الفصل الأوّل في صفة لباسه ﷺ
من قميص وإزار ورداء وقلنسوة وعمامة ونحوها قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في «الشّفا»: (انظر سيرة نبيّنا محمّد ﷺ وخلقه في المال.. تجده قد أوتي خزائن الأرض ومفاتيح البلاد، وأحلّت له الغنائم؛ ولم تحلّ لنبيّ قبله، وفتح عليه في حياته ﷺ بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب وما دانى ذلك من الشّام والعراق، وجلب إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلّا بعضه، وهادنه جماعة من ملوك الأقاليم فما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهما، بل صرفه في مصارفه، وأغنى به غيره، وقوّى به المسلمين، وقال: «ما يسرّني أنّ لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار، إلّا دينارا أرصده لدين» .
وأتته دنانير مرّة، فقسمها، وبقيت منها بقيّة، فدفعها لبعض نسائه، فلم يأخذه نوم حتّى قام وقسمها، وقال: «الان استرحت» .
ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله، واقتصر من نفقته وملبسه
[ ١٠٧ ]
ومسكنه على ما تدعوه إليه ضرورته، وزهد فيما سواه.
فكان يلبس ما وجده، فيلبس في الغالب الشّملة، والكساء الخشن، والبرد الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية «١» الدّيباج المخوّصة «٢» بالذّهب، ويرفع لمن لم يحضر؛ إذ المباهاة في الملابس والتّزيّن بها..
ليست من خصال الشّرف والجلالة، وهي من سمات النّساء. والمحمود منها نقاوة الثّوب، والتّوسّط في جنسه، وكونه لبس مثله.. غير مسقط لمروءة جنسه.
وفي «المواهب»: إنّ الجمال في الصّورة واللّباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذمّ، ومنه ما لا يتعلّق به مدح ولا ذمّ:
فالمحمود منه: ما كان لله، وأعان على طاعة الله تعالى، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له؛ كما كان ﷺ يتجمّل للوفود، وهذا نظير لباس الة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب، والخيلاء فيه؛ فإنّ ذلك محمود إذا تضمّن إعلاء كلمة الله تعالى، ونصر دينه، وغيظ عدوّه.
والمذموم منه: ما كان للدّنيا، والرّئاسة، والفخر والخيلاء، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه.
وأمّا ما لا يحمد ولا يذمّ: فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرّد عن الوصفين، وقد كان النّبيّ ﷺ لا يضيّق بالاقتصار
_________________
(١) الأقبية- جمع قباء- وهو: المخيط من اللّباس.
(٢) المخوصة: المزيّنة.
[ ١٠٨ ]
على صنف من اللّباس بعينه، ولا يطلب النّفيس الغالي، بل يستعمل ما تيسّر.
ثمّ قال «١»: روى أبو نعيم في «الحلية» عن ابن عمر مرفوعا: «إنّ من كرامة المؤمن على الله ﷿.. نقاء ثوبه، ورضاه باليسير» .
وله من حديث جابر: أنّ النّبيّ ﷺ رأى رجلا وسخة ثيابه فقال: «أما وجد هذا شيئا ينقّي به ثيابه؟» .
قال «٢»: وكانت سيرته ﷺ في ملبسه أتمّ وأنفع للبدن وأخفّ عليه؛ فإنّه لم تكن عمامته بالكبيرة الّتي يؤذي حملها ويضعفه ويجعله عرضة للافات، ولا بالصّغيرة الّتي تقصر عن وقاية الرّأس من الحرّ والبرد، وكذلك الأردية والأزر أخفّ على البدن من غيرها، ولم يكن ﷺ يطوّل أكمامه ويوسّعها) اهـ
وكان أحبّ الثّياب إلى رسول الله ﷺ يلبسه..
القميص.
و(القميص): اسم لما يلبس من المخيط الّذي له كمّان وجيب، يلبس تحت الثّياب، ولا يكون من صوف. كذا في «القاموس» .
ولم يكن له ﷺ سوى قميص واحد؛ فقد ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء، ولا اتّخذ من شيء زوجين، ولا
_________________
(١) أي: القسطلاني في «المواهب» .
(٢) أيضا في «المواهب» .
[ ١٠٩ ]
قميصين ولا رداءين ولا إزارين، ولا زوجين من النّعال.
وكان كمّ قميص رسول الله ﷺ إلى الرّسغ.
و(الرّسغ): مفصل ما بين الكفّ والسّاعد من الإنسان.
وكان رسول الله ﷺ كمّه مع الأصابع.
وكان قميصه ﷺ فوق الكعبين، وكان كمّه مع الأصابع.
وكان ﷺ إذا لبس قميصا.. بدأ بميامنه.
وعن قرّة بن إياس رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في رهط من مزينة لنبايعه، وإنّ زرّ قميصه مطلق، قال:
فأدخلت يدي في جيب قميصه، فمسست الخاتم «١» .
وكان أحبّ الثّياب إلى رسول الله ﷺ الحبرة- بوزن عنبة- برد يمانيّ محبّر؛ أي: مزيّن محسّن.
وكان لرسول الله ﷺ بردان أخضران، فيهما خطوط خضر لا بحتا «٢» .
وكان ﷺ يعجبه الثّياب الخضر.
