وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالملائكة.
الفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالكتب.
الفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالرسل.
الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر.
الفصل الخامس: آراؤه في الإيمان القضاء والقدر.
[ ٣٥٧ ]
الفصل الأول آراؤه في الإيمان بالملائكة
وفيه تمهيد وثلائة مباحث:
تمهيد في تعريف الملائكة.
المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه.
المبحث الثاني: المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالح البشر.
المبحث الثالث: عصمة الملائكة.
[ ٣٥٩ ]
تمهيد في تعريف الملائكة
الملائكة: جمع مَلَك، واختلف اللغويون في اشتقاقه من عدمه:
فقيل: هو جامد غير مشتق.
وقيل: هو مشتق، واختلف القائلون بذلك منهم في أصل مادة اشتقاقه (^١).
وقد أشار إلى ذلك ابن حجر - ﵀ - فقال: "الملائكة: جمع مَلَك على غير قياس، أو جمع ملأك على مَفْعَل؟ إذ هو من الألوكة وهي الرسالة، ثم خفف بنقل الحركة والحذف فصار ملكًا، وقيل فيه غير ذلك" (^٢).
والقول باشتقاقه، وأن أصله من الألوكة وهي الرسالة أصوب من جهة اللغة والمعنى.
يقول الحافظ - ابن جرير ﵀ -: "الملائكة: جمع ملاك، غير أن أحدهم بغير الهمزة أكثر وأشهر في كلام العرب منه بالهمز، وذلك أنهم يقولون في واحدهم: ملك من الملائكة
وقد يقال في واحدهم: مألك، فيكون ذلك مثل قولهم: جبذ وجذب، وشأمل وشمأل، وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة.
فمن قال: مَلأكًا فهو مَفْعل، من لأك إليه يلأك، إذا أرسل إليه رسالة ملأكة.
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (١/ ١٨٤)، معجم مقاييس اللغة (ص ٨٨)، الصحاح (٤/ ١٦١١)، لسان العرب (١٠/ ٣٩٢)، القاموس المحيط (ص ١٢٠٣).
(٢) فتح المبين (ص ٧٠)، وانظر: المنح المكية (١/ ٢١٥).
[ ٣٦٠ ]
ومن قال: مَألْكًا فهو مَفْعل، من ألكت إليه آلك، إذا أرسلت إليه مألَكه وألوكًا
فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لأنها رسل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده" (^١).
وقد ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - مما يبين حقيقة الملائكة، ويوضح أوصافهم، آيات كثيرة، وأحاديث متعددة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].
وقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١].
ومن السُّنَّة: قوله - ﷺ -: "خلقت الملائكة من نور" (^٢).
فالملائكة خلق من خلق الله تعالى، خلقهم لعبادته، واصطفاهم لقربه، واختصهم بتدبير أمره، وجعلهم سفراءه ورسله إلى خلقه.
وقد بَيّن ابن حجر - ﵀ - حقيقة الملائكة، وشيئًا من صفاتهم فقال: "ومما يجب الإيمان به الملائكة: وهم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلبت عليها النور، فنطقت، وتشكلت بالأشكال المختلفة، وقدرت على الأعمال التي لا يطيقها غيرهم، وكملت علمًا وعملًا، وعصمت من المخالفات، ولم تفتر عما سخرت له من الطاعة والقيام بمصالح العباد، ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، ولهم من الكثرة ما لا يحيط بها إلا خالقها" (^٣).
هذا وقد عرض ابن حجر في كلامه عن الملائكة لجملة من المسائل؟ كمعنى الإيمان بهم، وما يتضمنه، والمفاضلة فيما بينهم، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر، وعصمتهم.
وفيما يلي عرض رأيه في هذه المسائل مع التعقيب عليها بتقويمها.
_________________
(١) تفسير ابن جرير (١/ ١٣٤ - ١٣٥).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة (٤/ ٢٢٩٤) برقم (٢٩٩٦) من حديث عائشة - ﵂ - به.
(٣) التعرف (ص ١١٨ - ١١٩).
[ ٣٦١ ]
المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه
تحدث ابن حجر - ﵀ - عن معنى الإيمان بالملائكة، وذكر بعض ما يتضمنه تفصيلًا، وفيما يلي عرض رأيه وفقًا لذلك.
أولًا: رأيه في معنى الإيمان بالملائكة:
يرى ابن حجر - ﵀ - أن الإيمان بالملائكة يعني الإيمان "بأنهم عباد الله، لا كما زعم المشركون من تألههم، مكرمون، لا كما زعم اليهود من تنقيصهم، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وبأنهم سفراء الله تعالى بينه وبين خلقه، متصرفون فيهم، كما أنهم صادقون فيما أخبروا به عنه، وأنهم بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى" (^١).
التقويم:
الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو ينتظم أمورًا أربعة:
الأول: الإيمان بوجودهم.
والثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه كجبريل، ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالًا.
والثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم.
والرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم (^٢).
_________________
(١) فتح المبين (ص ٧٠، ٧١).
(٢) انظر: المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (١/ ٣٠٢)، شعب الإيمان للبيهقي (١/ ١٦٣)، الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي (ص ٩)، فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١١٦).
[ ٣٦٢ ]
يقول العلامة ابن القيم - ﵀ -: "قد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات تتنزل بالأمر من عند الله في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر، قد أطت السماء بهم ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه
والقرآن مملوء بذكرهم، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحًا، أو تلويحًا، أو إشارة.
وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر، ولهذا كان الإيمان بالملائكة - ﵈ - أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان" (^١).
ثانيًا: رأيه فيما يتضمنه الإيمان بالملائكة تفصيلًا:
يقول ابن حجر: "ومما يجب الإيمان به الملائكة: وهم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلب عليها النور فنطقت وتشكلت بالأشكال المختلفة، وقدرت على الأعمال التي لا يطيقها غيرهم، وكملت علمًا وعملًا ولم تفتر عما سخرت من الطاعة والقيام بمصالح العباد، ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، ولهم من الكثرة ما لا يحيط بها إلا خالقهم، ويحشرون، ويدخلون الجنة معهم، لكن لا نعيم لهم فيها، وإنما هم خدم لأهلها" (^٢).
وقد تحدث ابن حجر - ﵀ - عن بعض هذه المسائل حديثًا مفصلًا، وأكثر النقل عن غيره من أهل العلم فيها، ونظرًا لجمعه لها في بيانه لما يتضمنه الإيمان بالملائكة من جهة، ولتعلقها كلها بموضوع المبحث؛ رأيت جمعها وإجمال الكلام عليها بما يناسب المقام، وفيما يلي إيراد رأيه في كل منها مفصلًا مع التعقيب عليه بتقويمه ومناقشته.
_________________
(١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٥ - ١٣١).
(٢) التعرف (ص ١١٨ - ١١٩).
[ ٣٦٣ ]
١ - وجودهم:
يقول ابن حجر: "ويجب اعتقاد وجود الملائكة " (^١).
التقويم:
القول بوجود الملائكة من مقتضيات الإيمان بهم، وإنكار ذلك كفر بهم، وتكذيب لكتاب الله وسنة رسوله اللذين أخبرا عنهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يوجب العلم اليقين بوجودهم في الخارج " (^٢).
ويقول أيضًا: "والإقرار بالملائكة عام في بني آدم، لم ينكر ذلك إلا شواذ من بعض الأمم فذكر الملائكة عام في الأمم، وليس في الأمم أمة تنكر ذلك إنكارًا عامًا، وإنما يوجد إنكار ذلك في بعضهم؛ مثل من قد يتفلسف، فينكرهم لعدم العلم، لا للعلم بالعدم" (^٣).
وما حكاه شيخ الإسلام عن الفلاسفة (^٤) ومن وافقهم من إنكار وجود الملائكة وتأويلهم لها بقوى النفس الخيرة مردود عليهم بالنصوص المتواترة في الكتاب والسنة المملوءة بذكر الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ومراتبهم (^٥).
٢ - خلقهم:
أ - مادة خلقهم:
يقول ابن حجر: "هم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلب عليهم النور" (^٦).
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٨).
(٢) درء التعارض (٦/ ١٠٧).
(٣) النبوات (١/ ١٩٤ - ١٩٥).
(٤) الفلاسفة: هم طائفة ينسبون إلى الفلسفة، والفلسفة كلمة يونانية مركبة من كلمتين "فيلا" أي: محب، و"سوفيا" أي: الحكمة، فمعناها: محب للحكمة، ومن آرائهم: القول بقدم العالم، وإنكار النبوات، وإنكار البعث الجسماني وغيرها. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٧٩٥)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٤٥)، إغاثة اللهفان (٢/ ٢٧٥).
(٥) انظر: درء التعارض (٦/ ١٠٧) (١٠/ ٢٠٥)، الرد على المنطقيين (ص ١٠٦)، مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٦، ٢٥٩، ١٣٥) (٦/ ٢٤ - ٢٥) (١٠/ ٣٩٩)، إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٥ - ١٣١)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، فتح الباري (٦/ ٣٠٦).
(٦) التعرف (ص ١١٨)، وانظر: المنح المكية (١/ ٢١٦)، الفتاوى الحديثية (ص ١٦٨).
[ ٣٦٤ ]
التقويم:
"كل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن قد خلق من مادة" (^١)، والمادة التي خلق منها الملائكة هي النور، فقد ثبت في الحديث عنه أنه قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" (^٢).
ولم يرد عن النبي ما يبين المراد بهذا النور، وما ورد عن بعض السلف في بيانه لا يصح، ونص الحديث ورد بإطلاق مبدأ خلقهم من النور دون تعيين له بنور العزة أو نور الذراعين والصدر، فوجب الوقوف في ذلك على ما ورد به النص (^٣).
وأما ما ذكره ابن حجر من كون الملائكة خلقوا من العناصر الأربعة التي هي: (الماء، والنار، والهواء، والتراب) (^٤)، ثم غلب عليها النور فلا دليل عليه.
ب - جنسهم:
يقول ابن حجر: "لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة" (^٥).
التقويم:
أنكر الله - ﷾ - على من ادعى له الولد، فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبياء: ٢٦]، والولد: اسم يطلق على الذكر والأنثى.
والملائكة "لا توصف بذكورة ولا أنوثة، لأنه لم يدل على ذلك عقل صريح ولم يرد به نقل صحيح، ثم هم لا يتوالدون" (^٦)، ومن المتقرر أن
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢١٨)، وانظر: منهاج السنة (١/ ٣٦٤).
(٢) سبق تخريجه (ص ٣٦١).
(٣) انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٧٤١)، معتقد فرق المسلمين في الملائكة للعقيل (ص ٢١ - ٢٦).
(٤) انظر: المعجم الفلسفي جميل صليبا (٢/ ١١٢).
(٥) التعرف (ص ١١٩)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٩٠).
(٦) الكوكب الأجوج للسقاف (ص ١٥٢).
[ ٣٦٥ ]
الجن والإنس يجري بينهم التناكح، وأن الملائكة بخلافهم.
يقول شيخ الإسلام: "الإنس والجن مشتركون مع كونهم أحياء ناطقين مأمورين منهيين؛ فإنهم يأكلون ويشربون، وينكحون وينسلون، ويتغذون وينمون بالأكل والشرب، وهذه الأمور مشتركة بينهم، وهم يتميزون بها عن الملائكة، فإن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا تنكح ولا تنسل" (^١).
وعليه فالملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، وإنما يخلق كل واحد منهم بذاته وهم باقون على أصل خلقتهم (^٢).
ب - قدرتهم على التشكل:
يرى ابن حجر أن الملائكة "تشكل بالأشكال المختلفة" (^٣)؛ وذلك لكون الله - ﷿ - خلقها على هيئة "جسم نوراني في غاية اللطافة فقبلت التشكل والانخلاع من طور إلى طور" (^٤).
التقويم:
من الخصائص التي خص الله بها الملائكة قدرتهم على التشكل بأشكال متعددة، حسب ما تقتضيه المناسبات التي ينزلون فيها بأمر الله تعالى، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ [هود: ٧٧].
وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ [مريم: ١٧].
وقوله - ﷿ -: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ [الذاريات: ٢٤، ٢٥].
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٩٢).
(٢) انظر: الحبائك (ص ٢٦٤)، الكوكب الأجوج (ص ١٥٢)، معتقد فرق المسلمين في الملائكة للعقيل (ص ٧٢ - ٧٣).
(٣) التعرف (ص ١١٨)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٨٨)، أشرف الوسائل (ص ٧٧).
(٤) فتح المبين (ص ٨٨).
[ ٣٦٦ ]
ومن السُّنّة: مجيء جبريل - ﵇ - النبي - ﷺ - على صورة الرجل المسافر (^١)، وعلى صورة دحية الكلبي - ﵁ - (^٢).
وقدرة الملائكة على التشكل جائزة شرعًا وعقلًا، وقول من قال بمنعها وأنها مجرد خيالات تظهر للرائي دون أن يكون لها حقيقة في الخارج (^٣)، مبني على قياس الملائكة على البشر، وهو قياس مع الفارق للاختلاف في الخلقة والقدرة (^٤).
٣ - عددهم:
يرى ابن حجر أن الملائكة "بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى" (^٥)، يقول في ذلك: "ولهم من الكثرة ما لا يحيط بهم إلا خالقهم" (^٦)، "وقد ورد في كثرتهم ما يبهر العقل ويفوق الحصر؛ ومنه: حديث المعراج المتفق على صحته: "إن البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم" (^٧) " (^٨).
التقويم:
دلت نصوص الكتاب والسنة على كثرة الملائكة، ولم يرد فيها تعيين عددهم.
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١].
وقال سبحانه عقبها: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، (١/ ٣٦) برقم
(٢) من حديث عمر - ﵁ -.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات وفرض الصلوات (١/ ١٥٣) برقم (١٦٧) من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -.
(٤) انظر: غاية المرام للآمدي (ص ٣٢٥)، فتح الباري (١/ ٢١)، الحبائك (ص ٢٦١ - ٢٦٢).
(٥) انظر: بيان تلبيس الجهيمة (٢/ ٤٩٢).
(٦) فتح المبين (ص ٧١).
(٧) التعرف (ص ١١٩).
(٨) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (٢/ ٩٩١ - ٩٩٢). برقم (٣٢٠٧)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - (١/ ١٤٥) برقم (١٦٢) من حديث أنس - ﵁ - به.
(٩) الدر المنضود (ص ٣٤ - ٣٥).
[ ٣٦٧ ]
وفي الحديث: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" (^١).
وقد اتفقت كلمة أهل العلم على كثرتهم، وأن عددهم لا يحصيه إلا خالقهم (^٢).
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه لحديث البيت المعمور السابق: "استُدِلَّ به على أن الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنه لا يعرف من جميع العوالم من يتجدد من جنسه في كل يوم سبعون ألفًا، غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الخبر" (^٣).
٤ - أعمالهم:
يرى ابن حجر أن الله تعالى قد وكل إلى الملائكة تصريف العالم وأنها "قدرت على الأعمال التي لا يطيقها غيرهم ولم تفتر عما سخرت له من الطاعة والقيام بمصالح العباد" (^٤).
وقد خص ابن حجر الحفظة من الملائكة بمزيد تفصيل حيث سئل عن عددهم على كل إنسان؟ وهل على الكافر من الإنس حفظة؟ وهل الحفظة غير الكاتبين الكريمين؟
فأجاب بقوله: "قول السائل: كم هم على كل إنسان؟
جوابه: أنه ورد في ذلك أمور مختلفة ويمكن الجواب عن تخالف هذه المذكورات على تقدير صحتها كلها بأنه - ﷺ - حيث ذكر القليل يحتمل أنه أراد حفظًا خاصًا، وحيث ذكر الكثير محتمل أنه أراد حفظًا عامًا، ويحتمل أنه أعلم بالقليل ثم بأكثر منه، ويحتمل أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص؛ فمن الناس من يُوكل به قليل ومنهم من يوكل به كثير
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في شدة حر جهنم وبعد قعرها (٤/ ٢١٨٤) برقم (٢٨٤٢) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - به.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٣٢)، إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٥ - ١٣١)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩)، فتح الباري (٧/ ٢١٥).
(٣) فتح الباري (٧/ ٢١٥).
(٤) التعرف (ص ١١٩).
[ ٣٦٨ ]
وقوله: وهل على الكافر حفظة؟
جوابه: نعم، كما شمله بل صرح به قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ٩ - ١٢].
وقوله: هل هم غير الكاتبين الكريمين؟
جوابه: أنه قد عُلم أن ملائكة الحفظ الموكلين بالإنسان ينقسمون إلى أن منهم من هو موكل بالحفظ لا غير، ومنهم - وهما الكاتبان الكريمان - من هو موكل بالحفظ والكتابة، وورد في هذين أنهم لا يفارقون الإنسان" (^١).
التقويم:
"كل حركة في السماوات والأرض فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]، وقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤] وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات" (^٢)، وأن من أصنافهم: الحفظة: وهم الذين يحفظون بني آدم، والكتبة: وهم الذين يكتبون أعمالهم ويحصونها عليهم.
يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، ويقول جل وعلا: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
يقول الحافظ ابن كثير - ﵀ -: "للعبد ملائكة يتعاقبون عليه حراس بالليل وحراس بالنهار يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، وملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ٤٨ - ٥٢)، وانظر: (ص ٩٠) (ص ٢١٨).
(٢) إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٥).
[ ٣٦٩ ]
ويحرسانه واحد من ورائه وآخر من قدامه فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلًا، حافظان وكاتبان" (^١).
وأما القول في الكافر وهل عليه حفظة أم لا؟ فهو مما اختلفت فيه أقوال أهل العلم، يقول العلامة القرطبي - ﵀ -: "اختلف الناس في الكفار هل عليهم حفظة أم لا؟
فقال بعضهم: لا؛ لأن أمرهم ظاهر، وعملهم واحد.
وقيل: بل عليهم حفظة؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ٩ - ١٢]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ [الانشقاق: ١٠]. فأخبر أن الكفار يكون لهم كُتَّاب، ويكون عليهم حفظة.
فإن قيل: الذي عن يمينه أي شيء يكتب ولا حسنة له؟ قيل له: الذي يكتب عن شمال يكون بإذن صاحبه، ويكون شاهدًا على ذلك وإن لم يكتب والله أعلم" (^٢).
٥ - موتهم:
يقول ابن حجر: "والملائكة يموتون بالنصوص والإجماع، ويتولى قبض أرواحهم ملك الموت، ويموت ملك الموت بلا ملك الموت" (^٣).
التقويم:
من عظمة الله تعالى وكمال ربوبيته سبحانه تفرده جل وعلا بالبقاء قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. وقال - ﷿ -: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧].
قال ابن كثير - ﵀ -: "يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٥٢).
(٢) تفسير القرطبي (٢٤٨/ ١٩)، وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ١٩)، فتح الباري (٨/ ٥٩٤)، الحبائك (ص ٨٩).
(٣) الفتاوى الحديثية (ص ٢١٩).
[ ٣٧٠ ]
ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات إلا ما شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا" (^١).
وقد اختلف الناس في الملائكة هل يموتون أم هم ممن استثنى الله؟
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - في شرحه لحديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان يقول: "أعوذ بعزتك، الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون" (^٢): "قوله: "والجن والإنس يموتون" استدل به على أن الملائكة لا تموت، ولا حجة فيه ولا اعتبار له، وعلى تقديره فيعارضه ما هو أقوى منه، وهو عموم قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، مع أنه لا مانع من دخولهم في مسمى الجن؟ لجامع ما بينهم من الاستتار عن عيون الإنس" (^٣).
والقول بموت الملائكة هو الذي عليه أكثر الناس، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة وحتى عزرائيل ملك الموت والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك وقدرة الله عليه؛ وإنما يخالف في ذلك طوائف من المتفلسفة ومن دخل معهم من المنتسبين إلى الإسلام أو اليهود والنصارى ممن زعم أن الملائكة هي العقول والنفوس، وأنه لا يمكن موتها بحال، بل هي عندهم آلهة وأرباب هذا العالم" (^٤).
وبما سبق يتضح موافقة ابن حجر - ﵀ - لما دلت عليه النصوص وقرره أهل العلم فيما يتعلق بوجود الملائكة، وخلقهم، وعددهم، وأعمالهم، وموتهم، سوى ما ذكره من كون الملائكة خلقوا من العناصر الأربعة لعدم ورود الدليل عليه - كما سبق -.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٨٧).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤/ ٢٣٠٥) برقم (٧٣٨٣).
(٣) فتح الباري (١٣/ ٣٧٠).
(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٩)، وانظر: الحبائك (ص ٢٧٢).
[ ٣٧١ ]
المبحث الثاني المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر
تحدث ابن حجر - ﵀ - عن المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر، وساق أقوال الناس في ذلك، ورجح ما يراه منها، وفيما يلي عرض رأيه في هاتين المسألتين:
أولًا: المفاضلة بين الملائكة:
ساق ابن حجر - ﵀ - أقوال الناس في المفاضلة بين الملائكة فقال: "فيه خلاف، والأدلة فيه متكافئة:
فقيل: جبريل أفضل؛ لأنه صاحب السر المخصوص بالرسالة إلى الأنبياء والرسل، والقائم بخدمتهم وتربيتهم.
وقيل: إسرافيل؛ لأنه صاحب سر الخلائق أجمعين إذ اللوح المحفوظ في جبهته لا يطلع عليه غيره، وجبريل وغيره إنما يتلقون ما فيه عنه، وهو صاحب الصور القائم ملتقمًا له ينتظر الساعة والأمر به لينفخ فيه فيموت كل شيء إلا من استثنى الله ثم بعد أربعين سنة يؤمر بالنفخ فيحيون ثم يبعثون" (^١).
وقال أيضًا: "وأفضلهم جبريل وإسرافيل، وتعارضت الأحاديث في أفضلهما، وأكثرها يدل على أفضلية إسرافيل" (^٢).
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ٤٢٤).
(٢) المصدر السابق (ص ٩١).
[ ٣٧٢ ]
التقويم:
الملائكة متفاوتون في الفضل، يَفْضُل بعضهم بعضًا، شأنهم في ذلك شأن سائر المخلوقات، فأفضل الملائكة المقربون منهم.
يقول الحافظ ابن كثير - ﵀ - في سياقه لأصناف الملائكة: "ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش، وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش، وهم الملائكة المقربون كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] (^١).
وأفضل المقربين رؤساء الملائكة الثلاثة الذين كان النبي - ﷺ - يذكرهم في دعائه الذي يفتتح به صلاته إذا قام من الليل، حيث يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض " الحديث (^٢).
يقول العلامة ابن القيم - ﵀ -: "ذكر هؤلاء الثلاثة من الملائكة لكمال اختصاصهم واصطفائهم وقربهم من الله، وكم من ملك غيرهم في السماوات فلم يسم إلا هؤلاء الثلاثة " (^٣).
وقد اختلف في المفاضلة بين هؤلاء الثلاثة على أقوال:
الأول: أن أفضلهم جبريل ثم إسرافيل ثم ميكائيل.
الثافي: أن أفضلهم إسرافيل ثم جبريل ثم ميكائيل.
الثالث: أن أفضلهم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل.
الرابع: التوقف (^٤).
وقد ذكر الحافظ السيوطي الآيات والأحاديث والآثار الواردة في كل
_________________
(١) البداية والنهاية (١/ ٤٩)، وانظر: تفسير الرازي (١١/ ١١٩).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (١/ ٥٣٤) برقم (٧٧٠) من حديث عائشة - ﵂ - به.
(٣) زاد المعاد (١/ ٤٣).
(٤) انظر: تفسير الرازي (٣/ ١٩٨)، والمطالب العالية له (٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، والحبائك للسيوطي (ص ٢٧٤)، فيض القدير للمناوي (٢/ ١٠١ - ١٠٢).
[ ٣٧٣ ]
منهم، وهي في مجملها لا تخرج عن كونها ضعيفة لا يثبت بها حكم، أو تدل على مطلق الفضل لا التفضيل المطلق (^١).
وعليه فقول ابن حجر - ﵀ - بأن أكثر الأحاديث تدل على أفضلية إسرافيل متوقف على صحتها من جهة، وصراحة دلالتها من جهة أخرى، وهما كير متحققين.
ثانيًا: المفاضلة بين الملائكة وبين صالحي البشر:
ذكر ابن حجر - ﵀ - أقوال الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، ورجح ما رآه منها، وبين أدلته على قوله (^٢).
يقول في بيان ذلك: "في المسألة أقوال:
أحدها: مذهب المعتزلة أن الملائكة أفضل مطلقًا، ووافقهم أئمة من أهل السنة كالباقلاني والرازي
(والثاني): السكوت عن التفاضل، " وقالوا: ليست المسألة مما كلفنا الله تعالى بمعرفة الحكم فيها، فلنفوض إلى الله تعالى ونعتقد أن الفضل لمن فضله الله" (^٣).
(والثالث): "الذي عليه محققو أهل السنة أن خواصنا وهم الأنبياء أفضل منهم مطلقًا، وعوامنا وهم الصلحاء كأبي بكر - ﵁ - أفضل من عوامهم، وخواصهم كجبريل أفضل من عوامنا" (^٤).
وقد "قامت الأدلة على تفضيل نبينا بل سائر الأنبياء على الملائكة:
ومنها: قوله تعالى بعد ذكر جمع من الأنبياء: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]، والملائكة من جملة العالمين، وقوله: ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] [البينة: ٧] والبرية: الخليقة، والملائكة من جملتهم وقوله:
_________________
(١) انظر: الحبائك (ص ١٩ - ٣٧).
(٢) انظر: الدر المنضود (ص ٣٦ - ٤١)، فتح المبين (ص ٢٠)، التعرف (ص ١١٩)، حاشية الإيضاح (ص ٤)، المولد الشريف (ص ٢٠)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٢٣، ٢٥٢، ٢٥٥، ٢٥٦، ٤٢٤)، المنح المكية (١/ ١٢١، ١٢٦، ١٤٥، ٢٧٣، ٤٢٠).
(٣) الدر المنضود (ص ٤٠ - ٤١).
(٤) المصدر السابق (ص ٣٦).
[ ٣٧٤ ]
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] وهذا يشملهم، ولا شك أن المسخَّر له مقصود بالذات، وغيره بالعَرضَ.
ومنها: اختصاص الأنبياء بأنهم الذين قامت بهم حجة الله على خلقه، وبأن آدم منهم سجد له الملائكة، والمسجود له أفضل من الساجد.
ومنها: أن للبشر طاعاتٍ لم يثبت مثلها للملائكة، كالجهادِ والغزو، ومخالفة الهوى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على البلايا والمحن.
ومنها: أن طاعات البشر أكمل، لأن الله كلفهم بها مع وجود صوارف عنها قائمة بهم وخارجة عنهم، ولا شك أن فعل الشيء مع مشقة ووجود الصارف عنه أبلغ في الطاعة والإذعان مع فعله مع عدم ذلك، إذ لا امتحان فيه بوجه " (^١).
التقويم:
مسألة المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر مسألة أثرية سلفية صحابية (^٢)، وقد أكثر الناس الخوض فيها، وتعددت أقوالهم حيالها، وحاصلها ثلاثة:
الأول: القول بتفضيل صالحي البشر على الملائكة، وهو المشهور من مذهب السلف (^٣)، ومن وافقهم من الأشاعرة (^٤).
والثاني: القول بتفضيل الملائكة على صالحي البشر، وهو مذهب المعتزلة (^٥)، وبعض أهل السنة والأشاعرة (^٦) والصوفية (^٧).
_________________
(١) الدر المنضود (ص ٣٨ - ٣٩).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٥٧).
(٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٤٣)، بدائع الفوائد (٣/ ٦٨٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٦٨).
(٤) انظر: المواقف (ص ٣٦٧)، وشرحها للجرجاني (٨/ ٢٨٣).
(٥) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٩٦)، الكشاف (١/ ٣١٦ - ٣١٧).
(٦) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤١٠).
(٧) انظر: التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي (ص ٦٩).
[ ٣٧٥ ]
والثالث: السكوت وعدم القطع فيها بقول (^١).
هذه هي أهم الأقوال في المسألة، وقد احتج أصحاب كل قول بأدلة، ورد عليهم الآخرون بما يرد عليها (^٢).
والتحقيق: هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حيث قال: "بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى، منزهون عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة، فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة" (^٣).
قال ابن القيم معقبًا على ذلك: "وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه، فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرف أسباب الفضل أولًا، ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض، والموازنة بينها ثانيًا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثًا كثرة وقوة، ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعًا، فرب صفة هي كمال الشخص، وليست كمالًا لغيره، بل كمال غيره بسواها، فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه، وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه، وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا، فهذه أربعة مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل، وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص على الأشخاص، وأبعد عن الهوى والغرض" (^٤).
_________________
(١) انظر: شعب الإيمان للبيهقي (١/ ١٨٢)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٢٣)، فتح القدير للشوكاني (١/ ٥٤٢) (٣/ ٢٢ - ٢٣، ٢٤٤).
(٢) انظر: المحلى (١/ ١٣)، والفصل (٥/ ١٥ - ١٧)، مجموع الفتاوى (٤/ ٣٥٠ - ٣٩٢)، الاستغاثة لشيخ الإسلام (٢/ ٦٣٤)، بدائع الفوائد (١/ ٧٠)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤١٠ - ٤٢٣)، فتح الباري (١٣/ ٣٨٦ - ٣٨٨)، الحبائك (ص ٢٠٣ - ٢٢٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٦٨)، وللاستزادة: مباحث المفاضلة في العقيدة د. محمد الشظيفي (ص ٣٥٤ - ٣٦٠)، معتقد فرق المسلمين في الملائكة (ص ٢٠٥ - ٢٠٩).
(٣) مجمع الفتاوى (٤/ ٣٤٣).
(٤) بدائع الفوائد (٣/ ٦٨٤).
[ ٣٧٦ ]
وقد أفاض شيخ الإسلام - ابن تيمية - ﵀ - في الاستدلال لقوله حيث ذكر ثلاثة عشر دليلًا عليه، ورد على المخالفين بما لا مزيد عليه (^١).
ومما تجد الإشارة إليه أن المفاضلة جائزة بين الملائكة وصالحي البشر ما لم تكن على وجه التنقص أو الحمية والعصبية للجنس، فإن أفضت إلى ذلك فلا شك في ردِّها (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٥٠ - ٣٩٣).
(٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤١٢).
[ ٣٧٧ ]
المبحث الثالث عصمة الملائكة
حكى ابن حجر - ﵀ - اتفاق المسلمين على عصمة المرسلين من الملائكة وخلافهم فيمن عداهم، ورجح عصمة الجميع، فقال: "أجمع المسلمون أنهم أيعني: الملائكة، مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن الرسل منهم إلى الأنبياء معصومون كالأنبياء، والأصح بل الصواب عصمة بقيتهم" (^١).
كما حكى قصة هاروت وماروت، وذكر اختلاف أهل العلم فيهما هل هما ملكان أم لا؟ ورجح كونهما ملكين، ورد على من أنكر ثبوت قصتهما فقال: "والجمهور على فتح تاء هاروت وماروت، وهما بناء على فتح لام الملكين بدل منهما وهو الصحيح للتصريح به في الحديث ونازع جماعة في أصل ثبوت القصة، وليس كما زعموا لورود الحديث بصحته بها " (^٢).
وقد أورد ابن حجر - ﵀ - عفا الله عنه - القصة، مختصرة وأجاب عنها فقال: "وأما ما وقع لهاروت وماروت كما صح عنه - ﷺ - في شأنهما أنهما كانا من الملائكة وأنهما افتتنا بالزهرة، وكانت أجمل نساء زمنها حتى زنيا بها وشربا الخمر، وقتلا فمسخت كوكبًا لأنهما علَّماها الاسم الأعظم الذي كانا يرقيان به إلى السماء فرقيت إليها فمسخت هذا الكوكب المضيء
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ٨٧)، وانظر: التعرف (ص ١١٩)، الزواجر (٢/ ١٠٥ - ١٠٦)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٨٨ - ٢٨٩).
(٢) الزواجر (٢/ ١٠٥ - ١٠٦).
[ ٣٧٨ ]
المعروف، فذلك أمر خارق للعادة أوجده الله تأديبًا للملائكة في قولهم
وهذا الذي ذكرته من الجواب عن هذه القصة من أنها أمر خارق للعادة، وبهذه الحكمة التي ذكرتها يبين به الرد على من أطال في إنكار قصتهما وأن ذلك الوقوع لتلك الحكمة لا يخل بعصمة الملائكة من حيث هي ولا ينافيه شيء من الأدلة والقواعد، فاحفظ ما قررته وتأمله، فإن الكلام قد كثر في هذا المحل وتعارضت فيه الآراء والظنون، وما ذكرته فيه هو الأوفق بالسنة وغير مناف للقواعد وإن لم أر من سبقني إليه" (^١).
التقويم:
العصمة لغة: اسم مصدر من "عَصَمَ".
يقول ابن فارس: "العين، والصاد، والميم، أصل واحد صحيح، يدل على إمساك ومنع وملازمة، والمعنى في ذلك كله معنى واحد" (^٢).
والمراد بها اصطلاحًا: الالتزام بالمأمورات والبعد عن المنهيات (^٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "العصمة مطلقًا هي فعل المأمور وترك المحذور" (^٤).
وعليه فالمراد بالبحث في عصمة الملائكة هو البحث في تحقق هذا المعنى في حقهم من عدمه.
ولتحقيق ذلك يقال: اتفق المسلمون على عصمة المرسلين من الملائكة، واختلفوا فيمن عداهم.
يقول القاضي عياض (^٥) - ﵀ -: "أجمع المسلمون على أن الملائكة
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ٨٧، ٨٨).
(٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٧٧٩)، وانظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٤٦٥)، الصحاح (٥/ ١٩٨٦)، لسان العرب (١٢/ ٤٠٣)، القاموس المحيط (ص ١٤٦٩).
(٣) انظر: منهاج السنة (٦/ ٤٠٦، ٤٢٩، ٤٦٩). (٧/ ٨٥)، فتح البادي (١١/ ٥١٠)، شرح الكوكب المنير (٢/ ١٦٧)، وللاستزادة: عصمة غير الأنبياء للدكتور يوسف السعيد (ص ٢١٨ - ٢١٩).
(٤) منهاج السنة (٧/ ٨٥).
(٥) هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليحصبي، أبو الفضل =
[ ٣٧٩ ]
مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة
واختلفوا في غير المرسلين منهم:
فذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن المعاصي، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]
وذهبت طائفة إلى أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين.
والصواب عصمة جميعهم، وتنزيه نصابهم عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم" (^١).
وعليه فما ذكره ابن حجر - ﵀ - من ترجيح القول بعصمة الجميع هو الصواب الذي تعضده الأدلة، ومنها:
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧].
وقوله سبحانه: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وقوله جل وعلا: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠].
وقوله سبحانه: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠].
وقوله ﵎: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].
فهذه الآيات دلت بمجموعها على فعلهم المأمورات وتركهم المنهيات، ومبالغتهم في الاشتغال بعبادة الله، واصطفاء الله سبحانه منهم، وقد سيقت كلها في معرض التمدح، وإذا كان شأنهم كذلك لم يبق للمعصية
_________________
(١) = المشهور بالقاضي، من أئمة المالكية وعلمائهم، من مؤلفاته: إكمال المعلم بفوائد مسلم، الشفا في حقوق المصطفى، ترتيب المدارك وغيرها، توفي سنة ٥٤٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)، شذرات الذهب (٤/ ١٣٨).
(٢) الشفا (٢/ ٨٥١ - ٨٥٣).
[ ٣٨٠ ]
عليهم سبيل (^١).
وأما هاروت وماروت الوارد ذكرهما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
فقد اختلف أهل العلم فيهما على قولين:
الأول: أنهما ليسا من الملائكة، وإنما هما شيطانان، و(ما) في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ نافية، وعلى قول هؤلاء فلا إشكال في الآية.
الثاني: أنهما من الملائكة، و(ما) في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ موصولة (^٢)، واختلف هؤلاء في الجواب عن قصتهما:
فمنهم من ذهب إلى القول بأنه يمكن أن تكون هذه شريعة من الشرائع، ثم نسخت، كما نسخ غيرها من الشرائع (^٣).
ومنهم من ذهب إلى القول بأن هذا من امتحان الله لعباده، وهو أمر جائز (^٤).
ومنهم من ذهب إلى القول بأن فعلهما ليس بمعصية، وأنهما لم يعصيا، لكونهما يعلمان الناس السحر تعليم إنذار وتحذير، لا تعليم دعاء إليه (^٥).
_________________
(١) انظر: الفصل (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، والشفا (٢/ ٨٥١ - ٨٥٩)، والمواقف للإيجي (ص ٣٦٦)، وشرحها للجرجاني (٨/ ٢٨٠)، وشرح المقاصد (٥/ ٦٤)، الحبائك (ص ٢٥٢ - ٢٥٣)، والكوكب الأجوج للسفاف (ص ١٥٢)، وللاستزادة: عصمة غير الأنبياء للسعيد (ص ٢٢٠ - ٢٢٧).
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١/ ٤٩٧)، تفسير ابن أبي زمنين (١/ ١٦٤)، تفسير السمعاني (١/ ١١٦)، تفسير البغوي (١/ ١٢٩)، تفسير القرطبي (٢/ ٥٠ - ٥١)، تفسير ابن كثير (١/ ١٤٧).
(٣) انظر: الفصل لابن جزم (٣/ ٣٠٥).
(٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ١٨٤)، تفسير ابن جرير (١/ ٤٩٩ - ٥٠٠) تفسير البغوي (١/ ١٢٩).
(٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ١٨٣)، الشفا (٢/ ٨٥٦) تفسير القرطبي (٢/ ٥٣).
[ ٣٨١ ]
ومنهم من ذهب إلى القول بأن ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة لا يعارضه ما ورد في قصة هاروت وماروت، لكونهما قد سبق في علم الله لهما ذلك، فيكون تخصيصًا لهما (^١).
وما ذكره ابن حجر - ﵀ - في الجواب عن الآية هو بمعنى هذا.
وأما ما ذكره من تفصيل قصتهما وحكمه بصحتها، فالجواب عنه أن يقال: إن القصة رويت مرفوعة وموقوفة.
فأما الرواية المرفوعة: فقد وردت من حديث ابن عمر، وعلي - ﵄ -.
فأما حديث ابن عمر: فقد أخرجه أحمد (^٢)، وعبد بن حميد (^٣) (^٤)، وابن حبان (^٥)، والبزار (^٦)، والبيهقي (^٧)، وابن السني (^٨) (^٩) من طرق عن يحي بن أبي بكير، عن زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا بنحو القصة المذكورة.
قال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: "هذا حديث غريب من هذا الوجه ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم الحذاء ذكره ابن أبي حاتم (^١٠) في كتاب الجرح
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٧)، تفسير ابن كثير (١/ ١٤٧).
(٢) انظر: المسند (١٠/ ٣١٧) رقم (٦١٧٨).
(٣) هو عبد بن حميد بن نصر الكسِّي أو الكَشِّي، أبو محمد، إمام حافظ، من مؤلفاته: التفسير، والمسند، والمنتخب منه، توفي سنة ٢٤٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٣٥)، شذرات الذهب (٢/ ١٢٠).
(٤) انظر: المنتخب (٢/ ٢٩) رقم (٧٨٥).
(٥) انظر: الصحيح (١٤/ ٦٣ - ٦٦) رقم (٦١٨٦).
(٦) انظر: كشف الأستار للهيثمي (٣/ ٣٥٨) رقم (٢٩٣٨).
(٧) انظر: السنن الكبرى (١٠/ ٤ - ٥).
(٨) هو أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط الدينوري، أبو بكر، المعروف بابن السني، من مؤلفاته: عمل اليوم والليلة، اختصار السنن الكبرى للنسائي، فضائل الأعمال، توفي سنة ٣٦٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٢٥)، شذرات الذهب (٣/ ٤٨).
(٩) انظر: عمل اليوم والليلة (ص ٦٠٥) رقم (٦٥٧).
(١٠) هو عبد الرحمن بن محمد بن إدريس التميمي الحنظلي، أبو محمد، إمام حافظ، وسلفي عابد، من مؤلفاته: الجرح والتعديل، مناقب الإمام الشافعي، توفي سنة ٣٢٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٦٣ - ٢٦٩)، طبقات الشافعية (٣ - ٣٢٤).
[ ٣٨٢ ]
والتعديل (^١)، ولم يحك فيه شيئًا من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -.
وروي له متابع من وجه آخر عن نافع:
كما قال ابن مردويه (^٢): حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا هشام بن علي بن هشام، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس، عن نافع، عن ابن عمر سمع النبي - ﷺ - يقول فذكره بطوله.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين - وهو سُنَيْد صاحب التفسير - حدثنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع
وهذان - أيضًا - غريبان جدًّا.
وأقرب ما في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي - ﷺ - فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم" (^٣).
وأما حديث علي - ﵁ -.
فقد أخرجه ابن مردويه من طريق مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي - ﵁ - مرفوعًا.
وأخرجه ابن السني (^٤) وابن مردويه من طريق جابر، عن أبي الطفيل، عن علي - ﵁ - مرفوعًا (^٥).
_________________
(١) انظر: (٤/ ١٣٩/١).
(٢) هو أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك بن موسى بن جعفر، الأصبهانيّ، أبو بكر، الحافظ المجود، محدث أصبهان، من مؤلفاته: التفسير الكبير، والتاريخ، والأمالي، توفي سنة ٤١٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٠٨)، شذرات الذهب (٣/ ١٩٠).
(٣) التفسير (١/ ١٤٨).
(٤) عمل اليوم والليلة (ص ٦٠٤) رقم (٦٥٤).
(٥) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٤٨).
[ ٣٨٣ ]
قال ابن كثير: "وهذا أيضًا لا يصح، وهو منكر جدًّا، والله أعلم" (^١).
وأما الرواية الموقوفة: فقد وردت من قول جماعة من الصحابة كعلي، وابن مسعود، وابن عباس - ﵃ - ومن قول جماعة من التابعين ككعب الأحبار، ومجاهد (^٢)، والحسن (^٣)، والسدي (^٤). وغيرهم - رحمهم الله تعالى - (^٥).
قال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: "وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار، وتلقاه عنه طائفة من السلف، فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل" (^٦).
هذا وقد ضعف القصة برواياتها وأنكرها جماعة من أهل العلم قديمًا وحديثًا (^٧).
وحاصل الكلام أن القصة راجعة "في تفاصيلها إلى أخبار بني
_________________
(١) التفسير (١/ ١٤٨).
(٢) هو مجاهد بن جبر المكي الأسود، أبو الحجاج، إمام حافظ مفسر، من أئمة التابعين، توفي سنة ١٠٢ هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٤٦٦)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٩).
(٣) هو الحسن بن أبي الحسن بن يسار، أبو سعيد، إمام حافظ مفسر، من أئمة التابعين، توفي سنة ١١٠ هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٥٦)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣).
(٤) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي، إمام حافظ مفسر، من أئمة التابعين، توفي سنة ١٢٧ هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٢٣)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٤).
(٥) انظر: تفسير ابن جرير (١/ ٤٩٧)، تفسير ابن كثير (١/ ١٤٨ - ١٥٢)، الدر المنثور للسيوطي (١/ ٢٣٨).
(٦) البداية والنهاية (١/ ٣٧).
(٧) ممن قال بضعف القصة ونكارتها: الإمام أحمد في المنتخب من العلل للخلال (ص ٢٩٥) برقم (١٩٤)، وأبو حاتم في العلل لابنه (٢/ ٦٩ - ٧٠)، وابن حزم في الفصل (٤/ ٦١ - ٦٢)، والقاضي عياض في الشفا (٢/ ٨٥٣ - ٨٥٥)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٨٦ - ١٨٧)، والرازي في تفسيره (٣/ ٢١٩)، والقرطبي في تفسيره (٢/ ٥٢)، والسيوطي في اللآلي المصنوعة (١/ ١٥٨ - ١٥٩)، وأبو السعود في تفسيره =
[ ٣٨٤ ]
إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال" (^١).
* * *
_________________
(١) = (١/ ١٦٥)، والألوسي في روح المعاني (١/ ٣٤٠)، وأحمد شاكر في تعليقه على المسند (٩/ ٣٢)، والألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٣١٤ - ٣١٨).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ١٥١).
[ ٣٨٥ ]
الفصل الثاني آراؤه في الإيمان بالكتب
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف الكتب.
المبحث الأول: معنى الإيمان بالكتب وما يتضمنه.
المبحث الثاني: نزول القرآن ومعناه.
المبحث الثالث: إعجاز القرآن.
[ ٣٨٧ ]
تمهيد في تعريف الكتب
الكتب في اللغة: جمع كتاب، بمعنى مكتوب.
يقول ابن فارس: "الكاف والتاء والباء أصل صحيح واحد يدل على جمع شيء إلى شيء، من ذلك الكتاب والكتابة، يقال: كتبت الكتاب أكتبه كتبًا" (^١).
وقد أشار إلى ذلك ابن حجر - ﵀ - فقال: "الكتب لغة: الضم والجمع" (^٢)، "يقال: كتب يكتب كَتْبًا وكتابة وكتابًا وبه يعلم أن معنى هذه المادة يدور على الجمع وضم الشيء إلى الشيء " (^٣).
والمراد بالكتب هنا - التي يجب الإيمان بها -: "هي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله، رحمة للخلق، وهداية لهم، ليصلوا بها إلى سعادة الدنيا والآخرة" (^٤).
وقد أشار ابن حجر - ﵀ - إلى بعضها بقوله: "الكتب: هي التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، والصحف " (^٥).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (ص ٩١٧)، وانظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٠٩٧)، الصحاح (٨/ ٢٠١ - ٢٠٩)، لسان العرب (١/ ٦٩٨ - ٧٠٢)، القاموس المحيط (ص ١٦٥).
(٢) تحفة المحتاج (١/ ٣١).
(٣) الإيعاب (١/ ٤٤ - ٤٥).
(٤) فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٠).
(٥) فتح المبين (ص ١١)، وانظر: (ص ٧١)، المنح المكية (٢/ ٨٥١)، تحفة المحتاج (٣/ ٢٤٣)، الإيعاب (١/ ٢٧).
[ ٣٨٨ ]
المبحث الأول معنى الإيمان بالكتب وما يتضمنه
بَيّن ابن حجر - ﵀ - معنى الإيمان بالكتب، وأن ذلك يتضمن أمورًا عديدة، فقال: " [الإيمان بالكتب]: أي بأنها كلام الله تعالى الأزلي القديم بذاته، المنزه عن الحرف والصوت، وبأنه تعالى أنزلها على بعض رسله بألفاظ حادثة في ألواح أو على لسان الملك، وبأن كل ما تضمنته حق وصدق، وبأن بعض أحكامها نسخ وبعضها لم ينسخ" (^١).
ويذكر ما يتميز به القرآن الكريم على جملة الكتب المنزلة، فيقول: "ويميز القرآن بأنه لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر أحد منهم على الإتيان بمثل أقصر سورة منه، وبأن يتلوه حق تلاوته خشوعًا وتدبرًا، ورعاية لما يجب له مما اتفق عليه القراء، ويذب عنه تأويل المحرفين، وطعن الطاعنين، ويصدق بجميع ما فيه، ويقف مع أحكامه، ويتفهم أمثاله وعلومه " (^٢).
التقويم:
الإيمان بالكتب هو الركن الثالث من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، والكتب المنزلة من عند الله تعالى قسمان:
الأول: ما لم يرد تسميته في القرآن والسنة، وهي أكثرها، فهذه يجب الإيمان بها إجمالًا.
_________________
(١) فتح المبين (ص ٧١).
(٢) المصدر السابق (ص ١٢٤)، وانظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص ١١٤)، والإيعاب (١/ ٢٧).
[ ٣٨٩ ]
الثاني: ما ورد تسميته في القرآن والسنة، وهي:
١ - التوراة: المنزل على موسى - ﵇ -.
٢ - الإنجيل: المنزل على عيسى - ﵇ -.
٣ - الزبور: المنزل على داوود - ﵇ -.
٤ - صحف إبراهيم - ﵇ -.
٥ - صحف موسىى - ﵇ -.
٦ - القرآن العظيم المنزل على نبينا محمد - ﷺ -، وهو آخرها.
فهذه يجب الإيمان بها على التعيين، ويزيد القرآن عليها - خاصة - بعد نزوله ونسخه لها بوجوب تصديقه والعمل بما فيه (^١).
يقول العلامة ابن أبي العز - ﵀ -: "وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين، فنؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتبًا أنزلها على أنبيائه، ولا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى.
وأما الإيمان بالقرآن، فالإقرار به، واتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب " (^٢).
وبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر - ﵀ - في تقريره لمفهوم الإيمان بالكتب، وبيانه لما يتضمنه يشتمل على حق وباطل.
فأما ما اشتمل عليه من الحق:
فقوله: بأن الإيمان بها يتضمن الإيمان بكونها كلام الله تعالى، وأنه سبحانه أنزلها على رسله - ﵈ - وأن ما تضمنته حق وصدق، وأن النسخ واقع بينها وفيها، وأن القرآن الكريم يتميز عنها بوجوب الإقرار بما فيه، والعمل به.
_________________
(١) انظر: تعظيم قدر الصلاة للمروزي (١/ ٢٩٣)، المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (١/ ٣١٧ - ٣٢٣)، شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٤٤٧)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، فتح الباري (١٢/ ١٧٢)، معارج القبول (٢/ ٦٧٥)، أضواء البيان للشنقيطي (١/ ١٤٨ - ١٤٩)، فتاوى ابن عثيمين (٣/ ٢٤١ - ٢٤٢).
(٢) شرح الطحاوية (٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥).
[ ٣٩٠ ]
وأما ما اشتمل عليه من الباطل، فيمكن إجماله ومناقشته فيما يلي:
١ - قوله بأن الكتب هي كلام الله القديم بذاته؛ ووجه كون كلامه هذا باطلًا، أن وصف القدم إما أن يريد به الكلام الذي هو صفته سبحانه، أو الكتب التي تضمنت ذلك الكلام، وعلى كلا التقديرين فكلامه باطل؛ لأن كلام الله تعالى الذي هو صفته من حيث هو قديم النوع حادث الآحاد فإطلاق القدم عليه مطلقًا لا يصح إلا على قول الأشاعرة ومن وافقهم من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه سبحانه - وقد تقدم مناقشته والرد عليه - وأما وصف كتبه سبحانه بكونها كلامه القديم أو أنها قديمة فمما لا يعرف عن السلف - ﵏ - وأول من عرف عنه أنه أطلق القدم على القرآن هو عبد الله بن كلاب.
وهاتان المسألتان - أعني: وصف كلام الله ووصف كتبه بالقدم - متلازمتان، وكل واحدة منهما فرع عن الأخرى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وكما لم يقل أحد من السلف [يعني: عن القرآن] إنه مخلوق، فلم يقل أحد منهم إنه قديم، لم يقل واحدًا من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمة الأربعة ولا غيرهم وأول من عرف أنه قال هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول.
فمنهم من قال: الكلام معنى واحد قائم بذات الرب
ومنهم من قال: هو حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية
وكلا الحزبين يقول: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته " (^١).
٢ - قوله بأن الكتب هي كلام الله المنزه عن الحرف والصوت - وقد تقدم الرد على ذلك وبيان مخالفته لمعتقد أهل السنة والجماعة بما يغني عن إعادته - (^٢).
٣ - قوله بأن ألفاظ الكتب حادثة أي: مخلوقة - وقد تقدم الرد عليه كسابقه - (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٠١)، وانظر: (١٢/ ٥٨٩ - ٥٩٠).
(٢) انظر: (ص ٣٣٥).
(٣) انظر: (ص ٣٣٠).
[ ٣٩١ ]
المبحث الثاني نزول القرآن ومعناه
حكى ابن حجر - ﵀ - اتفاق أهل السنة على أن القرآن الكريم منزل، وذكر اختلافهم في معنى تنزيله، والمنزل منه، فقال:
"اعلم أنهم اختلفوا في كيفية إنزال القرآن - بعد اتفاق أهل السنة على أن كلام الله منزل -.
فقيل: إنزاله إظهار قراءته.
وقيل: إلهامه تعالى كلامه لجبريل وتعليمه قراءته، ثم جبريل أداه لنبينا - ﷺ - قيل: بأن انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملائكة ثم أخذه من جبريل، وقيل: بل جبريل هو الذي انخلع من الملكية حتى أخذه منه النبي - ﷺ -
وحكى بعضهم في المُنزّل عليه - ﷺ - ثلاثة أقوال:
أحدها: اللفظ والمعنى، وجبريل حفظ اللفظ من اللوح المحفوظ ونزل به.
ثانيها: أنه إنما نزل بالمعاني خاصة، ونبينا - ﷺ - علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب
وثالثها: أن الذي نزل على جبريل المعنى فعبر عنه بلغة العرب ثم نزل بتلك الألفاظ على النبي - ﷺ -" (^١).
ويبين ابن حجر - ﵀ - رأيه في هاتين المسألتين فيقول: "الذي يتعين ترجيحه
_________________
(١) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ١٣٠).
[ ٣٩٢ ]
بحسب الأدلة أن المنزل عليه - ﷺ - اللفظ والمعنى، وأن ذلك ليس من اختراع جبريل، وإنما أخذه بالتلقي الروحاني أو من اللوح المحفوظ" (^١).
التقويم:
تواترت النصوص من الكتاب والسنة على أن القرآن الكريم منزل من عند الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾ [الأنعام: ١١٤].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ [النحل: ١٠٢].
وقال ﷿: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزمر: ١].
وأحاديث أسباب نزول الآيات كلها تدل على نزول القرآن الكريم من الله ﵎ (^٢).
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن القرآن الكريم منزل، ووافقهم على ذلك الأشاعرة - الذين حكى ابن حجر اتفاقهم في كلامه السابق واصفًا لهم بأهل السنة كعادته -.
ثم اختلفوا في معنى نزوله، والمنزل منه:
فقال أهل السنة والجماعة: نزل من الله لفظًا ومعنى، وسمعه جبريل منه سبحانه، وسمعه محمد - ﷺ - من جبريل، وليس لجبريل - ﵇ - ولا لمحمد - ﷺ - فيه إلا التبليغ والأداء، وهذا هو معنى قولهم: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود (^٣).
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٨٠)، وانظر: فتح الإله (ص ١٢٨ - ١٢٩)، الإيضاح والبيان (ل ٢)، إتحاف أهل الإسلام (ص ٧٩).
(٢) انظر: أسباب النزول للواحدي، والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر - ﵀ - العسقلاني، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣٠ - ٥٤٤) (١٢/ ١١٧ - ١٣٩)، مختصر الصواعق المرسلة =
[ ٣٩٣ ]
واضطرب الأشاعرة ومن وافقهم في ذلك، وتعددت أقوالهم، نتيجة لزعمهم أن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأنه ليس بحرف ولا صوت (^١).
وقد حكى ابن حجر اختلافهم في هاتين المسألتين وأقوالهم فيها، والذي يعنيني هنا هو ما اختاره من هذه الأقوال، ورجحه على غيره، وهو القول بأن المنزل هو اللفظ والمعنى، وأن معنى نزوله هو أن جبريل - ﵇ - أخذه بالتلقي الروحاني، أو من اللوح المحفوظ.
وقد أفاض شيخ الإِسلام في بيان هاتين المسالتين، وذكر الحق فيهما بما لا مزيد عليه، وفيما يلي طرف من كلامه.
قال - ﵀ -: "القرآن العظيم كلام الله العزيز العليم، ليس شيء منه كلامًا لغيره لا جبريل ولا محمد ولا غيرهما، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٣].
فأمره أن يقول: "نزّله روح القدس من ربك بالحق"، والضمير في قوله: "قل نزّله" عائد على ما في قوله: "بما ينزل" والمراد به القرآن، كما يدل عليه سياق الكلام
وقوله: "نزله روح القدس من ربك بالحق"، بيان لنزول جبريل به من الله، فإن روح القدس هنا هو جبريل، بدليل قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]
_________________
(١) = (٢٢٠ - ٢٢١)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٧٤ - ١٨٥)، توضيح المقاصد لابن عيسى (١/ ٢٧٥)، فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ٢١٤ - ٢٣٩).
(٢) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ٩٦ - ٩٧)، الإرشاد للجويني (ص ٣٠)، شرح المقاصد (٤/ ١٥٢ - ١٥٦)، غاية المرام للآمدي (ص ١١١)، تحفة المريد للباجوري (ص ٩٥).
[ ٣٩٤ ]
وهذه الآية تبطل قول من يقول إن القرآن العربي ليس منزلًا من الله بل مخلوق: إما في جبريل أو محمد أو جسم آخر غيرهما، كما يقول ذلك الكلابية والأشعرية الذين يقولون إن القرآن العربي ليس هو كلام الله، وإنما كلامه المعنى القائم بذاته، والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى، ثم إما أن يكون خلق في بعض الأجسام الهواء أو غيره، أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، أو ألهمه محمدًا فعبر عنه بالقرآن العربي، أو يكون أخذه جبريل من اللوح المحفوظ أو غيره، فهذه الأقوال التي تقدمت هي تفريع على هذا القول، فإن هذا القرآن العربي لا بد له من متكلم تكلم به أولًا قبل أن يصل إلينا
والمقصود هنا أن هذه الآية تبين بطلان هذا القول، كما تبين بطلان غيره؛ فإن قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ يقتضي نزول القرآن من ربه، والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه بدليل:
قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، وإنما يقرأ القرآن العربي لا يقرأ معانيه المجردة.
وأيضًا فضمير المفعول في قوله: "نزّله" عائد على ما في قوله: "والله أعلم بما ينزل" فالذي أنزله الله هو الذي نزّله روح القدس، فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي لزم أن يكون نزّله من الله، فلا يكون شيء منه نزّله من عين من الأعيان المخلوقة، ولا نزّله من نفسه.
وأيضًا فإنه قال عقيب هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]، وهم كانوا يقولون: إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر والله أبطل ذلك بأن لسان ذلك أعجمي وهذا لسان عربي مبين، فعُلم أن روح القدس نزل باللسان العربي المبين، وأن محمدًا لم يؤلف نظم القرآن بل سمعه من روح القدس، وإذا كان روح القدس نزل به من الله عُلم أنه سمعه منه ولم يؤلفه هو، وهذا بيان من الله أن القرآن الذي هو اللسان العربي المبين سمعه روح القدس من الله ونزل به منه.
[ ٣٩٥ ]
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، إلى قوله: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] " (^١).
وبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - في هاتين المسألتين متعقب بما يلي:
أولًا: أن قوله بأن المنزل من القرآن اللفظ والمعنى يناقض قوله بأن كلام الله سبحانه لفظ مشترك بين المعنى القائم بذاته تعالى الذي هو صفته وبين اللفظ المؤلف الذي هو خلقه.
ووجه ذلك: أن القول بأن القرآن منزل من الله، وأن المنزل منه اللفظ والمعنى يقضي أن القرآن لفظًا ومعنى هو من عند الله، بينما يرى ابن حجر أن القرآن معناه من الله تعالى وهو الكلام القائم بذاته، وأما لفظه فهو لفظ جبريل - ﵇ - أو محمد - ﷺ - كما سبق - (^٢).
وعليه فإن ابن حجر وإن وافق أهل السنة في ظاهر اللفظ، إلا أنه خالفهم في حقيقة المعنى المراد به.
