المبحث الأول: مراتب القضاء والقدر
المبحث الثاني: الرد على القدرية
المبحث الثالث: مسائل في القدر
المطلب الأول: هل كان الحسن قدريًا؟!
المطلب الثاني: هل يجب على الله تعالى شيء؟!
المطلب الثالث: معنى اللطف الإلهي، وهل يتناهى أم لا؟!
المطلب الرابع: هل الاستطاعة تكون قبل الفعل أم معه؟!
المطلب الخامس: معنى الختم والطبع
المطلب السادس: هل المعدوم شيء؟!
المطلب السابع: المحو والإثبات
المطلب الثامن: هل المقتول ميت بأجله؟!
المطلب التاسع: حكم إيلام الأطفال دون ذنب؟!
المطلب العاشر: مسألة التحسين والتقبيح العقليين
[ ٦١٢ ]
الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر هو الإيمان بأفعال الله تعالى، يقول القصري: " واعلم أن الإيمان بالقدر من أعظم شعب الإيمان؛ لأنه من التوحيد، فإنه إضافة الأفعال كلها إلى الله، وأنها صادرة عن قدرته لا شريك له فيها" (^١)، وهو الإيمان بالغيب، قال ابن كيسان في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، أي بالقدر (^٢)، وقد أجمع العلماء على أن الإقرار بالقدر مع الإيمان به واجب (^٣)، وأفعال الله تعالى كلها قائمة على العدل، قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل:٧٦]، يقول السمعاني: " عنى نفسه، والله تعالى يأمر بالعدل، ويفعل العدل " (^٤)، وهذا محل إجماع عند العلماء، فقد أجمعوا على أن الله تعالى عادل في جميع أفعاله وأحكامه، ساءنا ذلك أو سرنا، نفعنا أو ضرنا. (^٥)
فالقدر سِرُّ الله، وسبيل المعرفة فيه التوقيف من الكتاب والسنة، يقول السمعاني مقررًا هذه العقيدة: " سبيل معرفة هذا الباب، التوقيف من الكتاب والسنة، دون محض القياس، ومجرد العقول، فمن عَدَل عن التوقيف فيه، ضَلَّ وتاه في بحار الحَيْرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سِرٌّ من أسرار الله تعالى، التي ضُرِبت من دونها الأستار، اختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، لما علمه من الحكمة، وواجنبا أن نقف حيث حَدَّ لنا ولا نتجاوزه، وقد طوى الله تعالى علم القدر على العَالَم، فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها ". (^٦)
_________________
(١) القصري: شعب الإيمان: ٢٩٢
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣
(٣) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٩٠
(٥) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦٠
(٦) انظر: النووي: شرح مسلم: دار إحياء التراث، بيروت، ط ٢، ١٣٩٢ هـ، (١٦/ ١٩٦)
[ ٦١٣ ]
فالقدر يشمل علم الله تعالى، وكتابته، وما طابق ذلك من مشيئته وخلقه (^١)، وقد فسَّره الإمام أحمد بالقدرة، فقال: القدر قدرة الله، واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًا، وقال: هذا يدل على دقة علم الإمام أحمد، وتبحره في معرفة أصول الدين " (^٢)، قال ابن القيم:" وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكار القدر، إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد، وكتابتها، وتقديرها ". (^٣)
وباب القدر من الأبواب العظيمة التي زلت فيها أقدام أقوام، لم تستطع أفهامهم ولا عقولهم أن تعي معاني هذا الباب، فوقعت في الزلل، وجرى عليها الخطأ والخلل.
وقد خاض السمعاني غمار هذا البحث، وأبان عن المنهج القرآني الذي يجب على المسلم أن يسير عليه، وقد ظهر اهتمام السمعاني بهذا الركن من عدة جهات:
١ - أبان عن مراتب القضاء والقدر بأدلتها.
٢ - رد على المخالفين، وفند أدلتهم، وأظهر عوارها.
٣ - أشار إلى مسائل متعلقة بالقدر، بحثها بحثا علميا دقيقا، وفق في أغلبها، غير أن منازلته للمعتزلة القدرية، ومناكفته لهم، أوقعته في بعض الهفوات التي لا يخلو منها أحد، فوقع كلامه في بعض المسائل متوافقا مع المذهب الأشعري، وقد أبنت وجه الحق فيها، والحق احق أن يُتبع؛ كمسألة التحسين والتقبيح العقليين.
_________________
(١) ابن تيمية: جامع الرسائل والمسائل: ٢/ ٣٥٥
(٢) ابن القيم: شفاء العليل: دار المعرفة، بيروت، ١٣٩٨ هـ، (٢٨)
(٣) ابن القيم: شفاء العليل: ٢٨
[ ٦١٤ ]
المبحث الأول: مراتب القضاء والقدر:
" القدر عند أهل السنة: قدرة الله تعالى وعلمه، ومشيئته، وخلقه، فلا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بمشيئته، وعلمه، وقدرته ". (^١)
فالإيمان بالقدر يتضمن أربع مراتب:
١ - الإيمان بعلم الله تعالى الشامل المحيط، فالله تعالى عَلِمَ ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعَلِم جميع أحوالهم من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال (^٢)، وهذا القدر متفق عليه عند الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة، ومن تبعهم من الأمة. (^٣)
وقد استدل السمعاني ﵀ على هذه المرتبة، بدلالات كثيرة من نصوص الوحيين، منها:
ـ قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، يقول السمعاني: " روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال:" مفاتح الغيب خمسة "، وذكر الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤]، ثم قرأ الآية " (^٤) (^٥)
ـ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة:٦]، أي: ما غاب عن العباد، ومالم يغب عنهم ". (^٦)
_________________
(١) ابن القيم: شفاء العليل: ٥٢
(٢) ابن تيمية: العقيدة الواسطية: ١٠٥
(٣) ابن القيم: شفاء العليل: ٢٩
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب (وعنده مفاتح الغيب)، ح (٤٦٢٧)
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١١١
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٤٤
[ ٦١٥ ]
ـ وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]، يقول السمعاني مستدلًا بالآية على شمول العلم الإلهي: " لَا يَعْزُبُ عَنْهُ " أي: لا يغيب عنه، " مِثْقَالُ ذَرَّةٍ " أي: وزن ذرة، " وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ " أي: أصغر من الذرة إلى أن لا يحيط به العقل، وأكبر إلى ألا يُحيط به العقل، والمعنى: أن كل ذلك في علمه ". (^١)
ـ وقوله: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الزُّمَر:٤٦]، أي السر والعلانية. (^٢)
ـ وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر:٢٢]، أي: ما كان وما يكون. (^٣)
ـ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الجمعة:٨]، أي: عالم بما ظهر وخفي. (^٤)
ـ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]، يقول السمعاني: " أي: وسع علمه كل شيء، وقالوا: هذا من فصيح القرآن ". (^٥)
٢ - الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير المخلوقات، وهو ثابت في صريح القرآن والسنة، وآثار السلف، وهذا مما نُقل فيه الإجماع، فقد أجمع أهل السنة على أنه تعالى قَدَّر أفعال جميع الخلق، وأرزاقهم، وآجالهم، قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم، وأجمعوا على أن لله لوحًا محفوظًا، كتب فيه كل شيء قبل أن يخلق العالم. (^٦)
واستدل السمعاني على إثبات هذه المرتبة بجملة من الدلائل، منها:
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣١٦
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٧٢
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٨
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٣٤
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٥٣
(٦) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦١ - ٦٤
[ ٦١٦ ]
ـ قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، يقول السمعاني: " يعني: أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣] ". (^١)
ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس:٦١]، يقول السمعاني: " معناه: إلا هو مبين في الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ، وفي الأخبار المشهورة: " أن الله تعالى لما خلق القلم، قال: اكتب، قال: وما اكتب؟ قال اكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة " (^٢)، وقد ثبت برواية عبدالله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: " إن الله قدر المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (^٣) " (^٤).
