المبحث الأول: مسائل الإيمان والكفر
المطلب الأول: تعريف الإيمان، وأنواعه ومسائله
المطلب الثاني: تعريف الكفر، وأنواعه، وأقسامه
المبحث الثاني: الكبائر
المطلب الأول: تعريف الكبائر
المطلب الثاني: حكم مرتكب الكبيرة؟
المطلب الثالث: هل للقاتل توبة؟!
المبحث الثالث: الديانات، وفضل الإسلام، وأمة الإسلام
المطلب الأول: التعريف بالديانات
المطلب الثاني: فضل الإسلام
المطلب الثالث: فضل أمة الإسلام
المبحث الرابع: الصحابة، فضلهم ومنزلتهم ومكانتهم
المطلب الأول: حقيقة مسمى الصحبة
المطلب الثاني: فضائل الصحابة - ﵃ -
المطلب الثالث: حكم تنقص الصحابة - ﵃ -
المطلب الرابع: الموقف من الفتنة التي جرت بين الصحابة - ﵃ -
المطلب الخامس: التفاضل بين الصحابة - ﵃ -
[ ٦٥٧ ]
الفصل السابع: متممات العقيدة:
المبحث الأول: مسائل الإيمان والكفر:
عالج السمعاني في هذا المبحث، مسألة من أهم المسائل التي جرى فيها النزاع بين أهل القبلة، وانتصر فيها لمذهب السلف، مذهب أهل السنة والجماعة، ورد على المخالفين في هذا الباب:
- فقرر أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، خلافا:
- للوعيدية من الخوارج والمعتزلة: الذين قالوا: إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، لكنهم جعلوا العمل شرطا فيه، يزول الإيمان بزواله دون تفصيل في نوع العمل، وأهل السنة والجماعة على أن الإيمان شعب متعددة، منها ما يزول الإيمان بزوالها، ومنها ما لا يزول الإيمان بزوالها، وهم رأوا كذلك أن الإيمان كلٌ لا يتبعض، بخلاف أهل السنة والجماعة، فإنهم يرون أن الإيمان يتبعض ويتجزأ، وقد يجتمع في المرء إيمان وكفر، وإسلام ونفاق، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية.
- وخلافا لذلك للمرجئة بجميع طوائفها، من:
أ - المرجئة المحضة وهم الجهمية: الذين يرون أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى.
ب - والأشاعرة: الذين يرون أن الإيمان هو تصديق القلب فقط.
ت - والكرامية: الذين يرون أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط.
ث - والماتريدية: الذين يرون أن الإيمان هو تصديق القلب، وأما إقرار اللسان فهو ركن زائد فيه ليس بأصلي، يسقط بالإكراه ونحوه.
ج - ومرجئة الفقهاء: الذين يرون أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان.
[ ٦٥٨ ]
- وقرر أن الإيمان يزيد وينقص، وهو مضمن للرد على الطوائف المخالفة في هذا الباب:
- فقالت الجهمية والخوارجوالمعتزلة وبعض الأشاعرة والماتريدية: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
- وقال بعض الأشاعرة: إن الإيمان يزيد ولا ينقص.
- وأشار إلى مسألة الكفر وتقسيماته وأنواعه.
- وذكر ضابط الكبيرة، وعرج على مسألة حكم مرتكب الكبيرة، وقرر فيها مذهب السلف، ورد فيها على المخالف.
- وأشار إلى الديانات، وفضل الإسلام وأمة الإسلام.
- وختم بالحديث عن الصحابة والمسائل المتعلقة بهم.
حقا، فقد كان الإمام السمعاني نصرا لهذه الأمة، وسيفا مصلتا رقاب أهل البدع، وشوكة في حلوقهم.
المطلب الأول: تعريف الإيمان:
المسألة الأولى: تعريف الإيمان في اللغة:
أ - في اللغة: يقول السمعاني: " الإيمان، وهو التصديق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، أي: بمصدق لنا. وقيل: الإيمان مأخوذ من الأمان، فسُمِّي المؤمن مؤمنًا؛ لأنه يُؤمن نفسه من عذاب الله ". (^١)
إذن الإيمان في اللغة: هو التصديق الذي معه أمن (^٢)، ويقول ابن منظور: " الإيمان ضد الكفر، والإيمان بمعنى التصديق، ضده التكذيب، يُقال: آمن به قوم، وكذب به قوم ". (^٣)
ومن معانيه اللغوية كذلك: الإقرار، يقول الإمام ابن تيمية: " ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار، لا مجرد التصديق " (^٤). فالإيمان لغة، متضمن لمعنى التصديق، والأمن، والإقرار، فهو تصديق وزيادة، متضمن للإقرار، والإذعان، والتسليم. وللإمام ابن تيمية توجيه، ورد مطوَّل لمن جعل لفظ الإيمان مرادفًا للتصديق. (^٥)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣
(٢) الأصفهاني: المفردات: ٩١
(٣) ابن منظور: لسان العرب: ١٣/ ٢١
(٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٧/ ٦٣٨
(٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٧/ ١٢٢ - ١٠/ ٢٦٩
[ ٦٥٩ ]
المسألة الثانية: تعريف الإيمان في الشرع:
ب - في الشرع: هو تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
وهذا القدر من الإيمان متفق عليه بين أهل السنة والجماعة، وقد استفاضت نقولات الأئمة في هذا الباب، في حكاية إجماعات السلف، يقول ابن كثير: " فالإيمان الشرعي المطلوب، لا يكون إلا اعتقادًا، وقولًا، وعملًا. هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وغير واحد إجماعًا، أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ". (^١)
وقال ابن عبدالبر: " أجمع أهل الفقه والحديث، على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان ". (^٢)
وقال الآجري: " اعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل الجوارح " (^٣)، والإيمان شامل لعمل القلب وقوله، وقول اللسان وعمل الجوارح، يقول ابن تيمية: "وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ومعنى ذلك: أنه قول القلب، وعمل القلب، ثم قول اللسان، وعمل الجوارح ". (^٤)
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ١٦٥
(٢) ابن عبدالبر: التمهيد: ٩/ ٢٣٨
(٣) الآجري: الشريعة: ٢/ ٦١١
(٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٧/ ٦٧٢
[ ٦٦٠ ]
وقد عَرَّف السمعاني الإيمان في الشريعة، بما عرفه به السلف، فقال:" والإيمان في الشريعة يشتمل على الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان " (^١)، وقال:" الإيمان يجمع ثلاثة أشياء: النية، والقول، والعمل " (^٢). ثم رد السمعاني ﵀ على من أخرج شيئًا من هذه الأركان عن الإيمان فقال عن الاعتقاد: " قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]، " وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ " نفى الإيمان عنهم، حيث أظهروا الإسلام باللسان، ولم يعتقدوا بالجنان، وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان " (^٣)، والاعتقاد تصديق القلب، وهو قوله، وأما أعماله فكثيرة، يقول السمعاني: " وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣]، والرجل هو المنيب، لكنه أضاف إلى القلب؛ لأن الأكثر من أعمال الإيمان، يعمله المؤمن بقلبه " (^٤)، وقال في تفسير قوله تعالى:" ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:٦٢]، يعني: بالقلب مع اللسان ". (^٥)
وقال ﵀ رادًا على المرجئة، الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]: " أي: صلاتكم، فجعل الصلاة إيمانًا، وهذا دليل على المرجئة، حيث لم يجعلوا الصلاة من الإيمان، وإنما سموا مرجئة؛ لأنهم أخروا العمل عن الإيمان. وحُكي أن أبا يوسف، شهد عند شريك بن عبدالله القاضي، فرد شهادته، قيل له: أترد شهادة يعقوب؟ فقال: كيف أقبل شهادة من يقول: إن الصلاة ليست من الإيمان ". (^٦)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٩٢
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٧
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٤٦
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٩
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٥٠ - ٢/ ٢٠٣
[ ٦٦١ ]
وما حكاه السمعاني عن القاضي أبي يوسف، بصيغة التمريض، توحي بتضعيفه لها، والاستئناس بها على أصل المسألة، لكن أبا يوسف على خِلاف ما ذُكر، فقد روى ابن حبان في الثقات، عن قتيبة بن سعيد، قال سمعت أبا يوسف يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (^١)
وأورد السمعاني سؤالًا مفاده: " إن قيل: هذا أَوَّل قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٨٥]، على أن الإيمان قول فرد؟ قيل: قد ذكر في الآية الأولى ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣]، فذكر المعرفة في تلك الآية، والقول في هذه الآية، ومجموعهما إيمان ". (^٢)
فهذا هو معنى الإيمان وحقيقته في الشرع، وهو الذي اتفق عليه السلف، قال عبدالرزاق: سمعت مالكًا، والأوزاعي، وابن جريج، والثوري، ومعمرًا، يقولون: الإيمان قول، وعلم، يزيد، وينقص (^٣). وقال يحيى بن سعيد القطان: كل من أدركت من الأئمة كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد، وينقص (^٤). ويقول البخاري: كتبت عن ألفٍ وثمانين رجلًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (^٥)
_________________
(١) ابن حبان: الثقات: دائرة المعارف العثمانية: الهند، ط ١، ١٣٩٣ هـ (٧/ ٦٤٥)
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥٩
(٣) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٦/ ٦٣٥
(٤) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٧/ ٥٨١
(٥) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٨١
[ ٦٦٢ ]
فالإمام السمعاني في تقريره للإيمان، موافق لقول السلف، بأنه قول وعمل، وبأنه يزيد وينقص، قال ﵀: " قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، أي: يقينًا وتصديقًا، وذلك أنه كلما نزلت آية فآمنوا به، ازدادوا إيمانًا وتصديقًا، وهذا دليل لأهل السنة، على أن الإيمان يزيد وينقص " (^١)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه:٧٥]، يقول السمعاني: " أي: أدى الفرائض، قال الحسن: من أدَّى الفرائض، فقد استكمل الإيمان ومن لم يُؤد الفرائض، فلم يستكمل الإيمان ". (^٢)
المسألة الثالثة: هل الإيمان هو الإسلام، أم بينهما اختلاف؟
أشار السمعاني إلى وجود خلاف بين السلف في هذه المسألة على قولين:
الأول: ليس بينهما فرق، فهما واحد، واستدل أصحاب هذا القول، بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، قال السمعاني: " فيه دليل لمن قال: إن الإسلام والإيمان واحد " (^٣). وذهب إلى هذا القول جماعات من أهل العلم، منهم: البخاري (^٤)، ومحمد بن نصر (^٥)، وابن حزم (^٦)، وابن عبدالبر (^٧).
والثاني: أن بينهما فرقًا: فقيل: الإسلام هو الكلمة، والإيمان العمل، وهذا مروي عن الزهري.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٤٨
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٤٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٥٨
(٤) ابن حجر: فتح الباري: ١/ ٦٠ - ١٤٠
(٥) محمد بن نصر: تعظيم قدر الصلاة: ١/ ٤٠٢
(٦) ابن حزم: المحلى: ١/ ٣٨
(٧) ابن عبدالبر: التمهيد: ٩/ ٢٤٩
[ ٦٦٣ ]
وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: " الإسلام علانية، والإيمان في القلب " (^١)، ويقول السمعاني: " وفي خبر جبريل - صلوات الله عليه - حيث جاء يسأل عن الإِسلام والإيمان، وفرَّق الرسول ﷺ بينهما، فجعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو التصديق الباطن " (^٢)، وثبت أيضًا أن النبي ﷺ أعطى قومًا، ولم يعط رجلًا، فقال سعد بن أبي وقاص: إنك أعطيت فلانًا وفلانًا، ولم تعط فلانًا وهو مؤمن؟ فقال: (أو مسلم). (^٣)
وجَوَّز السمعاني القولين، إلا أنه قال: " وأكثر الأخبار دالة على التفريق، فيجوز أن نفرق على ما قلنا، وعلى ما ورد في الأخبار، ويجوز أن يُقال: هما واحد، فيكون الإسلام بمعنى الإيمان، والإيمان بمعنى الإسلام، وهو المتعارف بين المسلمين، أن يفهم من أحدهما، ما يفهم من الآخر ". (^٤)
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٤)، وأبن أبي شيبة في الإيمان: (٦)
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣٠
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه باب قول الله تعالى: " لا يسألون الناس إلحافًا " البقرة ٢٧٣، ح (١٤٧٨)
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣١
[ ٦٦٤ ]
والتفريق بينهما وارد عن السلف، يقول ابن رجب: " وقد نقل التفريق بينهما عن كثير من السلف، منهم: قتادة، داود بن أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزهري، وحماد بن زيد، وابن مهدي، وشريك، وابن أبي ذئب، وأحمد بن حنبل، وأبو خثيمة، ويحيى بن معين، وغيرهم، على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما، وكان الحسن وابن سيرين يقولان: مسلم، ويهابان مؤمن " (^١)، ورجح ابن رجب التفصيل جمعًا بين الأحاديث، فقال: " إذا أُفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما حيئذ، وإن قُرن بين الاسمين، كان بينهما فرق، والتحقيق في الفرق بينهما: إن الإيمان هو تصديق القلب، وإقراره، ومعرفته، والإسلام هو استلام العبد لله، وخضوعه، وانقياده له، وذلك يكون بالعمل، وهو الدين" (^٢)، وشبَّه الإمام ابن تيمية الإيمان والإسلام، بالروح والبدن، فقال: " فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح، فإنه قائم بالروح، ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيًا إلا مع الروح، بمعنى أنهما متلازمان، لا أن مسمَّى أحدهما، هو مسمَّى الآخر " (^٣). وخلاصة القول في الإيمان:
أ - الذي قرره السمعاني: أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وقد فرَّق أبو الفرج الشيرازي بين أقوال الناس في الإيمان، فقال في جزئه في امتحان السني من البدعي: " يُسأل عن الإيمان ماهو؟ فإن قال: الإيمان قول، وعمل، ونية، وموافقة السنة، فهو سني، وإن قال: اعتقاد بالقلب، فهو أشعري، وإن قال: قول بلا عمل، فهو مرجئ ". (^٤)
_________________
(١) ابن رجب: جامع العلوم والحكم: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٧، ١٤٢٢ هـ، (١/ ١٠٦)
(٢) ابن رجب: جامع العلوم والحكم: ١/ ١٠٧
(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٧/ ٣٦٧
(٤) الشيرازي: جزء فيه امتحان السني من البدعي: ٩٩
[ ٦٦٥ ]
ب - أن الإيمان يزيد وينقص، وعلى هذا قول النصوص الشرعية، وعليه كلام السلف، يقول عمر، بعد أن يأخذ الرجل والرجلين من أصحابه،: قم بنا نزدد إيمانًا (^١). وخالف في ذلك المرجئة الجهمية، فقالوا: الإيمان لايزيد ولا ينقص (^٢)، وهم بذلك خالفوا النصوص، وأئمة الدين والسنة. وأما المنقول عن الإمام مالك، عن أكثر أصحابه هو قوله: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض، والرواية الأخرى، أنه قال بالزيادة، وتوقف عن النقصان. (^٣)
وقد خرَّج العلماء قوله بالتوقف عن النقصان بأوجه (^٤):
١ - فقيل: إن لفظ الزيادة ورد في النصوص، دون لفظ النقصان، فلم يقل به.
