للنبي الكريم - ﷺ - حقوق على أمته، وهي كثيرة، منها: الإيمان الصادق به - ﷺ - قولًا وفعلًا، وتصديقه في كل ما جاء به - ﷺ -، ووجوب طاعته، والحذر من معصيته - ﷺ -، ووجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه، وإنزاله منزلته - ﷺ - بلا غلوٍّ ولا تقصير، واتباعه واتخاذه قدوة وأسوة في جميع الأمور، ومحبته أكثر من النفس، والأهل والمال والولد والناس جميعًا، واحترامه وتوقيره ونصر دينه والذب عن سنته - ﷺ -، والصلاة عليه؛ لقوله - ﷺ -: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه: خلق آدم، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ»، فقال رجل: يا رسول اللَّه! كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني بليت. قال: «إن اللَّه حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (١).
وإليك هذه الحقوق بالتفصيل والإيجاز كالآتي:
١ - الإيمان الصادق به - ﷺ - وتصديقه فيما أتى به قال اللَّه تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢)، ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ
_________________
(١) أبو داود، ١/ ٢٧٥، برقم ١٠٧١، وابن ماجه، ١/ ٥٢٤، برقم ١٠٨٥، والنسائي ٣/ ٩١، برقم ١٣٧٤، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٩٧.
(٢) سورة التغابن، الآية: ٨.
[ ٩١ ]
٢ - وجوب طاعته - ﷺ - والحذر من معصيته
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢)، ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ (٣)، وقال - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه ويؤمنوا بي وبما جئت به» (٤).
والإيمان به - ﷺ - هو تصديق نبوته، وأن اللَّه أرسله للجن والإنس، وتصديقه في جميع ما جاء به وقاله، ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان، بأنه رسول اللَّه، فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة باللسان، ثم تطبيق ذلك بالعمل بما جاء به تمَّ الإيمان به - ﷺ - (٥).
٢ - وجوب طاعته - ﷺ - والحذر من معصيته، فإذا وجب الإيمان به، وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته؛ لأن ذلك مما أتى به، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٨.
(٣) سورة الفتح، الآية: ١٣.
(٤) مسلم، ١/ ٥٢، برقم ٢١.
(٥) انظر: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ - للقاضي عياض، ٢/ ٥٣٩.
[ ٩٢ ]
تَسْمَعُونَ﴾ (١)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٢)، ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٣)، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤)، ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٥)، ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا﴾ (٦)، ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (٧).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه» (٨)، وعنه - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «كل الناس يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول
اللَّه!
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٠.
(٢) سورة الحشر، الآية: ٧.
(٣) سورة النور، الآية: ٥٤.
(٤) سورة النور، الآية: ٦٣.
(٥) سورة الأحزاب، الآية: ٧١.
(٦) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.
(٧) سورة النساء، الآيتان: ١٣، ١٤.
(٨) البخاري مع الفتح، ١٣/ ١١١، برقم ٧١٣٧.
[ ٩٣ ]
٣ - اتباعه - ﷺ -، واتخاذه قدوة في جميع الأمور
ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» (١).
وعن ابن عمر - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له، وجُعِلَ رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجُعِلَ الذِّلُّ والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» (٢).
٣ - اتباعه - ﷺ -، واتخاذه قدوة في جميع الأمور، والاقتداء بهديه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥)، فيجب السير على هديه والتزام سنته، والحذر من مخالفته، قال - ﷺ -: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٦).
٤ - محبته - ﷺ - أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين،
_________________
(١) البخاري مع الفتح، ١٣/ ٢٤٩ برقم ٧٢٨٠.
(٢) أحمد في المسند، ١/ ٩٢، برقم ٥١١٤، والبخاري مع الفتح معلقًا، ٦/ ٩٨، قبل الحديث رقم ٢٩١٤، وحسنه العلامة ابن باز - ﵀ -، وانظر: صحيح الجامع، ٣/ ٨.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣١.
(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.
(٦) البخاري مع الفتح، ٩/ ١٠٤، برقم ٥٠٦٣.
[ ٩٤ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١)، وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٢)، وقد ثبت في الحديث أن من ثواب محبته الاجتماع معه في الجنة، وذلك عندما سأله رجل عن الساعة فقال: «ما أعددت لها»؟ قال: يا رسول اللَّه، ما أعددت لها كبير صيام، ولا صلاة، ولا صدقة، ولكني أحب اللَّه ورسوله، قال: «فأنت مع من أحببت» (٣)، قال أنس فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قول النبي - ﷺ -: «فإنك مع من أحببت»، فأنا أحب اللَّه ورسوله، وأبا بكر، وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم (٤).