ـ وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، يقول السمعاني: " معناه: وعند أصل الكتاب، وأصل الكتاب: هو اللوح المحفوظ ". (^٥)
ـ وقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨]، أي: مكتوبًا، ومعنى الكتاب: هو اللوح المحفوظ. (^٦)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١١١
(٢) أخرجه أبوداود في سننه باب في القدر، ح (٤٧٠٠)
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، باب حجاج آدم وموسى ﵉، ح (٢٦٥٣)
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٩٢
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠٠
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٣٢
[ ٦١٧ ]
ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٧٥]، يقول السمعاني: " أي: جملة غائبة من الغائبات، وقيل: ما من خبر غائب، " وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " هو اللوح المحفوظ". (^١)
ـ وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]، " أي: جمعناه في كتاب مبين، والإمام المبين هو اللوح المحفوظ ". (^٢)
ـ وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤]، " أي: حافظ، وهو اللوح المحفوظ، وقيل: محفوظ ما فيه ". (^٣)
وقد سمى الله تعالى اللوح المحفوظ غيبًا، فقال: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم:٤٧]، أي: عندهم اللوح المحفوظ، وسماه غيبًا؛ لأنه كتب فيه ما غاب عن العباد. (^٤)
٣ - " الإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات، وما في الأرض من حركة، ولا سكون، إلا بمشيئة الله ﷾، ولا يكون في ملكه إلا مايريد " (^٥)، وهذا مما أجمع عليه المسلمون، فأجمعوا على قول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. (^٦)
واستدل السمعاني ببعض الدلائل القرآنية، وقَرَّر أن هذا هو اعتقاد أهل السنة، ومنه:
ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨]، يقول السمعاني: " أي: يكرم ويُهين، ويشقي ويسعد، بمشيئته وارادته، وهو اعتقاد أهل السنة ". (^٧)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٢
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٧٠
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣٥
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣١
(٥) ابن تيمية: العقيدة الواسطية: ١٠٧
(٦) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦٠
(٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٢٩
[ ٦١٨ ]
ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، يقول السمعاني: " رد مشيئتهم إلى مشيئته، والمعنى: لا يريدون إلا بإرادة الله، وهو موافق لعقائد أهل السنة، أنه لا يفعل أحد شيئًا، ولا يختاره، ولا يشاؤه، إلا بمشيئة الله ". (^١)
٤ - الإيمان بعموم الخالقية، وأن الله خالق كل شيء، وربه، ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد، وغير أفعال العباد (^٢). وهذا مما أجمع عليه المسلمون، فقد أجمعوا على أنه تعالى خالق لجميع الحوادث وحده، لا خالق لشيء منها سواه، وأجمعوا على أنه الخالق لجميع أفعال العباد، وأرزاقهم، والمنشيء لجميع الحوادث وحده. (^٣)
واستدل السمعاني على هذه المرتبة بعدة أدلة من القرآن الكريم، منها:
ـ ما يدل على حصر الخلق في الرب جل وعلا، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]، أي: لا خالق غير الله (^٤)، فهذا استفهام على وجه التقرير، كأنه قال: لا خالق غير الله. (^٥)
ـ وما يدل على عموم الخالقية، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:٤٩]، أي: صنفين، ويقال معناه: زوجين زوجين، وذلك مثل: السماء والأرض، والليل والنهار، والنور والظلمة، والذكر والأنثى، والبر والبحر، وعن مجاهد قال: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلالة، وروى حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله خالق كل شيء، صانع وصنعته " (^٦) (^٧)، قال الإمام البخاري: " فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة ". (^٨)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٢٤
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٨/ ٤٤٩
(٣) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦١ - ٦٢
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٧٣
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٤٥
(٦) أخرجه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد: دار المعارف، الرياض، (٤٦)
(٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٦٢
(٨) البخاري: خلق أفعال العباد: ٤٦
[ ٦١٩ ]
ـ ما يدل على خلق أفعال العباد، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، يقول السمعاني: " من هذه الأصنام، فإذا كان الله خلقها، فلا يصلح أن تتخذوها ألهة، وفي الآية دليل على أهل الاعتزال، في أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى ". (^١)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٠٥
[ ٦٢٠ ]
المبحث الثاني: الرد على القدرية:
ضَلَّ في باب القدر طوائف، حين لم يسلموا بالنصوص، ولم يجمعوا بينها، وظهر الانحراف في هذا الباب جليًا في اتجاهين:
الأول: عُرف بالقدرية، وهي من أول الفرق التي حدثت في الأمة الإسلامية، في آواخر عصر الصحابة، وكان أول من تكلم به معبد الجهني، وقيل: أخذه من المجوس، من رجل يُقال له: سيسويه، وأخذ غيلان الدمشقي عن معبد الجهني، وسموا قدرية لإنكارهم القدر. (^١)
وهؤلاء غلوا في إثبات القدر، يعني: جعلوا العبد خالقًا لفعله، وأن أفعاله لا تعلق لها بالمشيئة الإلهية، ومَثَّل هذا الاتجاه المعتزلة، فصرحوا في كتبهم بهذه العقيدة المخالفة للنصوص.
والثاني: عُرِفَ بالجبرية: نسبة إلى الجبر، وهو نفي الفعل عن العبد، وإسناده للرب جل وعز، وكان زعيمهم الجهم بن صفوان، والجبرية قسمان، كما أن القدرية قسمان، فالقدرية قدرية خالصة، أنكرت العلم الإلهي، وهذه كفرها السلف، إلا أنها تلاشت، وقدرية متوسطة أثبتوا العلم الإلهي، ولكنهم أنكروا خلقه لأفعال العباد. أما الجبرية فهي جبرية خالصة يمثلهم الجهم يسلبون العبد إرادته التامة، ويقولون: هو مجبور مضطر على فعله، كالريشة في مهب الريح، وجبرية متوسطة أثبتوا للعبد قدرة لكنها قدرة غير مؤثرة، أضحت تعرف عند الأشاعرة بنظرية الكسب في الفعل. وهو في حقيقته مقارب لقول الجهمية الخالصة. (^٢)
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٨/ ٤٢٩ - ٤٣٠، ابن حجر: فتح الباري: ١/ ١٤٥
(٢) انظر: ابن تيمية: درء التعارض: ١/ ٦٣، الشهرستاني: الملل والنِّحل: ١/ ٨٥، العروسي: المسائل المشتركة: دار حافظ، جدة، ط ١، ١٤١٠ هـ، (١٦٧)
[ ٦٢١ ]
والإمام السمعاني ﵀ ذكر بعض دلائل القدرية التي يعتمدون عليها، والتي هي على وفاق - حسب ظنونهم - مع أدلتهم العقلية، التي بها ألبسوا العبد لباس الخالقية لأفعاله، فأشار إليها السمعاني، ورد عليهم هذا المذهب الفاسد بكثير من الدلائل القرآنية التي تُثبت عموم خالقية الله تعالى ومشيئته. العجيب أن المعتزلة القدرية، احتجوا ببعض دلائل الجهمية، فالجهمية قالوا: الأفعال كلها كانت وتكون بخلق الله، ولا مشيئة للعبد فيها، والقدرية قالوا: أفعال العبد كلها كانت وتكون بخلق العبد، ولا مشيئة لله تعالى فيها، وإنما أمكنه الله تعالى من إحداث إرادته، بأن خلقه كذلك. وكلا الطائفتين قَصَّر في جانب، فالجهمية سلبت قدرة العبد، والقدرية المعتزلة سلبت قدرة الرب في هذه المسألة، وأهل السنة أثبتوا للرب كمال القدرة والمشيئة، وأثبتوا للعبد كذلك القدرة الحقيقية المؤثرة في مقدورها، ومشيئته واختياره، إلا أن مشيئته غير مستقلة، بل هي تحت مشيئة الله تعالى (^١). وهناك عدة منطلقات، انطلق منها القوم في تبرير وجهاتهم، وتقرير عقائدهم، فيما يتعلق بهذا الباب:
١ - الجهمية الجبرية: الذين ينفون الحكمة والتعليل في إفعال الله تعالى، قادهم هذا الاعتقاد إلى الجبر، وهو سلب العباد مشيئتهم، وأنهم غير قادرين على أفعالهم، وإنما تُنسب إليهم مجازًا، والفاعل هو الله تعالى، وإذا قيل مثلًا: كيف يكلف الله، ويعذب من جبرهم على الأعمال أو المعاصي، قالوا: إن الله يفعل ما يشاء، وأفعاله لا تعلل بالحكمة والمصلحة.
_________________
(١) انظر: العروسي: المسائل المشتركة: ١٦٨، عبدالرحمن المحمود: القضاء والقدر: دار الوطن، الرياض، ط ٢، ١٤١٨ هـ (٣٠٣)
[ ٦٢٢ ]
والمعتزلة حين أثبتوا لأفعال الله حكمة منفصلة عن الله، لا ترجع إليه، حصروها في المخلوق، ثم زعموا أن هذه الحكمة لا تتم إلا بأن يكون العباد خالقين لأفعالهم؛ بناء على أصلهم، القول بالعدل، فمتى قيل: بأن الله هو خالق أفعالهم، أثر على هذه الأصل الذي اخترعوه، وهذا بدوره أدى بهم إلى أن أوجبوا على الله تعالى فعل الأصلح، وهي كذلك حلقة من سلسلة حلقات أدت بهم إلى القول: بأن الله لا يخلق أفعال العباد؛ لأنه لو خلقها ثم عاقبهم، لكان ظالمًا لهم، وهذا لا يجوز.
٢ - وكذا حين نفي الجهمية أن تكون للعبد أي استطاعة، لا قبل الفعل ولا معه، قالوا بالجبر، وحين قال الأشاعرة بنفي قدرة العبد قبل الفعل، وأثبتوا القدرة مع الفعل، ونسبوها إلى الله تعالى، وسموها كسبًا، قاربوا الجهمية، وحين جعلت المعتزلة الاستطاعة قبل الفعل، وجعلوها للعبد، حيث يقدر على الترك والفعل مطلقًا، قالوا: هو الفاعل لفعله حقيقة، والله لا يخلق فعله.
٣ - ولما اختلفوا في التحسين والتقبيح، هل هما عقليان أم شرعيان، نشأ عنه القول بالجبر والقدر، بل نشأت عنه مسألة أخرى، اختلفوا في تعريفها وهي مسألة الظلم، وكيف يتنزه الرب تعالى عنه. (^١)
والذي يهمنا في هذا المقام، كيف عالج السمعاني هذه القضية، ورد على المنكرين؟!
أولًا: قرر السمعاني هذه المسألة بناء على المنهج السلفي، وهو أن الله تعالى له الخلق المطلق العام الشامل، وهذا يشمل أفعال الإنسان، واستدل على ذلك بدلائل القرآن الكريم، ومنها:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، ووجه الدلالة من الآية: يقول السمعاني:" هذا دليل على القدرية؛ حيث أحالوا الاقتتال على المشيئة " (^٢)، والقدرية ينكرون أن تكون لله تعالى مشيئة في فعل العبد.
_________________
(١) استفدت هذه المباحث من: رسالة القضاء والقدر: عبدالرحمن المحمود: ٢٤١ - ٢٩٠، العروسي: المسائل المشتركة: ١٦٩، عبدالرحمن حبنكة: العقيدة الإسلامية: ٦٣٧
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٥٦
[ ٦٢٣ ]
وكذلك مما أوقع القدرية والجبرية في الخطأ في هذه المسألة، هو عدم تفريقهم بين الإرادة الكونية المرادفة للمشيئة، وبين الإرادة الشرعية المستلزمة لمحبته ورضاه، ولذا من فرَّق بين النوعين أدرك المسألة.
فالقدرية المعتزلة لم يفرقوا بين الإرادة والرضا فجعلوهما من باب واحد، فقالوا: كل ما أمر الله تعالى به تشريعًا، فقد أراده، بمعنى أحبه وشاءه، إذن: كل مالم يأمر به، فليس من خلقه؛ لأنه لايحبها ولا يرضاها، كالكفر والذنوب والمعاصي، فكيف نقول: إنه خلق أفعال العباد، وفيها الكفر والذنوب والمعاصي.
