وفيه فصلان:
الفصل الأول: آراؤه في الصحابة، والإمامة.
الفصل الثاني: آراؤه في مسائل الأسماء والأحكام.
[ ٦١٥ ]
الفصل الأول آراؤه في الصحابة والإمامة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: آراؤه في الصحابة.
المبحث الثاني: آراؤه في الإمامة.
[ ٦١٧ ]
المبحث الأول آراؤه في الصحابة
عرض ابن حجر - ﵀ - لجملة من المسائل المتعلقة بالصحابة، وهي: تعريف الصحابة، وبيان فضلهم، والمفاضلة بينهم، والمفاضلة بينهم وبين من بعدهم، وبحث عدالتهم، ووجوب الإمساك عما شجر بينهم، وحكم سبهم.
وفيما يلي عرض آرائه في هذه المسائل وتقويمها.
أولًا: تعريف الصحابة:
عرّف ابن حجر - ﵀ - الصحابة في مواطن كثيرة من كتبه أجمل في بعضها، وأسهب في أخرى بالنقل عن غيره (^١).
وأجمعها قوله: "الصحب: اسم جمع لصاحب، وهو من اجتمع بالنبي - ﷺ - ولو لحظة وإن لم يره ولم يرو عنه، مؤمنًا، ومات على الإيمان" (^٢).
التّقويم:
الصّحابة: جمع صحابي.
وهو في اللغة: مشتقّ من الصّحبة، والصّحبة مصدر صحب فهو صاحب (^٣).
_________________
(١) انظر: المنهاج القويم (ص ١٠)، فتح الجواد (١/ ١٠)، المنح المكية (٣/ ١١٧٥)، التعرف (ص ٧٣)، البدائع الجليلة (ل ١٢)، الإيعاب (١/ ٣١ - ٣٣).
(٢) المنهاج القويم (ص ١٠).
(٣) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٩٧٨)، الصحاح (١/ ١٦١)، لسان العرب (١/ ٥١٩)، القاموس المحيط (ص ١٣٤).
[ ٦١٨ ]
يقول ابن فارس: "الصّاد والحاء والباء أصل واحد يدلّ على مقارنة الشّيء ومقاربته، ومن ذلك الصّاحب، والجمع صحب " (^١).
وأما في الاصطلاح:
فقد اختلف أهل العلم فيمن يصدق عليه اسم الصحابي، وتعددت تعريفاتهم له (^٢).
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -: "أصحّ ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به، ومات على الإسلام.
فيدخل فيمن لقيه: من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يَرْوِ، ومن غزا معه أو لم يَغْزُ، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى.
ويخرج بقيد "الإيمان": من لقيه كافرًا أو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتح به مرة أخرى.
وقولنا "به": يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث أو لا يدخل؟ محل احتمال
ويدخل في قولنا "مؤمنًا به": كل مكلف من الجن والإنس وهل تدخل الملائكة؟ محل نظر؛ وقد قال بعضهم: إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثًا إليهم أم لا؟ وفي صحة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى.
وخرج بقولنا "ومات على الإسلام": من لقيه مؤمنًا به ثم ارتدّ ومات على ردته والعياذ بالله
ويدخل به من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به - ﷺ - مرة أخرى أم لا
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (ص ٥٨٧).
(٢) انظر: سياق أقوالهم وأدلتهم في تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة للعلائي (ص ٣٠ - ٥٠).
[ ٦١٩ ]
وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري (^١) وشيخه أحمد بن حنبل (^٢) ومن تبعهما، ووراء ذلك أقوال أخرى شاذة " (^٣).
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر - ﵀ - موافق لقول المحققين من أهل العلم.
ثانيًا: فضل الصحابة:
قرر ابن حجر - ﵀ - فضل الصحابة، ودلالة النصوص على ذلك فقال: "اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم، فقد أثنى الله - ﷾ - عليهم في آيات من كتابه.
منها: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فأثبت الله لهم الخيرية على سائر الأمم، ولا شيء يُعادل شهادة الله لهم بذلك
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والصحابة في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان رسول الله - ﷺ - حقيقة
ومنها: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨]، فآمنهم الله من خزيه، ولا يأمن من خزيه في ذلك اليوم إلا الذين ماتوا والله سبحانه ورسوله عنهم راضيان، فأمْنُهم من الخزي صريح في موتهم على كمال الإيمان وحقائق الإحسان، وفي أن الله لم يزل راضيًا عنهم، وكذلك رسول الله - ﷺ -.
ومنها: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٧/ ٣ - ٥).
(٢) انظر: شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٥٩ - ١٦٠).
(٣) الإصابة (١/ ١٥٨ - ١٥٩)، وانظر: منهاج السنة (٤/ ٢٤٣)، اختصار علوم الحديث لابن كثير (٢/ ٤٩١)، والمقنع في علوم الحديث لابن الملقن (٢/ ٤٩١).
[ ٦٢٠ ]
الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، فصرح تعالى برضاه عن أولئك، وهم ألف ونحو أربعمائة، ومن ﵁ لا يمكن موته على الكفر
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ٨ - ١٠] فتأمل ما وصفهم الله به من هذه الآيات، تعلم به ضلال من طعن فيهم
ومنها: قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩] فانظر إلى عظيم ما اشتملت عليه هذه الآية " (^١).
"وتأمل أعظم فضائلهم ومناقبهم التي نوه بها - ﷺ - حيث جعل محبتهم محبة له، وبغضهم بغضًا له، وناهيك بذلك جلالة لهم وشرفًا، فحبهم عنوان محبته، وبغضهم عنوان بغضه
وإنما يعرف فضائل الصحابة من تدبر سيرهم معه - ﷺ - وآثارهم الحميدة في الإسلام في حياته وبعد مماته، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأكمله وأفضله، فقد جاهدوا في الله حق جهاده حتى نشروا الدين
_________________
(١) الصواعق (٢/ ٦٠٣ - ٦٠٦).
[ ٦٢١ ]
وأظهروا شرائع الإسلام، ولولا ذلك منهم لما وصل إلينا قرآن ولا سنة ولا أصل ولا فرع " (^١).
ولم يكتف ابن حجر - ﵀ - بتقرير فضل الصحابة عمومًا، بل ساق النصوص الواردة في فضائل بعضهم على وجه الخصوص كأبي بكر (^٢)، وعمر (^٣)، وعثمان (^٤)، وعلي (^٥)، ومعاوية (^٦)، وأزواجه - ﷺ - (^٧)، وابنته فاطمة (^٨) وولديها الحسن (^٩) والحسين (^١٠) وآل بيته - ﷺ - (^١١).
التقويم:
"أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله - ﷺ - في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله - ﷺ - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم" (^١٢).
والقول بمقتضى ذلك من معاقد العقائد التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة (^١٣)، وصنفوا فيها المصنفات، وأفردوا في تقريرها المؤلفات (^١٤).
_________________
(١) الزواجر (٢/ ٢٣١ - ٢٣٢)، وانظر: تطهير الجنان (ص ٣٠)، الصواعق (١/ ٢١) (٩/ ٦١٢)، المنح المكية (٣/ ١١٩٣) (٣/ ١٢٥١).
(٢) انظر: الصواعق (١/ ١٨٩) وما بعدها، المنح المكية (٣/ ١٢٠١).
(٣) انظر: الصواعق (١/ ٢٧١) وما بعدها.
(٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٣١٥) وما بعدها.
(٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٥٣) وما بعدها.
(٦) انظر: المصدر السابق (٢/ ٦٣٥)، تطهير الجنان (ص ٤٤) وما بعدها.
(٧) انظر: الصواعق (٢/ ٤١٧، ٤٥٨ - ٤٦٠)، المنح المكية (٣/ ١١٥٢، ١١٥٩، ١١٦٠).
(٨) انظر: الصواعق (٢/ ٥٥٧) وما بعدها.
(٩) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤٠٣) وما بعدها.
(١٠) انظر: المصدر السابق (٢/ ٥٥٧) وما بعدها.
(١١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤١٦) وما بعدها.
(١٢) نقله البيهقي عن الإمام الشافعي - ﵀ - في مناقبه له (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣).
(١٣) انظر: العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢/ ٦٨٩)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١/ ٧ - ٨)، جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٣٦)، شرح السنة للبربهاري (ص ٦٨ - ٦٩)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٨٩)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٢ - ١٥٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
(١٤) انظر: معجم ما ألف عن الصحابة وأمهات المؤمنين وآل البيت لمحمد بن إبراهيم الشيباني.
[ ٦٢٢ ]
يقول الإمام المبجل أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى -: "من السنة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله - ﷺ - أجمعين، والكف عن ذكر ما شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله - ﷺ - أو أحدًا منهم أو انتقصه أو طعن عليه أو عرّض بعيبهم أو عاب أحدًا منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة" (^١).
وبما سبق يعلم موافقة ابن حجر - ﵀ - لِمَا عليه أهل السنة والجماعة من الإقرار بفضل الصحابة - ﵃ - ومحبتهم، والترضي عنهم.
ثالثًا: المفاضلة بين الصحابة:
بيّن ابن حجر - ﵀ - أن الصحابة - ﵃ - متفاوتون في الفضل، وذكر أقوال أهل العلم في المفاضلة بينهم، ورجّح ما يراه منها، فقال:
"اعلم أن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم اختلفوا:
فالأكثرون - ومنهم الشافعي وأحمد وهو المشهور عن مالك - أن الأفضل بعدهما عثمان ثم علي - ﵃ -.
وجزم الكوفيون - ومنهم سفيان الثوري - بتفضيل علي على عثمان.
وقيل: بالوقف عن التفاضل بينهما، وهو رواية عن مالك وتوقفه هذا رجع عنه، فقد حكى القاضي عياض عنه أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان " (^٢).
"والأصح عثمان ثم علي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وقيل: أهل أحد" (^٣).
_________________
(١) طبقات الحنابلة (١/ ٣٠).
(٢) الصواعق (١/ ١٦٩)، وانظر: الفتا وى الحديثية (ص ٣٥٥).
(٣) المنح المكية (٣/ ١١٩١)، وانظر: الزواجر (٢/ ٢٣٢)، أشرف الوسائل (ص ٤٨٨)، التعرف (ص ١٢٤).
[ ٦٢٣ ]
"ثم الصحابة أصناف: مهاجرون، وأنصار، وحلفاء وهم من أسلم يوم الفتح أو بعده.
فأفضلهم إجمالًا: المهاجرون، فمن بعدهم على الترتيب المذكور.
وأما تفصيلًا: فسُبَّاق الأنصار أفضل من جماعة من متأخري المهاجرين، وسُبَّاق المهاجرين أفضل من سُبَّاق الأنصار، ثم هم بعد ذلك يتفاوتون، فرب متأخر إسلامًا كعمر أفضل من متقدّم كبلال" (^١).
التقويم:
اختلف الناس في الكلام في المفاضلة بين الصحابة - ﵃ -:
فمنهم من أمسك عن الخوض فيها.
ومنهم من تكلم بمقتضى النصوص.
والذي عليه إجماع أهل السنة والجماعة قاطبة القول بأفضلية أبي بكر ثم عمر - ﵄ - (^٢) واختلفوا بعدهما في عثمان وعلي - ﵄ -.
يقول الإمام الشافعي - ﵀ -: "ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان" (^٣).
قال البيهقي - ﵀ - بعد ذكره قول الشافعي هذا بسنده: "وروينا عن جماعة من التابعين وأتباعهم نحو هذا" (^٤).
وقال يحيى بن سعيد القطان (^٥) - ﵀ -: "من أدركت من أصحاب النبي
_________________
(١) الصواعق (٢/ ٦١٧).
(٢) انظر: السنة لابن أبي عاصم (ص/٥٦٨)، السنة لعبد الله بن أحمد (٢/ ٥٧٤)، السنة للخلال (٢/ ٤٠٤)، شرح أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٦)، الاعتقاد للبيهقي (ص ٥٢٢)، شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٤٨)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣) (٤/ ٤٢١)، منهاج السنة (٨/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
(٣) الاعتقاد للبيهقي (ص ٥٢٢).
(٤) المصدر السابق (ص ٥٢٢).
(٥) هو يحيى بن سعيد بن فروخ القطان، إمام في الحديث والسنة، توفي سنة ١٩٧ هـ. انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ١٣٥)، سير أعلام النبلاء (٩/ ١٧٥).
[ ٦٢٤ ]
والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما، إنما كان الاختلاف في علي وعثمان" (^١).
وجملة أقوال السلف - ﵏ - في المفاضلة بين عثمان وعلي ثلاثة:
الأول: تفضيل عثمان على علي، وهو قول جمهورهم (^٢).
افماني: تفضيل علي على عثمان، وهو قول أكثر أهل الكوفة (^٣).
ونسبة ابن حجر - ﵀ - القول بذلك إلى سفيان الثوري - ﵀ - متعقبة بكونه رجع عنه إلى قول الجمهور (^٤).
الثالث: التوقف عن المفاضلة بينهما، وهو قول بعض أهل المدينة، ورواية عن الإمام مالك - ﵀ - (^٥).
وما ذكره ابن حجر - ﵀ - من رجوع الإمام مالك عنها إلى قول الجمهور هو المعتمد عند المحققين من أصحابه (^٦) وغيرهم (^٧).
وقد استقر إجماع أهل السنة والجماعة بَعْدُ على تقديم عثمان على علي.
يقول الحافظ ابن عبد البر - ﵀ - بعد ذكره الأقوال السابقة: "وأهل السنة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي بكر في الفضل على عمر،
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٧/ ١٣٦٧).
(٢) انظر: الاستيعاب (٣/ ٢١٤)، معالم السنن (٣/ ٣٠٤)، منهاج السنة (٢/ ٧٣، ٨٢ - ٨٥) (٨/ ٨٥)، فتح الباري (٧/ ١٦).
(٣) انظر: معالم السنن (٤/ ٣٠٣)، منهاج السنة (٨/ ٢٢٤)، مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٦)، فتح الباري (٧/ ١٦).
(٤) انظر: معالم السنن (٤/ ٣٠٣)، مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٦)، منهاج السنة (٢/ ٧٣)، فتح الباري (٧/ ١٦).
(٥) انظر: المدونة (٦/ ٤٥١)، جامع بيان العلم لابن عبد البر (٢/ ١٨٦)، الانتقاء له (ص ٣٥ - ٣٦)، فتح الباري (٧/ ١٦).
(٦) انظر: الجامع في المقدمات لابن رشد (ص ١٧٤)، البيان والتحصيل له أيضًا (١٨/ ٤٥٨ - ٤٥٩).
(٧) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٥٦).
[ ٦٢٥ ]
وتقديم عمر على عثمان، وتقديم عثمان على علي - ﵃ -" (^١).
ويقول الحافظ ابن الصلاح - ﵀ -: "تقديم عثمان هو الذي استقرت عليه مذاهب أصحاب الحديث والسنة" (^٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان على علي" (^٣).
ويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -: "الإجماع انعقد بأخرة بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة" (^٤).
وأفضل الصحابة بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد - ﵃ أجمعين -.
ثم أهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر.
ثم أهل بيعة الرضوان، على الصحيح.
ثم أهل أحد.
ثم بقية المهاجرين ثم بقية الأنصار (^٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة: "ومن أصول أهل السنة والجماعة [أنهم] يقبلون ما جاء به الكتاب أو السنة أو الإجماع من فضائلهم ومراتبهم.
فيفضلون من أنفق من قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل.
ويقدمون المهاجرين على الأنصار.
_________________
(١) الاستيعاب (٣/ ٢١٤).
(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٤٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣).
(٤) فتح الباري (٧/ ٣٤)، وانظر: (٧/ ٥٨).
(٥) انظر: شرح السنة للبربهاري (ص ٦٨)، مقدمة ابن الصلاح (ص ١٤٩)، الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي (ص ١٩٨ - ٢٠٣)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٢ - ١٥٣)، اختصار علوم الحديث لابن كثير (١/ ٥٠١)، فتح الباري (٧/ ٥٨)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٥٧)، معارج القبول (٣/ ١١٢٦).
[ ٦٢٦ ]
ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي - ﷺ -، بل قد رضي عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له النبي - ﷺ - كالعشرة " (^١).
وبما سبق يتضح موافقة ابن حجر - ﵀ - لأهل السنة والجماعة في القول بالمفاضلة بين الصحابة وتحقيقها.
رابعًا: المفاضلة بين الصحابة وبين من بعدهم:
قرر ابن حجر - ﵀ - تفضيل الصحابة - ﵃ - على كل من جاء بعدهم جماعات وأفرادًا، ورد على من قال بخلاف ذلك، فقال: "اعلم أنه وقع خلاف في التفضيل بين الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الأمة" (^٢).
"وأشار بعضهم إلى أن محل الخلاف في صحابي لم يحصل له إلا مجرد الرؤية، وأما من زاد على ذلك بنحو رواية أو غزو فلا نزاع فيه" (^٣).
"فذهب أبو عمر بن عبد البر (^٤) إلى أنه يوجد فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة
والجواب عنه
أن المفضول قد يكون فيه مزية لا توجد في الفاضل.
وأيضًا مجرد زيادة الأجر لا تستلزم الأفضلية المطلقة.
وأيضًا الخيرية بينهما إنما هي باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه، وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين، فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من يأتي على بعض الصحابة في ذلك، وأما ما اختص به الصحابة - رضوان الله عليهم - وفازوا به من مشاهدة طلعته - ﷺ - ورؤية ذاته المشرفة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٢) الصواعق (٢/ ٦١١).
(٣) المنح المكية (٢/ ٦٩٢).
(٤) انظر: الاستذكار (١/ ٢٣٦ - ٢٤٠).
[ ٦٢٧ ]
المكرمة فأمر من وراء العقل؛ إذ لا يسع أحدًا أن يأتي من الأعمال وإن جَلَّت بما يُقارب ذلك فضلًا عن أن يماثله.
ومن ثم سئل عبد الله بن المبارك، وناهيك به جلالة، وعلمًا، أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟
فقال: الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله - ﷺ - خير من عمر بن عبد العزيز كذا وكذا مرة.
أشار بذلك إلى أن فضيلة صحبته - ﷺ - ورؤيته لا يعدلها شيء
فالصواب ما قاله جمهور العلماء سلفًا وخلفًا أن من بعدهم لو عمل ما عساه أن يعمل لا يمكنه أن يُحَصِّل ما يقرب من هذه الخصوصية فضلًا أن يساويها، هذا فيمن لم يفز إلا بذلك، فما بالك بمن ضم إليها أنه قاتل معه - ﷺ - أو في زمنه بأمره، أو نقل شيئًا من الشريعة إلى من بعده، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه، فهذا مما لا خلاف في أن أحدًا من الجائين بعده لا يدركه، وثم قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] " (^١).
التقويم:
اتفق أهل العلم على أفضلية من صحب النبي - ﷺ - فأقام معه، أو روى عنه، أو قاتل بين يديه، أو أنفق من ماله بسببه على من بعده (^٢).
واختلفوا فيمن ثبتت له الصحبة وليس له إلا مجرد رؤيته - ﷺ - هل يفضل كل من بعده أو يمكن أن يكون فيهم من هو أفضل منه، على قولين:
الأول: مذهب الجمهور وهو أن الصحابة أفضل ممن جاء بعدهم جماعات وأفرادًا مطلقًا (^٣).
_________________
(١) الصواعق (٢/ ٦١١ - ٦١٤).
(٢) انظر: فتح الباري (٧/ ٦، ٧).
(٣) انظر: شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٦٠)، شرح صحيح مسلم (٢/ ١٤١) (١٦/ ٩٣)، منهاج السنة (٤/ ٦٠٠)، مجموع الفتاوى (٤/ ٥٢٧)، تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة للعلائي (ص ٧٤)، فتح الباري (٧/ ٦ - ٧)، فيض القدير (٤/ ٢٨٠) (٥/ ٥١٧).
[ ٦٢٨ ]
والثاني: مذهب ابن عبد البر (^١) والقرطبي (^٢) - رحمهما الله - وهو أن الصحابة أفضل ممن جاء بعدهم جماعات لا أفرادًا، وأنه يمكن أن يكون فيمن بعدهم من يفوق أحدهم.
والحق ما عليه الجمهور لتواتر الأدلة الدالة على تفضيل الصحابة على من بعدهم وإطلاقها بما يفيد عمومها في أفرادهم.
والأحاديث التي استدل بها ابن عبد البر والقرطبي - رحمهما الله - على مذهبهما لا تخرج عن ثلاثة أحوال: إما أنها ضعيفة فلا يحتج بها، أو حسنة، أو صحيحة بمجموع طرقها فهي دون الأحاديث المطلقة في الصحة.
وجملة الأجوبة عنها ثلاثة أيضًا:
أحدها: أنها لا تستلزم المساواة فإنه قد يكون في المفضول مزية لا تكون في الفاضل.
وثانيها: أن ما تدل عليه من المساواة إنما هو باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين فهذا الذي يقع فيه التساوي، أما ما اختص به الصحابة من المشاهدة والسابقة فإنه لا يسع أحدًا أن يأتي بما يقاربه فضلًا عن أن يماثله.
وثالثها: أن ما تدل عليه من المساواة المقصود به ما يظهر للرائي دون ما هو حقيقة في نفس الأمر (^٣).
وبكل حال فما قرره ابن حجر - ﵀ - في هذه المسألة مستفاد من كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - ولعله المشار إليه في قوله المتقدم "أشار بعضهم ".
يقول الحافظ - ﵀ -: "الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر.
_________________
(١) انظر: الاستذكار (١/ ٢٣٦ - ٢٤٠).
(٢) انظر: تفسيره (٤/ ١٧١ - ١٧٣).
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٢/ ١٤١)، منهاج السنة (٤/ ٦٠٠)، مجموع الفتاوى (٤/ ٥٢٧)، تحقيق منيف الرتبة (ص ٧٤)، فتح الباري (٧/ ٧)، فيض القدير (٤/ ٢٨٠) (٥/ ٥١٧).
[ ٦٢٩ ]
والذي يظهر أن من قاتل مع النبي - ﷺ - أو في زمانه بأمره أو أنفق من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث
والأحاديث المذكورة لا تدلّ على أفضلية غير الصحابة على الصحابة؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل فأما ما فاز به من شاهد النبي - ﷺ - من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد " (^١).
خامسًا: عدالة الصحابة:
قرر ابن حجر - ﵀ - عدالة جميع الصحابة، وحكى إجماع أهل العلم عليها، ورد على من قصرها على من لازم النبي - ﷺ - ونصره منهم.
يقول في ذلك: "اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم، والكف عن الطعن فيهم، والثناء عليهم، فقد أثنى الله - ﷾ - عليهم في آيات من كتابه"، والنبي - ﷺ - في "الأحاديث الكثيرة الشهيرة [بما] يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه؛ لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام ببذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين القطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم، هذا مذهب كافة العلماء ومن يُعتمد قوله، ولم يخالف فيه إلا شذوذ من المبتدعة الذين ضلوا وأضلوا، فلا يُلتفت إليهم، ولا يعول عليهم
وزَعْمُ المازري (^٢) اختصاص الحكم بالعدالة بمن لازمه ونصره دون
_________________
(١) فتح الباري (٧/ ٦ - ٧).
(٢) هو محمد بن علي بن عمر التميمي أبو عبد الله المازري، أشعري المعتقد، مالكي المذهب، من مؤلفاته: المعلم بفوائد مسلم، شرح التلقين، إيضاح المحصول من برهان الأصول وغيرها. توفي سنة ٥٤٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤)، شذرات الذهب (٤/ ١١٤).
[ ٦٣٠ ]
من اجتمع به يومًا أو لغرض غير موافق عليه بل اعترضه جماعة من الفضلاء.
قال شيخ الإسلام العلائي (^١): "هو قول غريب يخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة، كوائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص وغيرهم ممن وفد عليه - ﷺ -، ولم يقم عنده إلا قليلًا وانصرف، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور، وهو المعتبر". انتهى" (^٢).
التقويم:
العدالة في اللغة: مصدر عَدُل، يقال: عَدُل يعدِلُ عدولة وعدالة (^٣).
يقول ابن فارس: "العين والدال واللام أصلان صحيحان، لكنهما متقابلان كالمتضادين: أحدهما يدل على استواء، والآخر يدل على اعوجاج.
فالأول: العدل من الناس: المرضي المستوي الطريقة، يقال: هذا عَدْلٌ، وهما عَدْلٌ وتقول: هما عَدْلان أيضًا، وهم عدول
والآخر: يقال في الاعوجاج، عَدَل، وانعدَل: أي: انعرج" (^٤).
وأما في الاصطلاح: فقد اختلف أهل العلم في تعريفها اختلافًا
_________________
(١) هو خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي المعروف بصلاح الدين العلائي، شافعي متفنن، من مؤلفاته: تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، جزء في تفسير الباقيات الصالحات، جامع التحصيل لأحكام المراسيل وغيرها. توفي سنة ٧٦١ هـ. انظر: الدرر الكامنة (٢/ ٩١)، شذرات الذهب (٦/ ١٩٠).
(٢) الصواعق (٢/ ٦٠٣ - ٦٠٨)، وانظر: تطهير الجنان (ص ١٦٦)، المنح المكية (٣/ ١١٧٩)، الإعلام بقواطع دين الإسلام (ص ٣٠٠)، التعرف (ص ٧٣، ١٢٦)، الإيعاب (١/ ٣٤).
(٣) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٣٥٨)، الصحاح (٥/ ١٧٦٥)، لسان العرب (١١/ ٤٣٠)، القاموس (ص ١٣٣١).
(٤) معجم مقاييس اللغة (ص ٧٤٥).
