لما كانت الأدلة من الكتاب والسنة تدل على أن كلام الله مسموع، والمسموع لا يكون إلا صوتًا، والصوت لا يكون إلا حرفًا، لزم الأشاعرة -ومنهم ابن حجر- القول بأن كلام الله بصوت وحرف، وحينئذ اختلفوا في
_________________
(١) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ٨١ - ٨٢)، الصراط المستقيم (ص ٣٨).
(٢) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١٦٧)، الصراط المستقيم (ص ٣٦)، البرهان في بيان القرآن (ص ٥٦)، رسالة في القرآن وكلام الله لابن قدامة أيضًا (ص ١٦٥).
(٣) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١١٠)، الصراط المستقيم (ص ٣٦)، البرهان في بيان القرآن (ص ٥٣)، رسالة في القرآن وكلام الله (ص ١٦٥).
[ ٣٣٨ ]
الجواب عن ذلك (^١)، فكان منهم من تأول سماع كلام الله بخلق فهمه في القلب وسمعه في الآذان لا سماعه حقيقة، وهو القول الذي ارتضاه ابن حجر وعزاه إلى أهل السنة يريد بهم من قال به من الأشاعرة.
والحق أن كلام الله بصوت وحرف، وأنه مسموع على الحقيقة تارة بلا واسطة، وتارة من المبلغ عنه.
يقول العلامة ابن القيم ﵀: "قال أهل السنة والحديث: يسمع كلامه سبحانه منه تارة بلا واسطة كما سمعه موسى وجبرائيل وغيره، وكما يكلم عباده يوم القيامة، ويكلم أهل الجنة، ويكلم الأنبياء في الموقف، ويسمع من المبلغ عنه كما سمع الأنبياء الوحي من جبرائيل تبليغًا عنه، وكما سمع الصحابة القرآن من الرسول -ﷺ- عن الله، فسمعوا كلام الله بواسطة المبلغ، وكذلك نسمع نحن بواسطة التالي " (^٢).
وأما ما ذكره ابن حجر من كون معنى سماع كلامه سبحانه خلق فهمه في القلب وسمعه في الآذان لا سماعه حقيقة، وعزوه ذلك إلى أهل السنة فهو باطل من وجوه:
١ - أن تأويل سماع كلام الله بخلق فهمه في القلب مُعَارض بما ورد في النصوص من التفريق بين الإيحاء إلى سائر النبيين وبين تكليم الله لموسى كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًاإِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤].
"ففرق بين إيحائه إلى سائر النبيين، وبين تكليمه لموسى فلو كان تكليمه لموسى إلهامًا، ألهمه موسى من غير أن يسمع صوتًا، لم يكن فرق بين الإيحاء إلى غيره والتكليم له؛ فلما فرق القرآن بين هذا وهذا، وعُلم بإجماع الأمة ما استفاضت به السنن عن النبي -ﷺ- من تخصيص موسى
_________________
(١) انظر: أبكار الأفكار (١/ ٣٦٧).
(٢) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١).
[ ٣٣٩ ]
بتكليم الله إياه، دل ذلك على أن الذي حصل له ليس من جنس الإلهامات وما يدرك بالقلوب، إنما هو كلام مسموع بالآذان، ولا يسمع بها إلا ما هو صوت" (^١).
٢ - أن هذا التأويل مُعَارَض بأقوال السلف -﵏- "فإن مفسري القرآن، وأهل السنة والآثار، وأتباعهم من السلف كلهم متفقون على أن الله كلم موسى بصوت، كما في الآثار المعروفة عنهم في الكتب المأثورة عن السلف " (^٢).
٣ - أن هذا التأويل "معلوم الفساد بالضرورة، وإنما ألجأ إليه القائلون به ما تقدم من الأصول التي استلزمت هذه المحاذير، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم" (^٣).
وأما عزو ابن حجر هذا القول إلى أهل السنة فهو متعقب بكونه ليس قولًا لهم هانما هو من أقوال الأشاعرة، والأشاعرة ليسوا من أهل السنة المحضة، وبكونه ليس مُسَلمًا لديهم جميعًا بل إن منهم من اعترض عليه، وأعرض عنه (^٤).
وجملة القول أن ما قرره ابن حجر -غفر الله له- في كلام الله تعالى مما تابع فيه متأخري الأشاعرة، وهو مُعَارَض بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل، واعتراض أئمة الأشاعرة أنفسهم عليه فضلًا عن غيرهم.
٢ - صفة النزول:
يرى ابن حجر -غفر الله له- استحالة اتصاف الله تعالى بالنزول "لتعاليه سبحانه عن الحركة والجهة والجسمية ولوازمها، فوجب تأويل ذلك إما إجمالًا بأن ينزه الله عن ظاهره ويفوض علم حقيقة المراد به إليه تعالى وهو مذهب أكثر السلف وهو أسلم، وإما تفصيلًا بأن يبين بنزول أمره مثلًا كما تقرر وهو مذهب بعض السلف كمالك وجعفر الصادق في الآخرين
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣١ - ٥٣٢).
(٢) المصدر السابق (٦/ ٥٣٢).
(٣) درء التعارض (٢/ ١١٥).
(٤) انظر: شرح المقاصد (٤/ ١٥٥ - ١٥٧).
[ ٣٤٠ ]
وأكثر الخلف وهو أعلم " (^١).
ويؤول ابن حجر الأحاديث الدالة على نزول الله سبحانه بثزول أمره أو بعض ملائكته، حيث يقول: "نزول الله كناية عن نزول رحمته أو بعض ملائكته؛ لتعاليه ﵎ عن الجهة والمكان والجسم والزمان تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا" (^٢).
التقويم: