف يمكنُ أن يكونَ قد أتى بمعجزاتٍ أراناها فصدَّقْنا به وبها، ونحن لم نتشرَّفْ أصلًا بطَلْعته الغبيَّة؟.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
* البشارة هل يمكن أن تكون للضالين؟:
وفي تلك السورة نفسها نقرأُ هذا الكلامَ العجيبَ الذي لا يُمكنُ أن يصدرَ عن أميٍّ، بَلْهَ ربِّ العالمين الذي خَلق العقلَ والبيان، فلا يُعْقَل أن يَصِلَ لهذا الدَّرْك الأسفل من العِيِّ واللامنطق، إذ جاء في الفَقرة الثامنة منها وصفًا لـ "الضلال المبين" الذي يُسمُّونه كذبًا بـ "الفرقان الحق": "صِنْوُ الإنجيل، ورَجْعُ الصَّدَى، وبيانٌ للناس كافةً، وتذكرةٌ للكافرين، ونورٌ ورحمةٌ، وبَشيرٌ ونذير، وهدًى للضالين لعلَّهم يتذكرون ويهتدون".
تُرى كيف يكونُ بَشيرًا للضالين؟ إنَّ البشارةَ إنما تكون للمهتدين لا للضالين!!.
* الزعمُ بأن الإسلامَ انتشر بحدِّ السيف:
حاول المؤلِّفُ القِزمُ إثباتَ أن الإسلامَ انتشر بحدِّ السيف، وردَّد هذه الفِرْيةَ في أكثرَ من سورة من سُورِهم المزيفةِ مثل: سورة القتل" و"سورة الماكرين" و"سورة الطاغوت"، و"سورة المحرِّضين" و"سورة الملوك" و"سورة الجزية" فقال: "وحَمَل الذين كفروا على عِبادنا بالسيف، فمِنهم مَن استسلم للكفر خوفَ السيفِ والرَّدى، فآمَنَ بالطاغوت مُكرَهًا، فسَلِم وضَلَّ سبيلًا، ومنهم مَن اشترى دِينَ الحقِّ بالجزية عن يدٍ صاغرًا ذليلًا، ومنهم مَن تمسَّك بالدينِ الحقِّ فقتلوه في سبيلنا" (الجزية: ٥).
وجاء في (العطاء: ١٠): "ورُحتم تقتلون المؤمنين من عِبادنا، وتُكرِهون الناسَ بالسيف على الكفر، وهذه سُنَّةُ المجرمين، ألَا تَعْسًا للمنافقين الذين يقولون ما لا يفعلون".
[ ٣ / ٣٠٦ ]
وفي سورة (القتل: ٥): "وبأنهم هَدَموا الكنائس، وقَتلوا القائمين عليها .. واعتديتُم على بيوتِ أَذِنَّا أن تُرفعَ ويُذكَرَ فيها اسمُنا، وهدمتُم كنائسَ وبِيَعًا يُسبِّحُ لنا فيها بالغدوِّ والآصال، وسعيتم لخرابها، وقتلتم القانتين المؤمنين من عِبادنا، وتلكم أفعالُ المجرمين".
وإمعانًا في وصف المسلمين بالقَتَلة وسَفكِ الدماء خَصَّهم بسورةٍ سماها سورة (القتل: ٣١).
وهذا الاتهام، الإسلامُ منه بريءْ براءةَ رَحِم الفيل من وَلِدِ الأتَان.
* القرآن الأمريكي وقضايا المرأة:
تناول الفرقانُ المزعومُ المرأةَ في مواضعَ كثيرة، بل خَصَّها بأربع سُورٍ هي: (النساء: ٢٤)، و(الزواج: ٢٥)، و(الطلاق: ٢٦)، و(الزنى: ٢٧)، وأثار فيها قضايا التعدد، والسَّبْي، وقِوامةِ الرجل، والميراث، وشهادةِ المرأة، وملامستِها، وزَعموا أن الإسلامَ امتَهَن المرأةَ، كما تَزعمُ جمعياتُ حقوقِ الإنسان الغربيةِ الكافرةِ بأن الإسلامَ جَعَل المرأةَ سِلعةَ تُباعُ وتُشترى بقولهم على الله كفرًا وزُورًا: "وهنَّ حَرثٌ لكم تأتون حرثَكم أنى شئتم، ذلك هو الظلمُ والفجورُ، فأين العدلُ والخُلقُ الكريم؟ وبدأنا خَلْقَكم بآدمَ واحدٍ وحواءَ واحدةٍ، فتُوبوا عن شِركِ الزنا ووحِّدوا أنفسَكم بأزواجكم .. فللزوج الذكَرِ الواحدِ زوجةٌ أُنثى واحدة وما زاد عن ذلك فهو من الشيطان الرجيم .. فالمرأةُ بشِرعتكم نصفُ وارثٍ، فللذكرِ مِثلُ حظِّ الأنثيين، وهي نصفُ شاهدٍ، فإن لم يكن رجلان فرجلٌ وامرأتان، فللرجالِ عليهن درجة، وهذا عدلُ الظالمين .. هذا خَشِيتم عليهن الفتنةَ
[ ٣ / ٣٠٧ ]
غيرةً احتبستموهن بقولكم: قَرْنَ في بيوتكن، ألَا ساءَ حُكمُ الظالمين قرارَا .. فأيُّ سلعةٍ تبتاعون، وأيُّ بهيمةٍ تقتنون وتسوسون؟!.
وقالوا: "يا أيها الناس: لقد زنى مَن كان أحد أربعة: مشركًا بزوجته أخرى، أو مُطلِّقَها دون زناها، أو زوجَ مطلقة، أو ذا عينٍ زانية، وفعلٍ ذميم" (الزنى: ١٢).
ويقول: "مَن طلّق زوجتَه إلاَّ لزناها فقد زنى، ومَن أشرك بزوجته أخرى فقد زنى، وما للزاني إلى الجنة من طريق" (الطلاق: ١٠).
وجاء في سورة "النساء الأمريكية: "يا أهلَ الظلم من عبادنا الضالِّين، فقد اتخذتم من المرأة سِلعةَ تُباع وتُشترى، وتُنبَذُ نَبْذَ النوى، ومَهيضةَ الجَناح، هضيمةَ الجانب، وما كان ذلك من سُنَّةِ المُقسِطين، تقتنون ما طاب لكم من النساء كالسوائم تأسِروهن حبيساتٍ وهنَّ حَرثٌ لكم تأتون حَرثَكم أنَّى شئتم، ذلك هو الظلمُ والفجور، فأين العدلُ، فللذكر مثلُ حظِّ الأنثيَينٍ، وهي نصف شاهد، فإن لم يكن رجلانِ فرجلٌ وامرأتان، فللرجلِ عليهنَّ درجةٌ، وهذا عدلُ الظالمين، وملامسةُ المرأة نَجَسٌ تأنفون منها قائلين: إذا جاءَ أحدُكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا صعيدًا طيبًا، واتخذتم من المرأةِ مَوْرِدَ غريزةٍ تطلبونها أنَّى شئتم ولا تطلبكم، وتُطلِّقونها أنَّى شئتم ولا تُطلِّقكم، وتهجرونها ولا تهجركم، وتضربونها ولا تضربُكم، وتُشركون بها مَثنى وثُلاثَ ورُباعَ وما مَلَكَتْ أيمانُكم، ولا تُشرك بكم أحدًا" (النساء: ١: ٨).
إلى غير ذلك من السخف الذي لا ينطلي على عاقل.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
° ويُمكن جمعُ شبهاتِ أصحابِ هذا الكتاب بالنسبة للمرأة فيما يأتي:
- تعدد الزوجات.
- الطلاق.
- مساواة المرأة بالرجل.
- ميراث المرأة.
- لمس المرأة.
* المرأة في الغرب:
ظهرت إحصائيةٌ بلندن عن وضع المرأةِ في الغرب في صحيفةٍ عربيةٍ تصدرُ في لندن، جاء في هذه الإحصائية (٢٩/ ٥/ ١٩٨٠) أن ٧٥% من الأزواج يخونون زوجاتِهم في أوروبا، وأن نسبةً أقلَّ من المتزوجات يَفْعَلْنَ الشيءَ ذاته (^١)، وقد أفادت بعضُ الإحصائيات أنه:
- يُغتصب يوميًّا في أمريكا (١٩٠٠) فتاة، ٢٠% منهن يُغتَصَبْنَ من قِبَلِ آبائهن!!.
- (١.٥٥٣.٠٠٠) حالة إجهاض أُجريت على النساء الأمريكيات سنة ١٩٨٠ م (٣٠%) منها لفتياتٍ لم يتجاوَزْنَ العشرينَ من أعمارهن.
بينما تقول الشرطة: إن الرقم الحقيقي ثلاثةُ أضعاف ذلك!!.
- ٨٢ ألف جريمة اغتصاب، منها ٨٠% وقعت في محيط الأسرة والأصدقاء.
- يتم اغتصابُ امرأةٍ واحدة كل (٣) ثوان سنة ١٩٩٧ م.
- مليون امرأة تقريبًا عَمِلن في البغاء بأمريكا خلال الفترة من (١٩٨٠ م إلى ١٩٩٠ م).
_________________
(١) "عمل المرأة في الميزان" لمحمد علي الباز (ص ١٣١).
[ ٣ / ٣٠٩ ]
- (٢٥٠٠ مليون) دولار الدخل المالي الذي جنته مؤسساتُ الدعارة وأجهزتها الإعلامية سنة ١٩٩٥ م.
- في بريطانيا (١٧٠) شابة تحمل سفاحًا كل أسبوع (^١).
* بث ثقافة الانحلال والإِباحية:
ولأن الكِتابَ الأمركي يُعَدُّ بحقٍّ مستنقعًا للقاذورات، فلا غرابةَ إذا كانوا يتعمَّدون فيه مساواةَ الطُّهْرَ بالخبث والنجاسات!! ومساواةَ النكاحِ بالزنا!! ففي سورة "الطهر" بقولهم على الله زورًا وكذبًا: "وما كان النجسُ والطمْثُ والمحيضُ والغائطُ والتيممُ والنكاحُ والهجرُ والضربُ والطلاقُ إلا كومةَ رِكسٍ لَفَظها الشيطان بلسانكم، وما كانت مِن وَحينا وما أنلنا بها من سلطان".
* وفي السورة المزعومة ذاتها منتهى التألِّي على الله -﷿- والكفرِ بما أنزل من آياتٍ بينات بقولهم افتراءً عليه: "وقُلتم إفكًا: لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلًا .. وأُمرتم باقترافه مثنَى وثُلاثَ ورُباعَ أو ما مَلكت أيمانُكم، ولا جُناحَ عليكم إذا طلقتم النساءَ فإن طلقتموهنَّ فلا يَحْلِلن لكم من بعدُ حتى ينكحن أزواجًا غيرَكم فهل بعد هذا من زنًى وفحشٍ وفجور".
تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا .. إنهم يَصِفون تعدُّدَ الزوجاتِ بالزنى، والطلاق كذلك!!.
وفي سورة "الزنا" افتروا على الله القول: "يا أهل السِّفاحِ من عِبادنا
_________________
(١) انظر: www.lahaonline.com
[ ٣ / ٣١٠ ]
الضالين: لقد دفعتم بأنفسِكم إلى الزنا بما طاب لكم من النساء مثنَىَ وثُلاثَ ورُباعَ أو ما مَلكت أيمانُكم، فعارضتم سُنَّتنا في الإنجيل الحقِّ بأن مَن نظر لأنثى بعينِ الشهوة فقد زنا بها في قلبه السقيم، ومَن أشرك بزوجةٍ أخرى فقد زنا وأوقعها في الزنا والفجور".
وتمشِّيًا مع هذه السياسةِ الإباحيةِ عاب صاحبُ الضلالِ المبينِ على الإسلام إقامةَ حدِّ الرجمِ على الزاني، فمما جاء في سورة (الزنا: ٨): "ورجمتُم الزناةَ كأنكم أبرياء، فمَن بَرَّأ نفسَه فلْيكنْ أولَ الراجمين".
* ولعلك تعرفُ -أخي الكريم- السبب، فأصحابُ هذا العفن يَغُوصون في إباحيةٍ عفنة.
* ذمُّ العباداتِ في الفرقان الأمريكي:
ولم يَنْسَ مُلفِّقو هذا الباطل المسمَّى بالفرقان أن يُشوِّهوا العبادات، فتارةً يزعمون أنها لا تُقبل، وطَورًا يُنفِّرون من أداءِ الصلاةِ في جماعة، وهاكم ما قالوه.
١) الصلاة والدعاء:
أراد المؤلِّفُ أن يَحُطَّ من شأنِ الصلاة في المساجد والدعاء، فهو يَعُدُّ الصلاة في المساجدِ والأماكنِ العامةِ من الرياء، فقال في سورة (الصلاة: ٣: ٧): "إن الذين يُقيمون الصلاةَ في زوايا الشوارع والمساجدِ رياءً كي يَشْهَدَهم الناسُ، ذلك هم المنافقون. وهم في الحقيقة لا يُصلُّون، فمَن نَوى أن يُصلِّيَ فليدخلْ دارَه، وليُغلقْ بابَه، ويُصلِّ خُفْيةً تجزيه علانيةً بعين العالمين * تُكرِّرون الكلامَ لَغْوًا كعَبَدَة أوثانٍ تظنون أنكم بالتكرار تُسْتَجَابون * إننا
[ ٣ / ٣١١ ]
نَعلم سُؤْلكم قبلما تَسْألونِ * وتُردِّدون الدعاءَ طمعًا بدخولِ الجنة، فلن تُفْتَح أبوابُ الجنة للمنافقين، أما الذين يعملون بمشيئتنا فهم الذين يدخلون".
٢) الصيام:
ولَم تَنجُ فريضة الصيام هي الأخرى من كيدهم لماذا؟ لا أحدَ يدري؟! يقول فرقانهم المزعوم في سورة (الصيام: ٣: ٨): "يا أيها المنافقون من عبادنا: إن صيامَكم غيرُ مقبول لدينا وغيرُ ممنون * فما كان الصومُ تضوُّرًا لأجَلٍ معلوم * تَتْخَمون صُوَّمًا أكثر منكم مفاطرَ وكالأنعام تَطْعَمون * تُرهقون أجسادكم ونفوسَكم نَهمًا فكأنكم ما طَعمْتم من قبلُ ولن تكونوا من بعدُ طاعمين * وتأكلون السَّنةَ في شهر جَشَعًا لِضعفكم وتضوُّركم فخيرٌ لكم ألاَّ تصوموا فإنه لا أجرَ للضعفاء والمتضوِّرين * وتكلِّحون وجوهكم وتُصعِّرون خدودَكم للناس لتَظْهَروا صائمين إنما يفعلُ ذلك القومُ المنافقون".
٣) ذبح الأضاحي:
من الشعائر التي يتقرَّبُ بها المسلمون إلى ربهم ذبحُ الأضاحي، والمسلمُ حين يذبحُ أُضحِيَتَه يَلهَجُ لسانُه وقلبُه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].
وأصحابُ هذا "العَفَن" لا يُحبُّون هذه الشعيرة، وهذا البغضُ قديمٌ وليس جديدًا، يقول شاعرُهم الأخطلُ، الذي فقد حاسةَ الحياء والتذوق:
ولستُ بصائمٍ رمضانَ طَوعًا … ولستُ بآكلٍ لَحْمَ الأضاحي (^١)
_________________
(١) "البداية والنهاية" لابن كثير (٩/ ٢٦٣).
[ ٣ / ٣١٢ ]
وانظر إلى "الفرقان الباطل" وهو يقول: "يا أهلَ العُدوان من عِبادنا الضالين: تَسفِكون دماءَ البهائم أُضحياتٍ تبتغون مغفرةً ورحمةً من لدُنَّا عما اقترفَتْ أيديكم من قتل وزنًى وإثمٍ وعدوان * إنما أُضحيةُ الحقِّ قلبٌ طهيرٌ يتفجَّرُ رحمةً ومحبةً وسلامًا لعبادِنا ورِفقًا بالبهائم، فلن ينالَنا لحومُها ولا دماؤها ولكن ينالُنا تقوى المتقين" (الأضحى: ٧).
ومن الواضح أن مَثَلهم حين يتظاهرون بالعَيب على دينِ ربِّ العالمين كَمَثَل المومسِ التي لا يُعجِبُها عِفَّةُ الحرائرِ الشريفاتٍ، فتَذهبُ تَعِيبُهنَّ قائلةً في تَبَاهٍ وتشامخٍ كاذبٍ داعر: إنها عشيقة لفلانٍ وفلانٍ من أكابرِ القوم وليست زوجةً لرجل لا هو صاحبُ شهرةٍ ولا ذو منصب كبير من السِّفلة المجرمين! ماذا في إفرادِ الله ﷾ بالعبادةِ والصلاةِ والصيام؟ وماذا في الصلاة في المساجد بحيث يُزْرِي عليها الكَفَرَةُ المارقون؟.
وماذا في الأضاحي؟ إنكم تُظْهِرون الشفقةَ عليها، فهل نَفهمُ مِن هذا أنكم لا تذبحون الحيواناتِ ولا تأكلونها؟ وهل يَكرهُ اللهُ من عباده أن يُطْعِموا مِن أضاحيهم الفقراءَ والمساكين؟ فأين المحبةُ والرحمةُ التي تُصدِّعون رؤوسَنا بها ليلَ نهار؟ أم أن اللحمَ لا يَصلحُ إلاَّ إذا كان مِن جَسَد المسيحِ تأكلونه كما يَفعلُ الوثنيون؟ كيف يا إلهي يأكلُ الإنسانُ جَسَدَ ربِّه وَيشربُ دَمَه؟ (^١) والذي يجعلُكم تُبغضِوننا وتحقِدون علينا إلى يوم الدين! إننا حينَ نَذبحُ الأضاحي إنما نذبحُها ليَطْعَمَ معنا منها المحتاجون والجائعون لا ليتمتعَ برائحتها اللهُ ربُّ العالمين، وكأنه إله من آلهة الوثنيين حسبما
_________________
(١) "البداية والنهاية" لابن كثير (٩/ ٢٦٣).
[ ٣ / ٣١٣ ]
صوَّرتموه في "الكتاب المقدس" لديكم، ولذلك تُتْرَك فلا يَأكلُ منها أحد.
* وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] الذي سرقتموه كعادتكم ونقلتموه إلى "ضلالكم المبين" دون فهمٍ، كالحمارِ الذي يَجلسُ إلى مكتبٍ ويُمسِكُ كتابًا بحوافرِه يظنُّ أنه بذلك سيكونُ من الآدميين الذين يفهمون.
* إِنكار النَّسْخ في القرآن:
أنكر صاحبُ هذا الضلال النسخَ في القرآن فقال: "وافتريتم على لسانِنا الكذبَ، وقلتم بأننا متى نَنسخُ من آيةٍ أو نُنسِها نأْتِ بخير منها أو مثلها، فما أخطأنا ولكن كنا غافلين" (النسخ: ٨).
وقد عابوا على رسول الله - ﷺ - بأنه أتى بالنسخ، ويُكفِّرونه من أجلِ ذلك، وتناول ذلك في صورةٍ سماها (سورة النسخ: ٤٥).
إبطال القِصاص:
وَيَعُد صاحب "الفرقان" القِصاصَ من أحكام الجاهلية، فقال في سورة (الحكم: ١٠): "أفحكم الجاهلية تبتغون، بأن النفسَ بالنفس، والعينَ بالعين، والسِّنَّ بالسِّنَّ، إنْ هو إلاَّ سُنَّة الأوَّلين، وقد خَلَتْ شِرْعةُ الغابرين" (^١).
ويقول في "سورة العطاء": "يا أيها الذين ضلُّوا من عبادنا، لقد قيل لكم: النفس بالنفس والعينُ بالعين والسِّنُّ بالسن .. ".
_________________
(١) انظر "قراءة في الكتاب المزعوم - الفرقان الحق" للدكتور محمد سالم بن شديد العوفي الأمين العام لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف.
[ ٣ / ٣١٤ ]
ويعودُ هذا الغافل في الفقرة السادسة فيقول بخصوص هذه الآية نفسها: "ورحتم تُضِلُّون المهتدين وتفترون علينا الكذبَ إنه لا يفلح المفترون".
فشورش هنا يَعيبُ على الإسلام أنْ سَنَّ تشريعَ القِصاص، ولا يَدري هذا الجاهلُ أن هذا تشريعٌ وَرَد في التوراة التي يُسمِّيها بالعهد القديم، وهذا هو النصُّ جاء في القرآن الكريم: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] أي كتبنا على بني إسرائيل، ولا أحدَ في اليهوديةِ أو النصرانيةِ إلاَّ ويؤمنُ بأن التوراةَ هي من عند الله، والقرآنُ لم يَقُلْ شيئًا آخَرَ غيرَ هذا.
وجاء ذلك فيما يسمَّى (سورة الحكم/ ١٠): "أَفَحُكْمَ الجاهلية تبتغون بأن النفسَ بالنفس والعينَ بالعين والسِّنَّ بالسن إنْ هو إلاَّ سُنَّةُ الأولين وقد خَلَتْ شِرْعةُ الغابرين".
الحلفُ بالله محرمٌ في القرآن الأمريكي:
لقد وردت في الفقرة الحادية عشرة من (سورة الزنى: ١١) في "ضلالهم المبين" الكلمة التالية: "ووصَّينا عبادَنا ألاَّ يحلِفوا باسمنا أبدًا، وجوابُهم: نَعَمْ أَوْ: لا، فقلتم بأنَّ مَن كان حالفًا فلْيَحلِفْ باسمِ الإله أو يصمت، وهذا قولُ الكَفَرةِ المارقين".