ثانيًا: أن قوله بأن معنى نزول القرآن هو أن جبريل أخذه بالتلقي الروحاني أو من اللوح المحفوظ باطل من وجوه:
١ - أن قوله هذا مبني على ما ذهب إليه في كلام الله سبحانه حيث زعم أن كلام الله تعالى الذي هو صفته معنى قائم بالنفس وأنه ليس بحرف ولا صوت، وليس بمسموع على الحقيقة - وقد سبق نقل ذلك عنه وبيان بطلانه - (^٣) ولا شك أن ما بني على باطل فلا بد أن يكون باطلًا.
٢ - أن لفظ الإنزال ورد في النصوص مطلقًا ومقيدًا، ولم يرد مقيدًا بالإنزال منه سبحانه إلا في حق القرآن، فدل ذلك على أن نزول
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٧ - ١٢٤).
(٢) انظر: (ص ٣٢٧).
(٣) انظر: (ص ٣٢٧).
[ ٣٩٦ ]
القرآن الكريم منه سبحانه نزولٌ حقيقيٌّ، وأن جبريل سمعه من الله - ﷿ - ونزل به من عنده (^١).
٣ - أن النصوص دلت على أن القرآن الكريم ينزل شيئًا بعد شيء، فالمنزل أولًا هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرًا، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]. فالمحدث في الآية ليس هو المخلوق ولكنه الذي أنزل جديدًا (^٢).
٤ - أن النصوص قد دلت على أن جبريل يسمع الوحي من الله تعالى حقيقة دون واسطة، والقرآن من جملة الوحي، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، قال: فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحق، الحق" (^٣).
٥ - أن القول بذلك يستلزم أن يكون القرآن العربي هو لفظ جبريل أو
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٨، ٢٤٧ - ٥١٩)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٢٠).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٢٢).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في القرآن (٥/ ١٠٥) برقم (٤٧٣٨)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٣٥٠) برقم (٢٠٧)، وابن حبان (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤) برقم (٣٧)، والآجري في الشريعة (٣/ ١٠٩٤) برقم (٦٦٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٢٥)، والخطيب في تاريخه (١١/ ٣٩٢)، من طرق عن أبي معاوية عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - مرفوعًا به. وأخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص ١٥١) برقم (٤٦٥، ٤٦٦)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٢٨١) برقم (٥٣٧)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٣٥١ - ٣٥٢) برقم (٢٠٨، ٢٠٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٢٥)، والخطيب في تاريخه (١١/ ٣٩٣) من طرق عن الأعمش به موقوفًا من كلام ابن مسعود، وعلقه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ (٤/ ٢٣٣٥) عن مسروق، عن عبد الله موقوفًا عليه. والحديث صحيح بروايتيه المرفوعة والموقوفة فإن هذا مما له حكم الرفع. انظر: تغليق التعليق لابن حجر (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، فتح الباري له أيضًا (١٣/ ٤٥٦).
[ ٣٩٧ ]
محمد - ﷺ - (^١)، وهو ما يقرره ابن حجر - ﵀ - وأسلافه من الأشاعرة - وقد سبق نقل قوله في ذلك والرد عليه - (^٢).
٦ - أن القول بأن معنى نزول القرآن أن جبريل أخذه بالتلقي الروحاني، أو من اللوح المحفوظ يلزم منه لوازم باطلة:
إذ يلزم من قال بأن معنى ذلك تلقي جبريل له روحانيًا أن يكون جبريل ألهمه إلهامًا، وهذا الإلهام يكون لآحاد المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، وقد أوحى الله إلى سائر النبيين، فيكون هذا الوحي لآحاد الأنبياء والمؤمنين أعلى من أخذ محمد القرآن عن جبريل؛ لأن جبريل الذي علمه لمحمد هو بمنزلة الواحد من هؤلاء (^٣).
كما أنه يلزم من قال بأن معنى نزوله أن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ أن يكون بنو إسرائيل الذين أخذوا التوراة من الألواح التي كتبها الله لموسى أعلى منزلة من محمد - ﷺ - الذي أخذ القرآن من جبريل الذي أخذه من اللوح المحفوظ (^٤).
وعليه فالقول الصحيح هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من كون القرآن الكريم نزل من عند الله لفظًا ومعنى، وتكلم به سبحانه على الحقيقة وسمعه جبريل منه، وبلغه محمدًا - ﷺ - كما سمعه، والقول بذلك لا ينافي كتابته في اللوح المحفوظ ونزوله جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا قبل نزول جبريل به منجمًا على محمد - ﷺ -.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - مقررًا ذلك: "وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١] أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك منجمًا مفرقًا بحسب الحوادث، ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٣٦، ٥٢١).
(٢) انظر: (ص ٣٢٧).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٢٨).
(٤) انظر: المصدر السابق (١٢/ ١٢٧).
[ ٣٩٨ ]
قبل نزوله، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١١ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف: ٤] " (^١).
وبهذا يظهر خطأ ابن حجر في قوله، ومخالفته لمذهب أهل السنة والجماعة في هاتين المسألتين.
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ١٢٦ - ١٢٧).
[ ٣٩٩ ]
المبحث الثالث إعجاز القرآن
يعرف ابن حجر - ﵀ - المعجزة بأنها: "الأمر الخارق للعادة، المقرون بالتحدي الدال على صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" (^١).
ويرى أن هذا المعنى بشروطه المقررة متحقق في القرآن الكريم، حيث يقول: "وهذه الشروط جميعًا موجودة في القرآن فكان معجزة" (^٢).
ويبين وجه كون القرآن الكريم من معجزات النبي - ﷺ - الدالة على نبوته، فيقول: "إن الشعراء والبلغاء فضلًا عن غيرهم في قريش وغيرهم أظهروا عوار عجزهم عن المعارضة، وعثار عقلهم عن المناقضة، ومن ثم كان عجزهم عن ذلك أعجب في الآية، وأوضح في الدلالة، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، لأن قوم عيسى لم يكونوا يطمعون في ذلك، ولا يتعاطون علمه، وقريش كان أعلى أربهم، ومنتهى طلبهم، التفنن في أفننة الفصاحة، والتنزه في رياض البلاغة فدل عجزهم عنه مع ذلك، على أنه إنما هو لكونه من أعلام نبوته، وبراهين رسالته إذ محال أن يلبثوا ثلاثًا وعشرين سنة، على السكوت عن معارضة آية منه، المستلزمة لنقض أمره، وتفريق أتباعه، وزوال شوكته، وحيازة مرتبته مع قدرتهم عليها، وطلبها منهم " (^٣).
ويذكر أن إعجاز القرآن الكريم ليس محصورًا في وجه دون آخر،
_________________
(١) فتح المبين (ص ٢١).
(٢) المصدر السابق (ص ٢٢).
(٣) المنح المكية (٢/ ٧٩٠)، وانظر: فتح المبين (ص ٢٢).
[ ٤٠٠ ]
فيقول: "وجوه إعجاز القرآن لا تنحصر" (^١).
ويختم ابن حجر - ﵀ - كلامه في هذه المسألة بالرد على المعتزلة في قول بعضهم بالصِّرفة، وقول آخرين منهم بأن الإعجاز واقع بجميع القرآن لا ببعضه.
حيث يقول في الرد على القول بالصِّرفة: "القول بالصِّرفة للنظام (^٢) من المعتزلة أفسدوه:
بأن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] دليل ظاهر على عجزهم مع بقاء قدرتهم، إذ لو سلبوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم؛ لأنه حينئذ بمنزلة اجتماع الموتى
وبأن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، والقول بالصِّرفة يلزمه إضافته إلى الله تعالى، لا إلى القرآن، وحينئذ يلزمه زوال الإعجاز بزوال زمن التحدي، وفيه خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول العظمى باقية، ولا معجزة باقية أظهر من القرآن.
ويلزم الصِّرفة أيضًا أنه لا فضيلة للقرآن على غيره" (^٣).
ويقول في الرد على القول بأن الإعجاز واقع بجميع القرآن لا ببعضه: "زعم بعضهم أن الإعجاز إنما هو بمجموع القرآن لا بكل سورة؛ لأن ما فيه من أنواع الإعجاز السابقة إنما يستفاد من مجموعه.
وهذه مقالة فاسدة، لا يعوّل عليها، لمنافاتها لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، فالصواب خلاف هذه المقالة، بل قائلوها معتزلة لا يقام لهم وزن" (^٤).
_________________
(١) فتح المبين (ص ٢٢)، وانظر: المنح المكية (٢/ ٧٩٤ - ٧٩٥).
(٢) هو إبراهيم بن سيار النظام البصري، أبو إسحاق، معتزلي متكلم، انفرد بمسائل مخزية، من مؤلفاته: الطفرة، والجواهر والأعراض، والوعيد وغيرها توفي سنة بضع وعشرين ومائتين. انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٩٧)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤١).
(٣) المنح المكية (٢/ ٧٩٦).
(٤) المصدر السابق (٢/ ٨٠٦ - ٨٠٧)، العمدة شرح البردة (ص ٦٠٧).
[ ٤٠١ ]
التقويم:
القول بإعجاز القرآن مما اتفق عليه أهل القبلة في الجملة، وأقروا بكونه أظهر معجزات النبي - ﷺ -، وأبينها، وأعلاها، وأشرفها.
وبما سبق نقله عن ابن حجر - ﵀ - في هذه المسألة، وتقريراته في فروعها يتبين ما يلي:
١ - أن ما ذكره في تعريف المعجزة وشروطها مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة - كما سيأتي - (^١).
٢ - أن ما قرره من إعجاز القرآن، ودلالته على نبوة محمد - ﷺ - هو محل إجماع أهل القبلة - وإن اختلفوا في وجه إعجازه - (^٢).
وقد وردت النصوص بإثبات ذلك، وتقريره:
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٣، ٣٤].
وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣].
وقال - ﷿ -: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨].
يقول العلامة ابن القيم - ﵀ -: "من المحال أن يأتي واحد بكلام يفتعله، ويختلقه من تلقاء نفسه، ثم يطالب أهل الأرض بأجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف، ثم تعجز الخلائق عن ذلك" (^٣).
وقال: "ما من الأنبياء إلا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم
_________________
(١) انظر: (ص ٤٣٧).
(٢) انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (٢/ ٢٢٦ - ٢٣٨)، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٤/ ٣ - ٢٣).
(٣) بدائع الفوائد (٢/ ٤٣٥).
[ ٤٠٢ ]
تابعًا يوم القيامة" (^١).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه: "قوله: "وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ" أي: أن معجزتي التي تحديت بها، الوحي الذي أنزل علي، وهو القرآن، لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح، وليس المراد حصر معجزاته فيه، ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدّمه، بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره" (^٢).
وفي تقرير هذه المعاني، وبيان دلالتها على نبوته -ﷺ- يقول الحافظ البيهقي ﵀: "من دلائل نبوته -ﷺ- أنه كان أمِّيًا لا يخط كتابًا بيمينه، ولا يقرؤه، ولد في قوم أميِّين، ونشأ بين ظهرانيهم في بلد ليس بها عالم يَعرِفُ أخبار المتقدمين، وليس فيهم مُنجِّم يتعاطى علم الكوائن وكل ذلك معلوم عند أهل بلده، مشهود عند ذوي المعرفة والخبرة بشأنه، يعرفه العالم والجاهل، والخاص والعام منهم، فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية، وقد كان ذهب معالم تلك الكتب، ودرست، وحُرِّفت عين مواضعها، ولم يبق من المتمسكين بها، وأهل المعرفة بصحيحها من سقيمها إلا القليل، ثم حاجَّ كل فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد له حُذَّاق المتكلمين، وجهابذة المحصلين، لم يتهيأ لهم نقض شيء منه، فكان ذلك من أدل شيء على أنه أمر من عند الله ﷿" (^٣).
٣ - أن ما قرره من كون إعجاز القرآن لا ينحصر في وجه دون آخر موافق لقول المحققين من أهل العلم (^٤).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "كون القرآن معجزة ليس هو من جهة بلاغته وفصاحته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ،
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل (٣/ ١٦٠٧) برقم (٤٩٨١)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -ﷺ- إلى جميع الملل ونسخ الملل بملته (١/ ١٣٤) برقم (٢٣٩) من حديث أبي هريرة -﵁- به.
(٢) فتح الباري (٩/ ٦).
(٣) الاعتقاد والهداية (ص ٢٠٩).
(٤) انظر: البرهان في علوم القرآن (٢/ ٢٣٧)، الإتقان في علوم القرآن (٤/ ١٤ - ١٧).
[ ٤٠٣ ]
ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الله تعالى، وأسمائه وصفاته، وملائكته، وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية، التي هي الأمثال المضروبة
وكل ما ذكره الناس من وجوه إعجاز القرآن هو حجة في إعجازه، ولا تناقض في ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له" (^١).
وقد أكثر أهل العلم ممن صنف في إعجاز القرآن من ذكر أوجه إعجازه (^٢)، حتى عد السيوطي منها خمسة وثلاثين وجهًا (^٣).
٤ - أن ما ذكره في الرد على أقوال بعض المعتزلة ومن وافقهم، وبيان بطلانها، حق لا مرية فيه.
فالقول بالصِّرفة مأثور عن النظام (^٤) ووافقه عليه بعض المعتزلة (^٥)، والشيعة الإمامية (^٦)، والفلاسفة (^٧).
ومرادهم به -على اختلاف بينهم في تحقيقه-: أن إعجاز القرآن هو في صرف الناس عن معارضته لا في القرآن نفسه (^٨).
وجمهور الأمة على رد هذا القول وإبطاله؛ للأدلة المتواترة على
_________________
(١) الجواب الصحيح (٥/ ٤٢٨ - ٤٢٩).
(٢) انظر: بيان إعجاز القرآن للخطابي (ص ٢٤ - ٢٧)، إعجاز القرآن للباقلاني (ص ٣٣) وما بعدها، البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن للزملكاني (ص ٥٣ - ٥٦)، معترك الأقران للسيوطي (١/ ١٤) وما بعدها.
(٣) انظر: معترك الأقران له (١/ ١٤) وما بعدها.
(٤) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٩٦)، الفرق بين الفرق (ص ١٢٨).
(٥) كهشام الفُوطي وعباد بن سليمان كما في مقالات الإسلاميين (١/ ٢٩٦)، والجاحظ كما في الحيوان له (٤/ ٨٩).
(٦) كالمفيد كما في أوائل المقالات له (ص ٦٨)، وابن سنان الخفاجي كما في سر الفصاحة له (ص ٩٩ - ١٠٠).
(٧) كنصير الدين الطوسي كما في تلخيص المحصل له (ص ١٥١).
(٨) انظر: المصادر السابقة.
[ ٤٠٤ ]
بطلانه، وكثرة الإيرادات عليه، وقد ذكر ابن حجر بعضًا منها -فيما سبق نقله عنه- بما يغني عن الإطالة بتسطيرها (^١).
وأما القول بأن الإعجاز واقع بجميع القرآن لا ببعضه فهو منقول عن بعض المعتزلة، ولم أجد من عين القائل منهم بذلك، وهو أحد الأقوال في مسألة القدر المعجز من القرآن، وهو مردود بما ذكره ابن حجر من وقوع التحدي بالإثبات بعشر سور مثله، أو بسورة واحدة منه (^٢).
وبهذا يظهر موافقة ابن حجر ﵀ لما قرره أهل السنة والجماعة في مسألة إعجاز القرآن وفروعها، عدا تعريفه المعجزة، وبيانه لشروطها، والتي سيأتي بسط كلامه فيها وتقويمه.
* * *
_________________
(١) انظر: بيان إعجاز القرآن للخطابي (ص ٢٣ - ٢٤)، إعجاز القرآن للباقلاني (ص ٤٢)، الرسالة الشافية للجرجاني (ص ١٤٦ - ١٥٤)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٧٥)، الإتقان للسيوطي (٤/ ٦ - ٧)، وللاستزادة: الصرفة دلالاتها لدى القائلين بها وردود المعارضين لها د. سامي عطا حسن (ص ١٣٨ - ١٥١)، المنحى الاعتزالي في البيان وإعجاز القرآن لأحمد أبي زيد (ص ٢٦٣ - ٢٦٩)، إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة لمنير سلطان (ص ٢٠١ - ٢٠٣)، إعجاز القرآن الكريم د. محمد بن حسن بن عقيل موسى (ص ١١٣ - ١١٩).
(٢) انظر: الإتقان في علوم القرآن (٤/ ١٧).
[ ٤٠٥ ]
الفصل الثالث آراؤه في الإيمان بالرسل
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما.
المبحث الأول: آراؤه في الإيمان بالأنبياء والرسل عمومًا.
المبحث الثاني: آراؤه في الإيمان بنبينا محمد -ﷺ-.
المبحث الثالث: آراؤه في كرامات الأولياء.
[ ٤٠٧ ]
تمهيد في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما
النبي: مأخوذ من (النبأ) بمعنى الخبر، أو (النَّبَاوَة) أو (النَّبْوَة) بمعنى العلو والرفعة (^١).
والرسول مأخوذ من (الإرسال) بمعنى التوجيه، أو (الرَّسلُ) بمعنى التتابع (^٢).
وكل هذه المعاني متحققة في النبي والرسول.
وقد أشار ابن حجر إلى ذلك فقال: "النبيء بالهمزة من النبأ وهو الخبر؛ لأن النبي مخبر عن الله تعالى، وبتركه من النبا مهملًا ومن النَبَوة وهي الرفعة؛ لأن النبي مرفوع الرتبة على غيره" (^٣)، "والرسل جمع رسول" (^٤).
وقد اختلف الناس في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما على قولين:
أحدهما: أنهما بمعنى واحد، ولا فرق بينهما (^٥).
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٤٨٩)، معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٠٩)، الصحاح (١/ ٧٤)، لسان العرب (١/ ١٦٢)، القاموس المحيط (ص ١٧٢٢).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٤٠٧)، معجم مقاييس اللغة (ص ٤٠٢)، الصحاح (٤/ ١٧٠٨)، لسان العرب (١١/ ٢٨٣)، القاموس المحيط (ص ١٣٠٠).
(٣) فتح المبين (ص ٢٠٣)، وانظر: فتح الجواد (١/ ٩)، البدائع الجليلة (ل ١١/ ب).
(٤) فتح المبين (ص ١١).
(٥) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٥٦٧)، أعلام النبوة للماوردي (ص ٧٠)، غاية المرام (ص ٣١٧)، المواقف (ص ٣٣٧).
[ ٤٠٨ ]
ثانيهما: أنهما متغايران (^١).
والقول بالمغايرة بينهما، وثبوت الفرق فيهما هو قول الجمهور، وإن اختلفوا في تحديد وجهه (^٢).
والقول بذلك هو ما قرره ابن حجر ﵀ حيث قال في تعريف النبي والرسول: "هو ذكر حر من بني آدم أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فإن أمر به فرسول أيضًا وإن لم يكن له كتاب ولا نسخ" (^٣).
ويشكل على ما ذكره ابن حجر ﵀ في الفرق بين النبي والرسول ثبوت الإرسال في حق النبي، وحصول الكتمان بعدم البلاغ.
يقول العلامة الشنقيطي ﵀: "آية الحج تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه غير صحيح؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] يدل على أن كلًّا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير" (^٤).
ولهذا فإن أصح التعاريف وأسلمها من الاعتراضات -فيما يظهر لي- تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث يقول: "النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خَالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة، فهو نبي وليس برسول " (^٥).
_________________
(١) انظر: أعلام الحديث للخطابي (١/ ٢٩٨)، والمنهاج للحليمي (١/ ٢٣٩)، والدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم (ص ٣٨٠)، والفصل له (٥/ ١١٩ - ١٢٠)، والنبوات لابن تيمية (٢/ ٧١٤)، شرح الطحاوية (١/ ١٥٥)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٤٩)، أضواء البيان (٥/ ٧٣٥)، وللاستزادة كتاب النبي والرسول د. أحمد بن ناصر الحمد.
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) فتح الجواد (١/ ٩)، وانظر: تحفة المحتاج (١/ ١٤)، المنهاج القويم (ص ٩)، فتح المبين (ص ١١، ١٨، ٢٠٢)، المنح المكية (١/ ١١٧)، التعرف (ص ١١٦)، الإيعاب (١/ ٢٦)، البدائع الجليلة (ل ١١)، العمدة شرح البردة (ص ٢٢٦).
(٤) أضواء البيان (٥/ ٧٣٥).
(٥) النبوات (٢/ ٧١٤).
[ ٤٠٩ ]
وعليه فالنبي والرسول بينهما عموم وخصوص مطلق، وكذا النبوة والرسالة، فالرسالة أعم من جهة نفسها؛ إذ النبوة داخلة في الرسالة، كما أنها أخص من جهة أهلها؛ إذ كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، والرسالة أفضل من النبوة، والرسول أفضل من النبي (^١).
يقول العلامة السفاريني ﵀: "بيّن النبي والرسول عموم وخصوص مطلق، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، والرسول أفضل من النبي إجماعًا لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة على الأصح خلافًا لابن عبد السلام (^٢) (^٣) (^٤).
وقد قرر ابن حجر ﵀ ذلك في مواضع من كتبه، ورد على العز بن عبد السلام قوله هذا، منها قوله: "مر تفسير (النبي والرسول) بما يُعلم منه أن بينهما عمومًا مطلقًا ورُد ما عليه ابن عبد السلام من تفضيل النبوة لتعلقها بالحق على الرسالة لتعلقها بالخلق؛ ووجه رده أن الرسالة فيها التعلقان كما هو ظاهر، والكلام في نبوة الرسول مع رسالته وإلا فالرسول أفضل من النبي قطعًا" (^٥).
* * *
_________________
(١) انظر الإيمان لابن تيمية (ص ٦ - ٧)، شرح الطحاوية (١/ ١٥٥)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٩ - ٥٠).
(٢) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي المشهور بالعز بن عبد السلام، أشعري شافعي، من مؤلفاته: ملحة الاعتقاد، قواعد الأحكام، التفسير، توفي سنة ٦٦٠ هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٢٠٩)، شذرات الذهب (٥/ ٣٠١).
(٣) انظر: كلام العز بن عبد السلام المشار إليه في كتابه قواعد الأحكام الكبرى (ص ٢٣٧).
(٤) لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٩ - ٥٠).
(٥) فتح المبين (ص ١٨)، وانظر: الدر المنضود (ص ٣٤)، المنهاج القويم (ص ٩)، الإيعاب (١/ ٢٦)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٥).
[ ٤١٠ ]
المبحث الأول آراؤه في الإيمان بالأنبياء والرسل عمومًا
بين ابن حجر ﵀ معنى الإيمان بالرسل، وتحدث عن المفاضلة بينهم، وعرض لنبوة من اختلف في نبوته منهم، وأوسع الكلام في عصمتهم.
وفيما يلي عرض آرائه في ذلك، مع التعقيب عليها بتقويمها:
أولًا: معنى الإيمان بالرسل:
يرى ابن حجر ﵀ أن الإيمان بالرسل يعني الإيمان بأن الله "أرسلهم إلى الخلق لهدايتهم، وتكميل معاشهم ومعادهم، وأيَّدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، فبلغوا عنه رسالته، وبينوا للمكلفين ما أمروا ببيانه، وأنه يجب احترام جميعهم، ولا نفرِّق بين أحد منهم كما في الإيمان به، وأنه نزههم عن كل وصمة ونقص " (^١).
التقويم:
الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو ينتظم أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه مثل: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح -عليهم الصلاة والسلام- وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالًا.
_________________
(١) فتح المبين (ص ٧١)، وانظر: (ص ١٦٨)، المنح المكية (١/ ٣٣٦) (٢/ ٨٩٠).
[ ٤١١ ]
الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد -ﷺ- المرسل إلى جميع الناس (^١).
يقول الإمام محمد بن نصر المروزي (^٢) ﵀: (الإيمان بالرسل) "أن تؤمن بمن سمى الله في كتابه من رسله، وتؤمن بأن لله سواهم رسلًا، وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا الذي أرسلهم، وتؤمن بمحمد -ﷺ-، وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل، إيمانك بسائر الرسل: إقرارك بهم، وإيمانك بمحمد -ﷺ- إقرارك به، وتصديقك إياه، واتباعك ما جاء به" (^٣).
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في معنى الإيمان بالرسل، وبيانه لما يتضمنه موافق لما قرره أهل السنة والجماعة.
ثانيًا: المفاضلة بين الأنبياء:
يرى ابن حجر ﵀ جواز المفاضلة بين الأنبياء، وأن النصوص الواردة في النهي عن ذلك مؤولة، فيقول: "جواز التفضيل بين الأنبياء هو ما عليه عامة العلماء
وأما قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] فهو باعتبار الإيمان بهم، وبما أنزل إليهم.
وأما الأحاديث الصحيحة: "لا تفضلوا بين الأنبياء" (^٤)، "لا تخيروا
_________________
(١) انظر: تعظيم قدرة الصلاة (١/ ٣٩٣)، المنهاج للحليمي (١/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣٧١)، جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٢)، فتح الباري (١/ ١١٨)، معارج القبول (٢/ ٦٧٧)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ١٢٤ - ١٢٥).
(٢) هو محمد بن نصر بن الحجاج المروزي، أبو عبد الله، من أئمة السلف وأعلامهم، من مؤلفاته: تعظيم قدر الصلاة، واختلاف الفقهاء، وقيام الليل وغيرها، توفي سنة ٢٩٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٣)، شذرات الذهب (٢/ ٢١٦).
(٣) تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٩٣).
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ (٢/ ١٠٦٠)، برقم (٣٤١٤)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى -ﷺ- (٤/ ١٨٤٣) برقم (٢٣٧٣)، من حديث أبي هريرة -﵁- به.
[ ٤١٢ ]
بين الأنبياء" (^١)، فهي إما قبل علمه بالتفضيل، أو على تفضيل يؤدي إلى تنقيص أو إلى نقص مقام أحدهم، وعليهما يدل سياق الحديث، أو على التفضيل في ذات النبوة والرسالة، فإنهم كلهم مشتركون في ذلك، لا يتفاوتون فيه، وإنما يتفاوتون في زيادة الأحوال والمعارف والخصوصيات والكرامات.
وزعم حملها على التفضيل بآرائنا ليس في محله؛ لأن تفضيل ذلك بالرأي المحض مجمع على منعه، وبالدليل الدال عليه لا وجه لمنعه.
وأما الحديثان الصحيحان: "ما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس ابن متى" (^٢)، "من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب" (^٣). فحكمة التخصيص فيها بيونس نفي توهم التفاوت بينهما في القرب من الحق لاختلاف محلهما الصوري برفع نبينا -ﷺ- إلى قاب قوسين، ونزول يونس إلى قعر البحر، أي: لا تتوهموا من هذا التفاوت الصوري تفاوتًا في القرب والبعد من الله تعالى، بل نسبة كل إليه واحدة، وإن تفاوت مكاناهما " (^٤).
ويقرر ابن حجر أفضلية نبينا محمد -ﷺ- على من سواه، فيقول: "وهو أفضل المخلوقين كلهم بشهادة قوله -ﷺ-: "أنا سيد الناس يوم القيامة". رواه البخاري (^٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والملازمة (٢/ ٧١٩)، برقم (٢٤١٢)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى -ﷺ- (٤/ ١٨٤٥)، برقم (٢٣٧٤)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- به.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ (٢/ ١٠٦٠) برقم (٣٤١٣)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر يونس ﵇ (٤/ ١٨٤٦) برقم (٢٣٧٧)، من حديث ابن عباس -﵄- به.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ (٢/ ١٠٦١) برقم (٣٤١٥)، من حديث أبي هريرة -﵁- بنحوه.
(٤) المنح المكية (١/ ١٢٢)، وانظر: فتح المبين (ص ١٩)، والفتاوى الحديثية (ص ٢٠٣، ٢٥٣، ١٧٦)، الدر المنضود (ص ١٠٠)، تحفة المحتاج (١/ ١٤)، أشرف الوسائل (ص ٧٧).
(٥) سبق تخريجه (ص ٢٨٤).
[ ٤١٣ ]
وقوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، وما من بني آدم فمن سواه إلا تحت لوائي" رواه الترمذي (^١).
ومن هذا عُلِمَت أفضليته على آدم، فقوله: أنا سيد ولد آدم إما للتأدب مع آدم، أو لأنه علم فضل بعض بنيه عليه كإبراهيم فإذا فضل نبينا الأفضل من آدم فقد فضل آدم بالأولى " (^٢).
ويجمل ابن حجر الكلام في المفاضلة بين بقية الرسل والأنبياء، فيقول: "أرسل تعالى رسله بالمعجزات وخص نبينا -ﷺ- المفضل عليهم، ثم بقية أولي العزم، ويتردد النظر في نوح وعيسى، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء" (^٣).
وقال: "إبراهيم أفضل الأنبياء بعد محمد -ﷺ-" (^٤).
التقويم:
القول بجواز المفاضلة بين الأنبياء والرسل مما تدل عليه نصوص الكتاب، والسنة، والإجماع.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥].
_________________
(١) أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل (٥/ ٢٨٨) برقم (٣١٤٨)، وابن ماجه كتاب الزهد باب ذكر الشفاعة (٢/ ١٤٤٠) برقم (٤٣٠٨)، وأحمد (١٧/ ١٠) برقم (١٠٩٨٧) من طرق عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري -﵁- به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
(٢) فتح المبين (ص ١٩ - ٢٠)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٧٦، ٢٠٣، ٢٥٣)، المنح المكية (١/ ١١٩، ١٢٢، ١٥٨، ١٤٦٥)، أشرف الوسائل (ص ٧٧)، تحفة المحتاج (١/ ١٤)، الدر المنضود (ص ٣٦، ١٠٠)، مولد النبي -ﷺ- (ص ٢٤)، التعرف (ص ١١٥ - ١١٧)، العمدة شرح البردة (٢٤٣، ٢٥٠، ٢٨٦، ٥٤٢).
(٣) التعرف (ص ١١٤ - ١١٦).
(٤) الدر المنضود (ص ١٠٠).
[ ٤١٤ ]
ومن السُّنَّة: قوله -ﷺ-: "أنا سيد ولد آدم " (^١).
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء كافة على أن الرسل أفضل من الأنبياء -كما سبق (^٢) - وأجمعوا على المفاضلة بين آحادهم -كما سيأتي- (^٣).
وأما النصوص الواردة في النهي عن المفاضلة -والتي ذكر ابن حجر بعضها- فقد اختلف أهل العلم في توجيهها، وذهبوا في ذلك مذهبين:
أحدهما: مذهب الجمع: وهو مذهب أكثر أهل العلم، واختلف هؤلاء في وجهه على أقوال (^٤)، وقد ذكر ابن حجر في كلامه السابق بعضًا منها.
والثاني: مذهب النسخ: وهو مذهب بعض أهل العلم، حيث قالوا بنسخ نصوص النهي عن التفضيل بما ورد في المفاضلة (^٥).
وأصح المذهبين -فيما يظهر لي- مذهب الجمع، وأولى الأقوال فيه القول بأن نصوص النهي عن المفاضلة محمولة على ما كان يؤدي إلى توهم لنقص في المفضول أو الغض منه، أو كان على وجه الإزراء به، ونصوص المفاضلة محمولة على ما خلا عن ذلك (^٦).
وبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر من كون القول بجواز المفاضلة هو ما عليه عامة العلماء، وأن النهي عن ذلك لا يعارضه مما وافق فيه أهل العلم، وأصاب فيه الحق.
وأما تحقيق القول في المفاضلة، بين الرسل والأنبياء فلا شك ولا
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٢٨٤).
(٢) انظر: (ص ٤١٠).
(٣) انظر: (ص ٤١٦).
(٤) انظر: مشكل الآثار (١/ ٣٠٨)، تأويل مختلف الحديث (ص ١٠٩)، دلائل النبوة (٥/ ٤٩١ - ٥٠٠)، معالم السنن (٤/ ٢٨٦)، المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١١٧)، شرح صحيح مسلم (١٥/ ٤٣)، شرح الطحاوية (١/ ١٥٩)، فتح الباري (٦/ ٤٤٦).
(٥) انظر: تفسير القرطبي (٣/ ٢٦٢)، شرح صحيح مسلم (١٥/ ٤٣)، فتح الباري (٦/ ٤٥٢).
(٦) اختار هذا القول الخطابي كما في معالم السنن له (٤/ ٢٨٦)، والحليمي كما في المنهاج له (٢/ ١١٧)، وشيخ الإسلام كما في منهاج السنة (٧/ ٢٥٦)، والفتاوى (١٤/ ٤٣٦)، وابن أبي العز كما في شرحه على الطحاوية (١/ ١٥٩).
[ ٤١٥ ]
ريب أن أفضل الرسل نبينا محمد -ﷺ-؛ لتواتر النصوص في ذلك، وقيام إجماع أهل العلم عليه.
فقد تواترت نصوص الكتاب والسنة نصًا وظاهرًا في الدلالة على أفضليته -ﷺ- على غيره من الأنبياء والرسل، وأوردها غير واحد من أهل العلم ممن كتبوا في خصائصه -ﷺ- (^١)، وأجمعت الأمة على القول بمقتضاها (^٢).
يقول القاضي عياض ﵀: "لا خلاف أنه أكرم البشر، وسيد ولد آدم، وأفضل الناس منزلة، عند الله، وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى، واعلم أن الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدًّا" (^٣).
وقرر السلف ذلك في عقائدهم، وعدوه من معاقد العقائد، التي يجب الإيمان بها، فقد عقد الإمام الآجري في كتاب الشريعة بابًا بعنوان: "باب ما فضل الله ﷿ به نبينا -ﷺ- في الدنيا من الكرامات على جميع الأنبياء ﵈" (^٤)، وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقيدته: "فصل: ونعتقد أن محمدًا المصطفى خير الخلائق، وأفضلهم وأكرمهم على الله ﷿، وأعلاهم درجة، وأقربهم إلى الله وسيلة" (^٥).
ويلي نبينا محمدًا -ﷺ- في الفضل بقية أولي العزم الذين أثنى الله عليهم، وأمر نبيه بالاقتداء بهم في قوله سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقد اختلف أهل العلم في تعيينهم، فمنهم من عينهم بالصفة، ومنهم من عينهم بالتسمية، وأصح الأقوال أنهم الخمسة المذكورون نصًا في
_________________
(١) انظر: غاية السؤل في خصائص الرسول لابن الملقن (ص ٢٢٣)، اللفظ المكرم بخصائص النبي -ﷺ- للخيضري (٢/ ٥)، الخصائص الكبرى للسيوطي (٢/ ٣١٤)، مرشد المحتار إلى خصائص النبي المختار لابن طولون (ص ٣٢٣).
(٢) انظر: في حكاية إجماعهم الشفا للقاضي عياض (١/ ٢١٥)، تفسير الرازي (٦/ ١٩٥)، تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣).
(٣) الشفا (١/ ٢١٥).
(٤) الشريعة (٣/ ١٥٥٢).
(٥) الاقتصاد في الاعتقاد (ص ١٩٦).
[ ٤١٦ ]
قوله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] (^١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد -ﷺ-" (^٢).
وقد اختلف في المفاضلة بينهم، وحكى الخلاف غير واحد من أهل العلم، منهم العلامة السفاريني ﵀ حيث قال: "اختلف العلماء فيمن يلي النبي -ﷺ- في الفضيلة منهم، والمشهور أنه إبراهيم خليل الرحمن، لما ورد أن إبراهيم ﵇ خير البرية (^٣)، خص منه محمد -ﷺ- بإجماع، فيكون أفضل من موسى وعيسى ونوح ﵈، والثلاثة بعد إبراهيم أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين، قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على نقل أيهم أفضل، والذي ينقدح في النفس تفضيل موسى فعيسى فنوح عليهم الصلاة والسلام" (^٤).
ومما سبق يتضح صواب رأي ابن حجر ﵀ في المفاضلة بين الأنبياء، وموافقته في ذلك لجمهور أهل العلم.
ثالثًا: رأيه في نبوة من اختلف في نبوته:
تحدث ابن حجر ﵀ عن نبوة بعض من اختلف في نبوته ورجح ما
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (١١/ ٣٠٢)، تفسير البغوي (٧/ ٢٧١)، تفسير القرطبي (١٦/ ٢٢٠)، تفسير ابن كثير (٤/ ١٨١).
(٢) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص ٥٥).
(٣) يشير إلى حديث أنس بن مالك أن رجلًا قال لرسول الله -ﷺ-: يا خير البرية، فقال رسول الله -ﷺ-: "ذاك إبراهيم"، والحديث أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضائل إبراهيم الخليل (٤/ ١٨٣٩) برقم (٢٣٦٩).
(٤) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٠٠)، وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣)، فيض القدير (٣/ ٤٦٤).
[ ٤١٧ ]
رآه راجحًا فيهم، وقد ذكر منهم: الخضر، وإخوة يوسف، وإبراهيم ابن نبينا محمد -ﷺ-، ولقمان، وذا القرنين.
وفيما يلي بيان رأيه في كل منهم، معقبًا عليه بتقويمه:
١ - الخضر:
يرى ابن حجر ﵀ نبوة الخضر، كما يرى استمرار حياته وتعميره، فقد سئل عن نبوته وحياته، فأجاب بأن: "المعتمد حياته ونبوته" (^١).
التقويم:
الخضر بفتح أوله وكسر ثانيه، أو بكسر أوله وإسكان ثانيه، عبد من عباد الله، ذكرت قصته مع نبي الله موسى ﵇ في القرآن الكريم مجملة، وفصلت بعض أحواله في السنة النبوية، وقد اختلف الناس حوله اختلافًا كثيرًا (^٢).
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "الخضر اختلف في اسمه، وفي اسم أبيه، وفي نسبه، وفي نبوته، وفي تعميره" (^٣).
وقد اقتصر كلام ابن حجر حوله على تحقيق القول في نبوته وحياته، ولذا سأقتصر في تقويمه عليهما.
فأما ما يتعلق بنبوته:
فقد اختلف أهل العلم فيها على أقوال أشهرها قولان:
أحدهما: أنه نبي وهو قول الجمهور، واختلف القائلون به في كونه نبيًّا رسولًا أو نبيًّا فقط، وأكثرهم على القول بنبوته دون رسالته (^٤).
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٤١)، وانظر: (ص ٤١٠)، تحفة المحتاج (٤/ ١١١)، التعرف (ص ١٢٣).
(٢) انظر: فتوى في الخضر لابن تيمية ضمن جامع المسائل له (٥/ ١٣١)، والزهر النضر في حال الخضر لابن حجر، والخدر في أمر الخضر للقارئ (ص ٧٣)، وما بعدها، جواب سؤال يتعلق بما ورد فيما أظهر الخضر للشوكاني ضمن الفتح الرباني له (٣/ ١٢٤٩).
(٣) فتح الباري (٦/ ٤٣٣).
(٤) انظر: تفسير القرطبي (١١/ ١٦)، مدارج السالكين (٢/ ٤٧٥ - ٤٧٦)، فتح الباري (٦/ ٤٣٤)، الزهر النضر (ص ٦٨)، الحذر في أمر الخضر (ص ٨٣)، روح المعاني للألوسي (١٥/ ٣٢٠).
[ ٤١٨ ]
والثاني: أنه ولي لا نبي، وهو قول بعض الصوفية ومن وافقهم (^١).
والصحيح قول الجمهور بأنه نبي لا ولي، وقول من قال منهم بنبوته دون رسالته، والأدلة على ذلك كثيرة، وقد ذكرها غير واحد من أهل العلم.
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "والذي لا يتوقف فيه الجزم بنبوته" (^٢).
ويقول العلامة الألوسي ﵀: " والمشهور ما عليه الجمهور [يعني القول بنبوته] وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين" (^٣).
وأما ما يتعلق بحياته وتعميره:
فقد اختلف أهل العلم فيها أيضًا على قولين:
أحدهما: القول بوفاته، وهو ما عليه المحققون من أهل العلم (^٤).
والثاني: القول بتعميره، وهو قول لبعض الصوفية ومن وافقهم (^٥)، وحكاه بعضهم عن أكثر أهل العلم (^٦)، وفي حكايته نظر ظاهر.
والأدلة من الكتاب والسنة والمعقول تدل على قول من قال بوفاته وتؤيده.
فمن الكتاب:
أ- قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. فالخضر إن كان بشرًا فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز
_________________
(١) انظر: نشر المحاسن الغالية لليافعي (ص ٤٨، ٧٠).
(٢) الزهر النضر (ص ١٦٢).
(٣) روح المعاني (١٥/ ٣٢٠).
(٤) انظر: جامع المسائل (٥/ ١٣١)، المنار المنيف لابن القيم (ص ٧٢)، البداية والنهاية (١/ ٣١٢)، الزهر النضر (ص ٨٦ - ٨٩)، فتح الباري (٦/ ٤٣٤).
(٥) انظر: لطائف المنن لابن عطاء الله السكندري (ص ١٥١)، نشر المحاسن الغالية (ص ٣٩٥).
(٦) انظر: شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٣٥ - ١٣٦)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ١٧٦ - ١٧٧).
[ ٤١٩ ]
تخصيصه منه إلا بدليل صحيح، والأصل عدمه حتى يثبت، ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله (^١).
ب - قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١].
قال ابن عباس -﵁-: "ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء، ليؤمن به وينصرنه" (^٢).
فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًا فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيًّا في زمن النبي -ﷺ- لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه، ولم يثبت أن الخضر اجتمع مع النبي -ﷺكما سيأتي- فدل ذلك على موته (^٣).
ومن السُّنَّة: قوله -ﷺ-: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى على ظهر الأرض أحد" (^٤).
وقوله -ﷺ-: "تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله، ما على الأرض نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة" (^٥).
قال ابن الجوزي: "فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر" (^٦).
_________________
(١) انظر: المنار المنيف (ص ٦٩ - ٧٠)، البداية والنهاية (١/ ٣١٢).
(٢) أخرجه ابن جرير (٣/ ٣٣٠) برقم (٧٣٢٧) من طريق المثنى وأحمد بن حازم، كلاهما عن أبي نعيم، عن سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -﵄- بنحوه. وذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٠٥) بلفظه عن ابن عباس، وبنحوه عن جمع من الصحابة والتابعين.
(٣) انظر: البداية والنهاية (١/ ٣١٢).
(٤) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب السمر في العلم (١/ ٦٣) برقم (١١٦)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله -ﷺ-: لا تأتي مائة سنة (٤/ ١٩٦٥) برقم (٢٥٣٧) من حديث عبد الله بن عمر -﵄- به.
(٥) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله -ﷺ- لا تأتي مائة سنة (٤/ ١٩٦٦) برقم (٢٥٣٨) من حديث جابر بن عبد الله -﵁- به.
(٦) نقله عنه ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٣١٣)، وأصل كلامه في كتابه عجالة المنتظر في شرح حال الخضر وهو غير مطبوع، ولم أقف على من ذكر له نسخة خطية.
[ ٤٢٠ ]
وأما المعقول: فقد نقل العلامة ابن القيم عن الحافظ ابن الجوزي -رحمهما الله- وجوهًا من المعقول تدل على موت الخضر، منها:
أ - أن الذي أثبت حياته يقول: إنه ولد آدم لصلبه أو الرابع من ولد ولده، ومحال أن يعمر كل هذه المدة الطويلة، فإن مثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر.
ب - أن الخضر لو كان كذلك، لكانت خلقته ليست على خلقتنا، بل كان مفرطًا في الطول والعرض، ولم يذكر أحد ممن زعم رؤيته أنه رآه على خلقة عظيمة.
ج - أن الخضر لو كان كذلك، لكان ممن مات زمن نوح ﵇ فإن العلماء قد اتفقوا على أن نوحًا لما نزل من السفينة مات من كان معه، ثم مات نسلهم، ولم يبق غير نسل نوح، بدليل قوله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]، ومعلوم أن الخضر ليس من نسل نوح عند القائلين بتعميره.
د - أنه لو كان حيًّا؛ لكان جهاده الكفار، ورباطه في سبيل الله، ومقامه في الصف ساعة، وحضوره الجمعة والجماعة، وتعليمه العلم خيرًا له وأفضل من سياحته بين الوحوش في الصحاري والبراري، وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه، والعيب له (^١)؟ .
وبمجموع هذه الأدلة فإن الراجح -والله أعلم- القطع بموته.
وغاية ما استدل به القائلون بتعميره ثلاثة أدلة:
الأول: الأحاديث الدالة على بقائه وتعميره، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة (^٢).
_________________
(١) انظر: المنار المنيف (ص ٧٣ - ٧٦)، وقد ذكرها أيضًا الألوسي في روح المعاني (١٥/ ٣٢١).
(٢) انظر: الموضوعات لابن الجوزي (١/ ١١٩)، جامع المسائل لابن تيمية (٥/ ١٣٣)، المنار المنيف (ص ٦٧)، البداية والنهاية (١/ ٣١١)، الزهر النضر (ص ٨٠)، فتح الباري (٦/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، الفوائد الموضوعة للكرمي (ص ٥٨)، أسنى المطالب للحوت (ص ٢٩٦).
[ ٤٢١ ]
والثاني: الأقوال المروية عن بعض الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم، وأكثرها لا تصح عنهم، ومن صحت عنه فهي معارضة بأقوال من خالفه (^١).
والثالث: القصص والحكايات التي تذكر عن بعض الصالحين ومدعي الولاية من رؤية الخضر والاجتماع به، والاحتجاج بها غير معتبر؛ إذ هي ليست حجة في نفسها، واحتمال الخطأ والكذب فيها غالب (^٢).
وجملة القول أن "الأخبار الصحيحة النبوية، والمقدمات الراجحة العقلية، تساعد القائلين بوفاته ﵇ أي مساعدة، وتعاضدهم على دعواهم أيَّ معاضدة، ولا مقتضى للعدول عن ظواهر تلك الأخبار " (^٣).
ومما سبق يتضح صواب ابن حجر ﵀ في قوله بنبوة الخضر، وخطؤه في قوله بتعميره.
٢ - إخوة يوسف ﵇:
يرى ابن حجر ﵀ نبوة إخوة يوسف ﵇ وأنهم الأسباط الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣]. حيث يقول في تفسيرهما:
"اتفقوا على أن المراد بالأسباط أولاد يعقوب فكوننا أمرنا بالإيمان بما أنزل إلى أبيهم وبما أنزل إليهم ظاهر ونص في أنه أنزل عليهم ما يجب الإيمان به إجمالًا، وهذا صريح في نبوتهم.
وعليه فقد يستشكل ما وقع منهم في هذه القصة من الأمور الكثيرة التي ظواهرها يجب تنزيه الأنبياء -صلى الله على نبينا وعليهم وسلم- عنها
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١/ ٣٠٨ - ٣١١)، الزهر النضر (ص ١١٥ - ١٦٠)، فتح الباري (٦/ ٤٣٥).
(٢) انظر: المنار المنيف (ص ٧٥)، فتح الباري (٦/ ٤٣٥)، روح المعاني (١٥/ ٣٢٨).
(٣) روح المعاني (١٥/ ٣٢٨).
[ ٤٢٢ ]
بناء على الأصح بل الصواب أن الأنبياء جميعهم من الرسل وغيرهم معصومون قبل النبوة وبعدها من صغائر المعاصي وكبائرها عمدها وسهوها.
ويجاب: بأن ذلك يتأتى على مذهب كثيرين، بل نقل عن الأكثرين أن العصمة إنما هي بعد النبوة لا قبلها، والأولى أن يجاب بأن هذه الأمور إنما تشكل على قواعد شرعتنا أما على شرعهم فنحن لا ندريه، وبفرض أنه يوافق شرعتنا في ذلك فيحتمل أن لهم تأويلًا سوّغ لهم ارتكاب ما فعلوه، وتعبير كثير ببغيهم وحسدهم ونحو ذلك من العبارات التي ظاهرها لا يليق بهم إنما هو بناء على عدم نبوتهم كما هو قول فيهم " (^١).
التقويم:
اتفق أهل العلم على أن المراد بالأسباط في الآيتين أبناء يعقوب، واختلفوا هل هم أبناؤه لصلبه أم لا؟ (^٢).
فمن قال إنهم أبناؤه من ذريته، حكم بعدم نبوة إخوة يوسف.
ومن قال إنهم أبناؤه لصلبه حكم بنبوة إخوة يوسف، واختلف هؤلاء في الجواب عما وقع منهم:
فقال بعضهم: إن زلتهم قد غفرت بندمهم، واستغفار أبيهم لهم، ولا يستحيل في العقل زلة النبي (^٣)، ويرد بأن الأنبياء معصومون من الكبائر -كما سيأتي- (^٤).
وقال آخرون: إنهم لم يكونوا أنبياء حين فعلهم بأخيهم يوسف ذلك، وإنما نبأهم الله بعد توبتهم (^٥)، ويرد بأن القول الصحيح أن الأنبياء
_________________
(١) أسنى المطالب (ص ٢٦٠)، وانظر: المنح المكية (٢/ ٨٤٢، ٨٤٥ - ٧٤٦).
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١/ ٦١٨)، تفسير القرطبي (٢/ ١٤١)، تفسير ابن كثير (١/ ٢٠٠).
(٣) انظر: تفسير ابن عطية (٣/ ٢٢٠)، تفسير القرطبي (٩/ ١٣٣)، تفسير ابن سعدي (ص ٣٦٣).
(٤) انظر: (ص ٤٣٣).
(٥) انظر: تفسير ابن عطية (٣/ ٢٢٠)، تفسير القرطبي (٩/ ١٣٣)، تفسير السعدي (ص ٣٦٣).
[ ٤٢٣ ]
معصومون قبل النبوة وبعدها -كما سيأتي- (^١).
وأما ما ذكره ابن حجر ﵀ في الجواب عما وقع في قصتهم فلم أقف على من ذكره من أهل العلم، وهو غريب منه؛ إذ ما وقع من إخوة يوسف من أصول المحرمات التي تتفق الشرائع على تحريمها.
والراجح -والله أعلم- القول بعدم نبوة إخوة يوسف ﵇.
يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق (يعني: سياق قصتهم) يدل على خلاف ذلك.
ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط، كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالًا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم" (^٢).
٣ - إبراهيم ابن نبينا محمد -ﷺ-:
يرى ابن حجر -غفر الله له- نبوة إبراهيم ابن نبينا محمد -ﷺ-، حيث سئل عن قول النووي ﵀: "وأما ما روي عن بعض المتقدمين: (لو عاش إبراهيم كان نبيًّا) فباطل، وجسارة على الكلام في المغيبات، ومجازفة وهجوم على عظيم" (^٣) هل هو صحيح أم لا؟
فأجاب بقوله: "قد تعجب منه شيخ الإسلام في الإصابة، وقال: "إنه ورد عن ثلاثة من الصحابة، ولا يظن بالصحابي أنه هجم على مثل هذا بظنه" (^٤).
_________________
(١) انظر: (ص ٤٣٣).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٥١٤)، وانظر: جامع المسائل (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٩).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٠٣).
(٤) الإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٣٢١).
[ ٤٢٤ ]
صح عن أنس -﵁- أنه سُئل النبي -ﷺ- عن ابنه إبراهيم قال: "لا أدري رحمة الله على إبراهيم لو عاش لكان صديقًا نبيًّا".
وفي رواية عن أنس أنه رفع ذلك إلى النبي -ﷺ-.
ورواه ابن مندة والبيهقي عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-.
ورواه ابن عساكر عن جابر عن النبي -ﷺ-.
وأخرج أيضًا وقال: فيه من ليس بالقوي عن علي بن أبي طالب: "لما توفي إبراهيم أرسل النبي -ﷺ- إلى أمه مارية فجاءت وغسلته وكفنته وخرج به وخرج الناس معه فدفنه، وأدخل -ﷺ- يده في قبره فقال: "أما والله إنه نبي ابن نبي، وبكى وبكى المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت، ثم قال -ﷺ-: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يغضب الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون"
ولا بُعد في إثبات النبوة له مع صغره لأنه كعيسى القائل يوم ولد: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠]، وكيحيى الذي قال تعالى فيه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢].
واحتمال نزول جبريل بوحي لعيسى أو يحيى يجري في إبراهيم، ويرجحه أنه -ﷺ- صوَّمه يوم عاشوراء وعمره ثمانية أشهر وبه يعلم تحقيق نبوة سيدنا إبراهيم في حال صغره" (^١).
التقويم:
تواترت نصوص الوحيين الدالة على أن محمدًا -ﷺ- هو خاتم النبيين، وتعددت أوجه دلالاتهما نصًّا وظاهرًا.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وقال -ﷺ-: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي " (^٢).
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٣٥ - ٢٣٦)، وانظر: (ص ٢٣٩).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (٢/ ١٠٧٤) برقم (٣٤٥٥)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء (٣/ ١٤٧١) برقم (١٨٤٢)، من حديث أبي هريرة -﵁- به.
[ ٤٢٥ ]
وقال -ﷺ- لعلي -﵁-: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" (^١).
وأجمع أهل العلم على أن نبينا محمدًا -ﷺ- هو خاتم النبيين، وعدوا ذلك من خصائصه على سائر الرسل (^٢)، ومنهم ابن حجر -كما سيأتي- (^٣).
وما ذكره ابن حجر من إثبات نبوة إبراهيم ابن نبينا محمد -ﷺ- مُعارضٌ بما تقدم، واستدلاله بما ذكر لا يصح، وبيان هذا أن الأحاديث الواردة في ذلك قسمان:
أحدهما: الأحاديث الدالة على نبوته مطلقًا، ولم يرد في ذلك إلا حديث واحد، وهو قوله -ﷺ-: "إنه نبي ابن نبي".
والجواب عنه: أن الحديث أخرجه ابن عساكر (^٤) من طريق عيسى بن عبد الله عن أبيه، عن جده، عن أبي جده، عن علي بن أبي طالب -﵁- به.
والحديث ضعيف؛ لضعف عيسى بن عبد الله، وبه أعل ابن عساكر الحديث، حيث قال عقيبه: "عيسى هو ابن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ليس بالقوي" (^٥).
ثانيهما: الأحاديث الدالة على نبوته المعلقة بحياته:
وقد ورد ذلك من حديث ثلاثة من الصحابة: أنس، وابن عباس، وجابر -﵃-.
فأما حديث أنس: فقد أخرجه ابن سعد (^٦)، وأحمد (^٧)، وابن مندة (^٨)،
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة (٣/ ١٣٣١) برقم (٤٤١٦)، ومسلم كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي (٤/ ١٨٧٠) برقم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- به.
(٢) انظر: غاية السول (ص ٢٥٦)، اللفظ المكرم (٢/ ٥)، مرشد المحتار (ص ٣٤٨)، الخصائص الكبرى (٢/ ٣١٨).
(٣) انظر: (ص ٤٥٠).
(٤) انظر: تاريخ دمشق (٣/ ١٤٤ - ١٤٥).
(٥) انظر: المصدر السابق (٣/ ١٤٤ - ١٤٥).
(٦) انظر: الطبقات (١/ ١٤٠).
(٧) انظر: المسند (١٩/ ٣٥٩) رقم: (١٢٣٥٨)، (٢١/ ٤٠٢) رقم: (١٣٩٨٥).
(٨) انظر: فتح الباري (١٠/ ٤٧٦).
[ ٤٢٦ ]
وأبو نعيم (^١)، من طرق عن السدي، عن أنس -﵁- أنه قال: "لو عاش إبراهيم ابن النبي -ﷺ- لكان صديقًا نبيًّا".
زاد ابن مندة: "ولكن لم يكن ليبقى؛ لأن نبيكم آخر الأنبياء".
والحديث صححه الحافظ ابن حجر (^٢)، والعلامة الألباني وقال: "على شرط مسلم" (^٣).
وأما حديث ابن عباس: فقد أخرجه ابن ماجه (^٤)، وابن مندة (^٥)، من طريق إبراهيم بن عثمان، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس -﵄- قال: لما مات إبراهيم ابن رسول الله -ﷺ-، صلى رسول الله -ﷺ- عليه، وقال: "إن له مرضعًا في الجنة، ولو عاش لكان صديقًا نبيًّا ".
والحديث ضعيف، فيه إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الواسطي، قال الحافظ ابن حجر: "متروك الحديث" (^٦).
وقد ضعف الحديث لأجله الحافظ ابن حجر (^٧)، والعلامة البوصيري (^٨) (^٩) والشيخ الألباني (^١٠).
وأما حديث جابر: فقد أخرجه ابن عساكر (^١١) من طريق أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لو عاش إبراهيم لكان نبيًّا".
_________________
(١) انظر: معرفة الصحابة (١/ ٢٠٦).
(٢) انظر: فتح الباري (١٠/ ٤٧٦).
(٣) انظر: السلسلة الضعيفة (١/ ٣٨٨).
(٤) انظر: السنن، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على ابن رسول الله وذكر وفاته (١/ ٤٨٤) رقم (١٥١١).
(٥) انظر: الإصابة (١/ ٣١٩).
(٦) التقريب (ص ١١٢)، وانظر: تهذيب الكمال (٢/ ١٤٧).
(٧) انظر: الإصابة (١/ ٣١٩).
(٨) انظر: زوائد ابن ماجه (١/ ٤٨٤).
(٩) هو أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سَليم، البوصيري، الكناني، الشافعي، من مؤلفاته: إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، زوائد نوادر الأصول، توفي سنة ٨٤٠ هـ. انظر: الضوء اللامع (١/ ٢٥١)، شذرات الذهب (٧/ ٢٣٣).
(١٠) انظر: السلسلة الضعيفة (١/ ٣٨٧).
(١١) انظر: تاريخ دمشق (٣/ ١٣٨ - ١٣٩).
[ ٤٢٧ ]
والحديث ضعيف، فيه أبو حمزة الثمالي، وهو ثابت بن أبي صفية، قال الحافظ ابن حجر: "ضعيف رافضي" (^١).
والجواب عنها جميعًا: أن هذه الأحاديث لا تدل على ما ذهب إليه ابن حجر من إثبات نبوة إبراهيم ابن نبينا -ﷺ-، بل غاية ما تدل عليه أنه لو عاش لكان نبيًّا لكنه لم يعش فلم تثبت له النبوة (^٢)، ومما يؤيده ما أخرجه البخاري -وهو أصح شيء في الباب- عن عبد الله بن أبي أوفى -﵁- أنه قال: "لو قضى الله أن يكون بعد محمد -ﷺ- نبي عاش ابنه، ولكن لا نبي بعده" (^٣).
٤ - لقمان:
يرى ابن حجر ﵀ عدم نبوة لقمان، حيث قال: "والخضر نبي دون لقمان " (^٤)، وأورد كلام السيوطي في عدم نبوته ولم يتعقبه بشيء (^٥).
التقويم:
ذكر الله تعالى لقمان في كتابه، وبين أنه آتاه الحكمة، وقص من خبره ما يدل على حكمته.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢].
وقد اختلف أهل العلم فيه هل كان نبيًّا أم حكيمًا؟
فذهب الجمهور إلى أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا (^٦)، وحكى بعضهم
_________________
(١) التقريب (ص ١٨٥)، وانظر: تهذيب الكمال (٤/ ٣٥٧)، ميزان الاعتدال (١/ ٣٦٣)، تهذيب التهذيب (٢/ ٧ - ٨).
(٢) انظر: الإصابة (١/ ٣٢١)، سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/ ٣٨٨).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من سمى بأسماء الأنبياء (٤/ ١٩٤٩) برقم (٦١٩٤).
(٤) التعرف (ص ١٢٣).