والجبرية لم يفرقوا بين الإرادة الكونية والرضا، فقالوا: كل ماخلقه الله فقد أحبه ورضيه.
وأهل السنة فرقوا بين الأمرين، " فلفظ المشيئة كوني، ولفظ المحبة ديني شرعي، ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية، فتكون هي المشيئة، وإلى إرادة دينية، فتكون هي المحبة " (^١)، ولذا يقول ابن القيم: " والذي يكشف هذه الغمة، ويبصر من هذه العماية، وينجي من هذه الورطة، إنما هو التفريق بين مافرق الله بينه، وهو المشيئة والمحبة، فإنهما ليسا واحدًا، ولا هما متلازمين " (^٢). وهذا القول هو الذي ذهب إليه الإمام السمعاني، فإنه فرق بين الإرادة وبين الرضا، وقال: إن المعاصي بإرادة الله تعالى، وليست برضاه ومحبته، وقال: هو الأولى، والأقرب بمذهب السلف (^٣). ومع هذا التفريق يتضح المقام، فلا يكون لقول القدرية المعتزلة وجهًا؛ إذا احترزوا من نسبة القبائح إلى الله تعالى؛ زعمًا منهم تنزيه الخالق، فسلبوه صفة كمال، ولا وجه لقول الجبرية؛ إذ احترزوا من نسبة العجز إليه، فجعلوه مريدًا لكل شيء مخلوق محبًا له، ولو كان مبغوضًا في ذاته، كالكفر، والمعاصي، والذنوب.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٧]، يقول السمعاني:" وهذا دليل على القدرية " (^٤)، فأحال على المشيئة التي ينكرها القدرية.
_________________
(١) ابن القيم: شفاء العليل: ٨٨
(٢) ابن القيم: مدارج السالكين: ٢/ ١٨٨
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٦٠
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣٤
[ ٦٢٤ ]
٣ - وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، يقول السمعاني: " وفي هذا دليل على القدرية " (^١)، ووجه الدلالة ما ذكره السمعاني في الآية التالية:
٤ - وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٨]، يقول السمعاني: " وهذا دليل على القدرية، حيث نسب الهداية والضلالة إلى فعله من غير سبب ". (^٢)
٥ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥]، يقول السمعاني: " وفي الآية رد على القدرية، وهو ظاهر ". (^٣)
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩]، يقول السمعاني: " في الآية رد على القدرية، فإنه تعالى أخبر أنه لم يشأ إيمان جميع الناس، وعندهم أنه شاء إيمان جميع الناس " (^٤)، ولكن ذنوبهم ومعاصيهم تنسب إليهم؛ لأنهم خلقوها على زعمهم، فالآية رد ظاهر عليهم.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٨٣
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣١٨
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٠٦
[ ٦٢٥ ]
٧ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود:٣٤]، يقول السمعاني: " وفي الآية رد على القدرية " (^١)، حيث نسبوا الغواية إليه، والغواية هنا بمعنى الإضلال عند أكثر المفسرين، فهو خالق الإنسان وعمله. وسبق أن القدرية المعتزلة حين قالوا بالتقبيح والتحسين العقليين، فقالوا: إن الله لا يفعل القبيح، بل أفعاله كلها حسنة، قادهم هذا إلى نفي خلق أفعال العباد؛ لأنه منها ما هو حسن، ومنها ما هو قبيح، فلو خلقها لكان فاعلًا للقبيح، لأنهم شبهوا الله تعالى بخلقه، فسموا مشبهة الأفعال.
٨ - وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد:١١]، يقول السمعاني: " في الآية رد على القدرية صريحًا " (^٢)، إذ هو خالق أعمالهم، فنسب التغيير إليه.
٩ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد:٢٧]، يقول السمعاني: " ومعناه: ويهدي إليه من يشاء بالإنابة، وفي الآية رد على القدرية ". (^٣)
١٠ - وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحِجر:١٢]، قال الحسن: كذلك نسلك الشرك في قلوب المجرمين، ونسلك: أي ندخل، وقال مجاهد: نسلك التكذيب، وهو رد على القدرية صريحًا ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٢٦
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٢
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٩١
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٣١
[ ٦٢٦ ]
١١ - وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل:٩]، يقول السمعاني: " قيل معناه: وعلى الله بيان الهدى من الضلالة، وقيل: بيان الحق بالآيات والبراهين وهذا بحكم الوعد. وقوله " وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ " ظاهر المعنى، وفيه رد على القدرية ". (^١)
١٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣]، يقول السمعاني: " والآية صريحة في الرد على القدرية " (^٢)، فهذه الآيات الثلاث الأخيرة، فيها نسبة الهداية والإضلال إلى فعل الله تعالى، " وحقيقة المعنى: إني لا أُسأل عما أفعل من الإضلال الهداية ". (^٣)
١٣ - وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء:٤٦]، يقول السمعاني:"وفي الآية رد على القدرية صريحًا " (^٤)؛لأن الله تعالى هو الذي جعل ذلك وخلقه.
١٤ - وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣]، يقول السمعاني:" وقوله " وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ " أي: على ما حكم له في علمه السابق، وهو رد على القدرية، وقد أولوا هذا وقالوا: معنى قوله " وَأَضَلَّهُ اللَّهُ " أي: وجده ضالًا، أو سماه ضالًا، وهو تأويل باطل؛ لأن العرب لا تقول: فعل فلان كذا، إذا وجده كذلك ". (^٥)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٦٢
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٩٨
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٩٨
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٤٦
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٤١
[ ٦٢٧ ]
١٥ - وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، يقول السمعاني: "يعني: لا يُسأل عما يحكم على خلقه، والخلق يُسألون عن أفعالهم وأعمالهم وفي الآية رد على القدرية، وقطع شبهتهم بالكلية ". (^١)
وقد استدل بها السلف على ذلك: " روى أبو الأسود الدؤلي عن عمران بن حُصين قال له: أرأيت ما يسعى فيه الناس ويكدحون، أهو أمر قُضي عليهم، أو شيء يستأنفونه؟ فقلت: لا، بل أمر قُضي عليهم، قال: أفلا يكون ظلمًا؟ قلت: سبحان الله " لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ "، فقال لي: أصبت يا أبا الأسود، وقد أجزت عقلك ". (^٢)
١٦ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة:٤١]، يقول السمعاني:" وفيه دليل على من يُنكر القدر " (^٣)، فنسب الإضلال والتطهير إليه سبحانه.
١٧ - وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١]، يقول السمعاني: " وفي الآية دليل واضح على أهل القدر " (^٤)؛ لأنه جعل إيمانهم بمشيئته.
فهذه الدلائل القرآنية وغيرها الدامغة لمذهب أهل القدر، تدل دلالة واضحة، على اهتمام السلف ببيان العقائد الصحيحة، والرد على أهل البدع، والكشف عن عقائدهم الفاسدة، ولا أدلَّ على ذلك، من التصانيف الخاصة والعامة في هذه المسألة. فالإمام السمعاني ممن ساهم في إيضاح عقائد السلف في هذا الباب، ثم نُبيِّن جهوده في رد شبهاتهم التي تمسكوا بها، وجعلوها ستارًا على ضلالاتهم.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٤
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣٧
[ ٦٢٨ ]
ثانيًا: بعد أن بيَّن السمعاني المنهج الحق في هذه المسألة، وقرر عقيدة السلف فيها بالأدلة، شرع في بيان ما احتجوا به، ونقضه، وبيان تهافته، وأن هذه الدلائل حق في نفسها، تدل على خلاف ما ذهبوا إليه، ومن تلك الأدلة، ما يلي:
١ - احتجت القدرية بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل:٣٥]، وقد بيَّن السمعاني وجه احتجاجهم بها فقال: " ووجه احتجاجهم: أن المشركين قالوا: " لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ "، ثم إن الله تعالى قال في آخر الآية: " كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ "؛ ردًا وإنكارًا عليهم، فدل على أن الله تعالى لا يشاء الكفر، وأنهم فعلوا ما فعلوا بغير مشيئة الله " (^١)، ثم رد السمعاني عليهم هذه الشبهة، فقال: " والجواب عنه: ذكر الزجاج وغيره، أنهم قالوا هذا القول على طريق الاستهزاء، لا على طريق التحقيق، ولو قالوا على طريق التحقيق، لكان قولهم موافقًا لقول المؤمنين.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧١
[ ٦٢٩ ]
وهذا مثل قوله تعالى في قصة شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧]، فإنهم قالوا هذا على طريق الاستهزاء، لا على طريق التحقيق، وكذلك قوله تعالى في سورة يس: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧]، وهذا إنما قالوه على طريق الاستهزاء؛ لأنه في نفسه قول حق، يوافق قول المؤمنين، كذلك هاهنا قالوا ما قالوا على طريق الاستهزاء، فلهذا أنكر الله تعالى عليهم، ورد قولهم، والدليل على أن المراد من هذا ما ذُكر من بعد وسنبين " (^١)، وبيانه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل:٣٦]، يقول السمعاني: " معناه: فمنهم من هداه الله للإيمان، ومنهم من وجبت عليه الضلالة، وتركه في الكفر بالقضاء السابق، فهذه الآية تُبيِّن أن من آمن بمشيئة الله، وأن من كفر، كفر بمشيئة الله ". (^٢)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧١
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٢
[ ٦٣٠ ]
٢ - وتعلقت القدرية بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزُّخرُف:٢٠]، وبيَّن السمعاني وجه تعلقهم بالآية، فقال: " وقالوا: حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: " لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ " ثم عقبه بالإنكار والتهديد، فقال: " مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ " إي: يكذبون، وعندكم أن الأمر على ماقالوا " (^١). ثم رد السمعاني عليهم هذا التعلق من وجهين، فقال: " والجواب من وجهين: أحدهما: أن معنى قوله تعالى: " مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ " أي: ما لهم بقولهم إن الملائكة بنات الله من علم، إن هم إلا يخرصون، يعني: في هذا القول، وقد تم الكلام على هذا عند قوله: " لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ "، والإنكار غير راجع إليهم، ويجوز أن يحكي من الكفار ما هو حق، مثل قوله: " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ "، وهذا القول حق وصدق.
