ويتضمن ثلاثة فصول:
الفصل الأول: التصوف وآدابه.
الفصل الثاني: الأحوال والمقامات.
الفصل الثالث: الولاية والكرامة.
[ ٦٤٩ ]
الفصل الأول: (التصوف وآدابه)
فيه مبحثان:
المبحث الأول: التعريف بالتصوف.
المبحث الثاني: آداب التصوف.
[ ٦٥٠ ]
تمهيد
إن تعريف التصوف تعريفًا جامعًا مانعًا دالًا على ما يعالجه من مسائل وقضايا لمما يتعذر الوقوف عليه في كتب أهله العارفين به، فإذا أراد الباحث معرفة معنى التصوف كمصطلح له دلالته، يجد نفسه أمام كم كبير من العبارات المتعددة، بل والمتباينة، وهذه العبارات تتعدد اتجاهاتها بالنسبة للدلالة على هوية هذا العلم، فمنها ما يتجه الي توضيح الثمرة والهدف، ومنها ما ينصب على كشف الوسيلة التي يكون بها تلقى هذا العلم.
وهكذا يجد الباحث نفسه أمام عبارات كثيرة متعددة الاتجاهات، أقرب ما تكون إلى التقريب والوصف دون إصابة الهدف، وهاك بعضًا مما قيل في تعريفه:
- وقال ابن خلدون (١): التصوف هو "العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد في الخلوة للعبادة". (٢)
- وقال الشعرانى (٣): ليس علم التصوف إلا معرفة طريق الوصول إلى العمل بالإخلاص لا غير". (٤)
- وقال الجنيد: تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية،
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحيم الأشبيلى، المالكى، المعروف بابن خلدون، عالم فقيه أدب مؤرخ اجتماعي ولد سنة: ٧٣٢ هـ تولى القضاء على المذهب المالكى بالقاهرة مرارًا، تقدم في الفنون ومهر في الكتابة، من مؤلفاته: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر. توفى سنة: ٨٠٨ هـ. انظر: شذرات الذهب: (٧/ ٧٦). ومعجم المؤلفين: (٥/ ١٨٨).
(٢) مقدمة ابن خلدون ٣٣٣.
(٣) هو عبد الوهاب بن أحمد بن على الحنفى نسبة إلى محمد ابن الحنفية الشعرانى، من علماء المتصوفين، ولد في قلقشندة بمصر سنة: ٨٩٨ هـ له عدد من التصانيف في العلوم والمعارف التي تمثل الاتجاه الصوفى المتأخر، منها: الأنوار القدسية في معرفة آداب العبودية - والطبقات الكبرى والقواعد الكشفية في الصفات الإلهية وغيرها كثير، توفي سنة: ٩٧٣ هـ. شذرات الذهب: (٨/ ٣٧٢)، والأعلام: (٤/ ١٨٠).
(٤) الأنوار القدسية في بيان قواعد الصوفية، للشعراني: ٢٦٠.
[ ٦٥١ ]
وإخماد صفات البشرية، ومجانبة الدعاوى النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بعلوم الحقيقة، واستعمال ما هو أولى على السرمدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله تعالى على الحقيقة، واتباع رسول الله - ﷺ - في الشريعة
وقال دلف الشبلى: التصوف الجلوس مع الله تعالى بلا هم". (١)
وعرفه ابن عربى بأنه: "الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرًا وباطنًا وهى الخلق الإلهية، وقد يقال بإزاء إتيان مكارم الأخلاق، وتجنب سفاسفها". (٢)
ويقول الكاشانى (٣): "التصوف هو التخلق بالأخلاق الإلهية". (٤)
ولعل في اختلاف وجهات النظر حول التعريف، ما يكشف عن حقيقة هذا العلم، فالغموض والمعانى الوجدانية من الأمور التي لا يكاد يفارق الباحث ملاحظتها في الكثير من المسائل التي تمحور اهتمام التصوف حولها، وقد يرجع هذا لأسباب عدة، من أهمها:
- أولًا: مراحل التصوف، ويدخل في هذا نشأته والعوامل المؤثرة فيه، فقد مر التصوف بمراحل مختلفة ومتعددة، ففى بداية نشأته كان يتسم بالبساطة والبعد عن التعقيد الفلسفى، ينحو في معظم اهتماماته إلى تقويم الجانب السلوكى، فالزهد والعزوف عن الدنيا هو الطابع الذي يميزه في هذه المرحلة.
أما في المراحل المتأخرة منه، وذلك حين أخذت الروافد الغريبة المتأثرة بالفلسفات والأديان القديمة تؤثر على مجرى الفكر، أصبحت قضاياه الأساسية المنصبة على الاتجاه النظرى التقعيدى الفلسفى أساسًا للترقى بالسلوك نحو الهدف، وهو التخلق بالخلق الإلهى، كما هو ملاحظ من تعريف ابن عربى: الفيلسوف الصوفى.
_________________
(١) الرسالة القشيرية: ٢٨٢ - والتعريفات للجرجانى: ٨٨.
(٢) رسائل ابن عربي: ٥٤١.
(٣) هو عبد الرزاق الكاشانى بن أحمد بن الكاشانى اشتغل بالتصوف وألف فيه عددًا من المصنفات، من أشهرها: شرح منازل السائرين للهروى، شرح فصوص الحكم لابن عربى، شرح تائبة ابن الفارض، الإفهام في اصطلاحات الصوفية، مات سنة: ٧٣٠ هـ. معجم المؤلفين: (٥/ ٢١٥).
(٤) اصطلاحات الصوفية: ١٦٤.
[ ٦٥٢ ]
ثانيًا: مع تبلور الفكر الصوفى كانت النزعة الوجدانية ذات صبغة عالية التأثير على المفاهيم والأسس، ولهذا أسباب سيرد ذكرها فيما بعد - بإذن الله تعالى -، فأصبح مصدر التلقى المعتمد هو الوجدان أو التجربة الشعورية، فليس ثمة معيار ثابت ذى قيم مستقيمة، ينبنى على أساسه استيعاب المصطلحات الصوفية، أو التعبير عنها، بدأ من مصطلح التصوف (١).
ويمعن بعضهم في تقرير هذا السلوك لتلقى المعارف عندهم، ومن ذلك ما حكاه الشعرانى في ترجمة على ولده (٢)، حيث قال عنه: "الضروريات والبديهيات إنما هي أمور وجدانيات وهى أصول النظريات، فالوجد أصل أصول هذا الباب فافهم، وإنما احتيج إلى الحجج والأدلة لتوقع المطالب في النفس موقع الوجدان أو ما يقاربه، متى وجدت المطلوب لم تحتج إلى شيء من ذلك، فيا واجد الحق تحقيقًا أو تصديقًا حسبك وجدك، . . .،: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فالأمر عندهم وجدانى فافهم ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ". (٣)
- وقد التزم أهل التصوف في سيرهم على هذا المنهج المتضارب العجيب آدابًا يتمسكون بها أشد التمسك، وكان في مقدمتها تعظيم الشيخ والتلقى عنه بلا أدنى جدال أو اعتراض، حتى غدا هذا الضرب من الالتزام الأخلاقي سببًا كبيرًا وأساسًا صلبًا لاتساع دائرة التصوف ودخول عدد كبير من الناس فيه، حيث عمل على سد باب الاعتراض الذي يفرضه التضارب الحاصل في الفكر الصوفى، والذي يعمل جاهدًا في محاولة الانتماء إلى الإسلام وعدم الخروج عنه، ولو ظاهرًا.
* * *
_________________
(١) انظر: الرسالة القشيرية: ٢٧٩.
(٢) هو الصوفى المتعمق على ولده ولد ليلة الأحد حادى عشر محرم سنة إحدى وستين وسبعمائة، توفى عام أحد وثمانمائة، وله عدد من المؤلفات في فنون التصوف. انظر: الطبقات الكبرى للشعرانى: (٣٩٤).
(٣) المرجع السابق: ٤٣١.
[ ٦٥٣ ]
(المبحث الأول): مفهوم التصوف
- يعرف الصاوي التصوف، كما هو في اصطلاح الصوفية بأنه "علم بأصول، يعرف به إصلاح القلب وسائر الحواس، فبذلك تصلح الأعضاء لما في الحديث (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب) (١) ".
وفي بيان أصله اللغوى، يقول: "والتصوف مأخوذ من الصفا، أي خلص باطنه من الشهوات، وصفاه، فعومل بالصفا، فمن أجل ذلك سمى الصوفى" (٢).
هذا ويعضد الصاوي ما تقرر لديه من كون التصوف علم: بذكر المبادئ التي يقوم عليها، كأى علم آخر معتد به، يقول:
"وغاية هذا العلم: صلاح القلب.
وموضوعه: الأخلاق المحمدية، وهى أوامر القرآن ونواهيه، لما ورد عن عائشة أنها حين سئلت عن أخلاقه - ﷺ -، قالت: (كان خلقه القرآن).
واضعه: هم العارفون الآخذون عن النبي بالسند المتصل.
نسبته: أنه فرع علم التوحيد.
استمداده: من الكتاب والسنة.
اسمه: علم التصوف.
حكمه: الوجوب.
مسائله: قضاياه التي يبحث فيها عن عوارضه الذاتية: كالفناء والبقاء والمراقبة والمشاهدة والجلال والجمال" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان - باب فضل من استبرأ لدينه، رقم الحديث: ٥٢.
(٢) حاشية الجوهرة: ٦٩.
(٣) حاشية الخريدة: ٧٦.
[ ٦٥٤ ]
- وبناءً على ما سبق فإنه يعرف الصوفية: بأنهم "هم أهل الباطن الذين اشتغلوا بعلم السر والتصوف".
ويضرب لذلك مثالًا، فيقول: "كاشتغال الجنيد (١) وأضرابه بعلم السر والتصوف، ومعرفة شروطه وآدابه".
ويسند مشروعيته إلى التأسي بما كان عليه النبي - ﷺ - كما هو واضح في بيانه لمبادئ هذا العلم -، فيقول: "لأنه نقل عن النبي - ﷺ - علم الظاهر والباطن". (٢)
* * *
المناقشة:
أولًا: حقيقة التعريف:
من الملاحظ في تعريف الصاوي للتصوف أنه يحكم عليه بكونه علم من العلوم المستمدة من الكتاب والسنة، ويؤكد ذلك بتأصيله من مصادر الإسلام الأساسية، حيث يستند في تقرير مشروعية الالتزام بآداب التصوف وعلومه إلى كونها طريق يتحقق بسلوكه صلاح القلب، ومعلوم أن إرادة صلاحه من الأسس المعتبرة التي جاء الإسلام لتحقيقها، إذ فيها صلاح الفرد وهو لبنة صلاح المجتمع بأسره، فيورد لذلك حديث المصطفى - ﷺ -: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله).
ومع التسليم له بأن هذا من مرادات الشارع الحكيم الكبرى، والتي أناط بها النجاة يوم القيامة، حيث قال عز من قال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ
_________________
(١) هو الشيخ الحافظ إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، السامراني البغدادي، ولد عام: ١٩٥، أخذ العلم عن يحيى بن معين، قال الحافظ الذهبي: له سؤالات نافعة عنه، ثقة زاهد ورع اشتهر بالرقائق وتهذيب النفس، وجد عليه بعض المآخذات إلا أن شيخ الإسلام - ﵀ - كان كثيرًا ما ينفي نسبتها له ويعتذر له ويترضى عنه، وذلك مثل ما نقله عنه الكلاباذي حيث روى عنه أنه قال للشبلي: نحن حبرنا هذا العلم تحبيرًا ثم خبأناه في السراديب فجئت أنت فأظهرته على رءوس الملأ: الترف، ١٤٥، وانظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء: (١٢/ ٦٣١)، وطبقات الحنابلة لأبي يعلى: ٧٥.
(٢) حاشية الجوهرة: ٩.
[ ٦٥٥ ]
أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، إلا أنه لا يمكن أن نسلم له بأن التصوف هو السبيل إلى تحقيق هذه الأهداف السامية، ولعل في الحديث عن أصل التصوف والمراحل التي مر بها ما يكشف ولو يسيرًا عن هذه الحقائق التي يحاول التملص منها كل من نسب التصوف إلى نفسه. فقد تناول الصاوي عند بدء حديثه عن التصوف بيان اشتقاقه وأصله اللغوى، ولا شك أن معرفة هذه المسألة أصل يستدل به على حقيقة التصوف من حيث النشأة، وهذا ما يتأكد عند سبر الأقوال المختلفة في أصل هذه الكلمة، فقد اختلف الباحثون في ذلك تبعًا لبيان حقيقة التصوف ومنشئه الأصلى على عدة مذاهب:
المذهب الأول:
نرى الكلاباذى (١) صاحب كتاب التعرف يجمع الأقوال التي ترجع في نهاية الأمر إلى التأكيد على أن الصوفية إنما نشأت في تعاليم الإسلام، ويستمد للاستدلال لذلك بحياة الصحابة، بل وهدى الرسول - ﷺ - أيضًا ما يؤكد به ما ذهب إليه، حيث يرجع الأقوال في حقيقة نسبة التصوف إلى ثلاثة أقوال لا يرى ثمة تعارض بينها البتة، يقول مفصلًا القول في ذلك:
قال قوم: إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة، الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ -.
وقال قوم: إنما سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدى الله جل وعز بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم بقلوبهم عليه، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه.
وقالت طائفة: إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها ونقاء آثارها، قال بشر بن الحارث الصوفى: من صفا قلبه لله، وقال بعضهم: الصوفي من صفت لله معاملته، فصفت له من الله ﷿ كرامته.
_________________
(١) هو محمد بن إبراهيم الكلاباذى البخاري أبو بكر، من المحدثين، له عدد من المصنفات منها: التعرف لمذهب أهل التصوف، بحر الفوائد المشهور بمعانى الأخيار، توفى سنة: ٣٨٠ هـ: معجم المؤلفين: (٨/ ٢١٢).
[ ٦٥٦ ]
وقال قوم: إنما سموا صوفية للبسهم الصوف.
وللجمع بين هذه الأقوال يرى الكلاباذى أن جميعها مستنبط من حال أهل الصفة، يقول: "ثم هذه كلها أحوال أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - فإنهم كانوا غرباء فقراء مهاجرين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ووصفهم أبو هريرة وفضالة بن عبيد، فقالا يخرون من الجوع حتى تحسبهم الأعراب مجانين، وكان لباسهم الصوف حتى إن كان بعضهم يعرق فيه فيوجد منه ريح الضأن إذا أصابه المطر.
وقال الحسن البصري: كان عيسى - ﵇ - يلبس الشعر ويأكل من الشجرة ويبيت حيث أمسى.
وقال أبو موسى: كان النبي - ﷺ - يلبس الصوف، ويركب الحمار ويأتى مدعاة الضعيف.
وقال الحسن البصري: لقد أدركت سبعين بدريا ما كان لباسهم إلا الصوف ثم الصوف لباس الأنبياء وزى الأولياء". (١)
- المذهب الثاني:
ويتلخص هذا الاتجاه في بيان أصل التصوف بأن مبدأه إنما يرجع في الحقيقة إلى تاريخ العرب الجاهليين؛ حيث تنتسب كلمة صوفى إلى رجل يقال له صوفة، واسمه الغوث بن مر، فانتسب إليه الصوفية لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله ﷾.
وهذا ما رجحه ابن الجوزى - ﵀ -، ولم يكتف بذلك بل رد الأقوال الأخرى حيث نقض القول بنسبتهم إلى الصفة لمخالفة الاشتقاق اللغوى، يقول "ونسبة الصوفى إلى أهل الصفة غلط، لأنه لو كان كذلك، لقيل: صفى". (٢)
_________________
(١) التعرف لمذهب أهل التصوف: ٢١ - ٢٣، بتصرف.
(٢) تلبيس إبليس: ٢٠٨.
[ ٦٥٧ ]
ويتبين من هذا الموقف لابن الجوزى أن أصل التصوف يرجع إلى الجاهلية وأنه ليس له ما يستند إليه في عصر الرسول والصحابة من حيث النسبة والنشأة، مما يؤكد به غرابته وابتداعه وبالتالى خروجه عن نهج النبي - ﷺ - وأتباعه، يقول:
"كانت النسبة في زمن الرسول - ﷺ - إلى الإيمان والإسلام، فيقال: مسلم، ومؤمن، ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد، فتخلوا عن الدنيا، وانقطعوا إلى العبادة، واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها، وأخلاقًا تخلقوا بها، ورأوا أن أول من أفرد بخدمة الله ﷾ عند بيته الحرام رجل، يقال له: صوفة". (١)
المذهب الثالث:
أما هذا المذهب فيبعد كل البعد عن هذه الأقوال المتقدمة، حيث جعل أصل التصوف مشتقًا من سوفيا وتعنى الحكمة، وهذا ما رجحه البيرونى مؤكدًا ذلك بتوثيق الصلة بين الصوفية وحكماء الهند؛ حيث التشابه الكبير بين الفكر الصوفى والفكر الهندوسى الفلسفى، وبهذا فهو يبعد تمامًا فكرة التأصيل الإسلامى له (٢).
المذهب الرابع:
تبقى الإشارة إلى أن هناك من مال إلى القول بعدم الاشتقاق وأن هذا الاسم كاللقب اشتهرت به طائفة معينة ليس له أصل اشتق منه، وكان القشيرى هو من اشتهر عنه هذا الرأى، وتأكيدًا على ذلك فإنه يبين بطلان جميع الاشتقاقات التي قال بها غيره، يقول: "وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، وإلا ظهر فيه أنه كاللقب، فأما قول من قال: إنه من الصوف، وتصوف إذا لبس الصوف، فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف.
ومن قال: إنهم منسوبون إلى صفة مسجد رسول الله - ﷺ - فالنسبة إلى الصفة لا تجئ على نحو الصوفى.
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) انظر: نشأة الفكر الفلسفى في الإسلام، للدكتور: على النشار: (٣/ ٤٢).
[ ٦٥٨ ]
ومن قال: إنه من الصفاء - كقول الصاوي - فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد عن مقتضى اللغة.
وكذلك النسبة إلى الصف فإن اللغة لا تقتضى هذه النسبة" (١).
وعليه فإن هذا القول ليس فيه تمييز واضح لبيان نشأة التصوف.
المذهب الراجح:
من كل هذه الأقوال يمكن معرفة نسبة التصوف ببيان أنها مشتقة من لباس الصوف، ولكن ليس على جهة تجعل في لبسه اقتداء بالنبى وأصحابه الكرام مما يضفى على نشأته صورة مستمدة من خالص التعاليم الشرعية، بل على جهة تبين الاشتقاق الصحيح لهذه الكلمة وتدع لتأصيلها الدينى مجالًا تكثر فيه الأقوال بل وتتضارب، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام - ﵀ -، حيث يقول بعد بيانه مناقضة الأقوال السابقة لأصل الكلمة من حيث اللغة: "وقيل وهو المعروف إنه نسبة إلى لبس الصوف، فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسن.
وقد كان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سائر الأمصار، ولهذا كان يقال: فقه كوفى، وعبادة بصرية، وقد روى عن محمد بن سيرين: أنه بلغه أن قومًا يفضلون لباس الصوف، فقال: إن قومًا يتخيرون الصوف، يقولون: إنهم متشبهون بالمسيح ابن مريم، وهدى نبينا أحب إلينا، وكان النبي - ﷺ - يلبس القطن وغيره". (٢)
والذي يظهر من كلام الشيخ أن في لباس الصوف اقتداء بالنصارى دون النبي - ﷺ - مما يدل على النقيض من كلام الكاشاني السابق، وهذا ابن الجوزى يحكم على جميع الأحاديث التي ورد فيها نسبة لبس الصوف إلى الرسول - ﷺ - على جهة
_________________
(١) الرسالة القشيرية: ٢٧٩.
(٢) مجموع الفتاوى: (١١/ ٥). بتصرف.
[ ٦٥٩ ]
التفضيل والتحسين بالوضع، فيقول: "ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي - ﷺ - لبس الصوف.
فأما لبس رسول الله - ﷺ - الصوف، فقد كان يلبسه في بعض الأوقات، لم يكن لبسه شهرة عند العرب.
وأما ما يروى في فضل لبسه، فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء" (١).
وقد أورد - ﵀ - من الروايات ما يثبت بها مخالفة هذا المعتقد، وأن جذور هذا اللباس مستمدة من أصول ديانة سابقة، وهى المسيحية كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، فيروى بسنده أثرًا مفاده أن رجلًا يدعى عبد الكريم جاء إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف، فقال له أبو العالية: (إنما هذه ثياب الرهبان إن كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا) (٢).
وقد روى أن: "عيسى - ﵇ - كان يلبس الصوف، ويأكل من الشجرة، ويبيت حيث أمسى" (٣).
- وشيخ الإسلام إذ يقرر هذا، فإنه لا يرى صحة نسبة الصوفية أيضًا إلى ذلك الرجل الجاهلى المسمى بصوفة، مع صحة الاشتقاق من حيث اللغة، ويرجع ذلك لعدم اشتهار تلك القيلة من جهة، ومن جهة أخرى لأن الصوفية الأوائل كانوا من التدين والتمسك بمكان لا يقبلون فيه النسبة لأمر لا صلة له بالإسلام البتة.
ولعل في هذا ما يكفى لإبطال القول بنسبة الصوفية إلى سوفيا من حيث الأصل، لأن هذا بعيد من جهة اللغة والواقع الذي عرفت فيه الصوفية.
* * *
_________________
(١) تلبيس إبليس: ٢٥٤.
(٢) تلبيس إبليس: ٢٥٧، أخرجه البخاري في الأدب المفرد؛ كتاب من زار قومًا فطعم عندهم، رقم الحديث: ٣٤٨ (١/ ٤٤١). وصححه الألباني في صحيح الأدب: ١٤٠.
(٣) عوارف المعارف: ٥٩.
[ ٦٦٠ ]
مراحل التصوف:
من ذلك البيان المسبق يمكن القول بأن التصوف ظهر في بيئة محافظة، عرفت بالعبادة والزهد، ولكن هذا لا يعني صحة ما ذهب إليه الصاوي من الحكم على التصوف بأنه فرع علم التوحيد، وأن استمداده من الكتاب والسنة، وأن واضعه هو النبي وأصحابه الكرام، بل يعد هذا في الحقيقة من قبيل التقارير الذاتية، التي لا تستند إلى الموضوعية البتة، وذلك لأن الحديث عن نشأة التصوف يعد حديثًا عن المرحلة الأولى من مراحل التصوف، الذي كان يميل في تلك الآونة إلى معالجة السلوك وتهذيبه بأنواع التبتل والانقطاع عن الدنيا، وذلك نتيجة لإقبال الناس على الدنيا والتفاخر بها، فكان هذا منهم كردة فعل اتجاه ذلك الانحراف الخلقي الذي ساد المجتمع في القرن آنذاك.
ومع وجود بعض المخالفات من أولئك الصوفية والتي حملت بعض الصحابة الكرام على إنكار تلك الأحوال إذ خرجت في مجملها على ما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه الكرام - رضوان الله عليهم -، إلا أنه لا يمكن أن يقال: إن التصوف بقى على تلك الحالة التي كان عليها أولئك الزهاد والعباد، بل يعد هذا القول من الصاوي محاولة متعذرة النجاح في الجمع بين فترات متباينة مختلفة أشد الاختلاف، ومن ثم الحكم عليها بحكم واحد دون تمييز، أو تنبيه.
والصواب في هذا أن التصوف قد مر بمرحلة بعد هذه المرحلة خرج فيها التصوف عن شعار الزهد والانقطاع عن الدنيا، فقد تحول التصوف من الجانب العملي إلى جانب التنظير والتقعيد، حيث ألفت التآليف وخرج القوم بأفعال خالفوا فيها السنة بوضوح، فبدلًا من المحبة استحدثت كلمة العشق كتعبير عنها، وصار الحب الإلهي هو عنوان السائرين إلى الله، فليس للخوف أو الرجاء مكانًا عليًا عندهم، وظهرت المصطلحات الغامضة كالفناء والبقاء والجمع، لتضيف نوعًا من التميز والخصوصية لأهل التصوف، ومع أنها في بادئ الأمر لم تصل إلى القدح في المعتقد، إلا أنه قد ردها الكثير من العلماء، وتكلموا في بيان ما تحمله من الاشتباه المخل بصفاء الإيمان وبرد اليقين (١).
_________________
(١) وسيأتي الحديث عنها فيما بعد بإذن الله: ٧٠٠.
[ ٦٦١ ]
ولكل ما تقدم فقد توسعت في هذه المرحلة دائرة الابتداع، فلم يعد التكلف مقصورًا على السلوك فقط، بل تعداه إلى الاعتقاد، وهذا ما كان سببًا لظهور ألوان أخرى من البدع فتحت بابًا كبيرًا من الشر، حتى داخل الاعتقاد من أنواع الكفر والإلحاد ما الله به عليم، وكل ذلك كان خلف ستار مصطلح التصوف.
وكان مالك بن دينار (١)، ورابعة العدوية (٢)، من كبار رواد التصوف في هذه المرحلة. (٣)
وهذا ما نبه إليه الكثير ممن اعتنوا بدراسة التصوف والمراحل التي تطور بها، ففي كتاب الحياة الروحية في الإسلام، ذكر أن أول من نقل الزهد إلى التصوف بمعناه الخاص هي رابعة العدوية (٤).
ولعل المتأمل لكلام ابن الجوزي السابق يلحظ هذا بوضوح، فالتدرج في الألفاظ على فترات متتالية يوحي إلى هذا التطور الذي حصل للتصوف.
وكما سبق وأن أشرت كانت هذه المرحلة المتوسطة بوابة للمراحل الخطيرة والتي دخلت فيها النظريات الفلسفية التي تناقض الإسلام تمامًا بل وتعارض أسس العقيدة
_________________
(١) هو أبو يحيى مالك بن دينار البصري، كان من الزهاد وعباد الصوفية الذين ظهر منهم بعض البدع، فقد ذكر في ترجمته أنه كان يأخذ الوعظ من التوراة وهذا مما لا ينبغي مع وجود الهدى المعصوم. توفي سنة: ١٣١ هـ. انظر: وفيات الأعيان: (٤/ ١٣٩).
(٢) هي رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية ولدت عام: ٩٥، وعاشت ثمانين سنة، كانت زاهدة عابدة، إلا أنها أول من خرجت ببدعة العشق الإلهي في الإسلام، فقد نقل عنها أنه كانت تقول: أحبك حبين: حب الهوى وحبًا لأنك أهل لذاك فأما الذي هو حب الهوى فذكر شغلت به عن سواك أما الذي هو أنت أهل له فكشفك لي الحجب حتى أراك ولا يخفى ما في هذه الأبيات من سوء استعمال الألفاظ في مناجاة المولى ﵎ وكانت دائمًا تقول أنها لا تعبد الله خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنته بل فقط من أجل حبه، وهذا كله ما ترده الآيات والسنن وأحوال الرسل قبل عامة الناس، قال تعالى في حال صفوة رسله وأنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. انظر في ترجمتها في وفيات الأعيان: (٢/ ٢٨٥)، سير أعلام النبلاء: (٨/ ٢٤١).