(٥) تنبيه الأخيار (ل ١٧/ أ).
(٦) انظر: تفسير ابن جرير (١٠/ ٢٠٩)، تفسير البغوي (٦/ ٢٨٦)، تفسير السمعاني (٤/ ٢٢٩)، تفسير القرطبي (١٤/ ٥٩)، شرح صحيح مسلم (٢/ ١٤٤)، تفسير ابن كثير (٣/ ٤٨٨) البداية والنهاية (٢/ ١٢٥)، فتح الباري (٦/ ٤٦)، روح المعاني (٢١/ ٨٣)، تفسير السعدي (ص ٥٩٦).
[ ٤٢٨ ]
اتفاق أهل العلم على ذلك، فلم يعتد بخلاف من خالف (^١).
وذهب عكرمة (^٢) إلى أنه كان نبيًّا، وعد هذا غير واحد من تفرده (^٣)، إلا أنه قد نقل عن الشعبي والليث (^٤) ما يوافقه (^٥)، ولم أجد قوليهما -بعد البحث- مسندين.
وقال بعض أهل العلم: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة (^٦)، ورد بأن في هذا بُعدًا بيّنًا، وذلك أن الحكمة تنحط عن أدنى درجات الأنبياء بما لا يُقدَّر قدره، وليس من الحكمة اختيار الحكمة المجردة على النبوة (^٧).
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "اختلف السلف في لقمان هل كان نبيًّا أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني
والآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيًّا، ومنها ما هو مشعر بذلك؛ لأن كونه عبدًا قد مسه الرق ينافي كونه نبيًّا، لأن الرسل كانت تُبعث في أحساب قومها؛ ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا، وإنما ينقل كونه نبيًّا عن عكرمة إن صح السند إليه، فإنه رواه ابن جرير (^٨) وابن أبي حاتم (^٩) من حديث وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال: كان لقمان نبيًّا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم" (^١٠).
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي (٦/ ٢٨٦)، شرح صحيح مسلم (٢/ ١٤٤).
(٢) هو عكرمة القرشي الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله، مولى لابن عباس، من أعلام التابعين ومفسريهم، توفي: سنة ١٠٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ١٢)، شذرات الذهب (١/ ١٣٠).
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٢/ ١٤٤)، فتح الباري (٦/ ٤٦).
(٤) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن، مولى خالد بن ثابت، إمام حافظ مفسر، توفي سنة ١٧٥ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ١٣٦)، شذرات الذهب (١/ ٢٨٥).
(٥) انظر: تفسير بن أبي حاتم (٩/ ٣٠٩٨)، تفسير السمعاني (٤/ ٢٢٩)، تفسير القرطبي (١٤/ ٥٩).
(٦) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٢٢٩)، تفسير البغوي (٦/ ٢٨٦)، تفسير القرطبي (١٤/ ٥٩).
(٧) انظر: الانتصاف على الكشاف لابن المنير (٢/ ١٩٤).
(٨) انظر: التفسير له (١٠/ ٢١٠).
(٩) انظر: التفسير له (٩/ ٣٠٩٨).
(١٠) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٨٨).
[ ٤٢٩ ]
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر من عدم نبوة لقمان موافق لما عليه جمهور أهل العلم.
٥ - ذو القرنين:
يرى ابن حجر عدم نبوة ذي القرنين، حيث قال: "والخضر نبي دون لقمان وذي القرنين" (^١).
التقويم:
ذكر الله تعالى ذا القرنين في كتابه، وبين تمكينه له في الأرض، وإعانته إياه.
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾ [الكهف: ٨٣].
وقد اختلف أهل العلم فيه اختلافًا كثيرًا من جهة تعيينه، واسمه، وعصره، ونبوته -وهي محل البحث هنا-.
وجملة أقوال أهل العلم فيها ثلاثة:
الأول: القول بأنه ملَكَ من الملائكة، وليس بنبي.
والثاني: القول بأنه نبي من الأنبياء.
والثالث: القول بأنه عبد صالح مكنه الله تعالى حتى ملك الأرض (^٢).
والناظر في سياق أهل العلم لهذه الأقوال يجد اضطرابًا كثيرًا في نسبتها لأصحابها، حتى إن الرجل الواحد ربما نسبت له الأقوال الثلاثة.
وبكل حال فإن القول بعدم نبوته هو ما عليه جمهور أهل العلم، وهو
_________________
(١) التعرف (ص ١٢٣).
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ٢٧٠)، تفسير البغوي (٦/ ١٩٨)، تفسير ابن عطية (٣/ ٥٣٨)، تفسير القرطبي (١١/ ٤٦)، تفسير الرازي (٢١/ ١٦٥)، تفسير ابن كثير (٣/ ١١٢)، البداية والنهاية (٢/ ٩٥ - ١٠٠)، فتح الباري (٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، روح المعاني (١٦/ ٣٠)، تفسير السعدي (ص ٤٣٥)، وللاستزادة: ذو القرنين وسد الصين لمحمد راغب الطباخ (ص ٩٩)، وما بعدها.
[ ٤٣٠ ]
الصحيح -إن شاء الله- وظاهر سياق قصته في كتاب الله ﷿ يدل على ذلك (^١).
وبتقرير ما سبق فإن ما قرره ابن حجر موافق لما عليه الجمهور.
رابعًا: عصمة الأنبياء:
يعرف ابن حجر ﵀ العصمة بقوله: "العصمة: الحفظ عن الوقوع في المخالفات " (^٢)، "حفظ يستحيل عليه شرعًا وقوع خلافه من سائر الذنوب" (^٣).
ويرى أن الأنبياء معصومون عن الوقوع في المعاصي كلها، قبل النبوة وبعدها، حيث يقول: "الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون عن الذنوب كبيرها وصغيرها، عمدها وسهوها، قبل النبوة وبعدها على الصحيح المختار في الأصول " (^٤).
كما يرى أن قصص الأنبياء الواردة في القرآن والسنة التي يوهم ظاهرها وقوع الذنوب منهم مؤولة، وأن القصص التي يذكرها بعض المفسرين مما يخالف القول بعصمتهم لا يعتمد عليها ولا يلتفت إليها، يقول في ذلك: "ما وقع في قصص يذكرها المفسرون وفي كتب قصص الأنبياء مما يخالف ذلك لا يعتمد عليه ولا يلتفت إليه وإن جلَّ ناقلوه وما جاء في القرآن من إثبات العصيان لآدم ومن معاتبة جماعة منهم على أمور فعلوها فإنما هو من باب أن للسيد أن يخاطب عبده بما شاء وأن يعاتبه على خلاف الأولى معاتبة غيره على المعصية" (^٥).
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي (٦/ ١٩٨)، تفسير ابن عطية (٣/ ٥٣٨)، روح المعاني (١٦/ ٣٠).
(٢) فتح المبين. (ص ٤٠).
(٣) المنح المكية (٢/ ٥٩٩).
(٤) الزواجر (١/ ١٣)، وانظر: فتح المبين (ص ٧١)، الفتاوى الحديثية (ص ١٠١)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٢١)، التعرف (ص ٦٥، ١١٧).
(٥) فتح المبين (ص ٧١)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٠١، ٢٩٢، ٣٣٢)، أشرف الوسائل (ص ٩٢)، الزواجر (١/ ١٣) (٢/ ١٠٠)، فتح الإله (ص ١٣٥)، أسنى المطالب (ص ٢٦٧)، المنح المكية (٢/ ٥٣٥).
[ ٤٣١ ]
التقويم:
مسألة عصمة الأنبياء مسألة طويلة الذيل، متشعبة المسالك، والخلاف جار في كثير من فروعها، وبسطها هنا خروج عن المقصود (^١)؛ ولهذا سأكتفي بعرض مذهب أهل السنة والجماعة فيها بإيجاز، ثم تقويم رأي ابن حجر وفقًا له، وفيما يلي بيان ذلك:
العصمة عند أهل السنة والجماعة هي -كما سبق- (^٢): "حفظ الله تعالى للمعصوم من النقائص والعيوب، وتخصيصه بالكمالات النفسية، مع قدرته على الخير وضده".
فقولهم: "حفظ الله تعالى للمعصوم، احتراز من قول القدرية (^٣) القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن العصمة إنما هي فعل النبي لا فعل الله، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها ألطاف صارفة للنبي عن المعاصي، وهي ما يخطر بباله من ذكر الوعد والوعيد ومن ذكر كونه نبيًّا ونحو ذلك (^٤).
وقولهم: "مع قدرته على الخير والشر" احتراز من قول الجبرية (^٥)
_________________
(١) انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (ص ٤٠٢ - ٤٠٦)، الشفا (٢/ ٧٤٥)، الفصل (٤/ ٥)، عصمة الأنبياء للرازي (ص ٢٦ - ٣٦)، شرح صحيح مسلم (٥/ ٥٣ - ٥٥)، مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٩ - ٣٢٠) (١٠/ ٢٨٩ - ٢٩٣) (١٥/ ١٤٨)، منهاج السنة (١/ ٤٧٠)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٥)، أضواء البيان (٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣، ٥٣٨)، إعلام المسلمين بعصمة النبيين لعزوز المكي (ص ١٥ - ٢٩)، وللاستزادة: عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام د. يوسف السعيد، العصمة في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة لمنصور التميمي، حقوق النبي -ﷺ- د. محمد التميمي (١/ ١٢٦ - ١٦٠).
(٢) انظر: (ص ٣٧٩).
(٣) القدرية اسم عام يجمع كل من ينفي القدر وهم طائفتان: منهم من ينفي العلم عن الله وهم القدرية الغلاة وقد انقرض هؤلاء، ومنهم من ينفي الإرادة عند الله وهم القدرية غير الغلاة من المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة والإباضية وكلهم مجمعون على أن العبد يخلق فعل نفسه، وأن الله لا يخلق أفعال العباد. انظر: التنبيه والرد (ص ١٧٦)، الفرق بين الفرق (ص ١١٤)، الفصل (٣/ ٢٢)، التبصير في الدين للإسفرايني (ص ٥٣).
(٤) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٧٨١)، أوائل المقالات (ص ١٥٦).
(٥) الجبرية اسم عام يجمع كل من ينفي حقيقة الفعل عن العبد ويضيفه إلى الله تعالى، وهم =
[ ٤٣٢ ]
القائلين بأن الله خالق فعل العبد، والعبد لا مشيئة له ولا اختيار، وأن العصمة إنما هي فعل الله ﷿ لا فعل النبي، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها محض فضل الله تعالى، بحيث لا اختيار للعبد فيه، وذلك إما بخلقهم على طبع يخالف غيرهم بحيث لا يميلون إلى المعصية، ولا ينفرون عن الطاعة كطبع الملائكة، وإما بصرف همتهم عن السيئات، وجذبهم إلى الطاعات جبرًا من الله تعالى بعد أن أودع في طبائعهم ما في طبائع البشر ونحو ذلك (^١).
ففارقوا بذلك القدرية والجبرية ومن قال بقولهما.
وأما تحقيق زمن العصمة ومتعلقها عندهم:
فقد اختلفوا في زمن العصمة هل هي قبل النبوة وبعدها، أم مختصة بما بعد النبوة؟ والأكثر على الأول (^٢).
وأما متعلق العصمة: فقد أجمعوا على عصمتهم في التبليغ ودعوى الرسالة (^٣)، وعصمتهم من كبائر الذنوب (^٤) وصغائر الخسة التي تزري بصاحبها كسرقة الحبة والحبتين، والتطفيف في الكيل ونحو ذلك (^٥).
واختلفوا فيما عداها من الصغائر والخطأ والنسيان والسهو، وجمهورهم على جوازها عليهم، مع كونهم لا يقرون على فعلها، ولا يصرون على عملها، بل لا بد أن يتنبهوا لها، ويتوبوا منها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "القول بأن الأنبياء معصومون عن
_________________
(١) = أصناف متعددة، يدخل فيهم الجهمية، والضرارية، والكلابية الأشعرية ومن وافقهم. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٥)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٠٣)، البرهان (ص ٤٢).
(٢) شرح كتاب الفقه الأكبر للقاري (ص ٩٣ - ٩٤).
(٣) انظر: تفسير البغوي (٤/ ١٣٢)، الشفا (٢/ ٧٩٣)، تفسير آيات أشكلت لابن تيمية (١/ ١٨١ - ١٨٦، ٢٣٠).
(٤) انظر: الشفا (٢/ ٧٤٦)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٩، ٢٩٠)، منهاج السنة (٢/ ٣١١).
(٥) انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرحه (١/ ٤٧٧)، الشفا (٢/ ٧٨٤)، إرشاد الفحول للشوكاني (ص ٦٧٣).
(٦) انظر: لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٠٣).
[ ٤٣٣ ]
الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي (^١) أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول" (^٢).
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في مسألة عصمة الأنبياء فيما يتعلق بتعريفها، وزمنها، ومتعلقها، منه ما هو حق، ومنه ما هو باطل.
فأما تعريفه لها: فيؤخذ عليه أنه بناه على مذهب الأشعرية في العصمة والذي ينحو منحى الجبر، ولهذا وافق الجبرية في تعريفهم، وجعل العصمة فعل الله ﷿ لا فعل النبي، وسيأتي الرد عليه مفصلًا عند عرض رأيه في أفعال العباد وتقويمه (^٣).
وأما كلامه عن زمنها، وقوله بأنها قبل النبوة وبعدها: فهو موافق لأحد قولي أهل السنة والجماعة، وهو القول الذي عليه أكثرهم.
وأما كلامه عن متعلقها، وقوله بأنهم معصومون من كبائر الذنوب وصغائرها، عمدها وسهوها:
فهو مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة، بل ومذاهب الطوائف المشهورة، وغايته أنه قول مهجور لبعض الرافضة (^٤)، والمتكلمين من المعتزلة والأشاعرة (^٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنما نقل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة، ثم عن بعض المعتزلة، ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين.
_________________
(١) انظر: كلامه في كتابه الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٧٠).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٩)، وانظر: منهاج السنة (٦/ ٤٧٢)، الجواب الصحيح (٦/ ٢٩٨).
(٣) انظر: (ص ٥٨٨).
(٤) انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (٧/ ٨، ٢١)، الرسائل العشر للطوسي (ص ٩٧ - ١٠٦)، تنزيه الأنبياء للمرتضى (ص ١٥ - ١٦).
(٥) انظر: جمع الجوامع مع شرحه للمحلي (٣/ ٢٢٤).
[ ٤٣٤ ]
وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار عن الصغائر، ولا يقرون عليها، ولا يقولون إنها لا تقع بحال، وأول من نقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقًا وأعظمهم قولًا لذلك الرافضة؛ فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل" (^١).
ولا شك أن دلائل القرآن والسنة متظاهرة على نقض هذا القول، وبيان بطلانه، وصرف ابن حجر لها ومن قال بقوله بوجوه التأويل، والتهويش عليها بالطعن في صحتها لا يغني شيئًا.
وقد انتقد الإمام ابن قتيبة ﵀ هذا القول، ورد على أصحابه فقال: "يستوحش كثير من الناس من أن يلحقوا بالأنبياء ذنوبًا، ويحملهم التنزيه لهم -صلوات الله عليهم- على مخالفة كتاب الله جل ذكره، واستكراه التأويل، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض رده عليهم: "نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة متظاهرة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة.
لكن المنازعين يتأولون هذه النصوص من جنس تأويلات الجهمية والباطنية (^٣) كما فعل من صنف في هذا الباب، وتأويلاتهم تبين لمن تدبرها أنها فاسدة من باب تحريف الكلم عن مواضعه " (^٤).
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٠).
(٢) تأويل مشكل القرآن (ص ٤٠٢).
(٣) الباطنية اسم عام يجمع كل من يدعي أن للنصوص ظاهرًا وباطنًا، وهذا الاسم يدخل تحته طوائف كثيرة كغلاة الصوفية، وغلاة الرافضة، وغلاة الفلاسفة. انظر: التبصير في الدين للإسفراييني (ص ١١٨)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١١٩)، عقائد الثلاث والسبعين فرقة لليمني (١/ ٤٧٧).
(٤) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣١٣ - ٣١٤).
[ ٤٣٥ ]
المبحث الثاني آراؤه في الإيمان بنبينا محمد -ﷺ-
عرض ابن حجر ﵀ لبعض المسائل المتعلقة بالإيمان بنبينا محمد -ﷺ- على وجه الخصوص، فذكر منها: معجزاته، وخصائصه، وحكم سبه -ﷺ-، وفصل في كل منها بما يناسبها، ويوضح رأيه فيها.
وفيما يلي عرض آرائه في ذلك، وتقويمها.
أولًا: معجزاته -ﷺ-:
١ - تعريف المعجزة، وشروطها:
عرف ابن حجر ﵀ المعجزة تعريفًا بين فيه معناها، وشروطها، فقال: "المعجزة لا تطلق حقيقة إلا على الأمر الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الدال على صدق الأنبياء ﵈.
فعلم أن لها شروطًا:
أحدها: خرقها للعادة بأن تحيل العادة وقوعها كانشقاق القمر.
ثانيها: اقترانها بالتحدي وهو طلب المعارضة والمقابلة مع أمن معارضتها
فخرج الخارق من غير تحد وهو كرامة الولي، والخارق المتقدم على التحدي كإظلال الغمام وشق الصدر الواقعين لنبينا -ﷺ- قبل النبوة فهي كرامات لا معجزات وتسمى إرهاصًا أي: تأسيسًا للنبوة.
ولا يقال خرج به أيضًا الخارق المتأخر عن التحدي بما تخرجه عن المقارنة العرفية؛ لأنه يلزم عليه إخراج أكثر آياته -ﷺ- كنطق الحصى،
[ ٤٣٦ ]
والجذع، والدواب، ونبع الماء، بل قيل: لعله لم يتحد بغير القرآن، وتمني الموت، وزعم أنه لا معجزة إلا هذان أقرب إلى الكفر منه إلى البدعة.
فالحق أن المراد بالتحدي ليس معناه الأصلي بل المراد به دعوى الرسالة وكل معجزاته مقارنة لذلك
ثالثها: دلالتها على صدق المتحدي، فخرج الخارق المكذب له، كأن قال: آيتي نطق هذه الدابة، فنطقت بكذبه" (^١).
التقويم:
المعجزة في اللغة: مأخوذة من العجز.
قال ابن فارس: "العين والجيم والزاء، أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الضعف، والآخر على مؤخر الشيء.
فالأول: عَجَزَ عن الشيء يَعْجِزُ عجزًا، فهو عاجزٌ، أي: ضعيف وأما الآخر: فالعجز: مؤخر الشيء، والجمع أعجاز " (^٢).
وأما في الاصطلاح: فإن لفظ (المعجزة) لم يرد في الكتاب والسنة، ولم يكن السلف الأوائل يستعملونه بمعناه الاصطلاحي الذي تعارف عليه من بعدهم، وإنما الوارد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله -ﷺ- والمتعارف عليه عند السلف الأوائل إطلاق لفظ (الآية) و(البينة) و(البرهان).
قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣٨]، وقال ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال جل وعلا: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص: ٣٢].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هذه الألفاظ إذا سميت بها آيات الأنبياء، كانت أدل على المقصود من لفظ المعجزات، ولهذا لم يكن لفظ
_________________
(١) المنح المكية (١/ ٢٣١ - ٢٣٢)، وانظر: أشرف الوسائل (ص ٢٤٤)، فتح المبين (ص ٢١)، الفتاوى الحديثية (ص ٤٠٤)، التعرف (ص ١١٦)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣١٦)، العمدة شرح البردة (ص ٦١٢).
(٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٧٣٨ - ٧٣٩)، وانظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٣٣٧)، الصحاح (٣/ ٨٨٣)، لسان العرب (٥/ ٣٦٩)، القاموس المحيط (ص ٦٦٣).
[ ٤٣٧ ]
المعجزات موجودًا في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ الآية، والبينة، والبرهان" (^١).
وأما المتأخرون فقد أطلقوا لفظ المعجزة واستعملوه، ولكنهم اختلفوا في تعريفها وشروطها، وجمهورهم على ما ذكره ابن حجر (^٢).
والصواب أن المعجزة اسم يعم كل خارق للعادة، ويفرق بينها بحسب حال من تقع منه أو يدعيها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة، وكذلك الكرامة في عرف الأئمة المتقدمين، كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، ويسمونها الآيات، لكن كثيرًا من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعهما: الأمر الخارق للعادة" (^٣).
وتعريف جمهور المتكلمين -ومنهم ابن حجر- المعجزة بذلك، واشتراطهم فيها هذه الشروط، ترتب عليه حصرهم دلائل النبوة في المعجزات، وإخراجهم لكثير من دلائل النبوة عن دلالتها، وهذا باطل (^٤).
ومنشأ الخطأ عندهم اعتقادهم أن دلائل النبوة وكرامات الولاية وخوارق السحر كلها من جنس واحد، ثم اختلفوا فمنهم من أنكر وجودها
_________________
(١) الجواب الصحيح (٥/ ٤١٢)، النبوات (١/ ٢١٥) (٢/ ٨٢٨) قاعدة في المعجزات لابن تيمية (ص ٧)، شرح الطحاوية (٢/ ٧٤٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٩٠).
(٢) انظر: المغني للقاضي عبد الجبار (١٥/ ٥٦٩ - ٥٧١)، شرح الأصول الخمسة (ص ٥٦٩) البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات للباقلاني (ص ٣٥ - ٣٦، ٤٥ - ٤٦)، أصول الدين للبغدادي (ص ١٧٠)، الإرشاد (ص ٢٦٠)، المواقف (ص ٣٣٩)، وشرحها للجرجاني. (٨/ ٢٢٢ - ٢٣٠)، غاية المرام (ص ٣٣٣)، شرح المقاصد (٥/ ١١ - ١٣).
(٣) مجموع الفتاوى (١١/ ٣١١)، وانظر: شرح الطحاوية (٢/ ٧٤٦).
(٤) انظر: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات (ص ٣٧ - ٣٨)، الإنصاف للباقلاني أيضًا (ص ٦١)، الإرشاد (ص ٢٦٠)، أعلام النبوة للماوردي (ص ٦٢)، شرح المقاصد (٥/ ١٩)، وانظر: الرد عليهم في الجواب الصحيح (٦/ ٥٠٤)، شرح الأصفهانية (٢/ ٤٧١ - ٤٩١)، درء التعارض (٩/ ٤٠)، النبوات (١/ ٤٨٠، ٥٢٢ - ٥٢٣).
[ ٤٣٨ ]
-أعني: الكرامات والسحر- وهم المعتزلة (^١)، ومنهم من حاول التفريق بما لا يصح وهم الأشاعرة (^٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأصل خطأ الطائفتين (يعني: المعتزلة، والأشاعرة) أنهم لم يعرفوا آيات الأنبياء وما خصهم الله به، ولم يقدروا النبوة، ولم يقدروا آيات الأنبياء قدرها، بل جعلوا هذه الخوارق الشيطانية من جنسها، فإما أن يكذبوا بوجودها، وإما أن يسووا بينها ويدعوا فرقًا لا حقيقة له" (^٣).
والحق أن دلائل النبوة وكرامات الولاية وخوارق السحر ليست من جنس واحد، والفرق بينها متقرر (^٤).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "آيات الأنبياء هي التي تعلم أنها مختصة بالأنبياء، وأنها مستلزمة لصدقهم، ولا تكون إلا مع صدقهم، وهي لا بد أن تكون خارقة للعادة، خارجة عن قدرة الإنس والجن، ولا يمكن أحد أن يعارضها، لكن كونها خارقة للعادة ولا تمكن معارضتها هو من لوازمها ليس هو حدًا مطابقًا لها " (^٥).
وأما ما ذكره ابن حجر من شروط المعجزة فقد تعاقب على اشتراطها جمهور المتكلمين (^٦)، وهي متعقبة بما يلي:
_________________
(١) انظر: المغني (١٥/ ١٨٩)، أعلام النبوة (ص ٦٢).
(٢) انظر: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات (ص ٩١، ٩٦)، الإرشاد (ص ٢٦٩)، نهاية الإقدام (ص ٤٣٤)، المواقف (ص ٣٤٦)، شرح المقاصد (٥/ ١١، ٧٢ - ٧٤)، وشرح جوهرة التوحيد للصاوي (ص ٩٨).
(٣) النبوات (٢/ ١٠٤٠)، وانظر: (٢/ ١٠٦٤) (١/ ٤٨٠ - ٤٨٦)، الجواب الصحيح (٦/ ٤٠٠، ٥٠٠).
(٤) انظر: النبوات (١/ ٤٨٧ - ٥٢٣، ٦٠٦ - ٦٠٧) (٢/ ٦٦٢ - ٦٦٤، ١٠٧٤ - ١٠٩٠)، شرح الأصفهانية (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٧).
(٥) النبوات (٢/ ٧٧٥).
(٦) انظر: المغني (١٥/ ٥٦٩ - ٥٧١)، شرح الأصول الخمسة (ص ٥٦٩)، البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات (ص ٣٥ - ٣٦، ٤٥ - ٤٦)، أصول الدين للبغدادي =
[ ٤٣٩ ]
أما اشتراط خرق العادة فلا يصح لوجهين:
الأول: أن العادة أمر نسبي لا ينضبط، فقد يكون الأمر عادة عند قوم دون غيرهم.
الثاني: أن هذا لا يختص بالأنبياء، فقد شاركهم فيه غيرهم، كالساحر مثلًا فقد يأتي بما هو خارق لعادة من شاهده ولا يستطيع الحاضرون معارضته، مع أن ما أتى به ليس خارقًا لعادة السحرة أمثاله (^١).
وأما اشتراط اقتران التحدي بها فلا يصح لكون التحدي لم يقع في كثير من دلائل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- (^٢).
وأما تفسيره له بدعوى النبوة وأمن المعارضة فمردود من وجوه:
الأول: أن آيات الأنبياء على قوله هذا لم تتميز بصفة تختص بها، إنما تكون آية إن اقترنت بدعوى النبوة، وإلا فلا، فالدليل والبرهان يكون دليلًا إن استدل به، وإن لم يستدل به فليس دليلًا، وهو باطل (^٣).
الثاني: أن هناك من الأشخاص من ادعى النبوة كاذبًا، وجرى على يديه بعض الخوارق، ولم يعارض، ومع ذلك عرف الناس كذبه، ولم يصدقوه كما في مسيلمة الكذاب (^٤)، والأسود العنسي (^٥) وغيرهما (^٦).
_________________
(١) = (ص ١٧٠)، الإرشاد (ص ٢٦٠)، المواقف (ص ٣٣٩)، وشرحها (٨/ ٢٢٢ - ٢٣٠)، شرح المقاصد (٥/ ١١ - ١٣).
(٢) انظر: النبوات (١/ ١٧٣، ١٦٤، ١٦٥، ١٧٠).
(٣) انظر: المحلى (١/ ٣٦)، الفصل (٥/ ٢، ٦)، النبوات (١/ ٥٤١)، الجواب الصحيح (٦/ ٣٠٨، ٤٠٨، ٤٩٦).
(٤) انظر: النبوات (١/ ٢٢٩، ٦٠٣، ٦٠٥).
(٥) هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، أبو ثمامة، ادعى النبوة، وتلقب بالرحمن، حتى عرف برحمان اليمامة، قتل سنة ١٢ هـ. انظر: شذرات الذهب (١/ ٢٣)، الأعلام (٧/ ٢٢٦).
(٦) هو عيهلة بن كعب بن عوف العنسي المذحجي، ذو الحمار، أسلم يوم أسلمت اليمن، ثم ارتد عن الإسلام، وادعى النبوة، قتل سنة ١١ هـ. انظر: الأعلام (٥/ ١١١).
(٧) انظر: النبوات (١/ ٢٤٢).
[ ٤٤٠ ]
الثالث: أن قوله هذا يلزم منه أن تكون آية النبي هي صرف الناس عن المعارضة سواء كان فعله خارقًا أو غير خارق (^١).
٢ - ذكره لبعض معجزات النبي -ﷺ-:
يرى ابن حجر ﵀ أن نبينا -ﷺ- أعطي مثل معجزات الأنبياء قبله، وفاقهم بما اختص به، يقول في ذلك:
"انطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي مثلها، أو أعظم منها
ومنه: أن آدم لما أعطي خلق الله تعالى بيده، أعطي نبينا شق صدره، وملأه من ذلك الخلق النبوي
وإدريس: لما أعطي المكان العلي، أعطي نبينا المعراج الأفخم الأعظم.
ونوح: لما نجى هو وقومه، أعطي نبينا أن الله لم يهلك أمته بعذاب عام
وإبراهيم: لما نجى من النار، نجى نبينا من نار الحرب، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤].
ولما أعطي موسى قلب العصا حية، أعطي نبينا حنين الجذع، الذي هو أبهر وأغرب
وانفراق البحر، أعطي لنبينا انشقاق القمر الذي هو أبهر؛ لأنه تصرف في العالم العلوي
وتفجر الماء من الحجر، أعطي نبينا تفجيره من بين أصابعه، وهو أبلغ؛ لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع منها الماء.
والكلام، أعطي نبينا مثله ليلة الإسراء، وزيادة الدنو
وهارون: الفصاحة، أعطي نبينا أفصح منها، على أنها في العبرانية، والعربية أفصح منها
_________________
(١) انظر: النبوات (١/ ٢٤٢).
[ ٤٤١ ]
ويوسف: شطر الحسن، وتأويل الرؤيا، أعطي نبينا الحسن كله، وعبَّر عن المرائي، فوقعت كما عبر ما لا يدخله الحصر، وتعبير يوسف إنما كان في ثلاث مراءٍ كما في سورته.
وتليين الحديد لداود: أعطي نبينا أن العود اليابس اخضرَّ في يديه وسليمان وداود كلام الطير، أعطي نبينا أنه كلمه الحجر، وسبَّح في كفه الحصى، وكلمه ذراع الشاة المسمومة
والريح التي غدوها شهر ورواحها شهر، أعطي نبينا البراق، وهو أسرع من الريح
وأيضًا الريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبينا -ﷺ- زويت له الأرض أي: جمعت، حتى رأى مشارقها ومغاربها، وفرق بين من يسعى إلى الأرض، ومن تسعى له الأرض.
وتسخير الجن: أعطي نبينا أن الله مكنه من شيطان تفلَّت عليه في صلاته، فأراد أن يربطه بسارية، وسخر له الجن حتى أسلموا، ولم يسخروا لسليمان إلا في العمل
وعيسى: إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، أعطي نبينا رد العين إلى محلها بعد ما سقطت، فعادت أحسن ما كانت وتسبيح الحصى وحنين الجذع، أبلغ من تكليم الموتى، لأن هذا من جنس من يتكلم.
وبالجملة فقد أوتي -ﷺ- مثلهم، وزاد بخصائص لا تحصى" (^١).
وقد أورد ابن حجر ﵀ كثيرًا من معجزاته -ﷺ-، وذكر أدلتها من الكتاب والسنة، وكلام أهل العلم في بعضها بما يدل على إعجازها، وفيما يلي سياق ما ذكره، حيث قال:
"معجزاته -ﷺ- كثيرة وهي:
ما قبل نبوته:
كقصة الفيل، والنور الذي خرج معه حتى أضاء له قصور الشام
_________________
(١) المنح المكية (٢/ ٦٥٣)، وانظر: (١/ ١١٩)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٣٧)، التعرف (ص ١١٤)، العمدة (ص ٤٣٤) (ص ٢٨٨).
[ ٤٤٢ ]
وأسواقها، وحتى رؤيت أعناق الإبل ببصرى، ومسح الطائر لفؤاد أمه حتى لم تجد ألمًا لولادته، والطواف به في الآفاق، وغيض ماء بحيرة ساوة، وخمود نار فارس، وسقوط شرفات إيوان كسرى، وما سمع من الهواتف الصارخة بنعوته وأوصافه، وانتكاس الأصنام وخرورها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها إلى سائر ما نقل من العجائب في أيام ولادته، وأيام حضانته وبعدها إلى أن أبقاه الله (^١)؛ كإظلال الغمام له أي: في السفر، وشق الصدر (^٢).
وهذا القسم لا يسمى معجزة حقيقية؛ لتقدمه على التحدي جملة وتفصيلًا، وإنما يسمى إرهاصًا، أي: تأسيسًا للنبوة
وأما بعد موته:
وهو غير محصور؛ إذ كل خارق وقع لخواص أمته، إنما هو في الحقيقة له، إذ هو السبب فيه.
وأما من حين نبوته إلى وفاته:
وهذا هو الذي الكلام فيه.
فمنه: انشقاق القمر (^٣)
ومنه: رد الشمس (^٤)
ومنه: تسبيح الحصى في كفه
ومنه: تسليم الحجر عليه (^٥)
ومنه: ما صح من كلامه مع أُحد لما صعده هو وأبو بكر وعمر وعثمان
ومنه: كلام الشجر وسلامه عليه
_________________
(١) انظر: المولد الشريف (ص ٤١ - ٦٢)، مولد النبي -ﷺ- (ص ٣٧ - ٥٢)، العمدة (ص ٣٣٧) وما بعدها.
(٢) انظر: المنح المكية (١/ ٢٦٨) (٢/ ٦٦٣)، المولد الشريف (ص ٦٣)، مولد النبي -ﷺ- (ص ٥٣)، النخب الجليلة (ص ٩٢)، العمدة شرح البردة (ص ٣٩٢).
(٣) انظر: المنح المكية (٢/ ٦٦٣)، العمدة (ص ٣٨٨).
(٤) انظر: المنح المكية (٢/ ٦٦٦).
(٥) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٣٧).
[ ٤٤٣ ]
ومنه: حنين الجذع (^١)
ومنه: سجود الجمل له
ومنه: كلام الذئب
ومنه: كلام الحمار وكلام الغزالة
ومنه: نبع الماء الطهور من بين أصابعه (^٢)
ومنه: إحياء الموتى " (^٣).
كما عرض ابن حجر لبعض معجزاته -ﷺ- في مواضع متفرقة من كتبه كالإسراء والمعراج (^٤)، وإخباره عن المغيبات (^٥)، وتسبيح الطعام في يده (^٦)، وأمَّيته -ﷺ- (^٧).
التقويم:
معجزات النبي -ﷺ- تميزت على معجزات غيره من الأنبياء والرسل بكثرة عددها وظهور إعجازها.
يقول القاضي عياض ﵀: "معجزات نبينا -ﷺ- أظهر من سائر معجزات الرسل بوجهين:
أحدهما: كثرتها
الثاني: وضوح معجزاته -ﷺ- " (^٨).
ولهذا ذكر بعض أهل العلم أن معجزاته -ﷺ- تبلغ ألفًا (^٩)، وقال
_________________
(١) انظر: المنح المكية (١/ ٣٦٨)، فتح الإله (ص ٢٢٤).
(٢) انظر: المنح المكية (٢/ ٧٢٧).
(٣) أشرف الوسائل (ص ٢٤٤ - ٢٥٣).
(٤) انظر: المنح المكية (١/ ٤٠٩)، أشرف الوسائل (ص ٤٦ - ٤٧)، النخب الجليلة (ص ٩١)، الجوهر المنظم (ص ٢٣).
(٥) انظر: المنح المكية (١/ ٤٩١)، الجوهر المنظم (ص ٥٧).
(٦) انظر: المنح المكية (٢/ ٧٣١).
(٧) انظر: الدر المنضود (ص ٩٢).
(٨) الشفا (١/ ٥٢٣ - ٥٢٥).
(٩) انظر: دلائل النبوة للبيهقي (١/ ١٠)، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص ٣٠٠)، الجواب الصحيح (١/ ٥٢٢).
[ ٤٤٤ ]
آخرون: بأنها تزيد على ألف ومائتين (^١)، وقال غيرهم: بأنها تبلغ ثلاثة آلاف (^٢).
ووازن غير واحد منهم بين معجزاته -ﷺ- ومعجزات غيره من الأنبياء وبينوا ما اختصه الله تعالى به من مشاركته لهم في معجزاتهم، وتفوقه عليهم بظهور معجزاته (^٣)، ومن أوائلهم الإمام الشافعي ﵀ حيث روي عنه أنه قال: "ما أعطى الله نبيًّا ما أعطى محمدًا". فقيل له: أعطي عيسى إحياء الموتى؟ فقال: "أعطي محمد -ﷺ- حنين الجذع الذي كان يقف يخطب إلى جنبه حتى هيئ له المنبر، فلما هيئ له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك" (^٤).
وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من كون نبينا محمدًا -ﷺ- أعطي معجزات الأنبياء قبله، وفاقهم بما اختص به عددًا وإعجازًا موافق لما قرره أهل العلم.
وأما ما ذكره من تقسيم معجزاته -ﷺ- بحسب زمن وقوعها قبل النبوة، وبعدها، وبعد وفاته، فهو تقسيم معتبر (^٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من آيات الأنبياء ما كان قبل ولادتهم، وقبل إنبائهم، وما يكون بعد موتهم؛ فإن الآية هي دليل على صدق الخبر بأنه رسول الله، وهذا الدليل لا يختص لا بمكان ولا زمان" (^٦).
_________________
(١) انظر: شرح صحيح مسلم (١/ ٢).
(٢) انظر: فتح الباري (٦/ ٥٨٣).
(٣) انظر: دلائل النبوة لأبي نعيم (ص ٥٨٧ - ٦٢٥)، الشفا (١/ ٥٢٥ - ٥٢٨)، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام للقرطبي (ص ٣٤٨)، البداية والنهاية (٦/ ٢٩١)، الخصائص الكبرى (٢/ ٣٠٤)، المواهب اللدنية للقسطلاني (٢/ ٥٨٤).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي (ص ٨٣)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٦)، من طريق عمرو بن سوَّاد عن الشافعي به.
(٥) انظر: النبوات (٢/ ٧٩٤، ٨٥٢)، الجواب الصحيح (٦/ ٣٨٠)، وقد جرى عليه أبو نعيم والبيهقي في سياقهما لدلائله -ﷺ-.
(٦) النبوات (٢/ ٧٩٤).
[ ٤٤٥ ]
ولكن يلاحظ على ابن حجر في تقريره لذلك ما يلي:
١ - أنه جعل ما قبل نبوته -ﷺ- لا يعد معجزة؛ لتقدمه على التحدي جملة وتفصيلًا بزعمه، وهو باطل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "آيات النبوة وبراهينها تكون في حياة الرسول وقبل مولده، وبعد مماته، لا تختص بحياته، فضلًا عن أن تختص بحال دعوى النبوة، أو حال التحدي، كما ظنه بعض أهل الكلام" (^١).
وقد سبق بيان بطلان اعتبار اشتراط التحدي ومقارنة دعوى النبوة في تعريف المعجزة وشروطها.
٢ - أنه حصر دلائل نبوته -ﷺ- في المعجزات، فلم يذكر سواها، وهو باطل؛ فإن معرفة صدق النبي لا تنحصر في المعجزات فقط، بل تكون بها وبغيرها من الطرق مثل: النظر في أحوال الأنبياء وما عرفوا به من الصدق والأمانة، وما تميزوا به من محاسن الأخلاق وجميل الصفات، والنظر في ما جاؤوا به من الشرائع التي تنتظم بها مصالح العباد في دينهم ودنياهم، والنظر في عاقبتهم وتأييد الله لهم وإظهارهم على من خالفهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هذه الطريقة هي من أتم الطرق عند أهل الكلام والنظر حيث يقررون نبوة الأنبياء بالمعجزات، ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء لكن كثيرًا من هؤلاء بل كل من بنى إيمانه عليها يظن أن لا تعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات وللنظار هنا طرق متعددة:
منهم من لا يجعل المعجزة دليلًا بل يجعل الدليل استواء ما يدعو إليه وصحته وسلامته من التناقض كما يقوله طائفة من النظار.
ومنهم من يوجب تصديقه بدون هذا وهذا.
ومنهم من يجعل المعجزة دليلًا ويجعل أدلة أخرى غير المعجزة،
_________________
(١) الجواب الصحيح (٦/ ٣٨٠).
[ ٤٤٦ ]
وهذا أصح الطرق" (^١).
وأما الكلام على ما أورده ابن حجر من المعجزات، وبسط القول فيها بإيراد أدلتها وكلام أهل العلم عليها، فهو مما يطول تسطيره، ويخرجنا عما نحن بصدده، وقد أفرد أهل العلم كتبًا كثيرة في دلائل النبوة وأوسعوها بحثًا رواية ودراية بما يغني عن الإفاضة والإطالة (^٢).
ثانيًا: خصائصه -ﷺ-:
١ - تعريف الخصائص، وأقسامها:
يرى ابن حجر ﵀ أن كمالات نبينا -ﷺ- لا تحصى، وأن خصائصه لا تستقصى، يقول في ذلك: "مما يتعين على كل مكلف أن يعتقد أن كمالات نبينا -ﷺ- لا تحصى، وأن أحواله وصفاته وشمائله لا تستقصى، وأن خصائصه ومعجزاته لم تجتمع قط في مخلوق، وأن حقه على الكُمَّلِ فضلًا عن غيرهم أعظم الحقوق " (^٣).
التقويم:
الخصائص: جمع خصِيْصة، يقال: "خصه بالشيء يَخُصُّه خصًّا وخَصُوصِيَّة وخُصُوصِيَّة، والفتح أفصح، واختصه: أي أفرده دون غيره" (^٤).
وعليه فالخصائص النبوية: هي الفضائل والأمور التي انفرد بها النبي -ﷺ- وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء، وإما عن سائر البشر.
_________________
(١) شرح الأصفهانية (ص ٨٨)، وانظر: الجواب الصحيح (٦/ ٥٠٤)، درء التعارض (٩/ ٤٠)، النبوات (١/ ٤٨٠، ٥٢٢ - ٥٢٣).
(٢) ذكر المنجد في معجم ما ألف عن رسول الله -ﷺ- (ص ٦٢ - ٦٥، ١٨٧ - ١٩٠)، ما يزيد على سبعين مؤلفًا في دلائل النبوة، ومما هو مطبوع منها: دلائل النبوة للفريابي، ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، وأعلام النبوة للماوردي، ودلائل النبوة للبيهقي، ودلائل النبوة لقوام السنة.
(٣) المنح المكية (١/ ١٠٢)، العمدة شرح البردة (ص ٥٨٧).
(٤) لسان العرب (٧/ ٢٤)، وانظر: تهذيب اللغة (١/ ١٠٣٨)، معجم مقاييس اللغة (ص ٣٠٣)، الصحاح (٣/ ١٠٣٧)، القاموس المحيط (ص ٧٩٦).
[ ٤٤٧ ]
وهي ضربان:
الأول: خصائص تشريعية: وهي ما اختص به النبي -ﷺ- من التشريعات الإلهية.
والثاني: خصائص تفضيلية: وهي الفضائل والتشريفات التي كرم الله بها نبينا -ﷺ- دون غيره (^١).
٢ - ما ذكره من خصائصه -ﷺ-:
أورد ابن حجر جملة من خصائص نبينا -ﷺ-، ويمكن تقسيم ما أورده إلى قسمين:
الأول: ما عده من خصائصه -ﷺ- وهو ثابت.
الثاني: ما عده من خصائصه -ﷺ- وهو غير ثابت.
وفيما يلي سياق ما ذكره وفقًا لذلك.
القسم الأول: ما عده من خصائص نبينا -ﷺ- وهو ثابت:
قال في سياقه لجملة منها: "رسول الله -ﷺ- هو سيد الأولين والآخرين، والملائكة المقربين، والخلائق أجمعين، وحبيب رب العالمين، أكمل رسل الله، وأفضل خلق الله، المخصوص بـ:
الشفاعة العظمى يوم الدين (^٢).
والمنصوص على عموم رسالته إلى العالمين من الإنس، والجن، والملائكة السابقين واللاحقين (^٣).
صاحب اللواء المعقود.
والمقام المحمود (^٤).
_________________
(١) انظر: خصائص المصطفى -ﷺ- بين الغلو والجفاء للصادق محمد (ص ٢٣ - ٢٥).
(٢) انظر: الدر المنضود (ص ١٦٩)، الجوهر المنظم (ص ٥٩)، المنح المكية (٣/ ١٣٤٥)، الفتاوى الحديثية (ص ١٧٢).
(٣) انظر: تحفة المحتاج (١/ ١٤)، فتح المبين (ص ١٢، ١٢٦)، الدر المنضود (ص ٣٦)، المنح المكية (١/ ١٤١، ١٥٨، ٤٣٥)، الفتاوى الحديثية (ص ٨٨، ٩٤، ١٦٨، ٢٠٦، ٢٨٣، ٢٨٥) التعرف (ص ١١٥).
(٤) انظر: تحفة المحتاج (١/ ١٧١)، فتح الجواد (١/ ١٠٥)، الدر المنضود (ص ١٦٨)، =
[ ٤٤٨ ]
والحوض المورود
فهو الذي اصطفاه بالمحبة والخلة.
والقرب والدنو المنزه عن الإحاطة والجهة (^١).
والمعراج.
والصلاة بالأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.
والشهادة عليهم وعلى أممهم.
ولواء الحمد.
والوسيلة.
والبشارة والنذارة.
والهداية والإمامة.
والرحمة للعالمين.
وبالكوثر.
وأنه يعطيه حتى يرضى.
وبإتمام النعمة.
وبشرح الصدر.
ورفع الذكر فلا يذكر تعالى إلا ويذكر معه.
وبغرة النصر.
والتأييد بالملائكة ﵈.
وبنزول السكينة.
والسبع المثاني.
وإجابة الدعوة.
وبالقسم بحياته
_________________
(١) = الجوهر المنظم (ص ٥٩ - ٦٠)، المنح المكية (٣/ ١٤٦٥)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٤، ٢٥٤)، التعرف (ص ١٢٠)، غرر المواعظ (ص ١٣١).
(٢) انظر: ما سبق (ص ٣٠٨).
[ ٤٤٩ ]
ودوام الصلاة عليه من الله وجميع ملائكته الذين لا يحصيهم إلا الله تعالى ومن أمته في سائر الأزمنة والأمكنة (^١) إلى غير ذلك مما لا يطمع في حصره ولا غاية لاستقصائه" (^٢).
وذكر في مواضع أخرى من كتبه اختصاصه بختم النبوة (^٣)، وجوامع الكلم (^٤)، وإسلام قرينه من الجن (^٥)، وإحلال الحرم له يوم الفتح (^٦).
التقويم:
الخصائص الثابتة لنبينا -ﷺ- كثيرة، وما ذكره ابن حجر طرف منها، والكلام عليها وبيان أدلتها يطول، وقد أفردها غير واحد من أهل العلم بمصنفات خاصة (^٧)؛ ولهذا سأطوي الكلام عليها مكتفيًا بالإحالة على مصنفات أهل العلم فيها (^٨).
القسم الثاني: ما عده من خصائص نبينا -ﷺ- وهو غير ثابت:
يرى ابن حجر ﵀ أن تعظيم النبي -ﷺ- يجب أن يكون بما ثبت له، وأذن به، دون مجاوزة ذلك، حيث يقول: "يتعين على كل أحد أن لا يعظمه إلا بما أذن الله لأمته في جنسه مما يليق بالبشر، فإن مجاوزة ذلك تفضي إلى الكفر والعياذ بالله، بل مجاوزة الوارد من حيث هو ربما تؤدي إلى محذور؛ فليقتصر على الوارد " (^٩).
_________________
(١) انظر: الدر المنضود.
(٢) المولد الشريف (ص ٢٥)، وانظر: مولد النبي -ﷺ- (ص ٢٨).
(٣) انظر: أشرف الوسائل (ص ٥٧، ٨٠)، المنح المكية (١/ ٢٧٤)، مولد النبي -ﷺ- (ص ٤٦)، المولد الشريف (ص ٤٩، ٦٣).
(٤) انظر: فتح المبين (ص ٢٤).
(٥) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٠١)، الإفصاح (ص ١٧٤).
(٦) انظر: فتح الإله (ص ٣٢٠).
(٧) ذكر المنجد في معجم ما ألف عن رسول الله -ﷺ- جملة منها (ص ١٨٧ - ١٩٠).
(٨) انظر: غاية السول (ص ٢٢٣)، اللفظ المكرم (٢/ ٥)، الخصائص الكبرى (٢/ ٣١٤)، مرشد المحتار (ص ١٢٣)، خصائص المصطفى بين الغلو والجفاء (ص ٣١ - ٧٩).
(٩) الجوهر المنظم (ص ٦٤).
[ ٤٥٠ ]
ولكن ابن حجر لم يتقيد بما ذكره هنا حيث ادعى للنبي -ﷺ- من الخصائص ما لم يثبت له، ولم يأذن به، وفيما يلي بيان ذلك:
١ - اختصاصه -ﷺ- بأنه أول النبيين في الخلق والنبوة:
يقول في ذلك: "اعلم أن الله شرف نبيه -ﷺ- بسبق نبوته في سابق أزليته؛ وذلك أن الله تعالى لما تعلقت إرادته بإيجاد الخلق أبرز الحقيقة المحمدية من محض نوره ثم أعلمه بنبوته، وبشره برسالته، هذا وآدم لم يكن
روى مسلم أنه -ﷺ- قال: "إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، ومن جملة ما كتب في الذكر وهو أم الكتاب أن محمدًا خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته"
وصح أيضًا: متى كنت نبيًّا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد"
وجاء "أنا أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا " (^١).
التقويم:
القول بأن نبينا محمدًا -ﷺ- أول الكائنات خلقًا، وأنه متقدم على سائر الأنبياء بالنبوة قرره غير واحد من غلاة المتصوفة ومن وافقهم (^٢).
وما ذكره ابن حجر -عفا الله عنه- لا يخرج عما قرروه، وهو باطل من وجوه:
الأول: أن الأدلة النقلية والعقلية والحسية كلها تدل على أن نبينا محمدًا -ﷺ- آخر الأنبياء خلقًا، وخاتمهم نبوة.
الثاني: أن النصوص الشرعية وإن اختلفت في تحديد أول ما خلق الله
_________________
(١) المولد الشريف (ص ٢٧)، وانظر: أشرف الوسائل (ص ٣٤ - ٣٧)، المنح المكية (١/ ١٣٩) (٢/ ٦٥٣)، مولد النبي -ﷺ- (ص ٣٤).
(٢) انظر: الفتوحات المكية لابن عربي (١/ ١٣٤)، الخصائص الكبرى للسيوطي (١/ ٧)، الإبريز للدباغ (ص ٢٥٣).
[ ٤٥١ ]
من الكائنات إلا أنه لم يصح في شيء منها أن أول المخلوقات نبينا محمد -ﷺ- أو نوره -كما سيأتي-.
الثالث: أن ما استدل به ابن حجر على دعواه لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:
١ - قوله -ﷺ-: "إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، ومن جملة ما كتب في الذكر وهو أم الكتاب أن محمدًا خاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته":
الحديث بهذا اللفظ لم يخرجه مسلم -كما ذكر ابن حجر- وإنما خرَّج أوله (^١).
وأما آخره ومحل الاستدلال منه وهو قوله: "ومن جملة ما كتب في الذكر " فقد أخرجه أحمد (^٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (^٣)، ويعقوب بن سفيان (^٤) (^٥)، وابن حبان (^٦)، والطبراني (^٧)، والبيهقي (^٨)، وأبو نعيم (^٩) من طرق عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الله (^١٠) بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية أن رسول الله -ﷺ- قال: "إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم ﵇ لمنجدل في طينته ".
وهو بهذا الإسناد لا يصح فيه سعيد بن سويد الكلبي.
_________________
(١) انظر: الصحيح، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى (٤/ ٢٠٤٤) برقم (٢٦٥٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁-.
(٢) انظر: المسند (٢٨/ ٣٧٩، ٣٨٢، ٣٩٥) بالأرقام التالية: (١٧١٥٠، ١٧١٥١، ١٧١٦٣).
(٣) انظر: (٦/ ٦٨ - ٦٩).
(٤) هو يعقوب بن سفيان الفارسي الفسوي، المحدث الحافظ، من مؤلفاته: المعرفة والتاريخ، كتاب السنة، كتاب البر والصلة وغيرها، توفي سنة ٢٧٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٨٠)، شذرات الذهب (٢/ ١٧١).
(٥) انظر: المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٤٥).
(٦) انظر: الصحيح (١٤/ ٣١٢) برقم (٦٤٠٤).
(٧) انظر: المعجم الكبير (١٨/ ٦٢٩).
(٨) انظر: الدلائل (٢/ ١٣٠).
(٩) انظر: الدلائل (١/ ٤٨، ٤٩).
(١٠) كذا وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي وهو خطأ، والصواب عبد الأعلى، وقد نبه على ذلك الإمام عبد الله بن أحمد في المسند (٢٨/ ٣٨٦)، وللاستزادة: انظر: تحقيق المسند (٢٨/ ٣٨٠).
[ ٤٥٢ ]
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني عنه: "سعيد بن سويد الكلبي الشامي، روى عن العرباض بن سارية، وربما أدخل بينهما عبد الأعلى بن هلال
ذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري: لم يصح حديثه، يعني الذي رواه معاوية عنه مرفوعًا: "إني عبد الله وخاتم النبيين في أم الكتاب، وآدم منجدل في طينته"، وخالفه ابن حبان والحاكم فصححاه " (^١).
٢ - قوله - ﷺ - جوابًا لمن سأله: متى كنت نبيًّا؟: "وآدم بين الروح والجسد".
الحديث أخرجه الترمذي (^٢)، والحاكم (^٣)، وأبو نعيم (^٤) من طرق عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - به.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه" (^٥).
والجواب عنهما: أن الحديثين لا يدلان على ما ذهب إليه ابن حجر من تقدم نبينا محمد - ﷺ - على غيره من الأنبياء في الخلق والنبوة، وإنما غاية ما يدلان عليه أنه - ﷺ - كتب نبيًّا وآدم لم تنفخ فيه الروح بعد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي - ﷺ - كان حينئذ موجودًا، وأن ذاته خلقت قبل الذوات
والمقصود هنا أن الله - سبحانه الله وتعالى- كتبه نبيًّا بعد خلق آدم وقبل نفخ الروح فيه.
وهو موافق لما أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك " (^٦) إلى آخره، بين فيه خلق الجنين، وتنقله
_________________
(١) تعجيل المنفعة (١/ ٥٨٣ - ٥٨٤)، وانظر: التاريخ الكبير (٣/ ٤٧٦)، الجرح والتعديل (٤/ ٢٩)، الثقات (٦/ ٣٦١).
(٢) انظر: السنن، كتاب المناقب، باب في فضل النبي - ﷺ - (٥/ ٥٤٥)، برقم (٣٦٠٩).
(٣) انظر: المستدرك (٢/ ٦٠٩).
(٤) انظر: الدلائل (١/ ٤٨).
(٥) السنن (٥/ ٥٤٦).
(٦) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (٢/ ٩٩٣) برقم (٣٢٠٨)، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي (٤/ ٢٠٣٦) برقم (٢٦٤٣).
[ ٤٥٣ ]
من حال إلى حال، فناسب هذا أنه بين خلق آدم ونفخ الروح فيه تكتب أحواله، ومن أعظمها كتابة سيد ولده" (^١).
٣ - قول - ﷺ -: "أنا أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا":
الجواب عنه: أن الحديث أخرجه ابن أبي حاتم (^٢)، وأبو نعيم (^٣) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن، عن أبي هريرة - ﵁ - به. وهو بهذا الإسناد لا يصح، لما يلي:
أ - عنعنة الحسن البصري، وهو معدود فيمن احتمل الأئمة تدليسه (^٤)، إلا أن في سماعه من أبي هريرة كلام، والصحيح أنه سمع منه أحاديث معدودة ليس هذا منها (^٥).
ب - عنعنة قتادة بن دعامة السدوسي، وهو معدود فيمن أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع (^٦).
جـ - ضعف سعيد بن بشير، خاصة في روايته عن قتادة (^٧)، والحديث من روايته عنه، ولهذا ذكره الذهبي في ترجمته وعده من غرائبه (^٨).
وعليه فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة (^٩).
٢ - اختصاصه - ﷺ - بأئه خلق من نور:
يقول في ذلك: "نور نبوته متقدم على جميع المخلوقات، وشاهده:
_________________
(١) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٦٦ - ٦٧).
(٢) انظر: التفسير (٩/ ٣١١٦) رقم: (١٧٥٩٤) (١٧٥٩٥).
(٣) انظر: دلائل النبوة (١/ ٤٢) رقم: (٣).
(٤) انظر: تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفية بالتدليس لابن حجر (ص ١٠٢).
(٥) انظر: التدليس في الحديث للدميني (ص ٢٩١).
(٦) انظر: تعريف أهل التقديس (ص ١٤٦).
(٧) انظر: التاريخ الكبير (٣/ ٤٦٠)، المجروحين لان حبان (١/ ٣١٥)، ميزان الاعتدال (٢/ ١٢٩)، تهذيب التهذيب (٤/ ٩).
(٨) انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ١٢٩).
(٩) انظر: الكامل لابن عدي (٣/ ١٢٠٩)، ميزان الاعتدال (٢/ ١٢٩)، الأسرار المرفوعة للقاري (ص ٢٧٢)، الفوائد المجموعة (ص ٣٢٦)، السلسلة الضعيفة (٢/ ١١٥).
[ ٤٥٤ ]
حديث عبد الرزاق بسنده عن جابر - ﵁ - قال: يا رسول الله أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء، قال: "يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، ولم يكن في ذلك الوقت لوح، ولا قلم، ولا جنة، ولا نار، ولا ملك، ولا سماء، ولا أرض، ولا شمس، ولا قمر، ولا جن، ولا إنس، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء:
فخلق من الجزء الأول: القلم، ومن الثاني، اللوح، ومن الثالث: العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء:
فخلق من الأول: السماوات، ومن الثاني: الأراضين، ومن الثالث: الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء:
فخلق من الأول: نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني: نور قلوبهم وهو المعرفة بالله، ومن الثالث: نور أنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله " الحديث
وفي حديث "كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام".
وفي الخبر: "لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور يدور في ظهره، فكان يلمع في جبينه، فيغلب على سائر نوره" الحديث " (^١).
"وكان يكثر الدعاء بأن الله تعالى يجعل كلًّا من حواسه وأعضائه وبدنه نورًا، إظهارًا لوقوع ذلك
ومما يؤيد أنه - ﷺ - صار نورًا، أنه كان إذا مشى في الشمس أو القمر لم يظهر له ظل؛ لأنه لا يظهر إلا لكثيف، وهو - ﷺ - قد خصه الله من سائر الكثائف الجسمانية، وصيره نورًا صرفًا لا يظهر له ظل أصلًا خرقًا للعادة، كما خرقت له في شق صدره وقلبه مررًا ولم يتأثر بذلك" (^٢).
_________________
(١) المنح المكية (١/ ١٣٩).
(٢) المصدر السابق (١/ ٢٢٩)، وانظر: المولد الشريف (ص ٣٠، ٣٤، ٣٧، ٣٨)، مولد النبي - ﷺ - (ص ٣٩)، العمدة شرح البردة (٢٨٩).
[ ٤٥٥ ]
التقويم:
ما ذكره ابن حجر - غفر الله له - من كون نبينا محمد - ﷺ - خلق من نور منقول عن جماعة من غلاة الصوفية (^١)، وهو قول باطل من وجوه:
١ - أن القول بذلك ينافي بشرية نبينا محمد - ﷺ -، فإن البشر مخلوقون من التراب لا من النور، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم: ٢٠]. وقال - ﷺ -: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" (^٢).
