الفصل الأوّل في صفة عيشه ﷺ وخبزه
عن سماك بن حرب [رحمه الله تعالى] قال: سمعت النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما يقول: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيّكم ﷺ وما يجد من الدّقل ما يملأ بطنه.
و(الدّقل): رديء التّمر.
وكان أكثر طعام رسول الله ﷺ: التّمر والماء.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنّا ال محمّد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلّا التّمر والماء.
وفي رواية البخاريّ ومسلم: كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول لعروة: والله يا ابن أختي؛ إن كنّا لننظر إلى الهلال ثمّ الهلال ثمّ الهلال؛ ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار.
قال: قلت يا خالة؛ فما كان يعيّشكم؟
قالت: الأسودان؛ التّمر والماء، إلّا أنّه كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح «١»، فكانوا يرسلون إلى
_________________
(١) منائح- جمع منيحة- وهي: العطيّة لفظا ومعنى.. وأصلها عطية الناقة أو الشاة.
[ ١٤٣ ]
رسول الله ﷺ من ألبانها، فيسقيناه.
وعن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه عن حجرين.
وقال الإمام التّرمذيّ: ومعنى قوله (ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر): وكان أحدهم يشدّ في بطنه الحجر من الجهد والضّعف الّذي به من الجوع.
وفي كتاب «المواهب»: عن ابن بجير [رضي الله تعالى عنه] قال:
أصاب النّبيّ ﷺ جوع يوما، فعمد إلى حجر، فوضعه على بطنه، ثمّ قال: «ألا ربّ نفس طاعمة ناعمة في الدّنيا.. جائعة عارية يوم القيامة، ألا ربّ مكرم لنفسه.. وهو لها مهين، ألا ربّ مهين لنفسه.. وهو لها مكرم» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﷺ في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: «ما جاء بك يا أبا بكر؟»، قال: خرجت ألقى رسول الله ﷺ وأنظر في وجهه، والتّسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر فقال: «ما جاء بك يا عمر؟»، قال: الجوع يا رسول الله، قال ﷺ: «وأنا قد وجدت بعض ذلك» .
فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التّيّهان الأنصاريّ [رضي الله تعالى عنه]- وكان رجلا كثير النّخل والشّاء، ولم يكن له خدم- فلم يجدوه،
[ ١٤٤ ]
فقالوا لامرأته: «أين صاحبك؟»، فقالت: انطلق يستعذب لنا الماء.
فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها- أي: يملؤها- فوضعها، ثمّ جاء يلتزم النّبيّ ﷺ ويفدّيه بأبيه وأمّه.
ثمّ انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطا، ثمّ انطلق إلى نخلة فجاء بقنو «١» فوضعه، فقال النّبيّ ﷺ: «أفلا تنقّيت لنا من رطبه؟!»، فقال: يا رسول الله؛ إنّي أردت أن تختاروا من رطبه وبسره.
فأكلوا وشربوا من ذلك الماء.
فقال النّبيّ ﷺ: «هذا- والّذي نفسي بيده- من النّعيم الّذي تسألون عنه يوم القيامة؛ ظلّ بارد، ورطب طيّب، وماء بارد» .
فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما، فقال النّبيّ ﷺ: «لا تذبحنّ لنا ذات درّ»، فذبح لهم عناقا «٢»؛ أو جديا «٣»، فأتاهم بها فأكلوا.
فقال ﷺ: «هل لك خادم؟» .
قال: لا.
قال: «فإذا أتانا سبي.. فأتنا» .
_________________
(١) الغصن من النخلة المسمّى بالعرجون.
(٢) وهي: أنثى المعز لها أربعة أشهر.
(٣) وهو: ذكر المعز ما لم يبلغ سنة.
[ ١٤٥ ]
فأتي ﷺ برأسين «١» ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النّبيّ ﷺ: «اختر منهما» .
قال: يا رسول الله؛ اختر لي.
فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ المستشار مؤتمن، خذ هذا فإنّي رأيته يصلّي، واستوص به معروفا» .
فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله ﷺ؛ فقالت امرأته: ما أنت ببالغ حقّ ما قال فيه النّبيّ ﷺ.. إلّا أن تعتقه.
قال: فهو عتيق.
فقال ﷺ: «إنّ الله لم يبعث نبيّا ولا خليفة.. إلّا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا «٢»، ومن يوق بطانة السّوء فقد وقي، والمعصوم من عصمه الله تعالى» .
وعن عتبة بن غزوان رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيتني وإنّي لسابع سبعة مع رسول الله ﷺ، ما لنا طعام إلّا ورق الشّجر، حتّى تقرّحت أشداقنا «٣»، فألتقطت بردة فقسمتها بيني وبين سعد بن
_________________
(١) يعني: أسيرين اثنين.
(٢) خبالا: فسادا. وفي هذا التعبير تنبيه على أن بطانة السوء يكفي فيها السكوت على الشر، وعدم النّهي عن الفساد.
(٣) أي: ظهر في جوانب أفواهنا قروح من خشونة ذلك الورق وحرارته.
[ ١٤٦ ]
مالك؛ فأتزرت بنصفها وأتزر سعد بنصفها، فما منّا من أولئك السّبعة أحد.. إلّا وهو أمير مصر من الأمصار، وستجرّبون الأمراء بعدنا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين ليلة ويوم ما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلّا شيء يواريه إبط بلال» .
قال المصنّف في «جامعه» «١»: معنى هذا الحديث: أنّه إنّما كان مع بلال حين خرج النّبيّ ﷺ من مكّة هاربا؛ ومع بلال من الطّعام ما يواريه تحت إبطه.
وعن أنس أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلّا على ضفف.
و(الضّفف): كثرة أيدي الأضياف.
فكان ﷺ لا يجتمع عنده الخبز واللّحم في الغداء والعشاء؛ إلّا إذا كان عنده الأضياف فيجمعهما لأجلهم.
وعن نوفل بن إياس الهذليّ [رحمه الله تعالى] قال: كان عبد الرّحمن ابن عوف رضي الله تعالى عنه لنا جليسا، وكان نعم الجليس، وإنّه انقلب بنا ذات يوم حتّى إذا دخلنا بيته.. دخل فاغتسل، ثمّ خرج وأتينا بصحفة «٢» فيها خبز ولحم، فلمّا وضعت.. بكى عبد الرّحمن.
_________________
(١) أي: الترمذي في «الجامع الصحيح» .
(٢) هي إناء كالقصعة، وقيل: إناء مبسوط كالصحيفة.
[ ١٤٧ ]
فقلت: يا أبا محمّد؛ ما يبكيك؟.
فقال: توفّي رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشّعير، فلا أرانا أخّرنا لما هو خير لنا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّه أتي رسول الله ﷺ بتمر؛ فرأيته يأكل وهو مقع من الجوع.
ومعنى (الإقعاء): التّساند إلى وراء.
وكان رسول الله ﷺ لا يأخذ ممّا اتاه الله تعالى إلّا قوت عامه فقط، من أيسر ما يجد من التّمر والشّعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله ﷿.
وروى البخاريّ ومسلم: أنّ رسول الله ﷺ كان يعزل نفقة أهله سنة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء.
وروى التّرمذيّ عن أنس [رضي الله تعالى عنه]: أنّ رسول الله ﷺ كان لا يدّخر شيئا لغد.
وكان رسول الله ﷺ إذا تغدّى.. لم يتعشّ، وإذا تعشّى.. لم يتغدّ.
قال القسطلّانيّ في «المواهب اللّدنّيّة»: (قد استشكل كونه ﵊ وأصحابه كانوا يطوون الأيّام جوعا؛ مع ما ثبت:
[ ١٤٨ ]
أنّه كان يرفع لأهله قوت سنة.
