عن عائشة - ﵂ - قالت: كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخيَّر بين الدنيا والآخرة، فسمعت النبي - ﷺ - في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بُحَّةٌ (١) [شديدة] يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢)، قالت فظننته خُيِّرَ حينئذٍ (٣).
وفي رواية عنها - ﵂ - أنها قالت: كان رسول اللَّه - ﷺ - وهو صحيح يقول: «إنه لم يقبض نبي قط حتى يُرى مقعده من الجنة ثم يُخيَّر»، قالت: فلما نزل برسول اللَّه - ﷺ - (٤) ورأسه على فخذي، غُشِيَ عليه ساعة، ثم أفاق فأشخص بصرهُ إلى السقف، ثم قال: «اللَّهم في الرفيق الأعلى»، فقلت: إذًا لا يختارنا، وعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح، قالت: فكان آخر كلمة تكلَّم بها رسول اللَّه - ﷺ -: «اللَّهم مع الرفيق الأعلى» (٥)، وقالت - ﵂ -: سمعت النبي - ﷺ - وهو
_________________
(١) البُحةُ: غِلظٌ في الصوت. انظر: شرح النووي، ١٥/ ٢١٩.
(٢) سورة النساء، الآية: ٦٩.
(٣) البخاري، برقم ٤٤٣٦، و٤٤٣٧، و٤٤٦٣، و٤٥٨٦، و٦٣٤٨، و٦٥٠٩، ومسلم، برقم ٢٤٤٤.
(٤) وفي البخاري: «فلما اشتكى وحضره القبض»، رقم ٤٤٣٧.
(٥) البخاري، برقم ٤٤٣٧، و٤٤٦٣ ومسلم، ٢٤٤٤.
[ ٦٤ ]
مسند إليَّ ظهره يقول: «اللَّهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى» (١)، وكان - ﷺ - متصلًا بربه، وراغبًا فيما عنده، ومحبًّا للقائه، ومحبًّا لما يحبه سبحانه، ومن ذلك السواك؛ لأنه مطهرة للفم، مرضاة للربِّ، فعن عائشة - ﵂ - قالت: «إن من نعم اللَّه عليَّ أن رسول اللَّه - ﷺ - توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري (٢)، ونحري (٣)، وأن اللَّه جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عليَّ عبد الرحمن [بن أبي بكر]، وبيده السواك، وأنا مسندة رسول اللَّه - ﷺ -[إلى صدري] (٤)، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ «فأشار برأسه أن نعم»، فتناولته فاشتدَّ عليه، وقلتُ: أُليّنه لك؟ «فأشار برأسه أن نعم»، فلَيَّنْتُه، [وفي رواية: فقصمته، ثم مضغته (٥)، [وفي رواية فقضمته، ونفضته، وطيّبته (٦)، ثم دفعته إلى النبي - ﷺ -، فاستنَّ به (٧)، فما رأيت رسول اللَّه - ﷺ - استنَّ استنانًا قَطُّ أحسنَ
_________________
(١) البخاري، برقم ٤٤٤٠، و٥٦٦٤.
(٢) سحري: هو الصدر، وهو في الأصل: الرئة وما تعلق بها. الفتح، ٨/ ١٣٩، والنووي، ١٥/ ٢١٨.
(٣) ونحري: النحر هو موضع النحر. الفتح، ٨/ ١٣٩.
(٤) في البخاري، برقم ٤٤٣٨.
(٥) في البخاري، برقم ٩٨٠.
(٦) طيبته: بالماء، ويحتمل أن يكون تطييبه تأكيدًا للينه، الفتح، ٨/ ١٣٩.
(٧) أي استاك به، وأمرَّه على أسنانه.
[ ٦٥ ]
١ - الرفيق الأعلى: هم الجماعة المذكورون في قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك﴾
منه] (١) وبين يديه ركوة (٢)، أو علبة (٣) فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء، فيمسح بها وجهه، ويقول: «لا إله إلا اللَّه، إن للموت سكرات»، ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى» حتى قُبض، ومالت يده» (٤) - ﷺ -.