فهذا خبر عام في جميع البشر، فتخصيص نبينا محمد - ﷺ - بأنه خلق من نور يحتاج إلى مخصص، ولا مخصص (^٣).
٢ - أن القول بذلك يفضي إلى بعض العقائد الفاسدة كاعتقاد أن النبي - ﷺ - مخلوق من نور الله تعالى، وأن العالم كله خلق من نوره، وأنه أول المخلوقات، وأن خلقه متقدم على العرش والقلم، وقد التزم جماعة من القائلين بذلك بهذه العقائد (^٤)، ومنهم ابن حجر.
٣ - أن القول بذلك مأخوذ من بعض الفلسفات القديمة، والنظريات الفاسدة (^٥).
٤ - أن ما استدل به القائلون بذلك - ومنهم ابن حجر- لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:
_________________
(١) انظر: الفتوحات المكية لابن عربي (١/ ١١٩)، الإنسان الكامل للجيلي (٢/ ٤٦)، الإبريز للدباغ (ص ٢٥٢).
(٢) سبق تخريجه (ص ٣٦١).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٩٤ - ٩٥)، فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٣٠٩)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ٣٣٣).
(٤) انظر: الفتوحات المكية (١/ ١١٩)، الإنسان الكامل (٢/ ٤٦)، الإبريز (ص ٢٥٢).
(٥) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٨٤)، حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ لعبد الرؤوف القاسم (ص ٢٨٠)، التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق لزكي مبارك (١/ ٢١٠، ٢٧٩، ٢٠١)، الانحرافات العقدية عند الصوفية لإدريس محمود إدريس (١/ ٣٩٣)، خصائص المصطفى بين الغلو والجفاء (ص ١٠٠ - ١٠٩).
[ ٤٥٦ ]
أ- أما حديث جابر - ﵁ -: "إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره ".
فهو حديث باطل، ولم يخرجه أحد من أئمة الحديث، ومن القواعد المقررة التي يعرف بها وضع الحديث أن لا يتداوله المحدثون في كتبهم.
وعزو ابن حجر الحديث إلى عبد الرزاق باطل؛ إذ هو ليس في شيء من كتبه (^١).
ب - وأما حديث: "كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام":
فلم أجد من أخرجه بهذا اللفظ، وقد عزاه العجلوني (^٢) (^٣) لابن القطان (^٤) في أحكامه، وبعد البحث في المطبوع من كتبه لم أجده في شيء منها (^٥).
وقد أخرج القطيعي (^٦) في زوائده على فضائل الصحابة لأحمد (^٧)،
_________________
(١) انظر: تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور للشنقيطي، النور المحمدي لعداب الحمش (ص ٥٠)، ملحق عن قصيدة البردة لعبد الله الصديق الغماري بذيل كتاب البوصيري مادح الرسول - ﷺ - للحمامصي (٧٥).
(٢) هو إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي العجلوني الدمشقي، أبو الفداء، من مؤلفاته: كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، شرح الحديث المسلسل بالدمشقيين، الفيض الجاري شرح صحيح البخاري وغيرها، توفي سنة ١١٦٢ هـ، انظر: سلك الدرر (١/ ٢٥٩)، الأعلام (١/ ٣٢٥).
(٣) انظر: كشف الخفاء (١/ ٣١١).
(٤) هو علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى الفاسي، أبو الحسن، المشهور بابن القطان، من مؤلفاته: بيان الوهم والإبهام الواقعين في كتب الأحكام، النظر في أحكام النظر، رسالة في حديث عاشوراء، وغيرها، توفي: سنة ٦٢٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٠٦)، وشذرات الذهب (٥/ ١٢٨).
(٥) وهي بيان الوهم، والنظر في أحكام النظر.
(٦) هو أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبو بكر القطيعي، من كبار أئمة الحنابلة، سمع من عبد الله بن أحمد كتب أبيه، ورواها عنه، توفي سنة ٣٦٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢١٠)، شذرات الذهب (٣/ ٦٥).
(٧) انظر: فضائل الصحابة (٢/ ٦٦٢) رقم: (١١٣٠).
[ ٤٥٧ ]
وابن عساكر في تاريخه (^١) من طريق الحسن بن علي البصري، عن أحمد بن المقدام العجلي، عن الفضيل بن عياض، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن زاذان، عن سلمان الفارسي زحبه حديثًا بنحوه، ولفظه: "كنت أنا وعلي نورًا بين يدي الله - ﷿- قبل أن يخلق آدم باربعة عشر ألف عام ".
وفيه: الحسن بن علي البصري، متهم بالكذب (^٢)، والحديث معدود في طوامه (^٣).
قال العلامة محمود شكري الألوسي: "هذا الحديث موضوع قطعًا بإجماع أهل السنة" (^٤).
جـ - وأما حديث: "لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور يدور في ظهره ".
فلم أجد بعد البحث من خرَّجه من أهل الحديث، وإنما ذكره بعضهم دون عزو.
وأما ما زعمه ابن حجر من كون دعاء النبي - ﷺ - أن يجعل كل حواسه نورًا إظهارًا لوقوع ذلك، وأنه لم يكن له ظل لكونه نورًا صرفًا فهو من مجازفاته؛ إذ دعاء النبي - ﷺ - بذلك لا يعني إظهار وقوعه وإلا لمنعت أمته من الدعاء بمثله، ودعوى كونه - ﷺ - نورًا صرفًا لا ظل له لم يشهد لها ما يدل عليها ومثلها مما تتوافر الهمم لنقله.
٣ - اختصاصه - ﷺ - بأنه المقصود من الخلق، والممد لها، وخليفة الله فيها:
يقول في ذلك: "اعلم أن الله تعالى شرف نبيه بسبق نبوته في سابق أزليته، وذلك أنه تعالى لما تعلقت إرادته بإيجاد الخلق أبرز الحقيقة المحمدية من محض نوره، قبل وجود ما هو كائن من المخلوقات بعد، ثم سلخ العوالم كلها، ثم أعلمه تعالى بسبق نبوته وبشره بعظيم رسالته، كل
_________________
(١) انظر: تاريخ دمشق (١/ ١٣٧).
(٢) انظر: ميزان الاعتدال (١/ ٥٠٧)، لسان الميزان (٢/ ٢٢٩).
(٣) انظر: المصدران السابقان.
(٤) مختصر التحفة الاثني عشرية (ص ١٦٨).
[ ٤٥٨ ]
ذلك وآدم لم يوجد، ثم انبجست منه - ﷺ - عيون الأرواح فظهر بالملأ الأعلى أصلًا ممدًا للعوالم كلها" (^١).
ويقول في شرحه لقول البوصيري:
"كل فضل في العالمين فمن فضـ ـل النبي استعاره الفضلاء" (^٢)
"كل فضل وجد في العالمين الإنس والملائكة والجن فهو كائن من فضل ذلك النبي الأكرم على ربه من سائر الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين، .. استعاره الفضلاء؛ لأنه - ﷺ - الممد لهم، إذ هو الوارث للحضرة الإلهية، والمستمد منها بلا واسطة دون غيره، فإنه لا يستمد منها إلا بواسطته - ﷺ -، فلا يصل لكامل شيء إلا وهو من بعض مدده، وعلى يديه، فآيات كل نبي إنما هي مقتبسة من نوره؛ لأنه كالشمس وهم كالكواكب، فهي غير مضيئة بذاتها، وإنما هي مستمدة من نور الشمس، فإذا غابت أظهرت أنوارها، فهم قبل وجوده - ﷺ - إنما كانوا يظهرون فضله، وأنوارهم مستمدة من نوره الفائض ومدده الواسع.
ألا ترى أن ظهور خلافة آدم، وإحاطته بالأسماء كلها، إنما هو مستمد من جوامع الكلم المخصوص به نبينا - ﷺ -، ثم توالت الخلائق إلى زمن بروز جسمه الشريف، فلما أبرز كان كالشمس اندرج في نوره كل نور، وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء " (^٣).
ويقول في معرض ذكره لآداب زيارة قبر النبي - ﷺ -: "ينبغي له أن يستحضر حياته المكرمة في قبره المكرم، وأنه يعلم بزائريه على اختلاف درجاتم وأحوالهم وقلوبهم وأعمالهم، وأنه - ﷺ - يمد كلًّا منهم بما يناسب ما هو عليه، وأنه خليفة الله الذي جعل خزائن كرمه، وموائد نعمه طوع يديه وتحت إرادته يعطي منهما من يشاء، ويمنع منهما من يشاء، وأنه لا يمكن أحدًا أن يصل إلى الحضرة العلية من غير طريقه " (^٤).
_________________
(١) مولد النبي - ﷺ - (ص ٣٤ - ٣٦)، وانظر: العمدة شرح البردة (ص ٢٢٠).
(٢) الهمزية مع شرحها المنح المكية (٢/ ٦٥٣).
(٣) المنح المكية (٢/ ٦٥٣).
(٤) الجوهر المنظم (ص ٤٢).
[ ٤٥٩ ]
التقويم:
ما ذكره ابن حجر- غفر الله له - من كون النبي - ﷺ - هو المقصود من الخلق، وهو الممد لها، وخليفة الله فيها، منقول عن جماعة من غلاة المتصوفة (^١)، وهو باطل من وجوه:
١ - أن القول بذلك يعارض النصوص الشرعية الدالة على أن المقصود من الخلق ابتلاؤهم بالعبادة كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وأن الله تعالى هو الممد للمخلوقات والمتصرف فيها كيف يشاء كقوله - ﷿ -: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧].
٢ - أن القول بذلك ينافي بشرية الرسول - ﷺ - وما أخبر الله به عنه وأخبر هو عن نفسه كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله - ﷿ -: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقوله - ﷺ -: "يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله - ﷺ - لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا" (^٢).
٣ - أن هذا القول مأخوذ من بعض الفلسفات الفاسدة، والعقائد الباطلة كالفلسفة الهندية، والعقيدة النصرانية (^٣).
_________________
(١) انظر: الإبريز للدباغ (ص ٢٥٢، ٢٦٠)، حجة الله على العالمين للنبهاني (ص ١٤، ٥٢).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] (٣/ ١٤٩٧) برقم (٤٧٧١) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.
(٣) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٨٤)، حقيقة الصوفية للقاسم (ص ٢٨٠)، مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية (١/ ٣٩٣).
[ ٤٦٠ ]
٤ - أن ابن حجر لم يذكر دليلًا يعتمد عليه في دعواه، والقائلون بقوله غاية ما استدلوا به أحاديث موضوعة لا تقوم بها الحجة.
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵁ -: "ما يذكرون أن النبي - ﷺ - كان كوكبًا، أو أن العالم كله خلق منه، أو أنه كان موجودًا قبل أن يخلق أبواه، أو أنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل، وأمثال هذه الأمور، فكل ذلك كذب مفترى باتفاق أهل العلم بسيرته.
والأنبياء كلهم لم يخلقوا من النبي - ﷺ -، بل خلق كل واحد من أبويه، ونفخ الله فيه الروح.
ولا كان كلما يعلم الله لرسله وأنبيائه بوحيه يأخذونه بواسطة سوى جبريل، بل تارة يكلمهم الله وحيًا يوحيه إليهم، وتارة يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى بن عمران، وتارة يبعث ملكًا فيوحي بإذنه ما يشاء، ومن الأنبياء من يكون على شريعة غيره، كما كان أنبياء بني إسرائيل على شريعة التوراة.
وأما كونهم كلهم يأخذون من واحد فهذا يقوله ونحوه أهل الاتحاد من أهل الوحدة والاتحاد كابن عربي صاحب الفتوحات المكية والفصوص وأمثالهما" (^١).
٤ - اختصاصه - ﷺ - بإحياء أبويه وإيمانهما به:
يقول في ذلك: "اختلف الناس في أبويه هل هما مؤمنان في الجنة أم لا
واعلم أن الحق الواضح الجلي الذي لا غبار عليه أن أبوي النبي - ﷺ - ناجيان لا عقاب عليهما، وكذا أهل الفترة جميعهم
روى الطبراني بسنده عن عائشة - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه ترك الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء الله - ﷿ -، ثم رجع مسرورًا، قال: سألت ربي - ﷿ -، فأحيا لي أمي فآمنت بي، ثم ردَّها".
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٦٧ - ٣٦٨).
[ ٤٦١ ]
ورواه ابن شاهين (^١) عنها بلفظ: حج بنا رسول الله - ﷺ - حجة الوداع ومر بي على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم إنه نزل فقال: "يا حميراء، استمسكي" فاستندت إلى جنب البعير، فمكثت مليًا، ثم عاد إليَّ وهو فرح مبتسم فقال: "ذهبت لقبر أمي، فسألت ربي أن يحييها، فأحياها فآمنت بي".
وكذا جاء من حديثيهما أيضًا: أحيا أبويه - ﷺ - ورضي عنهما حتى آمنا به، رواه الخطيب وكذا السهيلي (^٢)، وقال: في سنده مجاهيل، وابن كثير قال: منكر جدًّا وسنده مجهول، وليس كما قال مطلقًا" (^٣).
"والأحاديث مصرحة لفظًا في أكثره، ومعنى في كله، أن آباء النبي - ﷺ - غير الأنبياء وأمهاته إلى آدم وحواء ليس فيهم كافر؛ لأن الكافر لا يقال في حقه إنه مختار، ولا كريم، ولا طاهر، بل نجس كما في الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأيضًا قال تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٩]، على أحد التفاسير فيه أن المراد تنقل نوره من ساجد إلى ساجد " (^٤).
التقويم:
القول بحياة أبوي النبي وإيمانهما به بعد وفاتهما قرره غير واحد من المتصوفة (^٥) وهو قول باطل من وجوه:
_________________
(١) هو عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد البغدادي، أبو حفص، المشهور بابن شاهين، سلفي ثقة حافظ، من مؤلفاته: شرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين، وناسخ الحديث ومنسوخه، وتاريخ أسماء الثقات وغيرها، توفي سنة ٣٨٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٣١)، شذرات الذهب (٣/ ١١٧).
(٢) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي، عالم باللغة والسير، من مؤلفاته: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، تفسير سورة يوسف، نتائج الفكر وغيرها، توفي سنة ٥٨١ هـ. انظر: وفيات الأعيان (١/ ٢٨٠)، تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٧).
(٣) المولد الشريف (ص ٦٥)، وانظر: أشرف الوسائل (ص ٣٩)، المنح المكية (١/ ١٥١، ١٦٥)، الزواجر (١/ ٣٣)، العمدة شرح البردة (ص ٣٢٤).
(٤) المنح المكية (١/ ١٥١).
(٥) انظر: الرسائل التسع للسيوطي (ص ١٣٩ - ١٩٧، ٢٠١ - ٢٢١). الحاوي له (٢/ ٢٠٢ - ٣٣٣).
[ ٤٦٢ ]
الأول: أن القول بذلك معارض بدلالة الكتاب والسنة والإجماع (^١).
فمن دلالة الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٧، ١٨].
وقوله سبحانه: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر: ٨٥].
وقوله - ﷿ - ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣].
ومن دلالة السنة: قوله - ﷺ - لمن سأله عن والده: "إن أبي وأباك في النار" (^٢).
وقوله - ﷺ -: "إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي" (^٣).
وأما الإجماع: "فقد اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك؛ من غير إظهار خلاف لما هنالك، والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق" (^٤).
الثاني: أن القول بذلك ينافي "القواعد الشرعية الدالة على عدم قبول الإيمان بعد مشاهدة الأحوال الغيبية، ودعوى الخصوصية تحتاج إلى إثبات بالأدلة القوية.
وأما الاستدلال بالقدرة الإلهية، وقابلية الخصوصية للحضرة النبوية،
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٤)، رسالة في حق أبوي الرسول - ﷺ - لإبراهيم الحلبي (ص ٤٥٦)، أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول للقاري (ص ٦٤).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار (١/ ١٩١) برقم (٢٠٣) من حديث أنس - ﵁ - به.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿في زيارة قبر أمه (٢/ ٦٧٢) برقم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.
(٤) أدلة معتقد أبي حنيفة (ص ٨٤)، وانظر: رسالة في حق أبوي الرسول - ﷺ - (ص ٤٦١).
[ ٤٦٣ ]
فأمر لا ينكره أحد من أهل الملة الحنيفية، وإنما الكلام في إثبات هذا المرام، بالأدلة على وجه النظام، لا بالاحتمال الذي لا يصلح للاستدلال، خصوصًا في معارضة نصوص الأقوال" (^١).
الثالث: أن القول بذلك قد جر بعض القائلين به - ومنهم ابن حجر- إلى القول بنجاة كل أصول النبي - ﷺ -.
وقد ردّ ذلك العلامة القاري - ﵀ - فقال: "وأما ما ذكر ابن حجر المكي من أن الأحاديث مصرحة لفظًا في أكثره، ومعنى في كله، أن آباء النبي - ﷺ - غير الأنبياء وأمهاته إلى آدم وحواء، ليس فيهم كافر؛ لأن الكافر لا يقال في حقه إنه مختار، ولا كريم، ولا طاهر؛ فمردود عليه، إذ ليس في الأحاديث لفظ صريح يشير إليه، وأما المعنى؛ فكأنه أراد به لفظ: (المختار) و(الكريم) و(الأطهار)، وهو لا دلالة فيه على الإيمان أصلًا، وإلا فيلزم منه أن تكون قبيلة قريش كلهم مؤمنين؛ لحديث: "إن الله اصطفى بني كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة" (^٢). ولم يقل به أحد من المسلمين
فتأمل؛ فإنه موضع زلل، ومقام خطل، واحذر أن تكون ضالًا مضلًا في الوحل" (^٣).
الرابع: أن الأدلة التي ساقها ابن حجر في الدلالة على قوله لا تصح وبيان ذلك فيما يلي:
١ - أما استدلاله بكونهم من أهل الفترة على نجاتهم فهو مردود من وجهين:
أ- أن ذلك معارض بقوله بحياتهما بعد وفاتهما وإيمانهما بالنبي - ﷺ -؛
_________________
(١) أدلة معتقد أبي حنيفة (ص ٨٨ - ٨٩).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ - (٤/ ١٧٨٢) برقم (٢٢٧٦) من حديث واثلة بن الأسقع - ﵁ - به.
(٣) أدلة معتقد أبي حنيفة (ص ١١٨ - ١١٩)، وانظر: رسالة في حق أبوي الرسول - ﷺ - (ص ٤٦٣ - ٤٦٨).
[ ٤٦٤ ]
فإنهما لو كانا من أهل الفترة لما احتاجا إلى الإحياء والإيمان بالنبوة بناء على أنهما من أهل النجاة (^١).
ب - أن أهل الفترة القول الصحيح في حقهم أنهم يمتحنون بنار في عرصات القيامة، لا القول بنجاتهم مطلقًا (^٢).
٢ - أن الأحاديث التي أوردها ابن حجر في الدلالة على قوله موضوعة لا تصح.
فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - هل صح عن النبي - ﷺ - أن الله تعالى أحيى له أبويه حتى أسلما على يديه، ثم ماتا بعد ذلك؟
فأجاب بقوله: "لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث، بل أهل الحديث متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قد رُوي بإسناد فيه مجاهيل فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذبًا؛ كما نص عليه أهل العلم؛ فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوفَّر الهمم والدواعي على نقله فإنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة " (^٣).
وأما تفصيل الكلام على ما أورده منها، فيمكن بيانه فيما يلي:
أ- حديث عائشة - ﵄ - في زيارته لقبر أمه - ﷺ - بالحجون، وحياتها وإيمانها: أخرجه ابن شاهين (^٤)، ومن طريقه الخطيب (^٥)، وعنه الجورقاني (^٦) (^٧)، والدارقطني (^٨)، وابن عساكر (^٩) من طريق محمد بن الحسن
_________________
(١) انظر: أدلة معتقد أبي حنيفة (ص ٩١).
(٢) انظر: الجواب الصحيح (١/ ٣١٢)، أضواء البيان (٣/ ٤٨٣).
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٤).
(٤) انظر: ناسخ الحديث ومنسوخه (ص ٤٨٩) رقم: (٦٥٦).
(٥) انظر: السابق واللاحق (ص ٣٧٧ - ٣٧٨).
(٦) هو الحسين بن إبراهيم بن الحسين بن جعفر الجورقاني الهمداني، أبو عبد الله، سلفي حافظ، من مؤلفاته: الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير، توفي سنة ٥٤٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٨٤)، شذرات الذهب (٤/ ١٣٦).
(٧) انظر: الأباطيل والمناكير (١/ ٢٢٢).
(٨) انظر: لسان الميزان (٤/ ٣٠٥) فقد عزاه إلى غرائب مالك له.
(٩) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٠٥) فقد عزاه إلى غرائب مالك له.
[ ٤٦٥ ]
النقاش، عن أحمد بن يحيى الحضرمي، عن محمد بن يحيى الزهراني، عن عبد الوهاب بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵄ - به.
قال ابن الجوزي: "موضوع بلا شك: النقاش ليس بثقة، وأحمد بن يحيى ومحمد بن يحيى مجهولان
وأم رسول الله - ﷺ - ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة، وليست بالحجون" (^١).
والحديث ذكره عامة من ألف في الموضوعات والأحاديث المشتهرة (^٢).
ب - حديث: "أن رسول الله - ﷺ - سأل ربه أن يحيي أبويه، فأحياهما له وآمنابه".
ذكره السهيلي فقال: "ورُوي حديث غريب لعله أن يصح، وجدته بخط جدي بسند فيه مجهولون، ذكر أنه نقله من كتاب انتسخ من كتاب مُعوِّذ بن داود بن معوذ الزاهد يرفعه إلى ابن أبي الزناد عن عروة، عن عائشة - ﵄ - " (^٣) فذكره.
والحديث ظاهر البطلان؛ إذ ليس له إسناد يثبت، فضلًا عما ذكره السهيلي من جهالة بعض رواته.
٥ - اختصاصه - ﷺ - بجواز رؤيته يقظة بعد وفاته:
سئل ابن حجر - ﵀ - هل تمكن رؤية النبي - ﷺ - في اليقظة؟
فأجاب بقوله: "أنكر ذلك جماعة، وجوَّزه آخرون وهو الحق استُدل:
بحديث البخاري: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" أي: بعيني
_________________
(١) الموضوعات (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤).
(٢) انظر: الموضوعات لابن الجوزي (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، اللآلئ المصنوعة (١/ ٢٦٦)، تنزيه الشريعة لابن عراق (١/ ٣٣٢)، كشف الخفاء (١/ ٦١).
(٣) الروض الأنف (١/ ١٩٤).
[ ٤٦٦ ]
رأسه، وقيل: بعين قلبه، واحتمال إرادة القيامة بعيد من لفظ اليقظة، على أنه لا فائدة في التقييد حينئذ لأن أمته كلهم يرونه يوم القيامة من رآه في المنام ومن لم يره في المنام
والحكايات في ذلك عن أولياء الله كثيرة جدًّا، ولا ينكر ذلك إلا معاند أو محروم.
وأكثر ما تقع رؤيته - ﷺ - بالقلب ثم بالبصر لكنها به ليست كالرؤية المتعارفة وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني فلا يدرك حقيقته إلا من باشره كذا قيل، ويحتمل أن المراد الرؤية المتعارفة بأن يرى ذاته طائفة في العالم أو تنكشف الحجب له بينه وبين النبي وهو في قبره فينظره حيًّا فيه رؤية حقيقية إذ لا استحالة، لكن الغالب أن الرؤية إنما هي لمثاله لا لذاته " (^١).
التقويم:
ما ذكره ابن حجر- غفر الله له - من جواز رؤيته - ﷺ - يقظة بعد وفاته قرره جماعة من الصوفية (^٢)، وهو باطل من وجوه:
الأول: أن القول بذلك معارض بالأدلة النقلية والعقلية والحسية الدالة على وفاة النبي - ﷺ - ولا يرد على ذلك حياته في قبره إذ حياته فيه حياة برزخية (^٣).
الثاني: أن رؤيته - ﷺ - يقظة بعد وفاته لو كانت ممكنة، لكان أولى الناس بها أصحابه - ﷺ -، ولا سيما مع قيام المقتضي لهذه الرؤية، فإنه قد جرى بين الصحابة من النزاع في كثير من المسائل ما يستدعي ظهوره لهم
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ٣٩٢ - ٣٩٤)، وانظر: (ص ٣٨٢، ٣٩١)، أشرف الوسائل (ص ٥٩٩)، المنح المكية (٢/ ٦٩٣).
(٢) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة (٤/ ٢٣٧)، الحاوي (٢/ ٢٥٥)، طبقات الصوفية الكبرى للشعراني (٢/ ٦٩).
(٣) انظر: حياة الأنبياء بعد وفاتهم (ص ٣٢ - ٤٩). توضيح المقاصد لابن عيسى (٢/ ١٦٠ - ١٧١)، الصواعق المرسلة الشهابية لابن سحمان (٩٨ - ١٠١)، شرح الكافية الشافية لهراس (١/ ٤٠٢).
[ ٤٦٧ ]
وفصله بينهم (^١).
الثالث: أن القول بذلك يلزم منه لوازم باطلة، منها: القول باستمرار التشريع، وأن يخلو القبر من جسده - ﷺ - فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب، وأن يكون من رآه صحابيًّا وغيرها (^٢).
الرابع: أن القائلين بذلك اضطربوا في رؤيته - ﷺ - هل هي رؤية لذاته على الحقيقة أو رؤية مثال لها، وهل تكون بالقلب أو بالبصر (^٣)، وهذا الاضطراب كاف لرد القول بجواز رؤيته - ﷺ - بعد وفاته يقظه؛ إذ الرؤية أمر محسوس والاختلاف فيها على هذا الوجه يدل على عدم تحققها.
الخامس: أن القائلين بذلك - ومنهم ابن حجر- لم يذكروا على قولهم هذا دليلًا يُعتمد عليه، وما ذكره ابن حجر أمران:
١ - حديث: "من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة":
والحديث أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن محمد بن شهاب الزهري، عن أبي هريرة - ﵁ - به (^٤).
والجواب عنه من وجهين:
أ- أن أهل العلم اختلفوا في المراد بالحديث على أقوال (^٥)، أصحها أن المراد به التشبيه والتمثيل، ويدل لذلك روايات الحديث الأخرى فقد رواه بقية أصحاب الزهري بلفظ: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو فكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي" (^٦).
ب - أن حمل الحديث على رؤيته - ﷺ - يقظة بعد وفاته وإن كان أحد
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٩٢ - ٣٩٣).
(٢) انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٠١ - ٤٠٢).
(٣) انظر: أقوالهم في الحاوي (٢/ ٢٦٣).
(٤) انظر: صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب من رأي النبي - ﷺ - في المنام (٤/ ٢١٩٠) برقم (٦٩٩٣).
(٥) انظر: شرح صحيح مسلم (١٥/ ٢٤)، فتح الباري (١٢/ ٣٨٥).
(٦) أخرجها مسلم، كتاب الرؤيا، باب قول النبي ﵊: "من رآني في المنام فقد رآني" (٤/ ١٧٧٥) برقم (٢٢٦٦).
[ ٤٦٨ ]
الأقوال في المراد بالحديث إلا أنه قول ضعيف؛ إذ إن جماعة رأوه في المنام ولم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، ومعلوم أن خبر الصادق لا يتخلف (^١).
٢ - الحكايات التي يذكرها المصنفون في الكرامات أو يتناقلها العامة:
وهذه الحكايات ليست حجة شرعية يجب المصير إليها؛ إذ هي كذب مختلق، أو تزوير شيطان مرق؛ ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان (^٢).
ثالثًا: حكم سبه - ﷺ -.
يرى ابن حجر - ﵀ - كفر من سب رسول الله - ﷺ -، وقتله ما لم يتب حيث قال: "من كفر بسبه - ﷺ - أو تنقيصه صريحًا أو ضمنًا ومثله المَلَك فاختلفوا في تحتم قتله" (^٣).
"فيقتل ما لم يتب على الأصح عندنا.
ومطلقًا عند مالك وجماعة من أصحابنا، وبالغ بعضهم فنقل عليه الإجماع " (^٤).
التقويم:
السب: هو كل كلام قبيح يوجب الإهانة، والنقص، والاستخفاف (^٥).
وضابطه العرف، "فإن الكلام على أعيان الكلمات لا ينحصر وجماع ذلك أن ما يعرف الناس أنه سب فهو سب، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والاصطلاحات والعادات وكيفية الكلام ونحو ذلك، وما اشتبه فيه
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٥).
(٢) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٤٤)، غاية الأماني (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٣) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣١٩).
(٤) أشرف الوسائل (ص ٣٤٣)، وانظر: (ص ١٦٧)، أسنى المطالب (ص ٣٢٥)، فتح الإله (ص ٦٣٤).
(٥) انظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية (٣/ ١٠٤١).
[ ٤٦٩ ]
الأمر ألحق بنظيره وشبهه" (^١).
وسب النبي - ﷺ - من نواقض الإيمان التي توجب الكفر ظاهرًا وباطنًا، سواء استحل ذلك أو لم يستحله (^٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية﵀ -: "إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (^٣).
وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة: ٦١ - ٦٣].
وقوله - ﷿ -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥: ٦٦].
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨].
ومن السُّنَّة: ما روي عنه - ﷺ - أنه لما دخل مكة عام الفتح جاءه رجل فقال: ابن خَطَل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه" (^٤).
_________________
(١) الصارم المسلول (٣/ ١٠٠٩)، وانظر: (٣/ ٩٩٢).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٩٥٨)، السيف المسلول على من سب الرسول للسبكي (ص ١٣٢).
(٣) الصارم المسلول (٣/ ٩٥٥).
(٤) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح؟ (٣/ ١٢٩٦)، برقم (٤٢٨٦)، ومسلم، كتاب الحج، باب دخول مكة بغير إحرام (٢/ ٩٨٩) برقم (١٣٥٧) من حديث أنس - ﵁ - به.
[ ٤٧٠ ]
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على كفر من سب رسول الله - ﷺ -، ونقل إجماعها على ذلك غير واحد من أهل العلم (^١).
ومن سب النبي لا يخلو من حالين:
الأول: أن يصر على سبه دون توبة، فهذا يقتل باتفاق أهل العلم.
الثاني: أن يتوب من سبه، فهذا اختلف أهل العلم في توبته وقتله على ثلاثة أقوال:
١ - القول بقتله بكل حال وعدم قبول توبته، والمراد بعدم قبولها أن القتل لا يسقط عنه بالتوبة.
٢ - القول بقبول توبته وعدم قتله.
٣ - القول بقبول توبة الساب الذمي دون الساب المسلم، وتوبة الذمي إسلامه أو العود إلى الذمة كما كان.
والراجح الأول، وهو قول الجمهور؛ لأنه حد من الحدود، والحدود لا تسقط بالتوبة (^٢).
وبناء عليه فما ذهب إليه ابن حجر - ﵀ - من القول بقبول توبة الساب مخالف لقول جمهور أهل العلم.
* * *
_________________
(١) انظر: التمهيد لابن عبد البر (٤/ ٢٢٦) المحلى (٢/ ٣٣٠)، الشفا (٢/ ٩٣٢)، الصارم المسلول (٢/ ١٦)، السيف المسلول (ص ١١٩)، تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام لابن عابدين (١/ ٣١٦)، السيف البتار لمن سب النبي المختار لعبد الله الغماري (ص ١٤).
(٢) انظر: الشفا (٢/ ١٠١٥)، الصارم المسلول (٣/ ٥٦٣، ٦٢٠)، السيف المسلول (ص ١٦١)، تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام (١/ ٣١٦)، السيف البتار (ص ٢٤).
[ ٤٧١ ]
المبحث الثالث آراؤه في كرامات الأولياء
عرض ابن حجر - ﵀ - إلى كرامات الأولياء، وبين المراد بها، والفرق بينها وبين المعجزات وخوارق السحر، وقرر إمكانها ووقوعها، ورد على من خالف في ذلك؛ وفيما يلي بيان آرائه ثم التعقيب عليها بتقويمها.
أولًا: تعريف كرامات الأولياء:
عرف ابن حجر الكرامة فقال: "الكرامة: ظهور أمر خارق للعادة، غير مقارن لدعوى النبوة، على يد من عرفت ديانته، واشتهرت ولايته باتباع نبيه في جميع ما جاء به، وإلا فهي استدراج، أو سحر، أو إذلال " (^١).
التقويم:
الكرامة في اللغة: مصدر (كَرُم).
يقول ابن فارس: "الكاف والراء والميم أصل صحيح له بابان:
أحدهما: شرف في الشيء نفسه، أو شرف في خلق من الأخلاق
والآخر: الكَرْم، وهي القلادة " (^٢).
فالكرامة من الباب الأول لشرفها في نفسها، وتشرف صاحبها في خلقه مع الخالق والخلق.
وأما في الاصطلاح: فإن لفظ (الكرامة) لم يرد في الكتاب والسنة،
_________________
(١) المنح المكية (٣/ ١٤٦٥)، وانظر: فتح المبين (ص ٢١)، الفتاوى الحديثية (ص ٤٠٤).
(٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٩٢٣)، وانظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٩٣٢)، الصحاح (٥/ ٢٠١٩)، لسان العرب (١٢/ ٥١٠)، القاموس المحيط (ص ١٤٨٩).
[ ٤٧٢ ]
ولم يكن السلف الأوائل يستعملونه بمعناه الاصطلاحي الذي تعارف عليه من بعدهم.
وأما المتأخرون فقد اصطلحوا على استعمال هذا اللفظ في الدلالة على خوارق الأولياء (^١).
يقول العلامة محمود شكري الألوسي - ﵀ -: "كل من يذكر تعريف الكرامة وحَدَّها يقول: هي خرق الله العادة لوليه؛ لحكمة أو مصلحة تعود عليه أو على غيره" (^٢).
وبهذا يظهر أن تعريف ابن حجر - ﵀ - الكرامة بما سبق لا يخرج عن قول من عرفها من المتأخرين.
ثانيًا: الفرق بين الكرامة والمعجزة وخوارق السحر:
بيّن ابن حجر - ﵀الفرق بين الكرامة والمعجزة، فقال: "الذي عليه معظم الأئمة أنه يجوز بلوغها مبلغ المعجزة في جنسها وعظمها، وإنما يفترقان في:
أن المعجزة تقترن بدعوى النبوة والكرامة تقترن بدعوى الولاية، أو تظهر على يد الولي من غير دعوى شيء وهو الأكثر
وأن دلالة المعجزة على النبوة قطعية وأن النبي يعلم أنه نبي، ودلالة الكرامة ظنية، ولا يعلم مظهرها أو من ظهرت عليه أنه ولي وقد يعلم ذلك " (^٣).
كما بين ابن حجر أيضًا الفرق بين الكرامة وخوارق السحر، فقال: "أما الفرق بين الكرامة والسحر فهو أن الخارق الغير مقترن بتحدي النبوة إن ظهر على يد صالح وهو القائم بحقوق الله وحقوق خلقه فهو الكرامة، أو على يد من ليس كذلك فهو السحر أو الاستدراج
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٣١١)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٤٦).
(٢) فتح المنان (ص ٤١٣)، وانظر: لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٩٢)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤١٣)، الدرر السنية (١١/ ٢١١)، فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (١/ ٣٨٨).
(٣) الفتاوى الحديثية (ص ٣٩٦ - ٤٠٠)، وانظر: فتح المبين (ص ٢١)، المنح المكية (٣/ ١٤٦٤)، فتح الإله (ص ١٢٧).
[ ٤٧٣ ]
وتمييز الصالح المذكور عن غيره بيِّن لا خفاء فيه؛ إذ ليست السيما كالسيما، ولا الآداب كالآداب، وغير الصالح لو لبس ما عسى أن يلبس لابد أن يرْشح من نتن فعله أو قوله ما يميزه عن الصالح" (^١).
التقويم:
اختلف الناس في الخوارق هل هي جنس واحد أم لا؟
فذهب أهل السنة والجماعة إلى أنها ليست من جنس واحد (^٢)، وفرقوا بينها بما سيأتي.
وذهب المعتزلة والأشاعرة إلى أنها من جنس واحد، ثم اختلفوا فأثبت المعتزلة المعجزات ونفوا ما عداها (^٣)، وأثبت الأشاعرة الجميع واضطربوا في الفرق بينها (^٤).
وما ذكره ابن حجر - غفر الله له - في الفرق بين الكرامة والمعجزة بناه على مذهبه الأشعري؛ حيث حصر الفرق بينهما في دعوى النبوة ودلالة كل منهما، دون اختلافهما في قدر خرق العادة وهو أظهر، لأن جمهور الأشاعرة يقولون باستوائها وأن كل ما جاز خرقه للنبي جاز للولي (^٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في معرض الرد عليهم: "أصلهم أن ما يأتي به النبي والساحر والكاهن والولي من جنس واحد، لا يتميز بعضه عن بعض بوصف، لكن خاصة النبي اقتران الدعوى، والاستدلال والتحدي بالمثل بما يأتي به.
فلم يجعلوا لآيات الأنبياء خاصة تتميز بها عن السحر، والكهانة، وعما يكون لآحاد المؤمنين، ولم يجعلوا للنبي مزية على عموم المؤمنين، ولا على السحرة والكهان من جهة الآيات التي يدل الله بها العباد على صدقه
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ٣٩٩)، وانظر: المنح المكية (٣/ ١٤٦٧).
(٢) انظر: النبوات (١/ ٥٢٦، ٦٠٦) (٢/ ١٠٤٠).
(٣) انظر: المغني (١٥/ ٢٤١ - ٢٤٣)، أعلام النبوة (ص ٦٢)، الكشاف (٤/ ١٥٠).
(٤) انظر: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات (ص ٩١، ٩٦)، الإرشاد (ص ٢٦٩)، المواقف (ص ٣٤٦)، شرح المقاصد (٥/ ١١، ٧٢ - ٧٤).
(٥) انظر: أصول الدين للبغدادي (١٧٤ - ١٧٥)، الإرشاد (ص ٢٦٩)، المواقف (ص ٣٤٠).
[ ٤٧٤ ]
فهؤلاء سووا بين الأجناس الثلاثة" (^١)، وقالوا: "الفرق هو دعوى النبوة والتحدي بالمثل، وهذا غلط فإن آيات الأنبياء - ﵇ - التي دلت على نبوتهم، هي أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم؛ مثل الإتيان بالقرآن، ومثل الإخبار بأحوال الأنبياء المتقدمين وأممهم، والإخبار بما يكون يوم القيامة، وأشراط الساعة " (^٢).
وعليه فإن الحق أن الكرامة دون المعجزة في خرقها للعادة، وأن الفرق بينهما لا ينحصر في دعوى النبوة ودلالة كل منهما، بل إنهما يفترقان في أمور عديدة، منها:
١ - أن الكرامة دون المعجزة في خرق العادة.
٢ - أن الكرامة معتادة في الصالحين بخلاف المعجزة فهي خارقة لعادة البشر.
٣ - أن الكرامة تابعة للمعجزة ودليل من دلائل النبوة، فإن الولي لم تحصل له الكرامة إلا لاتباعه النبي، ولو لم يتبعه لما وقعت له.
٤ - أن الكرامة ينالها الولي بفعله كعبادته ودعائه، بخلاف المعجزة فإنها غير مكتسبة (^٣).
وأما ما ذكره ابن حجر - ﵀ - في الفرق بين الكرامة وخوارق السحر فهو موافق لما عليه أهل السنة والجماعة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وبين كرامات الأولياء وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة، منها: أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية يكون سببها ما نهى الله عنه ورسوله، ويستعان بها على ما نهى الله عنه ورسوله" (^٤).
_________________
(١) النبوات (١/ ٦٠٦).
(٢) المصدر السابق (١/ ٥٢٦).
(٣) انظر: النبوات (١/ ٥٥٨ - ٥٦٠)، وللاستزادة: كرامات الأولياء لعبد الله العنقري (ص ٣٠ - ٣٧).
(٤) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص ٣٢٧)، وانظر: قطر الولي على حديث الولي للشوكاني (ص ٢٧٢).
[ ٤٧٥ ]
وبهذا يتضح خطأ ابن حجر في قصره التفريق بين الكرامة والمعجزة على دعوى النبوة ودلالة كل منهما، وصوابه في التفريق بين الكرامة وخوارق السحر باعتبار حال من وقعت منه.
ثالثًا: جواز الكرامة ووقوعها، والرد على من خالف ذلك:
قرر ابن حجر - ﵀ - جواز الكرامة ووقوعها، ورد على من أنكرها، فقال: "أنكر جماعة محرومون - كأكثر المعتزلة، وإن وافقهم بعض منا لكن يتعين تأويل كلامه لأن جلالته تأبى أن يرضى بهذا الزيف الذي انتحلوه - جواز الكرامة ووقوعها
ومن أدلة الجواز: أن الوقوع ممكن كالمعجزة، وقدرة الله تعالى شاملة لهما، ولا بدع أن الملك يصدق رسوله بخرق بعض العادات، ثم يفعل مثل ذلك ببعض أتباعه إكرامًا له.
ومن أدلة الوقوع: النص القاطع بما وقع لمريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧]، وفي ولادة عيسى، ولأصحاب الكهف، ولوزير سليمان في عرش بلقيس، ونظائر ذلك
والتواتر المعنوي وإن كانت التفاصيل آحادًا في كرامات الصحابة لا سيما فيما وقع لعمر، وعلي، وتوابعهم، ومن بعدهم، إلى زماننا " (^١).
وقد ساق ابن حجر جملة من الكرامات لمن ثبتت ولايته كعمر وعلي (^٢) - ﵄ - وبعض من يدعي الولاية كابن عربي وغيره (^٣).
التقويم:
ما قرره ابن حجر من جواز الكرامة ووقوعها موافق لما عليه أهل السنة والجماعة (^٤).
_________________
(١) المنح المكية (٣/ ١٤٦٦ - ١٤٦٧)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٤٨، ٣٩٥، ٤٠٥).
(٢) انظر: الصواعق المحرقة (١/ ٢٩٣) (٢/ ٣٧٥).
(٣) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ٣٩٧ - ٣٩٩)، المنح المكية (٣/ ١٤٦٩).
(٤) انظر: كرامات الأولياء للالكائي (ص ٧٠)، وما بعدها، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٤٥)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٩٤)، وللاستزادة: كرامات الأولياء لعبد الله العنقري.
[ ٤٧٦ ]
وأما ما ذكره عن المعتزلة من إنكارهم ذلك، فهو مبني على قولهم بأن المعجزة والكرامة وخوارق السحر من جنس واحد، ومن ثم قالوا: لو أثبتنا الكرامة لاشتبهت بالمعجزة والتبس أمر النبي بالولي فنفوا الكرامة حتى يسلم لهم دليل النبوة (^١).
وقولهم باطل من وجوه، منها:
١ - أن إنكار الكرامة هو بمنزلة إنكار البدهيات، فإن العقل يدل على جوازها، والحس يدل على وقوعها (^٢)، وهو ما أشار إليه ابن حجر في كلامه السابق.
٢ - أن إنكار الكرامة مبني على القول بأن المعجزة والكرامة وخوارق السحر من جنس واحد، وهو قول باطل كما سبق (^٣).
٣ - أن الكرامة تفارق المعجزة في أمور عديدة فلا يمكن اشتباههما والتباس أصحابهما (^٤).
ومراد ابن حجر - ﵀ - بمن وافق المعتزلة من أصحابه الأشاعرة أبو إسحاق الإسفراييني (^٥)، وهو محق في الاعتذار عنه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "قالت طائفة: لا تخرق العادة إلا لنبي وكذَّبوا بما يُذكَر من خوارق السحرة والكهان، وبكرامات الصالحين.
وهذه طريقة أكثر المعتزلة بل يحكى هذا القول عن أبي إسحاق
_________________
(١) انظر: المغني (١٥/ ٢٤١ - ٢٤٣)، أعلام النبوة (ص ٦٢)، الكشاف (٤/ ١٥٠).
(٢) انظر: كرامات أولياء الله - ﷿ - للالكائي (ص ٧٠)، وما بعدها، النبوات (١/ ١٣٢)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٥٢)، الإنصاف في حقيقة الأولياء للصنعاني (ص ٦٤)، الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني (٢/ ١٠٦١)، لوامع الأنوار (٢/ ٣٩٤).
(٣) انظر: (ص ٤٣٨).
(٤) انظر: (ص ٤٧٥).
(٥) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفراييني، أشعري شافعي، من مؤلفاته: جامع الخلي في أصول الدين والرد على الملحدين، توفي سنة ٤١٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٥٣)، شذرات الذهب (٣/ ٢٠٩).
[ ٤٧٧ ]
الإسفراييني، وأبي محمد بن أبي زيد (^١) ولكن كأن في الحكاية عنهما غلطًا، وإنما أرادوا الفرق بين الجنسين" (^٢).
وأما ما ساقه ابن حجر - غفر الله له - من قصص بعض الأولياء وكراماتهم فيشوب بعضه مخالفة ما قرره أهل السنة والجماعة، بل وما قرره هو في كلامه عن الكرامات، كحكايته عن بعضهم إحياء الموتى كرامة له، وتجويزه ذلك وقوله بوقوعه، وحكايته خوارق من ثبتت عدم ولايته وصلاحه من غلاة الملاحدة كابن عربي وأمثاله.
* * *
_________________
(١) هو عبد الله بن أبي زيد القيرواني، أبو محمد، سلفي مالكي، من مؤلفاته: الرسالة، الجامع وغيرهما، توفي سنة: ٣٨٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠)، شذرات الذهب (٣/ ١٣١).
(٢) النبوات (١/ ١٢٩ - ١٣٢).
[ ٤٧٨ ]
الفصل الرابع آراؤه في الإيمان باليوم الآخر
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف اليوم الآخر.
المبحث الأول: آراؤه في الحياة البرزخية.
المبحث الثاني: آراؤه في أشراط الساعة.
المبحث الثالث: آراؤه في الحياة الآخرة.
[ ٤٧٩ ]
تمهيد في تعريف اليوم الآخر
اليوم: واحد الأيام.
يقول ابن فارس: "الياء والواو والميم كلمة واحدة، وهي اليوم: الواحد من الأيام " (^١).
والآخر: نقيض المتقدم.
يقول ابن فارس: "الهمزة والخاء والراء أصل واحد صحيح، إليه ترجع فروعه، وهو خلاف التقدم" (^٢).
والمراد باليوم الآخر هنا: يوم القيامة، ويدخل فيه كل ما كان مقدمة إليه كالحياة البرزخية، وأشراط الساعة (^٣).
وسمي بذلك "لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة" (^٤)، ويطلق عليه أسماء أخرى ذكرها أهل العلم، وأوردوا أدلتها، وبيّنوا معانيها في كتبهم بما يغني عن تسطيره (^٥).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (ص ١١١١)، وانظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٩٩٠)، الصحاح (٥/ ٢٠٦٥)، لسان العرب (١٢/ ٦٤٩)، القامودس المحيط (ص ١٥١٤).
(٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٩٣)، وانظر: تهذيب اللغة (١/ ١٣١)، الصحاح (٢/ ٥٧٦)، لسان العرب (٤/ ١١)، القاموس المحيط (ص ٤٣٦).
(٣) انظر: تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٩٣)، المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٣٣٦)، شعب الإيمان (٢/ ٥)، إحياء علوم الدين (٤/ ٤٤١)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٥)، معارج القبول (٢/ ٧٠٣)، فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٧).
(٤) فتح الباري (١/ ١١٨)، وانظر: فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٧).
(٥) انظر: إحياء علوم الدين (٤/ ٤٤١)، التذكرة في أحوال الموتى للقرطبي (١/ ٣٢٨)، النهاية لابن كثير (١/ ٣٢٣)، فتح الباري (١١/ ٤٠٣)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٦٨).
[ ٤٨٠ ]
يقول ابن حجر - ﵀ - في تقرير ذلك: "اليوم الآخر يوم القيامة الذي هو محل الجزاء على الأعمال حسنها وقبيحها" (^١).
"وهو من الموت إلى آخر ما يقع يوم القيامة، وصف بذلك لأنه لا ليل بعده، ولا يقال يوم إلا لما يعقبه ليل " (^٢).
والإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بما يكون قبله مما هو مقدمة له كالموت، وعذاب القبر، وأشراط الساعة.
والثاني: الإيمان بالبعث.
الثالث: الإيمان بالحساب والجزاء.
الرابع: الإيمان بالجنة والنار (^٣).
وقد بيّن ابن حجر﵀ - ذلك فقال: " [الإيمان] باليوم الآخر أي: بوجوده، وما اشتمل عليه من سؤال الملكين، ونعيم القبر وعذابه، والجزاء، والبعث، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، وغير ذلك" (^٤).
هذا وقد عرض ابن حجر لبعض هذه المسائل، وتحدث عنها، وفيما يلي عرض آرائه فيها وتقويمها.
* * *
_________________
(١) فتح المبين (ص ١٥١).
(٢) فتح المبين (ص ٧١).
(٣) انظر: تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٩٣)، المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٣٣٦)، شعب الإيمان (٢/ ٥)، مجموع الفتاوى (٢/ ٧٠٣)، فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٧).
(٤) فتح المبين (ص ٧١).
[ ٤٨١ ]
المبحث الأول آراؤه في الحياة البرزخية
تحدث ابن حجر - ﵀ - عن فتنة القبر، وعذابه ونعيمه، وعرض للبحث في حقيقة الروح، وفيما يلي بيان آرائه في ذلك وتقويمها.
أولًا: فتنة القبر:
١ - عموم فتنة القبر، وبيان من يستثنى منها:
ذكر ابن حجر - ﵀ - أن مما يجب الإيمان به فتنة القبر، فقال: "ومما يجب الإيمان به عذاب القبر، وسؤال الملكين منكر ونكير لغير نبي، وصبي، ومن اتصل جنونه ببلوغه بعد رد الحياة فيه بقدر ما يقعد ويفهم" (^١).
وبيّن أن فتنة القبر تعم كل ميت مقبور أو غير مقبور، سوى من استثني كمن لم يكلف، والشهيد، والمرابط، والنبي، والملك، ومن مات ليلة الجمعة أو يومها، والكافر، حيث قال:
"سؤال الملكين يعم كل ميت ولو غير مقبور كحريق وغريق وأكيل سبع.
والذي يظهر اختصاص السؤال بمن يكون له تكليف، وبه جزم غير واحد من أئمتنا الشافعية ومن ثم خالف في ذلك القرطبي وغيره فجزموا بأن الطفل يُسأل.
ولا يُسأل الشهيد كما صحت به الأحاديث، وألحق به:
_________________
(١) التعرف (ص ١٢١)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٣٦١)، الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٣٩٩، ٤٠١، ٤٣٠).
[ ٤٨٢ ]
من مات مرابطًا لظاهر حديث رواه أحمد وأبو داود، وهو: "كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمَّن من فتَّاني القبر" (^١)
والصّدّيق؛ لأنه أعلى مرتبة من الشهيد، ومنه يؤخذ انتفاء السؤال في حقه - ﷺ - وفي حق سائر الأنبياء.
وبحث بعض المحققين والحفاظ أن المَلَك لا يُسأل؛ لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يُفتن.
وفي حديث حسنه الترمذي والبيهقي وضعفه الطحاوي: "من مات ليلة الجمعة أو يومها لم يُسأل" (^٢).
ووردت أخبار بنحوه فيمن يقرأ كل ليلة سورة تبارك، وفي بعضها ضم سورة السجدة إليها.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب الرباط (٣/ ٢٠) برقم (٢٥٠٠)، والترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا (٤/ ١٤٢) برقم (١٦٢١)، وأحمد (٣٩/ ٣٧٤) برقم (٢٣٩٥١)، وابن أبي عاصم في كتاب الجهاد (٢/ ٧٠٩) برقم (٣١٨٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ١٠٢)، وابن حبان (١٠/ ٤٨٤) برقم (٤٦٢٤)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣١١) برقم (٨٠٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٧٩، ١٤٤)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٤٠) برقم (٤٢٨٧) من طرق عن عمرو بن مالك الجنبي، عن فضالة بن عبيد - ﵁ - به. قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٤٧٤).
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن يموت يوم الجمعة (٣/ ٣٨٦)، وأحمد (١١/ ١٤٧) برقم (٥٦٨٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٢٥٠) برقم (٢٧٧) من طرق عن هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - به. قال الترمذي: "حديث غريب ليس إسناده بمتصل، إنما يروى عن أبي عبد الرحمن الحلبي، عن عبد الله بن عمرو، ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعًا من عبد الله بن عمرو". وبهذا أعله الطحاوي في مشكل الآثار.
[ ٤٨٣ ]
وجزم الترمذي الحكيم (^١) (^٢) بأن المعلن بكفره لا يسأل ووافقه ابن عبد البر (^٣)، ورواه عن بعض كبار التابعين، لكن خالفه القرطبي وابن القيم، واستدلاله بآية ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وبحديث البخاري: "وأما الكافر والمنافق" (^٤) بالواو، ورجحه شيخ الإسلام ابن حجر (^٥) بأن الأحاديث متفقة على ذلك، وهي مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة" (^٦).
التقويم:
فتنة القبر: هي امتحان الميت واختباره بعد عودة الروح إلى جسده وإقعاده (^٧).
وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
"وتواترت الأحاديث عن النبي - ﷺ - في هذه الفتنة من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة وغيرهم - ﵃ -: " (^٨).
وأجمعت الأمة على وقوعها، والتعوذ بالله ﷿ منها (^٩).
وهي عامة لكل ميت مقبور وغير مقبور، وإضافتها للقبر للغالب (^١٠).
_________________
(١) هو محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، المشهور بالحكيم الترمذي؛ من مؤلفاته: ختم الولاية، ونوادر الأصول، وعلل الشريعة وغيرها، توفي سنة ٣١٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٣٩)، طبقات الشافعية الكبرى (٢/ ٢٤٥).
(٢) انظر: نوادر الأصول له (ص ٣٢٤).
(٣) انظر: التمهيد (٢٢/ ٢٥٢).
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (١/ ٤٠٨) برقم (١٣٧٤) من حديث أنس - ﵁ - به.
(٥) انظر: فتح الباري (٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
(٦) الفتاوى الحديثية (ص ٢٠).
(٧) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٧)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣).
(٨) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٧)، وانظر: (٤/ ٢٨٥)، الروح لابن القيم (١/ ٢٨٤)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٧٨)، نظم المتناثر للكتاني (ص ١٢٥).
(٩) انظر: رسالة إلى أهل الثغر للأشعري (ص ٢٧٩).
(١٠) انظر: الروح (١/ ٢٩٩)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٧٩)، شرح الصدور بشرح حال الموتى =
[ ٤٨٤ ]
وقد ورد في الأحاديث والآثار وأقوال أهل العلم استثناء نفرٍ منها (^١)، وذكر ابن حجر بعضهم في كلامه السابق، وهم:
الأول: من لم يكلف كالأطفال:
وقد اختلف الناس في امتحانهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "من ليس مكلفًا كالصغير والمجنون فهل يمتحن في قبره ويسأله منكر ونكير؟ .
على قولين للعلماء:
أحدهما: أنه يمتحن وهو قول أكثر أهل السنة.
ثانيهما: أنه لا يمتحن في قبره " (^٢).
الثاني: الشهيد:
وقد وردت الأحاديث بذلك، ومنها قوله - ﷺ -: "إن للشهيد عند الله - ﷿ - ست خصال"، وذكر منها: "ويجار من عذاب القبر" (^٣).
_________________
(١) = والقبور للسيوطي (ص ١٤٣)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٩)، جمع الشتيت في شرح أبيات التثبيت للصنعاني (ص ٨٢).
(٢) انظر: إثبات عذاب القبر للبيهقي (ص ٩٥ - ١٠٤)، التذكرة (١/ ٢٣٠)، الروح (١/ ٣٤٥)، شرح الصدور (ص ١٤٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١١)، جمع الشتيت (ص ٨٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٠)، وانظر: (٤/ ٢٥٧، ٢٧٧)، الروح (١/ ٣٦٦ - ٣٦٩)، فتح الباري (٣/ ٢٣٩)، شرح الصدور (ص ١٤٥، ١٥١)، جمع الشتيت (ص ٩٧)، فتاوى ابن عثيمين (٤/ ٢٩٤). وللاستزادة: الحياة البرزخية في الإسلام د. حسين جابر (ص ١٠٨).
(٤) أخرجه الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ثواب الشهيد (٤/ ١٨٧) برقم (١٦٦٣)، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة (٢/ ٩٣٥) برقم (٢٧٩٩)، وأحمد (٩/ ٤١٢٨) برقم (١٧١٨٢)، وابن أبي عاصم في كتاب الجهاد (٢/ ٥٣٢) برقم (٢٠٤)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٦٦) برقم (٦٢٩)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٢٥) برقم (٤٢٥٤) من طرق عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب الكندي - ﵁ - به. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب". وصححه الألباني في أحكام الجنائز (ص ٣٥ - ٣٦).
[ ٤٨٥ ]
الثالث: المرابط:
وقد وردت الأحاديث بذلك (^١)، ومنها قوله - ﷺ -: "كل ميت يختم على عمله، إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر" (^٢).
الرابع: الصّدِّيق:
ذكر ذلك القرطبي، وعلله بقوله: "إذا كان الشهيد لا يفتن فالصدِّيق أجل خطرًا، وأعظم أجرًا فهو أحرى أن لا يفتن؛ لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: ٦٩].
وقد جاء في المرابط الذي هو أقل مرتبة من الشهيد أنه لا يفتن؛ فكيف بمن هو أعلى مرتبة منه ومن الشهيد؟ والله أعلم" (^٣).
وتعقبه العلامة ابن القيم - ﵀ - فقال: "الأحاديث ترد هذا القول وتبين أن الصدِّيق يُسأل في قبره كما يُسأل غيره ولا يلزم من هذه الخاصية التي اختص بها الشهيد أن يشاركه الصدِّيق في حكمها وإن كان أعلى منه، فخواص الشهداء قد تنتفي عمن هو أفضل منهم وإن كان أعلى منهم درجة" (^٤).
الخامس: النبي:
وقد اختلف الناس في سؤاله على قولين، والخلاف فيه جار بين أهل السنة والجماعة (^٥).
_________________
(١) انظر: التذكرة (١/ ٢٣٠)، شرح الصدور (ص ١٥٠).
(٢) سبق تخريجه (ص ٤٨٣).
(٣) التذكرة (١/ ٢٣٨).
(٤) الروح (١/ ٣٥١ - ٣٥٢).
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٧)، الروح (١/ ٣٥٢)، فتح الباري (٣/ ٢٣٩)، شرح الصدور (ص ١٥٢)، فيض القدير (٢/ ١١٣)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٢)، جمع الشتيت (ص ٩٤)، فتاوى ابن عثيمين (٤/ ٢٩٤)، وللاستزادة: الحياة البرزخية لحسين جابر (ص ١١٣).
[ ٤٨٦ ]
السادس: المَلَك:
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -: "وأما المَلَك فلا أعرف أحدًا ذكره، والذي يظهر أنه لا يُسأل؛ لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يفتن" (^١).
السابع: من مات ليلة الجمعة أو يومها:
لقوله - ﷺ -: "من مات ليلة الجمعة أو يومها لم يسأل" (^٢) (^٣).
الثامن: من قرأ سورة الملك كل ليلة:
وقد وردت الأحاديث بذلك (^٤)، ومنها قوله - ﷺ -: "سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر" (^٥).