٢ - وقيل: توقف مالك عن القول بالنقصان، لئلا يكون شكًا مخرجًا عن اسم الإيمان، فقد نقصان التصديق، فإنه إذا نقص صار شكًا. والصحيح أن التصديق يزيد وينقص.
٣ - وقيل: قصد بهذا، مخالفة الخوارج والوعيدية، الذين يكفرون بالمعاصي، ويخرجون بها عن الإيمان.
٤ - وقيل: ربما كان القول قديمًا، ثم رجع عنه.
٥ - وقيل: إنه وهم من ناقليه، فيكون فُهم من كلام من قاله، ففهم عنه أنه يقول بالزيادة دون النقصان. فهذه احتمالات واردة، ولذا المعوَّل عليه ما رواه عنه الأكثر من أصحابه.
_________________
(١) ابن أبي شيبة: الإيمان: ٣٦
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٧/ ٨٥٢، اللالكائي: شرح أصول الاعتقاد: ٣/ ١٨٥٣
(٣) الذهبي: السير: ٧/ ١٨٢، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٧/ ٥٠٦
(٤) ابن عبدالبر: التمهيد: ٩/ ٢٥٢، ابن بطال: شرح صحيح البخاري: ١٠/ ٥٧، النووي: شرح مسلم: ١/ ١٢٣، اللالكائي: شرح أصول الاعتقاد: ٥/ ٩٥٧، الشبل: مسألة الإيمان: دار المسلم، الرياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ، (٤٩)
[ ٦٦٦ ]
ولما كان الإيمان كذلك، لم يجز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنًا حقًا، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، يعني: إيمانًا لا شك فيه، يقول السمعاني: " وفيه دليل لأهل السنة، على أنه لا يجوز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنًا حقًا؛ لأن الله تعالى، إنما وصف بذلك قومًا مخصوصين، على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق في نفسه وجود تلك الأوصاف ". (^١)
المطلب الثاني: تعريف الكفر:
المسألة الأولى: تعريف الكفر في اللغة:
أ - في اللغة: يقول السمعاني: " فالكفر مأخوذ من الكَفْر، وهو الستر والتغطية، ومنه يُقال لليل كافر؛ لأنه يستر الأشياء بظلمته، وسُمِّي الزارع كافرًا؛ لأنه يستر الحب بالتراب، ويُسمى الكافر كافرًا؛ لأنه يستر نعم الله تعالى بكفره، ويصير في غطاء من دلائل الإسلام وبراهينه ". (^٢)
ولا يخرج ما ذكره السمعاني في معنى الكفر في اللغة، عما ذكره علماء اللغة في هذا المقام، يقول الجوهري: " الكفر ضد الإيمان، وقد كفر بالله كفرًا، وجمع الكافر، كفار، وكفرة، وجمع الكافرة، الكوافر، والكفر أيضًا جحود النعمة، وهو ضد الشكر، وقد كفره كفورًا وكفرانًا. والكفر بالفتح التغطية والكَفْر أيضًا القرية، والكفر أيضًا القبر ..، والكفر أيضًا ظلمة الليل وسواده، ومنه سُمي الكافر؛ لأنه يستر نعم الله عليه والكافر الزارع؛ لأنه يُغطي البذر بالتراب ". (^٣)
والله تعالى سمى الكفر ظلمات، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، يقول السمعاني: " يعني: من الكفر إلى الإسلام، وإنما سُمي الكفر ظلمات؛ لأنه طريق الكفر مشتبه ملتبس " (^٤)، وقال: " وسُمي الكفر ظلمة؛ لأنه يتحير في الظلمة ". (^٥)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٤٨
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥
(٣) الجوهري: الصحاح: ٢/ ٨٠٧
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٦٠
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣
[ ٦٦٧ ]
وقد يُطلق الفسق ويراد به الكفر، قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٥٣]، يقول السمعاني: " والفسق ها هنا هو الكفر". (^١)
وقد قيل: أصل كل كفر الكسل، ولذلك عَبَّر الله جل وعلا بالكسل حين ذكر صلاة المنافقين، فقال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة:٥٤]، أي: متثاقلين، قال السمعاني: " فإن قيل: كيف ذكر الكسل في الصلاة، ولا صلاة أصلًا؟ قلنا: الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل، فإن الكفر مكسل، والإيمان منشط، ويُقال: أصل كل كفر الكسل ". (^٢)
والكفر ناشئ عن الاستكبار، لذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ [الأعراف:٣٦]، قال السمعاني: " إنما ذكر الاستكبار؛ لأن كل مكذب، وكل كافر مستكبر، وإنما كذب وكفر تكبرًا " (^٣)، ولما كان كذلك، كان كل كافر بالله تعالى خاسرًا، كما قال تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٥]، وكل كافر بالله تعالى ذليل، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، أي: الأقلين، وكل كافر ذليل، وكل مؤمن عزيز. (^٤)
وأول من سن الكفر إبليس، يقول السدي: ما من كافر يدخل النار، إلا وهو يلعن إبليس؛ لأنه أول من سن الكفر. (^٥)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣١٧، يقول السمعاني في سبب تسمية الكافر فاسقًا في قوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٨١]، قيل معناه: خارجون عن أمر الرب، والكفار خارجون عن كل أمره، وقيل: معناه: متمردون، أي: هم مع كفرهم متمردون. تفسير السمعاني: ٢/ ٧
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣١٧
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٧٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٥ - ٣٩٣
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٩
[ ٦٦٨ ]
المسألة الثانية: تعريف الكفر في الشرع:
ب - في الشرع: قالوا في تعريف الكفر في الشرع: هو عدم الإيمان (^١)، ولذا فهما متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر (^٢). وقيل: الكفر تغطية ما حقه الإظهار، وأعظم الكفر: جحود الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة (^٣). وقال السيوطي: " الكفر تغطية الحق بالباطل ". (^٤)
وقد قسم السمعاني الكفر إلى أربعة أقسام فقال: وقيل: الكفر على أربعة أنحاء:
١ - كفر إنكار: وهو ألا يعرف الله تعالى أصلًا، أو لا يعترف به.
٢ - كفر جحد: وهو أن يعرف الله تعالى، ولكن يجحده، ككفر إبليس.
٣ - كفر عناد: وهو أن يعرف الله تعالى بقلبه، ويعترف بلسانه، ولكن لا يتدين به، ولا يتخذه دينًا، ككفر أبي طالب، فإنه عرف الله ورسوله بقلبه، وأقر بلسانه.
٤ - كفر نفاق: أن يعترف باللسان، ولا يعتقد بالقلب. قال السمعاني: " فهذه أنواع الكفر، فمن لقي الله تعالى بنوع منها لم يعف ". (^٥)
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٢٠/ ٨٦
(٢) ابن القيم: كتاب الصلاة: ٥٣
(٣) المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف: عالم الكتب، القاهرة، ط ١، ١٤١٠ هـ (٢٨٢)
(٤) السيوطي: معجم مقاليد العلوم: مكتبة الآداب، القاهرة، ط ١، ١٤٢٤ هـ (٧٤)
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦
[ ٦٦٩ ]
والسمعاني يُقسِّم الكفر إلى نوعين: كفر بالله مخرج عن الملة، وهو ما أشار إليه سابقًا، وكفر لا يخرج من الملة، وهو كفران النعمة، وقد حَمَل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]، على كفران النعمة بترك الطاعة، قال: وهذا ما عليه أكثر أهل التفسير، وهو الأصح من حمله على الكفر بالله تعالى (^١)، ويدل عليه أيضًا تفريقه بين الرياء والنفاق، فقال: " واعلم أن الرياء لا يوجب الكفر، وهو عيب عظيم، وأما النفاق كفر محض " (^٢)، فإن كان ما ذكره الإمام السمعاني صحيحًا، فكيف وجَّه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٠]، والذين في قلوبهم مرض، أي: نفاق، فكيف أخبر عن المؤمنين في ابتداء الآية، ثم قال: " رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ " وهم المنافقون، والمنافق لا يكون مؤمنًا؟! أجاب عنه السمعاني بقوله: " والجواب عنه: أن في الآية حذفًا، ومعناه: " فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ "، فرح المؤمنون واستأنسوا بها، و" رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ " أي: شخصوا بأبصارهم نحوك، ونظروا نظرًا شديدًا، شبه الشاخص بصره عند الموت، وإنما أصابهم مثل هذا؛ لأنهم إن قاتلوا خافوا الهلاك، وإن لم يقاتلوا، خافوا ظهور النفاق " (^٣)، إذن: فالنفاق كفر القلب، وزواله بالإخلاص. (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٤٥
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٨٠
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٥
[ ٦٧٠ ]
المسألة الثالثة: ما يدخل تحت مسمى الكفر، مما أشار إليه السمعاني:
أ - سب النبي ﷺ، واستدل لها بقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٧٤]، يقول السمعاني: " واختلف في كلمة الكفر، قال بعضهم: كلمة الكفر هي سب محمد ﷺ ". (^١)
ب - الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، يقول السمعاني: " فإن قال قائل: " قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " وهم لم يكونوا مؤمنين؟ الجواب عنه: أن معناه أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان " (^٢). أما الاستهزاء بالناس فهو منهي عنه وهو من الكبائر، يقول السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون:١١٠]،: " وفي الآية دليل على أن الاستهزاء بالناس كبيرة، وهو موعود عليه ". (^٣)
ج - كراهة ما أنزل الله تعالى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، يقول السمعاني: " أي: كرهوا نبوة محمد ﷺ، وما أنزله الله من القرآن ". (^٤)
د - استحلال الحرام، وتحريم الحلال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، يقول السمعاني: " يعني: باستحلال الميتة، قال الزجاج: في هذا دليل على أن استحلال الحرام، وتحريم الحلال، يوجب الكفر ". (^٥)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٢٨
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٢٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٩٣
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٧١
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٤٠
[ ٦٧١ ]
هـ - موالاة الكفار: قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، يقول السمعاني:: " الركون: هو المحبة، والمودة، والميل بالقلب. وعن أبي العالية الرياحي قال: " هو الرضا بأعمالهم، وعن السُّدي قال: هو المداهنة معهم، وعن عكرمة قال: هو طاعتهم " (^١)، ولذلك أمر الله بالتبري من المشركين، وترك موالاتهم، قال تعالى في شأن إبراهيم ﵇: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَئُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، يقول السمعاني: " والمعنى في الكل: أنه أمرهم بأن تأسوا بإبراهيم في التبرؤ من المشركين، وترك الموالاة معهم " (^٢)، وأكد الله تعالى النهي فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:١٣]، قال السمعاني عن الآية: " وتأكيد النهي عن موالاة الكفار " (^٣)، والآيات في هذا المعنى كثيرة، والواجب موالاة الله ورسوله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة:٥٥]، يقول السمعاني: " هذا راجع إلى قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، لما منعهم من موالاة اليهود والنصارى، دعاهم إلى موالاة الله ورسوله " (^٤).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٦٤
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤١٥
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٢٢
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٧
[ ٦٧٢ ]
ولكن السمعاني يُشير في هذا المقام، إلى أن هذا الحكم يختلف باختلاف الأحوال، فقد تتقدم الموالاة القلبية، أو الرضا والركون للكفار، ويكون معهم نوع من موالاة غير مخرجة من الملة، كما كان من حاطب بن أبي بلتعة ﵁، ولذا يقول السمعاني مقررًا هذه القضية: " قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، في الآية دليل على أن حاطب لم يخرج من الإيمان بفعله ذلك". (^١)
فالموالاة المطلقة العامة للكفار، كفر صريح، والموالاة الخاصة، لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد، وعدم إضمار نية الكفر والردة، خطر عظيم، لكن لا تخرج من الملة. (^٢)
وقد أورد السمعاني في تفسيره لقصة يوسف ﵇ سؤالًا مفاده:" فإن قيل: هل يجوز أن يتولى المسلم من يد كافر عملًا؟ قلنا قد قالوا: إنه إذا علم أن الكافر يخليه والعمل بالحق، يجوز له أن يتولى " (^٣)، وهذا الذي ذهب إليه السمعاني، هو محل نزاع كبير بين العلماء، والجمهور على إباحة العمل للرجل الفاضل، لدى السلطان الكافر، بشروط ذكروها، ولكن ما يُهمنا في مسار بحثنا العقدي، أن هذا العمل متى كان ملجئًا للشخص، أو غير ملجئٍ لكن توفرت فيه شروط الجواز في العمل تحت سلطان كافر؛ لتحقيق مصلحة راجحة للإسلام وأهله، يجب ألا يكون فيه أي نوع موالاة، إلا ما يقتضيه العمل من المخالطة والمجاملة ونحوها. (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤١٣
(٢) انظر: محماس الجلعود: الموالاة والمعاداة: دار اليقين، ط ١، ١٤٠٧ هـ (١/ ٣٣)
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٠
(٤) انظر: خالد عبدالقادر: فقه الأقليات المسلمة: دار الإيمان، لبنان، ط ١، ١٤١٩ هـ، (٦٠٩)
[ ٦٧٣ ]
و- السحر: ذهب السمعاني إلى مذهب أهل السنة في حقيقة السحر، فقال: " والسحر يتحقق وجوده على مذهب أهل السنة، ويُؤثر، ولكن العمل به كفر " (^١)، ولكن ذكر العلماء أن السحر أنواع، فمنه ما يصل لدرجة الكفر، ومنه ما هو معصية وكبيرة، قال النووي: " قد يكون السحر كفرًا، وقد لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا ". (^٢)
ز - الشك والظن في الإيمان، واستدل السمعاني بدليلين من القرآن:
١ - قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤]، يقول السمعاني: " أي في شك مرتابين، وفي الآية دليل على أن الشاك كافر، بخلاف ما قاله بعض الناس، وهو غلط عظيم في الدين، وقد دلت هذه الآية على أن الشاك كافر، وهو في النار ". (^٣)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١١٦
(٢) النووي: شرح مسلم: ١٤/ ١٧٦
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٤٣
[ ٦٧٤ ]
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، يقول السمعاني: " فقد أوجب لهم الكفر والنار بالظن " (^١)، وقال عن هذه الآية أيضًا: " وهذا دليل على أن الله تعالى يُعذب الكفار بالظن الباطل " (^٢). وأشار إلى هذه المعاني الزجاج، فقال: " فإن قال قائل: كيف يعذبون وهم ظانون، وهل يجوز أن يعذب من كفر وهو ظان، ومن لم يكفر وهو على يقين؟ فالجواب في هذا: إن الله جل ثناؤه، قد ذكر أنه يعذب على الظن، وذلك قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، والحجة في هذا، أنهم عُذبوا على هذا الظن؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، وتركوا التماس البصيرة من حيث يجب، واقتصروا على الظن والجهل " (^٣)، وقال: " وقد قال قوم من الضلال: إن الشاكين لا شيء عليهم، وهذا كفر ونقض للقرآن " (^٤)، وإنما قيل لهم هذا؛ لأنهم جحدوا البعث. (^٥)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٤٣
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٣٨
(٣) الزجاج: معاني القرآن: ٢/ ٢٨٥
(٤) الزجاج: معاني القرآن: ٤/ ٢٥٩
(٥) الزجاج: معاني القرآن: ٤/ ٣٢٩
[ ٦٧٥ ]
المبحث الثاني: الكبائر:
المطلب الأول: تعريف الكبائر:
عَرَّف السمعاني الكبيرة فقال: " كل جريمة أوعد الله تعالى عليها النار. وقال أبو صالح: الكبيرة كل ما أوجب الحد، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار ". (^١)
وقال الجرجاني: " الكبيرة: هي ما كان حرامًا محضًا، شرعت عليه عقوبة محضة، بنص قاطع في الدنيا والآخرة " (^٢)، وقال المناوي: " الكبيرة: كل معصية تُؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة، أو كل ما توعد عليه بخصوصه في الكتاب والسنة، أو ما فيه حد أو غير ذلك ". (^٣)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٢٠ - ٥/ ٢٩٧
(٢) الجرجاني: التعريفات: ١٨٣
(٣) المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف: ٢٧٩
[ ٦٧٦ ]
وهنا يُشار إلى أمرين:
١ - أن ضبط الكبيرة من جهة حَدِّها أو عَدِّها، فيه اختلاف كبير جدًا.