وقالت عائشة - ﵂ -: مات النبي - ﷺ - وإنه لبين حاقنتي (٥) وذاقنتي (٦)، فلا أكره شدّة الموت لأحد أبدًا بعد النبي - ﷺ - < (٧).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها:
١ - أن الرفيق الأعلى: هم الجماعة المذكورون في قوله تعالى:
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ
_________________
(١) في البخاري، برقم ٤٤٣٨.
(٢) الركوة: إناء صغير من جلد يشرب به الماء. انظر: النهاية في غريب الحديث، ٢/ ٢٦٠.
(٣) شك بعض الرواة وهو عمر، انظر: الفتح، ٨/ ١٤٤.
(٤) البخاري، ٢/ ٣٧٧، برقم ٨٩٠، وأخرجه البخاري في تسعة مواضع، انظر: صحيح البخاري مع الفتح، ٢/ ٣٧٧، ومسلم، برقم ٢٤٤٤.
(٥) الحاقنة: ما سفل من الذقن وقيل غير ذلك، الفتح، ٨/ ١٣٩.
(٦) والذاقنة: ما علا من الذقن، وقيل غير ذلك، الفتح، ٨/ ١٣٩، والحاصل أن ما بين الحاقنة والذاقنة: هو ما بين السحر والنحر، والمراد أنه مات ورأسه بين حنكها وصدرها. الفتح، ٨/ ١٣٩.
(٧) البخاري، برقم ٤٤٤٦، ومسلم، برقم ٢٤٤٣.
[ ٦٦ ]
٢ - أن النبي - ﷺ - اختار الرفيق الأعلى حين خير حبا للقاء الله تعالى
٣ - فضل عائشة - ﵂ - حيث نقلت العلم الكثير عنه - ﷺ -
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١)، فالصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أن المراد بالرفيق الأعلى هم الأنبياء الساكنون أعلى عليين. ولفظة رفيق تطلق على الواحد والجمع؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢).
٢ - أن النبي - ﷺ - اختار الرفيق الأعلى حين خُيِّر حبًّا للقاء اللَّه تعالى، ثم حبًّا للرفيق الأعلى، وهو الذي يقول - ﷺ -: «من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه» (٣).
٣ - فضل عائشة - ﵂ - حيث نقلت العلم الكثير عنه - ﷺ -، وقامت بخدمته حتى مات بين سحرها ونحرها؛ ولهذا قالت: «إن من نعم اللَّه عليَّ أن رسول اللَّه - ﷺ - توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري».
٤ - عناية النبي - ﷺ - بالسواك، حتى وهو في أشدّ سكرات الموت، وهذا يدل على تأكد
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٦٩.
(٢) انظر: فتح الباري، ٨/ ١٣٨، وشرح النووي، ١٥/ ٢١٩.
(٣) البخاري، برقم ٦٥٠٧، ومسلم، برقم ٢٦٨٣.
[ ٦٧ ]
٦ - حرص النبي - ﷺ - على مرافقة الأنبياء
٧ - شدة الموت وسكراته العظيمة للنبي - ﷺ -،
استحباب السواك؛ لأنه مطهرة للفم، مرضاة للرب.
٥ - قول النبي - ﷺ - في سكرات الموت: «لا إله إلاَّ اللَّه، إن للموت
سكرات»، وهو الذي قد حقق لا إله إلا اللَّه، يدل على تأكُّدِ استحبابها، والعناية بها، والإكثار من قولها، وخاصة في مرض الموت؛ لأن «من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة».
٦ - حرص النبي - ﷺ - على مرافقة الأنبياء، ودعاؤه بذلك يدل على أن المسلم ينبغي له أن يسأل اللَّه تعالى أن يجمعه بهؤلاء بعد الموت في جنات النعيم، اللَّهم اجعلنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
٧ - شدة الموت وسكراته العظيمة للنبي - ﷺ -، وقد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما بالنا بغيره.
[ ٦٨ ]