[ ٦٣١ ]
كثيرًا (^١)، وأجمع ما رأيته من أقوالهم فيها قول الحافظ السيوطي ﵀ فإنه عرفها بقوله: "هي ملكة - أي: هيئة راسخة في النفس - تمنع من اقتراف كبيرة، أو صغيرة دالة على الخسة، أو مباح يخل بالمروءة".
ثم أعقب ذلك بقوله: "وهذه أحسن عبارة في حدها" (^٢).
والصحابة - ﵃ - قوم اختارهم الله لصحبة نبيه - ﷺ - ونصرته، وتبليغ شرعه وإعلاء كلمته، وكلهم - ﵃ - عدول، قد تحققت فيهم صفة العدالة، وظهر فيهم معناها على ما مرّ ذكره في تعريفها.
يقول الحافظ العلائي - ﵃ -: "الذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة - ﵃ - وهي الأصل المستصحب فيهم إلى أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لِمَا يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحًا عن أحد منهم - بحمد الله - فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف من بعدهم" (^٣).
والأدلة على ذلك متظافرة:
"أحدها: ثناء الله عليهم، ومدحه إياهم، ووصفه لهم بكل جميل
الثاني: ثناء النبي - ﷺ - وإخباره بما منحهم الله تعالى من كونهنم خير القرون من أمته وأفضلها، وأن أحدًا ممن يأتي بعدهم لا يبلغ أدنى جزء من شأنهم ولو أنفق ملء الأرض ذهبًا في سبيل الله
الثالث: الإجماع على ذلك ممن يعتد به فإنه لم يخالف في عدالة الصحابة من حيث الجملة أحد من أهل السنة" (^٤).
وما ذكره الحافظ العلائي - ﵀ - من ثبوت الإجماع منقول عن جماعة من أهل العلم، منهم: الخطيب البغدادي (^٥)، وابن عبد البر (^٦)،
_________________
(١) انظر: الكفاية في علوم الحديث للخطيب (ص ١٠٢).
(٢) الأشباه والنظائر (ص ٤١٣).
(٣) تحقيق منيف الرتبة (ص ٦٠).
(٤) تحقيق منيف الرتبة (ص ٦٢ - ٧٨).
(٥) انظر: الكفاية في علم الرواية (ص ٦٧).
(٦) انظر: الاستيعاب (١/ ١٢٩).
[ ٦٣٢ ]
وابن الصلاح (^١)، والنووي (^٢)، وابن كثير (^٣)، والعراقي (^٤) (^٥)، وابن حجر العسقلاني (^٦)، والسخاوي (^٧)، والألوسي (^٨).
والعدالة الثابتة للصحابة - ﵃ - تعمّ جميعهم ممن لازم النبي - ﷺ - ونصره ومن ليس له إلا مجرد رؤيته - ﷺ -، لعموم الأدلة الدالة على عدالتهم، وثبوت معنى الصحبة لجميعهم؛ ولِمَا يلزم القول بقصرها على من لازم النبي - ﷺ - من إخراج جملة ممن اشتهرت صحبته.
وما ذكره ابن حجر - ﵀ - عن المازري وما تعقبه به ونقله عن الحافظ العلائي في الرد عليه مستفاد من كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحم الله الجميع - (^٩).
وبكل حال فما قرره ابن حجر في هذه المسألة موافق لِمَا قرره أهل السنة والجماعة وأجمعوا عليه من إثبات العدالة لجميع الصحابة - ﵃ -.
سادسًا: وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة:
قرر ابن حجر - ﵀ - وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة، وذكر أنهم مجتهدون فيما صدر منهم، واعترف بأن عليًّا كان أولى بالحق، ونبه على أن كثيرًا مما نقل من أخبارهم مكدوب أو ضعيف.
يقول في ذلك: "يجب الإمساك عما جرى بين الصحابة، بمعنى: أنه يجب على من تأهل إعطاء كل منهم ما يستحقه شرعًا، وغيره يلزمه اعتقاد
_________________
(١) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص ١٤٦ - ١٤٧).
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٤٩).
(٣) انظر: اختصار علوم الحديث (٢/ ٤٩٨).
(٤) هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم، أبو الفضل، المعروف بزين الدين العراقي، أشعري المعتقد، شافعي المذهب، من مؤلفاته: ألفية الحديث المعروفة بالتبصرة والتذكرة، التقييد والإيضاح، تكملة شرح جامع الترمذي لابن سيد الناس وغيرها، توفي سنة ٨٠٦ هـ. انظر: الضوء اللامع (٤/ ٧١)، ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٧٠).
(٥) انظر: التبصرة والتذكرة (٣/ ١٣ - ١٤).
(٦) انظر: الإصابة (١/ ١٦٢).
(٧) انظر: فتح المغيث (٤/ ٩٣).
(٨) انظر: الأجوبة العراقية (ص ١٠).
(٩) انظر: الإصابة (١/ ١٦٣ - ١٦٤).
[ ٦٣٣ ]
ما عليه أهل السنة فيهم تفصيلًا إن سهل وإلا إجمالًا كما هو، لا الكف عن معرفة أخبارهم وسيرهم إلا لمن خشي عليه من الاطلاع عليها أن يعتقد في بعض منهم ما لا يليق به كما هو الغالب على العوام عند سماعها ممن لا يُبَيّنُ لهم الحق عند أهل السنة من مشكلها.
فتأمله فإنه الحق الذي تشهد له القواعد، ولهذا لم يبالوا بإطلاق الوجوب الموهم.
وكلهم عدول مأجورون لكن أجر المصيب أكثر كما صحّ به الخبر" (^١).
ويقول أيضًا: "ما وقع بين الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - من القتال مقصور على الدنيا فقط، وأما في الآخرة فكلهم مجتهدون مثابون، وإنما التفاوت بينهم في الثواب؛ إذ من اجتهد وأصاب كعلي - كرم الله وجهه (^٢) - وأتباعه له أجران ومن اجتهد وأخطأ كمعاوية - ﵃ - له أجر واحد" (^٣).
ويقول أيضًا: "فعلي - ﵁ - مجتهد مصيب، فله أجران ومقاتلوه كعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ومن تبعهم من الصحابة الكثيرين من أهل بدر وغيرهم مجتهدون غير مصيبين، فلهم أجر واحد " (^٤).
ويقول أيضًا: "كثير مما نقل عنهم إما كذب، وإما في سنده علة أو علل " (^٥).
التقويم:
"الإمساك عن ذكر أصحاب رسول الله - ﷺ - وذكر زلاتهم، ونشرُ
_________________
(١) التعرف (ص ١٢٥).
(٢) الأولى في حق علي أن يقال - ﵁ - كغيره من الصحابة، ولا يخص بأي لفظ دونهم، وقول كرم الله وجهه في حق علي وتخصيصه به إنما عرف عن الرافضة ثم تسرب إلى غيرهم من أهل العلم، ولهم في ذلك تعليلات عليلة لا تصح. انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٣/ ٢٨٩)، معجم المناهي اللفظية (ص ٤٥٤).
(٣) تطهير الجنان واللسان (ص ٣٤).
(٤) المصدر السابق (ص ١١١).
(٥) المصدر السابق (ص ١٣٠).
[ ٦٣٤ ]
محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه، من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان الذين مدحهم الله - ﷿ - بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] " (^١).
والقول بذلك هو ما عليه أهل السنة والجماعة قاطبة قولًا وعملًا (^٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في تقرير عقيدتهم: "ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم: منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه.
والصحيح منه: هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد - ﷺ - الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كُفِّرَ به عنه.
فإذا كان هذا في الذنوب المحققة؛ فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل مغمور في جنب فضائل
_________________
(١) الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم (ص ٣٤٧).
(٢) انظر: الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم (ص ٣٤١ - ٣٤٢، ٣٦٣)، الشرح والإبانة (ص ٢٦٨)، تنزيه خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان من الظلم والفسق لأبي يعلى (ص ٨٥ - ٨٨)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٩٤)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٢ - ١٥٦)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٩٢)، اختصار علوم الحديث (٢/ ٤٩٨ - ٥٠١)، شرح الطحاوية (٢/ ٧٢٢ - ٧٢٥)، معارج القبول (٣/ ١٢٠٨).
[ ٦٣٥ ]
القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما مَنّ الله به عليهم من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم صفوة الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله" (^١).
ويقول: "وأهل السنة متفقون على عدالة القوم، ثم لهم في التّصويب والتّخطئة مذاهب لأصحابنا وغيرهم:
أحدها: أن المصيب علي فقط.
والثاني: الجميع مصيبون.
والثالث: المصيب واحد لا بعينه.
والرابع: الإمساك عما شجر بينهم مطلقًا.
مع العلم بأن عليًّا وأصحابه هم أولى الطائفتين بالحق " (^٢).
والذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة أن عليًّا - ﵁ - هو أولى بالحق في قتاله مع معاوية، وفي قتاله مع عائشة وطلحة والزبير - ﵃ أجمعين - (^٣).
وبما سبق نقله يتبين موافقة ابن حجر - ﵀ - لما عليه أهل السنة والجماعة قاطبة من الإمساك عما شجر بين الصحابة واعتقاد الفضل لجميعهم والحكم باجتهادهم، وموافقته لِمَا عليه جمهورهم من كون علي - ﵁ - أولى بالحق من فيره.
سابعًا: حكم سب الصحابة:
يرى ابن حجر - ﵀ - كفر من طعن في الصحابة أو سبهم إذا كان طعنه أو سبه يخالف دليلًا قطعيًا، وتبديعه وتفسيقه مع عدم ذلك.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٤ - ١٥٦).
(٢) المصدر السابق (٣٥/ ٥١).
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٩/ ٣٩)، مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٧) (٤/ ٤٣٦ - ٤٣٩) (٣٥/ ٥١ - ٥٥)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٢٣ - ٧٢٤)، فتح الباري (٦/ ٦١٩) (١٣/ ٦٧)، لوائح الأنوار (٢/ ٣٨ - ٣٩).
[ ٦٣٦ ]
يقول - ﵀ -: "سب الصحابة والطعن فيهم إن خالف دليلًا قطعيًا كقذف عائشة - ﵂ - أو إنكار صحبة أبيها كان كفرًا، وان كان بخلاف ذلك كان بدعة وفسقًا" (^١).
وقد أكثر - غفر الله له - من النقل عن أهل العلم في تقرير قوله هذا وتأييده (^٢).
التقويم:
سب الصحابة - ﵃ - محرم بدلالة الكتاب والسنة والإجماع (^٣).
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] "وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتابًا" (^٤).
وقوله - ﷿ -: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة: ١]، "والطاعن عليهم همزة لمزة" (^٥).
وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، "وهم صدور المؤمنين فإنهم هم المواجهون بالخطاب في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حيث ذكرت" (^٦).
_________________
(١) الصواعق (٢/ ٦٢١ - ٦٢٢)، وانظر: الزواجر (٢/ ٢٣٠ - ٢٣٤)، تحفة المحتاج (٤/ ١١١)، التعرف (ص ٧١)، تنبيه الأخيار (ل ٢٢/ ب).
(٢) نقل ابن حجر - ﵀ - أقوال أهل العلم في حكم الساب في الأعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٥٧) ولم يعقب عليها بشيء، ونقل عن التقي السبكي في الصواعق (١/ ١٢٨ - ١٥١) نقلًا مطولًا استوعب فيه إحدى رسائل السبكي المضمنة فتاواه (٢/ ٥٧٠ - ٥٩٣) مما أوقع بعض الباحثين في الخطأ بظن الكلام له لطوله.
(٣) انظر: النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب لمحمد بن عبد الواحد المقدسي (ص ٢٥ - ٤٤، ٦٦)، الشفا (٢/ ١١٠٨ - ١١١٤)، شرح صحيح مسلم (١٦/ ٩٣)، الصارم المسلول (٣/ ١٠٦٧) وما بعدها، فتاوى السبكنى (٢/ ٥٧٠ - ٥٩٣)، إلقام الحجر لمن زكى ساب أبي بكر وعمر للسيوطي (ص ٦٣ - ٧٢)، الرد على الرافضة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ضمن مجموع مؤلفاته (١١/ ١٥ - ٢٠)، إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي - ﷺ - للشوكاني (ص ٥٠، ٦٩)، صب العذاب على من سب الأصحاب للألوسي (ص ٤٧٠).
(٤) الصارم المسلول (٣/ ١٠٦٧).
(٥) المصدر السابق (٣/ ١٠٦٧).
(٦) المصدر السابق (٣/ ١٠٦٧).
[ ٦٣٧ ]
وقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].
ومن السُّنّة: قوله - ﷺ -: "الا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه" (^١).
وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على تحريم سبهم والطعن عليهم إجماعًا قطعيًا.
يقول العلامة الألوسي - ﵀ -: "حرمة سب الصحابة - ﵃ - مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، أو يتنازع فيه اثنان" (^٢).
وسب الصحابة - ﵃ - ليس على مرتبة واحدة، بل له مراتب متفاوتة، فإن سبهم أنواع، فمنها سب يطعن في عدالتهم، ومنها سب لا يوجب الطعن في عدالتهم، والسب قد يكون لجميعهم أو أكثرهم، وقد يكون لبعضهم، وهذا البعض قد يكون ممن تواترت النصوص بفضله وقد لا يكون كذلك (^٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "من سبهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم - مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك - فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره بمجرّد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من العلماء.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب لو كنت متخذًا خليلًا (٣/ ١١٣٠) برقم (٣٦٧٣)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة (٤/ ١٩٤٧) برقم (٢٥٤٠).
(٢) الأجوبة العراقية (ص ٤٩).
(٣) انظر: الشفا (٢/ ١١٠٨ - ١١١٤)، الصارم المسلول (٣/ ١١١٠ - ١١١١)، إلقام الحجر (ص ٦٧ - ٧٢)، الرد على الرافضة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ضمن مجموع مؤلفاته (١١/ ١٨ - ١٩)، وللاستزادة: نواقض الإيمان القولية والعملية للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف (ص ٤٠٥ - ٤٣٥).
[ ٦٣٨ ]
وأما من لعن وقبَّح مطلقًا فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.
وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله - ﷺ - إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب في كفره؛ فإنه مكذب لِمَا نصّه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق " (^١).
ويقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: "من اعتقد فسقهم أو فسق مجموعهم وارتدادهم وارتداد معظمهم عن الدين، أو اعتقد حقيّة سبهم وإباحته، أو سبهم مع اعتقاد حقية سبهم أو حليّته فقد كفر بالله ورسوله فيما أخبر من فضائلهم وكمالاتهم المستلزمة لبراءتهم عما يوجب الفسق والارتداد وحقية السب أو إباحته، ومن كذبهما فيما ثبت قطعًا صدوره عنهما فقد كفر
ومن خص بعضهم بالسب:
فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله كالخلفاء فإن اعتقد حقية سبه أو إباحته فقد كفر؛ لتكذيبه ما ثبت قطعًا عن رسول الله - ﷺ - ومكذبه كافر، وإن سبه من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته فقد تفسق؛ لأن سباب المسلم فسوق، وقد حكم بعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقًا، والله أعلم.
وإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله وكماله فالظاهر أن سابه فاسق، إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله - ﷺ - فإن ذلك كفر" (^٢).
وعليه فحكم الساب يختلف باختلاف اعتقاده، ومن سبَّه، ومتعلق سبِّه، وكلام ابن حجر - ﵀ - المتقدم اقتصر على بعض هذه الاعتبارات.
_________________
(١) الصارم المسلول (٣/ ١١١٠ - ١١١١).
(٢) الرد على الرافضة ضمن مجموع مؤلفاته (١١/ ١٨ - ١٩).
[ ٦٣٩ ]
المبحث الثاني آراؤه في الإمامة
عرض ابن حجر - ﵀ - لبعض المسائل المتعلقة بالإمامة، وهي: تعريف الإمامة، وحكمها، وطرق انعقادها، وما يجب نحو من وليها، وإثبات إمامة الخلفاء الراشدين - ﵃ -.
وفيما يلي عرض آرائه في هذه المسائل وتقويمها:
أولًا: تعريف الإمامة:
يرى ابن حجر - ﵀ - أن الإمامة هي: "خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا" (^١).
التقويم:
الإِمامة في اللغة: مصدر من الفعل أمَّ، يقال: "أمَّهم وأمّ بهم: تقدَّمهم " (^٢).
"والإمام: كل من اقتدي يه وقدم في الأمور، والنبي - ﷺ - إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، والقرآن إمام المسلمين" (^٣).
وأما في الاصطلاح: فقد عرّفها أهل العلم بتعريفات عدّة، وهي وإن
_________________
(١) تحفة المحتاح (٤/ ١٠٢).
(٢) القاموس المحيط (ص ١٣٩٢)، وانظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٠١) الصحاح (٥/ ١٨٦٥)، لسان العرب (١٢/ ٢٤).
(٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٤٨).
[ ٦٤٠ ]
اختلفت في الألفاظ فهي متقاربة في المعاني (^١)، ومن أشهرها تعريفا الماوردي (^٢) وابن خلدون - رحمهما الله -.
يقول الماوردي: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" (^٣).
ويقول ابن خلدون: "الإمامة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" (^٤).
وبالنظر فيما ذكراه في تعريف الإمامة يلاحظ متابعة ابن حجر - ﵀ - لهما في تعريفه لها.
ثانيًا: حكم الإمامة:
يرى ابن حجر - ﵀ - وجوب نصب الإمام، ويرد على من قال بخلافه.
يقول في ذلك: "اعلم أن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات، حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله - ﷺ -، واختلافهم في التعيين لا يقدح في الإجماع المذكور
ثم ذلك الوجوب عندنا معشر أهل السنة والجماعة وعند أكثر المعتزلة بالسمع أي: من جهة التواتر والإجماع المذكور، وقال كثير بالعقل.
ووجه ذلك الوجوب: أنه - ﷺ - أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور،
_________________
(١) انظر: غياث الأمم في اجتياث الظلم للجويني (ص ١٥٢)، المواقف (ص ٣٩٥)، شرح الأصول الخمسة (ص ٧٥٠)، التعريفات (ص ٣٥)، إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة لصديق حسن (ص ١٧).
(٢) هو علي بن محمد بن حبيب الماوردي، أبو الحسن، البصري الشافعي، من مؤلفاته: أعلام النبوة، الأحكام السلطانية، النكت والعيون في تفسير القرآن الكريم وغيرها، توفي سنة ٤٥٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٦٤)، شذرات الذهب (٣/ ٢٨٥).
(٣) الأحكام السلطانية (ص ٥).
(٤) المقدمة (ص ١٩٠).
[ ٦٤١ ]
وتجهيز الجيوش للجهاد، وحفظ بيضة الاسلام، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به وإن كان مقدورًا فهو واجب، ولأن في نصبه جلب منافع لا تحصى، ودفع مضار لا تستقصى، وكل ما كان كذلك يكون واجبًا
وأما مخالفة الخوارج (^١) ونحوهم في الوجوب فلا يعتد بها؛ لأن مخالفتهم كسائر المبتدعة لا تقدح في الإجماع ولا تخل بما يفيده من القطع بالحكم المجمع عليه.
ودعوى أن في نصبه ضررًا من حيث إن إلزام من هو مثله بامتثال أوامره فيه إضرار به، فيؤدي إلى الفتنة، ومن حيث إنه غير معصوم من نحو الكفر والفسوق، فإن لم يُعزَل أضر بالناس، وإن عُزل أدى إلى محاربته، وفيها ضرر أي ضرر، باطلة لا ينظر إليها؛ لأن الإضرار اللازم من ترك نصبه أعظم وأقبح، بل لا نسبة بينهما، ودفع الضرر الأعظم عند التعارض واجب، وفرض انتظام حال الناس بدون إمام محال عادة، كما هو مشاهد" (^٢).
التقويم:
نصب الإمام واجب بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقواعد الشرعية (^٣).
_________________
(١) الخوارج طائفة من أهل الباع، حذر منهم النبي - ﷺ - ومن فتنتهم، وأمر بقتلهم، وأخبر بمروقهم من الإسلام، خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقاتلهم، وقتل كبيرهم ذا الثدية، وهم فرق شتى يُكفّر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا، يجمعهم القول بإكفار عثمان وعلي والحكمين وأصحاب الجمل، وكل من رضي بالتحكيم، والإكفار بارتكاب الكبائر، ووجوب الخروج على الإمام الجائر. انظر: التنبيه والرد (ص ٥١)، مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٧)، الفرق بين الفرق (ص ٧٢)، الملل والنحل للبغدادى (ص ٥٧)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١١٤)، التبصير في الدين (ص ٣٨)، اعتقادّات فرق المسلمين والمشركين (ص ٥١)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ١٧).
(٢) الصواعق المحرقة (١/ ٢٥ - ٢٦)، وانظر: غرر المواعظ (ص ٤٩)، التعرف (ص ١٢٤)، تحفة المحتاج (٤/ ١٠٢).
(٣) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص ٥)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ١٩)، =
[ ٦٤٢ ]
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
فالله سبحانه أوجب على المسلمين طاعة أولي الأمر منهم، وهم العلماء والأمراء، والأمر بالطاعة دليل على وجوب نصب ولي الأمر؛ لأن الله تعالى لا يأمر بطاعة من لا وجود له، ولا يفرض طاعة من وجوده مندوب، فالأمر بطاعته يقتضي الأمر بإيجاده.
وقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
فهذا الأمر من الله تعالى لرسوله - ﷺ - بأن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله - أي: بشرعه - وخطاب الرسول - ﷺ - خطاب لأمته ما لم يرد دليل يخصصه به، ولا دليل هنا على التخصيص فيكون خطابًا للمسلمين جميعًا بإقامة الحكم بما أنزل الله وذلك لا يتحقق إلا بنصب الإمام.
ومن السُّنّة: قوله - ﷺ -: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (^١).
وفعله - ﷺ - حيث تولّى زعامة الدولة الإسلامية الأولى.
وأما الإجماع: فقد اتفق السواد الأعظم من المسلمين على اختلاف طوائفهم على وجوب نصب الإمام، ولم يشذ عن ذلك إلا النجدات (^٢) من
_________________
(١) = غياث الأمم (ص ١٥)، المقدمة الزهراء في إيضاح الإمامة الكبرى للذهبي (ص ٦٩)، تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة (ص ٤٨)، إكليل الكرامة (ص ١١، ١٠٣).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء بييعة الخلفاء (٣/ ١٤٧٨) برقم (١٨٥١) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - به.
(٣) النجدات: فرقة من فرق الخوارج، وهم أتباع نجدة بن عامر الحنفي، من بني حنيفة من بكر بن وائل، انفرد عن سائر الخوارج بآراء عدّة، قدم مكة، واستقل باليمامة سنة ٦٦ هـ أيام أمير المؤمنين ابن الزبير إلى أن قتله أتباع ابن الزبير سنة ٦٩ هـ. انظر: التنبيه والرد (ص ٦٧)، مقالات الإسلاميين (١/ ١٧٤)، الفرق بين الفرق (ص ٨٧)، الملل والنحل للبغدادي (ص ٦٥)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٢٢)، التبصير في الدين (ص ٤٣)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٥٥)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ٢٥).
[ ٦٤٣ ]
الخوارج ونفر من المعتزلة (^١).
يقول العلامة ابن حزم - ﵀ -: "اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله - ﷺ - حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم" (^٢).
ولهذا أجمع الصحابة - ﵃ - على الاشتغال بها قبل دفن النبي - ﷺ -، وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم (^٣).
ولَمّا كان الاستدلال بالإجماع على وجوب نصب الإمام أظهر من الاستدلال بغيره، اعتمد عليه غير واحد من أهل العلم، وأغفلوا ما سواه (^٤)، ومنهم ابن حجر - ﵀ - في كلامه السابق.
وأما دلالة القواعد الشرعية:
فهي متقررة بقاعدتي "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، و"رعاية الشريعة لجلب المنافع ودفع المضار".
وهي ما أشار إليه ابن حجر - ﵀ - في كلامه السابق في تقرير وجه القول بوجوب نصب الإمام.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا
_________________
(١) يُعزى القول بذلك إلى عبد الرحمن بن كيسان المشهور بأبي بكر الأصم وهشام بن عمرو الفوطي من كبار المعتزلة. انظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ١٤٩)، الفرق بين الفرق (ص ١٦٣).
(٢) الفصل (٤/ ١٤٩).
(٣) انظر: مراتب الإجماع لابن حزم (ص ١٤٤)، الأحكام السلطانية للماوردي (ص ٥)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ١٩)، شرح السنة للبغوي (١٠/ ٨٤)، تفسير القرطبي (١/ ٢٦٤)، شرح صحيح مسلم (١٢/ ٢٠٥)، فتح الباري (١٣/ ٢٠٨).
(٤) انظر: المصادر السابقة.
[ ٦٤٤ ]
تتم مصالحهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض؛ لأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج، والجمع، والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة" (^١).
وبناء على ما سبق فالحق ما رجحه ابن حجر - ﵀ - من كون وجوب الإمامة بدلالة السمع؛ فإن العقل وإن كان يدل عليها إجمالًا، ويقضي بحسنها ابتداءً، إلا أنه لا يتعلق به أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب - كما سبق (^٢).
وأما ما ذكره عن الخوارج من القول بعدم وجوب نصب الإمام ومخالفتهم لإجماع عموم الأمة القاضي بذلك، فهو متعقب بأنه قول طائفة منهم لا جميعهم وهم النجدات، وقد تابعهم عليه نفر من المعتزلة - كما سبق - (^٣).
ولا ريب أن قولهم هذا خروج عن إجماع الأمة، ومفارقة لسبيل الجماعة، وما سبق ذكره كاف في الرد عليهم وبيان تهافت قولهم.