وعن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ وعليه حلّة حمراء كأنّي أنظر إلى بريق ساقيه.
و(الحلّة) بالضّمّ: إزار ورداء، ولا تكون حلّة إلّا من ثوبين، أو
_________________
(١) أي: خاتم النبوة.
(٢) أي: لم يكن أخضر خالصا.
[ ١١٠ ]
ثوب له بطانة.
وكان رسول الله ﷺ يكسو بناته خمر القزّ والإبريسم «١» .
و(الخمر) - ك «كتب»، جمع خمار- وهو: ما تغطّي به المرأة رأسها.
وكان يتّبع الحرير من الثّياب.. فينزعه.
وكان قيمة ثوبه ﷺ عشرة دراهم.
وعن قيلة بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها قالت: رأيت النّبيّ ﷺ وعليه أسمال «٢» مليّتين.
وقوله (مليّتين) - تصغير ملاءة- وهي: كلّ ثوب لم يضمّ بعضه إلى بعض بخيط، بل كلّه نسج واحد.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ خرج وهو يتوكّأ على أسامة رضي الله تعالى عنه، وعليه ثوب قطريّ قد توشّح به.. فصلّى بهم.
و(قطريّ): نسبة إلى القطر؛ وهو: نوع من البرود اليمانيّة تتّخذ من قطن، وفيه حمرة وأعلام مع خشونة.
_________________
(١) القزّ: هو ما يعمل منه الإبريسم، ولهذا قال بعضهم: القزّ والإبريسم مثل الحنطة والدقيق؛ فالإبريسم ما يؤخذ من القزّ كأخذ الدقيق من الحنطة.
(٢) الأسمال- جمع سمل- وهو: الثوب الخلق.
[ ١١١ ]
و(توشّح به) أي: وضعه فوق عاتقيه، أو خالف بين طرفيه وربطهما بعنقه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط من شعر أسود.
و(المرط): كساء طويل واسع.
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ لبس جبّة روميّة ضيّقة الكمّين.
و(الجبّة): ثوبان بينهما حشو، وقد تقال لما لا حشو له إذا كانت ظهارته «١» من صوف.
وكان كمّه ﷺ إلى الرّسغ، ولبس القباء «٢» والفرجيّة، ولبس جبّة ضيّقة الكمّين في سفره.
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما: أنّها أخرجت جبّة طيالسة «٣» كسروانيّة، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان «٤» بالدّيباج، قالت: هذه جبّة رسول الله ﷺ، كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها، فلمّا قبضت.. قبضتها، وكان النّبيّ صلّى الله عليه
_________________
(١) ظهارته: ما يظهر للعين، بخلاف البطانة.
(٢) القباء: الثوب المشقوق من أمام؛ كالجبّة المعهودة.
(٣) طيالسة: نوع من الثياب لها علم.
(٤) وفي رواية: وفرجيها مكفوفين، وفي رواية: وفروجا مكفوفة. و(الفرج في الثوب): الشق في أسفله من خلف وأمام.
[ ١١٢ ]
وسلّم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها.
ومعنى (اللّبنة): رقعة في جيب القميص.
وكان رسول الله ﷺ يلبس ما وجد؛ فمرّة شملة، ومرّة برد حبرة يمانيّة، ومرّة جبّة صوف، ما وجد من المباح لبس.
و(الشّملة): كساء صغير يؤتزر به.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: أخرجت إلينا عائشة رضي الله تعالى عنها كساء ملبّدا وإزارا غليظا؛ فقالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين.
و(الكساء): ما يستر أعلى البدن.
و(الملبّد): المرقّع.
و(الإزار): ما يستر أسفل البدن.
و(غلظه): خشونته.
وكان له ﷺ كساء ملبّد يلبسه ويقول: «إنّما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبد» .
وكان له ﷺ كساء أسود، فوهبه، فقالت له أمّ سلمة: بأبي أنت وأمّي ما فعل ذلك الكساء الأسود؟ فقال: «كسوته»، فقالت: ما رأيت شيئا قطّ أحسن من بياضك على سواده.
وكان ﷺ يتقنّع بردائه تارة ويتركه أخرى، وهو «١»
_________________
(١) أي: رداؤه ﷺ.
[ ١١٣ ]
الّذي يسمّى في العرف: الطّيلسان.
وكان ﷺ غالب ما يلبس هو وأصحابه ما نسج من القطن، وربّما لبسوا ما نسج من الصّوف والكتّان.
ولبس ﷺ الشّعر الأسود. ولبس مرّة بردة من الصّوف.. فوجد ريح الضّأن فطرحها.
وكان لرسول الله ﷺ سراويل، ولبس النّعل الّتي تسمّى: التّاسومة «١» .
وكان له ﷺ ملاءة مصبوغة بالزّعفران، تنقل معه إلى بيوت أزواجه، فترسلها من كان نائما عندها إلى صاحبة النّوبة، فترشّها بالماء، فتظهر رائحة الزّعفران، فينام معها فيها.
وكانت له ﷺ ملحفة مصبوغة بالزّعفران، وربّما صلّى بالنّاس فيها واحدها، وربّما لبس الكساء واحده وما عليه غيره.