وأنّه قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير ممّا أفاء الله عليه.
وأنّه ساق في عمرته مئة بدنة؛ فنحرها وأطعمها المساكين.
وأنّه أمر لأعرابيّ بقطيع من الغنم.. وغير ذلك.
مع من كان معه من أصحاب الأموال؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه.
وقد أمر بالصّدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله، وعمر بنصفه.
وحثّ على تجهيز جيش العسرة؛ فجهّزهم عثمان بألف بعير إلى غير ذلك؟.
وأجاب عنه الطّبريّ- كما حكاه في «فتح الباري» -: بأنّ ذلك كان منهم في حالة دون حالة؛ لا لعوز وضيق، بل تارة للإيثار، وتارة لكراهة الشّبع وكثرة الأكل.
قال الحافظ ابن حجر: والحقّ أنّ الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة حيث كانوا بمكّة، ثمّ لمّا هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح، فلمّا فتحت لهم النّضير وما بعدها.. ردّوا عليهم منائحهم.
نعم.. كان ﷺ يختار ذلك مع إمكان حصول التّوسّع والتّبسّط في الدّنيا له؛ كما أخرج التّرمذيّ من حديث أبي أمامة: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة
[ ١٤٩ ]
ذهبا، فقلت: لا يا ربّ، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت..
تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت.. شكرتك وحمدتك» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل على الصّفا، فقال رسول الله ﷺ: «يا جبريل؛ والّذي بعثك بالحقّ ما أمسى لال محمّد سفّة «١» من دقيق، ولا كفّ من سويق «٢»» .
فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدّة من السّماء أفزعته، فقال رسول الله ﷺ: «أمر الله القيامة أن تقوم؟» .
قال: لا، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك.
فأتاه إسرافيل، فقال: إنّ الله تعالى قد سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك: إن أردت أن أسيّر معك جبال تهامة زمرّذا وياقوتا، وذهبا وفضة.. فعلت، فإن شئت: نبيّا ملكا، وإن شئت نبيّا عبدا؟
فأومأ إليه جبريل أن تواضع.
فقال: «بل نبيّا عبدا» (ثلاثا) . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن.
ولله درّ الأبو صيريّ حيث قال:
وراودته الجبال الشّمّ من ذهب عن نفسه فأراها أيّما شمم)
_________________
(١) قبضة.
(٢) دقيق الشعير المقلو، ويكون من القمح، والأكثر جعله من الشعير.
[ ١٥٠ ]
وأمّا خبز رسول الله ﷺ:
فعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يبيت اللّيالي المتتابعة طاويا «١» هو وأهله؛ لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشّعير.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع ال محمّد ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين حتّى قبض رسول الله ﷺ.
وعن سليم بن عامر [رحمه الله تعالى] قال: سمعت أبا أمامة [الباهليّ] رضي الله تعالى عنه يقول: ما كان يفضل «٢» عن أهل بيت رسول الله ﷺ خبز الشّعير.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما رفع عن مائدته ﷺ كسرة خبز حتّى قبض.
وقد ورد عنها أيضا [رضي الله تعالى عنها] أنّها قالت: توفّي رسول الله ﷺ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلّا شطر شعير في رفّ لي- أي: نصف وسق- فأكلت منه حتّى طال عليّ فكلته ففني «٣» .
_________________
(١) طاويا: خالي البطن جائعا.
(٢) أي: ما كان يزيد عن كفايتهم، بل كان ما يجدونه لا يشبعهم في الأكثر.
(٣) زادت في رواية: (فياليتني لم أكله) . والبركة تكون في كيل الطعام عند البيع والشراء، أما عند الإنفاق فإن الكيل سبب لذهاب البركة، وفي هذا الأمر أسرار للبركة غفل عنها المسلمون اليوم.. والله المستعان.
[ ١٥١ ]
وكان رسول الله ﷺ يأكل خبز الشّعير غير منخول، وربّما وقف في حلقه فلا يسيغه إلّا بجرعة من ماء.
وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما أنّه قيل له: أكل رسول الله ﷺ النّقيّ «١» يعني: الحوّارى؟ «٢»
فقال سهل: ما رأى رسول الله ﷺ النّقيّ حتّى لقي الله ﷿.
فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله ﷺ؟
قال: ما كانت لنا مناخل.
قيل: كيف كنتم تصنعون بالشّعير؟
قال: كنّا ننفخه فيطير منه ما طار، ثمّ نعجنه.
وفي رواية له: هل كانت لكم في عهد رسول الله ﷺ مناخل؟
فقال: ما رأى النّبيّ ﷺ منخلا من حين ابتعثه الله تعالى حتّى قبضه الله تعالى.
وقال أنس رضي الله تعالى عنه: ما أعلم أنّ رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرقّقا حتّى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه حتّى لحق بالله. رواه البخاريّ.
_________________
(١) الخبز المنقّى من النخالة؛ أي: المنخول دقيقه.
(٢) هو ما حوّر من الدقيق بنخله مرارا، وهذه الزيادة التفسيرية من كلام الراوي.
[ ١٥٢ ]
و(الشّاة السّميط): هي الّتي أزيل شعرها بالماء المسخّن، وشويت بجلدها، وهو من فعل المترفّهين.
وعن قتادة [رحمه الله تعالى]، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما أكل نبيّ الله ﷺ على خوان، ولا في سكرّجة، ولا خبز له مرقّق.
قال قتادة [رحمه الله تعالى]: كانوا يأكلون على هذه السّفر.
و(الخوان): هو مرتفع يهيّأ ليؤكل الطّعام عليه.
و(السّكرّجة): إناء صغير يوضع فيه الشيء القليل المشهّي للطّعام؛ كالسّلطة.
و(السّفر) - جمع سفرة- وهي: ما يتّخذ من جلد مستدير ليؤكل عليه الطّعام.
وعن مسروق [رحمه الله تعالى] قال: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها، فدعت لي بطعام، وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلّا بكيت.
قال: قلت: لم؟
قالت: أذكر الحال الّتي فارق عليها رسول الله ﷺ الدّنيا، والله ما شبع من خبز ولا لحم مرّتين في يوم.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما شبع ال محمّد ﷺ من طعام ثلاثة أيّام تباعا حتّى قبض. رواه البخاريّ ومسلم.
[ ١٥٣ ]
وروى مسلم: ما شبع ال محمّد يومين من خبز البرّ إلّا وأحدهما تمر.
وروى مسلم أيضا: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرّتين.
وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين حتّى قبض.
وفي رواية عنها [رضي الله تعالى عنها] أيضا: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متواليين، ولو شاء..
لأعطاه الله ﷿ ما لا يخطر ببال.
قال القسطلّانيّ في «المواهب»: (وقد تتبّعت هل كانت أقراص خبزه ﷺ صغارا أم كبارا؟ فلم أجد في ذلك شيئا بعد التّفتيش.
نعم.. روي أمره بتصغيرها في حديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها، رفعته بلفظ: «صغّروا الخبز، وأكثروا عدده.. يبارك لكم فيه» .
وكان شيخي العارف الرّبّانيّ إبراهيم المتبوليّ يصغّر أرغفة سماطه، كالشّيخ أبي العبّاس أحمد البدويّ والسّادات بني الوفاء. أعاد الله تعالى علينا من بركاتهم) .
[ ١٥٤ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج- تعني النّبيّ ﷺ- من الدّنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين، كان إذا شبع من التّمر.. لم يشبع من الشّعير، وإذا شبع من الشّعير.. لم يشبع من التّمر.