وقول ابن حجر: "في بعضها ضم سورة السجدة إليها" وهم منه؛ إذ لم يرد في فضائل سورة السجدة ذلك، وإنما غاية ما ورد أن النبي - ﷺ - كان يقرأ بهما كل ليلة (^٦) فلعله التبس عليه بهذا.
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ٢٣٩)، وانظر: لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٢).
(٢) سبق تخريجه (ص ٤٨٣).
(٣) انظر: التذكرة (١/ ٢٣٦)، الروح (١/ ٣٥٠).
(٤) انظر: التذكرة (١/ ٢٣٤)، الروح (١/ ٣٤٧).
(٥) أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ٢٦٣) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن جميل، عن أحمد بن منيع، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبش، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - به. قال الشيخ الألباني في الصحيحة (٣/ ١٣١): "سائر الرجال موثوقون معروفون فالسند حسن. وقد أخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٨) من طريق عبد الله، عن سفيان به موقوفًا أتم منه، وهو في حكم المرفوع، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. ويشهد له حديث ابن عباس ".
(٦) انظر: الأحاديث والآثار الواردة في فضائل سور القرآن الكريم د. إبراهيم علي السيد (ص ٢٨٣ - ٢٩٢)، وموسوعة فضائل سور وآيات القرآن لمحمد بن رزق الطرهوني (٢/ ٤٣ - ٥١).
[ ٤٨٧ ]
التاسع: الكافر:
اختلف أهل العلم في سؤاله، وقد نقل الخلاف عنهم ابن حجر في كلامه السابق، والصحيح سؤاله لعموم الأدلة.
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -: "من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدعي الإيمان إن محقًا وإن مبطلًا، مستنده في ذلك ما رواه عبد الرزاق (^١) من طريق عبيد بن عمير (^٢) أحد كبار التابعين قال: "إنما يفتن رجلان: مؤمن ومنافق، وأما الكافر فلا يُسأل عن محمد ولا يعرفه" (^٣).
وهذا موقوف، والأحاديث الناصة على أن الكافر يسأل مرفوعة، مع كثرة طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول" (^٤).
هؤلاء جملة من ذكرهم ابن حجر ممن يستثنى من فتنة القبر، وقد أغفل منهم من قتله بطنه، وقد صحت به الأحاديث (^٥).
٢ - اختصاص هذه الأمة بفتنة القبر:
بحث ابن حجر اختصاص هذه الأمة بفتنة القبر، وذكر أقوال أهل العلم فيها فقال:
"جزم الترمذي الحكيم (^٦) وابن عبد البر (^٧) بأن السؤال من خواص هذه الأمة؛ لحديث مسلم: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها".
_________________
(١) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني، إمام محدث، من مؤلفاته: المصنف، والتفسير، توفي سنة ٢١٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٦٣)، شذرات الذهب (٢/ ٢٧).
(٢) هو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، أبو عاصم المكي، ولد على عهد النبي - ﷺ -، قاله مسلم، وعدّه غيره من كبار التابعين، وكان قاضي أهل مكة، مجمع على ثقته، مات قبل ابن عمر. انظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٤٦٣)، سير أعلام النبلاء (٤/ ١٥٦).
(٣) انظر: المصنف (٣/ ٥٩٠).
(٤) فتح الباري (٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، وانظر: الروح (١/ ٣٥٧)، شرح الصدور (ص ١٤٣)، جمع الشتيت (ص ١٠٩).
(٥) انظر: الروح (١/ ٣٤٩).
(٦) انظر: نوادر الأصول (ص ٣٢٤).
(٧) انظر: التمهيد (٢٢/ ٢٥٣).
[ ٤٨٨ ]
وخالفهما جماعة منهم ابن القيم، وقال: ليس في هذه الأحاديث ما ينفي ذلك (^١).
وتوقف آخرون، وللتوقف وجه؛ لأن قوله "إن هذه الأمة" فيه تخصيص، فتعدية السؤال لغيرهم تحتاج إلى دليل، وعلى تسليم اختصاصه بهم، فهو لزيادة درجاتهم لخفة أهوال المحشر عليهم ففيه رفق بهم، أكثر من غيرهم؛ لأن المحن إذا فرقت هان أمرها، بخلاف ما إذا توالت فتفريقها لهذه الأمة عند الموت، وفي القبور، والمحشر، دليل ظاهر على تمام عناية ربهم بهم أكثر من غيرهم، وكان اختصاصهم بالسؤال في القبر من التخفيفات التي اختصوا بها عن غيرهم لما تقرر، فتأمل ذلك" (^٢).
التقويم:
اختلف الناس في سؤال منكر ونكير وفتنتهما، هل هي خاصة بهذه الأمة أو عامة لها ولغيرها على ثلاثة أقوال:
الأول: القول بالعموم، وهو قول جمهور أهل العلم، واستدلوا بعموم الآيات والأحاديث الواردة فيها.
الثاني: القول بالخصوصية، وهو قول بعض أهل العلم، واستدلوا عليه بما يلي:
١ - قوله - ﷺ -: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها" (^٣).
٢ - قوله - ﷺ -: "أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم" (^٤).
٣ - قوله - ﷺ -: "إنكم بي تمتحنون وعني تسألون".
_________________
(١) انظر: الروح (١/ ٣٦٤).
(٢) الفتاوى الحديثية (ص ٢٠).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه (٤/ ٢١٩٩ - ٢٢٠٠) برقم (٢٨٦٧) من حديث زيد بن ثابت - ﵁ - به.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس (١/ ٥٥) برقم (٨٦)، ومسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف (٢/ ٦٢٤) برقم (٩٠٥) من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق - ﵄ - به.
[ ٤٨٩ ]
وقول الملائكة للمقبور: "ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ " (^١).
الثالث: التوقف (^٢).
والراجح - والله أعلم - قول الجمهور، وهو القول بعموم السؤال لهذه الأمة ولغيرها.
يقول العلامة ابن القيم - ﵀ - بعد سياقه للأقوال وأدلتها: "الظاهر والله أعلم أن كل نبي مع أمته كذلك [يعني: يسأل عنه كنبينا - ﷺ - مع أمته] وأنهم معذبون في قبورهم بعد السؤال لهم وإقامة الحجة عليهم كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة، والله ﷾ أعلم" (^٣).
وأما ما استدل به القائلون بالخصوصية فإنه لا يعدو أن يكون إخبارًا عن فتنة هذه الأمة، لا عن اختصاصها بها، فلا ينافي ذلك فتنة غيرها (^٤).
وعليه فالقول بالتوقف لا وجه له، خلافًا لابن حجر - ﵀ - إذ الأدلة على العموم ظاهرة، والأدلة التي استدل بها القائلون بالخصوصية لا تعارضها.
٣ - عدد الملائكة الموكلين بالسؤال، وأسماؤهم، وصفاتهم، ولغتهم:
عرض ابن حجر - ﵀ - لعدد الملائكة الموكلين بالسؤال، وأسمائهم، وصفاتهم، ولغتهم فقال: "قول [بعضهم] اسمهما على المذنب: منكر ونكير وأما على المطيع: مبشر وبشير.
قال بعض المتأخرين: لم نقف له على أصل، ومقتضى الأحاديث استواء سائر الثاس في اسمهما وهو منكر ونكير كما في حديث عند الترمذي
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤٢/ ١٢) برقم (٢٥٠٨٩)، وإسحاق بن راهويه (٢/ ٥٩٤)، وابن مندة في الإيمان (٢/ ٩٦٧)، والبيهقي في عذاب القبر (ص ٤١ - ٤٢) برقم (٢٩)، من طرق عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، عن عائشة - ﵄ - به مطولًا. والحديث صححه المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٦٧ - ٢٦٩)، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
(٢) انظر: التذكرة (١/ ٢٢٩)، الروح (١/ ٣٦٣ - ٣٦٥)، شرح الصدور (ص ١٤٣)، جمع الشتيت (ص ٨١)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٠ - ١١).
(٣) الروح (١/ ٣٦٥).
(٤) انظر: الروح (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥).
[ ٤٩٠ ]
وقال: حسن غريب (^١).
وفي مرسل ضعيف زيادة اثنين آخرين وهما: ناكور ورومان (^٢).
فعليه يكون الملائكة الذين يسألون أربعة.
وفي صفتهما حديث ابن حبان والترمذي: "يأتيه ملكان أسودان أزرقان" (^٣).
وبما تقرر عُلِمَ أن منكرًا ونكيرًا هما اللذان يسألان المؤمن وغيره
وظاهر الأحاديث هو السؤال لسائر الناس بالعربية، نظير ما مر أنه لسان أهل الجنة، إلا إن ثبت خلاف ذلك، ولا يستبعد تكلم غير العربي بالعربية؛ لأن ذلك الوقت وقت تخرق فيه العادات " (^٤).
التقويم:
تعددت الروايات في بيان من يتولى سؤال المقبور، فورد ذكره في بعضها كرواية: "يأتيه مَلَك"، ورواية: "يأتيه ملكان"، ورواية: "يأتيه آت"، ولم يذكر في بعضها الآخر كرواية: "يُؤتى"، ورواية: "يُسأل"، ورواية: "يُقال له".
قال العلامة القرطبي - ﵀ -: "لا تعارض في ذلك - والحمد لله - بل كل ذلك صحيح المعنى:
_________________
(١) يشير إلى حديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: "إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير ". والحديث أخرجه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (٣/ ٣٨٣) برقم (١٠٧١)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٤٠٣) برقم (٨٦٤)، وابن حبان (٧/ ٣٨٦) برقم (٣١١٧)، والبيهقي في عذاب القبر (ص ٦٩) برقم (٦٨)، والآجري في الشريعة (٣/ ١٢٨٨) برقم (٨٥٨) كلهم من حديث سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة - ﵁ - به. قال الترمذي: "حديث أبي هريرة حديث حسن غريب". وقد أورده الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٧٩) برقم (١٣٩١) وقال: "إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم".
(٢) انظر: اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (٢/ ٤٣٧)، تنزيه الشريعة (٢/ ٣٧٢).
(٣) سبق تخريجه في حاشية رقم (١) من هذه الصفحة.
(٤) الفتاوى الحديثية (ص ٢١).
[ ٤٩١ ]
بالنسبة إلى الأشخاص فرب شخص يأتيانه جميعًا ويسألانه جميعًا في حال واحدة لتكون الفتنة في حقه أشد وأعظم، وذلك بحسب ما اقترف من الآثام وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد فيكون ذلك أخف في السؤال وأقل في المراجعة والعتاب لما عمله من صالح الأعمال.
وقد يحتمل وجهًا آخر وهو أن الملكين يأتيان جميعًا ويكون السائل أحدهما، وإن تشاركا في الإتيان، فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره " (^١).
وعليه فالملائكة الموكلون بسؤال القبر اثنان، والأحاديث الواردة بأنهما ثلاثة أو أربعة موضوعة (^٢).
وأما اسمهما فهو منكر ونكير، والأصل في ذلك الحديث الذي أشار إليه ابن حجر في كلامه السابق، وفيه: "يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير " (^٣).
وما قرر ابن حجر من عدم ورود الدليل على التفريق بين المؤمن والكافر في اسمي الملكين الموكلين بالسؤال، واستواء سائر الناس فيهما حق (^٤)، وقوله بضعف زيادة ناكور ورمان هو المعتمد الذي عليه أهل التحقيق (^٥).
وما ذكره من صفاتهما فهو مما صح به الخبر - كما سبق - (^٦) وقد وردت أحاديث وآثار تبين صفات أخرى لهما (^٧).
وأما البحث في لغتهما فقد سئل عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني،
_________________
(١) التذكرة (١/ ١٩٠)، وانظر: شرح الصدور (ص ١٤٢)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٧)، لوائح الأنوار السنية للسفاريني (٢/ ١٥١).
(٢) انظر: الموضوعات (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥)، اللآلئ المصنوعة (٢/ ٤٣٦).
(٣) سبق تخريجه (ص ٤٩١).
(٤) انظر: اللآلئ المصنوعة (٢/ ٤٣٧)، تنزيه الشريعة (٢/ ٣٧٢).
(٥) انظر: شرح الصدور (ص ١٤٤)، جمع الشتيت (ص ١٣٥)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٨).
(٦) انظر: (ص ٤٩١).
(٧) انظر: التذكرة (١/ ٢٠٥)، أهوال القبور لابن رجب (ص ٩)، جمع الشتيت (ص ١١٢).
[ ٤٩٢ ]
فأجاب بقوله: "سؤال الملكين ظاهر الحديث أنه بالعربي؛ لأن فيه "أنهما يقولان له: ما علمك بهذا الرجل؟ " إلى آخر الحديث، ويحتمل مع ذلك أن يكون خطاب كل أحد بلسانه" (^١).
وبهذا يظهر صواب ابن حجر - ﵀ - فيما قرره في عدد الملائكة الموكلين بالسؤال، وأسمائهم، وصفاتهم، ولغتهم، وموافقته في ذلك لما عليه المحققون من أهل العلم.
ثانيًا: عذاب القبر ونعيمه:
١ - وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه:
يرى ابن حجر - ﵀ - وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، حيث قال: "ومما يجب الإيمان به عذاب القبر " (^٢).
التقويم:
المراد بعذاب القبر ونعيمه: ما يحصل في البرزخ من العذاب والنعيم.
يقول الحافظ السيوطي - ﵀ -: "قال العلماء: عذاب القبر هو عذاب البرزخ، أضيف إلى القبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت إذا أراد الله تعذيبه ناله ما أراد به قبر أو لم يقبر وكذا القول في النعيم" (^٣).
والأصل في ثبوته ووجوب الإيمان به الكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام: ٩٣].
فقول الملائكة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ دليل واضح على عذاب
_________________
(١) الأجوبة المهمة له (ص ٣٣)، وانظر: شرح الصدور (ص ١٤٦)، جمع الشتيت (ص ١٣٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١١).
(٢) التعرف (ص ١٢١).
(٣) شرح الصدور (ص ١٨١)، وانظر: الروح (١/ ٣٣٢).
[ ٤٩٣ ]
القبر ولو تأخر عنهم العذاب إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ (^١).
وقوله سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١].
فالمراد بقوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ عذاب الدنيا بالمصائب، وعذاب القبر، وأما عذاب الآخرة فقد ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (^٢).
وقال ﷿: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦].
فالعذاب الحاصل لآل فرعون إنما كان بعد موتهم وهو عذاب القبر، وأما عذاب الآخرة فهو مذكور بعده في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، ولهذا فإن "هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور" (^٣).
وأما السُّنَّة: فقد تواترت الأحاديث الدالة على عذاب القبر، وتعدد رواتها فبلغوا تسعة وثلاثين صحابيًّا (^٤)، ونص على ذلك جماعة من أهل العلم (^٥).
_________________
(١) انظر: الروح (١/ ٣٣٧).
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (٦/ ٤٥٦)، تفسير ابن كثير (٢/ ٤٢٣).
(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٨٥)، وانظر: الروح (١/ ٣٣٧).
(٤) ذكر البيهقي في كتابه إثبات عذاب القبر رواياتهم بطرق متعددة.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٥)، الروح (١/ ٢٨٤)، مفتاح دار السعادة لابن القيم (١/ ٤٣)، أهوال القبور لابن رجب (ص ٤٥)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٥٧٨)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٥)، نظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص ١٢٥)، سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٩٥).
[ ٤٩٤ ]
أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة وأئمتها على إثبات الثواب والعقاب في البرزخ (^١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "مذهب سائر المسلمين، بل وسائر أهل الملل إثبات الثواب والعقاب في البرزخ" (^٢).
وعليه فما قرره ابن حجر من وجوب الايمان بعذاب القبر ونعيمه موافق لقول أهل السنة والجماعة.
٢ - وقوع عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد:
سئل ابن حجر هل عذاب القبر على الروح والجسد أم على أحدهما؟
فأجاب بقوله: "الأصح أن العذاب على الروح والجسد" (^٣).
التقويم:
اختلف الناس في عذاب القبر هل هو واقع على الروح؟ أم الجسد؟ أم هما جميعًا؟ .
والقول بوقوع عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد محل اتفاق أهل السنة والجماعة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح منفردة عن البدن" (^٤).
ومما يشهد لذلك ويدل عليه الأحاديث الواردة في إعادة روح المقبور إلى بدنه عند السؤال، واختلاف أضلاعه إذا لم يوفق للإجابة، وهي مخرجة من طرق مختلفة عن عدة من الصحابة - ﵃ - (^٥).
_________________
(١) انظر: اعتقاد أئمة الحديث لأبي بكر الإسماعيلي (ص ٦٩)، شرح صحيح مسلم (١٧/ ٢٠٠)، مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢)، الروح (١/ ٢٨٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢).
(٣) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٠١).
(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٢).
(٥) انظر: إثبات عذاب القبر للبيهقي (ص ٥٠ - ٥٣).
[ ٤٩٥ ]
وبسط أدلة هذا القول، ومحاجة من خالفه، مذكورة في مواضعها من كتب أهل العلم (^١).
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في هذه المسألة موافق لما عليه أهل السنة والجماعة.
ثالثًا: حقيقة الروح:
يرى ابن حجر - ﵀ - الإمساك عن الكلام في حقيقة الروح؛ امتثالًا لكتاب الله ﷿ واقتداء بالنبي - ﷺ - وتأدبًا معهما حيث يقول: "الروح لم يتكلم عليها - ﷺ - فنمسك عنها أدبًا.
وجمهور الخائضين أنها جسم لطيف سار في البدن سريان ماء الورد به؛ لأنها وصفت بأوصاف الجسم في الكتاب والسنة" (^٢).
التقويم:
الروح: مأخوذة من الريح.
يقول ابن فارس: "الراء والواو والحاء أصل كبير مطّرد، يدل على سعة وفسحة واطّراد، وأصل ذلك كله الرّيح، وأصل الياء في الريح الواو، وإنما قلبت ياءً لكسرة ما قبلها، فالروح رُوح الإنسان، وإنما هو مشتق من الريح، وكذا الباب كله" (^٣).
ولفظ (الروح) يطلق على معان عدة، منها: القرآن، والوحي، وجبريل، والقوة، والمسيح ابن مريم، وروح الإنسان التي بها حياته (^٤) -وهي المراد بالبحث هنا-.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢ - ٢٧٠، ٢٨٢ - ٢٩٩)، الروح (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، أهوال القبور (ص ٧٨ - ٨٠)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٧٩)، فتح الباري (٣/ ٢٣٥)، (١١/ ٣٦٦)، شرح الصدور (ص ١٨١)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٤).
(٢) التعرف (ص ١٢٠)، وانظر: الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٣٩٣).
(٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٤٢٨)، وانظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٣١٢)، الصحاح (١/ ٣٦٧)، لسان العرب (٢/ ٤٥٥)، القاموس المحيط (ص ٢٨٢).
(٤) انظر: الروح (٢/ ٦٥٩)، فتح الباري (٨/ ٤٠٢)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٩).
[ ٤٩٦ ]
وقد اختلف الناس في الخوض فيها بناء على اختلافهم في المراد بالروح التي وقع السؤال عنها في قوله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] (^١).
فمن فسرها بروح الإنسان التي بها حياته، أمسك عن الكلام فيها، ومن فسرها بغيرها خاض في ذلك (^٢).
واختلف الخائضون في بيان حقيقتها، وتعددت مذاهبهم في ماهيتها.
يقول العلامة السفاريني - ﵀ -: "اختلف الناس في حقيقة الروح؛ وهل هي النفس أو غيرها، وهل هي جزء من البدن، أو عرض من أعراضه، أو جسم مساكن له مودع فيه، أو جوهر مجرد؟
وقد تكلم الناس في هذه المسائل من سائر الطوائف، واضطربت فيها أقوالهم، وكثر فيها خطؤهم، ومن الناس من أمسك عن الكلام والخوض فيها لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، وهدى الله أتباع الرسول وسلف الأمة وأهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قال ابن القيم بعد ما ساق أقوال الناس في حقيقة الروح: "والصحيح أن الروح جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الوِرْد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي هذا الجسم اللطيف متشابكًا بهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحسن والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط عليها
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ١٤١)، تفسير السمعاني (٣/ ٢٧٤)، تفسير البغوي (٥/ ١٢٥)، تفسير القرطبي (١٠/ ٣٢٣)، تفسير ابن كثير (٣/ ٦٨).
(٢) انظر: فتح الباري (١/ ٢٢٤) (٨/ ٤٠٢ - ٤٠٤).
[ ٤٩٧ ]
وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح" (^١) وذكر لكلامه مائة دليل وستة عشر دليلًا وأجاد وأفاد" (^٢).
وبهذا يظهر أن القول بالإمساك عن البحث في حقيقة الروح وإن كان مأثورًا عن بعض أهل العلم، إلا أن جمهورهم على خلافه، وأكثرهم على ما قرره العلامة ابن القيم - ﵀ - في كلامه السابق.
* * *
_________________
(١) انظر: كلام ابن القيم في كتابه الروح (٢/ ٥٧٣ - ٦١٥).
(٢) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٩)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٤٠ - ٣٤٢، ٥/ ١١٥ - ١١٦)، درء التعارض (٨/ ٥٢)، الروح (٢/ ٥٧٣ - ٦١٥)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٦٥).
[ ٤٩٨ ]
المبحث الثاني آراؤه في أشراط الساعة
عرف ابن حجر - ﵀ - أشراط الساعة، وبيّن أقسامها، وتحدث عن بعضها، وفيما يلي بيان آرائه في ذلك وتقويمها.
أولًا: تعريف أشراط الساعة:
عرف ابن حجر - ﵀ - أشراط الساعة، وبيّن أقسامها فقال: "الساعة: يوم القيامة، سمي بها مع طول زمنه اعتبارًا بأول أزمنته، فإنها تقوم بغتة في ساعة
وأَماراتها: بفتح الهمزة أي: أشراطها وعلاماتها الدالة على اقترابها
ولها أمارات صغار وعظام " (^١).
التقويم:
الأشراط: جمع شرط، والشَّرَطُ بالتحريك العلامة، وأشراط الشيء أوائله.
قال ابن فارس: "الشين والراء والطاء أصل يدل على عَلَم وعلامة " (^٢).
والساعة: قطعة من الزمان، وفي عرف أهل الميقات: جزء من أربعة
_________________
(١) فتح المبين (ص ٨١ - ٨٣).
(٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٥٥٥)، تهذيب اللغة (٢/ ١٨٥٦)، الصحاح (٣/ ١١٣٦)، لسان العرب (٧/ ٣٢٩)، القاموس المحيط (ص ٨٦٩).
[ ٤٩٩ ]
وعشرين جزءًا من اليوم والليلة (^١).
والمراد بها هنا: يوم القيامة، واختلف في سبب تسميته بذلك، فقيل: "إشارة إلى أنها ساعة خفيفة يقع فيها أمر عظيم، وقيل: لوقوعها بغتة، أو لطولها، أو لسرعة الحساب فيها، أو لأنها عند الله خفيفة مع طولها على الناس" (^٢).
وعليه فأشراط الساعة: هي العلامات والآيات التي تسبق قيام الساعة وتدل على قربها (^٣).
وقد اختلفت عبارات أهل العلم في تقسيمها، وتعددت مناهجهم في ذكرها (^٤)، والمشهور تقسيمها إلى قسمين:
الأول: الأشراط الكبرى:
وهي التي تظهر قرب قيام الساعة، وإذا ظهر أولها تتابعت سريعًا، وتكون غير معتادة الوقوع.
وهي العشر الواردة في حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ - وفيه: "أشرف علينا رسول الله - ﷺ - من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا" (^٥).
والثاني: الأشراط الصغرى:
وهي التي تتقدم قيام الساعة بأزمان متطاولة، ولا تزال، وتكون في
_________________
(١) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (ص ١٨٩).
(٢) فتح الباري (١١/ ٣٨٩).
(٣) انظر: المصدر السابق (١٣/ ٧٩).
(٤) انظر: مقدمة الدكتور محمد العقيل في تحقيقه لكتاب القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة للسخاوي (ص ٦٣).
(٥) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (٤/ ٢٢٢٥) برقم (٢٩٠١).
[ ٥٠٠ ]
أصلها معتادة الوقوع، وهي كل ما عدا العشر المتقدمة (^١).
وقد جرى ابن حجر - ﵀ - على هذا التقسيم، وذكر جملة من الأشراط، وسأورد كلامه فيها وفقًا لذلك.
ثانيًا: أشراط الساعة الصغرى:
أورد ابن حجر - ﵀ - جملة من أشراط الساعة الصغرى، أجمل في بعضها وفصل في أخرى، وسأكتفي بالإحالة فيما أجمله، والتفصيل فيما فصله.
فأما ما أجمله منها فهو:
• بعثته - ﷺ - (^٢).
• ولادة الأمة ربتها (^٣).
• التطاول في البنيان (^٤).
• التساهل في الكسب من الحرام (^٥).
• فشو الربا (^٦).
• تعلق الناس بالدينار والدرهم (^٧).
وأما ما فصله فهو: ظهور المهدي، وتخريب الكعبة، ونفي المدينة شرارها، وفيما يلي بيان آرائه فيها وتقويمها:
١ - ظهور المهدي:
قرر ابن حجر تواتر الأخبار بظهور المهدي، واستفاضتها بأخباره حيث قال:
"تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى - ﷺ - بمجيء المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١٣/ ٩١).
(٢) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ٣٦٧).
(٣) انظر: فتح المبين (ص ٨٣).
(٤) انظر: المصدر السابق (ص ٨٤).
(٥) انظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٦٩).
(٦) انظر: المصدر السابق (ص ٤٢٥).
(٧) انظر: المصدر السابق (ص ٤٠٣).
[ ٥٠١ ]
عدلًا، وأنه يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه في طول من قصته وأمره" (^١).
وبيّن ابن حجر حقيقته وأنه من ولد النبي - ﷺ -، وأجاب عما ورد فيه من كونه من ولد عمه العباس أوهو عيسى ابن مريم نفسه، حيث قال: "هذه كلها لا تنافي ما تقرر أولًا من أنه من ذريته - ﷺ - ومن ولد فاطمة؛ لأن أحاديثه أكثر وأصح
ويمكن الجمع بأنه لا مانع من أن يكون من ذريته - ﷺ - وللعباس فيه ولادة من جهة أن في أمهاته عباسية
وفي حديث "لا مهدي إلا عيسى ابن مريم" (^٢) على أنه ضعيف.
والذي في الأحاديث الثابتة التصريح بأنه من عترته من ولد فاطمة، فوجب تقديمها عليه" (^٣).
وسئل عن مكان خروجه، فأجاب بقوله: "ثبت في أحاديث أنه يخرج من قبل المشرق، وأنه يبايع له بمكة بين الركن والمقام، ويسكن بيت المقدس" (^٤).
وقرر "أن خروج المهدي قبل نزول عيسى ﵇ وأما ما قيل إنه بعد
_________________
(١) القول المختصر (ص ٣٠)، وانظر: (ص ٨٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب شدة الزمان (٢/ ١٣٤٠) برقم (٤٠٣٩)، والحاكم (٤/ ٤٤١)، والخطيب في تاريخه (٤/ ٢٢١) من طريق محمد بن خالد الجَنَدي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك - ﵁ - به. والحديث بهذا الإسناد لا يصح؛ وذلك لعنعنة الحسن، وجهالة محمد بن خالد الجَنَدي، ووقوع الاختلاف في سنده بين الوصل والإرسال، وقد ضعفه بهذه العلل الذهبي في الميزان (٣/ ٥٣٥)، والشوكاني في الفوائد المجموعة (ص ١٩٥)، والألباني في السلسة الضعيفة (١/ ١٧٥).
(٣) القول المختصر (ص ٢٩ - ٣٠)، وانظر: الصواعق المحرقة (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٦).
(٤) الفتاوى الحديثية (ص ٢٥٠).
[ ٥٠٢ ]
نزوله، فبعيد والأحاديث ترد على قائله، فلا ينظر إليه" (^١).
وقد أفاض ابن حجر ﵀ في ذكر علامات المهدي وخصوصياته التي جاءت عن النبي - ﷺ - (^٢)، والصحابة (^٣)، والتابعين، وتابعيهم (^٤).
التقويم:
وردت الأحاديث عن النبي - ﷺ - بظهور المهدي، وتكاثرت في الدلالة على ذلك، واختلف الناس في ثبوتها، والمحققون من أهل العلم على تواترها (^٥).
يقول العلامة الشوكاني ﵀: "الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضًا لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك" (^٦).
_________________
(١) القول المختصر (ص ٨٥)، وانظر: الصواعق (٢/ ٤٨٠).
(٢) انظر: القول المختصر (ص ٣١ - ٥٣)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٥٥ - ٦٣)، الصواعق المحرقة (٢/ ٤٧٦ - ٤٨٠).
(٣) انظر: القول المختصر (ص ٥٤ - ٦٦).
(٤) انظر: المصدر السابق (ص ٦٧ - ٨٠).
(٥) انظر: المنار المنيف (ص ١٤٢)، القناعة في ما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة للسخاوي (ص ٧٩)، الإشاعة لأشراط الساعة للبرزنجي (ص ١٣٩)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٨٤)، الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة لصديق حسن خان (ص ١٤٩)، نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (ص ١٤٥)، الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر للتويجري (ص ٤٣)، إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة له أيضًا (٢/ ٢٩٠)، عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر للعباد (ص ١٧١)، وللاستزادة: المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة للبستوي (ص ٤٠)، المهدي لمحمد إسماعيل المقدم (ص ٣٣).
(٦) نقل ذلك عنه صديق حسن خان في الإذاعة (ص ١٥٠)، وعزاه إلى رسالة له بعنوان التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح، وبعد البحث فيما طبع من كتبه ومنها الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني لم أجدها.
[ ٥٠٣ ]
"وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال:
أحدها: أنه المسيح ابن مريم، وهو المهدي على الحقيقة، واحتج أصحاب هذا بحديث محمد بن خالد الجَنَدي المتقدم، وقد بينّا حاله، وأنه لا يصح، ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله - ﷺ - وبين الساعة
الثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس، وقد انتهى زمانه وهذا المهدي الذي تولى من بنى العباس ليس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين، وعمر بن عبد العزيز كان مهديًا، بل هو أولى باسم المهدي منه
الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي - ﷺ -، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان، وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملأها قسطًا وعدلًا، وأكثر الأحاديث على هذا تدل
الرابع: أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار " (^١) وهو قول الرافضة الإمامية (^٢).
وما قرره ابن حجر ﵀ بشأن المهدي من كونه من ولد النبي - ﷺ -، وأنه يخرج من قبل المشرق، وأن خروجه قبل نزول عيسى ﵇ موافق لما قرره أهل العلم - ﵏ - (^٣).
وأما ما ذكره من علاماته وخصوصياته فقد اعتمد فيها على النقل عن
_________________
(١) المنار المنيف (ص ١٤٨ - ١٥٢)، وانظر: منهاج السنة (٨/ ٢٥٤).
(٢) انظر: أصول الكافي للكليني (١/ ٣٢٨)، الغيبة للطوسي (ص ١٤٢).
(٣) انظر: التذكرة (٢/ ٤٤٩)، النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (١/ ٤٩)، القناعة (ص ٧٨)، الإشاعة (ص ١٣٩)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٨٤)، الإذاعة (ص ١٤٩)، إتحاف الجماعة (٢/ ٢٩٠)، الاحتجاج بالأثر (ص ٢٨)، عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي (ص ٢٥٥)، المهدي للبستوي (ص ١٤٣)، المهدي لمقدم (ص ٣٣).
[ ٥٠٤ ]
غيره دون التحقق من صحته؛ ولهذا كثر فيها الضعف والوضع (^١).
٢ - خراب الكعبة:
يقول ابن حجر: "صح عنه - ﷺ - أنه قال: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" (^٢)، أي: الذي له ساقان دقيقان، فالتصغير لذلك
وهذا الهدم يكون في زمن عيسى صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين قاله الحليمي (^٣) (^٤).
وقال غيره: بل يكون بعد موته، وبعد رفع القرآن، وصححه بعض المتأخرين، ويؤيده حديث البخاري: "ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج" (^٥).
فإن قلت: هل يمكن الجمع بين القولين بتقدير صحتهما؟
قلت: يمكن؛ إذ يحتمل أنه يهدم بعضه في زمن عيسى فيُبْعث إليه فيهرب، ثم بعد موته ورفع القرآن يعود ويكمل هدمه، إشارة إلى هدم معالم الدين من أصلها وأنه لم يبق في الأرض منها بقية أصلًا، بل لم يبق على ظهرها من يقول: الله الله
وعُلِمَ مما نقل أن هذا التخريب لا ينافي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] لما تقدم أن تخريبه مقدمة لخراب
_________________
(١) انظر: الانتقادات عليه إجمالًا فيما ذكره البستوي في كتابه المهدي المنتظر (ص ١٣٠) وعداب الحمش في كتابه المهدي (ص ٦٧)، وتفصيلًا في الموسوعة في أحاديث المهدي للبستوي، وحواشي تحقيق الدكتور عبد الرحمن التركي لكتاب القول المختصر.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب هدم الكعبة (١/ ٤٧٦) برقم (١٥٩٦)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكانه (٤/ ٢٢٣٢) برقم (٢٩٠٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.
(٣) هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الفقيه، أشعري شافعي، من مؤلفاته: المنهاج في شعب الإيمان، وآيات الساعة وأحوال القيامة، توفي سنة ٤٠٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣١)، شذرات الذهب (٣/ ١٦٧).
(٤) انظر: المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٤٢٩).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (١/ ٤٧٥) برقم (١٥٩٣) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - به.
[ ٥٠٥ ]
الدنيا فكونه آمنًا محترمًا إنما هو قبل ذلك، على أن الحكم بالحرمة والأمن باق إلى يوم القيامة وكذا وجودهما بالفعل، لكن باعتبار أغلب أوقاته وإلا فكم وقع فيه من قتال وإخافة لأهله جاهلية وإسلامًا " (^١).
التقويم:
خراب الكعبة - شرفها الله - أمر ثابت، وهو من أشراط الساعة التي لم تقع بعد (^٢).
واختلف أهل العلم في وقت وقوعه:
فقيل: إنه زمن عيسى ﵇.
وقيل: إنه بعده وبعد هلاك يأجوج ومأجوج.
وقيل: إنه بعد خروج الدابة.
وقيل: إنه بعد الآيات كلها وقرب قيام الساعة حين ينقطع الحاج ولا يبقى في الأرض من يقول: الله الله (^٣).
قال ابن كثير ﵀: "الكعبة يحجها الناس ويعتمرون بها بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم وطمأنينة الناس وكثرة أرزاقهم في زمان المسيح ﵇ ثم يبعث الله ريحًا طيبة فيقبض بها روح كل مؤمن، ويتوفى نبي الله عيسى ﵇ ويصلي عليه المسلمون، ويدفن بالحجرة النبوية مع رسول الله - ﷺ -، ثم يكون خراب الكعبة على يد ذي السويقتين بعد هذا، وإن كان ظهوره في زمن المسيح " (^٤).
وبهذا يظهر - والله أعلم - أن القول الصحيح أن ظهور ذي السويقتين
_________________
(١) المناهل العذبة في إصلاح ما وهي من الكعبة (ص ٨٧ - ٩٠)، وانظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٢٥ - ٣٢٦)، القول المختصر (ص ١٠٤).
(٢) انظر: النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٠٢)، القناعة (ص ٩٠)، الإشاعة (ص ٢٤٢)، إتحاف الجماعة (٣/ ٢١٠)، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٢٣١).
(٣) انظر: النهاية (١/ ٢٠٢ - ٢٠٤)، القناعة (ص ٩٠)، الإشاعة (ص ٢٤٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٢٤).
(٤) النهاية في الفتن الملاحم (١/ ٢٠٤)، وانظر: الإذاعة (ص ٢٠٥).
[ ٥٠٦ ]
في زمن عيسى، وأما تخريبه الكعبة فبعد هلاك يأجوج ومأجوج ووفاة عيسى ﵇ وخروج الريح التي تقبض روح كل مؤمن، وقرب قيام الساعة حين ينقطع الحج ولا يبقى في الأرض من يقول: الله الله.
وبتقرير ما سبق يظهر - والله أعلم - أن ما ذكره ابن حجر في الجمع بين القول بوقوعها قبل عيسى والقول بوقوعها بعده غير صحيح.
وأما ما ذكره من كون خرابها لا ينافي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] فهو ظاهر، وقد قرره غير واحد من أهل العلم (^١).
٣ - نفي المدينة شرارها:
قال ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث: "لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد" (^٢).
"لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها:
إما بأن يضيق عليهم المعيشة فيها فيخرجون إلى بلاد السعة.
وإما بأن يزيد شرهم وأذاهم لبقية أهلها فيوقع الله في قلوبهم الخروج منها كرهًا عليهم وإن كانت معيشتهم مستقيمة بها.
وإما بأن يتوجه أهل الطاعة بالنبي - ﷺ - في إخراجهم من بينهم لما في بقائهم من المفاسد وخروجهم من المصالح فيلقي الله تعالى الرعب في قلوبهم فيخرجون هاربين خائفين على غاية من الذلة والجهادة والحقارة.
وهذا كله إن قلنا إن هذا النفي في أزمنة متفرقة قبل خروج الدجال وهو أحد احتمالين
وثانيهما: أنه مختص بزمن الدجال لأنه إذا قصد المدينة رجفت ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٣/ ٥٣٩)، الإشاعة (ص ٢٤٣).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها (٢/ ١٠٠٥) برقم (١٣٨١) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.
[ ٥٠٧ ]
وقيل: يحتمل أنه - ﷺ - لأن بعثته من أشراط الساعة وعلاماتها" (^١).
التقويم:
نفي المدينة شرارها من أشراط الساعة الصغرى، والمراد به: إخراج المدينة النبوية الشريفة من سكنها وهو خبيث ونفيها له (^٢).
واختلف أهل العلم في زمن وقوعه:
فمنهم من قال بأن هذا مختص بزمن النبي - ﷺ - لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام بالمدينة إلا من ثبت إيمانه.
ومنهم من قال بأن هذا مختص بزمن الدجال (^٣).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "يحتمل أن يكون المراد كلًّا من الزمنين، وكان الأمر في حياته - ﷺ - كذلك للسبب المذكور، ويؤيده قصة الأعرابي فإنه - ﷺ - ذكر هذا الحديث معللًا به خروج الأعرابي وسؤاله الإقالة عن البيعة (^٤).
ثم يكون ذلك أيضًا في آخر الزمان عندما ينزل بها الدجال فترجف بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه
وأما ما بين ذلك فلا" (^٥).
وبهذا التقرير يظهر أن ما ذكره ابن حجر في معنى نفي المدينة شرارها وزمن وقوع ذلك اجتهاد منه لا يوافق عليه، فإن القول بعموم ذلك في الأزمنة المتفرقة لا يصح.
وقوله في احتمال خروجهم منها بسبب توجه أهل الطاعة بالنبي - ﷺ -
_________________
(١) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٤٣).
(٢) انظر: الإشاعة (ص ٥٢)، إتحاف الجماعة (٢/ ١٧٣)، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٢٢٥).
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٩/ ١٥٤)، فتح الباري (٤/ ٨٨)، الإشاعة (ص ٥٢).
(٤) القصة أخرجها البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب المدينة تنفي الخبث (٢/ ١٠٠٦) برقم (١٣٨٣) من حديث جابر - ﵁ -.
(٥) فتح الباري (٤/ ٨٨).
[ ٥٠٨ ]
جار على قوله في التوسل وقد سبق رده (^١).
ثالثًا: أشراط الساعة الكبرى:
ذكر ابن حجر ﵀ جملة من أشراط الساعة الكبرى، منها:
١ - خروج الدجال:
قال ابن حجر: "الدجال يخرج في زمن المهدي فهو من علاماته
قال النووي وغيره: كان السلف يستحبون أن يُلَقَّن الصبيان أحاديث الدجال ليحفظوها وترسخ في قلوبهم ويتوارثها الناس (^٢)؛ لقوله - ﷺ -: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق كبر من الدجال" (^٣)
وورد له علامات:
خروجه من خراسان أو من أصبهان
أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافئة - أي بالهمزة: ذاهبة النور وفُقئت فطفئت - وفي رواية: "اليسرى"، وفي أخرى: "ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة" وبها عُلم أن له عينًا ممسوحة وعينًا عوراء، ثم رأيت بعضهم جمع بأن العَوَر في اللغة: العيب، وعيناه كذلك، وهو موافق لما ذكرته.
ومكتوب بين عينيه: (ك ف ر) يقرؤه كل مؤمن قارئ وغيره.
معه جنة هي نار، وعكسه، ينجو من ناره من قرأ فواتح الكهف، ونهر يُرى ماؤه أبيض، ونهر عكسه، وهو الماء البارد " (^٤).
"وأنه يصيح ثلاث صيحات، فيسمعهن أهل المشرق وأهل المغرب.
وأنه يطأ الأرض كلها إلا مكة والمدينة، وكذا بيت المقدس، ومسجد الطور كما في رواية، إلا دمشق وعسقلان، وما جاء فيهما لا يثبت
_________________
(١) انظر: (ص ٢٥٩).
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم (١٨/ ٥٨).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في بقية من أحاديث الدجال (٤/ ٢٢٦٦) برقم (٢٩٤٦) من حديث هشام بن عمار - ﵁ - به.
(٤) القول المختصر (ص ٩١ - ٩٣).
[ ٥٠٩ ]
يلبث أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم .. " (^١).
"ومن فتنته: أن يقول للأعرابي: أبعث لك أبويك وتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان بصورتيهما، ويقولان: يا بني اتبعه فإنه ربك.
وأنه يسلط على نفس واحدة فينشرها شقين، ثم يمشي بينهما ويقول: انظروا فإني أبعثه الآن ثم يزعم أن له ربًا غيري! ! ثم يبعثه الله، فيقول: أنت عدو الله الدجال
ويأمر السماء فتمطر، والأرض أن تنبت فتُنبت، ويأمر النهر أن يسيل فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس
ويمر بالحي فيكذبونه فلا يبقي لهم سائمة إلا هلكت، وبالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر والأرض أن تنبت فترعى مواشيهم في يومها، وتكون فيه أسمن ما كانت وأملأ ضروعًا.
ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل " (^٢).
"وكان موجودًا في العهد النبوي، وهو محبوس ببعض الجزائر، وليس هو ابن صياد (^٣) كما دل عليه حديث الجساسة في مسلم (^٤)، وكون ابن صياد فيه كثير من صفاته لا يقتضي أنه هو " (^٥).
_________________
(١) القول المختصر (ص ٩٤ - ٩٥).
(٢) المصدر السابق (ص ٩٣ - ٩٤).
(٣) هو صافي وقيل: عبد الله، اشتهر بابن صياد أو صائد كان من يهود المدينة، وقيل: من الأنصار، وكان صغيرًا عند قدوم النبي - ﷺ - المدينة، وذكر ابن كثير أنه أسلم بعد وفاة النبي - ﷺ - وكان ابنه عُمارة من سادات التابعين، اختلف فيه اختلافًا كثيرًا وتضاربت أقوال أهل العلم فيه. انظر: شرح صحيح مسلم (١٨/ ٤٦)، النهاية (١/ ١١٨، ١٧٣)، فتح الباري (٦/ ١٧٣، ١٠/ ٢٥٨، ١٣/ ٣٢٣).
(٤) انظر: صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في خروج الدجال ومكثه في الأرض (٤/ ٢٢٦١) برقم (٢٩٤٢).
(٥) القول المختصر (ص ٩٦)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٣٨٥)، فتح الإله (ص ٣٤٤، ٣٤٩).
[ ٥١٠ ]
التقويم:
خروج الدجال من أشراط الساعة الكبرى بدلالة السنة المتواترة (^١).
ومنها حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ - وفيه: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات، وذكر منها الدجال" (^٢).
والدجال: المموه الكذاب، وإذا أطلق انصرف إلى المسيح الأعور (^٣).
والذي تدل عليه الأحاديث أنه أول الأشراط الكبرى وقوعًا (^٤).
وما ذكره ابن حجر في علامات الدجال، وأحوال فتنته وارد في عدة أحاديث، منها:
حديث النواس بن سمعان - ﵁ - حيث قال: "ذكر رسول الله - ﷺ - الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا فسألناه، فقلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، قال: "غيرُ الدجال أخوفني عليكم، فإن يخرج وأنا فيكم فانا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب جعدٌ قططٌ عينه طافية، وإنه يخرج خلّة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وشمالًا يا عباد الله اثبتوا". قلنا: يا رسول الله ما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كلجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي هو كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: "لا، اقدروا له قدره". قلنا: يا رسول الله فما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح، قال: فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت وتروح عليهم سارحتهم وهي أطول ما كانت ذُرَى
_________________
(١) انظر: التذكرة (٢/ ٥٢١)، النهاية (١/ ١٠٣)، القناعة (ص ١٠)، الإشاعة (ص ١٨٨)، الإذاعة (ص ١٨٨)، إتحاف الجماعة (٢/ ٣٢٢)، قصة المسيح الدجال للألباني، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٢٧٥).
(٢) سبق تخريجه (ص ٥٠٠).
(٣) انظر: التذكرة (٢/ ٥٢١).
(٤) انظر: فتح الباري (١١/ ٣٥٣).
[ ٥١١ ]
وأمده خواصر وأسبغه ضروعًا، ويمر بالحي فيدعوهم، فيردوا عليه قوله، فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، قال: ويأمر برجل فيُقتل، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل إليه يتهلل وجهه، قال: فبينا هو على ذلك إذ بعث الله ﷿ المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا يده على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لد الشرقي" (^١).
وحديث أنس - ﵁ - وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال: "مما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر" (^٢).
وقول ابن حجر بأن المراد بالعور في عينيه عيبهما جمعًا بين الروايات موافق لما قرره جمع من أهل العلم (^٣).
وقوله بأنه يطأ الأرض كلها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس والطور حق. إذ استثناء مكة والمدينة وارد في أحاديث عدة، والقول بمقتضى ذلك هو مذهب الجمهور سوى من شذ (^٤).
واستثناء بيت المقدس والطور وارد في حديث جنادة بن أمية عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - وفيه أن النبي - ﷺ - قال: "لا يأتي - يعني: الدجال - أربعة مساجد: الكعبة، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى، والطور" (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥٠) برقم (٢١٣٧).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٢٧)، برقم (٧١٣١)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته ومن معه (٤/ ٢٢٤٨) برقم (٩٣٣).
(٣) انظر: التذكرة (٢/ ٥٢٩)، شرح صحيح مسلم (٢/ ٢٣٥)، النهاية (١/ ١٦٥).
(٤) انظر: فتح الباري (٤/ ٩٦).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥/ ١٤٧ - ١٤٨)، وأحمد (٣٨/ ١٨٠) برقم (٢٣٠٩٠) (٣٩/ ٨٨ - ٩٠) برقم (٢٣٦٨٣، ٢٣٦٨٤، ٢٣٦٨٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٤/ ٣٧٩) برقم (٥٦٩٢) من طرق عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أمية - ﵁ - به. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٤٣): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح".
[ ٥١٢ ]
وحكمه بضعف الأحاديث الواردة في استثناء دمشق وعسقلان صواب كما حققه الحافظ السخاوي ﵀ (^١).
وأما ما قرره من كون الدجال موجودًا في عهد النبي - ﷺ - فيدل عليه حديث الجساسة المشهور (^٢).
وقوله بأنه ليس ابن صياد، وتعليله ذلك بأن مشابهة ابن صياد له في كثير من صفاته لا تقتضي أن يكون هو، موافق لقول جماعة من أهل العلم، وهو الصحيح - إن شاء الله - (^٣).
يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "الصحيح أن الدجال غير ابن صياد، وأن ابن صياد كان دجالًا من الدجاجلة ثم تاب بعد ذلك، فأظهر الإسلام والله أعلم بضميره وسيرته، وأما الدجال الأكبر فهو المذكور في حديث فاطمة بنت قيس الذي روته عن رسول الله - ﷺ - عن تميم الداري وفيه قصة الجساسة" (^٤).
٢ - نزول عيسى ﵇:
يقول ابن حجر ﵀: "خروج المهدي قبل نزول عيسى ﵇ وأما ما قيل: إنه بعد نزوله فبعيد، والأحاديث ترد على قائله، فلا ينظر إليه" (^٥).
"والأشهر ما صح في مسلم أنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق.
وفي رواية: بالأردن.
وفي أخرى: بعسكر المسلمين.
ولا تنافي لأن عسكرهم بالأردن ودمشق وبيت المقدس من ذلك" (^٦)
_________________
(١) انظر: القناعة (ص ٣٦).
(٢) سبق تخريجه (ص ٥١٠).
(٣) انظر: معالم السنن (٤/ ٥٠٣)، التذكرة (٢/ ٥٦٣)، شرح صحيح مسلم (١٨/ ٤٦ - ٤٧)، مجموع الفتاوى (١١/ ٢٨٣)، النهاية (١/ ١١٨، ١٧٣)، فتح الباري (٦/ ١٧٣) (١٠/ ٣٥٨) (١٣/ ٣٢٣)، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٢٨٣ - ٣٠٨).
(٤) النهاية (١/ ١٧٣ - ١٧٤).
(٥) القول المختصر (ص ٨٥).
(٦) الفتاوى الحديثية (ص ٢٥٠)، وانظر: القول المختصر (ص ٨٦ - ٨٧).
[ ٥١٣ ]
"ويقيم سبع سنين كما صح في حديث مسلم، ولا ينافيه حديث الطيالسي (^١) أنه يقيم أربعين سنة؛ لأن المراد مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده فإنه رفع وسنه ثلاث وثلاثون سنة" (^٢).
"وجاء لعيسى ﵇ علامات:
لا يجد ريح نَفَسه - بفتح الفاء - وهو ينتهي حيث ينتهي طرفه كافر إلا مات.
يذق الصليب، ويذبح الخنزير والقردة، أي: يبطل دين النصرانية ويتخذ دين الإسلام فلا يُعبد غير الله.
ويضع الجزية أي: أنه لا يقبل إلا الإسلام.
وتترك الصدقة أي: الزكاة؛ لعدم من يقبلها لنزول البركات وظهور الكنوز " (^٣).
التقويم:
نزول عيسى ﵇ من أشراط الساعة الكبرى بدلالة الكتاب والسنة (^٤).
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١].
فسرتا بنزول عيسى ﵇ (^٥).
_________________
(١) هو سليمان بن داود بن الجارود، المشهور بأبي داود الطيالسي، إمام محدث، صاحب المسند، توفي سنة ٢٠٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٧٨)، شذرات الذهب (٢/ ١٢).
(٢) الفتاوى الحديثية (ص ٢٥١)، وانظر: القول المختصر (ص ٩٠).
(٣) القول المختصر (ص ٨٩)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٤٢، ٢٤٣)، المنح المكية (١/ ٢١٠)، التعرف (ص ١١٤).
(٤) انظر: التذكرة (٢/ ٥٣٧)، النهاية (١/ ١٨٢)، القناعة (ص ٢٥)، الإشاعة (ص ٢١٧)، الإذاعة (ص ١٩٧)، التصريح بما تواتر من نزول المسيح للكشميري، فصل المقال في رفع عيسى حيًّا ونزوله وقتله الدجال لهراس، عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى ﵇ للغماري، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٣٣٧).
(٥) انظر: تفسير ابن جرير (٤/ ٣٥٦)، (١١/ ٢٠٤)، تفسير السمعاني (١/ ٥٠٠) (٥/ ١١٢)، تفسير البغوي (٢/ ٣٠٧) (٩/ ٢١٧)، تفسير ابن كثير (١/ ٦٣٦)، (٤/ ١٤٠).
[ ٥١٤ ]
وقد تواترت الأحاديث بنزوله آخر الزمان (^١)، ومنها حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ - وفيه: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات"، وذكر منها: نزول عيسى ﵇" (^٢).
وأجمعت الأمة على القول بموجبها، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل الشريعة (^٣).
والذي تدل عليه النصوص أن نزوله بعد ظهور المهدي وخروج الدجال، وأنه يأتم بالمهدي ويقود المسلمين في قتال الدجال، وعلى يده تكون هلكته.
وأما مكان نزوله فقد اختلفت الأحاديث في تحديده.
يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "الأشهر في موضع نزوله أنه على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي شرق الجامع الأموي، وهذا هو الأنسب والأليق؛ لأنه ينزل وقد أقيمت الصلاة
وورد في بعض الأحاديث أنه ينزل ببيت المقدس، وفي رواية بالأردن، وفي رواية بعسكر المسلمين " (^٤).
وأما مدة مكثه في الأرض فقد اختلفت الأحاديث في تحديدها أيضًا والجمع بينها بما ذكره ابن حجر هو قول طائفة من أهل العلم (^٥)، وهو متعقب.
يقول العلامة السفاريني ﵀: "جمع بعضهم أن سيدنا عيسى حين رفع كان عمره ثلاثًا وثلاثين سنة وينزل سبعًا فهذه أربعون سنة.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ١٤٠)، فتح الباري (٦/ ٣٥٨)، روح المعاني (٧/ ٦٠)، الإذاعة (ص ١٩٨)، التصريح (ص ٥٦)، نظم المتناثر (ص ١٤٧).
(٢) سبق تخريجه (ص ٥٠٠).
(٣) انظر: روح المعاني (٧/ ٦٠)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٩٤ - ٩٥)، التصريح (ص ٥٦).
(٤) النهاية (١/ ١٩٢ - ١٩٣)، وانظر: الإشاعة (ص ٢١٩)، الإذاعة (ص ٢٠٠).
(٥) انظر: النهاية (١/ ١٩٣)، القناعة (ص ٤٣)، الإشاعة (ص ٢٢٠)، التصريح (ص ١٢٧ - ١٢٨).
[ ٥١٥ ]
وهذا والله أعلم ليس بشيء لما مر من حديث عائشة - ﵂ - عند أحمد وغيره "فيقتل الدجال ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة" (^١).
وقد قال الحافظ جلال الدين السيوطي: كنت أفتيت بأن ابن مريم يمكث في الأرض بعد نزوله سبع سنين، قال: واستمريت على ذلك مدة من الزمان حتى رأيت الحافظ البيهقي اعتمد أن مكثه في الأرض أربعين سنة معتمدًا ما أفاده الإمام أحمد في روايته بلفظ: ثم يمكث ابن مريم في الأرض بعد قتل الدجال أربعين سنة.
وهذا هو المرجح؛ لأن زيادة الثقة يحتج بها، ولأنهم يأخذون برواية الأكثر ويقدمونها على رواية الأقل لما معها من زيادة العلم، ولأنه مثبت والمثبت مقدم" (^٢).
وأما علاماته التي ذكرها ابن حجر فقد وردت في أحاديث عدة، منها حديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد " (¬٣).
٣ - خروج يأجوج ومأجوج:
بين ابن حجر وقت خروج يأجوج ومأجوج، وأصلهم، وبعضًا من صفاتهم، حيث قال:
"بعده [يعني: الدجال] خروج يأجوج ومأجوج.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥/ ١٣٤)، وأحمد (٤١/ ١٥) برقم (٢٤٤٦٧)، كلاهما من طريق يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن ذكوان، عن عائشة - ﵂ - به. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٣٨): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير الحضرمي بن لاحق، وهو ثقة".
(٢) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٩٨ - ٩٩)، وكلام السيوطي والبيهقي لم أجده في مظانه من كتبهما.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم (٢/ ١٠٧٣) برقم (٣٤٤٨)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم (١/ ١٣٥) برقم (٢٤٢).
[ ٥١٦ ]
وهم من ولد آدم وحواء للحديث المرفوع أنهم من ذرية نوح، وهو من ذريتهما، قطعوا به لعدم رؤية نقل عن أحد من السلف، ما عدا كعبًا بخلافه.
اعتُرض قول النووي من فتاويه: أنهم من ولده لا من حواء عند جماهير العلماء، قيل: نام فاحتلم، فامتزجت نطفته بالتراب، فخلقوا منها.
واعتُرض بأن النبي لا يحتلم، ورد بأن المنفي احتلامه عن رؤية جماع لا مجرد دفق الماء.
وفي حديث: "يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح".
يجامعون ما شاؤوا، طولهم شبر، وأطولهم ثلاثة، سيوقد المسلمون بقسيِّهم ونشابهم وأثر سهمهم سبع سنين، ويؤمر عيسى ﵇ بعد أن يعلم أنه لا بد لأحد من قتالهم بإحدار المسلمين إلى جبل الطور، يمرون ببحيرة طبرية، فيشرب أولهم ماءها، ثم ينتهون إلى جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض كلهم، فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد مخضوبًا دمًا، ويُحصَرُ عيسى ﵇ وأصحابه حتى يكون رأس الثور أو القطعة من الأقط خيرًا لأحدهم من مائة دينار لأحدنا اليوم، فيرغبون إلى الله، فيرسل عليهم دودًا في رقابهم، فيصبحون قتلى، فيهبط عيسى ﵇ وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون موضع شبر منها إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغبون إلى الله ﷿، فيرسل طيرًا تطهرها منهم، ثم مطرًا يغسلها حتى يجعلها كالمرآة، ثم تؤمر الأرض بإنبات ثمرتها وردّ بركتها، ثم يبعث الله ﷿ بعد موت عيسى ﵇ ريحًا طيبة فتأخذ تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس" (^١).
_________________
(١) القول المختصر (ص ٩٧ - ٩٩).
[ ٥١٧ ]
التقويم:
خروج يأجوج ومأجوج من أشراط الساعة الكبرى بدلالة الكتاب والسنة (^١).
قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨].
وقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧].
فسر الوعد في الآيتين: بيوم القيامة، أو يوم خروجهم.
وفي حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ -: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات، وذكر منها: خروج يأجوج ومأجوج" (^٢).
واتفق أهل العلم على أنهم من جنس البشر، واختلفوا في أصل نسبهم:
فقال الجمهور - وحكاه بعضهم إجماعًا - إنهم من ولد يافث بن نوح، وهو من ذرية آدم وحواء.
وقال كعب الأحبار - ﵁ - ووافقه بعض أهل العلم إنهم من ولد آدم وحده، وذلك أنه احتلم فاختلط ماؤه بالتراب فخلقوا من ذلك (^٣).
ورُد بما يلي:
١ - أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يحتلمون، وجوابهم عن ذلك بأن المنفي احتلامهم عن رؤية الجماع لا مجرد دفق الماء يحتاج إلى دليل (^٤).
٢ - أن هذا القول لا أصل له إلا عن بعض أهل الكتاب (^٥).
_________________
(١) انظر: التذكرة (٢/ ٥٦٨)، النهاية (١/ ١٩٦)، القناعة (ص ٤٧)، الإشاعة (ص ٢٢٩)، الإذاعة (ص ٢٠٣).
(٢) سبق تخريجه (ص ٥٠٠).
(٣) انظر: النهاية (١/ ٢٠١)، فتح الباري (٦/ ٣٨٦)، (١٣/ ١٠٦)، القناعة (ص ٤٨)، الإشاعة (ص ٢٢٩).
(٤) انظر: التذكرة (٢/ ٥٧٤)، القناعة (ص ٤٨)، الإشاعة (ص ٢٣٠).
(٥) انظر: فتح الباري (٦/ ٣٨٦)، (١٣/ ١٠٦ - ١٠٧).