ثالثًا: طرق انعقاد الإمامة:
يرى ابن حجر - ﵀ - أن الإمامة تنعقد بالاستخلاف، أو البيعة، أو الغلبة.
يقول في ذلك: "تنعقد الإمامة بطرق:
أحدها: بالبيعة: كما بايع الصحابة أبا بكر - رضي الله تعالى عنهم - والأصح أن المعتبر هو بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم حالة البيعة
وثانيها: باستخلاف الإمام واحدًا بعده ولو فرعه أو أصله، ويعبر عنه بعهده إليه كما عهد أبو بكمر إلى عمر - ﵄ - وانعقد الإجماع على الاعتداد بذلك
_________________
(١) السياسة الشرعية (ص ١٦١ - ١٦٢).
(٢) انظر: (ص ٦٠٣).
(٣) انظر: (ص ٦٤٣).
[ ٦٤٥ ]
وثالثها: باستيلاء جامع الشروط [يعني: المعتبرة في الإمام] بالشوكة وكذا فاسق وجاهل وغيرهما وإن اختلت فيه الشروط كلها في الأصح وإن عصى بما فعل حذرًا من تشتت الأمر وثوران الفتن" (^١).
التقويم:
الإمامة ضربان: اختيارية وقهرية.
فالاختيارية تنعقد بطريقين:
أحدهما: البيعة: والمراد بها مبايعة أهل الحل والعقد - وهم العلماء والأمراء ووجوه الناس - من يرون فيه الكفاءة لولاية الإمامة، وبهذا الطريق تمت خلافة أبي بكر الصديق - ﵁ - (^٢).
والصحيح ما ذكره ابن حجر - ﵀ - من أن المعتبر بيعة جمهور أهل الحل والعقد دون اشتراطٍ لعدد معين منهم، أو إجماعهم على البيعة (^٣).
وثانيهما: الاستخلاف: والمراد به استخلاف الإمام القائم وعهده بالإمامة إلى من بعده، وبهذا الطريق تمت خلافة عمر - ﵁ - (^٤).
والصحيح ما ذكره ابن حجر - ﵀ - من جواز استخلاف الإمام لأحد فروعه أو أصوله (^٥).
والإمامة الاختيارية بطريقيها مجمع على صحتها، وانعقاد الإمامة بها، وثبوت أحكام الإمامة لمن تمت له.
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -: "أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان، حيث لا
_________________
(١) تحفة المحتاج (٤/ ١٠٣ - ١٠٤)، وانظر: الصواعق المحرقة (١/ ٢٧).
(٢) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص ٦)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ٢٣)، تحرير الأحكام (ص ٥٢)، إكليل الكرامة (ص ٢٧).
(٣) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص ٧)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ٢٣)، غياث الأمم (ص ٥٢)، تحرير الأحكام (ص ٥٣).
(٤) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص ١٠)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ٢٣)، تحرير الأحكام (ص ٥٣)، إكليل الكرامة (ص ٣٣).
(٥) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص ١٠)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ٢٥).
[ ٦٤٦ ]
يكون هناك استخلاف غيره، وعلى جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين عدد محصور أو غيره" (^١).
وخالف في ذلك المعتزلة حيث قصروا عقد الإمامة على بيعة أهل الحل والعقد فقط دون الاستخلاف (^٢)، والرافضة حيث قصروا الإمامة على الاستخلاف والعهد فقط دون بيعة أهل الحل والعقد (^٣).
وأما القهرية: فالمراد بها قهر صاحب الشوكة وتوليه الإمامة بغير بيعة أو استخلاف (^٤).
وقد اختلف أهل العلم في انعقاد الإمامة بها، واتفقوا على أن صاحبها إذا غلب أعطي أحكامها (^٥).
يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: "الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلّب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء" (^٦).
وخالف في ذلك الخوارج والمعتزلة فلم يعتبروا القهر والغلبة موجبة لأحكام الإمامة لمن ولي بطريقها (^٧).
وبما سبق تقريره يتبين صحة ما ذهب اليه ابن حجر - ﵀ - في هذه المسألة، وموافقته فيها لِمَا عليه أهل السنة والجماعة.
رابعًا: الواجب نحو الأئمة:
١ - النصيحة لهم:
يقول ابن حجر - ﵀ - في شرحه لحديث تميم الداري - ﵁ - وفيه أن
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٢٠٨).
(٢) انظر: المغني للقاضي عبد الجبار (٢٠/ ٢٠٥).
(٣) انظر: أصول الكافي (١/ ٢٢٧، ٢٨٦).
(٤) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص ٨)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ٢٢)، تحرير الأحكام (ص ٥٥).
(٥) انظر: المصادر السابقة.
(٦) الدرر السنية (٩/ ٥).
(٧) انظر: المغني للقاضي عبد الجبار (٢٠/ ٢٥٥).
[ ٦٤٧ ]
رسول الله - ﷺ - قال: "الدين النصيحة ثلاثًا، قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلين وعامتهم" (^١).
قوله: "النصيحة لأئمة المسلمين: هم الخلفاء ونوابهم؛ بطاعتهم فيما يوافق الحق كالصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم إن طلبوها أو كانوا عادلين، وترك الخروج عليهم وإن جاروا، والدعاء بالصلاح لهم، ومعاونتهم عليه، وتبيينه لهم، وتذكيرهم بالله وأحكامه وحكمه ومواعظه لكن برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه أو لم يبلغهم من حقوق المسلمين، وتألف قلوب الناس لطاعتهم وعدم إغرائهم بالثناء الكاذب عليهم" (^٢).
التقويم:
دلت النصوص الشرعية على وجوب النصيحة لأئمة المسلمين وبذلها لهم، منها:
قوله - ﷺ -: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" (^٣).
و"النصيحة كلمة جامعة معناها: حيازة الحظ للمنصوح له وهي من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفى بها العبارة عن هذه الكلمة" (^٤).
وما ذكره ابن حجر - ﵀ - من كون النصيحة لأئمة المسلمين تتضمن أداء جملة من حقوقهم موافق لِمَا قرّره أهل العلم في معناها (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدين النصيحة (١/ ٧٤) برقم (٥٥).
(٢) فتح المبين (ص ١٢٤).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة (٣/ ١٣٤٠) رقم (١٧١٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.
(٤) شرح صحيح مسلم (١/ ٣٧).
(٥) انظر: تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٩٤)، أعلام الحديث للخطابي (١/ ١٩٢ - ١٩٣)، صيانة صحيح مسلم (ص ٢٢٣ - ٢٢٤)، شرح صحيح مسلم (١/ ٣٧)، جامع العلوم والحكم (١/ ٢١٩)، فتح الباري (١/ ١٣٨).
[ ٦٤٨ ]
يقول الإمام محمد بن نصر المروزي - ﵀ -: "النصيحة لأئمة المسلمين: حب طاعتهم ورشدهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة كلهم، وكراهية افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله" (^١).
٢ - السمع والطاعة لهم:
يقول ابن حجر - ﵀ - في شرحه لحديث العرباض بن سارية - ﵁ - وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد " (^٢).
قوله: "السمع والطاعة: جمع بينهما تأكيدًا للاعتناء بهذا المقام ومن ثم خصه بالذكر عاطفًا له على ما يشمله وغيره وهو تقوى الله تعالى فهو من عطف الخاص على العام لمزيد التأكيد والاعتناء بشأنه، ويصح أن يكون عطف مغاير من حيث أن أظهر مقاصد التقوى الأمور الأخروية وأظهر مقاصد هذا انتظام الأمور الدنيوية وانتظام الشريعة حتى توضع الولايات في غير أهلها والأمر بالطاعة حينئذ إيثار لأهون الضررين؛ إذ الصبر على ولاية من لا يجوز ولايته أهون من إثارة الفتن التي لا دواء لها ولا خلاص منها، ويرشد إلى هذا تعقيب ذلك بقوله: "وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا " (^٣).
_________________
(١) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٩٤).
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٥/ ١٣ - ١٥) برقم (٤٦٠٧)، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة (٥/ ٤٣ - ٤٤) برقم (٢٦٧٦)، وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ١٥) برقم (٤٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٥ - ٩٦) من طرق عن العرباض بن سارية - ﵁ - به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وأفاض الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم في تخريجه والكلام عليه (٢/ ١٠٩).
(٣) فتح المبين (ص ٢١٩)، وانظر: غرر المواعظ (ص ٨١)، التعرف (ص ١٢٤).
[ ٦٤٩ ]
التقويم:
دلّت النصوص الشرعية على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وأئمة المسلمين ما لم يأمروا بمعصية، منها:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
وقوله - ﷺ -: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمِرَ بمعصية فلا سمع ولاطاعة" (^١).
يقول العلامة ابن أبي العز - ﵀ -: "دلّ الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، كيف قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؟ لأن أولي الأمر لا يُفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول؛ لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ولي الأمر، فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله.
وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج عن طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل" (^٢).
٣ - عدم الخروج عليهم:
يقول ابن حجر - ﵀ -: "يحرم الخروج عليه [يعني: الإمام] ولو جائرًا
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٤/ ٢٢٣٢) برقم (٧١٤٤)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (٣/ ١٤٦٩) برقم (١٨٣٩) من حديث ابن عمر - ﵄ - به.
(٢) شرح الطحاوية (٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣)، وانظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٣٥ - ١٧).
[ ٦٥٠ ]
درءًا للفتن" (^١).
ويقول: "الخروج على الإمام خرقه عظيم لا يتدارك؛ ولذا أجمعوا على حرمة الخروج على الخائن، وإذا كان خرقه كذلك وجب سد بابه على كل أحد ولم يسمع لأحد فيه قول، وإن بلغ من الاجتهاد ما بلغ، وهذا واضح فتعين المصير إليه فاعلمه" (^٢).
التقويم:
دلّت النصوص الشرعية على تحريم الخروج على ولاة الأمور وأئمة المسلمين، منها:
قوله - ﷺ -: "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، فميتته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برّها وفاجرها، ولا يفي بذي عهدها، فَقِتْلةٌ جاهلية، ومن قاتل تحت راية عميَّة يقاتل لعصبية أو يغضب لعصبية، فقتله قِتْلةٌ جاهلية" (^٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -:
"فالأول: هو الذي يخرج عن طاعة ولي الأمر، ويفارق الجماعة.
والثاني: مثل الذي يقطع الطريق فيقتل من لقيه من مسلم وذمي
والثالث: هو الذي يقاتل لأجل العصبية والرياسة، لا في سبيل الله" (^٤).
وما قرره ابن حجر - ﵀ - من لزوم النصيحة لأئمة المسلمين، ووجوب السمع والطاعة لهم ما لم يأمروا بمعصية، وتحريم الخروج عليهم ما لم يأتوا كفرًا بواحًا موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة.
_________________
(١) التعرف (ص ١٢٤).
(٢) فتح الجواد (٢/ ٢٩٤)، وانظر: الزواجر (٢/ ١١١).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (٣/ ١٤٧٦) برقم (١٨٤٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.
(٤) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٣).
[ ٦٥١ ]
يقول الإمام الطحاوي - ﵀ - في سياق عقيدتهم: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله - ﷿ - فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة" (^١).
ويقول أبو الحسن الأشعري - ﵀ - وهو يعدد ما أجمع عليه السلف من الأصول: "وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل من ولي شيئًا من أمورهم عن رضى ورغبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل، وعلى أن يغزو معهم العدو، ويحج معهم البيت، وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويصلى خلفهم الجمع والأعياد" (^٢).
ويقول الصابوني (^٣) - ﵀ - في بيان عقيدة أهل الحديث: "ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم برًا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، وبرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف، ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل" (^٤).
وكلام أئمة أهل السنة والجماعة في تقرير هذا الأصل كثير، وهو مبثوث في عقائدهم وكتبهم (^٥).
_________________
(١) العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢/ ٥٤٠).
(٢) رسالة إلى أهل الثغر (ص ٢٩٦ - ٢٩٧).
(٣) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد النيسابوري الصابوني الشافعي، من أئمة السلف وأعلامهم، من مؤلفاته: عقيدة السلف وأصحاب الحديث، الانتصار، الدعوات، توفي سنة ٤٤٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٠)، شذرات الذهب (٣/ ٢٨٢).
(٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٩٤).
(٥) انظر: شرح السنة للبربهاري (ص ٦٩ - ٧١)، اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي (ص ٧٥، ٧٦)، أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٢٧٥ - ٢٧٦)، الشرح والإبانة لابن بطة (ص ٢٧٨ - ٢٨٠)، مجموع الفتاوى (٣٥/ ٥ - ٧)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٤٠) وما بعدها.
[ ٦٥٢ ]
خامسًا: إثبات إمامة الخلفاء الراشدين:
يرى ابن حجر ﵀ أن الخلفاء الراشدين هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن - ﵃ - حيث يقول في شرحه لحديث العرباض بن سارية المتقدم، وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".
قوله: "الخلفاء الراشدين المهديين" هم: أبو بكر فعمر فعثمان فعلي فالحسن- رضي الله تعالى عنهم- والدلائل على اتصاف أولئك الخلفاء بالرشاد -وهو ضد الضلال- والهداية لأقوم طريق وأصوبه كثيرة مشهورة " (^١).
وبين أن "استحقاقهم الخلافة على هذا الترتيب بلا تردد، وزَعْمُ أنه لا إجماع على خلافة علي باطل، وإنما هاجت الفتن لأمور أخرى" (^٢).
فقال: "أحق الصحابة بالخلافة وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر ثم عثمان ثم علي" (^٣).
"وعلم مما قدمته أنه [يعني: عليًّا] الحقيق بالخلافة بعد الأئمة الثلاثة بالإجماع، ولا اكتراث ولا التفات إلى من زعم أنه لا إجماع على خلافته" (^٤).
وحكى إجماع الصحابة - ﵃ - على ذلك، فقال: "اتفق الصحابة -رضوان الله عليهم- على ترتيبها وأن من توقف في ذلك فضلًا عن أن يطعن فيه فإنما هو بمجرد خداعه وعناده" (^٥).
وقد أفاض ابن حجر ﵀ في وصف أحداث خلافة الخلفاء الراشدين، والرد على الطاعنين في خلافتهم تفصيلًا بما يطول ذكره (^٦).
_________________
(١) فتح المبين (ص ٢٢٠).
(٢) التعرف (ص ١٢٥).
(٣) المنح المكية (٣/ ١٢٥١)، وانظر: أشرف الوسائل (ص ٤٨٨).
(٤) المنح المكية (٣/ ١٢٦٤).
(٥) تطهير الجنان واللسان (ص ١٣٨)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٨).
(٦) انظر: الصواعق المحرقة في الكلام على خلافة أبي بكر (١/ ٣٠) وما بعدها، وخلافة عمر (١/ ٢٥١) وما بعدها، وخلافة عثمان (١/ ٣٠٢) وما بعدها، وخلافة علي (١/ ٣٤١) وما بعدها، وخلافة الحسن (٢/ ٣٩٧) وما بعدها.
[ ٦٥٣ ]
التقويم:
وردت النصوص بأن الخلافة بعد رسول الله - ﷺ - ثلاثون سنة، في الحديث عن سفينة مولى رسول الله - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك" (^١).
وقد نص جمع من أهل العلم في شرحه أن المراد بالخلافة فيه: خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن - ﵃ - (^٢).
فإن "خلافة أبي بكر الصديق سنتان وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصف، وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ستة أشهر" (^٣).
يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين [يعني: الحسن] الحديث الذي أوردناه من طريق سفينة مولى رسول الله - ﷺ - قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا"، وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي" (^٤).
وما قرره ابن حجر ﵀ من كون استحقاقهم للخلافة على هذا الترتيب
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب من جاء في الخلفاء (٥/ ٣٧) برقم (٤٦٤٧)، والترمذي، كتاب الفتن باب ما جاء في الخلافة (٤/ ٤٣٦) برقم (٢٢٢٦)، وأحمد (٣٦/ ٢٤٨) برقم (٢١٩١٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٤٨) برقم (١١٨١)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٥٩١) برقم (١٤٠٢)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٧) برقم (٨١٥٥)، وابن حبان (١٥/ ٣٩٢) برقم (٦٩٤٣)، والطبراني في الكبير (١/ ٨٩) برقم (١٣٦)، والحاكم (٣/ ٧١)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٣٤١) من طرق عن سعيد بن جُهمان عن سفينة مولى رسول الله - ﷺ - به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جُهمان، ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جُهمان". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في تخريج السنة لابن أبي عاصم.
(٢) انظر: عارضة الأحوذي لابن العربي (٩/ ٧١)، عون المعبود للعظيم آبادي (١٢/ ٣٩٧ - ٣٩٩)، تحفة الأحوذي للمباركفوري (٦/ ٤٧٧).
(٣) شرح الطحاوية (٢/ ٧٢٢).
(٤) البداية والنهاية (٨/ ١٨).
[ ٦٥٤ ]
بلا تردد هو ما عليه أهل السنة والجماعة (^١).
يقول الإمام الطحاوي ﵀ في سياق عقيدتهم: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله - ﷺ - أولًا لأبي بكر الصديق - ﵁ - تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب - ﵁ - ثم لعثمان - ﵁ - ثم لعلي - ﵁ -" (^٢).
ويقول الإمام ابن بطة (^٣) ﵀: "ثم الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم وأحقهم بخلافة رسول الله - ﷺ - أبو بكر الصديق ثم من بعده على هذا الترتيب والصفة أبو حفص عمر بن الخطاب - ﵁ - وهو الفاروق، ثم من بعدهما على هذا الترتيب والنعت عثمان بن عفان - ﵁ - وهو أبو عبد الله وأبو عمرو ذو النورين - ﵁ - ثم على هذا النعت والصفة من بعدهم أبو الحسن علي بن أبي طالب - ﵁ - فبحبهم وبمعرفة فضلهم قام الدين وتمت السنة وعدلت الحجة" (^٤).
ويقول الإمام ابن قدامة ﵀: "وهو [يعني: أبا بكر] أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي - ﵁ - لفضله وسابقته وتقديم النبي - ﷺ - له في الصلاة على جميع الصحابة - ﵃ - وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة، ثم من بعده عمر - ﵁ - لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان - ﵁ - لتقديم أهل الشورى له، ثم علي - ﵁ - لفضله وإجماع أهل عصره عليه" (^٥).
وبما سبق يتضح موافقة ابن حجر ﵀ لِمَا عليه أهل السنة والجماعة في إثباتهم الخلافة لهؤلاء الخمسة - ﵃ - وقولهم باستحقاتهم لها على هذا الترتيب.
_________________
(١) انظر: العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢/ ٦٩٨)، الشرح والإبانة (ص ٢٥٧)، جامع بيان العلم وفضله (٢٠/ ٢٢٦ - ٢٢٨)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٩٠)، لمعة الاعتقاد (ص ٢٧ - ٢٨)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣)، الوصية الكبرى (ص ٣٣).
(٢) العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢/ ٦٩٨).
(٣) هو عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري المشهور بابن بطة، حنبلي سلفي، من مؤلفاته: الإبانة الكبرى، والإبانة الصغرى، توفي سنة ٣٨٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٢٩)، شذرات الذهب (٣/ ١٢٢).
(٤) الشرح والإبانة (ص ٢٥٧ - ٢٦١).
(٥) لمعة الاعتقاد (ص ٢٧ - ٢٨).
[ ٦٥٥ ]
الفصل الثاني آراؤه في مسائل الأسماء والأحكام
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف مسائل الأسماء والأحكام، وأهميتها:
المبحث الأول: آراؤه في مسائل الإيمان.
المبحث الثاني: آراؤه في مسائل الكفر والتكفير.
المبحث الثالث: آراؤه في مسائل البدعة.
[ ٦٥٧ ]
تمهيد في تعريف مسائل الأسماء والأحكام، وبيان أهميتها
المراد بالأسماء: أسماء الدين، مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق.
والمراد بالأحكام: أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة، أي: أحكام أصحاب هذه الأسماء (^١).
يقول الحافظ ابن رجب ﵀: "هذه المسائل أعني: مسائل الإسلام والإيمان، والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًّا، فإن الله ﷿ علَّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة
وقد صنف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة، وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف: الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام (^٢)، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي (^٣) -رحمهم الله تعالى- وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف" (^٤).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٨).
(٢) هو القاسم بن سلام بن عبد الله، المشهور بأبي عبيد، من أئمة الحديث وكبار السلف، من مؤلفاته: غريب الحديث، والإيمان، وغيرهما، توفي سنة ٢٢٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠)، شذرات الذهب (٢/ ٥٤).
(٣) هو محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد، أبو الحسن، الكندي، الخراساني، الطوسي، من أئمة السلف وعبّادهم، توفي سنة ٢٤٢ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٩٥)، شذرات الذهب (٢/ ١٠٠).
(٤) جامع العلوم والحكم (١/ ١١٤).
[ ٦٥٨ ]
وقد أشار ابن حجر ﵀ إلى أهمّيّة هذه المسائل، وضرورة العناية بها، حيث قال: "اعلم أن مسائل الإيمان، والإسلام، والكفر، والنفاق، عظيمة جدًّا، فيتعين على كل أحد الاعتناء بتحقيقها " (^١).
وفيما يلي عرض آرائه في هذه المسائل وتقويمها.
* * *
_________________
(١) فتح المبين (ص ٧٦).
[ ٦٥٩ ]
المبحث الأول آراؤه في مسائل الإيمان
عرض ابن حجر -غفر الله له- لجملة من المسائل المتعلقة بالإيمان، وذكر فيها رأيه، وهي: تعريف الإيمان، وزيادته ونقصانه، وحكم الاستثناء فيه، وهل هو مخلوق أم لا؟، والفرق بينه وبين الإسلام، وتعريف الكبيرة، وحكم مرتكبها.
وفيما يلي عرض آرائه وتقويمها:
أولًا: تعريف الإيمان:
عرف ابن حجر -عفا الله عنه- الإيمان، وبيّن معناه في اللغة والشرع.
فقال: "الإيمان هو لغة: مطلق التصديق من آمن بوزن أَفْعَلَ لا فَاعَلَ وإلا لجاء مصدره فَعالًا وهمزته للتعدية كان المصدق جعل الغير آمنًا من تكذيبه أو للصيرورة كأنه صار ذا أمن من أن يكذبه غيره، ويضمن معنى اعترف وأقر فيعدى بالباء، وأذعن وقَبِلَ فيعدى باللام نحو: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦].
وشرعًا: التصديق بالقلب فقط أي: قبوله وإذعانه لِمَا علم بالضرورة أنه من دين محمد - ﷺ -" (^١).
وقال: "الإيمان: التصديق مما علم من الدين ضرورة إجمالًا في الإجمالي، وتفصيلًا في التفصيلي
_________________
(١) فتح المبين (ص ٦٥).
[ ٦٦٠ ]
وشرط خروج القادر عن عهدة التكليف به تلفظه وإلا خلد في النار بإجماع أهل السنة قاله الإمام النووي (^١)، لكن مال جمع محققون إلى نجاته نظرًا لإيمان قلبه، والنطق بهما الإسلام، وطاعة الجوارح غير داخلة بل هي شرط لكمال الإيمان، وشرط الخروج عن عهدة اللزوم به الإيمان فلا يعتد بأحدهما بدون الآخر" (^٢).
وقال: "الإيمان: التصديق، الإجمالي في الإجمالي، والتفصيلي في التفصيلي
ولا يكفي التصديق وحده بل لا بد معه من الإقرار بالشهادتين باللسان، فإن تركه مع القدرة عليه كان كافرًا مخلدًا في النار كما نقله النووي عن أهل السنة، لكن أشار الغزالي (^٣) -رحمه الله تعالى- إلى ما اختاره جمع محققون غيره أنه من أهل الجنة، وتركه التلفظ به معصية فقط؛ لأن قلبه مملوء بالتصديق فكيف يخلد، والكلام فيمن يمتنع منه جحود أو إنكارٌ وإلا كان كافرًا إجماعًا.
والأعمال من الإيمان عندنا -كأكثر المحدثين- أي: من كماله، فالميت مؤمنًا فاسقًا تحت المشيئة " (^٤).
التقويم:
الإيمان في اللغة:
مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن (^٥)، وهو بمعنى الإقرار لا مجرد التصديق؛ فإن الإيمان يتضمن أمرين:
أحدهما: الإخبار.
_________________
(١) انظر: شرح صحيح مسلم (١/ ١٤٩).
(٢) التعرف (ص ١١٧ - ١١٨).
(٣) انظر: إحياء علوم الدين (١/ ١٠٤ - ١٠٥).
(٤) المنح المكية (٣/ ١٣٤٠ - ١٣٤١)، وانظر: تحفة المحتاج (٤/ ١١٢)، فتح المبين (ص ٦٦، ٧٤ - ٧٦، ١٨٣)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٦٣)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢١٧)، الخيرات الحسان (ص ١٣٦).
(٥) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٠٩)، معجم مقاييس اللغة (ص ٨٨)، الصحاح (٥/ ٢٠٧١)، لسان العرب (١٣/ ٢١)، القاموس المحيط (ص ١٥١٨).
[ ٦٦١ ]
وثانيهما: الالتزام.
والتصديق إنما يتضمن الأول دون الثانى، بخلاف الإقرار فإنه يتضمنهما جميعًا (^١).
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "معلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار يتضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد" (^٢).
وبناء على ذلك فما ذكره ابن حجر -غفر الله له- من كون الإيمان في اللغة هو مطلق التصديق مردود.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ليس لفظ الإيمان مرادفًا للفظ التصديق كما يظنه طائفة من الناس وذلك أن الإيمان يفارق التصديق، أي: لفظًا ومعنى.