قال القسطلّانيّ: (واعلم أنّ الشّبع بدعة ظهرت بعد القرن الأوّل.
وقد روى النّسائيّ وابن ماجه وصحّحه الحاكم من حديث المقدام بن معدي كرب: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما ملأ ابن ادم وعاء شرّا من بطنه، حسب ابن ادم لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الادميّ نفسه.. فثلث للطّعام، وثلث للشّراب، وثلث للنّفس» .
قال القرطبيّ: لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة) .
وعن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: خطب رسول الله ﷺ، فقال: «والله ما أمسى في ال محمّد صاع من طعام، وإنّها لتسعة أبيات» .
والله ما قالها استقلالا لرزق الله ﷾، ولكن أراد أن تتأسّى به أمّته.
وفي «الشّفا» للقاضي عياض رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يمتلئ جوف النّبيّ ﷺ شبعا قطّ، ولم يبثّ شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة أحبّ إليه من الغنى، وإن كان ليظلّ جائعا يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه صيام يومه، ولو شاء..
سأل ربّه جميع كنوز الأرض وثمارها، ورغد عيشها، ولقد كنت
[ ١٥٥ ]
أبكي رحمة له ممّا أرى به وأمسح بيدي على بطنه ممّا به من الجوع، وأقول: نفسي لك الفداء؛ لو تبلّغت من الدّنيا بما يقوتك؟ فيقول: «يا عائشة؛ ما لي وللدّنيا؟! إخواني من أولي العزم من الرّسل صبروا على ما هو أشدّ من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربّهم، فأكرم مابهم، وأجزل ثوابهم، فأجدني أستحيي إن ترفّهت في معيشتي أن يقصّر بي غدا دونهم، وما من شيء هو أحبّ إليّ من اللّحوق بإخواني وأخلّائي» .
قالت: فما أقام بعد شهرا حتى توفّي صلوات الله وسلامه عليه.
ثمّ قال رحمه الله تعالى بعد ثلاث ورقات: كان داود ﵊ يلبس الصّوف، ويفترش الشّعر، ويأكل خبز الشّعير بالملح والرّماد، ويمزج شرابه بالدّموع.
وقيل لعيسى ﵊: لو اتّخذت حمارا؟
فقال: أنا أكرم على الله من أن يشغلني بحمار.
وكان يلبس الشّعر ويأكل الشّجر؛ ولم يكن له بيت، أينما أدركه النّوم.. نام. وكان أحبّ الأسامي إليه أن يقال له: (يا مسكين) .
وقيل: إنّ موسى [﵊] لمّا ورد ماء مدين كانت ترى خضرة البقل في بطنه من الهزال.
وقال ﷺ: «لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر والقمل، وكان ذلك أحبّ إليهم من العطاء إليكم» .
[ ١٥٦ ]
وقال مجاهد: كان طعام يحيى: العشب، وكان يبكي من خشية الله تعالى ﷿، حتّى اتّخذ الدّمع مجرى في خدّه.
وحكى الطّبريّ عن وهب: أنّ موسى ﵊ كان يستظلّ بعريش، ويأكل في نقرة «١» من حجر، ويكرع فيها إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدّابّة؛ تواضعا لله تعالى بما أكرمه من كلامه) اهـ
_________________
(١) أي: حفرة.
[ ١٥٧ ]
الفصل الثّاني في صفة أكله ﷺ وإدامه
عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث؛ بالإبهام، والّتي تليها، والوسطى. ثمّ رأيته يلعق أصابعه الثّلاث قبل أن يمسحها؛ الوسطى، ثمّ الّتي تليها، ثمّ الإبهام.
وكان رسول الله ﷺ يكره أن يأكل الطّعام الحارّ حتّى تذهب فورة دخانه «١» .
وكان ﷺ لا يأكل الطّعام الحارّ، ويقول: «إنّه غير ذي بركة، فأبردوه؛ فإنّ الله لم يطعمنا نارا» .
وكان ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث، وربّما استعان بالرّابعة، ولم يكن يأكل قطّ بأصبعين، ويخبر أنّ ذلك من فعل الشّيطان.
وكان ﷺ يلعق الصّحفة بأصابعه، ويقول: «اخر الطّعام أكثر بركة» .
_________________
(١) أي: حدته وغليانه.
[ ١٥٨ ]
وكان [ﷺ] يلعق أصابعه من الطّعام حتّى تحمرّ.
وكان [ﷺ] لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه واحدة واحدة، ويقول: «إنّه لا يدري في أيّ الطّعام البركة» .
وكان ﷺ إذا أكل الخبز واللّحم خاصّة.. غسل يديه غسلا جيّدا، ثمّ يمسح بفضل الماء على وجهه.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من أكل من هذه اللّحوم شيئا.. فليغسل يده من ريح وضره «١»، ولا يؤذي من حذاءه» .
وكان أكثر جلوسه ﷺ للأكل أن يجمع بين ركبتيه وبين قدميه؛ كما يجلس المصلّي، إلّا أنّ الرّكبة تكون فوق الرّكبة، والقدم فوق القدم.
وكان ﷺ يقول: «إنّما أنا عبد اكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» .
وعن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أمّا أنا فلا اكل متّكئا» .
وروى ابن ماجه: أنّ رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرّجل وهو منبطح على وجهه.
_________________
(١) الوضر: وسخ الدسم واللبن.
[ ١٥٩ ]
وأخرج ابن عديّ: أنّ رسول الله ﷺ زجر أن يعتمد الرّجل على يده اليسرى عند الأكل.
وأمّا إدام رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ لا يتورّع عن مطعم حلال؛ إن وجد تمرا دون خبز.. أكله، وإن وجد لحما مشويّا.. أكله، وإن وجد خبز برّ..
أكله، أو شعيرا.. أكله، وإن وجد حلوى، أو عسلا.. أكله، وإن وجد لبنا دون خبز.. أكله واكتفى به، وإن وجد بطّيخا، أو رطبا..
أكله.
وكان ﷺ يأكل ما حضر، ولا يردّ ما وجد.
وعن زهدم الجرميّ [رحمه الله تعالى] قال: كنّا عند أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، فأتي بلحم دجاج، فتنحّى رجل من القوم، فقال: ما لك؟ فقال: إنّي رأيتها تأكل شيئا، فحلفت أن لا اكلها. قال: ادن، فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج.
وعن إبراهيم بن عمر بن سفينة، عن أبيه [رحمهما الله تعالى]، عن جدّه سفينة [رضي الله تعالى عنه] مولى رسول الله ﷺ، قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى.
و(الحبارى): طائر طويل العنق، في منقاره طول، رماديّ اللّون، شديد الطيران.
[ ١٦٠ ]
وكان ﷺ يأكل لحم الدّجاج والطّير الّذي يصاد، وكان لا يشتريه ولا يصيده، ويحبّ أن يصاد له، فيؤتى به فيأكله.
وكان رسول الله ﷺ يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها: «إذا طبختم قدرا.. فأكثروا فيها من الدّبّاء؛ فإنّها تشدّ قلب الحزين» .
وكان رسول الله ﷺ يأكل الثّريد باللّحم والقرع.
وكان [ﷺ] يحبّ القرع، ويقول: «إنّها شجرة أخي يونس» .
وعن جابر بن طارق رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النّبيّ ﷺ فرأيت عنده دبّاء يقطّع، فقلت: ما هذا؟ فقال:
«نكثّر به طعامنا» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إنّ خيّاطا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه.
قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطّعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا فيه دبّاء، وقديد «١» .
قال أنس: فرأيت النّبيّ ﷺ يتتبّع الدّبّاء حوالي القصعة، فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ.
