[ ٤ / ٤٤٧ ]
سبُّ النبي - ﷺ - أو تنقُّصُه بتعريضٍ أو نصًّ
* تعريف " السَّبِّ":
"السبُّ" لغةً واصطلاحًا: الشَّتْم، وهو مشافهةُ الغيرِ بما يَكره، وإنْ لم يكن فيه حدٌّ، كـ "يا أحمق، ويا ظالم" (^١).
° قال الدسوقي: "هو كلُّ كلامٍ قبيح .. وحينئذٍ فالقذفُ، والاستخفافُ، وإلحاقُ النقصِ، كلُّ ذلك داخلٌ في السبِّ" (^٢).
* ألفاظ السَّبِّ:
° من ألفاظِ السَّبِّ قوله: "كافر، سارق، فاسق، منافق، فاجر، خبيث، أعور، أقطع، ابن الزَّمِن، الأعمى، الأعرج، كاذب، نمَّام" (^٣).
* الألفاظُ ذات الصلة بالسَّبِّ:
أ- العيب:
٢ - العيبُ خلافُ المستحسَنِ عقلًا، أو شرعًا، أو عرفًا، وهو أعمُّ من السب (^٤).
° قال الزُّرقاني: "فإنَّ مَن قال: "فلانٌ أعلمُ من الرسول - ﷺ - "، فقد
_________________
(١) الزرقاني على المواهب اللدنيَّة (٥/ ٣١٨)، و"الدسوقي مع الشرح الكبير" (٤/ ٣٠٩).
(٢) "الدسوقي مع الشرح الكبير" (٤/ ٣٠٩).
(٣) "المغني" (٨/ ٢٢٠).
(٤) "الدسوقي" (٤/ ٣٠٩)، و"تحفة المحتاج مع حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي" (٨/ ٩٦).
[ ٤ / ٤٤٩ ]
عابه، ولم يَسُبَّه" (^١).
ب- اللعن:
٣ - اللعن: هو الطردُ من رحمة الله تعالى (^٢)، لكنه يُطلَقُ ويرادُ به السبُّ.
• روى البخاري: "إن مِن أكبرِ الكبائرِ أن يَلعَنَ الرجلُ والدَيه"، قيل: يا رسولَ الله، وكيف يَلعنُ الرجلُ والدَيه؟ قال: "يَسُبُّ الرجلُ أبا الرجلِ، فيَسُبُّ أباه، ويَسُبُّ أُمَّه، فيَسُبُّ أُمَّه" (^٣).
• وروى مسلم في "الصحيح": "مِن الكبائرِ شَتمُ الرجلِ والديه".
قالوا: يا رسولَ الله، وهل يَشتمُ الرجلُ والديه؟ قال: "نعم، يَسُبُّ أبا الرجل فَيسُبُّ أباه، ويَسُبُّ أُمَّه فيَسُبُّ أُمَّه" (^٤).
فَسَّر رسولُ الله - ﷺ - اللعنَ بالشتم.
• وقال ابنُ عبد السلام: "اللعنُ أبلغُ في القُبحِ من السبِّ المطلَق" (^٥).
جـ- القذف:
٤ - يُطلَقُ "السبُّ" ويُرادُ به القَذفُ، وهو الرَّميُ بالزِّنى في مَعرِضِ
_________________
(١) "الزرقاني على المواهب اللَّدنيَّة" (٥/ ٣١٥).
(٢) "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" لعز الدين بن عبد السلام (١/ ٢٠). و"الفتاوى البزازية" (٤/ ٢٩١).
(٣) أخرجه البخاري (الفتح ١٠/ ٤٠٣ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٩٢ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٥) "قواعد الأحكام" (١/ ٢٠).
[ ٤ / ٤٥٠ ]
التعيير (^١) كما يُطلَقُ "القذفُ" ويُراد به السبُّ (^٢).
وهذا إذا ذُكر كلٌّ منهما منفردًا.
• فإذا ذُكرَا معًا، لم يَدُلَّ أحدُهما على الآخر (^٣)، كما في حديثِ رسولِ الله - ﷺ -: "أتدرُون ما المُفلِسُ؟ ". قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا درهمَ له ولا متاع. قال: "إنَّ المفلسَ من أمتي مَن يأتي يومَ القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة، ويأتي قد شَتَم هذا، وقَذَف هذا، وأَكَل مالَ هذا، وسَفَك دمَ هذا، وضَرَب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا مِن حسناته، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قَبلَ أن يَقضيَ ما عليه، أُخذ مِن خطاياهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار" (^٤).
وعند التغايُرِ يكونُ المرادُ بالقذفِ: ما يُوجبُ الحدَّ، وبالسبِّ: ما يُوجبُ التعزيرَ إنْ كان السبُّ غيرَ مكفِّرٍ (^٥).
* بيانُ ما هو في حقِّه - ﷺ - سبٌّ أو نَقصٌ من تعريضٍ أو نص:
° قال العلاَّمة شهابُ الدين أحمد بن محمد الخفاجي في "نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض": "مَن سَبَّ النبيَّ - ﷺ - وشَتَمه "أو نَقَصه" مما لا يَليقُ به -وإن لم يكن سبًّا- "من تعريض" بطريقِ الكناية والإيماء،
_________________
(١) "الجمل على المنهاج" (٥/ ١٢٢)، "أسهل المدارك" (٣/ ١٩٢)، وابن عابدين (٤/ ٢٣٧)، "إعانة الطالبين" (٤/ ١٥٠)، "تبصرة ابن فرحون" (٢/ ٢٨٧).
(٢) "فتح القدير" (٤/ ٢١٣)، و"تبصرة ابن فرحون" (٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧).
(٣) "إعانة الطالبين" (٤/ ٢٩٥).
(٤) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٩٧ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٥) انظر "الموسوعة الفقهية" ط- وزارة الأوقاف الكويتية.
[ ٤ / ٤٥١ ]
"أو نصٌّ" صريحٌ لا يَحتملُ التأويل، فقد قال القاضي عياض -﵀ -: (اعلمْ وَفَّقَنا الله وإياك) لمعرفةِ حق النُّبُوَّة وما يجبُ له - ﷺ -، (أنَّ جميعَ من سَبَّ النبيَّ - ﷺ) بشتمِه (أو عابه) -هو أعمُّ مِن السَّب، فإنَّ من قال: "فلانٌ أعلمُ منه - ﷺ - "، فقد عابه ونَقَصَه ولم يَسُبَّه-، (أو ألحق به نقضًا في نفسِه)، وذا ممَّا يتعلَّقُ بخُلُقِه وخِلْقَته (أوْ نسبه)، كأنْ يُفضِّلَ أحدًا على قومِه وأصوله، وكأن يقول: "إنه - ﷺ - لم يكن قرشيًّا"، فإنه كَفَر، كما صَرَّح به الفقهاء، وليس من تنقيصِ النسبِ ما وقع من الاختلافِ في إسلام أبوَيْه -كما هو ظاهر-.
(أو دينه) أي: نَقَصَ شريعتَه أو نَسَبَه لقُصورٍ، فيما يجبُ منها (أو خَصلةٍ من خصاله) وصفةٍ من صفاته كشجاعتِه وكرمه، (أو عَرَّض به)، أي: قال في حقِّه - ﷺ - ما لا يَليقُ به تعريضًا لا تصريحًا، (أو شَبَّهه بشيءِ) غيرِ حسنٍ (على طريق السَّبِّ له) بتنقيصِه (أو الإِزراء عليه)، أي: التنقيص له، وإن لم يكن قصَد السَّبَّ، (أو التصغير بشأنه)، أي: تحقيرَه، كتصغير اسمه، أو صفةٍ من صفاته (أو الغضِّ منه) بمعنى، (أو العيب له، فهو سابٌّ)، أي: كالسابِّ معنًى.
(وكذلك مَن لَعَنه، أوْ دعا عليه، أو تَمنَّى له مَضَرَّةً له، أوْ نَسَب إليه ما لا يَليق بمنصِبه)، أي: بأصلِه وحسَبه، وهذا هو حقيقة المَنصِبِ (على طريق الذَّمِّ) له (أو عَبَثَ) أي: ما قاله على طريقِ الهزل والمُجونِ (في جِهتِه العزيزة)، أي: بشيءٍ له تعلُّقٌ بجانبه الشريف (بسُخفٍ من الكلام وهُجْرٍ، ومُنكَرٍ من القول وزور، أو عَيَّره بشيءٍ مما جرى من البلاءِ والمِحنةِ عليه)، (أو غَمَصَه)، أي: نَقَص من قَدْرِه - ﷺ - (ببعضِ العوارضِ البشريةِ الجائزةِ
[ ٤ / ٤٥٢ ]
والمعهوده لديه .. قال أبو بكر بن المنذر: أجمَعَ عوامُّ أهل العلم) هو جَمعُ "عامةٍ"، بمعنى جماعةٍ كثيرة، والمتقدمون -كالشافعي- يُعَبَّرون بهذه العبارةِ للعموم، ولِيس المرادُ العاميَّ، فإنه غيرُ صحيح، إذْ لا عِبرةَ بهم وبإجماعهم؛ لأن العاميَّ لا يكونُ أهلَ علمٍ، (على أنَّ مَن سَبَّ النبيَّ) - ﷺ - (يُقتل) مطلقًا، (وممن قال بذلك)، أي: حَكَم بقتله مطلقًا: (مالكُ بنُ أنسٍ، والليثُ بنُ سَعد، وأحمدُ، وإسحاقٌ، وهو مذهبُ الشافعي). قال القاضي عياض: (وهو مقتضى قولِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق، ولا تُقبَل توبتُه عند هؤلاء) القائلين بوجوبِ قتلِه مطلقًا، صَوْنًا لمقامِ النُّبُوَّة، كما قال المتنبِّي:
لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرفيعُ من الأذى … حتى يُراقَ على جوانِبِه الدمُ
° وقال الإِمام محمد بن سَحنون: "أجمع العلماءُ على أنَّ شاتم النبي - ﷺ - المتنقِّصَ له كافرٌ، والوعيدَ جارٍ عليه بعذابِ الله له: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التربة: ٦١]، وحُكمه عند الأُمَّةِ القتلُ، ومَن شَكَّ في كُفره وعذابِه كَفَر" .. لأن الرضى بالكُفْر كُفر.
واحتجَّ إبراهيمُ بنُ حُسينِ بنِ خالدٍ الفقيهُ في مِثلِ هذا بقَتلِ خالدِ بنِ الوليد -﵁- مالكَ بن نُويرةَ لقوله عن النبي - ﷺ -، "صاحبكم" يعني به النبيَّ - ﷺ -، وفيه تنقيصٌ له بتعبيرهِ عنه بـ "صاحبكم" دونَ "رسولِ الله" ونحوه، وإضافتُه لهم دونه المُشعِرُ ذلك بالتبرِّي من صُحبته - ﷺ -، واتِّباعِه واستنكافه، وهو في غايةِ الظهور، ومالكُ بنُ نُويرة هذا كان له وِفادةٌ على رسول الله - ﷺ -، وكان شجاعًا شاعرًا سيِّدًا مطاعًا في قومه "بني تميم"، فولاَّه رسولُ الله - ﷺ - عليهم وعلى أُخذِ زكاتِهم، فمَنعوها بعدَه - ﷺ -، فأَرسل
[ ٤ / ٤٥٣ ]
أبو بكر - ﵁ - خالدَ بنَ الوليدِ لطَلَبها، فقال له مالكُ بنُ نُويرة: "أنا آتِي الصلاةَ دون الزكاة، فقال له: لا تُقبل إحداهما بدون الأخرى، فقال: قد كان صاحبُكم يقول ذلك. فقال خالد: أمَا تراه صاحبًا لك؟! لقد هَممتُ بضربِ عُنقِك، فقال مالكٌ: أبذلك أَمَر صاحبُك، فقال له: أهذه بعد تلك" -يُنكِرُ عليه خالدٌ تكريرَ قولِ "صاحبكم" بعدما وعده عليه-، ثم أَمَر ضرارَ ابنَ الأزور، فضَرب عُنقَه لإِنكارِه قَولةَ: "صاحبكم" مرتين استصغارًا له - ﷺ -.
° وقال أبو سليمان الخَطَّابي: "لا أعلمُ أحدًا من المسلمين اختَلف في وجوب قتلِه إذا كان مسلمًا".
وإنما الخلافُ في الكافر .. وحكاه عبدُ الله بن مُطرِّف -وهو ابنُ أختِ الإمامِ مالكِ- في كتاب ابن حبيب: "من سَبَّ النبي - ﷺ - من المسلمين قُتِل -ولم يُستَتب-.
° وقال ابنُ القاسم في "العتبية": "مَن سَبَّه، أو شَتَمه (^١)، أو عابَه أو تنقصَّه (^٢)، فإنه يقتل، وحُكمه عند الأُمَّة القتلُ كالزنديق.
° وعن عثمانَ بنِ كِنانةَ -وهو من أئمة المالكية- في كتابه "المبسوطة": "مَن شَتَم النبيﷺ - من المسلمين قُتِل أو صُلِب حيًّا -ولم يُستتب-، والإِمامُ مُخَيَّرٌ في صَلبه حيًّا، أو قَتْلِه".
° قال مالك: "مَن سَبَّ رسولَ الله - ﷺ - أو شَتَمه، أو عابه،
_________________
(١) بنسبة ما لا يليق به - ﷺ -، في ذاته ممَّا لا يحقره ككونه جبَّارَا قهَّارًا ونحوهما.
(٢) أي نسب له نقصًا، وإن لم يكن شتْمًا كقوله: غيره أعلم منه، أو أعقل.
[ ٤ / ٤٥٤ ]
أو تَنقَّصَه: قُتِل -مسلمًا كان أوْ كافرًا-، ولا يُستتاب".
° وقال أيضًا: "مَن سَبَّ النبيَّ - ﷺ - أو غَيرَه من الأنبياء -من مسلمٍ أو كافر- قُتِل ولم يُستَتب".
° وقال أصبغُ -مفتي قرطبةَ المالكي-: "يُقتَل على كلِّ حالٍ -أسرَّ ذلك أوْ أخفاه-، ولا يُستتاب؛ لأن توبتَه لا تُعرَف".
° وروى ابنُ وهب عن مالك: "من قال: إنَّ رداءَ النبيِّ - ﷺ - ويُروى: زِرَّ النبيِّ -وَسخٌ- أراد به عَيبَه- قُتِل" (^١).
° قال ابنُ حجر الهَيتمي -بعد سياقِه كلامَ المصنِّف-: "ويؤخذُ منه أنه لو أَطلق ذلك، أو قَصَد الإخبارَ عن تواضُعِه - ﷺ - لا يَكفُر، وهَو ظاهرٌ في إرادةِ التواضع، ومُحتَمَلٌ عند الإطلاق؛ لأنه ليس صريحًا في النقص، وإذا قلنا بعدمِ الكفر، فظاهرٌ أنه يُعزَّرُ التعزيرَ البليغُ لذِكره ما يُوهِمُ نقصًا.
واختَلفوا فيما لو قال: "كان النبيُّ - ﷺ - طويلَ الظُّفر"، والذي يَظهرُ أنه لو قال ذلك احتقارًا له - ﷺ -، أو استهزاء به، أو على جِهةِ نسبةِ النقصِ إليه: كفر، وإلاَّ فلا، بل يُعزَّرُ التعزيرَ الشديد" … انتهى ملخصًا.
(وقال بعض علمائنا) -يعني المالكية-: (أجمع العلماءُ)، تقدَّم الكلام في الإجماع في هذه المسألة، (على أنَّ مَن دعا على نبي من الأنبياء بالويل)، فقال: "ويلًا له"، وهي كلمةٌ يُدعى بها، ومعناها: الهلاك أو البلاء والمصيبة والعذاب والمشقة.
_________________
(١) فإن لم يقصد ذلك لم يُقتلَ. وكذا كل أذيَّة فإنها لا تكون كُفرًا إلاَّ إذا قصد بها الأذيَّة له - ﷺ -، ولذا لم يُكفَّر الخائضون في الإفك مع أنه أذيَّة له - ﷺ - بنصِّ القرآن كما صَّرح به السبكي في "السيف المسلول".
[ ٤ / ٤٥٥ ]
(أو) دعا عليه (بشيءٍ من المكروه) مما يكرهُه الناسُ وَيشُقُّ عليهم: (أنه يُقتل بلا استتابة)، أي: لا تُطلَبُ توبتُه ولا تُقبل.
° وقال ابنُ حجر الهيتمي في "فتاويه": "من خصائصه - ﷺ - أنَّ من زَنا بحضرته كَفَر .. ونَظَّر فيه في "الروضة"، وأجيب: بأنه ظاهرٌ في الاستخفاف، فكان كفرًا، فيؤخَذُ منه أن غيرَه من الأنبياء كذلك.
(وأفتى القابِسيُّ) أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المغافري القَيرواني شيخ الحديثِ وفقهِ مالكٍ، الضريرٌ الزهدُ العابد، صاحبُ التصانيفِ الجليلة في الفقه والأصول، عديمُ النظير، تُوفِّي سنةَ ثلاثٍ وأربعَمِئةٍ (فيمن قال في النبيِّ - ﷺ -: الحَمَّال -بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم قبل ألف ولام-، وذلك لأنه - ﷺ - كان إذا اشتَرى شيئًا من السُّوق حَمَلَه بنفسه، فإذا لَقِيه مَن أراد أن يَحمِلَه قال: "رَبُّ المَتاعِ أولى بحَملِه"، كما روي في كتب الحديث.
(أو قال: يتيم أبي طالب)؛ لأنَه ربَّاه بعد موت أبيه وجَدِّه عبدِ المطلب (بالقتل) لِمَا فيه من الاستخفافِ والتحقير، وقَصَد قائلُه ذلك -لقيام قرينةٍ عليه-.
° قال ابنُ حجر: "والظاهرُ أن مذهبَنا لا يأبى ذلك لما في عبارتِه من الدلالة على الإزراء، فإنْ ذَكَر "يتيم أبي طالب" فقط، لم يكن صريحًا في ذلك فيما يَظهر .. نعم إن كان السياق يدلُّ على الإزراء، كان كما لو جَمَع بين اللفظين.
° وأفتى شيخُ المالكية بالمغرب -الشيخ أبو محمد بن أبي زيد عبدُ الله القيرواني المالكي- بقَتل رجل سَمع قدمًا يتذاكرون صِفةَ النبيِّ - ﷺ -، إذْ مَرَّ
[ ٤ / ٤٥٦ ]
عليهم رجلٌ قبيحُ الوجهِ واللحية فقال لهم: تريدون تعرفون صفتَه - ﷺ -؟، قالوا له: نعم، فقال: هي في صفة هذا المَارِّ في خَلْقه ولحيته. قال: ولا تُقبل توبته" .. وذلك لكُفرِه وعِظَم جُرْمِه.
° قال ابنُ حجر: "ومذهبُنا قاضٍ بذلك، وقد كَذَب هذا الرجلُ في مقالته هذه -لعنه الله وأخزاه وقبَّح وجَههَ-، وليس يخرجُ ما قاله هذا الملعونُ مِن قلبٍ سليم الإيمان، بل عديمِ العقل والإيمان".
° وقال أحمدُ بن أبي سليمان صاحب سحنون -وهو من كبار علماء المالكية-: "مَن قال: "إن النبي - ﷺ - أَسْوَدُ" يُقتَل"؛ لأنه - ﷺ - كان من الحُسنِ وبَياضِ الوجهِ بصفةٍ لا تخفى".
فهذا القائلُ قد كَذَب وافترى، ووَصْفه - ﷺ - بما ليس فيه إشعارٌ بالتحقير -لعنه الله وسوَّد وجهَه يومَ تبيضُّ وجوهٌ وتَسودُّ وجوه-، وهذا مما صرَّح به الفقهاءُ، وعلَّلوه بأنه قَصَد الكذبَ استخفافًا، فهو كما لو قال: "لم يكن - ﷺ - قرشيًّا".
° وقال ابنُ أبي سليمان أيضًا في رجلٍ قِيل له: "لا، وحقِّ رسول الله"، فقال الرجل المخاطَب: "فَعَل اللهُ برسولِ الله كذا وكذا" -وذَكَر كلامًا قبيحًا-، فقيل له: "ما تقولُ يا عدوَّ الله؟! "؛ فقال له أشدَّ من كلامه الأول، ثم قال -يُوجِّه كلامَه القبيحَ ويُأولِّه-: "إنما أردتُ برسول الله (^١): الصَّعق (^٢) ..
_________________
(١) الذي وصفته بصفات أنكرتموها.
(٢) لأن الله هو الذي أرسلها وساقها كما في قوله: ﴿وَيرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ [الرعد: ١٣]، وهذا حقيقة معنى الإرسال، وهذا مما لا شك في معناه، وإنكاره مُكابرة، لكنه لا يُقبل من قائله، وادعاؤه أنه مراده؛ لأن "رسول الله" صار في كلامهم لا يراد به إلا الأنبياء =
[ ٤ / ٤٥٧ ]
فقال ابن أبي سليمان للذي سأله: "اشهَدْ عليه وأنا شريكُك" يَريدُ في قتله وثوابِ ذلك.
° قال يحيى بنُ حبيب بن الربيع -مُوَجِّهًا لقول ابنِ أبي سليمان وفتواه بقتله-: "لأنَّ ادعاءَه التأويلَ في لفظٍ صُراحٍ لا يُقبل؛ لأنَّه امتهان -أي: فيه تحقيرٌ لرسول الله - ﷺ - بحَسَبِ صريحه ومدلولِه المعروف، وهو -أي: قائلُه- غيرُ مُعزِّرٍ لرسول الله - ﷺ - أي: مُعَظِّم- ولا مُوَقِّر له، فوجب إباحةُ دمِه".
° وأفتى أبو عبد الله بن عَتَّاب -من فقهاء المالكية- في عَشَّار -وهو مَن يأخذُ العُشرَ، وهو المَكَّاس-، قال لرجلٍ طَلَب منه المَكْس، فامتنع، وقال له: "إنه ظُلمٌ لا يَرضى به رسولُ الله - ﷺ - "، فقال له المَكَّاس: "أَدِّ، واشكُ إلى النبي - ﷺ - منِّي ومن ظُلِمي لك"، -ومِثلُه تحقيرٌ للنبي - ﷺ - والشريعة، كأنه يقول: "لا قُدرةَ له على دَفْعِه لو كان حيًّا موجودًا الآن"، فلذا أُفتي فيه بوجوبِ القتل.
° قال ابنُ حَجر: "ومذهبنا قاضٍ بذلك أيضًا، بل الذي يَظهرُ أنَّ مُجرَّدَ قوله: "أد واشْكُ إلى النبي - ﷺ - "- بقصدِ عدمِ المبالاة- كفرٌ أيضًا".
° وأفتى فقهاءُ الأندلس بقتل ابن حاتمٍ المتفقِّه الطُّلَيطِلِيِّ وصَلْبِه بما شُهِد عليه به من استخفافِه بحقِّ النبيِّ - ﷺ - وتسميتِه إيَّاه أثناءَ مناظرته "باليتيم" (^١)،
_________________
(١) = والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولا يخطر غيره ببال أحد، فلذا لم يقبل تأويله. قال ابن حجر: ومذهبنا لا يأبى ذلك.
(٢) كما كان يقوله الكفرة استخفافًا به وإزراءً، ومثل هذا إذا سبق مُشْعِرًا بتحقير ٍكان كُفرًا، فإن لم يشعر به جاز كما في قول البوصيري في البردة: كفاك بالعلم في الأمِّيِّ معجزةً … في الجاهلية والتأديب في اليُتمِ
[ ٤ / ٤٥٨ ]
و"خَتَنِ حَيْدَرَةَ" (^١)، وزَعمِه أن زُهدَه لم يكن قصدًا (^٢)، ولو قَدَر على الطيِّبات أَكَلَها .. إلى أشباهٍ لهذا.
° قال ابنُ حجر:"ومذهبُنا لا يُنافي ذلك، بل زَعمُه ما ذَكَر في الزهد ينبغى أن يكونَ كافيًا في كُفره، وهو ظاهرٌ لنسبةِ النقصِ إليه - ﷺ - ".
° وأفتى فقهاءُ القيروان وأصحابُ سحنون بقتل إبراهيمَ الفَزَاريِّ، وكان شاعرًا متفنِّنًا من العلوم، وكان ممن يَحضُرُ مجلسَ القاضي "أبي العباس بن طالب" للمناظرة، فرُفِعت عليه أمورٌ مُنكَرةٌ من هذا الباب في الاستهزاء بالله تعالى وأنبيائِه ونبيِّنَا عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، فأحضر له القاضي يحيى بنَ عمر -وهو قاضي القيروان وعالِمُها- .. وغيرَه من فقهاء المالكية، وأَمَر بقَتلِه وصَلْبِه، "فطُعِن بالسكينِ وصُلِب مُنَكَّسًا، ثم أُنزِل وأُحرِق بالنار.
° ومن قال: "إن النبيَّ هُزم"، يُستتاب، فإن تاب وإلاَّ قُتل لأنه تنقيص.
° قال ابنُ حجر: "وقضيةُ مذهبنا، أنه لا يكفرُ بذلك، إلاَّ إنْ قاله على قصدِ التنقيص؛ لأنَّه ليس صريحًا فيه، لأن الهزيمةَ قد تكونُ من الجِبِلاَّت البشرية، فإنْ لم يَقصِدْ ذلك لم يَكفُرْ، بل يُعَذر التعزيرَ الشديد" انتهى.
° وحُكم من غَمَصَه أو عَيَّره برعايةِ الغَنَم، أو بالمَيلِ إلى نسائه، فحُكم
_________________
(١) ختن حيدرة: أي قال الطليطلي: إنه ختن حيدرة، أي: أبو زوجته، يعني: فاطمة الزهراء - ﵂ -، فعبر به عنه - ﷺ - استخفافًا به، فحكموا بقتله. والختَن: كل قريب لامرأة رجل، كأب، وأخ.
(٢) يعني: أن زهده - ﷺ - لم يكن قصدًا منه واختيارًا، بل عجزًا واضطرارًا.
[ ٤ / ٤٥٩ ]
هذا كله لمن قَصَد نَقْصَه القتلُ.
° قال السيوطي في كتابه "تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء" -وهو كتابٌ جليل- أن رجلًا سَبَّ آخَرَ بأنه راعٍ، فقال له: ما مِن نبيٍّ إلاَّ رعى الغنم بجمعٍ من العامة.
° فقال قاضي القضاة المالكي: "لو رُفع لي هذا ضربته بالسياط"، فلما سُئلت عنه أجبتُ بأنه يُعذَّرُ أبلغَ تعزير؛ لأنه لا ينبغي ضَرْبُ آحادِ الناس مثلًا لنفسه بالأنبياء، والمستدِلُّ بمثله قد يكونُ في مقامِ التدريسِ والإفتاءِ والتصنيف، وبيانُ العلم لأهلِه لا يُنكَرُ عليه، إمَّا في مقام الخصام والتبرِّي عن مَعَرَّةِ نقصٍ نُسَبٍ له أو لغيره، فهو محلُّ الإنكارِ والتأديبِ لا سيَّما بحضرةِ العوام وفي الأسواق، فهو سبٌّ وقذف، ولكلِّ مقامٍ مقالٌ يناسبه.
وسُئل الحافظُ ابنُ حجر: عمَّا يَقعُ في المَوَالِدِ من الوُعَّاظِ بين العوامِّ مِن ذِكرِ الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، بما يُخِلُّ بالتعظيم، حتى يَحصُلَ لسامِعه رِقَّةٌ وحُزن، كقولهم: "إن المَراضعَ لم تأخُذْه - ﷺ - لعدم مالِه حتى أَخذَتْه "حليمةُ" شفقةً عليه"، ويقولون: " إنه كان يَرعى غنمًا"، وينشدون في ذلك:
بأغنامِه سار الحبيبُ لكي يَرعَى … فيا حبَّذا راعٍ فؤادي له يَرعى
فأجاب بأنه ينبغي أن يُحذَفَ من الخبر ما يُوهِمُ نقصًا، وإن لم يَضُرَّه، بل يجبُ ذلك" انتهى (^١).
_________________
(١) انتهى مُلَخَّصًا من "نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض" لشهاب الدين أحمد ابن محمد الخفاجي (٦/ ١٤٦ - ١٦٤) - دار الكتب العلمية.
[ ٤ / ٤٦٠ ]
° وفي "الموسوعة الفقهية" الصادرة عن وزارة الأوقاف الكويتية:
* حُكمُ مَن سَبَّ النبيَّ - ﷺ -:
* سبُّ المسلم النبيَّ - ﷺ -:
- إذا سَبَّ مسلمٌ النبيَّ - ﷺ -، فإنه يكونُ مرتدًّا (^١) .. وفي استتابته خلاف (^٢).
* سَبُّ الذَّمِّي النبيَّ - ﷺ -:
- للعلماءِ عِدَّةُ أقوالٍ في حُكمِ الذِّمِّيِّ إذا سَبَّ النبيَّ - ﷺ -:
فقيل: إنه يُنقَضُ أمانُه بذلك -إن لم يُسْلِم-، وقيل غيرُ ذلك (^٣).
ويُقتلُ وجوبًا عند المالكية بهذا السبِّ إن لم يُسلِم، فإن أسلَمَ إسلامًا -غيرَ فارٍّ به من القتل- لم يُقتل، لقوله تعالى: ﴿قل لِّلَّذِينَ كفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
_________________
(١) "الفتاوى البزازية" (٦/ ٣٢١ - ٣٢٢)، "فتاوى عليش" (٢/ ٢٥)، "تبصرة ابن فرحون" (٢/ ٢٨٦)، "الجمل على المنهج" (٥/ ١٣٠)، "التحفة مع حاشيتي الشرواني وابن قاسم العبادي " (٨/ ٩٦)، "المغنى" لابن قدامة (٨/ ١٥٠)، "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" (١٠/ ٣٢٦، ٣٣٢)، "الزرقاني على المواهب" (٥/ ٣١٨، ٣١٩) - ط. دار المعرفة.
(٢) "الفتاوي البزازية" (٦/ ٣٢٢)، و"الزرقاني على المواهب" (٥/ ٣٢١)، "منح الجليل" (٤/ ٤٧٧)، "فتح العلي المالك" (٢/ ٢٥)، "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" (١٠/ ٣٣٢).
(٣) "فتح القدير" (٤/ ٣٨١، ٤٠٧)، "منح الجليل" (٤/ ٤٧٧)، "الزرقاني على خليل" (٣/ ١٤٧)، "الخرشي" (٤/ ١٤٩)، "المغني" لابن قدامة (٨/ ٢٣٣، ٥٢٥)، "الإنصاف" (١٠/ ٣٣٣).
[ ٤ / ٤٦١ ]
قالوا: وإنما لم يُقتل إذا أسلم -مع أن المسلمَ الأصليَّ يُقتل بسبِّه - ﷺ -، ولا تُقبل توبته- من أجل حقِّ الآدمي، لأنَّا نعلمُ باطنَه في بُغضِه وتنقيصِه بقلبِه، لكنَّا منعناه من إظهارِه، فلم يَزِدْنا ما أظهَرَه إلا مخالفتَه للأمر، وتقضًا للعهد، فإذا رَجَع إلى الإسلام سَقَط ما قبلَه، بخلافِ المسلم، فإنا ظننَّا باطنَه بخلافِ ما بدا منه الآن (^١).
° وعند الشافعية: إن اشتُرِطَ عليهم انتقاضُ العهد بمِثل ذلك، انتُقض عهدُ السابِّ، وُيخيَّرُ الإمامُ فيه بين القتل وألاسترقاق والمَنِّ والفداء -إن لم يَسألِ الذِّميُّ تجديدَ العقد- (^٢).
* ولا فَرقَ بين نبيٍّ وغيرهِ من سائرِ الأنبياء -وكذا الرسلُ-، إذ النبيُّ أعمُّ من الرسول على المشهور (^٣).
والأنبياءُ الذين تَخُصُّهم هذه الأحكامُ هم المتَّفَقُ على نبوَّتِهم، أمَّا مَن لم تَثبُتْ نبوَّتُهم، فليس حُكمُ مَن سَبَّهم كذلك، ولكن يُزجَرُ مَن تَنَقَّصهم أو آذاهم، ويؤدَّبُ بقدْرِ حالِ القول فيهم، لا سيَّما مَن عُرفت صِدِّيقيَّته وفَضلُه منهم -كمريم-، وإن لم تَثبُتْ نبوَّتُه، ولا عِبرةَ باختلافِ غيرِنا في نبوَّةِ نبيٍّ من الاَّنبياء، كتَفيِ اليهودِ نبوةَ داود وسليمان.
* التعريضُ بسبِّ الأنبياء:
التعريضُ بسبِّ النبي - ﷺ - كالتصريح .. ذَكَر ذلك فقهاءُ الحنفية
_________________
(١) "الزرقاني على خليل" (٣/ ١٤٧)، الخرشي (٤/ ١٤٩).
(٢) "الجمل على "المنهج" (٥/ ٢٢٧)، "شرح روض الطالب" (٤/ ٢٢٣).
(٣) "تبصرة الحكام، " (ص ١٩٢ - ٩٣ ١)، و"تبصرة ابن فرحون" (٢/ ٣٨٨)، "إعانة الطالبين" (٤/ ١٣٦)،" الهندية" (٣/ ٢٦٣)، "الزرقاني على خليل" (٣/ ١٤٧).
[ ٤ / ٤٦٢ ]
والمالكيةِ والشافعية، وهو قولٌ للحنابلة (^١).
ويقابلُه عندهم: أن التعريضَ ليس كالتصريح.
وقد ذَكر عياضٌ -رحمه الله تعالى- إجماعَ العلماءِ وأئمةِ الفتوى مِن لَدُنِ الصحابةِ ومَن بَعدَهم على أن التلويحَ كالتصريح (^٢).
* سَبُّ السكرانِ النبيَّ - ﷺ -:
اختَلف الفقهاءُ في حُكم السكرانِ إذا سَبَّ في سُكرهِ نبيًّا من الأنبياء، هل يكونُ مرتدًّا بذلك وهل يُقتل؟!.
ذهب الحنفيةُ، وهو قولٌ للشافعية: إلى أن رِدَّةَ السكرانِ لا تُعتبر، وحُجَّتُهم في ذلك: أن الردةَ تُبنى على الاعتقادِ، والسكرانُ غيرُ مُعتقِدٍ لما يقول (^٣).
وذَهب أحمدُ -في أظهرِ الروايتين عنه-، والشافعيةُ في المذهب إلى وُقوع رِدَّةِ السكران، وحُجَّتُهم: أن الصحابةَ أقاموا حدَّ القذفِ على السكران، وأنه يَقعُ طلاقُه، فتَقعُ رِدَّتُه، وأنه مُكلَّف، وأن عقلَه لا يَزولُ كُلِّيًّا، فهو أشبهُ بالناعسِ منه بالنائم أو المجنون (^٤).