(٣) انظر: الصوفية نشأتها وتطورها، للشيخ: محمد العبدة وآخرون: ١٩.
(٤) رابعة العدوية: ١٠٥.
[ ٦٦٢ ]
فيه من الأصل، وكان من أقطاب هذه المرحلة: الفيلسوف ابن عربى الطائى، وابن الفارض.
فقد تأثر الاتجاه الفكرى في المجتمع المسلم بالمترجمات الفلسفية على مختلف أنواعها، فإذا كان علم الكلام مع ما فيه من المصطلحات الفلسفية كالجوهر والعرض وغيرها نتاجًا لاحتدام الصراع بين الفلسفة والمتأثرين بها من المسلمين، كان في المقابل علم التصوف وجهًا آخر ظهر فيه أثر ذلك الانحراف الفكرى الناتج عن التأثر بالفلسفة، ولكن خطورته فاقت جميع صور التأثر الفلسفى بأجمعها، حيث خرج التصوف في هذه المرحلة بأفكار كفرية ترتدى ثوب الإسلام لتقتلع جذور العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة من قلوب بعض المسلمين، ولعل تفسير ابن عربى لكلمة التصوف يعد أكبر دليل على ذلك حيث عرفه بأنه: الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرًا وباطنًا وهى الخلق الإلهية، فهذا التعريف في الحقيقة مستمد من معنى الفلسفة التي عرفت بأنها: التشبه بالإله على قدر الطاقة.
ومن هنا نشأت العقيدة الضالة وهى القول بوحدة الوجود، والتى ترمى إلى عدم التفريق بين الخالق والمخلوق، وتدعى أن عين الوجود واحدة، وتأتى كتب ابن عربى الضال في الدرجة الأولى لتأصيل هذا الفكر المنحرف البعيد، المستمد من بطون كتب الفلسفة الإشراقية على الخصوص.
ولم تكن الفلسفة هي المؤثر الوحيد في الفكر الصوفى، فقد تأثر بروافد غريبة أخرى لا تقل خطرًا عن الفلسفة من حيث ما نتج عنها من انحراف خطير لا يمت إلى الإسلام بصلة: "منها نزعة الزهد عند فقراء الهندوس (١)، وغنوصية (٢) مصر
_________________
(١) الهندوسية ديانة الهنود الوثنية، يعتنقها معظم أهل الهند، وقد تشكلت عبر مسيرة طويلة من القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى وقتنا الحاضر، وتقوم هذه الديانة على معتقد التثليت الذي يعد من أبرز سمات المعتقدات الوثنية، فبراهما وفشنو وسيفا آلهة ثلاثة في إله واحد، ومع ذلك فليس يمنع حصر الألوهية عندهم في تلك الآلهة الثلاثة من امتداد ذلك المفهوم ليعم جميع رجال الدين الهندوس الذين يعتقد فيهم القداسة لكونهم خلقوا من رأس براهما الإله الأب، ومع إخلاص الهندوس في التأله والعبادة والتأمل، فإن الأمل يبقى في إمكان تخلصه من رسوم البشرية ليحيى في عالم الإلهية بعد الموت، وبهذا تجد عقيدة وحدة الوجود عند الهندوس منزلة ثابتة تحمل الهندوس على تحريم قتل الحيوانات ذات الأرواح مهما كانت أنواعها. انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة: ٥٣١، وانظر: المعجم الموسوعي للديانات والعقائد: (٣/ ٩١٢).
(٢) الغنوصية مذهب قائم على أن المعرفة هي الطريق إلى الخلاص، حيث أن الأرواح لا بد لها حتى تعود إلى عالمها الخير النوراني أن تتخلص من عالم الظلمة والحس بتلقي المعارف الإشراقية من مخلص يكون له القدرة على تلقيها من عالم الخير. انظر: المعجم الموسوعى: (٢/ ٦٢٠).
[ ٦٦٣ ]
والشام، وبحوث الأفلاطونية الجديدة (١) عند اليونان المتأخرين، وتأثير الرهبان المسيحيين المنتشرين في جميع بلاد المسلمين. . .
وقد ازدهرت حركة التصوف في بلاد الفرس بنوع خاص، ولعل سبب ازدهارها فيها قربها من بلاد الهند، كما ازدهرت في جنديسابور بتأثير الديانة المسيحية، وتقاليد الافلاطونية الجديدة التي وضعها فلاسفة اليونان بعد أن فروا من أثينة إلى فارس عام ٥٢٩ م". (٢)
وقد ساق الباحثون في هذه المجال عددًا من الشواهد والأدلة، التي تؤكد حقيقة هذا التأثر، فبالنسبة للتأثر بالمسيحية، يعد استعمال الصوف الذي كان سببًا في نسبة الصوفية إليه أحد تلك الدلائل، ولعل في استعمال الخرقة كدلالة على التمسك بالطريقة، والتسبيح بالمسابح وما تخلق به الصوفية من العزوف عن الزواج والانقطاع في الخلوات ما يوثق القول بذلك التأثر.
أما عن التأثر بأديان الهند: الهندوسية والبوذية (٣)، فأظهر ما يمكن أن يكون
_________________
(١) نسخة من الفلسفة الأفلاطونية التي تقوم على أساس اعتقاد أن كل هذه الموجودات ما هي إلا ظل خادع لحقائقها الثابتة في عالم المثل، وأنه حتى تتمكن الروح من الصعود إلى النموذج الأصلي لا بد لها من الحب المطهر الذي يكون بالتخلي عن جميع الشهوات الصارفة، انظر: المعجم الموسوعي، الدكتور سهيل زكار: (١/ ١٠١).
(٢) قصة الحضارة، ول ديورانت، ترجمة: محمد بدران: (١٣/ ٢١٤).
(٣) ديانة ظهرت في الهند بعد الديانة البرهمية في القرن الخامس قبل الميلاد، تقوم على اعتقاد أن بوذا هو ابن الله وأنه هو المخلص للبشرية من كل مآسيها وأتعابها، فقد نظر بوذا إلى الحياة نظرة متشائمة وازدرى كل ما فيها من الملذات لأنها فانية ومشوبة بالكدر واعتقد أن الخلاص الحقيقي يكون بتطير الذات من إرادة الملذات الدنيوية، وإذا تم له ذلك فإنه يستحق الخلاص، وحتي يتم له ذلك فإنه يدعو إلى الخير والبذل والتسامح والقناعة والتأمل. انظر الموسوعة الميسرة: ١٠٧.
[ ٦٦٤ ]
دليلًا صادقًا على ذلك: المقامات في الفكر الصوفي خصوصًا ما يتعلق منها بمعرفة الله إن صح التعبير كالفناء والبقاء حيث يجتهد الهندوسي من أجل الخلاص من كل ما يمكن أن يعيق تحرره للوصول إلى النرفانا.
وتعني النرفانا تصفية النفس من كل متعلقاتها الشهوانية حتى تصل إلى مرتبة الاتحاد، فلا تعود مرة أخرى بعد الموت ملبسة بعقاب التناسخ الذي يحكم عليها بالحياة مرة أخرى في قيود الأجسام والشهوات (١)، وقد لا تتفق تمامًا حقيقة المعتقد، إلا أن التشابه واضح جدًا في جعل إشباع الحاجات البشرية من الطعام والشهوات ولو بصورة مباحة عائقًا من الخلاص، كما أن الغاية التي يرنو إليها الصوفي - الغالي - وهي الوصول إلى الفناء الوجودي، كبيرة الشبه بأمنية الهندوسي في الاتحاد.
وكان التأثر بالفكر اليوناني الأفلاطوني أحد العوامل التي لعبت دورًا خطيرًا في التنظير لفكرة الفيض والإشراق، والتي تبلورت عند السهروردى المقتول وابن عربي الطائي. (٢)
ومهما قيل عن التأثير الفارسي في مذهب الإشراق، إلا أن رواسب الفكر الأفلاطوني في ذلك المذهب لتؤكد وبطريقة حاسمة أن هذا المذهب هو استمرار للفلسفة اليونانية بالصورة الأفلاطونية المتأثرة بتيارات الفكر الفلسفي التلفيقي، الذي راجت تعاليمه عند السريان، وانتقلت على هذه الصورة إلى المسلمين في عصر الترجمة.
يؤكد هذا أن "نظرية المتصوفين في الكشف والشهود إنما هي أفلاطونية حديثة في صميمها، وكذلك نظريتهم في المعرفة التي هي ترجمة لكلمة غنوص اليونانية، وفي النفس وهبوطها إلى هذا العالم، وفي العقل الأول والنفس الكلية، بل إن الفيوضات كلها مستمدة من مصادر أفلاطونية حديثة مع قليل أو كثير من التحوير"
_________________
(١) انظر: أديان الهند، محمد ضياء الرحمن الأعظمي: ١٢٤.
(٢) انظر: تاريخ التصوف الإسلامي، عبد الرحمن بدوي: ٤٢.
[ ٦٦٥ ]
"ولتوثيق هذه الحقائق تجدر الإشارة إلى أهم المؤلفات الأفلاطونية التي تم لها الترجمة فعرفها المسلمون في أواخر القرن الثالث الهجري، وكانت ملأى بهذه الأوهام الفلسفية، وهي: كتاب أثولوجيا أرسطاطاليس بمعنى: قول في الربوبية. وكتاب الإيضاح في الخير المحض، وكتب أحد القساوسة الذين تنصروا على يد بولس بعنوان: الله المقدس. (١)
ولما انحرف مصدر التلقي عند الصوفية، وصار سبيل المعرفة عندهم هو ما يتوصل إليه بالوجد والذوق والكشوف، اضطربت لديهم المفاهيم حول أصول العقيدة وقد "تجلى ذلك واضحًا في تفسير الولاية والنبوة والوحي ومعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء" حتى لا يكاد "يختلف في ذلك الصوفية المسمون بصوفية أهل السنة عن الصوفية الإشراقيين، أو ممن سموا بالصوفية المتفلسفين" (٢)
ولعلي أفصل الحديث في هذه المهمات فيما بعد، ويكفيني هنا أن أشرت إلى بطلان القول بأن ما انتهى إليه التصوف مستمد من الكتاب والسنة، كما قرر ذلك الصاوي.
فإذا اتضح هذا فإنه من العجب أن يدعى الصاوي نقل علم الباطن والذي يقصد به التصوف عن النبي - ﷺ -، فأي باطن هذا الذي نقل عنه، وإذا كان حقًا ما يقول فلماذا لم يظهر أثره على الصحابة الكرام؟ مع ما عرف عنهم من شدة المحبة له - ﵊ - والتمسك بسنته واقتفاء أثره، حتى روى عن بعضهم أنه كان يقلده في مشيه وأكله وجلسته، كل ذلك رجاء الثواب الموعود به في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
وهذا ما يقال أيضًا في الوجه الآخر من محاولته تأصيل علم التصوف من جانب الشرع، حيث ادعى أن واضعوه هم الآخذون عن النبي بالسند المتصل، فأي سند
_________________
(١) انظر: أضواء على التصوف، لطلعت غنام: ١٠٤.
(٢) التصوف الإسلامي، إبراهيم هلال: ٣٣.
[ ٦٦٦ ]
هذا الذي نقل لنا ما اعتمده المتصوفة من بدعهم المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا في الحقيقة يرجع إلى اعتقاده استمداده من الكتاب والسنة الصحيحة. ولمخالفة كلام الصاوي في هذا صريح المأثور عن النبي فإنه يحاول أن يستخرج من معاني القرآن والحديث، ما يؤيد به موقفه التأصيلي للتصوف، فنراه يستخدم الإشارة والتأويل المنافي للتفسير بالمأثور من أجل تقرير تلك المعتقدات الصوفية، وسيأتي بيانها تبعًا للمباحث المتعلقة بآرائه السلوكية، فالطريقة وميثاق الشيخ مع المريد، كلها مما حاول تأصيله بهذا السبيل المبتدع.
* * *
[ ٦٦٧ ]
(المبحث الثاني): آداب التصوف
إن تحقيق كمال التعلم إنما يكمن بحسن التلقي، إذ الحاجة إلى الاقتداء في تحصيل العلم من الضروريات المتفق عليها، ولهذا كان اتباع النبي - ﷺ - بالتأسي به من أعظم مقتضيات الإيمان برسالته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقد شرع ذلك التأسي؛ لأن الغاية من البعثة وهي تحقيق العبودية بالتزام مراضي الرب، واجتناب مساخطه، يصعب إمكان تحققها دون وجود الأسوة، التي تقوم بترجمة هذه الشرائع الربانية إلى واقع حي، يمثل الأنموذج الصادق الذي يتطلع إليه بعين الاقتداء والاتباع.
ومن هنا أنيط صدق الرجاء في نيل الثواب؛ بحسن اتباع النبي - ﷺ -، والتأسي به في جميع الأقوال والأفعال، وكان هذا الأصل في الدين أحد الدعائم التي قامت عليها الشريعة جملة وتفصيلًا.
فصار اتباعه - ﵊ -، هو دليل محبة الله تعالى، التي هي أساس العبودية وخالص لبها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
ولما كان النبي - ﷺ - هو المتكفل بالتبليغ عن الله تعالى بتلقيه الوحي، وكان قد تكفل الله تعالى له بالعصمة، فما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، كان - ﵊ - هو المنفرد بتمام الاقتداء، وكمال الاتباع وليست هذه المنزلة في الاتباع إلا للنبي - ﷺ -، وحقيقة هذا طاعة لله تعالى والتزام مراضيه، حتى أناط الحق تعالى حقيقة الإيمان به بالتزام شرعة نبيه - ﷺ -، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا
[ ٦٦٨ ]
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وهذه الحقيقة باقية ببقاء الدين وحفظه، ومع الحاجة للأسوة في تلقى علوم الشريعة والتأدب بآدابها بعد وفاة النبي - ﷺ -، فإن القيام بهذه المهمة هو من دأب ورثته، وهم العلماء العاملون، ربانيوا هذه الأمة، وكلما تحقق صدق الاتباع منهم للنبي في أقواله وأفعاله؛ كلما تأكد قيامهم بهذه المهمة، ومن ثم وجبت لهم حقوق التأدب من آحاد المسلمين.
وتوضيحه أن مشيئة المولى ﵎ قد قضت أن بقاء هذا الدين منوط بحفظ أتباعه له، حيث كان الحفظ في الصدور هو المصدر المعول عليه في تلقى علوم الشريعة بدأً بالقرآن الكريم، وانتهاءً بسنة النبي - ﷺ -، ومع كتابة الصحابة للقرآن في وقت متقدم، إلا أن الحاجة لتلقيه بطريق المشافهة ما زالت قائمة إلى يومنا هذا.
ومن جهة أخرى، فإن من أهم مقومات التربية السليمة توفر المربى المحافظ الملتزم أمر نبيه؛ مما يؤدى إلى تحقيق مبادئ الإسلام وقيمه، وذلك بغرسها في نفوس المؤمنين، وقد فطن أوائل المسلمين إلى أهمية هذا الأصل فاجتهدوا في تحرى المشايخ للتلقى عنهم، ومن ثم القيام بحقوقهم من التأدب والاحترام، وحكاية ذلك من أخبارهم مما يطول المقام باستقصائها.
ومن ذلك ما حكى عن ابن عباس - ﵄ - من اجتهاد في تحصيل العلم واحترام أهله، فقد: "أمسك ابن عباس - ﵄ - بركاب زيد بن ثابت - ﵁ -، فقال: تمسك ركابى وأنت ابن عم رسول الله - ﷺ -؟، قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء" (١)
ولم يكن يحملهم تيقنهم بأهمية الشيخ، وارتباط تلقى العلم بشخصه؛ على
_________________
(١) طبقات الفقهاء للشيرازي: ٤٦.
[ ٦٦٩ ]
الوقوع في الغلو المنهي عنه، بل كانوا على يقين بأن العصمة لا تكون لأحد بعد الأنبياء والرسل، فالعلاقة إذًا وثيقة بين محبة الشيخ وتعظيمه، وبين الاعتراف ببشريته ومحدودية قدراته، ولهذا فلم يؤثر عنهم هذه المزاعم التي يدعيها الصوفية.
فعند مطالعة أقوال الصوفية في آداب تلقى العلم؛ نجد البون شاسعًا بين ما كان عليه السلف الصالح، وما وصل إليه غلاتهم، ومرجع هذا الانحراف هو المنهج الخاطئ في التلقي، حيث اعتقدوا في مشايخهم الكمال فأخذوا عنهم دون رد إلى النصوص، فأدى بهم ذلك إلى الوقوع في الاضطراب، ويحتج البعض لمشروعية التأسي بهم بما كان عليه الصحابة الكرام مع رسول الله - ﷺ - من تمام المتابعة، فلا يرون فرقًا بين مقام النبي ومقام الشيخ. (١)
ولعلي أذكر طرفًا من أقوالهم، حتى يتبين مجمل أصول اعتقادهم في هذا الباب:
١ - حصر التلقي: يرى الصوفية أن الطالب إذا عقد عهدًا مع شيخ رأى فيه ما يطلبه من العلوم والآداب؛ أن ذلك العهد يقضي بوجوب التزامه، ومن أهم ما يستلزمه الاكتفاء به في التلقي، فيمتنع عليه أن يجالس غير شيخه (٢)، يقول ابن عربي: "اعلم أنه لا يجوز لمريد أن يتخذ له شيخًا إلا واحدًا، فكما أنه لم يكن وجود العالم بين إلهين، ولا المكلف بين رسولين، . . .، فكذلك المريد لا يكون بين شيخين" (٣)
٢ - الطاعة التامة: من أهم آداب التصوف المتعلقة بالطالب، وأبرزها مكانة: طاعة الشيخ، والتزام أمره التزامًا تامًا، بحيث يقبح من الطالب الاعتراض ولو بسؤال الكيف، يحكى المناوي في طبقاته عن أحد كبارهم؛ أنه عرف التصوف بهذا الأدب، فقال: "التصوف الإعراض عن الاعتراض، فمن قال لشيخه: لمَ؟ لم يفلح أبدًا" (٤)
_________________
(١) انظر: مقدمة تحقيق كتاب الآداب المرضية لسالك الصوفية، للشيخ البوزيدى: ١٧.
(٢) انظر: الأنوار القدسية في القواعد الصوفية: ٩٣.
(٣) المرجع السابق.
(٤) الكواكب الدرية: (١/ ٥٨٩).
[ ٦٧٠ ]
ويحذر الشعراني كل من سولت له نفسه الاعتراض على الشيخ من الوعيد الذي ينتظره في الدنيا قبل الآخرة، فيقول: "من أضر شيء على المريد الصادق اعتراضه على أحوال الرجال، ومن ابتلاه الله تعالى بذلك فلا بد أن يموت قبل أجله ثلاث موتات: موت بالذل، وموت بالفقر، وموت بالحاجة إلى الناس، ثم لا يجد من يرحمه منهم" (١)
ومبالغة في تأصيل هذا الالتزام، فإنهم يرون في البيعة المنعقدة بين الطالب والشيخ ما يحمل على اتحاد متعلق إرادته بإرادة شيخه، فـ "من شروط المريد أن لا تكون له إرادة، بل يكون مع الشيخ على ما يريده الشيخ، فهو مريد لما يريده الشيخ وتارك لإرادة ما سواه" (٢)
وفي الاستدلال لهذا الرضوخ والانطراح بين يدي الشيخ، يقول الغزالي في أدب المتعلم: "ومهما أشار عليه المعلم بطريق في التعلم فليقلده وليدع رأيه، فإن خطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه. .
وقد نبه الله تعالى بقصة الخضر وموسى - ﵉ -، حيث قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢]، فشرط عليه السكوت والتسليم، حيث قال: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] " (٣). فـ "المريد مع الشيخ كالميت مع الغاسل، وكذلك كان الصحابة - ﵃ - مع النبي - ﷺ -" (٤).
٣ - المبالغة في تعظيم الشيخ وإجلاله؛ وهذا كثير في كلام الصوفية، فمن الآداب التي يجب على الطالب التزامها ألا يكثر الجلوس مع الشيخ، وأن لا يكثر الضحك معه، وأن لا يكثر النظر في وجهه، وأن لا يجلس في موضع الشيخ،
_________________
(١) الأنوار القدسية: ١٧٥.
(٢) السمط المجيد في شأن البيعة والذكر، للشيخ أحمد الأنصاري القشاشي: ٤٤.
(٣) إحياء علوم الدين: (١/ ٥١٣). وانظر: الرسالة القشيرية: ٣٣٣.
(٤) الآداب المرضية: ٢٩٧.
[ ٦٧١ ]
وبالجملة فإن لهم في هذا المقام من التفاصيل ما يصعب استقصاؤه، ومرد هذا إلى غلوهم في اعتقاد كمال الشيخ، حتى قام كثير منهم بإضفاء هالة من القداسة عليه وذلك باعتقاد أنه الواسطة بين العبد وبين الرب، فلا يمكن للعبد الوصول إلى الله إلا بطريق شيخه ورضاه عنه.
فالشيخ عند السالك من الصوفية: "واسطة بينه وبين الله، ولا يصير واسطة حتى يكون ظاهره عبودية محضة، وباطنه حرية يقابل العبيد بظاهره، ويمدهم بباطنه، فيأخذهم، ولولا ظاهره ما عرف باطنه، ولولا باطنه ما عرف ظاهره، ولكان مثل عامة الناس". (١)
وتتنوع ألفاظ الصوفية في التعبير عن هذه المسلمات، وقد يميل بعضها إلى الغلو المصرح به كما هو في النص السابق، وقد يلمس فيه نوع من الاعتدال ولكن دون أن يخرج عن هذه الأسس.
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
يعرض الصاوي لبيان آداب التصوف، متبعًا بذلك ما تعارف عليه أصحاب هذا المسلك من وجوب الالتزام بآداب وتعاليم معينة، لا يمكن بدونها للسالك أن ينخرط في مسلك التصوف، إذ يعد الإخلال بها خروج عن مقتضى الانضمام إلى أصحاب هذه الطريقة، بل ومما يقدح في العدالة على أقل درجات العقوبة.
أهمية اختيار الشيخ:
لما كان من المقرر المعهود عند الصوفية أن هذا العلم لا يتأتى تعلمه والتحلي به إلا بطريق الشيخ؛ بين الصاوي العلاقة بين موضوع هذا العلم وهو الأخلاق والسلوك؛ وبين المتلقى عنهم من مشايخ الصوفية، وذلك من حيث كونهم القدوة الحية التي يحسن بها الوصول إلى ثمرة العلم، وهي صلاح الأعمال والسلوك،
_________________
(١) المرجع السابق: ٢٨٢.
[ ٦٧٢ ]
يقول: "ولا يدل على الأخلاق المحمدية إلا الأشياخ العارفون بربهم، فمن أراد السلوك والوصول، فليلزم عارفًا كاملًا على الكتاب والسنة، فيوزنه قبل الأخذ عنه، فإن وجده كاملًا على القدم المحمدي فليطلب رضا الله في رضاه، ويعتقد أنه أكمل أهل عصره، ولذلك قال العارفون: حال رجل في ألف رجل، أنفع من وعظ ألف رجل في رجل.
ومن هنا تأكدت أهمية اختيار الشيخ، وفقًا لما يتأتى به الاتساء بالأخلاق المحمدية.
صفات الشيخ:
ويعرض بعد ذلك أهم ما يجب أن يتصف به الشيخ من الجانب السلوكي، حيث يعلل وجوب اتصافه بالحلم، كصفة من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المربي، قائلًا: "لأنه جامع لأوصاف الخير"، وذلك حتى يكون منه "التحمل لمشاق عباد الله، والصبر على آذاهم، فلا يستفزه الغضب مع التكثير بالإخوان، إلا فيما يغضب الله".
ومع تحقق اتصاف الشيخ بهذا الخلق الفاضل؛ فإنه يرى وجوب التزامه بالسير على منهج صحيح، يتفق مع ما كان عليه النبي - ﷺ -، يقول: ويجب مع هذا أن يكون: "تابعًا للحق: أي للدين القويم، مستمسكًا بأوامره، مجتنبًا لنواهيه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (١) ".
أما عند انعدام من يستحق الاتباع والاقتداء؛ فإن الصاوي يوصي بالإكثار من الصلاة على النبي - ﷺ -، يقول بعد بيان قضايا التصوف الأساسية: "هذا الذي أبديته لك لا يؤخذ إلا عن سالك الطريق، البالغ الكمال، الآخذ عن الرجال، بالجد والاجتهاد، فإن لم تجد كاملًا، فالزم الصلاة على الحبيب المصطفى، فإنها شيخ من لا شيخ له". (٢)
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٦٩.
(٢) حاشية الصلوات: ٨٦.
[ ٦٧٣ ]
آداب السلوك:
عند انخراط الطالب في سلك التصوف على يد شيخ معتمد؛ فإنه يؤكد على وجوب التزامه بآداب معينة، اشتهر كلام الصوفية فيها، يقول: أما الآداب "فهي كثيرة جدًا فنقتصر منها على المهمات:
بعضها يتعلق بحق الشيخ، وبعضها يتعلق بحق الإخوان الذين معه في الطريق، وبعضها يتعلق بحق العامة، وبعضها يتعلق بحق نفسه".
- وهو إذ يؤكد على وجوب الالتزام بهذه الآداب؛ فإنه يرجع حقيقة استمدادها إلى آيات الكتاب الحكيم، مستندًا إلى التفسير الإشاري، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]: "هذه السورة جمعت آدابًا ظاهرية وباطنية، وأوامر ونواهي ظاهرية وباطنية عامة وخاصة، فهي متضمنة لطريقة الصوفية التي من تمسك بها وصل" (١)
أولًا: ما يتعلق بآداب اختيار العلم:
يرى الصاوي وجوب مراعاة الأولوية في طلب العلوم، حيث يعتقد أن هذا العلم مما يتحلى به، فلا يصح قصده إلا بعد الإلمام بالعلوم الأساسية من الدين الإسلامي، يقول في ذلك: وهذا العلم "لا يكون إلا بعد معرفة الأحكام الفقهية التي بها تصح عبادته، ولذا قيل: من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف وتفقه فقد تحقق".
ثانيًا: الآداب المتعلقة بحق الشيخ:
١ - تعظيمه وتوقيره ظاهرًا وباطنًا، وعدم الاعتراض عليه في شيء فعله، ولو كان ظاهره أنه حرام، ويؤول ما أنبههم عليه.
ويؤصل لهذه الركيزة في المعتقد الصوفي من أدلة الكتاب والسنة، حيث يستخدم في ذلك طريقة التفسير الإشارى للوصول إلى تحقيق هذه المعاني المرادة عند
_________________
(١) المرجع السابق: (٤/ ١٠١).