_________________
(١) أي: لحم مملوح مجفف في الشمس.
[ ١٦١ ]
قال النّوويّ: (فيه أنّه يستحبّ أن يحبّ المرء الدّبّاء، وكذلك كلّ شيء كان يحبّه ﷺ) .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يحبّ الحلواء والعسل.
وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ.. العسل.
وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ.. اللّبن.
وكان ﷺ إذا شرب اللّبن.. قال: «إنّ له دسما» .
وكان ﷺ يشرب اللّبن خالصا تارة، وتارة مشوبا بالماء البارد.
وكان ﷺ إذا أتي بلبن.. قال: «بركة» .
وكان ﷺ يتمجّع التّمر باللّبن «١»، ويسمّيهما:
«الأطيبين» .
وأكل ﷺ التّمر بالزّبد «٢»، وكان يحبّه.
وفي «الإحياء»: أنّه جاء عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه بفالوذج، فأكل منه، وقال: «ما هذا يا أبا عبد الله؟» .
_________________
(١) يأكلهما معا، أو يأكل التمر ويشرب عليه اللّبن.
(٢) وهو ما يستخرج بالخض من لبن البقر والغنم. أما المستخرج من لبن الإبل فلا يسمى زبدا، بل يسمى: (حبابا) .
[ ١٦٢ ]
قال: بأبي أنت وأمّي، نجعل السّمن والعسل في البرمة «١»، ونضعها على النّار، حتّى نغليه، ثمّ نأخذ مخّ الحنطة إذا طحنت، فنلقيه على السّمن والعسل في البرمة، ثمّ نسوطه «٢» حتّى ينضج؛ فيأتي كما ترى.
فقال رسول الله ﷺ: «إنّ هذا الطّعام طيّب» .
وذكر هذه القصّة في «المواهب» عن عبد الله بن سلام بوجه اخر، مع تسمية هذا الطّعام: الخبيص.
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ اللّحم، ويقول: «إنّه يزيد في السّمع، وهو سيّد الطّعام في الدّنيا والآخرة، ولو سألت ربّي أن يطعمنيه كلّ يوم.. لفعل» .
وعن عطاء بن يسار: أنّ أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها أخبرته أنّها قرّبت إلى رسول الله ﷺ جنبا مشويّا فأكل منه.
وعن عبد الله بن الحارث قال: أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء في المسجد.
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: ضفت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتي بجنب مشويّ، ثمّ أخذ الشّفرة «٣»؛ فجعل يحزّ، فحزّ لي بها منه.
_________________
(١) البرمة: قدر من فخار.
(٢) أي: نحركه بالسوط.
(٣) الشفرة: السكين العريض العظيم.
[ ١٦٣ ]
قال: فجاء بلال يؤذنه بالصّلاة، فألقى الشّفرة، فقال: «ما له؟! تربت يداه» «١» .
قال: وكان شاربه قد وفا «٢»، فقال له «٣»: «أقصّه لك على سواك؟
أو: قصّه على سواك» .
وكان ﷺ يأكل من الكبد إذا شويت.
وكان ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتي النّبيّ ﷺ بلحم، فرفع إليه الذّراع- وكانت تعجبه- فنهس منها «٤» .
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يعجبه الذّراع، وسمّ في الذّراع، وكان يرى أنّ اليهود سمّوه.
وعن أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه قال: طبخت للنّبيّ ﷺ قدرا «٥»، وكان يعجبه الذّراع، فناولته الذّراع، ثمّ قال: «ناولني
_________________
(١) والمقصود منه: الزجر عن ذلك، لا حقيقة الدعاء بذلك، فإنه كره ﷺ من سيدنا بلال ﵁ إعلامه بالصلاة بحضرة الطعام، والصلاة بحضرة طعام تتوق إليه النفس.. مكروهة، مع ما في ذلك من إيذاء المضيف وكسر خاطره. مع ملاحظة أن وجوب الصلاة في أول الوقت وجوب موسع.
(٢) أي: كان شارب سيدنا بلال ﵁ قد طال وأشرف على فمه.
(٣) أي: النبي ﷺ.
(٤) أي: تناوله بأطراف أسنانه.
(٥) أي: شاة في قدر.
[ ١٦٤ ]
الذّراع»، فناولته، ثمّ قال: «ناولني الذّراع»، فقلت: يا رسول الله؛ وكم للشّاة من ذراع؟! فقال: «والذي نفسي بيده؛ لو سكتّ.. لناولتني الذّراع ما دعوت» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كانت الذّراع أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ، ولكنّه كان لا يجد اللّحم إلّا غبّا «١»، وكان يعجل إليها؛ لأنّها أعجلها نضجا.
وكان أحبّ الشّاة إلى رسول الله ﷺ مقدّمها.
وعن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أطيب اللّحم لحم الظّهر» .
وعن ضباعة بنت الزّبير رضي الله تعالى عنها: أنّها ذبحت في بيتها شاة، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ: «أن أطعمينا من شاتكم» . فقالت: ما بقي عندنا إلّا الرّقبة، وإنّي لأستحي أن أرسل إلى النّبيّ ﷺ، فرجع الرّسول، فأخبره بقولها. فقال:
«ارجع إليها، فقل لها: أرسلي بها، فإنّها هادية الشّاة، وأقرب الشّاة إلى الخير، وأبعدها عن الأذى» .
وكان رسول الله ﷺ إذا أكل اللّحم.. لم يطأطئ رأسه إليه، بل يرفعه إلى فيه، ثمّ ينهسه انتهاسا «٢» .
_________________
(١) أي: وقتا دون وقت.
(٢) ويجوز بالشين: ينهشه انتهاشا.
[ ١٦٥ ]
وأكل رسول الله ﷺ القديد؛ كما في حديث «السّنن» عن رجل قال: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة ونحن مسافرون، فقال: «أصلح لحمها»، فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة.
وأكل ﷺ لحم حمار الوحش.
وأكل ﷺ لحم الضّأن، وأكل ﷺ لحم الجمال سفرا وحضرا.
وأكل ﷺ لحم الأرنب.
وأكل ﷺ من دوابّ البحر.
وأكل ﷺ الثّريد؛ وهو أن يثرد الخبز بمرق اللّحم، وقد يكون معه لحم.
ومن أمثالهم: (الثّريد أحد اللّحمين) .
وأكل ﷺ الخبز بالزّيت.
وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كلوا الزّيت وادّهنوا به، فإنّه من شجرة مباركة» .
وأكل ﷺ السّلق «١» مطبوخا.
_________________
(١) السّلق: بقلة؛ وهو نبت له ورق طوال، يقال له: السّلك- بالكاف بدل القاف- وقوله: (مطبوخا) أي: بالشعير.
[ ١٦٦ ]
وأكل ﷺ الخزيرة؛ وهي: ما يتّخذ من الدّقيق على هيئة العصيدة، لكنّه أرقّ منها «١» .
وأكل ﷺ الأقط «٢»؛ وهو: جبن اللّبن المستخرج زبده، وهو أشبه شيء بالكشك.
وأكل ﷺ الرّطب والتّمر والبسر «٣» .
وأكل ﷺ الكباث؛ وهو: ثمر الأراك.
وأكل ﷺ الجبن.
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أتي النّبيّ ﷺ بجبنة في تبوك، فدعا بسكّين فسمّى وقطع.
وأمّا البصل: فروى أبو داود في «سننه»: عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها سئلت عن البصل فقالت: إنّ اخر طعام أكله رسول الله ﷺ فيه بصل.
والظّاهر أنّ هذا البصل كان مطبوخا، حتّى لم يبق له رائحة كريهة.
ويدلّ على هذا قولها: (إنّ اخر طعام أكله فيه بصل)، ولم تقل أكل البصل.