والوجة الثاني: أن معنى قوله: " مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ "، أي: ما لهم في هذا القول من عذر، وقوله " إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ "، أي: يطلبون ما لا يكون من طلب العذر بهذا الكلام، حكاه النحاس، والأول ذكره الفراء، والزجاج، وغيرهما ". (^٢)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٦
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٧
[ ٦٣١ ]
٣ - تمسك القدرية بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، يقول السمعاني: " واعلم أن ليس في الآية متعلق لأهل القدر أصلًا؛ فإن الآية فيما يصيب الناس من النعم والمحن، لا في الطاعات والمعاصي، إذ لو كان المراد ما توهموا، لقال: ما أصبت من حسنة فمن الله وما أصبت من سيئة، فلما قال: ما أصابك من حسنة، وما أصابك من سيئة، دَلَّ أنه أراد: ما يصيب العباد من النعم والمحن، لا في الطاعات والمعاصي، وحكى عبدالوهاب بن مجاهد، عن مجاهد، أن ابن عباس قرأ: " وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك "، وكذا حُكي عن ابن مسعود أنه قرأ كذلك، وهو معروف عن ابن عباس، وهو يُؤيد قولنا: إن المراد: بذنب نفسك "، أي في معنى قوله: " وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ " أي: ما أصابك من سيئة من الله، فذنب نفسك، عقوبة لك. (^١)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥١
[ ٦٣٢ ]
٤ - واستدل القدرية بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، وقد بيَّن السمعاني وجه استدلالهم، فقال: " استدل أهل القدر بهذه الآية، فإنهم لما قالوا: " لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا " كذبهم الله تعالى، ورد قولهم، فقال: " كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ " " (^١)، ورد عليهم السمعاني استدلالهم بقوله: " قيل: معنى الآية: أنهم كانوا يقولون الحق، إلا أنهم كانوا يعدون ذلك عذرًا لهم، ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان، فالرد عليهم كان في هذا، بدليل قوله تعالى بعده ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩]، أي: الحجة بالأمر والنهي باقيه له عليهم، وإن شاء أن يشركوا " فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ " ولو لم يحمل على هذا، لكان هذا مناقضة للأول. وقيل: إنهم كانوا يقولون: إن الله أمرنا بالشرك، كما قال في الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨]، وكأن قوله " لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا " أي: هو الرب أمرنا بالشرك، فالرد في هذا، لا في حصول الشرك بمشيئته، فإنه حق وصدق، وبه يقول أهل السنة ". (^٢)
٥ - ومن العجيب من ذكره السمعاني، أن القدرية صحفوا قوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٦]، إلى قوله: (أصيب به من أساء) من الإساءة، قال السمعاني: " وليس بشيء". (^٣)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٥٤
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٥٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٢١
[ ٦٣٣ ]
ونُشير أخيرًا إلى تحكم وتناقض القدرية المعتزلة في تعاملهم مع النصوص، فهم لم يمتنعوا من إعمال العموم المستفاد من كلمة (كل) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩]، المفيد عموم علمه ولكنهم امتنعوا من إعماله في النصوص المفيدة عموم خلقه، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَر:٦٢]، مع أن صيغة العموم في الموضعين واحدة، ولذا ألزمهم الإمام الأشعري بالعموم فيما اختلفوا فيه، قياسًا على ما اتفقوا عليه. (^١)
ومشكلة المتكلمين عمومًا، ما يقعدونه من قواعد، ينتج عنها تأويل النصوص عما أراد الله تعالى، ولذا فإن من القواعد التي وضعها المتكلمون؛ ليمايزوا على أساسها بين ما هو نص في مضمونه العقدي، وبين ما هو ظاهر يجب تأويله، فالمتكلمون يرون أن كل آية يقول الدليل العقلي على استحالة القول بمعناه المتبادر منه، لا تعتبر نصًا في ذلك المعنى، بل هي من قبيل الظواهر في الدلالة عليه. فالمعتزلة في هذا الباب، ينفون القدر، لاعتقادهم أن ذلك يتعارض مع العدل الإلهي، فيعتبرون الآيات المثبتة للقدر من قبيل الظواهر القابلة للتأويل، وغفلوا أن في مثل هذا نقص في ربوبية الله تعالى. (^٢)
_________________
(١) انظر: أحمد عبداللطيف: منهج إمام الحرمين في دراسة العقيدة: مكتبة الشنقيطي، جدة، ط ٢، ١٤٣٤ هـ، (١٨٧)
(٢) أحمد عبداللطيف: منهج إمام الحرمين: ٢٠٩
[ ٦٣٤ ]
المبحث الثالث: مسائل في القدر:
أشار السمعاني إلى جملة من المسائل المتعلقة بالقدر، تحتاج إلى بيان، وإيضاح موقفه منها.
المطلب الأول: هل كان الحسن البصري قدريًا؟!
نقل السمعاني بعض الروايات التي فيها إتهام للحسن، بأنه ينكر القدر، فقال: " وفي بعض التفاسير: أن رجلًا أتى الحسن البصري، وقال: إني طلقت امرأتي ثلاثًا، فقال: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، فقال الرجل: كذلك كان قضاء الله؟ فقال الحسن: كذبت، ما قضى الله، أي: ما أمر الله، وكان الحسن فصيحًا، فلم يفهم الناس قوله، فذكروا أنه ينكر القدر. وفي بعض الروايات أنه قيل له: إن بني أمية يقتلون الناس، ويقولون: كذا قضاء الله، فقال الحسن: كذب أعداء الله، ومعناه ما بيَّنا. وقيل: إنه أنكر جعلهم ذلك علة قتلهم. ذكر ابن قتيبة في المعارف ". (^١)
ولكنه في مقام آخر، ينقل عن الحسن إثباته للقدر، بل التشديد على من أنكره، يقول السمعاني: " وعن الحسن البصري ﵀ أنه قال: لو صام إنسان حتى يصير كالحبل هزلًا، وصلى حتى يصير كوتد، وذبح ظلمًا بين الركن والمقام، ثم كان مكذبًا بقدر الله، لأدخله الله النار، ويُقال له: ذق مس سقر ". (^٢)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٣١
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣١٩
[ ٦٣٥ ]
وهذا الذي ذكره السمعاني آخرًا، من إثبات الحسن للقدر، هو الصحيح المثبت المعروف عند أهل العلم، والسبب الذي لأجله أتهم الحسن وغيره بالقدر، هو ماقاله الإمام أحمد حين قيل له: كان ابن أبي ذئب قدريًا، فقال: الناس كل من شدد عليهم المعاصي، قالوا هذا قدري، ولذا قال ابن تيمية: " ولهذا اتهم بمذهب القدر غير واحد، ولم يكونوا قدرية " ثم قال: " وقد قيل: إنه بهذا السبب، نُسب إلى الحسن القدر؛ لكونه كان شديد الإنكار للمعاصي عليهم، ناهيًا عنها " (^١)، ولما نقل الذهبي بعض هذه الأقوال في الحسن، قال:" قلت: وقد مَرَّ إثبات الحسن للأقدار من غير وجه عنه، سوى حكاية أيوب عنه، فلعلها هفوة منه، رجع عنها، ولله الحمد " (^٢)، قال حماد بن سلمة: عن حميد، سمعت الحسن يقول: خلق الله الشيطان، وخلق الخير، وخلق الشر، فقال رجل: قاتلهم الله، يكذبون على هذا الشيخ. وقال أبوسعيد بن الأعرابي: كان يجلس إلى الحسن طائفة من هؤلاء، فيتكلم في الخصوص، حتى نسبته القدرية إلى الجبر، وتكلم في الاكتساب، حتى نسبته السنة إلى القدر، كل ذلك لافتتانه، وتفاوت الناس عنده، وتفاوتهم في الأخذ عنه، وهو برئ من القدر، ومن كل بدعة (^٣). ويقول أيوب السختياني: " أدركت الحسن - والله - وما يقوله، يعنى القدر " (^٤)، وقال الأوزاعي:" لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر، إلا الحسن ومكحول، فكشفنا عن ذلك، فإذا هو باطل ". (^٥)
ولذا فقد تولى الدفاع عن الحسن، أئمة الإسلام، فعقدوا في مصنفاتهم ما يرد هذه الشبهة:
_________________
(١) ابن تيمية: منهاج السنة: ٣/ ٢٤
(٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٨٣
(٣) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٨٢
(٤) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ١/ ١٥٠
(٥) الذهبي: ميزان الاعتدال: دار المعرفة، بيروت، ط ١، ١٣٨٢ هـ (٤/ ١٧٨)
[ ٦٣٦ ]
ـ يقول ابن بطة العكبري عن القدرية: " وربما قيل لبعضهم: من إمامك فيما تنتحله من هذا المذهب الرجس النجس، فيدعي أن إمامه في ذلك: الحسن بن أبي الحسن البصري ﵀ فيضيف إلى قبيح كفره وزندقته، أن يرمي إمامًا من أئمة المسلمين، وسيدًا من سادتهم، وعالمًا من علمائهم بالكفر، ويفتري عليه بالبهتان، ويرميه بالإثم والعدوان؛ ليحسن بذلك بدعته عند من قد خصمه وأخزاه، وأنا أذكر كلام الحسن في القدر، ورده على القدرية، ما يسخن الله به عيونهم، ويظهر للسامعين قبيح كذبهم - إن شاء الله تعالى - ". (^١)
ـ ويقول أبو الحسين العمراني: " استدل القدري بدامغه، بأخبار أضافها إلى الفقهاء المشهورين من التابعين وغيرهم، مثل عمر بن عبدالعزيز، والحسن البصري، والشعبي، ومالك بن دينار، وقتادة، وغيرهم، مما لا ينكر فضلهم أحد، وهم براء مما أضافه إليهم، ولو طولب بسند الخبر من ذلك، لم يقدر عليه إلا بالتخرص ". (^٢)
وكذا قال الشهرستاني، فيما نُسب إلى الحسن في الكلام في القدر، فقال:" ورأيت رسالة تُنسب إلى الحسن البصري، كتبها إلى عبدالملك بن مرون، وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدرية، واستدل فيها بآيات من الكتاب، ودلائل من العقل. ولعلها لواصل بن عطاء، فما كان الحسن ممن يخالف السلف، في أن القدر خيره وشره من الله تعالى، فإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم ". (^٣)
وقال الآجري بعد أن ساق روايات عن الحسن تثبت قوله بالقدر: " بطلت دعوى القدرية على الحسن، إذ زعموا أنه إمامهم، يموهون على الناس، ويكذبون على الحسن، لقد ضلوا ضلالًا بعيدًا، وخسروا خسرانًا مبينًا ". (^٤)
_________________
(١) ابن بطة: الإبانة: دار الراية، السعودية، ط ٢، ١٣٨٢ هـ (٤/ ١٧٨)
(٢) العمراني: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار: أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ، (٢/ ٥١٦)
(٣) الشهرستاني: الملل والنحل: ١/ ٤٧
(٤) الآجري: الشريعة: دار الوطن، الرياض، ط ٢، ١٤٢٠ هـ (٢/ ٨٨٥)
[ ٦٣٧ ]
المطلب الثاني: هل يجب على الله شيء؟!