وكان ﷺ ربّما صلّى باللّيل في الإزار، وارتدى ببعضه ممّا يلي هدبه، وألقى البقيّة على بعض نسائه، فيصلّي كذلك.
وكانت ثيابه ﷺ كلّها مشمّرة فوق الكعبين، وكان إزاره فوق ذلك إلى نصف السّاق، وكان قميصه مشدود الأزرار، وربّما حلّ الأزرار في الصّلاة وغيرها.
_________________
(١) التاسومة: ما له سير يستر بعض الأصابع مما يلي أصولها، وبعض ظهر القدم من تلك الجهة.
[ ١١٤ ]
وعن عبيد بن خالد رضي الله تعالى عنه قال: بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول: «ارفع إزارك فإنّه أتقى وأبقى»، فإذا هو رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ إنّما هي بردة ملحاء، قال:
«أما لك فيّ أسوة؟!»، فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه.
ومعنى (ملحاء): سوداء فيها خطوط بيض يلبسها الأعراب، ليست من الثّياب الفاخرة.
و(الأسوة): القدوة.
وعن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: كان عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه يأتزر إلى أنصاف ساقيه، وقال: هكذا كانت إزرة «١» صاحبي؛ يعني النّبيّ ﷺ.
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله [تعالى] عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بعضلة ساقي فقال: «هذا موضع الإزار، فإن أبيت.. فأسفل، فإن أبيت.. فلا حقّ للإزار في الكعبين» .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: راني النّبيّ ﷺ أسبلت إزاري فقال: «يا ابن عمر؛ كلّ شيء لمس الأرض من الثّياب في النّار» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ: «ما أسفل من الكعبين من الإزار.. في النّار»، وهو محمول
_________________
(١) الإزرة: اسم لهيئة الاتّزار.
[ ١١٥ ]
على ما ورد من قيد الخيلاء، فهو الّذي ورد فيه الوعيد.
وكان رسول الله ﷺ يرخي إزاره من بين يديه، ويرفعه من ورائه.
وكان ﷺ إذا استجدّ ثوبا.. سمّاه باسمه؛ قميصا، أو عمامة، أو رداء، ثمّ يقول: «اللهمّ؛ لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شرّه وشرّ ما صنع له» .
وكان ﷺ إذا لبس ثوبا جديدا.. حمد الله تعالى، وصلّى ركعتين، وكسا الخلق «١» .
وكان ﷺ إذا استجدّ ثوبا.. لبسه يوم الجمعة.
وكان له ﷺ برد يلبسه في العيدين والجمعة.
وكان ﷺ يلبس بردة حمراء في كلّ عيد.
وكان له ﷺ برد حبرة يلبسه في كلّ عيد.
ومرّ عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه مع النّبيّ ﷺ بالسّوق فرأى حلّة من سندس.. فقال: يا رسول الله؛ لو اتّخذت هذه للعيد، فقال: «إنّما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» .
وكانت الصّحابة رضي الله تعالى عنهم يلبسون ذكورهم الصّغار يوم العيد أحسن ما يقدرون عليه من الحليّ، والمصبّغات من الثّياب.
وكان له ﷺ ثوبان لجمعته خاصّة سوى ثيابه في غير
_________________
(١) الخلق: الثوب البالي، والمعنى: أنه يتصدق به.
[ ١١٦ ]
الجمعة، وربّما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره؛ يعقد طرفيه بين كتفيه، وربّما أمّ به النّاس على الجنائز، وربّما صلّى في بيته في الإزار الواحد ملتحفا به مخالفا بين طرفيه، ويكون ذلك الإزار هو الّذي جامع فيه يومئذ.
وكان إذا قدم عليه الوفد.. لبس أحسن ثيابه، وأمر علية أصحابه بذلك.
وكان رداؤه ﷺ طوله ستّة أذرع، في ثلاثة وشبر.
وكان إزاره أربعة وشبرا، في عرض ذراعين وشبر.
ولبس ﷺ الأبراد الّتي فيها خطوط حمر.
وكان ينهى أصحابه عن لبس الأحمر الخالص.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «عليكم بالبياض من الثّياب؛ ليلبسها أحياؤكم، وكفّنوا فيها موتاكم؛ فإنّها من خير ثيابكم» .
وفي «المواهب»:
عن عروة: أنّ طول رداء النّبيّ ﷺ أربعة أذرع، وعرضة ذراعان وشبر.
وفيها:
لطيفة:
قيل: لمّا كان رسول الله ﷺ لا يبدو منه إلّا طيب.. كان اية ذلك في بدنه الشّريف أنّه لا يتّسخ له ثوب. قيل: ولم يقمل ثوبه.
[ ١١٧ ]
وقال ابن سبع في «الشّفا»، والسّبتيّ في «أعذب الموارد وأطيب الموالد»: لم يكن القمل يؤذيه تعظيما له وتكريما ﷺ.
ثمّ قال:
ونقل الفخر الرّازيّ: إنّ الذّباب لا يقع على ثيابه قطّ، وإنّه لا يمتصّ دمه البعوض.
وكان رسول الله ﷺ يلبس قلنسوة بيضاء.
و(القلنسوة): غشاء مبطّن يستر الرّأس.