[ ٦٧٤ ]
الصوفية، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣] عهد الله هو: الامتثال بالمأمورات واجتناب المنهيات، والدال على ذلك تجب مطاوعته، فالشيخ المتمسك بشرع رسول الله القائم بحقوق الله وحقوق عباده إذا أخذ العهد بذلك على إنسان وجب عليه اتباعه، ونقض عهده إما كفر، إذا قصد نقض ما هو عليه من التوحيد وغيره، أو ضلال مبين إذا قصد عدم الالتزام بأوراده".
وقد يقع في نوع من التناقض حين يرى أن في مخالفة الشرع ما يوجب نقض عهده، يقول: "وأما من خالف الشرع واتبع هوى نفسه فالواجب نقض عهده، لأن من لا عهد له مع الله لا عهد له مع خالقه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] " (١).
وقد أشار إلى هذا المعنى أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، يقول: "وهذه الآية وإن كان سبب نزولها بيعة الرضوان، إلا أن العبرة بعموم اللفظ، فيشمل مبايعة الإمام على الطاعة والوفاء بالعهد، ومبايعة الشيخ العارف على محبة الله ورسوله والتزام شروطه وآدابه، ومن هنا استعمل مشايخ الصوفية هذه الآية عند أخذ العهد على المريد" (٢)
٢ - ولا يلتجئ لغيره من الصالحين.
٣ - ولا يزور صالحًا إلا بإذنه.
٤ - ولا يحضر مجلس غيره.
٥ - لا يستمع ممن سواه حتى يتم سقيه من ماء سر شيخه.
٦ - ولا يقعد وشيخه واقف.
_________________
(١) حاشية الجلالين: (١/ ٢٥٦).
(٢) المرجع السابق: (٤/ ٩٣).
[ ٦٧٥ ]
٧ - ولا ينام بحضرته، إلا بإذنه في محل الضرورات.
٨ - ولا يكثر للكلام بحضرته، ولو باسطه.
٩ - ولا يجلس على سجادته، ولا يسبح بسبحته، ولا يجلس في المكان المعد له.
١٠ - ولا يفعل فعلًا من الأمور المهمة، إلا بإذنه.
١١ - ولا يمسك يده للسلام وهى مشغولة بشيء، بل يسلم عليه بلسانه، ولا يمشى أمامه، ولا يساويه في مشيه، إلا بليل مظلم، ليكون مشيه أمامه صونًا له.
١٢ - وأن لا يذكره عند أعدائه.
١٣ - وأن يحفظه في غيبته كحفظه في حضوره، وأن يلاحظه بقلبه في جميع أحواله، "إن ملاحظته ترد الشيطان عنه".
١٤ - ويرى كل نعمة وصلت إليه من بركته.
١٥ - وأن لا يعاشر من كان الشيخ يكرهه.
١٦ - وأن يصبر على جفوته وإعراضه عنه.
١٧ - وأن يحمل كلامه على ظاهره؛ فيمتثله إلا بقرينة صارفة عن إرادة الظاهر.
١٨ - وأن يلازم الورد الذي رتبه، فإن مدد الشيخ في ورده؛ فمن تخلف عنه حرم المدد.
١٩ - وأن يقدم محبته على محبة غيره، ما عدا الله ورسوله، فإنها مقصودة بالذات، ومحبة الشيخ وسيلة" (١).
الآداب المتعلقة بجماعة الطلاب:
١ - فأن يكون محبًا لهم.
٢ - ولا يخص نفسه بشيء دونهم، ويحب لهم ما يحب لنفسه.
_________________
(١) حاشية الخريدة: ٧٦.
[ ٦٧٦ ]
٣ - ويعودهم إذا مرضوا، ويسأل عنهم إذا غابوا.
٤ - ويبتدرهم بالسلام وطلاقة الوجه.
٥ - وأن يراهم خيرًا منه، ويطلب منهم الرضا.
٦ - ولا يزاحمهم في أمر دنيوى، بل يبذل لهم ما فتح عليه به، وأن يوقر كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويتعاون معهم على حب الله، وليجعل رأس ماله مسامحة إخوانه، يخدمهم ولو بتقديم النعال لهم.
وأما الآداب التي تتعلق بالعامة:
فالتواضع، وبذل الطعام، وإفشاء السلام، والصدق معهم في جميع الأحوال.
وأما الآداب التي تتعلق بالطالب:
١ - أن يكون مشغولًا بالله، زاهدًا فيما سواه.
٢ - غاضًا عن المحارم، ليس للدنيا عنده قيمة، تاركًا لفضول الحلال، كالتوسعة في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمركب، مقتصرًا على قدر الكفاية.
٣ - مديمًا الطهارة، لا ينام على جنابة.
٤ - ولا يفضى بيده إلى عورته، إلا في ضرورته، ولا يكشف عورته ولو بخلوة.
٥ - ولا يطمع فيما في أيدى الناس.
٦ - يحاسب نفسه على الدوام.
٧ - لا يأكل إلا حلالًا وهو ما جهل أصله.
٨ - يكابد نفسه عن النظر إلى الصور الجميلة: من النساء والأحداث، فإن تلك قواطع عن الله تسد باب الفتح أجارنا الله من ارتكابه.
٩ - ويطالع كتب القوم: ككتب سيدى عبد الوهاب الشعرانى "فإنها تعلم الآداب". (١)
_________________
(١) حاشية الخريدة: ٧٦ - ٧٧.
[ ٦٧٧ ]
- أما عن نتيجة التزام هذه الآداب، والحرص على الإتيان بمقتضاها؛ فإنه يرى أن الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] تفيد "معنى إشارى للصوفية، وهو: أن العباد لو حصلت منهم استقامة على الطريقة، بالانهماك في مرضات الله تعالى، لملأ الله قلوبهم بالأسرار والمعارف والمحبة الشبيهة بالماء، في كونها حياة الأرواح، كما أن الماء حياة الأجسام، فيحصل لهم بسبب ذلك الفتنة فيه بأن يسكروا ويطربوا ويدهشوا، ويخرجوا عن الأهل والأوطان، فالاستقامة سبب للرزق الظاهر والباطني" (١)
المناقشة:
أولًا: مكانة علم التصوف بين العلوم:
لقد حاول الصاوي التوسط في مكانة التحلي بالآداب الصوفية، حيث أكد على أهمية تعلم العلوم الشرعية قبل الآداب، ولكنه وقع في نوع من التحكم حين جزم بأن من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، وذلك لأن مؤدى هذا طعن في السلف الصالح من الصحابة - رضوان الله عليهم - وكبار الأئمة والعلماء، الذين لم يكن الهم علاقة بالصوفية من قريب أو بعيد.
وإذا كان قد سبق بيان ما جزم به من أن التصوف هو علم أحوال القلوب، وأن واضعه هو النبي - ﷺ -، فلا عجب إذا من هذا الذي ذهب إليه هنا، وتبقى مناقشته في حقيقة هذا الادعاء؛ هل التصوف حقًا مما دل عليه الكتاب والسنة، أم لا؟ . وقد تقدم تفصيل هذا في المبحث السابق، ويكفي هنا أن أؤكد على أن وجود الانحراف الخطير في الفكر الصوفي خصوصًا عند المتأخرين منهم، يقطع بتأثره بل واندماجه في كثير من علومه بالفلسفات الخارجة، وبقايا الديانات المنحرفة، ومن كل هذا فلا سبيل أبدا إلى موافقته على تلك المقولة، بل الحق أحق أن يتبع، وما دام أن المولى ﵎ قد حفظ لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل الخير
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٤/ ٢٤٢).
[ ٦٧٨ ]
معقودًا فيما أثر عن النبي - ﷺ -، فلسنا بحاجة لهذه العلوم الدخيلة التي تحمل من الضرر ما يربوا على المصلحة منها.
ومن جهة أخرى فما حقيقة هذا العلم الذي إذا أخذ قبل التعمق في الدين كان مؤداه إلى الزندقة؟ إن هذا إقرار من الصاوي على خطورة هذا العلم الذي قد يصل بصاحبه إلى مدارج الكفر، ولعل في هذا ما يجزم ببطلان دعوى استمداده من الكتاب والسنة، كيف والمولى تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠].
فليس في القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يفضي بأي وجه إلى ما يخالف شرائعه المطهرة، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، يقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: "فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله، فهو يقول الحق ويأمر بالعدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ " (١).
وعليه فإن في هذه المقولة من التناقض ما لا يخفى، وكفى بها بيان للاضطراب الذي وقع فيه فقهاء الصوفية.
* * *
ثانيًا: صفات الشيخ:
هذا وقد أكد الصاوي على وجوب اختيار الشيخ الكامل، وعمدته في استحقاق وصف الكمال اتباعه لمنهج الكتاب والسنة، واقتفاؤه أثر النبي - ﷺ - ولا شك أن هذا أصل عظيم في صحة التلقي والتربية الصحيحة، فقد أمر النبي - ﷺ - أصحابه بالاقتداء به، وحذر أيما تحذير من مخالفة أمره، فعن العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله - ﷺ - يومًا بعد صلاة الغداة؛ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا
_________________
(١) مدارج السالكين: (٣/ ٤٢٥).
[ ٦٧٩ ]
رسول الله؟ قال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بري اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة؛ فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) (١)
وفي حديث ثوبان - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) (٢)، والضلال مخالفة ما أتى به النبي - ﷺ - اتباعًا للهوى.
ويقول الإمام النووي في وجوب استواء حال الشيخ في دينه وتقواه: "ولا يتعلم إلا ممن تكملت أهليته، وظهرت ديانته وتحققت معرفته، واشتهرت صيانته، فقد قال محمد بن سيرين، ومالك بن أنس وغيرهما من السلف: هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" (٣).
كما أكد الصاوي أيضًا على وجوب تخلق الشيخ بالخلق الفاضل من الحلم والرفق، وهذا أيضًا من عظيم أصول التعليم، فقد كان رسول الله - ﷺ - رحيمًا رءوفًا، قال فيه من أدبه فأحسن تأديبه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقال في معرض امتنانه عليه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقد تابع الصحابة رضوان الله عليهم - نهج نبيهم في حسن تربية أتباعهم بالصبر والرفق واللين فـ "عن ابن عباس - ﵄ -، قال: أكرم الناس على جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلى، لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت، وفي رواية: إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني" (٤)
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب العلم عن رسول الله - باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، رقم الحديث: ٢٦٧٦. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح: (٥/ ٤٣). وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم: ٢١٥٧: (٢/ ٣٤٢).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الفتن عن رسول الله - باب ما جاء في الأئمة المضلين، رقم الحديث: ٢٢٢٩. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح: (٤/ ٤٣٧). وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم: ١٨١٧: (٢/ ٢٤٦).
(٣) آداب حملة القرآن: ٣٧.
(٤) آداب حملة القرآن: ٣٢.
[ ٦٨٠ ]
فعن أبي سعيد الخدري أنه كان يقول لمن يأتيه طالبًا العلم: "مرحبًا بوصية رسول الله - ﷺ -، إن النبي - ﷺ - قال: (إن الناس لكم تبع وإن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا) (١) ".
وقد تمثل أهل العلم العاملين به بهذا الخلق الكريم، فقد روى الخطيب البغدادي عن الربيع بن سليمان، أنه قال: "كتب إلى أبو يعقوب البويطى أن اصبر نفسك للغرباء، وأحسن خلقك لأهل حلقتك، فإني لم أزل أسمع الشافعي - ﵀ - يكثر أن يتمثل بهذا البيت:
أهين لهم نفسي لكي يكرموها ولن تكرم النفس التي لا تهينها (٢) " (٣).
* * *
آداب التلقي:
أما عن حديثه في بيان الآداب على جهة التفصيل، فقد ذكر عددًا من الآداب الصحيحة، التي درج على اعتمادها أهل العلم منذ القرون المفضلة، فاحترام الشيخ وتعظيمه والتأدب معه من الأمور التي دلت عليها الآيات والأحاديث، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
ويقول الإمام النووي في بيان آداب المتعلم مع شيخه: "وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويتأدب معه، وإن كان أصغر منه سنًا، وأقل شهرة ونسبًا وصلاحًا، وغير ذلك ويتواضع للعلم فبتواضعه يدركهـ وقد قالوا نظمًا:
العلم حرب للفتى والمتعالي كالسيل حرب للمكان العالي
وينبغي أن ينقاد لمعلمه ويشاوره في أموره ويقبل قوله كالمريض العاقل يقبل قول الطبيب الناصح الحاذق. وهذا أولى" (٤)
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب العلم - باب ما جاء في الاستيصاء بمن يطلب العلم، رقم الحديث: ٢٦٥٠: (٥/ ٣٠). وأخرجه ابن ماجه في صحيحه: كتاب تعظيم حديث رسول الله - باب الوصاية بطلبة العلم، رقم الحديث: ٢٤٩: (١/ ٩١). وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم: ٢٠١: (١/ ٤٧).
(٢) ديوان الشافعي: ١١٨. تحقيق يوسف البقاعي.
(٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: (١/ ٣٤٩).
(٤) آداب حملة القرآن: ٣٧.
[ ٦٨١ ]
وعليه أن ينظر معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على طبقته، فإنه أقرب إلى انتفاعه به، وكان بعض المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب معلمي عني ولا تذهب بركة علمه مني.
وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: من حق المعلم عليك أن تسلم على الناس عامة وتخصه دونهم بتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك ولا تغمزن بعينيك، ولا تقولن: قال فلان خلاف ما تقول، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تشاور جليسك في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه إذا قام، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تعرض أي تشبع من طول صحبته، وينبغي أن يتأدب بهذه الخصال التي أرشد إليها علي - كرم الله وجهه -، وأن يرد غيبة شيخه إن قدر فإن تعذر عليه ردها فارق ذلك المجلس" (١).
وقال الحسين بن علي - ﵄ -، لابنه: "يا بني إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثًا وإن طال حتى يمسك" (٢).
وكان هذا هو ديدن أهل العلم في العصور المفضلة، يروى الخطيب البغدادي عن أحد الذين حضروا مجالس الإمام مالك - ﵁ -، حيث يقول: "رأيت مالك بن أنس غير مرة، وكان بأصحابه من الإعظام له والتوقير له. وإذا رفع أحد صوته صاحوا به. وكان إلى الأدمة ما هو" (٣)
* * *
أما آداب الإخوان فقد وردت فيها نصوص شرعية كثيرة، كلها تفيد الحث على التآخي، ونبذ أسباب الفرقة والخلاف، والقيام بحق الإخوان باطنًا وظاهرًا، ولهذه الحقوق أشكال متعددة، فمنها ما يستند إلى الكف عن الأذى؛ كترك الحسد والحقد
_________________
(١) آداب حملة القرآن: ٣٧ - ٣٨.
(٢) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر: (١/ ٥٢١). وانظر: كتاب الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي: ١٠٠.
(٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: (١/ ١٨٢).
[ ٦٨٢ ]
والظلم، ومنها ما يستند إلى بذل المعروف، كالإحسان إليهم بتقديم العون، وتفريج الكربة، وطلاقة الوجه إلى غير ذلك مما لا مجال لحصره الآن.
وقد أمر المولى باستشعار نعمة الأخوة والحفاظ عليها من كل ما يقتضي الإخلال بحقوقها، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
يقول الإمام الشوكاني في معنى الآية: "أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين" (١).
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ومن ذلك قوله - ﷺ -: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله! إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا)، ويشير إلى صدره ثلاث مرات: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه). (٢).
ويتأكد هذا الخلق في حق من تآخوا في تلقي العلم؛ فعليهم أن يحذروا من الحسد والتشاحن والتباغض والعجب المؤدي إلى احتقار الغير، يقول الإمام النووي: "ومما يجب عليه ويتأكد الوصية به أن لا يحسد أحدًا من رفقته أو غيرهم على فضيلة رزقه الله إياها، وأن لا يعجب بنفسه بما خصه الله.
وطريقه في نفي العجب أن يذكر نفسه أنه لم يحصل ما حصله بحوله وقوته، وإنما هو فضل من الله، ولا ينبغي أن يعجب بشيء لم يخترعه بل أودعه الله تعالى فيه.
_________________
(١) فتح القدير: (١/ ٥٤٧).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر - باب تحريم ظلم المسلم: (١٨/ ١٢١).
[ ٦٨٣ ]
وطريقه في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت جعل هذه الفضيلة في هذا، فينبغي أن لا يعترض عليها، ولا يكره حكمة أرادها الله تعالى" (١)
هذا والنصوص الدالة على حق الأخوة في الدين كثيرة، منها قوله - ﷺ -: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى) (٢)
ومنها قوله - ﷺ -: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٣)
ومنها قوله - ﷺ -: (حق المسلم على المسلم ست. قيل ما هن؟ يا رسول الله! قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فأنصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) (٤)
* * *
احترازات في التلقي:
ولمتابعة الصاوي نهج أسلافه من الصوفية؛ فقد وقع في عدد من المخالفات فيما يتعلق بالآداب المتعينة في حق الشيخ، ومناقشتها على النحو التالي:
فمع سلامة مبدئه في اختيار الشيخ، وذلك وفقًا لعرضه على منهج الكتاب والسنة، إلا أن في بعض ما ذكره الصاوي من الآداب المتعلقة به يكاد يكون على النقيض من هذا الذي ذهب إليه أولًا، وبيانه كالتالي:
أولًا: طاعة الشيخ:
إن أول ما يحسن مناقشة الصاوي فيه، هو محاولة استدلاله على الآداب المتعلقة بحق الشيخ على الطريقة الصوفية من الكتاب والسنة. والحق أن آيات الكتاب ليس
_________________
(١) آداب حملة القرآن: ٤٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الأدب - باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم: (١٨/ ١٤٠).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان - باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم الحديث: ١٣.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام - باب من حق المسلم للمسلم رد السلام: (١٤/ ١٤٣).
[ ٦٨٤ ]
فيها دلالة إلا للطريقة النبوية السنية، وما خلا ذلك فيقبل منه ما وافق المنهج، ويرد ما خالفه، ففي الاستناد إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. استدلالًا لآداب الصوفية خصوصًا صوفية المتأخرين مخالفة صريحة لكثير من الأسس الصحيحة.
ولعل في هذا متابعة لما درج عليه الكثير من الصوفية، حيث اعتمدوا حال الصحابة - رضوان الله عليهم - مع نبيهم - ﷺ - في الاستدلال لما يجب أن يكون عليه حال الطالب مع الشيخ، ولا شك أن هذا اشتباه وإجمال يؤخذ منه ويرد، فعقد مقارنة بين النبي - ﷺ - وبين آحاد المسلمين مما لا دليل عليه يسنده في كل الأحوال، وذلك لأن المولى تعالى لم يتعبدنا باتباع أحد بعد النبي - ﷺ - متابعة كاملة، يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
يقول الإمام الشوكاني في تفسير الآية: "لما أمر سبحانه القضاة والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق؛ أمر الناس بطاعتهم ها هنا، وطاعة الله ﷿ هي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسول الله - ﷺ - هي فيما أمر به ونهى عنه. وأولي الأمر: هم الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية، والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه ما لم تكن معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما ثبت ذلك عن رسول الله - ﷺ -، وقال جابر بن عبد الله ومجاهد: إن أولي الأمر: (هم أهل القرآن والعلم)، وبه قال مالك والضحاك. وروي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد - ﷺ -. وقال ابن كيسان هم أهل العقل والرأي، والراجح القول الأول" (١).
وبناء على ما تقدم فإن اعتماد هذه الآية في تحريم الاعتراض على الشيخ، والتزام عهده وميثاقه مهما كان من الباطل الذي ترده الآيات والأحاديث، وما
_________________
(١) فتح القدير: (١/ ٧٢٠).
[ ٦٨٥ ]
يقوله الصوفية من أن العلماء هم ورثة الأنبياء، وأن العالم هو المبلغ عن النبي ليس بحجة في الاقتداء الكامل التام إذا ورد منه ما يخالف هدي النبي - ﷺ -.
فإن الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله ورسوله مبلغًا عن ربه، أما الشيخ فطاعته تكون مقيدة بما يوافق أصل الطاعة المطلقة لله ولرسوله، لذا كانت طاعته الطاعة المطلقة حتى فيما خالف أمر الله وأمر رسوله نوعًا من أنواع الشرك الأكبر، وهو شرك الطاعة، ومما يدل على هذا الأصل الإيماني العظيم في وجوب صرف الطاعة المطلقة لله تعالى توحيدًا وتجريدًا، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، ففي هذه الآية دليل على أن من أحل شيئًا مما حرم الله، أو حرم ما أحل الله فهو مشرك (١).
وهذا ما فسر به قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، يقول الإمام ابن كثير: "إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، وقال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ" (٢).
"ومن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا؛ طاعة العلماء علماء الضلال فيما أحدثوه في دين الله من البدع والخرافات والضلالات؛ كإحياء أعياد الموالد والطرق الصوفية والتوسل بالأموات ودعائهم من دون الله" (٣) وغير ذلك مما يناقض أصل الانقياد للشارع الحكيم في كل صغيرة وكبيرة كما يقتضيه حقيقة الإذعان والتسليم بنبوته - ﷺ -.
_________________
(١) تفسير البغوي: (٣/ ١٨٤). وانظر: تفسير القرطبي: (٧/ ٧٧).
(٢) تفسير ابن كثير: (٢/ ٤٥٩).
(٣) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، د/ صالح الفوزان: ٧١.
[ ٦٨٦ ]
ولا شك أن مناقضة هذا الأصل بصرف الطاعة لغير الله من أعظم ما يفسد معيشة الناس في الدنيا والآخرة، يقول الإمام ابن القيم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]: قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها، ببعث الرسل، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله، والدعوة إلى غيره، والشرك به؛ هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به، ومخالفة أمره. . . .
وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله - ﷺ - هو أعظم الفساد في الأرض ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود والدعوة له لا لغيره والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه وبالأمر بتوحيده ونهى عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله" (١).
ومن هنا علم أن تحريم الصاوي التقدم على الشيخ وتصريحه بمنع الاعتراض عليه؛ ولو ظهر منه ما هو حرام في الشرع، فيه مخالفة صريحة جريئة للحق الذي دلت عليه شرائع الدين، ومناقضة لما ذهب إليه أولًا من وجب التزام الشيخ بأوامر الشريعة، كما أن فيه إجحافًا بحق الشيخ، لأن النصح له المأمور به في حق كل مسلم، يقتضي نهيه عن المنكر إذا بدر منه، قال - ﷺ -: (الدين النصيحة) قلنا: لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (٢).
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في معنى النصيحة: "النصيحة كلمة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلًا".
والنصح للعالم ليس يقتصر نفعه عليه فقط كآحاد المسلمين، بل هو من حقيقة النصح لله تعالى وكتابه ورسوله، فـ "رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة على
_________________
(١) بدائع الفوائد: (٣/ ٥٢٥).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب بيان أن الدين النصيحة: (٢/ ٣٧).
[ ٦٨٧ ]
مواردها، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها" (١) من أوجب أنواع النصح لهذا الدين.
ثم إن التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لحلول اللعنة وغضب الرب، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩].
يقول الإمام السعدي - ﵀ - في السكوت عن المنكر، وذلك في تفسيره لهذه الآية الكريمة: "فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر مع القدرة موجبًا للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة:
منها: أن مجرد السكوت، فعل معصية وإن لم يباشرها الساكت، فإنه كما يجب اجتناب المعصية، فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية.
ومنها: أنه يدل على التهاون بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها.
ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة، على الإكثار من المعاصي
ومنها: أنه بترك الإنكار للمنكر يندرس العلم ويكثر الجهل، فإن المعصية مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها، يظن أنها ليست بمعصية، وربما ظنها الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله حلالًا وانقلاب الحقائق في نفوس الناس.
ومنها: أن بالسكوت على معصية العاصين، ربما تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء.
فلما كان السكوت على الإنكار بهذه المثابة، نص الله تعالى أن بني إسرائيل الكفار منهم، لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم" (٢).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم: ١٢٩.
(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: ٢٣٧.
[ ٦٨٨ ]
وعليه فإن منهجه في الاستدلال على وجوب التزام عهد الشيخ بالآيات الكريمة مما لا يسلم له، ومع أنه قد سبقت الإشارة إلى بيان عدم مشروعية هذا الضرب من التفسير (١)، وذلك لعدم استناده إلى الأسس الصحيحة التي يجب على المفسر اعتمادها في تفسير كلام المولى تعالى، إلا أن المقام هنا يستوجب مزيدًا من المقال، فإذا كان كلامه في الجملة في هذا الباب باطلًا، لأنه من التقول على الله تعالى بغير علم، فإنه يتأكد بطلانه عند وصفه لمن عارض الشيخ في ترديد أوراده بالضلال المبين، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فمن المعلوم أن أوراد مشايخ الصوفية يغلب عليها في الجملة الابتداع إن لم يكن مما يعمها من جهة الحكم، وهذا في حالة خلوها من الشرك، أما مع احتوائها عليه، فإن اتباع الشيخ عندئذ ليس من الضلال فقط، بل هو في الحقيقة من الكفر المخرج من الملة.
ولعل للاختلاف الواقع بين السلف الصالح وبين الأشاعرة في فهم حقيقة التوحيد أثرًا كبيرًا في استساغة مثل هذه البدع الشركية، التي تحوى على الاستغاثات والابتهالات المحرمة، ويؤكد هذا أنه لم ير في هذه الأوراد ما ينافي ذلك القيد الذي اشترطه في اتباع الشيخ، وهو التزامه بالمنهج الصحيح المستمد من الكتاب والسنة.
هذا ولم يكن حكمي على تلك الأوراد بالابتداع وعلى كثير منها بالشرك محض افتراء وتوهم، بل هذه حقيقة يشهد بها كل متجرد يتأمل تلك الأوراد، ولعل حاشيته على الصلوات الدرديرية أكبر شاهد على هذا، وسأنقل منها بعض الأوراد لكبار الصوفية حتى يزداد الأمر وضوحًا، فهذه إحدى الصلوات الدرديرية، يقول فيها الدردير؛ ناقلًا صلاة إبراهيم الدسوقي: "اللهم صل على الذات المحمدية اللطيفة الأحدية، شمس سماء الأسرار، ومظهر الأنوار، ومركز مدار الجلال، وقطب فلك الجلال، بسره لديك، وبسيره إليك، آمن خوفي وأقل عثرتي".
فهذه الصلاة تشتمل على أنواع الضلالات من الغلو بالنبي إلى درجة تقدح في اعتقاد عبوديته، وكذلك التوسل به بعد مماته وغير ذلك مما يجزم ببدعيتها، بل
_________________
(١) انظر: آراءه في القرآن: ٢٧٥.
[ ٦٨٩ ]
واعتبارها من الصلوات الشركية المحرمة، وسأكتفي بهذا القدر لضيق المقام، ولأن ما ذكرته فيه الكفاية للدلالة على المراد.