فأما اللفظ، فمن وجهين:
أحدهما: أنه يقال: صدقه، فيتعدى بنفسه إلى المصدق، ولا يقال: أمنته، إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة، بل آمنت له كما يقال: أقررت له، فهذا فرق في اللفظ.
والفرق الثاني: أن الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار، بل في الإخبار عن الأمور الغائبة، ونحوها مما يدخلها الريب، فإذا أقر بها المستمع قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق؛ فإنه عام متناول لجميع الأخبار.
وأما المعنى:
فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قر يقر، وهو قريب من آمن يأمن، لكن الصادق يطمأن إلى خبره، والكاذب بخلاف ذلك كما يقال: الصدق طمأنينة والكذب ريبة؛ فالمؤمن دخل في الأمن كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين:
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٣٠ - ٥٣١).
(٢) المصدر السابق (٧/ ٦٣٨).
[ ٦٦٢ ]
أحدهما: الإخبار
والثاني: إنشاء الالتزام
وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ التصديق المجرد" (^١).
وقول ابن حجر -عفا الله عنه- بأن الإيمان في اللغة يضمن معنى الاعتراف والإقرار والإذعان والقبول متعقب بكون معنى الإيمان المطابق له في اللغة هو الإقرار -كما تقدم- لا أنه ضمن معناه، وقوله بذلك إقرار ضمني بقصور لفظ التصديق عن لفظ الإيمان.
وأما الإيمان في الشرع:
فهو حقيقة مركبة من اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
والأدلة على ذلك متظافرة من الكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١].
وقوله سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦].
وقوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ لأالبقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.
ومن السُّنَّة: قوله - ﷺ -: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٢٩ - ٥٣١)، وانظر: (٧/ ٢٩٠ - ٢٩٣) (١٠/ ٢٦٩ - ٢٧٦)، الإيمان (ص ١٢٦ - ١٣٤) (ص ٢٧٤ - ٢٨١)، شرح الأصفهانية (ص ١٤٢ - ١٤٣)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٧١ - ٤٧٤).
[ ٦٦٣ ]
من الايمان" (^١).
"فهذه الشعب تتفرع من أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن" (^٢)، وقد عني جمع من أهل العلم بعدها وفقًا لذلك (^٣).
وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل.
يقول الإمام الشافعي ﵀: "كان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر" (^٤).
وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم: وكيع بن الجراح (^٥) (^٦) وأبو عبيد القاسم بن سلام (^٧)، والبخاري (^٨)، والبغوي (^٩)، وابن عبد البر (^١٠) -رحم الله الجميع-.
والقول بمقتضى ذلك هو ما عليه أهل السنة والجماعة (^١١)، وإن
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان (١/ ٢٩) برقم (٩)، ومسلم واللفظ له، كتاب الإيمان، باب عدد شعب الإيمان (١/ ٦٣) برقم (٣٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) فتح الباري (١/ ٥٢).
(٣) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٩١١ - ٩٤٠)، الإبانة الكبرى لابن بطة ت/ رضا نعسان (٢/ ٦٥٠ - ٦٥٣)، وقد أفردها بالتصنيف جماعة آخرون كالحليمي والبيهقي والقزويني والقصري والبلقيني وكتبهم مطبوعة بحمد الله.
(٤) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٨٨٦).
(٥) هو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي، أبو سفيان، الرُؤاسي، إمام محدث، من أئمة السلف، من مؤلفاته: الزهد، التفسير، فضائل الصحابة وغيرها، توفي سنة ١٩٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ١٤٠)، شذرات الذهب (١/ ٣٤٩).
(٦) انظر: كتاب الإيمان للعدني (ص ٩٦).
(٧) انظر: الإيمان له (ص ٦٦).
(٨) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٨٨٦).
(٩) انظر: شرح السنة (١/ ٣٨ - ٣٩).
(١٠) انظر: التمهيد (٩/ ٢٣٨).
(١١) انظر: الإيمان لابن أبي شيبة (ص ٤٦)، الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص ٦٦)، الإيمان للعدني (ص ٧٩)، الإيمان لابن مندة (٢/ ٥)، الشريعة (٢/ ٦١١)، الإبانة الكبرى، تحقيق: نعسان (٢/ ٧٦٠)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٨٣٠)، الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٠٣)، أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٢٠٧)، شرح السنة للبربهاري (ص ٦٧)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٦٤)، مسائل الإيمان لأبي يعلى =
[ ٦٦٤ ]
اختلفت عباراتهم في التعبير عنه إجمالًا وتفصيلًا (^١).
وقد خالف أهلَ السنة والجماعة في ذلك عامةُ الطوائف والفرق (^٢)، ومنهم الأشاعرة فإنهم اتفقوا على أن الإيمان هو تصديق القلب، وأن أعمال الجوارح غير داخلة في مسماه، واختلفوا في إقرار اللسان على قولين -حكاهما ابن حجر في كلامه المتقدم- يقول الباجوري في بيان ذلك.
وفسر الإيمان بالتصديق والنطق فيه الخلف بالتحقيق (^٣)
والذي عليه جمهورهم أن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، وأما إقرار اللسان وعمل الجوارح فهي خارجة عن مسماه (^٤)، وهو ظاهر كلام ابن حجر المتقدم -غفر الله له-.
والقول بذلك باطل، والرد عليه من طريقين:
أحدهما: النقض، وذلك بأن يقال:
أولًا: أن الإيمان في اللغة ليس هو مجرد التصديق -كما سبق- بل هو الإقرار، والإقرار -كما تقدم- يتضمن الإخبار والالتزام.
ثانيًا: أن الإيمان لو فرض أنه في اللغة مجرد التصديق فإن الأعمال داخلة في مسماه، وذلك من وجهين:
١ - أن التصديق يكون بالأعمال أيضًا، ودليل ذلك قوله - ﷺ -: "العينان تزنيان، وزناهما النظر، والأذن تزني، وزناها السمع" إلى أن قال: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (^٥).
_________________
(١) = (ص ١٥٢)، الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي (ص ١٨١)، الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢٩٣ - ٢٩٥)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٥٩)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٠٣).
(٢) انظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٦٢ - ١٦٣)، مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠٥ - ٥٠٦).
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٣)، مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٧ - ٥١)، الإيمان لشيخ الإسلام (ص ٧٢)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٥٩).
(٤) جوهرة التوحيد مع شرحها تحفة المريد (ص ٤٢).
(٥) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٣٨٩)، أصول الدين للبغدادي (ص ٢٤٧)، الإرشاد (ص ٣٣٣)، المواقف (ص ٣٨٤)، وشرحها (٨/ ٣٢٢)، شرح المقاصد (٥/ ١٧٥).
(٦) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج (٤/ ١٩٦٤) برقم (٦٢٤٣)، ومسلم، كتاب القدر، باب قُدِّر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره (٤/ ٢٠٤٦) =
[ ٦٦٥ ]
٢ - أن يكون المراد به تصديقًا خاصًا دل عليه الشرع، وهو تصديق يتضمن الاعتقاد والقول والعمل جميعًا (^١).
ثالثًا: أن الإيمان لو كان هو مجرد التصديق، فإن التصديق يلزم منه ضرورة تحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال والأعمال (^٢).
رابعًا: أن قول ابن حجر بأن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي يناقض قوله بزيادة الإيمان ونقصانه؛ إذ التصديق غير قابل لهما -كما سيأتي-.
خامسًا: أن القول بذلك يلزم منه لوازم باطلة، منها:
١ - أن من لم ينطق بالشهادتين وهو مصدق بقلبه كأبي طالب وبعض أهل الكتاب من اليهود والنصارى يكون مؤمنًا، وهؤلاء متفق على كفرهم (^٣).
٢ - أن من صدق بقلبه ولم يعمل بجوارحه فلم يصل ولم يصم ولم يزك مؤمن، لبقاء أصل التصديق بقلبه، وهذا باطل (^٤).
٣ - أن من صدق بقلبه ثم أتى ناقضًا من نواقض الإسلام القولية أو العملية فإنه لا يكفر، بل يكون مؤمنًا لبقاء أصل التصديق في قلبه (^٥)، وهو من أفسد اللوازم من جهة، ومناقض لِمَا قرره ابن حجر في كتابه الإعلام بقواطع الإسلام من جهة أخرى.
والآخر: المعارضة:
بما تقدم من الأدلة الدالة على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل.
ثانيًا: زيادة الإيمان ونقصانه:
ذكر ابن حجر -غفر الله له- اختلاف الأشاعرة في زيادة الإيمان ونقصانه، وأقوالهم في ذلك، فقال:
_________________
(١) = برقم (٢٦٥٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.
(٢) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٤٧٣).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٤١).
(٤) انظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٢٥)، مجموع الفتاوى (٧/ ٥٨٣).
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٨٣).
(٦) انظر: المصدر السابق (٧/ ٥٨٣).
[ ٦٦٦ ]
"الزيادة والنقص: أنكرهما أبو حنيفة وأتباعه (^١) واختاره من الأشاعرة إمام الحرمين (^٢) وآخرون وأثبتهما جمهور الأشاعرة " (^٣).
وبيّن في موضع آخر رأيه في المسألة فقال بأن الإيمان "يزيد وينقص قوة ومتعلقًا" (^٤).
التقويم:
تواترت نصوص الوحيين في الدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].
وقال ﷿: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١].
وفي الحديث: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" (^٥).
وكل دليل يدل على زيادة الإيمان فهو دليل على نقصه والعكس بالعكس، إذ ما قبل الزيادة قبل النقصان (^٦).
_________________
(١) انظر: العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢/ ٤٥٩)، الفرق بين الفرق (ص ٢٠٣)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٤١).
(٢) انظر: الإرشاد (ص ٣٣٥).
(٣) فتح المبين (ص ٧٦).
(٤) التعرف (ص ١١٧).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان نقصانه (١/ ٣٨) برقم (٤٤)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٢) برقم (١٩٣) من حديث أنس بن مالك - ﵁ - به.
(٦) انظر: السنة للخلال (٢/ ٦٨٨)، شعب الإيمان (١/ ١٦٠)، الفصل (٣/ ٢٣٧)، فتح الباري (١/ ٤٧).
[ ٦٦٧ ]
والقول بمقتضى ذلك هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة (^١)، وانعقد عليه إجماعهم (^٢).
يقول الإمام البخاري ﵀: "لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" (^٣).
وقد اضطرب الأشاعرة في هذه المسألة وتعددت فيها أقوالهم، وذلك مبني على تعريفهم الإيمان بأنه مجرد التصديق وإجماعهم على عدم دخول الأعمال في مسماه.
فقال بعضهم: بأن التصديق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، ومن ثم منعوا ذلك في الإيمان.
وقال آخرون: التصديق يزيد بكثرة الدلائل ولا ينقص لأن نقصه شك، ومن ثم قالوا بزيادة الإيمان دون نقصه.
وقال جمهورهم: الإيمان يزيد وينقص، ولأصحاب هذا القول مسلكان في تقريره:
أحدهما: القول بأن التصديق الذي هو أصل الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والزيادة والنقصان إنما تكون في الأعمال التي هي ثمراته، فالزيادة والنقصان فيه ليست بحسب ذاته ولكن بحسب متعلقه.
_________________
(١) انظر: السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ٣١٠)، الإيمان لأبي عبيد (ص ٧٢)، الإيمان للعدني (ص ٩٤)، الإبانة الكبرى، تحقيق: نعسان (٢/ ٨٦١)، الشريعة (٢/ ٦٠٣)، شرح أصول الاعتقاد (٣/ ١٨)، أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٢٠٧)، التبصر في الدين لابن جرير (ص ١٩٧)، شرح السنة للبربهاري (ص ٦٧)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٦٤)، التمهيد (٩/ ٢٤٣، ٢٥٢)، مسائل الإيمان لأبي يعلى (ص ٣٩٥)، الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي (ص ١٨١)، مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠٥)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٦٦)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤١١)، وللاستزادة: زيادة الإيمان ونقصانه لعبد الرزاق العباد (ص ٣٣ - ١٣١).
(٢) انظر: شرح السنة للبغوي (١/ ٣٨ - ٣٩)، التمهيد (٩/ ٢٣٨) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٢)، مدارج السالكين (١/ ٤٢١).
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٧٣ - ١٧٤).
[ ٦٦٨ ]
ثانيهما: القول بأن التصديق نفسه يزيد وينقص، فيصح إطلاق القول بزيادة الإيمان ونقصانه بحسب الذات الذي هو التصديق وذلك بكثرة النظر وتظافر الأدلة ووضوحها، وبحسب المتعلق الذي هو أفراد ما جاء به الرسول - ﷺ -، وكل ما قبل الزيادة قبل النقص (^١).
وهذا القول هو ما اختاره ابن حجر -غفر الله له- وعبّر عنه في كلامه المتقدم بقوله "يزيد وينقص قوة ومتعلقًا"، وهو متعقب بما يلي:
أولًا: أن قوله هذا مبني على قوله في تعريف الإيمان وأنه مجرد التصديق، وهو باطل -كما سبق- وما بني على باطل فهو كذلك.
ثانيًا: أن قوله هذا يقصر الزيادة والنقصان على تصديق القلب، والحق أن الزيادة والنقصان تدخل الاعتقاد والقول والعمل (^٢).
ثالثًا: أن النصوص الدالة على الزيادة والنقصان في الإيمان بعمل الجوارح أكثر من غيرها (^٣).
ثالثًا: حكم الاستثناء في الإيمان:
ذكر ابن حجر ﵀ اختلاف الناس في حكم الاستثناء في الإيمان، وحرر محل نزاعهم، ورجح ما رآه من أقوالهم، حيث قال:
"منع جماعة منهم أبو حنيفة وأصحابه قول أنا مؤمن إن شاء الله، وإنما يقال: أنا مؤمن حقًّا.
وأجازه آخرون، وقال السبكي (^٤): وهم أكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والشافعية والمالكية والحنابلة، ومن المتكلمين الأشعرية والكلابية
_________________
(١) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٢)، الإرشاد (ص ٣٣٥)، المواقف (ص ٣٨٨)، وشرحها (٨/ ٣٣٠) وما بعدها، شرح المقاصد (٥/ ٢١٠)، تحفَة المريد (ص ٤٩ - ٥١).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٢٣٢ - ٢٣٧، ٥٦٢ - ٥٨٤، ٦٧٢)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٦٦)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤١٣ - ٤١٦).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٦٢) (٦/ ٤٧٩).
(٤) انظر: فتاواه (١/ ٥٣).
[ ٦٦٩ ]
وليس الخلاف فيمن يأتي بإذن شاء الله شاكًا في ثبوت الإيمان له حالًا؛ لأنه كافر بل هو فيمن هو جازم به حالًا غير أن بقاءه على الموت عليه غير معلوم له.
ووجه جوازه:
أنه ليس القصد بالاستثناء فيه إلا التبرك، اتباعًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فإنه يَعم طلب الاستثناء حتى في قطعي الحصول، وقد صرح به فيه، في ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، مع أن خبره تعالى قطعي الصدق تعليمًا وتأديبًا لعباده في صرف الأمور كلها إلى مشيئته
وأن المعتبر في النجاة هو الموت على الإيمان، وهذا غير معلوم وهو أمر مستقبل فصح ربطه بها لا تعليقًا بل تبركًا واتباعًا وخوفًا من سوء الخاتمة.
وأما توجيه منعه بأن تركه أبعد عن التهمة بعدم الجزم به في الحال الذي هو كفر، وبتقدير أنه قصد غير التعليق فربما اعتادت نفسه التردد في الإيمان لكثرة إشعار النفس بواسطة الاستثناء بترددها في ثبوت الإيمان واستمراره.
فجوابه: أنه لا تهمة مع القرائن القطعية بانتفائها، وأيضًا إشعار اللفظ بما مرّ إنما هو بالنظر للتعليق وليس الكلام فيه؛ إذ الغرض أنه إنما قصد التبرك لِمَا مرّ، على أنه لو فرض أنه أطلق فلم يقصد تعليقًا ولا تبركًا فالذي يظهر أنه لا إثم عليه أيضًا؛ لأن الغرض أنه جازم بالإيمان في الحال، وإيهام لفظه تدفعه قرائن أحواله" (^١).
التقويم:
المراد بالاستثناء في الايمان: قول الرجل مجيبًا لمن سأله: أمؤمن أنت؟ إن شاء الله، ونحوها من العبارات التي تشعر بعدم القطع (^٢).
_________________
(١) فتح المبين (ص ٧٨ - ٧٩).
(٢) انظر: الإيمان لشيخ الإسلام (ص ٤١٠).
[ ٦٧٠ ]
وهذه المسألة إنما حدث الخوض فيها بسبب الإرجاء الذي ظهر في الأمة بفعل أهل الأهواء، ولهذا عد السلف سؤال الرجل عن إيمانه بدعة، وفصلوا في جوابه (^١).
يقول الإمام الأوزاعي ﵀ لمن سأله عن الرجل يسأل غيره أمؤمن أنت؟: "إن المسألة عما تسأل عنه بدعة، والشهادة به تعمق لم نكلفه في ديننا، ولم يشرعه نبينا، ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، القول به جدل، والمنازعة فيه حدث" (^٢).
هذا، وجملة أقوال الناس في هذه المسألة ثلاثة:
أحدها: القول بتحريم الاستثناء في الإيمان، وهو قول الجهمية (^٣)، والمرجئة (^٤)، والماتريدية (^٥)، وبعض الأشاعرة (^٦).
قالوا: لأن الإيمان شيء واحد يعلمه الإنسان من نفسه، ومن استثنى فقد شك، والشك في الإيمان كفر (^٧).
وثانيها: القول بوجوب الاستثناء في الإيمان، وهو قول الكلابية (^٨)، وجمهور الأشاعرة (^٩).
قالوا: لأن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، وكذلك الكفر هو ما مات عليه الإنسان، أما قبل ذلك فلا عبرة به، وإنما العبرة بالموافاة (^١٠).
_________________
(١) انظر: السنة للخلال (٣/ ٦٠١)، الشريعة (٢/ ٦٥٦)، الإبانة الكبرى، تحقيق: نعسان (٢/ ٨٧٧)، مجموع الفتاوى (٧/ ٤٤٨).
(٢) انظر: الإبانة الكبرى، تحقيق: نعسان (٢/ ٨٨٢).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٤٢٩).
(٤) انظر: المصدر السابق (٧/ ٤٢٩).
(٥) انظر: التوحيد للماتريدي (ص ٣٨٨)، تأويلات أهل السنة (ص ٢٦٥)، بحر الكلام (ص ٤٠).
(٦) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٣).
(٧) انظر: المصادر السابقة.
(٨) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٨٩) (٧/ ٤٣٠)، الاستقامة (١/ ١٥٠).
(٩) انظر: أصول الدين (ص ٢٥٣)، شرح المقاصد (٥/ ٢١٤)، المسامرة شرح المسايرة (ص ٢٨٣).
(١٠) انظر: المصادر السابقة.
[ ٦٧١ ]
وثالثها: التفصيل في ذلك، وهو قول أهل السنة والجماعة (^١).
قالوا: والمعتبر في ذلك إرادة المستثني وما قام بقلبه.
فإن أراد باستثنائه الشك في إيمانه، مُنع من الاستثناء بغير خلاف.
وإن أراد باستثنائه عدم تحصيله الإيمان المطلق، أو خوفًا من تزكية نفسه، جاز له الاستثناء (^٢).
يقول العلامة ابن أبي العز ﵀: "الاستثناء في الإيمان الناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال" (^٣).
وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ في هذه المسألة موافق لقول أهل السنة والجماعة، إلا أنه يؤخذ عليه ما يلي:
١ - عزوه ذلك إلى المتكلمين من الكلابية والأشاعرة، والصواب أنه قول لبعضهم؛ إذ جمهورهم على القول بوجوبه -كما سبق-.
٢ - تعليله ذلك بالتبرك والموافاة، وهذا التعليل فيه نظر.
فأما الاستثناء باعتبار التبرك فهو متعقب بأن الأصل في الاستثناء أن يكون للمستقبل دون الماضي أو الحاضر، والمخبر بقوله أنا مؤمن إن شاء الله يريد الماضي والحاضر لا المستقبل، والاستثناء فيها بقصد التبرك يلزم منه طرده في كل خبر، وهو لا يعرف عن السلف.
وأما الاستثناء باعتبار الموافاة فهو متعقب بأن القول بذلك لم يعرف عن أحد من السلف -﵏-.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أما مذهب السلف أصحاب
_________________
(١) انظر: السنة لعبد الله (١/ ٣٠٧)، الإيمان لأبي عبيد (ص ٦٧)، الإبانة الكبرى (٢/ ٨٦٢)، الشريعة (٢/ ٦٥٦)، السنة للخلال (٣/ ٥٩٣)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٩٧٦)، الاقتصاد في الاعتقاد (ص ١٨٣)، مجموع الفتاوى (٧/ ٤٣٨ - ٤٣٩، ٥٠٥، ٦٦٦)، شرح الطحاوية (ص/٤٩٨)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٣٥).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٤٣٨ - ٤٣٩، ٤٤٧، ٦٦٨)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٩٨)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٣٥).
(٣) شرح الطحاوية (٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥).
[ ٦٧٢ ]
الحديث فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم، لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا أستثني لأجل الموافاة، وأن الإيمان إنما هو اسم لِمَا يوافي به العبد ربه، بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى؛ فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية لأنفسهم بلا علم
وأما الموافاة فما علمت أحدًا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثيرًا من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث" (^١).
رابعًا: هل الإيمان مخلوق أم لا؟
ساق ابن حجر ﵀ أقوال الناس في خلق الإيمان وعدمه، ورجح ما رآه منها، حيث قال:
"قال جمع من الحنفية: الإيمان مخلوق، وكلام أبي حنيفة صريح فيه.
وقال آخرون منهم: غير مخلوق.
وهما متفقان على أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله سبحاته وتعالي، وبالغ جمع منهم فكفروا من قال بخلقه لِمَا يلزم عليه من خلق كلامه ﷾
والقول بعدم خلق الإيمان لم ينفرد به الحنفية بل نقله الأشعري عن أحمد وجماعة من أهل الحديث ومال إليه، لكن وجَّهه بأن الإيمان حينئذ ما دلّ عليه وصفه تعالى بالمؤمن فإيمانه هو تصديقه في الأزل بكلامه القديم لإخباره بوحدانيته وليس تصديقه هذا محدثًا ولا مخلوقًا تعالى الله أن يقوم به حادث، بخلاف تصديقه لرسله بإظهار المعجزة فإنه من صفات الأفعال وهي حادثة عند الأشاعرة قديمة عند الماتريدية.
وبذلك علم أنه لا خلاف في الحقيقة، لأنه إن أريد بالإيمان المكلف
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٣٨ - ٤٣٩).
[ ٦٧٣ ]
به فهو مخلوق قطعًا، أو ما دلّ عليه وصفه تعالى بالمؤمن فهو غير مخلوق قطعًا" (^١).
التقويم:
القول في خلق الإيمان وعدمه "من مسائل الفضول، والسكوت أولى" (^٢).
وقد ورد عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عن ذلك؟ فقال: "من قال مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فقد ابتدع، وأنه يهجر حتى يرجع" (^٣).
وأصل هذه المقالة ترجع إلى القول باللفظ في القرآن، فقد نهى الإمام أحمد ﵀ عن قول إنه مخلوق أو غير مخلوق، وذلك لأن (اللفظ) كلمة مجملة تشترك بين الملفوظ الذي هو القرآن وهو غير مخلوق، وبين التلفظ الذي هو فعل العبد وهو مخلوق (^٤).
و(الإيمان) من هذا الباب، فإنه لفظ مجمل مشترك، يشترك فيه صفات الله وكلامه، وفعل العبد وكلامه.
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إذا قال الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟
قيل له: ما تريد بالإيمان؟
أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه، كقوله: "لا إله إلا الله" وإيمانه الذي دلّ عليه اسمه المؤمن؟ فهو غير مخلوق.
أو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم؛ فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المُحدَث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصور ما يقول.
فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل، وقد قيل:
_________________
(١) فتح المبين (ص ٧٧ - ٧٨).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٣٠).
(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ١٧٦).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٦٥٥).
[ ٦٧٤ ]
أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات إذا فصل فيها الخطاب، ظهر الخطأ من الصواب" (^١).
وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من التفصيل في هذه المسألة موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة في الجملة، إلا أنه يؤخذ عليه أمران:
أحدهما: حكايته عن الأشعري نسبته القول بعدم خلق الإيمان للإمام أحمد وجماعة من أهل الحديث، وهي متعقبة بما يلي:
١ - أن الذي ذكره الأشعري ﵀ في حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة من المقالات خلاف ما نقله عنه ابن حجر حيث قال: "ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق ولا غير مخلوق" (^٢).
وقد تتبعت ما طبع من كتب الأشعري ﵀ فلم أجد في شيء منها ما نقله ابن حجر عنه.
ولو صح ما ذكره ابن حجر ﵀ عن الأشعري فهو من جملة ما حكاه عن أصحاب الحديث وهو متعقب فيه، فإنه -غفر الله له- لم يكن خبيرًا بأقوالهم ومذاهبهم (^٣).
٢ - أن الذي عليه جماهير أهل الحديث التفصيل في خلق الإيمان وعدمه -كما تقدم- لا القول بعدم خلقه.
يقول الإمام الذهبي ﵀: "الذي صح عن السلف وعلماء الأثر أن الإيمان قول وعمل، وبلا ريب أن أعمالنا مخلوقة، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، فصح أن بعض الإيمان مخلوق،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٦٤)، وانظر: الإيمان لابن مندة (١/ ٣٢٧)، مسائل الإيمان لأبي يعلى (ص ٤٥٩)، والروايتين والوجهين له (ص ٨٢ - ٨٥)، مختصر المعتمد له (ص ١٩١)، مجموع الفتاوى (٧/ ٦٥٥) وما بعدها، سير أعلام النبلاء (٦٣٠/ ١٢) (١٤/ ٣٩).