٢ - أن بعض العلماء ضبطها من جهة حدِّها، وهؤلاء تنازعوا، وما ذكرناه سابقًا في تعريف الكبيرة، هو جزء من هذا الخلاف، ومنه:
أ - ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: الكبائر: كل ذنب ختمه الله تعالى بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. ورُوي نحو هذا عن الحسن البصري. (^١)
ب - وقال أبو حامد الغزالي: والضابط الشامل المعنوي في ضبط الكبيرة: أن كل معصية يقدم المرء عليها، من غير استشعار خوف، وحذار ندم، كالمتهاون بارتكابها، والتجرئ عليها اعتيادًا، فما أُشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة. واعترض عليه العلائي فقال: " وليس كذلك اتفاقًا، وإن كان ضابطًا لما عدا المنصوص عليه، فهو قريب ". (^٢)
وبعض العلماء عرف الكبيرة بالعّدِّ بدل الحَدِّ، وهؤلاء تنازعوا كذلك في عَدِّها، فقيل: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وهذا مروي عن ابن عباس، وروي عنه أيضًا أنه قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. (^٣)
وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر هي ما ذكره الله تعالى، في أول سورة النساء إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء:٣١] (^٤)، وقيل: هي سبع، وهو مروي عن علي بن أبي طالب: وقيل: أربع، وقيل: ثلاث، وقيل: عشر، وقيل سبع عشرة. (^٥)
_________________
(١) النووي: شرح مسلم: ٢/ ٨٥
(٢) ابن حجر الهيثمي: الزواجر: دار الفكر: ط ١، ١٤٠٧ هـ (١/ ١١)
(٣) الطبري: جامع البيان: ٨/ ٢٣٣
(٤) رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي: (١/ ٥٩)، السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤١٩
(٥) ابن حجر الهيتمي: الزواجر: ١/ ٩، ابن القيم: الجواب الكافي: ١٣٦
[ ٦٧٧ ]
وذهب الواحدي صاحب التفسير، إلى أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن عباده؛ ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه، رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظيره إخفاء الصلاة الوسطى، وليلة القدر، وساعة الإجابة، ونحو ذلك. (^١)
والأقرب في التعريف - والعلم عند الله - ما وافق فيه السمعاني ابن عباس ﵄ في أنها كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. واختاره جمع من المحققين، كابن تيمية، وابن حجر. (^٢)
والإمام السمعاني وافق جماهير السلف في انقسام المعصية، إلى صغيرة وكبيرة، وقد نَصَّ على ذلك في أكثر من موضع في تفسيره:
ـ قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، فيها قولان:
الأول: أن (مِنْ) صلة، والتقدير: ويكفر عنكم سيئاتكم، فعلى هذا يكون شاملًا للصغائر والكبائر، والثاني: أن (مِنْ) على التحقيق، والتكفير بالصدقات، يكون من الصغائر، فأما الكبائر، فإنما تكفرها التوبة. ثم قال: " والأول أقرب إلى أهل السنة ". (^٣)
ـ وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران:١٤٧]،: " رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا " أي: الصغائر، " وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا " أي: الكبائر ". (^٤)
ـ وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [الشورى:٣٧]،: "ويُقال: كل ما أوعد الله عليه في النار، فهو من الكبائر، وأما إضافة الكبائر إلى الإثم، فيقال: إنما أضافها إليه؛ لأن في الإثم كبيرًا وصغيرًا ". (^٥)
_________________
(١) النووي: شرح مسلم: ٢/ ٨٢، ابن حجر الهيثمي: الزواجر: ١/ ٧
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١١/ ٦٥٢، ابن حجر: فتح الباري: ١٢/ ١٨٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٧٥
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٦٣
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٨٠
[ ٦٧٨ ]
وهذا القول هو مذهب الجماهير، قال النووي: " وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس ﵄ وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب، والسنة، واستعمال سلف الأمة وخلفها " (^١)، وقال ابن القيم: " وقد دل القرآن، والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم، والأئمة، على أن الذنوب كبائر وصغائر ". (^٢)
ونُقل عن بعضهم: أن المعاصي قسم واحد، كلها كبائر، قال ابن عباس: كل شيء نهى الله تعالى عنه، فهو كبيرة، وهو قول أبي إسحاق الاسفرائيني، والباقلاني، والجويني، وابن فورك. واحتجوا: بأن كل مخالفة، فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة. وقالوا: إنما يُقال لبعضها صغيرة، بالنسبة إلى ما هو أكبر منها، كما يُقال: الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة، بالنسبة إلى الزنا، وكلها كبائر، وقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء:٣١]، إن تجتنبوا الكفر، كفرت عنكم سيئاتكم التي هي دون الكفر. (^٣) ويُشار هنا إلى مسألتين ذكرهما السمعاني:
١ - فقد ذكر أن تكفير الصغائر معلق بالمشيئة، ردا على من قال: إنه باجتناب الكبائر تقع الصغائر مكفرة، فقال: ومذهب أهل السنة: أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة، فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر (^٤).
_________________
(١) النووي: شرح مسلم: ٢/ ٨٥
(٢) ابن القيم: الجواب الكافي: ١٣٤
(٣) النووي: شرح مسلم: ٢/ ٨٤، الشوكاني: إرشاد الفحول: ١/ ١٤٤
(٤) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٤٢١
[ ٦٧٩ ]
٢ - رجح أن التكفير بالصدقات الوارد في قوله تعالى: (إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم) البقرة ٢٧١، أن (من) صلة، والتقدير: يكفر عنكم سيئاتكم، فيكون التكفير شاملا للصغائر والكبائر، وحكى قولا آخر: أن (من) على التحقيق، وأن التكفير بالصدقات لا يكون إلا لصغائر، وأما الكبائر فإنما تكفرها التوبة، ثم قال: والأول أقرب إلى أهل السنة، وقد قال النبي ﷺ: (صدقة السر تطفئ غضب الرب) (^١).
المطلب الثاني: حكم مرتكب الكبيرة:
" أجمع الجميع من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين الدارجين من المسلمين، أن المؤمن مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، غير كافر بها " (^٢). بل إن السمعاني يرحمه الله، نقل إجماع أهل الإسلام على خروج الموحدين المذنبين من النار، فقال: " أجمع أهل الإسلام، متقدموهم ومتأخروهم، على رواية الأحاديث في صفات الله، وفي مسائل القدر، وإخراج الموحدين المذنبين من النار " (^٣)، وقال الإمام أبو الحسن الأشعري: " وأجمعوا على أن الله تعالى، يُخرج من النار، من في قلبه شيء من الإيمان ". (^٤)
وقد ساهم السمعاني ﵀ في تقرير هذه المسألة على منهج أهل الحق، مدللًا عليه، ورادًا على المخالفين فيه. وبيان رأيه من وجوه:
١ - أن أهل الكبائر تحت المشيئة الإلهية، وقد حكى البغوي اتفاق أهل السنة على ذلك، فقال: " اتفق أهل السنة، على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر، إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها، فمات قبل التوبة لا يُخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة برحمته ". (^٥)
واستدل السمعاني على هذه المسألة بعدة أدلة منها:
_________________
(١) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٢٧٥
(٢) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٣٥
(٣) الأصفهاني: الحجة في بيان المحجة: ٢/ ٢٣٠
(٤) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: ٢٨٦
(٥) البغوي: شرح السنة: المكتب الإسلامي، دمشق، ط ٢، ١٤٠٣ هـ، (١/ ١٠٣)
[ ٦٨٠ ]
ـ قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، يقول السمعاني: " قوله تعالى " نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ " إن شئت، فالمشيئة مضمرة فيه ومذهب أهل السنة: أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة، فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر، ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر ". (^١)
ـ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، قال ابن عمر: كنا نطلق القول فيمن ارتكب الكبائر، بالخلود في النار، حتى نزلت هذه الآية فتوقفنا. والمراد: يغفر الذنوب جميعًا سوى الشرك (^٢). يقول الإمام الطبري: " وقد أبانت هذه الآية، أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركًا بالله ". (^٣)
ـ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٤٠]، " قال ابن عباس: يعذب من يشاء على الصغيرة، ويغفر لمن يشاء الكبيرة، وقال غيره: يعذب من يشاء، من مات مصرًا، ويغفر لمن يشاء، من مات تائبًا ". (^٤)
٢ - أن صاحب الكبيرة لا يكفر، وقد سقنا الإجماع على هذه المسألة، وقد استدل لها السمعاني بأدلة من نصوص الوحيين، منها:
ـ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨]، يقول السمعاني: " الأولى أن يُقال: إن الآية نزلت في الكفار؛ لأن عليه أكثر أهل التفسير.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٢١
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٣٤
(٣) الطبري: جامع البيان: ٨/ ٤٥٠
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٧
[ ٦٨١ ]
وعن قتادة أنه قال: منهم الخوارج الذين يستحلون الدماء والأموال، قال: وأما أهل الكبائر فليس منهم؛ لأنهم لا يستحلون الكبائر. وكذلك العمال الظلمة؛ لأنهم يظلمون، ويعلمون أنها ليست بحلال لهم ". (^١)
ـ وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، يقول السمعاني: " وظاهره يقتضي أن أخوة الدين لا تنقطع بين القاتل والمقتول، حيث قال: من أخيه، وهو الذي نقول به ". (^٢)
ـ واستدل بقوله ﵊: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " (^٣)، ثم قال السمعاني: " والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو بن عبيد، وهو ضال مبتدع بإجماع أهل السنة " (^٤)، ولو كان أهل الكبائر كفارًا، لما حلت لهم الشفاعة.
٣ - أن السمعاني رد شبه الطوائف المنحرفة في هذه المسألة، وهي حكم مرتكب الكبيرة؟!
بعد أن قَرَّر السمعاني منهج أهل السنة في حكم مرتكب الكبيرة، وأنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وأنه إن مات عليها فهو تحت المشيئة الإلهية، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، شرع يرد على المخالفين، وهم: الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة.
أولًا نبيِّن آراءهم في هذه المسألة:
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٤٧
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٧٤
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه، كتاب صفة القيامة، ح (٢٤٣٥)
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٧٠
[ ٦٨٢ ]
أ - مذهب غلاة المرجئة: أن منهم من يقول: من " قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وحرَّم ما حرم الله، وأحل ما أحل الله، دخل الجنة إذا مات، وإن زنى وإن سرق، وقتل، وشرب الخمر، وقذف المحصنات، وترك الصلاة، والزكاة، والصيام، إذا كان مقرًا بها، يسوف التوبة، لم يضر وقوعه على الكبائر، وتركه الفرائض، وركوبه الفواحش " (^١)، فهم يرون أن مرتكب الكبيرة، مؤمن كامل الإيمان، ولا يفرقون بين مرتكب الكبيرة، وبين المؤمن الكامل الذي أدى الطاعات، وتجنب المحرمات.