فهل بعد الذي بينته من المحاذير، التي تحملها مثل هذه الأوراد، يمكن القول: بأن الآية الكريمة التي نزلت في تنبيه بني إسرائيل على القيام بالعهد المأخوذ عليهم بطاعة الله، والإيمان بمحمد - ﷺ - فيها إشارة إلى التمسك بمثل هذه الأوراد، وأن من خالف شيخه فيها يعد من أهل الضلال؟ إن هذا الذي ذهب إليه بعيد كل البعد عن الصواب، بل يعد في الحقيقة هو ضرب من الضلال المذموم، والذي يحمل صاحبه على التقول في كتاب الله بغير علم.
ثانيًا: التبرك بالشيخ:
- ومن جملة ما يناقش فيه الصاوي ما أمر به المريد من اعتقاد أن حصول النعم إنما هي ببركة الشيخ، وإذا كان هذا الحديث مما سبقت مناقشته إلا أنه يتوجب هنا مزيد بيان، وذلك لأن لفظ التبرك من الألفاظ المجملة التي تشتمل على معنى حق وآخر باطل، "فأما الصحيح فأن يراد به أنه هدانا وعلمنا وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، فببركة اتباعه وطاعته حصل لنا من الخير ما حصل" (١).
وعليه فإن مرد النعمة هنا إلى الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، يقول الإمام ابن جرير في هذه الآية: "وتأويل الكلام: ما يكن بكم في أبدانكم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة، وفي أموالكم من نماء، فالله المنعم عليكم بذلك لا غيره؛ لأن ذلك إليه وبيده" (٢).
كذلك إذا اعتقد حصول البركة بدعائه لاستقامته وصلاحه، كما قال النبي - ﷺ -: (هل تنصرون إلا بضعفائكم). (٣)
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (١١/ ١١٤).
(٢) جامع البيان: (٧/ ٥٩٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير، باب: من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، رقم الحديث: ٢٨٩٧.
[ ٦٩٠ ]
أما المعنى الباطل وهو اعتقاد حصول البركة بذاته، ففيه تفصيل، فإذا اعتقد أن ذاته مباركة بمعنى أن الله خلق فيها البركة، وهو يرجع حصولها منه فشرك أصغر، لأنه من أنواع التوسل الشركي المحرم؛ إذ فيه اعتقاد حصول الخير، أو دفع الضر، بلا سبب شرعي أو كوني، فيؤدي إلى اعتقاد الوساطة البدعية، ولا شك أن هذا الاعتقاد بريد للوقوع في الشرك الأكبر؛ فإنه أحد أصول عقائد مشركي قريش، التي استندوا إليها في صرف أنواع العبادة من التوسل والدعاء والاستغاثة بغير الله تعالى.
أما إذا اعتقد أن ذاته تحدث البركة لمن حوله استقلالًا عن فعل الله؛ فهذا شرك أكبر في الخلق.
وهذا ما يعلم بضرورة التعبد لأسماء الله تعالى وصفاته، إذ "أن البركة كلها له تعالى ومنه؛ فهو المبارك، ومن ألقى عليه بركته فهو المبارك، ولهذا كان كتابه مباركًا، وبيته مباركًا، والأزمنة والأمكنة التي شرفها واختصها عن غيرها مباركة، فليلة القدر مباركة، وما حول الأقصى مبارك، وأرض الشام وصفها بالبركة في أربعة مواضع من كتابه أو خمسة، وتدبر قول النبي - ﷺ - في حديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه عند انصرافة من الصلاة: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام). (١)
فتأمل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعى الثناء؛ أعني ثناء التنزيه والتسبيح، وثناء الحمد والتمجيد، بأبلغ لفظ وأوجزه وأتمه معنى، فأخبر أنه السلام ومنه السلام؛ فالسلام له وصفًا وملكًا، وقد تقدم بيان هذا في وصفه تعالى بالسلام، وأن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه كلها سلام، وكذا الحمد كله له وصفًا وملكًا؛ فهو المحمود في ذاته، وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودًا فيهبه حمدًا من عنده، وكذلك العزة كلها له وصفًا وملكًا، وهو العزيز الذي لا شيء أعز منه، ومن عز من عباده فبإعزازه له.
_________________
(١) كتاب: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، رقم الحديث: ١٣٣٣: (٥/ ٩٢).
[ ٦٩١ ]
وكذلك الرحمة كلها له ووصفًا وملكًا.
وكذلك البركة؛ فهو المتبارك في ذاته، والذي يبارك فيمن شاء من خلقه وعليه، فيصير بذلك مباركًا، فـ ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] " (١)
ومن هذا يعلم أن البركة أمر توقيفى لا يصح نسبتها لشيء لم يرد فيه دليل شرعي، عقلي أو خبري، إذ مرد البركة لله تعالى أمرًا وكونًا، فأسباب البركة والخير تعلم إما بالضرورة العقلية الشرعية مما أراده تعالى كونًا وخلقًا، أو الخبرية الشرعية التي أتى الرسل الكرام ببيانها تبليغًا ودعوة وإرشادًا من المولى ﵎، وبهذا المعنى يكون الرسل مباركين لأنهم ينفعون من يرسلون إليه بما علمهم الله وأوحى إليهم، وكذلك يكون أتباعهم بتبليغهم دعوة الرسل ونشرها بين الناس، قال تعالى مخبرًا عن المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١].
"قال غير واحد من السلف معلمًا للخير أينما كنت وهذا جزء المسمى فالمبارك كثير الخير في نفسه الذي يحصله لغيره تعليمًا وإقدارًا ونصحًا وإرادة واجتهادًا ولهذا يكون العبد مباركًا لأن الله بارك فيه وجعله كذلك والله تعالى متبارك لأن البركة كلها منه فعبده مبارك وهو المتبارك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] " (٢)
ولعل ما ذهب إليه من مشروعية الاستغاثة بالأولياء يدني اعتقاده في التبرك من المعنى الممنوع؛ لأن فيه ذريعة لاعتقاد حصول النفع أو الضر منهم.
ثالثًا: ملاحظة الشيخ:
ومن جملة الغلو الذي قرره الصاوي في الآداب المتعلقة بالشيخ: وجوب ملاحظته في كل الأوقات، وأن في هذا العمل القلبي ما يدفع به شر الشيطان الرجيم، ولعل في هذا ما يؤكد انحرافه في قضية التبرك بالشيخ، حيث بنى على
_________________
(١) بدائع الفوائد: (٢/ ٤١٢).
(٢) جلاء الأفهام، لابن القيم: ١٦٨.
[ ٦٩٢ ]
اعتقاد حلول البركة فيه بالمفهوم الصوفي وجوب صرف عبادة قلبية لا تجوز إلا لله تعالى، فليس لأحد أن يستغرق تمام الاستحضار القلبي إلا المولى تعالى.
بل إن مداومة العبد على ملاحظة المولى تعالى في كل الأحوال طريقه إلى بلوغ مقام الإحسان الذي قال فيه - ﵊ -: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). (١)
يقول الحافظ ابن رجب - ﵀ - في بيان هذا المعنى: "يشير إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة، وهو استحضار قربه، وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم. . .
وقوله - ﷺ - (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) قيل: إنه تعليل للأول، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله تعالى في العبادة واستحضار قربه من عبده حتى كأن العبد يراه فإنه قد يشق ذلك عليه فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره، فإذا تحقق هذا المقام، سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحقيق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته حتى كأنه يراه" (٢)
وعليه فكيف يوصى الطالب بإحلال عبد في مقام هو أعلى مراتب الدين؟ كما دل الحديث السابق عليه.
ثم إن طرد الشيطان لا يكون إلا بذكر المولى تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
فهذا هو السبيل الأوحد لإبعاد الشيطان، وقد علمنا رسول الله - ﷺ - عددًا من الأوراد التي يتقى بها كيده: عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان - باب سؤال جبريل النبي ﵊.
(٢) جامع العلوم والحكم: ٧٢.
[ ٦٩٣ ]
: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه) (١).
رابعًا: الاستغناء بالشيخ:
- أما ما قرره من وجوب التلقي عن شيخ واحد؛ بحيث يمتنع على الطالب حضور مجلس غيره، أو الاستفادة منه، فليس من الآداب المستحبة في شيء، بل هو مما حذر منه أهل العلم، وقد عقد الإمام النووي فصلًا في بيان ضرره على العالم والمتعلم، وسأنقله بنصه لتتم به الفائدة وليعلم ضلال الصوفية في هذا المسلك:
(فصل) وليحذر كل الحذر من قصده التكثر بكثرة المشتغلين عليه والمختلفين إليه، وليحذر من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذه مصيبة يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين، وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته، بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم، فإنه لو أراد الله بتعليمه لما كره ذلك، بل قال لنفسه: أنا أردت الطاعة بتعليمه، وقد حصلت، وقد قصد بقراءته على غيري زيادة علم، فلا عتب عليه.
وقد روينا في مسند الإمام المجمع على إمامته وحفظه وأمانته أبي محمد الدارمي - رحمة الله عليه - عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: يا حملة القرآن أو قال: (يا حملة العلم اعملوا به؛ فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقًا يباهي بعضهم بعضًا، حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى) (٢) " (٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الدعوات - باب فضل التهليل، رقم الحديث: ٦٤٠٣.
(٢) كتاب العلم - باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله، رقم الحديث: ٤٠٢: (٣/ ١٣٦).
(٣) آداب حملة القرآن: ٢٨.
[ ٦٩٤ ]
وقد صح عن الإمام الشافعي - ﵁ - أنه قال: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على ألا ينسب إلى حرف منه" (١)
وهذه التوجيه والتفصيل والتصحيح إنما يصح عند حمل كلامه على أحسن المحامل، ومعاملته بظاهرية مطلقة، أما وقد عرفنا حقيقة التصوف وما خالطه من ألوان الشرك وما تسرب إليه من أنواع المعتقدات المارقة، فإن هذه الشروط تؤول جملة إلى تأليه الشيخ وعبادته من دون الله، وهذا هو واقع الصوفية المشاهد، فإنهم من أكثر الناس شركًا في الألوهية، حيث التوجه إلى القبور والتعلق بأذيال ساكنيها والتوسل بهم ودعائهم الاستعانة والاستغاثة بهم وقت الشدائد وقد صرح بذلك الصاوي كما بينت ذلك في مبحث التوحيد وكما سيأتي في الحديث عن الولاية.
* * *
_________________
(١) تذكرة السامع والمتكلم، ابن جماعة الكنانى: ٤٨.
[ ٦٩٥ ]
الفصل الثاني: (المقامات والأحوال)
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالمقامات.
المبحث الثاني: التأصيل للمقامات.
المبحث الثالث: وحدة الوجود ووحدة الشهود.
المبحث الرابع: الترقي في المقامات.
[ ٦٩٦ ]
تمهيد
تعريف المقام:
المقامات جمع مقام، وإما أن يراد به أمر حسي أو أمر معنوي، والحسي كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] إذ "المقام في اللغة: موضع القيام" (١)، فقد يكون بمعنى الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام" (٢) أما استعماله في الأمر المعنوي، قد ورد في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] عن ابن عباس - ﵄ -: (المقام المحمود: مقام الشفاعة). (٣)
ومما يصح حمله على كلا الوجهين المقام في قوله ﷿: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، يقول البغوي: "يقول جبرائيل للنبي - ﷺ -: وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم يعبد الله فيه (٤) ".
ومما قيل في معناه: " (إلا له مقام معلوم): في القربة والمشاهدة" (٥)
وللصوفية في تعريف المقام أقوال، ويرجع هذا إلى عدم انضباط معارفهم، حيث تستند إلى الذوق والوجدان؛ مما يؤدي بدوره إلى صعوبة تحديد مصطلحاتهم، ويمكن القول بأن المقامات - عندهم - هي مدارج العبودية التي يترقى في سلوكها العبد، يقول أبو نصر السراج فيه: "مقام العبد بين يدي الله ﷿ فيما يقام فيه من العبادات. . قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] " (٦)
_________________
(١) فتح القدير: (١/ ٢٠٥).
(٢) مختار الصحاح: (٢٥٦).
(٣) جامع البيان: (١٥/ ١٤٤).
(٤) أخرج الترمذي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (أطت السماء، وحق لها أن تئط، والذي نفسى بيده ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدًا): كتاب الزهد - باب في قول النبي: (لو تعلمون ما أعلم)، رقم الحديث: ٢٣١٢، وقال حديث حسن: (٤/ ٤٨١) وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم: ١٨٨٢: (٢/ ٢٦٨).
(٥) تفسير البغوى: (٧/ ٦٣).
(٦) اللمع: ٦٥. وانظر: موقف الإمام ابن تيمية من التصوف، لشيخنا الدكتور الفاضل: أحمد بنانى: ١٠٨.
[ ٦٩٧ ]
ويعرف الجرجاني، فيقول: "المقام في اصطلاح أهل الحقيقة، عبارة عما يتوصل إليه بنوع تصرف، ويتحقق به بضرب تطلب ومقاساة وتكلف". (١)
أما عن كيفية الترقي من مقام إلى مقام؛ فإن القشيرى يشترط لصحة الانتقال استيفاء أحكام المقام السابق، فإن من لا قناعة له لا يصح له التوكل" (٢).
وتأكيدًا على أنه لا يمكن للعبد أن يكون من أهل الترقي في المقامات؛ حتى يستوفي لكل مقام ما ينبني عليه في الأصل من القيام ببعض المهمات السلوكية على المنهج الصوفي؛ نرى ابن عربي يفسر المقام ليس فقط بالطريق المؤدي إليه، كما فعل الجرجاني، وإنما بالتأكيد على وجوب استيفاء تلك التكاليف السلوكية، يقول: "المقام: عبارة عن استيفاء حقوق المراسم على التمام" (٣)
وحتى لا يكون هذا الشرط لحصول الترقي مانعًا منه، فقد ذهب بعض محققيهم إلى أن للمريد أن يحقق الترقي؛ إذا كان منه الاستيفاء الجملي، فليس يشترط فيه التقصي، وإنما يكتفي منه بالقدر الذي يفيده معنى الرسوخ والثبات. (٤)
تعريف الحال:
يعرف الصوفية الحال بأنه: "ما يرد على القلب بمحض الموهبة، من غير تعمل ولا اجتلاب، كحزن أو خوف أو بسط أو قبض أو شوق أو ذوق، ويزول بظهور صفات النفس" (٥).
وبناء على ما سبق؛ يتحدد الفرق مجملًا بينهما، إلا أنه من الممكن عندهم أن ينقلب الحال مقامًا، إذا اكتسب صفة الديمومة والبقاء.
ومع ذلك فقد يتجاوز بعضهم فيعبر عن المقام بالحال أو العكس، يقول القشيري: "وأشار قوم إلى بقاء الأحوال ودوامها، فقالوا: إنها إذا لم تتوال فهى لوائح
_________________
(١) التعريفات: ٢٨٢.
(٢) الرسالة القشيرية: ٥٦.
(٣) رسائل ابن عربي: ٥٣٠.
(٤) انظر: المصطلحات الصوفية، للكاشاني: ١٠٣.
(٥) التعريفات: ١١٤.
[ ٦٩٨ ]
وبواده، ولا يصل صاحبها إلى الأحوال، فإذا دامت تلك الصفة فعند ذلك تسمى حالًا" (١). والسبب: "وجود الاشتباه لمكان تشابههما في نفسهما، وتداخلهما، فتراءى للبعض الشيء حالًا وتراءى للبعض مقامًا" (٢).
ومع ذلك فإنه يمكن القول بأن الأحوال تبقى في هذه المنزلة ولا تنتقل منها إلى درجة المقام إلا عند الثبات عليها، فإن وجود التداخل بينهما؛ قد يصح معه أن يكون نفس الأمر عند البعض حالًا والبعض مقامًا (٣).
أما عن حقيقة هذه المقامات، فإنه قد سبق الحديث عن المراحل التي مر بها التصوف، وذلك عندما تبلورت مواضيع التصرف وفق المذاهب والفلسفات التي تأثرت بها، فلم يكن التصوف ثمرة لاتجاه معين؛ بل هو فكر متعدد المصادر، فإن الحكم على المقامات في الحقيقة يتبع الحكم على التصوف نفسه؛ إذ هي المحور الذي تدور حوله موضوعات التصوف، فليس حديث المتقدمين عن المقامات، التي هي عندهم عدد من العبادات المشروعة؛ كالرضا والطمأنينة، وإن وجد فيها نوع من الغلو؛ كالحديث عن المقامات التي استقر عليها خط الانحراف.
فإن من أظهر "أوجه الشبه الموجودة بين البوذية، وبين طرق التصوف: مسألة المقامات، التي يرتقي فيها السالك بالترتيب والتدريج من مقام إلى آخر؛ حتى يصل إلى مقام الفناء"، فوجهة الفناء الأخلاقية هي: "إخماد كل الميول والأهواء، ومحو الصفات الذميمة؛ بممارسة الأخلاق الفاضلة، والنيرفانا هي: كبح جماح النفس، التي هي تلك الناحية الحيوانية المثيرة للمعاصي، الموجودة في جبلة البشر؛ بحكم عملنا لإرادة الحياة، وهي تجعل الإنسان قعيدًا لا يأتي بشيء". (٤)
* * *
_________________
(١) الرسالة القشيرية: ٥٧.
(٢) عوارف المعارف: ٣٢٦.
(٣) انظر: مقدمة ابن خلدون: ٤٦٨.
(٤) تاريخ التصوف في الإسلام، للدكتور/ قاسم غنى: ٢٣١ - ٢٣٦.
[ ٦٩٩ ]
(المبحث الأول): أقسام المقامات (عند الصوفية)
لقد سبقت الإشارة إلى أن الحديث عن المقامات والأحوال في الفكر الصوفي؛ حديث عن أهم الموضوعات التي يدور محور اهتمامه حولها، فالتوبة، والشكر، والرضا، والإخلاص، ومن ثم الفناء والبقاء والصحو والفرق والجمع، هي أهم ما يعتنى الصوفية للحديث عنه، واتجاهات القوم في تقرير هذه المقامات تختلف تبعًا الموقفهم من مصادر التصوف المختلفة، فحديث أوائل الصوفية في المقامات يختلف عن حديث المتأخرين، ولعل كتاب (مدارج السالكين) أقرب ما يكون في بيان حقيقة المقامات عند المتقدمين، ومع التسليم بوجود بعض المخالفات في تحرير مدارج العبودية؛ من حيث التعمق الغير معهود، أو استخدام عبارات لم يكن لها وجود عند السلف، إلا أنها تخالف ما عليه متأخرو الصوفية، حيث شابهوا العقائد الوثنية عند الهنود والفلاسفة؛ فظهرت مخالفتهم جلية في حقائق التوحيد.
وكما وقع الاختلاف في تعريف المقام بين محققى الصوفية، فقد وقع في تعداد المقامات وبيانها، فنجد أن الطوسي قد قسم المقامات إلى سبعة: التوبة، والورع، والزهد، والفقر، والصبر، والتوكل، والرضا، ومع ذلك فلم يصدر حكمًا باقتصار المقامات عليها، قائلًا: (وغير ذلك) (١)، أما في عوارف المعارف؛ فقد عدت بعشرة: التوبة، والورع، والزهد، والصبر، والفقر، والشكر، والخوف والرجاء، والتوكل، والرضا. (٢)
هذا وقد عد بعض الصوفية الفناء والبقاء، والجمع والفرق من الأحوال، وعدها البعض من المقامات، والبعض جوز كليهما، فيكون الفناء في مبدأ الأمر حالًا؛ فإذا
_________________
(١) اللمع: ٦٥.
(٢) عوارف المعارف، للسهروردى: ٢٣٨.
[ ٧٠٠ ]
استقر العبد عليه صار مقامًا، فحين يعرض الكلاباذي لأقوالهم في الفناء يكشف عن هذا الاضطراب، وذلك في مسألة دوام الفناء للعبد، حيث يذهب البعض إلى أن "حالة الفناء لا تكون على الدوام، لأن دوامها يوجب تعطيل الجوارح عن أداء المفروضات وعن حركتها في أمور معيشتها".
بينما يذهب البعض الآخر؛ كالجنيد، والخراز إلى أنه لا يمكن رد الفاني إلى البقاء، وحجتهم "أن مقام الفناء لا يدرك بالاكتساب فيجوز أن يكتسب ضده" (١).
وقد يرى البعض عدم التمييز؛ فيجعلها حالًا واحدة (٢).
ولا عجب؛ إذا علم أن مستند القوم في كل ما ذهبوا إليه هو الذوق والتجربة الشعورية، فكل منهم يعبر ويحكم بحسب ما وقع له، لذا كان من الصعب الوصول إلى حكم يصح طرده في ما آل إليه المقام والحال، وهذا يرجع إلى انعدام الأسس العلمية عندهم. والآن مع عرض أقوال المتصوفة في هذه المقامات:
الفناء والبقاء:
يقول الجرجاني معرفا الفناء بأنه "سقوط الأوصاف المذمومة، كما أن البقاء: وجود الأوصاف المحمودة، والفناء فناءان، أحدهما ما ذكر، وهو بكثرة الرياضة والثاني؛ عدم الإحساس بعالم الملك والملكوت، وهو بالاستغراق في عظمة الباري ومشاهدة الحق (٣).
ويقول الكلاباذي: "الفناء هو أن يفنى عنه الحظوظ؛ فلا يكون له في شيء من ذلك حظ، ويسقط عنه التمييز فناء عن الأشياء كلها وشغلًا بما فنى به.
والبقاء الذي يعقبه هو أن يفنى عما له ويبقى بما لله".
وهو إذ يعرف الفناء بما يوهم استواء الأمور لدى الفاني حتى يسقط عنه التمييز، فإنه يبين أن من محترزات التعريف: "أن تصير المخالفات له موافقات - بل - ألَّا يجرى عليه إلا ما أمر به وما يرضاه الله تعالى دون ما يكرهه". (٤)
_________________
(١) التعرف: ١٢٨.
(٢) انظر: التعرف لمذهب أهل التصوف، الكلاباذي: ١٢٧.
(٣) التعريفات: ٢١٧.
(٤) التعرف: ١٢٥.
[ ٧٠١ ]
ويقول ابن عربي الغالي: "الفناء: رؤية العبد للعلة بقيام الله على ذلك، والبقاء: رؤية العبد قيام الله على كل شيء". (١)
ولمقام الفناء أحوال، حيث يكون الصوفي فيه عرضة للشطح، ويعرف الشطح بأنه: "عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى" (٢).
والصوفية إزاء هذه الشطحات على صنفين، فصنف لا يرى موافقة قائلها، ويقوم بتبرير فعله، حيث سلب منه الشعور، ونطق به لسان حاله؛ فلا يمكن الوقوف على كنه ما ينطق به، إلا بالترقى إلى ما وصل إليه. (٣)
وصنف آخر؛ يرون أنها عين الحقيقة، فلا يجدون فيها ما يشين، وهم في التصريح بهذا على درجات، فقد يقرون بها ولكن مع تأويل لظاهرها، بحيث يخفف من حدة خروجها على الشرع.
هذا والعناصر الضرورية لوجود ظاهرة الشطح؛ كالتالي: "شدة الوجد، أن تكون التجربة تجربة اتحاد، أن يكون الصوفي في حال سكر، أن يتم هذا كله والصوفي في حال من عدم الشعور". (٤)
الجمع والفرق:
أما عن بقية المقامات، كالجمع والفرق وجمع الجمع، والفرق الثاني فقد تتداخل معانيها مع مقام الفناء والبقاء؛ إلا أنه قد يعبر عنها بصورة أكثر عمقًا، يقول الكاشاني في معنى الجمع: "شهود الحق بلا خلق.
وجمع الجمع: شهود الخلق قائمًا بالحق، ويسمى الفرق بعد الجمع" (٥).
يقول ابن عربي في الجمع: هو الاستهلاك بالكلية في الله.
_________________
(١) رسائل ابن عربي: ٥٣٢.
(٢) رسائل ابن عربي: ٥٣٠.
(٣) انظر: الرسالة القشيرية: ٧١.
(٤) شطحات الصوفية، عبد الرحمن بدوي: (١١).
(٥) اصطلاحات الصوفية: ٦٢.
[ ٧٠٢ ]
أما الفرق الأول: فهو الاحتجاب بالخلق عن الحق، وبقاء الرسوم الخلقية بحالها، ويقول ابن عربى: هو إشارة إلى خلق بلا حق، وقيل مشاهدة العبودية. (١)
الفرق الثاني: هو شهود قيام الخلق بالحق، ورؤية الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة من غير احتجاب صاحبه بأحدهما عن الآخر. (٢)
وهو بهذا المعنى يصرح بوحدة الوجود، التي تبلورت فكرتها على يده.
ويعرف المناوي هذه المقامات، فيقول: الجمع "إشارة إلى حق بلا خلق، وقيل: لمشاهدة العبودية، وقيل: الفرق ما نسب لك والجمع ما سلب عنك. . . .
- وجمع الجمع: مقام أتم وأعلى من الجمع، فالجمع شهود الأشياء بالله، والتبرى من الحول والقوة، وجمع الجمع: الاستهلاك بالكلية والفناء عما سوى الله، وهو المرتبة الأحدية". (٣)
وفي بيان هذه المرتبة، يقول الجرجاني: "الأحدية إذا أخذت حقيقة الوجود بشرط ألا يكون معها شيء، فهي المرتبة المستهلكة جميع الأسماء والصفات، فهي تسمى جمع الجمع" (٤).
ومن هنا فإن غاية هذه المقامات المتتالية؛ الوصول إلى مرتبة الفناء التام، بحيث لا تبقى حقيقة إلا حقيقة الوجود، وهذا تصريح بأن غاية الفكر الصوفي: وحدة الوجود، والصوفية في تحقيق هذه الرتبة على اختلاف؛ فمنهم من يرجعها إلى ما فسرها به ابن عربي، ومنهم من يرى التخفيف، فيبقى الشهود أقصى ما يراد.
ويأتي التعبير عن بلوغ السالك أقصى هذه المقامات بالوصل، أو وصل الوصل، فـ: "الواصل - عندهم - من اتصل بمحبوبه دون كل شيء سواه، وغاب عن كل شيء سواه". (٥)
_________________
(١) رسائل ابن عربي: ٥٣٢.
(٢) اصطلاحات الصوفية: ١٤٦.
(٣) التعاريف: ٢٥٢.
(٤) التعريفات: ١٠٩ - ١١٠.
(٥) انظر: طبقات الصوفية للسلمي: ٤٦٢.
[ ٧٠٣ ]
وكأنه أعمق ما يراد من معاني الفناء، الذي به تتحقق الولاية عندهم.
ويرى الصوفية أن السالك قد يتعرض في مقامه لأنواع من الأحوال، منها السكر والصحو وغير ذلك، ومع إمكان التجوز، إلا أن غالب الصوفية على عدها من الأحوال، يقول القشيري: "الصحو: رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة، والسكر غيبة بوارد قوي" ويرى الفرق بينهما في أن صاحب السكر قد يكون فيه نوع من الإحساس؛ بخلاف الغيبة، وذلك في حال عدم استيفاء الوارد، وقد يفوق حال صاحب السكر الغيبة مع قوة الوارد.