ولما قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: يا رسول اللَّه لأنت أحب إليَّ من
كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي - ﷺ -: «لا والذي نفسي بيده حتى
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٢٤.
(٢) البخاري مع الفتح، ١/ ٥٨، برقم ١٥، مسلم، ١/ ٦٧، برقم ٤٤.
(٣) البخاري مع الفتح، ١٠/ ٥٥٧، و١٣/ ١٣١، برقم ٣٦٨٨، و٦١٦٧، ومسلم، ٤/ ٢٠٣٢، برقم ٢٦٣٩.
(٤) مسلم، ٤/ ٢٠٣٢، برقم ٢٦٣٩.
[ ٩٥ ]
أكون أحب إليك من نفسك»، فقال له عمر: فإنه الآن واللَّه لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال النبي - ﷺ -: «الآن يا عمر» (١)، وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه - ﷺ - فقال: يا رسول اللَّه كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «المرء مع من أحب» (٢).
وعن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - أنه سمع رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا» (٣).
وقال - ﷺ -: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان اللَّه ورسولهُ أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا للَّه، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه، كما يكره أن يقذف في النار» (٤).
ولاشك أن من وفَّقه اللَّه تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان ووجد حلاوته، فيستلذ الطاعة، ويتحمل المشاقة في رضى اللَّه - ﷿ - ورسوله
- ﷺ -، ولا يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد - ﷺ -؛ لأنه رضي به رسولًا،
_________________
(١) البخاري مع الفتح، ١١/ ٥٢٣، برقم ٦٦٣٢.
(٢) البخاري مع الفتح، ١٠/ ٥٥٧، برقم ٦١٣٨، ومسلم، برقم ٢٦٤٠.
(٣) مسلم في صحيحه ١/ ٦٢، برقم ٣٤.
(٤) البخاري مع الفتح، ١/ ٧٢، برقم ١٦، ومسلم، ١/ ٦٦، برقم و٤٣، وتقدم تخريجه، ص٦٦.
[ ٩٦ ]
وأحبه، ومن أحبه من قلبه صدقًا أطاعه - ﷺ -؛ ولهذا قال القائل:
تعصي الإله وأنت تُظْهر حُبَّهُ هذا لعمري في القياسِ بديعُ
لو كان حُبَّكَ صادقًا لأطعته إن المُحبَّ لمن يُحِبُّ مُطيعُ (١)
وعلامات محبته - ﷺ - تظهر في الاقتداء به - ﷺ -، واتباع سنته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، في الشدة والرخاء، وفي العسر واليسر، ولا شك أن من أحب شيئًا آثره، وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقًا في حبه، ويكون مدّعيًا (٢).
ولا شك أن من علامات محبته: النصيحة له؛ لقوله - ﷺ -: «الدين النصيحة»، قلنا لمن؟ قال: «للَّه، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٣)، والنصيحة لرسوله - ﷺ -: التصديق بنبوته، وطاعته فيما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، ومُؤازرته، ونصرته وحمايته حيًا وميتًا، وإحياء سنته، والعمل بها، وتعلمها، وتعليمها، والذب عنها، ونشرها، والتخلق بأخلاقه الكريمة، وآدابه الجميلة (٤).
٥ - احترامه وتوقيره ونصرته كما قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
_________________
(١) الشفاء بتعريف حقوق المصطفى، - ﷺ - ٢/ ٥٤٩، و٢/ ٥٦٣.
(٢) انظر: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى، - ﷺ - ٢/ ٥٧١ - ٥٨٢.
(٣) مسلم، ١/ ٧٤، برقم ٥٥.
(٤) الشفاء بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ - للقاضي عياض، ٢/ ٥٨٢ - ٥٨٤.
[ ٩٧ ]
٦ - الصلاة عليه - ﷺ -
وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (١)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)، ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ (٣).
وحرمة النبي - ﷺ - بعد موته، وتوقيره لازم كحال حياته، وذلك عند ذكر حديثه، وسنته، وسماع اسمه وسيرته، وتعلم سنته، والدعوة إليها، ونصرتها (٤).
٦ - الصلاة عليه - ﷺ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥)، وقال - ﷺ -: «.. من صلَّى عليّ صلاة صلَّى اللَّه عليه بها عشرًا» (٦)، وقال - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٧)، وقال - ﷺ -: «البخيل من ذكرت عنده
_________________
(١) سورة الفتح، الآية: ٩.
(٢) سورة الحجرات، الآية: ١.
(٣) سورة النور، الآية: ٦٣.
(٤) الشفاء، ٢/ ٥٩٥، و٦١٢.
(٥) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.
(٦) أخرجه مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو - ﵁ -، ١/ ٢٨٨، برقم ٣٨٤.