ب - مذهب الخوارج: " يزعمون أن كل من أذنب ذنبًا من أمة محمد ﷺ، فهو كافر، ويكون في النار مخلدًا ". (^٢)
ج - مذهب المعتزلة: أن مرتكب الكبيرة حكمه في الدنيا: أنه في منزلة بين منزلتين، وله اسم بين الاسمين، فلا يكون اسمه اسم كافر، ولا اسم مؤمن، وإنما يُسمى فاسقًا، وكذا لا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن. وقالوا: إن خرج من الدنيا قبل أن يتوب، يكون خالدًا مخلدًا في النار، مع جملة الكفار. (^٣)
ثانيًا: بيان جهد السمعاني في رد آرائهم ومعتقداتهم الفاسدة:
١ - تعلق المعتزلة ببعض الآيات لتأكيد معتقدهم الفاسد، منها:
_________________
(١) الملطي: التنبيه والرد: ٤٣، العمراني: الانتصار: ٣/ ٦٦٧، ابن أبي العز: الطحاوية: ٢٩٧
(٢) الاسفرائيني: التبصير في الدين: ٤٥، العمراني: الانتصار: ٣/ ٦٦٨، ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ٣٠٢
(٣) الإيجي: المواقف: ٣/ ٥٤٨، الاسفرائيني: التبصير في الدين: ٦٥
[ ٦٨٣ ]
أ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، يقول السمعاني: " واعلم أن لا متعلق في هذه الآية، لمن يقول بالتخليد في النار لأهل الكبائر من المسلمين؛ لأنا إن نظرنا إلى سبب نزول الآية، فالآية نزلت في قاتل كافر كما بينا، وقيل: إنه فيمن يقتل مستحلًا، والأولى أن نقول فيه، ما قاله أبو صالح: إن معنى قوله " فجزاؤه جهنم خالدًا فيها " إن جازى، وبه نقول: إن الله تعالى إن جازاه ذلك خالدًا، فهو جزاؤه، ولكنه ربما لا يجازى، وقد وعد ألا يجازي، ويغفر لمن يشاء، وهو لا يخلف الميعاد. وحكى عن قريش بن أنس ﵀ أنه قال: كنت في مجلس عمرو بن عبيد، فقال: لو قال الله لي يوم القيامة: لم قلت بتخليد القاتل المتعمد في النار؟ فأقول له: أنت الذي قلت: " فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا "، قال قريش: وكنت أصغر القوم، فقلت له: أرأيت لو قال الله لك: ألست قلت " وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ " فمن أين علمت أني لم أشأ مغفرة القاتل؟ فسكت ولم يستطع الجواب، وحكى أن عمرو بن عبيد جاء إلى عمرو بن العلاء ﵀ وقال له: هل يخلف الله وعده؟ فقال: لا، فقال: أليس الله تعالى قد قال: " وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا "، فأنا على هذا؛ لأنه لا يخلف وعده، فقال أبو عمرو: ومن العجمة أُتيت يا أبا عثمان؛ إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفًا وذمًا، وإنما ذلك في الخلف في الوعد فالله يجوز أن يخلف في الوعيد، وإنما لا يخلف الميعاد ". (^١)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦٤
[ ٦٨٤ ]
ب - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٦]، يقول السمعاني: "واستدلت المعتزلة بإطلاق قوله " وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ " في وعيد الأبد، ولا حجة لهم فيه؛ لأن معنى الآية " وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ " إلا أن تدركه الرحمة، بدليل سائر الآي المقيدة ". (^١)
ج - وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، يقول السمعاني: " واستدل أهل الاعتزال بهذه الآية، في القول بالمنزلة بين المنزلتين، وأن الفاسق لا يكون مؤمنًا، والدليل عليهم ظاهر، وأما الفاسق ها هنا بمعنى الكافر. وقال بعضهم: سماه فاسقًا على موافقة قول علي ﵁، وقيل: إن الآية على العموم ". (^٢)
د - وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحُجُرات:١١]، يقول السمعاني: "استدل بهذا من قال: إن الفاسق لا يكون مؤمنًا، قال: لأنه لو كان الفاسق مؤمنًا، لم يستقم قوله " بَعْدَ الْإِيمَانِ " والجواب: أن المراد منه، النهي عن قوله: يا فاسق، يا منافق، وكأنه قال: بئس الوصف بالفسوق بعد الإيمان بالله، وقال: إن " بَعْدَ " ها هنا بمعنى مع، ومعناه: بئس اسم الفسوق مع الإيمان ". (^٣)
٢ - وتعلق الخوارج ببعض الآيات الكريمة، لترويج مذهبهم، والاستدلال عليه، ومنها:
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٥٣
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٥١
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٢٣
[ ٦٨٥ ]
أ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، يقول السمعاني: " واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية، ويقولون: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم، وللآية تأويلان: أحدهما معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردًا وجحدًا، فأولئك هم الكافرون، والثاني معناه: ومن لم يحكم بكل ما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون، والكافر هو الذي يترك الحكم بكل ما أنزل الله، دون المسلم ". (^١)
ب - وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، يقول السمعاني: " استدل من منع القياس في الحوادث بهذه الآية، قال: الحكم إلى الله، لا إلى رأي الرجال، وكذلك كان الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله، وأنكروا الحكمين، وهذا الاستدلال فاسد؛ لأن عندنا من قال بالقياس والاجتهاد، فهو رجوع إلى الله في حكمه، فإن أصول القياسات هي الكتاب والسنة ". (^٢)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٢
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٥
[ ٦٨٦ ]
ب - وقد رد السمعاني على المرجئة والخوارج، وألزمهم بالحق، وبيَّن فساد مذهبهم، بقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل:١٥ - ١٦]، يقول: " وفي الآية سؤال للمرجئة والخوارج، فإن الله تعالى قال: " لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى " أي: لا يقاسي حرها، ولا يدخلها إلا الأشقى، الذي كذب وتولى، فدلَّ أن المؤمن وإن ارتكب الكبائر لا يدخل النار، هذا للمرجئة، وأما الخوراج قالوا: قد وافقتمونا أن صحاب الكبيرة يدخل النار، فدل أنه كفر بارتكاب الكبيرة، والتحق لمن كذب وتولى، والجواب من وجوه: أحدها: أن معناه: لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فالأشقى هم أصحاب الكبائر، والذي كذب وتولى هم الكفار. والوجه الثاني: ان للكفار دركات، والمراد من الآية دركة بعينها لا يدخلها إلا الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] دلت الآية أنه مخصوص للمنافقين، وهذا جواب معروف، والوجه الثالث: أن المعنى: لا يصلاها، لا يدخلها خالدًا فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، وصاحب الكبيرة وإن دخلها لا يخلد فيها ". (^١)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٣٩
[ ٦٨٧ ]
المطلب الثالث: هل للقاتل توبة؟!
بحث السمعاني ﵀ هذه المسألة، وذكر فيها قولين لأهل العلم:
الأول: أن لقاتل المؤمن عمدًا توبة، والثاني: أنه ليست له توبة. ثم رجح القول الأول لاعتبارات وأدلة فقال: " والأصح، والذي عليه الأكثر، وهو مذهب أهل السنة، أن لقاتل المؤمن عمدًا توبة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه:٨٢]، وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦]؛ ولأن القتل العمد ليس بأشد من الكفر، ومن الكفر توبة، فمن القتل أولى " (^١). ثم وجه ما ورد عن بعض السلف كابن عباس، وسفيان بن عيينة، بأن القاتل لا توبة له، بأنه محمول على التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل، فقال: "وأما الذي رُوي عن ابن عباس، فعلى سبيل التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل، وهو مثل ما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل، يقال له: لا توبة لك؛ منعًا له عن القتل، وإن قتل يُقال له: لك توبة، حتى يتوب. وروي أن رجلًا جاء إلى ابن عباس وسأله؛ هل لقاتل المؤمن توبة؟ قال: لا، فجاءه آخر وسأله عن ذلك، فقال: نعم، له توبة، فقيل له في ذلك، فقال: إن الأول لم يكن قتل، فمنعته عن القتل، وإن الثاني قتل، فأرشدته إلى التوبة ". (^٢)
وهذا القول هو القول الراجح، وهو قول جمهور العلماء، أن للقاتل عمدًا توبة، واستدل له السمعاني كذلك بقوله تعالى في قصة يوسف: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩]، يقول السمعاني: " واستدل أهل السنة بهذه الآية، على أن توبة القاتل عمدًا مقبولة، فإن الله تعالى، ذكر عزم القتل منهم، وذكر التوبة، ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل؛ دلَّ أنها مقبولة ". (^٣)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦٣
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠
[ ٦٨٨ ]
واستدل له كذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، يقول السمعاني: " فالتوبة من الكل مقبولة وظاهر هذه الآية، وهو قوله " إِلَّا مَنْ تَابَ "، يدل على هذا؛ لأنه قد سبق قتل النفس ". (^١)
وذكر السمعاني كذلك، خلاف العلماء في حكم قبول توبة من ارتد ثم آمن ثم ارتد؟ فذكر عن علي ﵁: أنه لا تقبل توبته، فإنه إذا آمن، ثم كفر، ثم آمن، ثم كفر، فلو أراد أن يؤمن لا يُقبل منه، ويقتل؛ لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٣٧]. ثم قال: " وأكثر أهل العلم على أنه: تقبل توبته، ويحتمل أن تكون الآية في المنافقين، وقوم من أهل الكتاب، كانوا يؤمنون باللسان، ثم يرجعون إلى الكفر، ثم يأتون فيؤمنون، ثم يرجعون إلى الكفر ". (^٢) وأشار كذلك إلى قطع يد السارق، هل هي توبة له، أو جزاء على الجناية؟ فذكر القولين، ثم قال: " والصحيح: أن القطع للجزاء على الجناية، كما قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة:٣٨]، فلا بُدَّ من التوبة بعده، وتوبته: الندم على ما مضى، والعزم على تركه في المستقبل ". (^٣)
وفي ختام هذا الفصل: نُشير إلى أن تحذير السمعاني عن البدع وأهلها، ظهر جليًا في كلامه، ويظهر هذا من جهات:
١ - إشارته إلى أن أهل البدع هم أهل التفرق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]، نقل عن مجاهد قوله: هم أهل الأهواء والبدع. (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٣
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩١
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٧
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦٠
[ ٦٨٩ ]
٢ - أنه لايجوز الجلوس في مجلس يُخاض فيه ببدعة، فإن تركوا الخوض فيه، خاضوا في حديث غيره، فلا بأس بالقعود معهم. (^١)
٣ - أنه فسَّر العدوان في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، بالبدعة (^٢)، وهذا يدل على خطرها.
٤ - ونقل عن سفيان بن عيينة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٢]، أنه قال: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة (^٣). ولذلك المبتدع ليست له عتبة. (^٤)
وكل من نظر في كتابه: الانتصار لأصحاب الحديث، علم يقينا جهد السمعاني وجهاده في دفع البدع وإبطالها، والرد على أهلها.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٢
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٨
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢١٨ - ١٥٧
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٢٧
[ ٦٩٠ ]
المبحث الثالث: الديانات، وفضيلة الإسلام، وأمة الإسلام:
المطلب الأول: التعريف بالديانات:
المسألة الأول: التعريف بالإسلام:
الإسلام هو الدين الحق، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس:١٠٨]، يقول السمعاني: " الحق ها هنا: هو ما ينجو به الإنسان، وضده الباطل، وهو الذي يهلك به الإنسان، وقيل: معناه الإسلام " (^١)، والإسلام هو محض فضل الله جل وعلا ورحمته، فقد فُسِّر قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨]: بالإسلام، فقيل: فضل الله الإسلام، وقال بعضهم: ورحمته الإسلام (^٢)، وهو أحب الإديان إلى الله تعالى، قال زيد بن أسلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، على دين عظيم، وهو الدين الذي رضيه الله تعالى لهذه الأمة، وهو أحب الأديان إلى الله تعالى (^٣). والإسلام هو الملة الحنيفية، ولذا لما قال اليهود: كونوا يهودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة:١٣٥]، والحنيف هو المسلم، وأصله الميل، وهو المائل القدم، والمسلم مائل من سائر الأديان، إلى ملة الإسلام (^٤). وهو من أعظم النعم، قال تعالى ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٣]، قال عطاء: أراد به نعمة الإسلام (^٥). وقال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠]، قال ابن عباس: النعمة الظاهرة الإسلام وحسن الخلق، والنعمة الباطنة هي ما يستر من العيوب. (^٦)
والإسلام يُطلق بمعنيين:
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٠٩
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٩٠
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٨
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٤
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٣٥
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٢٥
[ ٦٩١ ]
١ - الإطلاق العام للفظ الإسلام، ويُراد به الانقياد، والخضوع، والاستسلام، يقول السمعاني في معنى الإسلام العام: " والإسلام: هو الانقياد والاستسلام، وقد يكون مجرد الاستسلام من غير العقيدة، فرقًا بينه وبين الإيمان " (^١)، وقال:" والإسلام يعني الاستسلام لأمر الله تعالى " (^٢)، وحمل عليه ما جاء من الآيات بلفظ الإسلام، في الأمم السابقة، قال تعالى على لسان إبراهيم ﵇ ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]، يقول السمعاني: " مستسلمين، خاضعين، منقادين " (^٣)، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، يعني: استسلم وأخلص عبادتك لله. (^٤)
٢ - الإطلاق الخاص للفظ الإسلام، ويُراد به " الإتيان بالشهادتين، مع سائر الأركان الخمسة " (^٥)، فالمسلم على هذا الإطلاق: " هو الذي يكون على جميع ما أتى به محمد رسول الله ﷺ ". (^٦)
المسألة الثانية: التعريف باليهودية والنصرانية:
أ - اليهودية: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة:١٣٥]، يقول السمعاني: " هود جمع هائد، وهو مثل حائل وحول. وقيل: كان أصله كونوا يهودًا، فحذفت الياء، فصار هودًا. وقيل: هود مصدرها يهود هودًا، فهو مصدر بمعنى الجمع، كما يُقال: نوم صَوْم، وقوم فطر " (^٧). ويقول السمعاني في سبب تسميتهم يهودًا: " لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، أي: ملنا إليك. وقيل: لأنهم من أولاد يهودا بن يعقوب ". (^٨)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٠٢
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٩١
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٢
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٠٢
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٣٠
(٧) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٣
(٨) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٨
[ ٦٩٢ ]
ب - النصرانية: يقول السمعاني: " والنصارى قوم يعرفون، وإنما سموا نصارى؛ لأنهم نزلوا قرية تسمى ناصرة، وقيل: لقول عيسى: من أنصاري إلى الله، قالوا: نحن أنصار الله". (^١)
والنصارى هم من تسمى بهذا القول، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:١٤]، يقول الحسن البصري: في هذا دليل على أنهم نصارى بتسميتهم، لا بتسمية الله تعالى، أما المسلمون فالله يقول: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨]، يعني في التوراة والإنجيل والقرآن. (^٢)
واختلف في الصائبين، هل هم قوم من اليهود والنصارى أم لا؟! فقيل: هم من اليهود والنصارى، وهو مروي عن ابن عباس، وقيل هم قوم يقرؤون الزبور، ويعبدون الملائكة، ويصلون إلى الكعبة، قاله قتادة. (^٣)
وذكر السمعاني ﵀ عدة أمور تتعلق بهاتين الديانتين:
١ - أن الله تعالى سماهما أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٢٣]، يقول السمعاني موردًا تساؤلًا مفاده: " فإن قال قائل: كيف يُسمِّي اليهود والنصارى، أهل الكتاب، وهو اسم مدح، وهم يستحقون الذم؟! قيل: قال ذلك لإلزام الحجة، وقيل: سماهم بذلك على زعمهم أنهم أهل الكتاب ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٨
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٢ - ٣/ ٤٥٩
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٨
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣٢
[ ٦٩٣ ]
٢ - أنهم كفار مالم يؤمنوا بالنبي ﷺ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران:١٤٩]، يعني: اليهود والنصارى (^١)، فوصفهم الله تعالى بالكفر. وقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٣٧]، يقول السمعاني:" وقيل: هو في جميع أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، آمنوا بنبيهم، ثم كفروا به، وآمنوا بكتابهم، ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد ﷺ ". (^٢)
٣ - أنهم أهل اختلاف وفرقة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران:١٠٥]، يعني اليهود والنصارى (^٣)، وقال تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١ - ٣٢]، يقول السمعاني: " وفي الآية أقوال، أظهر الأقاويل: أن المراد منهم: اليهود والنصارى" (^٤)، ولذلك نهى الله تعالى المؤمنين عن التفرق في دينه وكتابه، فقال: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، " أي: كما تفرقت اليهود والنصارى، أي: آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض". (^٥)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٦٥
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٠
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤٧
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢١٣
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٨
[ ٦٩٤ ]
٤ - أن الله تعالى ألقى العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:٦٤]، يقول السمعاني: " قيل بين فرق اليهود، وقيل: بين اليهود والنصارى "، ثم أشار السمعاني إلى بقاء هاتين الديانتين إلى قريب قيام الساعة، فقال: " وقوله " إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "، دليل على أن اليهودية والنصرانية تبقى إلى قريب من قيام الساعة ". (^١)
٥ - العجيب أن النبي ﷺ لما دعا كفار مكة إلى التوحيد، استكبروا وعاندوا، ثم قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص:٧]، وهي النصرانية، فهي آخر الملل، مع أنهم لم يكونوا موحدين، فإنهم كانوا يقولون: إن الله ثالث ثلاثة (^٢). وهذا يدل على تجذر الضلال والاستكبار في قلوبهم. ومع ذلك فإن النصارى ألين عداوة للمسلمين من اليهود، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:٨٢]، يقول السمعاني: " وقيل: هو في كل النصارى، ومعناه: أنهم ألين عداوة من اليهود ". (^٣)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥١
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٢٦
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥٨
[ ٦٩٥ ]
المطلب الثاني: فضل الإسلام:
الإسلام الذي جاء به النبي محمد ﷺ من ربه، هو الدين الذي ارتضاه الله تعالى لنفسه، فقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، ولذلك أمر الله تعالى بالدخول فيه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، أي: ادخلوا جميعًا، وقيل: ادخلوا في الإسلام وشرائعه كافة، وقيل: ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه، كافين عن المجاوزة إلى غيره، ولذا حين أراد قوم من اليهود أسلموا أن يجمعوا بين الإسلام واليهودية، نهاهم الله عن ذلك، فنزلت هذه الآية، والمعنى: كونوا للإسلام خاصة، ولا تجمعوا بينه وبين اليهودية (^١). فهو الدين الذي لا يقبل الله تعالى سواه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، يقول السمعاني:" وحق لمن يبتغي غير الإسلام، أن يصبح غدًا من الخاسرين" (^٢). وقد أتم الله تعالى الدين، فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، أي: الشرائع والأحكام؛ لأنها نزلت بعد استقرار الشرائع والأحكام. (^٣)
وقد أبان الإمام السمعاني فضل الإسلام، وجماله، وكماله، وذلك من خلال النقاط التالية:
١ - أن الإسلام دين الفطرة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]، يقول السمعاني:" فالخلق يولدون على العهد الذي أُخذ عليهم يوم الميثاق، وهو فطرة الله ". (^٤)
٢ - أن الإسلام دين الرحمة، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى:٨]، يقول السمعاني: " أي: يُدخل من يشاء في الإسلام " (^٥)، ومثله قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح:٢٥].