_________________
(١) الخزيرة: أن يؤخذ اللحم فيقطع قطعا صغارا ويصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق. فإن لم يكن فيها لحم فهي: عصيدة.
(٢) بتثليث الهمزة مع سكون القاف، ويحرّك. وككتف، ورجل، وإبل.
(٣) البسر: هو البلح الطريّ.
[ ١٦٧ ]
وكان أحبّ الصّباغ إلى رسول الله ﷺ الخلّ.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ رسول الله ﷺ قال: «نعم الإدام الخلّ» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة على أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها وكان جائعا، فقال لها: «أعندكم طعام اكله؟»، فقالت: إنّ عندي لكسرا يابسة، وإنّي لأستحيي أن أقدّمها إليك. فقال: «هلمّيها»، فكسّرها في ماء، وجاءته بملح، فقال: «ما من إدام؟»، فقالت: ما عندي إلّا شيء من خلّ، فقال: «هلمّيه» .
فلمّا جاءته به.. صبّه على طعامه؛ فأكل منه، ثمّ حمد الله ﷿، وأثنى عليه، ثمّ قال: «نعم الإدام الخلّ، يا أمّ هانىء؛ لا يقفر بيت فيه خلّ» .
وعن أمّ سعد رضي الله تعالى عنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وأنا عندها، فقال: «هل من غداء؟»، فقالت:
عندنا خبز وتمر وخلّ، فقال: «نعم الإدام الخلّ، اللهمّ؛ بارك في الخلّ؛ فإنّه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يقفر بيت فيه خلّ» .
وهذا مدح للخلّ بحسب الوقت- كما قاله ابن القيّم- لا لتفضيله على غيره، بل هو جبر لقلب من قدّمه له ﷺ، وتطييبا لنفسه، لا تفضيلا له على غيره؛ إذ لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن..
لكان أحقّ بالمدح.
[ ١٦٨ ]
وبهذا علم أنّه لا تنافي بين هذا وبين قوله: «بئس الإدام الخلّ» .
وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «فضل عائشة على النّساء.. كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أولم رسول الله ﷺ على صفيّة بتمر وسويق؛ وهو: ما يعمل من الحنطة، أو الشّعير.
وعن سلمى زوج أبي رافع- مولى النّبيّ ﷺ-: أنّ الحسن بن عليّ، وابن عبّاس وابن جعفر رضي الله تعالى عنهم..
أتوها، فقالوا: اصنعي لنا طعاما ممّا كان يعجب رسول الله ﷺ ويحسن أكله.
فقالت: يا بنيّ؛ لا تشتهيه اليوم.
قال: بلى، اصنعيه لنا.
قال: فقامت، فأخذت شيئا من شعير، فطحنته، ثمّ جعلته في قدر، وصبّت عليه شيئا من زيت، ودقّت الفلفل والتّوابل، فقرّبته إليهم.
فقالت: هذا ممّا كان يعجب النّبيّ ﷺ ويحسن أكله.
قوله (التّوابل): هي أدوية حارّة يؤتى بها من الهند، وقيل: إنّها مركّبة من الكزبرة والزّنجبيل والكمّون.
[ ١٦٩ ]
ويؤخذ من هذا: أنّه ﷺ كان يحبّ تطييب الطّعام بما تيسّر وسهل، وأنّ ذلك لا ينافي الزّهد.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال في غزوة الخندق:
انكفيت- أي: انطلقت إلى امرأتي- فقلت: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت بالنّبيّ ﷺ جوعا شديدا.
فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن، فذبحتها، وطحنت الشّعير حتّى جعلنا اللّحم في البرمة، ثمّ جئته ﷺ، وأخبرته الخبر سرّا، وقلت له: تعال أنت ونفر معك.
فصاح: «يا أهل الخندق؛ إنّ جابرا صنع سورا «١» فحيّ هلا بكم»، وقال: «لا تنزلنّ برمتكم، ولا تخبزنّ عجينتكم حتّى أجيء» .
فلمّا جاء.. أخرجت له العجين؛ فبصق فيه، وبارك، ثمّ عمد إلى برمتنا، فبصق، وبارك، ثمّ قال: «ادعي خابزة فلتخبز معك، واغرفي من برمتكم، ولا تنزلوها» .
والقوم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتّى تركوه، وانصرفوا، وإنّ برمتنا لتغطّ- أي: تغلي- كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو. رواه البخاريّ ومسلم.
وعن جابر أيضا قال: خرج رسول الله ﷺ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة؛ فأكل منها، وأتته بقناع-
_________________
(١) أي: طعاما يدعو الناس إليها، أو: هو الطعام مطلقا.
[ ١٧٠ ]
أي: طبق من رطب- فأكل منه، ثمّ توضّأ للظّهر، وصلّى، ثمّ انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشّاة «١»، فأكل، ثمّ صلّى العصر، ولم يتوضّأ.
وعن أمّ المنذر رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ومعه عليّ ولنا دوال «٢» معلّقة.
قالت: فجعل رسول الله ﷺ يأكل، وعليّ معه يأكل. فقال ﷺ لعليّ: «مه يا عليّ، فإنّك ناقه «٣»» .
قالت: فجلس عليّ والنّبيّ ﷺ يأكل.
قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا.
فقال النّبيّ ﷺ لعليّ: «من هذا فأصب؛ فإنّ هذا أوفق لك» .
وعن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ أخذ كسرة من خبز، فوضع عليها تمرة وقال: «هذه إدام هذه» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ كان يعجبه الثّفل.
_________________
(١) العلالة: بقية الشيء.
(٢) وهي كالعناقيد من بسر النخل تعلّق، كلّما أرطبت.. أكل منها على التدريج.
(٣) أي: قريب برء من المرض.
[ ١٧١ ]
و(الثّفل): ما بقي من الطّعام في أسافل القدر والقصعة والصّحفة ونحوها.
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ الثّريد من الخبز، والثّريد من الحيس.
و(الحيس): التّمر مع السّمن والأقط، وقد يجعل عوض الأقط الدّقيق أو الفتيت، فيدلك الجميع حتّى يختلط.
وكان رسول الله ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف، ومن القدر «١» الدّبّاء، ومن التّمر العجوة. ودعا في العجوة بالبركة، وكان يقول: «إنّها من الجنّة وهي شفاء من السّمّ والسّحر» .
وكان أحبّ التّمر إلى رسول الله ﷺ العجوة.
وكان ﷺ يحبّ الزّبد والتّمر.
وكان ﷺ يحبّ من البقول الهندباء، والشّمر «٢»، والرّجلة «٣» .
وكان ﷺ يحبّ القثّاء.
وكان ﷺ يحبّ الجذب.
_________________
(١) أي: المطبوخ في القدر.
(٢) بقلة، منه نوع حلو يزرع ويؤكل ورقه وسوقه نيئا، ونوع اخر سكريّ يؤكل مطبوخا.
(٣) البقلة الحمقاء؛ التي تنبت على الطريق وفي مسيل الماء.
[ ١٧٢ ]
و(الجذب): الجمّار؛ وهو: شحم النّخل، واحدته: جذبه.
وكان رسول الله ﷺ يكره أكل الكليتين؛ لمكانهما من البول.
وكان لا يأكل من الشّاة سبعا: الذّكر، والأنثيين، والحيا- وهو الفرج- والدّم، والمثانة، والمرارة، والغدد. ويكره لغيره أكلها.
وكان ﷺ لا يأكل الجراد، ولا الكليتين.
وكان ﷺ يعاف الضّبّ، والطّحال، ولا يحرّمهما.