قَعَّد السمعاني قاعدة قرآنية، مفادها: أن كل موطن في القرآن ورد فيه كلمه (عَسَى) فهي واجبة من الله، نقلها عن الحسن البصري، ومجاهد (^١)، ولكن حين أوجب الله تعالى شيئًا على نفسه الشريفة المقدسة، فليست هي بإيجاب أحد، وإنما هي محض فضل من الله تعالى على خلقه، بحكم الوعد (^٢)، وإن كان قد ذكر في كتابه القواطع (^٣): أنه لا يجب على الله تعالى حق لأحد، قلت: يُمكن أن يكون قاصدًا الوجوب العقلي عند المعتزلة؛ لأنه استدل بحديث مُعاذ، وفيه:" وحق الْعباد على الله إِذا فعلوا ذَلِك أَن يدخلهم الْجنَّة، وَلَا يعذبهم"، عند تفسير قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا) [النساء:٣٦]، والذي يدل على أن هناك حقا أوجبه الله تعالى على نفسه المقدسة فضلا منه وكرما، ولم يُوجبه عليه أحد.
وهذه المسألة محل نزاع بين المعتزلة والأشاعرة، وهي مترتبة على مسألة التقبيح والتحسين العقليين، هل العقل يقبح ويحسن أم لا؟!
فلما ذهبت المعتزلة إلى أن العقل هو الحاكم، فإنه يقضي بقبح بعض الأفعال على الله تعالى، ووجوب بعضها عليه، وبناء عليه: اشتهر عنهم القول بوجوب فعل الأصلح. فهؤلاء رأوا أن الله تعالى أوجب على نفسه أمورًا لعبده، فظنوا أن العبد أوجبها عليه بأعماله، وأن أعماله كانت سببًا لهذا الإيجاب.
في حين ذهبت الأشاعرة إلى نفي الوجوب على الله تعالى، فقالت: إن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقًا، فقالت: لا يجب على الله شيء البتة، فأنكرت وجوب ما أوجب على نفسه المقدسة. فأخطؤوا في إطلاقهم نفي الوجوب على الله، ولذا لم ينزهوه تعالى عن فعل شيء؛ بناء على معنى التحسين والتقبيح العقليين، وقالوا: الوجوب لا يتصور في حقه تعالى؛ لأنه المالك المتصرف، وهو لا يُسأل عما يفعل، ونسوا أنه لا يُسأل لكمال حكمته.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٥ - ٣/ ٢٢١
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٦٢
(٣) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ١١٣
[ ٦٣٨ ]
وأهل السنة والهدى، قالوا: لا يستوجب العبد على الله تعالى بسعيه نجاة ولا فلاحًا، ولا يدخل أحدًا عملُه الجنة أبدًا، ولا ينجيه من النار. والله تعالى بفضله وكرمه، ومحض جوده وإحسانه، أكد إحسانه وبره، بأن أوجب لعبده عليه سبحانه حقًا بمقتضى الوعد، فإن وعد الكريم إيجاب، وهو بعسى ولعل. فالرب سبحانه ما لأحد عليه حق، ولا يضيع لديه سعي، كما قيل: (ما للعباد عليه حق واجب ** كلا ولا سعي لديه ضائع
إن عذبوا فبعدله، أو نعموا ** فبفضله، وهو الكريم الواسع) (^١)
وهذا القدر متفق عليه بين العلماء، يقول ابن تيميه: " وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق ". (^٢)
المطلب الثالث: معنى اللطف الإلهي، وهل يتناهى أم لا؟!
مسألة اللطف الإلهي هي من المسائل التي نازع فيها المعتزلة، بناء على قولهم في خلق أفعال العباد، ووجوب فعل الأصلح، ولذا قالوا في معنى الهداية والإضلال، إن الهداية، هي التوفيق واللطف، والإضلال: التخلية ومنع الألطاف (^٣)، ومعنى اللطف عندهم: هو الفعل الذي يقرب العبد إلى الطاعة، ويبعد عن المعصية، كبعثة الأنبياء (^٤)، وهم لا يذهبون إلى أن الله يخلق الهداية بناء على مذهبهم، وكذا ما يرد من لفظ الجعل يجعلونه من هذا القبيل، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فإنهم يقولون: المراد من هذا الجعل، فعل الألطاف التي علم الله تعالى أنه متى فعلها لهذه الأمة، اختاروا عندها الصواب في القول والعمل، وردَّ عليهم الرازي هذا التأويل. (^٥)
_________________
(١) ينظر: ابن القيم: مدارج السالكين: ٢/ ٣٢٣، ابن تيمية: منهاج السنة: ٦/ ٣٩٦، حسن حنفي: علم أصول الدين: ١١٠، ابن حزم: الفِصل: ٣/ ٥٩
(٢) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم: ٢/ ٣١٠
(٣) الزمخشري: تفسير الزمخشري: ٢/ ٥٣٩
(٤) الإيجي: المواقف: ٣/ ٢٨٣
(٥) الرازي: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٥
[ ٦٣٩ ]
إذن الهداية المضافة إلى الله تعالى عند المعتزلة لا تدل على خلق الله لها، وإنما العبد يخلقها لنفسه، ومتى أُطلق هذا اللفظ وأُضيف إلى الله، فإنه مؤول على زعمهم، بطلف الله الحامل للعبد على أن يخلق هداه. (^١)
ثم ذهب جمهور المعتزلة إلى أن الله تعالى ليس عنده شيء أصلح مما أعطاه جميع الناس، كافرهم ومؤمنهم، ولا عنده هدي أهدى مما قد هدى به الكافر والمؤمن هذا مستويًا، وأنه ليس يقدر على شيء هو أصلح مما فعل بالكفار والمؤمنين، ثم اختلف هؤلاء، فقال جمهورهم: إنه تعالى قادر على أمثال ما فعل من الصلاح بلا نهاية، وقال الأقل منهم: هذا باطل؛ لأنه لا يجوز أن يترك الله تعالى شيئًا يقدر عليه من الصلاح. من أجل فعله لصلاح ما، وحجتهم: أنه لو كان عنده أصلح أو أفضل مما فعل بالناس، ومنعهم إياه، لكان بخيلًا، ظالمًا لهم (^٢)، تعالى الله عما يقولون، وذهب ضرار بن عمرو، وحفص الفرد، وبشر بن المعتمر، ومن وافقهم وهم قليل منهم، إلى أن عند الله ﷿ ألطافًا كثيرة لا نهاية لها، لو أعطاها الكفار لآمنوا إيمانًا اختياريًا، يستحقون به الثواب بالجنة (^٣). وقد ذكر الإمام أبو الحسن الأشعري مقالاتهم في حقيقة اللطف (^٤)، والذي يهمنا هنا: أن مسألة اللطف من الله تعالى، هي من الأمور الثابتة، لكن ليس على سبيل الإيجاب على الله تعالى، كما ترى المعتزلة، بل اللطف من الله تعالى بمحض تفضله، ومَنِّه على العبد بالتوفيق والإعانة إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، وأن ألطاف الله تعالى لا تتناهى، والتوفيق من الله تعالى: هو التسهيل والتيسير والمعونة (^٥)
_________________
(١) ابن المنير: الانتصاف فيما تضمنه الكشاف: ١/ ٣١٧
(٢) ابن حزم: الفِصل: ٣/ ٩٢
(٣) ابن حزم: الفِصل: ٣/ ٩٣
(٤) الأشعري: مقالات الإسلاميين: ١/ ١٩٦
(٥) - السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٥٢
[ ٦٤٠ ]
وهذا ما يقرره الإمام السمعاني ﵀، فقال: " ومذهب أهل السنة، أن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى "، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة:٦] (^١)، بمعنى طلب مزيد من الهداية، ويكون بمعنى سؤال التثبيت (^٢). وقرَّر أن الهداية والإضلال من الله تعالى، فالهدى والإضلال من فعله تعالى وقدره، الاهتداء والضلال من فعل العبد وكسبه (^٣).