[ ٥١٨ ]
٣ - أن هذا القول يرده الحديث المرفوع عنه - ﷺ -، وفيه: "ولد نوح: سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم والخير منهم، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة وولد لحام القبط والبربر والسودان" (^١)، ويافث بن نوح من ذرية آدم وحواء قطعًا.
وأما ما نقله ابن حجر عن العلامة النووي في فتاويه من كون القول بأنهم ولد آدم من غير حواء هو مذهب الجمهور فغير محرر؛ إذ كلام النووي في فتاويه نص في أن مذهب الجمهور أنهم من ولد آدم وحواء لا من ولد آدم فقط، حيث سئل عن يأجوج ومأجوج هل هم من أولاد حواء؟
فأجاب بقوله: "هم من ولد آدم من حواء عند جماهير العلماء، وقيل: إنهم من بني آدم لا من حواء، فيكونون إخوتنا لأب " (^٢).
ولعل الذي أوقع ابن حجر في هذا متابعته للحافظ السخاوي في كتابه القناعة (^٣) الذي نقل ذلك عن شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني (^٤)، ويدل لذلك كون ابن حجر قد اعتمد اعتمادًا ظاهرًا في كلامه على أشراط الساعة الكبرى على كتاب القناعة للسخاوي.
وبهذا يظهر أن يأجوج ومأجوج من جنس البشر، وأنهم من ذرية يافث بن نوح الذي هو من ولد آدم وحواء، وبطلان القول بما عداه.
_________________
(١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١/ ١١٨) مرفوعًا، قال الهيثمي في المجمع (١/ ١٩٣): "رواه البزار، وفيه محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي عن أبيه، فمحمد وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق، وضعفه يحيى بن معين والبخاري، ويزيد بن سنان وثقه أبو حاتم فقال: محله الصدق، وقال البخاري: مقارب الحديث، وضعفه يحيى وجماعة". وأخرجه الحاكم (٤/ ٤٦٣) من كلام سعيد بن المسيب ﵀. وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٠٨)، وقال: محفوظ من قول سعيد بن المسيب، وأطال البحث فيه.
(٢) فتاوى النووي (ص ١١٦)، وانظر: شرح صحيح مسلم (٣/ ٩٨).
(٣) انظر: (ص ٤٨).
(٤) انظر: فتح الباري (١٣/ ١٠٧).
[ ٥١٩ ]
وما ذكره ابن حجر في عددهم وصفاتهم وأحوالهم مروي في عدة أحاديث وآثار:
فقوله: "يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح":
ورد في حديث أخرجه الطبراني (^١) من طريق يحيى بن سعيد العطار، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن حذيفة - ﵁ -، به.
ويحيى بن سعيد العطار ضعيف (^٢).
وقوله: "طولهم شبرًا، وأطولهم ثلاثة":
ورد في بعض الآثار الضعيفة التي لا تقوم بها حجة، وأنكرها الحافظ ابن كثير ﵀ (^٣).
وقوله: "سيوقد المسلمون " إلى آخر كلامه في وصفهم:
ورد في حديث النواس بن سمعان - ﵁ - وفيه: "أوحى الله ﷿ إلى عيسى ابن مريم ﵇ إني قد أخرجت عبادًا من عبادي لا يدان لك بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور، فيبعث الله ﷿ يأجوج ومأجوج، وهم كما قال ﷿: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ﷿ فيرسل عليهم نغفًا في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض بيتًا إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ﷿، فيرسل عليهم طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ﷿". قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره قال: فتطرحهم بالمهبل، قال ابن جرير: فقلت: يا أبا يزيد فأين المهبل؟ قال: مطلع الشمس، قال: "ويرسل الله ﷿ مطرًا لا يكنُّ منه بيت وبر ولا مدر أربعين يومًا، فيغسل الأرض حتى يتركها
_________________
(١) انظر: الأوسط (٤/ ٥٠٩).
(٢) انظر: تهذيب الكمال (٣١/ ٣٤٣)، تهذيب التهذيب (١١/ ٢٢٠)، وقد أورد الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦) وضعفه به.
(٣) انظر: النهاية (١/ ٢٠١).
[ ٥٢٠ ]
كالزَّلَفة ويقال للأرض أنبتي ثمرتك وردّي بركتك، قال: فيومئذ يأكل النفر من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ من الناس، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت، قال: فبينا هم على ذلك إذ بعث الله ﷿ ريحًا طيبة تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم، أو قال: كل مؤمن ويبقى شرار الناس، يتهارجون تهارج الحمير، وعليهم أو قال: وعليه تقوم الساعة" (^١).
٤ - طلوع الشمس من مغربها:
قال ابن حجر ﵀: "ثم تطلع الشمس من مغربها، قيل: ردًا على الملحدة، والمنجمة، فإنهم عن آخرهم ينكرون ذلك.
وجاء أنها كلما غربت سجدت تحت العرش، ثم تستأذن في الرجوع فيؤذن لها، ثم في تلك الليلة لا يُرد عليها مرةً بعد أخرى ثلاثًا، فإذا أيست من إدراك المشرق أذن لها، فيؤذن لها في الطلوع من مكانها، وإن تلك الليلة تعدل ثلاث ليال من ليالينا هذه، يعرف ذلك المتنفلون يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، فبينما هم كذلك صاح الناس وفزعوا إلى المساجد، فإذا هم بها قد طلعت من مغربها، حتى صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها
فلا يقبل إسلام كافر ولا توبة مخلط وجرى القرطبي على أن عدم قبول ذلك إنما هو في منكر طلوعها من مغربها، وآية ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨] وآخر سورة غافر يؤيدان الأول.
وعن ابن عمرو (^٢) ﵀: "يبقى الناس بعد ذلك مائة وعشرين سنة".
قيل: إن صح يحتاج إلى تأويل.
وما ورد أن هذه أولى الآيات لا ينافيه رواية أن أولها الدجال؛ لأنه
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٥١٢).
(٢) وقع في طبعات القول المختصر كلها بلفظ: "وعن ابن عمر"، والتصحيح من مصادر التخريج كما سيأتي (ص ٥٢٤).
[ ٥٢١ ]
أول الآيات الأرضية، وهذه أول الآيات السماوية" (^١).
التقويم:
طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة الكبرى بدلالة الكتاب والسنة (^٢).
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
فقد دلت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية هو طلوع الشمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين (^٣).
وفي حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ -: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات، وذكر منها: طلوع الشمس من مغربها" (^٤).
والذي تدل عليه النصوص أن طلوعها في آخر الزمان قرب قيام الساعة، وأنها من آخر الأشراط الكبرى وقوعًا (^٥).
وما ذكره ابن حجر في صفة طلوعها من مغربها وارد في عدة أحاديث، منها:
حديث أبي ذر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال يومًا: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي
_________________
(١) القول المختصر (ص ١٠١ - ١٠٣).
(٢) انظر: التذكرة (٢/ ٥٨٥)، النهاية (١/ ٢١٤)، القناعة (ص ٥٨)، الإشا عة (ص ٢٤٨)، الإذاعة (ص ٢٠٦)، إتحاف الجماعة (٣/ ١٩٢)، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٣٩١)، أشراط الساعة للغامدي (٢/ ٦٢٤).
(٣) انظر: تفسير ابن جرير (٥/ ٤٠٥)، تفسير السمعاني (٢/ ١٥٩)، تفسير البغوي (٣/ ٢٠٧)، تفسير القرطبي (٧/ ١٤٥)، تفسير ابن كثير (٢/ ٢١٦).
(٤) سبق تخريجه (ص ٥٠٠).
(٥) انظر: النهاية (١/ ٢١٤)، فتح الباري (١١/ ٣٦١)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٤٢).
[ ٥٢٢ ]
ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا، حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها " (^١).
وحديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون فإن أحدهم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، فبينما هم كذلك ماج الناس بعضهم في بعض، فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها فضج الناس ضجة واحدة حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها " (^٢).
وإذا طلعت الشمس من مغربها فإنه لا يقبل الإيمان ممن لم يكن قبل ذلك مؤمنًا، كما لا تقبل توبة العاصي؛ وذلك لأن طلوع الشمس من مغربها آية عظيمة، يراها كل من كان في ذلك الزمان، فتنكشف لهم الحقائق، ويشاهدون من الأهوال ما يلوي أعناقهم إلى الإقرار والتصديق بالله وآياته، وحكمهم في ذلك حكم من عاين بأس الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء مختصرًا (٤/ ٢٣١٦) برقم (٧٤٢٤)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، مطولًا بهذا اللفظ (١/ ١٣٨) برقم (٢٥٠).
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٣٩٢)، وعزاه لعبد بن حميد وابن مردويه، وذكر ابن كثير في النهاية (١/ ٢١٩)، والتفسير (٢/ ٢١٨) إسناد ابن مردويه فقال: "قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا فضيل، عن سليمان بن يزيد، عن عبد الله بن أبي أوفى فذكره". وقال عقيبه في التفسير: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس هو في شيء من الكتب الستة".
(٣) انظر: التذكرة (٢/ ٥٨٧)، النهاية (١/ ٢٢٢)، القناعة (ص ٦١).
[ ٥٢٣ ]
وأما ما ذكره ابن حجر عن القرطبي من كون عدم قبول التوبة خاصًا بمنكر ذلك دون غيره فهو باطل؛ لعموم النصوص وعدم المخصص.
وسياق القرطبي لذلك يدل على احتماله له دون قطعه به؛ فإنه قال: "والملحدة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون: هو غير كائن؛ فيطلعها الله تعالى يومًا من المغرب ليُري المنكرين قدرته أن الشمس في ملكه وعلى هذا يحتمل أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن وتاب من المنكرين لذلك المكذبين لخبر النبي - ﷺ - بطلوعها، فأما المصدقون لذلك فإنه تقبل توبتهم وينفعهم إيمانهم قبل ذلك" (^١).
وأما ما نقله ابن حجر عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - من كون الناس يبقون بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة واعتراضه عليه بقول الحافظ السخاوي الذي أبهمه بقوله: "وقيل: إن صح يحتاج إلى تأويل".
فقد أخرجه ابن أبي شيبة (^٢)، ونعيم بن حماد (^٣) (^٤) من طريق وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي خيثمة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - به.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "رفع هذا لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حميد في تفسيره بسند جيد عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، وقد ورد عنه ما يعارضه
ويمكن الجواب عنه بأن المدة ولو كانت كما قال عشرين ومائة سنة لكنها تمر مرورًا سريعًا كمقدار مرور عشرين ومائة شهر من قبل ذلك، أو
_________________
(١) التفسير (٧/ ١٤٨)، وانظر: التذكرة (٢/ ٥٨٨).
(٢) انظر: المصنف (١٥/ ١٧٩).
(٣) هو نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث، أبو عبد الله، الخزاعي المروزي، سلفي محدث، طعن عليه في حفظه، من مؤلفاته: الفتن، والرد على الجهمية، وغيرها، توفي سنة ٢٢٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٩٥)، شذرات الذهب (٢/ ٦٧).
(٤) انظر: الفتن (٢/ ٦٥٦، ٧٠٢).
[ ٥٢٤ ]
دون ذلك " (^١).
وقول ابن حجر بأن ما ورد في أن طلوع الشمس من مغربها أولى الآيات لا ينافي رواية أن أولها الدجال، وجمعه بين الروايتين بما ذكر قرره غير واحد من أهل العلم (^٢).
٥ - خروج الدابة:
يقول ابن حجر ﵀: "ثم تخرج الدابة من صدع من الصفا - وبه جزم غير واحد - أو من المروة، أو من شعب جياد، أو من بعض أودية تهامة، أو من وراء مكة، أو من مدينة قوم لوط، ليلة مزدلفة.
ولها ثلاث خرجات:
مرة من أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها مكة ثم تكمن زمانًا.
ثم أخرى يدخل ذكرها مكة.
قال - ﷺ -: "بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمه وأكرمها المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي تربو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب " (^٣).
قيل: . طولها ستون ذراعًا.
وقيل: مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات.
وقيل: أخذ من قوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] أنها إنسان تناظر أهل البدع والكفر ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة.
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٣٥٤).
(٢) انظر: النهاية (١/ ٢١٨)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٥٨)، فتح الباري (١١/ ٣٥٣)، القناعة (ص ٦٣)، الإشاعة (ص ٢٥٥)، الإذاعة (ص ٢٠٨).
(٣) أخرجه الطيالسي (٢/ ٣٩٥) برقم (١١٦٥)، والطبراني في الكبير (٣/ ١٧٣) برقم (٣٥٣٥)، والحاكم (٤/ ٤٨٤) من طرق عن طلحة بن عمرو، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد - ﵁ - به. والحديث بهذا الإسناد صححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بضعف طلحة بن عمرو. وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٧): "رواه الطبراني، وفيه طلحة بن عمرو، وهو متروك".
[ ٥٢٥ ]
ومن الغريب ما قيل إنها تقتل إبليس" (^١).
التقويم:
خروج الدابة من أشراط الساعة الكبرى بدلالة الكتاب والسنة (^٢).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢].
وفي حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ -: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات " وذكر منها: "الدابة" (^٣).
والذي تدل عليه النصوص أن خروجها بعد طلوع الشمس من مغربها حين يغلق باب التوبة، فتخرج تميز المؤمن من الكافر (^٤).
وأما مكان خروجها فقد اختلف فيه على أقوال ذكر ابن حجر بعضًا منها، وأشهرها مكة.
واختلف القائلون بذلك في تعيينه منها:
فقال بعضهم: تخرج من صدع في الصفا.
وقال آخرون: تخرج من صدع بالمروة.
وقيل: تخرج من شعب أجياد (^٥).
وأما ما ذكره ابن حجر من كونها تخرج ثلاث خرجات فقد ورد في حديث حذيفة السابق، ولا يصح.
_________________
(١) القول المختصر (ص ٩٩ - ١٠١).
(٢) انظر: التذكرة (٢/ ٥٧٥)، النهاية (١/ ٢٠٨)، القناعة (ص ٥٣)، الإشاعة (ص ٢٤٨)، الإذاعة (ص ٢١٢)، إتحاف الجماعة (٣/ ١٧٥)، وللاستزادة: أشراط الساعة للوابل (ص ٤٠٣).
(٣) سبق تخريجه (ص ٥٠٠).
(٤) انظر: النهاية (١/ ٢١٤)، فتح الباري (١١/ ٣٦١)، الإشاعة (ص ٢٤٨)، لوامع الأنوار البهية (١/ ١٤٢)، الإذاعة (ص ٢٠٩).
(٥) انظر: التذكرة (٢/ ٥٧٨)، الإشاعة (ص ٢٦٥)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٤٤).
[ ٥٢٦ ]
والظاهر من النصوص - والله أعلم - أنها تخرج مرة واحدة من مكان واحد.
وأما حقيقة هذه الدابة وأوصافها فقد اختلفت أقوال الناس فيها اختلافًا بينًا:
فقال بعضهم: هي من جنس الإنسان، وادعى قوم أنها علي بن أبي طالب - ﵁ -، وادعى آخرون أنها إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم.
وقال آخرون: هي من جنس الحيوان، واختلفوا في تعيينه، فقيل: هي فصيل ناقة صالح، وقيل: هي ثعبان كان بالكعبة، وقيل: هي الجساسة (^١).
قال العلامة الآلوسي ﵀: "المشهور - وهو الحق - أنها دابة ليست من نوع الإنسان" (^٢).
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (١٣/ ٢٣٥)، شرح صحيح مسلم (١٨/ ٢٨)، روح المعاني (١٠/ ٢٢).
(٢) روح المعاني (١٠/ ٢٢).
[ ٥٢٧ ]
المبحث الثالث آراؤه في الحياة الآخرة
تحدث ابن حجر ﵀ عن الحياة الآخرة، وفصل في بعض مواقفها، وفيما يلي سياق آرائه في ذلك وتقويمها:
أولًا: البعث:
عرف ابن حجر ﵀ البعث بأنه: "رجوع الأجسام كما كانت على وجه أكمل وأفضل" (^١).
وذكر اختلاف الناس في حقيقته فقال:
"المعاد للحشر جسماني ثم قيل: هو إيجاد أجزاء البدن بعد فنائها، وقيل: هي جمع متفرقها، والحق فناؤها إلا عجب الذنب.
وقيل: جسماني وروحاني أي: جسم وروح تعاد إليه على أنها جوهر مجرد يتعلق بالبدن تعلق تدبير وتصرف من غير أن تحل فيه ولا تفنى بفنائه بل ترجع إليه على ما كانت من التجرد" (^٢).
وقال: "اعلم أن أهل السنة أجمعوا على أن الأجساد تعاد كما كانت في الدنيا بأعيانها وألوانها وأعراضها وأوصافها" (^٣).
وبيّن ابن حجر أن البعث يشمل الحيوان والآدميين والجان، فقال:
"اختلفوا في إعادة الحيوان، والأصح إعادته لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥]، ولحديث الصحيحين في الاقتصاص
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٦)، وانظر: العمدة شرح البردة (ص ٤٥٠).
(٢) التعرف (ص ١٢١).
(٣) الفتاوى الحديثية (ص ١٧)، وانظر: الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٠٢).
[ ٥٢٨ ]
للحيوان بعضه من بعض (^١)، وقيل: لا يعاد شيء منها، وحشرت معناه ماتت، والاقتصاص كناية عن العدل وهو خلاف ظاهر الآية والحديث فمن ثم كان الأصح الأول (^٢).
وأما الآدميون المكلفون منهم يعودون إجماعًا، وكذا الصغار العقلاء ومثلهم من بلغ مجنونًا، وَتَوَقُّفُ الباقلاني في الصغار وتَردُّدُ غيره في المجانين لا يُعَوّلُ عليه.
وأما الجان فهم مكلفون قطْعًا، ومن ثم وعدوا بمغفرة الذنوب والإجارة من عذاب أليم في الآية التي في السؤال [يريد بها قوله سبحانه: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]]، وتوعدوا بالعقاب ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] ولا ينذر بالإعادة إلا مكلف " (^٣).
التقويم:
البعث في اللغة: هو الإثارة.
يقول ابن فارس: "الباء والعين والثاء أصل واحد، وهو الإثارة" (^٤).
وهو يختلف باختلاف ما علق به؛ ولهذا يطلق على معان عدة، منها:
١ - الإرسال: يقال بعثه وابتعثه بمعنى أرسله.
٢ - الإسراع: يقال انبعث في السير بمعنى أسرع.
٣ - الإحياء: سواء بعد النوم كقولهم: بعثه من منامه إذا أيقظه، أو بعد
_________________
(١) يشير إلى حديث: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". والحديث أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٧) برقم (٢٥٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وعزو ابن حجر الحديث للصحيحين وهم منه، فلم أجده في البخاري بعد بحث.
(٢) انظر: أسنى المطالب (ص ١٧٣)، الزواجر (٢/ ٨٧)، غرر المواعظ (ص ٩١).
(٣) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٧).
(٤) معجم مقاييس اللغة (ص ١٤٢).
[ ٥٢٩ ]
الموت كقولهم: بعثه من موته إذا أحياه (^١).
والمراد به في الشرع: إحياء الأموات، وخروجهم من قبورهم ونحوها؛ للجزاء يوم القيامة (^٢).
وهو ثابت بالأدلة النقلية والعقلية، بأوجه متعددة، وطرق متنوعة، توجب القطع به، والإيمان بحصوله (^٣)، ولهذا "أجمع أهل الملل عن آخرهم على جوازه ووقوعه" (^٤)، ولم يشذ منهم إلا طوائف لا عبرة بها (^٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "معاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين واليهود والنصارى" (^٦).
وقد اختلف أهل الكلام في بعض فروعه، وذكر ابن حجر في كلامه السابق بعضها، وهي: الاختلاف فيه هل هو جسماني أم روحاني، والاختلاف في كونه بعثًا من عدم أو تفريق، والاختلاف في المبعوث هل هو الجسم الأول بعينه أو غيره (^٧)؟
وما قرره ابن حجر - عفا الله عنه - في هذه الفروع منه ما هو حق، ومنه ما هو باطل.
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٣٥٤)، الصحاح (١/ ٢٧٣)، لسان العرب (٢/ ١١٦)، القاموس المحيط (ص ٢١١).
(٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٣٩٣) (٣/ ٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٥٧).
(٣) انظر: كتاب البعث لابن أبي داود، البعث والنشور للبيهقي، التذكرة (١/ ٢٧٧)، مجموع الفتاوى (٩/ ٢٢٤)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٨٩ - ٥٩٧)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٥٧).
(٤) المواقف (ص ٣٧٢).
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٤، ٢٦٢، ٣١٣ - ٣١٦)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٥٨٩)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٥٧ - ١٥٩).
(٦) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٤)، وانظر: اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام د. فرج الله عبد الباري (ص ١٢٠).
(٧) انظر: الإرشاد (ص ٣١٣ - ٣١٥)، أصول الدين للبغدادي (ص ٢٢٩ - ٢٣٧)، الأربعين في أصول الدين للرازي (٢/ ٣٩ - ٧٤)، المواقف (ص ٣٧١ - ٣٧٦)، وشرحها للجرجاني (٨/ ٢٨٩)، شرح المقاصد (٥/ ٨٢ - ١٠٠)، تحفة المريد (ص ١٧٠ - ١٧٢).
[ ٥٣٠ ]
فأما قوله بأن البعث جسماني فقط فهو موافق لقول كثير من المتكلمين من الجهمية والمعتزلة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أهل الأرض في المعاد على أربعة أقوال:
أحدها: وهو مذهب سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أهل السنة والحديث من الفقهاء والصوفية والنظار وهو إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعًا
والقول الثاني: قول من يثبت معاد الأبدان فقط، كما يقول ذلك كثير من المتكلمين الجهمية والمعتزلة المبتدعين من هذه الأمة، وبعض المصنفين يحكي هذا القول عن جمهور متكلمي المسلمين أو جمهور المسلمين وذلك غلط؛ فإنه لم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا هو قول جمهور نظارهم، بل هو قول طائفة من متكلميهم المبتدعة، الذين ذمهم السلف والأئمة.
والقول الثالث: المعاد للنفس الناطقة بالموت فقط، وأن الأبدان لا تعاد، وهذا لم يقله أحد من أهل الملل، لا المسلمين، ولا اليهود، ولا النصارى، بل كل هؤلاء متفقون على إعادة الأبدان
ولكن من تفلسف من هؤلاء فوافق سلفه من الصابئة (^١) والفلاسفة المشركين على أن المعاد للروح وحده، فإنه يزعم أن الأنبياء خاطبوا الجمهور بمعاد الأبدان وإن لم يكن له حقيقة وحقيقة قولهم أن الأنبياء كذبوا للمصلحة، وهؤلاء ملاحدة كفار
_________________
(١) الصابئة: إحدى النحل القديمة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وأصل تسميتها من قول العرب: "صبأ يصبأ" إذا خرج الرجل من دين إلى دين، وقيل: نسبة صابئ بن متوشلخ، وقيل: إلى صابئ بن لامك، وقد اختلف أهل العلم في حقيقة هذه النحلة على أقوال كثيرة جدًّا. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٩ - ٥٨)، الرد على المنطقيين لابن تيمية (ص ٤٥٤ - ٤٥٦)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٤٣)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ٩٢ - ٩٤).
[ ٥٣١ ]
والقول الرابع: إنكار المعادين جميعًا، كما هو قول أهل الكفر من العرب، واليونان، والهند، والترك وغيرهم " (^١).
وعليه فالحق أن البعث جسماني روحاني، وأن تعلق الروح بالجسد يوم البعث هو أكمل أنواع تعلقها؛ إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا (^٢).
وأما قوله بأن الحق فناء أجزاء البدن إلا عجب الذنب فهو قول مجمل يحتمل حقًّا وباطلًا.
فإن أراد بفنائها استحالتها فهو حق.
وإن أراد بفنائها عدمها فهو باطل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض سياقه لمذاهب المتكلمين في هذه المسألة: "اضطربوا في المعاد، فإن معرفة المعاد مبنيَّة على معرفة المبدأ، والبعث مبني على الخلق.
فقال بعضهم: هو تفريق تلك الأجزاء، ثم جمعها وهي باقية بأعيانها.
وقال بعضهم: بل يُعدمها ويُعدم الأعراض القائمة بها، ثم يعيدها، وإذا أعادها فإنه يعيد تلك الجواهر التي كانت باقية إلى أن حصلت في هذا الإنسان.
فلهذا اضطربوا لما قيل لهم: فالإنسان إذا أكله حيوان آخر، فإن أعيدت تلك الجواهر من الأول نقصت من الثاني، وبالعكس
والمشهور أن الإنسان يبلى ويصير ترابًا كما خلق من تراب " (^٣).
والقول باستحالة الأجساد بعد موتها ترابًا كما كانت إلا عجب الذنب هو ما عليه أهل السنة والجماعة (^٤)، ويشهد له حديث أبي هريرة - ﵁ - أن
_________________
(١) الجواب الصحيح (٦/ ٧ - ١١)، وانظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٣ - ٣١٥).
(٢) انظر: الروح (١/ ٢٦٤)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٧٩)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٨٢).
(٣) النبوات (١/ ٣١٥ - ٣١٦)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٤٦)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٩٧)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٦٠).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٤ - ٣٥)، الفوائد (ص ١٥ - ١٦)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٩٨)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٦٠).
[ ٥٣٢ ]
رسول الله - ﷺ - قال: "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب (^١)، منه خلق وفيه يركب" (^٢).
ويستثنى من هذا الأنبياء والشهداء (^٣).
وأما قوله بأن المبعوث هو الجسم الأول بعينه لا غيره فهو موافق لمذهب أهل السنة والجماعة، ومن شاركهم من الأشاعرة ونحوهم.
يقول العلامة القرطبي ﵀: "وعند أهل السنة أن تلك الأجساد الدنياوية تعاد بأعيانها وأعراضها بلا خلاف بينهم" (^٤).
ويدل عليه:
١ - حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم: "كل ابين آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب".
٢ - حديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: "كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر عليّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحد، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيت، فغفر له" (^٥).
٣ - أن الإعادة التي ذكرها الله تعالى في كتابه ورسوله - ﷺ - في سنته هي الإعادة التي فهمها المسلمون والمشركون، وهي تقتضي إعادة المخلوق من المادة التي استحال منها بعد فنائه، ولو كان المراد بها
_________________
(١) عجب الذنب: هو العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز، وهو العسيب من الدواب، انظر: النهاية (٣/ ١٨٤).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب يوم ينفخ في الصور (٣/ ١٥٨٠) برقم (٤٩٣٦)، ومسلم، كتاب الفتن، باب ما بين النفختين (٤/ ٢٢٧١) برقم (٢٩٥٥).
(٣) انظر: فتح الباري (٨/ ٥٥٢ - ٥٥٣).
(٤) التذكرة (١/ ٢٨٤).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب حديث الغار (٢/ ١٠٨٢) برقم (١٠٨١) واللفظ له، وأخرجه مسلم في كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله (٤/ ٢١٠٩) برقم (٢٧٥٦) بنحوه.
[ ٥٣٣ ]
إعادة جسم آخر، لم يكن هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب منه وإنكاره، لأنهم يرون خلق البشر يومًا بعد يوم ماثلًا للعيان، ولما صح تسميته بعثًا بل يسمى حينئذ خلقًا جديدًا (^١).
وأما ما ذكره ابن حجر من كون البعث عامًا في الإنس والجن فهو حق، ويشهد له عموم الأدلة الدالة على تكليفهم.
وأما الحيوان فقد اختلف في بعثه على قولين حكاهما ابن حجر في كلامه السابق، والخلاف فيهم جار بين أهل السنة والجماعة، والراجح - والله أعلم - ما اختاره ابن حجر من بعثهم، وبعثهم للقصاص بينهم لا للحساب لعدم تكليفهم، ولهذا فإنهم يفنون بعد ذلك فلا يصيرون إلى جنة ولا نار (^٢).
ثانيًا: الشفاعة:
عرف ابن حجر ﵀ الشفاعة بقوله: "الشفاعة: هي السعي في إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع إليه" (^٣).
وبيّن أن الشفاعة في الآخرة خمسة أنواع، منها ما هو خاص بالنبي - ﷺ - ومنها ما يشاركه فيه غيره، فقال: "الشفاعة الأخروية خمسة أنواع كلها ثابتة لنبينا - ﷺ - وبعضها يختص به دون غيره، وفيما شورك فيه يكون هو - ﷺ - المقدم على غيره، فالشفاعات كلها راجعة إلى شفاعته وهو صاحب الشفاعة على الإطلاق إذ الذي في الأحاديث أنه - ﷺ - يكون في ذلك اليوم إمام النبيين وصاحب شفاعتهم فكل ما صح من شفاعتهم ينسب إليه بذلك، فلا يخرج شيء عن شفاعته لا من أنواع الشفاعة ولا من الأشخاص المشفوع لهم، من ملته ومن غير ملته؛ لأنه إذا كان صاحب شفاعة الأنبياء والكل
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٦، ١٧/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، الفوائد (ص ١٥ - ١٦)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩)، روح المعاني (٢٣/ ٥٧ - ٦١).
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٤٥٩)، تفسير السمعاني (٦/ ١٦٥)، تفسير البغوي (٨/ ٣٤٦)، تفسير القرطبي (٦/ ٤٢١، ١٩/ ٢٢٩)، تفسير ابن كثير (٤/ ٥٠٣).
(٣) المنح المكية (٣/ ١٣٤٥)، وانظر: العمدة (ص ٢٣١).
[ ٥٣٤ ]
تحت لوائه فتقديمهم للشفاعة، وإجابة شفاعتهم إنما هو إجابة له - ﷺ - فكل شيء تقع شفاعة النبيين فيه هو داخل تحت شفاعة نبينا - ﷺ -، ومن شفع فيه من المؤمنين كذلك بطريق الأولى.
فهو - ﷺ - شفيع الشفعاء لا تخرج شفاعة عن حيطة شفاعته، وإنما الشفعاء نوابه في الحقيقة، وقد تميز عن جميعهم بشفاعات ليظهر لا سيما في ذلك سؤدده الأعظم على الكل صلوات الله عليهم أجمعين" (^١).
وقد ذكر بعض شفاعاته - ﷺ - فقال: "له - ﷺ - شفاعات غير العظمى:
كالشفاعة لمن يدخل من أمته الجنة بغير حساب، وهذه كالعظمى من خصائصه - ﷺ -.
ولعصاة أدخلتهم ذنوبهم النار فيخرجون، وإنكار المعتزلة لهذه من ضلالاتهم، كيف وقد صحت الأحاديث الكثيرة بها من غير معارض لها؟
ولقوم استحقوا دخولها فلم يدخلوها، قال النووي: ويجوز أن يَشْرَكه في هذه الأنبياء والعلماء والأولياء.
وفي قوم حبستهم الأوزار ليدخلوا الجنة.
ولبعض أهل الجنة في رفع درجاتهم فيعطى كل منهم ما يناسبه، قال: وهذه يجوز أن يَشْرَكه فيها من ذُكر أيضًا
ولفتح باب الجنة
ولقوم كفار سابق لهم خدمة له - ﷺ - في تخفيف عذابهم" (^٢).
التقويم:
الشفاعة لغة: خلاف الوتر.
قال ابن فارس: "الشين والفاء والعين، أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين، والشفع خلاف الوتر" (^٣).
_________________
(١) الجوهر المنظم (ص ٥٩).
(٢) الدر المنضود (ص ١٦٩)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٧٢).
(٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٥٣١).
[ ٥٣٥ ]
يقال: شفع يشفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمشفِّع: الذي يَقْبَل الشفاعة، والمشفَّع: الذي تُقْبل شفاعته (^١).
والشفاعة في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (^٢).
وما ذكره ابن حجر في تعريفها بمعنى ما سبق؛ إذ إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع إليه تارة يقع بجلب المصلحة له، وأخرى بدفع المفسدة عنه.
والشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩].
وقوله ﷿: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦].
وأما السُّنَّة: فقد تواترت الأحاديث عن النبي - ﷺ - في إثبات الشفاعة (^٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفى السنن والمسانيد مما يكثر عدده" (^٤).
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٨٩٧)، الصحاح (٣/ ١٢٣٨)، لسان العرب (٨/ ١٨٣)، القاموس المحيط (ص ٩٤٧).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٨٥)، لوائح الأنوار (٢/ ٢٤٦).
(٣) انظر: السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٣٩٩)، شرح صحيح مسلم (٣/ ٣٥)، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٢)، إثبات الشفاعة للذهبي (ص ٢٢)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٥٨)، فتح الباري (١١/ ٤٢٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٠٨)، وللاستزادة: الشفاعة للوادعي.
(٤) مجموع الفتاوى (١/ ٣١٤).
[ ٥٣٦ ]
وقد جمع الحافظ الذهبي ﵀ جزءًا في الأحاديث الواردة في إثبات الشفاعة (^١).
وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الشفاعة، وعدها من معاقد العقائد التي يجب الإيمان بها، والرد على من أنكرها (^٢).
يقول أبو حاتم وأبو زرعة - رحمهما الله -: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار فكان من مذهبهم الشفاعة حق" (^٣).
والشفاعة المثبتة هي الشفاعة التى استجمعت شروطها، وانتفت موانعها (^٤).
يقول العلامة ابن القيم ﵀: "الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله وهو لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول.
فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها" (^٥).
والشفاعة قسمان:
أحدها: الشفاعة العامة الثابتة للنبي - ﷺ - ولغيره كالملائكة والنبيين والمؤمنين.
وثانيهما: الشفاعة الخاصة بالنبي - ﷺ -، والتي لا يشاركه فيها أحد.
والشفاعة بقسميها أنواع، اختلف أهل العلم في عدها تبعًا لاختلافهم في أدلتها من حيث الصحة والدلالة، وجملتها عندهم ثمانية أنواع، وقد أوردها ابن حجر في كلامه السابق.
_________________
(١) طبع بتحقيق إبراهيم باجس عبد المجيد بدار أضواء السلف.
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم (٣/ ٣٥)، مجموع الفتاوى (١/ ١٤٨)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٠٨)، الدين الخالص لصديق حسن خان (٢/ ٢٢).
(٣) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٧٧).
(٤) انظر: الدرر السنية (٢/ ١٥٨)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٢/ ٣/ ٦٥ - ٦٦) (٣/ ٩٤ - ٩٧) (٤/ ١٣٠ - ١٣٦)، تيسير العزيز الحميد (ص ٢٩٧)، فتح المجيد (٢/ ٣٥٥)، وللاستزادة: الشفاعة للدكتور ناصر الجديع (ص ٦٩ - ٨٢).
(٥) مدارج السالكين (١/ ٣٤١).
[ ٥٣٧ ]
وذِكْرُ أدلة هذه الأنواع، والكلام في ثبوتها ودلالتها مبسوط في مواضعه من كتب أهل العلم (^١).
وقول ابن حجر - عفا الله عنه - بأن الشفاعة بقسميها وأنواعها راجعة إلى شفاعة الرسول - ﷺ - يحتمل حقًّا وباطلًا.
فأما احتمال الحق فيه فهو ما عبر عنه بقوله: "لأنه إذا كان صاحب شفاعة الأنبياء والكل تحت لوائه فتقديمهم للشفاعة وإجابة شفاعتهم إنما هو إجابة له - ﷺ - ".
وأما احتمال الباطل فيه فهو ما عبر عنه بقوله: "وإنما الشفعاء نوابه في الحقيقة".
فإن أراد به أنهم يشفعون بأمره وإذنه فهذا باطل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقوله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
وإن أراد به أنهم إنما يشفعون بعده وتبعًا له فهذا حق، كما دل عليه حديث الشفاعة الطويل (^٢).
ثالثًا: الصراط:
يرى ابن حجر ﵀ وجوب الإيمان بالصراط، حيث يقول: "ومما يجب الإيمان به الصراط" (^٣).
_________________
(١) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٨٨)، الحجة في بيان المحجة (٩/ ٤٥٢ - ٥٦٤)، الدرة فيما يجب اعتقاده (ص ٢٩٤ - ٢٩٧)، الشفا (١/ ٢٨٩)، التذكرة (٢/ ٥٦ - ٧٨)، شرح صحيح مسلم (٣/ ٣٥ - ٣٦)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٧)، حاشية تهذيب السنن لابن القيم (٢/ ١٣٤)، النهاية لابن كثير (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٩)، إثبات الشفاعة (ص ٢٠ - ٢٢)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٨٢)، فتح الباري (١١/ ٤٢٦ - ٤٢٨)، التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٣٥٢)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢١١)، وللاستزادة: الشفاعة للدكتور ناصر الجديع (ص ٣٨) وما بعدها.
(٢) سبق تخريجه (ص ٢٨٤).
(٣) التعرف (ص ١١٨ - ١٢١)، وانظر: العمدة شرح البردة (ص ٤٨٦).
[ ٥٣٨ ]
ويرى أيضًا أن المرور عليه خاص بالمؤمنين والمنافقين دون الكفار، فقد سئل بما صورته: هل يمر الكافر على الصراط؟ .
فأجاب بقوله: "في أحاديث ما يقتضي أنهم يمرون، وفي أحاديث ما يقتضي خلافه، وجمع بحمل الأول على المنافقين" (^١).
التقويم:
الصراط لغة: أصله السراط بالسين، انقلبت سينه مع الطاء صادًا لقرب مخرجها (^٢).
يقول ابن فارس: "الصاد والراء والطاء هو من باب الإبدال - وقد ذكر في السين - وهو الطريق" (^٣).
والمراد به هنا: الجسر الممدود على جهنم ليعبر الناس عليه إلى الجنة (^٤).
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١].
"اختلف المفسرون (^٥) في المراد بالورود المذكور ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط" (^٦).
وقال - ﷺ -: "يُضرب الجسر بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه ولا يتكلم في ذلك اليوم إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٤٤).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٦٧٣)، الصحاح (٣/ ١١٣٩)، لسان العرب (٩/ ١٨٥)، القاموس المحيط (ص ٨٦٥).
(٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٥٩٣).
(٤) انظر: شرح صحيح مسلم (١/ ٤٣٠)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٦)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٦٠٥)، فتح الباري (١١/ ٤٤٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٩٢).
(٥) انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ٣٦٤)، تفسير السمعاني (٣/ ٣٠٦)، تفسير ابن أبي زمنين (٣/ ١٠٢)، تفسير البغوي (٥/ ٢٤٦)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٤٦).
(٦) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٦٠٦)، وانظر: شرح صحيح مسلم (١٦/ ٥٨)، مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٩)، درء التعارض (٧/ ٤٩ - ٥٠).
[ ٥٣٩ ]
سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ﷿، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المُوْبَق بعمله، ومنهم المجازي حين يُنَجّى " (^١).
وأجمع أهل السنة والجماعة على القول بمقتضى ذلك، وإثبات الصراط في الآخرة (^٢).
وقد اختلف في الصراط هل يمر عليه جميع الخلق أم هو خاص بالمؤمنين والمنافقين دون المشركين، والراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه ابن حجر من القول بالخصوصية.
وقد بسط العلامة ابن رجب ﵀ أدلة ذلك بما لا مزيد عليه (^٣).
رابعًا: الميزان:
عرف ابن حجر ﵀ الميزان، وبين شموله المؤمن والكافر، وعرض للخلاف في عدده، وذكر أنواع الوزن، ورد على المعتزلة المنكرين له، فقال:
"الميزان: هو مفعال من الوزن، قلبت واوه ياءً لانكسار ما قبلها كميعاد.
وفي الآيات والأحاديث الشهيرة إثبات الميزان ذي الكفتين واللسان ووزن الأعمال بها بعد أن تُجَسَّم تحقيقًا لتمام العدل.
والكافر كالمؤمن في ذلك، ومعنى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أي: قدرًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم (٤/ ٢٠٥٥) برقم (٦٥٧٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٤) برقم (١٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٦)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٠٥)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٩٢).
(٣) انظر: التخويف من النار (ص ١٨٦) وما بعدها.
[ ٥٤٠ ]
قيل: ولكل إنسان ميزان؛ لظاهر ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، والأصح أنه ليس إلا ميزان واحد، والجمع إما لتعظيم شأنها وتفخيمه أو باعتبار الموزونات، أو لكونه ذا أجزاء على حد شابت مفارقه مع أنه ليس للإنسان إلا مفرق واحد
والوزن أقسام:
وزن الإيمان بجميع السيئات، والكفر بجميع الحسنات، ليخلد المؤمن في النعيم، والكافر في الجحيم.
ووزن الأعمال بالمثاقيل؛ لظهور مقادير الجزاء كما دل عليه آخر سورة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة: ١].
ووزن مظالم العباد؛ لما صح أنه يؤخذ للمظلوم من حسنات الظالم بقدر حقه فإن لم يكن له حسنات طرح عليه من سيئاته.
وإنكار المعتزلة للميزان وحملها على مجازها من إقامة العدل في الحساب من تقولهم على الشريعة، وتصرفهم في نصوصها بصرفها عن ظواهرها بمجرد الحزر والتخمين " (^١).
التقويم:
الميزان لغة: أصله موزان فقلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها فأصبحت ميزان.
قال ابن فارس: "الواو والزاي والنون بناء يدل على تعديل واستقامة، وَزَنْتُ الشيءَ وَزْنًا، والزِّنَة: قدرُ وزن الشيء" (^٢).
والميزان: الآلة التي يوزن بها الأشياء (^٣).
والميزان شرعًا: هو ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وهو
_________________
(١) فتح المبين (ص ١٨٥)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام ص (ص ٢٦٢)، الزواجر (٢/ ٣٧٤)، العمدة (ص ٤٩٢).
(٢) معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٩٠).
(٣) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٨٨٦)، الصحاح (٦/ ٢٢١٣)، لسان العرب (١٣/ ٤٤٦)، القاموس المحيط (ص ١٥٩٧).
[ ٥٤١ ]
ميزان حقيقي له لسان وكفتان لا يعلم قدره إلا الله (^١).
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع (^٢).
قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨ - ٩].
وقال سبحانه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وقال ﷿: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣].
وقال - ﷺ -: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" (^٣).
وقال - ﷺ -: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان " (^٤) الحديث.
و"أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال" (^٥).
_________________
(١) انظر: لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٤).
(٢) انظر: أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ١٦٥)، الشرح والإبانة (ص ٩٧، ٢٠٣)، الاقتصاد في الاعتقاد (١٨٠)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٦)، منهاج السلامة في ميزان القيامة لابن ناصر الدين الدمشقي (ص ٥٨)، تحرير المقال والبيان في الكلام على الميزان للسخاوي (ص ١٥٥ - ١٥٧)، تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان لمرعي الكرمي (ص ٢٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٤).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح (٤/ ٢٠١١) برقم (٦٤٠٦)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح (٤/ ٢٥٧٢) برقم (٢٦٩٤) من حديث أبي هريرة - ﷺ -، به.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة باب فضل الوضوء (١/ ٢٥٣) برقم (٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ - به.
(٥) فتح الباري (١٣/ ٥٣٨)، وانظر: أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ١٦٥)، الشرح =
[ ٥٤٢ ]
قال الإمامان الجليلان أبو حاتم (^١) وأبو زرعة (^٢) الرازيان - رحمهما الله تعالى -: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار وكان من مذهبهم أن الميزان حق الذي له كفتان يوزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها" (^٣).
وقد اختلف في الوزن هل يشمل الكافر وأعماله أم لا، والخلاف جار في أقوال أهل السنة والجماعة (^٤).
والراجح - والله أعلم - عدم شموله له؛ لأنه ليس له من الأعمال الصالحة ما يوزن وإنما يجازى عليها في الدنيا، ولعموم الأدلة الدالة على بطلان عمله وعدم وزنه كقوله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وقوله سبحانه: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقوله ﷿: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم، فتحصى، فيقفون عليها، ويقررون بها، ويجزون بها" (^٥).
_________________
(١) = والإبانة (ص ٢٠٣)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٧٧)، منهاج السلامة (ص ١٣٠).
(٢) هو محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، محدث حافظ، من أئمة السلف وأعلامهم، توفي سنة ٢٧٧ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٩٢)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٦٧).
(٣) هو عبيد الله بن عبد الكريم القرشي مولاهم الرازي، محدث حافظ، من أئمة السلف، من مؤلفاته: الضعفاء والمتروكون، توفي سنة ٢٦٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٦٥)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥٧).
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٧٧).
(٥) انظر: شعب الإيمان (٢/ ٥٧)، التذكرة (٢/ ١٠)، الفصل (٣/ ٦٥)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٦)، النهاية (٢/ ٣٦ - ٣٧)، فتح الباري (١٣/ ٥٣٨)، تحرير المقال (ص ١٦٧ - ١٧٠)، البدور السافرة (ص ٢٤١)، تحقيق البرهان (ص ٣٤ - ٣٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٥)، لوائح الأنوار (٢/ ٢٠٣).
(٦) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٦).
[ ٥٤٣ ]
وعليه فقول ابن حجر بشمول الوزن للكافر وأعماله خلاف الراجح من أقوال أهل العلم، وجوابه عن الآية بما ذكر مبني على قول من قال بشمول الوزن للكافر وأعماله والراجح خلافه كما سبق.
واختلف أيضًا في الميزان هل هو واحد أم متعدد، والخلاف في ذلك أيضًا جارٍ في أقوال أهل السنة والجماعة.
والراجح - والله أعلم - ما قرره ابن حجر من أن الميزان ميزان واحد، وهو قول أكثر أهل العلم (^١).
يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه" (^٢).
وقول ابن حجر إن الوزن على أقسام ثلاثة يشهد له الأدلة الواردة في الوزن والموزونات، وقد ساق ابن حجر للأول والثاني ما يدل عليها، وترك الاستدلال للثالث، وهو وزن الإيمان بجميع السيئات والكفر بجميع الحسنات.
فأما وزن الإيمان بجميع السيئات فيشهد له حديث البطاقة، وفيه: "يصاح برجل من أمتي على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مد البصر، ثم يقول الله ﷿: أتنكر من هذا شيئًا، فيقول: لا يا رب، فيقول ﷿ ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول ﷿: إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول ﷿: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة" (^٣).
_________________
(١) انظر: التذكرة (٢/ ٢٥)، النهاية (٢/ ٢٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ٢٠٠)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٠٩)، تحرير المقال (ص ١٥٨)، تحقيق البرهان (ص ٣١ - ٣٢)، روح المعاني (٨/ ٨٤)، لوامع الأنوار (٢/ ١٨٦)، لوائح الأنوار (٢/ ١٩٦).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٠٠).
(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو شهيد (٥/ ٢٤) =
[ ٥٤٤ ]
وأما وزن الكفر بجميع الحسنات فهو على قول من يقول بشمول الوزن للكافر وأعماله، وقد سبق أن الراجح خلافه.
وقول ابن حجر بأن من الوزن وزن الإيمان مخالف لقول بعض أصحابه الأشاعرة في استثناء الإيمان من الوزن (^١)؛ وذلك بناء على قولهم بأن الإيمان مجرد التصديق بالقلب، وأن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان - كما سيأتي - (^٢).
وقد حكى العلامة السفاريني قولهم هذا وعقب عليه بقوله: "وفيه نظر لا يخفى" (^٣).
وأما ما ذكره ابن حجر عن المعتزلة من إنكار الميزان فيحتاج إلى تقييده ببعضهم؛ إذ إنكاره ليس مجمعًا عليه بينهم.
يقول القاضي عبد الجبار (^٤): "أما وضع الموازين فقد صرح الله تعالى به في محكم كتابه، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن هذا المعنى.
_________________
(١) = برقم (٢٦٣٩)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله (٢/ ١٤٣٧) برقم (٤٣٠٠)، وأحمد (١١/ ٥٧١) برقم (٦٩٩٤)، وعبد بن حميد في المنتخب (١/ ٣٠٢) برقم (٣٣٩)، وابن حبان (١/ ٤٦١) برقم (٢٢٥)، والبغوي في شرح السنة (١٥/ ١٣٣ - ١٣٤) برقم (٤٣٢١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦، ٥٢٩) من طرق عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - به. قال الترمذي: "حديث حسن غريب". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي. وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه على المسند (١١/ ١٩٧)، والشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٢١٢).
(٢) انظر: الحاوي (٢/ ١٩٧)، تحقيق البرهان (ص ٣٨).
(٣) انظر: (ص ٦٦٠).
(٤) لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٨).
(٥) هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الشافعي، من كبار المعتزلة، له مصنفات كثيرة منها؛ المغني في أبواب العدل والتوحيد، الأصول الخمسة، متشابه القرآن، توفي سنة ٤١٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٤)، شذرات الذهب (٣/ ٢٠٢).
[ ٥٤٥ ]
ولم يرد الله وتعالى بالميزان إلا المعقول منه المتعارف عليه فيما بيننا، دون العدل وغيره علىِ ما يقوله بعض الناس؛ لأن الميزان وإن ورد بمعنى العدل في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥] فدل ذلك على طريق التوسع والمجاز، وكلام الله تعالى مهما أمكن حمله على الحقيقة لا يجوز أن يعدل به عنه إلى المجاز، يبين ذلك ويوضحه أنه لو كان الميزان إنما هو العدل، لكان لا يثبت للثقل والخفة فيه معنى، فدل على أن المراد به الميزان المعروف الذي يشتمل على ما تشتمل عليه الموازين فيما بيننا" (^١).
وكلام القاضي عبد الجبار كافٍ في إثبات كون القول بإنكار الميزان ليس قولًا لجميع المعتزلة، وفي الرد على من أنكره منهم.
خامسًا: الرؤية:
١ - رؤية الله تعالى في الدنيا:
سئل ابن حجر ﵀ عن رؤية الله تعالى في الدنيا، فأجاب بقوله: "الكلام هنا في مقامين:
الأول: في إمكانها عقلًا:
الذي عليه أهل السنة أنها ممكنة عقلًا وشرعًا في الدنيا، واستدلوا لذلك بأمور عقلية وأمور نقلية، لكن أدلتهم العقلية لا تخلو من دَخَل وخفاء، فالمعول عليه في إمكانها إنما هو الأدلة النقلية.
فمنها أن موسى - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - قد سألها بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
فلو لم تكن الرؤية ممكنة جائزة الوقوع في الخارج لكان طلب موسى لها جهلًا منه بما يجوز على الله وما لا يجوز، أو سفهًا أو عبثًا أو طلبًا للمحال، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين منزهون عن كلٍّ فردًا فردًا من ذلك إجماعًا، بل من جوّز واحدًا من هذه على واحد منهم فهو كافر مهراق الدم.
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (ص ٧٣٥).
[ ٥٤٦ ]
وأيضًا فالله تعالى قد علق الرؤية باستقرار الجبل وهو أمر ممكن في نفسه، فوجب كون المعلق به كذلك؛ إذ المحال لا يعلق بممكن أصلًا.
وأوَّلَ المعتزلة الآية بتأويلات تخالف ظاهرها حتى يخرجوها عنه إلى ما يوافق اعتقادهم الفاسد، أنها من قسم المحال العقلي الذي لا يمكن وقوعه في الدنيا كالآخرة، ومحل بسطها وردها كتب التفسير والأصول.
الثاني: في وقوعها:
الرؤية وإن كانت ممكنة عقلًا وشرعًا عند أهل السنة لكنها لم تقع في هذه الدار لغير نبينا - ﷺ -، وكذا له على قول عليه بعض الصحابة - ﵃ - لكن جمهور أهل السنة على وقوعها له - ﷺ - ليلة المعراج بالعين " (^١).
التقويم:
رؤية الله ﷿ في الدنيا جائزة في الشرع والعقل، غير واقعة بإجماع أهل السنة والجماعة (^٢)، سوى رؤية النبي - ﷺ - له ليلة المعراج - كما سيأتي -.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أئمة السنة والجماعة متفقون على أن الله لا يراه أحد بعينه في الدنيا، ولم يتنازعوا إلا في نبينا محمد - ﷺ - خاصة" (^٣).
والأدلة على ذلك متضافرة نقلًا وعقلًا.
فمن الأدلة النقلية:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (١٩٩ - ٢٠٠)، وانظر: (ص ٢٨٨)، فتح المبين (ص ٨١)، المنح المكية (١/ ٤٢٣)، التعرف (ص ١١٠).
(٢) انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص ١٥٠)، شرح السنة للبربهاري (ص ٧٦)، مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٠، ٥/ ٤٩٠، ٦/ ٥١٠، ٥١٢)، مدارج السالكين (٣/ ٢٢٩)، حادي الأرواح (ص ٣٢٠)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٢٢).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٩٠).
[ ٥٤٧ ]
تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣].
والاستدلال بها من وجوه، منها:
أ - أنه لا يظن بكليم الله ورسوله، وأعلم الناس به في وقته أن يَسأل ما لا يجوز عليه، بل هو من أعظم المحال.
ب - أن الله تعالى لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ﵇ ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله، وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦].
جـ - أنه تعالى قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل: إني لا أُرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي، والفرق بين الجوابين ظاهر.
د - أن الله تعالى قادر على أن يجعل الجبل مستقرًا، وذلك ممكن، وقد علّق به الرؤية، ولا يجوز تعليق المحال بممكن (^١).
٢ - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣].
ووجه الاستدلال بها:
أن النفي الوارد في الآية المراد به أبصار أهل الدنيا على أحد القولين في الآية (^٢).
يقول الإمام أحمد ﵀ في تفسيرها: "يعني في الدنيا دون الآخرة؛ وذلك أن اليهود قالوا لموسى: أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا وعوقبوا بقولهم أرنا الله جهرة، وقد سأل مشركو قريش النبي - ﷺ - فقالوا: أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا، فلما سألوا النبي - ﷺ - هذه المسألة قال الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨] حين قالوا: أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة، فأنزل الله سبحانه يخبر أنه لا تدركه الأبصار أي: أنه لا يراه أحد في الدنيا دون الآخرة، فقال: لا تدركه
_________________
(١) انظر: حادي الأرواح (ص ٢٦٧ - ٢٦٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢١٣).
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (٥/ ٢٩٦)، تفسير ابن أبي زمنين (٢/ ٨٩)، تفسير السمعاني (٢/ ١٣٣)، تفسير البغوي (٣/ ١٧٤)، تفسير ابن كثير (٢/ ١٨٠).
[ ٥٤٨ ]
الأبصار يعني في الدنيا" (^١).
٣ - قوله - ﷺ -: "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت" (^٢).
وجه الاستدلال به:
أن الحديث صريح في نفي رؤية الله تعالى في الدنيا، وقد خاطب به رسول الله - ﷺ - أصحابه، فإذا كانت الرؤية الدنيوية منتفية في حقهم فغيرهم من باب أولى (^٣).
وأما الأدلة العقلية:
"فمعلوم أن الرؤية تعلق بالموجود دون المعدوم وإذا كان كذلك فقد عُلِمَ أن الله تعالى هو أحق بالوجود وكماله من كل موجود؛ إذ وجوده هو الوجود الواجب، ووجود كل ما سواه هو من وجوده؛ وله الكمال التام في جميع الأمور الوجودية المحضة فإنها هي الصفات التي بها يكون كمال الوجود.
وحينئذ فيكون الله - وله المثل الأعلى - أحق بأن تجوز رؤيته لكمال وجوده، ولكن لم نره في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا كما لا نستطيع التحديق في شعاع الشمس، بل كما لا تطيق الخفاش أن تراها، لا لامتناع رؤيتها، بل لضعف بصره وعجزه " (^٤).
وقول ابن حجر بأن الأدلة العقلية لا تخلو من دخل وخفاء وأن المعول عليه في إمكانها الأدلة النقلية موافق لقول جماعة من أصحابه الأشاعرة (^٥)؛ ولعل ذلك راجع إلى ضعف ما ذكروه منها وكون ما استدل به السلف لا يتأتى على أصولهم.
_________________
(١) الرد على الجهمية والزنادقة (ص ٩٥)، وانظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٥٧ - ٥٥٨)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥١٣).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد (٤/ ٢٢٤٥) برقم (٢٩٣١) من حديث بعض أصحاب النبي - ﷺ - به.
(٣) انظر: فتح الباري (١٣/ ٩٦).
(٤) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٣٦).
(٥) انظر: نهاية الإقدام (ص ٣٦٩)، غاية المرام (ص ١٦٠ - ١٦١)، شرح المواقف للجرجاني (٨/ ١٢٨).
[ ٥٤٩ ]
وما ذكره ابن حجر في الرد على المعتزلة وتمحلاتهم في تأويل أدلة الرؤية (^١) موافق لما قرره أهل السنة والجماعة (¬٢).
٢ - رؤية النبي - ﷺ - لله ﷿ ليلة المعراج:
ذكر ابن حجر ﵀ اختلاف أهل العلم في رؤية النبي - ﷺ - لله ﷿ ليلة المعراج، ورجح رؤيته له بعيني رأسه، حيث قال:
"اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في أن نبينا - ﷺ - رأى ربه في هذا المقام الذي وصل إليه دون غيره من الخلق بعين رأسه أو بعين قلبه فقط؟
والذي صح عن ابن عباس في رواية: أنه رآه ببصره، وفي أخرى: أنه رآه بقلبه ولا تخالف؛ لأنه صح عنه كما رواه الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح إلا واحدًا، فوثقه ابن حبان: "أنه رآه مرتين: واحدة بالعين، وواحدة بالقلب" ورواية ابن مردويه عنه: "لم يره بعينه" لم تصح (^٣)، وبتسليمها فالإثبات مقدم على النفي.
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٢٦٢ - ٢٦٥)، متشابه القرآن (ص ٢٩٦ - ٢٩٨)، الكشاف (٢/ ١١٣ - ١١٤).
(٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٢٣)، حادي الأرواح (ص ٣٧٤)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٠٠).
(٣) اختلفت الرواية عن ابن عباس - ﵄ - وتعددت أقواله في المسألة وقد استوعبها الحافظ ابن حجر في الغنية في مسألة الرؤية وساقها معزوة إلى أصحابها. والرواية التي ذكرها ابن حجر هنا أخرجها الطبراني في الكبير (١٢/ ٩٠) برقم (١٢٥٦٤) من طريق جمهور بن منصور، عن إسماعيل بن مجالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس - ﵄ - بها. قال الهيثمي في المجمع (١/ ٧٩): "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، خلا جمهور بن منصور الكوفي، وجمهور بن منصور ذكره ابن حبان في الثقات". وكلامه متعقب بضعف مجالد واختلاطه، قال الحافظ في التقريب (ص ٩٢٠) برقم (٦٥٢٠): "مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني أبو عمر الكوفي، ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، مات سنة ١٤٤ هـ". ورواية ابن مردويه التي ذكرها ابن حجر وأعلّها، أخرجها الدارقطني في الرؤية (ص ٣٥٤) برقم (٢٨٠) من طريق محمد بن مخلد، عن محمد بن هارون الأنصاري، عن معمر بن سهل، عن عمر بن مدرك، عن العرزمي، عن عطاء، عن ابن عباس - ﵄ - بها. =
[ ٥٥٠ ]
وجاء عن أنس بإسناد قوي: "رأى محمد ربه" (^١) وإطلاق الرؤية إنما ينصرف لرؤية العين.
وكان الحسن البصري يحلف أنه رأى ربه (^٢).
وبذلك قال عروة (^٣)، وسائر أصحاب ابن عباس، وجزم به كعب الأحبار (^٤)، والزهري (^٥)، ومعمر (^٦) وآخرون، وهو قول الأشعري وغالب أتباعه.