_________________
(١) "الزرقاني على المواهب" (٥/ ٣١٥)، "منح الجليل" (٤/ ٤٧٦، ٤٧٨)، "شرح روض الطالب" (٤/ ١٢٢)، "شرح منتهى الإرادات" (٣/ ٣٨٦، ٣٩٠)، "الإنصاف" (١٠/ ٣٣٣)، "معين الحكام" (ص ١٩٢)، "إعانة الطالبين" (٤/ ١٣٩)، "الدسوقي" (٤/ ٣٠٩).
(٢) "تبصرة ابن فرحون" (٢/ ٢٨٦).
(٣) "المبسوط" (١٠/ ١٢٣)، و"تحفة الفقهاء" (٤/ ٥٣٢)، و"البدائع" (٧/ ١٣٤)، و"ابن عابدين" (٤/ ٢٢٤)، والمهذب" (٢/ ٢٢٢)، و"القليوبي" (٤/ ١٧٦).
(٤) " الإنصاف" (١٠/ ٣٣١)، و"المغني" (٨/ ٥٦٣)، و"الأم" (٦/ ١٤٨)، و"الشامل" =
[ ٤ / ٤٦٣ ]
* المُكرَهُ على سَبِّ النبي - ﷺ -:
الإكراهُ: اسمٌ لفعلٍ يَفعلُه المرءُ بغيره، فيَنتفي به رضاه، أو يَفسُدُ به أختيارُه، مِن غير أن تنعدمَ به أهليَّتُه، أو يَسقطَ عنه الخطاب (^١).
والإكراهُ نوعان: نوع يُوجِبُ الإلجاءَ والاضطرارَ طَبْعًا، كالإكراهِ بالقتل أو القطع أو الضربِ الذي يُخاف فيه تَلَفُ النفسِ أو العضوِ -قَلَّ الضربُ أو كَثُرَ-، وهذا النوعُ يُسمَى "إكراهًا تامًّا".
ونوعٌ لا يُوجبُ الإلجاءَ والاضطرارَ، وهو الحَبسُ أو القَيدُ أو الضربُ الذي لا يُخافُ منه التَّلَفُ، وهذا النوعُ من الإكراه يسمَّى "إكراهًا ناقصًّا" (^٢).
واتفق الفقهاءُ على أن مَن أُكرِه على الكفرِ فأتى بكلمةِ الكفر، لَم يَصِرْ كافرًا، لقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانهِ إِلاَّ مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُة مُطْمَئِن بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكفرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ﴾ [النحل: ١٠٦].
° وما نُقل من أنَّ عمَّارَ بنَ ياسر - ﵂ - حَمَله المشركون على ما يَكرهُ، فجاء إلى النبيﷺ -، فقال له: "إن عادوا فعُدْ" (^٣) وهذا في الإكره التام (^٤).
_________________
(١) = (٦/ ١٠٢)، و"القليوبي"، (٦/ ١٧٦).
(٢) " المبسوط" (٢٤/ ٣٨)، "البدائع" (٧/ ١٧٥)، و"مرآه الأصول" (ص ٣٥٩).
(٣) "البدائع" (٧/ ١٧٠).
(٤) أخرجه ابن سعد (٣/ ٢١٩) من حديث محمد بن عمار مرسلًا.
(٥) "المبسوط" (١٠/ ٦٢٣)، و"ابن عابدين" (٤/ ٢٢٤)، و"الأم" (٦/ ٦٥٢)، و"الشامل" (٦/ ١٤٨) و"شرح الأنصاري" (٤/ ٢٤٩)، و"منح الجليل" (٤/ ٤٠٧)، و"المغني" (٨/ ٥٦١)، و"الإقناع" (٤/ ٣٠٦).
[ ٤ / ٤٦٤ ]
الدليل الأول
الأدلة على كُفْرِ سابِّ الرسول - ﷺ - وشاتمِه والمستهزئِ به والمُتَنَقِّصِ له
الآياتُ الدَّالةُ علَى كُفرِ الشاتم وقتلِه، أو على أحدِهما -إذا لم يكن مُعَاهِدًا- وإن كان مُظهِرًا للإِسلام، كثيرةٌ، مع أن هذا مُجْمَعٌ عليه، وقد حَكى الإجماعَ غيرُ واحد.
* الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النبِي وَيَقُولونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لكُمْ﴾ [التربة: ٦١] إلى قوله تعالي: (وَالَّذينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَاب أَلِيٌم﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَن لَهُ نَارَ جَهَنمَ﴾ [التوبة: ٦٣].
فعُلم أن إيذاءَ رسولِ الله محادَّةٌ لله ولرسوله؛ لأن ذِكْرَ الإيذاءِ هو الذي اقتَضى ذِكرَ المحادَّة، فيجبُ أن يكون داخلًا فيه، ولولا ذلك لم يكنِ الكلامُ مؤتلِفًا إذا أمكن أن يقال: "إنه ليس بمحادٍّ"، ودَل ذلك على أن الإيذاءَ والمحادَّةَ كفر؛ لأنه أخبَرَ أن له نارَ جهنم خالدًا فيها، ولم يقل: "هي جزاؤه"، وبَينَ الكلامين فَرْق، بل المحادَّة هي المعاداةُ والمشاقَّة، وذلك كفر ومُحاربة؛ فهو أَغْلَظُ من مجردِ الكفر، فيكون المؤذِي لرسول الله - ﷺ - كافرًا، عدوًّا للهِ ورسوله، محاربًا لله ورسوله؛ لأن المحادَّة اشتقاقُها من "المباينة" بأن يصيرَ كلُّ واحد منهما في حدٍّ، كما قيل: "المشاقَّة: أن يصيرَ كلٌّ منهما في شِقٍّ، والمعاداة: أن يصيرَ كل منهما في عُدْوةٍ" (^١).
• وفي الحديث: أن رجلًا كان يسبُّ النَبي - ﷺ - فقال: "مَنْ يَكْفِيِني
_________________
(١) عُدوة: بالضم والكسر، أي: جانب الوادي وحافته، وقيل: المكان المرتفع. انظر "النهاية" لابن الأثير (٣/ ١٩٤)، "لسان العرب" (٥/ ٢٨٥٠) عدا.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
عَدُوِّي؟ " (^١)، وهذا ظاهرٌ.
وحينئذٍ فيكونُ كافرًا حلالَ الدم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:. ٢]. ولو كان مؤمنًا معصومًا لم يكنْ أذلَّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقوله: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥].
المؤمنُ لا يُكبت كما كُبت مُكذِّبو الرسلِ قط، ولأنه قد قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
_________________
(١) من حديث ابن عباس - ﵁ -: أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٥/ ٢٣٧ - ٩٤٧٧، ٥/ ٣٠٧ - ٩٧٠٤) ولفظه: "أن النبي - ﷺسبه رجل من المشركين، فقال:" من يكفبني عدوِّي؟ " فقال الزبير: أنا، فبارزه الزبير فقتله، فأعطاه النبي - ﷺ - سَلَبه". وينظر: "حلية الأولياء" (٨/ ٤٥)، وقال عَقِبه: "غريب من حديث إبراهيم لم نكتبه إلا من هذا الوجه". وروى ابن حزم في "المحلى" (١١/ ٤١٣) مسألة رقم (٢٣٠٨) حديثًا مسندًا بلفظ: "منَ يكفيني عدوًّا لي؟ ". وهو بتمامه كما يأتي: "حدثنا حمامٌ، نا عباس بن أصبغَ، نا محمدُ بن عبد الملك بنِ أيمن، نا أبو محمد حَبيبٌ البخاري -هو صاحبُ أبي ثور ثقة مشهور-، نا محمدُ بنُ سَهل: سمعتُ علي بنَ المَديني يقول: "دخلتُ على أميرِ المؤمنين، فقال لي: أتعرفُ حديثًا مسندًا فيمن سَبَّ النبي - ﷺ - فيُقتل؟ قلت: نعم. فذكرتُ له حديثَ: عبدِ الرزاقَ، عن مَعْمَر، عن سِماكِ بنِ الفضل، عن عُروةَ بنِ محمدٍ، عن رجل من بلقين قال: "كان رجلٌ يشتمُ النبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: "من يكفيني عدوًّا لي؟ " فقال خالدُ بن الوليد: أنا، فبَعَثه النبي - ﷺ - إليه فقتله"، فقال أميرُ المؤمنين: ليس هذا مُسنَدًا؛ هو عن رجل، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، بهذا يُعرفُ الرجل، وهو اسمُه، قد أتى النبيﷺ - فبايعه، وهو مشهورٌ معروف. قال: فأمَرَ لي بألفِ دينار". قال أبو محمد -﵀-: "هذا حديث مسندٌ صحيح، وقد رواه علي بنُ المَديني عن عبد الرزاق، وهذا رجلٌ من الصحابة معروفٌ اسمه الذي سمَّاه به أهلُه، رجلٌ من بلقين"أ. هـ.
[ ٤ / ٤٦٦ ]
فإذا كان مَن يُوَادُّ المحادَّ ليس بمؤمنٍ، فكيف بالمحادِّ نفسه؟!! فالمحادُّ كافرٌ حلالُ الدم.
* وأيضًا، فقد قال ﷾: ﴿وَلَوْلا أَن كتَبَ اللهُ عَلَيْهِم الْجَلاءَ لَعَذَّبَهمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِاَنَّهمْ شَاقوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاق اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٣ - ٤].
فجَعَل سببَ استحقاقِهم العذابَ في الدنيا ولعذابِ النارِ في الآخرة هو مُشَاقَّةَ اللهِ ورسوله، والمؤذِي لرسولِ الله - ﷺ - مُشَاقٌّ لله ورسوله، والعذابُ هنا هو الإهلاكُ بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا، وإلا فقد أصابهم ما دون ذلك من ذَهَابِ الأموالِ وفِراقِ الأوطان.
* وقال سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سألْقِي فِي قلُوبِ الَذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبوا فَوْاقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان (١٢) ذَلِكَ بِأنَّهمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٣].
فجَعَل إلقاءَ الرُّعبِ في قلوبِهم والأمرَ بقتلِهم لأجل مشاقَّتِهم لله ورسوله، فكلُّ مَنْ شاقَّ الله ورسولَه يستوجبُ ذلك، والمؤذِي للنبيِّ مشاقٌّ للهِ ورسولِه، فيستحقُّ ذلك.
وقولهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١].
° قال مجاهد: ﴿هوَ أُذُنٌ﴾: "يقولون: سنقول ما شئْنَا، ثم نَحلفُ له فيصدقنا" (^١).
° وقال الوالبي (^٢) عن ابن عباس:"يعني أنه يَسمعُ من كلِّ أحدٍ" (^٣).
_________________
(١) "تفسير مجاهد" (ص ٢٨٣)؛ وعنه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٦٩).
(٢) هو التابعي الجليل: سعيد بن جُبيَر بن هشام الأسدي الوالبي.
(٣) "تفسير الطبري" (١٠/ ١٦٨)، و"تفسير ابن عباس ومرويَّاته في التفسير" (١/ ٤٦٥).
[ ٤ / ٤٦٧ ]
° قال بعضُ أهل التفسير: "كان رجالٌ من المنافقين يؤذون رسولَ الله - ﷺ - ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضُهم: لا تفعلوا؛ فإنا نخافُ أن يَبلُغَه ما تقولون فيقعَ بنا، فقال الجُلاَّس (^١): بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه فيُصدِّقُنا، فإنما محمدٌ أذُنٌ سامعة .. فأنزل الله هذه الآية" (^٢).
° وقال ابنُ إسحاق: "كان نَبْتَلُ بنُ الحارث (^٣) الذي قال النبيُّ - ﷺ - فيه: "مَنْ أَرَادَ أنْ ينظُرَ إلى الشَّيْطَانِ، فَليَنْظُرْ إلى نَبْتَلِ بنِ الحَارِثِ" يَنِمُّ (^٤) حديثَ النبي - ﷺ - إلى المنافقين، فقيل له: لا تَفْعَلْ، فقال: إنما محمدٌ أُذُن، مَنْ حَدَّثه شيئًا صدَّقه، نقول ما شِئنا، ثم نأتيه فنَحلِفُ له، فيُصدِّقُنا عليه .. فأنزل الله هذه الآية" (^٥).
_________________
(١) هو الجلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري الأوسي، ثم من بني عمرو بن عوف، كان من المنافقين ومن المتخلفين عن رسول الله - ﷺ - في تبوك، ثم تاب وحسنت توبته. انظر "أسد الغابة" (١/ ٣٤٦)؛ "الإصابة" (١/ ٢٥٢).
(٢) انظر "أسباب النزول" للواحدي (ص ٢٠٤)، "زاد المسير" لابن الجوزي (٣/ ٤٦٠)، "الدر المنثور" (٤/ ١٠/ ٢٢٧)، "لباب النقول" للسيوطي (ص ١١٩).
(٣) هو نَبْتَل بن الحارث، أخو بني عمرو بن عوف، كان رجلًا جسيمًا ثائر شعر الرأس واللحية، آدم -أسمر- أحمر العينين، أسفع الخدين مشوّه الخلقة. ذكره "الطبري" (١٠/ ١٦٨)، و"القرطبي" (٨/ ١٩٢) في تفسيرهما.
(٤) نَمَّ الحديث، يَنِمُّه نمًّا فهو نمام، والاسم: النميمة، وهي نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشر. انظر "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٥/ ١٢٠) (نمم).
(٥) انظر "تفسير الطبري" (١٠/ ١٦٨)؛ و"أسباب النزول" للواحدي (ص ٢٠٤)؛ و"زاد المسير" لابن الجوزي (٣/ ٤٦٠)، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ١٠/ ٢٢٧)، وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ٤ / ٤٦٨ ]
الدليل الثاني
° وقولهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ قالوه لِيُبيِّنوا أن كلامَهم مقبولٌ عنده، فأخبَرَ اللهُ أنه لا يُصدِّقُ إلاَّ المؤمنين، وإنما يَسمعُ الخَبَرَ، فإذا حَلَفوا له فعفا عنهم، كان ذلك لأنه أُذُنُ خير، لا لأنه صدَّقهم.
° قال سفيانُ بن عُيَيْنَة:"أُذُنُ خيرٍ يَقبلُ منكم ما أظهرتُم مِن الخير ومِن القول، ولا يؤاخِذُكم بما في قلوبِكم، ويَدَعُ سرائرَكم إلى الله وربما تَضَمَّنت هذه الكلمةُ نوعَ استهزاءٍ واستخفاف".
* الدليل الثاني: قوله سبحانه: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٦].
وهذا نصٌّ في أن الاستهزاءَ بالله وبآياتِه وبرسولِه كفر، فالسبُّ المقصودُ بطريق الأَوْلى.
وقد دلَّتْ هذه الآيةُ على أنَّ كلَّ مَنْ تنقَّصَ رسولَ الله - ﷺ - جادًّا أو هازلًا فقد كفر.
° وقد رُوي عن رجالٍ من أهل العلم -منهم ابنُ عمرَ ومحمدُ بنُ كعبٍ وزيدُ بنُ أسلمَ وقَتَادة- دخل حديثُ بعضِهم في بعض، أنه قال رجل من المنافقين (^١) في غزوةِ تبوك: "ما رأيت مثل قُرَّائِنا هؤلاء أرغبَ بطونًا، ولا أكذبَ ألْسُنًا، ولا أجْبَنَ عند اللقاء، يعني رسولَ الله - ﷺ - وأصحابَه القُرَّاء،
_________________
(١) يقال له: مُخَشِّن بن حُمَيْر: رجل من بني أشجع حليفٌ لبني سلمة (حليف الأنصار)، قاله ابن إسحاق، وقال ابن هشام (٤/ ٥٢٤): "ويقال: مَخْشِيٌّ"، وقال خليفة بن =
[ ٤ / ٤٦٩ ]
فقال له عَوْفٌ بن مالكٍ: كذبتَ، ولكنك منافق، لأُخبِرَنَّ رسول الله - ﷺ - .. فذهب عوفٌ إلى رسولِ الله - ﷺ - ليُخبِرَه، فوجدَ القرآنَ قد سَبَقه، فجاء ذلك الرجلُ إلى رسول الله - ﷺ - وقد ارتَحَل وركِبَ ناقته، فقال: يا رسولَ الله، إنما كنا نَلْعَبُ ونتحدَّثُ حديثَ الرَّكْبِ نَقْطَع به عناءَ الطريق.
° قال ابنُ عمر: "كأني أنظُر إليه متعلقًا بِنِسْعةِ (^١) ناقةِ رسولِ الله - ﷺ - وإن الحجارة لَتنكُبُ رِجليه وهو يقول: إنما نخُوضُ ونلعب، فيقول له رسول الله - ﷺ -: ﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ [التربة: ٦٥]. ما يلتفتُ إليه، وما يَزيدُه عليه" (^٢).
_________________
(١) = خياط في "تاريخه" (ص ١١٤): "اسمه مخاش الحِمْيري"، وقال ابن حجر في" الإصابة" (٦/ ٧١، ٧٩) مخاشن ثم قال: "وجزم ابن فتحون بأنه مخشي "، وذكروا أنه كان ممن عُفي عنه، فقال: يا رسول الله: غيِّر اسمي واسم أبي، فسماه عبد الله بن عبد الرحمن، فدعا عبدُ الله ربَّه أن يقتل شهيدًا حيث لا يُعَلَم به، فقُتل يوم اليمامة، ولم يُعلمْ له أثر.
(٢) نِسْعة: بكسر النون وسكون المهملة: حبل يشد به الرحل، ولا يطلق على الزمام. قال فيإ القاموس" (٣/ ٨٨): "النسع -بالكسر-: سير ينسج عريضًا على هيئة أعِنَّة النِّعال، تُشَد به الرحال، والقطعة منه نِسْعة، وسمي نِسْعًا لطوله"، وينظر "لسان العرب" (٧/ ٤٤١٠) (نسع).
(٣) هذا الأثر ذكره "المصنف" مجموعًا من رواية ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة. فأما أثر ابن عمر: فقد رواه ابن جرير الطبري (١٠/ ١٧٢)، وقال عنه السندي: "وسنده حسن لغيره؛ لأن فيه عبد الله بن صالح كاتب ليث بن سعد، وهو صدوق كثير الغلط كما في "تقريب التهذيب" (ص ٣٠٨). وله شواهد ومتابعات أخرجها ابن جرير عن قتادة وعكرمة مولى ابن عباس وعن مجاهد بن جبر المكي". ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ٦٣) وقال عنه الوادعي: "ورجالُ سنده رجال الصحيح إلا هشام بن سعد، فلم يخرج له مسلم إلا في الشواهد كما في "ميزان الاعتدال" (٤/ ٢٩٩)، وقد نسب السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ١٠/ ٢٣٠) إخراج =
[ ٤ / ٤٧٠ ]
الدليل الثالث
فهؤلاء لَما تنقَّصوا النبيَّ - ﷺ -، حيث عابوه والعلماءَ من أصحابه، واستهانوا بخبره، أخبَرَ الله أنهم كفروا بذلك، وإن قالوه استهزاءً، فكيف بما هو أغلَظُ من ذلك؟ وإنما لم يُقِم الحدَّ عليهم لكونِ جهادِ المنافقين لم يكن قد أُمِرَ به إذ ذاك، بل كان مأمورًا بأن يَدَعَ أذاهم؛ ولأنه كان له أن يعفوَ عمَّن تنقَّصه وآذاه (^١).
* الدليل الثالث: قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨].
واللمزُ: العيبُ والطعن (^٢)، قال مجاهد: "يتَّهمُك يسألك يزْراك" (^٣).
وقال عطاء: "يَغتَابُك".
* وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١] الآية.
وذلك يدلُّ على أن كلَّ مَنْ لَمَزه أو آذاه كان منهم؛ لأنَّ ﴿الَّذِينَ﴾ و﴿وَمَن﴾ اسمان موصولانِ، وهما مِن صِيَغ العموم، والآية وإن كانت
_________________
(١) = هذه الرواية إلى أبي الشيخ وابن مردويه. وينظر: "تفسير القرطبي" (٨/ ١٩٦)، و" أسباب النزول" للواحدي (ص ٢٠٥)، و"لباب النقول" للسيوطي (ص ١١٩). وأما رواية محمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة. فهي معروفة لكن بغير هذا اللفظ وقد أخرجها ابن جرير الطبري (١٠/ ١٧٢)، وهي مرسلة. ينظر: "الصحيح المسند من أسباب النزول" للوادعي (ص ٧٧ - ٧٨)، و"الذهب المسبوك" للسندي (ص ١٤٤).
(٢) قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣].
(٣) انظر "تفسير الطبري" (١٠/ ١٥٥)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (٢/ ٩٥٦)، و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٣٦٣)، و"الدرّ المنثور" (٤/ ١٠/ ٢١٩).
(٤) زَرَى: عابه وعاتبه، والإزراء: التهاون بالشيء، انظر "اللسان" (٣/ ١٨٣٠) زرى.
[ ٤ / ٤٧١ ]
الدليل الرابع
نزلت بسبب لَمْزِ قَوْمٍ وأذى آخَرِين، فحُكمُها عامٌّ كسائِر الآيات اللواتي نزلْنَ على أسباب، وليس بين الناس خلافٌ نعلمُه أنها تعمُّ الشخصَ الذي نزلت بسببه ومَنْ كان حالُه كحاله، ولكن إذا كان اللفظُ أعمَّ من ذلك السبب، فقد قيل: "إنه يَقتصِرُ على سببه".
والذي عليه جماهيرُ الناس أنه يجبُ الأخْذ بعموم القول، ما لم يَقُمْ دليلٌ يوجبُ القَصْرَ على السبب.
وأيضًا، فإن كَوْنَه منهم حُكمٌ معلَّقٌ بلفظٍ مشتقٍّ من اللمز والأذى، وهو مناسبٌ لكونه منهم؛ فيكونُ ما منه الاشتقاقُ هو علَّةً لذلك الحكمِ، فيجب اطِّرَادُه.
وأيضًا، فإن هذا القولَ مناسبٌ للنفاق؛ فإن لَمْزَ النبيِّ - ﷺ - وأذاه لا يفعلُه مَنْ يعتقدُ أنه رسولُ الله حقًّا، وأنه أَوْلى به من نَفْسه، وأنه لا يقولُ إلاَّ الحق، ولا يَحكمُ إلاَّ بالعدل، وأن طاعتَه طاعةٌ لله، وأنه يجبُ على جميعِ الخلق تعزِيرُه وتوقيره، وإذا كان دليلًا على النفاق نفسِهِ، فحيثما حَصَل حَصَل النفاق.
* الدليل الرابع: قوله ﷾: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
أقْسَمَ سبحانه بنفسهِ أنهم لا يؤمنون حتى يحكِّموه في الخصومات التي بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا من حكمه، بل يُسلِّموا لِحكمِهِ ظاهرًا وباطنًا.
* وقال قبل ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن
[ ٤ / ٤٧٢ ]
الدليل الخامس
يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صدُودًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١].
فبيَّن سبحانه أن مَنْ دُعي إلى التحاكمِ إلى كتاب الله وإلى رسوله، فصدَّ عن رسوله كان منافقًا.
* وقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٤٧ - ٥١].
فبيَّن سبحانه أن مَن تولَّى عن طاعةِ الرسول وأعرض عن حُكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن، وأن المؤمنَ هو الذي يقول: "سمعنا وأطعنا"؛ فإذا كان النفاقُ يَثبُتُ، ويَزولُ الإيمانُ بمجردِ الإعراضِ عن حُكمِ الرسول وإرادة التحاكمِ إلى غيره، مع أن هذا تركٌ محض، وقد يكون سببُه قوةَ الشهوة، فكيف بالتنقُّصِ والسبِّ ونحوه؟.
* الدليل الخامس: ما استَدلَّ به العلماءُ على ذلك: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسولَة لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (٥٧) وَالَذِينَ يُؤْذونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨] الآية.
[ ٤ / ٤٧٣ ]
° ودلالتها من وجوه:
أحدها: أنه قَرَن أذاه بأذاه، كما قَرَن طاعتَه بطاعته، فمَن آذاه فقد آذى الله تعالى، وقد جاء ذلك منصوصًا عنه، ومَن آذى اللهَ فهو كافرٌ حَلالُ الدَّمِ، يبِّينُ ذلك أن الله تعالى جَعَل محبةَ الله ورسولِه، وإرضاءَ الله ورسولهِ، وطاعةَ الله ورسوله شيئًا واحدًا.
* فقال تعالى: ﴿قلْ إِن كَانَ آبَاؤكمْ وَأَبْنَاؤُكمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتكمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتموهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كسَادَهَا وَمَسَاكِن تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤].
* وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] في مواضع متعددة، وقال تعالى: ﴿وَالله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. فوحَّدَ الضميرَ، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعونَ اللهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وقال أيضًا: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١].
* وجَعل شِقَاقَ اللهِ ورسولِه، ومحادَّةَ الله ورسوله، وأذى اللهِ ورسولِه، ومعصيةَ الله ورسوله شيئًا واحدًا.
* فقال: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهمْ شَاقوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣].
* وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يحَادُّونَ اللهَ وَرَسولهُ﴾ [المجادلة: ٢٠].
* وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٦٣].
* وقال: ﴿وَمن يَعْصِ اللهَ وَرَسولَهُ﴾ الآية. [النساء: ١٤]، و[الأحزاب: ٣٦]، و[الجن: ٢٣].
[ ٤ / ٤٧٤ ]
الدليل السادس
وفي هذا وغيرِه بيانٌ لتلازُم الحقَّين، وأن جهةَ حُرمةِ اللهِ ورسولِه جهةٌ واحدة؛ فمَن آذى الرسولَ فقد آذى اللهَ، ومَن أطاعه فقد أطاع الله؛ لأنَّ الأُمَّةَ لا يَصِلون ما بينهم وبين ربِّهم إلاَّ بواسطة الرسولِ، ليس لأحدٍ منهم طريقٌ غيرُه ولا سببٌ سواه، وقد أقامه اللهُ مَقَام نفسِهِ في أمره ونَهْيه وإخبارِه وبيانه، فلا يجوزُ أن يُفَرَّقَ بين الله ورسوله في شيءٍ من هذه الأمور.
وثانيها: أنه فَرَّق بين أذى اللهِ ورسولِه، وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجَعل هذا قد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا (^١)، وجَعَل على ذلك لعنتَه في الدنيا والآخرة، وأعدَّ له العذابَ المُهين (^٢) .. ومعلومٌ أن أذى المؤمنين قد يكونُ من كبائرِ الإِثم وفيه الجَلْد، وليس فوق ذلك إلاَّ الكفرُ والقتل.
الثالث: أنه ذَكَر أنه لَعَنَهم في الدنيا والآخرة وأعَدَّ لهم عذابًا مهينًا، واللَّعْنُ: الإِبعادُ عن الرَّحمةِ، ومَنْ طَرَده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكونُ إلاَّ كافرًا، فإنَّ المؤمن يَقرُبُ إليها بعضَ الأوقاتِ، ولا يكون مباحَ الدَّمِ؛ لأن حقْنَ الدمِ رحمةٌ عظيمة من الله؛ فلا يَثبُتُ في حقِّه.
* الدليل السادس: قوله سبحانه: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كجَهْرِ بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. أي: حَذَرًا أن تَحْبَطَ أعمالُكم، أو خَشْيَةَ أن تحبط أعمالكم، أو كَرَاهةَ أن تحبط، أو مَنْعَ أن تحبط، هذا تقديرُ البصريين، وتقدير الكوفيين: "لِئَلاَّ تَحْبَطَ" (^٣).
_________________
(١) انظر الأحزاب: ٥٨.
(٢) انظر الأحزاب: ٥٧.
(٣) انظر "تفسير االطبري" (٢٦/ ١١٩)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (٧/ ٤٥٧)، و"تفسير =
[ ٤ / ٤٧٥ ]
فوَجْهُ الدلالة أن الله سبحانه نهاهم عن رفعِ أصواتِهم فوقَ صوته، وعن الجهرِ له كجهرِ بعضِهم لبعضٍ؛ لأنَّ هذا الرفعَ والجهرَ قد يُفْضي إلى حُبُوطِ العمل وصاحبُه لا يشعر؛ فإنَّه عَلَّلَ نَهْيَهم عن الجهرِ وتركَهم له بطَلَبِ سلامةِ العملِ عن الحبوط، وبَيَّن أن فيه من المَفْسَدَةِ جوازَ حبوطِ العمل وانعقادَ سبب ذلك، وما قد يُفْضِي إلى حُبوطِ العمل يجب تركُه غايةَ الوجوبِ، والعملُ يَحْبَطُ بالكفر.
* قال سبحانه: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَاُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧].
* وقال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُةُ﴾ [المائدة:٥].
* وقال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].
* وقال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
* وقال: ﴿ذَلِكَ بِاَنَّهمْ كرِهُوا مَا أَنزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].
* وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهم اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكرِهوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨].
* كما أن الكفر إذا قَارَنه عمل، لم يُقْبل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
* وقوله: ﴿الَّذِينَ كفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١].
_________________
(١) = القرطبي" (١٦/ ٣٠٦).
[ ٤ / ٤٧٦ ]
الدليل السابع
* وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤].
وهذا ظاهرٌ، ولا تَحْبطُ الأعمالُ بغير الكفر؛ لأن مَنْ مات على الإيمان، فإنَّه لاُبدَّ أن يدخلَ الجنةَ ويخرجَ من النار إنْ دَخَلَها، ولو حَبِطَ عملُه كلُّه لم يدخلِ الجنةَ قط، ولأن الأعمالَ إنما لُحْبِطها ما ينافيها، ولا يُنافي الأعمالَ مطلقًا إلا الكفرُ، وهذا معروف من أصول أهل السنة.
* نعم قد يَبطُلُ بعضُ الأعمال بوجودِ ما يفسده، كما قال تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، ولهذا لم يُحبِطِ اللهُ الأعمالَ في كتابه إلاَّ بالكفر.
فإذا ثَبَتَ أن رَفْعَ الصوتِ فوقَ صوتِ النبيِّ والجَهْرَ له بالقول يُخافُ منه أن يكفرَ صاحبُه وهو لا يشعر ويَحْبَطَ عَمَلُه بذلك، وأنه مَظِنَّةٌ لذلك وسببٌ فيه؛ فمِن المعلوم أن ذلك لِمَا ينبغي له - ﷺ - من التعزيرِ والتوقيرِ والتشريفِ والتعظيمِ والإكْرامِ والإجْلال.
* الدليل السابع: قولُه سبحانه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
أَمَرَ مَن خالف أمرَه أن يحذَرَ الفتنةَ، والفتنة: الردَّةُ والكفر (^١).
_________________
(١) للإمام أحمد كتاب بعنوان "طاعة الرسول - ﷺ -، ولعل هذه الرواية تكون منه. وقد ذُكر هذا الكتاب في "المسودة" (ص ١٤)، "طبقات المفسرين" للداودي (١/ ٧١). وقد جاء في "مسائل الإمام أحمد" برواية عبد الله "باب طاعة الرسول - ﷺ -" (٣/ ١٣٥٥): "حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: ذكر الله =
[ ٤ / ٤٧٧ ]
* قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣].
* وقال: ﴿وَالْفِتْنَة أَكبَر مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
* وقال: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ علَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤].
* وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فتِنوا﴾ [النحل: ١١٠].
° قال الإمامُ أحمد في روايةِ الفضلِ بن زياد: "نظرتُ في المصحف فوجدتُ طاعَةَ الرسول - ﷺ - في ثلاثةٍ وثلاثين موضعًا"، ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] الآية.
* وجعل يُكرِّرها ويقول: "وما الفتنة؟ الشرك، لعلَّه إذا ردَّ بعضَ قولِه أن يَقَعَ في قلبه شيء من الزيغ فيزيغَ قلبُه فيُهلِكَه"، وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يؤْمِنُونَ حَتَّى يحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥].
° وقال أبو طالب المُشْكَاني -وقيل له: "إن قدمًا يَدَّعون الحديثَ ويذهبون إلى رأيِ سفيانَ وغيره فقال: أعْجَبُ لقومٍ سمعوا الحديثَ وعرفوا الإسنادَ وصحته، يَدَعُونَهُ ويذهبون إلى رأيِ سفيانَ وغيره! قال الله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه أَن تصيبَهُمْ فتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وتدري ما الفتنة؟ الكفر، قَال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكبر مِن
_________________
(١) = ﵎ طاعة رسول الله ﵇ في القرآن في غير موضع -فذكرها أبي كلها أو عامها فلم أحفظ، فكتبتها بعد من كتابه" اهـ. يعني: من كتاب "طاعة الرسول - ﷺ - للإمام أحمد المذكور آنفًا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد أمر بطاعة الرسول في نحو أربعين موضعًا"اهـ. ثم سَرَد بعضها. "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" (١/ ٤، ٦٧)، (١٩/ ٨٣).
[ ٤ / ٤٧٨ ]
الدليل الثامن
الْقَتْلِ﴾، فَيَدَعُونَ الحديث عن رسول الله - ﷺ -، وتَغلِبُهم أهواؤهم إلى الرأي".
فإذا كان المخالِفُ عن أمره قد حُذِّر من الكفرِ والشرك، أو من العذابِ الأليم، دلَّ على أنه قد يكونُ مفضِيًا إلى الكفر أو إلى العذاب الأليم، ومعلومٌ أن إفضاءَه إلى العذاب هو مُجَرَّدُ فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لِمَا قد يَقترنُ به من استخفافٍ بحقِّ الآمر، كما فَعَلَ إبليس، فكيف بما هو أغلظُ مِن ذلك كالسبِّ والانتقاصِ ونحوه؟.
وهذا بابٌ واسع، مع أنه بحمدِ الله مُجْمَع عليه، لكن إذا تَعدَّدَتِ الدلالاتُ تعاضَدَتْ على غِلَظِ كُفرِ السابِّ وعِظَمِ عقوبته، وظَهَر أنَّ تركَ الاحترام للرسول وسُوءَ الأدبِ معه مما يُخاف معه الكفرُ المُحبِطُ، كان ذلك أبْلَغَ فيما قصدنا له.
ومما ينبغي أن يُتَفَطَنَ له أن لفظ "الأذى" في اللُّغة هو لِمَا خفَّ أمرُه وضعف أثرُه من الشرِّ والمكروه -ذَكَره الخطَّابي وغيره-، وهو كما قال (^١)، فإن استقراء موارده يدلُّ على ذلك.