تحطيم مبدأ الولاء والبراء:
وكي يُمرِّرَ استراتيجيةَ تحسينِ الصورةِ له في بِقاع المسلمين وخَلخلةِ
[ ٣ / ٣١٥ ]
نَمُوذجهم العقدي فيما يتعلَّقُ بالولاءِ والبراء، فقد ضَمَّنوا هذا الكتابَ ما يتَّفقُ والسياقَ العقديَّ المرغوبَ فيه الخاليَ من أيِّ موقفٍ دينيٍّ صارمٍ تُجاهَ أعداءِ الإسلام، فيذكر في سورةِ ما يقال عنها "الصلاح" المكذوبة من نفي المعاداة الكافرين، والبراءة من الضالين والملحدين بقولهم: "يا أيها الذين ضَلُّوا من عِبادنا هل ندلُّكم على تجارةٍ تُنجيكم من عذابٍ أليم، تحابُّوا ولا تباغَضوا، وأحِبُّوا ولا تكرهوا أعداءكم، فالمحبةُ سنَّتُنا وصراطُنا المستقيم .. وسُكُّوا سيوفَكم سككًا ورماحَكم مناجلَ ومِن جنى أيديكم تأكلون".
ويستمرُّ الإجرامُ في منهجيته في الآياتِ المزعومة القائلة: "وكم من فئةٍ قليلةٍ مؤمنةٍ غَلبت فئةً كثيرةً كافرةً بالمحبةِ والرحمةِ والسلام"!!.
• وقد كان النبي - ﷺ - يُبايعُ أصحابَه على الولاءِ للمسلمين والبراء من الكافرين، فقد قال - ﷺ -: "أبايعُكَ على أن تعبدَ اللهَ، وتُقيمَ الصلاةَ، وتؤتيَ الزكاة، وتُناصِحَ المسلمين، ونُفارِقَ المشركين" (^١).
° قال أبو الوفاء بن عقيل: "إذا أردت أن تعرفَ محلَّ الإسلام من أهلِ الزمان، فلا تنظرْ إلى زِحامهم في أبوابِ المساجد، ولا ضجيجِهم في الموقفِ بـ "لبَّيكَ"، وإنما انظرْ إلى مواطأتِهم أعداءَ الشريعة، عاش ابنُ الرَّاوندي والمَعَرِّي عليهما لعائن الله يَنظِمون وينثرون كُفرًا .. وعاشوا سِنين .. وعُظِّمت قبورُهم، واشتريتُ تصانيفهم، وهذا يدلُّ على برودة الدين في القلب" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح: رواه النسائي في "البيعة" (٦ - ٤١)، وصححه الألباني في "صحيح النسائي".
(٢) "الآداب الشرعية" لابن مفلح (١/ ٢٦٨).
[ ٣ / ٣١٦ ]
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١].
* صدق الله العظيم: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢].
صَدَق اللهُ وكَذَب "شورش"، كما كذب "رشاد خليفة" من قبله الذي ادَّعى النبوةَ، وزَعَم في مطلع عام ١٩٨٠ أن جبريل - ﷺ - قد أتاهُ بالوحي، ثم أخزاهُ اللهُ ووَجدت الشرطةُ جثَّته في فبراير عام ١٩٩٠ مضرجةً بالدماء في مطبخِ منزله، وتبيَّن بعدَ المعاينة أنه قُتل ذبحًا وطَعنًا بالسكاكين، وبعد عامين على مَقتلِه أُعْلِن عن إلقاءِ القبض على بعضِ أتباعِه بتهمةِ ارتكابهم لجريمةِ القتل، وكان مقتل "رشاد خليفة" موضوعَ غلافٍ لمجلة "المجلة السعودية" التي تصدُر في لندن (العدد رقم ٥٣٦ الصادر في ٢٢ مايو ١٩٩٠" (^١).
* يبقى القرآنُ ما بَقِيَ الحق، ويذهبُ الدجَّالون الكذَّابون إلى مزابلِ التاريخ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨].
* وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣].
_________________
(١) "القرآن الأمريكي أضحوكة القرن الحادي والعشرين" (ص ٥١).
[ ٣ / ٣١٧ ]
* وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤].
° يقول المستشرق الفرنسي "موريس بوكاي": "صحَّةُ النصِّ القرآني المَنَزَّل على محمدٍ لا تَقبلُ الجَدَل، وتُعطي النصَّ مكانةً خاصةً بين كُتبِ التنزيل، ولا يَشتَركُ مع نصِّ القرآن في هذه الصَّحَةِ لا العهدُ القديم ولا العهدُ الجديد، وسببُ ذلك أن القرآن قد دُوِّن في عصرِ النبي، ولم يتعرَّض النصُّ القرنيُّ لأيِّ تحريفٍ من يومِ أنْ أُنزِل على الرسول حتى يومنا هذا" (^١).
° ونختمُ بما قال "لاكوست" وزير المستعمرات الفرنسي: "وماذا أصنعُ إذا كان القرآنُ أقوى من فرنسا" (^٢).
* بل أقوى من الدنيا والخلائق أجمعين .. يبقى القرآن لأنه كلام الله.
* القس "رونار سوجاود":
تاريخ السويد في الإساءاتِ إلى الإسلام ورسوله - ﷺ - أسود، فالقَسُّ "رونار سوجارد" انتقد في عِظةٍ ألقاها في "استوكهولم" في ٢٠ مارس
_________________
(١) "التوراة والإنجيل والقرآن والعلم" لموريس بوكاي (ص ١٥١)، ترجمة حسن خالد المكتب الإسلامي، ونُحيل القارئ إلى ما كتبه "موريس بوكاي في كتابه "دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة" -دار المعارف- لبنان ١٩٧٧.
(٢) "قادة الغرب يقولون"، جريدة "الأيام" عدد ٧٧٨٠، الصادر في ٦ كانون أول ١٩٦٢.
[ ٣ / ٣١٨ ]
٢٠٠٥ زواجَ النبي - ﷺ - من السيدة عائشة - ﵂ - موجِّهًا عباراتٍ مسيئةً في حقِّ رسولِ الله - ﷺ - (^١).
* مجلة ناشيونال ريفيو الأمريكية:
رَوَّجت المجلة لكتابين في مارس الماضي (٢٠٠٥ م) هما "حياة ودين محمد" و"سيف الرسول" وكلاهما يحتوي على إساءاتٍ واضحةٍ موجَّهةٍ ضدَّ رسول الله - ﷺ - ولم تعتذرِ المجلة، وإنما قَبلت -تحتَ وطأةِ الضغوط- أن تُوقِف الإعلان (^٢).
* المذيع الأمريكي "جرام":
والمذيعُ الأمريكي "جرام" في إذاعةِ "دبليو. إم. إيه" الأمريكية في أغسطس ٢٠٠٥ م يَصِفُ الإسلامَ بأنه منظمةٌ إرهابية، ويُردِّدُ عباراتٍ مثلَ "المشكلة ليست التطرفَ، بل المشكلةُ تكمُنُ في الإسلام نفسِه"، و"نحن في حربٍ مع منظمةٍ إرهابية تُدعى الإسلام" (^٣).
أما آخر ما ابتُلي به الإسلامُ من عنصريةِ وإهاناتٍ، فكان وَصفُ المذيع الأمريكي الذي كان يَصفُ الحجَّ من الطائرة الهليوكبتر لإذاعة (KFI) الأمريكية بأن الحجيجَ هم قطيعٌ من الماشية (^٤).
_________________
(١) مقال "التاريخ الأسود للهجوم على الإسلام" لنفيسة عبد الفتاح مجلة "الأسبوع" العدد ٤٦٤ (ص ١٢) - ١٤ من المحرم ١٤٢٧ هـ - ١٣ من فبراير ٢٠٠٦ م.
(٢) نفس المصدر.
(٣) نفس المصدر.
(٤) نفس المصدر.
[ ٣ / ٣١٩ ]
* قناة إِباحية فرنسية تُهين القرآن:
فوجئ الناسُ بعد الرسومِ الكاريكاتيرية الدنماركية بالإعلام الفِرنسي المرئيِّ يتبنَّى حَملةً جديدةً وسافرةً تُسيئُ إلى الإسلام وتَفوقُ في خطورتها أزمةَ الرسوم الكاريكاتيرية، حيث يبثُّ القمرُ الأوربي طوالَ الساعة إرسالَ قناةٍ إباحية تحمل " XXL " هذه القناة التي ترفع شعار الجنس والابتذال في كلِّ ما تبثه، لجأت إلى فكرةٍ شيطانيةٍ حيث استبدَلت الموسيقى التصويرية لمشاهد الجنسِ والغرام بآياتٍ من القرآن الكريم لمشاهير القرَّاء في الوطن العربي والإسلامي (^١).
* اليهود المغضوب عليهم ورسم النبي - ﷺ - في صورة …:
ما اقترفه اليهودُ في حق نبيِّنا - ﷺ -، وحق إسلامنا فوقَ الوصف، ومسلسلُ الإهاناتِ التي اقترفها المستوطنون الصهاينة -المدعومين من أمريكا والغرب- بحق القرآنِ الكريم تمزيقًا وتدنيسًا، وبحق المساجد الإسلامية بكتابةِ الشعاراتِ المُهينة للإسلام والمسلمين على جُدرانها وباغتصابِ الجزء الأكبر من "الحرم الإبراهيمي"-بمدينة الخليل- وحتى برسم رسول الله - ﷺ - في صورة خنزير!! (^٢).
* ملكة الدنمارك "مارجريت":
"إن للدانمرك تاريخًا طويلًا من الإساءات للإسلامِ والمسلمين، أهمُّها أن ملكة الدنمارك "مارجريت" ألفت كتابًا عن الحضارة الأوروبية، وكانَ
_________________
(١) نفس المصدر.
(٢) جريدة "النبأ" -عدد ٨٦١ (ص ١٤) - الأحد ٥/ ٣/ ٢٠٠٦.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
طَرَفُ النَّقيض لتلك الحضارة العظيمة طبعًا هو الإسلام، فتهجَّمت على الإسلام والمسلمين والرسول - ﷺ - " (^١).
* التطاولُ على رسول الله - ﷺ - بالرسوم الكاريكاتيرية في الدانمارك:
تعود قصةُ الرسومِ الكاريكاتيرية إلى مؤلفِ كتب أطفالِ دانماركي يُدعى kaara Bluitgen، أراد أن يُزيَّن كتابًا وضعه للأطفال عن خاتم الأنبياء - ﷺ - بصورٍ لشخصيةِ بَطَل كتابه، ولكنَّ المؤلفَ لم يجد بين الرسَّامين مَن قَبِل الفكرة، فكان أن أُقيمت مسابقة شارك فيها ١٢ رسَّامًا، وتَبنَت صحيفةُ "جيلاندر بوستن" الدانماركية اليوميةُ نَشرَ رسوماتهم المسيئة إلى الرسول - ﷺ - في ٣٠ سبتمبر ٢٠٠٥ م، حيث صوَّرته - ﷺ -. في أشكالٍ مختلفة، من بينها رَسم لوجهٍ غير مُحبَّبٍ للنبى الكريم - ﷺ -، وعلى رأسه عمامةٌ مزخرفة بالشهادة، وتظهر قنبلةٌ يدويةٌ مغروسةٌ في ثنايا هذه العمامة، ولقد صنعوا ذلك في حَملةٍ صحيفةٍ منظَّمةٍ لمواجهة ما أسمَوه "الخوف من نقد الإسلام"، وانتَقلت الصور إلى شبكةِ "الإنترنت" فيما بعد.