وأنكرت عائشة وابن مسعود الرؤية
_________________
(١) = وإسنادها ضعيف جدًّا، فيه عمر بن مدرك أبو حفص القاص الرازي، كذبه ابن معين. انظر: ترجمته في تاريخ بغداد (١١/ ٢١١ - ٢١٣)، والميزان (٣/ ٢٢٣).
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٨٨) برقم (٤٣٢)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٤٨٧) برقم (٢٨٠) من طريق أبي بحر البكرواي، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس - ﵁ - به. وفيه أبو بحر البكرواي، قال في التقريب (ص ٥٩٠) برقم (٣٩٦٨): "هو عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عثمان بن أبي بكرة الثقفي، أبو بحر البكرواي، ضعيف مات سنة ١٩٥ هـ". وأعله به الألباني في تخريج السنة.
(٣) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٤٨٨) برقم (٢٨١) من طريق إسماعيل بن خزيمة، عن عبد الرزاق، عن المعتمر بن سليمان، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، به. ورجال إسناده ثقات غير إسماعيل بن خزيمة فلم أجد له ترجمة، والمبارك بن فضالة صدوق.
(٤) هو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، ولد في أوائل خلافة عثمان - ﵁ - وتوفي سنة ٩٤ هـ على الصحيح. انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٢١)، شذرات الذهب (١/ ١٠٣).
(٥) هو كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق، ثقة، مخضرم، مات في آخر خلافة عثمان - ﵁ -. انظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٨٩)، شذرات الذهب (١/ ٤٠).
(٦) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر، فقيه حافظ متفق على جلالته وإتقانه، توفي سنة ١٢٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦)، شذرات الذهب (١/ ١٦٢).
(٧) هو معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري، ثفة ثبت فاضل، توفي سنة ١٥٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٥)، شذرات الذهب (١/ ٢٣٥).
[ ٥٥١ ]
وسئل أحمد عن قول عائشة: "من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية"، فقال: يدفع قولها بقول النبي - ﷺ -: "رأيت ربي" (^١)، وقول النبي - ﷺ - "أكبر" (^٢).
وقال في سياق ذكر معتقده في الرؤية: "وتجوز رؤيته في الدنيا، لكن لم تقع يقظة إلا لنبينا - ﷺ - بعيني رأسه ليلة المعراج التي أسرى فيها بجسمه الشريف يقظة" (^٣).
التقويم:
اختلفت أقوال السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم في رؤية النبي - ﷺ - لربه ليلة المعراج، وهي في مجملها على ثلاثة أضرب:
الأول: أقوال تثبت الرؤية مطلقًا.
الثاني: أقوال تنفي الرؤية مطلقًا.
الثالث: أقوال تقيد الرؤية بالرؤية القلبية لا البصرية.
ومن ثم اختلف أهل العلم بعدهم في تحرير أقوالهم على مذهبين:
المذهب الأول: من يرى أن الاختلاف بين أقوالهم اختلاف تضاد لا تنوع يوجب الترجيح بينها لا الجمع، واختلف القائلون بذلك في القول الراجح منها ووجهه.
والمذهب الثاني: من يرى أن الاختلاف بين أقوالهم اختلاف تنوع لا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٥٠) برقم (٢٥٨٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٩١) برقم (٤٤٠)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٤٨٤) برقم (١١١٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥١٢) برقم (٨٩٧)، والدارقطني في الرؤية (ص ٣٤٥) برقم (٢٦٤) من طرق عن أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، به. قال الهيثمي في المجمع (١/ ٧٨): "رجاله رجال الصحيح". والحديث صححه الألباني في تحقيقه للسنة لابن أبي عاصم.
(٢) المنح المكية (١/ ٤٢٢ - ٤٢٤).
(٣) التعرف (١/ ١١٠)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٠، ٢٨٨).
[ ٥٥٢ ]
تضاد يوجب الجمع لا الترجيح (^١).
والمذهب الثاني هو الصحيح -والله أعلم- واختاره جمع من المحققين منهم شيخ الاسلام ابن تيمية (^٢)، وتلميذه ابن القيم (^٣)، وابن كثير (^٤)، وابن أبي العز (^٥)، والسفاريني (^٦)، والشنقيطي (^٧)، وغيرهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"، وعائشة أنكرت الرؤية.
فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد، والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: "رأى محمد ربه"، وتارة يقول: "رآه محمد" ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح أنه رآه بعينه
وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل:
كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله -ﷺ- هل
_________________
(١) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٧٧ - ٥٦٣)، الرؤية للدارقطني (ص ٣٠٨ - ٣٦١)، شرح اعتقاد أهل السنة (٢/ ٥١٣ - ٥٢٣)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٥٢)، شرح السنة للبغوي (١٢/ ٢٢٨)، مجموع الفتاوى (٢/ ٣٣٥، ٣/ ٣٨٦، ٦/ ٥٠٩)، زاد المعاد (٣/ ٣٧)، تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٣)، العلو للذهبي (١/ ٧٦٥ - ٧٧٤)، شرح الطحاوية (١/ ٢٢٢ - ٢٢٥)، فتح الباري (٨/ ٦٠٨)، ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة (ص ١٨٠)، أقاويل الثقات للكرمي (ص ١٩٦ - ١٩٧)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٥٠ - ٢٥٦)، أضواء البيان (٣/ ٣٦٣)، وللاستزادة: الغنية في مسألة الرؤية، رؤية النبي -ﷺ- لربه للتميمي، رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها للحمد (ص ١٣٨).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠).
(٣) انظر: زاد المعاد (٣/ ٣٧ - ٣٨).
(٤) انظر: تفسيره (٤/ ٢٦٣).
(٥) انظر: شرح الطحاوية (١/ ٢٢٢، ٢٧٥).
(٦) انظر: لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
(٧) انظر: أضواء البيان (٣/ ٣٩٩).
[ ٥٥٣ ]
رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" (^١).
وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١]، ولو كان قد رآه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وكذا قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾ [النجم: ١٢]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: "هي رؤيا عين أريها رسول الله -ﷺ- ليلة أسري به" (^٢) وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه" (^٣).
وأما ما قرره ابن حجر من القول بالرؤية البصرية فهو قول مرجوح، واستدلاله بما ذكر لا يُسلَّم له، وبيان ذلك فيما يلي:
أ- أما ما ذكره عن ابن عباس -﵄- فالجواب عنه:
أن الروايات عن ابن عباس متعددة، ورواتها اختلفوا عليه فيها، والثابت عنه إطلاق الرؤية أو تقييدها بالفؤاد، وما عداهما ضعيف لا يثبت (^٤).
يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله ﵇: "نور أنا أراه" (١/ ١٦١) برقم (٢٩١).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٣/ ١٤٦١) برقم (٤٧١٦).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠).
(٤) انظر: سياق الروايات عنه وتخريجها في مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩)، زاد المعاد (٣/ ٣٧)، تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٣)، الغنية في مسألة الرؤية (ص ٣١).
[ ٥٥٤ ]
مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ [فاطر: ١١ - ١٢]
قال ابن عباس: رآه بفؤاده مرتين وفي رواية عنه أنه أطلق الرؤية وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد.
ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة -﵃-" (^١).
ب- وأما ما ذكره عن أنس، وكعب الأحبار، والحسن البصري، وعروة، ومعمر، والزهري من القول بالرؤية البصرية، فالجواب عنه:
أن أقوال هؤلاء لا تدل على الرؤية البصرية، بل على مطلق الرؤية (^٢).
ولهذا يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة -﵃-[يعني: الرؤية البصرية].
وقول البغوي في تفسيره (^٣): ذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة، فيه نظر، والله أعلم" (^٤).
وأما قول ابن حجر بأن إطلاق الرؤية ينصرف لرؤية العين فهو متعقب بأن (الرؤية) لفظ مشترك يحدده سياق الكلام وقرائنه.
جـ- وأما ما ذكره عن الإمام أحمد ﵀ من إنكاره قول عائشة -﵂-، فالجواب عنه:
أن المروي عن أحمد إطلاق الرؤية أو تقييدها برؤية الفؤاد دون الرؤية
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٣).
(٢) انظر: سياق أقوالهم وتخريجها في الرؤية للدارقطني (ص ٣٠٨ - ٣٦١)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥١٢ - ٥٢٣)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٧٧ - ٥٦٣)، الغنية في مسألة الرؤية.
(٣) (٧/ ٤٠٣).
(٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٣).
[ ٥٥٥ ]
البصرية، ومن حكى عنه القول بالرؤية البصرية فقد وهم عليه (^١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لم يقل أحمد -رحمه الله تعالى- إنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال مرة رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك" (^٢).
وأما إنكاره قول عائشة -﵂- فالجواب عنه ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ حيث قال: "في رد الإمام أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي -ﷺ- إشعار بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة وهذا يدل على أحد أمرين:
إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية؛ إذ هو مخالفة للحديث.
وإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية، وقد صرح بأنه رآه رؤيا حلم بقلبه، وهذا تقييد منه للرؤية، وأُطلق عنه بأنه رآه، وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه.
وهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة، وكيف يقول أحمد بعيني رأسه يقظة ولم يجد في حديث قط، فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت، وإنكاره قول من قال: لم يره أصلًا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه، والله أعلم" (¬٣).
٣ - رؤية الله تعالى في الموقف:
سئل ابن حجر ﵀ عن رؤية الله تعالى في الموقف هل هي خاصة بالمؤمنين أم تشمل المنافقين والكافرين؟ .
_________________
(١) حكى القاضي أبو يعلى في الروايتين والوجهين (ص ٦٠ - ٦٨)، وإبطال التأويلات (١/ ١١١ - ١١٤) عن الإمام أحمد ثلاث روايات، الرؤبة البصرية إحداها. وانظر: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد للأحمدي (٢/ ١٤٥).
(٢) نقله عنه تلميذه ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٣٧)، وانظر: قريبًا منه مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠).
(٣) التبيان في أقسام القرآن (ص ٢٦٠ - ٢٦١).
[ ٥٥٦ ]
فأجاب بقوله: "قال جمع من أهل السنة إنها تحصل للمنافقين في الموقف، وجمع إنها تحصل للكافرين" (^١).
التقويم:
رؤية الله تعالى في الموقف "تنازع الناس فيها بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة، وأمسك عن الكلام في هذا قوم، وتكلم فيها آخرون، فاختلفوا على ثلاثة أقوال: " (^٢).
"أحدها: أن الكفار لا يرون ربهم بحال، لا المظهر للكفر، ولا المسر له.
وهذا قول أكثر العلماء المتأخرين، وعليه يدل عموم كلام المتقدمين، وعليه جمهور أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.
الثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها وغبرات من أهل الكتاب، وذلك في عرصة القيامة، ثم يحتجب عن المنافقين فلا يرونه بعد ذلك.
وهذا قول أبي بكر بن خزيمة من أئمة أهل السنة، وقد ذكر القاضي أبو يعلى نحوه في حديث إتيانه ﷾ لهم في الموقف الحديث المشهور (^٣).
الثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب -كاللص إذا رأى السلطان- ثم يحتجب عنهم، ليعظم عذابهم، ويشتد عقابهم، وهذا قول أبي الحسن بن سالم (^٤) وأصحابه، وقول غيرهم " (^٥).
والراجح -والله أعلم- القول الثالث، وهو رؤبة جميع أهل الموقف لله تعالى بحسب أعمالهم.
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٨٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٦).
(٣) انظر: إبطال التأويلات (٢/ ٢٩٠).
(٤) هو أحمد بن محمد بن سالم المخرمي البصري، رأس السالمية وشيخهم، توفي سنة ٣٢٧ هـ. انظر: حلية الأولياء (١٠/ ٣٧٨)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٧٢).
(٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٧٨ - ٤٨٨).
[ ٥٥٧ ]
يقول العلامة ابن القيم ﵀: "دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضًا" (^١).
والمقصود هنا بيان أن ابن حجر ﵀ لم يخرج في كلامه عن هذه المسألة عن سياق أقوال من تقدمه، وأما بسط المسألة وبيان أدلتها فهو مذكور في مواضعه من كتب أهل العلم (^٢).
٤ - رؤية الله تعالى في الجنة:
يقرر ابن حجر ﵀ ثبوت رؤية الله تعالى في الجنة، حيث يقول: "رؤيته تعالى في الآخرة ممكنة بل واقعة كما صرحت به النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي كادت تتواتر.
وخلاف المعتزلة في ذلك لسوء جهلهم، وفرط عنادهم، وتصرفهم في النصوص بآرائهم القاصرة الفاسدة نعوذ بالله من أحوالهم" (^٣).
ويرى أن الرؤية متحققة في الجنة لكل من دخلها من الرجال بالإجماع، ومن النساء على خلاف، حيث يقول: "الرؤية في الجنة أجمع أهل السنة أنها حاصلة للأنبياء والرسل والصديقين من كل أمة ورجال المؤمنين من البشر من هذه الأمة.
واختلف في نساء هذه الأمة:
فقيل: لا يرين؛ لأنهن مقصورات في الخيام، ولم يرد تصريح برؤيتهن.
وقيل: يرين؛ لعموم النصوص.
وقيل: يرين في مثل أيام الأعياد التي كانت في الدنيا كيوم الجمعة فإن التجلي فيها عام، وأخرج الدارقطني حديث: "إذا كان يوم القيامة رأى
_________________
(١) حادي الأرواح (ص ٢٦٩).
(٢) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٧)، شرح صحيح مسلم (١/ ٤٣٧)، مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٥ - ٥٠٧)، حادي الأرواح (ص ٢٦٩)، شرح الطحاوية (١/ ٢٢١)، فتح الباري (٨/ ٦٠٧، ١١/ ٤٤٧)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٤٨).
(٣) فتح المبين (ص ٨١)، وانظر: المنح المكية (١/ ٤٢٤)، فتح الإله (ص ٦).
[ ٥٥٨ ]
المؤمنون ربهم ﷿"، وفيه: "ويراه المؤمنات يوم الفطر والأضحى" (^١) " (^٢).
ويقيد ابن حجر رؤية الله تعالى في الجنة والنظر إليه بما يوافق معتقده في نفي العلو عنه سبحانه، فيقول: "ستلقون ربكم في الدار الأخرى ناظرين إليه على وجه منزه من الحلول والجهة والمكان والتحيز والإحاطة " (^٣).
التقويم:
رؤية الله تعالى في الجنة ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع (^٤).
فأما الكتاب فمنه:
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
وجه الاستدلال:
إضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقته وموضوعه، صريح في أن الله تعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب تعالى، وهذا قول كل مفسري أهل السنة (^٥).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في كتاب الرؤية (ص ١٧٠) برقم (٥٦) من طريق أحمد بن سلمان بن الحسن، عن محمد بن عثمان بن محمد، عن مروان بن جعفر، عن نافع أبي الحسن مولى بني هاشم، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك -﵁- به. وإسناده ضعيف فيه مروان بن جعفر السَّمُري لين الحديث، انظر: ميزان الاعتدال (٤/ ٨٩)، لسان الميزان (٦/ ١٤)، ونافع أبو الحسن مولى بني هاشم لم أجد له ترجمة.
(٢) الفتاوى الحديثية (ص ٢٨٦)، وانظر: التعرف (ص ١١٠).
(٣) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٢٧٩).
(٤) انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص ٨٧)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٠٦)، التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة للآجري (ص ٢٧)، كتاب الرؤية للدارقطني (ص ٩١ - ٣٠٨)، رؤية الله ﵎ لابن النحاس (ص ٩٥ - ١٣٧)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ١٦٠)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٣٦)، ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري (ص ٣٠ - ١٠٣)، مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩)، (٥/ ٤٨٥)، (١٦/ ٨٤)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٢٥٣)، حادي الأرواح (ص ٢٦٧ - ٣١٩)، شرح الطحاوية (١/ ٢٠٧ - ٢١٥)، فتح الباري (١٣/ ٤٢٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٤٣)، وللاستزادة: رؤية الله تعالى للحمد (ص ١٨٩ - ٢٣٨).
(٥) انظر: حادي الأرواح (ص ٢٧٦)، شرح الطحاوية (١/ ٢٠٩).
[ ٥٥٩ ]
وقوله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
وجه الاستدلال:
أن الحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم كما فسرها بذلك الرسول -ﷺ- (^١)، فقد روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: قرأ رسول الله -ﷺ-: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا ويريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقِّل موازيننا، ويبيِّض وجوهنا، ويُدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة" (^٢).
وقوله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].
وجه الاستدلال:
أن الله تعالى إذا احتجب عن الكافرين في السخط، كان هذا دليلًا على أن أولياءه يرونه في الرضا، وبهذا احتج جمع من أئمة السلف (^٣).
وأما السُّنَّة: فقد تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- في إثباتها (^٤)، وجمعها غير واحد من أهل العلم في مصنفات مستقلة (^٥)، وتتبعها العلامة ابن القيم في كتابه حادي الأرواح وساقها معزوة إلى مخرجيها فبلغت ثلاثين حديثًا (^٦).
_________________
(١) انظر: حادي الأرواح (ص ٢٧٠)، شرح الطحاوية (١/ ٢١١).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه (١/ ١٦٣) برقم (١٨١).
(٣) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٤٣)، حادي الأرواح (ص ٢٧٢)، شرح الطحاوية (١/ ٢١١ - ٢١٢).
(٤) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٧٠)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٤٥)، مجموع الفتاوى (٦/ ٤٦٩)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٥٣، ٤٠٩، ٤١٦)، حادي الأرواح (ص ٢٧٧، ٣١٩)، شرح الطحاوية (١/ ٢١٥)، فتح الباري (٨/ ٣٠٢).
(٥) ذكر طائفة منها شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٦)، ومما هو مطبوع: التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة للآجري، والرؤية للدارقطني، ورؤية الله تعالى لابن النحاس.
(٦) انظر: حادي الأرواح (ص ٢٧٧ - ٣٠٧).
[ ٥٦٠ ]
قال ﵀: "الأحاديث عن النبي -ﷺ- وأصحابه الدالة على الرؤية متواترة، رواها عنه: أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وجرير بن عبد الله البجلي، وصهيب، وابن سنان الرومي، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعمارة بن رويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص -وحديثه موقوف- وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيدة -وحديثه موقوف- ورجل من أصحاب النبي -ﷺ- غير مسمى" (^١).
وعليه فقول ابن حجر: "والأحاديث النبوية كادت تتواتر" متعقب بتواترها حقيقة، فإن الحكم بالتواتر وإن كان نسبيًا إلا أنه هنا ظاهر جدًّا.
وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الرؤية في الآخرة، وسؤال الله الكريم حصولها، وحكى إجماعهم غير واحد من أهل العلم (^٢).
وما ذكره ابن حجر من ثبوت الرؤية لكل من دخل الجنة من الرجال حق.
وأما النساء فقد اقتصر على ذكر أقوال الناس في رؤيتهن دون ترجيح، وجملتها ثلاثة:
أحدها: أنهن لا يرينه مطلقًا.
والثاني: أنهن يرينه كالرجال.
_________________
(١) حادي الأرواح (ص ٢٧٧).
(٢) انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص ١٠٣)، شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥)، ضوء الساري (ص ٢٨)، مجموع الفتاوى (٦/ ٤٦٩، ٥١٠)، حادي الأرواح (ص ٣١٩)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٤٠)، توضيح المقاصد لابن عيسى (٢/ ٥٧٩).
[ ٥٦١ ]
والثالث: أنهن يرينه في مثل أيام الأعياد دون غيرها (^١).
والراجح -والله أعلم- أن النساء يرين الله تعالى في الجنة كالرجال؛ وذلك لما يلي:
١ - أن الأدلة في الرؤية عامة للرجال والنساء، ولم يعارض هذا العموم ما يقتضي تخصيصه (^٢).
٢ - أن النساء يشاركن الرجال في الأعمال التى توجب الرؤية فوجب أن يشاركنهم في الثواب (^٣).
٣ - ضعف ما استدل به أصحاب القولين اآخرين؟ إذ الآية لا تمنع من رؤيتهن الله ﷿ وهن في خيامهن، والحديث لا يراد حصر رؤيتهن له في أيام الأعياد، وإنما مجرد الإخبار بذلك فلا ينفي وقوع الرؤية لهن في غيرها (^٤).
وأما ما قرره ابن حجر من تقييد رؤية الله في الجنة بالرؤية المنزهة عن الحلول والاحاطة والجهة والمكان والتحيز، فهو يتضمن حقًّا وباطلًا.
فاما الحق الذي يتضمنه: فهو تنزيه رؤية الله عن الحلول والإحاطة؛ إذ الله ﷿ منزه عن أن يكون حالًا في غيره أو غيره حالًا فيه إذ كل ما سواه ناقص لا يليق بكماله مخلوق لا دوام له، وهو منزه أيضًا عن أن يحاط به لكمال عظمته سبحانه لا تدركه الأبصار ولا تحيط به كما يُعْلَم ولا يحاط به علمًا (^٥).
وأما الباطل الذي تضمنه: فهو تنزيه رؤية الله -بزعمه- عن الجهة والمكان والتحيز؛ ووجه بطلانه ما يلي:
١ - أن (الجهة) و(المكان) و(التحيز) ألفاظ مجملة لم ترد في الكتاب
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٠٨) وما بعدها، النهاية لابن كثير (٢/ ٣٥٣)، تحفة الجلساء برؤية الله للنساء للسيوطي ضمن الحاوي (٢/ ١٩٨ - ٢٠٢)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٤٧).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٣٠).
(٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ٤٢٦).
(٤) انظر: المصدر السابق (٦/ ٤٥٢).
(٥) انظر: شرح الطحاوية (١/ ٢٢٥).
[ ٥٦٢ ]
والسنة، فلا تثبت بإطلاق ولا تنفي بإطلاق وإنما يستفصل عن معناها، ويعبر عنها بالألفاظ الشرعية، وقد سبق مناقشتها بالتفصيل بما يغني عن إعادته (^١).
٢ - أن مراد ابن حجر بنفي الجهة والمكان والتحيز نفي علو الله تعالى وهو باطل -كما سبق- (^٢) وقوله بنفي الرؤية إلى جهة مبني عليه، وما بني على باطل فهو باطل.
٣ - أن إثبات الرؤية إلى غير جهة مخالف لظواهر نصوص الكتاب والسنة (^٣)، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها من ثبوت الرؤية إلى جهة العلو (^٤).
٤ - أن إثبات الرؤية إلى غير جهة مخالف للفطرة، ومناقض للعقل، يفضي بإثباتها إلى نفيها، وبمامكانها إلى استحالتها، ولهذا خرج الأشاعرة -ومنهم ابن حجر- بقولهم هذا عن إجماع عقلاء بني آدم من مثبتة الصفات ونفاتها، وألزمهم كلا الفريقين بإثبات الرؤية والجهة معًا أو نفيهما معًا (^٥).
سادسًا: الجنة والنار:
١ - خلق الجنة والنار ووجودهما الآن:
يرى ابن حجر ﵀ أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن خلافًا لمن زعم غير ذلك، يقول في شرحه لقوله -ﷺ-: "ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها ثم جيء بالجنة وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي " (^٦): "فيه أبلغ الرد على المعتزلة ومن وافقهم، إذ هو
_________________
(١) انظر: (ص ٣٠٨).
(٢) انظر: (ص ٣٠٨).
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٠٩ - ٤١١).
(٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤١٥)، حادي الأرواح (ص ٣١٩).
(٥) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٧٧)، منهاج السنة (٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣، ٣٥١ - ٣٥٢)، مجموع الفتاوى (١٦/ ٨٤)، شرح الطحاوية (١/ ٢١٩)، توضيح المقاصد لابن عيسى (١/ ٤٢٥ - ٤٢٧).
(٦) أخرجه البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة (١/ ٣٦١) =
[ ٥٦٣ ]
صحيح في وجود الجنة والنار الآن " (^١).
التقويم:
القول بخلق الجنة والنار ووجودهما الآن مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة سلفًا وخلفًا (^٢) ومن وافقهم من الأشاعرة (^٣) والماتريدية (^٤)، وخالف في ذلك الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم (^٥) فقالوا بنفي خلقهما ووجودهما الآن.
يقول العلامة ابن أبي العز ﵀: "اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم.
فمن نصوص الكتاب:
قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]، وعن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٢]
[ومن نصوص السنة:]
في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) = برقم (١٢١٢)، ومسلم، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف (٢/ ٦١٩) برقم (٩٠١) من حديث عائشة -﵂- به.
(٢) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٥٦٢).
(٣) انظر: الشرح والإبانة لابن بطة (ص ٢٠٦)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١١٨٤)، الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٧١ - ٤٧٥)، عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص ٣٦٤)، التمهيد (١٩/ ١١٥)، درء التعارض (٨/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، حادي الأرواح (ص ١١)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٦١٤ - ٦٢٠)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٣٠).
(٤) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٩)، الإرشاد (ص ٣١٩)، أصول الدين للبغدادي (ص ٢٣٧)، المواقف (ص ٣٧٤ - ٣٧٥)، وشرحها (٨/ ٥٨٤)، شرح المقاصد (٥/ ١٠٧).
(٥) انظر: أصول الدين للبزدوي (ص ١٦٥ - ١٦٦)، المسايرة (ص ٢٤٧ - ٢٤٩).
(٦) انظر: متشابه القرآن (ص ١٦٠ - ١٦١)، أوائل المقالات (ص ١٤٥ - ١٤٦).
[ ٥٦٤ ]
قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك يبعثك الله يوم القيامة" (^١) " (^٢).
وبما سبق يُعلم أن ما قرره ابن حجر من القول بخلق الجنة والنار ووجودهما الآن موافق لقول أهل السنة والجماعة.
٢ - دوام الجنة والنار:
يرى ابن حجر ﵀ دوام الجنة والنار، ويرد على من قال بفنائهما، حيث يقول: "قال قوم: إن عذاب الكفار منقطع وله نهاية، واستدلوا:
بهذه الآية [يريد قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧]].
وبـ ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ: ٢٣].
وبأن معصية الظلم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم" (^٣).
"ونقل غير واحد هذه المقالة عن ابن مسعود وأبي هريرة.
قال ابن تيمية: وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وذهب إليه الحسن البصري، وحماد بن سلمة (^٤)، وجماعة من المفسرين" (^٥).
والجواب: "دلت الآيات والأحاديث على أن عذاب الكفار في جهنم دائم مؤبد، وما ورد مما يخالف ذلك يجب تأويله، فمن ذلك:
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي (١/ ٤٠٩) برقم (١٣٧٩)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه (٤/ ٢١٩٩) برقم (٢٨٦٦).
(٢) شرح الطحاوية (٢/ ٦١٤ - ٦١٦).
(٣) الزواجر (١/ ٣٧).
(٤) هو حماد بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصري، إمام قدوة محدث، سلفي المعتقد، شديد على المبتدعة، توفي سنة ١٦٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٤٤)، شذرات الذهب (١/ ٢٦٢).
(٥) الزواجر (١/ ٣٧)، وانظر: كلام شيخ الإسلام في رسالة الرد على من قال بفناء الجنة والنار (ص ٥٣).
[ ٥٦٥ ]
قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] فظاهره أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض إلا ما شاء الله من هذه المدة فلا يكونون خالدين فيها، وقد أوله العلماء بنحو عشرين وجهًا يرجع بعضها إلى حكمة التقييد بدوام السموات والأرض، وبعضها إلى حكمة الاستثناء ومعناه
وقوله: ﴿أَحْقَابًا﴾ لا يقتضي أن له نهاية؛ لأن العرب يعبرون به وبنحوه عن الدوام.
ولا ظلم في ذلك؛ لأن الكافر كان عازمًا على الكفر ما دام حيًّا فعوقب دائمًا، فهو لم يعاقب بالدائم إلا على دائم فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقًا" (^١).
"ويرد ما نقله -يعنى: ابن تيمية- عن الحسن قول غيره قال العلماء: قال ثابت: سألت الحسن عن هذا فأنكره.
والظاهر أن هؤلاء الذين ذكرهم لم يصح عنهم من ذلك شيء وعلى التنزل بمعنى كلامهم -كما قاله العلماء- ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين، أما مواضع الكفار فهي ممتلئة بهم لا يخرجون عنها أبدًا كما ذكره الله تعالى في آيات كثيرة" (^٢).
"واعلم أن التقييد والاستثناء في أهل الجنة ليس المراد بهما ظاهرهما باتفاق الكل، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] فيؤول بنظير ما مر، ويكون المراد بها إذا جعلناها بمعنى من أهل الأعراف وعصاة المؤمنين الذين لم يدخلوها إلا بعد" (^٣).
وقد نقل ابن حجر القول بفناء النار عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وعده من جملة ما خالف به الناس، وخرق به الإجماع (^٤).
_________________
(١) الزواجر (١/ ٣٦ - ٣٧).
(٢) المصدر السابق (١/ ٣٧).
(٣) المصدر السابق (١/ ٣٨)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٦٥، ١٦٦، ٢٣٤، ٢٥٧).
(٤) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٥٨ - ١٥٩).
[ ٥٦٦ ]
التقويم:
أجمع أهل السنة والجماعة (^١) ومن وافقهم (^٢) على القول ببقاء الجنة، ودوام نعيمها، وخلود أهلها، وخالف في ذلك الجهمية فقالوا بفنائها وأهلها.
وأما النار فقد اختلف الناس في بقائها، ودوام عذابها، وخلود أهلها على ثمانية أقوال (^٣)، أهمها ثلاثة:
الأول: أن النار كالجنة باقية لا تفنى، وأن الله تعالى يخرج منها من يشاء، ويبقى فيها الكفار بقاءً أبديًا لا انقضاء له.
والثاني: أن النار تفنى، وأن الله تعالى يخرج منها من يشاء، ثم يبقيها ما يشاء، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدًا تنتهي إليه.
والثالث: الإمساك عن ذلك كله، والوقوف عند قوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧].
والقول الصحيح -والله أعلم- أن النار كالجنة باقية لا تفنى، وهو قول جمهور أهل السنة والجماعة (^٤)، وحكاه بعضهم إجماعًا (^٥).
_________________
(١) انظر: الشرح والإبانة (ص ٢٠٨)، أصول السنة لابن زمنين (ص ١٣٩ - ١٤٠)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٣٦٤)، مراتب الإجماع لابن حزم (ص ١٣)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٥٣)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٨١)، حادي الأرواح (ص ٣٢٣)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٢٠).
(٢) انظر: الفصل (٤/ ٨٣)، أصول الدين للبغدادي (ص ٢٣٨)، أصول الدين للبزدوي (ص ١٦٥ - ١٦٦)، المسايرة (ص ٢٤٧ - ٢٤٩).
(٣) انظر: حاي الأرواح (ص ٣٢٩ - ٣٣٢)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٢٤)، فتح الباري (١١/ ٤٢١ - ٤٢٢).
(٤) انظر: أصول) السنة لابن أبي زمنين (ص ١٣٩ - ١٤٠)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٣٦٤)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٦٣، ٤٣٦)، التمهيد (٥/ ١١)، الاقتصاد في الاعتقاد (ص ١٧٦)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٢٠ - ٦٢١)، توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين لمرعي الكرمي (ص ٦٢)، كشف الأستار في إبطال قول من قال بفناء النار للشوكاني (٢/ ٧٨٩)، لوامع الأنوار (٢/ ٢٣٠).
(٥) انظر: مراتب الإجماع (ص ١٣)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٨١)، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار للصنعاني (ص ١١٦).
[ ٥٦٧ ]
وأدلة ذلك متظافرة من الكتاب والسنة:
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦].
وقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ [المائدة: ٣٧].
وقوله ﷿: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥].
ومن السُّنَّة: قوله -ﷺ-: "يدخل أهل الجنة الجنة، وبدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما هو فيه" (^١).
وقوله -ﷺ-: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة " (^٢).
والقولان الآخران لا تنهض أدلتهما لمعارضة هذه الأدلة الصريحة، والجواب عنها يطول المقام بتسطيره، وما ذكره ابن حجر في كلامه السابق يغني عن إعادته.
وأما ما ذكره ابن حجر عن شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀ من القول بفناء النار، فالجواب عنه:
أن الناس على اختلاف مشاربهم قد اختلفوا في موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من هذه المسألة، وذهبوا في ذلك ثلاثة مذاهب:
الأول: من ينفي قوله بفناء النار.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب (٤/ ٢٠٤٩) برقم (٦٥٤٤)، ومسلم، كتاب الجنة، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفة (٤/ ٢١٨٩) برقم (٢٨٥٠) من حديث ابن عمر -﵄- به.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة (١/ ١٧٢) برقم (١٨٥) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- به.
[ ٥٦٨ ]
الثاني: من يثبت قوله بفناء النار.
الثالث: من يقول بميله إلى القول بفناء النار دون جزمه به (^١).
ونصوص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة محتملة لهذه المذاهب كلها (^٢)، وسواء ثبت عنه القول بذلك أو الميل له أو عدمه فإنه لا طعن عليه فيه؛ إذ الخلاف في المسألة مشهور مأثور، والمجتهد فيها دائر بين الأجر والأجرين، والتثريب عليه ممتنع (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: رفع الأستار (ص ٦١) وما بعدها، إيثار الحق على الخلق لابن الوزير (ص ٢٠٣)، جلاء العينين (ص ٤٢٠ - ٤٢٤)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٣٥)، مقدمة العلامة الألباني على رفع الأستار (ص ٨ - ٤٥)، مقدمة الدكتور السمهري على الرد على من قال بفناء الجنة والنار (ص ١٨ - ٢٧)، كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء الجنة والنار المنسوب لشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم للدكتور علي بن علي الحربي، دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية للدكتور عبد الله الغصن (ص ٦٠٨ - ٦٢٤).
(٢) جمع جملة منها العلامة الألباني في مقدمة تحقيقه لرفع الأستار (ص ٨ - ٢٠)، والدكتور علي الحربي في رسالته كشف الأستار (ص ٥٨ - ٧١)، والدكتور عبد الله الغصن في دعاوى المناوئين (ص ٦١١ - ٦١٦).
(٣) انظر: جلاء العينين (ص ٤٢٧).
[ ٥٦٩ ]
الفصل الخامس آراؤه في القضاء والقدر
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما.
المبحث الأول: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه.
المبحث الثاني: آراؤه في أفعال العباد، والهدى والضلال، وتنزيه الله عن الظلم.
المبحث الثالث: آراؤه في التحسين والتقبيح، والحكمة والتعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق.
[ ٥٧١ ]
تمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما
القضاء في اللغة: هو بالمدّ، ويقصر، أصله: قَضَايٌ؛ لأنّه من قضيت، إلا أنّ الياء لَمّا جاءت بعد الألف همزت.
يقول ابن فارس: "القاف والضّاد والحرف المعتلّ أصل صحيح يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه" (^١).
ويطلق القضاء على معان عدّة منها: الأمر، والأداء، والحكم، والفراغ، والإعلام، والموت (^٢).
والقدر في اللغة: مصدر قَدَرَ يَقدر قَدَرًا.
يقول ابن فارس: "القاف والدّال والرّاء أصل صحيح يدلّ على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته" (^٣).
ويطلق القدر على معان عدّة منها: الحكم، والقضاء، والطّاقة، والتّضييق، والتّقدير (^٤).
والمراد بالقضاء والقدر في الشرع: علم الله بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ، ومشيئته سبحانه لوقوعها، وخلقه ﷿ لها على ما سبق به علمه وكتابته ومشيئته (^٥).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (ص ٨٩٣).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٩٨٦)، الصحاح (٦/ ٢٤٦٣)، لسان العرب (١٥/ ١٨٦)، القاموس المحيط (ص ١٧٠٨).
(٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٨٧٦).
(٤) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٨٩٦)، الصحاح (٢/ ٧٨٦)، لسان العرب (٥/ ٧٤)، القاموس المحيط (ص ٥٩١).
(٥) انظر: شرح السنة (١/ ١٤٢)، معالم السنن (٤/ ٢٩٧)، شرح صحيح مسلم (١/ ٢١٧)، =
[ ٥٧٢ ]
وقد اختلف أهل العلم في لفظي القضاء والقدر هل هما بمعنى واحد أم معان متغايرة، واختلف القائلون بالتّغاير بينهما في تحديد وجهه (^١).
يقول ابن حجر ﵀ في ذلك: "اعلم أنّ من المهمّ الفرق بين القضاء والقدر، فإنّه قد استشكل، فالقضاء إيجاد جميع المخلوقات في اللوح، والتّقدير إيجادها في العيان، ولذلك قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، أي: فأبرزه على ما سبق في علمه، فجاء الوجود الخارجي على طبق الوجود العلمي" (^٢).
وقال في موضع آخر: "القضاء -عند الأشعرية- إرادته الأزليّة المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه، والقدر: إيجاده إياها على قدر مخصوص وتقدير معيّن في ذواتها وأفعالها.
والقضاء: علمه أولًا بالأشياء على ما هي عليه، والقدر: إيجاده إيّاها على ما يطابق العلم" (^٣).
وما ذكره ابن حجر ﵀ هو مذهب بعض الأشاعرة لا كلّهم كما تُوهِمُ عبارته (^٤).
_________________
(١) = جامع الرسائل (٢/ ٣٥٥)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٨ - ١٤٩)، شفاء العليل (١/ ١٣٣)، فتح الباري (١/ ١١٨)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٤٥) (١/ ٣٤٩)، الدرر السنية (١/ ٥١٢)، فتاوى ابن عثيمين (٢/ ٧٩ - ٨١).
(٢) انظر: الأربعين في أصول الدين للغزالي (ص ٢٤)، المفردات للراغب الأصفهاني (ص ٤٢٢)، فتح الباري (١١/ ١٤٩، ٤٧٧)، عمدة القاري للعيني (٢٣/ ١٤٥)، إرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ٣٤٣)، الدين الخالص (٣/ ١٥٤)، الدرر السنية (١/ ٥١٢)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ٥٢، ٦٢)، وللاستزادة: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة د. المحمود (ص ٣٠).
(٣) أسنى المطالب (ص ٣٥).
(٤) فتح المبين (ص ٧٢).
(٥) انظر: الأربعين في أصول الدين للغزالي (ص ٢٤)، المفردات للراغب الأصفهاني (ص ٤٢٢)، فتح الباري (١١/ ١٤٩، ٤٧٧)، عمدة القاري للعيني (٢٣/ ١٤٥)، إرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ٣٤٣).
[ ٥٧٣ ]
والرّاجح -والله أعلم- في هذه المسألة أنّ لفظي القضاء والقدر بينهما عموم وخصوص، فإذا أطلق القضاء مفردًا شمل القدر، وإذا أطلق القدر مفردًا شمل القضاء.
وأمّا إذا اجتمعا فالمراد بالقضاء ما يقضيه الله تعالى في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، والمراد بالقدر ما قدّره الله تعالى في الأزل، فالقدر سابق والقضاء لاحق (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: الدرر السنية (١٠/ ٥١٢ - ٥١٣)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ٥٢، ٦٢).
[ ٥٧٤ ]
المبحث الأول معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه
أوضح ابن حجر ﵀ معنى الإيمان بالقضاء والقدر، وبيّن ما يتضمّنه، وذكر بعض الأمور التي قد يظنّ أنها تنافيه وأجاب عنها.
وفيما يلي سياق آرائه في ذلك وتقويمها.
أولًا: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمّنه:
يقول ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث جبريل: "قوله: "وتؤمن بالقدر خيره وشرّه" أي بأنّ ما قدّره الله في أزله لا بدّ من وقوعه وما لم يُقدّره يستحيل وقوعه، وبأنّه تعالى قدّر الخير والشّرّ قبل خلق الخلق، وأنّ جميع الكائنات بقضائه وقدره وإرادته لقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان: ٢]، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩] ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠، التكوير: ٢٩] " (^١).
"ولخبر: "كلّ شيء بقدر حتى العجر والكيس" (^٢) " (^٣).
"ولإجماع السّلف والخلف على صحّة قول القائل: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" (^٤).
_________________
(١) فتح المبين (ص ٧١ - ٧٢).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب كل شيء بقدر (٤/ ٢٠٤٥) برقم (٢٦٥٥) من حديث عبد الله بن عمر -﵄- به.
(٣) فتح المبين (ص ٧٢).
(٤) المصدر السابق (ص ٧٢)، وانظر: (ص ٩٩، ١٧٤)، كنه المراد (ص ١/ ٢٣)، غرر المواعظ (ص ٣).
[ ٥٧٥ ]
"واعلم أنّ الإيمان بالقدر على قسمين:
أحدهما: الإيمان بأنّه تعالى سبق في علمه ما يفعله العباد من خير وشرّ وما يجازون عليه، وأنّه كتب ذلك عنده وأحصاه وأنّ أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.
ثانيهما: أنه تعالى خلق أفعال عباده كلّها من خير وشرّ، وكفر وإيمان " (^١).
التّقويم:
الإيمان بالقضاء والقدر هو الرّكن السّادس من أركان الإيمان التي لا يصحّ إيمان العبد إلا بها، وهو يتضمّن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن الله تعالى علم بكلّ شيء جملة وتفصيلًا، أزلًا وأبدًا، سواء كان ذلك مِمّا يتعلّق بأفعاله أو بأفعال عباده.
الثاني: الإيمان بأنّ الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ.
وفي هذين الأمرين يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السّماوات والأرض بخمسين ألف سنة" (^٢).
الثالث: الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى، سواء كانت مما يتعلّق بفعله أم مما يتعلّق بفعل المخلوقين.
قال الله تعالى فيما يتعلّق بفعله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار﴾ [القصص: ٦٨]، وقال: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦].
وقال تعالى فيما يتعلّق بفعل المخلوقين: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ
_________________
(١) فتح المبين (ص ٧٣).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب احتجاج آدم وموسى ﵈ (٤/ ٢٠٤٤) برقم (٢٦٥٣).
[ ٥٧٦ ]
فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧].
الرابع: الإيمان بأنّ جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى بذواتها، وصفاتها، وحركاتها.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزّمر: ٦٢]، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال عن نبي الله إبراهيم ﵊ أنّه قال لقومه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦] " (^١).
وبما سبق تقريره يُعلم أنّ ما ذكره ابن حجر في بيان معنى الإيمان بالقضاء والقدر لا يخرج عمّا قرّره أهل السّنّة والجماعة.
ثانيًا: بيانه لبعض الأمور التي لا تنافي الإيمان بالقضاء والقدر:
ذكر ابن حجر ﵀ بعض الأمور التي لا تنافي الإيمان بالقضاء والقدر، وبيّن وجه عدم منافاتها، وأجاب عن الإشكالات الواردة عليها، وفيما يلي سياق أقواله:
١ - القضاء بالمعاصي:
والكلام فيه من جهتين:
الأولى: من حيث الرّضا به:
يقول ابن حجر ﵀: "القضاء إيجاد جميع المخلوقات في اللوح، والتّقدير إيجادها في العيان
وقد يطلق على المقضي نفسه كما في حديث البخاري: "اللهم إني أعوذ بك من درك الشّقاء وسوء القضاء" (^٢) أي: المقضي، وهو بهذا المعنى
_________________
(١) فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٣٧)، وانظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٨ - ١٤٩)، شفاء العليل (١/ ١٣٣ - ٢٢٧)، جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٣)، معارج القبول (٣/ ٩٢٠ - ٩٤٠).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء (٤/ ١٩٩٦) برقم (٦٣٤٧)، ومسلم، كتاب الدعوات، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره (٤/ ٢٠٨٠) برقم (٢٧٠٧) من حديث أبي هريرة -﵁- به.
[ ٥٧٧ ]
لا يجب الرّضا به بل قد لا يجوز، ومن ثَمّ استعاذ منه -ﷺ-، بخلافه على المعنى الأوّل فإنّه يجب الرّضا به " (^١).
وقال أيضًا: "أمّا المقضي فقد يجب الرّضا به إن وجب، وقد يندب إن نُدِب، ويُباح إن أبيح، ويُكره إن كُره، ويحرم إن حرم.
فمن قُضي عليه بمعصية إن لاحظها من حيث كونها كسبه لزمه أن يكرهها، أو من حيث كونها قضاء الله وخلقه لزمه أن يرضى بها لئلا يسفه الرّبوبيّة بقوله: لِمَ فَعَل هذا بي وأنا لا أستحقّه؟ أو نحوه " (^٢).
التّقويم:
الرّضا: ضدّ السّخط، والسّخط: الكراهية للشّيء.
يقول ابن فارس: "الرّاء والضّاد والحرف المعتلّ أصل واحد، يدلّ على خلاف السّخط، تقول: رضي يرضى رضًا، وهو راضٍ، ومفعوله مرضيٌّ عنه" (^٣).
والمراد به هنا: التّسليم بالقضاء، والقناعة بما قُسم، والسّكون إلى الله، وحمده على ما قضاه، وترك ما ينافي ذلك (^٤).
وقد وردت الآيات والأحاديث بالحثّ على الرّضا بالقضاء، والحضّ عليه.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
_________________
(١) أسنى المطالب (ص ٣٥).
(٢) المصدر السابق (ص ٣٥ - ٣٦).
(٣) معجم مقاييس اللغة (ص ٤٠٦)، وانظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٤٢٠)، الصحاح (٦/ ٢٣٥٧)، لسان العرب (١٤/ ٣٢٣)، القاموس المحيط (ص ١٦٦٢).
(٤) انظر: الرضا عن الله بقضائه لابن أبي الدنيا (ص ٥٨، ٧٦)، شعب الإيمان للبيهقي (٧/ ٢٢٧)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٣)، مدارج السالكين (٢/ ١٧٥)، جامع العلوم والحكم (١/ ٤٨٨)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٥٩).
[ ٥٧٨ ]
وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
وقال ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
وقال -ﷺ-: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا" (^١).
وقال -ﷺ- في حقّ ابنه إبراهيم: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا، والله يا إبراهيم إنّا بك لمحزونون" (^٢).
وقضاء الله تعالى بالمعاصي على العبد لا ينافي وجوب الإيمان بالقضاء والقدر؛ إذ الرّضا بالقضاء يختلف حكمه باختلاف حكم المقضي، والمراد بالقضاء، ومتعلّق القضاء (^٣).
يقول العلامة ابن أبي العزّ ﵀: "فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟
فالجواب: أن يُقال أولًا: نحن غير مأمورين بالرّضا بكلّ ما يقضيه الله ويقدّره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنّة، بل من المقضي ما يُرضى به، ومنه ما يُسخط ويُمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا فهو مؤمن (١/ ٦٢) برقم (٣٤) من حديث العباس -﵁ - به.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي -ﷺ-: "إنّا بك لمحزونون" (١/ ٣٨٨) برقم (١٣٠٣)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته بالصبيان والعيال (٤/ ١٨٠٧) برقم (٢٣١٥) من حديث أنس بن مالك -﵁- به.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٨٢ - ٤٨٣، ٦٨٢ - ٦٨٣)، منهاج السنة (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٩)، والاستقامة (٢/ ٧٣ - ٧٦)، مدارج السالكين (٢/ ١٧١، ١٨٤، ١٨٨ - ١٩١)، شفاء العليل (٢/ ٧٦١)، شرح الطحاوية (١/ ٣٣٦)، الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية لابن سعدي (ص ٥١ - ٥٣)، وللاستزادة: الرضا بالقضاء للدكتور سالم القرني (ص ٥٠ - ٧٥).
[ ٥٧٩ ]
القضاء ما يُسخط، كما أنّ من الأعيان المقضيّة ما يُغضب عليه ويُمقت ويُلعن ويُذمّ.
ويُقال ثانيًا: هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضي، وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كلّه خير وعدل وحكمة، فيرضى به كلّه، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به.
ويقال ثالثًا: القضاء له وجهان:
أحدهما: تعلّقه بالرّبّ تعالى ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به.
والوجه الثاني: تعلّقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به، وإلى ما لا يرضى به " (^١).
وبما سبق تقريره يتبيّن صحّة كلام ابن حجر ﵀ في الرّضا بالقضاء وبيان حكمه، وعدم منافاة القضاء بالمعاصي للإيمان بالقضاء والقدر.
الثانية: من حيث الاحتجاج به عليها:
يقول ابن حجر ﵀: "لا عذر لعاص يحتج على الله تعالى فيما يسوق إليه القضاء والقدر من المعاصي؛ لأنّ الله تعالى أجرى عادته الإلهيّة في هذا العالم على أسباب ومسبّبات تناط بتلك الأسباب
فإن قلت: ينافيه احتجاج آدم بالقضاء والقدر في قصّته المشهورة مع موسى على نبيّنا وعليهما الصّلاة والسّلام (^٢)
قلت: لا ينافيه؛ لأنّ الاحتجاج بالقدر إن كان قبل الوقوع في الذّنب ليكون وسيلة للوقوع فيه لم يجز، وإن كان بعد الوقوع فيه وقبل أن يستوفي
_________________
(١) شرح الطحاوية (١/ ٣٣٦).
(٢) يشير إلى حديث أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله -ﷺ- قال: "احتجّ آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا، خيبتنا، وأخرجتنا من الجنّة، فقال له آدم: أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ " فقال النبي -ﷺ-: "فحجّ آدم موسى، فحجّ آدم موسى". والحديث أخرجه البخاري، كتاب القدر، باب تحاجّ آدم وموسى (٤/ ٢٠٦٨) برقم (٦٦١٤)، ومسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵈ (٤/ ٢٠٤٢ - ٢٠٤٣) برقم (٢٦٥٢).
[ ٥٨٠ ]
منه ما وجب عليه به ليمنع بذلك مؤاخذته به لم يجز أيضًا، وإن كان لا ليمنع ذلك بل ليمنع تعييره به ساغ له ذلك كما صرّح به قوله -ﷺ-: "فحجَّ آدم موسى"" (^١).
التّقويم:
القضاء بالمعاصي لا ينافي وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، والاحتجاج به عليها باطل في الشّرع والعقل (^٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ليس لأحد أن يحتجّ بالقدر على الذّنب باتّفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء؛ فإنّ هذا لو كان مقبولًا لأمكن كلّ أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النّفوس، وأخذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض ويحتجّ بالقدر.
ونفس المحتجّ بالقدر إذا اعتدي عليه، واحتجّ المعتدي بالقدر لم يقبل منه، بل يتناقض، وتناقض القول يدلّ على فساده، فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول" (^٣).
وأمّا حديث احتجاج آدم وموسى ﵈ الذي أشار إليه ابن حجر في كلامه السّابق، فقد اختلفت مواقف النّاس تجاهه، وتعدّدت مذاهبهم فيه، وكثرت إجاباتهم عنه (^٤).
والصّحيح أنّ الحديث لا دلالة فيه لمن احتجّ بالقدر على المعصية؛ ووجه ذلك أنّ الحديث يحتمل أحد أمرين:
_________________
(١) المنح المكية (٣/ ١٣٦٢ - ١٣٦٥)، وانظر: فتح المبين (ص ٢٠٠).
(٢) انظر: التمهيد (١٨/ ١٥)، مجموع الفتاوى (٨/ ٢٦٢ - ٢٦٨)، منهاج السنة (٣/ ٦٥ - ٧٨)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٥٨ - ٨٥٩)، شفاء العليل (١/ ٩٢ - ٩٣)، دفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر لمرعي الكرمي (ص ٨٦).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٩).
(٤) انظر: المصدر السابق (٨/ ٣٠٣ - ٣٠٥)، درء التعارض (٨/ ٤١٨ - ٤٢٠)، شفاء العليل (١/ ٨١ - ٩٤)، فتح الباري (١١/ ٥٠٩ - ٥١٠)، إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة للصنعاني (٢/ ٧٠٤)، دفع الشبهة والغرر (ص ٨٠)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٤٦).
[ ٥٨١ ]
الأول: أن يكون احتجاج آدم بالقدر على المصيبة لا على المعصية، والقدر يحتج به على المصائب دون المعايب.
والثاني: أن يكون احتجاج آدم بالقدر على المعصية لا على المصيبة، ولكن احتجاجه به بعد وقوعه في المعصية وتوبته منها لدفع ملامة موسى ﵇.
ولا خلاف في جواز الاحتجاج بالقدر في هاتين الحالتين بخلاف ما دونهما، وعليهما يحمل الحديث (^١).
ومما سبق يعلم صحّة ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من بطلان الاحتجاج بالقدر على المعاصي، وتوجيهه احتجاج آدم ﵇ بوقوعه بعد التّوبة ولغرض دفع الملامة.
٢ - ردّ القضاء بالدّعاء:
يقول ابن حجر ﵀: "قال بعض المبتدعة [بإبطال] الدّعاء من أصله، وقالوا: لا فائدة له؛ لأنّه إن سبق وصول المدعو به للدّاعي، فالدّعاء بوصوله عبث، وإلا فهو عبث أيضًا.
وردّ عليهم أهل السّنّة:
أنّ المقدّرات على قسمين: منها ما أُبرم وهو المعبّر عنه بما في أمّ الكتاب الذي لا يقبل تغييرًا ولا تبديلًا، ومنها ما عُلّق على فعل شيء، وهو المعبّر عنه باللوح المحفوظ القابل للتّغيير والتّبديل، وأصل ذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]
وكذلك الدّعاء قد يكون المدعو به معلّقًا على الدّعاء فكان للدّعاء فائدة أي فائدة.
على أنّ الدّعاء لا يخيب أبدًا؛ لأنّه إن كان بما عُلِّق على الدّعاء فواضح وجود الفائدة فيه، وعليه يحمل قوله -ﷺ-: "لا يردّ القضاء إلا
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٩/ ٣١٨)، شفاء العليل (١/ ٩٣ - ٩٥)، شرح الطحاوية (١/ ١٣٥ - ١٣٦).
[ ٥٨٢ ]
الدّعاء" (^١)، وإن كان بما لم يُعلَّق على ذلك ففائدته الثّواب لأنّ الدّعاء من العبادة بل من أنهاها وأيضًا فيبدل الله الدّاعي بدل ما دعا به بما لم يقدر له بما هو مثل ذلك، أو أفضل منه، كما يليق بجوده وكرمه وسعة فضله وحلمه " (^٢).
التّقويم:
تواترت آي الكتاب ونصوص السّنّة في الحثّ على الدّعاء، والتّحذير من تركه (^٣).
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥].
وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وقال ﷿: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧].
وقال -ﷺ-: "الدّعاء هو العبادة" (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب ما جاء في القدر (١/ ٣٥) برقم (٩٠)، ووكيع في الزهد (٣/ ٧١١) برقم (٤٠٧)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٤١ - ٤٤٢)، وأحمد (٣٧/ ٦٨) برقم (٢٢٣٨٦)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٩١) برقم (١٠٠٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ١٦٩) برقم (٣٠٦٩)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٠٠) برقم (١٤٤٢)، والحاكم (١/ ٤٩٣)، والبغوي في شرح السنة (١٣/ ٦) من طرق عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد عن ثوبان -﵁- به. والحديث بهذا الإسناد صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهما متعقبان بجهالة عبد الله بن أبي الجعد. وقد أورده العلامة الألباني في الصحيحة (١/ ٢٣٦) برقم (١٥٤) وحسّنه لشواهده.
(٢) الفتاوى الحديثية (ص ١٧١)، وانظر: فتح المبين (ص ٢٧٣)، أسنى المطالب (ص ١١٨).
(٣) انظر: الدعاء لمحمد بن فضيل الضبي، والدعاء لحسين بن إسماعيل المحاملي، والدعاء للطبراني، وشأن الدعاء للخطابي (ص ٦)، الدعاء المأثور وآدابه للطرطوشي (ص ٣٧)، الترغيب في الدعاء والحث عليه لعبد الغني المقدسي (ص ١١).
(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء (٢/ ١٦١) برقم (١٤٧٩)، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء (٥/ ٤٢٦) برقم (٣٣٧٢)، وابن ماجه كتاب الدعاء باب فضل الدعاء (٢/ ١٢٥٨) برقم (٣٨٢٨)، وأحمد (٣٠/ ٢٩٧) برقم (١٨٣٥٢)، والبخاري في الأدب المفرد (ص ٢٤٩) برقم (٧١٤)، والطبراني في الصغير=
[ ٥٨٣ ]
"وإذا أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه والاستعانة به، وجعل استعانته ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له" (^١).
والذي يدلّ عليه الكتاب، والسّنّة، والفطرة، والعقل، والمشاهدة، والحسّ، أنّ الدّعاء سبب من الأسباب وأنّ له تأثيرًا في المطلوب المسؤول كسائر الأسباب المقدّرة والمشروعة، والقول بذلك مذهب أهل الملل كلّهم سوى من شذّ منهم (^٢).
يقول العلامة ابن أبي العز ﵀: "الذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم أنّ الدّعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع، ودفع المضار
وذهب قوم من المتفلسفة، وغالية المتصوفة إلى أن الدعاء لا فائدة فيه!
قالوا: لأن المشيئة: الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب، فلا حاجة إلى الدعاء، وإن لم تقتضه، فلا فائدة في الدّعاء
وجواب الشّبهة: بمنع المقدمتين.
فإن قولهم عن المشيئة الإلهية إمّا أن تقتضيه أو لا، ثم قسم ثالث، وهو أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدّعاء من شرطه
_________________
(١) = (٢/ ٩٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٩١) من طرق عن يُسَيْع الكندي، عن النعمان بن بشير -﵁- به. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٤٩): "إسناده جيد".
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧١٢).
(٣) انظر: شأن الدعاء للخطابي (ص ٦)، جامع الرسائل (١/ ٨٧)، منهاج السنة (٥/ ٣٦٢)، مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٨، ١٩٢، ٥٣٠)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧١٢)، زاد المعاد (٣/ ٤٨١)، مدارج السالكين (٣/ ١٠٤)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٨٠)، دفع الشبهة والغرر للكرمي (ص ٧٤)، بحث في أن إجابة الدعاء لا تنافي سبق القضاء للشوكاني ضمن الفتح الرباني (١/ ٣٨٧)، وللاستزادة: الدعاء ومنزلته في العقيدة الإسلامية لجيلان العروسي (١/ ٣١١).
[ ٥٨٤ ]
وقولهم: إن اقتضت المشيئة المطلوب فلا حاجة إلى الدّعاء. قلنا: بل قد تكون إليه حاجة، من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة، ودفع مضرّة أخرى عاجلة وآجلة.
وكذلك قولهم: وإن لم تقتضه فلا فائدة فيه. قلنا: بل فيه فوائد عظيمة من جلب منافع ودفع مضار كما نبّه عليه النبي -ﷺ-، بل ما يُعجِّل للعبد من معرفته بربّه، وإقراره به، وبأنّه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه، واضطراره إليه، وما يتبع ذلك من العلوم العليَّة، والأحوال الزّكيّة، التي هي من أعظم المطالب" (^١).
وبما سبق يعلم صحّة ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ في تقريره عدم منافاة الدّعاء للقدر، وردّه على من زعم المعارضة بينهما.
وأمّا ما ذكره من كون المقادير على قسمين مبرم ومعلّق، وأنّ المقدّرات المعلّقة يقع فيها المحو والإثبات، وهي المعبّر عنها باللوح المحفوظ.
فمتعقّب بأنّ المحو والإثبات على الصّحيح إنّما هو في المكتوب عند الملائكة، وأمَّا اللوح المحفوظ فلا يقع فيه محو ولا إثبات (^٢)، وهو المراد بأمّ الكتاب في الآية (¬٣).
٣ - زيادة العمر بالبرّ والصلة:
ساق ابن حجر ﵀ جملة من الأحاديث الدّالّة على زيادة العمر بالبرّ والصّلة، ثم عقب عليها بقوله: "في الأحاديث أنّ صلّة الرّحم تزيد في العمر، وللعلماء فيها قولان هما:
الأوّل: أنّها زيادة حقيقيّة.