(٢) مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٧).
(٣) انظر: منهاج السنة (٥/ ٢٧٥ - ٢٧٨، ٣٠٣ - ٣٠٤).
[ ٦٧٥ ]
وقولنا: لا إله إلا الله فمن إيماننا، فتلفظنا بها أيضًا من أعمالنا، وأما ماهية الكلمة الملفوظة فهي غير مخلوقة لأنها من القرآن" (^١).
٣ - أن الثابت عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ القول بالتفصيل المتقدم أيضًا، لا القول بعدم خلقه.
فقد سئل ﵀ عن الإيمان مخلوق أم لا؟ فقال: "أما ما كان من مسموع فهو غير مخلوق، وأما ما كان من عمل الجوارح فهو مخلوق" (^٢).
ثانيهما: تقريره في توجيه ما ذهب إليه الإمام أحمد وجماعة من أهل الحديث فيما حكاه الأشعري أن كلام الله قديم، وأن الله منزه عن قيام الحوادث به، وأن صفات الله الفعلية حادثة، وقد تقدم بيان ما في ذلك من الإجمال والرد عليه بما يغني عن تكراره (^٣).
خامسًا: الفرق بين الإيمان والإسلام:
يرى ابن حجر ﵀ التفريق بين الإيمان والإسلام، حيث قال: "الأظهر أن الإيمان والإسلام متلازما المفهوم فلا ينفك أحدهما عن الآخر وإن اختلف المفهومان، أو مترادفان فلا يوجد شرعًا إيمان من غير إسلام ولا عكسه
إذا تقرر ذلك فحيث ورد ما يدل على تغايرهما كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية [لحجرات: ١٤] فهو باعتبار أصل مفهومهما.
وحيث ورد ما يدل على اتحادهما كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾ الاية [الذاريات: ٣٥] فهو باعتبار تلازم المفهومين أو ترادفهما.
من هنا قال كثيرون: إنهما على وزان الفقير والمسكين فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، وإن قرن بينهما تغايرًا
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٣٠).
(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٩٣ - ٩٤).
(٣) انظر: (ص ٣٣٠).
[ ٦٧٦ ]
وحيث فسرنا الإيمان بالأعمال فهو باعتبار إطلاقه على متعلقاته لِمَا مرّ أنه تصديق بأمور مخصوصة " (^١).
التقويم:
اختلف أهل العلم -رحمهم الله تعالى- في الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد، أم معان متغايرة؟ والخلاف جار بين أهل السنة والجماعة على قولين:
أحدهما: أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد، وممن قال بهذا القول: البخاري (^٢)، ومحمد بن نصر (^٣)، وابن مندة (^٤)، وابن عبد البر (^٥) -رحم الله الجميع-.
وثانيهما: أن الإيمان والإسلام مفترقان، وهو قول كثير من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (^٦)، واختاره الخلال (^٧) (^٨)، وابن بطة (^٩)، والخطابي (^١٠)، واللالكائي (^١١) (^١٢)، وأبو يعلى (^١٣)، وأبو القاسم
_________________
(١) فتح المبين (ص ٧٤ - ٧٥)، وانظر: (ص ٦٢، ٦٥)، تحفة المحتاج (١/ ٢٩)، تطهير اللسان (ص ١٩٣).
(٢) انظر: الصحيح (١/ ٢٧)، وفي شرح مذهبه فتح الباري (١/ ١١٤).
(٣) انظر: تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٠٦ - ٥٣١).
(٤) انظر: الإيمان له (١/ ٣٢١).
(٥) انظر: التمهيد (٩/ ٢٤٧، ٢٥٠).
(٦) انظر: السنة للخلال (٣/ ٦٠٢)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٨١٢).
(٧) هو أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخلال، أبو بكر، سلفي حنبلي، من أبرز علماء الحنابلة، من مؤلفاته: السنة، الجامع لعلوم أحمد، والحث على التجارة والصناعة والعمل، وغيرها، توفي سنة ٣١١ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٩٧)، شذرات الذهب (٢/ ٢٦١).
(٨) انظر: السنة له (٣/ ٦٠٢).
(٩) انظر: الشرح والإبانة (ص ١٨٢).
(١٠) انظر: معالم السنن (٤/ ٣١٥).
(١١) هو هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي، أبو القاسم، سلفي شافعي، من مؤلفاته: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وكرامات الأولياء وغيرها، توفي سنة ٤١٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤١٩)، شذرات الذهب (٣/ ٢١١).
(١٢) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٨١٢).
(١٣) انظر: مسائل الإيمان (ص ٤٢١ - ٤٣٦).
[ ٦٧٧ ]
الأصبهاني (^١) (^٢)، والبغوي (^٣)، وابن الصلاح (^٤)، وابن تيمية (^٥)، وابن كثير (^٦)، وابن رجب (^٧) -رحم الله الجميع-.
والقول بذلك هو القول الذي تعضده الأدلة، وتدل عليه، ومنها:
قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
وحديث سعد بن أبي وقاص حين أعطى النبي - ﷺ - رهطًا وترك رجلًا هو أعجبهم إلى سعد فقال سعد: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ إني لأراه مؤمنًا، فقال: "أو مسلمًا" (^٨).
وحديث جبريل ﵇ حين سأل النبي - ﷺ - عن الإسلام والإيمان ففرق بينهما (^٩).
واختلف القائلون بالتفريق بينهما في تحديد وجهه، والأكثر على أنه إذا قرن بينهما فإن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل وغيره من الآيات والأحاديث التي قرنت بينهما.
وأما إذا أفرد أحدهما فيدخل فيه الآخر، كما في حديث وفد
_________________
(١) هو إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي التيمي الأصبهاني، المعروف بأبي القاسم بقوام السنة، سلفي شافعي، من مؤلفاته: الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، دلائل النبوة، سير السلف الصالحين وغيرها، توفي سنة ٥٣٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢/ ٨)، شذرات الذهب (٤/ ١٠٥).
(٢) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٠٦ - ٤٠٧).
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم (١/ ١٤٥).
(٤) انظر: المصدر السابق (١/ ١٤٨)، الإيمان لابن تيمية (ص ٣٤٥).
(٥) انظر: الإيمان له (ص ٣٤٣، ٣٤٩).
(٦) انظر: تفسيره (٤/ ٢٣٠).
(٧) انظر: جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٥ - ١٠٨).
(٨) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة (١/ ٣٣) برقم (٢٧)، ومسلم، كتاب الإيمان باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه (١/ ١٣٢) برقم (١٥٠).
(٩) سبق تخريجه (ص ٣٦٧).
[ ٦٧٨ ]
عبد القيس حيث فسر الإيمان بما فسر به الإسلام، وكما في حديث عمرو بن عبسة حيث فسر الإسلام بما فسر به الإيمان.
ففي حديث وفد عبد القيس قال - ﷺ -: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان " الحديث (^١).
وفي حديث عمرو بن عبسة - ﵁ - قال: أي الإسلام أفضل؟ قال - ﷺ -: "الإيمان"، قال: وما الإيمان؟ قال: "تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت" (^٢).
يقول الحافظ ابن رجب ﵀: "اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه الآخر بانفراده ودل الآخر على الباقي، وقد صرح بهذا جماعة من الأئمة" (^٣).
وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من التفريق بين الإيمان والإسلام، ونقله عن الكثيرين في تحديد وجهه موافق لقول جمهور أهل العلم.
إلا أنه يؤخذ عليه أنه جعل تفسير الإيمان بالأعمال من إطلاقه على بعض متعلقاته لا من إطلاق بعضه على كله، وذلك مبني على قوله بأن الإيمان هو مجرد التصديق، وأن الأعمال غير داخلة في مسماه، وقد تقدم الرد عليه (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان (١/ ٤١) برقم (٥٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله - ﷺ - (١/ ٤٧ - ٤٨) برقم (١٧).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١١/ ١٢٧) برقم (٢٠١٠٧)، ومن طريقه أحمد (٢٨/ ٢٥١ - ٢٥٢) برقم (١٧٠٢٧)، وعبد بن حميد في المنتخب (١/ ٢٦٩) برقم (٣٠١) عن معمر بن راشد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عمرو بن عبسة - ﵁ - به. وأورده الهيثمي في المجمع (١/ ٥٩) (٣/ ٢٠٧) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٦).
(٤) انظر: (ص ٦٦٥).
[ ٦٧٩ ]
١ - تعريف الكبيرة:
ساق ابن حجر ﵀ أقوال الناس في تعريف الكبيرة، واختلافهم في طريقه هل هو الحد أم العدّ في مواضع من كتبه (^١).
ورجح في بعضها تعريفها بالحد، فقال: "الصحيح بل الصواب أن للكبيرة حدًا.
فقيل: هي ما فيه حد.
وقيل: ما ورد فيه وعيد شديد في الكتاب والسنة، وإن لم يكن فيه حد، وهذا هو الأصح، وهو بمعنى ما اختاره الإمام من أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها" (^٢).
وقال: "الأظهر في تعريفها أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة" (^٣).
ورجح في أخرى تعريفها بالعد، فقال: "اعلم أن كل ما سبق من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط، وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه" (^٤).
وقال: "للكبيرة حدود مدخولة، فالأولى تقريبها بالعد" (^٥).
التقويم:
الكبيرة في اللغة: ضد الصغيرة.
يقول ابن فارس: "الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خلاف الصغر" (^٦).
وهي مشتقة من الكُبْرِ وهو لا يخرج عن معنيين:
_________________
(١) انظر: الزواجر (١/ ٥ - ٩)، أشرف الوسائل (ص ١٩٦)، الفتاوى الحديثية (ص ٣٦١)، التعرف (ص ٧٠)، فتح الإله (ص ٥٣٥).
(٢) أشرف الوسائل (ص ١٩٦).
(٣) الفتاوى الحديثية (ص ٣٦١).
(٤) الزواجر (١/ ٩).
(٥) التعرف (ص ٧٠).
(٦) معجم مقاييس اللغة (ص ٩١٥).
[ ٦٨٠ ]
أحدهما: العظمة.
وثانيهما: الإثم الكبير (^١).
وأما في الاصطلاح:
فقد اختلف أهل العلم في تعريفها اختلافًا كثيرًا، وتعددت أقوالهم فيها، حتى أربت على العشرين (^٢).
يقول العلامة ابن القيم ﵀: "وأما الكبائر فقد اختلف السلف فيها اختلافًا لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة" (^٣).
وجملة هذه الأقوال ترجع إلى أحد أمرين:
أحدهما: تعريفها بالعد.
وثانيهما: تعريفها بالحد.
فمن عرفها بالعد، منهم من قال: بأنه لا يمكن حدها، لأن الله تعالى أبهمه إمعانًا في التحذير منها، ومنهم من قال: بأنه يمكن حدها ولكنه لا يخلو من اعتراض، واختلف هؤلاء في عدها.
ومن عرفها بالحد قال: بأن الأحاديث اختلفت في ذكر عددها بما يدل أن العدد فيها ليس للحصر، وأن القائل بإبهامها إنما يخبر عن نفسه أنه لا يعلمها، فلا يمنع أن يكون غيره قد علمها، واختلف هؤلاء في حدها (^٤).
وأولى الأقوال بالصواب تعريف الكبيرة بالحد، وحدها: بأنها كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وما قاربه في المعنى.
وهذا القول هو المأثور عن أكثر السلف، واختاره جمع من المحققين
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٠٩٠)، الصحاح (٢/ ٨٠١)، لسان العرب (٥/ ١٢٥)، القاموس المحيط (ص ٦٠١).
(٢) انظر: تفسير البغوي (٢/ ٢٠١ - ٢٠٤)، شرح صحيح مسلم (٢/ ٨٥ - ٨٧)، مجموع الفتاوى (١١/ ٣٥٠) وما بعدها، مدارج السالكين (١/ ٣٢١ - ٣٢٧)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٧)، فتح الباري (١٠/ ٤١٠ - ٤١١)، الزواجر (١/ ٥ - ١٠)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٦٥)، الذخائر بشرح منظومة الكبائر للسفاريني أيضًا (ص ١١٢، ١٢١).
(٣) مدارج السالكين (١/ ٣٢٠).
(٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٢٠).
[ ٦٨١ ]
من أهل العلم (^١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد ذكره لاختلاف أهل العلم في تعريف الكبيرة، وبيانه لبعض أقوالهم: "أمثل هذه الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس، وذكره أبو عبيد وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو أن الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة
وهو معنى قول القائل: كل ذنب ختم بلعنة، أو غضب، أو نار، فهو من الكبائر
وإنما قلنا إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه:
أحدها: أنه المأثور عن السلف، بخلاف تلك الضوابط؛ فإنها لا تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة، وإنما قالها بعض من تكلم في شيء من الكلام أو التصوف بغير دليل شرعي.
الثاني: أن الله قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات، واستحقاق الوعد الكريم، وكل من وُعِد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضي ذلك؛ فإنه خارج عن هذا الوعد، فلا يكون من مجتنبي الكبائر.
وكذلك كل من استحق أن يقام عليه الحد، لم تكن سيئاته مُكَفَّرةً عنه باجتناب الكبائر، إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يُعاقَب عليه، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب يستحق العقوبة عليه.
الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب، فهو حد يُتَلَقَّى من خطاب الشارع، وما سوى ذلك ليس مُتَلَقَّى من كلام الله
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٦٥٠)، مدارج السالكين (١/ ٣٢٧)، الكبائر للذهبي (ص ٢٢)، الآداب الشرعية لابن مفلح (١/ ٢٤٢)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٢٥)، فتح الباري (١٢/ ١٨٨)، الذخائر (ص ١٢١).
[ ٦٨٢ ]
ورسوله بل هو قول ورأي القائل وذوقه من غير دليل شرعي، والرأي والذوق بدون دليل شرعي لا يجوز.
الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأما تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر؛ لأن تلك الصفات لا دليل عليها
الخامس: أن تلك الأقوال فاسدة " (^١).
وبما تقدم يظهر من كلام ابن حجر ﵀ في هذه المسألة أنه يرى أن الكبيرة يمكن تعريفها بالحد، ولكن تعريفها به لا يخلو من اعتراض وتعقب؛ ولهذا فالأولى عنده تعريفها بالعد ويؤيد ذلك اعتباره حدها في سياقه للكبائر، وبيانه لبعض حدودها في كلامه السابق.
وعليه فلا تعارض في كلامه بين ترجيح تعريفها بالعد وتعريفه لها ببعض الحدود.
وقوله بهذا كافٍ في ردّ ما أورده من حدود الكبيرة، ومغنٍ عن ذكر الاعتراضات الواردة عليها.
٢ - حكم مرتكب الكبيرة:
يرى ابن حجر ﵀ أن مرتكب الكبيرة إذا مات على الإيمان فإنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، خلافًا للخوارج والمعتزلة من جهة، والمرجئة من جهة أخرى.
يقول في ذلك:
"الحق ما عليه أهل السنة والجماعة وهو أن الميت مؤمنًا فاسقًا تحت المشيئة فإن شاء تعالى عذبه كما يريد ثم مآله إلى أن يعفو عنه فيخرجه من النار وإن شاء الله تعالى عفا عنه ابتداء فسامحه وأرضى عنه خصماءه ثم يدخل الجنة مع الناجين.
وأما قول الخوارج إن مرتكب الكبيرة كافر، وقول المعتزلة إنه مخلد
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٥٠ - ٦٥٧).
[ ٦٨٣ ]
في النار حتمًا وأنه لا يجوز العفو عنه كما لا يجوز عقاب المطيع فهو من تقولهم وافترائهم على الله، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا
وأما قول المرجئة لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة فهو من افترائهم أيضًا على الله تعالى، وما ورد مما قد يؤيده لم يُرَد به ظاهره بدليل نصوص أخر قاطع برهانها واضح بيانها " (^١).
التقويم:
اختلف الناس في مرتكب الكبيرة من جهتين:
الأولى: اسمه.
والثانية: حكمه.
فذهب الخوارج (^٢) والمعتزلة (^٣) إلى أنه في الآخرة خالدٌ في النار، واختلفوا في اسمه في الدنيا وحكمه فيها.
فقالت الخوارج: هو كافر، واختلفوا في كفره هل هو كفر شرك أو كفر نعمة؟
فمن قال بأن كفره كفر شرك قال: تجرى عليه أحكام الكفار في الدنيا.
ومن قال منهم بأن كفره كفر نعمة قال: تجرى عليه أحكام المسلمين في الدنيا (^٤).
وقالت المعتزلة: هو في منزلة بين المنزلتين، أي: بين الإيمان
_________________
(١) الزواجر (١/ ٣١ - ٣٢)، وانظر: (٢/ ٩٠، ٩٤)، فتح المبين (ص ١٨٢)، تحفة المحتاج (١/ ٢٠٩٣)، تطهير الجنان واللسان (ص ١٣٣)، فتح الإله (ص ٢٣٨)، العمدة (ص ٦٣٤ - ٦٧٧)، تنبيه الأخيار (ل ١٠ / أ).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٨)، الملل والنحل (١/ ١١٥)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٥١)، البرهان (ص ١٩).
(٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٦٦٦).
(٤) انظر: الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف لأبي عمار عبد الكافي الإباضي ضمن كتاب آراء الخوارج للدكتور عمار طالبي (٢/ ١١٦).
[ ٦٨٤ ]
والكفر، وحكمه في الدنيا حكم باقي المسلمين (^١).
وذهب المرجئة إلى أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، وأنه في الآخرة من أهل الجنة إذا مات موحدًا مؤمنًا وإن زنى وسرق وقتل، وقال المرجئة الخالصة منهم: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة (^٢).
وتوسط أهل السنة والجماعة وهم الوسط الخيار، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأن حكمه في الدنيا حكم بقية المسلمين، وهو في الآخرة إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له (^٣).
يقول الإمام الصابوني ﵀: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر وكبائر؛ فإنه لا يكفر بها، وإن خرج عن الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص؛ فإن أمره إلى الله ﷿ إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار، ولا معاقبًا على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار" (^٤).
وقد نقل إجماع أهل السنة والجماعة على ذلك غير واحد من أهل العلم (^٥).
وعليه فما رجحه ابن حجر ﵀ في هذه المسألة وحكاه عن أهل السنة والجماعة من القول بأن مرتكب الكبيرة مؤمن لإيمانه فاسق بكبيرته، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله تعالى، وتبريهم من قولي الوعيدية والمرجئة موافق لِمَا قرروه.
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٦٩٧، ٧٠١، ٧١٢)، المنية والأمل (ص ٦).
(٢) انظر: التنبيه والرد (ص ١٥٥)، الملل والنحل (١/ ١٣٩ - ١٤٠)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٠٨)، البرهان (ص ٣٣).
(٣) انظر: شرح السنة للبربهاري (ص ٧٣)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦٢، ١٧٥، ١٧٦)، الشرح والإبانة (ص ٢٦٥)، شرح السنة للبغوي (١/ ١٠٣)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٧٦)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥١، ٣٧٤) (٤/ ٣٠٧)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٢٤).
(٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٧٦).
(٥) انظر: الشرح والإبانة (ص ٢٦٥)، رسالة إلى أهل الثغر (ص ٢٧٤)، شرح السنة للبغوي (١/ ١٠٣).
[ ٦٨٥ ]
المبحث الثاني آراؤه في مسائل الكفر والتكفير
عرض ابن حجر ﵀ لجملة من المسائل المتعلقة بالكفر والتكفير، ومنها: تعريف الكفر، والتحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به، وبيان موانعه، وحكم اعتبار المقاصد واللوازم فيه (^١).
أولًا: تعريف الكفر:
عرف ابن حجر ﵀ الكفر الذي هو بمعنى الردة بأنه قطع الإسلام، وبين أنه يكون بالنية والقول والفعل، حيث قال: "كفر المسلم أي: قطعه للإسلام.
إما أن يكون بنية بالقلب حالًا أو مآلًا
أو تعمّد فعل
أو تعمّد قول.
باعتقاد لذلك الفعل أو القول أي معه، أو مع عناد من الفاعل أو القائل، أو مع استهزاء أي استخفاف منهما ظاهر" (^٢).
وقال أيضًا: "ويحصل [أي: الكفر] باطنًا باعتقاده ما يوجب الكفر وإن لم يظهره، وظاهرًا إما بفعل كالسجود لمخلوق، أو ذبح على اسمه تقربًا إليه، وطرح نحو قرآن أو حديث أو علم شرعي على مستقذر ولو طاهرًا كبزاق، وطرح المستقذر عليه، وطرح فتوى علم على الأرض مع
_________________
(١) ساق ابن حجر ﵀ جملة من المكفرات في كتابه الإعلام بقواطع الإسلام وأغلبها نقلًا عن غيره، وما كان منها من كلامه أوردته في مواضعه من البحث.
(٢) فتح الجواد (٢/ ٢٩٨).
[ ٦٨٦ ]
قوله أي شيء هذا الشرع، وإما بقول مع اعتقاد أو عناد أو استهزاء
وإذا حكمنا بردته بواحد من هذه المذكورات ونحوها حكمنا بها باطنًا وإن كان مصدقًا بقلبه؛ لأن ملحظ الإكفار بها دلالتها إما على عدم الانقياد الباطني وإما على تكذيب الشرع وكلاهما كفر وإن وجد في القلب تصديق كما مرّ ذلك مستوفى في بحث الإيمان" (^١).
التقويم:
الكفر لغة: مصدر كَفَرَ يَكْفُرُ كُفْرًا (^٢).
يقول ابن فارس: "الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية والكفر: ضد الإيمان، سمي بذلك تغطية الحق" (^٣).
وأما في الشرع: فالكفر ضد الإيمان (^٤).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين" (^٥).
ولَمّا كان الناس مختلفين في حقيقة الإيمان، اختلفوا في حقيقة الكفر على نحو اختلافهم فيه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أيضًا: "والناس لهم فيما يجعلونه كفرًا طرق متعددة:
فمنهم من يقول: الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول، ثم الناس متفاوتون في العلم الضروري بذلك.
_________________
(١) فتح المبين (ص ١٥٠)، وانظر: تحفة المحتاج (٤/ ١٠٦ - ١١١)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص ١٩٢ - ١٩٤).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣١٦٠)، الصحاح (٢/ ٨٠٧)، لسان العرب (٥/ ١٤٤)، القاموس المحيط (ص ٦٠٥).
(٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٩٣٠ - ٩٣١).
(٤) انظر: تعظيم قدر الصلاة (ص ٢/ ٥٤٩)، التبصير في معالم الدين لابن جرير (ص ١٦٢)، مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٩) (١٢/ ٣٣٥)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٤٢١).
(٥) مجموع الفتاوى (٢/ ٨٦).
[ ٦٨٧ ]
ومنهم من يقول: الكفر هو الجهل بالله تعالى، ثم قد يجعل الجهل بالصفة كالجهل بالموصوف، وقد لا يجعلها، وهم مختلفون في الصفات نفيًا وإثباتًا.
ومنهم من لا يحد بحد، بل كل ما تبين له أنه تكذيب لِمَا جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر، جعله كفرًا، إلى طرق أخرى " (^١).
ولهذا فتأسيسًا على ما سبق من كون الإيمان عند أهل السنة والجماعة اعتقادًا بالقلب وقولًا باللسان وعملًا بالجوارح، وكونه عند جمهور الأشاعرة مجرد تصديق القلب.
قال أهل السنة والجماعة بأن الكفر يكون بالاعتقاد، أو القول، أو العمل، أو بها جميعًا، وأن الكفر بالقول والعمل يقع بمجرده، دون اشتراط اقترانه بالتكذيب أو عدم الانقياد، أو كونهما علامة أو دليلًا عليهما (^٢).
وقال جمهور الأشاعرة بأن الكفر يكون بالاعتقاد، والقول، والعمل؛ إلا أن وقوع الكفر بالقول والعمل لكونهما دليلًا على التكذيب أو عدم الانقياد وعلامة عليهما، لا لأنهما كفر بمجردهما (^٣)، وهو ما قرره ابن حجر -عفا الله عنه- في كلامه المتقدم.
والقول بذلك ظاهر البطلان، والرد عليه من طريقين:
أحدهما: النقض، وذلك بأن يقال:
أولًا: أن القول بذلك فرع عن القول بأن الإيمان هو مجرد التصديق وهو باطل -كما سبق- (^٤) فما هو فرع له كذلك.
_________________
(١) منهاج السنة (٥/ ٢٥١).
(٢) انظر: تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٣٠)، مجموع الفتاوى (٧/ ٢٢٠، ٥٥٧ - ٥٥٨)، الصارم المسلول (٣/ ٩٥٥) وما بعدها، الدرر السنية (١٠/ ١٤٩) وما بعدها، وللاستزادة: التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد لعلوي السقاف.
(٣) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ٢٦٦)، المواقف (ص ٣٨٨)، وشرحها (٨/ ٣٣١ - ٣٣٢)، شرح المقاصد (٥/ ٢٢٤ - ٢٢٥).
(٤) انظر: (ص ٦٦٥).
[ ٦٨٨ ]
ثانيًا: أن القول بذلك يستلزم لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، منها:
١ - أن لا يكون للقول والعمل المكفر أثر في التكفير وجودًا وعدمًا، وإنما المؤثر في التكفير على الحقيقة هو الاعتقاد، والاعتقاد بمجرده مكفر سواء صاحبه القول والعمل أو لم يصاحباه؛ وعليه فلا معنى لوقوع الكفر بهما (^١).