فعُلِم أن قليلَ ما يُؤذيه يكَفَّر به صاحبُه ويُحِلُّ دَمَه.
* الدليل الثامن: أن الله سبحانه قال: ﴿وَمَا كانَ لَكُمْ أَن تؤْذوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَه مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
فحَرَّم على الأُمَّةِ أن تَنكِحَ أزواجَه من بعده؛ لأنَّ ذلك يُؤْذيه، وجَعَله
_________________
(١) انظر "تاج العروس" (١٠/ ١٣)، وفيه نقل قول الخطَّابي.
[ ٤ / ٤٧٩ ]
عظيمًا عند الله تعظيمًا لحرمته، وقد ذُكر أن هذه الآية نزلَتْ لَمَّا قال بعضُ الناس: "لو قد تُوُفِّي رسولُ الله - ﷺ - تَزوَّجتُ عائشة".
ثم إنْ مَنْ نكح أزواجَه أو سَرَاريه، فإن عقوبتَه القتلُ، جزاءً له بما انتهك من حرمته، فالشاتِمُ له أولى.
والدليل على ذلك ما رَوَىَ مسلم في "صحيحه" عن زُهَيْر، عن عَفَّان (^١)، عن حَمَّاد، عن ثابتٍ، عن أنس أن رجلًا كان يُتَّهَمُ بأمِّ ولدِ النبيِّ - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ - لعليٍّ: "اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَه"، فأتاه عليٌّ فإذا هو في رَكِيٍّ (^٢) يتبرَّدُ، فقال له عليٌّ: اخرُجْ .. فناوَلَه يَدَه، فأخرجه، فإذا هو، مَجْبُوبٌ ليس له ذَكَر، فكفَّ علي، ثم أتى النبيَّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنه لمجبوبٌ، ما له ذَكَر".
فهذا الرجلُ أمَرَ النبي - ﷺ - بضربِ عُنقِه لِمَا قد استحلَّ من حُرمته، ولم يأمرْ بإقامةِ حدِّ الزنى، لأنَّ حدَّ الزنى ليس هو ضربَ الرقبة، بل إن كان مُحْصَنًا رُجِمَ، وإن كان غيرَ محصن جُلد، ولا يقامُ عليه الحدُّ إلاَّ بأربعةِ شهداءَ، أو بالإقرارِ المعتبر، فلمَّا أمر النبيُّ - ﷺ - بضربِ عُنقه من غيرِ تفصيلٍ بَيْنَ أن يكون مُحصَنًا أو غيرَ محصن، غلم أن قتلَه لِمَا انتَهَكه من حُرمته، ولعله قد شَهِد عنده شاهدان أنهما رَأيَاه يباشِرُ هذه المرأة، أو شَهِدا بنحو ذلك، فأمر بقتله، فلما تبيَّن أنه كان مَجْبُوبًا، عَلم أن المفسدةَ مأمونةٌ منه.
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٢٢/ ٤٠)، و"زاد المسير" (٦/ ٤١٦)، و"تفسير ابن كثير" (٣/ ٥٠٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي.
(٢) الرَّكِيُّ: جنس للرَّكِيَّة، وهو البئر، وجمعها رَكايا. انظر "النهاية" لابن الأثير (ركا) (٢/ ٢٦١).
[ ٤ / ٤٨٠ ]
° ويدلُّ على ذلك أن النبيَّ - ﷺ - تزوَّجَ قَيْلَةَ بنتَ قَيْسِ بنِ مَعْدِي كرب -أختَ الأشعث-، ومات قبلَ أن يَدْخُل بها، وقبل أن تَقْدَمَ عليه (^١)، وقيل: إنه خَيَّرها بين أن يضربَ عليها الحجابَ وتَحرُمَ على المؤمنين، وبين أن يُطَلقها فتنكحَ مَنْ شاءت، فاختارت النكاحِ، قالوا: فلما مات النبي - ﷺ - تزوَّجها عِكْرِمةُ بنُ أبي جَهْل بحَضْرَمَوْت، فبلغ أبا بكر، فقال: "لقد هممتُ أن أحرقَ عليهما بيتَهما"، فقال عمرُ: "ما هي مِن أمهات المؤمنين، ولا دَخَل بها، ولا ضَرَبَ عليها الحجاب".
وقيل: إنها ارتَدَّتْ.
فاحتجَّ عمرُ على أبي بكر أنها ليست من أزواجِ النبي - ﷺ - بارتدادها (^٢).
° فوجهُ الدلالة: أن الصدِّيق - ﵁ - عَزَم على تحريقها وتحريقِ مَنْ
_________________
(١) قال الحافظ في "الإصابة" (٨/ ١٧٤): أخرج أبو نعيم من طريق إسحاقَ بنِ إبراهيم بن حَبيب الشهيدي، عن عبد الأعلى، عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن النبي - ﷺ - تزوَّج قَيلةَ أختَ الأشعث، ومات قبلَ أن يُخيِّرها"، قال الحافظ: "وهذا موصول قوي الإسناد".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤١) وعنه ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٥٠٦) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. قال ابن جرير الطبري: "حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهَّاب، قال: ثنا داودُ، عن عامر أن النبي - ﷺ - مات وقد مَلَك قَيلةَ بنتَ الأشعث، فتزوَّجها عكرمةُ بنُ أبي جهل بعد ذلك، فشَقَّ على أبي بكر مشقةً شديدة، فقال له عمر: يا خليفةَ رسول الله، إنها ليست من نسائه، إنها لم يُخيِّرها رسولُ الله - ﷺ - ولم يَحجُبْها، وقد برأَها منه بالردَّة التي ارتدَّت مع قومها، فاطمأن أبو بكر وسكن. ينظر: "طبقات ابن سعد" (٨/ ١٤٧)، "المستدرك" (٤/ ٣٨)، "أسد الغابة" (٧/ ٢٤٠)، "الإصابة" (٨/ ١٧٤).
[ ٤ / ٤٨١ ]
الحديث الأول
تزوجها، لِمَا رأى أنها مِن أزواج النبي - ﷺ -، حتى ناظَرَه عمرُ أنها ليست من أزواجه، فكفَّ عنهما لذلك، فعُلم أنهم كانوا يَرَوْنَ قَتْلَ مَنِ استَحلَّ حُرمةَ رسولِ الله - ﷺ -.
° ولا يقال: "إن ذلك حدُّ الزنى؛ لأنَّها كانت تكونُ محرمةً عليه، ومَنْ تَزَوَّجَ ذاتَ مَحْرمٍ حُدَّ حَدَّ الزنى أو قُتل"؛ لوجهين:
أحدهما: أن حَدَّ الزنى الرجْمُ.
الثاني: أن ذلك الحدَّ يفتقر إلى ثبوت الوطْءِ ببيِّنةٍ أو إقرار، فلمَّا أراد تحريقَ البيتِ مع جوازِ ألاَّ يكونَ غَشِيَها، علم أن ذلك عقوبةٌ لِمَا انتَهكه من حُرمةِ رسول الله - ﷺ -.
* الأدلة من السُّنَّة:
الحديث الأول: ما رواه الشَّعْبيُّ عن عليٍّ: "أن يهوديةً كانت تَشْتُم النبي - ﷺ - وتَقَعُ فيه، فخَنَقها رجلٌ حتى ماتت، فأَبْطَل (^١) رسولُ اللهﷺ - دمها".
هكذا رواه أبو داود في "سُنَنه" (^٢)، وابنُ بَطَّة في "سننه"، وهو من جُملة ما استدلَّ به الإمامُ أحمدُ في روايةِ ابنه عبد الله، وقال: ثنا جرير عن مغيرة، عن الشَّعبيِّ قال: كان رجلٌ من المسلمين -أعني: أعمى- يأوِي إلى امرأةٍ يهودية، فكانت تُطْعِمُه وتُحسِنُ إليه، فكانت لا تزالُ تَشتمُ النبيَّ - ﷺ -
_________________
(١) أبْطل: أي: أهدر "لسان العرب" (١/ ٣٠٢) (بطل).
(٢) إسناده جيد: رواه أبو داود في "سننه" -كتاب الحدود- باب فيمن سبَّ النبي - ﷺ - (٤/ ٥٣٠ ح ٤٣٦٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٦٠) و(٩/ ٢٠٠).
[ ٤ / ٤٨٢ ]
الحديث الثاني
وتؤذيه، فلما كان ليلةٌ من الليالي خَنَقَهَا فماتت، فلمَّا أصبح ذُكِرَ ذلك للنبي - ﷺ -، فَنَشَدَ الناسَ في أمرها، فقام الأعمى، فذَكَر له أمرها، فأبطَلَ رسولُ الله - ﷺ - دَمَها (^١).
وهذا الحديث نَصٌّ في جواز قتلِها لأجل شَتمِ النبيِّ - ﷺ -، ودليلٌ على قَتلِ الرجلِ الذِّمّيِّ وقتلِ المسلمِ والمسلمةِ إذا سبَّا بطريق الأَوْلى؛ لأن هذه المرأة كانت مُوَادِعةً مُهَادِنة؛ لأن النبيَّ - ﷺلَمَّا قَدِمَ المدينةَ وَادعَ جميعَ اليهود الذين كانوا بها مُوَادَعةً مطلقةً، ولم يَضرِبْ عليهم جِزْيَةً، وهذا مشهورٌ عند أهلِ العلم -بمنزِلةِ المتواتر بينهم-، حتى قال الشافعي: "لم أعلَمْ مخالفًا من أهل العلم بالسَّيَرِ أن رسولَ الله - ﷺ - لمَّا نَزَل المدينة وادعَ يهودَ كافةً على غيرِ جزية" (^٢).
الحديث الثاني: عن عِكْرِمةَ، عن ابن عباسٍ - ﵄ -: "أن أعْمى كانت له أمُّ ولدٍ تَشْتُم النبي - ﷺ - وتَقَعُ فيه، فَينْهَاها فلا تَنْتَهِي، ويزجُرُها فلا تنزجر، فلما كان ذات ليلةٍ جَعَلَتْ تقعُ في النبي - ﷺ - وتشتُمه؛ فأخَذَ المِغْول (^٣) فوضَعَه في بطنها واتَّكَأَ عليها فقتلها، فلما أصبَحَ ذُكِرَ ذلك للنبي
_________________
(١) جيد: الحديث بتمامه رواه الخلال في أحكام أهل الملل": كتاب الحدود- باب فيمن شتم النبي - ﷺ - (ق/ ١٠٤/ أ)؛ والبيهقي في "السنن الكبرى، مختصرًا (٧/ ٦٠)، و(٩/ ٢٠٠) عن الروذباري عن محمد بن بكر عن أبي داود عن عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن الجراح عن جرير به .. وقد ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١/ ٣٦٣) رواية تدل على أن الأعمى هو عبد الله بن أم مكتوم -﵁-. وجود إسناده ابن تيمية، والشعبي قد رأى عليًّا.
(٢) انظر "الأم" للشافعي- "الحكم بين أهل الذمَّة" (٤/ ٢٢٢).
(٣) المِغْول: شبيه المشْمل؛ وهو السيف القصير ذو النَّصْل الدقيق الماضي.
[ ٤ / ٤٨٣ ]
- ﷺ -، فجَمَع الناسَ فقال: "أنْشُدُ اللهَ رَجُلًا فَعَلَ ما فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إلاَّ قَامَ"، فقام الأعمَى يتخطَّى الناسَ وهو يَتدلدلُ (^١) حتى قَعَدَ بين يَدَي النبيِّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أنا صَاحِبُها، كانت تشتمُك وتَقَعُ فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجُرُها فلا تَنزَجر، ولي منها ابْنَانِ مِثْلُ اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقةً، فلما كان البارحةُ جَعلت تشتُمُك وتقعُ فيك، فأخذتُ المِغْول، فوضعتُه في بطنها واتَّكَأتُ عليه حتى قَتلتُها، فقال النبي - ﷺ -: "ألَا اشْهَدُوا أنَّ دَمَها هَدَرٌ" (^٢).
فهذه القصةُ يمكنُ أن تكون هي الأُولى، وعليه يدلُّ كلامُ الإِمام أحمد؛ لأنه قيل له في رواية عبد الله: "في قتل الذمي إذا سَبَّ أحاديث؟ قال: نعم، منها حديثُ الأعْمى الذي قَتل المرأة، قال: سَمِعْتُهَا تَشْتمُ النبيَّ - ﷺ - ".
ثم روى عنه عبدُ الله كلا الحديثين، ويكون قد خَنَقَها وبَعَجَ بَطْنَهَا
_________________
(١) يتدلدل: أي: يضطرب في مشيته.
(٢) رواه أبو داود في كتاب الحدود -باب الحكم فيمن سب النبي - ﷺ - (٤/ ٥٢٨ ح ٤٣٦١) وفيه عبارة: "فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم"، وفي لفظ: "يتخطى الناس وهو يتزلزل"؛ والنسائي في كتاب تحريم الدم -باب الحكم فيمن سب النبي - ﷺ - (٧/ ١٠٧)، والدارقطني في كتاب الحدود والديات وغيره (٣/ ١١٢ ح ١٠٣)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٥٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٦٠)، و(١٠/ ١٣١) وعنده بلفظ "المعول" بالعين المهملة في الموضعين وهو تصحيف. الحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حجر في" بلوغ المرام" (ص ٢٥٥ ح ١٢٣٠):"رواته ثقات" وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (٣/ ٨٢٤ ح ٣٦٦٥).
[ ٤ / ٤٨٤ ]
الحديث الثالث
بالمِغْول، أو يكون كيفيةُ القتل غيرَ محفوظة في إحدى الروايتين.
ويؤيدُ ذلك أن وقوع قِصَّتين مثلِ هذه لأعْمَيَيْنِ كلُّ منهما كانت المرأة تُحسِنُ إليه وتُكَرِّر الشتم، وكلاهما قَتَلها وحده، وكلاهما نَشَدَ رسولُ الله - ﷺ - فيها الناسَ، بعيدٌ في العادة، وعلى هذا التقدير فالمقتولَةُ يهودية كما جاء مُفَسَّرًا في تلك الرواية، وهذا قولُ القاضي أبي يَعْلَى وغيره، استدلُّوا بهذا الحديث على قتل الذمِّي ونَقْضِه العهدَ، وجعلوا الحديثين حكايةَ واقعةٍ واحدةٍ.
ويمكن أن تكون هذه القصَّةُ غيرَ تلك.
الحديث الثالث: ما احتَج به الشافعي على أن الذميَّ إذا سبَّ قُتِل وبَرِئت منه الذمة، وهو قصَّةُ كعبِ بن الأشْرَفِ اليهوديِّ.
° قال الخَطَّابيُّ: قال الشافعيُّ: "يُقتل الذميُّ إذا سَبَّ النبيَّ - ﷺ -، وتبرأُ منه الذمَّة"، واحتَج في ذلك بخبرِ كعبِ بنِ الأشرَفِ، وقد مَرَّ حديثُه.
والاستدلالُ بقتل كعب بن الأشرف من وجهين:
أحدهما: أنه كان مُعاهَدًا مُهَادَنًا، وهذا لا خلافَ فيه بين أهل العلم بالمغازي والسير، وهو عندهم من العلمِ العامِّ الذي يُستغنى فيه عن نقل الخاصة.
ثم إن النبي - ﷺ -، جَعَل كعبَ بنَ الأشرف ناقضًا للعهد بهجائِه وأذاه بِلِسانه خاصة، والدليل على أنه إنما نَقَض العهدَ بذلك أن النبي - ﷺ - قال "مَن لِكعبِ بن الأشرف، فإنه قد آذَى اللهَ ورسولَه".
وقوله - ﷺ -:"لو قَرَّ كما قَرَّ غيرُه مِمَّنْ هو على مثْلِ رأيه ما اغتِيل، ولَكِنَّه نال مِنَّا الأذى وهَجَانا بالشِّعْر، ولَم يَفْعَلْ هذا أحدٌ مِنكم إلاَّ كَان
[ ٤ / ٤٨٥ ]
السيفُ"، نصٌّ أنه إنما انتُقض عهدُ ابن الأشرف بالهجاء ونحوه، وأنَّ من فعل هذا من المعاهَدين فقد استحقَّ السيف.
الوجه الثاني: من الاستدلال به: أن النَّفَرَ الخمسة الذين قَتَلوه من المسلمين: محمد بن مَسْلمة، وأبا نائِلة، وعَبَّادَ بن بِشر، والحارثَ بنَ أوس، وأبا عَبْسٍ بن جَبْر، قد أذنَ لهم النبيُّ - ﷺ - أن يغتالوه ويَخْدعُوه بكلامٍ يُظْهرُون به أنهم قد أَمَّنوه ووافقوه، ثم يقتلوه، ومن المعلوم أن مَن أظهَرَ لكافرٍ أمانًا لم يَجُزْ قَتلُه بعد ذلك لأجلِ الكفر، بل لو اعتَقد الكافرُ الحربيُّ أن المسلمَ آمَنَه وكَلَّمه على ذلك صار مستأمَنًا.
• قال النبي - ﷺ - فيما رواه عنه عَمرُو بنُ الحَمِق: "مَنْ آمنَ رَجُلًا عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ ثُمَ قَتَلَهُ، فَأنَا مِنهُ بَرِيءٌ، وإنْ كَانَ المَقْتُولُ كَافِرًا" (^١).
• وعن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "الإيْمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ (^٢)، لا يَفْتِكُ
_________________
(١) صحيح: رواه الإِمام أحمد: في "المسند" (٤/ ٢٢٣، ٢٢٤، ٤٣٧) بلفظين: الأول: "مَن أمَّن رجلًا على نفسه فقتله أُعطي لواءَ الغْدرِ يوم القيامة". والثاني: "أيُّما مؤمنٍ أمَّن مؤمنًا على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء"، ورواه ابن ماجه: في كتاب الديات -باب من أَمنَ رجلًا على دمه فقتله (٢/ ٨٩٦ ح ٢٦٨٨)، والطبراني في "المعجم الصغير" (١/ ٤٦ ح ٣٨)، (١/ ٣٥٠ ح ٥٨٤)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٥٣). الحديث قال عنه الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في "الزوائد" على ابن ماجه."وإسناده صحيح ورجاله ثقات"، وقال الهيثمي في"مجمع الزوائد" (٦/ ٢٨٨): "رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات". وصحح إسناده أيضًا الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" (٢/ ١٠٧ ح ٢١٧٧)، وفي"الصحيحة" (١/ ٧٢٥ ح ٤٤٠).
(٢) الفتك أي: يأتي الرجل صاحبه وهو غارٌّ غافل، فيشد عليه فيقتله، والغِيلة: أن يخدعه ثم يقتله في موضع خفي. ينظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٤٠٩) (فتك). ومعنى "الإيمان قيَّد الفتك"، أي: أن الإيمان يمنعُ من الفتك كما يمنعُ القيدُ عن التصرف، فكأنه =
[ ٤ / ٤٨٦ ]
مُؤمِن" (^١).
وقد زَعم الخَطَّابي (^٢) أنهم إنما فَتكوا به؛ لأنَّه كان قد خَلَع الأمان، ونَقَض العهدَ قبل هذا، وزَعَم أن مِثلَ هذا جائزٌ في الكافرِ الذي لا عَهدَ له كما جاز البَياتُ والإغارة عليهم في أوقات الغِرَّة.
لكن يقال: هذا الكلام الذي كَلَّموه به صار مستأمنًا، وأدنى أحواله أن يكون له شُبهةُ أمان، ومِثلُ ذلك لا يجوزُ قتلُه بمجردِ الكفر؛ فإن الأمانَ يَعصِمُ دمَ الحربي ويصيرُ مستأمَنًا بأقلَّ من هذا -كما هو معروف في مواضعه (^٣) -، وإنما قتلوه لأجل هجائِه وأذاه للهِ ورسوله، ومَن حَلَّ قتلُه بهذا الوجه لم يُعصَمْ دمُه بأمانٍ ولا بعهدٍ كما لو آمَنَ المسلمُ مَنْ وجب قتلُه لأجل قطع الطريق ومحاربةِ الله ورسوله والسعيِ في الأرض بالفسادِ الموجِبِ
_________________
(١) = جعل الفتك مقيدًا، ومنه قولهم في صفة الفرس: "هو قيد الأوابد"، يريدون أنَّه يلحقها بسرعة، فكأنها مقيدة به لا تعدوه. ينظر: "النهاية" (٤/ ١٣٠) (قيد).
(٢) صحيح: رواه أبو داود: في كتاب الجهاد- باب في العدو يؤتى على غرة ويتشبه بهم (٣/ ٨٧ ح ٢٧٦٩) عن أبي هريرة. ورواه أحمد: في "المسند" (١/ ١٦٦، ١٦٧) عن الزبير بن العوام. ورواه أحمد أيضًا في "المسند" (٤/ ٩٢)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٥٢) عن معاوية بن أبي سفيان. قال أبو داود عن حديث أبي هريرة: "في إسناده أسباط بن نصر الهمداني، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي. وقد أخرج لهما مسلم وتكلم فيهما غير واحد من الأئمة" اهـ. وصحح إسناده الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (٢/ ٥٣٣ ح ٢٤٠٧). وحديث الزبير صحح إسناده أحمد محمد شاكر في شرحه على"المسند" (٢/ ٣/ ١٩ ح ١٤٢٦). وحديث معاوية سكت عنه الحاكم، وحسنه السيوطي في "الجامع الصغير" (١/ ١٢٤).
(٣) في"معالم السنن" (٤/ ٨٢، ٨٣).
(٤) انظر "الأحكام السلطانية" لأبي يعلى (ص ٤٨).
[ ٤ / ٤٨٧ ]
للقتل، أو آمن مَنْ وجب قتلُه لأجل زِناه، أو آمن مَنْ وجب قتلُه لأجل الرِّدة، أو لأجلِ تركِ أركانِ الإسلام ونحو ذلك، ولا يجوزُ أن يَعقِدَ له عَقدَ عهدٍ، سواءٌ كان عقدَ أمانٍ، أو عَقْدَ هُدنةٍ، أو عَقْدَ ذِمة؛ لأنَّ قتلَه حدٌّ من الحدود، وليس قتلُه لمجردِ كونهِ كافرًا حربيًّا كما سيأتي، وأمَّا الإغارةُ والبياتُ فليس هناك قولٌ أو فعلٌ صاروا به آمنين، ولا اعتَقدوا أنهم قد أُمِنوا، بخلافِ قصةِ كعبِ بنِ الأشرف.
فثَبَت أن أذى اللهِ ورسولهِ بالهجاء ونحوِه لا يُحْقَنُ معه الدمُ بالأمان، فلأَن لا يُحْقَنَ معه بالذمةِ المؤَبَّدة والهدنةِ المؤقتةِ بطريقِ الأولى، فإن الأمانَ يجوزُ عقدُه لكلِّ كافر، ويَعقِدُه كلُّ مسلم، ولا يُشترطُ على المستأمَن شيءٌ من الشروط، والذمةُ لا يَعقِدُها إلاَّ الإمامُ، أو نائبُه، ولا تُعقَدُ إلاَّ بشروطٍ كثيرةٍ تُشترطُ على أهل الذمة: مِن التزامِ الصَّغَارِ ونحوه، وقد كان عَرَضَتْ لبعضِ السفهاء شُبْهَةٌ في قتلِ ابنِ الأشرف؛ فظن أن دمَ مثلِ هذا يُعصَمُ بذمةٍ متقدِّمةٍ، أو بظاهرِ أمان، وذلك نظيرُ الشُّبهةِ التي عَرَضت لبعضِ الفقهاء، حتى ظنَّ أن العهدَ لا يُنتقض بذلك، فروى ابنُ وهب: أخبَرَني سفيانُ بنُ عُيَينة عن عُمرَ بنِ سعيد -أخي سفيانَ بنِ سعيدٍ الثوريِّ-، عن أبيه، عن عَبايةَ قال: ذُكر قتلُ ابنِ الأشرف عند معاوية، فقال ابنُ يامين: كان قَتلُه غدرًا، فقال محمدُ بنُ مَسْلَمة: يا معاوية، أيُغَدَّرُ عندك رسولُ الله - ﷺ - ثم لا تُنكِر؟ واللهِ لا يُظِلُّني وإياك سقفُ بيت أبدًا، ولا يخلو لي دمُ هذا إلاَّ قتلتُه" (^١).
_________________
(١) "معالم السنن" للخطَّابي (٤/ ٨٢ - ٨٣).
[ ٤ / ٤٨٨ ]
° وقال الواقدي (^١):"حدثني إبراهيمُ بنُ جعفر، عن أبيه قال: قال مَرْوانُ بنُ الحكم -وهو على المدينة وعنده ابنُ يامين النَّضيري-: كيف كان قتلُ ابن الأشرف؟ قال ابنُ يامين: كان غَدْرًا -ومحمدُ بنُ مسلمةَ جالس شيخٌ كبير-، فقال: يا مروان، أَيُغَدَّر رسول الله - ﷺعندك؟ واللهِ ما قتلْناه إلاَّ بأمرِ رسولِ الله - ﷺ -، واللهِ لا يؤويني وإياك سقفُ بيتٍ إلاَّ المسجد، وأما أنت يا ابنَ يامين، فللَّهِ عَليَّ، إن أفلتَّ، وقَدَرْتُ عليك وفي يدي سيفٌ، إلاَّ ضربتُ به رأسك.
فكان ابنُ يامين لا ينزلُ من بني قريظة حتى يبعثَ له رسولًا ينظرُ محمدَ بنَ مسلمة، فإن كان في بعضِ ضِياعِه نزل فقضى حاجته ثم صَدَر، وإلاَّ لم ينزل، فبينا محمدٌ في جنازةٍ وابنُ يامين بالبقيع، فرأى محمدٌ نعشًا عليه جرائدُ رطبةٌ لامرأة، فجاء فحلَّه، فقام إليه الناس، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ نحن نكفيك، فقام إليه، فلم يَزَلْ يضربه بها جريدةً جريدةً حتى كَسَّر ذلك الجريدَ على وجهه ورأسه حتى لم يترك به مَصَحًّا (^٢)، ثم أرسله ولا طَباخَ (^٣) به، ثم قال: واللهِ لو قدرتُ على السيفِ لضربتُك به".
الحديث الرابع:
° عن أبي بَرْزَةَ قال: أغلَظَ رجلٌ لأبي بكر الصديق - ﵁ -، فقلت:
_________________
(١) "المغازي" للواقدي (١/ ١٩٢ - ١٩٣).
(٢) مَصَحًّا: يُروى بفتح الصاد وكسرها، والفتح أعْلى، وهي مفْعَلة من الصحة: العافية انظر "النهاية" (٣/ ١٢)، و"لسان العرب" (٤/ ٢٤٠٢) (صحح).
(٣) الطَّبَّاخ: القوة .. انظر "القاموس المحيط" (١/ ٢٦٤).
[ ٤ / ٤٨٩ ]
أقتُلُه؟ فانتهرني وقال: "ليس هذا لأحدٍ بعدَ رسولِ الله - ﷺ -" (^١).
° ورواه أبو داود في "سننه" بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بن مُطَرِّف عن أبي برزة قال: "كنتُ عند أبي بكر - ﵁ -، فتغيَّظ على رجل، فاشتدَّ عليه، فقلت: تأذنُ لي يا خليفةَ رسول الله أضربُ عُنقَه. قال: فأذهَبتْ كَلمتي غَضَبَه، فقام فدخل، فأرسل إليَّ فقال: ما الذي قُلْتَ آنفًا؟ قلت: تأذَنُ لي أضْرِبُ عنقه، قال: أكنتَ فاعلًا لو أمرتُك؟ قلت: نعم، قال: لا، واللهِ ما كانت لبشرٍ بعدَ رسول الله - ﷺ -" (^٢).
° قال أبو داود في "مسائله" (^٣): "سمعت أبا عبد الله يُسْأل عن حديث أبي بكر "ما كانت لأحدٍ بعد رسولِ الله - ﷺ - "، فقال: "لم يكن
_________________
(١) ينظر: "سنن النسائي": كتاب تحريم الدم -باب الحكم فيمن سب النبي - ﷺ - (٧/ ١٠٩)، "مسند الإِمام أحمد" (١/ ٩)،"مسائل الإِمام أحمد" برواية ابنه عبد الله (٣/ ١٢٩٢ ح ١٧٩٥)،"مستدرك الحاكم" (٤/ ٣٥٥)،" السنن الكبرى" للبيهقي (٧/ ٦٠). والحديث صحح إسناده الألباني في "صحيح سنن النسائي" (٣/ ٨٥٤ ح ٣٧٩٥).
(٢) ينظر: "سنن أبي داود": في كتاب الحدود -باب الحكم فيمن سب النبيﷺ - (٤/ ٥٣٠ ح ٤٣٦٣)، وفيه لفظ: "ما كانت لبشر بعد محمدﷺ -. و"سنن النسائي": في كتاب تحريم الدم- باب ذكر الاختلاف على الأعمش في هذا الحديث (٧/ ١١٠ - ١١١) بنفس الطريق وبطرق أخرى أطول من هذا؛ و"المستدرك" للحاكم: في كتاب الحدود (٤/ ٣٥٤) عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أبى برزة به … الحديث صحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية كما ذُكر آنفًا، وقد قال النسائي عقبه: "هذا الحديث أحسن الأحاديث وأجودها والله تعالى أعلم"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وصحح إسناده الألباني أيضًا في "صحيح سنن النسائي" (٣/ ٨٢٤ ح ٣٦٦٦).
(٣) في (ص ٢٢٦، ٢٢٧) (باب حد الذمي والعبد).
[ ٤ / ٤٩٠ ]
لأبي بكر أن يقتلَ رجلًا إلاَّ بإحدى ثلاثٍ -وفي رواية: بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله - ﷺ -: كفرٌ بعد إيمان، وزِنًى بعد إحصان، وقتلُ نفسٍ بغير نفس، والنبيﷺ - كان له أن يَقتل".
وقد استَدلَّ به على جواز قتلِ سابِّ النبي - ﷺ - جماعاتٌ من العلماء، منهم أبو داود، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو بكر عبد العزيز، والقاضي أبو يَعْلى وغيرُهم من العلماء، وذلك لأن أبا برزةَ لَمَّا رأى الرجل قد شَتَم أبا بكر وأغلَظَ له حتى تغيَّظَ أبو بكر، استأذنه في أن يقتلَه لذلك، وأخبره أنه لو أمره لَقَتَلَه، فقال أبو بكر: "ليس هذا لأحدٍ بعد النبي - ﷺ - ".
فعُلمِ أن النبي - ﷺ - كان له أن يقتلَ مَن سَبَّه ومَن أغلَظَ له، وأن له أن يأمرَ بقتلِ مَنْ لا يَعلمُ الناسُ منه سببًا يُبيحُ دمَه، وعلى الناس أن يُطيعوه في ذلك؛ لأنَّه لا يأمرُ إلاَّ بما أَمَر اللهُ به، ولا يأمرُ بمعصيةِ الله قط، بل مَن أطاعه فقد أطاع الله.
° فقد تضمن الحديثُ خَصِيصَتَيْنِ لرسول الله - ﷺ -:
إحداهما: أنه يُطاعُ في كلِّ مَن أَمر بقتله.
والثانية: أنَّ له أَن يَقْتُل مَن شَتَمه وأغلظ له.
وهذا المعنى الثاني الذي كان له باقٍ في حقِّه بعد موته؛ فكلُّ من شَتَمه، أو أغلَظَ في حقِّه، كان قَتْلُه جائزًا، بل ذلك بعد موته أَوْكَدُ وَأَوْكَد؛ لأنَّ حُرْمَتَه بعد موته أكملُ، والتساهلَ في عِرْضِه بعد موته غير ممكن.
وهذا الحديث يُفيدُ أن سبَّه في الجُملةِ يُبيحُ القتل، ويُستدلُّ بعمومه على قتل الكافر والمسلم.
[ ٤ / ٤٩١ ]
الحديث الخامس: قِصَّةُ العَصْماءِ بنتِ مروان.
• ما رُوي عن ابن عباس - ﵄ - قال: هَجَتِ امرأةٌ من خَطْمَةَ النبيَّ - ﷺ -، فقال: "مَنْ لِي بِهَا؟ ". فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله، فنَهَض فقتلها، فأخبَرَ النبي - ﷺ -، فقال: "لَا يَنْتَطِحُ فِيْهَا عَنْزَانِ" (^١).
وقد ذكر بعضُ أصحابِ المغازي وغيرُهم قصتَها مبسوطة.
° قال الواقديُّ (^٢): "حدَّثني عبد الله بن الحارثِ بنِ الفضيل، عن أبيه أن عَصْماءَ بنت مَرْوانَ من بني أمية بن زيدِ كانت تحتَ يزيدَ بن زيدِ بن حِصْن الخَطْمِيِّ، وكانت تؤذي النبي - ﷺ -، وتَعيبُ الإسلام وتُحرِّضُ على النبي - ﷺ -، وقالت شعرًا:
فَبِإسْتِ بني مَالكٍ والنَّبِيتِ … وَعَوفٍ، وبإسْتِ بَني الخزرجِ
أطعتم أَتَاوِيَّ (^٣) مِنْ غَيرِكُم … فَلَا مِنْ مُرَادٍ ولا مَذحِجِ
تُرَجُّونَهُ بعد قَتلِ الرؤوسِ … كما يُرتَجَى مرَقُ المُنْضَجِ
_________________
(١) روى هذه القصة ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢١٥٦)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٩٩) مطولة، كلاهما عن محمد بن الحجاج اللخمي عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس به. وقال ابن عدي في آخرها: "قال الشيخ: وهذا الإسناد مثل الإسناد الأول .. ولم يروه عن مجالد غير محمد بن الحجاج وجميعًا مما يُتَّهم محمد بن الحجاج بوضعها" اهـ. وينظر: "العلل المتناهية" لابن الجوزي (١/ ١٧٥). ومعنى "لا يَنتطحُ فيها عنزان" أي: لا يلتقي فيها اثنان ضعيفان؛ لأن النِّطاح من شأن التُّيوس والكِباش لا العُنوز، وهو إشارة إلى قضية مخصوصة لا يجري فيها خُلْف ونزاع. ينظر: "النهاية" (٥/ ٧٤) (نطح).
(٢) في كتابه "المغازي" (١/ ١٧٢ - ١٧٤)، "ذكر سريّة قتل عصماء بنت مروان".
(٣) الأتاوي: الغريب، وأرادت به النبي - ﷺ -. انظر "غريب الحديث" للخطابي (١/ ٢١) "أتى".