وكان ﷺ يلبس القلانس تحت العمائم وبغير العمائم، ويلبس العمائم بغير القلانس، وكان يلبس القلانس اليمانيّة؛ وهنّ البيض المضرّبة «١»، ويلبس القلانس ذوات الاذان في الحرب.
وكان ربّما نزع قلنسوته، فجعلها سترة بين يديه وهو يصلّي، وربّما لم تكن العمامة، فيشدّ العصابة على رأسه وعلى جبهته.
وكان رسول الله ﷺ إذا اعتمّ.. سدل عمامته بين كتفيه.
وكان ﷺ يدير العمامة على رأسه ويغرزها من ورائه، ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه.
وكان ﷺ إذا اعتمّ.. سدل عمامته بين كتفيه، وفي أوقات كان يضمّها ويرشقها، وأوقات لا يرخيها جملة.
_________________
(١) المضربة: المحشوّة.
[ ١١٨ ]
وكان ﷺ كثيرا ما يلتحي بالعمامة من تحت الحنك كطريق المغاربة.
وكانت له ﷺ عمامة تسمّى (السّحاب)، فوهبها لعليّ رضي الله تعالى عنه، فربّما طلع عليّ فيها فيقول ﷺ: «أتاكم عليّ في السّحاب» .
وعن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: عمّمني رسول الله ﷺ بعمامة سدل طرفها على منكبي، وقال: «إنّ الله أمدّني يوم بدر ويوم حنين بملائكة معمّمين هذه العمّة» .
وقال: «إنّ العمامة حاجز بين المسلمين والمشركين» .
وكان ﷺ لا يولّي واليا حتّى يعمّمه، ويرخي لها عذبة من جانب الأيمن نحو الأذن.
وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ مكّة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء.
وقال ابن حجر المكّيّ: اعلم أنّه لم يتحرّر- كما قاله بعض الحفّاظ- في طول عمامته ﷺ وعرضها شيء.
وكان لرسول الله ﷺ خرقة، إذا توضّأ.. تمسّح بها.
وكان منديله ﷺ باطن قدميه.
[ ١١٩ ]
الفصل الثّاني في صفة فراشه ﷺ وما يناسبه
كان لرسول الله ﷺ فراش من أدم، حشوه ليف، طوله ذراعان أو نحوهما، وعرضه ذراع وشبر أو نحوه.
وكان متقلّلا من أمتعة الدّنيا كلّها، وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلّها.. فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها.
وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: من أدم، حشوه ليف.
و(الادم) - جمع أديم على غير القياس- وهو: الجلد المدبوغ، ويجمع على: أدم.
وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: دخلت عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله ﷺ قطيفة مثنيّة، فبعثت إليّ بفراش حشوه الصّوف، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا يا عائشة؟!»، قلت: يا رسول الله؛ فلانة الأنصاريّة دخلت فرأت فراشك فبعثت إليّ بهذا، فقال: «ردّيه يا عائشة، فو الله لو شئت لأجرى الله تعالى معي جبال الذّهب والفضّة» .
[ ١٢٠ ]
و(القطيفة): دثار له خمل «١» .
وسئلت حفصة رضي الله تعالى عنها: ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلمّا كان ذات ليلة.. قلت: لو ثنيته أربع ثنيات لكان أوطأ له، فثنيناه له بأربع ثنيات، فلمّا أصبح.. قال: «ما فرشتموا لي اللّيلة؟» .
قالت: قلنا: هو فراشك، إلّا أنّا ثنيناه بأربع ثنيات، قلنا: هو أوطأ لك، قال: «ردّوه لحالته الأولى؛ فإنّه منعتني وطأته صلاتي اللّيلة» .
و(المسح): كساء خشن من صوف يعدّ للفراش.
ومعنى (أوطأ): ألين؛ من وطؤ الفراش فهو وطيء، كقرب فهو قريب.
وكان له ﷺ عباءة تفرش له حيثما انتقل، تثنى طاقين تحته.
وكان ﷺ كثيرا ما ينام على الحصير واحده، ليس تحته شيء غيره.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النّبيّ ﷺ وهو في غرفة كأنّها بيت حمّام، وهو نائم على حصير قد أثّر بجنبه، فبكيت، فقال: «ما يبكيك يا عبد الله؟»، قلت: يا رسول الله؛ كسرى وقيصر يطؤون على الخزّ والدّيباج والحرير؛ وأنت
_________________
(١) الخمل: الهدب.
[ ١٢١ ]
نائم على هذا الحصير، قد أثّر بجنبك. فقال: «فلا تبك يا عبد الله، فإنّ لهم الدّنيا ولنا الآخرة» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: حدّثني عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال:
دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير، قال:
فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصّاع، وإذا إهاب معلّق، فابتدرت عيناي، فقال: «ما يبكيك يا ابن الخطّاب؟» . فقلت: يا نبيّ الله؛ وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثّر في جنبيك، وهذه خزائنك لا أرى فيها إلّا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثّمار والأنهار، وأنت نبيّ الله وصفوته وهذه خزائنك؟! قال: «يا ابن الخطّاب؛ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدّنيا؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الدّنيا، وهي وشيكة الانقطاع، وإنّا قوم أخّرت لنا طيّباتنا في اخرتنا» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ سرير مرمّل بالبرديّ، وعليه كساء أسود، وقد حشوناه بالبرديّ، فدخل أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما عليه، فإذا النّبيّ ﷺ نائم عليه، فلمّا راهما.. استوى جالسا، فنظرا، فإذا أثر السّرير في جنب رسول الله ﷺ، فقالا:
يا رسول الله؛ ما يؤذيك خشونة ما نرى من فراشك وسريرك؛ وهذا كسرى وقيصر على فرش الدّيباج والحرير؟! فقال ﵊:
[ ١٢٢ ]
«لا تقولا هذا؛ فإنّ فراش كسرى وقيصر في النّار، وإنّ فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنّة» .