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢١٠
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٣٨
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١١
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢١٠
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٥
[ ٦٩٦ ]
٣ - أن جزاء من أسلم الحسنى وزيادة، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، يقول السمعاني: " الإحسان ها هنا: الإسلام، والإحسان: هو قول لا إله إلا الله " (^١)، ولما كان كذلك أمر الله باتباعه، فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣]، ونهى عن اتباع ما عداه من الملل، فقال:" فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ " بمعنى: سائر الملل سوى ملة الإسلام. (^٢)
٤ - سماه الله تعالى نورًا، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، يقول السمعاني: " يعني: من الكفر إلى الإسلام، وإنما سمى الكفر ظلمات؛ لأن طريق الكفر مشتبه ملتبس، وإنما سمى الإسلام نورًا؛ لأنه طريق بَيِّن واضح " (^٣)، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥]، يقول السمعاني معنى النور: " قيل: هو الإسلام، وسمي نورًا؛ لأنه يهتدى به كما يهتدى بالنور". (^٤)
٥ - وأن الإسلام هو الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٢٦]، يعني: الإسلام (^٥)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام:١٦١]، يقول السمعاني: " هو دين الإسلام، أي: دينًا مستقيمًا " (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٤]، يقول السمعاني: " أي: إلى طريق قويم، وهو الإسلام ". (^٧)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٧٨
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٥٧
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٦٠
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٤٣
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦١
(٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٥٠
[ ٦٩٧ ]
٦ - أن دين الإسلام هو الدين الحق، والمهيمن على كل الأديان، قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:٤٢]، أي: الإسلام باليهودية والنصرانية (^١)، وقال تعالى لنبيه محمد ﵊: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة:١١٩]، " والمراد بالحق: القرآن، وقيل: شريعة الإسلام ". (^٢)
٧ - أن شرائع الإسلام مبنية على نفي الحرج، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، واختلف العلماء في الحرج المنفي في الشريعة على أقوال:
ـ فقيل: أن الحرج المنفي هو الضيق، ومعنى الآية: أنه لا ضيق في الدين، بحيث لا خلاص عنه، فمعناه: أن المذنب وإن وقع في ضيق من المعصية، فقد جعل الله له خلاصًا بالتوبة، وكذلك إذا حنث في يمينه، جعل الله له الخلاص بالكفارة.
ـ وقيل: إن معنى الآية: أن الله تعالى لم يكلف نفسًا فوق وسعها.
ـ وقيل: إن المراد من الآية: أنه إذا كان مريضًا، فلم يقدر على الصلاة قائمًا، صلى قاعدًا، فإن لم يقدر على الصلاة قاعدًا صلى بالإيماء، ويفطر إذا شق عليه الصوم، بسفر، أو مرض، أو هرم، وكذلك سائر وجوه الرخص (^٣). وقد جاء الإسلام بنفي الحرج في كل ما ذُكر، وقد أكد القرآن الكريم على هذا المعنى في مواطن كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون:٦٢]، يقول السمعاني: " ويُقال: لم نكلف المريض الصلاة قائمًا، ولا الفقير الزكاة والحج، ولا المسافر الصوم، وأشباه هذا ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٧٢
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٢
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٥٨
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٨١
[ ٦٩٨ ]
٨ - أن الإسلام قائم في تشريعاته وتعبداته على الإخلاص، وهو التوحيد، وقيل: هو تصفية النية في طاعة الله تعالى " (^١). قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَر:٣]، يقول السمعاني: " أي: الدين الذي ليس فيه شرك هو لله، أي: واقع برضاه، وأما الدين الذي فيه شرك فليس لله، وإنما ذكر هذا؛ لأنه قد يوجد دين، ولا توحيد، ولا إخلاص منه " (^٢)، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤]، أي: مخلصين له التوحيد، ومعناه: وحدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا. (^٣)
٩ - أن دين الإسلام هو الدين الظاهر على كل الأديان، يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]، وذكر السمعاني في الإظهار قولان: الأول: أن هذا عند نزول عيسى ﵇، لا يبقى في الأرض أحد إلا أسلم، والثاني: أن المقصود الإظهار بالحجة، فدين الإسلام ظاهر على كل الأديان بالدليل والحجة " (^٤). وقال في موطن آخر: " أي على جميع الأديان، شرقًا وغربًا، ومصداق هذه الآية على الكمال، إنما يكون عند نزول عيسى ابن مريم، حيث لا يبقى إلا دين الإسلام " (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥]، يقول السمعاني: " أي: ليُظهرن دينهم على جميع الأديان، قال أهل العلم: يعني: فارس، والروم، ومن أشبههم ". (^٦)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٥٧
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٥٧
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٠
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٠٤
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٢٧
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٤٤
[ ٦٩٩ ]
ولما كان دين الإسلام بهذه المثابة، وجب على المرء أن يتمسك به، ويثبت عليه، ويسأل الله الإعانة على ذلك، ثم يحمد ربه على أن جعله من أهل الإسلام، ولقد أثنى الله تعالى على المؤمنين، أنهم يحمدون الله على الإسلام، قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ [التوبة:١١٢]، يقول السمعاني في تفسير معنى الحامدين في الآية: " والقول الثاني: أنهم الذي يحمدون الله على الإسلام ". (^١)
المطلب الثالث: فضل أمة الإسلام:
شَرُفت هذه الأمة بشرف بنيها ﵊، " وإنما حازت قصب السبق إلى الخيرات، بنبيها محمد ﷺ فإنه أشرف خلق الله، وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبي قبله، ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه، ما لا يقوم الكثير من أعمال غيرهم مقامه ". (^٢)
والدلائل على فضل هذه الأمة، وعلوها، وشرفها، كثيرة، " يقول الإمام فخر الدين: أن من كانت معجزاته أظهر، يكون ثواب أمته أقل. قال السُبكي: إلا هذه الأمة، فإن معجزات نبيها أظهر، وثوابها أكثر من سائر الأمم ". (^٣)
وقد تتبع السمعاني فضائل هذه الأمة، وما لها من المكانة بين سائر الأمم، ومما ذكره في الفضائل:
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٥١
(٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ٣٩٩
(٣) القسطلاني: المواهب اللدنية: المكتبة التوقيفية، القاهرة، (٢/ ٤٠٥)
[ ٧٠٠ ]
١ - أن الله تعالى هدى هذه الأمة، حين اختلفت بقية الأمم، قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣]، قال زيد بن أسلم: اختلفوا في القبلة، فهدانا الله إلى الكعبة، واختلفوا في الأيام، فاختار اليهود السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدانا الله للجمعة، واختلفوا في عيسى، فقال بعضهم: كذاب، وقال بعضهم: ابن الله، فهدانا الله لكونه نبيًا عبدًا، واختلفوا في إبراهيم، فادعاه كل فرقة، فهدانا الله لكونه حنيفًا مسلمًا، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " نحن الآخرون السابقون، وأول الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، الناس لنا تبع، فاليوم لنا - يعني الجمعة ـ، وغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى " (^١). وقال مجاهد: كان الله تعالى أمرهم بالجمعة، فأبوا، وطلبوا السبت، فشدد عليهم فيه، وكذلك النصارى أمروا بالجمعة فأبوا، وطلبوا الأحد، وأعطى الله الجمعة لهذه الأمة، فقبلوا، وبورك لهم فيها. (^٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب فرض الجمعة، ح (٨٧٦)
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢١٤ - ٣/ ٢١٠
[ ٧٠١ ]
٢ - أن الله تعالى جعل هذه الأمة وسطًا عدولًا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، يقول السمعاني: " يعني: كما اخترنا الأنبياء، واخترنا بني إسرائيل من الخلق، فكذلك اخترناكم من الأمم، " أُمَّةً وَسَطًا " أي: عدلًا خيارًا، وفي الخبر أن النبي ﷺ قال: " إنكم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأعدلها " (^١)، وقد ورد في الخبر عنه ﵊ أنه قال: " خير الدين النمط الأوسط " (^٢)، يعني: الذي ليس فيه غلو ولا تقصير، وذلك دين الإسلام؛ لأن النصارى قد غلوا في دينهم، واليهود قصروا، وأما المسلمون أخذوا بالنمط الأوسط ". (^٣)
٣ - فضيلة كلمة الاسترجاع لهذه الأمة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، قال سعيد بن جبير: كلمة الاسترجاع لم تعط لأحد من الأمم، سوى هذه الأمة. ألا ترى أن يعقوب - صلوات الله عليه - لما أُبتلي بفراق يوسف، قال: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٤]، ولم يقل: إنا لله وإنا إليه راجعون؟ ومعناه: إنا لله ملكًا وعبودية، وإنا إليه راجعون في القيامة، وإنما قُيِّد بهذا؛ لأن الأمر في القيامة يخلص لله تعالى. (^٤)
٤ - فضيلة الاستغفار لهذه الأمة، يقول السمعاني: " واعلم أن الاستغفار تسهيل للأمر على هذه الأمة، فإن الذين من قبلنا، كان الواحد منهم إذا أذنب ذنبًا، يظهر على بابه أن اقطع من نفسك عضو كذا، وكان لا بُدَّ له منه، وقد أخرج الله تعالى هذه الأمة عن الذنوب بالاستغفار؛ كرامة لهم، وتيسيرًا عليهم ". (^٥)
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه، باب: ومن سورة آل عمران: ح (٣٠٠١)
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن علي (٧/ ١٠٠)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، عن علي (٨/ ١٤٨٠)، ولم يوجد مرفوعًا كما قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: ١/ ٧٢
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٥٧
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٥٩
[ ٧٠٢ ]
٥ - أنها أمة مرحومة، قال تعالى في دعوة موسى ربه جل وعز: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]، يقول السمعاني: " وهذه فضيلة عظيمة لهذه الأمة، وذلك أن موسى - صلوات الله عليه - سأل أن يكتب الرحمة له ولأمته، فكتبها لأمة محمد ﷺ ". (^١)
٦ - أن الله تعالى أحل لهذه الأمة الغنائم، وسمَّاها الله تعالى أنفالًا، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، والنفل في اللغة: الزيادة، ومنه صلاة النافلة؛ لأنها زيادة على الفريضة، فسميت الغنائم أنفالًا؛ لأنها زيادة كرامة من الله تعالى لهذه الأمة على الخصوص". (^٢)
٧ - أن الله تعالى اختص هذه الأمة بالسبع المثاني، وهي سورة الفاتحة، يقول مجاهد: إنما سميت مثاني؛ لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة، كأنه أوحى بها إليهم، ولم يُعطها أحدًا من الأمم. (^٣)
٨ - أن الله تعالى نادى أمة محمد ﵊، فقال: " يا أمة محمد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني "، فهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص:٤٦]، وهو مروي عن أبي هريرة ﵁، يقول السمعاني: " وفي القصة: أن موسى لما سمع هذا من الله تعالى قال: يارب، إنما جئت لوفادة أمة محمد ﷺ ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٢١
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٤٦
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣١
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٤٤
[ ٧٠٣ ]
٩ - أن هذه الأمة مصطفاة من الله تعالى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢]، يقول السمعاني: " الأكثرون على أن المراد من قوله: " الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا " هذه الأمة ". (^١)
١٠ - أنه هذه الأمة نصيبها في الآخرة، أنهم نصف أهل الجنة، قال النبي ﷺ: " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، بل ثلث أهل الجنة، بل نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني " (^٢)، وفي بعض الأخبار:" أن أهل الجنة مائة وعشرون صنفًا، ثمانون من هذه الأمة " (^٣) (^٤)
١١ - أنه هذه الأمة تزكي شهود الأنبياء بالتبليغ، قال تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩]، يقول السمعاني: " وفيه قول آخر: أنه بمعنى التزكية، يشهد الرسل بالنبوة من سائر الأمم، وذلك أن مؤمني سائر الأمم شهدوا للرسل بالنبوة، وتبليغ الرسالة، فهذه الأمة تزكي أولئك الشهود " (^٥)، وكذلك هذه الأمة تشهد للرسل بالبلاغ، قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، يقول السمعاني: " وذلك يوم القيامة، حين يسألة الأمم عن إبلاغ الرسل، فينكرون تبليغهم الرسالة، فيسأل الرسل، فيقولون: بلغنا، فيقال لهم: ومن يشهد لكم؟! فيأتون بهذه الأمة، فيشهدون لهم بالبلاغ ". (^٦)
١٢ - أن الله تعالى خفف عن هذه الأمة، في أحكامها وتشريعاتها، ومن ذلك قوله تعالى في حكم القصاص: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٧٨]، يقول السمعاني في بيان وجه التخفيف: " ومعناه: أن الدية كانت في شرع النصارى حتمًا، والقصاص في شرع اليهود حتمًا، وخيرت هذه الأمة بين القصاص والدية، فذلك التخفيف ". (^٧)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥٨
(٢) أخرجه أحمد في المسند، ح (٩٠٨٠)
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه، باب ما جاء في صفة أهل الجنة، ح (٢٥٤٦)
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٤٥
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤١
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٩ - ٣٢٣ - ٢:٥٨
(٧) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٧٤
[ ٧٠٤ ]
١٣ - أنهم خير أمة في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، قال السمعاني: " أراد به: كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ، وقيل: أراد به: صرتم خير أمة إذا آمنتم ". (^١)
١٤ - ونقل السمعاني عن كعب الأحبار في فضيلة هذه الأمة قوله: " أُعطيت هذه الأمة ثلاثًا، لم يُعط أحد من الأمم: قال الله تعالى لكل نبي من الأنبياء السالفة، أنت شاهد على أمتك، وقال لهذه الأمة: أنتم الشهداء على الأمم، وقال تعالى لكل نبي: ما عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال لكل نبي: ادع استجب لك، وقال لهذه الأمة: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ". (^٢)
إذن: فهذه الأمة المحمدية، خصائصها، ومزاياها، كثيرة جدًا، امتن الله تعالى بها عليها، ورفع من شأنها، وأعلى مقامها، وأعطاها ما لم يُعط من الأمم غيرها؛ تكرمة لبنيها ﵊، وزيادة في شرفه، قال القسطلاني: " وتفصيل فضلها وخصائصها، يستدعي سفرًا، بل أسفارًا، وذلك فضل الله يؤتيه الله من يشاء، والله ذو الفضل العظيم". (^٣)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤٨
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٨
(٣) القسطلاني: المواهب اللدنية: ٢/ ٤٢٥
[ ٧٠٥ ]
المبحث الرابع: الصحابة، فضلهم، ومنزلتهم، ومكانتهم:
أفاض القرآن وتواترت السنة في ذكر فضائل الصحابة، وبيان منزلتهم ومكانتهم، وهذا لا ينكره إلا جاحد حاقد على الصحابة ﵃، وإلا فكيف تتوارد هذه النصوص وتستفيض في بيان هذه الفضائل، ويترجم لها الأئمة في مصنفاتهم، ويسندون الأحاديث في ذكر مناقبهم، ثم تأتي شرذمة قليلة ينالون منهم، يتعلقون بواهيات النصوص ومتشابهات الألفاظ. ولذا انبرى الإمام السمعاني كغيره من أئمة الإسلام، للدفاع عن الصحابة، والذوذ عن أعراضهم، وبيان فضائهم وميزاتهم التي حظوا بها، والرد على مخالفيهم، فلا يجد مناسبة قريبة أو بعيدة لهذا البيان إلا ذكره وأظهره وبينه، ومن ذلك:
[ ٧٠٦ ]
-ما يتعلق بزعم الرافضة، أن النبي ﷺ قد نص على إمامة علي بن أبي طالب ﵁ على رؤوس الأشهاد، وذلك حين تكلم عن قسمي التواتر، فقال: والقسم الثاني: ما يرجع إلى معناه دون عينه فهو الخبر عن جود حاتم، وشجاعة علي وأمثاله، وحلم الأحنف وذويه، ثم قال: واعلم أن مثل هذا الطريق، رد على الرافضة، ما زعموا من نص الرسول على إمامة علي، فإنهم زعموا أن النبي نص عليه على رؤوس الأشهاد، ومشهد من جميع أصحابه، ونص لهم عليه، وقال: هو الإمام من بعدي، ثم إنهم جميعا كتموه، وهذا محال من الكلام، ولا يتصور من ذلك مثل الجماعة العظيمة والجم الغفير، اختلاف طباعهم، وتباين أهوائهم، وتردد الدواعي منهم، إطباقهم واتفاقهم على كتمان مثل هذا النص الجلي (^١).