وكان ﷺ لا يأكل الثّوم ولا البصل، ولا الكرّاث؛ من أجل أنّ الملائكة تأتيه، وأنّه يكلّم جبريل.
وما ذمّ ﷺ طعاما قطّ؛ إن اشتهاه.. أكله، وإلّا..
تركه.
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يأتيني فيقول: «أعندك غداء»، فأقول: لا، فيقول: «إنّي صائم»، قالت: فأتاني يوما؛ فقلت: يا رسول الله؛ إنّه أهديت لنا هديّة، قال: «وما هي؟»، قلت: حيس. قال: «أما إنّي أصبحت صائما»، قالت: ثمّ أكل.
وكان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام.. سأل عنه:
«أهديّة أم صدقة؟»، فإن قيل صدقة.. قال لأصحابه: «كلوا»، ولم يأكل. وإن قيل هديّة.. ضرب بيده فأكل معهم.
[ ١٧٣ ]
وكان ﷺ لا يأكل من هديّة حتّى يأمر صاحبها أن يأكل منها؛ للشّاة الّتي أهديت له «١» .
وكان له ﷺ لقاح «٢» وغنم يتقوّت من ألبانها هو وأهله، وكان لا يحبّ أن تزيد على مئة، وإن زادت.. ذبح الزّائد.
وكان له [ﷺ] جيران لهم منائح، يرسلون له من ألبانها فيأكل منها ويشرب، وكان له ﷺ سبعة أعنز منائح ترعاهنّ أمّ أيمن حاضنته ﷺ.
وكان ﷺ يخرج كثيرا إلى بساتين أصحابه، فيأكل منها ويحتطب.
وكان ﷺ يجيب دعوة الحرّ والعبد، ويقبل الهديّة؛ ولو أنّها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافئ عليها ويأكلها؛ ولا يأكل الصّدقة.
وكان ﷺ إذا دعي لطعام وتبعه أحد.. أعلم به ربّ المنزل؛ فيقول: «إنّ هذا تبعنا، فإن شئت.. رجع» .
وكان رسول الله ﷺ لا يأكل واحده.
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ ما كثرت عليه الأيدي.
_________________
(١) أي: لأجل قصة الشاة المسمومة التي أهديت له يوم خيبر.
(٢) الناقة القريبة العهد بالولادة إلى ثلاثة أشهر.
[ ١٧٤ ]
وكان ﷺ يكرّر على أضيافه، ويعرض عليهم الأكل مرارا.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها وعن والديها: لم يمتلئ جوف النّبيّ ﷺ شبعا قطّ، وإنّه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهّاه، إن أطعموه.. أكل، وما أطعموه.. [قبله]، وما سقوه..
شرب.
وكان ﷺ ربّما قام فأخذ ما يأكل بنفسه، أو يشرب.
وعن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: قرأت في «التّوراة»: إنّ بركة الطّعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ وأخبرته بما قرأت في التّوراة، فقال رسول الله ﷺ: «بركة الطّعام الوضوء قبله والوضوء بعده» .
والمراد بالوضوء هنا المعنى اللّغويّ؛ وهو: غسل الكفّين.
[ ١٧٥ ]
الفصل الثّالث في ما كان يقوله ﷺ قبل الطعام وبعده
كان رسول الله ﷺ إذا وضعت المائدة.. قال:
«باسم الله، اللهمّ؛ اجعلها نعمة مشكورة تصل بها نعمة الجنّة» .
وكان ﷺ إذا قرّب إليه طعام.. يقول:
«باسم الله»، فإذا فرغ.. قال: «اللهم؛ أطعمت وسقيت، وأغنيت وأقنيت «١»، وهديت وأجتبيت، فلك الحمد على ما أعطيت» .
وكان ﷺ إذا رفعت مائدته.. قال: «الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، الحمد لله الّذي كفانا واوانا، غير مكفيّ ولا مكفور ولا مودّع ولا مستغنى عنه ربّنا» .
وكان [ﷺ] إذا فرغ من طعامه.. قال: «اللهمّ؛ لك الحمد، أطعمت وسقيت، وأشبعت وأرويت، فلك الحمد غير مكفور ولا مودّع ولا مستغنى عنك» .
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله
_________________
(١) أقنى: أرضى.
[ ١٧٦ ]
ﷺ إذا فرغ من طعامه.. قال: «الحمد لله الّذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» .
وكان رسول الله ﷺ إذا أكل أو شرب.. قال:
«الحمد لله الّذي أطعم وسقى، وسوّغه وجعل له مخرجا» .
وعن أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه قال: كنّا عند النّبيّ ﷺ يوما فقرّب طعام، فلم أر طعاما أعظم بركة منه أوّل ما أكلنا، ولا أقلّ بركة في اخره. فقلنا: يا رسول الله؛ كيف هذا؟
قال: «إنّا ذكرنا اسم الله تعالى حين أكلنا، ثمّ قعد من أكل؛ ولم يسمّ الله تعالى، فأكل معه الشّيطان» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يأكل الطّعام في ستّة من أصحابه، فجاء أعرابيّ فأكله بلقمتين، فقال رسول الله ﷺ: «لو سمّى.. لكفاكم» .
وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله تعالى على طعامه.. فليقل:
باسم الله أوّله واخره» .
وكان رسول الله ﷺ إذا أكل عند قوم.. لم يخرج حتّى يدعو لهم، فكان يقول: «اللهمّ؛ بارك لهم وارحمهم»، وكان يقول: «أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة» .
وكان ﷺ إذا أكل مع قوم.. كان اخرهم أكلا.
[ ١٧٧ ]
وروي عنه ﷺ أنّه قال: «إذا وضعت المائدة.. فلا يقوم الرّجل وإن شبع حتّى يفرغ [القوم]؛ فإنّ ذلك يخجل جليسه، وعسى أن يكون له في الطّعام حاجة» .
وعن عمر بن أبي سلمة- ربيب رسول الله ﷺ- أنّه دخل على رسول الله ﷺ وعنده طعام؛ فقال: «ادن يا بنيّ.، فسمّ الله تعالى، [وكل بيمينك]، وكل ممّا يليك» .
[وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت]: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام.. أكل ممّا يليه، وإذا أتي بالتّمر.. جالت يده [فيه] .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة.. فيحمده عليها، أو يشرب الشّربة.. فيحمده عليها» .
[ ١٧٨ ]
الفصل الرّابع في صفة فاكهته ﷺ
كان رسول الله ﷺ يأخذ الرّطب بيمينه، والبطّيخ بيساره؛ ويأكل الرّطب بالبطّيخ، وكان أحبّ الفاكهة إليه.
وكان ﷺ يأكل الرّطب، ويلقي النّوى على الطّبق.
وكان ﷺ يأكل البطّيخ بالرّطب، ويقول: «يكسر حرّ هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحرّ هذا» .
وكان ﷺ يأكل البطّيخ بالخبز وبالسّكر، وربّما أكله بالرّطب، ويستعين باليدين جميعا.
وأكل [ﷺ] يوما الرّطب في يمينه، وكان يحفظ النّوى في يساره، فمرّت شاة، فأشار إليها بالنّوى، فجعلت تأكل من كفّه اليسرى وهو يأكل بيمينه حتّى فرغ، وانصرفت الشّاة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الخربز والرّطب.
و(الخربز): البطّيخ الأصفر.
[ ١٧٩ ]
وكان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء بالرّطب.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أرادت أمّي معالجتي للسّمنة لتدخلني على رسول الله ﷺ؛ فما استقام لها ذلك حتّى أكلت الرّطب بالقثّاء، فسمنت عليه كأحسن سمنة. أخرجه ابن ماجه، ورواه النّسائيّ: بإبدال (التّمر) مكان (الرّطب) .