وما عاب رسول الله ﷺ مضجعا قطّ، إن فرش له..
اضطجع، وإلّا.. اضطجع على الأرض.
ومعنى (مرمّل): منسوج.
و(البرديّ): نبات.
وتغطّى ﷺ باللّحاف، قال ﵊:
«ما أتاني جبريل وأنا في لحاف امرأة منكنّ.. غير عائشة» .
وكان وساده الّذي يتّكىء عليه من أدم، حشوه ليف.
وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ متّكئا على وسادة على يساره.
وكان ﷺ يصلّي على الحصير.
وكان ﷺ يصلّي على بساط.
وكان ﷺ يستحبّ أن تكون له فروة مدبوغة يصلّي عليها.
[ ١٢٣ ]
الفصل الثّالث في صفة خاتمه ﷺ
كان خاتم رسول الله ﷺ من ورق، وكان فصّه حبشيّا.
و(الورق): الفضّة.
و(الفصّ): ما يكتب عليه اسم صاحبه.
و(الحبشيّ): منسوب إلى الحبش، فإنّه كان من جزع؛ وهو:
خرز فيه بياض وسواد، أو من عقيق، ومعدنهما بالحبشة.
ولم يرد عنه ﷺ أنّه لبس خاتما كلّه عقيقا.
وكان خاتمه ﷺ من فضّة فصّه منه.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ ﷺ اتّخذ خاتما من فضّة، فكان يختم به ولا يلبسه.
وكان النّبيّ ﷺ يلبس خاتمه في يمينه.
والتّختّم في اليسار ليس مكروها، ولا خلاف الأولى، بل هو سنّة لوروده في أحاديث صحيحة، لكن التّختّم في اليمين أفضل؛ لأنّ أحاديثه أصحّ. قاله الباجوريّ.
[ ١٢٤ ]
وكان ﷺ يتختّم في يساره.
وكان ﷺ يجعل فصّ خاتمه ممّا يلي كفّه.
وكان نقش خاتم رسول الله ﷺ: (محمّد) سطر، و(رسول) سطر، و(الله) سطر.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لمّا أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى العجم.. قيل له: إنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم. فاصطنع خاتما، فكأنّي أنظر إلى بياضه في كفّه.
وعن أنس أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ كتب إلى كسرى، وقيصر، والنّجاشيّ، فقيل له: إنّهم لا يقبلون كتابا إلّا بخاتم، فصاغ رسول الله ﷺ خاتما حلقته فضّة، ونقش فيه: (محمّد رسول الله) .
وكان ﷺ يختم الكتب ويقول: «الخاتم على الكتاب خير من التّهمة» .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: اتّخذ رسول الله ﷺ خاتما من ذهب، فكان يلبسه في يمينه، فاتّخذ النّاس خواتيم من ذهب، فطرحه، وقال: «لا ألبسه أبدا»، فطرح النّاس خواتيمهم.
وعن ابن عمر أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ اتّخذ خاتما من فضّة، وجعل فصّه ممّا يلي كفّه، ونقش فيه محمّد رسول الله، ونهى أن ينقش أحد عليه.
[ ١٢٥ ]
وهو الّذي سقط من معيقيب في بئر أريس.
و(معيقيب): هو من أهل بدر، وكان يلي خاتم المصطفى ﷺ، والخلفاء من بعده.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: اتّخذ رسول الله ﷺ خاتما من ورق، فكان في يده، ثمّ كان في يد أبي بكر، وفي يد عمر، ثمّ كان في يد عثمان حتّى وقع في بئر أريس، نقشه: محمّد رسول الله.
قال الباجوريّ: (وفي وقوعه إشارة إلى أنّ أمر الخلافة كان منوطا به، فقد تواصلت الفتن، وتفرّقت الكلمة، وحصل الهرج «١»، ولذلك قال بعضهم: كان في خاتمه ﷺ ما في خاتم سليمان من الأسرار؛ لأنّ خاتم سليمان لمّا فقد.. ذهب ملكه، وخاتمه ﷺ لمّا فقد من عثمان.. انتقض عليه الأمر، وحصلت الفتن الّتي أفضت إلى قتله، واتّصلت إلى اخر الزّمان) اهـ.
وكان رسول الله ﷺ إذا أشفق من الحاجة ينساها..
ربط في خنصره، أو في خاتمه الخيط.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا دخل الخلاء.. نزع خاتمه.
_________________
(١) الهرج: القتل بين الفريقين.
[ ١٢٦ ]
وجاء رجل وعليه خاتم من شبه «١» .