(٧) أبو داود، ٢/ ٢١٨، برقم ٢٠٤٢، وأحمد ٢/ ٣٦٧، برقم ٨٨٠٤، وانظر: صحيح أبي داود، ١/ ٣٨٣.
[ ٩٨ ]
فلم يصلِّ عليّ» (١)، وقال - ﷺ -: «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا اللَّه فيه، ولم يصلّوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم» (٢)، وقال - ﷺ -: «إن للَّه ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» (٣)، وقال جبريل - ﵇ - للنبي - ﷺ -: «رغم أنف عبد - أو بَعُد - ذُكِرتَ عنده فلم يصلّ عليك»، فقال - ﷺ -: «آمين» (٤)، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ما من أحد يسلّم عليَّ إلا ردّ اللَّه عليَّ روحي حتى أردّ ﵇» (٥).
* وللصلاة على النبي - ﷺ - مواطن كثيرة ذكر منها الإمام ابن القيم - ﵁ - واحدًا وأربعين موطنًا منها على سبيل المثال: الصلاة عليه - ﷺ - عند دخول المسجد، وعند الخروج منه، وبعد إجابة المؤذن، وعند الإقامة، وعند الدعاء، وفي التشهد في الصلاة، وفي صلاة الجنازة، وفي الصباح والمساء، وفي يوم الجمعة، وعند اجتماع القوم قبل
تفرقهم، وفي الخطب: كخطبتي صلاة الجمعة، وعند كتابة اسمه، وفي أثناء صلاة العيدين بين التكبيرات، وآخر دعاء القنوت، وعلى
_________________
(١) الترمذي ٥/ ٥٥١، برقم ٣٥٤٠، وغيره، وانظر: صحيح الترمذي، ٣/ ١٧٧.
(٢) الترمذي، وانظر: صحيح الترمذي ٣/ ١٤٠، برقم ٣٣٨٠.
(٣) النسائي ٣/ ٤٣، برقم ١٢٨٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٧٤.
(٤) ابن خزيمة ٣/ ١٩٢، برقم ١٨٨٨، وأحمد ٢/ ٢٥٤، برقم ٧٤٥١، وصححه الأرنؤوط في الأفهام.
(٥) أخرجه أبو داود، ٢/ ٢١٨، برقم ٢٠٤١، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٨٣.
[ ٩٩ ]
٧ - وجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه - ﷺ -،
الصفا والمروة، وعند الوقوف على قبره، وعند الهم والشدائد، وطلب المغفرة، وعقب الذنب إذا أراد أن يكفر عنه، وغير ذلك من المواطن التي ذكرها ﵀ في كتابه (١).
ولو لم يرد في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - إلا حديث أنس - ﵁ - لكفى «من صلَّى عليَّ صلاة واحدة صلَّى اللَّه عليه عشر صلوات (٢). [كتب اللَّه له بها عشرة حسنات] (٣)، وحطَّ عنه بها عشر سيئات، ورفعه بها عشر درجات» (٤).
٧ - وجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه - ﷺ -، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥)، ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٦)، ويكون التحاكم إلى سنته وشريعته بعده - ﷺ -.
_________________
(١) راجع كتاب جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام - ﷺ - للإمام ابن القيم - ﵀ -.
(٢) السياق يقتضي [و].
(٣) هذه الزيادة من حديث أبي طلحة في مسند أحمد، ٤/ ٢٩، برقم ١٦٣٥٤.
(٤) أحمد، ٣/ ٢٦١، برقم ١٦٥٨٣، وابن حبان، برقم ٢٣٩٠ (موارد)، والحاكم، ١/ ٥٥١، وصححه الأرنؤوط في تحقيقه لجلاء الأفهام، ص ٦٥.
(٥) سورة النساء الآية: ٥٩.
(٦) سورة النساء، الآية: ٦٥.
[ ١٠٠ ]
٨ - إنزاله مكانته - ﷺ - بلا غلو ولا تقصير
٨ - إنزاله مكانته - ﷺ - بلا غلو ولا تقصير، فهو عبد للَّه ورسوله، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين، وهو سيد الأولين والآخرين، وهو صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، ولكنه مع ذلك بشر لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًا ولا نفعًا إلا ما شاء اللَّه، كما قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٣)، وقد مات - ﷺ - كغيره من الأنبياء، ولكن دينه باقٍ إلى يوم القيامة ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (٤)، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ
الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٥)، وبهذا يعلم أنه لا يستحق العبادة إلا اللَّه وحده لا شريك له ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٥٠.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٨٨.
(٣) سورة الجن، الآيتان: ٢١ - ٢٢.
(٤) سورة الزمر، الآية: ٣٠.
(٥) سورة الأنبياء، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.
[ ١٠١ ]
وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١).
وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.
_________________
(١) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.
[ ١٠٢ ]