وكان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء بالرّطب وبالملح.
وكان أحبّ الفواكه الرّطبة إليه [ﷺ]: الرّطب والعنب.
وكان ﷺ يأكل العنب خرطا؛ يرى رؤاله على لحيته كخرز اللّؤلؤ.
ورؤاله: ماؤه الّذي يتقطّر منه.
وعن الرّبيّع بنت معوّذ ابن عفراء رضي الله تعالى عنها قالت: بعثني معاذ بقناع «١» من رطب، وعليه أجر من قثّاء زغب «٢» .
وكان ﷺ يحبّ القثّاء، فأتيته به وعنده حلية قد قدمت عليه من البحرين، فملأ يده منها، فأعطانيه.
_________________
(١) أي: بطبق يهدى عليه.
(٢) صغار الريش أول ما يطلع نبته، ووصف به القثاء تشبيها لما عليه بالرّيش الصغير.
[ ١٨٠ ]
قوله (أجر) -[جمع جرو]- وهو: الصّغير من كلّ شيء. وهنا:
الصّغير من القثّاء.
وكان رسول الله ﷺ إذا أتي بباكورة الثّمرة.. وضعها على عينيه، ثمّ على شفتيه، وقال: «اللهمّ؛ كما أريتنا أوّله.. فأرنا اخره»، ثمّ يعطيه من يكون عنده من الصّبيان.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان النّاس إذا رأوا أوّل الثّمر.. جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ.. قال: «اللهمّ؛ بارك لنا في ثمارنا، [وبارك لنا في مدينتنا]، وبارك لنا في صاعنا، وفي مدّنا. اللهمّ؛ إنّ إبراهيم عبدك، وخليلك، ونبيّك، وإنّي عبدك، ونبيّك، وإنّه دعاك لمكّة، وإنّي أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكّة ومثله معه» .
قال: ثمّ يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثّمر.
قال العلماء: وقد استجيبت دعوة الخليل لمكّة، والحبيب للمدينة، فصار يجبى إليهما من مشارق الأرض ومغاربها ثمرات كلّ شيء.
وكان ﵊ يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها.
فائدة:
قال القسطلّانيّ: وهذا من أكبر أسباب الصّحّة، فإنّ الله ﷾ بحكمته جعل في كلّ بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته،
[ ١٨١ ]
فيكون تناوله من أسباب صحّتهم وعافيتهم، ويغني عن كثير من الأدوية، وقلّ من احتمى عن فاكهة بلده خشية السّقم؛ إلّا وهو من أسقم النّاس جسما، وأبعدهم عن الصّحّة والقوّة.
فمن أكل منها ما ينبغي، في الوقت الّذي ينبغي، على الوجه الّذي ينبغي.. كان له دواء نافعا.
[ ١٨٢ ]
الفصل الخامس في صفة شرابه ﷺ وقدحه
عن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: كان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد.
وكان رسول الله ﷺ يشرب العسل الممزوج بالماء البارد.
وعن جابر: أنّه ﷺ دخل على رجل من الأنصار- ومعه صاحب له- فسلّم، فردّ الرّجل وهو يحوّل الماء في حائطه، فقال ﷺ: «إن كان عندك ماء بات في شنّة، وإلّا..
كراعنا»، فقال: عندي ماء بات في شنّ، فانطلق إلى العريش فسكب في قدح ماء، ثمّ حلب عليه من داجن [له]؛ فشرب ﵊.
و(الشّنّ): الجلد البالي.
و(الدّاجن): ما يألف البيوت من الشّياه ونحوها.
وكان رسول الله ﷺ إذا استنّ «١» .. أعطى السّواك
_________________
(١) من الاستنان، وهو: تنظيف الأسنان بدلكها بالسّواك.
[ ١٨٣ ]
الأكبر، وإذا شرب.. أعطى الّذي عن يمينه.
وكان ﷺ يمصّ الماء مصّا، ولا يعبّ عبّا. وكان [ﷺ] يدفع فضل سؤره إلى من على يمينه، فإن كان من على يساره أجلّ رتبة.. قال للّذي على يمينه: «السّنّة أن تعطى، فإن أحببت.. اثرتهم» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: دخلت مع رسول الله ﷺ أنا وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله ﷺ، وأنا على يمينه، وخالد عن شماله.
فقال لي: «الشّربة لك، فإن شئت اثرت بها خالدا» .
فقلت: ما كنت لأؤثر على سؤرك أحدا.
ثمّ قال رسول الله ﷺ: «من أطعمه الله طعاما..
فليقل: (اللهمّ؛ بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه)، ومن سقاه الله لبنا.. فليقل: (اللهمّ؛ بارك لنا فيه، وزدنا منه) .
ثمّ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس شيء يجزىء مكان الطّعام والشّراب غير اللّبن» .
وكان ﷺ يشرب قاعدا، وكان ذلك عادته. رواه مسلم.
وفي رواية له أيضا: أنّه [ﷺ] نهى عن الشّرب قائما.
[ ١٨٤ ]
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ ﷺ شرب من زمزم وهو قائم.
وكان ﷺ إذا أراد أن يتحف الرّجل بتحفة.. سقاه من ماء زمزم.
وكان ﷺ يحمل ماء زمزم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي «١» رضي الله تعالى عنهما قال:
رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما وقاعدا.
وعن النّزّال بن سبرة قال: أتي عليّ بكوز من ماء وهو في الرّحبة «٢»، فأخذ منه كفّا فغسل يديه، ومضمض، واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، ثمّ شرب وهو قائم، ثمّ قال: هذا وضوء من لم يحدث، هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل.
وعن كبشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ النّبيّ ﷺ، فشرب من في قربة معلّقة قائما، فقمت إلى فيها فقطعته- أي:
قطعت فم القربة للتّبرّك والاستشفاء.
ووقع مثل ذلك لأمّ سليم رضي الله تعالى عنها.
وكان رسول الله ﷺ لا ينفخ في طعام ولا شراب، ولا يتنفّس في الإناء.
_________________
(١) الجمهور على كتابته بالياء، وهو الفصيح عند أهل العربية، ويقع في كثير من كتب الحديث والفقه أو أكثرها بحذف الياء؛ وهي لغة.
(٢) المكان المتّسع؛ وهو هنا: رحبة الكوفة، وكان يجلس فيها للحكم أو للوعظ.
[ ١٨٥ ]
وكان ﷺ إذا شرب.. تنفّس ثلاثا، ويقول: «هو أهنأ، وأمرأ، وأبرأ» .
وكان ﷺ إذا شرب.. تنفّس مرّتين، وربّما كان يشرب بنفس واحد حتّى يفرغ.
وكان ﷺ يشرب في ثلاثة أنفاس، وإذا أدنى الإناء إلى فيه.. سمّى الله تعالى، وإذا أخّره.. حمد الله تعالى. (يفعل ذلك ثلاثا) .
وكان ﷺ لا يتنفّس في الإناء، بل ينحرف عنه.
وأتوه مرّة بإناء فيه عسل ولبن، فأبى أن يشربه، وقال: «شربتان في شربة، وإدامان في إناء واحد؟!»، ثمّ قال ﷺ: «لا أحرّمه، ولكنّي أكره الفخر والحساب بفضول الدّنيا [غدا]، وأحبّ التّواضع [لربّي ﷿]؛ فإنّ من تواضع لله.. رفعه [الله]» .
وكان يستعذب له ﷺ الماء من بيوت السّقيا.
وفي لفظ: يستسقى له الماء العذب من بئر السّقيا.
قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: ولم يكن رسول الله ﷺ يشرب على طعامه؛ لئلّا يفسده، ولا سيّما إن كان الماء حارّا، أو باردا، فإنّه رديء جدّا.