وفي رواية: من صفر؛ وهو: نوع من النّحاس كانت الأصنام تتّخذ منه، فقال: «ما لي أجد منك ريح الأصنام؟!»، فطرحه، ثمّ جاء وعليه خاتم من حديد؛ فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل النّار؟!»، فطرحه، وقال: يا رسول الله؛ من أيّ شيء أتّخذه؟ قال: «من ورق ولا تتمّه مثقالا» «٢» .
_________________
(١) شبه وشبه- لغتان-: ضرب من النحاس كانت الأصنام تتخذ منه، وسمي بذلك لشبهه بالذهب لونا.
(٢) المثقال: هو زنة الدينار الإسلامي، ويساوي: (٢٣١، ٤) غراما، أو: (٤٦، ٤) غراما.
[ ١٢٧ ]
الفصل الرّابع في صفة نعله ﷺ وخفّه
كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان مثنّى شراكهما.
و(القبال): هو زمام يوضع بين الأصبع الوسطى والّتي تليها، ويسمّى شسعا.
وكان ﷺ يضع أحد القبالين بين الإبهام والّتي تليها، والاخر بين الوسطى والّتي تليها.
و(الشّراك): السّير.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّه كان يلبس النّعال السّبتيّة؛ وهي الّتي لا شعر عليها، وقال: إنّي رأيت رسول الله ﷺ يلبس النّعال الّتي ليس فيها شعر، ويتوضّأ فيها، فأنا أحبّ أن ألبسها.
وعن عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه أنّه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلّي في نعلين مخصوفتين- أي: مخروزتين- ضمّ فيهما طاق إلى طاق.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ صلّى الله عليه
[ ١٢٨ ]
وسلّم نهى أن يأكل- يعني الرّجل- بشماله، أو يمشي في نعل واحدة.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إذا انتعل أحدكم.. فليبدأ باليمين، وإذا نزع.. فليبدأ بالشّمال، فلتكن اليمين أوّلهما تنعل واخرهما تنزع.
وكان ﷺ إذا جلس يتحدّث.. يخلع نعليه.
قال الباجوريّ: (كانت نعله ﷺ مخصّرة، معقّبة، ملسّنة، كما رواه ابن سعد في «الطّبقات») .
و(المخصّرة): هي الّتي لها خصر دقيق.
و(المعقّبة): هي الّتي لها عقب، أي: سير من جلد في مؤخّر النّعل يمسك به عقب القدم.
و(الملسّنة): هي التي في مقدّمها طول على هيئة اللّسان.
قال الحافظ الكبير زين الدّين العراقيّ رحمه الله تعالى في «ألفيّة السّيرة النّبويّة» على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام:
ونعله الكريمة المصونه طوبى لمن مسّ بها جبينه
لها قبالان بسير وهما سبتيّتان سبتوا شعرهما
وطولها شبر وإصبعان وعرضها ممّا يلي الكعبان
سبع أصابع وبطن القدم خمس، وفوق ذا فستّ فاعلم
ورأسها محدّد وعرض ما بين القبالين اصبعان اضبطهما
وهذه مثال تلك النّعل ودورها أكرم بها من نعل
[ ١٢٩ ]
فائدة:
قال في «المواهب»: ذكر ابن عساكر تمثال نعله ﷺ في جزء مفرد، وأفرده بالتّأليف أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن خلف السّلميّ الأندلسيّ، وكذا غيرهما.
قال: ولم أثبتها اتّكالا على شهرتها، ولصعوبة ضبط تسطيرها إلّا على حاذق.
ومن بعض ما ذكر من فضلها، وجرّب من نفعها وبركتها أنّ أبا جعفر أحمد بن عبد المجيد- وكان شيخا صالحا- أعطى مثالها لبعض الطّلبة، فجاءه وقال له: رأيت البارحة من بركة هذا النّعل عجبا؛ أصاب زوجتي وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النّعل على موضع الوجع، وقلت: اللهمّ أرني بركة صاحب هذا النّعل.. فشفاها الله تعالى للحين.
وقال أبو إسحاق: قال أبو القاسم بن محمّد: وممّا جرّب من بركته:
أنّ من أمسكه عنده متبرّكا به.. كان له أمانا من بغي البغاة، وغلبة العداة، وحرزا من كلّ شيطان مارد، وعين كلّ حاسد، وإن أمسكته الحامل بيمينها وقد اشتدّ عليها الطّلق.. تيسّر أمرها بحول الله تعالى وقوّته.
وما أحسن قول أبي بكر القرطبيّ رحمه الله تعالى:
ونعل خضعنا هيبة لبهائها وإنّا متى نخضع لها أبدا نعلو
فضعها على أعلى المفارق إنّها حقيقتها تاج وصورتها نعل
[ ١٣٠ ]
بأخمص خير الخلق حازت مزيّة على التّاج حتّى باهت المفرق الرّجل
شفاء لذي سقم، رجاء لبائس أمان لذي خوف، كذا يحسب الفضل
وعن بريدة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّجاشيّ أهدى للنّبيّ ﷺ خفّين أسودين ساذجين، فلبسهما، ثمّ توضّأ ومسح عليهما.
ومعنى (ساذجين): لم يخالط سوادهما شيء اخر «١» .