[ ٤ / ٤٩٢ ]
° قال عُمَيْر بن عَدِيٍّ الخَطْميُّ حين بَلَغه قولُها وتحريضها: اللهم إن لك عليَّ نذرًا لئن رَددتَ رسولَ الله - ﷺ - إلى المدينة لأقتلنَّها- ورسولُ الله - ﷺ - يومئذٍ ببدر-، فلما رَجَع النبيُّ - ﷺ - من بدرٍ جاءها عُمَير بن عديٍّ في جوفِ الليل حتى دخل عليها في بيتها وحولَها نفرٌ من ولدِها نيام منهم مَن تُرضِعُه في صدرها، فجَسَّها بيده، فوجد الصبيَّ تُرضِعُه، فنحَّاه عنها، ثم وضع سيفه على صَدرِها حتى أنفذه مِن ظَهرِها، ثم خرج حتى صلَّى الصبحَ مع النبي - ﷺ -، فلما انصرف النبيُّ - ﷺ - نظر إلى عمير فقال: "أقتلتَ بنت مروان؟ " قال: نعم، بأبي أنت يا رسول الله، وخَشِي عُمير أن يكونَ افتأتَ (^١) على رسولِ الله - ﷺ - بقتلها، فقال: هل عَلَيَّ في ذلك شيءٌ يا رسول الله؟ قال: "لا يَنْتَطِحُ فيْهَا عَنْزَانِ"؛ فإن أولَ ما سُمِعت هذه الكلمة من النبي - ﷺ -، قال عمير: فاَلتفتَ النبي - ﷺ - إلى مَنْ حوله فقال:" إذَا أحْبَبْتُم أَنْ تَنْظُرُوا إلى رَجُلٍ نَصَرَ اللهَ وَرَسُولَهُ بِالغَيْبِ، فَانْظُرُوا إلَى عُمَيْر بنِ عَدِيٍّ"، فقال عمرُ بن الخطاب: انظروا إلى هذا الأَعمى الذي تسرَّى (^٢) في طاعةِ الله، فقال: "لا تَقُل الأعمى، ولكنه البصير".
فلما رجع عميرٌ من عندِ رسول الله - ﷺ -، وجد بنيها في جماعةٍ يدفنونها، فأقبلوا إليه حين رأوه مقبلًا من المدينة، فقالوا: يا عميرُ، أنت
_________________
(١) افتأت عليه أي: انفرد برأيه دونه، وهو افتعل من الفوات: السبق. يقال لكل من أحدث شيئًا في أمرك دونك: قد افتأت عليك فيه. وفي "اللسان": افتات أي: استبد برأيه وانفرد، وقد صح الهمز فيها؛ افْتَأَتَ عليَّ ما لم أقل أي: اختلقه. ينظر: "النهاية" (٣/ ٤٧٧) (فوت)؛ "لسان العرب" (٦/ ٣٣٣٣) (فأت).
(٢) تسَرَّى: أي: جاءها في جوف الليل. والسُّرَى: سيْرُ الليل.
[ ٤ / ٤٩٣ ]
قتلتَها؟ فقال: نعم، فكيدوني جميعًا ثم لا تُنْظِرُون، فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت، لَضربتُكم بسيفي هذا حتى أموتَ أو أقتلَكم، فيومئذٍ ظهر الإسلامُ في بني خَطْمة، وكان منهم رِجالٌ يَسْتَخْفُون بالإسلام خوفًا من قومهم.
° قال "أنشدنا عبد الله بن الحارث:
بَني وَائلٍ وَبَنِي وَاقفٍ … وَخَطمَة دُوْنَ بَنِي الخَزْرَجِ
مَتَى ما دَعَتْ أُخْتُكُمْ وَيْحَهَا … بِعَوْلَتِهَا (^١) والمنَايَا تَجِي
فَهَزَّتْ فَتًى مَاجِدًا عِرْقُهُ … كرِيْم المداخلِ وَالمَخْرَجِ
فَضَرَّجَهَا (^٢) مِنْ نَجِيع الدِّمَا … قُبَيْلَ الصَّبَاحِ وَلَمْ تَخرُجِ
فَأوْرَدَكَ اللهُ بَرْدَ الجِنَا … نِ جَذْلَان في نِعْمَةِ المَوْلِجِ
° قال عبدُ الله بن الحارث عن أبيه: وكان قتلُها لخمسِ ليالٍ بَقِينَ من رمضان مَرجعَ النبي - ﷺ - من بدر".
وإنما سقنا القصةَ من رواية أهل المغازي -مع ما في الواقدي من الضعف- لشهرةِ هذه القصة عندهم، مع أنه لا يَختلفُ اثنانِ أن الواقدي من أعلمِ الناس بتفاصيلِ أمور المغازي، وأخبَرِ الناسِ بأحوالها، وقد كان الشافعي وأحمدُ وغيرهما يستفيدون عِلْمَ ذلك من كتبه، نعم هذا الباب يَدخلُه خَلْطُ الروايات بعضِها ببعض، حتى يظهرَ أنه سمع مجموعَ القصة
_________________
(١) بِعَوْلتها: من العَوْل والعَوْلة والعويل: رفع الصوت بالبكاء انظر "النهاية" (٣/ ٣٢١)، و"لسان العرب" (٥/ ٣١٧٤) (عول).
(٢) ضرجها: لطَّخها.
[ ٤ / ٤٩٤ ]
من شيوخه، وإنما سمع من كلِّ واحدٍ بعضها، ولم يميزه، ويدخله أخذ ذلك من الحديثِ المرسل والمقطوع، وربما حَدَّثَ الراوي ببعضِ الأمور لقرائن استفادها من عدَّةِ جهات، ويُكثِرُ من ذلك إكثارًا، فيُنْسَبُ لأجله إلى المجازفة في الرواية وعدم الضبط، فلم يمكن الاحتجاجُ بما ينفرد به، فأما الاستشهادُ بحديثِه والاعتضادُ به، فمما لا يمكنُ المنازعة فيه، لا سيما في قصةٍ تامةٍ يُخبِرُ فيها باسمِ القاتل والمقتول وصورة الحال؛ فإنَّ الرجل وأمثالَه أفضلُ من أن يقعوا في مثلِ هذا في كذبٍ ووضع، على أنَّا لم نُثبت قَتْلَ السابِّ بمجرد هذا الحديث، وإنما ذكرناه للتقويةِ والتوكيد، وهذا يحصلُ ممن هو دُونَ الواقدي.
* ووجه الدلالة: أن هذه المرأةَ لم تُقتلْ إلاَّ لمجردِ أذى النبي - ﷺ - وهَجْوه، وهذا بَيِّنٌ في قول ابن عباس - ﵄ -: "هَجَتِ امرأةٌ مِنْ خَطْمةَ النبيَّ - ﷺ - فقال: "من لي بها؟ "، فعُلِم أنه إنما نَدَبَ إليها لأجل هَجْوِها.
وكذلك في الحديث الآخر: "فقال عميرٌ حين بَلَغَهُ قولُها وتحريضُها: اللهم إن لك عليَّ نَذْرا لئن رددتَ رسولَ الله - ﷺ - إلى المدينة لأقتلنها".
وفي الحديثِ لَمَّا قال له قومه: "أنت قتلتَها؟ فقال: نعم، فكيدوني جميعًا ثم لا تُنْظِرون، فوالذي نفسي بيده لو قُلتم جميعًا ما قالت لضربتُكم بسيفي حتى أموتَ أو أقتلَكم"، فهذه مقدمة.
ومقدمةٌ أخرى، وهو أن شِعرَها ليس فيه تحريضٌ على قتالِ النبي - ﷺ - حتى يقال: التحريضُ على القتال قتال، وإنما فيه تحريضٌ على تركِ دينهِ وذَمٌّ له ولمن اتَّبعه، وأقصى غايةِ ذلك أن لا يدخلَ في الإسلام مَن لم يكن دَخَل، أو أن يخرجَ عنه مَن دخل فيه، وهذا شأنُ كلِّ ساب.
[ ٤ / ٤٩٥ ]
وكذلك ندْبُ النبي - ﷺ - الناس إلى قتْلها.
الحديث السادس: قصة أبي عَفَك اليهودي (^١).
وقد مرَّ ذكرها.
الحديث السابع: حديث أنس بن زُنَيْم الدِّيلي.
وهو مشهور عند أهل السير، ذكره ابنُ إسحاقَ والواقديُّ وغيرهما.
° قال الواقدي (^٢): حدثني عبدُ الله بنُ عمرِو بنِ زُهير، عن مِحجنِ ابنِ وهب قال: كان آخِرُ ما كان بين خزاعةَ وبين كِنانةَ أن أنسَ بنَ زُنيم الدِّيليَّ هجا رسولَ الله - ﷺ -، فسمعه غلامٌ من خزاعة، فوقع به، فشَجَّه، فخرج إلى قومه فأراهم شَجَّته، فثار الشرُّ مع ما كان بينهم وما تَطلُبُ بنو بكر من خُزَاعة من دمائها.
° قال الواقدي (^٣): "حدثني حِزامُ بنُ هشامِ بنِ خالدٍ الكعبيُّ، عن أبيه قال: وخَرَج عمرُو بن سالم الخُزاعيُّ في أربعين راكبًا من خُزَاعَةَ يستنصرون رسولَ اللَّه - ﷺ -، ويخبرونه بالذي أصابهم" -وذكر قصةً فيها إنشاد القصيدة التي أولها-:
اللهم إني ناشدٌ محمدًا
قال: "فلما فرغ الرَّكْبُ قالوا: يا رسول الله، إن أنس بن زُنَيْم الدِّيلي
_________________
(١) انظر "المغازي" للواقدي (١/ ١٧٤) (سَرِيَّة قتل أبي عَفك)، و"الطبقات الكبرى" لابن سعد (٢/ ٢٨) (سريَّة سالم بن عُميْر).
(٢) "المغازي" للواقدي (٢/ ٧٨٢ - ٧٨٩) "شأن غزوة الفتح".
(٣) "المغازي" للواقدي (٢/ ٧٨٨).
[ ٤ / ٤٩٦ ]
قد هجاك، فنَدَر (^١) رسولُ الله - ﷺ - دَمَه، فبلغ ذلك أنسَ بنَ زُنَيْم، فقَدِم معتذرًا إلى رسول الله - ﷺ - مما بَلَغه عنه، فقال:
أنْتَ الَّذِي تُهْدَى مَعَدٌّ بِأمْرِهِ … بَلِ الله يَهْدِيْها، وَقَالَ لَكَ اشْهَدِ
فَما حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا … أبَرَّ وَأوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدِ
تَعَلَّمْ رَسُوْلَ اللهِ أَنَّكَ مُدْرِكِي … وَأنَّ وَعِيْدًا مِنْكَ كَالأخْذِ بِاليَدِ
° وفيها:
تَعَلَّمْ رَسُوْلَ اللهِ أنَّكَ قَادِرٌ … عَلىَ كُلِّ سَكْنٍ (^٢) مِنْ تِهَامٍ وَمُنْجِدِ
وَنُبِّي رَسُوْلُ الله أَنِّي هَجَوْتُهُ … فَلَا رَفَعَت سَوْطِي إليَّ إذًا يَدِي
سِوَى أنَّني قَدْ قُلتُ يَا وَيْحَ فِتْيةٍ … أُصيْبُوا بَنَحْسٍ يَوْمَ طَلْقٍ (^٣) وَأسْعُدِ
° ويقول فيها:
فإنِّي لَا عِرْضًا خَرَقْتُ وَلَا دَمًا … هَرَقْتُ فَفَكِّر عَالِمَ الحَقِّ وَاقْصِدِ
° قال الواقدي (^٤):"أنشدنيها حِزام، وبلغت رسولَ الله - ﷺقصيدتُه هذه واعتذاره، وكلَّمه نَوْفَلُ بنُ معاوية الدِّيلي (^٥)، فقال: يا رسول الله، أنت أولى الناس بالعفو، ومَن منَّا لم يُعادِك وُيؤْذِك؟ ونحن في جاهليةٍ لا
_________________
(١) ندر، أي: أهدر.
(٢) السَّكن: أهل الدار، اسم الجمع سَاكِن. ينظر: "الصحاح" (٥/ ٢١٣٦)، "لسان العرب" (٤/ ٢٠٥٣) (سكن).
(٣) الطلق: اليوم المشرق، يقال: يوم طلق إذا لم يكن فيه حَرٌّ ولا بَرْد ولا شيء يؤذي. ينظر: "لسان العرب" (٥/ ٢٦٩٤) (طلق).
(٤) "المغازي" (٢/ ٧٨٠).
(٥) من مسلمة الفتح - ﵁ -.
[ ٤ / ٤٩٧ ]
ندري ما نأخذُ وما نَدَعُ حتى هدانا الله بك، وأنقذنا بك من الهُلْك، وقد كَذَب عليه الركب، وكَثُروا عندك، فقال: دَعِ الركب عنك؛ فإنا لم نجد بتهامةَ أحدًا من ذي رحمٍ ولا بعيدِ الرحم كان أبرَّ من خُزاعة، فأسكت نوفلُ ابنُ معاوية، فلما سكت قال رسول الله - ﷺ -: "قَدْ عَفَوْتُ عَنْه"، قال نوفل: فِدَاك أبي وأمي".
° وقال ابنُ إسحاق: وقال أنسُ بنُ زُنَيم يَعتذرُ إلى رسولِ الله - ﷺ - مما كان قد قال فيهم عمروُ بنُ سالم حين قَدِم على رسولِ الله - ﷺ - يستنصرُه، ويذكر أنهم قد نالوا من رسول الله - ﷺ -، وأنشد تلك القصيدة، وفيها:
وتَعلم أنَّ الركبَ رَكْبَ عُوَيْمِرٍ … هُمُ الكَاذِبُونَ المُخْلِفُو كُلَّ مَوْعِدِ (^١)
فوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ -، كان قد صالَح قريشًا وهادنهم عام الحديبية عَشْرَ سنين، ودخلت خزاعةُ في عَقْده، وكان أكثرُهم مسلمين وكانوا عَيْبَةَ (^٢) نُصحٍ لرسول الله - ﷺ - مسلمهم وكافرهم، ودخلت بنو بكر في عهدِ قريش؛ فصار هؤلاء كلُّهم معاهِدين، وهذا مما تواتر به النقلُ ولم يختلف فيه أهل العلم.
ثم إن هذا الرجلَ المعاهَد هجا النبيَّ - ﷺ - على ما قيل عنه، فشَجَّه بعضُ خزاعة، ثم أخبروا النبيَّ - ﷺ - أنه هجاه يَقصِدون بذلك إغراءَه ببني بكر،
_________________
(١) انظر "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٤٢٤).
(٢) العَيبَة: الخاصة وموضع السِّر. والعرب تكني عن الصدور والقلوب بالعِياب، لأنها مستودع السرائر كما أن العِيبَ مستودع الثياب. انظر "الصحاح" (٣/ ٣٢٧) (عيب).
[ ٤ / ٤٩٨ ]
فَنَدَر رسولُ الله - ﷺ - دمه -أي: أهدره-، ولمُ يُندِرْ دمَ غيرِه، فلولا أنهم عَلِموا أن هجاءَ النبيِّ - ﷺ - من المعاهدِ مما يوجبُ الانتقامَ منه، لم يفعلوا ذلك.
ثم إن النبي - ﷺ - نَدَرَ دَمَه بذلك، مع أن هِجاءَه كان حالَ العهد، وهذا نصٌّ في أن المعاهَدَ الهاجي يُباح دمه.
ثم إنه لَمَّا قدم أسلم في شِعره، ولهذا عَدُّوهُ من أصحاب النبي - ﷺ -، وقوله: "تَعَلَّم رسول الله"، "ونُبِّي رسول الله" دليل على أنه أسلم قبل ذلك، أو هذا وحدَه إسلام منه، فإن الوثنيَّ إذا قال: "محمدٌ رسول الله" حُكم بإسلامه، ومع هذا فقد أنكر أن يكون هجا النبي - ﷺ -، ورَدَّ شهادَةَ أولئك بأنهم أعداءُ له، لما بين القَبيلتين من الدماء والحرب، فلو لم يكن ما فَعَلَه مُبيحًا لدمه لَمَا احتاج إلى شيءٍ من ذلك.
ثم إنه -بعد إسلامه- واعتذارِه، وتكذيبِ المخبرين، ومَدْحِه لرسول الله - ﷺ - إنما طَلَبَ العفو من النبي - ﷺ - عن إهْدارِ دمه، والعفوُ إنما يكون مع جَوَاز العقوبة على الذنب، فعُلم أن النبي - ﷺ - كان له أن يُعاقبَه بعد مجيئه مسلمًا معتذرًا، وإنما عفا عنه حِلْمًا وكرمًا.
ثم إن في الحديث أنَّ نَوْفَلَ بنَ معاويةَ هو الذي شَفَع له إلى النبي - ﷺ -، وقد ذكر عَامَّةُ أهل السَّيرِ أن نوفلًا هذا هو رأسُ البكرييِّن الذين عَدَوْا على خُزاعة وقَتَلُوهم، وأعانتهم قريشٌ على ذلك، وبسبب ذلك انتقض عهدُ قريش وبني بكر، ثم إنه أسلم قبلَ الفتح حتى صار يَشفعُ في الذي هَجَا النبي - ﷺ -، فعُلم أن الهجاءَ أغْلَظُ من نقضِ العهد بالقتال بحيث إذا نَقَض قومٌ العهدَ بالقتال، وآخرون هَجَوا ثم أسلموا، عُصِمَ دَمُ الذي قاتل، وجاز
[ ٤ / ٤٩٩ ]
الانتقامُ من الهاجي، ولهذا قَرَنَ هذا الرجلُ خَرْقَ العِرْضِ بسفك الدَّم، فعُلم أن كليهما موجِبٌ للقتل، وأن خَرْق عِرْضِهِ كان أعظمَ عندهم من سفكِ دماءِ المسلمين والمعاهدين.
ومما يوضِّحُ هذا أن النبيَّ لم يُهدِرْ دمَ أحدٍ من بني بكر الناقضين للعهد بعينه، وإنما مَكَّن منهم بني خزاعةَ يومَ الفتحِ أكثرَ النهار، وأهدَرَ دمَ هذا بعينه حتى أسلم واعتذر؛ هذا مع أن العهدَ كان عهدَ هُدنةٍ ومُوادعة، لم يكن عهدَ جزيةٍ وذِمَّة، والمهادنُ المقيمُ ببلده يُظهِرُ ببلده ما شاء من مُنْكَراتِ الأقوالِ والأفعالِ المتعلِّقةِ بدينهِ ودنياه، ولا يَنتقضُ بذلك عهدُه حتى يحارِب؛ فعُلم أن الهجاءَ من جنسِ الحِرابِ -وأغلظُ منه-، وأن الهاجيَ لا ذمَّةَ له.
الحديث الثامن: قصَّةُ عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح:
° وهي مما اتفق عليها أهل العلم، واستفاضت عندهم استفاضةً يُستغنى بها عن روايةِ الآحاد، وذلك أثبتُ وأقوى مما رواه الواحدُ العدل، فنذكرها مسندةً مشروحةً ليتبيَّنَ وجهُ الدلالة منها:
° عن مصعبِ بن سعدٍ، عن سعدِ بن أبي وقاص قال: "لَمَّا كان يومُ فتح مكة، اختبأ عبدُ الله بنُ سعد بن أبي سَرْحٍ عند عثمانَ بنِ عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبيِّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، بَايع عبدَ الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثًا، كلُّ ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاثٍ، ثم أقبل على أصحابه. فقال: "أما كان فيكم رَجُلٌ رَشيد، يقومُ إلى هذا حيث رآني كفَفْتُ يَدي عن بيعته فيقتُلَه؟! " فقالوا: مَا ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألَا أوْمَأْت إلينا بعينِك، قال: "إنه لا يَنْبَغِي لنبيٍّ
[ ٤ / ٥٠٠ ]
أن تكون له خائنةُ الأعْيُن" (^١).
• ورواه النَّسائىُّ كذلك بأبسطَ من هذا عن سعدٍ قال: "لما كان يومُ فتح مكة أَمَّنَ رسولُ الله - ﷺ - الناسَ إلاَّ أربعةَ نَفَرٍ وامرأتيْن، قال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلِّقين بأستار الكعبة": عكرمةُ بن أبي جهل، وعبدُ الله بن خَطَل، ومِقْيَس بن صُبَابة، وعبدُالله بنُ سعدِ بن أبي سرح.
° فأما عبدُ الله بنُ خطل، فأُدْرِك وهو متعلِّقٌ بأستارِ الكعبة، فاستَبَق إليه سعيدُ بن حُريث وعمَّارُ بنُ ياسر، فسبق سعيدٌ عمَّارًا -وكان أشبَّ الرجُلين-، فقتله.
وأمَّا مِقْيَس بن صُبَابة، فأدركه الناسُ في السوق، فقتلوه.
وأمَّا عكرمةُ، فركب البحرَ، فأصابتهم عاصف، فقال أصحابُ السفينة: أخلِصوا، فإنَّ آلهتَكم لا تُغني عنكم شيئًا ها هنا، فقال عكرمة: واللهِ لَئِنْ لم يُنجِنِي في البحرِ إلاَّ الإخلاصُ، لا يُنجيني في البرِّ غيرُه، اللهم إنَّ لك عليَّ عَهدًا إن أنت عافيتَني مما أنا فيه، أن آتيَ محمدًا - ﷺ - حتى أضعَ يدي في يده، فلأَجدنَّه عفوًّا كريمًا، فجاء وأسلم.
وأمَّا عبدُ الله بنُ سعدِ منِ أبي سَرح، فإنَّه اختبأ عند عثمانَ بنِ عفان،
_________________
(١) صحيح: رواه أبو داود في كتاب الحدود- باب الحكم فيمن ارتد (٤/ ٥٢٧ ح ٤٣٥٩)، ورواه أيضًا بأطول من هذا: في كتاب الجهاد- باب قتل الأسير ولا يُعرَض عليه الإسلام (٣/ ١٣٣ ح ٢٦٨٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٤٥)؛ والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٤٠) وابن كثير في "البداية والنهاية" (٤/ ٢٩٧). الحديث قال عنه الحاكم:"صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي، وصحح إسناده شيخ الإسلام، وصححه الألباني في "الصحيحة" (٤/ ٣٠٠ ح ١٧٢٣). وفي "صحيح سنن أبي داود" (٣/ ٨٢٣ ح ٣٦٦٣).
[ ٤ / ٥٠١ ]
فلمَّا دعا رسولُ الله - ﷺ - الناسَ إلى البَيعةِ، جاء به حتى أوقفَه على النبي - ﷺ - .. " (^١) ثم ذكر الباقي كما رواه أبو داود.
° وعن عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: "كان عبدُ الله بنُ سعدِ بنِ أبي سرحٍ يَكتبُ لرسولِ الله - ﷺ -، فأزلَّه الشيطان، فلَحِق بالكفار، فأَمَر به رسولُ الله - ﷺ - أن يُقتلَ يومَ الفتح، فاستجار له عثمان، فأجاره رسولُ الله - ﷺ -" (^٢).
° ورَوى محمدُ بن سعد في "الطبقات" عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ ابنِ المسيَّب أن رسولَ الله - ﷺ - أَمَر بقَتِل ابنِ أبي سَرحٍ يوم الفتح، وفَرْتَنَى (^٣)، وابنَ الزِّبَعْرَى، وابنَ خَطَل، فأتاه أبو بَرزةَ وهو متعَلِّقٌ بأستار الكعبة، فبَقَر بطنه، وكان رجلٌ من الأنصار قد نَذَر إنْ رأى ابنَ أبي سرح أن يقتلَه، فجاء عثمانُ -وكان أخاه من الرضاعة-، فشَفَع له إلى رسول الله - ﷺ -، وقد أخذ الأنصاريُّ بقائِم السيف ينظرُ إلى النبيِّ - ﷺ - متى يومئ إليه أن يقتلَه، فشَفَع له عثمانُ حتى تَركه، ثم قال رسولُ الله - ﷺ - للأنصاري: "هَلاَّ وَفَّيْتَ
_________________
(١) صحيح: "سنن النسائي" كتاب تحريم الدم -الحكم في المرتد- (٧/ ١٠٥)، وصحح إسناده الألباني في "صحيح سنن النسائي" (٣/ ٨٥٢ ح ٣٧٩١)، وفي "الصحيحة" (٤/ ٣٠٠ ح ١٧٢٣).
(٢) صحيح:"سنن أبي داود" كتاب الحدود- باب الحكم فيمن ارتد (٤/ ١٢٨ ح ٤٣٥٨)، و"المستدرك " للحاكم (٣/ ٤٥)، و"السنن الكبرى " للبيهقي (٨/ ١٩٧)، والحديث قال عنه الحاكم: "صحيح على شرط البخاري" ووافقه الذهبي، وحسن إسناده الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (٣/ ٨٢٣ ح ٣٦٦٣).
(٣) فَرْتَنَى: إحدى القينتيْن اللتيْن كان ابن خطل يعلمهما الغناء بهجاء النبي - ﷺ - وأصحابه، ثم أسْلَمت هذه وتُرِكَت، وقُتلت الأخرى. انظر "الإصابة" (٨/ ١٦٦).
[ ٤ / ٥٠٢ ]
بِنَذْرِكَ؟ " فقال: يا رسولَ الله، وضَعْتُ يدي على قائم السيف أنتظرُ متى تومئُ فأقتلَه، فقال النبي - ﷺ -: "الإيماءُ خيانة، ليس لنبيٍّ أن يُومئ" (^١).
• وقال محمدُ بنُ إسحاقَ في روايةِ ابن بُكير عنه: قال أبو عُبيدة بن محمدِ بنِ عمَّار بن ياسر وعبدُ الله بن أبي بكرِ بن حَزْم: إن رسولِ الله - ﷺحين دَخل مكة، وفَرَّقَ جيوشَه- أمرهم أن لا يقتلوا أحدًا إلاَّ مَن قاتلهم، إلاَّ نفرًا قد سمَّاهم رسولُ الله - ﷺ -، وقال: "اقْتُلُوْهُمْ وَإنْ وَجَدْتُموهُمْ تَحْتَ أَسْتَارِ الكعْبَةِ"، عبدُ الله بنُ خَطَل، وعبدُ الله بنُ سعدِ بنِ أبي سَرح، وإنما أَمَر بابنِ أبي سرحٍ، لأنَّه كان قد أسلم، فكان يكتبُ لرسولِ الله - ﷺ - الوحيَ، فرجع مشركًا، ولَحِق بمكة، فكان يقولُ لهم: إني لأصرِّفه كيف شئتُ، إنه لَيأمرُني أن أكتبَ له الشيءَ فأقول له: أو كذا أو كذا؟ فيقول: نعم، وذلك أن رسولَ الله - ﷺكان يقول "عليمٌ حكيم"، فيقول: أو أكتب عزيز حكيم؟ فيقول له رسول الله - ﷺ -: "نعم كلاهما سواء" (^٢).
° قال ابنُ إسحاق: حدثني شُرَحْبيلُ بن سعدٍ أن فيه نزلت: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
فلما دخل رسولُ الله - ﷺ - مكة فَرَّ إلى عثمانَ بن عفان -وكان أخاه من الرضاعة-، فغيَّبه عنده حتى اطمأن أهلُ مكة، فأتى به رسولَ الله - ﷺ -، فاستَأْمَن له، فصَمَت رسولُ الله - ﷺ - طويلًا وهو واقفٌ عليه، ثم قال:
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٢/ ١٤١).
(٢) "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٤٠٩).
[ ٤ / ٥٠٣ ]
"نعم"، فانصرف به، فلمَّا وَلَّى قال رسول الله - ﷺ -: "مَا صَمَتُّ إلاَّ رَجَاءَ أنْ يَقُومَ إلَيْه بَعْضُكُمْ فَيَقْتُلَهُ"، فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله، ألَا أومأتَ إلَيَّ فأقتلَه؟، فقال رسولُ الله - ﷺ -:"إنَّ النَّبِيَّ لَا يَقْتُلُ بِالإشَارَةِ" (^١).
° وقال ابنُ إسحاق في روايةِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ عنه: "حدَّثني بعضُ علمائِنا أن ابنَ أبي سرحٍ رَجَع إلى قريشٍ فقال: واللهِ لو أشاء لقُلتُ كما يقول محمدٌ، وجِئتُ بمِثل ما يأتي به، إنه لَيقولُ الشيءَ وأصْرِفُه إلى شيءٍ، فيقول: أصَبْتَ، ففيه أنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] الآية. فلذلك أمر رسول الله - ﷺ - بقتله" (^٢).
° فوجهُ الدلالةِ أن عبد الله بنَ سعد بنِ أبي سَرحٍ افترى على النبي - ﷺ - أنه كان يُتَمِّم له الوحيَ ويكتبُ له ما يريد، فيوافقُه عليه، وأنه يُصَرِّفه حيث شاء، وبغيرِ ما أَمَره به من الوحي، فيُقرُّه على ذلك، وزَعَم أنه سيُنزلُ مثلَ ما أنزل الله، إذ كان قد أُوحي إليه -في زعمه- كما أوحي إلى رسول الله - ﷺ -، وهذا الطعن على رسول الله - ﷺ - وعلى كتابه، والافتراءُ عليه بما يوجبُ الرَّيبَ في نبوَّتهِ قَدْرٌ زائدٌ على مجردِ الكفر به والرِّدَّةِ في الدين، وهو من أنواع السبِّ.
وكذلك لَمَّا افترى عليه كاتبٌ آخرُ مثلَ هذه الفِريةِ، قَصَمَه الله وعاقَبه عقوبةً خارجةً عن العادة، ليتبيَّنَ لكلِّ أحدٍ افتراؤه، إذ كان مِثلُ هذا يوجبُ
_________________
(١) "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٤٠٩)، و(مستدرك الحاكم) (٣/ ٤٥)، و"تفسير القرطبي" (٧/ ٤٠)، "الدر المنثور".
(٢) "تفسير الطبري" (٥/ ٢٧٣).
[ ٤ / ٥٠٤ ]
في القلوبِ المريضةِ رَيْبًا بأن يقول القائل: "كاتبُه أعلمُ الناسِ بباطنه وبحقيقةِ أمره، وقد أخَبَر عنه بما أخبر".
فمِنْ نَصْر الله لرسوله أن أظهَرَ فيه آيةً يبيِّنُ بها أنه مُفترٍ.
° فروى البخاريُّ في "صحيحه" عن عبد العزيز بنِ صُهيبٍ، عن أنسٍ قال: "كان رجلٌ نصرانيًّا، فأسلم، وقرأ البقرةَ وآل عمران، وكان يكتبُ للنبي - ﷺ -، فعاد نصرانيًّا، فكان يقول: ما يدري محمد إلاَّ ما كتبتُ له، فأماته الله، فدَفنوه، فأصبح وقد لَفَظَتْه (^١) الأرضُ، فقالوا: "هذا فِعْل محمدٍ وأصحابه، نَبَشُوا عن صاحبنا فألقوه" .. فحَفروا له وأعمقوا (^٢) في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لَفَظَته الأرض، فعَلِموا أنه ليس من الناس، فألقوه" (^٣).
° ورواه مسلم من حديثِ سُليمانَ بنِ المغيرة عن ثابتٍ، عن أنس قال: "كان منَّا رجلٌ من بني النجَّار قد قرأ البقرةَ وآل عمران، وكان يكتبُ للنبي - ﷺ -، فانطلق هاربًا حتى لَحِق بأهل الكتاب، قال: فعرفوه، قالوا: هذا قد كان يكتبُ لمحمد، فأُعجِبوا به، فما لَبثَ أن قَصَم الله عُنقَه فيهم، فحَفروا له، فَوَارَوْهُ، فأصبحت الأرضُ قد نَبَذَتْه على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فوَاروْه، فأصبحت الأرضُ قد نَبَذَتْه على وجهها، ثم عادوا فحفروا له، فواروه، فأصبحت الأرضُ قد نَبَذَتْه على وجهها،
_________________
(١) لَفِظته: بكسر الفاء وفتحها، أي: طرحته ورَمتْه.
(٢) في "صحيح البخاري": تكررت عملية الحفر منهم ولفظ الأرض له ثلاث مرات.
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" -كتاب المناقب- باب علامة النبوة في الإسلام (٦/ ٧٢٢ ح ٣٦١٧).
[ ٤ / ٥٠٥ ]
فتركوه منبوذًا" (^١).
• وعن أنسٍ أن رجلًا كان يكتبُ لرسولِ الله - ﷺ -، وقد قرأ البقرةَ وآل عمران، وكان الرجلُ إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا، يعني عَظُم، فكان النبيُّ - ﷺ - يُمْلي عليه: "غفورًا رحيمًا"، فيكتب: "عليمًا حكيمًا"، فيقولُ له النبي - ﷺ -: "اكتب كذا وكذا، اكتب كيف شئتَ"، ويُمْلي عليه: "عليمًا حكيمًا"، فيكتب: "سميعًا بصيرًا"، فيقول: "اكتب كيف شئتَ"، فارتدَّ ذلك الرجلُ عن الإسلام، فلَحِق بالمشركين، وقال: أنا أعلمُكم بمحمدٍ إن كنتُ لأكْتبُ ما شئتُ، فماتَ ذلك الرجل، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "إنَّ الأرْضَ لا تَقْبلُهُ"، قال أنس: فحدَّثَني أبو طَلْحَة أنه أتى الأرضَ التي مات فيها ذلك الرجلُ، فوجده مَنْبُوذًا، قال أبو طلحة: ما شأنُ هذا الرجلِ؟ قالوا: قد دَفَنَّاه مرارًا فلم تَقْبَلْه الأرض" (^٢)، فهذا إسناد صحيح.
فهذا الملعون الذي افتَرى على النبيِّ - ﷺ - أنه ما كان يدري إلاَّ ما كَتب له، قَصَمه اللهُ وفَضَحه بأنْ أخرجه من القبر بعدَ أن دُفن مرارًا، وهذا أمرٌ خارج عن العادة، يدلُّ كلَّ أحدٍ على أن هذا عقوبةٌ لِمَا قاله، وأنه كان كاذبًا، إذ كان عامَّةُ الموتى لا يُصيبهم مثلُ هذا، وأن هذا الجُرمَ أعظمُ من
_________________
(١) رواه مسلم في "صحيحه" -كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤/ ٢١٤٥ ح ٢٧٨١)، وأحمد في "المسند" (٣/ ٢٢٢).
(٢) صحيح: رواه الإِمام أحمد في "مسنده" (٣/ ١٢٠ - ١٢١)، وابن حبان في "صحيحه" (الإحسان): كتاب الرقائق- باب قراءة القرآن (٢/ ٦٢ ح ٧٤١). والهيثمي في "موارد الظمآن" -كتاب الحدود- باب فيمن ارتد عن الإسلام (ص ٣٦٥ ح ١٥٢١)، والأصبهاني في "دلائل النبوة" (ص ٥٢ ح ٣٥).