وكان رسول الله ﷺ إذا شرب الماء.. قال:
«الحمد لله الّذي سقانا عذبا فراتا برحمته، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا» .
[ ١٨٦ ]
وأمّا قدح رسول الله ﷺ:
فقد روي عن ثابت قال: أخرج إلينا أنس بن مالك قدح خشب غليظا مضبّبا بحديد، فقال: يا ثابت؛ هذا قدح رسول الله ﷺ، لقد سقيت رسول الله ﷺ بهذا القدح الشّراب كلّه: الماء والنّبيذ، والعسل واللّبن.
قال الباجوريّ: (قوله: (النّبيذ) - أي: المنبوذ فيه- وهو: ماء حلو يجعل فيه تمرات ليحلو.
وكان ينبذ له ﷺ أوّل اللّيل، ويشرب منه إذا أصبح يومه ذلك وليلته الّتي يجيء، والغد إلى العصر، فإن بقي منه شيء..
سقاه الخادم إن لم يخف منه إسكارا، وإلّا.. أمر بصبّه، وهو له نفع عظيم في زيادة القوّة) اهـ.
وعند البخاريّ: من حديث عاصم الأحول قال: رأيت قدح النّبيّ ﷺ عند أنس بن مالك- وكان قد انصدع- فسلسله بفضّة؛ قال: وهو قدح جيّد عريض من نضار.
قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا.
[قال]: وقال ابن سيرين: إنّه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضّة.. فقال أبو طلحة: لا تغيّرنّ شيئا صنعه رسول الله ﷺ، فتركه.
ومعنى (النّضار): الخالص من العود، ومن كلّ شيء، ويقال:
[ ١٨٧ ]
أصل ذلك القدح من شجر النّبع، وقيل: من الأثل. ولونه يميل إلى الصّفرة.
وكان لرسول الله ﷺ قدح قوارير يشرب فيه.
وكان ﷺ يعجبه أن يتوضّأ من مخضب من صفر.
و(المخضب): إناء.
و(الصّفر): النّحاس الأصفر.
وكان له ﷺ قدح من عيدان «١» تحت سريره يبول فيه باللّيل.
وكان لرسول الله ﷺ مطهرة من فخّار يتوضّأ ويشرب منها، وكان النّاس يرسلون أولادهم الصّغار الّذين عقلوا فيدخلون عليه ﷺ فلا يدفعون، فإذا وجدوا في المطهرة ماء شربوا منه، ومسحوا على وجوههم، وأجسامهم، يبتغون بذلك البركة.
وكان ﷺ إذا صلّى الغداة.. [جاءه] خدم أهل المدينة بانيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء.. إلّا غمس يده فيه.
وكان ﷺ يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه، يرجو بركة أيدي المسلمين.
_________________
(١) وهي: الطوال من النخل، والواحدة: عيدانة.
[ ١٨٨ ]
الفصل السّادس في صفة نومه ﷺ
قال في «المواهب»: (كان ﵊ ينام أوّل اللّيل، ويستيقظ في أوّل النّصف الثاني، فيقوم فيستاك، فيتوضّأ، ولم يكن يأخذ من النّوم فوق القدر المحتاج إليه منه، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج منه، وكان ينام على جنبه الأيمن؛ ذاكرا الله تعالى حتّى تغلبه عيناه، غير ممتلئ البطن من الطّعام والشّراب.
قال: وكان ﵊ ينام على الفراش تارة، وعلى النّطع تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة.
وكان فراشه [ﷺ] أدما؛ حشوه ليف، وكان له مسح «١» ينام عليه) اهـ
وكان ﷺ ينام أوّل اللّيل ويحيي اخره.
وكان ﷺ لا ينام حتّى يستنّ.
_________________
(١) المسح: فراش خشن غليظ.
[ ١٨٩ ]
وكان ﷺ لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ.. إلّا تسوّك.
وكان ﷺ لا ينام.. إلّا والسّواك عند رأسه، فإذا استيقظ.. بدأ بالسّواك.
وكان ﷺ يستاك في اللّيل مرارا.
وكان ﷺ إذا أراد أن يرقد.. وضع يده اليمنى تحت خدّه، ثمّ يقول: «اللهمّ؛ قني عذابك يوم تبعث عبادك» (ثلاث مرّات) .
وكان ﷺ إذا أخذ مضجعه من اللّيل.. وضع يده تحت خدّه، ثمّ يقول: «باسمك اللهمّ أحيا، وباسمك أموت» .
وإذا استيقظ.. قال: «الحمد لله الّذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور» .
وكان ﷺ إذا أخذ مضجعه من اللّيل.. قال:
«باسم الله وضعت جنبي، اللهمّ؛ اغفرلي ذنبي، وأخسئ شيطاني، وفكّ رهاني، وثقّل ميزاني، واجعلني في النّديّ «١» الأعلى» .
وكان ﷺ إذا أخذ مضجعه.. قرأ (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) حتى يختمها.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه
_________________
(١) النديّ: هم القوم المجتمعون في مجلس.
[ ١٩٠ ]
وسلّم إذا أوى إلى فراشه كلّ ليلة.. جمع كفّيه فنفث «١» فيهما وقرأ فيهما (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، و: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، ثمّ مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده؛ يصنع ذلك ثلاث مرّات.
وكان [ﷺ] لا ينام حتّى يقرأ: (بني إسرائيل) «٢» و: (الزّمر) .
وكان ﷺ لا ينام حتّى يقرأ: (ألم تنزيل) السّجدة، و: (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) .
وكان ﷺ يأمر نساءه إذا أرادت إحداهنّ أن تنام.. أن تحمد ثلاثا وثلاثين، وتسبّح ثلاثا وثلاثين، وتسبّح ثلاثا وثلاثين، وتكبّر ثلاثا وثلاثين.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه.. قال: «الحمد لله الّذي أطعمنا وسقانا وكفانا واوانا، فكم ممّن لا كافي له ولا مؤوي له» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا تضوّر من اللّيل.. قال: «لا إله إلّا الله الواحد القهّار، ربّ السّماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفّار» .
ومعنى (تضوّر): تلوّى وتقلّب في فراشه.
_________________
(١) نفخ نفخا لطيفا بلا ريق.
(٢) ويقال لها: سورة الإسراء.
[ ١٩١ ]
وكان رسول الله ﷺ إذا تعارّ من اللّيل.. قال: «ربّ اغفر وارحم، واهد للسّبيل الأقوم» .
ومعنى (تعارّ): هبّ من نومه واستيقظ.
وعن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا عرّس بليل.. اضطجع على شقّه الأيمن، وإذا عرّس قبيل الصّبح.. نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفّه.
ومعنى (التّعريس): نزول القوم في السّفر اخر اللّيل.
وكان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب..
توضّأ وضوءه للصّلاة، وإذا أراد أن يأكل أو يشرب وهو جنب.. غسل يديه ثمّ يأكل ويشرب.
وكان ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب.. غسل فرجه وتوضّأ.
وكان ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه.
ولذلك كان ﷺ ينام حتّى ينفخ «١»، ثمّ يقوم فيصلّي.
_________________
(١) وهو: إرسال الهواء من الفم بقوة؛ والمراد هنا: ما يخرج من النائم حين استغراقه في نومه.
[ ١٩٢ ]
الباب الخامس في صفة خلق رسول الله ﷺ
وحلمه، وعشرته مع نسائه، وأمانته، وصدقه، وحيائه، ومزاحه، وتواضعه، وجلوسه، وكرمه، وشجاعته وفيه ستّة فصول
[ ١٩٣ ]