وعندما استفزَّت هذه الرسومُ سُفراءَ ١١ دولة إسلامية -من بينها مصر وتركيا وباكستان وفلسطين والبوسنة وأندونيسيا- طالبوا في رسائل بعثوا بها إلى رئيسِ الوزراء الدانماركي "أندرس فوراسموسن" باعتذارٍ رسميٍّ من الصحيفة، وطلبوا مقابلةَ رئيسِ الوزراء، فرفض مقابلتَهم قائلًا: "إنَّ ما
_________________
(١) "الإسلام والغرب افتراءات لها تاريخ" (ص ٤٦)، وانظر جريدة "العربي" العدد (١٥٠٠) مقال محمد حسين هيكل (ص ٢٠) (٣/ ١٢/ ٢٠٠٦) "صراع الحضارات" حيث قال: "فإن ذات الطرف رسم خنزيرًا وكتب عليه اسم الرسول الأعز الأكرم".
[ ٣ / ٣٢١ ]
نشرته الصحيفة لم يَخرجْ عن حدود القانون، وإن الحكومةَ الدانماركيةَ لا تتدخل فيما هو من حرية التعبير".
وليست هذه هي الواقعةَ الأوْلى التي تبث فيها وسيلةٌ إعلاميةٌ دانماركيةٌ إساءاتٍ إلى الإسلام والمسلمين، فقد توالت هذه الإساءات في الشهور الأخيرة، وأدين "كاي فيلهيلمسين" المعلق في الإذاعة الدانماركية بانتهاك قوانين مكافحةِ العنصريةِ بسبب إبدائه ملاحظاتٍ معاديةً للمسلمين، حيث طالَبَ بالقيام "بإبادةٍ جماعيةٍ للمسلمين في أوربا"، كما تواجِهُ محطة إذاعة "هولجر" المحلية ذات الميول اليمينية المتطرفة احتمالَ سَحبِ ترخيصها حولَ قضيةٍ تتعلَّق ببَث موادَّ عنصريةٍ ضدِّ المسلمين.
وأقدمت الصحيفة النرويجيةُ "مغازينات" بإعادةِ نشر هذه الرسوم مرةً ثانيةً صبيحةَ عيد الأضحى لتكون الشريكة الثانية، وكانت السويد الثالث وأعادت نَشْرَ الرسومِ مرةً ثانيةً صحفٌ كثيرةٌ في فرنسا وإيطاليا والمانيا وهولندا وبلجيكا والبرتغال وأسبانيا واستراليا وسويسرا وأمريكا والنرويج والسويد وروسيا، فضلًا عن إسرائيل التي أعادت نشرَ الرسومِ المسيئة إلى رسول الله - ﷺ - (^١).
بل أعادت نشرَ الرسوم صحيفةٌ في مملكة الأردن الهاشمية!!! إي والله.
"وهدَّدت مُفَوَّضِيَّةُ الاتحادِ الأوربي الدولَ الإسلاميةَ التي تقاطعُ
_________________
(١) "الإسلام والغرب افتراءات لها تاريخ" (ص ١٤ - ١٥)، ومجلة "منار الإسلام" العدد (٣٧٣) - مقال موسم التهجَّم على الذات النبوية الشريفة (ص ٦ - ٩) بقلم مدير التحرير. د. علي محمد العجلة.
[ ٣ / ٣٢٢ ]
البضائعَ الدانماركيةَ بتطبيقِ العقوبات عليها؛ لأن مقاطعةَ الدانمارك هي مقاطعةٌ لكل دولِ الاتحادِ الأوربي الخمس والعشرين!!!.
ووَصَل الأمرُ إلى حدِّ أن أحَدَ الوزراء في إيطاليا دعا إلى شن حربٍ صليبيةٍ ضدَّ الإسلامِ والمسلمين، وإلى طبع هذه الرسومِ المُسيئةِ إلى رسول الإسلام، على القمصانِ ليرتديَها ويتزيَّن بها الأوربيون "!!! بل وقام هو بلُبْسِها.
° "وفي حوار أجرته مجلة "البيان" في عددها "٢٢٢" مع الشيخ "رائد حليحل" رئيس اللجنة الأوروبية لنُصرة خير البريَّة":
البيان: ما سببُ عدم اعتذارِ الصحف الدانماركيَّة للمسلمين من سُخريتها برسولِ الله - ﷺ - وهل تَراه كافيًا لو حَدَث تُجاهَ تَصرفهم الأرعن؟
- حتى نعرفَ هل يمكنُ لهؤلاء أن يعتذروا، فإنه لا بد مِن تسليطِ الضوء على أمرٍ مهمٍّ، ألَا وهو أنَّ مِّمَا يُميِّزُ الشعبَ الدانمركي أنه معتزُّ بنفسِه كثيرًا، لا يَقبلُ النقدَ لما يقوله، ويَصعبُ عليه الاعتذار، وينظرُ لغيره -لا سيمَّا إذا كان مخالفًا له في ثقافته- نظرةَ ازدراء، وكأنهم يقولون: مَنْ هؤلاء حتى يُعلِّمونا ما يجبُ علينا؟ ولكأني بهم يريدون ﴿أَنَا خَيْر مِنْهُ﴾، هذا من ناحية، ثم ناحيةٍ ثانية: إذا عَلِمنا لماذا فَعل هؤلاءِ هذه الفَعْلةَ "ما دوافعهم وما النتائج التي يَصْبَون إليها"، فإني أستبعدُ جدًّا أن يعتذِروا، لأنهم جعلوا القضيةَ قضيةَ قِيَم ومبادئَ وطنيةٍ ناضلوا من أجلها، ومن ثمَّ ليسوا على استعدادٍ لاعتذارٍ يَعُدُّونه هزيمةً وتراجعًا، فالمسألةُ عندهم معركةُ وجود -والعياذ بالله-؛ علمًا أن مطلبَ الاعتذار يُعدُّ مناسبًا لحجم وفادحةِ تلك الجريمة، ولكن لخطورةِ الفِعل من جهة ولعِلْمِنا بطبع هؤلاء وثقافتِهم اكتفينا
[ ٣ / ٣٢٣ ]
بهذا الطلبِ على أنْ يَصْحَبَه شيءٌ من إصلاح تلك الصورة السيئة التي وَصلت للقارئ الدانمركي بأنْ يَسمَحوا لنا بإخراج بعضِ الصور المُشرِقةِ التي تُسلِّطُ الضوءَ على جوانب مشرقةٍ من حياةِ النبي - ﷺ -، وأن يكون منهم ضمانةٌ بعدم تكرارِ مِثل هذا الفعل، ولكنْ للأسف الاعتذارُ عن ذلك يُعدُّ عندهم بمثابةِ الرِّدَّة عندنا. فاللهُ المستعان.
البيان: ما دَورُ الحُكَّام -العلماء- رجال الأعمال -الشعوب- الهيئات، تجاه تلك الحملةِ الشرسةِ على رسول الله - ﷺ -؟ وهي ترى أن موقفَ المسلمين كان مناسبًا؟.
- إن حقَّ الرسولِ الكريم - ﷺ - كبيرٌ جدًّا، ولِئن كان يجبُ على المسلم الذبُّ عن أخيهِ المسلم ونُصرتُه، ولا يجوزُ له أن يُسلِمَه، ولا أن يَخذُلَه؛ فما بالُكم بحقِّ المصطفى - ﷺ -؟ وإننا نُهيبُ بعالَمنا الإسلاميِّ كلِّه أن يتحركَ حركةَ تُناسبُ الحَدَثَ من جهةِ شناعةِ الفَعلةِ، ومِن جهةِ حُرمةِ النبيِّ الكريم - ﷺ - وضرورةِ نصرتِهِ، ولقد طالَبْنا من أولِ أيام تلك المِحنةِ أن يُناضِلَ كلٌّ بحَسَبه؛ فما يُطلبُ من الحُكَّام يَعجِزُ عنه العامة، وما يُطلَبُ من العلماءِ ويُتوقَّعُ منهم لا يُجيدُه دَهماءُ الناس، وما ننتظرُ من أهل الدثور لا يُحسِنُه مَن قُدِرَ عليه رِزقُه؛ وهكذا أقولُ للجميع: كلٌّ منكم أدرى بنفسه وقُدرته، فلا يتوانَ أحدٌ عن هذه النصرةِ الواجبة: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، واللهُ -﷿- لا يُكلِّفُ نفسًا إلاَّ وسعها، فاستعينَوَا باللهِ ولا تَعجِزوا، واعلَموا أنكم إنْ ساهمتم فأنتم في معركةِ معلومةِ العواقب، فاتقوا اللهَ في رسوله علَّكم تنالون بذلك شفاعتَه يوم القيامة.
وإنني أقولها بصراحةٍ: على قَدْرِ ما كنتُ حزينًا أولَ أيامٍ الأزمة؛ لأننا
[ ٣ / ٣٢٤ ]
سَعَينا جاهِدين أن نُوصِّلَ القضيةَ للعالَم ليتحرك، وقد تناولت بعضُ القنواتِ الفضائيةِ ذلك في مَطْلَع شهرِ رمضان، ومع ذلك لم نسمعْ ما يُثلجُ صُدورَنا حتى إني كنتُ أقولُ لنفسي: أيُعقل هذا من أُمةِ محمدٍ - ﷺ - أن تَخذُلَه، وقد لُمْتُ وعاتبتُ البعضَ، ولكنَّ ما رأيتُه في هذه الأيام أعاد لي الأملَ في هذه الأمةِ وأنها ما زالت بخير والحمد لله، ولكني أُهيبُ بالجميع أن لا يكونَ ذلك رِدَّةَ فِعل عاطفية مع أن العواطفَ مطلوبة، لكنْ نأملُ أن نضعَ خُطةً متكاملةً فيها الذبُّ عن النبي - ﷺ - قولًا وفعلًا، فنواجِهُ مَن يعتدي عليه، وعلينا أن نجتهدَ في تعريفِ العالَم بشخصيةِ النبي الكريم - ﷺ - على شتَّى الصُّعُد، ولعلَّنا بذلك إنِ اجتَهدنا أن نُكفِّر عن تقصيرِنا، ونُساهمَ في رفع العقاب عنا لو سكتنا عن مُنكر عظيم كهذا.