٢ - أن لا يكون شيء من الأقوال والأعمال كفرًا إلا مع الاعتقاد، والاعتقاد من السرائر المحجوبة؛ وعليه فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص خاص (^٢).
٣ - أن لا يكفر من قال قولًا كفريًا أو عمل عملًا كفريًا وزعم أن قوله لذلك أو فعله له ليس اعتقادًا وإنما غيظًا أو سفهًا أو عبثًا أو لعبًا (^٣).
ثالثًا: أن القول بذلك يؤدي إلى التساهل في الأقوال والأعمال الكفرية بدعوى عدم اعتقاد ما دلت عليه، وتعطيل الحكم بالكفر على من يستحقه بزعمه عدم اعتقاده (^٤).
ثانيهما: المعارضة:
بما دلت عليه النصوص المتكاثرة من إطلاق الكفر على بعض الأقوال والأعمال، ووصف المقارف لها بالكفر.
ثانيًا: التحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به:
حذر ابن حجر ﵀ من التكفير بغير حق، وبين أن من قال لأخيه: يا كافر دائر بين الوقوع في الكفر والوقوع في الكبيرة، حيث قال: "قول إنسان لمسلم: يا كافر أو يا عدو الله
إما كفر بأن يسمى المسلم كافرًا أو عدو الله من جهة وصفه بالإسلام، فيكون قد سمى الإسلام كفرًا ومقتضيًا لعداوة الله وهذا كفر.
_________________
(١) انظر: الصارم المسلول (٣/ ٩٦٣).
(٢) انظر: إيثار الحق على الخلق (ص ٤١٩).
(٣) انظر: الصارم المسلول (٣/ ٩٦٣).
(٤) انظر: الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٣٨٤، ٣٨٦).
[ ٦٨٩ ]
وإما كبيرة بأن لا يقصد ذلك فرجوع ذلك إليه حينئذ كناية عن شدة العذاب والإثم عليه وهذا من أمارات الكبيرة" (^١).
وبين ابن حجر ﵀ ضرورة احتياط المفتي والحاكم في الحكم بالكفر، حيث قال:
"ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظيم خطره، وغلبة عدم قصده سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديمًا وحديثًا" (^٢).
التقويم:
الكفر حكم شرعي متلقى من نصوص الشريعة، والحكم به بمحض العقل ومجرد الرأي من القول على الله بغير علم (^٣).
ولهذا وردت النصوص بالتحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤].
وفي الحديث: "من دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه" (^٤).
وقد اختلف أهل العلم في المراد بالحديث، وحكم من تلفظ بإحدى هاتين اللفظتين على أقوال كثيرة (^٥).
_________________
(١) الزواجر (٢/ ١٢٥)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ١٧٥ - ١٨٤).
(٢) تحفة المحتاج (٤/ ١١٠)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢١٨ - ٢١٩).
(٣) انظر: الشفا للقاضي عياض (٢/ ١٠٦٥)، درء التعارض (١/ ٢٤٢)، منهاج السنة (٥/ ٢٤٤)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٤٢١)، العواصم من الفواصم (٤/ ١٧٨).
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم (١/ ٨٠) برقم (٦١) من حديث أبي ذر - ﵁ - به.
(٥) انظر: شرح صحيح مسلم (١/ ٢٤٩)، فتح الباري (١٠/ ٤٦٦).
[ ٦٩٠ ]
يقول الحافظ ص ابن حجر العسقلاني ﵀: "التحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به، وقيل: يُخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر كما قيل: المعاصى بريد الكفر فيخاف على من أدامها وأصر عليها سوء الخاتمة.
وأرجح الجميع أن يقال: من قال ذلك لمن لا يعرف منه إلا الإسلام ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر، فإنه يكفر بذلك ..
فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر فكأنه كفر نفسه؛ لكونه كفّر من هو مثله، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام" (^١).
وقد ذكر الفقهاء من شتى المذاهب في كتبهم كتاب المرتد، وبينوا فيه من الأحكام المترتبة على الردة ما يؤكد خطورة التكفير، وضرورة الاحتياط في الحكم به (^٢).
"ولهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله" (^٣).
وبما سبق يتضح صحة ما قرره ابن حجر ﵀ من خطورة التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به، وحكم من قال لأخيه: يا كافر أو يا عدو الله.
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٤٦٦).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٧/ ١٣٤)، فتح القدير لابن الهمام (٦/ ٩١)، جامع الأمهات لابن الحاجب (ص ٥١٢)، الذخيرة للقرافي (١٢/ ١٣)، روضة الطالبين (٧/ ٢٨٣)، كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين للمحلي (٤/ ٢٦٧)، الفروع لابن مفلح (٦/ ١٦٤)، كشاف القناع للبهوتي (٦/ ١٦٧).
(٣) الرد على البكري (١/ ٣٨١).
[ ٦٩١ ]
ثالثًا: موانع التكفير:
يرى ابن حجر ﵀ أن الحكم بالكفر على من تلبس به يمنع منه موانع عدة هي: الجهل، والخطأ، والتأويل، والإكراه.
وقد قرر ذلك في مواضع متعددة من كتبه، منها:
قوله: "إطلاق الكفر مع الجهل وعدم العذر به بعيد، وعندنا إذا كان بعيد الدار عن المسلمين بحيث لا ينسب لتقصير في تركه المجيء إلى دارهم للتعلم أو كان قريب العهد بالإسلام يعذر لجهله، فيعرّف الصواب، فإن رجع إلى ما قاله بعد ذلك كفر" (^١).
وقوله: "ويعذر أيضًا فيما يظهر بدعوى سبق اللسان بالنسبة لدرء القتل عنه وذلك حق الله تعالى وهو مبني على المسامحة" (^٢).
وقوله: "ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة ببدعة لشبهة تأويلهم إلا إذا انضم إليها مكفر صريحًا لا لزومًا" (^٣).
وقوله: "ولا تصح ردة مكره على مكفر قلبه مطمئن بالإيمان للآية" (^٤).
التقويم:
لَمّا كان الحكم بالكفر يلزم منه لوازم عدة، ويبنى عليه أحكام كثيرة؛ ذكر أهل العلم ما يمنع منه، ويقدح في الحكم به، وبحثوا في ضوابط كل منها، وجملتها أربعة، هي: الجهل، والخطأ، والتأويل، والإكراه.
وليس المقصود هنا بحث هذه الموانع ومناقشة الأقوال الواردة فيها وإنما المقصود بيان موافقة ابن حجر ﵀ فيما قرره من الإعذار بها لقول أهل السنة والجماعة أو مخالفته لهم.
_________________
(١) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٤٢).
(٢) المصدر السابق (ص ٢٨٢).
(٣) التعرف (ص ١٢٤).
(٤) تحفة المحتاج (٤/ ١١٣)، وانظر: فتح المبين (ص ١٣٠)، فتح الجواد (٢/ ٢٩٩)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣١٨).
[ ٦٩٢ ]
فأولها: الجهل:
والمراد به هنا: التلبس والوقوع في الكفر بسبب عدم العلم.
وقد اختلف أهل العلم في الإعذار به على ثلاثة أقوال:
الأول: الإعذار به مطلقًا.
الثاني: عدم الإعذار به مطلقًا.
الثالث: التفضيل فمن كان حديث عهد بإسلام، أو ناشئًا بغير دار الإسلام، أو ببادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم عذر بجهله، ومن كان بخلاف ذلك فلا يعذر، ومحله المسائل الخفية لا الظاهرة (^١).
والقول الثالث هو بمعنى ما قرره ابن حجر ﵀ في كلامه المتقدم، وهو الراجح الذي عليه المحققون من أهل العلم، وأدلته مبسوطة في مواضعها من كتبهم (^٢).
ثانيها: الخطأ:
والمراد به هنا أحد أمرين:
الأول: الخطأ الناشئ عن اجتهاد، فهذا بمعنى التأويل وحكمه حكمه -وسيأتي-.
الثاني: الخطأ الناشئ عن غير قصد كسبق اللسان ونحوه، فهذا اتفق أهل العلم على الإعذار به مطلقًا (^٣)، وهو الذي عناه ابن حجر ﵀ في كلامه المتقدم، ويدل لذلك قوله ﷿: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ
_________________
(١) انظر: التمهيد (١٨/ ٤٦ - ٤٧)، مجموع الفتاوى (١/ ٤٩١) (٣/ ٢٣١) (٧/ ٦١٩) (١١/ ٤٠٧ - ٤٠٩) (٣٥/ ١٦٥)، مدارج السالكين (١/ ٣٦٧)، فتح الباري (٦/ ٥٢٣)، الدرر السنية (١٠/ ٤٣٢)، فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٢٢٠، ٥٢٨) (٢/ ٩٦ - ٩٩)، مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٢/ ٥٢٨ - ٥٣٠)، فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٢/ ١٢٦ - ١٣٨)، وللاستزادة: الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق معاش (ص ٢٨١) وما بعدها، عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد لأبي العلاء الراشد (ص ٣٧) وما بعدها، نواقض الإيمان الاعتقادية للدكتور محمد الوهيبي (١/ ٢٢٥) وما بعدها.
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم (١٧/ ٧١)، فتح الباري (١٣/ ٢٩).
[ ٦٩٣ ]
وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]، وقوله - ﷺ -: "الله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" (^١).
ثالثها: التأويل:
والمقصود به هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد لذلك أو تعمد المخالفة بسبب القصور في فهم الأدلة الشرعية.
"والمتأولون من أهل القبلة الذين ضلوا وأخطؤوا في فهم ما جاء في الكتاب والسنة مع إيمانهم بالرسول واعتقادهم صدقه في كل ما قال، وأن ما قاله كان حقًّا والتزموا ذلك، لكنهم أخطؤوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية، فهؤلاء قد دل الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأجمع الصحابة - ﵃ - والتابعون ومن بعدهم من أئمة السلف على ذلك" (^٢).
وضابط التأويل المعتبر الإعذار به شرعًا والمانع من الكفر ما كان تأويلًا سائغًا بخلاف ما هو دون ذلك، وهذا يختلف باختلاف ظهور المسائل، وصراحة أدلتها، وقوة التأويل فيها، وورود الشبهة عليها، وسلامة قصد المتأول، وامتلاكه آلة النظر (^٣).
يقول العلامة ابن سعدي ﵀: "والمقصود أنه لا بد من هذا الملحظ في هذا المقام؛ لأنه وجد بعض التفاصيل التي كفر أهل العلم فيها من
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب الحض على التوبة والفرح بها (٤/ ٢١٠٤) برقم (٢٧٤٧) من حديث أنس بن مالك - ﵁ - به.
(٢) الإرشاد في معرفة الأحكام لابن سعدي (ص ٢٠٧).
(٣) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٥١٠ - ٥١١)، الشفا (٢/ ١٠٥١ - ١٠٦٥)، الدرة لابن حزم (ص ٤١٤)، مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣١)، العواصم والقواصم (٤/ ١٧٦)، منهاج التأسيس والتقديس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (ص ١٠٢)، الإرشاد في معرفة الأحكام (ص ٢٠٩).
[ ٦٩٤ ]
اتصف بها، وثم أخر من جنسها لم يكفروه بها، والفرق بين الأمرين أن التي جزموا بكفره بها لعدم التأويل المسوغ وعدم الشبهة المقيمة لبعض العذر، والتي فصلوا فيها القول، لكثرة التأويلات الواقعة فيها" (^١).
وقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جملة من المسائل التي يعذر بالتأويل فيها فيقاس عليها نحوها (^٢).
وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من الإعذار بالتأويل والمنع من التكفير مع وجوده موافق لقول أهل السنة والجماعة إلا أنه يؤخذ عليه إطلاقه الإعذار به دون تقييد ذلك بالتأويل المقبول أو السائغ.
رابعها: الإكراه:
والمراد به هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد له بسبب الإلزام به.
ولا خلاف بين أهل العلم في أن أعمال القلوب ليست محلًا للإكراه؛ ولهذا أصبحت سلامتها شرطًا لصحة الإعذار به في قوله ﷿: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] وأن محل الإكراه أعمال الجوارح من الأقوال والأعمال.
واختلفوا في الإعذار بالإكراه فيهما هل هو خاص بالأقوال دون الأعمال أم هو عام فيهما، والصحيح ما عليه الجمهور من القول بالعموم؛ لعموم الأدلة، ويستثنى من ذلك القتل للإجماع على عدم الإعذار بالإكراه فيه، والزنى على خلاف (^٣).
وضابط الإكراه المعتبر الإعذار به شرعًا والمانع من التكفير ما استجمع شروطًا أربعة:
_________________
(١) الإرشاد في معرفة الأحكام (ص ٢٠٩).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٣ - ٣٦).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٢)، الفتاوى الكبرى (١/ ٥٦)، جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٧٠ - ٣٧١)، فتح الباري (١٢/ ٣١٤)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ١٩٧).
[ ٦٩٥ ]
١ - أن يكون المكرِه قادرًا على تحقيق ما أوعد به.
٢ - أن يكون المكرَه عاجزًا عن الدفع عن نفسه.
٣ - أن يغلب على الظن وقوع الوعيد بترك ما أكره عليه.
٤ - أن يكون الإكراه ملجأ يلحق المكرَه بسببه ضررٌ كثيرٌ لا يسيرٌ (^١).
وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من الإعذار بالإكراه والمنع من التكفير مع وجوده موافق لقول أهل السنة والجماعة إلا أنه يؤخذ عليه أيضًا إطلاقه الإعذار به دون تقييد ذلك بالإكراه المعتبر الذي يستجمع الشروط السابقة.
رابعًا: اعتبار المقاصد في التكفير:
يرى ابن حجر ﵀ أن المعتبر في الحكم بالكفر هو الظاهر دون الباطن، حيث يقول:
"المدار في الحكم بالكفر على الظواهر، ولا نظر للمقصود والنيات ولا نظر لقرائن حاله" (^٢).
التقويم:
الحكم بالكفر يتناول الظاهر والباطن للتلازم بينهما، وهو فرع عن القول بأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل (^٣).
ولهذا فإن الاعتقادات والأقوال والأعمال الكفرية من حيث هي قسمان (^٤):
الأول: ما لا يحتمل إلا الكفر.
كسب الله تعالى ورسوله - ﷺ - ودينه، وإهانة المصحف ونحو ذلك؛ فإن هذه الأعمال لا تحتمل إلا الكفر فلا ينظر إلى قصد من عملها ولا إلى نيته ولا إلى قرائن أحواله.
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣١١).
(٢) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٨٢)، وانظر: (ص ١٨٥).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٨٢، ٦١٦، ٦٢١)، شرح الأصفهانية (ص ١٤٢).
(٤) انظر: ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة للدكتور عبد الله القرني (ص ٢١٢ - ٢١٧).
[ ٦٩٦ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده. هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (^١).
ويقول: "لو أخذ يلقي المصحف في الحش، ويقول أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًّا من الأنبياء، ويقول أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبًا فيما أظهره من القول" (^٢).
والحكم بالكفر هنا إنما هو للفعل لا للفاعل، إذ لا يلزم من الحكم بكفر الفعل تكفير الفاعل؛ لكون تكفيره يتوقف على وجود الشروط وانتقاء الموانع.
والثاني: ما يحتمل الكفر وعدمه:
كالسجود لغير الله، وإفشاء سر المسلمين لعدوهم ونحو ذلك؛ فإن هذه الأعمال تحتمل الكفر وعدمه، فالمعتبر فيها قصد من عملها ونيته وقرائن أحواله.
فالسجود لغير الله يحتمل أن يكون عبادة وقربة، فهو حينئذ كفر، ويحتمل أن يكون تعظيمًا وتحية، فهو حينئذ معصية؛ ولهذا لم يحكم النبي - ﷺ - بكفر معاذ - ﵁ - بمجرد سجوده له، وإنما استفصل منه (^٣).
ففي الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: "لَمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي - ﷺ - قال: ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال النبي - ﷺ -: فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت
_________________
(١) الصارم المسلول (٣/ ٩٥٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦١٦)، وانظر: شرح الأصفهانية (ص ١٤٢)، أعلام الموقعين (٣/ ١٠٧).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٦٠).
[ ٦٩٧ ]
المرأة أن تسجد لزوجها" (^١).
وكذا إفشاء سر المسلمين لعدوهم يحتمل الموالاة والإعانة، وهو حينئذ كفر، ويحتمل إرادة مصلحة دنيوية، وهو حينئذ معصية؛ ولهذا لم يحكم النبي - ﷺ - بكفر حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - بمجرد مكاتبته لقريش بأمر مسير الرسول - ﷺ - والمسلمين إليهم لفتح مكة، وإنما استفصل منه (^٢).
ففي الحديث عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال له: "ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجَل عليَّ يا رسول الله، إني كنت امرءًا من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصنع إليهم يدًا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني فقال رسول الله: إنه صدقكم، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال: إنه شهد بدرًا وما يدريك لعل الله ﷿ اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (^٣).
وبما سبق يُعلم خطأ ابن حجر -غفر الله له- في إطلاق القول بأن المدار في الحكم بالكفر على الظواهر وأنه لا نظر إلى المقاصد أو النيات أو القرائن من جهة، ومناقضة قوله هذا لِمَا سبق نقله عنه من كون الحكم بالكفر في حق من ظهر منه قول أو عمل مكفر إنما هو بسبب كونه دليلًا على تكذيب القلب أو عدم الانقياد الباطن من جهة أخرى.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة (١/ ٥٩٥) برقم (١٨٥٣)، وعبد الرزاق (١١/ ٣٠١) برقم (٢٠٥٩٦)، وأحمد (٣٢/ ١٤٥) برقم (١٩٤٠٣)، وابن حبان (٩/ ٤٧٩) برقم (٤١٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٩٢) من طرق عن القاسم بن عوف الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ -. قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٣٠٩): "رجاله رجال الصحيح"، والحديث له شواهد من حديث معاذ بن جبل، وزيد بن أرقم، وصهيب وغيرهم من الصحابة - ﵃ -.
(٢) انظر: الأم (٤/ ٢٦٤).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرًا (٣/ ١٢١٥) برقم (٣٩٨٥)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بدر وقصة حاطب (٤/ ١٩٤١) برقم (٢٤٩٤).
[ ٦٩٨ ]
خامسًا: اعتبار اللازم في التكفير:
يرى ابن حجر ﵀ عدم اعتبار اللازم في التكفير، والحكم بمقتضاه فيه، حيث يقول:
"الأصح أن لازم المذهب ليس بمذهب؛ لأن القائل بالملزوم قد لا يخطر له القول بلازمه فلا كفر به" (^١).
التقويم:
اللازم: ما يمتنع انفكاكه عن الشيء، وقد يكون هذا اللازم بينًا، وهو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزوم بينهما، وقد يكون غير بيّن، وهو الذي يفتقر جزم الذهن باللزوم بينهما إلى وسط (^٢).
"ولازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق، فهذا يجب عليه أن يلتزمه
والثاني: لازم الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه " (^٣).
واللوازم من حيث التزام أصحابها بها على أحوال ثلاثة:
الأول: أن يلتزم بها، فتعد قولًا له.
الثاني: أن يمنع التلازم بينها وبين قوله، فلا تعد قولًا له.
الثالث: أن يسكت عنها فلا يلتزمها ولا يمنع التلازم بينها وبين قوله -فهذه محل البحث هنا- فهل تعد قولًا له أم لا؟ قولان، أصحهما أنها لا تعد كذلك (^٤).
_________________
(١) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٦٣)، وانظر: (ص ٢٠٢، ٢٢٣، ٢٣٩، ٢٦٣، ٢٩٤، ٣٠١)، تحفة المحتاج (٤/ ١٠٩) التعرف (ص ١٢٤)، فتح الجواد (٢/ ٢٩٩).
(٢) انظر: التعريفات للجرجاني (ص ١٩٠).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٩/ ٤١ - ٤٢).
(٤) انظر: القواعد النورانية لشيخ الإسلام (ص ١٢٨ - ١٢٩)، مجموع الفتاوى (٥/ ٣٠٦، ٤٧٧)، الاعتصام للشاطي (٢/ ٥٤٩)، توضيح المقاصد لابن عيسى (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، توضيح الكافية الشافية لابن سعدي (ص ١٥٥ - ١٥٦)، شرح النونية لهراس (٢/ ٣٤ - ٣٧)، القواعد المثلى لابن عثيمين (ص ٣٢ - ٣٣).
[ ٦٩٩ ]
ولهذا فإن الصحيح عدم اعتبار اللازم في التكفير، والحكم بمقتضاه فيه ما لم يلتزمه (^١).
وقد نقل الحافظ السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمهما الله- أنه قال: "الذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعُرض عليه فالتزمه أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافرًا ولو كان اللازم كفرًا" (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: الفصل (٣/ ٢٥٠)، الشفا للقاضي عياض (٢/ ١٠٨٤ - ١٠٨٦)، مجموع الفتاوى (٥/ ٣٠٦) (٢٠/ ٢١٧)، العواصم من القواصم (٤/ ٣٦٨)، العلم الشامخ للمقبلي (ص ٤١٢)، وللاستزادة: نواقض الإيمان الاعتقادية (٢/ ٣٥ - ٣٨).
(٢) فتح المغيث (١/ ٣٣٤)، وقد بحثت عن كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في مظانه من كتبه فلم أجده.
[ ٧٠٠ ]
المبحث الثالث آراؤه في مسائل البدعة
عرض ابن حجر ﵀ لجملة من المسائل المتعلقة بالبدعة، وهي: تعريف البدعة، وبيان أقسامها، وتوضيح حكمها، وبيّن موقفه من بعض البدع المنتشرة في عصره.
وفيما يلي بيان ذلك:
أولًا: تعريف البدعة:
عرف ابن حجر ﵀ البدعة في اللغة، وبين المراد بها في الشرع، حيث قال:
"هي لغة: ما كان مخترعًا على غير مثال سابق، ومنه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي: موجدهما على غير مثال سابق.
وشرعًا: ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص والعام" (^١).
التقويم:
البدعة لغة: اسم هيئة من الابتداع (^٢).
يقول ابن فارس: "الباء والدال والعين أصلان:
أحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا على مثال سابق.
_________________
(١) فتح المبين (ص ٢٢١)، وانظر: (ص ١٠٧)، الفتاوى الحديثية (ص ٣٧٠).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٩٣)، الصحاح (٣/ ١١٨٣)، لسان العرب (٨/ ٦)، القاموس المحيط (ص ٩٠٦).
[ ٧٠١ ]
والثاني: الانقطاع والكلال، كقولهم: أبدعت الراحلة إذا كلت وعطبت" (^١).
والمعنى الثاني داخل في الأول؛ إذ الانقطاع والكلال ابتداء لشيء خارج عما اعتيد عليه (^٢).
وأما في الشرع:
فقد عرف العلماء البدعة في الشرع بتعريفات كثيرة (^٣)، وهي وإن كان بينها اختلاف في الألفاظ أدى إلى تفاوتها في استيفاء جزئيات التعريف كاملة، إلا أن مضمونها في الجملة واحد.
وأجمعها تعريف الشاطبي ﵀ حيث عرفها بقوله: "البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية" (^٤).
فقد تضمن هذا التعريف ضوابط البدعة، وهي:
الأول: الإحداث والاختراع.
الثاني: التعبد بها.
الثالث: عدم استنادها إلى أصل شرعي بطريق خاص أو عام (^٥).
ومما سبق يتضح صواب قول ابن حجر ﵀ في تعريفه البدعة في اللغة والشرع، ومطابقة تعريفه لها لما ذكره أهل العلم في تعريفها وضوابطها، إلا أنه أغفل الإشارة في تعريفه إلى ضابط التعبد بها فلم يذكره وهو مهم.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (ص ١١٩).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ١٠٧ - ١٠٨).
(٣) انظر: الحوادث والبدع للطرطوشي (ص ٣٩)، الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة (ص ٨٥)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٩٥) (٤/ ١٠٧) (١٨/ ٢٤٦) (٢١/ ٣١٧)، الاعتصام للشاطبي (١/ ٣٧)، جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٧)، الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي (ص ٨١).
(٤) الاعتصام (١/ ٣٧).
(٥) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٨)، فتح الباري (١٣/ ٢٥٤)، وللاستزادة: قواعد معرفة البدع للدكتور محمد الجيزاني (ص ١٩) وما بعدها.
[ ٧٠٢ ]
ثانيًا: أقسام البدعة:
لما عرف ابن حجر - عفا الله عنه - البدعة بأنها ما أحدث على خلاف أمر الشرع ودليله، بين المراد بالمحدث، وأقسامه، فقال:
"المراد بالمحدث الذي هو بدعة وضلالة: ما ليس له أصل في الشرع، وإنما الحامل عليه مجرد الشهوة والإرادة فهذا باطل قطعًا، بخلاف محدث له أصل في الشرع إما بحمل النظير على النظير أو بغير ذلك فإنه حسن؛ إذ هو سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، ومن ثم قال عمر - ﵁ - به في التراويح: نعمت البدعة هي (^١)، فليس ذلك مذمومًا بمجرد لفظ محدث أو بدعة فإن القرآن باعتبار لفظه وإنزاله وصف بالمحدث في أول سورة الأنبياء وإنما منشأ الذم ما اقترن به من مخالفته للسنة ودعائه إلى الضلالة" (^٢).
وقال في شرحه لحديث عائشة - ﵂ - وفيه أن النبي - ﷺ - قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (^٣).
"قوله: (من أحدث) أي: أنشأ واخترع من قبل نفسه.
(في أمرنا هذا ما ليس منه): مما ينافيه أو لا يشهد له شيء من قواعده وأدلته العامة.