[ ٤ / ٥٠٦ ]
مجردِ الارتداد؛ إذ كان عامةُ المرتدِّين يموتون ولا يُصيبهم مثلُ هذا، وأن الله منتقمٌ لرسوله ممن طَعَنَ عليه وسَبَّه، ومُظهِرٌ لدينه ولِكَذِبِ الكاذب؛ إذ لم يُمكِنِ الناسَ أن يُقيموا عليه الحد.
ونظيرُ هذا ما حدثناه أعدادٌ من المسلمين العدولِ أهل الفقه والخبرة عما جرَّبوه مراتٍ متعددةً في حَصرِ الحُصون والمدائنِ التي بالسواحل الشامية، لَمَّا حَصَر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نحصرُ الحصنَ أو المدينة الشهرَ -أو أكثرَ من الشهر- وهو ممتنعٌ علينا حتى نكادَ نيأسُ منه، حتى إذا تعرَّض أهلُه لسبِّ رسولِ الله - ﷺ - والوقيعة في عِرْضِه، تَعجَّلنا فتحه وتيسَّر ولم يَكَدْ يتأخرُ إلاَّ يومًا أو يومين أو نحو ذلك، ثم يُفتح المكانُ عَنْوَة، ويكونُ فيهم مَلحمةٌ عظيمة، قالوا: حتى إنْ كنَّا لَنتباشَرُ بتعجيلِ الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاءِ القلوب غيظًا عليهم بما قالوه فيه.
وهكذا حدثني بعضُ أصحابِنا الثقاتِ أن المسلمين من أهلِ المغرب حالُهم مع النصارى كذلك، ومِن سُنَّةِ الله أن يُعذِّبَ أعداءَه تارةً بعذاب من عنده، وتارةً بأيدي عبادِه المؤمنين (^١).
فكذلك لَمَّا تمكَّن النبيُّ - ﷺ - من ابنِ أبي سرحٍ أهدَرَ دَمَه، لَمَّا طعن في النبوةِ وافترى عليه الكذب، مع أنه قد آمَنَ جميعَ أهلِ مكة الذين قاتلوه وحاربوه أشدَّ المحاربة، ومع أن السنةَ في المرتد أنه لا يُقتل حتى يستتاب إمَّا وجوبًا، أو استحبابًا.
_________________
(١) "الصارم المسلول" (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
[ ٤ / ٥٠٧ ]
° ومعروفٌ أن جماعةً ارتدُّوا على عهدِ النبي - ﷺ - ثم دُعُوا إلى التوبة، وعُرِضت عليهم، حتى تابوا وقُبلت توبتهم.
° وفي ذلك دليلٌ على أن جُرمَ الطاعنِ على الرسولِ - ﷺ - السابِّ له أعظمُ من جُرمِ المرتد.
° ثم إن إباحةَ النبيِّ - ﷺ - دَمَه بعد مجيئه تائبًا مسلمًا وقوله: "هَلاَّ قَتَلُتُمُوه"، ثم عَفْوه عنه بعد ذلك، دليل على أن النبيَّ - ﷺ - كان له أن يقتلَه وأن يعفوَ عنه ويَعصِمَ دمَه، وهو دليلٌ على أن له - ﷺ - أنه يقتلَ مَن سَبَّه وإنْ تابَ وعادَ إلى الإسلام.
يوضحُ ذلك أشياء:
منها: أنه قد رُوي عن عكرمةَ أن ابنَ أبي سَرحٍ رَجَع إلى الإسلام قبلَ فتح مكة، وكذلك ذَكر آخرون أن ابنَ أبي سرحٍ رَجَع إلى الإسلام قبلَ فتحِ مكةَّ إذ نَزَل النبيُّ - ﷺ - بها، وقد تقدَّم عنه أنه قال لعثمانَ قبل أن يَقْدَمَ به على النبي - ﷺ -: "إن جُرمي أعظمُ الجرم، وقد جئتُ تائبًا"، وتوبةُ المرتدِّ إسلامه.
ثم إنَّه جاء إلى النبي - ﷺ - بعد الفتح وهُدوءِ الناس وبعدما تاب، فأراد النبيُّ - ﷺمن المسلمين أن يقتلوه حينئذٍ، وتَربَّصَ زمانًا ينتظرُ فيه قتلَه، ويظنُّ أن بعضَهم سيقتلُه، وهذا أوضحُ دليلٍ عِلى جوازِ قتلِه بعد إسلامه.
وكذلك لَمَّا قال له عثمانُ: إنه يفِرُّ منك كلَّما رآك، قال: "أَلَمْ أُبَايِعْهُ وَأُومِنْهُ؟! " قال: بلى، ولكنه يتذكرُ عظيمَ جُرمِه في الإسلام، فقالَ: "الإسلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ".
فبيَّن النبيُّ - ﷺ - أن خوفَ القتل سَقط بالبيعة والأمان، وأن الإثمَ زال
[ ٤ / ٥٠٨ ]
الحديث التاسع
بالإسلام، فعُلم أن السابَّ إذا عاد إلى الإسلام جَبَّ الإسلامُ إثمَ السب، وبَقِيَ قتلُه جائزًا حتى يوجَدَ إسقاطُ القتل مِمَّن يَملِكُه إنْ كان ممكنًا.
إن غَرَضنا هنا أن نبيِّنَ أن مجرَّدَ الطعنِ على رسول الله - ﷺ - والوقيعةِ فيه يُوجِبُ القتلَ في الحال التي لا يُقْتَل فيه لمجردِ الردة، وإذا كان ذلك مُوجِبًا للقتل، استوى فيه المسلمُ والذمِّيُّ؛ لأنَّ كلَّ ما يوجِبُ القتلَ -سوى الرِّدة- يستوي فيه المسلمُ والذمي.
وفي كتمانِ الصحابةِ لابنِ أبي سرحٍ ولإحدى القَيْنَتَينِ دليلٌ على أن النبي - ﷺ - لم يُوجِب قتلَهم، وإنما أباحه مع جوازِ عفوِه عنهم، وفي ذلك دليلٌ على أنه كان مُخَيَّرًا بين القتل والعفو، وهذا يؤيِّد أن القتل كان لحَقِّ النبي - ﷺ -.
الحديث التاسع: حديثُ القَينتينِ اللتين كانتا تُغنِّيان بهجاءِ النبي - ﷺ - ومولاةِ بني هاشم، وذلك مشهورٌ مستفيضٌ عند أهل السير، أمر - ﷺ - بقتل فَرْتَنَى.
° وقال موسى بنُ عقبة في "مغازيه" عن الزهري: وأَمَرهم رسولُ الله - ﷺ - أن يَكُفُّوا أيديَهم فلا يُقاتِلوا أحدًا إلاَّ مَن قاتَلهم، وأَمر بقتل أربعةِ نفر، قال: وأَمَر بقتل قَينتَينِ لابن خَطَلٍ تُغنِّيانِ بهجاءِ رسولِ الله - ﷺ -، ثم قال: وقُتلت إحدى القينتين وكَمِنَت الأخرى حتى استؤمن لها.
وكذلك ذكر محمدُ بنُ عائذٍ القُرشيُّ في "مغازيه".
° وقال ابنُ إسحاق في روايةِ ابنِ بُكير عنه: قال أبو عبيدةَ بنُ محمدِ ابنِ عمَّارِ بنِ ياسر وعبدُ الله بنُ أبي بكرِ بنِ حزم: إن رسولَ الله - ﷺ - حين دَخل مكةْ وفرَّق جيوشَه، أَمرهم أن لا يقتلوا أحدًا إلاَّ مَن قاتلهم، إلاَّ نَفَرًا
[ ٤ / ٥٠٩ ]
قد سماهم رسول الله - ﷺوقال: "اقْتُلُوهُمْ وإنْ وَجَدْتُمُوهُمْ تَحْتَ أسْتَارِ الكَعْبَة: عبدُ الله بن خَطَل"، ثم قال: "إنما أَمر بقَتل ابنِ خَطَل؛ لأنه كان مسلمًا، فبعثه رسولُ الله - ﷺ - مُصَدِّقًا، وبَعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولًى له يخدمُه، وكان مسلمًا، فنَزل منزلًا وأَمَر المولى يَذبحُ له تَيسًا ويصنعُ له طعامًا، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتدَّ مشركًا، وكانت له قَيْنَةٌ وصاحبتُها كانتا تُغنيان بهجاءِ النبي - ﷺ -، فأَمَر بقتلِهما معه، قال: ومِقْيَسُ بنُ صُبابة لقَتله الأنصاريَّ الذي قتل أخاه، وسارةُ مولاةٌ لبني عبد المطلب، كانت ممن يؤذيه بمكة (^١).
° قال ابنُ إسحاق: وحدَّثني أبو عبيدةَ بنُ محمدِ بنِ عمَّارِ بنِ ياسر أنهم كانوا ستةً، فكَتم اسمَ رجلين وأخبرني بأربعة، قال: النسوة قَيْنَتَا ابنِ خطل، وسارةُ مولاةٌ لبني عبد المطلب، ثم قال: والقينتانِ كانتا تُغنَيان بهجائه، وسارةُ مولاة أبي لهب كانت تؤذيه بلسانها (^٢).
° وقال الواقديُّ عن أشياخه: "ونهى رسولُ الله - ﷺعن القتال، وأَمَر بقتل ستةِ نفرٍ وأربع نسوةٍ، ثم عدَّدهم، قال: "وابن خطل، وسارةُ مولاةُ عمرو بن هاشم، وقَينتين لابن خطل، فَرَتْنَى وقُريبة، ويقال: فُرتنى وأرنب" (^٣).
ثم قال: "وكان جُرْمِ ابنِ خطل أنه أسلَمَ وهاجَرَ إلى المدينة، وبعثه رسولُ الله - ﷺ - ساعيًا، وبعَث معه رجلًا من خُزَاعة، وكان يَصنعُ طعامَه
_________________
(١) "المغازي" للواقدي (٢/ ٨٥٩ - ٨٦٠)، و"السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٤٠٩ - ٤١٠).
(٢) "سيرة ابن هشام" (٢/ ٤١٠).
(٣) المغازي (٢/ ٨٢٥).
[ ٤ / ٥١٠ ]
ويَخدُمه، فنزل في مَجمع، فأمره أن يصنَع له طعامًا، ونام نصف النهار، فاستيقظ والخزاعيُّ نائمٌ ولم يَصنْع له شيئًا فاغتاظ عليه، فضربه فلم يُقْلعْ عنه حتى قَتَله، فلما قَتَله قال: واللهِ لَيَقتُلَنِّي محمدٌّ به إن جِئتُه، فارتدَّ عن الإسلام، وساق ما أخذه من الصدقةِ وهَرَب إلى مكة، فقال له أهلُ مكة: ما ردَّك إلينا؟ قال: لَم أجِدْ دينًا خيرًا من دينكم، فأقام على شِرْكِه، فكانت له قَينتانِ .. وكانتا فاسقتين، وكان يقولُ الشِّعرَ يهجُو رسولَ الله - ﷺ - ويأمُرهما تُغنِّيانِ به، فيدخلُ عليه وعلى قَينتيه المشركون فيشربون الخمرَ، وتُغنَّي القينتان بذلك الهجاء.
وكانت سارةُ مولاةُ عمرو بن هاشم مغنيةً نَوَّاحةً بمكة، يُلقى عليها هجاءَ النبي - ﷺ - فتغني به، وكانت قد قَدِمت على رسول الله - ﷺ - تطلُب أن يَصِلها، وشَكَت الحاجة، فقال رسول الله - ﷺ -: "مَا كانَ لَكِ في غِنَائِكِ وَنِيَاحَتِكِ مَا يَكْفِيْكِ؟ " فقالت: يا محمد، إن قريشًا منذ قُتل من قُتل منهم ببدرٍ تركوا استماعَ الغِناء، فوصَلَها رسولُ الله - ﷺ -، وأوقر لها بعيرًا طعامًا، فرجَعَت إلى قريش، وهي على دينها، فأمر بها رسولُ الله - ﷺ - يومَ الفتح أن تُقْتَل، فقُتلت يومئذٍ.
وأما القينتانِ، فأمر رسولُ الله - ﷺ - بقَتلهما، فقُتلت إحداهما: أَرْنَب أو قُريبة، وأما فَرْتنى، فاستؤمن لها حتى آمنت، وعاشت حتى كُسِر ضِلع من أضلاعها زمنَ عثمان - ﵁ - فماتت، فقضى فيه عثمان - ﵁ - ثمانيةَ آلاف درهم دِيتها، وألفين تغليظًا للجُرم (^١).
_________________
(١) كتاب "المغازي" للواقدي (٢/ ٨٥٩ - ٨٦٠).
[ ٤ / ٥١١ ]
الحديث العاشر
وحديث القينتين مما اتَّفق عليه علماءُ السير، واستفاض نَقلُه استفاضةً يُستغنى بها عن روايةِ الواحد، وحديثُ مولاة بني هاشم ذكره عامةُ أهلِ المغازي ومَن له مَزِيد خبرةٍ واطلاع، وبعضُهم لم يذكره.
فوجه الدلالة: أنَّ تَعمُّدَ قَتلِ المرأةِ لمجرَّد الكفرِ الأصليِّ لا يجوزُ بالإجماع، وقد استفاضت بذلك السنةُ عن رسول الله - ﷺ -.
إذا تقرر هذا، فنقول: هؤلاء النسوةُ كنَّ معصوماتٍ بالأنوثة، ثم إن النبي - ﷺ - أَمَر بقَتْلِهِنَّ لمجردِ كونهن كنَّ يَهجِينَه وهن في دار حرب، فعُلم أنَّ مَن هجاه وسبَّه جازَ قتلُه بكلِّ حال.
الحديث العاشر: ما استدلَّ به بعضُهم من قصة ابن خطل ففي "الصحيحين" من حديث الزهري عن أنس أن النبي - ﷺ - دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المِغْفَر (^١)، فلما نَزَعه جاءه رجل فقال: ابنُ خطل متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه" (^٢).
_________________
(١) المِغْفر: بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء: زردٌ ينسج من الدروع على قدر الرأس، وقيل: هو رفرف البيضة، وقيل: هو ما يجعل من فضل دروع الحديد على الرأس مثل القلنسوة. ينظر "النهاية" (٤/ ٣٧٤) (غفر).
(٢) رواه البخاري في كتاب جزاء الصيد- باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام (٤/ ٧٠ - ٧١ ح ١٨٤٦)، وفي كتاب الجهاد- باب قتل الأسير وقتل الصّبِر (٦/ ١٩١ ح ٣٠٤٤)، وفي مواضع أخرى (ح ٤٢٨٦، ٥٨٠٨)؛ ورواه مسلم في كتاب الحج- باب جواز دخول مكة بغير إحرام- (٢/ ٩٨٩ ح ١٣٥٧)؛ وأبو داود في كتاب الجهاد- باب قتل الأسير- ولا يعرض ﵇ (٣/ ١٣٤ ح ٢٦٨٥)؛ والترمذي في كتاب الجهاد- باب ما جاء في المغفر- (٤/ ١٧٤ ح ١٦٩٣)؛ والنسائي في كتاب الحج- باب دخول مكة بغير إحرام- (٥/ ٢٠٠ - ٢٠١)؛ وأحمد في "المسند" (٣/ ١٠٩، ١٦٤، ١٨٦، ٢٣١، ٢٣٢، ٢٣٣، ٢٤٠).
[ ٤ / ٥١٢ ]
وهذا مما استفاض نَقلُه بين أهل العلم واتفقوا عليه: أن رسول الله - ﷺ - أهدَرَ دَم ابنِ خطل يومَ الفتح فيمن أهدره، وأنه قُتل.
° وعن ابن المسيَّب أن أبا برزة أتاه وهو متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فبَقَر بطنَه .. وكذلك رَوى الواقديُّ عن أبي برزةَ قال: فيَّ نزلت هذه الآية ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١ - ٢]. أخرجتُ عبد الله بن خَطَل وهو متعلِّقُ بأستارِ الكعبة، فضربتُ عنقَه بين الركن والمقام (^١).
° وذكر الواقديُّ أن ابنَ خَطَل أقبلَ مِن أعلى مكة مُدجَّجًا في الحديد .. ثم خرج حتى انتهى إلى الخندمة (^٢)، فرأى خيلَ المسلمين ورأى القتال، ودَخَله رعبٌ حتى ما يَستمسكُ منَ الرِّعْدَة (^٣)، حتى انتهى إلى الكعبة، فَنَزل عن فرسِه، وطَرَح سلاحَه، فأتى البيتَ، فدخَلَ بين أستاره (^٤).
وقد تقدم عن أهل المغازي أن جُرمَه أن النبي - ﷺاستَعملَه على الصدقة، وأصحبه رجلًا يخدمه، فغَضِب على رفيقِه لكونه لَم يصنعْ له طعامًا أَمَره بصنعه، فَقَتَله، فخاف ثَمَّ أن يُقتل، فارتد واستاقَ إبلَ الصدقة، وأنه كان يقولُ الشِّعرَ يهجُو به رسولَ الله - ﷺ -، ويأمرُ جاريتَيه أن تُغنِّيا به،
_________________
(١) كتاب "المغازي للواقدي" (٢/ ٨٥٩).
(٢) الخندمة: اسم جبل مكة. ينظر "معجم ما استعجم" (٢/ ٥١٢) "معجم البلدان" (٢/ ٣٩٢).
(٣) الرعدة: النافض يكون من الفزع وغيره، وقد أرعد فارتعد. ينظر "لسان العرب" (٣/ ١٦٦٩) (رعد).
(٤) كتاب "المغازي" للواقدي (٢/ ٨٢٦، ٨٢٧).
[ ٤ / ٥١٣ ]
فهذا له ثلاثُ جرائمَ مبيحةٌ للدم: قتلُ النفس، والردَّة، والهجاء.
الحديث الحادي عشر:
أمْرُ النبيِّ - ﷺ - بقتل جماعةٍ لأجل سبِّه، وقَتَل جماعةً لأجل ذلك، مع كفِّه وإمساكِه عمَّن هو بمنزلتهم في كونه كافرًا حربيًّا، فمن ذلك ما قدمناه عن سعيدِ بنِ المسيب أن النبي - ﷺ - أمر يومَ الفتح بقتل ابن الزِّبَعرَى.
وسعيدُ بن المسيَّب هو الغايةُ في جودةِ المراسيل، ولا يَضرُّه أن لا يذكرَه بعضُ أهل المغازي، فإنَّهم مختلِفون في عددِ مَن استُثني من الأمان، وكلٌّ أخبر بما عَلم، ومَن أثبت الشيءَ وذكره حُجةٌ على من لم يثبته.
° وقد ذَكَر ابنُ إسحاق قال: "فلما قَدِم رسولُ الله - ﷺ - إلى المدينة منصرفًا عن الطائف، كتب بُجَيرُ بنُ زهيرِ بنِ أبي سُلْمى إلى أخيه كعبِ بن زهير يخبرُه أن رسولَ الله - ﷺ - قد قَتل رجالًا بمكةَ ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأنَّ مَن بَقِي من شعراءِ قريش عبد الله بنِ الزَّبعْرَى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كلِّ وجه؛ ففي هذا بيانٌ أن النبي - ﷺ - أَمَر بقتل من كان يهجوه ويؤذيه بمكةَ من الشعراء مثل ابن الزَّبعْرَى وغيره".
ومما لا خفاءَ به أن ابن الزَّبعْرَى إنما ذَنبُه أنه كان شديدَ العداوة لرسول الله - ﷺ - بلسانه؛ فإنَّه كان من أشعرِ الناس، وكان يُهاجي شعراءَ الإِسلام مثلَ حسانَ وكعبِ بنِ مالك، فأمَّا ما سوى ذلك من الذنوب قد شَرَكه فيه وأربى عليه عددٌ كثيرٌ من قريش.
ثم إن ابن الزَّبعْرَى فَرَّ إلى نجران، ثم قدم على النبي - ﷺ - مسلمًا، وله أشعارٌ حسنةٌ في التوبةِ والاعتذار، فأهَدَرَ دَمَه للسبِّ، مع أمانه لجميع أهل
[ ٤ / ٥١٤ ]
مكة إلاَّ مَن كان له جُرمٌ مثلُ جرمِه ونحو ذلك.
ومن ذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، قصَّتُه في هجائه للنبي - ﷺ - وفي إعراضِ النبي - ﷺ - عنه لَمَّا جاءه مسلمًا مشهورةٌ ومستفيضةٌ.
° فوجه الدلالة: أنه ندر دمَ أبي سفيان بن الحارث دون غيره من صناديدِ المشركين الذين كانوا أشدَّ تأثيرًا في الجهاد باليد والمال، وهو قادمٌ إلى مكة لا يريدُ أن يَسْفِكَ دماءَ أهلها، بل يَستعطفُهم على الإسلام، ولم يكن لذلك سببٌ يختصُّ بأبي سفيان إلاَّ الهجاء، ثُمَّ جاء مسلمًا، وهو يُعْرِض عنه هذا الإعراضَ، وكان من شأنه أن يتألَّفَ الأباعدَ على الإِسلام، فكيف بعشيرته الأقربين؟ كلُّ ذلك بسبب هَتكِه عرضَه كما هو مفسَّرٌ في الحديث.
• وقد عفَى عنه النبيُّ - ﷺ - لما قال: "واللهِ لَيقبلَنَّ مني، أو لآخُذَنَّ بيد ابني هذا فلأذهبَنَّ في الأرض حتى أهلِكَ عطشًا وجُوعًا، وأنت أحلمُ الناس وأكرمُ الناس مع رَحِمي بك"، فرقَّ له رسولُ الله - ﷺ -.
* قِصَّةُ الحُويرثِ بنِ نُقيد:
ومِن ذلك أنه أَمَر يومَ الفتح بقَتل الحُويرث بن نُقَيد، وهو معروف عند أهل السِّير، قال موسى بن عقبة في "مغازيه" عن الزهري -وهي من أصحِّ المغازي؛ كان مالك يقول: "مَن أحبَّ أن يكتبَ المغازي فعليه بمغازي الرجلِ الصالح موسى بن عقبة"- قال: وأَمَرهم رسولُ الله - ﷺ - أن يكفُّوا أيديَهم، فلا يُقاتِلوا أحدًا إلاَّ مَن قاتَلهم، وأَمَرهم بقتل أربعةِ نفر، منهم: الحويرثُ ابن نُقَيْد (^١).
_________________
(١) "مغازي الواقدي" (٢/ ٨٢٥)، و"الطبقات الكبرى" لابن سعد (٢/ ١٣٦)، و"تاريخ الطبري" (٣/ ٥٨).
[ ٤ / ٥١٥ ]
° وقال سعيدُ بنُ يحيى الأُموي في "مغازيه": حدَّثني أبي، قال: وقال ابنُ إسحاق: "وكان رسول الله - ﷺ - عهِدَ إلى المسلمين في قتل نَفَرٍ ونسوةٍ، وقال: "إنْ وَجَدتموهُمْ تَحْتَ أسْتَارِ الكَعْبَةِ فَاقْتُلُوهُمْ"، وسمَّاهم بأسمائهم ستة، وهم: عبدُ الله بنُ سعدِ بنِ أبي سَرح، وعبدُ الله ابنُ خَطَل، والحُويرثُ بنُ نُقَيد، ومِقْيَسُ بن صُبَابة، ورجلٌ من بني تيم بن غالب".
° قال ابن إسحاق: "وحدَّثني أبو عبيدة بنُ محمدِ بنِ عمَّارِ بنِ ياسرٍ أنهم كانوا ستةً، فكَتَم اسمَ رجُلين -وأخبرني بأربعة-، وزَعَم أن عكرمةَ بن أبي جهل أحدُهم" (^١).
قال: وأمَّا الحويرثُ بنُ نُقيد، فقَتَله عليُّ بن أبي طالب، وكذلك ذَكَر ابنُ إسحاق في روايةِ ابنِ بُكير وغيرِه عنه من النفر الذين استثناهم النبي - ﷺ - وقال: "اقْتُلُوهُم وَإنْ وَجَدتمُوهُم تَحْت أَسْتارِ الكَعْبةِ": الحويرثُ بن نقيد، وكان ممن يؤذِي رسول الله - ﷺ - (^٢).
° قال الواقديُّ عن أشياخِه: إن النبيَّ - ﷺ - نَهى عن القتال، وأمر بقَتلِ ستةِ نفرٍ وأربعِ نسوة: عكرمةَ بنِ أبي جهل، وهَبَّارِ (^٣) بنِ الأسود، وابنِ
_________________
(١) "السيرة النبويَّة" لابن هشام (٢/ ٤٠٩ - ٤١١).
(٢) المرجع السابق.
(٣) هَبَّار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العُزَّى، من قريش، شاعر من الصحابة، وكان له قدر في الجاهلية. وهو جد الهباريين ملوك ثغر السند، توارثوها إلى أن انتزعها منهم محمود بن سُبُكْتُكِين (صاحب غزنة)، وكانت قاعدتهم في السند "المنصورة"، وكان هبار في الجاهلية سبابًا. هجا النبي - ﷺ - قبل إسلامه، وله معه خبر طويل ذكره ابن حجر، وكان إسلامه بعد الفتح بالجعْرانة. توفي بعد سنة خمس عشرة. ينظر: "أسد الغابة" (٥/ ٣٨٤)، "الإصابة" (٦/ ٢٧٩)، "الأعلام" (٨/ ٧٠).
[ ٤ / ٥١٦ ]
أبي سرح، ومِقْيَسِ بنِ صُبابة، والحويرثِ بن نُقيد، وابنِ خطل (^١).
قال: وأما الحويرثُ بنُ نُقيد، فإنَّه كان يؤذي النبيَّ - ﷺ -، فأهدَرَ دمَه، فبينا هو في منزلهِ يومَ الفتح قد أُغلق بابه عليه، وأقبل عليٌّ يسأله عنه، فقيل: هو في البادية، فأُخبر الحويرثُ أنه يُطْلَب، وتنحَّى عَلِيٌّ عن بابه، فخرج الحويرثُ يريدُ أن يهربَ من بيتٍ إلى بيتٍ آخر، فتلقاه عليٌّ فضَرَب عنقه (^٢).
ومثلُ هذا مما يُشتَهَرُ عند هؤلاء مثل الزهري وابنِ عقبةَ وابنِ إسحاق والواقديِّ والأُموي وغيرهم، أكثرُ ما فيه أنه مرسل، والمرسَلُ إذا رُوِيَ من جهاتٍ مختلفةٍ -لا سيما ممن له عنايةٌ بهذا الأمر وتتبُّعٌ له- كان كالمسند، بل بعضُ ما يُشتهر عند أهل المغازي ويَستفيضُ أقوى مما يُروى بالإِسناد الواحد، ولا يُوهِّنه أنه لم يذُكَرْ في الحديثِ المأثور عن سعدٍ وعَمرِو بن شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، لأن المثْبِت مُقدَّم على النافي، ومَنْ أخبر أنه أَمَر بقَتله، فمعه زيادةُ علم، ولعلَّ النبيَّ - ﷺ - لم يأمُرْ بقَتلِه، ثم أَمَر بقتله، وذلك أنه يمكنُ أن النبيَّ - ﷺ - نَهى أصحابَه ألَّا يُقاتِلوا إلاَّ مَن قاتَلهم إلاَّ النفر الأربعة، ثم أَمَرهم أن يَقتلوا هذا وغيره.
ومجردُ نهيه عن القتال لا يوجبُ عِصمةَ المكفوفِ عنهم، لكنه بعد ذلك آمَنَهم الأمانَ العاصمَ للدم، وهذا الرجلُ قد أَمر النبي - ﷺ - بقتله لمجرَّدِ أذاه له، مع أنه قد آمَنَ أهْلَ البلدِ الذين قاتلوه وأصحابَه وفعلوا بهم الأفاعيل.
_________________
(١) ينظر: كتاب "المغازي للواقدي" (٢/ ٨٢٥).
(٢) "المغازي" (٢/ ٨٥٧).
[ ٤ / ٥١٧ ]
ومِن ذلك أنه - ﷺ - لَمَّا قَفَلَ من بدرٍ راجعًا إلى المدينة قَتَل النَّضْرَ بنَ الحارث وعُقْبَةَ بنَ أبي مُعْيطٍ، ولم يَقتل من أُسَارَى بدر غيرهما، وقصتهما معروفة.
° قال ابنُ إسحاق: "وكان في الأَسرى عُقْبَةُ بن أبي مُعْيطٍ والنَّضْرُ بنُ الحارث، فلما كان رسولُ الله - ﷺ - بالصَّفْراء (^١) قَتَلَ النَّضْرَ بنَ الحارث، قَتَله عليُّ بنُ أبي طالب كما خُبِّرْتُ، ثم مَضى رسولُ الله - ﷺ -، فلمَّا كان بِعرْقِ الظَّبْيَة (^٢) قُتل عقبةُ بنُ أبي مُعيط، قَتَله عاصمُ بن ثابت (^٣).
فالسببُ الذي أوجَبَ قَتْلَ هذيْن الرَّجُلَيْن من بين سائرِ الأَسرى: أذاهم للهِ ولرسولهِ بالقول والفعل؛ فإنَّ الآياتِ التي نزلت في النَضْر معروفة (^٤).
_________________
(١) الصَّفراء: وادٍ كثير النخل بينه وبين بدر مرحلة.
(٢) عَرق الظبية: هو من الرَّوْحاء على ميلين مما يلي المدينة.
(٣) "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٤٤)، و"المغازي" (١/ ١١٤، ١٣٨، ١٤٩).
(٤) فقد روى ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٨٢) عن ابن عباس -﵄- أنه قال: "أنزل الله ﵎ في النضر ثماني آيات من القرآن، قوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥]، وكل ما ذكر في الأساطير من القرآن" اهـ. ومن تلك الآيات التي نزلت في النضر بن الحارث، قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]. ينظر: "أسباب النزول" للواحدي (١٧٥). ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١] .. ينظر "الباب النزول" للسيوطي (ص ١١٠) و"تفسير ابن جرير" (٩/ ٢٣١) .. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. قال الواحدي (ص ١٩٢): "نزلت في النضر بن الحارث". ينظر: "تفسير ابن جرير" =
[ ٤ / ٥١٨ ]
° قال الواقديُّ: كان النضرُ بنُ الحارث أَسَرَهُ المِقْدَادُ بن الأسود، فلمَّا خرج رسولُ الله - ﷺ - من بدرٍ فكان بالأُثَيِّل (^١) عُرِض عليه الأسْرَى، فنظر إلى النضرِ بنِ الحارث فأبدَّه البصرَ (^٢)، فقال لرجلٍ إلى جنبه: محمدٌ واللهِ قاتِلي، لقد نظر إليَّ بعينين فيهما الموت، فقال الذي إلى جنبه: "واللهِ ما هذا منك إلاَّ رعب"، فقال النضرُ لمصعبِ بنِ عمير: يا مصعبُ، أنت أقرب مَنْ ها هنا بي رحمًا، كلمْ صاحبَك أن يجعلَني كرجلٍ من أصحابي، هو واللهِ قاتلي إن لم تفعلْ، قال مصعب: إنَّك كنتَ تقولُ في كتاب الله كذا وكذا، وتقول في نبيَّه كذا وكذا، قال: يا مُصعبُ، يجعلُني كأحدِ أصحابي، إن قُتلوا قُتلت، وإن مَنَّ عليهم مَنَّ عليَّ، قال مصعبٌ: إنك كنت تُعذِّب أصحابَه -وذكر الحديث-، إلى أن قال: فقتله عَلِيُّ بن أبي طالب صبرًا بالسيف (^٣).
° وقد أهدَرَ رسولُ الله - ﷺ - دَمَ كعبِ بنِ زُهير بن أبي سُلْمى لهجائه إيَّاه، ثم قدم على رسول الله - ﷺ - تائبًا وأنشده قصيدتَه المشهورة "بانت سعاد" وفيها:
أنبِئْتُ أنَّ رَسُولَ الله أوْعدَنِي … وَالعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ الله مَأمُولُ
مَهْلًا هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاَكَ نَافِلَةَ الْ … قرآنِ فِيه مَوَاعيظٌ وتَفْصِيْلُ
لَا تَأْخُذَنِّي بِأقْوَالِ الوُشَاةِ وَلَمْ … أُذْنِبْ، وَلَو كَثُرَتْ فِيَّ الأقَاوِيلُ
_________________
(١) = (٩/ ٢٣٢). ومنها قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. ينظر: "تفسير ابن جرير" (١٨/ ١٨٢).
(٢) الأثيل: موضع قرب المدينة بين بدر والصفراء. انظر "معجم البلدان" (١/ ٩٣).
(٣) أبده البصر أي: أعطاه بدته من النظر، أي: حظَّه. "النهاية" (١/ ١٠٥) (بد).
(٤) "المغازي" للواقدي (١/ ١٠٦، ١٠٧).
[ ٤ / ٥١٩ ]
ومن ذلك: أن أصحابه كانوا إذا سَمِعوا مَنْ يَسُبُّه ويؤذيه - ﷺ - قتلوه، وإن كان قريبًا، فيُقرُّهم على ذلك ويرضاه، وربما سَمَّى مَنْ فعل ذلك "ناصرًا لله ورسوله".
فهذه الأحاديثُ كلُّها تدلُّ على أنَّ مَن كان يسبُّ النبيَّ - ﷺ - ويؤذيه من الكفار، فإنَّه كان يَقصِدُ قَتْلَه، وَيحضُّ عليه لأجل ذلك، وكذلك أصحابُه بأمره يفعلون ذلك، مع كَفِّه عن غيرِه ممن هو على مِثل حاله في أنه كافرٌ غيرُ معاهَد، بل مع أمانهِ لأولئك، أو إحسانِه إليهم من غير عهدٍ بينه وبينهم، ثم مِن هؤلاءمَنْ قُتل، ومنهم من جاء مسلمًا تائبًا فعُصِم دمه.
* سنَّة الله فيمن لا يقدرُ المسلمون على الانتقام منه:
ومِن سُنةِ الله أن مَن لم يُمكَّنِ المؤمنون أن يُعذِّبوه مِن الذين يؤذون اللهَ ورسولَه، فإن اللهَ سبحانه ينتقمُ منه لرسوله ويكفيه إياه، كما قدمنا بعضَ ذلك في قصةِ الكاتب المفتَرِي، وكما قال سبحانه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [٩٥]﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٤].
والقصةُ في إهلاكِ الله واحدًا واحدًا من هؤلاء المستهزئين معروفة، قد ذكرها أهلُ السِّير والتفسير، وهم -على ما قيل- نفرٌ من رؤوس قريش: منهم الوليدُ بن المغيرة، والعاصُ بن وائل، والأسودانِ بنُ المطلب وابنُ عبد يغوث، والحارثُ بن قيس.