البيان: ما رأيُك بالمقاطعةِ الإسلاميَّة لمنتجاتِ الدانمارك: هل ستؤثَّرُ سلبيًّا على المنتجات الدانماركيَّة؟ لأنَّ بعضَهم يقول: إنَّ المقاطعةَ فِكرةٌ غيرُ ذاتِ جدوى اقتصاديًّا؛ لأنِّ هذه المنتجاتِ الدانماركيِّةَ تندرجُ تحت قائمةِ الامتيازِ التجاري، فالمتضرِّرُ من المقاطعةِ هم الوكلاءُ التجاريون، الذين يَحمِلون امتيازَ بيعها في البلاد، فما رأيكم بهذا القول؟.
- موضوعُ المقطاعة من باب: "آخِرُ الدواءِ الكَيُّ "، واسمَحوا لي أن أقول: إن المقاطعة ستؤثر دون شكٍّ اقتصاديًّا على الدانمرك، لكنَّ خسارةَ الدانمرك القيميةَ والمعنوية أكبرُ بكثير من خسارتِها المادية؛ لأن خسارةَ المال قد تُعوَّضُ مثلًا من الاتحادِ الأوروبي أو غيرِ ذلك، لكن الذي خَسِرته الدانمركُ اليومَ هو سُمعتُها التي ينبغي أن تكون جميلة على مستوى العالم، وهي التي لديها مُقدَّراتٌ تُعينُها على أن تتبؤَّأ منزلة قويَّةَ في عالَمنا اليوم.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
ونحن حَذَّرنا الدانمرك أنَّ عواقبَ العِنادِ على هذه الإساءةِ قد تكونُ أكبرَ من كل التوقعات، وما حَصَل اليومَ خيرُ دليل على صِدقِ نُصحِنا للمجتمع الدانماركي، وحتى لا يتضررَ بسببِ فَعلةِ الجريدة وتغاضي الحكومة.
لذا فإن ضررَ هذه الحَملةِ لن يقتصرَ على وكلاءِ الشركات، بل على الشركات نفسِها -ولو لم يكن لها فعل في ذلك-، لكنا نعلمُ أنه ما مِن أسلوبٍ يُراد منه الضَّغطُ لانتزاع حقٍّ إلا وسيكونُ معه مِثلُ ذلك، ولكنه مفيدٌ عندما يتأثَّرُ المتضرِّرُ ماديًّا فيَضغطُ مع المسلمين المتضررين معنويًّا لانتزاع الحق بالقهرِ بعد أن سُلب ولم يرجع بالنقاش والحوار.
البيان: ما العواملُ الدافعةُ للنيْل من رسولِ الله - ﷺ -؟ وهل ذلك يُمثِّل مخطَّطًا صليبيًّا للكيد للإسلام؟.
-أرى والله أعلم- أنه في المخزون الفكري لدى غالبيةِ الأوروبيين نوعٌ من توارثِ عَداءٍ تقليديٍّ للإسلام وللنبي - ﷺ - ولو اتَّصفوا بالعلمانية؛ لذا لا أستطيعُ أن أنفي وجودَ دوافعَ دينيةٍ غيرِ ظاهرة، إلا أن الدافعَ السياسيَّ أظهر؛ وذلك من تصريحاتٍ عِدةٍ تَدُّلُّ على أن الغايةَ منها هو تحدِّي المسلمين لاستفزازِهم تمشِّيًا مع نَغَمةِ الجُرأة على الإسلام على وقع أنغام (الحرب على الإرهاب)، واختيار النبي - ﷺ - بالذات للطعنِ به، وذاك مقدِّمةٌ للطعن بدينهِ كله، ولعلمِهم بمكانته وقُدسِيته؛ فهو أفضلُ اختيارٍ لاستفزازِ المسلمين عبره.
البيان: هل ترى أنَّ هذه السخريةَ لجسِّ نبضِ المسلمين، تُجاهَ دفاعِهم عن رسول اللَّه - ﷺ -؟.
[ ٣ / ٣٢٦ ]
- إن التأمُّلَ في الواقع ليس داخلَ الدانمرك فحسب، بل على صعيدِ أوروبا قاطبةً، إن لم نَقُلْ العالَم؛ يدفعُ إلى الخشيةِ من أن تكونَ هذه الفَعلةَ عبار عن (بالون اختبار) لجسِّ نبضِ الساحة داخليًّا وخارجيًّا، ومِن ثَمَّ سيكونُ مستوى الردِّ مؤشرًا على حَجم وقوة وتفاعل المسلمين ومدى بقاءِ الإسلام حيًّا في نفوسهم، ثم يَتبعُ ذلك تعميمٌ لهذه التجربة ونتائجها، وهذا ما نخشاه أن يُجعَلَ النبي - ﷺ - مَحلَّ تجربةٍ "والعياذ بالله"، ويَعقُبُ ذلك خطوط متبنَّاة في الغرب حسبَ إيحاءاتِ مستوى ردَّةِ الفعل الإسلامي.
البيان: ألَا يتعارضُ ذلك مع حرية التعبير؟ وهل تجرؤُ الصحفُ الدانماركيَّة بفتح المجال لنقدِ الصهاينةِ وبخاصَّةٍ مسألة (الهولوكولست) التي استُغلَّت أيما استغلال مما يفضحُ ديمقراطيَّتهم المزعومة؟.
- المشكلةُ أن التخفِّي وراءَ شعارِ حرية التعبير، يُعتبرُ حَيدةً عن الحقيقة، وذلك أننا نجدُ المعاييرَ مزدوجةً، وإننا لَنعجبُ لَمَّا تكونُ الحريةُ في أوسع مجالاتها عندما يتعلَّقُ الأمرُ بالإساءة للاسلام، أما في غيرِه فإنَّا نجدُ لها حُدودًا، فإن الكلامَ عن الساميةِ عمومًا فضلًا عن التشكيك في المحرقة أصلًا أو وصفها حجمًا وكمًّا، ومجردَ الحديث عن ذلك لا يُسمح به تحتَ ذريعةِ حريةِ الرأي والتعبير؛ فهذه الأمورُ رَيبٌ وشُكوك؛ علمًا أن الحريةَ بمعناها المعروفِ أنها التي تنتهي عندما تبدأُ حريةُ الآخرين.
وقد يكون حَسَنًا هنا التنبيهُ في وقتٍ يُرادُ أن يصوَّر فيه المسلمون على أنهم الأعداءُ العِظامُ للحرية، فنقول: إن الحريةَ أمرٌ قد نادى به دينُنا حتى في أدقِّ الأمور، بل أجلِّها وهو التوحيد: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فالخلاصة أن الحريةَ تَكفُلُ لك أن تَدينَ بما تشاء، لا أن تتهكمَ بمن تشاء.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
ومن العَجَبِ أن يُطالَبَ المسلمون دائمًا باحترام الآخرين وقِيَمِهم ومقدَّساتهم مهما كانت باطلةً، ونَجِدُ في الوقت نفسه مَحِلَّ هَجمةٍ شرسةٍ علينا، فنطالَب إذًا بعملٍ متناقضٍ أن لا ننتقدَهم، وأن نقبلَ في اللحظة ذاتها إساءتهم فتأمل!.
البيان: ما دورُ عقلاءِ النصارى أمام هذه الهجمة؟ ولماذا هذا السكوتُ الكنسي عن سبِّ رسول الله - ﷺ -؟.
- إن دينَنا عَلَّمنا الإنصافَ ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨ - ٨]، وقد سَمِعنا بعضَ الأصواتِ المستنكِرةِ هنا لهذا الفعل، لكنها كانت خافتةً، وهذا طبيعي، فلن تكونَ بحجم ردَّة فعل المسلم، وما كان منها وإن كان قليلًا هادئًا ليس فيه الحماسةُ الكافيةُ، إلاَّ أنه لم يَبرُز بالشكل الكافي حتى لا يُعَكِّرَ على الجوِّ العام السائدِ الذي يريدُ تفعيلَ هذه الأزمة -للأسف-.
البيان: ألَا ترى أنْ ذلك يُسبِّب مشكلةً وخطورةً على الدانمارك، بمعنى أنه سيفتحُ عليها جبهاتٍ قد تؤذيها مَّمَا يؤجِّج ويَزيدُ حالَ العداوةِ من المسلمين تجاه الغرب؟.
- لقد حَذرْنا مرارًا الدانمارك من مَغِبَّةِ تلك الفَعلة النكراء، ولكن للأسف بدل أن يَحمِلَ كلامَنا مَحْمَلَ المُشفِقِ الناصح الأمين، حُوِّر الكلامُ حتى صُوِّر وكأنه تهديد، وقلنا مرارًا: إن هذا سيَزيدُ الإحساسَ بالغَبْن ممَّا يُضاعِفُ من مشاعرِ الكراهيةِ من المسلمين للغرب والعكس أيضًا، ولكنَّ العنادَ لم يكن يومَا طريقًا صحيحًا للحوار والتفاهم، ويُكرِّسُ الهُوَّةَ الكبيرةَ
[ ٣ / ٣٢٨ ]
بين الثقافتين إن لم يكن مقدِّمة عمليَّةً لتأجيج حربِ حضارات.
البيان: ما رأيك ببعض المواقع على الإنترنت وتدَّعي الانتسابَ للإسلام، تضعُ استفتاءً عن سبِّ الرسول - ﷺ -، وهل هو مقبولٌ بدعوى حرية الرأي أم لا؟!.
- إن قضيةَ تعظيم الرسول الكريم - ﷺ - عمومًا لا سيَّما مقابل أيِّ إساءةٍ أو إرادةِ انتقاص، فإنه ينبغي أن لا تَحمِلَ في ثناياها أيَّ ضعف، بل ينبغي أن تكون كلُّ المؤشِّراتِ في سياقٍ واحدٍ وهو التعظيم، وإني أرى أنه من الخطأ أصلًا التقليلُ من شأنها لتُجعل محلَّ نقاش، بل ينبغي أن يكون مستقرًّا أنها لا دَخلَ لها إطلاقًا بمبدأِ حريةِ الرأي، بل كان ينبغي أن يكونَ التساؤلُ حاملًا في طيَّاتِه النكيرَ الكبيرَ، وليس هذا الأسلوبَ الذي يُوهِمُ أنه من الممكن أن تكونَ هذه القضيةُ قابلةً للنقاش.