_________________
(١) ذكر السمعاني أن الهداية تأتي بمعنى: الإلهام، والإرشاد، والبيان، والدعاء. تفسير السمعاني: ١/ ٣٨
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٨
(٣) ابن القيم: شفاء العليل: ٦٥
[ ٦٤١ ]
واستدل السمعاني عليه بدلالات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥]، يقول السمعاني: " وفيه بيان أن الهداية من الله تعالى ومن كلامه، وهو مذهب أهل السنة " (^١)، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٨]، يقول السمعاني: " وهذا دليل على القدرية، حيث نسب الهداية والضلالة إلى فعله من غير سبب " (^٢)، ويقول تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦]، يقول السمعاني: " والإضلال: هو الصرف عن الحق إلى الباطل" (^٣)، ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٣]، يقول السمعاني: " وحقيقة المعنى: أني لا أُسأل عما أفعل من الإضلال والهداية، وأنتم تُسألون عما تعملون من الخير والشر" (^٤)، ولكن إنما نُسب إليهم الضلالة، كما في قوله تعالى ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [إبراهيم:٣٠]؛ لأنهم سبب في الضلال (^٥). وقد ذكر الإمام ابن تيمية، أن الرافضة أخذوا هذا الأصل من المعتزلة، إذ ليس هو من أصول شيوخهم القدماء. (^٦)
المطلب الرابع: هل الاستطاعة تكون قبل الفعل أو معه؟!
هذه المسألة من المسائل التي وقع فيها خِلاف بين الطوائف، بناء على خلافهم في باب القدر: فالجهمية الجبرية، قالوا: بنفي الاستطاعة لا مع الفعل ولا قبله، وذلك لأن العبد عندهم لا اختيار له.
والمعتزلة القدرية، أثبتوا استطاعة قبل الفعل، وأنه لا توجد للفعل قدرة تخصه عند القيام به، والأشاعرة الذين قالوا بنظرية الكسب، قالوا: بأن الاستطاعة تكون مع الفعل لا قبله.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦١
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٩٨
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٧
(٦) ابن تيمية: منهاج السنة: ١/ ١٠١
[ ٦٤٢ ]
وأما جمهور أهل السنة، فيثبتون للعبد استطاعة هي مناط الأمر والنهي، وهذه الاستطاعة قد تكون قبل الفعل، ولا يجب أن تكون معه. ومنشأ النزاع جاء من الإجمال الحاصل في لفظ الاستطاعة، فأهل السنة يُفصِّلون في الاستطاعة والقدرة:
١ - فهناك قدرة تكون قبل الفعل، وهي التي يتعلق بها الأمر والنهي، وهي مصححة للفعل يمكن معه الفعل والترك، وهي تصلح للمطيع والعاصي، فتكون قبل الفعل، وقد تبقى إلى حين الفعل، إما بنفسها، وإما بتجدد أمثالها.
٢ - استطاعة يجب معها وجود الفعل، وهي القوة التي ترد من الله تعالى على العبد، فهذه تكون مقارنة للفعل موجبة له، فهذه القدرة التي ترد من الله على العبد، متى فعل بها الخير أُثيب، ومتى فعل بها الشر عُوقب. (^١)
والإمام السمعاني قَرَّر هذه المسألة، على وفق ما جاء عن أهل السنة والجماعة، فقال: " نحن بحمد الله، نجعل الاستعانة والتوفيق مع الفعل، سواء قرنه به أم أخره جاز ". (^٢) وقال ذلك حين أورد تساؤلًا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]: " فإن قيل: لم قدم ذكر العبادة على الاستعانة، والاستعانة تكون قبل الفعل؟! فأجاب: أن هذا إنما يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل، وهو يرد هنا على المعتزلة، ثم أجاب بما ذكرناه، وهو أن الاستعانة والتوفيق مع الفعل سواء قرنه به أم أخره جاز، خلافًا لما قرره الأشاعرة، بأن الاستطاعة مع الفعل، لا يجوز أن تتقدمه، ولا أن تتأخر عنه، وهنا يظهر أن السمعاني أراد أن يرد في كلامه السابق على القدرية القائلين: بأن القدرة لا بد أن تكون قبل الفعل، ولا يوجد للفعل قدرة تخصه عند القيام به.
_________________
(١) ابن تيمية: منهاج السنة: ١/ ٣٦٩ - ٣٧٢، درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٦١، العروسي: المسائل المشتركة: ١٣٢، المحمود: القضاء والقدر: ٢٦٥
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٧
[ ٦٤٣ ]
مع أن السمعاني قرر في أكثر من موضع، شرط الاستطاعة التي تكون قبل الفعل، وعليها مدار التكليف، كما في قوله تعالى عن وجوب الحج: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) آل عمران ٩٧، قال بعد أن حكى كلام العلماء في معنى الاستطاعة: والأصح أن الاستطاعة: هي القدرة على ما يوصله إلى الحج، فمنها: الزاد والراحلة، ومنها: أمن الطريق، ونفقة الأهل، ونحو ذلك (^١)، وقد جعل وجود هذه الاستطاعة شرطا في الوجوب على المكلف (^٢)، أضف إلى أنه جعل الاستطاعة وصفا للعبد، خلافا للأشاعرة الذين لا يجعلون الاستطاعة مع الفعل وصفا للعبد، وإنما هي كسب لا حقيقة له عند التحقيق، فقال: وأما الاستطاعة تكون للعبد (^٣).
المطلب الخامس: معنى الختم والطبع:
جاء في الآيات الكريمات ذكر الختم والطبع، قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧]، وقوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:١٥٥]، وغيرها من الآيات. وقد فسَّر السمعاني لفظ الختم بالطبع، والطبع بالختم، ففسَّر كل واحد منهما بالآخر (^٤)، ثم قال: "وحقيقة الختم: الاستيثاق من الشيء؛ كيلا يدخله ما هو خارج منه، ولا يخرج عنه ما هو داخل فيه، ومنه الختم على الباب" (^٥). قال: "ويُقال الطبائع نكت سوداء تقع على القلب، يعرف بها المَلَك المنافق من المؤمن". (^٦)
_________________
(١) - السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤٣
(٢) - السمعاني: قواطع الأدلة: ٢/ ٣٥٩
(٣) - السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٧٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦ - ٤٩٨
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٣٦
[ ٦٤٤ ]
وفسَّر السمعاني الختم والطبع تفسيرًا رد به على المخالفين، فالمعتزلة لما كان قولهم في القدر: أن الإنسان مستقل بخلق أفعاله، طردوا هذا المذهب في هذه المسألة وغيرها، فقالوا: إن الله تعالى لا يختم ولا يطبع على قلب أحد من عباده، ولما أرادوا تفسير معناه صرفوه عن ظاهره المراد، إلى ما يوافق عقائدهم الفاسدة، فقالوا معنى الختم: جعل علامة على قلوبهم، تعرفهم الملائكة بها، ولذا قال السمعاني بعد ذكره تأويلهم: " وهذا تأويل أهل الاعتزال، نبرأ إلى الله منه " (^١)، وهؤلاء كما يقول ابن القيم: " عظموا الله من جهة، وأخلوا بتعظيمه من جهة، فعظموه بتنزيهه عن الظلم، وخلاف الحكمة، وأخلوا بتعظيمه من جهة التوحيد، وكمال القدرة، ونفوذ المشيئة ". (^٢)
وأما الأشاعرة فوافقوا أهل السنة في خلق الختم والطبع، وفارقوهم من جهة أن هذه أفعال تكون مبتدأة بلا سبب، ولعل هذا نشأ من إخلالهم بمفهوم الحكمة والتعليل (^٣). أما أهل السنة والجماعة، فيقولون: جعل الله تعالى ذلك عقوبة لهم، وجزاء على كفرهم وإعراضهم عن الحق بعد أن عرفوه. (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٧
(٢) ابن القيم: شفاء العليل: ٨٦
(٣) عبدالرحيم السلمي: حقيقة التوحيد: ٢٥٧
(٤) ابن القيم: شفاء العليل: ٨٦
[ ٦٤٥ ]
ولذلك فسَّر السمعاني الختم والطبع، حاكيًا فيه قول أهل السنة، مقررًا إياه، فقال: "والثاني وهو قول أهل السنة: أي: ختم على قلبهم بالختم؛ لما سبق من علمه الأزلي فيهم" (^١)، وقال: " والطبع على القلب، هو الختم عليه حتى لا يدخله الحق " (^٢)، ومن الآيات التي فسَّرها السمعاني في هذه المسألة، وهي شواهد للمذهب الحق، قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية:٢٣]، يقول السمعاني: " وختم على سمعه " أي: ختم على سمعه، فجعله لا يسمع الحق، وقوله: " وقلبه "، أي: وختم على قلبه، فجعله لا يقبل الحق " (^٣)، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد:١٦]، يقول السمعاني: " أي: ختم الله على قلوبهم، ولم يهدهم لقبول قول رسوله " (^٤)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون:٣]، يقول السمعاني: " أي: ختم على قلوبهم، فلا يدخلها الإيمان وقبول الحق ". (^٥)
المطلب السادس: هل المعدوم شيء؟!