وقد كَتب النبيُّ - ﷺ - إلى كِسرى وقيصر، وكلاهما لم يُسْلم، لكنَّ قيصرَ أكرَمَ كتاْبَ رسولِ الله - ﷺ -، وأكرم رسوله، فَثَبَتَ مُلكُه، فيقال: إن المُلكَ باقٍ في ذريته إلى اليوم، وكِسرى مَزَّق كتابَ رسول الله - ﷺ -،
[ ٤ / ٥٢٠ ]
واستهزأ برسول الله - ﷺ -، فقتله اللهُ بعد قليل، ومَزَّق مُلكَه كل ممزَّق، ولم يبقَ للأكاسرة مُلكٌ، وهذا -والله أعلم- تحقيقُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣].
فكلُّ من شَنَأه وأبغَضَه وعاداه، فإن الله تعالى يقطعُ دابرَه، ويَمحقُ عينَه وأثَره، وقد قيل: إنها نزلت في العاصِ بنِ وائل، أو في عقبةَ بنِ أبي مُعيط، أو في كعب بن الأشرف، وقد رأيتَ صنيعَ الله بهم (^١).
ومن الكلام السائر: "لحومُ العلماء مسمومة" .. فكيف بلحوم الأنبياء ﵈.
• وفي "الصحيح" عن النبي - ﷺ - قال:" يَقُولُ الله تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالمُحَارَبَةِ" (^٢).
فكيف بمَن عَادى الأنبياء؟ ومن حارَبَ اللهَ حُرِبَ، وإذا استَقريتَ قَصَصَ الأنبياءِ المذكورةَ في القرآن تجدُ أُممهم إنما أُهلكوا حين آذَوا الأنبياء وقابلوهم بقبيحِ القول أو العمل، وهكذا بنُو إسرائيل إنما ضُربت عليهم الذِّلَّة، وباؤوا بغضبٍ من الله، ولم يكن لهم نصيرٌ لقتلهم الأنبياءَ بغيرِ حقٍّ مضمومًا إلى كُفرهم، كما ذَكر اللهُ ذلك في كتابه، ولعلَّك لا تَجِدُ أحدًا آذى نبيًّا من الأنبياء، ثم لم يَتُبْ إلاَّ ولابد أن يُصيبَه اللهُ بقارعةٍ، وقد ذكرنا ما جرَّبه المسلمون من تعجيلِ الانتقام من الكفارِ إذا تعرَّضوا لسبِّ
_________________
(١) انظر "تفسير الطبري" (٣٠/ ٣٢٩)، و"تفسير ابن كثير" (٤/ ٥٥٩).
(٢) جزء من حديث رواه البخاري في "صحيحه" كتاب الرِّقاق- باب التواضع (١١/ ٣٤٨ ح ٦٥٠٢) عن أبي هريرة - ﵁ -، وفيه عبارة: "فقد آذنته بالحرب"، وقد انفرد البخاري بإخراجه في "صحيحه".
[ ٤ / ٥٢١ ]
رسول الله - ﷺ -، وبلغنا مثلُ ذلك في وقائعَ متعددة، وهذا بابٌ واسعٌ لا يُحاط به، ولم نَقصِدْ قَصْدَه هنا، وإنما قَصَدْنا بيانَ الحُكمِ الشرعيَّ.
• وكان سبحانه يَحْميه ويَصْرفُ عنه أذى الناسِ وشَتْمَهم بكلِّ طريق، حتى في اللفظ؛ ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أَلا تَرَوْنَ كيْفَ يَصْرِفُ اللهُ عنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؟ يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مَحَمَّدٌ" (^١).
فنزَّه الله اسمَه ونَعْتَه عن الأذى، وصَرَف ذلك إلى مَن هو مذمَّم، وإن كان المؤذي إنما قصد عينه.
الحديث الثاني عشر:
• روى النسائي عن أبي بَرزةَ قال: أُتي رسولُ الله - ﷺ - بمالٍ فقَسَمه، فأعطى مَنْ عن يمينه ومَنْ عن شماله، ولم يُعطِ مَنْ وَراءه شيئًا، فقام رجلٌ من ورائهِ فقال: يا محمدُ، ما عَدَلْتَ في القسمة -رجلٌ أسود مطمومُ الشعر، عليه ثوبانِ أبيضان-، فغضب رسولُ الله - ﷺ - غضبًا شديدًا، وقال:
_________________
(١) رواه البخاري: في كتاب "المناقب"- باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ - (٦/ ٦٤١ ح ٣٥٣٣) وفيه لفظ: "ألا تعجبون"، ورواه الإِمام أحمد: في "المسند" (٢/ ٢٤٤، ٣٤٠، ٣٦٩) باللفظين، والنسائي: في كتاب الطلاق- باب الإبانة والإفصاح بالكلمة الملفوظ بها (٦/ ١٥٩) بلفظ:"انظروا"، والبيهقي: في "السنن الكبرى" (٨/ ٢٥٢). وهذا الحديث لم أجده في "صحيح مسلم"، ويؤيد ذلك ما نص عليه الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٦/ ٧٣٥) في خاتمة المناقب النبوية من كتاب المناقب، حيث ذكر بأن مسلمًا وافق البخاري على تخريج أحاديث المناقب النبوية سوى ثمانية وعشرين حديثًا، وذكر منها هذا الحديث. وصَرَّح بذلك أيضا العلامة أحمد محمد شاكر في شرحه "للمسند" ١٣/ ٥٠ ح ٧٣٢٧) فقال: "ولم يخرجه مسلم".
[ ٤ / ٥٢٢ ]
"واللهِ لا تَجِدُون بَعْدي رَجُلًا هو أعْدَلُ مِنَّي"، ثم قال: "يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ كأنَّ هذَاَ منْهُمْ يَقْرَؤُونَ الْقُرآنَ لَا يُجاوِزُ تَرَاقِيهمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلامِ كمَا يَمْرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، سيمَاهُمُ التَحْليقُ (^١) لَاَ يَزَالُونَ يَخْرُجُون حَتى يَخْرُجَ آخِرُهم معَ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، فإذا لَقيتُموهُم فَاقْتُلُوهُم، هُمْ شَرُّ الْخَلقِ وَالخَلِيقَةِ" (^٢).
° فهذا دليلٌ على أن النبيَّ - ﷺ - أمَر بقتلِ طائفةِ هذا الرجل العائب عليه، وأخبر أن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم وقال: "لَئِنْ أدرَكْتُهمْ لأقْتُلَنَّهُم قَتْلَ عادٍ"، وذكر أنهم شَرُّ الخَلقِ والخليقة.
° وفيما رواه الترمذِيُّ وغيرُه عن أبي أمامة أنه قال: "هُمْ شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أدِيْمِ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتْلى مَنْ قَتَلوه".
* وذُكر أنه سمع النبي - ﷺ - يقول ذلك مراتٍ متعددة، وتلا فيهم قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] (^٣).
_________________
(١) أي: كانت طريقة الخوارج: حلق جميع الرأس، وكان السلف يوفرون رؤوسهم لا يحلقونها، كما في "الفتح" (٨/ ٦٨ ح ٤٣٥١).
(٢) رواه النسائي: في كتاب تحريم الدم- من شهر سيفه، ثم وضعه في الناس (٧/ ١١٩ - ١٢١)، وأحمد: في "المسند" (٤/ ٤٢١، ٤٢٤، ٤٢٥).
(٣) صحيح: رواه الترمذي: في كتاب "تفسير القرآن"- باب ومن سورة آل عمران (٥/ ٢١٠ ح ٣٠٠٠)، وابن ماجه: في المقدمة- باب في ذكر الخوارج (١/ ٦٢ ح ١٧٦)، وأحمد: في "المسند" (٥/ ٢٥٠، ٢٥٦، ٢٦٩)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل: في كتاب "السنة" (٢/ ٦٤٣ ح ١٥٤٢)، والحاكم: في "المستدرك" (٢/ ١٤٩)، والبيهقي: في "السنن الكبرى" (٨/ ١٨٨). الحديث: حَسَّنه الترمذي، وقال الحاكم: "صحيح على =
[ ٤ / ٥٢٣ ]
فإن ثَبَتَ بهذه الأحاديث الصحيحةِ أنه - ﷺ - أَمَر بقتل مَن كان من جنسِ ذلك الرجلِ الذي لَمَزَه أينما لُقُوا، وأخبر أنهم شَرُّ الخَليقة، وثَبَتَ أنهم مِن المنافقين: كان ذلك دليلًا على صحَّةِ معنى حديث الشعبي في استحقاق أصلِهم للقتل.
* ولقد اختلف العلماءُ في حكمِ الخوارج:
فمِمَّن قال بتكفيرهم: الإِمامُ البخاري والقاضي أبو بكر بن العربي وتقي الدين السبكي والطبري والقرطبي والقاضي عياض ..
ومِمَّن قال بتفسيقهم: ذهب أكثرُ أهلِ الأصول من أهلِ السنة إلى أن الخوارج فُسَّاق، وأن حُكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام.
قال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأنهم لا يُكفَّرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام.
وقال ابن بطال: ذهب جمهورُ العلماء إلى أن الخوارج غيرُ خارجين عن جملة المسلمين، ومن توقف في تكفيرهم: وهم المتكلمون، وكادت أن تكون هذه المسألة أشدَّ إشكالًا عند المتكلمين من غيرها، ومنهم: الإِمام أبو المعالي وقيله القاضي الباقلاني، وكذا الغزالي. وللتفصيل في أقوال العلماء وأدلة كل فريق ينظر: "فتح الباري" المطبوع مع "صحيح البخاري" (١٢/ ٣١٣) في آخر شرح الحديثين رقم (٦٩٣٣، ٦٩٣٤)، من كتاب
_________________
(١) = شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (٣/ ٣٢ ح ٢٣٩٨).
[ ٤ / ٥٢٤ ]
"استتابة المرتدين"- باب من ترك قتال الخوارج.
* إِجماعُ الصحابةِ على كفر سابِّ الرسول - ﷺ -:
وأمَّا إجماعُ الصحابة - ﵃ -، فلأنَّ ذلك نُقِلَ عنهم في قضايا متعدِّدة ينتشرُ مِثلُها ويستفيض، ولم يُنكِرْها أحدٌ منهم؛ فصارت إجماعًا، واعلمْ أنه لا يمكن ادِّعاء إجماعِ الصحابة على مسألةٍ فَرْعية بأبْلَغَ من هذا الطريق.
° فمن ذلك ما ذَكره سَيفُ بنُ عمرَ التميميُّ (^١) في كتاب "الردَّة والفتوح" عن شيوخه، قال: ورُفع إلى المهاجر -يعني: المُهاجرِ بن أبي أمية، وكان أميرًا على اليمامة ونواحيها- امرأتانِ مغنيتانِ غَنَّتْ إحداهما بشَتْمِ النبي - ﷺ -، فَقَطع يدها، ونَزعَ ثَنيَّتها، وغَنَّتِ الأخرى بهجاءِ المسلمين فقطع يَدَهَا، ونَزعَ ثنيتَّها، فكتب أبو بكر: "بَلَغني الذي سرت به في المرأة التي تغنَّتْ وزَمَّرت بشَتمِ النبي - ﷺ -، فلولا ما قد سبقتني فيها لأمرتُك بقَتْلِها؛ لأن حدَّ الأنبياء ليس يشبهُ الحدود؛ فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد، أو معاهدٍ فهو محارِب غادر".
° وكتب إليه أبو بكر في التي تَغنَّتْ بهجاء المسلمين: "أمَّا بعد، فإنَّه بلغني أنك قطعت يَدَ امرأة في أن تَغَنَّتْ بهجاء المسلمين ونزعتَ ثَنِيَّتَهَا، فإنْ كانت ممن تدعي الإسلام فأدَبٌ وتقدمة دون المُثْلة، وإن كانت ذِمِّيةً فلعمري لَمَا صَفَحَت عنه من الشرك أعظم، ولو كنتُ تقدَّمتُ إليك في مثل هذا لبلغتَ مكروهك، فاقبَلِ الدَّعَةَ، وإياك والمُثْلةَ في الناس؛ فإنَها مأثم ومنفرة إلاَّ في قصاص".
_________________
(١) ضعيف في الحديث، عُمدَةٌ في التاريخ.
[ ٤ / ٥٢٥ ]
° وقد ذكر هذه القصةَ غيرُ سيف (^١)، وهذا يوافقُ ما تقدم عنه أن مَنْ شَتم النبي - ﷺ - كان له أن يقتلَه، وليس ذلك لأحدٍ بعده، وهو صريحٌ في وجوب قَتْل من سَبَّ النبي - ﷺ - من مسلمٍ ومعاهَدٍ -وإن كان امرأة-، وأنه يُقْتَل بدون استتابة، بخلاف مَنْ سبَّ الناس، وأن قتله حدٌّ للأنبياء كما أن جَلْدَ مَن سَب غيرَهم حدٌّ له، وإنما لم يأمرْ أبو بكر بقَتْل تلك المرأةِ؛ لأن الهاجِرَ سَبق منه فيها حدٌّ باجتهاده، فكَرِهَ أبو بكر أن يجمعَ عليها حَدَّيْن، مع أنه لعلَّها أسلمت، أو تابت فقَبِلَ المهاجرُ توبتَها قبلَ كتاب أبي بكر، وهو محلُّ اجتهادٍ سَبق منه فيه حُكمٌ فلم يُغيِّره أبو بكر؛ لأنَّ الاجتهادَ لا يُنقضُ بالاجتهاد، وكلامُه يدلُّ على أنه إنما مَنَعه من قتلِها ما سبق من المهاجر.
° ورَوى حَرْبٌ في "مسائله" عن لَيْث بنِ أبي سُلَيم، عن مجاهدٍ قال: "أُتي عُمرُ برَجُل سَبَّ النبي - ﷺ -، فقتله، ثم قال عمرُ: مَنْ سَبَّ الله، أو سَبَّ أحدًا من الأنبياء فاقتلوه".
° قال ليثٌ: وحدثني مجاهدٌ عن ابن عباس قال: "أيُّما مسلم سبَّ اللهَ، أو سَبَّ أحدًا من الأنبياء، فقد كَذَّبَ برسول الله - ﷺ -، وهي رِدَّةٌ، يُسْتتاب، فإنْ رَجَع وإلاَّ قُتِلَ، وأيما معاهدٍ عاند فسَبَّ الله، أو سَبَّ أحدًا من الأنبياء، أو جَهَر به، فقد نَقَضَ العهد فاقتلوه".
° وعن أبي مَشجعةَ بنِ رِبعيٍّ قال: "لَمَّا قَدِمَ عمرُ بنُ الخطاب الشامَ قام قُسْطَنْطِين بِطْرِيقُ الشام، وذكر معاهدةَ عمرَ له وشروطه عليهم، قال: اكْتُبْ بذلك كتابًا، قال عمرُ: نعم، فبينا هو يكتبُ الكتابَ إذ ذكر عمر،
_________________
(١) "تاريخ الطبري" (١/ ٣٤١)، و"تاريخ الخلفاء" (ص ٩٧).
[ ٤ / ٥٢٦ ]
فقال: إني أستثني عليك مَعَرَّةَ الجيش مرتين، قال: لك ثُنْيَاك (^١) وقَبَّحَ الله من أقَالَكَ (^٢)، فلما فرغ عمرُ من الكتاب قال له: يا أميرَ المؤمنين، قُمْ في الناس فأخبِرْهم الذي جَعَلْتَ لي، وفرَضْتَ عَلَيَّ؛ ليتناهَوْا عن ظُلْمي، قال عمرُ: نعم، فقام في الناس، فحمدَ الله وأثنى عليه، فقال: الحمدُ لله أحمدُه وأستعينه، مَنْ يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلل فلا هاديَ له، فقال النَّبَطيُّ: إن اللهَ لا يُضِلُّ أحدًا، فقال عمرُ: ما يقول؟ قالوا: لا شيءَ، وعاد النبطيُّ لمقالته، فقال: أخبرني ما يقول، قال: يزعمُ أن اللهَ لا يُضِلُّ أحدًا، قال عمر: إنا لم نُعطِكَ الذي أعطيناك لتدخلَ علينا في ديننا، والذي نفسي بيده لَئِنْ عُدتَ لأضربنَّ الذي فيه عيناك، وأعاد عمرُ، ولم يَعُدِ النبطيُّ، فلمَّا فرغ عمرُ أخذ النبطيُّ الكتاب"، رواه حرب (^٣).
فهذا عمرُ - ﵁ - بمَحْضرٍ من المهاجرين والأنصار يقولُ لمن عاهده: "إنا لم نُعطِكَ العهدَ على أن تدخلَ علينا في ديننا"، وحَلَفَ لئن عاد ليضربَنَّ عنقه؛ فعُلم بذلك إجماعُ الصحابة على أن أهلَ العهدِ ليس لهم أن يُظهِروا الاعتراضَ علينا في ديننا، وأن ذلك منهم مُبِيحٌ لدمائهم.
وإنَّ من أعظمِ الاعتراض سَبَّ نبينا - ﷺ -، وهذا ظاهرٌ لا خَفَاء به، لأن إظهارَ التكذيب بالقَدَرِ من إظهار شتم النبي - ﷺ -.
وإنما لم يَقتُلْه عمرُ؛ لأنه لم يكن قد تقرَّر عنده أن هذا الكلامَ طَعْنٌ في
_________________
(١) لك ثُنْياك، أي: لك ما استثنيت. والثَّنْيا: هي أن يُسْتَثْنَى في العقد شيء. ينظر: "النهاية" (١/ ٢٢٤) (ثنا).
(٢) أقالك، أي: فسخ عهدك ونقضه. ينظر: "النهاية" (٤/ ١٣٤) (قيل).
(٣) ورواه المعافى بن زكريا الجريري في كتابه "الجليس الصالح" (٣/ ٣٠٦).
[ ٤ / ٥٢٧ ]
ديننا؛ لجوازِ أن يكون اعتَقد أن عمرَ قال ذلك من عنده، فلما تقدم إليه عمرُ وبيَّنَ له أن هذا ديننا قال له: "لئن عُدْت لأقتلنك".
ومِن ذلك ما اسَتدلَّ به الإمام أحمد، ورواه عن هُشيم: ثنا حُصين، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ عمر قال: "مرَّ به راهبٌ، فقيل له: هذا يسبُّ النبي - ﷺ -، فقال ابن عمر - ﵄ -: لو سمعتُه لقتلتُه، إنا لم نُعطِهِمُ الذِّمَّةَ على أن يسبُّوا نبيَّنا - ﷺ -" (^١).
ورواه أيضَا من حديثِ الثوريِّ، عن حُصينٍ، عن شيخٍ أن ابن عمر - ﵄ - أَصْلَتَ (^٢) على راهِبٍ سبَّ النبي - ﷺ - بالسيفِ، وقال: "إنا لم نُصالِحْهم على سبِّ النبي - ﷺ -" (^٣).
* حُكْم مَن سَبَّ النبي - ﷺ - مِن مسلمٍ أو كافرٍ وجوبُ قتلِه:
° قال شيخُ الإسلام ابن تيمية في كتابه المبارَك "الصارم المسلول على شاتم الرسول - ﷺ - ":"هذا مذهَبُ عامةِ أهل العلم .. قال ابنُ المُنْذِرِ: "أجمعَ عوامُّ أهلِ العلمِ على أَن حَدَّ مَن سبَّ النبي - ﷺ - القتل، وممن قاله مالكٌ واللَّيثُ وأحمدُ وإسحاقُ، وهو مذهبُ الشافعي".
_________________
(١) انظر "أحكام أهل الملل" لأبي بكر الخلال: كتاب الحدود- باب فيمن شتم النبي - ﷺ - (ق / ١٠٣/ ب). وعزاه ابن حجر في "المطالب العالية" (٢/ ١٧٥ ح ١٩٨٦) إلى "مسند مُسدَّد" وفي حاشيته: قال البوصيري: رواه مسدد بسند فيه راوٍ لم يُسَمَّ، والحارث في مسنده بسند رواته ثقات.
(٢) أصلت السيف: إذا جَرّده من غِمْده. "النهاية" (٣/ ٤٥) (صلت).
(٣) "أحكام أهل الملل" (ق/ ١٠٣/ ب- ق/١٠٤/ أ)، وفيه بلفظ: "معلت على راهب" مهملة بدون نقط. وهو تحريف.
[ ٤ / ٥٢٨ ]
° قال: "وحُكي عن النعمان (^١): لا يُقتل -يعني: الذِّمِّيَّ-، ما هُو عليه من الشركِ أعْظَمُ" (^٢).
وقد حَكى أبو بكر الفارسي (^٣) من أصحابِ الشافعي -إجماعَ المسلمين على أنَّ حدَّ من يَسبُّ النبيَّ - ﷺ - القتل، كما أن حدَّ مَن سبَّ غيرَه الجَلْدُ.
وهذا الإجماعُ الذي حكاه محمولٌ على إجماع الصَّدْرِ الأوَّل مِن الصحابة والتابعين، أو أنه أرادَ به إجماعَهم على أن سابَّ النبِّي - ﷺ - يجبُ قتلُه إذا كان مسلمًا، وكذلك قَيَّدَه القاضي عِيَاضٌ، فقال: "أجمَعَتِ الأمة على قَتْل متنقِّصِه من المسلمين وسابِّه" (^٤)، وكذلك حَكَى عن غيرِ واحدٍ الإجماعَ على قتله وتكفيره (^٥).
° وقال الإمامُ إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَه -أحدُ الأئمة الأعلام-: "أجمع
_________________
(١) يعني: أبا حنيفة.
(٢) ينظر: كتاب "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" لابن المنذر: في كتاب الحدود (٢/ ٦٨٢) رقم (٢٨٥) (رسالة علميَّة)، كتاب "الإجماع " لابن المنذر أيضًا: في كتاب "المرتد" (ص ١٥٣) رقم (٧٢٢).
(٣) هو أحمد بن الحسين بن سهل، أبو بكر الفارسي. إمام جليل، تفقَّه على ابن سريج. وهو أول من درَّس مذهب الشافعي ببَلْخ. قال النووي: "من أئمة أصحابنا وكبارهم ومتقدميهم وأعلامهم" اهـ. صَنف كتاب "العيون على مسائل الربيع" وكتاب "الانتقاد على المُزَني"، وكتاب "الخلاف" معه، وكتاب "الإجماع". مات سنة خمسين وثلاث مئة.
(٤) يُنظر: كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض: القسم الرابع: "في تعريف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبَّه ﵊" (٢/ ٢١١).
(٥) يُنظر: "كتاب الشفا" الباب الأول: في بيان ما هو في حقه - ﷺ - سبٌّ أو نقص من تعريض أو نص (٢/ ٢١٥) وما بعدها.
[ ٤ / ٥٢٩ ]
المسلمون على أنَّ من سَبَّ اللهَ، أو سَبَّ رسولَه - ﷺ -، أو دَفَعَ شيئًا مما أنزل الله ﷿، أو قَتَلَ نبيًّا من أنبياء اللهِ ﷿، أنه كافر بذلك -وإن كان مُقرًّا بكلِّ ما أنزل اللهُ-".
° وقال الخَطَّابي: "لا أعلمُ أحدًا من المسلمين اخْتَلَفَ في وُجُوب قَتْله" (^١).
° وقال محمدُ بنُ سَحْنُون: "أجمع العلماءُ على أن شاتِمَ النبيِّ - ﷺ - المتَنَقِّصَ له كافرٌ، والوعيدُ جارٍ عليه بعذاب اللهِ له، وحُكْمُه عند الأُمةِ القتْلُ، وَمَنْ شَكَّ في كُفره وعذابه كَفَر" (^٢).
وتحريرُ القول فيها: أنَّ السابَّ إن كان مسلمًا، فإنه يَكفُرُ ويُقْتَلُ بغير خلاف، وهو مذهبُ الأئمةِ الأربعة وغيرهم، وقد تقدم ممن حكى الإجماعَ على ذلك من الأئمة مثل إسحاق بن رَاهُوْيَه وغيره.
وإن كان ذمِّيًّا، فإنه يُقتل أيضًا في مذهب مالكٍ وأهْل المدينة، وسيأتي حكايةُ ألفاظهم، وهو مذهبُ أحمد وفقهاءِ الحديث، وقد نَصَّ أحمدُ على ذلك في مواضعَ متعددة.
° قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: "كلُّ مَن شَتَم النبيَّ - ﷺ - أو تنقَّصه -مسلما كان أو كافرًا-، فعليه القتلُ، وأرى أن يُقتلَ ولا يُستتاب".
° قال: وسمعتُ أبا عبد اللَّه يقول: "كلُّ مَنْ نَقَضَ العهدَ، وأحدَثَ في الإسلام حَدَثًا مِثلَ هذا، رأيتُ عليه القتل، ليس على هذا أُعْطَوا العهدَ والذِّمَّة".
_________________
(١) انظر: "معالم السنن" للخطابي- المطبوع مع مختصر سنن أبي داود (٦/ ١٩٩).
(٢) صنف الإِمام محمد بن سحنون رسالة بعنوان:"رسالة فيمن سبَّ النبي - ﷺ - ".
[ ٤ / ٥٣٠ ]
° وكذلك قال أبو الصقر (^١): سألتُ أبا عبد الله عن رجلٍ من أهل الذمَّة شَتَم النبيَّ - ﷺ -، ماذا عليه؟ قال: إذا قامت عليه البينةُ يُقتل مَنْ شَتَم النبي - ﷺ -، مسلمًا كان أو كافرًا"، رواهما الخَلَّالُ (^٢).
° وقال في رواية عبد الله وأبي طالب (^٣) -وقد سُئل عمَّن شَتَم النبيَّ - ﷺ - قال: "يُقتل، قيل له: فيه أحاديث؟ قال: نعم، أحاديث منها: حديث الأعمى الذي قَتَل المرأة، قال: "سمعتها تَشتمُ النبيَّ - ﷺ -"، وحديثُ حُصَينٍ أن ابن عُمرَ قال: "مَن شَتَمَ النبيَّ - ﷺ - قُتل" (^٤)، وعمرُ ابن عبد العزيز يقول: "يُقتل" (^٥)، وذلك أنه مَن شتم النبيَّ - ﷺ - فهو مُرْتَدٌّ عن الإِسلام، ولا يَشتُمُ مسلمٌ النبيَّ - ﷺ - ".
° زاد عبدُ الله: "سألتُ أبي عمَّن شَتَم النبيَّ - ﷺ -، يُستتاب؟ قال: قد وَجَب عليه القتلُ، ولا يُستتاب؟ خالدُ بنُ الوليد قَتَلَ رجلًا شَتَم النبي - ﷺ - ولم يَسْتَتِبْه"، رواهما أبو بكر (^٦) في "الشافي".
° وفي رواية أبي طالب: "سئل أحمدُ عمَّن شَتَم النبيَّ - ﷺ -، قال يُقْتَلُ، قد نَقَضَ العَهْدَ".
_________________
(١) "ورَّاق الإِمام أحمد": يحيى بن يزداد الورَّاق.
(٢) رواهما الخلَّال في "أحكام أهل الملل" في كتاب الحدود-باب فيمن شتم النبي - ﷺ -.
(٣) هو أبو طالب المُشْكاني أحمد بن حميد، من الطبقة الأولى من تلاميذ الإِمام أحمد.
(٤) رواه الخلال في "أحكام أهل المل" في كتاب الحدود-باب فيمن شتم النبيﷺ - حصين عمن حدثه عن ابن عمر - ﵄ -.
(٥) روى ابن سعد في "الطبقات الكبرى" عن عمر بن عبد العزيز قال: "لا يُقتل أحدٌ في سَبِّ أحدٍ إلاَّ في سَبِّ نبي".
(٦) هو عبد العزيز بن جعفر البغدادي شيخ الحنابلة المعروف بـ "غلام الخلال".
[ ٤ / ٥٣١ ]
° وقال حَربٌ: "سألتُ أحمدَ عن رجلٍ من أهل الذمةِ شَتَم النبيَّ - ﷺ -، قال: يُقتلُ إذا شتَمَ النبيﷺ -" .. رواهما الخَلَّال (^١).
وقد نصَّ هذا في غير هذه الجوابات.
فأقوالُه كلُّها نصٌّ وجوب قتله، وفي أنه قد نَقَض العهد، وليس عنه في هذا اختلافٌ، وكذلك ذَكَر عامةُ أصحابِه، متقدِّمِهم ومتأخِّرِهم، لم يختلفوا في ذلك.
وأما الشافعي، فالمنصوصُ عنه نفسهِ: أنَّ عَهْدَه يَنتقضُ بسبِّ النبيِّ - ﷺ -، وأنه يقتل .. هكذا حكاه ابنُ المُنْذِر والخطابيُّ (^٢) وغيرهُما.
° والمنصوص عنه في "الأُمِّ" أنه قال: "إذا أراد الإمامُ أن يكتبَ كتابَ صُلحٍ على الجِزية كَتَب .. " -وذكر الشروطَ-، إلى أن قال: "وعلى أنَّ أحدًا منكم إن ذَكر محمدًا - ﷺ - أو كتابَ الله أو دينَه بما لا ينبغي أن يَذكُرَه به، فقد بَرِئَتْ منه ذمةُ الله ثم ذمةُ أمير المؤمنين وجميع المسلمين، ونَقَض ما أُعطي من الأمان، وحَلَّ لأميرِ المؤمنين مالُه ودمُه كما تَحِلُّ أموالُ أهل الحربِ ودماؤهم، وعلى أن أحدًا من رجالهم إن أصاب مُسلمةً بزنًى أو اسمِ نكاحٍ، أو قَطَع الطريقَ على مسلمٍ، أو فَتَنَ مسلمًا عن دينه، أو أعان المحارِبين على المسلمين بقتالٍ أو دَلالةٍ على عَوْرَات المسلمين، أو إيواءٍ لعيونهم، فقد نَقَضَ عهدَه، وأحلَّ دَمَه ومالَه .. وإنْ نال مسلمًا بما دون هذا في مالِهِ أو عِرْضِهِ .. لزمه فيه الحكم" (^٣).
_________________
(١) انظر: "أحكام أهل الملل" له.
(٢) انظر: "معالم السنن" للخطَّابي (٦/ ٢٠٠).
(٣) انظر: "الأم" للشافعي (٤/ ٢٠٩).
[ ٤ / ٥٣٢ ]
° ثم قال: "فهذه الشروطُ اللازمةُ إن رَضِيَ بها، فإن لم يَرْضَهَا، فلا عَقْدَ له ولا جِزْيَةَ" (^١).
° ثم قال: "وأيُّهم قال أو فَعَل شيئًا مما وَصفتُه نَقْضًا للعهدِ وأسلم، لم يُقتلْ إذا كان ذلك قولًا، وكذلك إذا كان فعلًا لم يُقتلْ، إلاَّ أن يكونَ في دينِ المسلمين أَنَّ مَنْ فَعَله قُتِل حدًّا أو قِصاصًا، فيُقتلُ بحدٍّ أو قصاصٍ -لا نَقضِ عهدٍ-.
وإن فَعَل مما وصفنا وشُرط أنه نقضٌ لعهد الذمة، فلم يُسْلِمْ، ولكنه قال: "أتوبُ وأُعْطِي الجِزْية كما كنتُ أعطيها، أو على صُلْحٍ أجَدِّدُه"، عوقب ولم يُقتلْ، إلاَّ أن يكون فَعَل فعلًا يوجبُ القصاصَ أو الحدَّ، فأما ما دون هذا من الفعل أو القولِ، فكلُّ قولٍ فيُعاقَبُ عليه ولا يُقتل" (^٢).
° وأما أبو حنيفةَ وأصحابُه، فقالوا: "لا يُنتقضُ العهدُ بالسبِّ، ولا يُقتل الذِّمي بذلك، لكن يُعَزَّر على إظهارِ ذلك كما يُعزَّرُ على إظهارِ المنكراتِ التي ليس لهم فِعلُها من إظهارِ أصواتِهم بكتابهم ونحو ذلك".
وحكاه الطحاويُّ عن الثوريِّ.
ومِن أصولهم أنَّ ما لا قَتلَ فيه عندهم -مِثلَ القتل بالمُثَقَّل والجِماع في غير القُبُل إذا تكرر-، فللإمام أن يقتلَ فاعلَه، وكذلك له أن يَزيدَ على الحدِّ المُقَدَّر إذا رأى المصلَحَةَ في ذلك، ويحملون ما جاء عن الرسولِ - ﷺ - وأصحابه من القتل في مِثل هذه الجرائم على أنه رَأى المصلحة في ذلك، ويُسمونه "القَتْلَ سياسةً"، وكان حاصلُه أن له أنْ يُعزِّرَ بالقتل في الجرائم
_________________
(١) "الأم" (٤/ ٢١٠).
(٢) انظر "الأم" (٤/ ٢١٠ - ٢١١).
[ ٤ / ٥٣٣ ]
أحدها
التي تَغَلَّظَت بالتكرار، وشُرع القتلُ في جنسِها، ولهذا أفتَى أكثرُهم بقَتلِ مَنْ أكثر مِن سبِّ النبي - ﷺ - مِن أهل الذمة وإن أسْلَم بعدَ أخْذِه، وقالوا: "يُقتل سياسةً"، وهذا متوجهٌ على أصولهم" اهـ. من"الصارم المسلول" (^١).
* الأدلةُ على انتقاضِ عهدِ الذمِّي السَّابِّ:
° قال شيخُ الإِسلام ابن تيمية: "والدلالةُ على انتقاضِ عهد الذميِّ بسبِّ اللهِ أو كتابهِ أو دينهِ أو رسولهِ، ووجوبِ قتلهِ وقتلِ المسلم إذا أتى ذلك: الكتابُ، والسُّنة، وإجماعُ الصحابةِ والتابعين، والاعتبارُ.
أما الكتابُ: فيُستنبط ذلك منه من مواضع:
أحدها: قولُه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
فأمَرَنا بقتالهم إلى أن يُعْطُوا الجزيةَ وهم صاغرون، فلا يجوزُ الإمساكُ عن قتالهم إلاَّ إذا كانوا صاغِرين حالَ إعطائهم الجِزيةَ، ومعلومٌ أن إعطاءَ الجزيةِ من حينِ بَذْلِها والتزامَها إلى حين تسليمِها وإقباضها، فإنهم إذا بذلوا الجزيةَ شَرَعُوا في الإعطاء، ووجب الكفُّ عنهم إلى أن يُقْبِضُونَاهَا فيتمُّ الإعطاءُ؛ فمتى لم يلتزموها أو التزموها أولًا وامتنعوا من تسليمها ثانيًا لم يكونوا مُعطِينَ للجزية؛ لأن حقيقةَ الإِعطاءِ لَم تُوجد، وإذا كان الصَّغَارُ حالاًّ عليهم في جميع المُدَّة، فمِن العلوم أن مَن أظهَرَ سَبَّ نبيِّنا في وجوهِنا وشَتَمَ ربَّنَا على رؤوسِ المَلأ منَّا وطَعَنَ في ديننا في مجامعِنا فليس بصاغرِ؛
_________________
(١) انظر "الصارم المسلول على شاتم الرسول" (٢/ ١٣ - ٣٢) - دار ابن حزم.