-وكذلك ما ذكره في رد رواية الرافضة والخوارج الذين كفروا الصحابة وفسقوهم، فقال: وأما الفسق من حيث الاعتقاد، مثل أهل الأهواء، فقد ذكروا أنهم ينقسمون قسمين: منهم من كفر الصحابة وفسقهم، مثل الخوارج والرافضة، فهؤلاء حديثهم مردود غير مقبول (^٢).
وقد برز اهتمام السمعاني بموضوع الصحابة من عدة جهات:
١ - تحقيق مسمى الصحبة.
٢ - الإشادة بفضائل الصحابة، والتأكيد على حقوق آل البيت.
٣ - التأكيد على التوائم بين الصحابة وآل البيت.
٤ - بيان حكم سب الصحابة وتنقصهم.
٥ - بيان الموقف الشرعي تجاه الفتنة التي جرت بين الصحابة.
وظهر من تتبع كلام السمعاني، المنهج الوسط في التعامل مع القضايا التي وردت في الصحابة، فكان وسطا بين الجفاة والغالين، وسدا منيعا تجاه المغرضين المخالفين، ويظهر هذا جليا في غيرته على الصحابة في رده على من حكى تجهيل بعض الصحابة، فقال: وهذا الذي قاله جرأة عظيمة (^٣).
وقد أكد السمعاني على جملة من المسائل المهمة المتعلقة بالصحابة ﵃، منها:
_________________
(١) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٣١ - ٣٥٦
(٢) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٣٤٤
(٣) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٦٣
[ ٧٠٧ ]
-التأكيد على عدالة الصحابة، ووجوب قبول رواياتهم، فقال: اعلم أن الصحابة عدول، وروايتهم يجب قبولها من غير تخصيص (^١)، وقال ردا على من تفوه على الصحابة بما يسوء، وقدح في عدالتهم: عدالة جميع الصحابة ثبتت قطعا، فلا يزول عنها إلا بدليل قطعي (^٢)، وقال: وجميع الصحابة قد عدلهم الله في آي كثيرة من كتابه (^٣)، وقال: وجميع الصحابة عدول، وليس لنا الاجتهاد في تعديلهم وقد عدلهم الله (^٤).
-أن الصحابة هم أهل العلم والفقه والديانة الذين يُرجع إليهم في الفقه والفتوى والعلم؛ لأنهم هم أهل النظر والاجتهاد، وفي هذا يقول السمعاني: من تدبر اختلاف الصحابة في المسائل واحتجاجهم في ذلك، عرف أنهم كانوا يرون القياس والاجتهاد في الفروع (^٥).
- أن اختلاف الصحابة كان اختلافا راقيا، لا يوجب تبديعا ولا تفسيقا ولا تكفيرا؛ لأن مبناه الاجتهاد في معرفة مدلولات النصوص، بعيدا عن أهواء النفس وشهواتها، وفي هذا يقول السمعاني: فكل مسألة حدثت في الإسلام، فخاض فيها الناس فتفرقوا واختلفوا، فلم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضا ولا تفرقا، وبقيت بينهم الألفة والنصيحة والمودة والرحمة والشفقة، علمنا أن ذلك من مسائل الإسلام يحل النظر فيها والأخذ بقول من تلك الأقوال، لا يوجب تبديعا ولا تكفيرا، كما ظهر مثل هذا الاختلاف بين الصحابة والتابعين مع بقاء الألفة والمودة (^٦).
-أنه ينوه كثيرا بإجماعات الصحابة، ويبين أثرها في تخصيص بعض النصوص، كما في إشارته لإجماع الصحابة في قبول خبر الواحد والعمل به، وكما جعل من دلائل النسخ إجماع الصحابة (^٧).
_________________
(١) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٣٤٢
(٢) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٣٤٢
(٣) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٣٦٣
(٤) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٣٨٥
(٥) - السمعاني: الانتصار: ٣٢
(٦) - السمعاني: مرجع سابق: ٤٩
(٧) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ١٨٦ - ١٨٧ - ٣٣٧ - ٣٧٢ - ٤٣٨، ٢/ ٣
[ ٧٠٨ ]
المطلب الأول: حقيقة مسمى الصحبة:
الصحبة فضل، ومنَّة، وإنعام من الله، فمن حَظِي بها، حَظي بخيري الدنيا والآخرة، يقول ابن العربي: " وفائدة صحبته في الدنيا: الفتح، وفي الآخرة: النجاة من النار ". (^١)
والذي عليه جمهور السلف والخلف: أن الصحابي هو من رأى رسول الله ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام، وإن لم تطل صحبته، وإن لم يرو عنه شيئًا. (^٢)
_________________
(١) ابن العربي: عارضة الأحوذي: مكتبة ابن تيمية: القاهرة، (١٣/ ١٢٣)
(٢) ابن كثير: الباعث الحثيث: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، (١٧٩)، ابن حجر: فتح الباري: ٤/ ٦
[ ٧٠٩ ]
والإمام السمعاني ذكر في كتابه القواطع، أن مسمى الصحبة عند الأصوليين، ومن حيث اللغة والظاهر، أنه يقع على من طالت صحبته، وكثرت مجالسته للنبي ﷺ. ثم ذكر مسمَّى الصحبة عند أهل الحديث، وهو أنهم يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثًا، أو كلمة، ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة، وهذا لشرف منزلة النبي ﷺ، فأعطوا الكل ممن يراه حكم الصحبة، ورجح هذا القول، ولذا قال: " فكل من روى عنه، أو رآه فهو قرنه الذي بُعث فيه، إلا أنه مع هذا لا بُدَّ من رؤية أو رواية للإجماع " (^١). وهذا القول ذهب إليه جماهير الأمة سلفًا وخلفًا، وممن نص على الإكتفاء لثبوت الصحبة بمجرد الرؤية ولو لحظة، ولو لم يقع معها مجالسة، أو مماشاة، ولا مكالمة، لشرف النبي ﷺ، مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة، قال مالك: من صحب رسول الله ﷺ سنة، أو شهرًا، أو يومًا، أو رآه مؤمنًا به، فهو من أصحابه، له من الصحبة بقدر ذلك (^٢)، وقال علي بن المديني: من صحب النبي ﷺ، أو رآه ولو ساعة من نهار، فهو من أصحاب النبي ﷺ، وقال البخاري: من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه (^٣). وقد حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك. (^٤)
_________________
(١) السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٩٢
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٢٦٥، ٢٠/ ٢٩٨ - ٣٥ - ٥٩
(٣) السخاوي: فتح المغيث: مكتبة السنة، مصر، ط ١، ١٤٢٤ هـ (٤/ ٧٨)
(٤) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦٦
[ ٧١٠ ]
المطلب الثاني: فضائل الصحابة ﵃ ـ:
أجمع العلماء على أن خير القرون، قرن الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وأجمعوا على أن خير الصحابة أهل بدر، وخير أهل بدر العشرة، وخير العشرة، الأئمة الأربعة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ضوان الله عليهم. (^١)
والإمام السمعاني ذكر فضائل الصحابة ﵃، وذكر طبقاتهم، وأطنب في ذكر فضائلهم، وبيان خصائصهم. وقد قسم السمعاني فضائلهم إلى قسمين: فضائل عامة لجميع الصحابة، وفضائل خاصة لبعضهم، ثم أشار إلى التفاضل بينهم، وبيانه فيما يلي:
ا - الفضائل العامة للصحابة ﵃:
أ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٩٧]، قال السمعاني: " وحكى أبو الحسين بن فارس، عن بعض التابعين، أنه أراد بالنجوم هاهنا: الصحابة، يهتدى بهم في ظلمات الشرك، وهذا مثل قوله: " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم " (^٢) (^٣).
ب - وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، وهذه الآية وما فيها من ضرب المثل بالنبي ﷺ وأصحابه، وذكر صفتهم هي في جميع أصحاب النبي ﷺ من غير تعيين (^٤). ومن أوجه الثناء فيها، قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، قال السمعاني: " قال الزجاج: هو تخليص للجنس، وليس المراد بعضهم؛ لأنهم كلهم مؤمنون، ولهم المغفرة، والأجر العظيم ". (^٥)
_________________
(١) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦٦
(٢) أخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله: دار ابن الجوزي، السعودية، ط ١، ١٤١٤ هـ، وقال: " هذا إسناد لا تقوم به حجة " (٢/ ٩٢٥)
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٢٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢١٠
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢١٠
[ ٧١١ ]
ج - وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]، يقول السمعاني: " هذه الآية في السابقين الأولين، وفيهم أقوال: أحدها: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقال عطاء: هم أهل بدر، وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان، والقول الرابع: السابقون الأولون من المهاجرين: هم الذين أسلموا قبل الهجرة، والسابقون الأولون من الأنصار: هم الذين بايعوا مع رسول الله ليلة العقبة. وأما قوله " وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ " فيه قولان: أحدهما: أنهم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين منهم، والقول الثاني: أنهم المؤمنون إلى قيام الساعة " (^١). واستدل بهذه الآية محمد كعب القرظي، على أن الصحابة كلهم في الجنة، قال السمعاني: " وعن أبي صخر حميد بن زياد، قال: أتيت محمد بن كعب القرظي، فقلت له: ما قولك في أصحاب رسول الله؟ فقال: جميع أصحاب رسول الله ﷺ في الجنة، مسيئهم ومحسنهم، فقلت له: من أين تقول هذا؟ فقال: اقرأ قوله تعالى:" وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ " إلى أن قال: " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ "، ثم قال: شرط للتابعين شريطة، وهو قوله: " اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ " ومعناه: أنهم اتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة. قال أبو صخر: وكأني لم أقرأ هذا الآية قط " (^٢)، وإلى هذا ذهب الإمام ابن حزم، أن الصحابة كلهم في الجنة. (^٣)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٢
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٢
(٣) ابن حزم: المحلى: ١/ ٦٥
[ ٧١٢ ]
د - وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٤]، يقول السمعاني: " لا مرية ولا ريب في إيمانهم ". (^١)
وذكر السمعاني أن الصحابة ﵁ طبقتان: المهاجرون والأنصار، وعَرَّف بهم فقال: المهاجرون: هم الذين هاجروا من أوطانهم، وقدموا المدينة مع رسول الله ﷺ (^٢). وقال: " المهاجرون كانوا على طبقات، وكان بعضهم من أهل الهجرة الأولى، وهم الذي هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا بعد الحديبية قبل فتح مكة، وكان بعضهم ذا هجرتين، وهما الهجرة إلى الحبشة، والهجرة إلى المدينة ". (^٣)
وأما الأنصار: فهم أهل المدينة، الذين أنزلوا رسول الله ﷺ والمهاجرين في دورهم. (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٨٣
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٢
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٨٣
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٢
[ ٧١٣ ]
والله تعالى ذكر كلتا الطائفتين، فقال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، يقول السمعاني: " أي: الصادقون عقدًا، وقولًا، وفعلًا " (^١)، ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، وهؤلاء أجمع أهل التفسير على أن المراد بهم الأنصار، وقد أثنى الله ﷿ عليهم بالإيمان والسماحة، والإيثار، وسخاء النفس، " وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " أي السعداء الفائزون. (^٢)
٢ - فضائل آل بيت النبي ﷺ:
محبة آل بيت النبي ﷺ واجبة، يقول الإمام ابن تيمية: " محبتهم عندنا فرض يُؤجر عليه ". وقال: " ومن أبغضهم فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا ". (^٣)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٠
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٢
(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٤٨٧
[ ٧١٤ ]
وقال السيوطي في أحكام القرآن، في الاستنباط من قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]،:" وجوب محبة قرابته ﷺ فمحبته أولى" (^١). وقد ذكر السمعاني في تفسير هذه الآية خمسة أقوال، واستظهر منها، ما كان مشهورًا عند السلف، فقال: " أظهرها وأشهرها، أن معناه: لا أسألكم إلا أن تودوني لقرابتي منكم، وقيل: تصلوا القرابة التي بيني وبينكم، بالاستجابة لي إلى ما أدعوكم إليه، وتكفوا عني أذاكم، وهذا قول ابن عباس، أورده البخاري عنه في الصحيح، على لفظ معلوم مقبول، وهو قول طاووس، ومجاهد، وقتادة، وعامة المفسرين.