المعدوم هو المنتفي الذي ليس بشيء، فالمعدوم لا وجود له، فهو نفي محض (^٦)، وهذا مذهب الأشاعرة، وبه قال أبو الهذيل العلاف، وأبو الحسين البصري من المعتزلة، في حين ذهب بقية المعتزلة إلى أن المعدوم شيء ثابت في العدم، وهذا قول فيه تناقض؛ لأن الوجود والثبوت مضاد للعدم، فكيف يكون المعدوم شيء ثابت في العدم؟
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٧
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٠
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٤١
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٧٥
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٤١
(٦) ابن تيمية: درء التعارض: ٣/ ٤٠٩ - ٦/ ١١٩، الرازي: محصل أفكار المتقدمين والمتأولين: ٥٥، آمال العمرو: الألفاظ والمصطلحات: ٢٧٠
[ ٦٤٦ ]
وإنما غلط هؤلاء، حين لم يفرقوا بين علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها، وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب، وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله تعالى، فهم يفرقون بين الوجود العلمي، والوجود العيني، فالوجود العلمي لا وجود له في الخارج، وإنما هو معلوم ذهنًا، وعلى هذا الاعتبار يصح قولنا: إن المعدوم شيء في العلم والذهن، أما الثبوت العيني، فهو الشيء الموجود في الخارج، فبهذا الاعتبار، يصح قولنا: إن المعدوم ليس بشيء في الخارج (^١)، يقول الإمام ابن تيمية: " وبينا أن المعدوم شيئ أيضًا في العلم والذهن، لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به ". (^٢)
وقد ذكر العمراني في رده على المعتزلة، أن هذا القول، هو من أصولهم الفاسدة التي خالفوا بها الكتاب، وإجماع المسلمين (^٣). والإمام السمعاني ﵀ رد على المعتزلة قولهم، حين أورد في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، إشكالًا مفاده: " فإن قيل: قد قلتم بأن المعدوم ليس بشيء، وقد جعل الله ها هنا المعدوم شيئًا، حيث قال:" إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ "، معناه: أردنا تكوينه. فالجواب:
_________________
(١) انظر: ابن حزم: الفِصل: ٥/ ٢٧، عبدالقاهر البغدادي، الفرق بين الفرق: ١٦٤، الشهرستاني: الملل والنحل: ١/ ٨٣، الإيجي: المواقف: ١/ ٢٦٥، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٢/ ٤٦٩، الجواب الصحيح: ٤/ ٣٠٠
(٢) ابن تيمية: التدمرية: ١٣١
(٣) العمراني: الانتصار في الرد على المعتزلة: ١/ ١٢٠
[ ٦٤٧ ]
أن الأشياء التي قدر الله كونها، هي في علم الله كالكائنة القائمة، فاستقام قوله " إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ ". وقيل: إن هذا على طريق المجاز، ومعناه: إنما يكون شيئًا إذا أردنا تكوينه " (^١)، وقد أشار السمعاني في القواطع إلى أن المعدوم ليس بشيء عند أهل السنة (^٢)
وهذه المسألة أثارت مسألة أخرى كانت مثار نزاع بين المعتزلة والأشاعرة، وهي: ما يتعلق بخطاب المعدوم، هل يصح أن يخاطب به المعدوم بشرط وجوده، أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده؟، ويعود منشأ هذا الخلاف أصالة، إلى مسألة الكلام النفسي عند الأشاعرة، ومعارضة المعتزلة لهم، في سجالات طويلة (^٣)، كان أهل السنة المتبعون في غِنى عنها، حين تبعوا المأثور، وساروا على منهج السلف المسطور.
المطلب السابع: المحو والإثبات:
مدار هذه المسألة قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، فهل المحو والإثبات شامل للسعادة والشقاوة، والحياة والموت أم لا؟!
ذكر السمعاني خلاف السلف في هذه المسألة:
ـ فالمحكي عن ابن عباس ﵄ برواية سعيد بن جبير أنه قال: " يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ " إلا السعادة والشقاوة، والحياة والموت، قال السمعاني: وقد ورد خبر يُؤيد قول ابن عباس في أنه لا يُمحى الشقاوة والسعادة، والأجل والرزق، روى حذيفة بن أسيد عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا وضعت النطفة في الرحم، ومضى عليها خمس وأربعون ليلة، قال الملك: يا رب، أذكر أم أنثى، فيقضي الله، ويكتب الملك، فيقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله تعالى، ويكتب الملك، فيقول: يا رب ما الأجل، وما الزرق؟ فيقضي الله تعالى، ويكتب الملك، ثم لا يُزاد فيه، ولا يُنقص ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٣
(٢) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٢٣
(٣) العروسي: المسائل المشتركة: ١٤٩
(٤) اخرجه مسلم في صحيحه، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، ح (٢٦٤٥)
[ ٦٤٨ ]
ـ والمحكي عن عمر وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: يمحو الشقاوة والسعادة أيضًا، ويمحو الأجل والرزق، ويُثبت ما يشاء، وكان عمر يقول: اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحه، واكتبني ما تشاء سعيدًا، فإنك قلت: " يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ".
ـ وحَكى السمعاني عن الحسن قوله: " يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ "، أي: يمحو من حضر أجله، ويُثبت ما يشاء من لم يحضر أجله.
ـ وقيل: إن المراد منه: أن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم، فيمحو الله منها ما يشاء، وهو ما لا ثواب عليه ولا عقاب، ويُبثت ما يشاء، وهو الذي يستحق عليه الثواب والعقاب.
[ ٦٤٩ ]
والراجح - والله أعلم - هو القول الأول، المستند إلى السنة النبوية المطهرة، وهو أن ما في سابق علم الله تعالى مما هو في اللوح المحفوظ، لا يقع فيه التبديل، وإنما يقع المحو والإثبات مما في أيدي الملائكة، ففي كتب الملائكة يزيد العمر وينقص، وكذلك الرزق بحسب الأسباب، فإن الملائكة يكتبون له رزقًا وأجلًا، فإذا وصل رحمه زيد له في الرزق والأجل، وإلا فإنه ينقص منهما (^١). ولذا فسَّر السمعاني قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥]، فقال: ومعنى الآية ها هنا عند أهل السنة: فمنهم شقي سبقت له الشقاوة، ومنهم سعيد سبقت له السعادة " (^٢)، ونقل عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]: يقضي كل أمر محكم، إلا السعادة والشقاوة، فإنهما لا يبدلان ولا يُغيران، وعن بعضهم: إلا الموت والحياة أيضًا (^٣). وحمل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١]، أما قبل حضور الأجل فيجوز الزيادة والنقص، وأما على تقدير أجلين، فيكتب أن عمر فلان مائة سنة إن إطاعني، وخمسون أو ستون إن عصاني، قال السمعاني: وهذا جائز. (^٤)
المطلب الثامن: هل المقتول ميت بأجله أم لا؟!
الذي عليه أهل السنة، أن المقتول ميت بأجله، حكاه السمعاني في تفسيره، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤]، أي: خرج الذين كتب عليهم القتال إلى مصارعهم للموت، وفي هذا دليل على أن الأجل في القتل والموت واحد، كما قال أهل السنة ". (^٥)
_________________
(١) انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٨/ ٥٤٠ - ابن حجر: فتح الباري: ١١/ ٤٨٨
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٥٨
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٢٢
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥١
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٦٩
[ ٦٥٠ ]
يقول ابن أبي العز: " فالمقتول ميت بأجله، فعَلِم الله تعالى وقدَّر وقضى، أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ذلك من الأسباب، والله ﷾ خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة " (^١)، ويقول السفاريني: " والحق عند أهل الحق، أن المقتول ميت في الوقت الذي قدره الله تعالى له، وعلم أنه يموت فيه " (^٢)، ويقول ابن المنير: " وأما أهل السنة فمعتقدهم أن كل ميت بأجله يموت " (^٣)، لأنه إذا علم الله أنه يموت غدًا بأجله، يستحيل أن يقتل اليوم لا بأجله؛ لأنه يؤدي إلى تعجيز الله تعالى عن إحياء عبده إلى الغد، وأنه محال ". (^٤)
إذن: فالذي عليه أهل السنة ومن تبعهم، أن المقتول ميت بأجله، وموته بفعل الله تعالى، خلافًا للمعتزلة، الذين يقولون: بل تولد موته من فعل القاتل، وأنه لو لم يُقتل، لعاش إلى أمد وهو أجله، فالقاتل عندهم غَيَّر بالتقديم الأجل الذي قَدَّره الله تعالى له (^٥)، ولهم أقوال أخرى في المسألة (^٦). ويرد عليهم بقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)﴾ [المؤمنون:٤٣]، يقول الرازي: " قال أصحابنا: هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله؛ إذ لو قُتل قبل أجله، لكان قد تقدم الأجل أو تأخر، وذلك ينافيه هذا النص ". (^٧)
_________________
(١) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ١٠٠
(٢) السفاريني: لوامع الأنوار: ١/ ٣٤٨
(٣) ابن المنير: الانتصاف: ١/ ٤٣٨
(٤) الغزنوي: أصول الدين: دار البشائر، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ (١٧٥)
(٥) الإيجي: المواقف: ٣/ ٢٤٢
(٦) - انظر: الأشعري: مقالات الإسلاميين:١/ ٣٢١، القاضي عبدالجبار: الأصول الخمسة:٧٨٢، الإيجي: شرح المواقف:٣٢٠
(٧) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٣/ ٢٧٧
[ ٦٥١ ]
المطلب التاسع: حكم إيلام الأطفال دون ذنب؟!
أشار السمعاني إلى أنه يجوز عند أهل السنة، أن يوجد الله تعالى الألم إلى ما يشاء من عباده بغير ذنب سبق منه، وكذلك على جميع الحيوانات (^١). وهذه المسألة كما هو معلوم، لها ارتباط بمسألة الحكمة والتعليل، وبمعنى العدل والظلم. فالأشاعرة جوزوا أن يدخل الله تعالى الطائع النار، والكافر الجنة، بناء على أن الله لا يظلم، وفسروا الظلم بأنه التصرف في الملك، والله له أن يتصرف في ملكه ما يشاء، مضافًا إليه نفيهم للحكمة والتعليل، فيفعل لا لحكمة، فهم لم يفرقوا بين مخلوق ومخلوق، ثم أجازوا تعذيب الحيوان بلا ذنب، ولا يلزم عليه ثوابًا، ولذلك أنكرت ذلك المعتزلة؛ لأنه قبيح، وقالوا: لا يكون الإيلام من الله، ولا يحسن منه أن يضر الحيوان، إلا بجرم سابق، أو عِوض لاحق، ورد عليهم السمعاني، حين قال: " يجوز عند أهل السنة أن يوجد الله تعالى الألم إلى ما يشاء من عباده بغير ذنب سبق منه"، ولكنه لما كان يثبت الحكمة، لم يحصر حكمته في الثواب والعِوض، فإن لله تعالى فيما يخلقه من أذى الحيوان، حكم عظيمة، وحَصْرُها فيما ذكره المعتزلة، فيه قياس لله تعالى على الواحد من الناس، وتمثيل لحكمة الله وعدله، بحكمة الواحد من الناس وعدله.
والخلاصة: أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة أحدًا إلا بذنب، وما يجريه في الدنيا من أنواع الآلام، فهي جائزة لكنها لا تخرج عن مقتضى الحكمة الإلهية، أدركناها أم لم ندركها. (^٢)
لكن إن قيل: ما وجه الآية في قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) الشورى ٣٠؛ لأنه قد نرى من تصيبه المصيبة بغير ذنب سبق منه؟ وأجاب السمعاني عن هذا التساؤل من ثلاثة أوجه:
١ - هي الحدود تقام على العاصي، ولا تقام إلا على العاصين، قال: وهو قول حسن.