[ ٤ / ٥٣٤ ]
الموضع الثاني
لأن الصَّاغِرَ: الذليلُ الحقيرُ، وهذا فِعلُ متعزَّزٍ مُرَاغِم، بل هذا غايةُ ما يكونُ من الإذلالِ لنا والإِهانةِ.
° قال أهل اللغةِ: الصَّغار: الذُّلُّ والضَّيْم .. يقال: صَغِر الرَّجُلُ -بالكسر-: يصْغَرُ -بالفتح-: صَغَرًا وصُغَرًا، والصَّاغِرُ: الراضي بالضَّيْمِ.
ولا يَخفى على المتأمِّل أنَّ إظهارَ السبِّ والشتمِ لدينِ الأُمةِ الذي به اكتَسبت شَرَفَ الدنيا والآخرة، ليس فِعلَ راضٍ بالذلِّ والهوانِ، وهذا ظاهرٌ لا خفاء به.
وإذا كان قتالُهم واجبًا علينا إلاَّ أن يكونوا صاغِرين، وليسوا بصاغِرين، كان القتالُ مأمورًا به، وكلُّ من أُمِرْنَا بقتاله من الكفار، فإنه يُقتلُ إذا قَدَرنا عليه.
وأيضًا، فإنَّا إذا كُنا مأمورين أن نقاتلَهم إلى هذه الغاية، لَم يَجُزْ أن نَعْقِدَ لهم عهدَ الذمةِ بدونها، ولو عُقِدَ لهم كان عقدًا فاسدًا، فيَبقُون على الإباحة.
الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ٧ - ١٢].
نفى سبحانه أن يكون لمشركٍ عهدٌ ممن كان النبيُّ - ﷺ - قد عاهَدهم، إلاَّ قومًا ذَكَرهم، فإنه جَعل لهم عَهدًا ما داموا مستقيمين لنا، فعُلم أن العهدَ لا يَبقى للمشركِ إلاَّ ما دام مستقيمًا، ومعلومٌ أن مُجاهرتَنا بالشَّتيمةِ والوقيعةِ
[ ٤ / ٥٣٥ ]
الموضع الثالث
في رَبِّنا ونبينا وديننا وكتابنا يَقْدَحُ في الاستقامة، كما تَقْدَحُ مجاهرتُنا بالمحاربةِ في العهدِ، بل ذلك أشدُّ علينا إن كنَّا مؤمنين؛ فإنه يجبُ علينا أنْ نَبذُلَ دماءَنا وأموالَنا حتى تكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، ولا يُجْهَر في ديارنا بشيءٍ مِن أذى اللهِ ورسوله، فإذا لم يكونوا مستقيمين لنا بالقَدْح في أهْوَنِ الأمرين، كيف يكونون مستقيمين مع القدح في أعظمهما؟!.
* يوضِّحُ ذلك قولُه تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]، أي: كيف يكون لهم عهدٌ، ولو ظَهروا عليكم لم يَرقُبُوا الرَّحِمَ التي بينكم ولا العهدَ الذي بينكم؟ فعُلم أنَّ مَن كانت حالُه أنه إذا ظَهر لم يرْقُبْ ما بيننا وبينه من العهدِ، لم يكنْ له عهدٌ، ومَنْ جَاهَرَنا بالطعن في ديننا، كان ذلك دليلًا على أنه لو ظَهَر لم يَرْقُبِ العهدَ الذي بيننا وبينه؛ فإنه إذا كان مع وجودِ العهدِ والذِّلَّةِ يفعلُ هذا، فكيف يكونُ مع العِزَّةٍ والقُدرةِ؟ وهذا بخلافِ مَنْ لم يُظْهِرْ لنا مثلَ هذا الكلامِ، فإنه يجوزُ أن يَفِيَ لنا بالعهدِ لو ظَهر.
وهذه الآية -وإن كانت في أهلِ الهُدْنَةِ الذين يُقيمون في دارهم-، فإن معناها ثابتٌ في أهلِ الذِّمةِ المقيمين في دارِنا بطريق الأولى.
الموضع الثالث: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]، وهذه الآيةُ تدلُّ مِن وجوهٍ:
أحدها: أنَّ مجردَ نَكْثِ الأيمان مقتضٍ للمُقاتَلة، وإنما ذَكَر الطعنَ في الدين وأَفَرَدَه بالذِّكر تخصيصًا له بالذكر وبيانًا؛ لأنه من أقوى الأسباب
[ ٤ / ٥٣٦ ]
المُوجِبةِ للقتال، ولهذا يُغَلَّظُ على الطاعن في الدين من العقوبة ما لا يُغلَّظُ على غيره من الناقضين -كما سنذكره إن شاء الله تعالى-، أو يكون ذَكَرَه على سبيل التوضيحِ وبيانِ سبب القتال؛ فإن الطعنَ في الدين هو الذي يجبُ أن يكون داعيًا إلى قتالهم لتكونَ كلمةُ الله هي العليا .. وأما مجرَّدُ نكثِ اليمين، فقد يُقاتَلُ لأجلِه شجاعةً وحَمِيَّةً ورياءً، ويكون ذكر لطعن في الدين لأنه أوجَبَ القتالَ في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، وبقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٣، ١٤] الآية. فيُفيد ذلك أن مَنْ لم يَصْدُرْ منه إلاَّ مجردُ نكثِ اليمين، جاز أن يُؤمَّنَ ويعاهَد، وأمَّا مَنْ طَعَن في الدين فإنه يتعيَّنُ قتالُه، وهذه كانت سنةَ رسول الله - ﷺ -؛ فإنه كان يُنْدِرُ (^١) دماءَ مَن آذى اللهَ ورسوله وطَعَن في الدين -وإن أمْسَكَ عن غيره-، وإذا كان نقضُ العهدِ وحده مُوجِبًا للقتال -وإن تَجَرَّد عن الطعن-، عُلم أنَّ الطعنَ في الدِّين إما سَبَبٌ آخر، أو سببٌ مستلزِمٌ لنقضِ العهد، فإنه لا بد أن يكونَ له تأثيرٌ في وجوب المقاتَلة، وإلاَّ كان ذِكرُه ضائعًا.
الوجه الثاني: أن الذِّميَّ إذا سبَّ الرسولَ أو سبَّ اللهَ أو عاب الإسلامَ علانيةً، فقد نكَث يمينَه وطَعَن في ديننا؛ لأنه لا خلافَ بين المسلمين أنه يُعاقَبُ على ذلك ويُؤَدَّبُ عليه، فعُلم أنه لم يُعاهَدْ عليه، لأنا لو عاهدناه
_________________
(١) يُهدر. ونَدَر أي: أسقط أو أهدر. انظر: "النهاية" (٥/ ٣٥).
[ ٤ / ٥٣٧ ]
عليه ثم فَعَلَه، لَم تَجُزْ عقوبتُه عليه، وإذا كنا قد عاهدناه على أن لا يَطعنَ في ديننا، ثم طَعَن في ديننا، فقد نَكَث في يمينه مِن بعدِ عهدِه وطَعَن في دينِنا، فيجبُ قتلُه بنصِّ الآية، وهذه دلالةٌ قويةٌ حسنة.
الوجه الثالث: أنه سَمَّاهم "أئمةَ الكفر" لطعنهم في الدين، وأوقَعَ الظاهَر موقع المُضْمَر؛ لأن قوله: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ إمَّا أن يَعْنيَ به الذين نَكثوا وطعنوا، أو بعضهم، والثاني لا يجوزُ؛ لأن الفعلَ الموجِبَ للقتال صَدَرَ من جميعهم، فلا يجوزُ تخصيصُ بعضِهم بالجزاءِ؛ إذِ العِلَّةُ يجبُ طَرْدُها إلاَّ لمانعٍ -ولا مانع-، ولأنه عَلَّل ذلك ثانيًا بأنهم لا أيمانَ لهم، وذلك يَشملُ جميعَ الناكثين الطاعنين، ولأن النَّكث والطعن وَصفٌ مشتق مناسب لوجوب القتال، وقد رُتِّبَ عليه بحرفِ "الفاء" ترتيبَ الجزاء على شرطه، وذلك نصٌّ في أن ذلك الفعلَ هو الموجبُ للثاني؛ فثَبَت أنه عَنى الجميع، فيلزمُ أن الجميعَ أئمةُ كفرٍ، وإمامُ الكفر هو الداعي إليه المُتّبَعُ فيه، وإنما صار إمامًا في الكفرِ لأجلِ الطعن، فإنَّ مجرَّد النكث لا يُوجِبُ ذلك -وهو مناسِبٌ -، لأن الطاعنَ في الدين يَعيبُه وَيذُمُّه ويدعو إلى خلافه، وهذا شأنُ الإمام، فثَبَت أن كل طاعنٍ في الدين فهو إمامٌ في الكفر، فإذا طعن الذميُّ في الدين فهو إمامٌ في الكفر، فيجبُ قتالُه لقوله تعالى: ﴿فَقَاتلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، ولا يمينَ له؛ لأنه عاهَدَنَا على ألاَّ يُظهِرَ عَيْبَ الدين هنا وخَالَفَ، واليمين هنا المراد بها: العهودُ -لا القَسَمُ بالله-، فيما ذكره المفسرون (^١)،
_________________
(١) انظر "تفسير مجاهد" (٢٧٤)، و"تفسير الطبري" (١٠/ ٨٧)، و"زاد المسير" (٣/ ٤٠٤)، و"تفسير القرطبي" (٨/ ٨١)، و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٢٣٨).
[ ٤ / ٥٣٨ ]
وهو كذلك.
الوجه الرابعِ: أنه قال تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣]، فجَعَل هَمَّهم بإخْرَاج الرَّسُولِ من المحضِّضات على قتالهم، وما ذاك إلاَّ لما فيه من الأذَى، وسَبُّه أغْلَظُ من الهمِّ بإخراجه، بدليل أنه - ﷺ - عفَا عامَ الْفَتْحِ عن الذين همُّوا بإخراجِه، ولم يَعْفُ عمَّن سَبَّه؛ فالذمِّيُ إذا أظهر سَبَّه فقد نَكَث عهده، وفَعَل ما هو أعظمُ من الهمِّ بإخراج الرسولِ، وبَدَأ بالأذى؛ فيجبُ قتالُه.
الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥].
أمرَ سبحانه بقتالِ الناكثين الطاعنين في الدِّين، وضَمِنَ لنا -إن فَعَلْنا ذلك- أن يُعَذِّبهمِ بأيدينا ويُخزيَهم، وينصرَنا عليهم، ويَشفيَ صدورَ المؤمنين الذين تأذَّوا من نقْضِهم وطَعنِهم، وأن يُذهِبَ غيظَ قلوبهم؛ لأنه رتَّبَ ذلك على قتالِنا ترتيبَ الجزاءِ على الشرط، والتقديرُ: إن تُقَاتلوهم يَكُنْ هذا كلُّه؛ فدلَّ على أن الناكثَ الطاعنَ مستحقٌّ هذا كله، وإلاَّ فالكفارُ يُدَالُونَ علينا المرةَ وندَالُ عليهم الأخرَى (^١)، وإن كانت العاقبة للمتقين، وهذا تصديقُ ما جاء في الحديث: "ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلاَّ أُديِلَ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ" (^٢) والتعذيبُ
_________________
(١) يُدَالون علينا ونُدال عليهم: أي يغلبونا مرة ونغلبهم أخرى. والإدالة بمعنى الغلبة. انظر "النهاية" (٢/ ١٤١) (دول).
(٢) جزء من حديث ابن عباس وابن عمر وبريدة - ﵁ -. فأما حديث ابن عباس فقد أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/ ٤٥ ح ١٠٩٩٢) =
[ ٤ / ٥٣٩ ]
بأيدينا هو القتلُ؛ فيكون الناكثُ الطاعنُ مستحقًّا للقتل، والسابُّ لرسول الله - ﷺ - ناكثٌ طاعنٌ كما تَقدَّم؛ فيَستحقُّ القَتْلَ، وإنما ذكر سبحانه النصرَ عليهم وأنه يتوبُ من بعدِ ذلك على مَن يشاء؛ لأنَّ الكلام في قتالِ الطائفةِ الممتنعة، فأما الواحدُ المستحقُّ للقتل، فلا ينقسمُ حتى يقال فيه: "يعذبُه اللهُ، ويتوبُ اللهُ مِن بعد ذلك على مَن يشاء"، على أن قولَه: ﴿مَنْ يشاءُ﴾ يجوزُ أن يكون عائدًا إلى مَنْ لم يَطعنْ بنفسه وإنما أقَرَّ الطاعن؛ فسُمِّيت الفئةُ طاعنةً لذلك، وعند التمييز فبعضُهم رِدْءٌ (^١)، وبعضُهم مباشر، ولا يَلزمُ من التوبةِ على الرِّدْءِ التوبةُ على المباشر، ألَا ترى أن النبي - ﷺ - أهْدَرَ عام الفتح دَمَ الذين باشروا الهجاءَ، ولم يُهْدِرْ دَمَ الذين سمعوه، وأهدَرَ دَمَ
_________________
(١) = بلفظ: " … إلا سُلِّط عليهم عدوُّهم". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ٦٨): "وفيه إسحاق بن عبد الله بن كيسان المروزي، لَينه الحاكم، وبقية رجاله موثقون وفيهم كلام". وأما حديث ابن عمر فقد أخرجه ابن ماجه في كتاب "الفتن"- باب العقوبات (٢/ ٣٣٢ ١ ح ١٩ ٤٠). وقال البوصيري في "الزوائد" -على إسناد ابن ماجه-: "هذا حديث صالح للعمل به، وقد اختلفوا في ابن أبي مالك وأبيه" اهـ. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥٤٥) بلفظ: "ولم ينقضوا عهدَ الله وعهدَ رسوله، إلا سُلط عليهم عدوهم". قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي. وأما حديث بريدة فقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ١٢٦) بلفظ: "ما نقض قوم العهد إلاَّ كان القتلُ بينهم "؛ والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٣٤٦)، (٩/ ٢٣١). وقال عنه الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٧٢): "روه البزار ورجاله رجال الصحيح غير رجاء بن محمد وهو ثقة"، وقال الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (١/ ١٦٩ - ٧١ ١ ح ١٠٧): "وبالجملة فالحديث بهذه الطرق والشواهد صحيح بلا ريب".
(٢) الرِّدْء -بكسر الراء-: المُعين والناصر.
[ ٤ / ٥٤٠ ]
بني بكرٍ، ولم يُهْدِرْ دَمَ الذين أعارُوهم السلاحَ؟!.
السادس: أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾.
دليلٌ على أنَّ شفاءَ الصدورِ مِن ألم النكثِ والطعنِ، وذهابَ الغيظِ الحاصل في صدور المؤمنين من ذلك أمْرٌ مقصودٌ للشارع مطلوبُ الحصولِ، وأنَّ ذلك يحصلُ إذا جَاهَدوا كما جاء في الحديث المرفوع: "عليكُم بِالجهَاد فإنَّه بابٌ مِن أبوابِ الله، يَدفَعُ اللهُ به عنِ النُّفُوسِ الهمَّ وَالغمَّ" (^١).
ولا ريبَ أن مَن أظهر سَبَّ الرسول - ﷺ - من أهل الذِّمَّة وشَتَمه، فإنه يَغِيظُ المؤمنين ويُؤلِمُهم أكثرَ مما لو سفَكَ دماءَ بعضِهِم وأخَذَ أموالهم؛ فإن هذا يُثِيرُ الغضبَ لله والحَمِيَّةَ له ولرسولِه، وهذا القَدرُ لا يُهَيِّجُ في قلبِ المؤمن غيظًا أعظمَ منه، بل المؤمن المسدَّدُ لا يَغضبُ هذا الغَضَبَ إلاَّ لله، والشارعُ يطلبُ شفاءَ صدورِ المؤمنين وذهابَ غيظِ قلوبِهم، وهذا إنما يحصلُ بِقَتْل السابِّ لأوْجُهٍ:
أحدها: أن تَعْزِيره وتأديبَه يُذْهِبُ غيظَ قلوبهم إذا شَتَم واحدًا من المسلمين أو فَعَل نحو ذلك، فلو أذهب غيظَ قلوبهم إذا شَتَم الرسول، لكان غيظُهم مِن شَتْمه مِثلَ غيظهم مِن شَتْم واحدٍ منهم .. وهذا باطل.
الثاني: أن شَتْمَه أعظمُ عندهم من أن يَأخُذَ بعضَ دمائهم، ثم لو قَتل
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد في "المسند" (٥/ ٣١٤، ٣١٦، ٣١٩، ٣٢٦)، والطبراني في "المعجم الكبير والأوسط"، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٧٤ - ٧٥)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "الصحيحة" (٤/ ٥٨١ ح ١٩٤١).
[ ٤ / ٥٤١ ]
الموضع الرابع
واحدًا منهم لم يَشْفِ صدورهم إلاَّ قتلُه، فأنْ لا تُشْفَى صُدُورُهُم إلاَّ بقتل السابِّ أوْلى وأحْرَى.
الثالث: أنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ قِتالَهم هو السببَ في حصول الشِّفاء، والأصْلُ عدمُ سبب آخر يُحصِّلُه؛ فيجبُ أن يكون القتلُ والقتال هو الشافي لصدور المؤمنين من مثل هذا.
الرابع: أنَّ النبيَّ - ﷺ - لما فُتحت مكةُ وأراد أن يَشفيَ صدورَ خُزَاعة -وهم القوم المؤمنون- مِن بني بكرٍ الذين قاتلوهم، مَكَّنهم منهم نصفَ النهار أو أكثر مع أمانِهِ لسائرِ الناسِ (^١)؛ فلو كان شفاءُ صدورِهم وذهابُ غيظِ قلوبهم يحصلُ بدون القتل للذين نكثوا وطعنوا، لَمَا فَعَل ذلك مع أمانِهِ للناس.
الموضع الرابع: قولُه سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣]، فإنه يدلُّ على
_________________
(١) صحيح: أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (٧/ ٤٠٣ ح ٣٦٩٠٤)، والإمام أحمد في "المسند" (٢/ ١٧٩، ٢٠٧) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول الله - ﷺ - قال: "كُفُّوا السلاحَ إلا خزاعةَ من بني بكر". فأذن لهم حتى صلى العصر ثم قال: "كُفُّوا السلاح"؛ وذكره ابن كثير في "البداية" (٤/ ٣٠٤)، والهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ١٨٠) وقال: "رواه الطبراني ورجاله ثقات"، والحديث صحَّح إسناده أحمد محمد شاكر- في شرحه على "المسند" (١٠/ ١٥٨ ح ٦٦٨١). وقد كانت خزاعة حلفاء رسول الله - ﷺ -، وكانت بنو بكر رهطًا من بني كنانة حلفاء لأبي سفيان، وكانت بينهم موادعة أيام الحديبية، فأغارت بنو بكر على خزاعة في تلك المدة، وبَيَّتُوهم ليلًا وهم غارُون آمنون فقتلوا منهم عشرين رجلًا، فبعثوا إلى رسول الله - ﷺ - يستمدونه .. فكان فتح مكة. ينظر: "طبقات ابن سعد" (١/ ١٣٤)، "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٣٨٩، ٣٩٤).
[ ٤ / ٥٤٢ ]
أنَّ أذى رسول الله - ﷺ - مُحَادَّة لله ولرسوله؛ لأنه قال هذه الآيةَ عَقِبَ قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ﴾ الآية. ثم قال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
فلو لم يكونوا بهذا الأذى مُحَادِّين لم يَحسُنْ أن يوعَدُوا بأنَّ للمحادِّ نارَ جهنَّم؛ لأنه يمكن حينئذٍ أن يقال: قد عَلِموا أن للمحادِّ نارَ جهنَّم؛ لكنهم لم يُحادُّوا، وإنما آذَوْا، فلا يكون في الآية وعيدٌ لهم؛ فعُلم أنَّ هذا الفعل لابُدَّ أن يندرجَ في عموم المحادَّة؛ ليكونَ وعيدُ المحادِّ وعيدًا له ويلتئمَ الكلامُ.
ويدل على ذلك أيضًا ما روى الحاكمُ في "صحيحه" بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عباس أنَّ رسول الله - ﷺ - كان فِي ظِلِّ حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِهِ، وعنده نَفرٌ مِنَ المسْلِمينَ، فَقَالَ: "إنَّهُ سَيَأتِيكُم إنسانٌ يَنظُرُ إليكم بعَيْنِ شَيْطَانٍ، فَإذا أَتَاكُمْ فلا تُكَلِّمُوهُ"، فجاء رجلٌ أزرَقُ، فدعاهُ رسولُ اللهَ - ﷺ -، فقال: "عَلامَ تَشْتُمُني أنت وفُلانٌ وفُلانٌ"، فانطَلَقَ الرجُلُ، فَدَعَاهُمِ، فحلفُوا باللهِ واعتَذَرُوا إليهِ" (^١) فأنزل اللهُ تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨].
_________________
(١) صحيح: رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٢٤٠، ٢٦٧، ٣٥٠)، والطبري في "تفسيره" (٢٨/ ٢٣)، والطبراني في"المعجم الكبير" (١٢/ ٧ ح ١٢٣٠٧، ١٢٣٠٨، ١٢٣٠٩)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٨٢)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٢٨٢)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص ٣٤٨)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٢٨/ ٨٥) وفي "لباب النقول" له ص (١٢٠). والحديث قال عنه الحاكم: =
[ ٤ / ٥٤٣ ]
* ثم قال بعدَ ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٠].
فعُلم أن هذا داخلٌ في المحادَّة.
* وفي روايةٍ أُخْرَى صحيحةٍ أنه نَزل قولُه: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦].
* وقد قال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢].
* ثم قال عَقِبه: (﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٦٣].
فثبت أنَّ هؤلاءِ الشاتمين محادُّونَ.
* وإذا كان الأذى مُحَادَّةً للهِ ورسولِهِ فقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢٠ - ٢١].
والأذلُّ: أبلغُ مِن "الذليل"، ولا يكون أذلَّ حتى يخافَ على نفسه وماله إنْ أظهَرَ المحادَّة؛ لأنه إنْ كان دَمُه ومالُه معصومًا لا يُسْتَبَاح فليس بأذلَّ، يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢].
فبيَّن سبحانه أنهم أينما ثُقفوا فعليهم الذَّلَةُ إلاَّ مع العهد، فعُلم أنَّ مَنْ له عهدٌ وحبلٌ لا ذلَّةَ عليه -وإن كانت عليه المسكنةُ-، فإنَّ المسكنةَ قد تكونُ مع عدم الذِّلة، وقد جَعل المحادِّين في الأَذلِّينَ، فلا يكون لهم عهدٌ، إذ
_________________
(١) = "صحيح على شرط مسلم"، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية كما تقدم في المتن، وقال عنه الهيثمي في "مجمع الزوائد" -سورة المجادلة- (٧/ ١٢٥): "رواه أحمد والبزار ورجال الجميع رجال الصحيح".
[ ٤ / ٥٤٤ ]
العهدُ يُنافي الذِّلَّةَ كما دلَّتْ عليه الآية، وهذا ظاهرٌ، فإن الأذَلَّ هو الذي ليس له قوةٌ يَمتنعُ بها ممن أراده بسُوء، فإذا كان له من المسلمين عهدٌ يجبُ عليهم به نَصْرُه ومَنْعُه، فليس بأَذلَّ، فثبتَ أنَّ المحادَّ لله ولرسولِه لا يكونُ له عهدٌ يَعْصِمه، والمؤذي للنبيِّ - ﷺ - مُحَادٌّ، فالمؤذي للنبيِّ ليس له عهدٌ يَعْصم دَمَه، وهو المقصودُ.
* وأيضًا، فإنه قد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥]، والكَبْتُ: الإذلالُ والخِزْيُ والصَّرْعُ.
° قال الخليل: "الكَبْتُ هو الصَّرْعُ على الوَجْه".
° وقال النَّضرُ بن شُمَيل وابنُ قتيبة: "هو الغَيظُ والحزن، وهو في "الاشتقاق الأكبر" (^١) من كبده، كأنَّ الغيظَ والحزنَ أصاب كَبِدَه، كما يقال: أحرَقَ الحزنُ والعداوةُ كبدَه" (^٢).
° وقال أهل التفسير: "كُبِتُوا: أُهلِكوا وأُخْزُوا وحَزِنوا"، فثَبت أن
_________________
(١) الاشتقاق في اللغة: هو أخذ شق الشيء. وفي الاصطلاح: أن تجد بين اللفظين تناسبًا في المعنى والتركيب فَتَرُدّ أحدهما إلن الآخر، والاشتقاق عند الشريف الجرجاني: نَزْع لفظٍ من آخر بشرط مناسبتهما معنًى وتركيبًا، ومغايرتهما في الصيغة. وهو على أنواع: فالصغير: أن يكون بين اللفظين تناسبٌ في الحروف والترتيب نحو: ضَرَبَ من الضَّرْب. والكبير: أن يكون بين اللفظين تناسبٌ في اللفظ والمعنى دون الترتيب، نحو: جَبَذَ من الجَذْب. والأكبر: أن يكون بين اللفْظين تناسبٌ في المخرج، نحو: نَعَقَ من النَّهْقِ. ينظر: كتاب "الاشتقاق" لأبي سعيد عبد الملك الأصمعي، وكتاب "التعريفات" للشريف الجرجاني (ص ٢٧، ٢٨)، وكتاب "العَلم الخفاق من علم الاشتقاق" لأبي الطيب محمد صديق حسن خان.
(٢) ينظر "النهاية" لابن الأثير (٤/ ١٣٨)، "لسان العرب" (٦/ ٣٨٠٥)، "تاج العروس" =
[ ٤ / ٥٤٥ ]
المحادَّ مكبوتٌ مخزِيٌّ ممتليءٌ غيظًا وحزنًا هالكٌ، وهذا إنما يتمُّ إذا خافَ إن أظهرَ المحادَّةَ أن يُقتل، وإلاَّ فمَن أمكنه إظهارُ المحادَّة وهو آمِنٌ على دمه وماله فليس بمكبوت، بل مسرورٍ جَذْلان، ولأنه قال: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥]، والذينَ مِن قبلهم ممن حادَّ الرسُلَ وحادَّ رسولَ الله، إنما كَبَتَه الله بأن أهلَكه بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين، والكَبْتُ وإن كان يَحصُلُ منه نصيبٌ لكل مَن لم ينل غَرَضَه كما قال سبحانه: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٧]، لكن قوله تعالى: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني محادِّي الرسلِ دليلٌ على الهلاك أو كَتْم الأذى، يُبيِّنُ ذلك أن المنافقين هم من المحادِّين، فهم مَكبوتون بموتهم بغَيظِهم لخوفهم أنهم إن أظهَروا ما في قلوبهم قُتلوا، فيجبُ أن يكون كلُّ محادٍّ كذلك.
* وأيضًا، فقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] عقب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠] دليلٌ على أن المحَادةَ غالبةٌ ومعادة، حتى يكَون أحدُ المَتحادِّين غالبًا والآخرُ مغلوبًا، وهذا إنما يكونُ بين أهل الحربِ لا أهل السَّلْم، فعُلم أن المحادَّ ليس بمسالمٍ، والغلبةُ للرسل بالحُجَّةِ والقهر، فمن أُمر منهم بالحرب نُصِر على عدوِّه، ومنْ لم يؤمَرْ بالحرب أهُلِك عدوُّه، وهذا أحسنُ مِن قول
_________________
(١) = (١/ ٥٧٥) (كبت). وفيه: كبت: يكبته كبتًا: صَرَعه. وقال الأزهري وغيره: أصل الكبت الكبد، فقلبت الدال تاءً، أخذ من الكبد وهو مَعدِنُ الغَيظ والأحقاد، فكأن الغيظ لمَا بَلَغ بهم مَبْلَغَه أصاب أكبادَهم فأحرقها، ولهذا قيل للأعداء: هم سُودُ الأكباد.
[ ٤ / ٥٤٦ ]
مَن قال: إن الغَلَبةَ للمحارِب بالنصر، ولغيرِ المحارِبِ بالحُجَّة، فعُلم أن هؤلاء المحادّين محارَبون مغلوبون.
وأيضًا فإن "المحادةَ" من "المشاقَّة"؛ لأن "المحادَّة" من الحدِّ والفصل والبَيْنُونة، وكذلك "المشاقَّة" من الشَّق وهو بهذا المعنى، فهما جميعًا بمعنى المقاطعة والمفاصَلة، ولهذا يقال: إنَما سُمِّيت بذلك لأن كلَّ واحدٍ من المتحادَّينِ والمتشاقَّينِ في حدٍّ وشِقٍّ من الآخر، وذلك يقتضي انقطاعَ الحبلِ الذي بين أهل العهدِ إذا حادٍّ بعضُهم بعضًا، فلا حَبلَ لمحادٍّ لله ورسوله.
* وأيضًا، فإنها إذا كانت بمعنى المُشاقَّة، فإن الله سبحانه قال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٣].
فأَمَر بقتلهم لأجلِ مشاقَّتهم ومحادَّتهم، فكلُّ مَن حادَّ وشاقَّ يجبُ أن يُفعل به ذلك لوجودِ العِلَّة.
* وأيضًا، فإنه تعالى قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٣ - ٤].
والتعذيبُ هنا -والله أعلم-: القتلُ؛ لأنهم قد عُذِّبوا بما دونَ ذلك من الإجلاءِ وأخْذِ الأموال، فيجبُ تعذيبُ مَن شاقَّ اللهَ ورسولَه، ومَن أظهَرَ المحادَّةَ، فقد شاقَّ اللهَ ورسولَه، بخلافِ مَنْ كتمها، فإنه ليس بمحادٍّ ولا مُشاقٍّ.
° وهذه الطريقةُ أقوى في الدلالة، يقال: هو "محادٌّ"، وإن لم يكن
[ ٤ / ٥٤٧ ]
"مشاقًّا"، ولهذا جَعل جزاءَ المحادِّ مطلقًا أن يكون مكبُوتًا كما كُبِتَ مَن قَبْله، وأن يكونَ في الأذلِّين، وجَعل جَزاءَ المُشاقِّ القتلَ والتعذيبَ في الدنيا، ولن يكونَ مكبوتًا كما كُبِتَ مَنْ قَبلَه في الأذلِّين إلاَّ إذا لم يُمكِنْه إظهارُ محادَّته، فعلى هذا تكونُ المحادَّةُ أعمَّ.
* ولهذا ذَكر أهلُ التفسير في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، الآية: أنها نزلت فيمن قَتَل من المسلمين أقاربَه في الجهاد، وفيمن أراد أن يَقتلَ لمن تعرَّض لرسول الله - ﷺ - بالأذى من كافرٍ ومنافقٍ قريبٍ له (^١) .. فعُلم أن المحادَّ يعمُّ المشاقَّ وغيرَه.
* ويدلُّ على ذلك أنه قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤]، الآيات، إلى قوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وإنما نزلت في المنافقين الذين تولَّوُا اليهودَ المغضوبَ عليهم، وكان أولئك اليهودُ أهلَ عهدٍ من النبي - ﷺ -، ثم إن الله سبحانه بَيَن أن المؤمنين لا يوَادُّونَ مَن حادَّ الله ورسوله، فلابد أن يدخلَ في ذلك عدمُ المودَّة ليهود -وإن كانوا أهلَ ذِمَّة-، لأنَّه سببُ النزول، وذلك يقتضي أن أهلَ الكتاب
_________________
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص ٣١٠)، "أحكام القرآن" لابن العربي (٤/ ١٧٦٣)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (٨/ ١٩٨)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ٣٠٧)، و"تفسير ابن كثير" (٤/ ٣٢٩).
[ ٤ / ٥٤٨ ]
محادُّون لله ورسوله -وإن كانوا معاهِدين-.
ويدلُّ على ذلك أن اللهَ قَطع المُوَالاةَ بين المسلم والكافر -وإن كان له عهدٌ وذِمَّة-، وعلى هذا التقدير فيقال: عُوهِدُوا على أن لا يُظْهِروا المحادة ولا يُعلنوا بها -بالإجماع كما تقدم وكما سيأتي-، فإذا أَظهروا صاروا محادِّين لا عَهْدَ لهم، مُظْهِرِينَ للمحادة، وهؤلاء مشاقُّونَ، فيستحقُّون خِزيَ الدنيا من القتل ونحوِه وعذابَ الآخرة.
فإن قيل: إذا كان كلُّ يهوديٍّ محادًّا لله ورسوله، فمِن المعلوم أن العهدَ يَثبتُ لهم مع التهوُّد، وذلك يَنْقُض ما قدَّمتم من أن المحادَّ لا عهدَ له.
قيل: مَن سلك هذه الطريقةَ قال: المحادُّ لا عهدَ له على إظهارِ المحادة، فأما إذا لم يُظهِرْ لنا المحادةَ، فقد أعطيناه العهد، وقولُه تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. يقتضي أن الذِّلةَ تَلزمُه، فلا تزولُ إلاَّ بَحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس، وحبلُ المسلمين معه على أن لا يُظهِرَ المحادةَ بالاتفاق؛ فليس معه حبلٌ مُطلَق، بل حَبلٌ مقيد، فهذا الحَبلُ لا يَمنعُه أن يكونَ أذَلَّ إذا فَعَل ما لم يُعاهَدْ عليه.
أو يقولُ صاحبُ هذا المسلَك: الذِّلَةُ لازمةٌ لهم بكلِّ حال، كما أُطلقت في سورة "البقرة".
وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] يجوز أن يكون تفسيرًا للذلة، أي: ضُربت عليهم أنهم أينما ثُقِفُوا أُخذوا وقُتِّلوا إلاَّ بحبلٍ من الله وحبل من الناس، فالحبلُ لا
[ ٤ / ٥٤٩ ]
الموضع الخامس
يَرفغ الذِّلةَ، وإنما يَرفعُ بعضَ موجباتِها وهو القتل، فإن مَنْ كان لا يُعْصَم دَمُه إلا بعهدٍ فهو ذليل -وإن عُصم دمُه بالعهد-، لكنْ على هذا التقديرِ تضعُفُ الدلالةُ الأولى من المحادة.
والطريقةُ الأولى أجودُ -كما تقدم-، وفي زيادةِ تقريرِها طُول.