البيان: كلمتُكم تُجاهَ رجالِ الأعمال الكبار الذين قاطعوا المنتجات الدانماركيَّة؟
- من الأمور القطعية التي لا مِريةَ فيها أن حُبَّ النبي - ﷺ - أعظمُ من حبِّ الولد والوالد والمالِ بل والنفس؛ وعليه فإنَّنا نَفديه بآبائنا وأمهاتِنا، وكلُّ شيءٍ يَرخصُ فِدى رسول الله - ﷺ -، وإنَّ كلَّ مَن ضَحَّى بشيءٍ إكرامًا لرسول الله فإني أقول له: عَوَّضك اللهُ خيرًا، بل قد عوَّضك؛ لأن مجردَ حُبِّك للنبي - ﷺ - هو أخيرُ وأفضلُ من الدنيا وما فيها. وأقول للجميع: إن مَن تَرَك شيئًا لله عَوَّضه اللهُ خيرًا في الدنيا والآخرة، وإنه لَجميلٌ جدًّا أن نرى أن الكل يُعبِّرُ عن حُبِّه لرسوْلِ الله - ﷺ -؛ كلٌّ بحَسَبه، وكلٌّ بطريقته،
[ ٣ / ٣٢٩ ]
وإنه ما دامت النوايا خالصةً فإنه لا يَضيعُ شيء عند الله، ويكفي مَن يَفدِي رسولَ الله - ﷺ - أنْ يَطمَحَ إلى نَيل شفاعته يوم القيامة وصُحبتهِ في جناتِ النعيم .. اللَّهم آمين.
البيان: سمِعنا أنَّ الدانماركيين بيَّتوا نيَّةَ إحراقِ المصاحفِ في أكبرِ ساحةٍ في "كوبنهاجن"، نرجو منك التوضيحَ لملابسات هذا الحدث؟.
- الحمد والمِنَةُ لله وحده أنه لم يَحصُلْ شيءٌ من ذلك أبدًا، والقضيُة قد بدأت بالظهورِ بعد إحراقِ العَلم الدانمركي أولَ مرةٍ في فلسطين، والعَلَمُ عندهم له قدسيةٌ مما مكَّننا أن نحتجَّ عليهم ألاَّ يُنكِروا علينا انزعاجَنا من إهانةِ مقدَّساتنا كما حَصَل لهم عند إحراقِ عَلَمهم.
المهمُّ أنه بُعَيْدَ ذلك انتشرت رسالةٌ قصيرةٌ عَبْرَ الجوال، وكان انتشارُها سريعَا جدًّا -كعادةِ الفتن- ولم يُعرف مصدرُها الأصلي، وطبعًا لم تتجرَّأ أيُّ جهةِ على تبنِّيها، وكان فيها دعوةُ الشباب الدانمركي للتجمُّع في الساحةِ العامةِ يوم السبت في ٤/ ٢/ ٢٠٠٦ وذلك لإحراق المصحفِ الشريف -عياذبًا بالله- ولكن وبعدَ إبلاغنا الجهاتِ الأمنيةَ وتحذيرِنا لهم من كونِ هذا العمل سيُحدثُ رِدَّةَ فِعل أعظمَ مما أحدثته الرسوماتُ، فإنهم وَعدوا بملاحقةِ الأمرِ ومَنْع حدوثه، ونحن بدورِنا نَصَحْنا بعدم تناقُل تلك الرسالةِ حتى لا تَشيع بل تُخبت، ونَعملُ على وأدها، وفي هذا اليوم الموعود احتشد عددٌ كبير من المسلمين -لا سيَّما الشباب- مع وجودٍ مكثَّفٍ للشرطة، بل مع وجود بعضِ الدانمراكيين المتعاطفين أو الخائفين من عواقبِ هذا الفعل، وقد حصَلت هناك مواجهاتٌ ولَغَطٌ أعقبه توقيفُ البعض، وتحوِّلت الحشودُ من ساحةٍ لأخرى، ولكن باءت كلُّ المحاولاتِ بإحراقِ المصحف بالفشل
[ ٣ / ٣٣٠ ]
الذريع؛ فالحمدُ لله على ذلك؛ عِلمًا أن شعارَ المسلمين يومَها كان "لا يمكن أن يُحرَقَ المصحفُ وفِينا عِرقٌ يَنبض"، وطبعَا كلُّنا يعلمُ أن الحكومةَ ليس من مصلحتها الإذنُ بمثِل هذا الأمرِ حتى لا تُدخِلَ نفسها في أزمةٍ أكبر.
البيان: هل صحيح أن الجريدة التي رسمت صورًا مسيئةً لرسول الله - ﷺ - رَفضت قبل سنتين أن ترسمَ صورًا للمسيح عيسى بن مريم؟ وإذا كان ذلك صحيحًا أفلا ترى أن في ذلك تناقضًا صارخًا في دعاوى الحرية؟.
- نعم! لقد صرَّح غيرُ واحدٍ من المطلعين بل المتخصِّصين أن الجريدة في عام ٢٠٠٣ عُرضت عليها رسوماتٌ للمسيح ﵇ تحكي قيامتَه -عندهم-، إلا أنهم بادَروا برفضها، وعَلَّلوا ذلك أنه سيُغضِبون القُرَّاء، ولن يَروقَ لهم مشاهدةُ تلك الرسومات، وقد تُثيرُ احتجاجاتٍ هم بغِنًي عنها، وقد أورَدَتْ هذا الخبرَ جريدةٌ محليةٌ دانمركية إلى جانب المواقع العالمية.
وقد شاع خبرُ أن الصحيفةَ ستَنشرُ هذه الصورَ ورسوماتٍ عن اليهود يوم الأحد القادم، ولعل ذلك مَرَدُّه إلى مقابلةٍ أجرتها (CNN) مع المحرِّرٍ الثقافي الذي نَشَر الرسومات المسيئة لنبينا - ﷺ -، وقد رَفع أثناءَ المقابلةِ رَسْم قُنبلةٍ عليها نجمة الصهاينة؛ إلاَّ أنه بُعَيْدَ المقابلةِ وعلى موقع جريدتِهم ظَهَر اعتذارٌ واضحٌ وصريحٌ على لسان هذا الشخص امتثالًا لأمرِ رئيس التحرير يقول: لا يمكن أن ننشر شيئًا عن المسيح أو الهولوكوست، والأعجبُ من ذلك كله -وهو آخِرُ خبر- أن المخطئَ -رَغمَ اعتذاره- قد أُعطِيَ في إجازة مفتوحة، فتأمل مدى حريةِ الرأي والتعبير، وكيف أنها تُطَبِّقُ في مجالٍ وتُمنع في آخَر، ألَا ينبغي بعد ذلك كلِّه أخذ إجراءاتٍ صارمةٍ لمنع مثل هذه الترهات تحت هذه الشعارات الزائفة؟.
[ ٣ / ٣٣١ ]
البيان: هل الشعب الدانماركي يَجهلُ حقيقةَ المصطفى -﵊-؟ وبماذا تُوصي المسلمين لتبيين حقيقة رسول الله - ﷺ - للشعب الدانماركي؟.
- إنَّ ما جَرى ويجري وما واكب ذلك من مواقفَ يدلُّ بوضوح ٍعلى جَهل القومِ بشخصيةِ نبيِّنا الكريم - ﷺ -، ولكن ليس هذا هو السبب الوحيد، بل الخلفيةُ الفكريةُ والثقافيةُ التي أَقصت الدينَ عن كلِّ مناحي الحياةِ وأضعَفت في النفوسِ معانيَ الاحترام والقَداسة، كل ذلك لَعِب دَورًا كبيرًا في الجُرأةِ على نَشرِ تلك الرسومات، يدلُّ عليه موافقةٌ أكثريةٌ (حسب إحصائهم) وعدمُ مبالاة الباقين؛ لأن القضيةَ لا تعنيهم، وكأن شيئًا لم يكن؛ لذا فإنه -ولا سيَّما بعد تكرارِ نشر تلك الرسومات في أغلب البلاد الأوروبية- فإنه لا بد من السعي على جهتين:
الأولى: جهةٌ دعوية تُعنَى بتوصيل رسالةِ الإسلام وسماحتِه لهؤلاء عَبْرَ كل الوسائل المتاحة، بل ابتكارِ كل ما من شأنه أن يوصِّل هذا الصوتَ المبارك، وهنا أنصحُ بالتنسيقِ الكامل بين العلماء الربانيين وبين المثقَّفين المأمونين الذين يعون الغرب تمامًا، وكيف يمكن مخاطبتُه.
الثانية: الجهةُ القانونيَّة؛ وذلك بالعمل لاستصدارِ قانونِ دانمركي، بل أوروبي إن لم أقل عالَميًّا، يُحرِّمُ نَشرَ مثل تلك الأمورِ، بل يُعاقِبُ ويُجرِّم مرتكبيها؛ لأنه إن غابت القداسةُ لمِ يَعُد ثَّمَ وازعٌ يردع، ولم يَبْقَ إلاَّ الجانبُ القانوني؛ لأنه يُحترَمُ في الغرب ويردعُ كثيرًا لخوفهم من عواقب المخالفة؛ فإنْ تَحقَّقَ فهو خيرٌ عظيم؛ لأنه يَجلبُ مصلحةً ويدفع مفسدة.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
البيان: السؤال الأخير: سمعنا أنَّ رئيس تحرير إحدى الجرائد المتورَّطة قدَّم اعتذارًا شفهيًّا للجالية المسلمة بالدانمارك، وأنَّ الدانمارك نفسَها قدَّمت اعتذارًا للمسلمين، برأيكم هل هذا صحيح؟ وهل آتى هذا الاعتذارُ أُكُلَه، وخصوصًا أنَّ الاستهزاءَ عاد مرةً أخرى في يوم ٢٢ و٢٣ من الشهر الجاري؟
- أخي الكريمَّ، أحب أن أَشهدَ شهادةً للتاريخ أُسأل عنها أمام الله أنه حتى هذه اللحظة ١١/ ١/ ١٤٢٧ هـ لم يَصدُرْ أيُّ اعتذارٍ من جانبِ الدنماركيين على الصعيدين الرسمي أو الإعلامي من قِبَل الجريدة، عما نُشر من إساءةِ لنبينا محمد - ﷺ -.
أما من جهةِ الجريدة، فإنها إبَّانَ ظهورِ الضجَّةِ العارمة، ولا سيَّما المقاطعة التي نُودي بها في بلادِ الحرمين، فإنَّ الجريدةَ وجَّهت خطابًا -باللغة العربية- على صفحتها في الإنترنت، عنونته بـ (إلى مواطني المملكة العربية السعودية المحترمين)، وقد تضمن هذا المقالُ أغاليطَ كثيرةً، كنت قد رددتُ عليها بمقالٍ هو على صفحتنا www.islamudni.net عنونته (ردود موثَّقة على مزاعمَ ملفَّقة)، وغايةُ ما في خطابهم الأسفُ لمشاعرِ الحزنِ التي لَحِقَتْ بالمسلمين جَرَّاءَ نشرِ تلك الرسومات، وليس فيه أيُّ اعتذارٍ عنها أو عن نشرها، وكان ذلك محاولةً ماكرةً من الجريدة بعد ضغوطٍ كثيرةٍ عليها من داخل الدانمارك (سياسيًّا واقتصاديًّا) بتحميلها مسؤوليةَ ما يجري على الدانمارك، فأرادت بذلك تخفيف الحَملة ظنًّا منها أنها بذلك ستُنهي المشكلة، ولا ينقضي عَجَبُنا هنا من هذا الإصرارِ على معاملةِ المسلمين وكأنهم غيرُ عقلاء لا يفهمون ما بين السطور!.