وأن السكر لا يكون إلا لأصحاب المواجيد، فعندما يكاشف العبد يحصل له السكر والطرب. (١)
- رأي الشيخ الصاوي:
عند تتبع أقوال الصاوي في مسألة المقامات من خلال مؤلفاته المتعددة؛ يجد الباحث إعراضًا عن كثير من المقامات، التي كانت محل اهتمام الصوفية بل وإجماعهم، فالصاوى عند بيانه لأقسام المقامات لم يذكر التوبة والشكر والرضا والصبر وغير ذلك، وقد اقتصر في حديثه عنها على ما يتعلق بمعرفة الله وتوحيده بالمفهوم الصوفي، فالفناء والبقاء والجمع والفرق ونحو ذلك كان محل اهتمامه، حيث اعتمدها مفصلًا ما يتعلق بها من أحكام بالشرح والتوضيح، ولعل لهذا المسلك من الصاوي أسبابًا نبه إليها في بدء حديثه عن التصوف، وذلك لأنه عند ذكر مبادئ هذا العلم عمد إلى القول بأن نسبته فرع علم التوحيد، وقد سبقت الإشارة إلى أن مفهوم التوحيد عند الأشاعرة والصوفية يعني؛ معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته.
ومن هنا كان اهتمامه جليًا في تفصيل هذه المقامات، وتوضيحها للمريد، بل والذب عنها، والتأصيل لها، وسيأتي تفصيل كلٍّ فيما خصص له.
_________________
(١) انظر: الرسالة القشيرية: ٧١.
[ ٧٠٤ ]
وإذا كانت الإشارة قد سبقت إلى أن المصطلحات الصوفية بعامة؛ تستند في التعبير عنها إلى مفاهيم ذوقية، تبعد كل البعد عن المقاييس والاعتبارات العلمية، لذا فهي تميل إلى وصف حالة شعورية أكثر من أن تحدد ماهيتها أو تفصح عن حقيقتها، فإن هذا ما يؤكده الصاوي، حيث يقول: "البقاء بالله، والفناء في الله، أخلاق ذوقية، لا تعلم إلا بالذوق، والعبارة عنهما لا تفيد شيئًا".
ومع هذا فإننا نجد عبارات كثيرة من الصاوي؛ تحاول تقريب هذه المصطلحات إلى ذهن القارئ، ولعل كتابه المسمى بشرح الصلوات الدرديرية هو الذي نعتمده في هذا المقام، حيث التفصيل والتوضيح للكثير من هذه المصطلحات ولكن دون أن يشير إلى الفرق بين المقام والحال، وهو بهذا قد يتجوز في العبارة؛ فيتكلم عن المقام بلفظ الحال أو العكس.
يقول مفصلًا القول في عدد المقامات والمراد من كل واحد منها؛ حسب الفهم الصوفي، وذلك في شرحه لواحدة من الصلوات المبتدعة:
" المقامات ثلاثة:
- مقام المحجوبين السائرين إلى الله، المستدلين بالصنعة على الصانع.
- مقام أهل الفناء المحض، الذين غرقوا في توحيد الأحدية، فلم يشهدوا سوى ذات الله تعالى.
ولما كان هذا المقام مقام سكر، وخروج عن طور البشرية، وعن حدة التكليف، قال - في صلاته -: وانشلنى من أوحال التوحيد.
- "مقام أهل البقاء بعد الفناء: وهم الذين يشهدون الصنعة بوجود الصانع؛ لكونهم شهدوا قبل كل شيء ذات مولاهم وصفاته وأسمائه".
ويسمى هذه المرتبة بالوحدة، ويرى أن من بلغها فقد بلغ منابع الصدق مع الله في عبادته، يقول: "فالعارف يرى الله قبل الآثار، ويستدل بالله على ثبوت الآثار، والمحجوب يرى الآثار قبل شهود الله؛ فيستدل بالآثار على الله.
[ ٧٠٥ ]
وقد علمت أن من غرق في عين بحر الوحدة؛ يكون باقيًا بالله ولا بد، لا بنفسه ولا بشيء سوى الله، لأنه يرى الأكوان كظل الشخص" (١).
وبهذا المعنى الذي فسر به المقام المسمى بالبقاء، والذي عبر عنه بشهود الذات متصفة بالأسماء والصفات؛ فإنه يفسر المعتقد الصوفي الفلسفي المسمى بوحدة الوجود:
يقول: "وهذا المقام يسمى: بوحدة الوجود، ولا يدركه الشخص إلا بعد الفناء في الأحدية، ووحدة الوجود هذه يسمى صاحبها: في مقام البقاء، ويسمى غرقان في بحر الوحدة، التي هي شهود المولى من حيث قيام الأسماء والصفات به (٢).
وكان لهذا المقام تسمية خاصة عند الصوفية، تكشف عن حقيقة الأحكام المتعلقة بهذه المرتبة، هي: حضرة الإطلاق، فليس بمخفى ما تنطوى عليه هذه التسمية من إباحة الخروج عن كل القيود، يقول في شرح إحدى الصيغ المبتدعة: [وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة تدخلنا بها حضرة الإطلاق]: "أي حضرة هي الإطلاق، أي من قيد الأقفاص، أي من الطبائع الجسمانية؛ بأن يخرج العبد من أسر الطبيعة، ومن سائر الحجب الظلمانية والنورانية؛ فيصير حرًا لخروجه عن شوائب الرقية، وهذا معنى قول صاحب السحر: "اللهم إنك فتحت أقفال قلوب أهل الاختصاص، وخلصتهم من قيد الأقفاص، فخلص سرائرنا من التعلق بملاحظة سواك، وافننا عن شهود أنفسنا؛ حتى لا نشهد إلا إياك"، لأن مراده بالأقفاص الأجسام، وقيدها طبائعها، وهي الحجب النفسانية: ظلمانية أو نورانية.
وقد أشار لهذا المعنى محمد بن وفا (٣)، بقوله:
وبعد الفنا في الله كن كيفما تشا فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر".
_________________
(١) المرجع السابق: ٦٧.
(٢) المرجع السابق: ٦٧. وسيأتي موقفه من هذا المعتقد في مبحث مستقل: ٧٣٧.
(٣) هو محمد وفا، أحد كبار الصوفية نقل عنه كلام إن صح عزوه له فهر في غاية التجنى وسوء الأدب مع الله تعالى، له كتاب العروس وكتاب الشعائر، من مواليد القرن الثامن: طبقات الشعراني: (٢/ ٣١٤).
[ ٧٠٦ ]
فصاحب هذا الوصف يقال له في اصطلاح القوم: في "حضرة الإطلاق" ويقال له: من الأحرار؛ "لكونه طلوقًا من طبائعه، ومن كل ما سوى مولاه، باقٍ بربه لا يشهد إلا علاه" (١).
ومرة أخرى يعرض لبيان هذه المقامات؛ ولكن في حالة خاصة، وهي حالة الاستغراق مع الذكر، يقول: "الله الله الله كرره ثلاثًا، إشارة إلى أن المراتب ثلاثة: توحيد الأفعال، والصفات، والذات، فإذا قال: الله، شاهد أفعاله في خلقه، وإذا قالها ثانيًا: شاهد الصفات، فيشاهد أن الله متصف بكل كمال، وإذا قالها ثلاثًا: ارتقى لمشاهدة الذات، فيشهدها بدون الصفات، وهي مرتبة أهل الفناء، أو مع الصفات والأفعال، وهذه مرتبة أهل البقاء" (٢).
ويقول في حال الاستغراق مع الذكر الصوفي المعروف (الله): "إن من داوم على ذكره في خلوة مجردًا، بأن يقول: الله الله؛ حتى يغلب عليه منه حال، شاهد عجائب الملكوت، يقول بإذن الله للشيء كن فيكون، وهو ذكر الأكابر من المولهين وأرباب المقامات، وأهل الكشف التام" (٣).
* * *
ولم تكن هذه المقامات الثلاثة؛ هي منتهى المقامات المعروفة عند الصوفية، وهذا ما فصل الصاوي القول به عند شرحه لبيت الدردير في منظومته:
وجد لي بجمع الجمع فضلًا ومنة وداوى بوصل الوصل روحي من الضنا.
يقول معربًا القول في معاني هذه الكلمات، التي سألها الدردير في دعائه:
"اعلم أن لهم مقامًا يقال له: الفناء.
ومقامًا يقال له: البقاء، والجمع والفرق.
_________________
(١) حاشية الصلوات: ٩١.
(٢) المرجع السابق: ٣٨.
(٣) المرجع السابق: ١١٠.
[ ٧٠٧ ]
ومقامًا يقال له: جمع الجمع.
ومقامًا يقال له: الفرق الثاني.
ومقامًا يقال له: الوصل.
ومقامًا يقال له: وصل الوصل".
وبعد هذا التقسيم المجمل يشرع في بيان حقيقة هذه المقامات بما يماثل ما تقدم من أقواله، وبذلك في المقامين الأولين، ولكنه يزيد في إيضاح سبب تسمية مقام البقاء بالجمع والفرق، فيقول: "ومشاهد الوحدة مشاهد للذات متصفة بالأسماء والصفات مثبتًا للآثار، جامعًا بين الحق والخلق، وهذا هو الكمال بعينه، فلذلك قالوا: لا بد لكل فناء من بقاء، ومقام البقاء هذا هو المسمى بالجمع والفرق، فجمعه شهود لربه، وفرقه شهود لصنعه.
أما عن المقامات التالية لهذا المقام؛ فكلامه في توضيحها وبيان ما يختص بها من أحكام هو التالى:
"أما الجمع: فهو مقام أعلى من البقاء، وهو أن يأخذه الحق بعد بقائه، فيسكره في شهود ذاته تعالى، فيصير مستهلكًا بالكلية عما سوى الله تعالى، فمنهم من يبقى بهذه السكرة إلى الموت كالسيد البدوي (١)، ولذلك قال العارفون: إنه جذب جذبة استغرقه إلى الأبد، ومنهم من يرد إلى الصحو عند أوقات الفرائض، والقيام بأمور الخلق، كالسيد الدسوقي (٢) وأضرابه والمؤلف؛ فيكون رجوعًا لله بالله، لا للعبد بالعبد".
_________________
(١) هو أبو العباس أحمد البدوي ولد بمدينة فاس بالمغرب، انتقلت أسرته إلى مكة المكرمة وعاش فيها زمنًا ثم انتقل إلى العراق ومصر واستقر في طنطا، نسب إلى الصوفية الكثير من الغرائب والعجائب، حكى عنه أنه أصيب بحالة وله فاضطربت لذلك أحواله ولم يستقر له أمر حتى مات سنة ستمائة للهجرة وقبره من أكبر المزارات التي يقصدها الكثير من الناس بأنواع البدع والشركيات، انظر: طبقات الشعراني: (١/ ٣١٠).
(٢) هو إبراهيم الدسوقي القرشي، أحد كبار الصوفية وصاحب طريقة معروفة، نسب إليه الكثير من أوهام الصوفية وخرافاتهم، قيل عنه أنه كان يدعى التحكم في أبواب الجنة والنار بأمر من رسول الله - ﷺ -، كما نسبت له أبيات في غاية الخطورة لما تحمله من معاني الفناء الوجودي، منها: =
[ ٧٠٨ ]
ومن هذا الرجوع يأتي بيان المقام الذي يليه وهو الفرق الثاني، يقول: "وهذا الرجوع يسمى بالفرق الثاني.
وأما الوصل؛ فهو تلذذ القلب بشهود الحق بعد زوال الحجب الظلمانية والنورانية. فإن دام له الشهود يقال له: وصل الوصل، أي الوصل الكامل، كقولهم: سر السر، وعين العين، مبالغة في كمال الشيء". (١)
* * *
المناقشة:
إن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته الحسنى، وبكماله المنزه عن المثيل والشريك؛ حقيقة فطرية أقامها المولى في قلب كل العباد، يوم أخذ الميثاق عليهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾
فالفطرة السليمة لا تدل على مجرد معرفة الله تعالى، أو الإقرار بوجوده؛ بل إن ذلك الإقرار ليتضمن من الإيمان بحقائق الكمال ما يعجز المنصف عن إنكاره؛ إذ حقيقة الإقرار بوجود الله تعالى تعني الإيمان بربوبيته، والربوبية هي اعتقاد تفرد الرب تعالى بكل صفات الغنى والقوة والكمال والإحاطة والصمدية، وكل ما يقتضى قيامه تعالى بأفعال الربوبية، ولم تكن هذه الحقيقة بمكان ينازع فيه العقلاء؛ حتى أن كفار قريش عندما أنكر عليهم الباري عبادتهم غير الله بالسؤال عن خالقهم؛ لم يملكوا سوى الإقرار بربوبيته تعالى.
كما أن الالتجاء إلى الله تعالى في البأساء والضراء مما غرس إرادته في النفس
_________________
(١) = أنا ذلك القطب المبارك أمره فإن مدار الكل من حول ذروتي أنا شمس إشراق العقول ولم أفل ولا غبت إلا عن قلوب عمية بذاتي تقوم الذات في كل ذروة أجدد فيها حلة بعد حلة توفى سنة: ٦٧٦ هـ. انظر: طبقات الشعراني: (١/ ٣٠٨).
(٢) شرح المنظومة: ١٤١.
[ ٧٠٩ ]
البشرية، حتى إذا خلصت من الأهواء والشهوات لمكان نزول الضر، الذي استقر في صميمها أن دفعه لا يكون إلا من جهة الرب، سكنت بكليتها لهذا النداء الفطري، واتجهت برفع الأيدي؛ لتترجم مقتضى هذه الفطرة، بكلمات تضم صراحة أعلى درجات الإيمان بالله تعالى، والإقرار بكمال ربوبيته وجلاله وعظمته، ولهذا أشار الحق بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].
ومن هنا كان الاستدلال بالخلق على الخالق تعالى؛ هو من قبيل الكشف عن هذه الحقيقة الفطرية المغروسة في النفس البشرية، ومن ثم تنبيهها إذا أصابتها الغفلة أو علاها النسيان، ولهذا امتدح المولى تعالى عباده الذين يتفكرون في عظيم مخلوقاته؛ إذ يتحقق بذلك استشعار عظمة الله تعالى، ومن ثم إخلاص العبادة له على وجه يتم به تحقيق مقتضى الإيمان من التسليم لمراضى الرب تعالى، وعلى هذا فليس الاستدلال بالخلق على الحق سبحانه هو مقام المحجوبين؛ كما يدعي الصاوي، بل حقيقة هذا الاستدلال إن صح إطلاق ذلك المسمى عليه؛ ترتيب مقدمات ضرورية فطرية، تسلم أيضًا إلى نتيجة فطرية، فكون هذه الموجودات مخلوقة؛ فمن الأمور الفطرية، التي لم يمارى فيها من لم تدنسه أوهام الفلسفات، وكونها مخلوقة لله تعالى فهي أيضًا من الأمور الفطرية، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].
* * *
- وقبل الخوض في مسألة المقامات التي اعتمدها الصاوي، لا بد أولًا من توجيه الألباب إلى أن كل هذه المصطلحات من البدع الحادثة، التي لم تصل إلينا بطريق معتمد، يتحقق به التشريع والتعبد، ولكن لما اشتهر الحديث عنها بين الصوفية على طبقاتهم المختلفة؛ فكان منهم أهل تقوى وورع وعلم، وكان منهم من هو بخلاف ذلك، ممن تستر بهذه التسمية ليدخل على الإسلام والمسلمين أشد أنواع الفتن في الدين، عمد أهل التحقيق بدافع الورع والإنصاف إلى تحليل هذه المفاهيم الذوقية،
[ ٧١٠ ]
وعرضها على منهج السلف الكرام، فقبلوا ما كان موافقًا لذلك منها، وردوا ما خالف وخرج عن النهج القويم، تمامًا كما اجتهدوا في النصح لدين الله تعالى في مواجهة ما أحدثه المتكلمون من استخدام ألفاظ مبتدعة، كالجوهر والعرض والتحيز والجهة، إلى غير ذلك مما أقاموا عليه صرح مواقفهم الكلامية في بناء العقيدة على أسس ليس لها من الإسلام مستمد، فكانوا كمن رفع بنيانه على شفا جرف هار لم يتمالك أمام معاول النصح الصادق لدين الله تعالى، فانهار على أم رأسه، وبقى الحق موقوفًا على ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة.
ومن هنا قام أهل العلم؛ بدافع الإنصاف والتحقيق إلى سبر أغوار هذه المصطلحات، وعرضها على النهج القويم، فقبلوا منها ما استقام معناه وردوا ما أجحف وضل وغاب عن الحق، ليس من باب التسليم بصحة ما ذهب إليه أولئك، وإنما من باب إقامة الحجة، ورد الباطل، والدفاع عن العقيدة الصحيحة، مع الالتزام بآداب الجدال الصحيح، الذي تقوم أركانه على الاعتدال والتوسط مع رد المتشابه إلى المحكم؛ تمسكًا بحقيقة الحكمة التي أنيط بتحقيقها صدق الدعوة إلى الله تعالى.
فالفناء والبقاء والجمع والفرق والصحو والمحو والسكر والوجد، كلها مصطلحات غريبة المبنى والمعنى، لا يمكن أن تعتمد في بناء العقيدة، وهي معرفة الله تعالى وتوحيده والإيمان به، ويتضح هذا إذا علم على جهة اليقين بأن أعظم رسالة للأنبياء والرسل كانت في بناء هذه العقيدة في قلوب الناس، فكيف يغفل خيرة خلق الله تعالى وأبرهم قلوبًا وأصدقهم إيمانًا، أولئك الذين اختارهم الله ليكونوا ترجمانًا حيًا لما أوحاه الله إليهم يصدق بكل ما جاءوا به من عند الله تعالى، كيف يغفل أولئك الأخيار عن هداية الناس لمثل هذه المقامات، التي أناط الصوفية بتحقيقها نيل درجة الولاية: أسمى أماني العبد، الذي يريد أن يكون من أهل هذه البشرى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
ولكل الذي تقدم؛ فإن كل ما سيأتي بيانه وتفصيله في ثنايا دراسة هذه المقامات
[ ٧١١ ]
تحليلًا وعرضًا ونقدًا، فإنما يستمد من طريقة أولئك العلماء؛ نصحًا لدين الله تعالى، واستجابة لداعى الإنصاف والعدل.
* * *
أولًا: تعريف الفناء:
لما كان الفناء هو أول المقامات الآنفة الذكر، وكان بمثابة البوابة التي دخل منها أهل التصوف إلى درجات الترقى في سلم الوصول إلى الولاية؛ كما اعتقدوا بغير سلطان آتاهم، صح أن أبدأ الحديث به.
فإن ما ادعاه الصاوي من أن مقام الكمل في التوحيد هو مقام الفناء، حيث لا يشهد العبد سوى ذات الله تعالى، فليس بمسلم له، فإن تفصيل القول فيه كما يلي: أن للفناء أقسام بعضه مقبول، بل عليه مدار التوحيد، وهو الفناء عن عبادة السوى.
وبعضه مردود؛ باعتبار ما فيه من الابتداع، الذي قد يؤدى بصاحبه إلى بوابة الإلحاد، وهو الفناء عن شهود السوى، وغايته تعمق في توحيد الربوبية، وشهود للقدر.
وبعضه كفر بواح، مناقض للدين بالكلية، وهو الفناء عن وجود السوى، فليس ثمة موجود إلا الله، وهذا ما حكاه ابن عربي وأمثاله من الملاحدة.
ولكن لما كانت هذه المصطلحات؛ كما هو واضح من التقسيم السابق، محل اشتباه وإيهام؛ فقد حذر من الاغترار بها العلماء، "فإن الفناء والبقاء من ترهات الصوفية، دخل من بابه كل إلحادي وكل زنديق، وأراد قدماء الصوفية بالفناء نسيان المخلوقات، وفناء النفس عن التشاغل بما سوى الله، ولا يسلم إليهم هذا أيضًا، بل أمرنا الله ورسوله بالتشاغل بالمخلوقات، ورؤيتها والإقبال عليها، وتعظيم خالقها" (١).
وأدع تفصيل القول فيما يقبل منه وما يرد - إنصافًا وتحقيقًا - لشيخ الإسلام
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: (١٥/ ٣٩٣).
[ ٧١٢ ]
- ﵀ -؛ فقد أتم بيان ذلك، حيث يقول: "الفناء ثلاثة أقسام: فناء عن وجود "السوى"، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن عبادة "السوى":
فالأول؛ هو فناء أهل الوحدة الملاحدة؛ كما فسروا به كلام الحلاج، وهو أن يجعل الوجود وجودًا واحدًا.
وأما الثاني؛ هو الفناء عن شهود السوى، فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين؛ كما يحكى عن أبي يزيد وأمثاله، وهو مقام الاصطلام، وهو أن يغيب بموجوده عن وجوده، وبمعبوده عن عبادته، وبمشهوده عن شهادته، وبمذكوره عن ذكره، فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، وهذا كما يحكى أن رجلًا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في الماء؛ فألقى المحب نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنت؟، فقال: غبت بك عنى، فظننت أنك أنى، فهذا حال من عجز عن شهود شيء من المخلوقات؛ إذا شهد قلبه وجود الخالق، وهو أمر يعرض لطائفة من السالكين، ومن الناس من يجعل هذا من السلوك، ومنهم من يجعله غاية السلوك، حتى يجعلوا الغاية هو الفناء في توحيد الربوبية، فلا يفرقون بين المأمور والمحظور، والمحبوب والمكروه، وهذا غلط عظيم، غلطوا فيه بشهود القدر وأحكام الربوبية عن شهود الشرع والأمر والنهي وعبادة الله وحده وطاعة رسوله، فمن طلب رفع بهذا الاعتبار لم يكن محمودًا على هذا، ولكن قد يكون معذورًا.
وأما النوع الثالث؛ وهو الفناء عن عبادة السوى، فهذا حال النبيين وأتباعهم وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبحبه عن حب ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وطاعته عن طاعة ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، فهذا تحقيق توحيد الله وحده لا شريك له وهو الحنيفية ملة إبراهيم، ويدخل في هذا أن يفنى عن اتباع هواه بطاعة الله فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطى إلا لله، ولا يمنع إلا لله فهذا هو الفناء الديني الشرعي، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه". (١)
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (٢/ ٣١٣ - ٣١٤).
[ ٧١٣ ]
وعليه فإن كل ما أتى الصوفية به في مقام الفناء عن شهود السوى؛ إنما هو من قبيل تقرير المسلمات، والاستدلال لليقينيات، وجعل غاية الطلب في تقرير أمر قد سلم له الكثير من المشركين، والكفرة المارقين، "وهذا الموضع وقع فيه من الشيوخ الكبار من شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهؤلاء غاية توحيدهم هو توحيد المشركين، الذين كانوا يعبدون الأصنام، الذين قال الله عنهم: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] " (١)
أحكام الفناء:
أما عن الأحوال التي قد تعترض صاحب هذا المقام من الذهول والخروج عن طور التكليف؛ كما بين الصاوي، حتى سوغ لصاحبه هذا المقال الشنيع، وهو قوله: انشلنى من أوحال التوحيد، الذي صار ذكر أكابر المولهين من أصحاب الطرق الصوفية المتأخرة، لمن الأمور التي يعلم بطلانها بالضرورة من دين الإسلام، وهذه المقولة وأمثالها من شطحات الصوفية قد فصل العلماء في بيان حكم قائلها بما يقطع عدم إرادتها من جهة الشرع، فليس يخرج قائلها عن قولها: إما بعمد، أو غلبة حال.
فإن كان الأول؛ فهو كافر مارق، وهذا من ألفاظ الردة؛ لأن فيها استهزاء بالدين، ووصفًا للب الدين، وحقيقة العبودية؛ بما يستقذر منه.
وأما إن قالها عن غلبة حال؛ فهو معذور لزوال عقله، ومن هنا فليس حاله حال كمال، بل هو حال نقص، لأن زوال العقل مما لا مدح فيه.
وإن كان زوال عقله بقصد وتعمد فهو آثم؛ لأنه سلك غير سبيل المؤمنين، التي
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (٨/ ١٠١).
[ ٧١٤ ]
كان عليها الصحابة - رضوان الله عليهم - في طلب القرب من المولى تعالى، وإن كان قد وصل إلى ما وصل بلا تعمد؛ كحال بعض المجانين، الذين عظم شأنهم الصوفية فهؤلاء معذورون، والإثم يلحق بمن عظم كلامهم حال اصطلامهم، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "فمثل هذه الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحظور، ليست علمًا ولا حقًا، بل غايته أنه نقص عقله، الذي يفرق به بين هذا وهذا، وغايته أن يعذر، لا أن يكون قوله تحقيقًا". (١)
ولا شك أن هذا كله من كيد الشيطان، يقول الإمام ابن القيم في بيان ما لبس عليهم من وحيه وكذبه: "ومن كيده: ما ألقاه إلى جهال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم في أنواع الأباطيل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم: أن وراء العلم طريقًا إن سلكوه أفضى بهم إلى كشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن، فحسن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق، والتجافي عما عليه أهل الدنيا وأهل الرياسة والفقهاء وأرباب العلوم، والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شيء، حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم، فلما خلا من صورة العلم الذي جاء به الرسول؛ نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد له، فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات". (٢)
ثانيًا: تعريف البقاء:
أما عن حقيقة البقاء الشرعية، فإذا كان الفناء عن إرادة السوى هو حقيقة التوحيد، وغاية الإخلاص لله تعالى، وهو المراد من أنواع الفناء، الذي اجتهد في تحصيلها العباد؛ فما هو البقاء الشرعي المقابل لذلك الفناء، الذي يدعيه أهل البدع والضلالات؟ إن البقاء المحمود؛ كما يقول شيخ الإسلام - ﵀ -، هو ما كان عليه سلف الأمة، وهو البقاء في مراضى الرب تعالى، كما قال - عليه الصلاة
_________________
(١) المرجع السابق: (٨/ ٣١٣).
(٢) إغاثة اللهفان: ١١٩.
[ ٧١٥ ]
والسلام - في الحديث القدسي: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشى عليها، ويده التي يبطش بها) (١).
وهذا البقاء لا ينافي الفناء الشرعي، حيث يصير العبد فانيًا "عن تأله ما سوى الله؛ بتأله الله تحقيقًا لقوله: (لا إله إلا الله)، فينفى ويفنى من قلبه تأله ما سواه، ويثبت ويبقى في قلبه تأله الله وحده" (٢).
وكل معنى للبقاء سوى هذا؛ فهو مردود: إما أن يدخل صاحبه في دائرة الابتداع، أو دائرة الكفر بالقول بوحدة الوجود.
أحكام البقاء:
يرى الصاوي أن للبقاء أحكامًا تكون علمًا على بلوغ هذه المرتبة للسالك، فالاستدلال بالصنعة على الصانع عنده هو طريق السالكين الذين لما يصلوا بعد، أما الاستدلال بالله على خلقه فهذا هو صفة الواصلين من أهل البقاء، وغاية ما فيه استغراق في توحيد الربوبية، ولكنه غير كافٍ في بلوغ منازل الكمل من الناجين" فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية، الذي يقر به النظار، ويفنى فيه كثير من أهل التصوف، ويجعلونه غاية السالكين، . . .، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده، ويتبرأ من عبادة ما سواه، كان مشركًا من جنس أمثاله من المشركين" (٣).