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: أهدى دحية للنّبيّ ﷺ خفّين، فلبسهما.
وروى الطّبرانيّ في «الأوسط» عن الحبر «٢»: قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة.. أبعد المشي، فانطلق ذات يوم لحاجته، ثمّ توضّأ ولبس خفّه، فجاء طائر أخضر فأخذ الخفّ الاخر فارتفع به، ثمّ ألقاه، فخرج منه أسود سالخ- أي: حيّة- فقال النّبيّ ﷺ: «هذه كرامة أكرمني الله بها. اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ من يمشي على بطنه، ومن شرّ من يمشي على رجليه، ومن شرّ من يمشي على أربع» .
_________________
(١) أو: غير منقوشين، أو: لا شعر عليهما.
(٢) الحبر: أي العالم، وهو الصحابي الجليل عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما. وسمي بذلك: لأنه يحبر في عبارته؛ أي يحسنها.
[ ١٣١ ]
الفصل الخامس في صفة سلاحه ﷺ
عن ابن سيرين قال: صنعت سيفي على سيف سمرة بن جندب، وزعم سمرة أنّه صنع سيفه على سيف رسول الله ﷺ، وكان حنفيّا؛ نسبة لبني حنيفة؛ لأنّهم معروفون بحسن صنعة السّيوف.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كانت قبيعة سيف «١» رسول الله ﷺ من فضّة.
و(القبيعة) - بوزن الطّبيعة-: ما على طرف مقبض السّيف، يعتمد الكفّ عليها لئلّا يزلق.
وعن جعفر بن محمّد عن أبيه: كان نعل سيف رسول الله ﷺ- أي: أسفله- وحلقته وقبيعته.. من فضّة.
وقد كان له ﷺ سيوف متعدّدة؛ فقد كان له:
سيف يقال له: (المأثور)؛ وهو أوّل سيف ملكه عن أبيه.
وله سيف يقال له: (القضيب) .
_________________
(١) المراد بالسّيف هنا: (ذو الفقار) .
[ ١٣٢ ]
وله سيف يقال له: (القلعي) - نسبة إلى قلع- موضع بالبادية.
وله سيف يقال له: (البتّار) .
وسيف يدعى: (الحتف) .
وسيف يدعى: (المخذم) «١»، بكسر الميم.
وسيف يدعى: (الرّسوب) «٢» .
وسيف يقال له: (الصّمصامة) «٣» .
وسيف يقال له: (اللّحيف) .
وسيف يقال له: (ذو الفقار) «٤» .
و(الفقر): الحفر.
_________________
(١) المخذم: القاطع.
(٢) الرسوب: الذي يمضي في المضروب فيه ويغوص فيه.
(٣) الصمصامة: السيف الصارم الذي لا ينثني.
(٤) ذو الفقار: سمي كذلك؛ لأنه كان في وسطه حفر صغار، أو في وسطه مثل فقرات الظهر. وهو من أشهر أسيافه ﷺ، وكان لا يكاد يفارقه ودخل به مكة يوم الفتح وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وهو سيف سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، أهدته بلقيس مع ستة أسياف، ثم وصل إلى العاص بن منبه بن الحجاج المقتول كافرا ببدر، قتله علي ابن أبي طالب ﵁، وأخذ سيفه منه، ثم صار إلى النبي ﷺ يوم بدر من الغنيمة، وكان هذا السيف لا يفارقه في حروبه كافة. ويقال: إنه صار لأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب- كرم الله وجهه- في الجنة، ولعله: كان يأخذه منه في الحروب، أو أنه أعطاه له عند موته، وفيه قيل: لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار
[ ١٣٣ ]
وقد ذكروا في معجزاته: أنّه ﷺ دفع لعكّاشة «١» جذل «٢» حطب؛ حين انكسر سيفه يوم بدر، وقال: «اضرب به»، فعاد في يده سيفا صارما طويلا أبيض شديد المتن، فقاتل به، ثمّ لم يزل عنده يشهد به المشاهد إلى أن استشهد.
ودفع ﷺ لعبد الله بن جحش يوم أحد- وقد ذهب سيفه- عسيب نخل «٣»، فرجع في يده سيفا.
وكان لرسول الله ﷺ حربة يمشى بها بين يديه؛ فإذا صلّى.. ركزها بين يديه.
وكان ﷺ رايته سوداء، ولواؤه أبيض «٤» .
وعن الزّبير بن العوّام رضي الله تعالى عنه قال: كان على النّبيّ ﷺ يوم أحد درعان، فنهض إلى الصّخرة؛ فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته، وصعد النّبيّ ﷺ حتّى استوى على الصّخرة، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول:
«أوجب طلحة» - أي: فعل فعلا أوجب لنفسه بسببه الجنّة.
وكان له ﷺ سبعة أدرع؛ فقد كان له:
_________________
(١) بالتخفيف والتشديد وجهان.
(٢) جذل: أصل.
(٣) أي: عرجون نخلة.
(٤) الراية: العلم الكبير. واللّواء: العلم الصغير. فالراية: هي التي يتولاها صاحب الحرب ويقاتل عليها، واللّواء: علامة يتخذها الأمير تدور معه حيث دار.
[ ١٣٤ ]
درع تسمى: (ذات الفضول)؛ سمّيت بذلك لطولها.