(فهو رد): أي مردود على فاعله؛ لبطلانه وعدم الاعتداد به، سواء كانت منافاته لما ذكر لعدم مشروعيته بالكلية كنذر القيام وعدم الاستظلال ومن ثم أبطل - ﷺ - نذر ذلك، أو للإخلال بشرطه أو ركنه عبادة كانت أو عقدًا أو للزيادة على المشروع فيه في نحو الصلاة دون الوضوء أو لارتكاب منهياته كالصلاة بنحو مغصوب
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فصل من قام رمضان (٢/ ٥٩٥) برقم (٢٠١٠).
(٢) فتح المبين (ص ٢٢١).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في كتاب الأقضية، باب نقص الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (٣/ ١٣٤٣) برقم (١٧١٨).
[ ٧٠٣ ]
أما ما لا ينافي ذلك بأن شهد له شيء من أدلة الشرع أو قواعده فليس يرد على فاعله بل هو مقبول منه، وذلك كبناء نحو الربط وخانات السبيل وسائر أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى، وكالتصنيف في جميع العلوم النافعة الشرعية على اختلاف فنونها وككتابة القرآن في المصاحف ووضع المذاهب وتدوينها
ومن ثم استجاز كثير من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - كما وقع لأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت - ﵃ - في جمع القرآن، فإن عمر أشار به على أبي بكر خوفًا من اندراس القرآن بموت الصحابة - ﵃ - لَمّا كثر فيهم القتل يوم اليمامة وغيره، فتوقف لكونه صورة بدعة ثم شرح الله صدره لفعله لأنه ظهر له أنه يرجع إلى الدين وأنه غير خارج عنه
وكما وقع لعمر - ﵁ - في جمع الناس لصلاة التراويح في المسجد مع تركه - ﷺ - لذلك بعد أن كان فعله ليالي، وقال - أعني: عمر -: نعمت البدعة هي، أي لأنها وإن أحدثت ليس فيها رد لِمَا مضى بل موافقة له؛ لأنه - ﷺ - علل الترك بخشية الافتراض، وقد زال ذلك بوفاته - ﷺ -.
وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه -: "ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا فهو البدعة الضالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك فهو البدعة المحمودة" (^١).
والحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها وهي ما وافق شيئًا مما مرّ ولم يلزم من فعله محذور شرعي وأن البدعة السيئة هي ما خالف شيئًا من ذلك صريحًا أو التزامًا " (^٢).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (١/ ٢٢٦) برقم (٢٥٣)، ومناقب الشافعي له (١/ ٤٦٩). وأخرجه بنحوه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٣).
(٢) فتح المبين (ص ١٠٧ - ١٠٨).
[ ٧٠٤ ]
التقويم:
دلّت النصوص الشرعية على أن البدع كلها سيئة، وليس فيها شيء حسن، ومنها:
قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قال الإمام مالك - ﵀ -: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا - ﷺ - خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا" (^١).
وقوله - ﷺ -: "كل بدعة ضلالة" (^٢).
قال الحافظ ابن رجب - ﵀ -: "فقوله - ﷺ -: "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين" (^٣).
وقوله - ﷺ -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (^٤).
قال العلامة الشوكاني - ﵀ -: "هذا الحديث من قواعد الدين، لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر، وما أصْرَحَهُ وأدَلّه على إبطال ما ذهب إليه الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام، وتخصيص الرد ببعضها بدون مخصص من عقل ولا نقل" (^٥).
وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان على ذم البدع صغيرها وكبيرها، وتقبيحها والتحذير منها، والنهي عن مجالسة أصحابها، بل والتنفير من الذرائع المؤدية إليها، ولم يُعلم عن السلف توقف في شأن شيء من البدع فضلًا عن القول باستحسانها، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت يدل دلالة واضحة على أن البدع كلها سيئة ليس فيها شيء حسن (^٦).
_________________
(١) ذكره الشاطبي عن الإمام مالك في الاعتصام (٢/ ١٨).
(٢) سبق تخريجه (ص ٧).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٨).
(٤) سبق تخريجه (ص ٧٠٣).
(٥) نيل الأوطار (٢/ ٦٩).
(٦) انظر: الاعتصام (١/ ٤٢)، وانظر: في سياق أقوال السلف - ﵏ - كتاب ما جاء =
[ ٧٠٥ ]
وعليه فما قرره ابن حجر - غفر الله له - من تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة باطل، والرد عليه من طريقين:
أحدهما، النقض: بأن يقال:
أولًا: أن متعلق البدعة يقتضي القول ببطلان ذلك بنفسه؛ لأنه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة، فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح، ومنه ما يذم؛ إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع (^١).
ثانيًا: أن القول بذلك يفتح باب الابتداع على مصراعيه، ولا يمكن معه رد أي بدعة؛ لأن كل صاحب بدعة سيدعي أن بدعته حسنة.
ثالثًا: أن قول ابن حجر - غفر الله له - بذلك مناقض لِمَا قرره قبل من كون التحسين والتقبيح شرعيين لا عقليين (^٢).
رابعًا: أن ما احتج به ابن حجر - عفا الله عنه - على قوله لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:
١ - أن الأمثلة التي ساقها للبدعة الحسنة وقرر عمل الأمة بها، وادعى أنها لم تعهد في الصدر الأول لا تسلم له؛ إذ الأربطة والمدارس وكتابة القرآن وتصنيف الكتب ونحوها من أعمال البر مسبوقة بالصفة ودار الأرقم وكتابة القرآن والحديث في الصدر الأول، وهي أصل مشروعيتها (^٣).
"وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع فعلى هذا لا ينبغي أن تسمى بدعة أصلًا" (^٤).
٢ - أن فعل عمر - ﵁ - وقوله لا يدل على ما ذهب إليه ابن حجر، وذلك من وجهين:
_________________
(١) = في البدع لابن وضاح (ص ٢٥) وما بعدها، جزء في اتباع السنن واجتناب البدع للضياء المقدسي (ص ٣١) وما بعدها، التمسك بالسنن والتحذير من البدع للذهبي (ص ٩٣) وما بعدها، الأمر بالاتباع والنهي عن الإبداع للسيوطي (ص ٥٧) وما بعدها.
(٢) انظر: الاعتصام (١/ ١٤٢).
(٣) انظر: (ص ٦٠١).
(٤) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ١٣١)، حوار مع المالكي للمنيع (ص ١٠٤).
(٥) الاعتصام (١/ ٣٨ - ٣٩).
[ ٧٠٦ ]
أ - أنه قال ذلك عندما جمع الناس في صلاة التراويح وصلاة التراويح ليست ببدعة، بل هي عين السنة، بدليل ما روته عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمع من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله - ﷺ -، فلما أصبح، قال: "قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان" (^١).
فبيّن رسول الله - ﷺ - العلة التي من أجلها ترك الجماعة في صلاة التراويح، فلما رأى عمر - ﵁ - أن العلة قد زالت، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، أعاد صلاة التراويح جماعة، فالذي فعله عمر - ﵁ - ليس بدعة وإنما هو عين السنة (^٢).
ب - أن المراد بالبدعة في قول عمر - ﵁ - البدعة بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الشرعي؛ إذ صلاة التراويح جماعة قد ثبت فعلها في عهده - ﷺ - كما سبق - فإطلاق لفظ البدعة عليها بمعناه الشرعي لا يصح، ولكن لَمّا كانت قد تركت في عهد النبي - ﷺ - للعلة المذكورة وفي عهد أبي بكر وصدر عهد عمر - ﵄ - ثم فعلت بعد صح إطلاق لفظ البدعة عليها بمعناه اللغوي إذ ليس لها مثال سابق (^٣).
٣ - أن قول الإمام الشافعي - ﵀ - لا يدل على ما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - وذلك من وجهين:
أ - أن الإمام الشافعي - ﵀ - لا يمكن أن يقول بتقسيم البدعة بمعناها الشرعي إلى قسمين حسنة وسيئة؛ إذ ذلك معارض لأصوله، ومنها إنكاره
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب تحريض النبي - ﷺ - على صلاة الليل (١/ ٣٣٧) برقم (١١٢٩).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٣٤)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٨٨، ٥٩١)، جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٨)، الاعتصام (١/ ١٩٤).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧١) (٢٢/ ٢٢٤، ٢٣٤)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٨٩ - ٥٩٠)، الاعتصام (١/ ١٩٥)، جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٨).
[ ٧٠٧ ]
الاستحسان الذي لا يستند إلى دليل شرعي، ومن مشهور قوله: "من استحسن فقد شرع" (^١)، ومما سطره في رسالته قوله: "ليس لأحد دون رسول الله - ﷺ - أن يقول إلا بالاستدلال ولا يقول بما استحسن؛ فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سابق" (^٢).
ب - أن المراد بالبدعة في قول الإمام الشافعي - ﵀ - المتقدم البدعة بمعناها اللغوي لا بمعناها الشرعي، ويدل لذلك سياقه لقول عمر - ﵁ - المتقدم.
يقول الحافظ ابن رجب - ﵀ -: "مراد الشافعي - ﵁ - ما ذكرناه قبل، أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة يعني: ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها السنة" (^٣).
ثانيهما: النقض:
بما تقدم من الأدلة الدالة على أن البدعة كلها سيئة، وقد جاءت على كثرتها مطلقة ولم يستثن منها شيء (^٤).
ثالثًا: حكم البدعة:
يرى ابن حجر - غفر الله له - أن البدعة تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة، حيث قال:
"البدعة منقسمة إلى الأحكام الخمسة؛ لأنها إذا عرضت على القواعد الشرعية لم تخل عن واحد من تلك الأحكام.
فمن البدع الواجبة على الكفاية: الاشتغال بالعلوم العربية المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة وبالجرح والتعديل وتمييز صحيح الأحاديث
_________________
(١) نقله عنه الشاطبي في الاعتصام (٢/ ١٣٧).
(٢) الرسالة (ص ٢٥)، وانظر: (ص ٥٠٤، ٥٠٧، ٥٠٨).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٣١).
(٤) انطر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧٠)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٨٨)، الاعتصام (١/ ١٤١ - ١٤٢).
[ ٧٠٨ ]
من سقيمها، وتدوين نحو الفقه وأصوله وآلاته، والرد على نحو القدرية والجبرية والمرجئة لأن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين كما دلت عليه القواعد الشرعية ولا يتأتى حفظها إلا بذلك، ولأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب.
ومن البدع المحرمة: مذاهب سائر أهل البدع المخالفة لِمَا عليه أهل السنة والجماعة.
ومن المندوبة: إحداث نحو الربط، والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول
ومن البدع المكروهة: زخرفة المساجد، وتزويق المصاحف.
ومن المباحة: التوسع في لذيذ المآكل والمشارب والملابس" (^١).
التقويم:
القول بأن البدعة مما تجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة من الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والإباحة قول حادث، وأول من عرف عنه القول به العز بن عبد السلام (^٢)، وتبعه عليه القرافي (^٣) - غفر الله لهما - وتلقفه عنهما بعض فقهاء المذاهب المتأخرين (^٤)، ومن هؤلاء ابن حجر - عفا الله عنه -.
وهو قول باطل، والرد عليه من طريقين:
أحدهما: النقض: وذلك بأن يقال:
أولًا: أن متعلق البدعة يقتضي القول ببطلان هذا التقسيم؛ لأنها من باب مضادة الشارع وإطراح الشرع، وما كان بهذه المثابة، فلا يصح أن ينقسم إلى هذه القسمة وتجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة (^٥).
_________________
(١) فتح المبين (ص ٢٢١ - ٢٢٢)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٣).
(٢) انظر: قواعد الأحكام (٢/ ١٧٢ - ١٧٤)، وفتاواه (ص ١١٦).
(٣) انظر: الفروق (٤/ ٢٠٢).
(٤) انظر: قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص ١٩)، المنثور في القواعد للزركشي (١/ ٢١٨)، الحاوي للسيوطي (١/ ١٩٢، ٣٤٨).
(٥) انظر: الدين الخالص (٣/ ٢٣ - ٢٥).
[ ٧٠٩ ]
ثانيًا: "أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع؛ لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من نصوص الشرع ولا من قواعده، إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة، لَمَا كان ثم بدعة، ولكان العمل داخلًا في عمومٍ الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، فالجمع بين عد تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين.
أما المكروه والمحرم منها فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى؛ إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لإمكان أن يكون معصية كالقتل، والسرقة، وشرب الخمر، ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة، إلا الكراهية والتحريم" (^١).
ثالثًا: أن جميع الأمثلة التي مثل بها ابن حجر - غفر الله له - لا تصح دليلًا على التقسيم المذكور، سوى مثاله للبدع المحرمة.
"أما قسم الواجب: فجميع ما ذكر فيه من أمثلة من قبيل المصالح المرسلة (^٢) لا من قبيل البدعة المحدثة، والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، فهي من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول وإن كان فيها خلاف بينهم، ولكن لا يُعد ذلك قدحًا على ما نحن فيه
وأما قسم المندوب: فليس من البدع بحال، ويتبين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثل لها
وأما القسم المباح: فليست في الحقيقة من البدع، بل هي من باب التنعم، ولا يقال فيمن تنعم بمباح إنه قد ابتدع
_________________
(١) الاعتصام (١/ ١٩١).
(٢) المراد بالمصالح المرسلة: "كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع الكلية دون أن يكون لها شاهد جزئي بالاعتبار أو الإلغاء". انظر: المحصول (١/ ٢١٨)، المستصفى (١/ ٢٨٤)، الاعتصام (٢/ ١١٤)، المصالح المرسلة للشنقيطي (ص ٩ - ١٠)، وللاستزادة: البدعة والمصالح المرسلة للدكتور توفيق الواعي (ص ٢٤١) وما بعدها.
[ ٧١٠ ]
وأما القسم المكروه: ففيه أشياء هي من قبيل البدع" (^١) المحرمة لا المكروهة.
والثاني: المعارضة:
بما تقدم من الأدلة الدالة على تحريم البدع كلها، والحكم ببطلانها.
رابعًا: موقفه من بعض البدع المنتشرة في عصره:
حذر ابن حجر - ﵀ - من جملة من البدع الحادثة في مواضع متعددة من كتبه، سواء من البدع العقدية (^٢) أو البدع العملية (^٣).
وفيما يلي دراسة لموقفه من أشهر بدع عصره.
١ - الاحتفال بالمولد النبوي:
عرف ابن حجر - غفر الله - المولد، بقوله: "المولد: بكسر اللام زمن الولادة، وبفتحها: مكانها" (^٤).
وذكر اختلاف المؤرخين في تاريخ مولده - ﷺ -، وأرجح أقوالهم، فقال: "اختلفوا في مولده ويومه على أقوال كثيرة، ولا خلاف أنه ولد يوم الاثنين، والأشهر أنه ولد في شهر ربيع الأول، والأشهر أيضًا أنه ولد في ثاني عشر، وكثيرون أئمة حفاظ متقدمون وغيرهم على أنه يوم ثامنه" (^٥).
وبين حكم الاحتفال به، فقال: "اعلم أنه بدعة؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف من القرون الثلاثة التي شهد النبي - ﷺ - بخيريتها، لكنها بدعة حسنة لِمَا اشتملت عليه من الإحسان الكثير للفقراء، ومن قراءة القرآن، وإكثار الذكر، وقراءة مولد وما اشتمل عليه من كراماته وكثير من معجزاته، وإظهار السرور والفرح به
_________________
(١) الاعتصام (١/ ١٩١ - ١٩٧).
(٢) سبق ذكرها في مواضعها من الرسالة.
(٣) انظر: الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٣٩٧، ٣٩٨، ٤١٣، ٤٢٢، ٤٣١) (٤/ ٢١٦)، تحفة المحتاج (١/ ٤٣٢، ٤٣٣، ٤٣٨)، الإفادة لما جاء في المرض والعيادة (ص ٣٨، ٣٩)، الدر المنضود (ص ١٧١).
(٤) المنح المكية (١/ ١٧٩).
(٥) مولد النبي - ﷺ - (ص ٤٩)، وانظر: المولد الشريف (ص ٥٣)، أشرف الوسائل (ص ٣٨).
[ ٧١١ ]
ومما يدل على أن عمل المولد المشتمل على ما مر من الإحسان الواسع والذكر الكثير بدعة حسنة:
إكثار الإمام الكبير أبي شامة (^١) شيخ النووي - رحمهما الله - الثناء على الملك المظفر (^٢) صاحب إربل (^٣) بما كان يفعله من خيرات في هذه الليلة مما لم يحك بعضه عن غيره فثناء هذا الإمام على هذا الفعل في هذه الليلة أول دليل على أنها بدعة حسنة، لا سيما أبو شامة - رحمه الله تعالى - إنما ذكر هذا الثناء الفائق في كتابه الذي سماه الباعث على إنكار البدع والحوادث (^٤)، فذكر ذلك الثناء والمدح في هذا الكتاب الموضوع لإنكار البدع أول دليل على أن ذلك ليس من البدع التي تنكر بل من التي تستحسن وتشكر
واستدل شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل ابن حجر لكونها بدعة حسنة بخبر الصحيحين أنه - ﷺ - لَمَّا قدم المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجّى موسى، فنحن نصومه شكرًا لله تعالى، فقال - ﷺ -: "فنحن أحق بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه، وقال: "إن عشت إلى قابل " الحديث (^٥).
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، الدمشقي، شهاب الدين، أبو القاسم، المشهور بأبي شامة، من أئمة الشافعية في وقته، له مؤلفات منها: الباعث على إنكار البدع والحوادث، المؤمل للرد إلى الأمر الأول، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز وغيرها. توفي سنة ٦٦٥ هـ. انظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٦٠)، شذرات الذهب (٥/ ٣١٨).
(٢) هو الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي كوحك التركماني تولى الملك بعد أبيه سنة ٥٦٣ هـ، اشتهر بعمل المولد والاحتفال الهائل به، توفي سنة ٦٣٠ هـ. انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١١٣ - ١٢١)، شذرات الذهب (٥/ ١٣٨).
(٣) إربل: بالكسر ثم السكون قلعة حصينة ومدينة كبيرة تعد من أعمال الموصل، وقد قام بعمارتها الأمير كوكبري، وأكثر أهلها من الأكراد، وتقع شمال العراق شرقي مدينة الموصل. انظر: معجم البلدان (١/ ١٣٧).
(٤) انظر: (ص ٩٥).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء (٢/ ٥٩٣) برقم (٢٠٠٤)، ومسلم =
[ ٧١٢ ]
قال - أعني: شيخ الإسلام -: "فيستفاد منه فضل الشكر لله تعالى بأنواع العبادات على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي، نبي الرحمة في ذلك اليوم - ﷺ -
ثم ينبغي أن يتحرى اليوم بعينه، فإن كان قد ولد ليلًا فليقع الشكر بما يناسب الليل كالإطعام والقيام، وإن كان قد ولد نهارًا فبما يناسب كالصيام، ولا بد أن يكون ذلك اليوم من عدد أيام ذلك الشهر بعينه حتى يطابق قصة موسى ﵊ في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم فتعلق إلى أي يوم كان من السنة وفيه منافرة، وبالجملة فلا بأس أن نفعل الخير في سائر الأيام والليالي التي وقع الاختلاف في تعيينها للمولد حسبما يأتي على حسب الاستطاعة، بل يحسن في أيام الشهر كلها ولياليه". انتهى (^١).
وقد جاء عن الإمام الزاهد والقدوة المعمر أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرحيم بن جماعة (^٢) أنه لَمّا كان بطيبة على مشرّفها أفضل الصلاة والسلام كان يعمل بها طعامًا في المولد النبوي، ويطعم الناس، ويقول: لو تمكنت لعملت بطول الشهر كل يوم مولدًا" (^٣).
وأنكر - ﵀ - بعض ما يحصل في الاحتفال بالمولد من القبائح فقال: "في بيان قبائح صدرت من الناس مقترنة بعمل المولد، منها لا سيما بمكة:
اختلاط الرجال بالنساء في المسجد الحرام وخروجهم إلى زيارة محل المولد المشهور على أقبح هيئة وأشنع رؤية ويسمون ذلك زفة المولد،
_________________
(١) = كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء (٢/ ٧٩٥) برقم (١١٣٠) من حديث ابن عباس - ﵂ - به.
(٢) بحثت عن كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - في مظانه من كتبه فلم أجده، وقد نقله عنه تلميذه السخاوي في الأجوبة المرضية (٣/ ١١١٧)، والسيوطي في الحاوي (١/ ١٩٦).
(٣) هو إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن جماعة الكناني، أبو إسحاق، المقدسي الشافعي، فقيه مفسر، من مؤلفاته: التفسير في عشر مجلدات، توفي سنة ٧٩٠ هـ. انظر: الدرر الكامنة (١/ ٣٨)، شذرات الذهب (٦/ ٣١١).
(٤) المولد الشريف (ص ١٣ - ١٦)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٢)، تنبيه الأخيار (ل ١٠/ أ).
[ ٧١٣ ]
وذلك أن النساء يتزين بأحسن حليهن وحللهن ويتطيبن بأطيب طيبهن، ثم يخرجن مختلطات بالرجال اختلاطًا فاحشًا بحيث يقع في تلك الليلة من المفاسد والقبائح ما تصم عنه الآذان
ومن القبائح أيضًا لكنها أخف وأسهل أنهم يخرجون والقمر في سلطانه بالسرج الكثيرة من الشموع على اختلاف أنواعها، ثم يأتون فتنصب الشموع وغيرها في المسجد الحرام على صفات أكثر وأظهر ما كانت عليه في حال مشيهم، وهذا قبيح أي قبيح.
ومنها أن بعض المتوسمين من المكيين بصورة الفقهاء يصطفون في الذهاب والعودة في تلك الزفة صفوفًا مختلفة صف من الرجال وصف من الشموع، والناس مصطفون بجنبي الطريق مزدحمون على التفرج عليهم، فيتمهلون غاية التمهل والتأني في مشيتهم، ويتبختر بعضهم تبخترًا يغلب تبختر النساء، أعاذ الله بلده وحرمه من أفعال هؤلاء وقبائحهم
ومنها أن أكثر الناس في عملهم المولد لا يمنعون النساء إشرافهن على الرجال ونظرهن إليهم، وذلك قبيح؛ لأنه إما محرم على المعتمد من مذهبنا أو مكروه على مقابله، ومحل الكراهية حيث لا شهوة ولا خشية فتنة، وإلا حرم اتفاقًا.
والواقع من النساء في المولد كثيرًا ما يترتب عليه الشهوة والفتنة هذا في نظر النساء إلى الرجال، وأما نظر الرجال إليهن المرتب غالبًا على نظرهن للرجال وإشرافهن إليهم فحرام على الأصح عندنا، وإن لم يكن هناك شهوة ولا خشية فتنة
ومنها أنهم في تلك الموالد يأتون بمن يقرأ لهم المولد الشريف على الكيفية التي ألفها الوعاظ في هذه الأزمنة، وذلك منكر أي منكر؛ لأن أكثره كذب وبهتان واختلاق، بل لم يزالوا يزيدون فيه ما هو أقبح وأسمج مما لا تحل روايته ولا سماعه.
بل يجب على العلماء وكل من علم ذلك وقدر على الإنكار عليهم وتركهم للباطل منه أو مفارقة المجلس والقيام عنه إن أمكن، على أنه لا
[ ٧١٤ ]
ضرورة بهم إلى ذلك؛ لأن قاصدي الخير وإظهار الفرح والسرور به - ﷺ - والمحبة يكفيهم أن يجمعوا أهل الصلاح والقراء والذاكرين فيطعموهم ويتصدقوا عليهم، فإن أرادوا زيادة على ذلك أمروا من ينشد لهم من المدائح النبوية المتعلقة بالحث على الأخلاق الكريمة كالكرم والزهد والتخلي عن الدنيا ولذاتها والتهيؤ للموت والذهاب إلى الله تعالى، وغير ذلك مما في معناه " (^١).
التقويم:
الاحتفال بالموالد ظاهرة معروفة منذ العصور المتقدمة والسابقة للإسلام، وعقيدة راسخة عند أهل الأديان الأولى.
وقد اشتهر ذلك عن النصارى حيث يحتفلون بميلاد عيسى - ﵇ - على رأس كل سنة في الخامس والعشرين من الشهر الثاني عشر الميلادي إلى يومنا هذا.
ثم تسربت هذه الظاهرة إلى المسلمين بعد مضي القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية في أواخر المائة الرابعة على أيدي الخلفاء الفاطميين، بعد قيام دولتهم العبيدية في مصر، وكان أول من أحدثه بالقاهرة المعز لدين الله الفاطمي (^٢) سنة اثنين وستين وثلاثمائة (^٣).
فأصبح المسلمون منذ ذلك الوقت يحتفلون بمولد النبي - ﷺ - إلى يومنا هذا مضاهاة لعمل النصارى، بل أصبح عمل النصارى حجة لمن استحسن الاحتفال بمولده - ﷺ - من المسلمين بطريق الأولى زعموا.
_________________
(١) المولد الشريف (ص ١٧ - ١٩).
(٢) هو المعز معد بن إسماعيل بن سعيد بن عبد الله، أبو تميم، المدعي زورًا أنه فاطمي، تولى الخلافة بعد أبيه المنصور سنة ٣٤١ هـ بالمنصورية بالمغرب، استولى على مصر واستوطن القاهرة سنة ٣٦٢ هـ وكان مظهرًا الرفض ومبطنًا الكفر المحض، توفي قبحه الله سنة ٣٦٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ١٥٩)، وفيات الأعيان (٥/ ٢٢٤).