ومع ذلك فإنه لا يسلم له أن طريق الاستدلال بالخلق على الخالق طريق السائرين الذين لم يصلوا بعد، بل قد أمر المولى عباده به، ووصف من انتهجه منهم بالعقل والفكر، قال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وسيأتي تفصيله في المبحث التالي بإذن الله.
أما ما ادعاه الصاوي من أن البقاء الذي يتبع الفناء، يطلق العبد من التكاليف، فتخرج أفعاله عن مقتضى الحساب من العقوبة والذنب، فهذا عين التقول الباطل،
_________________
(١) سيأتي مزيد بيان عن هذا في المبحث التالي بعون الله تعالى: ٧٢٣.
(٢) مجموع الفتاوى: (٨/ ٣٧٠).
(٣) شرح الطحاوية: ٣٦.
[ ٧١٦ ]
قد اعتقد أن العبد إذا استغرق في مقام الفناء؛ فإنه يصل إلى البقاء بربه، حتى يتمكن من شهود ذاته تعالى متصفة بالأسماء والصفات، وبالتالي فإن أفعاله تصير مرادة للحق تعالى مهما كانت على اعتبار موافقتها لأفعال الله القدرية، حيث شهد ذاته تعالى متصفة بصفات الربوبية، فهذا نوع من التعمق في شهود القدر بما لم يشرع، بل هو عين مخالفة أمر النبي - ﷺ -، كما أن فيه مماثلة لأفعال المشركين الذين احتجوا بالقدر، وليس لهم حجة في ذلك؛ لقيام الحجة عليهم بالتكليف وإرسال الرسل، وقد سماهم شيخ الإسلام بالإبليسية؛ لموافقتهم إبليس في فعله، والذي يترجح عندي أن هذا الحال مخالف للشطحات التي قد تصدر من الفاني بلا إرادة، لأن البيت الذي استدل به على ما قدم من أحكام وهو: "وبعد الفنا في الله كن كيفما تشا"، فيه إثبات لمشيئة المريد، فليست تخرج أفعاله عن مقتضى إرادته. وهذا هو حقيقة وصفه بالبقاء، ومن ثم فلا حجة له في زوال التمييز؛ لأنه في حالة صحو كما هو ظاهر، وهذا ما يسمى بإسقاط التكاليف.
وعليه فإن في هذا الكلام من إبطال الشرائع، وهدم العقائد ما لا يخفى خطره، ومن ثم فليس يحتاج لهدمه كبير معول، وتكفي الإشارة إلى ما كان عليه النبي - ﷺ - وهو أكمل العابدين، وأيضًا ما كان عليه الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - من التمسك بشرائع الدين حتى لقوا الله على ذلك، ولا شك أن هذا من الأوهام الصوفية المتأثرة بغثاء الأمم الكافرة من الفلسفة والبوذية وغيرها.
ومن جملة ما ادعاه الصاوي لهذه المرتبة من الأحكام أن يقول صاحب المقام المستغرق في الذكر للشيء كن فيكون بإذن الله، فإن هذا في حقيقة الأمر من أوهام الصوفية التي لا تستند إلى شرع أو عقل، وقد تقدم الحديث عنها في مبحث شهادة التوحيد ونواقضها؛ فإن هذه الكلمة هي مما اختص الله تعالى به لتمام ربوبيته وقيوميته واستغنائه عن كل ما سواه، وقد أتت بما يفيد الحصر، فلا مثيل له ولا رب سواه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]
[ ٧١٧ ]
يقول الإمام ابن جرير في تفسير الآية: "يقول تعالى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائنا لهم، ولا في غير ذلك مما نخلق ونكون ونحدث، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه، فإنما نقول له: كن فيكون، لا معاناة فيه، ولا كلفة علينا.
واختلفت القراء في قراءة قوله: يكون، فقرأه أكثر قراء الحجاز والعراق على الابتداء، وعلى أن قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كلام تام مكتف بنفسه عما بعده، ثم يبتدأ فيقال: فيكون، كما قال الشاعر: يريد أن يعربه فيعجبه" (١).
ولا شك أن هذا لا يكون إلا لله تعالى، واعتقاد أنه يحصل لغيره من خلقه بإذنه يحتاج إلى دليل يدل عليه، فإن عيسى - ﵇ - وهو رسول أيده الله بالمعجزات إثباتًا لنبوته وتأييدًا له فأعجز قومه بإذن الله في إبراء الأكمه والأبرص وخلق الطيور من الطين والنفخ فيها، إلى غير ذلك لم يثبت أنه كان ينطق بهذه الكلمة: (كن فيكون) عند فعل هذه الأمور وإنما الذي ثبت أنه كان يدعو الله فيرقي المرضى فيشفيهم الله بحوله وقوته، وهي معجزة قد ثبتت حتى لنبينا - ﷺ -.
ومن جهة أخرى فإن حقيقة المعجزات أفعال لله تعالى أيد بها عباده المرسلين؛ فلا تصح لأحد غيرهم.
فلما انعدم الدليل المؤيد لهذه المقولة واستبان خواؤها وبعدها عن الحجج البرهانية علم أنها من أوهام الصوفية، والتي تعد من وسائل الشرك الصريح، فإن اعتقاد الإذن لا يكفي في نسبة هذه الأمور التي علم بالضرورة اختصاص المولى بها لغير الله؛ ما لم يدل دليل صريح على إمكانها وحصولها، بل إن هذه المقولات وما يشابهها هي عين ما كان يشتبه على كفار قريش في آلهتهم التي كانوا يعتقدون عبوديتها لله ولكنهم ظنوا أن لها قدرة بإذن ربها على التصريف والعطاء والمنع لمكانتها عنده، فصرفوا لها الآلهة، وكانوا يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى زلفى.
_________________
(١) جامع البيان: (١٤/ ١٠٦).
[ ٧١٨ ]
وهذه المرتبة أشد نكارة من التي قبلها؛ لأن فيها من معاني وحدة الوجود الشيء الكثير، ومع أن الصاوي قد أقر بأن هذا مراد الصوفية من وحدة الوجود إلا أن هذا مما لا يسلم له بإطلاق، لأن وحدة الوجود بالمعنى الصوفي الفلسفي تعني أن عين وجود المخلوقات هو عين وجود الخالق تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ولأهمية هذه القضية فسيأتي تفصيلها في مبحث مستقل بإذن الله تعالى.
* * *
وقد كان حديثه في باقي المقامات من الجمع والفرق، وجمع الجمع وغير ذلك مما كثر فيه خوض أرباب السلوك والأحوال، من الأمور التي لا يسلم إرادتها من جهة الشرع، وذلك لأنها من البدع المحدثة، التي لم ترد ألفاظها في الكتاب أو السنة، وعليه فمن غير المسلم أن تكون نهاية إرب أهل التوحيد وأولى الاستقامة، وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
ثم أن ما تحويه هذه المصطلحات من ألفاظ غريبة، يصعب فهمها، ومعرفة معانيها لكثير من الناس، لما يقطع بعدم اعتمادها في هذه المرادات العظيمة، يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - بعد أن سبر أغوار مذهبهم ومحصه على ضوء الهدى النبوي: "فلا تجد هذا التكلف الشديد، والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصحابة أصلًا، وإنما يوجد عند من عدل عن طريقهم، وإذا تأمله العارف وجده كلحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل، فيطول عليك الطريق، ويوسع لك العبارة، ويأتى بكل لفظ غريب، ومعنى أغرب من اللفظ، فإذا وصلت لم تجد معك حاصلًا طائلًا، ولكن تسمع جعجعة ولا ترى طحنًا" (١).
ومن جهة أخرى؛ فإنه لا يخفى ما في هذه الألفاظ والمعاني من التنطع الذي أتى بذمه الكتاب والسنة، وكما يقول ابن القيم - ﵀ -: "فإن لم تكن هذه الألفاظ والمعاني التي نجدها في كثير من كلام هؤلاء تنطعًا؛ فليس للتنطع حقيقة" (٢).
_________________
(١) مدارج السالكين: (٣/ ٤٠٥).
(٢) المرجع السابق: (٣/ ٤٠٧).
[ ٧١٩ ]
والذي أدى بهم إلى هذا المسلك الضال؛ ما اعتمدوه من إعمال الرأي في دين الله، فضلوا عن المنهج النبوي إلى مثل هذه المحدثات، التي كانت مدخلًا للكثير من أوهام الملحدين والزنادقة والمارقين: أمثال ابن عربي وغيره.
ولما كانت هذه الاصطلاحات المبتدعة من الألفاظ المجملة، التي هي محل اشتباه في مرادها من حيث المعنى، فقد فصل الأئمة في الكلام عنها؛ كما فصلوا في مقام الفناء والبقاء؛ ببيان الوجه المراد منهما، وبيانه كالتالي:
مقام الجمع:
إن حقيقة الجمع في اصطلاح القوم: "شخوص البصيرة إلى من كانت منه المتفرقات كلها" بمعنى أن يقبل العبد بكليته إلى مولاه؛ فلا يبقى لأحد منه التفات، فحقيقته، امتداد لمقام الفناء مع زيادة في المعنى، ولهذا الجمع أنواع: فمنه جمع الوجود، ومنه جمع الشهود، ومنه جمع الإرادة والقصد:
فأما جمع الوجود؛ فهذا هو المعنى الباطل، الذي عليه أهل الإلحاد والزندقة، كما عرفه ابن عربي: هو الاستهلاك بالكلية في الله.
وأما جمع الشهود، فهو كما عبر عنه الصاوي بقوله: أن يسكره في شهود ذاته تعالى، فيصير مستهلكًا بالكلية عما سوى الله تعالى، ومع أنه قد يقرب من المراد إلا أن ما وقع فيه أربابه من مقاربة لأوهام الملاحدة؛ جعل القول به خطرًا محدقًا يكاد أن يكون بوابة لجمع الوجود، يصدق هذا استدلاله بحال البدوي، الذي نسب إليه الكثير من أوهام الصوفية في معرفة الغيوب والتصرف في الكون؛ حتى صار قبره وثنًا يعبد من دون الله، حيث تشد الرحال إليه لطلب الحاجات ورفع البلايا النازلات.
وكان جمع القصود مرادفًا لمعنى الفناء عن عبادة السوى، وهذا هو "الجمع الصحيح الذي عليه الاستقامة، وهو جمع توحيد الربوبية والإلهية، فيشهد صاحبه قيومية الرب تعالى فوق عرشه، يدبر أمر عباده وحده.
[ ٧٢٠ ]
وأما جمع توحيد الإلهية، فهو أن يجمع قلبه وهمه وعزمه على الله، وإرادته، وحركاته على أداء حق الله تعالى، والقيام بعبوديته سبحانه، فتجتمع شؤون إرادته على مراده الديني الشرعي" (١).
مقام الفرق:
وأما مقام الفرق؛ فهو أيضًا في مقابل مقام البقاء بعد الفناء، لذلك يسمى بالفرق الثاني، حيث يصير العبد في حال من الصحو يتمكن بها من التمييز ومشاهدة الفروق، وقد قسم الإمام ابن القيم الفرق إلى الثلاثة أنواع: فرق حيواني، وفرق إسلامي، وفرق إيماني، وجعل الفرق الحيواني ما يحصل بمجرد الطبع والميل، حيث يكون موجب تفريقه ومعياره ما يمليه عليه طبعه وهواه، وهذا فرق المشركين وغيرهم من أهل الأهواء.
أما الفرق الإسلامي؛ فهو تفريق العبد بين ما شرعه الله وأمر به وأحبه ورضيه، وبين ما نهى عنه وكرهه ومقته، وكل من فقد التفريق بين هذه الأمور المتضادة؛ فقد خرج عن دائرة الإسلام.
وأما الفرق الإيماني؛ فهو ما يتوصل إليه بتحقيق مقتضى الإيمان بصفات الله تعالى؛ فيحصل للعبد بذلك التفريق بين أفعال الله تعالى وبين أفعال العباد، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء من الأنبياء والمؤمنين بهم، فهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية، وأن العبد كلما ازداد تحقيقًا لهذا الفرق، ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له، وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره" (٢).
"وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تنفى عن قلبه ألوهية ما سوى الله، وتثبت في قلبه ألوهية الحق، فيكون نافيًا لألوهية كل شيء من المخلوقات،
_________________
(١) مدارج السالكين: (٣/ ٤٧١).
(٢) العبودية: ١٥٥.
[ ٧٢١ ]
مثبتًا لألوهية رب العالمين، ورب الأرض والسماوات، وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله، وعلى مفارقة ما سواه، فيكون مفرقًا في علمه وقصده، في شهادته وإرادته، في معرفته ومحبته: بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالمًا بالله تعالى، ذاكرًا له، عارفًا به، وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه، وانفراده عنهم، وتوحيده دونهم" (١) وكان فرق الصاوي مغايرًا لهذه الحقيقة الإيمانية، يكشف هذا أنه استدل بحال الدسوقي في تحقيق هذا المقام مع ما حكى عنه من أقوال تخرج بقائلها عن دائرة الإسلام، والذي يظهر أن ما اعتمده الصاوي من حاله حتى حكم عليه أنه من أهل هذا الضرب من المقامات؛ تمسكه بأحكام الشريعة الظاهرة من الصلاة والصيام وغيرها مع ما ادعاه من اطلاع على الغيب وتحكم في المخلوقات، وغير ذلك من ترهات الصوفية وخرافاتهم.
أما عن مقام الوصل؛ فهو أحد المواجيد التي يعبر بها عن مقام الفناء التام عندهم، لذا فإنه يقال فيه ما يقال في مقام الفناء من حيث التفصيل، والله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) المرجع السابق: ١٦٥.
[ ٧٢٢ ]
(المبحث الثاني): منهج الصوفية في التأصيل للمقامات
لقد اجتهد أهل التصوف في التأصيل لمذهبهم من الكتاب والسنة؛ إمعانًا منهم في التبرير لكل ما أتوا به من أمور لم يكن لها مستند من الشرع، وحتى يتم لهم المراد؛ اعتمدوا التأويل كوسيلة أساسية يتمكنون بها من لي أعناق النصوص؛ وفقًا لما أملته عليهم أهواءهم، بعيدًا عن حقائق الدين والعقل، فقد "استطاع الصوفية - متبعين في ذلك الشيعة - أن يبرهنوا بطريقة تأويل نصوص الكتاب والسنة تأويلًا يلائم أغراضهم، على أن كل آية، بل كل كلمة في القرآن، تخفى وراءها معنى باطنًا لا يكشفه الله إلا للخاصة من عباده" (١).
وكانت المقامات والأحوال؛ هي أهم ما يجتهد الصوفي المربى من تأصيلها؛ ومن هذا المبدأ ظهر التفسير الإشاري؛ كأبرز معلم يدل على تبنى هذا الفكر وتبلوره عندهم، حتى غدى هذا النوع من التفاسير مشتهرًا بين العامة، لا يكاد يفطن للخلط الذي حواه إلا أولو العلم المحققون.
ولم تقتصر جهود أولئك المبتدعة على تحريف آيات الكتاب الكريم لتقرير مبادئهم وأصولهم، بل تعدى فعلهم ذلك إلى السنة المطهرة على صاحبها - أتم الصلاة وأزكى التسليم -، فأخذوا يحرفون الكلم؛ ليا بألسنتهم وطعنًا في الدين، فامتدت أيديهم إلى عدد من الأحاديث، على مختلف درجاتها من الصحة إلى الضعف، وراموا هدم حقائقها الإيمانية بمعاول التأويل؛ فضلوا وأضلوا، ولكن أنا لهم؛ وقد قام العلماء المحققون، الذين نالوا شرف النصح لدين الله، للذود عن حماه المقدسة
_________________
(١) تاريخ التصوف، لنيكلسون: ٧٦.
[ ٧٢٣ ]
من أيدي العابثين، فبينوا فساد أقوال أولئك المبتدعة في تحميل النصوص ما لم تحمله من تلك الأوهام، وكانت لهم شروحات وتفاسير جليلة، عمدوا فيها إلى تمييز ما قيل في معناها، ووضعوا لذلك قواعد في فهمها؛ تبعًا لاستقراء النصوص، وفهم أقوال الصحابة، وإعمالًا للغة الدين: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥].
وغالب ما اعتمده الصوفية من النصوص لتقرير مقاماتهم المتشابه منها، حيث قاموا بالتلبيس على العامة من أتباعهم، وهذا هو الغالب فيهم، وإن كانت قد سبقت الإشارة إلى أنواع من التأويل الصوفي في تأصيل بعض مبادئ التصوف كالعهد والبيعة والطريقة، فسأكتفي هنا بعرض نماذج من تأويلاتهم الباطلة فيما يتعلق بالفناء والبقاء؛ الموضوع الذي دار حوله البحث في هذا الفصل.
وقد تتفق بعض تأويلاتهم مع المعنى المراد؛ وذلك عند حملها على الفناء، أو البقاء المشروع كما مر سابقًا، أما عند توجيهها إلى تقرير البدع؛ فهنا يكون ردها مما يستلزمه حقيقة النصح لدين الله تعالى.
ومما يستند إليه الصوفية في تقرير الفناء باعتباره سبيلًا لتحقيق التوحيد قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ومرادهم بهذا أنه لا يصل السالك إلى تحقيق التوحيد إلا إذا انتفت عنه الأغيار؛ فيشهد التوحيد بهذه الصورة، حيث لا تكون شهادته نطقًا باللسان، وإنما عن تجربة يشاهد ربه فيها بالذوق والوجدان، يقول أبو سعيد الخراز: "أول مقام لمن وجد علم التوحيد وحقق بذلك فناء ذكر الأشياء عن قلبه وانفراده بالله ﷿" (١). وقد يغرق بعضهم فيرى أنه: "ليس في التوحيد حلق (٢) وما وحد الله غير الله، والتوحيد للحق من الخلق طفيلى" (٣).
_________________
(١) اللمع: ٥٢.
(٢) أراد به التحليق بالإصبع للدلالة على التوحيد، والله أعلم.
(٣) اللمع: ٥٢.
[ ٧٢٤ ]
وفيما يلي نص من كلام أحد المتأخرين في عرض صورة الفناء: "إن فناء الصوفي ليس فناء جسد في جسد، ولا فناء روح في روح، إنه فناء إرادة في إرادة، وفناء أخلاق في أخلاق، أو كما يقول الصوفية فانيًا عن أوصافه؛ باقيًا بأوصاف الحق، . . .، وهذا الفناء هو الذي عبر عنه الحديث النبوي: (تخلقوا بأخلاق الله)، والحديث القدسي (فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه). (١)
وقد كان الحديث الأول بلفظ تخلقوا بأخلاق الله مما لا أصل له، وقد بنى عليه الصوفية الكثير من أوهامهم، وهذا الغزالي يعقد فصلًا يبين فيه أهمية التخلق بالأخلاق الإلهية بأنه لا سعادة للعبد ما لم يكن له نصيب من ذلك (٢).
أما الحديث الثاني فهو المعول عليه عندهم في مقام الفناء والبقاء، يقول الكاشاني في تعريف المحو: "هو إزالة العلل والآفات، ويقابله إثبات المواصلات، وذلك برفع أوصاف العبد، ورسوم أخلاقه وأفعاله بتجليات صفات الحق وأفعاله، كما قال: (كنت سمعه الذي يسمع به) " (٣)
يوضح هذا المعنى العطار (٤)، فيقول: "إن معنى كنت سمعه. . إلخ أن ذلك الكون الشهودي - الفناء عن الشهود - مرتب على ذلك الشرط الذي هو حصول المحبة، فمن حيث الترتيب الشهودي جاء الحدوث المشار إليه بقوله: كنت سمعه، لا من حيث التقرير الوجودي". (٥) ولكن الكثير من الصوفية من يستدل به على الكون الوجودي كحال ابن عربي وغيره.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب التواضع، رقم الحديث: ٦٥٠٢: انظر: التعرف لمذهب التصوف: ٥.
(٢) انظر: المقصد الأسنى: ٤٥.
(٣) اصطلاحات الصوفية للكاشاني: ٩٥.
(٤) هو حسن بن محمد بن محمود العطار من علماء مصر، أصله من المغرب، ولد سنة: ١١٩٠ هـ تولى إنشاء جريدة الوقائع المصرية في بدء صدورها، ثم مشيخة الأزهر، له ديوان شعر وعدد من الحواشي في العربية والمنطق والأصول، توفى سنة: ١٢٥٠ هـ. انظر: الأعلام: (٢/ ٢٢٠).
(٥) حاشية العطار على جمع الجوامع: (٢/ ٥١٣).
[ ٧٢٥ ]
رأي الشيخ الصاوي:
لما كان بلوغ هذه المقامات من أسمى مقاصد الصوفية في تحقيق التوحيد، وكان الصاوي من تابعي التأصيل لهذه المراتب من جهة الشرع، أخذ في الاستدلال لتلك المقامات بالحديث القدسي المعروف، يقول: "فأشار في الحديث إلى مقام السائرين بقوله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل).
وإلى مقام الفناء المحض بقوله: (حتى أحبه).
وإلى مقام البقاء بقوله: (فإذا أحببته كنت سمعه)، ومعناه كنت مشهودًا قبل سمعه ومسموعه، وبصره ومبصره، ويده وبطشها، ورجله ومشيها، لكونه يشهدني قبل كل شيء، وهذه آثارى لا ترى له إلا بعد شهودي، وهو معنى قول بعض العارفين:
تلك آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار
ويسترسل في توضيح هذه المفاهيم من هذا البيت، فيقول: "فقوله: تلك آثارنا، أمرنا بالسير لمن يستدل بالصنعة على الصانع.
وقوله: فانظروا بعدنا، أي؛ بعد الفناء فينا بسيركم إلينا إلى الآثار، أي؛ فاشهدوا آثارنا بعد شهودنا، وهذا مقام البقاء". (١)
وهو مع استناده إلى الأحاديث في التأصيل لهذه المقامات؛ فإنه أيضًا يستمد لتشريعها من حياة الأبرار بدءً بسيدهم محمد - ﷺ -، والأنبياء - صلى الله عليهم وسلم تسليما كثيرًا -، وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين -، يقول: "وتارة تضاف حضرة الإطلاق إلى الله تعالى، يقال: حضرة الله حضرة الإطلاق، معناه الفناء المطلق، والكمال المطلق، والتعزز المطلق، وهذا أيضًا يشهده العارفون، فإذا شهده العارف ذاب من خشية الله، وخاف حتى من أعماله الصالحة،
_________________
(١) حاشية الصلوات: ٣٦ - ٣٧.
[ ٧٢٦ ]
وهو الذي قال فيه صاحب ورد السحر: إلهي إني أخاف أن تعذبني بأفضل أعمالي، فكيف لا أخاف من عقابك بأسوأ أعمالي.
وقال عمر بن الخطاب: ليت أم عمر لم تلد عمر، ليتني كبشًا فسمنني أهلي وأكلوني. (١)
ومن شهودها: جثو الأنبياء على الركب يوم القيامة، وقول النبي - ﷺ -: شيبتني هود وأخواتها (٢) " (٣)
كما يستدل لمقام الفناء والبقاء بحال إبراهيم - ﵇ - على جهة الخصوص، فيقول عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦]: "قول إبراهيم رب اجعل هذا البلد. . . إلخ يقتضى أن دأبه الدعاء، وما ورد من قوله حين ألقى في النار: حسبي من سؤالي علمه بحالي، يقتضي أنه لم يكن دأبه الدعاء، فما السر في ذلك؟ .
أجيب؛ بأنه كان في زمن إلقائه في النار في مقام الفناء والسكر، وهو الغيبة عن شهود الخلق بشهود الحق، فلا يشهد أثرًا، وفي زمن دعائه في مقام البقاء وجمع الجمع وهو البقاء بالله بمعنى شهود الآثار بعد شهود مؤثرها، فمقامه في حال دعائه أعلى وأجل من مقامه في حال تركه له، ولا يقاس بمقامات الأنبياء مقام، بل بدايتهم أعلى وأجل من نهاية غيرهم، فالأولياء وإن عظموا لا يصلون لأدنى رتب الأنبياء، وأما قول أبي الحسن الشاذلي: وأقرب مني بقدرتك قربًا تمحق به عني كل حجاب محقته عن إبراهيم خليلك، فمعناه قربًا يليق بى؛ لا كقرب الخليل، فقد طلب من الله أن يذيقه قطرة من بحار تجلياته، التي تجلى بها على الخليل فأسكره، فلم يشهد شيئًا سواه" (٤)
_________________
(١) أخرج بنحوه ابن أبي شيبة في مصنفه: كلام عمر - ﵁ -، رقم الحديث: ٤٠: (٨/ ١٥٣).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب تفسير القرآن، باب من سورة الواقعة، رقم الحديث: ٣٢٩٧، وقال حديث حسن: (٥/ ٣٧٥). وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم: ٢٦٢٧: (٣/ ١١٣).
(٣) المرجع السابق: ٩١.
(٤) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٧٦).
[ ٧٢٧ ]
المناقشة:
إن ما اعتمده الصاوي في تحرير المقامات؛ كما فهمها من حديث رسول الله - ﷺ - متابعًا بذلك أسلافه من الصوفية لا يسلم له، وذلك لعدم دلالته على ما ذهب إليه، فإنه أوَّل الحديث إلى حيث يستدل به على مقامات الصوفية في الفناء والبقاء، فجعل التقرب إلى الله تعالى بالنوافل، هو سبيل السائرين المستدلين بالصنعة على الصانع.
وجعل مقام الفناء في استحقاق المحبة، وذلك في قوله: حتى أحبه.
ومقام البقاء في قوله: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، كما عبر عنه بأن العبد في هذه المرحلة يشهد الله قبل سمعه ومسموعه. . . .
وحتى يتم التنبيه إلى المراد لا بد من بيان معنى هذا الحديث العظيم، الذي دندن حوله الكثير من المتصوفة في الاستدلال؛ لما أتوا به من محدثات لا تمت إلى الدين بصلة.
وبادئ ذي بدء؛ فإنه قد سبقت الإشارة إلى أن الله تعالى قد ابتلى عباده بالإيمان بالمتشابه من الأدلة الشرعية، وبين أن الإيمان بها يقتضي التسليم، وعدم اعتقاد التضارب والتناقض في دين الله تعالى، حيث قال في محكم التنزيل على لسان المؤمنين: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، ومن هنا قرر العلماء حتى يتحقق التسليم الموجب لدفع التناقض؛ وجوب رد المتشابه إلى المحكم، الذي لا يختلف في معرفة المراد منه، وكان هذا الحديث أحد نصوص المتشابه، الذي يتعين رده إلى ما أحكم من النصوص؛ حتى يتبين المراد منه، دون وقوع فيما نهى المولى تعالى عنه.