قال قتادة: كانت قريش تصل الأرحام، فطلب منهم النبي ﷺ أن يصلوا القرابة التي بينه وبينهم، وألا يقطعوها. وعن ابن عباس، قال: ما من بطن من بطون قريش، إلا ولرسول الله ﷺ فيهم قرابة، فسألهم أن يصلوها ". (^٢)
وقد ذكر السمعاني خلاف العلماء في حقيقة مسمى آل البيت، وما الذي يشمله على أقوال:
أولًا: أنهم ذووا قرابة النبي ﷺ، واختلفوا في تعيينهم إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أنهم بنو هاشم خاصة، وهو قول مجاهد.
الثاني: أنهم جميع قريش، وهو مروي عن ابن عباس.
_________________
(١) السيوطي: الإكليل في استنباط التنزيل: دار الأندلس الخضراء، ط ١، ١٤٢٢ هـ (٣/ ١١٦٧)
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧٣
[ ٧١٥ ]
الثالث: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا قول الشافعي. قال السمعاني: " وقد دَلَّ عليه الخبر المروي بطريق جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ: " قسم سهم ذوي القربى بين بني هاشم، وبني المطلب، فمشيت أنا وعثمان إلى رسول الله ﷺ، وقلنا: يا رسول الله، إنا لا ننكر فضيلة بني هاشم؛ لمكانك الذي وضعك الله فيهم، ولكننا وإخواننا بني المطلب في القرابة منك سواء، وقد أعطيتهم وحرمتنا، فقال: إنا وبني المطلب شيء واحد - وشبك بين أصابعه - وإنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإسلام ". (^١)
ثانيًا: أن آل النبي ﷺ هم أتباعه على دينه من أمته، وقد استدل له السمعاني بقول تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة:٤٩]، فقال: " وآل فرعون: أتباعه الذين اقتدوا به وبفعله، وكذلك آل النبي ﷺ أتباعه". (^٢)
ثالثًا: أن آل بيت النبي ﷺ هم أصحاب الكساء، وهم علي، وفاطمة، والحسن، والحسين. (^٣)
رابعًا: أن آل بيت النبي ﷺ هن نساؤه ﵅، وهو مروي عن ابن عباس، وقاله عكرمة وجماعة.
ورجح السمعاني أن آل بيته يشمل، نساؤه، وأصحاب الكساء، قال السمعاني في المخاطب بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]،: " أن الآية عامة في الكل، وهذا أحسن الأقاويل، فآله قد دخلوا في الآية، ونساؤه قد دخلن في الآية.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٦٧
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٧٦
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٨١
[ ٧١٦ ]
واستدل من قال: إن نساءه قد دخلن في الآية، أنه قال: " إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ "،وأهل بيت الرسول هن نساؤه؛ ولأنه تقدم ذكر نسائه، والأحسن ما بينا من التعميم " (^١)، واستدل السمعاني أيضًا بقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود:٧٣]، وزعمت الشيعة في قوله تعالى: " إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ " أن الأزواج لا يدخلن في هذا. وهذه الآية دليل على أنهن يدخلن فيها ". (^٢)
وقد ذكر السمعاني فضائل آل بيت النبي ﷺ وحقوقهم، وبيانه فيما يلي:
١ - علي بن أبي طالب ﵁: أشار السمعاني إلى فضائله من جهات متعددة، وهي:
أ - ثناء النبي ﷺ عليه، فقال ﵊:" من كنت مولاه فعلي مولاه " (^٣)، وفسره السمعاني بقوله: " يعني: من كنت وليًا له، أعينه، وأنصره، فعلي يُعينه وينصره في الدين ". (^٤)
ويُقال: إن الخبر ورد على سبب، وهو أن عليًا قال لأسامة ﵄ أنت مولاي، فقال أسامة: لست مولاك، إنما أنا مولى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: " من كنت مولاه فعلي مولاه "، أي من توليته أنا، فعلي مولاه، من موالاة المحبة والنصرة. (^٥)
ب - أنه من المؤمنين، الذين لهم حق المودة، قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥]،: نزلت الآية في المؤمنين، فقيل له: إن قومًا يقولون: إن الآية نزلت في علي بن أبي طالب، فقال أبو جعفر: علي من المؤمنين. (^٦)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٨١
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٤٤
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه، باب مناقب علي بن أبي طالب، ح (٣٧١٣)
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٨
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٣٠
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٨
[ ٧١٧ ]
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]: إن الآية نزلت في علي بن أبي طالب ﵁، والمراد منه: مودة أهل الإيمان له. (^١)
ج - ذكره ثناء ابن عيينة على علي بن أبي طالب، قال ابن عيينة: من تزوج بأربع نسوة، أو تسرى بمماليك، فلا خلل في زهده في الدنيا، فإن عليًا ﵁ قُتل عن أربع عقائل، وتسع عشرة سَريَّة، وكان أزهد الصحابة. (^٢)
٢ - وذكر السمعاني فاطمة بنت رسول الله ﷺ بأنها تُسمى الزهراء البتول، أي: المنقطعة عن أقرانها في الفضل. (^٣)
٣ - حرمة أزواج النبي ﷺ وخصائصهن، وذكر السمعاني ذلك من عدة أوجه:
أ - من جهة الأمومة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]، قال السمعاني: " أي: في الحرمة الخاصة، دون النظر إليهن، والدخول عليهن ". (^٤)
وأشار السمعاني في هذا المقام إلى مسألتين لطيفتين:
الأولى: في حكم المرأة التي فارقها النبي ﷺ قبل الوفاة، هل هي محرمة أم لا؟
ـ فقيل: إنما محرمة، وقيل: ليست محرمة، وقيل: إن كان دخل بها فهي محرمة، وإن لم يكن دخل بها، فليست بمحرمة.
والثانية: هل أمهات المؤمنين أيضًا يكن أمهات للمؤمنات أم لا؟! فقيل: إنهن أمهات المؤمنات، كما أنهن أمهات المؤمنين، وقيل: إنهن أمهات الرجال دون النساء، وهو مروي عن عائشة.
ثم قال السمعاني: " وأما إخوة أزواج النبي ﷺ، فليسوا بأخوال المؤمنين، وكذلك أخوات أزواج النبي ﷺ لسن خالات المؤمنين، وقد روى أنه كانت عند الزبير، أسماء بنت أبي بكر، فقالت الصحابة: عند الزبير أخت أم المؤمنين، ولم يقولوا: عنده خالة المؤمنين ". (^٥)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣١٦
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٥٠
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٥٠
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٥٩
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٦٠
[ ٧١٨ ]
ب - حرمة نكاحهن بعد النبي ﷺ، قال تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٥٣]، لم؟ حفظًا لحرمة النبي ﷺ؛ ولأنهن أمهاتكم، ولا يحل للرجل أن يتزوج أمه (^١)، وقيل: لأنهن أزواجه في الجنة (^٢)، قال ابن كثير: " ولهذا أجمع العلماء قاطبة، على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه، أنه يحرم على غيره تزويجها من بعده؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة، وأمهات المؤمنين " (^٣)، ولذا قال تعالى: " إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا " أي: ذنبًا عظيمًا. (^٤)
ج - أن جميعهن محسنات، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩]، يقول السمعاني: " والمحسنات هن اللاتي اخترن الله ورسوله، والدار الآخرة، وجميع نساء النبي ﷺ قد اخترن ذلك، فجميعهن محسنات ". (^٥)
_________________
(١) الطبري: جامع البيان: ٢٠/ ٣١٦
(٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٤/ ٢٢٩
(٣) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٦/ ٤٥٥
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٠٢
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٧٧
[ ٧١٩ ]
د - أنهن أشرف نساء العالم، ذكره السمعاني عن أبي بكر الفارسي، عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، قال السمعاني: " وقد استدل أبو بكر الفارسي في أحكام القرآن، بهذه الآية على أنهن أشرف نساء العالم " (^١)، قال السمعاني: وإنما استحقت مثلي عذاب غيرها؛ لشرف حالها بصحبة النبي ﷺ، علمًا أن معنى الآية إما أن يُحمل على معنى المباعدة التامة، كما قال تعالى لنبيه ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ﴾ [الزُّمَر:٦٥]، وهذا لا يدل على أنه قد أتى بشرك أو يأتي، وإما أن يُحمل على معنى النشوز، وسوء الخلق. (^٢)
وقد ذكر السمعاني بعض فضائل عائشة ﵂ فقال: " واعلم أن عائشة ﵂ كانت تفتخر بأشياء منها: أن جبريل ﵇ أتى بصورتها في سَرَقَة من حرير، أي: قطعة، وقال: هذه زوجتك، وذلك بعد وفاة خديجة، ويُقال: أتى بصورتها في كفه، ومنها: أن النبي ﷺ لم يتزوج بعذراء إلا بها، ومنها: أن النبي ﷺ قُبض ورأسه في حجرها، ودفن في بيتها، ومنها: أنه نزل براءتها من السماء، ومنها: أنها بنت خليفة رسول الله، وأنها صديقة. وكان مسروق إذا روى عن عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله ﷺ، المبرأة من السماء ". (^٣)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٧٨
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٧٨
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢١٦
[ ٧٢٠ ]
وذكر جملة من فضائل زينب بنت جحش ﵂، فقال: " وقد ثبت في الصحيحين: أن زينب كانت تفتخر على سائر زوجات النبي ﷺ ويقول: زوجكن أهلوكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات " (^١)، وقد ثبت برواية أنس: " أن النبي ﷺ ما أولم على أحد من نسائه، ما أولم على زينب بنت جحش، أشبع الناس من الخبر واللحم " (^٢). ومن فضائل زينب: " أن النبي ﷺ قال لنسائه عند الوفاة: " أسرعكن بي لحوقًا، أطولكن يدًا " (^٣)، فكانت زينب أول من توفيت من أزواج النبي ﷺ بعده، وكانت أمرأة صناعًا، تكثر الصدقة بكسب يدها، فعرفوا أن معنى طول اليد، هو كثرة الصدقة، وهي أيضا أول من اتخذ عليها النعش ". (^٤)
ولما كان أمرهن كذلك، ذكر الله تعالى أن من رماهن بالسوء، فعليهم اللعنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣]، يقول السمعاني: " والغافلة عن الفاحشة، أن لا يقع في قلبها فعل الفاحشة، وكانت عائشة ﵂ هكذا، وقوله: " لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " رُوي عن خصيف قال: قلت لمجاهد: من قذف مؤمنة لعنه الله في الدنيا والآخرة؟ فقال: ذاك لعائشة. ويُقال: هذا في جميع أزواج النبي - صل الله عليه وسلم - ". (^٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب (وكان عرشه على الماء)، ح (٧٤٢٠)
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه،
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، باب فضل صدقة الصحيح الشحيح، ح (١٤٢٠)
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٨٨
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥١٥
[ ٧٢١ ]
أما ما يتعلق بقذف عائشة ﵂ بما برأها الله منه، فإنه كفر، حكى العلماء الإجماع، أن من قذفها بما برأها الله منه فهو كافر (^١). وذهب جماهير العلماء، أن قذف إحدى أمهات المؤمنين، هو كقذف عائشة، قال ابن تيمية: " والأصح أن من قذف واحدة من أمهات المؤمنين، فهو كقذف عائشة؛ لأن هذا عار، وغضاضة على رسول الله ﷺ وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن ". (^٢)
٣ - فضائل الصحابة على وجه الخصوص:
أورد السمعاني جملة من فضائل لبعض أصحاب النبي ﷺ، وممن ذكرهم وأشار إليهم:
أ - أبو بكر الصديق ﵁: وتظهر فضائله من الوجوه التالية:
١ - محبة الله تعالى له، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، قال علي، والحسن: نزل هذا في أبي بكر وأصحابه، وكان الحسن يحلف على هذا. (^٣)
٢ - تسميته بالصديق، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزُّمَر:٣٣]، في أحد الأقوال في تفسير الآية: أن الذي جاء بالصدق، نبينا محمد ﷺ، والذي صدق به أبو بكر ﵁. (^٤)
يقول السمعاني: " والصِّديق: كثير الصدق، وهو للمبالغة، ومن سُمي أبو بكر الصديق ﵁ صديقًا، وقيل: سُمي صديقًا؛ لأنه قيل له: إن صاحبك يقول: أُسري بي إلى السماء، فقال: إن هو قال ذلك فقد صدق ". (^٥)
٣ - الآيات التي ذكرها المفسرون أنها نزلت في فضائل الصديق كثيرة، منها:
_________________
(١) ابن حزم: المحلى: ١٣/ ٢٣٨، النووي: شرح مسلم: ١٧/ ١٢٢
(٢) ابن تيمية: الصارم المسلول: نشر الحرس الوطني السعودي: ٥٦٧
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٦
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٧٠
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥٥
[ ٧٢٢ ]
ـ قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٥٢]، يقول السمعاني: " وفي بعض التفاسير: أن هذه الآية نزلت في أبي أبي بكر الصديق ﵁ ". (^١)
ـ وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، يقول السمعاني: " وعن الزبير، أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وهذا محكي عن عطاء بن أبي رباح. قال الضحاك: شرب أبو بكر لبنًا، ثم سأل عنه، وكان من غير وجهه، فاستقاه، فأنزل الله هذه الآية ". (^٢)
ـ وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل:٥ - ٧]، يقول السمعاني: " ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذه الآية، نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ ". (^٣)
ـ وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ [الليل:١٧ - ١٨]، يقول السمعاني: " وهو وارد في أبي بكر الصديق على قول أكثر المفسرين ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٢٧
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٣٣
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٣٧
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٤٠
[ ٧٢٣ ]
٤ - أن أبا بكر خليفة رسول الله ﷺ؛ لأنه قام بالأمر بعده، وإلا فعند أهل العلم، أن الرسول ﷺ توفي، ولم يستخلف أحدًا (^١). وهذه مسألة خلاف عند أهل السنة: هل خلافة الصديق ﵁ كانت بالنص أو بالاختيار؟ يقول ابن أبي العز: " فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث، إلى أنها تثبت بالنص الخفي والإشارة، ومنهم من قال: بالنص الجلي، وذهب جماعة من أهل الحديث، والمعتزلة، والأشعرية، إلى أنها تثبت بالاختيار " (^٢)، وبعد أن ذكر الإمام ابن تيمية الخلاف قال: " فقد تبيَّن أن كثيرًا من السلف والخلف، قالوا فيها بالنص الجلي أو الخفي " (^٣)، وهو بهذا يريد الرد على الرافضي، في زعمه: أن أهل السنة يقولون: إن النبي - صل الله عليه وسلم - لم ينص على إمامة أحد، وأنه مات من غير وصية. والراجح، ما ذهب إليه السمعاني، بأن الأمر كان بالاختيار، على وجود قرائن تدل على تقديم أبي بكر، قال السمعاني: " ومن هذا قول عمر ﵁ حين حضرته الوفاة، وقيل له: استخلف، فقال: إن لم استخلف، فلم يستخلف رسول الله ﷺ، وإن استخلف فقد استخلف أبو بكر، وهذا قول ثابت عن عمر ". (^٤)