والثّاني: أنّها زيادة مجازيّة، والمراد زيادة الأعمال والبركة والآثار
_________________
(١) شرح الطحاوية (٢/ ٦٨٠ - ٦٨٢).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٧، ٥٤٠) (١٤/ ٤٨٨ - ٤٩٢)، فتح الباري (٤/ ٣٠٢) (١٠/ ٤١٦) (١/ ٤٨٩)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٤٩).
(٣) انظر: تفسير ابن جرير (٧/ ٤٠٣)، تفسير البغوي (٤/ ٣٢٤)، تفسير ابن كثير (٢/ ٥٧٠).
[ ٥٨٥ ]
الصّالحة التي يدوم له ثوابها بعد الموت " (^١).
وقال في موضع آخر: "الأحاديث المصرّحة بأنّ صلة الرّحم تزيد في العمر محمولة على ظاهرها وأنّ الزّيادة فيها حقيقيّة، أي: بالنّسبة لعلم الملائكة واللوح المحفوظ بأن يكتب به معلّقا، كإن وصل فلان رحمه عاش عشرين سنة، وإلا عاش عشرة، وما في أمّ الكتاب الواقع لا غير، لأنّها علم الله القديم وهو لا تعليق فيه ولا يطّلع أحد عليه.
وقيل: المراد بالزّيادة في العمر البركة فيه، بأن يبارك له في عشرين مثلًا، فيحصل له من أعمال الخير ما لا يحصله غيره في أربعين مثلًا" (^٢).
التقويم:
زيادة العمر بالبرّ والصّلة ثابتة بالسّنّة المتواترة، حيث وردت أحاديثها عن سبعة وعشرين صحابيًّا، وتعدّدت طرقها، واختلفت ألفاظها، بما يؤكّد دلالتها، وجمعها غير واحد من أهل العلم وتكلّموا عليها رواية ودراية (^٣)، ومنها:
حديث أنس بن مالك - ﵁ - أنّ النّبيّ -ﷺ- قال: "من أحبّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه" (^٤).
وحديث أبي هريرة -﵁- بنحوه أنّ النبيّ -ﷺ- قال: "من سرّه أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه" (^٥).
وقد اختلفت مذاهب أهل العلم في إثبات الزّيادة وعدمها، وذهبوا فيها مذهبين:
_________________
(١) أسنى المطالب (ص ١٣٠)، وانظر: (ص ١١٨)، الإنافة (ص ١٦٢).
(٢) الإنافة (ص ٥٤).
(٣) انظر: إرشاد ذوي العرفان لِمَا للعمر من الزيادة والنقصان لمرعي الكرمي (ص ٤١)، تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل للشوكاني (ص ١١)، وللاستزادة: جمع جهود الحفاظ النقلة بتواتر روايات زيادة العمر بالبر والصلة للطفي بن محمد الصغير (ص ٢٧) وما بعدها.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق (٢/ ٦١٦) برقم (٢٠٦٧)، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٤/ ١٩٨٢) برقم (٢٥٥٧) واللفظ له.
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (٤/ ١٨٩٥) برقم (٥٩٨٥).
[ ٥٨٦ ]
أحدهما: القول بعدمها، واستدلّ هؤلاء بعموم النّصوص الدّالّة على تقدير الأعمال وضرب الآجال.
والثّاني: القول بإثباتها، واستدلّ هؤلاء بالأحاديث الدّالّة عليها (^١).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "الحقّ أنّ النّزاع لفظي، وأنّ الذي سبق في علم الله لا يتغيّر ولا يتبدّل، وأنّ الذي يجوز عليه التّغيير والتّبديل ما يبدو للنّاس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلّق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات كالزّيادة في العمر والنّقص، وأمّا ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله" (^٢).
واختلفت أيضًا مذاهبهم في المراد بالزّيادة على مذهبين:
أحدهما: أنّ الزّيادة حقيقيّة.
والثّاني: أنّ الزّيادة مجازيّة.
والرّاجح -والله أعلم- الأوّل واعتمده جمع من المحقّقين، منهم: الإمام ابن قتيبة (^٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، والحافظ ابن حجر (^٥)، والعلّامة مرعي الكرمي (^٦)، والعلّامة الشّوكاني (^٧).
يقول شيخ الإسلام ﵀: "والجواب المحقّق أنّ الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في المكتوب، وإن عمل ما يوجب النّقص نقص من ذلك المكتوب" (^٨).
وعليه فما ذكره ابن حجر ﵀ في زيادة العمر بالبرّ والصّلة موافق لِمَا عليه المحقّقون من أهل العلم، سوى قوله بوقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ -وقد سبق تعقّب ذلك-.
_________________
(١) انظر: إرشاد ذوي العرفان (ص ٤١)، تنبيه الأفاضل (ص ١١).
(٢) فتح الباري (١١/ ٤٨٨)، وانظر: إرشاد ذوي العرفان (ص ٦٤).
(٣) انظر: تأويل مختلف الحديث (ص ٢٠٢).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٠ - ٤٩١).
(٥) انظر: فتح الباري (١١/ ٤٨٨) (١٠/ ٤١٦).
(٦) انظر: إرشاد ذوي العرفان (ص ٦٤).
(٧) انظر: تنبيه الأفاضل (ص ٢٩).
(٨) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٠ - ٤٩١).
[ ٥٨٧ ]
المبحث الثاني آراؤه في أفعال العباد، والهدى والضّلال، وتنزيه الله عن الظّلم
عرض ابن حجر لمسألة أفعال العباد وما يتّصل بها من الهدى والضّلال، وتنزيه الله سبحانه عن الظّلم، وفيما يلي عرض آرائه وتقويمها:
أولًا: أفعال العباد:
يرى ابن حجر أنّ أفعال العباد من خلق الله تعالى ومن كسب العباد، فهي تنسب لله خلقًا، وللعباد كسبًا، وأنّه بهذا يفارق القدريّة والجبريّة بزعمه، يقول في ذلك: "الله تعالى أجرى عادته الإلهيّة في هذا العالم على أسباب ومسبّبات تناط بتلك الأسباب، وينسب وقوعها إليها، نظرًا للصّورة الوجوديّة، وإن كان الكلّ في الحقيقة إنّما هو بقضائه وقدره كما يدلّ على ذلك كلّه قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧].
فأسند تعالى إليه -ﷺ- الرّمي، وإليهم القتل باعتبار الصّورة الوجوديّة، ونفاهما عنهم باعتبار الحقيقة الإيجاديّة، إشارة إلى أنه يجب علينا رعاية المقامين، بأن نسند الأفعال إلى فاعليها صورة ليمدحوا أو يذمّوا باعتبار جريان تلك الصّور عليهم، وإلى الله حقيقة من حيث عجز العبد عن ذلك وانفراد الحقّ ﵎ به.
وأن نعتقد بطلان مذهب القدريّة الذين ينفون قدرة الحقّ، ويثبتون قدرة العبد تخيّلًا منهم أنهم فرّوا بذلك عن نسبة القبيح إلى الله تعالى، وغفلة عن
[ ٥٨٨ ]
أنّه يلزمهم ما هو أقبح من ذلك وهو أن يجري في ملكه ما لا يشاؤه، على أنّ نسبة أفعال العباد إليه تعالى لا تستلزم نسبة القبيح إليه؛ لأنّ الشّيء إنّما هو قبيح بالنّسبة لفعلنا لا لفعله تعالى لأنّه يتصرّف في ملكه بما يشاء
وأن نعتقد بطلان مذهب الجبرية أيضًا، لأنّه يلزم عليه أن لا ثواب ولا عقاب، ولا مدح ولا ذمّ، لأنّ المجبر المكره على الشّيء من كلّ وجه لم يصدر منه فعل ينسب إليه حتى يُدار عليه حكم
وقد عُلم من الشّريعة الغرّاء أنّ الله تعالى أسند الأفعال لعباده، ومدحهم عليها تارة، وذمّهم أخرى، فنتج ما قلناه من التّوسّط بين المذهبين بأن نظرنا إلى الأفعال من حيث الصّورة وأنطنا بها أحكامًا، ومن حيث الحقيقة وأنطنا بها أحكامًا، لأنّ هذا هو العدل السّويّ، والطّريق الواضح الجليّ" (^١).
ويقول أيضًا: "أفعالنا كلّها بقدرته تعالى أوجدها فليس لقدرتنا في إيجادها تأثير البتّة، وإنّما خلق لنا قدرة واختيارًا فحيث لا مانع أوجدها مقارنة لها بالحكمة، فهو مُبدعها والعبد مُكتسبها فيجازى بفعله إن خيرًا فجزاؤه خير وإن شرًّا فالجزاء شرّ " (^٢).
التّقويم:
أفعال العباد قسمان: اضطراريّة واختياريّة.
فالاضطراريّة: كحركات المرتعش ونبضات العروق ونحو ذلك، وهذه لا خلاف بين النّاس في كونها خارجة عن قدرة العبد.
والاختياريّة: ما سوى ذلك (^٣) -وهي محلّ البحث هنا- وقد اختلف الناس فيها، وتعدّدت مذاهبهم تجاهها، وحاصل الكلام عليها ما يلي:
_________________
(١) المنح المكية (٣/ ١٣٦٢ - ١٣٦٣)، وانظر: (٢/ ٦٧١)، الزواجر (١/ ١٠٠، ١٠٦، ١٠٨)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٧٦).
(٢) التعرف (ص ١١١)، وانظر: (ص ١٣١)، الزواجر (١/ ١٠٠، ١٠٢)، فتح المبين (ص ٢٠٠)، غرر المواعظ (ص ٤٠)، الإيعاب (١/ ١٤)، فتح الإله (ص ٦، ١٣٥).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٠٥).
[ ٥٨٩ ]
أفعال العباد الاختياريّة لها متعلّقان:
الأوّل: تعلّقها بالله ﷿ من حيث خلقه لها وعدمه.
والثّاني: تعلّقها بالعباد من حيث قدرتهم عليها وعدمها.
فأهل السّنّة والجماعة قالوا: بأنّ أفعال العباد كلّها من طاعة ومعصية، وخير وشرّ، مخلوقة لله تعالى، وأنّ العباد لهم قدرة على أفعالهم، وهم فاعلون لها على الحقيقة، وهي قائمة بهم، ومنسوبة إليهم، ومن ثم فإنّهم يستحقّون عليها المدح والذّمّ والثّواب والعقاب.
فجمعوا في قولهم بين المتعلّقين، وقالوا بكلا الجهتين، لدلالة نصوص الوحيين.
فمن الأدلّة على خلق الله لأفعال العباد:
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
ومن الأدلّة على قدرة العباد على أفعالهم ونسبتها لهم حقيقة.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣].
وقوله سبحانه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وجمع الله بين الأمرين في قوله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠] (^١).
وقد خالف أهل السّنّة والجماعة في ذلك عامّة الطّوائف والفرق.
فالجهميّة الجبريّة ومن وافقهم قالوا بالمتعلّق الأوّل دون الثّاني فأثبتوا خلق الله لأفعال العباد ونفوا قدرة العباد عليها، وسووا بين أفعالهم
_________________
(١) انظر: خلق أفعال العباد (ص ١٨٨)، عقيدة السّلف وأصحاب الحديث (ص ٢٧٩)، شرح السنة للبغوي (١/ ١٤٢ - ١٤٤)، الانتصار في الرّدّ على المعتزلة القدرية الأشرار للعمراني (١/ ١٦٧)، مجموع الفتاوى (٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤) (٨/ ١١٧ - ١١٨، ٤٨٦ - ٤٨٨)، شفاء العليل (١/ ٣٣٣، ٣٦٣)، شرح الطحاوية (١/ ٣٢١) (٢/ ٦٤٠)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٩١)، وللاستزادة: أفعال العباد بين أهل السنة ومخالفيهم د. عبد العزيز الحميدي (ص ١٣ - ٩٠).
[ ٥٩٠ ]
الاختياريّة وأفعالهم الاضطراريّة (^١).
والمعتزلة القدريّة ومن وافقهم قالوا بالمتعلّق الثّاني دون الأوّل فنفوا خلق الله لأفعال العباد، وقالوا بأنّ العباد هم الذين خلقوا أفعالهم، وأثبتوا قدرة العباد المطلقة على أفعالهم (^٢).
ورامت الأشعريّة التّوسّط بين الجبريّة والقدريّة فأحدثت نظريّة الكسب، وحارت أفهامهم في تصوّرها، واضطربت أقوالهم في التّعبير عنها (^٣).
وحاصلها أنّ الكسب هو الاقتران العادي بين قدرة العبد الحادثة وفعله الواقع بقدرة الله وجدها (^٤).
وبناء على ذلك قالوا: إنّ أفعال العباد خلق لله وكسب للعباد، وليس لقدرة العبد المخلوقة فيه أثر في فعله، ولكن الفعل يحدث عندها لا بها (^٥).
والمتأمّل في كلام ابن حجر -عفا الله عنه- المتقدّم يظهر له موافقته لهم على قولهم.
والرّدّ على الكسب الأشعري، وبيان بطلانه يطول، فأكتفي بطرف منه:
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٧)، الفرق بين الفرق (ص ٢١١)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٠٣).
(٢) انظر: المغني (٨/ ٨، ١٦، ٤٣) (٩/ ٩٥)، المحيط بالتكليف (ص ٣٤٠)، شرح الأصول الخمسة (ص ٣٣٦) وما بعدها، إنقاذ البشر من الجبر والقدر لعلي بن الحسين الكاظم المرتضى ضمن رسائل العدل (١/ ٢٥٦ - ٣٠٥).
(٣) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ١٣٣)، الإرشاد (ص ١٨٨)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٧)، القضاء والقدر للرازي (ص ٧٧)، المواقف (ص ٣١١)، وشرحها للجرجاني (٨/ ١٤٥)، غاية المرام (ص ٢٢٣)، شرح المقاصد (٤/ ٢٦٣)، تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص ١٠٤ - ١٠٦).
(٤) نقله ابن القيم ﵀ في شفاء العليل (١/ ٣٦٨) عن بعض متأخري الأشاعرة دون تعيينه، واستحسنه في بيان قولهم وتلخيص اختلافهم.
(٥) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ١٣٣)، الإرشاد (ص ١٨٨)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٧)، القضاء والقدر للرازي (ص ٧٧)، المواقف (ص ٣١١)، وشرحها للجرجاني (٨/ ١٤٥)، غاية المرام (ص ٢٢٣)، شرح المقاصد (٤/ ٢٦٣)، تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص ١٠٤ - ١٠٦).
[ ٥٩١ ]
١ - أنّ النّصوص الشّرعيّة قد دلّت على خلق الله لأفعال العباد وإثبات القدرة لهم عليها، ونسبتها لهم حقيقة، واستحقاقهم المدح والذّمّ والثّواب والعقاب وفقًا لها، وقد تقدّم ذكر بعضها.
٢ - أنّ القول بالكسب بهذا المعنى قول حادث بعد انقضاء القرون الثّلاثة المفضّلة فلم يعرف القول به إلا في زمن الأشعري.
٣ - أنّ القول بالكسب بهذا المعنى قول متناقض؛ إذ القائل به لا يستطيع أن يوجد فرقًا بين الفعل الذي نفاه عن العبد، والكسب الذي أثبته له، ولهذا فإن حقيقته القول بالجبر (^١).
٤ - أنّ القول بالكسب بهذا المعنى قول غير معقول؛ إذ لا حقيقة له ولا حاصل تحته، ولذا شنع أعداء الأشاعرة به عليهم، وعدّه بعض الأشاعرة عقدة تورّط فيها أصحاب الأشعري (^٢).
٥ - أنّ القول بالكسب بهذا المعنى مبني على أصلين باطلين، قال بهما الأشعري وجمهور أصحابه والتزموا ما يرد عليهما، وهما: القول بأنّ الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق، وأنّ قدرة العبد لا يكون مقدورها إلا مقارنًا للفعل لا خارجًا عنه (^٣).
٦ - أنّ كبار أعلام الأشاعرة اضطربت أقوالهم في الكسب، وذهب كلّ منهم إلى رأي، وفرّ إلى قول، فمنهم من نحا إلى التّصريح بحقيقة المذهب وهو الجبر، ومنهم من اقترب إلى القول بمذهب أهل السّنّة والجماعة في ذلك، ومنهم من سعى إلى النّهوض بالمذهب الأشعري من عثرته وتوجيه قول إمامه بما لا يوافقه عليه أصحابه الأشاعرة فضلًا عن غيرهم (^٤).
وبما سبق إيراده في الرّدّ على الكسب الأشعري يتّضح خطأ ابن حجر -عفا الله عنه- في قوله به، وتقريره له.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١١٩، ٣٨٧، ٤٠٣ - ٤٠٧)، منهاج السنة (٣/ ٢٠٩).
(٢) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٠٩)، شفاء العليل (١/ ٣٧٠).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١١٩ - ١٢٠).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٨ - ١٢٩)، شفاء العليل (١/ ٣٦٩).
[ ٥٩٢ ]
ثانيًا: الهدى والضّلال:
يرى ابن حجر -عفا الله عنه- أنّ الهدى والضّلال بخلق الله وإرادته، وأنّ الهداية والإضلال محض فعل الله تعالى، لا فعل للعبد فيهما، ولا دخل له في واحد منهما.
يقول عقب إيراده لقوله سبحانه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٧ - ٨].
"اعلم أنّ في هذه الآية دلالة ظاهرة وحجّة واضحة لردّ ما عليه المعتزلة، والحقيقة ما عليه أهل السّنّة من أنّ الزّيغ والهداية بخلق الله وإرادته.
وبيانه: أنّ القلب صالح للميل إلى الخير وإلى الشّرّ، وإلى الإيمان وإلى الكفر، ومُحال أن يميل إلى أحدهما بدون داعية بل لا بدّ في ميله لذلك من حدوث داعية وإرادة يُحدثها الله تعالى، فإن كان داعية الكفر فهو الخذلان والإزاغة والصد والختم والطّبع والرّين والقسوة والوقر والكنان وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن، وإن كان داعية الإيمان فهو التّوفيق والإرشاد والهداية والتّسديد والتّثبيت والعصمة وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن" (^١).
ويقول أيضًا: "أمر الله تعالى عباده أن يسألوه في كلّ ركعة من صلاتهم اهدنا الصراط المستقيم، وفي هذه الجملة دليل لقول أهل الحقّ أنّ الهداية والضّلال من خلق الله وإيجاده لا دخل للعبد في واحد منهما خلافًا للمعتزلة.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٥، التكوير: ٢٩]، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات].
وأصرح من ذلك في إبطال مذهبهم الفاسد أنّه تعالى أراد هداية
_________________
(١) الزواجر (١/ ٨٨).
[ ٥٩٣ ]
الجميع قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥] فعمّ الدّعوى وخصّ الهداية " (^١).
التّقويم:
وردت النّصوص بإثبات الهداية لمن شاء الله هدايته والإضلال لمن شاء إضلاله.
قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦].
وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وقال ﷿: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدّثّر: ٣١].
ووردت النّصوص أيضًا بإضافة الهدى والضّلال إلى العباد.
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧].
واختلف الناس في المراد بهما وفاعلهما هل هو الله ﷿ أم العبد بناء على اختلافهم في أفعال العباد.
فذهبت المعتزلة القدريّة إلى أنّ الهداية والإضلال من فعل العبد لا فعل الله تعالى، وأنّ المراد بهما في حقّ الله تعالى تسميته سبحانه من شاء من خلقه مهتديًا وضالًا (^٢).
وذهبت الجهميّة الجبريّة إلى أنّ الهداية والإضلال من فعل الله لا فعل العبد، وأنّ المراد بهما في حقّ الله تعالى ما يخلقه سبحانه في العبد دون
_________________
(١) فتح المبين (١٩٤ - ١٩٥)، وانظر: (ص ١٣)، تطهير العيبة (ص ٩)، المنح المكية (١/ ٢٨٤)، التعرف (ص ١١١)، الإيعاب (١/ ٢٢، ٤٤).
(٢) انظر: تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار (ص ١٩، ٤٤٣)، رسائل العدل والتوحيد (٢/ ٢٩ - ٥٢، ٨٥) الكشاف (١/ ٢٦ - ٢٧).
[ ٥٩٤ ]
فعل منه أو اختيار (^١).
واضطرب الأشاعرة في ذلك بناء على اضطرابهم في الكسب وحقيقته، فقالوا: إنّ الهداية والإضلال فعل الله لا فعل العبد يخلقهما ﷾ في العبد، وليس للعبد فيهما دخل ولا اختيار، فوافقوا بقولهم هذا الجهميّة الجبريّة (^٢).
والحقّ هو ما عليه أهل السّنّة والجماعة من أنّ الهداية والإضلال فعل الله تعالى، والاهتداء والضّلال فعل العبد.
وأنّ المراد بالهداية في حقّه سبحانه: بيانه ﷿ الحقّ وإرشاده له، وتوفيقه وتسديده من شاء من خلقه إليه.
والمراد بالإضلال في حقّه تعالى: إضلاله ﷿ من شاء من خلقه بأن يكلهم إلى أنفسهم ولا يعينهم على الخير فيضلّون فيعاقبهم بجنس عملهم.
والمراد بالاهتداء والضلال في حقّ العبد: أنّه فاعل الهدى والضّلال والطّاعة والعصيان على الحقيقة، وليس فاعل ذلك أحدًا غيره (^٣).
يقول العلّامة ابن القيّم ﵀ في تقرير ذلك: "اتّفقت رسل الله من أوّلهم إلى آخرهم، وكتبه المنزّلة عليهم على أنّه سبحانه يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنّه من يهده الله فلا مُضِلّ له، ومن يُضْلِل فلا هادي له، وأنّ الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد، وأنّ العبد هو الضّالّ أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضّلال فعل العبد وكسبه" (^٤).
ومما سبق يتّضح أنّ ما قرّره ابن حجر -عفا الله عنه- في هذه المسألة وعزاه إلى أهل السّنّة وأهل الحقّ، وانتصر له وَرَدّ على من خالفه هو مذهب أصحابه الأشاعرة.
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨)، الفرق بين الفرق (ص ٢١١)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٧).
(٢) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ١٤٠)، الإرشاد (ص ١٨٩)، القضاء والقدر للرازي (ص ٩٥)، المواقف (ص ٣١٩)، وشرحها للجرجاني (٨/ ١٦٩)، شرح المقاصد (٤/ ٣٠٩).
(٣) انظر: الانتصار للعمراني (١/ ٢٧٦) وما بعدها، مدارج السالكين (١/ ٤١٣)، شفاء العليل (١/ ٢٢٩)، شرح الطحاوية (١/ ١٣٧)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٣٤).
(٤) شفاء العليل (١/ ٢٢٩).
[ ٥٩٥ ]
وقولهم هذا مبني على قولهم بالكسب في أفعال العباد، وقولهم بنفي تأثير الأسباب والطّبائع. وهما باطلان، وما بني على باطل فهو باطل.
والرّدّ عليهم من طريقين:
أحدهما: النّقض:
بأن يُقال إنّ حقيقة هذا القول هو الجبر، إلا أنّ الجهميّة صرّحوا به، والأشاعرة امتنعوا عن ذلك وتستّروا تحت مسمّى الكسب.
ولهذا فإنّ الرّازي وهو من كبار الأشاعرة لَمّا أيقن بذلك صرّح بالجبر، وامتنع عن التزام لوازمه، وقال: "إنّ الإنسان مضطر في اختياره، وإنّه ليس في الوجود إلا الجبر" (^١).
ولا ريب في بطلان القول بالجبر، وقد تقدّم في كلام ابن حجر بيان ذلك والرّدّ على القائلين به، فكلامه هنا منقوض بكلامه هناك.
ثانيهما: المعارضة:
بما تقدّم إيراده من الأدلّة الشّرعيّة الدّالّة على أنّ العبد فاعل لفعله حقيقة، والاهتداء والضّلال منسوب إليه.
ويتبيّن مِمّا سبق خطأ ابن حجر -عفا الله عنه- في هذه المسألة، ومجانبته لقول أهل السّنّة والجماعة فيها.
ثالثًا: تنزيه الله عن الظّلم:
يرى ابن حجر -عفا الله عنه- أنّ الظّلم مستحيل على الله تعالى؛ لأنّ معناه ممتنع في حقّه سبحانه.
يقول في ذلك: "الظّلم لغة: وضع الشّيء في غير محلّه
وهو مستحيل عليه تعالى؛ إذ هو تصرّف في حقّ الغير بغير حقّ أو مجاوزة الحدّ وكلاهما مُحال؛ إذ لا مُلك ولا حقّ لأحد معه بل هو الذي خلق المالكين وأملاكهم، وتفضّل عليهم بها وحدّ لهم الحدود، وحرّم وأحلّ فلا حاكم معه يتبعه ولا حقّ يترتّب عليه، تعالى الله عن ذلك علوًّا
_________________
(١) المباحث المشرقية (٢/ ٥٤٤).
[ ٥٩٦ ]
كبيرًا، وما ذُكر من استحالة الظّلم عليه تعالى هو قول الجمهور.
وقيل: بل هو متصوّر منه لكنّه لا يفعله عدلًا منه وتنَزّهًا عنه وهو غير سديد" (^١).
التّقويم:
وردت النّصوص بِتَنْزِيه الله عن الظّلم، وتحريمه سبحانه له على نفسه.
قال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
وقال ﷿: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩].
وقال -ﷺ-: "قال الله تعالى: يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم مُحرّمًا فلا تظالموا " (^٢).
"وقد اتّفق المسلمون وغيرهم على أنّ الله مُنَزّه عن الظّلم" (^٣).
واختلفوا في حقيقته، ومعنى تنزيه الله عنه:
فذهبت القدريّة من المعتزلة ومن تبعهم إلى أنّ الظّلم الذي يُنَزّه عنه الخالق من جنس الظّلم الذي يُنَزّه عنه المخلوق.
فقالوا: إنّ الظلّم إضرار لا نفع فيه للمفعول به، ولا رفع لضرر آخر عنه، ولا هو مستحقّ له فإذا اتّفقت هذه الأمور عن أيّ فعل فإنّه يكون ظلمًا، ويستوي في ذلك الخالق والمخلوق (^٤).
وذهبت الجبريّة من الجهميّة ومن تبعهم من الأشاعرة وغيرهم إلى أنّ الظّلم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، وكلّ ممكن فهو في حقّه عدل.
_________________
(١) فتح المبين (ص ١٩١ - ١٩٢)، وانظر: العمدة (ص ٤١١)، فتح الإله (ص ٥٢٥).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٤) برقم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر -﵁- به.
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٠٥).
(٤) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٣٤٥ - ٣٤٦)، المحيط بالتكليف (ص ٢٥١)، المختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبار ضمن رسائل العدل والتوحيد (١/ ٢٥٧).
[ ٥٩٧ ]
فقالوا: الظّلم هو التّصرّف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وكلاهما ممتنع في حقّه سبحانه، فالظّلم مستحيل عليه، ومعناه غير متحقّق فيه (^١).
والأصل الذي تفرّعت عنه مذاهبهم قولهم في أفعال العباد، وذلك أنّ أفعال العباد إن كانت من خلق الله تعالى كان عذابهم عليها ظلمًا؛ إذ كيف يعذبون على ما خلق فيهم؟
ومن ثم اختلفوا في أفعال العباد، وانبنى على اختلافهم فيها اختلافهم في حقيقة الظّلم ومعنى تنزيه الله عنه.
والحقّ أنّ الظّلم في اللغة: وضع الشّيء في غير موضعه (^٢)، وهو في الشّرع بمعناه في اللغة (^٣).
فالله سبحانه حكم عدل يضع الأشياء مواضعها فلا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يناسبه، فلا يفرّق بين متماثلين ولا يسوّي بين مختلفين.
وهو سبحانه حرّم الظّلم على نفسه بفعله وإرادته بعد قدرته عليه تفضّلًا منه سبحانه، وعدلًا منه ﷿.
وقد فسّره سلف الأمّة وأئمّتها بأنّه لا يُحمّل المرء سيئات غيره، ولا يعذّبه بما لم تكسب يداه، وأنّه لا ينقص من حسناته فلا يجازى بها أو ببعضها (^٤).
وهذا هو الظّلم الذي نفى الله خوفه عن العبد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
_________________
(١) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٣٨٤)، الاقتصاد في الاعتقاد. للغزالي (ص ١١٥)، أصول الدين (ص ١٣١)، المواقف (ص ٣٢٢)، تحفة المريد (ص ١١١).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٢٤٨)، معجم مقاييس اللغة (ص ٦٤١)، الصحاح (٥/ ١٩٧٧)، لسان العرب (١٢/ ٣٧٠٣)، القاموس المحيط (ص ١٤٦٤).
(٣) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٢٣).
(٤) انظر: المصدر السابق (١/ ١٢٤)، مجموع الفتاوى (٨/ ٥٠٥)، درء التعارض (٨/ ٢٣)، منهاج السنة (٢/ ٢٣٦)، مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٧)، شفاء العليل (٢/ ٧٥٣ - ٧٥٤)، مدارج السالكين (١/ ٢٣٦)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٥٩)، دفع الشبهة والغرر (ص ١١٨ - ١٣١)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٨٨).
[ ٥٩٨ ]
الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]، قال المفسّرون: لا يخاف أن يحمل عليه سيّئات غيره، ولا ينقص من حسناته، وقيل: يظلم بأن يؤاخذ بما لم يعمل، وقيل: لا يخاف ألا يجزى بعمله (^١).
وبناء على ما سبق فما قرّره ابن حجر -عفا الله عنه- في هذه المسألة، وعزاه للجمهور هو قول أصحابه الأشاعرة.
والرّدّ عليهم من طريقين:
أحدهما: النّقض، فيقال:
أولًا: إنّ الله مدح نفسه بعدم إرادة الظّلم، وعدم فعله، والمحال الذي لا يمكن، ولا يكون، لا يصحّ أن يمدح بعدم إرادته ولا فعله، ولا يحمد عليه؛ لأنّه ممتنع في نفسه وإنّما يكون المدح بترك الأفعال لمن هو قادر عليها، وتَنَزّه عنها (^٢).
ثانيًا: إنّ القول بأنّ الظّلم هو التّصرّف في ملك الغير، غير مطّرد ولا منعكس؛ فإنّ الإنسان قد يتصرّف في ملك غيره بحقّ ولا يكون ظالمًا، وقد يتصرّف في ملكه بغير حقّ فيكون ظالمًا، وظلم العبد نفسه كثير في القرآن الكريم (^٣).
وكذا القول بأنّ الظّلم مخالفة الآمر الذي تجب طاعته وأنّه لا يكون إلا من مأمور منهي فإنّه باطل، بدلالة الحديث المتقدّم "إنّي حرّمت الظّلم على نفسي" فالله تعالى هو من كتب على نفسه الرّحمة، وحرّم على نفسه الظّلم (^٤).
ثالثًا: أنّ نفي الظّلم عن الله تعالى بطريق السّلب المحض باطل؛ لأمرين:
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ٤٦٢)، تفسير ابن أبي زمنين (٣/ ١٢٩)، ثفسير السمعاني (٣/ ٣٥٧)، تفسير البغوي (٥/ ٢٩٦٠)، تفسير ابن كثير (٣٠/ ١٨٤).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤)، مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٦)، شفاء العليل (٢/ ٧٥٤)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٦٠).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٥).
(٤) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٦٦٠).
[ ٥٩٩ ]
١ - أنّ الله تعالى لا يوصف بالسّلب المحض الذي لا يتضمّن إثباتًا؛ لأنّ السّلب المحض ليس فيه مدح ولا كمال، لأنّه عدم محض، ليس بشيء، وما ليس بشيء، هو كما قيل ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا (^١).
٢ - أنّ نفي الظّلم عن الله تعالى بطريق السّلب المحض يتضمّن أعظم القدح في الله ﷿؛ ذلك أنّ فيه تشبيهًا لله تعالى بالجمادات التي لا تقبل الاتّصاف بصفات النّقص، فضلًا عن صفات الكمال (^٢).
رابعًا: أنّ ما استدلّوا به من النّصوص حقّ يجب القول بموجبها، لكن ليس فيها ما يدلّ على مذهبهم، وقد استوفى ذكرها والرّدّ عليها العلّامة ابن القيّم ﷿ بما لا مزيد عليه (^٣).
والآخر: المعارضة:
بما تقدّم ذكره من الأدلّة الدّالّة على حقيقة الظّلم، وأقوال السّلف في تفسيرها.
وبما سبق يتّضح بطلان ما ذهب إليه ابن حجر -غفر الله له- ومخالفته لمذهب أهل السّنّة والجماعة في هذه المسألة.
* * *
_________________
(١) انظر: التدمرية (ص ٥٧ - ٥٨).
(٢) انظر: المصدر السابق (ص ٣٨، ٦٢، ١٥٩)، الصفدية (١/ ٩٠).
(٣) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٨ - ١١٠).
[ ٦٠٠ ]
المبحث الثّالث آراؤه في التّحسين والتّقبيح، والحكمة والتّعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق
* * *
تحدّث ابن حجر ﵀ عن التّحسين والتّقبيح، والحكمة والتّعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق، وقرّر ما يراه فيها، وفيما يلي بيان آرائه وتقويمها.
أولًا: التّحسين والتّقبيح:
يرى ابن حجر -غفر الله له- أنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان، وأنّه لا حكم بحسن ولا قبح ولا ثواب ولا عقاب قبل ورود الشّرع، ويردّ على من قال بخلاف ذلك، حيث يقول: "اعلم أنّ الذي قرّره وأطبق عليه الأئمّة الأشاعرة الشّافعيّة وغيرهم أئمّة النّقل والأصول والفقه أنّه لا حكم قبل ورود الشّرع، وأنّ تحكيم المعتزلة للعقل باطل، وكذا قول بعضٍ إنّ الإيمان وحده يجب بالعقل
فقد قامت الأدلّة المقرّرة في الأصول أنّه لا حكم قبل الشّرع، من جملتها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
قال المحقّقون: معناه لا عذاب على أحد في شيء فعله إلا بعد أن تبلغه دعوة نبيّ له ولم يؤمن به، وقيل في الآية غير ذلك ولا تعويل عليه عند المحقّقين؛ لأنّ ما قلناه هو ظاهرها الذي لا يتبادر ذهن من له أدنى ذوق إلا إليه" (^١).
_________________
(١) المولد الشريف (ص ٦٥).
[ ٦٠١ ]
ويقول أيضًا: "لا حكم قبل الشّرع؛ إذ لا يستقلّ العقل بإدراك حسن ولا قبيح من حيث ترتّب ثواب أو عقاب بل من حيث صفة الكمال أو النّقص وملاءمة الطّبع ومنافرته له " (^١).
التّقويم:
التّحسين والتّقبيح: الحكم على الشّيء بكونه حسنًا أو قبيحًا، والحسن والقبح ضدّان (^٢).
وقد اختلف النّاس فيهما هل هما عقليّان أم شرعيّان، وهل يثبتان للأفعال ثبوت الصّفات الذّاتيّة أو الإضافيّة؟
فذهب جمهور المعتزلة ومن وافقهم إلى أنّهما عقليّان لا شرعيّان، وزعموا أنّ الحسن والقبح صفتان ذاتيتان للأفعال، والعقل يستقلّ بإدراكهما، والشّرع إنّما هو كاشف ومبيّن لتلك الصّفات فقط.
وقالوا: إنّ الثّواب والعقاب مترتّبان على التّحسين والتّقبيح العقليين، وإن لم يرد الشّرع بذلك (^٣).
وذهب جمهور الأشاعرة ومن وافقهم إلى أنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان، وزعموا أنّ الحسن والقبح صفتان إضافيّتان في الأفعال فلا تُدرك بالعقل وإنّما بالشّرع، وعليه فلا يحكم بهما إلا بعد وروده.
وقالوا: إنّ الثّواب والعقاب مترتّبان على التّحسين والتّقبيح الشّرعيّين، ولا عبرة فيهما بتحسين العقل وتقبيحه (^٤).
_________________
(١) التعرف (ص ١٣ - ١٤)، وانظر: فتح المبين (ص ١٦٠)، المنح المكية (١/ ١٥٥) (٢/ ٨٩٢)، الفتاوى الحديثية (ص ٣٩٥)، فتح الإله (ص ٦٧٦).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٨٢١) (٣/ ٢٨٧٠)، معجم مقاييس اللغة (ص ٢٦٢) (ص ٨٧٠)، الصحاح (٥/ ٢٠٩٩) (١/ ٣٩٣)، لسان العرب (١٣/ ١١٤) (٢/ ٥٥٢)، القاموس المحيط (ص ١٥٣٥) (ص ٣٠٠).
(٣) انظر: المغني (٦/ ٢٦، ٣٠، ٣١، ٣٤)، المحيط بالتكليف (ص ٢٣٥، ٢٣٩، ٢٥٤).
(٤) انظر: نهاية الإقدام (ص ٣٧٠)، الإرشاد (٢٢٨)، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين =
[ ٦٠٢ ]
وهدى الله أهل السّنّة والجماعة لِمَا اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فقالوا: بأنّ التحسين والتقبيح شرعيّان وعقليّان، والأفعال من حيث هي قد يدرك العقل حسنها وقبحها قبل ورود الشّرع وقد لا يدرك ذلك، إلا أنّ الثّواب والعقاب في الجميع معلّق على ورود الشّرع (^١).
يقول العلّامة ابن القيّم - ﵀ -: "الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنّها نافعة وضارّة، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيّات، ولكن لا يترتّب عليهما ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنّهي، وقبل ورود الأمر والنّهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله تعالى لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرّسل، فالسّجود للشّيطان والأوثان، والكذب والزّنا، والظّلم والفواحش، كلّها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشّرع" (^٢).
"وقد دلّ القرآن أنّه لا عقاب إلا بإرسال الرّسل، وأنّ الفعل نفسه حسن وقبيح، ونحن نبيّن دلالة الأمرين.
أمّا الأوّل: ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وفي قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وفي قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]
وأمّا الأصل الثاني - وهو دلالته على أنّ الفعل في نفسه حسن وقبيح - فكثير جدًّا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا
_________________
(١) = (ص ٢٠٢) المواقف (ص ٣٢٣)، وشرحها (٨/ ١٨١ - ١٨٢)، شرح المقاصد (٤/ ٢٨٢).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩٠ - ٩٣، ٤٢٨، ٤٣١) (٣/ ١١٤ - ١١٦)، الرد على المنطقيين (ص ٤٢٠ - ٤٢٤)، منهاج السنة (٢/ ٤١)، مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٧ - ٤٧)، مدارج السالكين (١/ ٢٣١ - ٢٣٤)، إيقاظ الفكرة (١/ ٤٥٧)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٨٤).
(٣) مدارج السالكين (١/ ٢٣١).
[ ٦٠٣ ]
بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٣٣].
فأخبر سبحانه أنّ فعلهم فاحشة قبل نهيه عنه، وأمر باجتنابه بأخذ الزينة
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: لا يأمر بما هو فاحشة في العقول والفطر، ولو كان إنّما عُلم كونه فاحشة بالنّهي، وأنّه لا معنى لكونه فاحشة إلا تعلّق النّهي به، لصار معنى الكلام: إنّ الله لا يأمر بما ينهى عنه، وهذا يُصان عن التّكلّم به آحاد العقلاء فضلًا عن كلام العزيز الحكيم
ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] دلّ على أنّه طيّب قبل التّحريم، وأنّ وصف الطّيب فيه مانع من تحريمه مناف للحكمة.
ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، ولو كان كونها فواحش إنّما هو لتعلّق التّحريم بها، وليست فواحش قبل ذلك، لكان حاصل الكلام: قل إنّما حرّم ربّي ما حَرَّم. وكذلك تحريم الإثم والبغي، فكون ذلك فاحشة وإثمًا وبغيًا بمنزلة كون الشّرك شركًا، فهو شرك في نفسه قبل النّهي وبعده " (^١).
وعليه فما قرّره ابن حجر - عفا الله عنه - في هذه المسألة موافق لقول الأشاعرة والرّدّ عليه من طريقين:
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٢٣٢ - ٢٣٤).
[ ٦٠٤ ]
أحدهما: النّقض، فيقال:
أولًا: إنّ القول بأنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان مبني على القول بعدم تعليل أفعال الله تعالى - وهو ما قرّره الأشاعرة ومنهم ابن حجر - والتزموا لوازمه (^١)، وهو باطل - كما سيأتي (^٢) - وما بني على باطل فهو باطل.
ثانيًا: إنّ ما قرّره الأشاعرة ومنهم ابن حجر في التّحسين والتّقبيح يناقض قولهم بوجوب النّظر أو القصد إليه - كما سبق - (^٣) وقولهم بالكمال والنّقص في الأفعال وأنّها تُدرك بالعقل؛ إذ الكمال بمعنى التّحسين والنّقص بمعنى التّقبيح (^٤).
ثالثًا: أنّ القول بأنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان يلزم منه أن تكون الأفعال كلّها سواء في نفس الأمر، وأنّها غير منقسمة في ذواتها إلى حسن وقبيح، ومصلحة ومفسدة، فلا فرق بين السّجود للرّحمن والسّجود للشّيطان، ولا بين الصّدق والكذب، ولا بين العدل والظّلم سوى في الأمر والنّهي، وهو من أبطل الباطل (^٥).
رابعًا: أنّ أئمّة الأشاعرة القائلين بهذا القول قد اضطربوا في سياق أدلّته وتقريرها، وقدح بعضهم في أدلّة بعض؛ بما يضعف قولهم، ويغني عن تكلّف البحث فيه (^٦).
وما ذكره ابن حجر - غفر الله له - من الاستدلال عليه بقوله - ﷿ -: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] متعقب بكون الآية إنّما تدلّ على عدم المؤاخذة على الأفعال قبل إرسال الرّسل وورود الشّرع، دون نفي الحسن والقبح عن الأفعال نفسها - وهي محلّ البحث هنا - (^٧).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٢٨).
(٢) انظر: (ص ٦٠٦).
(٣) انظر: (ص ١٠٩).
(٤) انظر: إيقاظ الفكرة (١/ ٤٦٥).
(٥) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٣٠).
(٦) انظر: المحصول للرازي (١/ ١٢٤) وما بعدها، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٨٢) وما بعدها، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٠٢) وما بعدها.
(٧) انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ٥٠)، تفسير ابن كثير (٣/ ٣٣).
[ ٦٠٥ ]
والآخر: المعارضة:
بما تقدّم ذكره من الأدلّة الدّالّة على أنّ الفعل نفسه حسن وقبيح.
ثانيًا: الحكمة والتّعليل في أفعال الله:
يرى ابن حجر - عفا الله عنه - أنّ أفعال الله تعالى معلّلة بحكم موضّحة لأفعاله لا مترتّبة عليها.
يقول في ذلك: "أفعال الله هل تعلّل؟
قيل: نعم؛ لأنّ فعلًا لا علّة له عبث والله مُنَزّه عنه، ولأنّ القرآن مملوء من تعليل أفعاله تعالى نحو ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥].
وقيل: لا؛ لأنّ كلّ من فعل فعلًا لعلّة كان مستكملًا بها ما لم يكن له قبلها فيكون ناقصًا بذاته كاملًا بغيره، والنّقص على الله تعالى مُحال، ورد بمنع الكلّيّة وأنّ ذلك لا يلزم إلّا في حقّ المخلوقين.
والتّحقيق: أنّ أفعاله تعالى معلّلة بحكم غايتها تعود لنفع المكلّفين وكمالهم لا لنفع الله تعالى وكماله؛ لاستغنائه بذاته عمّا سواه، فتلك العلل حكم موضّحة لأفعاله لا أغراض باعثة عليها لأنّه تعالى مُنَزّه عن أن يبعثه شيء على شيء" (^١).
التّقويم:
مسألة الحكمة والتّعليل في أفعال الله "من أجل مسائل التّوحيد المتعلّقة بالخلق والأمر، والشّرع والقدر" (^٢).
والمراد بها: "هل أفعال الرّبّ تعالى وأوامره معلّلة بالحكم والغايات؟ " (^٣).
وقد اختلف النّاس فيها، وتعدّدت مذاهبهم تجاهها:
فذهب الأشاعرة إلى نفي الحكمة والتّعليل في أفعال الله تعالى، وقالوا: بأنّ الفعل غير مرتّب على الحكمة بل هو محض المشيئة وصرف
_________________
(١) فتح المبين (ص ٢١٢)، وانظر: الزواجر (٢/ ٨٨).
(٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٢).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٤٢).
[ ٦٠٦ ]
الإرادة؛ إذ لو كان مترتبًا عليها لكان الله محتاجًا إليها في فعله منتفعًا بها.
ومن ثم قالوا بعدم تعليل أفعال الله سبحانه (^١).
وذهب المعتزلة إلى إثبات الحكمة والتّعليل في أفعال الله تعالى، وقالوا: بأنّ الفعل مترتّب على الحكمة، وأجابوا عمّا أورده الأشاعرة بأنّ الحكمة تعود إلى المخلوق لا إلى الخالق فهي حكمة مخلوقة منفصلة عنه سبحانه.
ومن ثَمّ قالوا بتعليل أفعاله تعالى (^٢).
وهدى الله أهل السّنّة والجماعة للقول الحقّ والسّبيل الوسط، فقالوا: بأنّ الله تعالى حكيم، ولا يخلو فعل من أفعاله تعالى عن حكمة.
والحكمة مقصودة له سبحانه، يفعل لأجلها لأنّه يحبّها ويرضاها، والفعل مترتّب عليها، وليست هي مترتّبة على الفعل وحاصلة عقيبه كما يقول الأشاعرة، ولا مخلوقة منفصلة عنه كما يقول المعتزلة (^٣).
إذ الحكمة تتضمّن شيئين:
أحدهما: حكمة تعود إلى الله تعالى يحبّها ويرضاها فهي صفة له، تقوم به؛ لأنّ الله لا يوصف إلا بما قام به.
وثانيهما: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة عليهم يفرحون ويلتذون بها في المأمورات والمخلوقات (^٤).
_________________
(١) انظر: نهاية الإقدام (ص ٣٩٧)، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين (ص ٢٠٥)، المواقف (ص ٣٣١)، وشرحها (٨/ ٢٠٢)، شرح المقاصد (٤/ ٢٩٦)، غاية المرام (ص ٢٢٤)، تحفة المريد (ص ٩٦).
(٢) انظر: المغني (٦/ ٤٨) (١١/ ٩٢ - ٩٣)، والمختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبار ضمن رسائل العدل والتوحيد (١/ ٢٠٣).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧ - ٣٩، ٨١ - ٩٧، ٣٧٧)، منهاج السنة (١/ ١٤١)، بيان تلبيس الجهمية (٩٨/ ١١، ٢١٤)، مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٢)، شفاء العليل (٢/ ٥٣٧)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٨٠)، وللاستزادة: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى للدكتور محمد بن ربيع المدخلي.
(٤) انظر: منهاج السنة (١/ ١٤١)، مجموع الفتاوى (٨/ ٣٤).
[ ٦٠٧ ]
والحكمة العائدة إليه سبحانه، والمتعلّقة بأفعاله نوعان:
١ - حكمة مطلوبة لذاتها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
٢ - حكمة مطلوبة لغيرها وتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه، كما في قوله - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣] (^١).
وحكمته سبحانه بنوعيها لا يحاط بها علمًا، وبعضها معلوم للخلق، وبعضها مِمّا يخفى عليهم.
يقول العلّامة ابن القيّم - ﵀ -: "الله سبحانه حكيم، لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دلّ كلامه وكلام رسوله على هذا في مواضع لا تكاد تُحصى" (^٢).
ومما سبق يتّضح اضطراب ابن حجر - عفا الله عنه - في هذه المسألة فقد وافق أهل السّنّة في إثبات الحكمة والتّعليل في أفعال الله، ووافق الأشاعرة في قوله بأن "تلك العلل حكم موضحة لأفعاله لا أغراض باعثة عليها" فوقع بذلك في التّناقض؛ إذ القول بإثبات الحكمة والتّعليل يناقض القول بأنّها موضّحة لأفعاله لا باعثة عليها، ولهذا طرد أهل السّنّة والجماعة قولهم، وطرد الأشاعرة قولهم.
وقول ابن حجر: "بأنّ أفعاله تعالى معلّلة بحكم غايتها تعود لنفع المكلّفين وكمالهم لا لنفع الله وكماله؛ لاستغنائه بذاته عمّا سواه، فتلك العلل حكم موضحة لأفعاله لا باعثة عليها لأنّه تعالى مُنَزّه عن أن يبعثه شيء على شيء" متعقّب بما يلي:
١ - أنّ حصر الحكمة في حصول النّفع الذي يُراد به دفع المفسدة
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٤١).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٥٣٧).
[ ٦٠٨ ]
وجلب المنفعة ممنوع؛ ذلك أنّه إن أراد أنّ هذه الحكمة هي التي لأجلها يفعل الإنسان فهذا مُسَلَّم ولا ينفعه شيئًا، وإن أراد أنّها الحكمة التي يفعل الله لأجلها أو ما هو أعمّ من ذلك، فإنّ حكمة الرّبّ فوق ذلك، والله يتعالى عن ذلك، فيكون استدلاله هذا مستندًا إلى قياس الخالق على المخلوق قياس تساوٍ، وهو باطل (^١).
٢ - أنّ التّعبير عن الحكمة بالأغراض الباعثة في حقّ الله تعالى مِمّا لا يدلّ عليه الشّرع، والتّعبير بذلك لاستبشاع المعنى الشّرعي الثّابت له سبحانه لا يجوز (^٢).
٣ - أنّ قوله بلزوم القول بترتّب الفعل على الحكمة لنقص الباري سبحانه في ذاته واستكماله بتحصيل الغرض، مبني على أنّ الحكمة مغايرة له، والحقّ -الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة- أنّ الحكمة التي يعود حكمها إلى الله تعالى صفة له، وما كان صفة لله تعالى لا يتصوّر أن ينفكّ عنه، وعليه فلا صحّة بلزوم ذلك (^٣).
ثالثًا: تكليف ما لا يطاق:
يرى ابن حجر - غفر الله له - جواز تكليف الله تعالى العباد بما شاء من الأفعال، حيث يقول: "له تكليفهم بما شاء من الأفعال مع تقدير أسباب منعهم منها، وهو المسمّى بتكليف ما لا يطاق" (^٤).
ويقول أيضًا: "أجمعت الأمّة على التّكليف بالمحال كغيره، كتكليف أبي جهل مثلًا بالإيمان مع علم الله بأنّه لا يؤمن؛ وذلك لأنّ التكليف بذلك إنّما هو بالنّظر للحالة الرّاهنة المنطوي عنا عاقبتها، فهم بالنّسبة إليها مكلّفون بالإيمان لقدرتهم عليه ظاهرًا، وإن كانوا عاجزين عنه باطنًا، لعلم الله تعالى بأنّهم لا يؤمنون، لأنّ هذا لا نظر إليه وإلا لارتفع الاختيار،
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٧٨ - ٥٧٩).
(٢) انظر: منهاج السنة (٢/ ٤٥٥)، العواصم والقواصم (٧/ ٣١٨).
(٣) انظر: منهاج السنة (١/ ٤٢١)، مجموع الفتاوى (١٦/ ١٣٣)، شفاء العليل (٢/ ٥٧٩).
(٤) فتح المبين (ص ٧٢).
[ ٦٠٩ ]
وثبت القول بالجبر المنابذ لِمَا جاءت به الشّرائع، فاحذر أن تميل إليه فتزلّ قدمك، ويحق ندمك، واستحضر قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣] (^١).
التّقويم:
التّكليف في اللغة: الأمر بما يشقّ، يقال: كلّفه تكليفًا، إذا أمره بما يشقّ عليه، وتكلّفت الشّيء: تجشّمته (^٢).
وفي الاصطلاح: الإلزام بمقتضى خطاب الشّرع.
وخطاب الشّرع قسمان: أمر ونهي، فالأمر: يتضمّن الواجب والمندوب، والنّهي: يتضمّن الحرام والمكروه، والمباح تخيير بينهما (^٣).
وتكليف ما لا يطاق ضربان:
أحدهما: التكليف بالممتنع لذاته كالجمع بين النّقيضين، والممتنع عادة كالطيران في الهواء، والممتنع للعجز عنه كنقط المصحف للأعمى.
فهذا اختلف النّاس في جوازه عقلًا على ثلاثة أقوال:
الأول: عدم جوازه، وهو قول المعتزلة (^٤).
والثّاني: جوازه، وهو قول أكثر الأشاعرة (^٥).
والثّالث: جواز التّكليف بالممتنع عادة وبما لا يقدر عليه للعجز عنه، دون التّكليف بالممتنع لذاته (^٦).
وأمّا وقوعه شرعًا:
_________________
(١) المنح المكية (٢/ ٨٢٢).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣١٧٥)، معجم مقاييس اللغة (ص ٩٠٨)، الصحاح (٤/ ١٤٢٤)، لسان العرب (٩/ ٣٠٧)، القاموس المحيط (ص ١٠٩٩).
(٣) انظر: شرح مختصر الروضة (١/ ١٧٦)، شرح الكواكب المنير (١/ ٤٨٣).
(٤) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٣٩٦)، المختصر في أصول الدين ضمن رسائل العدل والتوحيد (١/ ٢١٨).
(٥) انظر: الإرشاد (ص ٢٠٣)، معالم أصول الدين للرازي (ص ٨٥)، القضاء والقدر له (ص ٣٠٧)، إحكام الأحكام للآمدي (١/ ١٣٣)، المواقف (ص ٣٣٠ - ٣٣١).
(٦) انظر: المسودة (ص ٧١)، درء التعارض (١/ ٦٣)، مجموع الفتاوى (٨/ ٢٩٥، ٢٩٨).
[ ٦١٠ ]
فقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على عدم وقوعه (^١)، ونازع في ذلك الرّازي وطائفة (^٢)، فذهبوا إلى القول بوقوعه، وهو ظاهر البطلان.
وثانيهما: التّكليف بالممتنع لغيره وهو المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون أو أخبر أنه لا يكون، وما لا يطاق للاشتغال بضدّه كالتّكليف بالقيام حال الجلوس، والتكليف بعموم التكاليف الشّرعيّة.
فهذا التّكليف به جائز عقلًا وواقع شرعًا بإجماع أهل العلم (^٣)، والخلاف فيه إنّما هو من جهة تسميته تكليفًا بما لا يطاق.
فالأشاعرة ومن وافقهم قالوا بصحّة تسميته بذلك (^٤).
وأهل السّنّة ومن وافقهم قالوا بعدم صحّة ذلك (^٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما لا يطاق للعجز عنه، كتكليف الزَّمِن المشي، وتكليف الإنسان الطّيران ونحو ذلك، فهذا غير واقع في الشّريعة عند جماهير أهل السّنّة المثبتين للقدر
والثّاني: ما لا يطاق للاشتغال بضدّه، كاشتغال الكافر بالكفر، فإنّه هو الذي صدّه عن الإيمان، وكالقاعد في حال قعوده، فإنّ اشتغاله بالقعود يمنعه أن يكون قائمًا وتكليف الكافر الإيمان من هذا الباب.
ومثل هذا ليس بقبيح عقلًا عند أصدق العقلاء، بل العقلاء متّفقون
_________________
(١) انظر: المسودة (ص ٧١)، درء التعارض (١/ ٦٣)، مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠١ - ٣٠٢).
(٢) انظر: معالم أصول الدين للرازي (ص ٨٥)، والإرشاد (ص ٢٠٤).
(٣) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٠٤ - ١٠٥).
(٤) انظر: أصول الدين (ص ٢١٣)، الإرشاد (ص ٢٠٣)، القضاء والقدر للرازي (ص ٣٠٧)، المواقف (ص ٣٣٠ - ٣٣١)، شرح المقاصد (٤/ ٢٩٦).
(٥) انظر: الانتصار للعمراني (٢/ ٤٥٩)، مجموع الفتاوى (٨/ ٢٩٨ - ٣٠٢)، درء التعارض (١/ ٦٠)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٥٣).
[ ٦١١ ]
على أمر الإنسان ونهيه بما لا يقدر عليه حال الأمر والنّهي لاشتغاله بضدّه، إذا أمكن أن يترك ذلك الضّدّ ويفعل الضّدّ المأمور به.
وإنّما النّزاع هل يسمّى هذا تكليف ما لا يطاق لكونه تكليفًا بما اتّفقت فيه القدرة المقارنة للفعل.
فمن المثبتين للقدر من يدخل هذا في تكليف ما لا يطاق
ومنهم من يقول هذا لا يدخل فيما لا يطاق، وهذا هو الأشبه بما في الكتاب والسّنّة وكلام السّلف، فإنّه لا يقال للمستطيع المأمور بالحجّ إذا لم يحجّ إنّه كلّف بما لا يطيق، ولا يقال لمن أمر بالطّهارة والصّلاة فترك ذلك كسلًا إنّه كلّف ما لا يطيق" (^١).
وعليه فما قرّره ابن حجر - عفا الله عنه - من القول بجواز تكليف الله تعالى العباد بما شاء من الأفعال قول مُجمل.
وأمّا قوله بأنّ الأمّة أجمعت على التكليف بالمحال كغيره، ومنه تكليف أبي جهل بالإيمان مع علم الله تعالى بعدم إيمانه، فهو متعقّب بما يلي:
١ - أنّ الفعل الممكن في نفسه لا يقال إنّه مُحال لتعلّق العلم بعدمه، وإلا لزم هذا بعينه فيما علم الله أنّه لا يفعله وهو مقدور له، فإنه لا يقع البتّة، مع كونه مقدورًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ [السجدة: ١٣]، فإيمان كلّ النّاس أخبر الله أنّه ممكن له مقدور، مع علمه بأنّه لا يقع منهم كلّهم وإنّما من بعضهم (^٢).
٢ - أنّ تكليف أبي جهل بالإيمان من قبيل التّكليف بالممتنع لغيره لا الممتنع لذاته؛ إذ الممتنع لذاته ليس شيئًا حتى يفرض فيه بخلاف الممتنع لغيره فإنّه ممكن ولكنّه امتنع لعدم تعلّق الإرادة بإحداثه وعلم الله بأنّه لا يفعله فلا يصحّ إطلاق المستحيل عليه (^٣).
_________________
(١) منهاج السنة (٣/ ١٠٤ - ١٠٥).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٩٢، ٥٠٠).
(٣) انظر: المصدر السابق (٨/ ٢٩٢، ٥٠٠).
[ ٦١٢ ]
٣ - أنّ التّكليف بما يمتنع لغيره لا يُعدّ تكليفًا بما لا يُطاق، ولا يصحّ تسميته بذلك (^١).
٤ - أنّ القول بأنّ تكليف أبي جهل بالإيمان من تكليف ما لا يطاق مبني على القول بأنّ الاستطاعة واحدة وهي المقارنة للفعل فقط وهو مذهب الأشاعرة، والحقّ أنّ الاستطاعة نوعان: استطاعة قبل الفعل بمعنى الصّحة والوسع والتّمكّن وسلامة الآلات وهي مناط التّكليف، واستطاعة مقارنة للفعل وليست مناطًا للتّكليف وإنّما هي محض فضل الله تعالى يؤتيها من يشاء وفق حكمته سبحانه (^٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧٩)، منهاج السنة (٣/ ١٠٥).
(٢) انظر: درء التعارض (١/ ٦١)، مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٢)، شفاء العليل (١/ ٣٢٠)، شرح الطحاوية (٢/ ٦٣٢).
[ ٦١٣ ]