وكما بينت سابقًا فقد يقع التشابه في النصوص؛ تبعًا للاختلاف في فهم النص على العامة، بحيث يغلب عدم إدراك المراد منه على الظاهر؛ مما يؤدي إلى وقوع البعض في اللبس، مع أن الحقيقة المقررة من قبل أهل العلم، تؤكد أن التشابه التام لا يكون إلا فيما يتعلق بالأمور الغيبية، من حيث إدراك الكنه، أما ما يتعلق بفهم
[ ٧٢٨ ]
النصوص والإيمان بها؛ فقد بين المولى تعالى أنه أنزل القرآن بلسان عربي مبين، لهذا جاء أمره بتدبر القرآن، حتى قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ويقال هذا أيضًا في السنة المطهرة التي وصفها بالبيان، حيث قال: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾، وإنما كان الأمر برد المتشابه لعلمه سبحانه باختلاف أفهام الناس، وأن منهم من ليست له أهلية كافية في فهم النصوص، فعليه إذا لم يتمكن من إدراك معناها أن يردها إلى المحكم، الذي لا يلتبس معناه على أحد، هذا في حال تمكنه من الاستنباط، أما مع عدم ذلك فيكون الرد لمن أتاه الله علمًا وفهمًا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
فالحديث وهو قوله - ﷺ -: (إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته). بيان لمراتب القرب من المولى تعالى بحسب ما يتقرب به العبد من المولى تعالى، فقد نص الحديث على أن الفرائض هي أحب ما يتقرب به إليه، وإذا تابعها العبد بمزيد من النوافل والطاعات؛ كان ذلك زيادة في معنى القرب، وهذا القرب هو قرب الرحمة، والكلاءة، والمعونة، والمحبة، لذلك رتب المولى تعالى تحقق ما يطلبه العبد من السؤال، والاستعاذة على ذلك.
وأما قوله: (كنت سمعه الذي يسمع. . إلخ)؛ فمراده تحقق مرتبة الولاية بموافقة مرادات الرب تعالى، فلا يعمل إلا في محابه، ومرضاته.
فهذا الحديث الذي قيل فيه: "إنه أشرف حديث في ذكر الأولياء" (١)، نص في بيان السبيل المؤدى إلى تحقق العبد من مرتبة الولاية، فليس ثمة طريق إلى مرضاة الله تعالى إلا بما شرعه من القربات والطاعات، بدأً بالفرائض التي أوجب المولى
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب: ٥١٨.
[ ٧٢٩ ]
تعالى القيام بها على عباده المؤمنين، وأناط النجاة بها، كما في الحديث الذي فيه أن رجلًا جاء إلى رسول الله - ﷺ - يسأله عن الإسلام فذكر له ما افترض عليه وكان في كل مرة يقول له: هل على غيرها؟
فيقول له النبي: (لا، إلا أن تطوع)، فأدبر الرجل؛ وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا، وأنقص، قال رسول الله - ﷺ -: (أفلح إن صدق). (١)
فدل ذلك على أن أصل القرب، وهو حقيقة الولاء؛ ينال بالقيام بما افترضه المولى تعالى، أما تمامه وكماله؛ فمتعلق بزيادة التقرب بالنوافل والطاعات.
وهنا يأتي الحديث عن أثر الحسنات، الذي به يدرك مراد المصطفى بإذن الله، فإن للطاعة بركة وثمرة تتأتى للعبد من جهتين، الأولى: أنها تفتح له باب الزيادة والاسترسال مع مراضى الرب تعالى، وقد قال العلماء: إن دليل قبول العمل الصالح إتباعه بمثله، فالحسنة تجر الحسنة، وهكذا. . . حتى يصير العبد منهمكًا في مراضى الرب تعالى؛ فيتحقق مقتضى الولاية من تمام الموافقة في المرادات الشرعية؛ فلا يمشى ولا يسمع ولا يبصر إلا فيما هو مراد لله تعالى.
ومن جهة أخرى فإن الطاعة محبوبة لله تعالى؛ فإذا استرسل العبد في التقرب إلى المحبوب بما يحبه، واستأثر مراضيه عند غلبة الهوى؛ جازاه المولى تعالى بمحبته له، فالله يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيًا مرصوص، وإذا نال العبد محبة الله تعالى حفظه واصطنعه لنفسه، فما يزال سبحانه في كلاءته لعبده، وحفظه له من أنواع المعاصي والذنوب، حتى يصح وصفه بأنه لا يسمع إلا بالله، ولا يبصر إلا به، ولا يمشي إلا به.
يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في معنى الحديث: "والمراد به حصر أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه، والتقرب إليه بالنوافل.
وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل؛ حتى يصير محبوبًا لله؛ فإذا صار محبوبًا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان - باب الزكاة من الإسلام، رقم الحديث: ٤٦.
[ ٧٣٠ ]
لله أوجبت محبة الله له محبة منه أخرى، فوق المحبة الأولى، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روحه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة، فصار ذكر محبوبه وحبه مثله الأعلى، مالكًا لزمام قلبه، مستوليًا على روحه استيلاء المحبوب على محبه الصادق في محبته، التي قد اجتمعت قوى حبه كلها له، ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع لمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به، فهو في في قلبه ومعه ومؤنسه وصاحبه، فالباء ها هنا باء المصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك أنزل الإخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حالية لا علمية محضة، وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق، التي لم يخلق لها، ولم يفطر عليها، كما قال بعض المحبين:
خيالك في عيني وذكرك في فمي ومثواك في قلبي فأين تغيب
وقال الآخر:
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
ومن عجب أني أحن إليهم فأسأل عنهم من لقيت وهم معي" (١)
وعليه فلا حجة في هذا الحديث لمن استدل به على مقام الفناء والبقاء بالمعنى المنحرف، فقد ذهب غلاة الصوفية إلى أن المراد من قوله: كنت سمعه الذي يسمع به، اتحاد العبد بربه؛ حتى يصير هذا عين هذا؛ كما قال بذلك ابن عربي وغيره، وهذا يبطله النص ذاته قبل أن يستدل على بطلانه بغيره من النصوص، التي تعلم بالضرورة من دين الإسلام، يقول شيخ الإسلام - ﵀ - في بيان ذلك: فـ "قد بين في هذا الحديث أن المتقرب ليس هو المتقرب إليه بل هو غيره، وأنه ما تقرب إليه بمثل أداء المفروض، وأنه لا يزال بعد ذلك يتقرب بالنوافل؛ حتى يصير محبوبًا لله، فيسمع به ويبصر به ويبطش به ويمشي به، ثم قال: (ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه)، ففرق بين السائل والمسؤول، والمستعيذ والمستعاذ به وجعل العبد سائلًا لربه مستعيذًا به" (٢).
_________________
(١) الجواب الكافي لمن سأل الدواء الشافي: (١/ ١٣٠).
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (١٧/ ١٣٤).
[ ٧٣١ ]
وإذا استحال إرادة ذلك المعنى الباطل من الحديث، فإنه يرد كل معنى لا يدل عليه، ومن ذلك ما ذكره الصاوي في هذا الشأن، فقد أغرب حين استدل به على ما ذكر من المقامات وأبعد، وحقيقة كلامه أنه جعل المتقربين إلى مرضاة الله تعالى، الراجين بذلك عفوه، الراغبين في ثوابه بالنوافل، هم في مقام السائرين، ولما يصلوا بعد إلى مقام الكمل، وأما الذين فنوا في نيل مبتغاهم من أهل محبته، فهم في مقام الفناء.
ويأتي في المرتبة التالية لهم من غرقوا في هذه الحقيقة، حتى صارت معرفتهم بكل شيء سوى الله تالية لمعرفتهم به.
ومع تقدم بيان بطلان أن يكون هذا مقام الكاملين؛ لأن غايته فناء في توحيد الربوبية، الذي لم يكن محل نزاع بين الرسل وأقوامهم، فمعرفة الله تعالى فطرية لم يمار فيها إلا القليل؛ ممن انتكست فطرتهم، وغابوا عما جبلت عليه قلوبهم؛ بما أصابها من رين الشهوات والشبهات، إلا أن المقام هنا يستدعي مزيدًا من البيان؛ لعدم دلالة الحديث على ما ذهب إليه فيها.
فليس مقام السائرين إلى الله تعالى بالقيام بأنواع النوافل مقام العوام، كما تقدم من كلامه، بل هو مقام الكمل من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قال تعال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، يقول الشيخ السعدي - ﵀ -: "أي يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي، ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها، إلا انتهزوا الفرصة فيها" (١). وهم في كل ذلك راغبين راهبين خاشعين.
فإن محبة الله تعالى لم تكمل لأحد كما كملت للأنبياء، وعلى جهة الخصوص: إبراهيم ومحمد - عليهم جميعًا أفضل الصلاة والتسليم -، ومع ذلك
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن: ٥٦٩.
[ ٧٣٢ ]
كانوا على أتم ما يكون من طلب مرضاة الله تعالى بالنوافل؛ خوفًا ورجاء ومحبة وخشوعًا.
وعليه فلا مفارقة بين بلوغ المحبة، وبين السير إلى الله تعالى بأنواع القربات؛ إذ العلاقة بينهما علاقة تلازم واقتضاء، فكلما ازداد العبد في طلب القرب من الله تعالى؛ كلما ازدادت محبة المولى تعالى له، والعكس بالعكس، حتى يتم له الثبات على الاسترسال في مراضى المولى؛ بتوفيق منه سبحانه، فلا يسمع إلا بالله، ولا يبصر إلا بالله وهكذا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
* * *
أما ما ذكره من مقام حضرة الله حضرة الإطلاق، فإن هذا المصطلح لم يرد عن أحد من السلف أو ممن تبعهم بإحسان، كما أن فيه من الغموض ما لا يخفى، ولعله أراد بهذه التسمية أن تفنى إرادة العبد عن كل ما يلحظ سوى الله؛ فيصبح طليقًا من المرادات الأخرى، ويفنى في مرادات الله، وتعظيمه، وإجلاله؛ فيتملكه الخوف حتى لا يبقى في إرادته ما يتمكن به من ملاحظة أعماله الصالحة.
وعند إرادة هذا المعنى، فإنه يبقى التأكد على أن الطريق إلى الله ﷿ لا يكون إلا بثلاثة مسالك، من انقطع به السير في أحدها لا يمكن له البلوغ، وهي الخوف والرجاء والمحبة (١)، كما كان عليه حال الأولين السابقين، ومن الأنبياء والمرسلين.
وأما ما اعتمده الصاوي لنسبة الفناء إلى إبراهيم - ﵇ - مما اشتهر عند الصوفية من إعراض إبراهيم - ﵇ - عن الدعاء عند إرادة إحراقه بالنار فغير مسلم، بل هو من الأقاويل المختلقة، والصحيح في هذا ما رواه حبر الأمة عبد الله بن عباس - ﵄ -، حيث قال: (كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل) (٢).
_________________
(١) سيأتي الحديث عنها مفصلًا: ٧٥٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب إن الناس قد جمعوا لكم، رقم الحديث: ٤٥٦٤.
[ ٧٣٣ ]
ومن المعلوم أن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء مسألة ودعاء عبادة، وكل منهما متضمن للآخر، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦].
يقول الإمام ابن القيم في بيان هذا التقسيم: "هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان؛ فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره أو دفعه، وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود حقًا، والمعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضرر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًا ولا نفعًا.
وذلك كثير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين من دونه النفع والضر القاصر والمتعدى، فلا يملكونه لأنفسهم ولا لعابديهم، بيد أن المعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر؛ فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى خوفًا ورجاءً دعاء العبادة؛ فعلم أن النوعين متلازمان، فدعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة". (١)
وعليه فكل عبادة لله تعالى باللسان أو القلب أو الجوارح؛ فهي دعاء لله تعالى، ولهذا فسر النبي - ﷺ - الدعاء بالعبادة، ففي الحديث الصحيح أن النبي قال: (الدعاء هو العبادة)، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٢).
_________________
(١) بدائع الفوائد، لابن القيم: (٣/ ١٥٣ - ١٥٤).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب تفسير القرآن - باب من سورة المؤمن، رقم الحديث: ٣٢٤٧، قال الترمذي: حسن صحيح: (٥/ ٣٤٩). وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم: ٢٥٩٠: (٣/ ١٠١).
[ ٧٣٤ ]
وإذا تبين هذا علم أن التوكل دعاء، والاستعانة دعاء، والرجاء دعاء، والذكر دعاء، ومع هذا فلا يصح ترك الأخذ بالأسباب اعتمادًا على هذه العبادات في تحصيل النفع، أو دفع الضر الدنيوى، لذلك ورد أن النبي - ﷺ - قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: (حسبي الله ونعم الوكيل)، فقال النبي - ﷺ -: (إن الله تعالى يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل). (١)
"فلو فعل الأسباب التي يكون بها كيسًا، ثم غلب فقال: حسبي الله ونعم الوكيل؛ لكانت الكلمة قد وقعت موقعها، كما أن إبراهيم الخليل لما فعل الأسباب المأمور بها ولم يعجز بتركها، ولا بترك شيء منها، ثم غلبه عدوه، وألقوه في النار، قال في تلك الحال: (حسبي الله ونعم الوكيل)، فوقعت الكلمة موقعها، واستقرت في مظانها؛ فأثرت أثرها، وترتب عليها مقتضاها، وكذلك رسول الله - ﷺ - وأصحابه يوم أحد، لما قيل لهم بعد انصرافهم من أحد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فتجهزوا وخرجوا للقاء عدوهم أعطوهم الكيس من نفوسهم، ثم قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. (٢)
ومن هنا نجزم بأن إبراهيم - ﵇ - لم يدع الدعاء وقت إلقائه في النار، بل كان في حالة تلك متوسلًا إلى الله تعالى بالتوكل إليه، وتفويض الأمر له، وهذا من أعلى درجات العبادة، لذلك أتى معطوفًا عليها من باب عطف الخاص على العام لبيان أهميته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وعليه فكل ما بنى على هذه الحكايات الباطلة؛ فلا اعتداد به، كما أن نسبة السكر والغياب إلى الأنبياء مما لا يجوز في حقهم، لأنه حال نقص، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أحوالهم في عبادة الله في أعلى المقامات الكاملة التامة
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأقضية - باب الرجل يحلف على حقه، رقم الحديث: ٣٦٢٢: (٤/ ٢٣٠).
(٢) زاد المعاد: (٢/ ٣٦٢).
[ ٧٣٥ ]
وليس بمخلص له ما ذكره من أن أحوالهم أكمل من أحوال غيرهم من الأولياء، وإن كان هذا مما يحمد له ويذكر فقد خالف ما عليه الكثير من المتصوفة في تفضيل الأولياء على الأنبياء، بل يجب اعتقاد كمال عبادتهم لله تعالى حتى صح تعليق كمال الاهتداء بمتابعتهم؛ فأمر النبي - ﵊ - باقتفاء هديهم - صلى الله عليهم وسلم تسليما كثيرًا -، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
هذا وقد نسب الصاوي مقام البقاء إلى إبراهيم - ﵇ - عند سؤاله المولى ﷿، ويكون حقًا إذا أريد بالبقاء المعنى الذي ليس فيه ما ينافي الفناء الصحيح، وهو حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وأول المقامات وآخرها ذلك هو "تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فيفنى من قلب العبد التأله لغير الله ويبقى في قلبه تأله الله وحده، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]، "وقد جعله الله لنا ومن معه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر" (١).
يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه وتعليق النجاة والفلاح واقتضاء السعادة في الآخرة به، ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه، وحقيقته إخلاص الدين كلة لله، والفناء في هذا التوحيد مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات، فتقول: لا إله إلا الله، فالنفي هو الفناء، والإثبات هو البقاء، وحقيقته أن تفنى بعبادته عما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبموالاته عن موالاة ما سواه، وبسؤاله عن سؤال ما سواه، وبالاستعاذة به عن الاستعاذة بما سواه". (٢)
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (١٣/ ٢٠٠).
(٢) منهاج السنة: (٥/ ٣٤٧).
[ ٧٣٦ ]
(المبحث الثالث): وحدة الوجود ووحدة الشهود
أولًا: وحدة الوجود:
عند تتبع خط الانحراف الذي داخل الفكر الصوفي نجد أنه يصل إلى نقطة الهاوية عند وحدة الوجود، ذلك الفكر الذي يترجم عن انطماس معالم العقيدة الإسلامية في فكر مؤيديه، فوحدة الوجود تعني أنه ليس في الوجود كله إلا الله - ﷾ - وأن الوجود كله عبارة عن ذات واحدة هي ذات الله تعالى، أما عن كيفية تفسير هذه الكثرة المشاهدة مع هذه الوحدة المزعومة فيذهب هؤلاء إلى أن كل هذه الموجودات الكثيرة ما هي إلا تجليات ليست تغاير حقيقة الذات الإلهية.
فهي إذا تقوم على الأحدية بمعنى نفى الإثنينية، فلا مغايرة بين الموجودات من حيث هي حقيقة واحدة تمثل الذات الإلهية وتعبر عنها.
وليس بخفى ما يحمل هذا الفكر من هدم لأصول الاعتقاد، ولكن الغريب حقًا أن يختلط الأمر على بعض من ينتسب إلى الإسلام ويحاول التأصيل لهذه العقيدة الضالة من الكتاب والسنة.
وقبل الخوض في هذه العقيدة الضالة أود الكشف بصورة أوضح عن بعض المعتقدات الفاسدة التي قد تتحد مع معتقد وحدة الوجود من حيث المبدأ، كما أنها يمكن أن تعد من قبيل البوادر التي مهدت للقول بهذه العقيدة الفاجرة، كالحلول، والاتحاد (١) الذي اشتهر على لسان الحلاج، وابن الفارض، وفي شطحات أبي يزيد البسطامي (٢)، وذلك أن الحلول يعني أن تحل الذات الإلهية - تعالى الله عن قولهم - في بعض مخلوقاته، أو فيها كلها.
_________________
(١) الحلول في اللغة: النزول، مصدر يحل: إذا نزل بالمكان، والاتحاد في اللغة: أن يصير المتعدد واحدًا، يقال: اتحد الشيئان، أي صارا شيئًا واحدًا. انظر القاموس المحيط: (١/ ٣٤٣).
(٢) فقد نقل عنه أنه كان يقول: "سبحاني ما أعظم شاني، وكان يفتح جبته مشيرًا إلى نفسه، قائلًا: ما في الجبة إلا الله": طبقات المناوي: (١/ ٤٤٢).
[ ٧٣٧ ]
فإن لهذا الحلول نوعين، النوع الأول: أن تحل الذات العلية - تعالى الله عن قولهم - في الإنسان، ولكن دون أن يحصل بينهما امتزاج.
أما الصورة الثانية فهي أن تحل الذات بالذات حلولًا اتحاديًا سريانيًا بحيث تنتفي المغايرة بينهما، فيصبحان شيئًا واحدًا، فتكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر. (١) وهذا هو الاتحاد الذي يكون بمعنى "جعل الشيئين واحدًا" (٢)
ومن هنا اتضح عين المبدأ الذي تقوم عليه عقيدة وحدة الوجود، مع شيء من التوسع، بحيث يندرج في هذا الاتحاد جميع من يوصف بالوجود دون تميز لبعض الموجودات عن البعض الآخر.
وهذه بعض النقول عن القائلين بالاتحاد والحلول تفسر حقيقة مذهبهم، وما ينبني عليه من أحكام تهدم المعتقد:
- يقول ابن الفارض:
لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت
ويقول في التنظير لوحدة الأديان الذي انبنى على كل هذه الانحرافات:
وإن عبد النار المجوس وما انطفت كما جاء في الأخبار في ألف حجة
فما قصدوا غيري وإن كان قصدهم سواي وإن لم يظهروا عقدية. (٣)
أما عن وحدة الوجود بالمفهوم الذي تقرر عرضه في بدء الحديث فإن ظهورها كفر منظر مقعد إنما تم على يد الضال ابن عربي، يقول في بيت الشاعر:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
وهذه الآية التي في كل شيء التي تدل على وحدانية الله هي وحدانية الشيء لا أمر آخر. . . فإذن المعبود بكل لسان وفي كل حال وزمان إنما هو الواحد، والعابد من كل عابد إنما هو الواحد، فما ثم إلا الواحد، والاثنان إنما هو واحد وكذلك الثلاثة والأربعة والعشرة والمائة". (٤)
_________________
(١) انظر التعاريف، للمناوي: (١/ ٢٩٥). والتعريفات للجرجاني: (١/ ١٢٦).
(٢) التعاريف: (١/ ٣١).
(٣) التائية الكبرى، لابن الفارض، انظر: الفلسفة الدينية والصوفية، عبد القادر محمود: ١٦٣.
(٤) رسائل ابن عربي، كتاب الأحدية: ٤٨.
[ ٧٣٨ ]
ولبيان مصادر هذا الانحراف الخطير في الفكر الصوفي فإن الحديث يرجع بنا إلى الكلام عن مصادر التصوف ومشاربه المتعددة، فقد سبقت الإشارة إلى أن الفكر اليوناني المتمثل بمذهبه الأفلاطوني الإشراقي هو أبرز العناصر التي أثرت في الفكر الصوفي عبر مراحله المتأخرة التي سادت فيها النزعة الفلسفية حتى وصلت إلى قمة الإغراق في الاتجاه الغالي نحو الفلسفة عند ابن عربي. (١)
ثانيًا: وحدة الشهود:
وبعد هذا التوضيح المجمل لمعتقد وحدة الوجود بقي أن نعرف ما المراد بوحدة الشهود التي كثر حديث الصوفية عنها؟ وهل هي كما يظن بعضهم أنها عين وحدة الوجود؟ وما العلاقة بينهما مع وجود الفرق؟
إن وحدة الشهود بالمفهوم الصوفي تغاير في حقيقتها المعتقد السابق، فهي عندهم عبارة عن حالة نفسية وجدانية يصل فيها العبد بالمجاهدة إلى القرب من الرب تعالى حتى يتم له الاتصال به - سبحانه - فيتمكن الصوفي من رؤية ربه، ومشاهدته مشاهدة قلبية، على إثر فنائه عن مشاهدة الأغيار، وقد يصل الأمر بالصوفي إلى حال يفقد فيه القدرة على التمييز بينه وبين الرب، فكأن الصوفي هو الله، والله هو الصوفي - تعالى الله عن قولهم -، فوحدة الشهود إذًا "تعني اتحاد العبد مع الله اتحاد عيان ومكاشفة، لا اتحاد جواهر وأعيان". (٢)
بيان ذلك أنه قد سبقت الإشارة إلى أن للحلول نوعين: أحدهما الحلول الثنائي الذي يمتاز فيه الحال عن المحل، حيث تظل ذات الله - سبحانه - متميزة عن ذات الإنسان ولا تمتزج به، فيكون شخص الإنسان محلًا للذاتين معًا: ذات الله - تعالى عن قولهم - وذات الإنسان مع تمايز كل ذات عن الأخرى. فهذا هو المراد بالشهود عندهم. (٣)
_________________
(١) انظر الجانب الإلهي في التفكير الفلسفي، محمد البهي: ٣٣٧. وانظر: الفلسفة اليونانية، ليوسف كرم: ٢٩٠. وانظر: الفلسفة العربية عبر التاريخ، رمزي نجار: ٥٨ والفتوحات: (١/ ٢٣٢)، وانظر: أضواء على التصوف، لطلعت غنام: ٢٦٨. ونظرات في معتقدات ابن عربي. للدكتور/ كمال عيسى: ٧٥.
(٢) نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها، عرفان عبد الحميد: ١٦٠.
(٣) انظر: التيارات الوافدة، لشيخنا الفاضل الدكتور/ محمود مزروعة.
[ ٧٣٩ ]
وهذا هو حقيقة توحيد الخواص عندهم، فمن لم تتسام نفسه لتقف على حقيقة التوحيد مجردًا فليس له نصيب من التوحيد الذي شهد به الحق تعالى لنفسه، ولتأصيل هذا المعتقد يلجأ الجنيد - بحسب ما نقل عنه - إلى الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾، قائلًا: "فمن أين كان، وكيف كان قبل أن يكون؟ وهل أجابت إلا الأرواح الظاهرة بإقامة القدرة وإنفاذ المشيئة؟ فهو الآن في الحقيقة كما كان قبل أن يكون، وهذا غاية حقيقة التوحيد للواحد: أن يكون العبد كما لم يكن، ويبقى الله تعالى كما لم يزل". (١)
ويقول الشبلي: "ما شم رائحة التوحيد من تصور عنده التوحيد". (٢)
ويقول الهروي: "وأما التوحيد الثالث: فهو توحيد اختصه الحق لنفسه، واستحقه لقدره، وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفة من صفوته، وأخرسهم عن نعته وأعجزهم عن بثه" (٣)
وكما بينت سابقًا إن هذه الحالة أو المقام قد تحمل صاحبها على النطق بالشطحات المعروفة والتي كان مصدرها ذهول الصوفي وعجزه عن التمييز، كما يدعون. (٤)
ولم يقف الأمر عند حد الشطحات بل تعداه إلى ادعاء سقوط التكاليف في حال المشاهدة لمحل السكر والاصطلام، فيستوى المحظور والمأمور عند السالك، حيث تفنى إرادته عن مشاهدة الإرادة الشرعية، وتبقى الإرادة الكونية ماثلة لتأملاته الوجدانية، ليربط بمشاهدتها تخليه عن الامتثال للأحكام الشرعية. (٥)
ومن هنا فإن وحدة الشهود تعني أن يقف الصوفي على عين التوحيد بتجربة نفسية تخضع لعدد من المجاهدات والشروط، فيفقد فيها نتيجة لما يصاب به من
_________________
(١) اللمع لأبي نصر الطوسي: ٥٠.
(٢) الرسالة القشيرية: ٣٠٢.
(٣) مدارج السالكين: (٣/ ٤٧٢ - ٤٧٧).
(٤) انظر: تلبيس إبليس: ٤١٧.
(٥) انظر: التعرف: للكلاباذي: ١٢٧، وانظر: الرسالة القشيرية: ١٢٨.
[ ٧٤٠ ]
السكر القدرة على التمييز، قد تكون متعمدة وقد تكون طارئة لشدة ما يجده من قوة الوارد، يؤكد ذلك أقوال بعضهم في حقيقة التوحيد المعتبر، يقول أبو سعيد الخراز: "أول مقام لمن وجد علم التوحيد وتحقق بذلك فناء ذكر الأشياء عن قلبه وانفراده بالله ﷿" (١)
فمن هذا النص يتبين أنه لا يمكن لتحقيق هذه الوحدة إلا بسلوك طريق المجاهدة ومحو الأغيار، فهي إذًا حالة لا تنفك عن الوجدان الذي هو من أخص سمات المنهج الصوفي، بخلاف وحدة الوجود التي ليس لها اتصال بالتجربة النفسية إلا بالقدر الذي يتبناه أهل الاتحاد من وحدة الشهود، وإنما هي نظرية فلسفية بحتة النشأة، يشترك فيها الصوفي وغيره.