ولَمَّا لم تَجِدْ أن رسالتَها هذه قد أفادت، ومع تزايُدِ الضغوطاتِ
[ ٣ / ٣٣٣ ]
المتراميةِ الأطرافِ عَمَدت الجريدةُ إلى حِيلةٍ عجيبة سَبَقت خروجَ رئيسِ تحريرها على التلفاز الدانماركي بلحظاتٍ وهو يتبجَّحُ قائلًا: "إن الرسوماتِ لا تخالفُ القانونَ، وإنه لن يعتذر عن نشرها"، ولكن بعد لحظاتٍ تَفَاجَأَ المراقبون بمقالهم باللغتين العربية والدانماركية وعلى موقعهم بعنوان صريح وواضح "صحيفة اليولاند بوستين تعتذر عن الإساءة للمسلمين"، وقُدِّم لمقالٍ أرسله رئيسُ التحرير لوكالة الأنباء الأردنية بجملةٍ ليست فيه أصلًا "تعتذر صحيفة اليولاند بوستين، وبما لا يَدع مجالًا للشك على أنها أهانت العديدَ من المسلمين من خلال رسومات للنبي محمد".
ولكنَّ الرِّيبة من هذا الكلام كان سيدَ الموقف؛ لأنه في ثنايا المقال ليس هناك اعتذارٌ واضح، بل تلاعُبٌ مُرِّر معه التدليلُ على قانونيةِ نشرِ تلك الرسومات، ولكنِ انجلت الأمورُ بعدَ أربعين دقيقةً تمامًا عندما سَحبوا هذا المقالَ ووَضعوا الكلامَ الأصلي بعنوانٍ مُغايِر تمامًا "حضرات المواطنين العرب"، وليس فيه تلك الجُمَلُ المصرِّحةُ بالاعتذار، وقد حصل ذلك كلُّه يومَ الإثنين ليلًا في ٣٠/ ١/ ٢٠٠٦، وكأنها مخادعةٌ إعلاميةٌ من أجل تمريرِ الخبرِ ليهدأَ العالَمُ الإسلاميُّ، وللأسف تلقَّفت بعضُ القنوات هذا الاعتذارَ المزعوم، وقامت بدَورٍ مشبوهٍ في إقناع المشاهد أن الاعتذارَ قد حَصَل، وأن الله قد كفى المؤمنين القتال.
ولَمَّا لم يُجْدِ ذلك نفعًا غيَّروا عنوان المقال فقط "حضرات المواطنين المسلمين"!.
وهكذا أصبح مقالُ رئيسِ التحرير وكأنه نصٌّ من كتابِهم المقدَّس، له عدة شروحات وتفسيرات! كيف وقد طالَعَنا رئيسُ التحرير مرارًا عَبْرَ التلفاز
[ ٣ / ٣٣٤ ]
وعلى صفحات جريدته بما يتعارضُ مع مزاعم الاعتذار؟! كان من آخرِها مقالٌ يوم ٩/ ١١/ ١٤٢٧ هـ حاول فيه إقناعَ الرأي العام عن مدى إيجابيته ومدى استعدادِه لحوارِ المسلمين كي تنتهيَ الأزمةَ، وقد ضَمَّن رسالته هذه ثلاثة شروط:
الأول: قد يَعتذرُ، ولكن عن الإساءة الناتجة عن نشرِ الرسومات، وليس عن الرسومات نفسِها ولا عن نشرها.
الثاني: مطالبتُه المسلمين بتوقيع على إقرار (الديمقراطية الدانمركية) والتي أخبرنا مرارًا أنها تُبيحُ له فَعْلَته هذه، وأن عَمَله على ضوئها قانونيٌّ تمامًا، وكأنه يُريدُ منَّا ما قاله الله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ [النساء: ٢٧].
الثالث: وهو الأدهى -وقد صَرَّح بعد سُويعةٍ من هذا المقال-: أنه لا يستطيعُ أن يَعِدَ المسلمين بعدم تكرارِ إهانتِهم مرةً أخرى!!.
فتأمل -بارك الله فيك-! أيُعقل بعدَ ذلك كلِّه أن يقال: إنهم قد اعتذروا؟؟!.
أمَّا مِن الجهة الرسميةِ، فهناك إصرارٌ على أنهم لا يُمكنُهم الاعتذارُ عن عمل الصحيفة ولا حتى التنديدِ بعملها، والذي التبس على الناسِ ما قاله رئيسُ الوزراء: إنه يُرحِّبُ باعتذارِ الجريدة (الذي بينَّا حاله سابقًا)، بينما في صبيحةِ تلك الليلة المخادعةِ عَنونت الصُّحُفُ نقلًا عن رئيس الوزراء: "لن نعتذر"، فهل يُعقل قبولُ اعتذارٍ خجولٍ وغيرِ واضحٍ ولا ثابتٍ ولو لساعات، بل حتى لم يُنشر على صحيفتِهم اليومية، بل نشروه على موقِعهم
[ ٣ / ٣٣٥ ]
لغايةِ غيرِ مخفية؟! (^١).
* الردُّ الباردُ الميِّتُ الصدمة من شيخٍ كبير على هذا التطاول الدانماركي:
نَشرت جريدة "الأسبوع" القاهرية في عددها (٤٦١) في ٢٣ من ذي الحجة ١٤٢٦ هـ ٢٣ من يناير ٢٠٠٦ م مقالًا تحت عنوان "عفوًا مولانا الإِمام: رسول الله - ﷺ - ليس مجردَ شخصٍ ميِّت" في الصفحة الثالثة عشرة، قالت فيه صاحبة المقال "زينب عبد اللاه": "قبل أن نَشْرعَ في كتابةِ هذه السطور، نؤكِّدُ أن القلم توقَّف لساعاتٍ طويلةٍ دونَ أن نعرفَ من أين وبأيِّ كلماتٍ نبدأ؟! وماذا نقول أو نكتب .. مزيجٌ من مشاعِرِ الصدمةِ والإحباطِ والحزنِ والحَيرةِ عَجَزت أمامَه كلُّ الكلمات عن التعبير.
هذه المشاعرُ شارَكَنا فيها كل مَن تَحدَّثنا معه من علماءِ الأزهر بعد أن اطَلَّعْنا على الكلماتِ التي أدلى بها فضيلةُ الإمامِ الأكبرِ شيخُ الأزهر وإمامُ المسلمين أثناءَ مقابلته التي التقى فيها مع سفير الدانمارك بالقاهرة صباح الأربعاء بمشيخةِ الأزهر .. لم نُصدِّق أنفسَنا، ولم نصدِّق حتى الأوراقَ التي صَدرت عن مكتب شيخ الأزهر والإدارة المركزية للعلاقات العامة والإعلام به، والتي تحوي هذه الكلمات التي صَدَمَتْنا أكثرَ من الإساءاتِ الدانماركية أو غيرِها من إساءاتٍ موجَّهةٍ للإسلام والمسلمين ونبيِّهم الكريم - ﷺ -، لأن هذه الكلماتِ صَدَرت عن فضيلةِ الإِمام الأكبر، وعَجَزت عن الدفاع عن الرسول، واكتَفَت بوصفِهِ مَيْتًا انتهى أجَلُه، ولا يستطيعُ الدفاعَ عن نفسه، وأنه ليس من الحكمةِ أن يُسيئَ العقلاءُ لمن لا يستطيعون الدفاعَ عن
_________________
(١) مقالة حوار مع الشيخ رائد حليحل - مجلة "البيان"- العدد (٢٢٢) - (ص ٢٦ - ٢٩).
[ ٣ / ٣٣٦ ]
أنفُسهم!!.
وقد لا يُصدَّقُ الكثيرُون أن تصدرَ هذه الكلماتُ عن شيخِ الأزهر وإمامِ المسلمين الذي وَجَب عليه الدفاعُ عن الإسلام والمسلمين بصفةٍ عامة، فما بالُنا بما يُوجَّه إلى رسولِنا الكريم - ﷺ - من إساءاتٍ، ولذلك نُفضِّل أن نستعرضَ هذه الكلماتِ كما وَرَدت بنصِّها في الأوراقِ الرسميةِ الصادرة عن مكتبِ شيخ الأزهر.
* البيان الصدمة:
فقد أَكَدَ شيخُ الأزهر -وفْقَ ما جاء بالبيان الصادر عَقبَ لقائِه بسفير الدانمارك- أنَّ مصر تربطُها علاقةٌ طيبةٌ بدولةِ الدانمارك، موضِّحًا أن الدراسةَ بالأزهر الشريف تقومُ على السماحةِ وعلى الإخاءِ الإنساني، وأن شريعةَ الإسلامِ تَعتبرُ الناسَ جميعًا إخوةً في الإنسانية!! ويضيفُ البيانُ: "ثم تطرَّق فضيلتُه في حديثه إلى ما نُشر بإحدى الجرائدِ الدانماركية التي أساءت إلى نبيِّ الإسلام محمدِ - ﷺ -، مُشيرًا إلى أنَّ الإساءةَ إلى الأمواتِ بصفةٍ عامَّةٍ تتنافى مع المبادئ الإنسانيةِ الكريمةِ، سواءً أكانت هذه الإساءةُ إلى الأمواتِ من الأنبياء أو المُصْلِحين أو غيرهم الذين فارقوا الحياةَ الدنيا (!!) فالأممُ العاقلةُ الرشيدةُ تحترمُ الذين انتهت آجالُهم وماتوا، وهذا ما تقتضيه العقولُ الإنسانيةُ السليمةُ، وفي الوقتِ نفسه نحن نُقدسُ الحريةَ .. ولكنْ الحريَّةُ في حدودِ ما أباحته القوانينُ والشرائع .. كما نوجِّهُ رسالةً إلى العالَم أجمع بأن نتركَ الإساءةَ إلى الأمواتِ الذين لا يستطيعون الدفاعَ عن أنفسِهم، كما أن شريعةَ الإسلامِ تحترمُ جميعَ الأنبياءِ من سيدنا إبراهيم وحتى سيدنا محمد - ﷺ - انتهى كلام فضيلة الإِمام وردُّه على الإساءات التي تم توجيهُها للرسول
[ ٣ / ٣٣٧ ]
الكريم - ﷺ - في بيانه وكلماتِه للسفير الدانماركي.
فهل يُعقل أَنْ يَذكُرَ إمامُ المسلمين -أو حتى أيُّ فردٍ مسلم عادي- الرسولَ - ﷺ - بأنه ميِّتٌ لا يستطيعُ الدفاعَ عن نفسه؟! وإن كان الرسولُ - ﷺ - قد مات، فهل مات المسلمون جميعًا ولم يَعُد محمدٌ - ﷺ - يَجِدُ مَن يقولُ كلمةَ حق يتصدَّى بها لمن يُسيئُ إليه؟!! كيف طاوعك لسانُك -فضيلةَ الإمام - كي تختزلَ كلَّ المعاني التي يُمثِّلُها رسولُ الله المصطفى خاتمُ الأنبياء - ﷺ - في قلوبِ ملايين المسلمين في كلِّ بِقاع الارضِ لِتضعَه في صَفٍّ واحدٍ مع زُمرةِ الأموات -وفيهم المفسدون والمصلحون، وبينهم الشخصياتُ العامة والتاريخية التي يُباح نَقدُها ونَقدُ تصرُّفاتها حتى بعدَ موتها بمئات السنين-؟!!.