ودرع تسمى: (ذات الوشاح) .
ودرع تسمى: (ذات الحواشي) .
ودرع تسمى: (فضّة) .
ودرع تسمى: (السّغديّة) «١»؛ قيل: هي درع سيّدنا داود الّتي لبسها لقتال جالوت.
ودرع تسمى: (البتراء) «٢» .
ودرع تسمى: (الخرنق) .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ دخل مكّة وعليه مغفر.
و(المغفر) - بوزن منبر- زرد من حديد ينسج بقدر الرّأس يلبس تحت القلنسوة.
_________________
(١) السّغديّة: - ويقال: السّعدية، نسبة إلى السعد-: جبال معروفة.
(٢) سميت بذلك لقصرها.
[ ١٣٥ ]
الفصل السّادس كان من خلقه ﷺ أن يسمّي سلاحه ودوابّه ومتاعه
كان اسم رايته: (العقاب)، وكانت سوداء، ومرّة كان يجعلها صفراء، ومرّة بيضاء فيها خطوط سود.
وكان اسم خيمته: (الكنّ) . وقضيبه «١»: (الممشوق) .
واسم قدحه: (الرّيّان) .
وركوته: (الصّادر) .
وسرجه: (الرّاجّ) .
ومقراضه: (الجامع) .
وسيفه الّذي كان يشهد به الحروب: (ذو الفقار) .
وكانت له أسياف أخر.
وكانت له منطقة «٢» من أدم «٣»، فيها ثلاث حلق من فضّة.
_________________
(١) غصن مقطوع من شجر جبال السّراة تتخذ منه القسي.
(٢) أي: حزام.
(٣) أي: من جلد.
[ ١٣٦ ]
وكان اسم جعبته «١»: (الكافور) .
واسم ناقته: (القصواء)؛ وهي الّتي يقال لها: (العضباء) «٢» .
وكان اسم بغلته: (دلدل) .
واسم حماره: (يعفورا) «٣» .
واسم شاته الّتي كان يشرب لبنها: (غيثة) «٤» .
وفي حديث اخر: كان لرسول الله ﷺ سيف محلّى، قائمته من فضّة، ونعله من فضّة، وفيه حلق من فضّة، وكان يسمى:
(ذا الفقار) .
وكان له قوس تسمى: (ذا السّداد) .
وكانت له كنانة تسمى: (ذا الجمع) .
وكان له درع موشّحة بنحاس تسمى: (ذات الفضول) .
وكان له حربة تسمى: (النّبعاء) .
وكان له مجنّ «٥» يسمى: (الذّفن) «٦» .
وكان له فرس أشقر يسمى: (المرتجز) .
_________________
(١) الجعبة: الكنانة يجمع فيها نبله.
(٢) العضباء: المقطوعة الاذان أو المشقوقتها.
(٣) يعفور: اسم ولد الظبي؛ كأنه سمي بذلك لسرعته، أو تشبيها به في عدوه.
(٤) غيثة: وقيل غوثة، بواو بدل الياء.
(٥) أي: الترس.
(٦) وفي بعض النسخ بالقاف بدل الفاء.
[ ١٣٧ ]
وكان له فرس أدهم يسمى: (السّكب) .
وكان له سرج يسمى: (الرّاجّ) .
وكان له بغلة شهباء تسمى: (الدّلدل) .
وكان له ناقة تسمى: (القصواء) .
وكان له حمار يسمى: (يعفورا) .
وكان له بساط يسمى: (الكزّ) .
وكان له عنزة تسمى: (النّمر) .
وكان له ركوة تسمى: (الصّادر) .
وكان له مراة تسمى: (المدلّة) .
وكان له مقراض يسمى: (الجامع) .
وكان له قضيب شوحط «١» يسمى: (الممشوق) .
وكان له ﷺ ربعة «٢» يجعل فيها المراة والمشط والمقراضين والسّواك.
وكان له ﷺ فرس يقال له: (اللّحيف) «٣» .
_________________
(١) الشوحط: ضرب من شجر جبال السّراة تتخذ منه القسيّ.
(٢) ربعة: حقيبة يجعل فيها الأمتعة المذكورة وهي جلد كجؤنة العطار التي يجعل فيها الطيب.
(٣) وقيل: اللّحيف، وقيل: بالخاء، وقيل: بالجيم، وهو عند ابن الجوزي بالنون بدل اللام من النحافة.
[ ١٣٨ ]
وفرس يقال له: (الظّرب) «١» .
وفرس يقال له: (اللّزاز) «٢» .
وكان له قصعة يقال لها: (الغرّاء)؛ يحملها أربعة رجال.
وكان له جارية تسمى: (خضرة) «٣» .
_________________
(١) وقيل: الظّرب.
(٢) اللّزاز: سمي به لشدة تلززه أو اجتماع خلقه، والملزّز: المجتمع. ولزّ به الشيء: لزق به، كأنه يلتزق بالمطلوب لسرعته.
(٣) وقال المناوي وتبعه الحفني: الخضرة؛ بكسر الضاد.
[ ١٣٩ ]
الباب الرّابع في صفة أكل رسول الله ﷺ وشربه، ونومه
وفيه ستّة فصول
[ ١٤١ ]