الموضع الخامس: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧].
وهذه توجبُ قتلَ مَنْ اَذى اللهَ ورسولَه -كما سيأتي إن شاء الله تقريرُه-، والعهدُ لا يَعْصِمُ من ذلك؛ لأنا لم نُعاهِدْهم على أن يؤذوا اللهَ ورسولَه.
• ويوضِّحُ ذلك قولُ النبي - ﷺ -: "مَنْ لكَعْبِ بْنِ الأشْرَف، فَإنَّه قَدْ آذى اللهَ وَرَسُولَه؟ " (^١) فندَبَ المسلمين إلى يهوديٍّ كان معاهَدًا لأجل أنه آذى اللهَ ورسولَه، فدلَّ ذلك على أنه لا يوصَفُ كلُّ ذميٍّ بأنه يؤذي اللهَ ورسولَه، وإلاَّ لم يكن فَرْقٌ بينه وبين غيره، ولا يصحُّ أن يقال: اليهودُ ملعونون في الدنيا والآخرة مع إقرارهم على ما يوجبُ ذلك؛ لأنا لم نُقِرَّهم على إظهار أذى اللهِ ورسولِه، وإنما أقْرَرْنَاهم على أن يَفعلوا بينهم ما هو من دينِهم" (^٢).
_________________
(١) جزء من حديث طويل من حديث جابر بن عبد الله. رواه البخاري (٥/ ١٦٩ ح ٢٥١٠)، (٦/ ١٨٤ ح ٣٠٣١)، (ح ٣٠٣٢)، (٧/ ٣٩٠ ح ٤٠٣٧)، ورواه مسلم (٣/ ١٤٢٥ ح ١٨٠١)، وأبو داود (٣/ ٢١١ ح ٢٧٦٨)، والحميدي في "مسنده" (٢/ ٥٢٦ ح ١٢٥٠).
(٢) انظر "الصارم المسلول" (٢/ ٣٢ - ٥٧).
[ ٤ / ٥٥٠ ]
* مسألة: يَتعَيَّن قتل السابِّ، ولا يجوز استرقاقُه، ولا المنُّ عليه، ولا فِدَاؤه:
° قال الإِمامُ ابنُ تيمية في "الصارم المسلول": "أمَّا إنْ كان مُسْلمًا فبالإجماع؛ لأنَّه نوعٌ من المُرْتَدِّ، أوْ من الزنديق، والمرتدُّ يتعيَّن قتلُه، وكذلك الزنديق، وسواءً كان رجلًا أو امرأةً، وفيما قدَّمناه دلالةٌ واضحةٌ على قتلِ السابَّةِ المسلمة من السُّنَّةِ وأقاويل الصحابة، فإنَّ في بعضها تصريحًا بقتل السَّابَّة المُسْلمة، وفي بعضها تصريحٌ بقتل السَّابَّةِ الذِّميَّة، وإذا قُتِلت الذِّمِّيَّة بالسَّبِّ، فقَتْلُ المسلمةِ أولى كما لا يخفى على الفقيه.
والصحيحُ الذي عليه العامَّةُ قتلُ المُرتَدَّة، فالسَّابَّةُ أَولَى، وهو الصحيحُ لِمَا تقدم.
وإن كان السَّابُّ مُعاهِدًا، فإنه يَتعيَّنُ قَتْله، سواءً كان رجلًا أو امرأةً، عند عامةِ الفقهاء من السَّلف ومَن تَبِعهم.
وقد ذَكَرْنا قولَ ابنِ المنذر فيما يجبُ على مَن سَبَّ النبي - ﷺ -، قال: أجمع عوامُّ أهلِ العلم على أنَّ مَن سبَّ النبيَّ - ﷺ - يُقتل؛ وممَّن قاله مالكٌ، والليثُ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وهو مذهبُ الشافعي.
قال: وحُكي عن النعمان: لا يُقتل مَن سَبَّه من أهل الذمة.
وهذا اللفظُ دليلٌ على وجوبِ قتلِه عند العامة، وهذا مذهبُ مالكٍ وأصحابِه، وسائرِ فقهاءِ المدينة، وكلامُ أصحابه يقتضي أن لقتله مأخذَينِ:
أحدهما: انتقاضُ عهدِه.
والثاني: أنه حدٌّ من الحدود، وهو قولُ فقهاءِ الحديث.
[ ٤ / ٥٥١ ]
° قال إسحاقُ بن رَاهويَة: إن أظهروا سَبَّ رسولِ الله - ﷺ - فسُمعَ منهم ذلك -أو تُحُقَّق عليهم-، قُتِلوا، وأخطأَ هؤلاء الذين قالوا: "ما هم فيه من الشرك أعظمُ من سَبِّ رسولِ الله - ﷺ - ".
° قال إسحاق: "يُقتلون؛ لأن ذلك نَقضٌ للعهد"، وكذلك فَعل عمرُ بنُ عبد العزيز، ولا شبهةَ في ذلك؛ لأنه يَصيرُ بذلك ناقضًا للصلح، وهو كما قَتل ابن عمرَ الراهبَ الذي سَبَّ النبيَّ - ﷺ -، وقال: "ما على هذا صالحناهم".
وكذلك نصَّ الإمامُ أحمدُ على وجوبِ قتلِه وانتقاضِ عهده، وقد تقدَّم بعضُ نصوصِه في ذلك، وكذلك نَصَّ عامةُ أصحابِه على وجوب قَتل هذا السابِّ، ذكروه بخصوصه في مواضعَ هكذا، وذكروه أيضًا في جُملةِ ناقِضِي العهدِ من أهل الذمة.
ثم المتقدِّمون منهم وطوائفُ من المتأخرين قالوا: إن هذا وغيرَه من ناقِضِي العهدِ يتعيَّنُ قتلُهم -كما دلَّ عليه كلامُ أحمد-.
وذَكَر طوائفُ منهم أن الإمامَ مُخيَّر فيمن نَقض العهدَ من أهل الذمة، كما يُخيَّرُ في الأسير بين الاسترقاقِ والقتل والمَنِّ والفِداء، ويجبُ عليه فِعلُ الأصلح للأمةِ من هذه الأربعةِ بعد أن ذكروه في الناقِضين للعهد، فدَخَل هذا السابُّ في عمومِ هذا الكلام وإطلاقه، وأوجَبَ أن يُقال فيه بالتخيير إذا قيل به في غيرِه من ناقِضي العهد، لكن قَيَّد محقِّقو أصحابِ هذه الطريقة ورؤوسُهم -مثلُ القاضي أبي يعلى في كتبه المتأخرة (^١) وغيره- هذا الكلام،
_________________
(١) من كتبه المتأخِّرة: كتاب "الخلاف" وهو آخر ما صنَّفه -﵀-.
[ ٤ / ٥٥٢ ]
وقالوا: التخيير في غير سابِّ الرسول - ﷺ - .. وأمَّا سابُّه فيتعيَّنُ قَتلُه، وإنْ كان غيره كالأسير، وعلى هذا فإما أن لا يُحكى في تعيُّنِ قتلِه خلاف؛ لكونِ الذين أَطلقوا التخيير في موضعٍ قد قالوا في موضعٍ آخَرَ بأن السابَّ يتعيَّنُ قَتلُه، وصَرَّح رأسُ أصحابِ هذه الطريقةِ بأنه مستثًنى من ذلك الإِطلاق، أو يحكى فيه وجهٌ ضعيف؛ لأن الذين قالوا به في موضعٍ نصُّوا على خلافه في موضعٍ آخر.
واختَلف أصحابُ الشافعيِّ أيضًا فيه؛ فمنهم مَن قال: يجبُ قتلُ السابِّ حتمًا، وإنْ خُيِّر في غيره.
ومنهم مَن قال: هو كغيره من الناقِضين للعهد، وفيه قولان:
أضعفُهما: أنه يَلحقُ بمأمنِه.
والصحيح منهما: جوازُ قتله.
قالوا: ويكون كالأسير يجبُ على الإمام أن يَفعلَ فيه الأصلحَ للأمة من القتل والاسترقاقِ والمَنِّ والفداء.
وكلامُ الشافعيِّ في موضعٍ يقتضي أن حُكمَ الناقضِ للعهد حُكمُ الحربي؛ فلهذا قيل: إنه كالأسير، وفي موضع آخَرَ أَمَر بقَتلِه عَينًا من غير تخيير" (^١).
* الأدلَّةُ على أنَّه يتعيَّنُ قتلُ الذمِّي، ولا يجوزُ استرقاقُه:
° قال ابنُ تيمية - ﵀ -: "والدليلُ على أنه يَتعيَّنُ قَتلُه، ولا يجوزُ استرقاقُه، ولا المَنُّ عليه، ولا المفاداةُ به، من طريقين:
_________________
(١) "الصارم المسلول" (٢/ ٤٦٧ - ٤٧٠).
[ ٤ / ٥٥٣ ]
الدليل الأول
الدليل الثاني
الدليل الثالث
أحدهما: ما تقدَّم من الأدلَّةِ على وجوبِ قتل ناقضِ العهدِ إذا نَقَضه بما فيه ضررٌ على المسلمين مطلقًا.
الثاني: ما يخصُّه .. وهو من وجوه:
الدليل الأول: ما تقدَّم من الآيات الدَّالةِ على وجوبِ قتل الطاعِنِ في الدِّين.
الدليل الثاني: حديثُ الرجل الذي قَتل المرأةَ اليهوديةَ على عهدِ رسول الله - ﷺ - وأهدَرَ النبيُّ - ﷺ - دَمَها، وفي ذلك حديثُ عليِّ بنِ أبي طالب وابنِ عباس، فلو كان سبُّ النبي - ﷺ - يَرفعُ العهدَ فقط، ولا يُوجِبُ القتل، لكانت هذه المرأةُ بمنزلةِ كافرةٍ أسيرةٍ، وبمنزلةِ كافرةٍ دَخلت إلى دار الإِسلام ولا عَهْدَ لها، ومعلومٌ أنه لا يجوزُ قتلُها، وأنها تصيرُ رقيقةً للمسلمين بالسِّبْي، وهذه المرأةُ المقتولةُ كانت رقيقةً، والمسلمُ إذا كانت له أَمَةٌ كافرةٌ حربيَّةٌ لم يَجُزْ له ولا لغيره قَتلُها لمجرَّد كونها حربيَّةً، ولا نَعلمُ بين المسلمين خِلافًا أنَّ المرأة لا يجوزُ قتلُها لمجرد الكفر إذا لم تكن معاهدة، كما لا نعلمُ أيضًا خلافًا في أن المرأة إذا ثبت في حقِّها حكمُ نقضِ العهد لا يجوزُ قتلها.
الدليل الثالث: أن السَّابَّ لو صارَ بمنزلةِ الحربيَ فقط، لكان دَمُه معصومًا بأمانٍ يُعقَدَ له أو ذِمَّةٍ أو هُدْنة، ومعلومٌ أن شُبهةَ الأمانِ كحقيقتِه في حَقْنِ الدم، والنفرُ الذين أرسَلَهم النبي - ﷺ - إلى كعبِ بنِ الأشرفِ جاؤوا إليه إليه على أن يَستسلفوا منه، وحادَثوه، وماشَوه وقد آمَنَهم على دَمِه وماله، وكان بينه وبينهم قبل ذلك عَهدٌ وهو يعتقدُ بقاءَه، ثمِ إنهم استأذنوه في أن يَشُمُّوا ريحَ الطِّيب مِن رأسه، فأَذِنَ لهم مَرَّةً بعد أُخرى، وهذا كلُّه يُثبِتُ الأمان، فلو لم يكن في السَّبِّ إلاَّ مجرَّدُ كونِه كافِرًا حَرْبيًّا لم يَجُزْ قَتلُه
[ ٤ / ٥٥٤ ]
الدليل الرابع
الدليل الخامس
بعدَ أمانِه إليهم، وبعد أن أظهَروا له أنهم مُؤَمِّنون له، واستئذانهم إياه في إمساكِ يديه، فَعُلِم بذلك أنَّ إيذاءَ اللَّهِ ورسوله موجبٌ للقتلِ لا يَعِصْمِ منه أمانٌ ولا عهدٌ، ولا جزاءَ له إلاَّ القتل.
الدليل الرابع: أن النبي - ﷺ - دعا الناسَ إلى قتل ابنِ الأشرف؛ لأنه كان يؤذِي اللهَ ورسولَه، وكذلك كان يأمرُ بقتلِ مَن يَسُبُّه ويَهجُوه، إلاَّ من عفا عنه بعد القُدرة، وأَمْرُه - ﷺ - للإِيجاب، فعُلِم وجوبُ قتل السَّابِّ -وإنْ لم يَجِبْ قتل غيرِه من المحاربين-، وكذلك كانت سِيرتَه، فلم يُعلَم أنه تَرك قتلَ أحدٍ من السَّابين بعد القدرةِ عليه إلاَّ مَن تاب أو كان من المنافِقين، وهذا يَصلُح أن يكونَ امتثالًا للأمرِ بالجهادِ وإقامةِ الحدود، فيكونُ على الإيجابِ، يؤيِّدُ ذلك أن في تركِ قتلِه تَرْكًا لنصرِ الله ورسوله، وذلك غير جائز.
الدليل الخامس: أقاويلُ الصحابة، فإنها نصوصٌ في تعيينِ قتله:
° مثلُ قولِ عمرَ - ﷺ -: "مَن سبَّ الله أو سَبَّ أحدًا من الأنبياء فاقتلوه" .. فأمَرَ بقَتلِه عَيْنًا.
° ومثلُ قولِ ابنِ عباس - ﵁ -: "أيُّما معاهَدٍ عاند فسَبَّ اللهَ أو سَبَّ أحدًا من الأنبياء ﵈، أو جَهَر به، فقد نَقَض العهدَ، فاقتلوه" ..
فأمر بقتلِ المعاهَد إذا سبَّ عيْنًا.
° ومثل قول أبي بكر - ﵁ - فيما كتب به إلى "المهاجر" في المرأة التي سَبَّتِ النبي - ﷺ -: "لولا ما قد سَبَقْتَني فيها لأمرتُك بقَتلها؛ لأن حدَّ الأنبياءِ لا يُشبِهُ الحدود، فمَن تعاطى ذلك من مسلمٍ فهو مرتَدٌّ؛ أو معاهَدَ فهو محارِبٌ غادر".
[ ٤ / ٥٥٥ ]
الدليل السادس
فبيَّن أن الواجبَ كان قتلَها عيْنًا لولا فواتُ ذلك، ولم يَجعلْ فيه خِيَرةً إلى الإمام، لا سيَّما والسَّابَّةُ امرأةٌ، وذلك وحدَه دليلٌ.
° ومثلُ قولِ ابنِ عمر "وقد مَرَّ به راهبٌ، فقِيل له: هذا يَسُبُّ النبيَّ - ﷺ -، فقال ابنُ عمر: لو سمعتُهُ لقتلتُه، إنَّا لم نُعْطِهم الذِّمِّةَ على أن يَسُبُّوا نبيَّنا" (^١).
ولو كان كالأسير الذي يُخيَّر فيه الإمامُ، لم يَجُزْ لابن عمر اختيارُ قَتلِه، وهذا الدليلُ واضح.
الدليل السادس: أن ناقضَ العهدِ بسبِّ النبيِّ - ﷺ - ونحوِه حالُه أغلظُ من حالِ الحربيِّ الأصليِّ، كما أن حالَ المرتدِّ أغلظُ من حالِ الكافرِ الأصلي؛ لأنَّه اجتمع فيه الحرابُ الأصليُّ، وخروجُه عمَّا عاهَدَنا عليه بالطعنِ في الدِّين وأذى اللهِ ورسولِه، ومِثلُ هذا يجبُ أن يُعاقَبَ عقوبةً تَزجُرُ أمثالَه عن مِثلِ حاله، والدليلُ عليه قولُه ﷾: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأنفال: ٥٥ - ٥٧].
فأمر اللهُ رسولَه إذا صادَفَ الناكثين بالعهدِ في الحرب أن يُشرِّدَ بهم غيرَهم من الكفار، بأن يفعلَ بهم ما يَتفرَّقُ به أولئك.
_________________
(١) رواته ثقات: عزاه ابن حجر في "المطالب العالية" (٢/ ١٧٥ ح ١٩٨٦) إلى "مُسند مُسدَّد"، وفي حاشيته: قال البوصيري: رواه مُسَدَّد بسندٍ فيه راوٍ لم يُسَمَّ، والحارث في مسنده بسند رُواته ثقات. انظر "أحكام أهل الملل" للخلال -كتاب الحدود- باب: فيمن شتم النبي - ﷺ -.
[ ٤ / ٥٥٦ ]
الدليل السابع
* وقال تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣].
فحضَّ على قتالِ مَن نَكَثَ اليمين وهَمَّ بإخرجِ الرسولِ وبدأ بنقضِ العهد، ومعلومٌ أن مَن سبَّ الرسول - ﷺ - فقد نقض العهدَ وفَعَل ما هو أعظمُ من الهَمِّ بإخراج الرسول وبَدْئِنا أولَ مرة.
* ثم قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥].
فعُلم أن تعذيبَ هؤلاء، وإخزاءَهم، ونَصْرَ المؤمنين عليهم، وشفاءَ صدورهم بالانتقام منهم، وذَهابَ غيظِ قلوبهم مما آذَوهم به: أمرٌ مقصودٌ للشارع، مطلوبٌ في الدِّين، ومعلومٌ أن هذا المقصودَ لا يَحصُل مِمَّن سَبَّ النبيَّ - ﷺ - وآذى اللهَ ورسولَه وعبادَه المؤمنين إلاَّ بقتْله، لا يَحصُلُ بمجرد استرقاقه، ولا بالمَنِّ عليه، والمفاداةِ به.
وكذلك تنكيلُ غيرِه من الكفَّار -الذين قد يُريدون إظهارَ السَّبِّ- لا يَحصُلُ على سبيل التَّمام إلاَّ بذلك.
الدليل السابع: أن الذِّمي إذا سبَّ النبيَّ - ﷺ - فقد صَدَر منه فعلٌ تضمَّن أمْرَيْن:
أحدهما: انتقاضَ العهد الذي بيننا وبينه.
والثاني: جنايتَه على عِرْضِ رسول الله - ﷺ - وانتهاكَ حُرمتِه وإيذاءَ الله تعالى ورسوله والمؤمنين وطَعْنَه في الدِّين، وهذا معنًى زائدٌ على مجرد كونِه
[ ٤ / ٥٥٧ ]
كافِرًا قد نَقَض العهد.
ونظيرُ ذلك أنْ يَنقُضَه بالزَّنى بمسلمةٍ أو بقَطع الطريقِ على المسلمين وقتلهم وأخذِ أموالهم أو بقتل مسلم، فإنَّ فِعْلَه -مع كونه نقضًا للعهد- قد تضمَّن جنايةً أُخرى، فإن الزِّنى وقطعَ الطريق والقتلَ -من حيثُ هو- هو جنايةٌ، ونقضَ العهدِ جناية، كذلك هُنا سَبُّ رسولِ الله - ﷺمن حيث هو- هو جنايةٌ منفصلةٌ عن نقضِ العهد، له عقوبةٌ تخصُّه في الدنيا والآخرة زائدةٌ على مجرَّدِ عقوبة التكذيب بنبوَّته، والدليل عليه قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧].
فعلَّق اللعنةَ في الدنيا والآخرة والعذابَ المُهينَ بنفسِ أذى الله ورسوله، فعُلِم أنه مُوجِبٌ لذلك.
* وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].
يوضِّح ذلك أن النبي - ﷺ - لَمَّا دَخل مكةَ آمَنَ الناسَ الذين كانوا يُقاتلونه قبلَ ذلك، والذين نَقضوا العهدَ الذي كان بينه وبينهم وخانُوه إلاَّ نفرًا، منهم القَينتانِ اللتانِ كانتا تغنِّيانِ بهجائه، وسارةَ مولاةَ بني عبد المطلب التي كانت تُؤذيه بمكة، فإذا كان قد أَمر بقَتلَ التي كانت تَهجُوه من النساء -مع أن قتلَ المرأةِ لا يجوزُ ألاَّ إذا قاتلت-، وهو - ﷺ - قد آمَنَ جميعَ أهلِ مكةَ مَن كان قد قاتل ونَقَضَ العهد من الرجال والنساء، عُلِم بذلك أن الهِجاءَ جنايةٌ زائدةٌ على مجرَّد القتالِ والحِراب؛ لأن التفريقَ بين المتماثِلَيْنِ لا يَقعُ
[ ٤ / ٥٥٨ ]
من النبي - ﷺ -.
° إن سبَّ الرسول - ﷺ - جنايةٌ لها موقعٌ يزيدُ على عامةِ الجنايات، بحيثُ يَستحقُّ صاحبُها مع العقوبة ما لا يستحقُّه غيرُه -وإن كان كافرًا حربيًّا مبالِغًا في محاربة المسلمين-، وإن وجوبَ الانتصار ممن كان هذه حاله أمرٌ مؤكَّدٌ في الدين، والسَّعيُ في إهدارِ دمِه من أفضالِ الأعمال وأوجَبِها وأحَقِّهَا بالمسارعةِ إليه وابتغاءِ رضوان الله تعالى فيه، وأبلغُ الجهادِ الذي كَتبه الله على عباده وفَرَضه عليهم، ومَن تأمَّل الذين أهدَرَ النبي - ﷺ - دماءَهمِ يومَ "الفتح"، واشتدَّ غَضَبَه عليهم حتى قَتل بَعضَهم في نفسِ الحَرَم وأعرَض عن بعضِهم، وانتَظر قَتْلَ بعضِهم، وَجَدَ لهم جرائمَ زائدةً على الكفر والحراب من ردَّة وقتل ونحو ذلك، وجُرْم أكثرِهم إنما كان مِن سبِّ رسولِ الله - ﷺ - وأذاه بألسنتهم، فأيُّ دليل أوضح من هذا؟!.
° ومما يدلُّ على أن السَّبِّ كان جنايةً زائدةً على كونه كفرًا وحرابًا -وإن كان متضمِّنًا لذلك- أن النبيَّ - ﷺ - قد كان يعفو عمَّن يؤذيه من المنافقين، وقد كان له أن يقتلَهم، ولو كان السَّبِّ مجرَّد رِدَّةً لَوجب قتلُه، كالمرتدِّ يجبُ قتلُه، فعُلِم أنه قد يُغَلَّبُ في السَّبِّ حقُّ النبي - ﷺ - بحيثُ يجوزُ له العفوُ عنه.
° ومما يدل على أن السَّبَّ جنايةٌ مُفرَدةٌ أن الذِّمِّي لَوْ سَبَّ واحدًا من المسلمين أو المعاهَدين ونَقَضَ العهد، لكان سَبُّ ذلك الرجلِ جنايةً عليه يستحقُّ بها من العقوبةِ ما لا يستحقُّه بمجردِ نقْضِ العهد، أفيكون سَبُّ رسول الله - ﷺ - دونَ سَبِّ واحِدٍ من البشر؟!.
° ومما يدلُّ على ذلك أن سابَّ النبي - ﷺ - وشاتمَه يُؤْذيه شَتمُه وهجاؤُه
[ ٤ / ٥٥٩ ]
كما يؤذيه التعرُّضُ لدمه وماله.
* قال الله تعالى لما ذكر الغِيْبَة: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
فجَعل الغِيْبةَ -التي هي كلامٌ صحيحٌ- بمنزلةِ أكلِ لحمِ المغتابِ ميتًا، فكيف ببهتانه؟ وسَبُّ النبي - ﷺلا يكون قطُّ إلاَّ بهتانًا.
• وفي "الصحيحين" عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لَعْنُ المؤمنِ كقتله" (^١).
° وأيضًا، فإن ذلك يُؤذي جميعَ المؤمنين، وُيؤذي الله ﷾، ومجرَّدُ الكفرِ والمحاربةِ لا يَحصُلُ بهما مِن أذاه ما يَحصُلُ بالوقيعة في العِرْضَ مع المحاربة.
ودماءُ الأنبياء وأعْراضُهم أجَلُّ مِن دماءِ المؤمنين وأعراضِهم، فإذا كان دماءُ غيرهم وأعراضُهم لا تنْدَرجُ عقوبتُها في عقوبةِ مُجَرَّدِ نقضِ العهد، فأَنْ لا تَندرجَ عقوبةُ دمائِهم وأعراضِهم في عقوبةِ نقْضِ العهدِ بطريقِ الأوْلى.
° ومما يوضِّحُ ذلك أَنَّ سبَّ النبيِّ - ﷺ - تَعَلَّق به عِدّةُ حقوق:
١ - حقُّ الله سبحانه، مِن حَيْثُ كَفَر برسوله وعادَى أفضل أوليائِه،
_________________
(١) من حديث ثابت بن الضحَّاك. رواه البخاري: في كتاب الأدب- باب ما ينهى عن السِّباب واللِّعان (١٠/ ٤٧٩ ح ٦٠٤٧) بلفظ: "ومَن لعن مؤمنًا فهو كقاتله"، وفي كتاب الأيمان والنذور- باب من حلف بِمِلَّةٍ سوى مِلَّة الإسلام (١١/ ٥٤٦ ح ٦٦٥٢)، ورواه مسلم: في كتاب الإيمان- باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه (١/ ١٠٤ ح ١١٠)، والترمذي: في كتاب الإيمان- باب ما جاء فيمن رمى أخاه بكفر (٥/ ٢٢ ح ٢٦٣٦) بلفظ: "لَاعِنُ المؤمن كقاتله"، وأحمد في "المسند" (٤/ ٣٣)، والدارمي في كتاب الديات- باب التشديد على مَن قتل نفسه (٢/ ٢٥٢ ح ٢٣٦١).
[ ٤ / ٥٦٠ ]
وبارَزَه بالمحاربة، ومِن حيث طَعَن في كتابه ودينه، فإنَّ صحَّتهما موقوفةٌ على صحَّةِ الرسالة، ومِن حيث طَعَن في ألوهيته؛ فإن الطعنَ في الرسولِ طَعْنٌ في المُرسِل، وتكذيبَه تكذيبٌ لله ﵎ وإنكارٌ لكلامه وأمرِه وخَبَره وكثيرٍ مِن صفاته.
٢ - وتعلَّق به حق جميع المؤمنين من هذه الأمَّة ومِن غيرِها من الأمم؛ فإن جميع المؤمنين مؤمنون به -خصوصًا أمَّتُه-، فإن قيام أمرِ دنياهم ودينِهم وآخرتِهم به، بل عامَّةُ الخيرِ الذي يُصيبُهم في الدنيا والآخرة بوساطتِه وسفارته، فالسَّبُّ له أعظمُ عندهم مِن سَبِّ أنفسِهم وأولادهم وآبائِهم وأبنائِهم وسبِّ جميعِهم، كما أنَّه أحبُّ إليهم من أنفسِهم وأولادِهم وآبائِهم والناسِ أجمعين.
٣ - وتعلَّق به حقُّ رسولِ الله - ﷺ - مِن حيثُ خصوصِ نفسه، فإن الإنسانَ تُؤذيه الوقيعةُ في عِرضِه أكثرَ مما يُؤذيه أَخْذُ ماله، وأكثرَ مما يُؤذيه الضربُ، بل ربما كانت عنده أعظمَ من الجَرْح ونحوه، خُصوصًا مَن يجبُ عليه أن يُظهِرَ للناس كمالَ عِرْضِه وعلوَّ قَدرِه لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة، فإِنَّ هَتْكَ عِرْضِه قد يكونُ أعظمَ عنده مِن قَتْله، فإنَّ قتْلَه لا يَقدحُ عند الناس في نبوَّتِه ورسالتِه وعلوِّ قدره، كما أن موتَه لا يَقدحُ في ذلك، بخلافِ الوقيعة في عِرْضِه، فإنها قد تُؤثِّرُ في نفوسِ بعضِ الناسِ من النُّفرةِ عنه وسوء الظَّن به ما يُفسِدُ عليهم إيمانَهم، ويُوجبُ لهم خسارةَ الدنيا والآخرة.
فعُلِم بذلك أن السَّبَّ فيه من الأذى لله ولرسوله ولعبادِه المؤمنين ما ليس في الكُفرِ والمحارَبة.
[ ٤ / ٥٦١ ]
الدليل الثامن
الدليل التاسع
إذا ثبت ذلك نقول: هذه الجنايةُ -جنايةُ السَّبِّ- موجَبُها القتل؛ لِمَا تقدَّم من قوله - ﷺ -: "مَن لكعبِ بنِ الأشرف، فإنه قد آذى اللهَ ورسولَه؟ " (^١).
فَعلِم أنَّ مَن آذى اللهَ ورسولَه كان حقُّه أن يقتَل.
ولِمَا تقدَّم من إهدارِ النبيِّ - ﷺ - دَمَ المرأةِ السَّابَّةِ، مع أنها لا تُقتَلُ لمجرَّدِ نقضِ العهدِ، ولِمَا تقدَّم من أَمْرِه - ﷺ - بقتل مَن كان يسبُّه مع إمساكِه عمّن هو بمنزلته في الدِّين، ونَدبِه الناسَ إلى ذلك، والثناءِ على مَن سارع في ذلك، ولِمَا تقدم من الحديثِ المرفوع، ومِن أقوال الصحابة - ﵁ -: "أَنَّ من سَبَّ نبيًّا قُتِل، ومن سَبَّ غَيرَ نبيٍّ جُلِد".
الدليل الثامن: أنَّ سَبَّ رسول الله - ﷺ - مع كونه من جنسِ الكفر والحراب -أعظمُ من مُجرد الرِّدَّةِ عن الإِسلام، فإنه من المسلم رِدًّةٌ وزيادة، فإذا كان كُفرُ المرتدِّ قد تغلَّظ لكونه قد خَرج عن الدين -بعد أن دخل فيه-، فأوجَبَ القَتلَ عيْنًا، فكُفرُ السَّابِّ الذي آذى اللهَ ورسولَه وجميعَ المؤمنين من عبادِه أولى أن يتغلَّظَ فيُوجِبَ القتلَ عَينًا؛ لأن مَفسدةَ السَّبِّ في أنواعِ الكفرِ أعظمُ من مفسدةِ مجرَّدِ الرِّدَّة.
الدليل التاسع: أنَّ تَطهيرَ الأرضِ من إظهارِ سبِّ رسولِ الله - ﷺ - واجبٌ حَسبَ الإِمكانِ؛ لأنه من تمامِ ظهورِ الدين وعلوِّ كلمةِ الله وكونِ الدينِ كلِّه لله، فحيثما ظهر سبّه ولم يُنتَقم ممَّن فَعل ذلك، لم يكنِ الدِّينُ ظاهرًا ولا كلمةُ الله عاليةً، وهذا كما يجبُ تطهيرُها من الزُّناةِ والسُّرَّاقِ وقُطَّاعِ الطريق بحسَبِ الإمكان، بخلافِ تطهيرها من أصلِ الكُفر، فإنه
_________________
(١) حديث صحيح: سبق تخريجه.
[ ٤ / ٥٦٢ ]
ليس بواجب.
وكلُّ جنايةٍ وَجَب تطهيرُ الأرض منها بحَسَبِ القُدرةٍ، تتعيَّنُ عقوبةُ فاعلِها العقوبةَ المُحَدَّدةَ في الشرع إذا لم يكن لها مستحقٌّ مُعيَّن، فوجب أن يتعيَّن قتلُ هذا؛ لأنه ليس لهذه الجنايةِ مستحقٌّ معيَّن؛ لأنه تعلَّق بها حقُّ الله ورسوله وجميع المؤمنين، وبهذا يَظهرُ الفَرقُ بين السَّابِّ وبين الكافر، لجوازِ إقرارِ ذلك على كفره مُسْتَخْفِيًا به ملتزمًا حكمَ الله ورسوله، بخلافِ المُظْهر للسَّبِّ.
الدليل العاشر: أَنَّ قتلَ سابِّ النبي - ﷺ - وإن كان قَتْلَ كافِرٍ-، فهو حدٌّ من الحدود، ليس قتلًا على مجرَّد الكفرِ والحراب، لِمَا تقدَّم من الأحاديثِ الدالَّةِ على أنه جنايةٌ زائدةٌ على مجرَّد الكفرِ والمحاربة، ومن أنَّ النبيَّ - ﷺ - وأصحابَه أمَروا فيه بالقتل عيْنًا وليس هذا موجِبَ الكُفرِ والمعاينة، ولِمَا تقدَّم من قولِ الصِّدِّيقِ - ﵁ - في التي سبَّت النبي - ﷺ -: "إنَّ حدَّ الأنبياءِ ليس يُشبِهُ الحدود"، ومعلومٌ أن قَتْلَ الأسيرِ الحربيِّ ونحوِه من الكفار والمحارِبين لا يُسَمَّى "حَدًّا"، ولأن ظهورَ سبِّه في ديار المسلمين فسادٌ عظيمٌ أعظمُ من جرائمَ كثيرةٍ؛ فلابدَّ أن يُشرعَ له حدٌّ يُزجَرُ عنه مَن يتعاطاه، فإن الشارعَ لا يُهمِلُ مثلَ هذه المفاسد، ولا يُخْليها من الزواجر، وقد ثبت أن حدَّه القتلُ بالسُّنَّة والإجماع، وهو حَدٌّ لغيرِ مُعيَّنٍ حيٍّ، لأن الحقَّ فيه لله تعالى ولرسوله - ﷺ - وهو ميِّت- ولكلِّ مؤمن، وكُلُّ حَدٍّ يكونُ بهذه المثابةِ، فإنه يتعيَّنُ إقامتُه بالاتفاق.
الدليل الحادي عشر: أنَّ نصرَ رسولِ الله - ﷺ - وتعزيرَه وتوقيرَه واجبٌ، وقتلَ سابِّه مشروع، فلو جاز تركُ قتلِه لَم يكنْ ذلك نَصرًا له ولا تعزيرًا ولا
[ ٤ / ٥٦٣ ]
توقيرًا، بل ذلك أقلَّ نَصره؛ لأن السَّابَّ في أيدينا ونحن متمكِّنون منه، فإنْ لم نَقتُلْه -مع أن قَتلَه جائز-، لكان ذلك غايةً في الخُذلانِ وتركِ التعزيرِ له والتوقير .. وهذا ظاهر" (^١).
رَحِمَ اللهُ شيخَ الإسلام ابن تيمية، وجزاه عن الإسلامِ والمسلمين خيرًا، جزاءَ دفاعه عن نبيِّه العظيم - ﷺ - .. ونسأله سبحانه أن يحشُرَنا معه يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون، إلاَّ مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليم .. آمين.
* * *
_________________
(١) انظر: "الصارم المسلول" (ص ٥١٢ - ٥٤١).
[ ٤ / ٥٦٤ ]