٢ - يراد بها المعاقبة فيما كسبت أيديكم، فعلى هذا يجوز أن يصيب الإنسان مصيبة من غير ذنب ولا كسب، إذا لم يرد بها المعاقبة.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧٨
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٨/ ١٢٥، ابن القيم: مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٧٤
[ ٦٥٢ ]
٣ - أن الآية على العموم، ولا يصيب أحد بلاء ولا شدة إلا بذنب سبق منه، أو تنبيه لئلا يعمل ذنبا، أو ليعتبر به ذو ذنب (^١)
المطلب العاشر: مسألة التحسين والتقبيح العقليين:
هي من المسائل التي جرى فيها نقاش طويل بين العلماء، وعادة ما يشير إليها الأصوليون في مبحث الحاكم، في باب الأحكام الشرعية، وهم متفقون على أن الحاكم هو الله تعالى، وإنما الخلاف فيما يُعرف به حكم الله تعالى؟ وهل العقل يدرك حسن الأشياء والأفعال وقبحها قبل ورود الشرائع أم لا؟ وهل الحسن والقبح في هذه الأشياء ذاتيان، أم ليسا بذاتيين، بل صارا حسنين أو قبيحين بإضافة الشرع لهما صفتا الحسن والقبح؟
اختلف الناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط:
الطرف الأول: ذهب إلى أن العقل يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأنهما ذاتيان، ويمكن للعقل أن يدرك حكم الله تعالى في أفعال المكلفين من غير وساطة الرسل. وذهب إلى هذا القول المعتزلة؛ فهم يرون أن الحسن والقبح ذاتيان؛ لأن الحسن من الأفعال: ما رآه العقل حسنا، لما فيه من حسن ونفع، والقبيح: ما رآه العقل قبيحا، لما فيه من الضرر، ورتبوا عليه الثواب والعقاب، ولو لم يرد به الشرع.
والطرف الآخر: ذهب إلى أن العقل لا يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأن الحسن والقبح في الأفعال ليسا ذاتيين، ولا يمكن للعقل أن يدرك حكم الله تعالى في أفعال المكلفين إلا بواسطة الرسل. وذهب إلى هذا القول الأشاعرة؛ وهم بهذا يرون أن الحسن والقبح ليسا عقليين، وأن الأفعال قبل ورود الشرائع لا حكم لها؛ بناء على أن الحسن: ما ورد الشرع بالثناء عليه، والقبيح: ما ورد الشرع بذمه، ومن الطبيعي ألا يرتبوا الثواب والعقاب على الأفعال إلا بعد ورود الشرائع.
والطرف الوسط: من جمع بين القولين، وأخذ الصحيح من الطرفين، فكل طرف ممن سبق، غلا في جهة وأحسن في أخرى، فأخذ أصحاب هذا القول، بالقول الحسن من كلا الطرفين، وبيانه كالآتي:
_________________
(١) - السمعاني: مرجع سابق: ٥/ ٧٧
[ ٦٥٣ ]
أن العقل يدرك حسن وقبح بعض الأفعال، فيدرك قبح الظلم، وهتك الأعراض، ويدرك حسن العدل وكمال الأخلاق. ويؤيد ذلك الفطرة السليمة، فالعقل والفِطر السليمة تدركان قبح وحسن الأفعال قبل ورود الشرع؛ وذلك أن القبح والحسن في الأشياء ذاتيان. وهم بهذا يوافقون المعتزلة من هذه الجهة، ويخالفونهم من جهة ترتب الثواب والعقاب على ما يدرك العقل حسنه أو قبحه قبل ورود الشرع.
وأن العقل حين يدرك حسن وقبح الأفعال، فإنه لا يرتب عليها حكما إلا بعد ورود الشرع، وهم بهذا يوافقون الأشاعرة من هذه الجهة، ويخالفونهم من جهة إنكارهم أن تكون الأفعال حسنة أو قبيحة بذاتها قبل ورود الشرع، وهذا القول قال به الماتريدية، وهو القول الصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة.
وبعد هذا العرض الموجز لهذه المسألة، نبرز رأي الإمام السمعاني فيها، ومع من يميل؟
فالسمعاني قرر رأيه في هذه المسألة، متماشيا مع تقرير المذهب الأشعري، مع أنه بعيد كل البعد عن المنهج الأشعري في التقعيد والتأصيل، لكن لما كان مناكفا في هذه المسألة للمعتزلة في قولهم: إن العقل يدرك قبح وحسن الأفعال ويرتب عليها العقاب والثواب، ذهب إلى مخالفة قولهم على التمام؛ بأن العقل ليس له حظ من التقبيح والتحسين إلا ما ورد به الشرع، ومن أقواله في هذه المسألة:
-قوله عند تفسير قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) الإسراء ١٥:هذا دليل على أن ما وجب، وجب بالسمع لا بالعقل؛ فإن الله نص أنه لا يعذب أحدا حتى يبعث رسولا (^١).
-وقوله في كتابه الانتصار: اعلم أن مذهب أهل السنة، أن العقل لا يوجب شيئا على أحد، ولا يرفع شيئا عنه، ولا حظ له في تحليل ولا تحريم، ولا تحسين ولا تقبيح، ولو لم يرد السمع، ما وجب على أحد شيء، ولا دخلوا في ثواب ولا عقاب (^٢).
_________________
(١) - السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٢٦
(٢) - السمعاني: الانتصار: ٧٥
[ ٦٥٤ ]
-وحكى في كتابه القواطع الخلاف في المسألة، ورجح أن العقل بذاته ليس دليلا على تحسين شيء ولا تقبيحه، ولا حظره ولا إباحته، ولا يُعرف حسن الشيء وقبحه، ولا حظره ولا تحريمه حتى يرد السمع بذلك، وإنما العقل آلة يدرك بها الأشياء، فيدرك به ما حسن وقبح، وأبيح وحرم، بعد أن يثبت ذلك بالسمع، ثم قال عن هذا القول: وهو الصحيح، وإياه نختار، ونزعم أنه شعار أهل السنة (^١).
وبهذا يظهر أن رأي السمعاني في هذه المسألة موافقا لما ذهبت إليه الأشعرية، والصحيح ما أشرنا إليه من الجمع بين القولين: من أن العقل والفطرة يدركان قبح الأفعال وحسنها قبل ورود الشرع، لكن لا يجعلونه أساسا للتكليف الذي يترتب عليه الثواب والعقاب.
إلا أن موافقة رأي السمعاني للأشاعرة في هذه المسألة، لا يدل على التزامه بكل ما التزمته الأشاعرة من لوازم هذا القول؛ فقد نفت الأشاعرة الحكمة والتعليل عن أفعال الله تعالى، وحسن الأمر والنهي عندهم في التشريعات لا يُدرك إلا بالشرع فقط، وعليه: فلا فرق عندهم بين ما أمر الله تعالى به وما نهى عنه، إلا أن هذا أمر الله تعالى وهذا نهيه؛ لأنه لا حكمة له كما يزعمون، فلو أمر الله تعالى بالزنا على مذهبهم لكان حسنا، وهذا جائز عندهم، والتزموا لذلك جواز تعذيب الطائعين وإثابة العاصين، وأنه يجوز عليه الأمر بعبادة الأصنام، وأن ذلك يكون حسنا؛ لأن مرجع التحسين إلى الشرع.
_________________
(١) - السمعاني: قواطع الأدلة: ٢/ ٤٥ - ٤٦
[ ٦٥٥ ]
بخلاف ما يذهب إليه الإمام السمعاني؛ فهو مُثبت للحكمة والتعليل، وكلامه في هذا مستفيض، وقد ذكرت جملة منه في صفة الحكمة لله تعالى، في مبحث أسماء الله تعالى وصفاته. ومن ذلك أيضا قوله في تفسير قوله تعالى: (لَا تَدْرُونَ أَيهمْ أقرب لكم نفعا) النساء:١١، يقول:" أي: لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا. فمنهم من يظن أن الآباء تنفع فتكون الأبناء أنفع، ومنهم من يظن أن الأبناء أنفع، فتكون الأباء أنفع، وأنتم لا تعلمون، وأنا أعلم بمن هو أنفع لكم؛ وقد دبرت أمركم على ما فيه الحكمة والمصلحة، فخذوه، واتبعوه." (^١)، وقال في تفسير قوله تعالى: (إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام) الأعراف:٥٤،:" فإن قيل: وما الحكمة في خلقها في ستة أيام، وكان قادرا على خلقها في طرفة عين؟ قيل: لأن خلقها على التأني أدل على الحكمة، فخلقها على التأني ليكون أدل على حكمته، ولطف تدبيره" (^٢).
وقرّر السمعاني أن الله تعالى لا يُعاقب من يُعاقب إلا عن استحقاق بالعدل (^٣)، لا كما يقول الأشاعرة من تجويز تعذيب العاصين، فقال: " ويقال: معنى قوله: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ أي: لا يعاقب أحدا من غير جرم " (^٤)، وقال:" وقوله: ﴿وما أنا بظلام للعبيد﴾ أي: لا أنقص ثواب المحسنين، ولا أزيد في مجازاة المسيئين." (^٥)، فأفعاله تعالى قائمة على العدل والحكمة، يقول السمعاني: " وقوله: ﴿يدبر الأمر﴾ التدبير من الله تعالى فعل الأشياء على ما يوجب الحكمة" (^٦)، ويقول: "وقوله: ﴿إنه علي حكيم﴾ أي: متعال مما يصفونه (المشركون)، حكيم في جميع ما يفعله" (^٧).
_________________
(١) - السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٠٣
(٢) - السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٨٨
(٣) - السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤٨
(٤) - السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٥٨
(٥) - السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٤٤
(٦) - السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٧٦
(٧) - السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٨٨
[ ٦٥٦ ]