وهل يُعقل أن نختزلَ مكانةَ الأنبياءِ في نفوسِ أتباعِهم لهذه الصورة؟! وهل افتَقَدْنا القُدرةَ والجُرأةَ حتى عن مجردِ ذِكرِ ما يُمثله الرسولُ - ﷺ - من مكانةٍ لدى المسلمين ووصف ما تُسبِّبُه الإساءةُ إليه من إيذاءٍ وجرحٍ لمشاعرهم؟! " هـ.
شيَّخ الشيخَ بياضُ الشَّعْرِ … وهو للأطفالِ مثل السُّخرِ
هل يُعقل أن ندافعَ عن الرسولِ - ﷺ - ونتحدَّثَ عنه بمنطقِ "الضرب في الميَّت حرام"؟!.
° يقول الدكتور "محمد مختار المهدي" - أستاذ الدراسات الإسلامية، وإمام الجمعيات الشرعية بمصر-: "إن هذا الأسلوبَ في الحديثِ عن الرسول - ﷺ - غيرُ مُوفَّقٍ؛ لأنه يَضَعُ الرسول - ﷺ - موضعَ اتهامٍ، ويَعتمدُ على أنه لا يجبُ اتهامُ من لا يَستطيعُ الدفاعَ عن نفسه لأنه مات وانتهى أجَلُه ..
[ ٣ / ٣٣٨ ]
حاشا لله.
° وقال الدكتور "العجمي الدمنهوري" - رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين، ورئيس جبهة علماء الأزهر-: "كم كنتُ أودُّ أن تختلفَ لغةُ هذا البيانِ عن هذا الأسلوبِ الضعيف.
ويتساءل: ما فائدةُ هذه الأمَّة إنْ لم تدافعْ عن نبيِّها ورسولها - ﷺ -؟! وكيف نتحدَّثُ عنه ونساويه بأي شخصٍ ميت؟! ".
إن النبي - ﷺ - لا يمكن وَضعُه في صفٍ واحدٍ مع أيّ من الأموات، وإنَّ اقتصارَ الدفاع عن الرسول - ﷺ - لمجردِ أنه ميت فقط يُمثل إهانةً لشخصه الكريم، كما أن الموتَ ليس معيارًا للدفاع عن كل مَن ماتوا فمنهم المفسدون ومُجرمو الحروب الذين يَخضعون للنقد والتقييم في كل زمانٍ ومكان .. إنَّ القرآنَ الكريمَ نفسَه قد ذَكَر بعضَ الطُّغَاةِ ممن انتهت آجالُهم وماتوا -مثلَ فرعونَ وهامانَ وقارونَ وقوم عادٍ وثمود-، الذين قال الله فيهم: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَة ..﴾، فهل يعقل أن نضعَ رسولَ الله - ﷺ - في صفٍّ واحدٍ مع هؤلاء لكونهم موتى؟!.
إنَّ محمدًا - ﷺ - يَعيش بقِيَمِهِ وتعاليمِه وأحاديثه وآدابِه في نفوسِ ما يَزيدُ على مليار مسلم .. وإن الإساءةَ إليه هي إساءةٌ لكلِّ المسلمين.
• ولقد قال رسول الله - ﷺ -: "الأنبياءُ أحياء في قبورهم يُصَلُّون" (^١).
_________________
(١) صحيح: رواه أبو يعلى (٣٤٢٥) وتَمَّام في "الفوائد" (٥٨) .. وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٣٨٦): "رواه أبو يعلي والبزار، ورجال أبي يعلى ثقات" .. وصححه العلامة الألباني في "صحيح الجامع" (٢٧٩٠) و"الصحيحة" (٦٢١) .. وصححه أيضًا الشيخ حسين الداراني محقق "مسند أبي يعلى".
[ ٣ / ٣٣٩ ]
* وكم ذا بمصر من المُبْكيات!!!:
لم يكد يمر شهرٌ على هذا البيانِ الصدمة حتى فاجأتنا جريدةُ "النبأ" بعنوانٍ كبير بالصفحة الأولى في عددها (٨٦١) الصادر في ٥ مارس ٢٠٠٦ م الموافق ٥ من صفر ١٤٢٧ هـ "الشيخ عبد الصبور عضو مجمع البحوث الإسلامية: الشذوذُ حلال، وزنا المحارِم حريةٌ شخصية"!!.
° ثم في الصفحة الثالثة يُطالعُنا مقال "عبد المؤمن قدر" وحواره مع الشيخ "الدكتور عبد الصبور الكاشف" أحد أعضاء مجمع البحوث الإسلامية -وكان كبير أخصائي الترجمة بالمجمع، وحاليًا على درجةِ وكيل وزارة بالأزهر الشريف، حاصل على ليسانس لغات وترجمة من جامعة الأزهر، واستكمل دراسته في الأدب الإنجليزي من جامعة "كاليفورنيا"، وتَدرَّج في المناصب إلى أن أصبح حاليًا عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية-، وجاء في قوله: "إنَّ الإنسانَ جاء إلى الدنيا، وَيعيشُ فيها مجبورًا في صورةِ مختار، فإذا قَتل إنسان إنسانًا آخَرَ فلا يجبُ أن يعاقَب، لأنه مجبورٌ على ذلك".
° ويقول: "هناك مسلمون لا يُصلُّون ولا يصومون، ولكنْ أفعالُهم مقبولةٌ عند الله، وهم أولياءُ، وعلى درجةٍ كبيرة من العبادة".
ويعتقدُ الدكتور "الكاشف" أن التشريعاتِ تختلفُ من العامة إلى الخاصة، وضَرَب المثالَ بنفسه أنه لا يُصلِّي، ومع ذلك على درجةٍ كبيرةٍ من الدين، وله صَلاتُه الخاصةُ التي تختلفُ عن العوامِّ (!!) وتزدادُ درجةُ الحديثِ مع الشيخ "عبد الصبور الكاشف" -عضو مجمع البحوثِ بالأزهر الشريف- سُخونةً، حين يُطلِقُ فضيلتهُ عددًا من الفتاوى الغريبة، لعلَّ
[ ٣ / ٣٤٠ ]
أبرزَها أن السارقَ والزانيَ والشاذَّ جنسيًّا لم يرتكبوا شيئًا مُحَرَّمًا على اعتبارِ أن السرقةَ والزنا والشذوذَ ليست حرامًا، وإنما هي أفعالٌ لا إراديَّة، وطالب الشيخُ الكاشفُ الحكومةَ أن تُخصِّصَ أماكنَ للزناةِ والشواذِّ يمارِسون فيها ما يشاؤُون، ولا نحاسبُهم على ما يفعلون؛ لأن اللهَ يعلمُ كل شيءِ ويتركُهم.
° ثم فجَّر هذا المرتدُّ مفاجأةً أكبَرَ من سابقتها بإعلانِ استعدادِه لاستقبالِ أيِّ شابٍّ يُريدُ أن يزني بفتاةٍ في منزلِهِ، معتبرًا ذلك ليس زنًا، لأنه لم يُجبِرْها على ذلك، بل وانسَحب ذلك العرضُ الغريبُ أيضًا على زنا المحارم، وأفتى بأنه لا يَمنع الزنا مع الأمِّ أو الأختِ أو الحماة!! وزاد على ذلك بأنَّ نِكاحَ المحارِم جائزٌ شرعًا طالَما أنه لا إجبارَ على أحدٍ، مشيرًا إلى أن هناك كثيرًا من أولياءِ الله الصالحين شواذُّ جنسيًّا!!.
° ثم زاد المرتدُّ كفرًا فوقَ كُفره، فقال: "إن فرعونَ موسى مات شهيدًا ودخل الجنَّة؛ لأنه آمن قَبْلَ غَرَقه".
° أمَّا في واقعةِ قوم لوطٍ، فما أصابهم لم يكن بسبب اللِّواطِ، وإنما لأنهم حاولوا ممارستَه مع الملائكة، وأن سيِّدنا لوطًا -﵇- لم يرفضِ اللواطَ، بل رَفَض الطريقةَ فقط "حاشاه".
° ويرى عضو مجلس البحوث الإسلامية (المرتد): أن كلَّ أُمةٍ لا بد أن يكون فيها نبيٌّ، والمولى -﷿- يقول: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وبالتالي -حسب رؤية الشيخ الكاشف- فإن "بوش" نبيٌّ، وشارون نبي؛ لأنهما مُكلَّفان، ويَعملان بأمر الله، وكذلك الحالُ بالنسبةِ لفيفي عبده لأنها مُكَلَّفة بشيء معيَّن مِن قِبَل الله، مشيرًا إلى أن
[ ٣ / ٣٤١ ]
هناك شفاعةً لأُناسٍ معيَّنين، ولا يجبُ علينا أن نُكَفِّرَهم (!!).
° وحَوْلَ واقعة "الإسراء والمعراج" يقول الشيخ "الكاشف": "إن الرسولَ لم يَصْعَدْ إلى السماء، وإنه لم يخرج من بيته يومها، وشاهَدَ كلَّ شيءٍ من مكانه، وكل كلامه - ﷺ - مُؤَوّل، و"البُرَاقُ" نفسُه ليس حقيقةً، بل خيالًا" (^١).
انتهى كلام المرتد المأفون الكذاب الأشِر، قاتله الله وأخزاهُ في الدنيا قبل الآخرة .. لقد تفوَّه بالكفرِ الذي لم يَقُلْ به أحد، وتطاوَلَ وتجرَّأ، ونَسَب إلى الأنبياء -زُورًا وبهتانًا- ما لا يقبلُه أيُّ مسلم.
* قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠].
* الغرب الصليبي كان وما يزال عدوُّه الإِسلامَ حتى يَلجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخياط:
موقفُ الغرب دائمًا وأبدًا من الإسلام تُلخصه كلماتُ الزعيمِ السياسي البريطاني المعروف، حيث قال: "لن تستطيعَ أوروبا أن تسيطرَ على دولِ الشرق، بل لن تستطيعَ أن تعيشَ في مأمنٍ ما بَقِي هذا القرآنُ حَيًّا يُتلى" (^٢).
° أو كما قال "جاردنر": "إن القوةَ التي تكمُنُ في الإسلامِ هي التي تُخيفُ الغربَ" (^٣).
_________________
(١) جريدة "النبأ"- العدد (٨٦١) - ٥ مارس ٢٠٠٦ - الموافق ٥ من صفر ١٤٢٧ هـ (ص ٣).
(٢) "المنصفون للإسلام في الغرب" (ص ١٩).
(٣) "المنصفون للإسلام في الغرب" (ص ١٩).
[ ٣ / ٣٤٢ ]