(٣) انظر: الخطط للمقريزي (١/ ٤٩٠ - ٤٩٩)، صبح الأعشى القلقشندي (٣/ ٤٩٨ - ٤٩١)، وللاستزادة: القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل للشيخ إسماعيل الأنصاري (ص ٦٤).
[ ٧١٥ ]
وفي هذا يقول الحافظ السخاوي - غفر الله له -: "إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر" (^١)! !
وما قرره ابن حجر - عفا الله عنه - في كلامه المتقدم من كون الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة باطل، والرد عليه من طريقين:
أحدهما: النقض، وذلك بأن يقال:
أولًا: أن القول بذلك فرع عن القول بتقسيم البدعة إلى قسمين حسنة وسيئة، وهو تقسيم باطل - كما سبق - فكذلك ما فُرّع عليه.
ثانيًا: أن النبي - ﷺ - لم يحتفل لنفسه إحياءً لمولده أو مولد غيره من الأنبياء قبله، ولم يأمر أمته به، ولما لم يقع ذلك منه ولم يأمر به مع قيام المقتضي لذلك في وقته كان عمله بعد ذلك بدعة منكرة.
ثالثًا: "أن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف - ﵃ - أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص" (^٢).
رابعًا: أن المؤرخين اختلفوا في يوم مولده - ﷺ - وقد ذكر ذلك ابن حجر نفسه في كلامه المتقدم - فعلى التسليم باستحسان الاحتفال به فإن إقامته في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول غير مقطوع بوقوعه فيه، وقد جر هذا بعضهم إلى الاحتفال سائر أيام ربيع الأول ولياليه كما ذكر ذلك ابن حجر واستحسنه ممن فعله.
خامسًا: أن الشهر الذي ولد فيه - ﷺ - وهو ربيع الأول على الصحيح هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه (^٣).
سادسًا: أن الاحتفال بالمولد النبوي يتضمن كثيرًا من الأعمال
_________________
(١) التبر المسبوك في ذيل السلوك (ص ١٤).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٢٣).
(٣) انظر: المورد في عمل المولد للفاكهي (ص ٢٦ - ٢٧)، المدخل لابن الحاج (٢/ ١٥).
[ ٧١٦ ]
المنكرة، والقبائح المحرمة، ومنها: إنشاد الأشعار والقصائد المتضمنة للشرك بالله، ودعوى حضور النبي - ﷺ -، وإضاعة الصلوات، والغناء، والطرب، والضرب بالدفوف، والرقص، واختلاط الرجال بالنساء، وإضاعة الأموال وتبذيرها في غير وجوهها المشروعة، وقد ذكر ابن حجر - غفر الله له - شيئًا من هذا في زمانه في كلامه المتقدم، ولا زال الأمر على ذلك (^١).
سابعًا: أن ما استدل به ابن حجر - عفا الله عنه - على قوله باستحسان الاحتفال بمولده - ﷺ - لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:
١ - أن ما ذكره من ثناء بعض أهل العلم عليه، وتقريرهم لاستحسانه، وقيامهم بعمله، معارض بذم غيرهم، وتقريرهم لبدعيته، وإنكارهم على من عمله؛ وهم أولى بقبول قولهم لسابقتهم، وكثرتهم، وقوة أدلتهم.
وكلام أهل العلم وأفعالهم ليست دليلًا في نفسها، بل هي محتاجة إلى إثبات صحتها بالدليل.
٢ - أن ما نقله عن الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - من تخريجه عمل المولد على خبر الصحيحين في صوم اليهود لعاشوراء باطل، والجواب عنه من عدة أوجه:
أ - أن الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - صرح في أول كلامه أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف، وهذا كاف في ذم الاحتفال به - كما تقدم - وقوله بذلك مما أغفل ابن حجر - عفا الله عنه - نقله، ونصه: "أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة " إلى أن قال: "وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين " إلى آخر كلامه المنقول (^٢).
ب - أن تخريج الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتواه عمل المولد على حديث صوم عاشوراء، لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه أول تلك
_________________
(١) انظر: المورد في عمل المولد (ص ٢٤)، تنبيه الغافلين لابن النحاس (ص ٣٠٦)، وللاستزادة: القول الفصل (ص ١٨٧).
(٢) انظر: كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - بتمامه في الحاوي للفتاوي (١/ ١٩٦).
[ ٧١٧ ]
الفتوى بأن ذلك العمل بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه منه من بعدهم يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحًا؛ إذ لو كان صحيحًا لم يعزب عن فهم السلف الصالح، ويفهمه من بعدهم.
كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلًا عليه؛ إذ لو كان دليلًا عليه لعمل به السلف الصالح، فاستنباط الحافظ ابن حجر العسقلاني الاحتفال بالمولد النبوي من حديث صوم يوم عاشوراء، مخالف لِمَا أجمع عليه من جهة فهمه، ومن جهة العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ؛ لأنهم لا يجمعون إلا على هدى (^١).
جـ - أن تخريج الاحتفال بالمولد على صيام يوم عاشوراء من التكلف المردود؛ لأن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع (^٢).
هـ - أن صيام يوم عاشوراء قد فعله النبي - ﷺ - ورغب فيه، بخلاف الاحتفال بمولده فإنه - ﷺ - لم يفعله ولم يرغّب فيه، ولو كان في ذلك شيء من الفضل لبين ذلك لأمته كما بين لهم فضل اتباعه والصلاة والسلام عليه (^٣).
والثاني: المعارضة:
بما تقدم من بيان بدعية الاحتفال بالمولد النبوي، وعموم النصوص الدالة على أن كل بدعة ضلالة.
٢ - السماع:
ذكر ابن حجر - ﵀ - أقسام السماع، وبيّن حكم كل مثها، فقال: "أقسام الغناء المحرم وغيره:
_________________
(١) انظر: الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي وبيان أخطائهم في المولد النبوي للشيخ حمود التويجري (ص ٣٠)، القول الفصل (ص ٧٨).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٨٠)، الرد القوي (ص ٣٢).
(٣) انظر: الرد القوي (ص ٣٢)، الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف للجزائري (ص ٤٣).
[ ٧١٨ ]
القسم الأول: في سماع مجرد الغناء من غير آلة.
اعلم أن مذهبنا أنه يكره الغناء وسماعه إلا في عرس ونحوه أو إن حرك لحال سني مذكر للآخرة.
وبه يعلم أن كل شعر فيه الأمر بالطاعة أو كان حكمة أو كان في مكارم الأخلاق أو الزهد ونحو ذلك من خصال البر كحث على طاعة أو سنة أو اجتناب معصية يكون كل من إنشائه وإنشاده وسماعه سنة" (^١).
و"الغناء إنشادًا واستماعًا على قسمين:
الأول: ما اعتاد الناس استعماله لمحاولة عمل، وحمل ثقيل، وقطع مفاوز سفر ترويحًا للنفوس وتنشيطًا لَها، كحداء الأعراب بإبلهم، وغناء النساء لتسكين صغارهن، ولعجب الجواري بلعبهن، فهذا إذا سلم المغني به من فحش وذكر محرم، كوصف الخمور والقينات، لا شك في جوازه ولا يختلف فيه، وربما يندب إليه إذا نشط على فعل خير، كالحداء في الحج والغزو، ومن ثم ارتجز - ﷺ - هو والصحابة رضوان الله تعالى عليهم في بناء المسجد، وحفر الخندق كما هو مشهور
وكالأشعار المزهدة في الدنيا المرغبة في الآخرة، فهي من أنفع المواعظ فالحاصل عليها أعظم الأجر
الثاني: ما ينتحله المغنون العارفون بصنعة الغناء المختارون المدن من غزل الشعر مع تلحينه بالتلحينات الأنيقة، وتقطيعه لها على النغمات الرقيقة التي تهيج النفوس وتطربها فهذا هو الغناء المختلف فيه على أقوال العلماء " (^٢).
"والذي يتقوى في النفس رجحانه تحريم الغناء الملحن وسماعه
لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] أي: الغناء
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ فسعره
_________________
(١) كف الرعاع (ص ٤٩ - ٥٠).
(٢) المصدر السابق (ص ٥٩ - ٦٠).
[ ٧١٩ ]
مجاهد بالغناء والمزامير (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قال مجاهد: هو الغناء (^٢) " (^٣).
"القسم الثاني: في سماع الغناء المقترن برقص أو نحو دف أو مزمار ووتر
والمقصود هنا أن الغناء إذا أبيح أو كره إن انضم إليه محرم يصير بانضمام المحرم إليه محرمًا، وإذا حرم يشتد إثمه بانضمام المحرم إليه، وأن الرقص إن كان فيه تَكَسُّر كفعل المخنث كان حرامًا، وإن خلا عن ذلك كان مكروهًا، فإذا انضم القسم الحرام منه إلى الغناء المحرم ازداد الإثم والتحريم، وكذا إذا كان المحرم أحدهما، لأن المكروه وإن كان لا إثم فيه، لكنه بانضمامه إلى محرم يزداد إثمًا" (^٤).
التقويم:
السماع في اللغة: مصدر سمع يسمع سمعًا وسماعًا (^٥).
يقول ابن فارس: "السين والميم والعين أصل واحد، وهو إيناس الشيء بالإذن تقول: سمعت الشيء سماعًا" (^٦).
والمراد به هنا: "تنبيه القلب على معاني المسموع، وتحريكه عنها طلبًا وهربًا، وحبًا وبغضًا، فهو حاب يحدو بكل أحد إلى وطنه ومألفه" (^٧).
وهو على أضرب ثلاثة:
أحدها: سماع شرعي، وهو سماع القرآن.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ١٠٨).
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (٩/ ٤٢٠).
(٣) كف الرعاع (ص ٦٩ - ٧٠).
(٤) المصدر السابق (ص ٧١ - ٧٢).
(٥) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٧٥٥)، الصحاح (٣/ ١٢٣١)، لسان العرب (٨/ ١٦٢)، القاموس المحيط (ص ٩٤٣).
(٦) معجم مقاييس اللغة (ص ٤٩١ - ٤٩٢).
(٧) مدارج السالكين (١/ ٤٨٢)، وانظر: كشف القناع عن حكم الوجد والسماع للقرطبي (ص ٤٣).
[ ٧٢٠ ]
وثانيها: سماع بدعي، وهو سماع الغناء.
وثالثها: سماع مباح، وهو سماع القصائد المزهدة في الدنيا والمرغبة في الآخرة الدالة على مكارم الأخلاق وجميل الأفعال (^١).
يقول العلامة ابن القيم - ﵀ -: "الكلام في السماع مدحًا وذمًا يحتاج فيه إلى معرفة صورة المسموع وحقيقته، وسببه والباعث عليه، وثمرته وغايته.
فبهذه الفصول الثلاثة يتحرر أمر السماع، ويتميز النافع منه والضار، والحق والباطل، والممدوح والمذموم.
فالمسموع على ثلاثة أضرب.
أحدهما: مسموع يجبه الله ويرضاه، وأمر به عباده، وأثنى على أهله، ورضي عنهم به.
الثاني: مسموع يبغضه ويكرهه، ونهى عنه، ومدح المعرضين عنه.
الثالث: مسموع مباح مأذون فيه، لا يحبه ولا يبغضه، ولا مدح صاحبه ولا ذمه، فمن حرم هذا النوع الثالث فقد قال على الله ما لا يعلم، وحرم ما أحل الله، ومن جعله دينًا يتقرب به إلى الله فقد كذب على الله، وشرع دينًا لم يأذن به الله، وضاهى بذلك المشركين" (^٢).
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر - ﵀ - من التفصيل في أحكام السماع، وقوله بجوازه إذا كان بغير آلة ولا رقص، ويتضمن التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة، ولم يكن على التلحينات والتقطيعات المحترفة، وبحرمته مع عدم ذلك هو الحق الذي لا محيد عنه، وهو الذي عليه المحققون من أهل العلم (^٣).
_________________
(١) انظر: كشف القناع (ص ٤٧) وما بعدها، مختصر الفتاوى المصرية (ص ٥٩١ - ٥٩٤)، مدارج السالكين (١/ ٤٨٢)، نزهة الاستماع في مسألة السماع لابن رجب (ص ٣٤) وما بعدها.
(٢) مدارج السالكين (١/ ٤٨٢).
(٣) انظر: تحريم الغناء والسماع للطرطوشي (ص ٢٢٢) وما بعدها، كشف القناع (ص ٤٣) وما بعدها، مختصر الفتاوى المصرية (ص ٥٩١) وما بعدها، الكلام على مسألة السماع =
[ ٧٢١ ]
٣ - صلاة الرغائب:
يرى ابن حجر - ﵀ - بدعية صلاة الرغائب، وأنها حادثة بعد انقضاء القرون الثلاثة الفاضلة، وأن الأحاديث الواردة فيها باطلة موضوعة، وقد نقل عن أهل العلم ما يؤيد قوله هذا، ويرد على من خالفه.
يقول في ذلك:
"صلاة الرغائب هي اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب
أطال الإمام النووي - ﵀ - في فتاويه في ذمها وتقبيحها وإنكارها، فقال: "هي أي صلاة الرغائب بدعة قبيحة منكرة أشد الإنكار مشتملة على منكرات، فينبغي تركها، والإعراض عنها، والإنكار على فاعلها، وعلى ولي الأمر - وفقه الله - منع الناس من فعلها فإنه راع وكل راع مسؤول عن رعيته، وقد صنف العلماء كتبًا في إنكارها وذمها وتسفيه فاعلها، فلا تغتر بكون الفاعلين لها في كثير من البلدان، ولا بكونها مذكورة في قوت القلوب (^١)، وإحياء علوم الدين (^٢) ونحوهما فإنها بدعة باطلة " (^٣).
وعبارة إحياء علوم الدين في صلاة الرغائب: "أما صلاة رجب فقد روي بإسناد عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "ما من أحد يصوم أول خميس من رجب ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة يعني ليلة الجمعة اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١] ثلاث مرات، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، اثنتي عشرة مرة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى عليَّ سبعين مرة
_________________
(١) = لابن القيم (ص ١٠١) وما بعدها، مدارج السالكين (١/ ٤٨١) وما بعدها، إغاثة اللهفان (١/ ٢٤٥)، نزهة الأسماع (ص ٣٤) وما بعدها، رسالة في السماع والرقص المنبجي الحنبلي (ص ٢٨)، الرهص والوقص لمستحل الرقص لإبراهيم الحلبي (ص ٤٦) وما بعدها، الصاعقة المحرقة على المتصوفة الراقصة المتزندقة لمحمد صفي الدين الحنفي (ص ٣٣).
(٢) انظر: (١/ ١٣٥).
(٣) انظر: (١/ ١٨٢).
(٤) فتاوى النووي (ص ٦٢).
[ ٧٢٢ ]
يقول: اللهم صلّ على محمد النبي الأمي وعلى آله، ثم يسجد فيقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه ويقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعظم سبعين مرة، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله حاجته فإنها تقضى، قال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده ما من عبد ولا أمة صلى هذه الصلاة إلا غفر الله تعالى له جميع ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، وعدد الرمل، ووزن الجبال، وعدد ورق الأشجار، وشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجب النار".
وهذه صلاة مستحبة، وإنما أوردناها في هذا القسم أي: قسم ما يتكرر بتكرر السنين كالعيدين لأنها تكرر بتكرر السنين وإن كانت لا يبلغ رتبتها رتبة التراويح وصلاة العيد، لأن هذه الصلاة نقلها الآحاد ولكن أهل القدس بأجمعهم يواظبون عليها، ولا يسمحون بتركها فأحببت إيرادها" (^١). انتهت عبارة الإحياء.
وقد تساهل الغزالي - رحمه الله تعالى - في ذلك تساهلًا كثيرًا حيث زعم أولًا أنها مروية بالسند، وثانيًا أن الآحاد نقلوها وكل ذلك باطل موضوع كذب على النبي - ﷺ - حادث بعد الأربعمائة، ومن ثم قال الحافظ الكبير شيخ الإسلام الزين العراقي في تخريجه أحاديث الإحياء: إن هذا الحديث الذي ذكره الغزالي أورده رزين (^٢) في كتابه وهو حديث موضوع (^٣)، وقال غيره (^٤): لم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة يختص بها، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول جمعة بن شهر رجب كذب باطل.
_________________
(١) الإحياء (١/ ١٨٢).
(٢) هو رزين بن معاوية بن عمار، أبو الحسن العبدري الأندلسي، السرقسطي، إمام محدث، من مؤلفاته: تجريد الصحاح، توفي سنة ٥٣٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٠٤)، شذرات الذهب (٤/ ١٠٦).
(٣) تخريج أحاديث الإحياء (١/ ١٨٢).
(٤) المراد به الحافظ ابن رجب - ﵀ - قارن الكلام المذكور بلطائف المعارف (ص ٢٢٨).
[ ٧٢٣ ]
وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء من المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر السمعاني (^١)، وأبو الفضل حافظ الشام ابن ناصر (^٢)، وابن الجوزي وغيرهم، وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها حدثت بعدهم وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها" (^٣).
التقويم:
صلاة الرغائب هي صلاة تكون في ليلة أول جمعة من شهر رجب بين صلاتي المغرب والعشاء، ويسبقها صيام يوم الخميس قبلها (^٤).
وصفتها على ما ذكر ابن حجر - ﵀ - نقلًا عن الغزالي - غفر الله له - في كلامه المتقدم.
وهي بدعة حادثة بعد المائة الرابعة، وأول ما أحدثت ببيت المقدس وذلك بعد سنة ثمانين وأربعمائة، ولا يعرف أن أحدًا صلاها قبل ذلك (^٥).
ولهذا يقول الحافظ ابن رجب - ﵀ -: "وإنما لم يذكرها المتقدمون؛ لأنها أحدثت بعدهم وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها" (^٦).
_________________
(١) هو محمد بن منصور بن عبد الجبار التميمي السمعاني المروزي، أبو بكر، فقيه محدث، من مؤلفاته: الأمالي، توفي سنة ٥١٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٧١)، شذرات الذهب (٤/ ٢٩).
(٢) هو محمد بن أبي بكر بن عبد الله القيسي الحموي الشافعي، المشهور بابن ناصر الدين، محدث فقيه، من مؤلفاته: منهاج السلامة في ميزان يوم القيامة، الرد الوافر، الترجيح لحديث صلاة التسبيح وغيرها، توفي سنة ٨٤٢ هـ. انظر: الضوء اللامع (٨/ ١٠٣)، شذرات الذهب (٧/ ٢٤٣).
(٣) الإيضاح والبيان (ل ١٠/ أ - ل ١١/ ب)، وانظر: فتح المبين (ص ١٠٨)، إتحاف أهل الإسلام (ص ٣٥٥).
(٤) انظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ١٣٨).
(٥) انظر: الحوادث والبدع (ص ١٣٢).
(٦) لطائف المعارف (ص ٢٢٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢).
[ ٧٢٤ ]
وعليه فما قرره ابن حجر - ﵀ - من القول ببدعيتها، والرد على من استحسنها هو الحق الذي لا محيد عنه، وذلك لما يلي:
أولًا: أنها بدعة حادثة بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة المشهود لها بالخيرية، فلم يفعلها الصحابة ولا التابعون ولا أتباعهم مع قيام المقتضي وعدم المانع، ولو كانت مشروعة لسبقونا إليها (^١).
ثانيًا: أن الحديث الوارد في تقرير مشروعيتها وبيان فضلها حديث باطل لا يصح، اتفق الأئمة على وضعه (^٢).
ثالثًا: أن هذه الصلاة مخالفة للسنة من جهة وقتها للنهي الوارد عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام، ومن جهة صفتها للنهي الوارد عن عدم الطمأنينة في الصلاة (^٣).
رابعًا: اشتمال هذه الصلاة على جملة من المنكرات الشرعية، ومنها: تأخير الفطور، وأداء العشاء الآخرة بلا قلوب حاضرة، والمبادرة إلى تعجيلها، والسجود بعد السلام لغير سهو (^٤).
ولما سبق أنكرها جماهير أهل العلم - ﵏ (^٥) - وكتب بعضهم رسائل في التحذير منها (^٦).
_________________
(١) انظر: رسالة في ذم صلاة الرغائب للعز بن عبد السلام (ص ٢٦)، مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦١٣).
(٢) انظر: الموضوعات (٣/ ١٢٤)، مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢)، المنار المنيف (ص ٩٥)، تخريج أحاديث الإحياء للعراقي (١/ ١٨٢)، اللآلئ المصنوعة (٢/ ٥٦)، الفوائد المجموعة (ص ٤٧)، الأسرار المرفوعة (ص ٢٨٩).
(٣) انظر: رسالة في ذم صلاة الرغائب (ص ٢٩، ٣٢).
(٤) انظر: المصدر السابق (ص ٣٠) وما بعدها.
(٥) انظر: الحوادث والبدع (ص ١٣٢)، الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ١٣٨)، المدخل لابن الحاج (١/ ٢٩٣)، مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦١٣)، الفتاوى الكبرى (١/ ١٧٧)، المنار المنيف (ص ٩٥)، الاعتصام (١/ ١٦٨)، لطائف المعارف (ص ٢٢٨)، الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع (ص ١٦٦).
(٦) أفردها العز بن عبد السلام في رسالتين أحدهما في ذم صلاة الرغائب، والأخرى في رد جواز صلاة الرغائب وهما مطبوعتان، وغيره.
[ ٧٢٥ ]
٤ - الصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان:
يرى ابن حجر - ﵀ - أن إحياء ليلة النصف من شعبان على الكيفية المشهورة بين العوام والتي تعرف بالصلاة الألفية بدعة حادثة، حيث يقول:
"الصلاة ليلة النصف من شعبان بدعة مذمومة، وهي على كيفيات: مائة ركعة بألف قل هو الله أحد.
واثنتا عشرة ركعة في كل ركعة ثلاثون مرة قل هو الله أحد.
وأربع عشرة ركعة ثم يجلس فيقرأ الفاتحة وقل هو الله أحد والمعوذتين كلًّا أربع عشرة، وآية الكرسي مرة، و﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٨].
وكلها موضوعة، والكلام في خصوص إحيائها بالكيفية المشهورة بين العوام دون غيرها من الليالي، فلا ينافيه ما جاء في ليلة النصف من شعبان إذ ليس فيها صلاة مخصوصة، وقيام الليل سنة مطلقًا" (^١).
التقويم:
الصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان هي صلاة خاصة ذات كيفيات متعددة، وقد ذكر ابن حجر - ﵀ - في كلامه المتقدم بعضها.
وهي بدعة حادثة بعد المائة الرابعة سنة ثمان وأربعين وأربعمائة (^٢)، ولم تكن معروفة عن السلف الأوائل من الصحابة والتابعين وأتباعهم، والوارد عن بعهض التابعين وأتباعهم في إحياء ليلة النصف من شعبان إنما هو قيامهم الليل على الصفة المعهودة لا على هذه الصفة المنكرة الحادثة، وتخصيصهم القيام تلك الليلة مما أنكر عليهم؛ إذ لا يصح حديث في فضل إحيائها بخصوصها (^٣).
_________________
(١) فتح المبين (ص ١٠٨ - ١٠٩)، وانظر: الإيضاح والبيان (ل ٧، ١٠، ١٢، ١٣)، إتحاف أهل الإسلام (ص ٣٦٦ - ٣٦٨).
(٢) انظر: الحوادث والبدع (ص ١٣٢).
(٣) انظر: البدع والنهي عنها لابن وضاح (ص ١٠٠).
[ ٧٢٦ ]
يقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^١) - ﵀ -: "لم أدرك أحدًا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولم ندرك أحدًا منهم يذكر حديث مكحول (^٢) ولا يرى لها فضلًا على ما سواها من الليالي.
وقال: والفقهاء لم يكونوا يصنعون ذلك" (^٣).
وعليه فما قرره ابن حجر - ﵀ - من القول ببدعية الصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان هو الحق الذي لا محيد عنه؛ وذلك لما يلي:
أولًا: أنها بدعة حادثة بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة المشهود لها بالخيرية، فلم يفعلها الصحابة ولا التابعون ولا أتباعهم مع قيام المقتضي وعدم المانع، ولو كانت مشروعة لسبقونا إليها (^٤).
ثانيًا: أن الأحاديث الواردة في تقرير مشروعيتها وبيان فضلها أحاديث باطلة لا تصح، اتفق الأئمة على وضعها (^٥).
ثالثًا: أن هذه الصلاة مخالفة للسنة من جهة صفتها، وعدد ركعاتها، وما يقرأ فيها.
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العُمري المدني، صاحب قرآن وتفسير، من مؤلفاته: التفسير، والناسخ والمنسوخ، توفي سنة ١٨٢ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٤٩)، شذرات الذهب (١/ ٢٩٧).
(٢) مكحول بن أبي مسلم شهراب بن شاذان، المشهور بمكحول الدمشقي، من أعلام التابعين وعلماء التفسير، توفي سنة ١١٢ هـ، وقيل غير ذلك. انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٤٥٣)، سير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٥).
(٣) أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ١٠٠) برقم (١١٩) من طريق هارون بن سعيد، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - ﵏ جميعًا - به. وهو بهذا الإسناد صحيح.
(٤) انظر: الحوادث والبدع (ص ١٣٢)، الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ١٢٤)، مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٣١، ١٣٣، ١٣٤)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٢٨)، المنار المنيف (ص ٩٨)، الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع (ص ١٧٦).
(٥) انظر: الموضوعات (٢/ ١٢٧ - ١٣٠)، مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٣١)، المنار المنيف (ص ٩٨)، اللآلئ المصنوعة (٢/ ٥٧ - ٦٠)، تنزيه الشريعة (٢/ ٩٣)، الفوائد المجموعة (ص ٥١)، الأسرار المرفوعة (ص ٣٩٦).
[ ٧٢٧ ]