٥ - أن الله تعالى نَصَّ على صحبته للرسول ﵊ قال تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة:٤٠]، يقول السمعاني: " أي: لأبي بكر ﵁ باتفاق أهل العلم. وعن الحسن بن الفضل البجلي أنه قال: من قال: " إن أبا بكر ليس بصاحب رسول الله ﷺ فهو كافر؛ لإنكاره نص القرآن، وفي سائر الصحابة إذا أنكر، يكون مبتدعًا، ولا يكون كافرًا ". (^٥)
ب - بعض الآيات التي تدل على فضائل بعض الصحابة:
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٦٢
(٢) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ١/ ٤٨١
(٣) ابن تيمية: منهاج السنة: ١/ ٤٩٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٦٢
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣١١
[ ٧٢٤ ]
ـ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر:٩]، قيل: نزلت في عثمان بن عفان، وقيل: نزلت في أبي بكر وعمر، وقيل في ابن مسعود وسلمان وعمار، وقيل: وأبو ذر وصهيب. (^١)
ـ وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧]، قال سعيد بن المسيب: نزلت الآية في صهيب بن سنان. (^٢)
ـ وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢]، قيل المراد به: عمر، وقيل: عمار، وقيل: حمزة. (^٣)
والآيات في هذا المقام كثيرة، وهذا فيه دلالة على اهتمام السمعاني، وعنايته الفائقة، بهذا الأصل المهم، وهو معرفة فضائل الصحابة، وبيان حقوقهم علينا، وهو بذا سائر على منهج السلف القائم على التعظيم والإجلال، لهؤلاء الثلة النقية، الطاهرة الزكية، الذي مُقام أحدهم مع النبي ﷺ ساعة، خير من عمل غيرهم أربعين سنة، كما قال ابن عباس (^٤)، بل قال ابن عمر: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ، فإن مقام أحدهم، خير من عمل أحدكم عمره كله، وعن ميمون بن مهران قال: قال لي عبدالله بن عباس: يا ميمون لا تسب السلف، وادخل الجنة بسلام. (^٥)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٦١
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٠٩
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٤١
(٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ٤٦٩
(٥) اللالكائي: شرح أصول الاعتقاد: ٧/ ١٣٢٥
[ ٧٢٥ ]
المطلب الثالث: حكم تنقص الصحابة ﵃ ـ:
أجمع العلماء على أن قرن الصحابة من خير القرون، ثم أجمعوا على هجران من انتقصهم، أو أبغضهم، أو نالهم بما يُكره، وعلى معاداته وإبعاده، وأجمعوا على أنه لا يسبهم أو واحدًا منهم، ولا يطعن عليهم إلا فاسق. (^١)
وقد قرر السمعاني ﵀ هذه المسألة، وبيَّن حرمة أعراض الصحابة، ووجوب الذب عن أعراضهم، ووجوب حفظ اللسان عنهم. ومما نقله السمعاني في هذا الباب:
ـ قال مالك بن أنس: السفلة: هو الذي يسب أصحاب النبي ﷺ. (^٢)
ـ وقال المغيرة بن مقسم الضبي: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر. (^٣)
ـ وقال ابن عباس: ليس لمن يقع في الصحابة ويذكرهم بالسوء في الفيء نصيب. (^٤)
واستدل السمعاني على حرمة سب الصحابة بقول النبي ﷺ: " لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " (^٥)، يقول السمعاني: " ورُوي أن رجلًا جاء إلى مالك بن أنس، فجعل يقع في جماعة من الصحابة، مثل: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم، فقال له: أنت من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم؟، قال: لا، قال: أنت من الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم؟ قال: لا، فقال: أشهد أنك لست من الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان " (^٦)، ويقول: " وفي الآية دليل على أن الترحم للسلف، والدعاء لهم بالخير، وترك ذكرهم بالسوء، من علامات المؤمنين ". (^٧)
ولذا كان يقول الإمام أحمد: إذا رأيت أحدًا يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوء، فاتهمه على الإسلام. (^٨)
_________________
(١) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦٦_٦٧
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٢٣
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٢٠
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٣
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، باب قول النبي (لو كنت متخذًا خليلًا)، ح (٣٦٧٣)
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٣
(٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٢
(٨) اللالكائي: شرح أصول الاعتقاد: ٧/ ١٣٢٦
[ ٧٢٦ ]
المطلب الرابع: الموقف من الفتنة التي جرت بين الصحابة ﵃ ـ:
الواجب الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة، الكف عن ذكر الصحابة ﵃ إلا بخير ما يُذكرون به. وأجمعوا أنهم أحق أن تنشر محاسنهم، ويُلتمس لأفعالهم أفضل المخارج، وأن يُنظر بهم أحسن الظن، وأجمل المذاهب. وأجمعوا أن ما كان بينهم من الأمور الدنيوية لا يُسقط حقوقهم، وأجمعوا كلهم على القول بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]. (^١)
والذي قرَّره الإمام السمعاني في هذا الباب، موافق لمنهج السلف، وسائر على كل ما أجمعوا عليه، ومما ذكره في هذا المقام:
ـ قال السمعاني: " وحُكي عن بعض العلماء، أنه سُئل عما وقع من الفتن بين علي ومعاوية، وطلحة والزبير وعائشة - رضوان الله عليهم - فقرأ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤١]، وهذا جواب حسن في مثل هذا السؤال ". (^٢)
فالواجب الأول تجاه الفتنة التي جرت بين الصحابة، ذكرهم بالجميل، ووكل أمرهم إلى الله تعالى، وإحسان القول فيهم.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٧
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٨
[ ٧٢٧ ]
وقد أشار السمعاني إلى بعض من اعتزل الفريقين في القتال الذي جرى بين الصحابة، فذكر ممن اعتزلها: أسامة بن زيد، يقول: " وكان أسامة من علية الصحابة، وعاش إلى زمن علي ﵁ فدعاه علي إلى المقاتلة معه في الحروب، فقال لعلي: أنت أعز عليَّ من كل أحد، ولو قاتلت المسلمين مع أحد لقاتلت معك - ولكني منذ سمعت رسول الله ﷺ قال لي: كيف بلا إله إلا الله يوم القيامة، امتنعت من القتال، فإن أعطيتني سيفًا يُميِّز المسلم من الكافر حتى أقاتل، فتركه علي. وكان ممن اعتزل الفريقين هو، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن عمر ﵃ أجمعين " (^١). وكذلك ممن اعتزل القتال عمران بن حصين، ومحمد بن مسلمة، يقول ابن تيمية: " وأكثر ممن بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين ". (^٢)
وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أن ترك القتال كان هو الأولى، وهو خير الطائفتين، مع كون علي ﵁ خليفة المسلمين، وهو أقرب إلى الحق من معاوية ﵃، وأن القتال قتال فتنة (^٣)، وقال: " وهذا هو قول أحمد، وأكثر أهل الحديث، وأكثر أئمة الفقهاء، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان " (^٤)، ومما أَيَّدَ به شيخ الإسلام قوله ما يلي: (^٥)
أ - الأحاديث التي وردت في النهي عن القتال في الفتن.
ب - أن الواجب كان الإصلاح بين الطائفتين، كما أمر الله تعالى، فلما لم يُعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦٧
(٢) ابن تيمية: منهاج السنة: ٤/ ٤٤٨
(٣) ابن تيمية: منهاج السنة: ١/ ٥٣٩
(٤) ابن تيمية: منهاج السنة: ٤/ ٤٤٨ - ٣٩٢
(٥) ابن تيمية: منهاج السنة: ١/ ٥٤٠ - ٨/ ١٤٦، مجموع الفتاوى: ١٧/ ٣١١
[ ٧٢٨ ]
ج - قول النبي ﷺ للحسن ﵁: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " (^١)، يقول ابن تيمية: " فلما أثنى النبي ﷺ على الحسن بالإصلاح، وترك القتال، دَلَّ على أن الإصلاح بين تلك الطائفتين، كان أحب إلى الله تعالى من فعله، فدل على أن الاقتتال لم يكن مأمورًا به " (^٢). يقول السمعاني: وفيه إشارة إلى الصلح الذي وقع بين أهل العراق، وأهل الشام، حين بايع الحسن معاوية، وسلم إليه الأمر. (^٣)
وقد ذكر السمعاني عن الزبير حين رأى ما رأى يوم الجمل قوله: ما علمت أن هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، نزلت فينا أصحاب رسول الله ﷺ، حتى كان هذا اليوم. (^٤)
ـ ولذا كان المعروف عن الفريقين، سلامة قلوبهم لبعض، قال السمعاني: " ومن المعروف عن علي ﵁ أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير، من الذين قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحِجر:٤٧]. (^٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب علامات النبوة في الإسلام، ح (٣٦٢٩)
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٤٦٧، وانظر: عمر القرموشي: أهل البيت عند شيخ الإسلام: مركز التأصيل للدراسات، ط ١، ١٤٣٤ هـ (٢٤٥)
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٩٠
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٥٨
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٤٢ – ٢/ ١٨٣
[ ٧٢٩ ]
والواجب الثاني تجاه الصحابة ﵃، الإمساك عن ذكر المساوئ، قال النبي ﷺ: " إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذُكر القدر فأمسكوا " (^١)، يقول السمعاني: " والمراد به: الإمساك عن ذكر المساوئ، لا عن ذكر المحاسن " (^٢)، وروي أن عمر بن عبدالعزيز سُئل عما جرى بين الصحابة من القتال وسفك الدماء، فقال: تلك دماء طهر الله يدي عنها، فلا أُحب أن أغمس لساني فيها (^٣). وهذا هو منهج السلف الذي ساروا عليه، في التعامل فيما جرى بين الصحابة ﵃:
ـ قال حماد بن زيد: تذاكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ؛ كي تأتلف عليهم قلوب الناس، ولا تذاكروا مساوئهم، فتحرشوا الناس عليهم. (^٤)
ـ وقال أبو الليث السمرقندي: ينبغي للعاقل أن يُحسن القول في الصحابة، ولا يذكر أحدًا منهم بسوء؛ ليسلم له دينه.
ـ وروي عن إبراهيم النخعي، أنه سُئل عن القتال الذي وقع بين الصحابة، فقال: تلك دماء قد سلمت منها أيدينا، فلا نلطخ بها ألسنتنا. (^٥)
ورحم الله بشرًا الحافي حين قال: أرجو أن أقدم على محمد ﷺ ولا أُخزى في أصحابه غدًا. (^٦)
ومن هنا قال السمعاني: فالأولى في هذا حفظ اللسان، وتسليم أمرهم إلى الله تعالى (^٧)
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير، ح (١٤٢٧)، وصححه الشيخ الألباني، في صحيح الجامع الصغير: ١/ ٢٠٩
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٣
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٣
(٤) الخلال: السنة: دار الراية، الرياض، ط ١، ١٤١٠ هـ (٣/ ٥١٢)
(٥) السمرقندي: بستان العارفين: المكتبة العصرية، بيروت، ١٤٢٤ هـ، (١٠٣)
(٦) الخلال: السنة: ٢/ ٤٨٠
(٧) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٤٢
[ ٧٣٠ ]
المطلب الخامس: التفاضل بين الصحابة، وإثبات خلافة الأئمة الأربعة الراشدين:
تطرق السمعاني ﵀ لهاتين المسألتين، وكان فيهما موافقًا لمنهج السلف؛ فقد نُقل الإجماع على التفاضل بين الصحابة، فأجمعوا على أن خير الصحابة أهل بدر، وخير أهل بدر العشرة، وخير العشرة، الأئمة الأربعة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي - رضوان الله عليهم ـ، وأجمعوا أن إمامتهم كانت عن رضى من جماعتهم، وأن الله تعالى ألف قلوبهم على ذلك، لما أراده من استخلافهم جميعًا. (^١)
وقد ذكر السمعاني في كتابه (قواطع الأدلة) طبقات الصحابة، فقال:
فأعلاهم رتبة العشرة الذين شهد النبي ﷺ لهم بالجنة، والطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة، والطبقة الثالثة: طائفة هاجروا إلى الحبشة، وهي الهجرة الأولى، والطبقة الرابعة: هم الذي بايعوا النبي ﷺ عند العقبة، وهؤلاء كانوا من الأنصار، والطبقة الخامسة: هم أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار، وقيل: بل كلهم من الأنصار، والطبقة السادسة: المهاجرون الأولون، والطبقة السابعة: أهل بدر، والطبقة الثامنة: المهاجرون بين بدر والحديبية، والطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان بالحديبية، والطبقة العاشرة: المهاجرون بين الحديبية والفتح، والطبقة الحادية عشر: قوم أسلموا يوم الفتح، والطبقة الثانية عشر: صبيان رأوا مدة النبي ﷺ، وأطفال حملوا إليه. (^٢)
وقد ذكر السمعاني علة التفاضل بين الصحابة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠]، فقال: " أي: لا يستوي من أنفق وقاتل قبل فتح مكة، ومن أنفق وقاتل بعد فتح مكة؛ وإنما لم يستويا؛ لأن أصحاب النبي ﷺ نالهم من التعب، والمشقة، والمكروه، والشدة، قبل الفتح، مالم ينلهم بعده ". (^٣)
_________________
(١) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦٦
(٢) السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٩٠
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٦٧
[ ٧٣١ ]
وما يتعلق بأمر الخلافة فإن المستقر عند أهل السنة والجماعة، أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، فأبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهذا ما تواتر فيه النقل عن الأئمة. (^١)
وقال السمعاني عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥]: " واستدل أهل العلم بهذه الآية، على صحة خِلافة الخلفاء الراشدين، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، ومن المشهور المعروف برواية حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة، أن النبي ﷺ قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " (^٢) (^٣).
وقال في موطن آخر، عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح:١٦]: " أصح الأقاويل: أنهم بنو حنيفة، أولو بأس شديد، حيث قاتلوا المسلمين مع مسليمة الكذاب. والقول الثاني: هو هوازن وثقيف، والقول الثالث: أنهم فارس، وكان الحرب معهم أشد حرب على المسلمين، في زمان عمر ﵁. وفي القول الأول، وفي هذا القول، دليل على خلافة أبي بكر وعمر؛ لأنهما دعوا المسلمين إلى قتال مسيلمة، وقتال فارس "، ثم قال: " وأصح الأقاويل هو القول الأول ". (^٤)
_________________
(١) انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٣/ ١٥٣، اللالكائي: شرح أصول الاعتقاد: ١/ ١٩٨، الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة: ٢/ ٢٨١
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه، باب ما جاء ي الخلافة، ح (٢٢٢٦)
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٤٤، انظر: ابن حزم: الفِصل: ٤/ ٨٩، الإيجي: المواقف: ٣/ ٦٢١
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٩٨
[ ٧٣٢ ]