وبهذا الذي تقدم يمكن تحديد الفرق بين وحدة الشهود ووحدة الوجود وذلك بالتأكيد على أن الشهود يقوم على الإثنينية، بمعنى أنه لا يتأتى الشهود إلا بشاهد ومشهود، وإن حصل اللبس على الصوفي الغارق فإنه لا ينتهي به إلى الاتحاد الذي يتحدث عنه أصحاب الوحدة، ومع وجود بعض الألفاظ في ثنايا التقارير الصوفية التي توحي بخلاف ذلك، كقول القشيري: "وتوهم قوم أن المشاهدة تشير إلى طرف التفرقة، لأن باب المفاعلة إنما يحدث بين اثنين، وهذا تخيل من صاحبه، فإن في ظهور الحق - سبحانه - إهلاك الخلق" (٢)، إلا أنها لا تصل إلى تقرير معتقد وحدة الوجود القائم على أساس الأحدية الذي يحكم بأن جميع الموجودات إنما هي مظاهر وتجليات للذات الإلهية، إذ تبقى حقيقة المشاهدة قائمة على أساس من الثنوية التي لا ينكرها واحد منهم (٣).
أما الشطح وأحكامه فقد سبق الحديث عنه في أقسام المقامات.
ويصرح بعضهم تأكيدًا لهذا الفارق بنفي الاتحاد، يقول الطوسي: "فإن صح عن
_________________
(١) المرجع السابق: ٣٠٢.
(٢) الرسالة: ٧٦.
(٣) انظر: نشأة الفلسفة الصوفية: ١٦١.
[ ٧٤١ ]
أحد أنه قال هذه المقالة - يعني الاتحاد - وظن أن التوحيد أبدى له صفحته بما أشار إليه، فقد غلط في ذلك، وذهب عليه أن الشيء مجانس للشيء الذي حل فيه، والله تعالى بائن من الأشياء، والأشياء بائنة منه بصفاتها، والذي أظهر في الأشياء: فذلك آثار صنعته ودليل ربوبيته. . فمن صح عنه شيء من هذه المقالات فهو ضال بإجماع الأمة، كافر يلزمه الكفر فيما أشار إليه" (١).
وعليه فإني أخالف بعض الباحثين فيما ذهبوا إليه من اتحاد مفهوم وحدة الوجود بالشهود. ويجدر بي التنبيه إلى أن ما ذكرته لا يعني أن وحدة الشهود ليس فيها ما قد يصل بصاحبها إلى ما يناقض التوحيد، لأنها كما مر من تعريفها باب لمزلة عظيمة قد تهوى بالمستهلك الغارق إلى دائرة العدم فيسقط الفرائض ويدعي الاتحاد مع الله (٢)، ولكن هو من باب ذكر الفروق حتى يتم تمييز هذه المصطلحات وما ينبني عليها من أحكام.
وفي مقابل هذا التفسير لوحدة الشهود بأنها مماثلة لوحدة الوجود فقد ذهب بعض الصوفية إلى العكس من ذلك، حيث فسروا بما يلزم وحدة الوجود من الاتحاد بوحدة الشهود، يقول الجرجاني في تعريف الاتحاد: "وهو شهود الوجود الحق الواحد المطلق، الذي الكل موجود بالحق، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجودًا به، معدومًا بنفسه ولا من حيث إن له وجودًا خاصًا اتحد به فإنه محال" (٣)
رأي الشيخ الصاوي:
يمنع الصاوي وهو الأشعري المتمسك بأشعريته من اعتقاد الحلول أثناء الترقي في هذه المقامات؛ لما في ذلك من مناقضة أصل معرفة الله تعالى مما هو معلوم من أدلة المتكلمين، يقول في أقسام الناس الذين عرفوا الله بالمعرفة الخاصة، كما هي عليه في عرف الصوفية: "المعرفة الخاصة: شهود أفعال: وهي للأبرار، وشهود أسماء
_________________
(١) اللمع للطوسي: ٥٤١.
(٢) انظر: نشأة الفلسفة: ١٦٣.
(٣) التعريفات: ٢٩.
[ ٧٤٢ ]
وصفات: وهي للأخيار، وشهود ذات: وهي لخيار الخيار، والمراد شهود الذات من غير وقوف على كنه؛ إذ الكنه لا يدرك حتى للمصطفى، لأن الحادث لا يحيط بالقديم، وقال شيخنا المؤلف: اختلف، هل تجلى الذات يكون لغير الأنبياء؟ أو لا يكون إلا للأنبياء؟
والصحيح أنه يكون لغير الأنبياء أيضًا لكن لا كتجلي الأنبياء، وكذلك شهود الأنبياء يتفاوت، فشهود نبينا أعلى لا يساويه شهود أحد" (١).
وتأكيدًا لهذا المعنى يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]: "فإني قريب: أي بعلمي وسمعي وبصري وقدرتي وإرادتي، ولم يقل بذاته وإن كانت الصفات لا تفارق الذات؛ لأنه ربما يتوهم للقاصر الحلول فيقع في الحيرة، وأما من فنى عن وجوده فلم يشهد إلا الله فقد زال عنه الحجاب فلا حيرة عنده، إذ لم يشهد غيره وإنما خص المفسر العلم بذلك لأنه من صفات الإحاطة". (٢)
- ولكن هناك ما يدعو إلى الشعور بالتناقض وعدم الانضباط، حيث يثبت معتقد وحدة الوجود ولكنه مع ذلك يحاول تخريج القول به دون اعتقاد الحلول، التأصيل وهذا المقام يسمى: بوحدة "لاعتقاد وحدة الوجود من آيات الكتاب الكريم: "يقول: الوجود، ولا يدركه الشخص إلا بعد الفناء في الأحدية، وحدة الوجود هذه يسمى صاحبها: في مقام البقاء، ويسمى غرقان في بحر الوحدة التي هي شهود المولى من حيث قيام الأسماء والصفات به" (٣)
ويقول مؤصلًا لها مبينًا المراد منها عنده: "شاع على ألسنة العوام: الله موجود في كل الوجود، وهو كلام صحيح في نفسه، لأن مفاده وحدة الوجود، لكنه غير لائق منهم لإيهام الحلول، وتأويله أن تقول: معناه أنه مع كل موجود، أي لا يغيب
_________________
(١) المرجع السابق: ٦٩.
(٢) حاشية الجلالين: (١/ ٧٩).
(٣) حاشية الصلوات: ٦٧.
[ ٧٤٣ ]
عنه موجود أصلًا، ومعيته معه معناها تصرفه فيه، وتدبيره له معية معنوية لا يعلمها إلا هو، كما أن ذاته لا يعلمها إلا هو، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن كلام ابن وفا أن من أعظم إشارات وحدة الوجود: قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] ". (١)
وتأكيدًا لكونه لا يرى اعتقاد الحلول أو وحدة الوجود على ما عناه الغلاة من الصوفية، يقول في تفسيره: "وأشار للحقيقة بقوله: وهدى ورحمة للمؤمنين، لأن بالحقيقة التحلي بالأنوار الساطعة في القلوب، التي يرى بها الأشياء، على ما هي عليه عيانًا، فعند ذلك يرى الله في كل شيء، وأقرب إليه من كل شيء، علمًا ذوقيًا لا علمًا يقينيًا" (٢).
وهو لا يكتفي بهذا بل ينزه الله عن هذا الفهم، يقول في وصف التاج الذي يضعه أصحاب الطريقة الخلواتية: "مما يسمى بالتاج بين الصوفية الذي يوضع على الرأس وقرصه صوف أبيض وهو الخرقة المشهورة للسادة الخلواتية التي هي شعارهم، وفيه إشارة، كما قال أستاذنا المؤلف إلى سلوك طريق التصوف وبياض القلب، وهو مضرب على وجه مخصوص محيط به أربع جلالات أي من كل جهة اثنا عشر ضلعًا، عدة حروف لا إله إلا الله إشارة إلى شهود إحاطة الرب به من جميع جهاته إحاطة قيومية لا حسية تنزه الله عن ذلك، وبعضهم يجعل وسطه زارا إشارة للوحدة، وبعضهم يجعله خاليًا إشارة للفناء، وبعضهم يجعل في وسطه هاء هكذا إشارة إلى الهوية الدائرة بالعلم، دوران علم وقدرة وقيومية لا دوران حس" (٣).
وهو بهذا المعنى الذي يفسر فيه مراد الصوفية من وحدة الوجود نجده أيضًا يؤول
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ١٩.
(٢) حاشية الجلالين: (١٢١: ٢).
(٣) حاشية الصلوات: ٧١. ولا شك أن هذا من البدع الحادثة التي ذكر المحققون أنها من تأثر الصوفية بالنصارى، وإنما الهدف من هذا النص بيان معتقد الصاوي في وحدة الوجود.
[ ٧٤٤ ]
فيه كلام كبار الصوفية القائلين صراحة بهذه الوحدة، يقول في شرحه لإحدى الصلوات: [وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وأدخلنا حظيرة القدس]: "تطلق على مكان عن يمين العرش من نور، يقال فيه: حظيرة، من الحظر، وهو المنع، لمنعه من غير الخواص، وهو مكان في أعلى الجنة يشاهد المقربون فيه ربهم، كما يقتضي ذلك.
وتطلق على عالم الجبروت وهو عالم الأسرار وشهود الواحد القهار، وهذا لا يناله إلا من تخلى عن الشهوات النفسانية وخرج من الطبائع الحيوانية، حتى يمزق السبعين حجابًا الظلمانية التي حجبت بها النفس الأمارة بالسوء، وبمعنى هذا قول السيد البكري في ورد السحر: اجعل أرواحنا سابحات في عالم الجبروت أي عالم الأسرار كما علمت، واكشف لنا عن حضائر اللاهوت أي عن الحضرة الإلهية، فيشهدون سر المعية التي في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ومن التحقيق بهذا المقام قول ابن الفارض:
ومتى غبت ظاهرًا عن عياني ألقه نحو باطني ألقاك" (١)
المناقشة:
ظهر تمامًا في خلال عرضي لرأى الصاوي أنه لا يريد بوحدة الوجود التي صرح بها ما يريده الملاحدة منها، وأنه إنما عبر بها عن وحدة الشهود، لذا فإن مناقشتي هنا ستدور حول محورين، أولهما أبين به حقيقة وحدة الوجود الكفرية التي عرفت عن غلاة الصوفية والفلاسفة ونقضها وبيان بطلانها وعدم إمكان إرادتها من جهة الشرع، لأصل إلى أنه لا يمكن حملها على ما أراده الصاوي بها وفسر بها ألفاظ الغلاة من الصوفية الكفرية الصريحة.
أما الثاني: فهو بيان حقيقة وحدة الشهود وما يحويه هذا المصطلح المبتدع من موافقة ومخالفة، في ضوء أقوال السلف وفهمهم لهذه البدع الحادثة.
_________________
(١) المرجع السابق: ٦٤.
[ ٧٤٥ ]
أولًا: نقض وحدة الوجود:
إن نظرية وحدة الوجود التي تسربت إلى أوساط المسلمين من حطام العقائد الهندية واليونانية مما لا يخفى معارضته لأصول الدين الإسلامي، فكفر القائلين بها مما يعلم بالضرورة من الدين الإسلامي، إذ فيها مناقضة لحقيقة الإيمان بوجود الله تعالى ربًا متصفًا بصفات العظمة والكمال، يقول شيخ الإسلام - ﵀ - بعد أن بين بطلان ما يقوم عليه معتقد الفلاسفة في إثبات وجود الرب تعالى: "وهكذا أقوال من نسج على منوالهم وأخذ معانيهم فأخرجها في قالب المكاشفة والمشاهدة والتحقيق والعرفان كابن عربي وأمثاله. . فإن هؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وأنه ليس وراء الأفلاك شيء، فلو عدمت السموات والأرض لم يكن شيء موجود، ولهذا كان يصرح بذلك التلمساني (١)، وهو كان أعرفهم بقولهم وأكملهم تحقيقًا له، ولهذا خرج إلى الإباحة والفجور، وكان لا يحرم الفواحش ولا المنكرات" (٢).
وبيان ذلك أن الإيمان بالله تعالى يقوم على ثلاثة أسس وهي توحيده بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وذلك الاعتقاد الضال وهو القول بوحدة الوجود ينقض هذا الأصل العظيم من أصول العقيدة الحقة، فالتوحيد بأقسامه الثلاث والذي يعني اعتقاد تفرد الرب تعالى بكل صفات الربوبية والعظمة والكمال ومن ثم صرف العبادة لمن قامت به هذه الصفات وحده لا شريك له ليس له مكانة عند القائلين بهذه الوحدة، إذ مؤدى هذه العقيدة الباطلة مساواة الرب تعالى بجميع خلقه في الاتصاف بهذه الصفات بمعنى تعطيله تعالى عن أي صفة لا يشاركه فيها الموجودات فلو عدمت السموات والأرض لم يكن ثمة موجود وراءها (٣)، وهذا المراد بأحادية الوجود، فيبطل بالتالي حقيقة الإيمان بربوبية المولى القائم على اعتقاد الإثنينية في
_________________
(١) هو سليمان بن علي العفيف التلمساني، (٦١٠ - ٦٩٠ هـ) كان أحد كبار غلاة الصوفية فقد امتلأت مؤلفاته النثرية والشعرية بالتنظير لهذا المعتقد المارق، انظر في ترجمته: البداية والنهاية: (١٣/ ٣٢٦)، والأعلام: (٣/ ١٣٠).
(٢) الرسالة الصفدية: ٢٤٦.
(٣) انظر: الرسالة الصفدية: لشيخ الإسلام: ٢٤٦.
[ ٧٤٦ ]
الوجود: وجود الأول الآخر الظاهر الباطن، ووجود المخلوقات الفانية الحادثة من العدم والآيلة إلى عدم، وجميع رسالات الأنبياء إنما أتت لتدل على هذه الحقيقة إذ عبادة الله وحده لا شريك له تتضمن إفراده تعالى بما هو أهل له، وما من دليل يستدل به على وجوب توحيده تعالى بالعبادة إلا وهو يدل بالتضمن على هذا الأصل العظيم، ولكونه من الأمور المقررة في الفطرة السليمة فقد استدل به ولم يستدل له، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، فإنه لبداهة امتناع القضيتين سكت عن بيان جوابهما.
وآيات الكتاب الحكيم في الدلالة على هذا كثيرة، وسورة الفاتحة التي تضمنت أصول الاعتقاد الذي تعبد الله تعالى به الخلق لتدل صراحة على نقض هذا المعتقد وإبطاله، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في بيان رد هذه الآية على القائلين بهذا المعتقد الباطل: "العالم كل ما سواه فثبت أن كل ما سواه مربوب مخلوق بالضرورة، وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن، فإذًا ربوبيته تعالى لكل ما سواه: تستلزم تقدمه عليه، وحدوث المربوب، ولا يتصور أن يكون العالم قديمًا وهو مربوب أبدًا، فإن القديم مستغن بأزليته عن فاعل له، وكل مربوب فهو فقير بالذات فلا شيء من المربوب بغني ولا قديم" (١).
* * *
ولما كانت هذه العقيدة مناقضة للأصل الذي قام عليه توحيد الألوهية: وهو إفراد الله تعالى بأفعال الربوبية، فقد أدت إلى معارضة حقائق العبودية وهدم مسلماتها، فقد اقتضى هذا الاعتقاد المارق كثيرًا من أسس الإلحاد في ألوهية المولى تعالى، والتي كان له قدم السبق في إرسائها عند من عمى عليهم فلم يعرفوا الحق من
_________________
(١) مدارج السالكين: (١/ ٩٢).
[ ٧٤٧ ]
الباطل، فوحدة الأديان التي لا تفرق بين كافر ومسلم كانت إحدى المسلمات التي تمخضت عنها هذه العقيدة المارقة، يقول ابن عربي:
لقد صار قلبي قابلًا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني" (١)
وكذلك إسقاط التكاليف، فليس ثمة فرق بين الرب والعبد حتى يجهد العبد نفسه بالتزام الأوامر والنواهي مع ذلك الاتحاد الموهوم، يقول ابن عربي:
الرب حق والعبد حق يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك ميت أو قلت رب أنى يكلف" (٢).
وإذا تبين ما في هذا المعتقد من نقض لأصول الإيمان وحقائق التوحيد فإن فيه أيضًا مناقضة لصريح المعقول ولا غرابة إذ لا معارضة بين النص الصحيح والعقل الصريح. وذلك لأن الوجود من الكليات التي ليس لها واقع إلا في جزئياتها المتحققة في الخارج، فمن غير الممكن إثبات المتعين في الواقع الخارجي بالكلي، لأن الكلي لا وجود له في الأعيان، وإنما وجوده في الأذهان، ولا يكون الشيء موجودًا في الخارج إلا مع تحققه بالصفات التي يتحقق بها وجوده وتميزه عن غيره من الموجودات، أما ما يذهب إليه هؤلاء من إثبات إله لا صفات له تباينه عن غيره من الموجودات فهذا من الأوهام الذاتية الباطلة التي مؤداها نفي الخالق، تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا.
ومن هنا فإنه لا يصح إثباتهم لوجود الله تعالى بهذه العقيدة الضالة.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - في محاجاة القائلين بهذه الأوهام أذناب الفلاسفة المجحفين: "فإذا ثبت له أن العقل الصريح يمنع أن يكون في الخارج
_________________
(١) ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأسواق، لابن عربي. نقلًا عن كتاب وحدة الوجود الخفية: ٤١٩.
(٢) الفتوحات المكية: (١/ ١٥).
[ ٧٤٨ ]
وجود كلي مطلق بشرط الإطلاق، وأن الكليات بشرط إطلاقها أو عمومها إنما وجودها في الأذهان، لا في الخارج، وكان عارفًا بهذه العلوم، وبينت له ما تستلزم أقوالهم الكثيرة من الجمع بين المتناقضات التي هي معلوم استحالتها ببداهة العقول، وما كان كذلك، فإذا ادعى أنه عرفه كشفًا وشهودًا أو ذوقًا علم أنه خيالات فاسدة، وأذواق فاسدة، وذلك أنه لا بد من أحد الأمرين:
إما أن يكون قد شهد ما وجوده في الأذهان، فاعتقد وجوده في الأعيان، كما يقع لكثير من الناس، ومعلوم أن شهود الشيء غير العلم بكونه في النفس أو الخارج، وهؤلاء قد يحصل لهم مجرد الشهود من غير تمييز بين الموجود في النفس أو الخارج، وكثيرًا ما يضلهم الشيطان بتخيلات لا حقيقة لها في الخارج.
وإما أن يكون قد شهد ما وجوده في الخارج، فظن أنه الخالق، وإنما هو مخلوق ليس هو الخالق، فكل شهود وذوق وكشف يدعى فيه أن المشهود بالقلب هو الله تعالى فذلك مما يناقض المعلوم بصريح العقل، ويخالف الكتاب والسنة والإجماع، فإنه يكون المشهود به إما في الذهن وإما في الخارج ولكن ليس هو الله ولا هو ما يقال هو وجوده ولا ذاته". (١)
ولهذا فقد كان كفر هؤلاء الاتحادية أشد من اليهود والنصارى وعباد الأصنام، "فإن هؤلاء يقولون بالحلول المقيد الخاص، وأولئك يقولون بالإطلاق والتعميم، ولهذا يقولون إن النصارى إنما كان خطؤهم لأنهم اقتصروا على بعض المظاهر دون بعض، وهم يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقًا على وجه الإطلاق والعموم" (٢).
ويقول الإمام الشوكاني بعد أن ذكر أقوال العلماء في تكفير هؤلاء أمثال ابن تيمية وابن القيم وعبد السلام وابن حجر وابن خلدون ما نصه: "فأنا لا أرضى لهم بمطلق الكفر، بل أقول: لا أعلم أحدًا من مردة الكفرة: النمرود وفرعون وإبليس والباطنية والفلاسفة بل نفاة الصانع، فإن هؤلاء نفوا الصنع فانتفى الصانع، فما
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية: (١/ ٣٣٤).
(٢) مجموع الفتاوى: (٣/ ٣٩٦).
[ ٧٤٩ ]
أعلم أحدًا بلغ هذا المبلغ في جميع الكفريات الماضية، وإحداث ما هو شر منها. . إلى أن قال - ﵀ -: اللهم العنهم لعنًا كثيرًا واقطع دابرهم وامح أثرهم، اللهم أمتنا على هذا واحشرنا عليه، واكتبنا من الشاهدين عليهم آمين" (١).
* * *
ومع وضوح بطلان هذا المعتقد، ومناقضته لحقيقة الدين المرتضى جملة وتفصيلًا، ومع وضوح سذاجة الفكر الذي لم يقنع بمخالفة مثل هذه الأوهام لصريح المعقول والمنقول، إلا أنه يحسن بيان الخلط الذي وقع فيه أمثال هؤلاء، يقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: وقد لحظ ملاحدة الاتحادية أمرًا اشتبه عليهم:
من وحدة الموجد بوحدة الوجود.
وتوحيد الذات والصفات والأفعال بتوحيد الوجود.
وفيضان جوده بفيضان وجوده.
فوحدوا الوجود وزعموا أنه المعبود".
ولا شك أن إيجاده تعالى هو الذي فاض على الموجودات فوجدت وهو الذي اكتسته، أما وجوده: فمختص به لا يشاركه فيه غيره، كما هو مختص بماهيته وصفاته، فهو بائن عن خلقه والخلق بائنون عنه، فوجود ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، حاصل بإيجاده له، فهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" (٢).
* * *
موقف الصاوي:
وبناء على ما تقدم من بيان حقيقة ذلك الاعتقاد الضال، وما ينبني عليه من أحكام، فإنه يستحيل إثبات وحدة الوجود دون اعتقاد للحلول والاتحاد، وذلك لأن وحدة الوجود بمعناها الكفري المعروف تتفق تمام الاتفاق مع الحلول والاتحاد من
_________________
(١) الصوارم الحداد القاطعة لأرباب الاتحاد: ٧٥.
(٢) مدارج السالكين: (٣/ ٣٨٢).
[ ٧٥٠ ]
حيث المبدأ الذي يقضي بعدم التفريق بين الله - ﷾ عن قولهم - وبين النفس البشرية، ومن هنا يظهر الخطأ الذي وقع فيه الصاوي من اعتقاد صحة القول بالوحدة مع التنزيه عن الحلول المزجى، والذي يقضي بالوقوف على الكنه، لأن هذا في حقيقة الأمر جمع بين النقيضين: الوجود والعدم، فمنع الاتحاد يعني عدم الوحدة، وإثباته يعني إثباتها، لذلك فإن ما خرج به الصاوي وحدة الوجود مع التنزيه عن الحلول والإحاطة مغالطة ليس لها أساس من الصحة.
وقد يفسر موقف الصاوي المتناقض في إثبات الوحدة مع التنزيه عن الحلول وتفسيرها بالمعية والإحاطة والعلم بما يكشف عن وجهة نظره في معنى وحدة الوجود عنده، فإنه قد نص على تعريف وحدة الوجود بما يفسر به وحدة الشهود كما أن تأويله لوحدة الوجود بمشاهدة أفعال الله تعالى من المعية والقدرة والإحاطة ليدل على أن مراده بها وحدة الشهود، ومن هنا فإن إبطال إثباته لوحدة الوجود يكون ببيان مخالفة نظرية وحدة الشهود لوحدة الوجود، فوحدة الشهود كما سبق وأن بينت المراد منها أن يرى السالك الله تعالى رؤية قلبية فلا يشهد شيئًا مع شهوده إياه، كما أن أساس استشعارها قائم على مبدأ الثنوية، وقد يغرق الصوفي في هذا المعنى حتى يصل إلى ما يقارب وحدة الوجود من اعتقاد الحلول والاستغراق في الذات الإلهية - تعالى الله عن قولهم - فمع التسليم بأن وحدة الشهود قد تكون سبيلًا لوحدة الوجود وذريعة للإلحاد، إلا أن كلام الصاوي في منع الحلول والوقوف على الكنه والتأكيد على أن المراد بها عنده قيومية الله قيومية إحاطة وعلم وقدرة يقطع بعدم إرادته للمعنى الكفري من وحدة الشهود.
وإذا ثبت بطلان إثبات وحدة الوجود على معنى لا يكون فيه اتحاد بين الخالق والمخلوق للاعتبارات السابقة، فإن أي تفسير لنصوص الكتاب والسنة في سبيل التأصيل لها، يعد من التقول على الله بغير علم، فهو إذًا تأويل باطل لا اعتداد به. وعليه فإن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
[ ٧٥١ ]
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ على ما تقدم من كلام الصاوي تأويل باطل ترده دلالة النص صراحة، إذ معنى الآية: العلامة الدالة على صدق المستدل له، فالتأويل الصحيح لها أن هذا وعد من المولى تعالى بتحقيق الأدلة التي تقطع بصدق ما جاء به النبي - ﷺ -.
يقول الإمام ابن كثير - ﵀ - في معنى الآية: "أي سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقًا منزلًا من عند الله على رسول الله - ﷺ - بدلائل خارجية: من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان، قال مجاهد والحسن والسدي: ودلائل في أنفسهم قالوا: وقعة بدر وفتح مكة ونحو ذلك من الوقائع التي حلت بهم، نصر الله فيها محمدًا - ﷺ - وصحبه، وخذل فيها الباطل وحزبه.
ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة، كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع ﵎، وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة من حسن وقبح، وغير ذلك" (١).
- بقى هنا معرفة وجه استدلال الصاوي بكلام ابن الوفا على وحدة الوجود، أو ما الدافع الذي حمل الصاوي على نقل استدلال ابن الوفا لتقرير وحدة الوجود؟، مع اختلاف وجهات النظر اختلافًا جذريًا في المراد بهذه الوحدة، إذ المطالع لأقوال ابن الوفا لا يتردد في الحكم عليه أنه من الاتحادية الغلاة. ثم إن هذا الاستفسار ينسحب أيضًا على استشهاده ببيت ابن الفارض، الحق أن هذا دفاع عن الصوفية الغلاة وتأويل لكلامهم بما يخالفه، وهذا مما لا يسلم له أبدًا.
ثانيًا: حقيقة وحدة الشهود:
- ودون إغفال لحقيقة الشهود عند الصوفية وما جر إليه الاستغراق به من
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم: (٤/ ١٣١).
[ ٧٥٢ ]
مخاطر أوهت بالثوابت وأردت بالقيم، حيث حملهم على عدم التفريق بين المحظور والمأمور، فصارت الطاعة مماثلة للمعصية حتى قال قائلهم: فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر، وهذا هو عين الكفر والخروج من الدين، وقد يكون هذا من شدة الوارد وقد يكون متعمدًا وأيًا كان فإن هذا من الأوهام التي يستند إليها الجهلة في ارتكاب المحاذير، يقول شيخ الإسلام حاكيًا شبهتهم في شهود الأفعال والاستغراق في مطالعة القدر: "وأما شهود القدر، فيقال: لا ريب أن الله تعالى خالق كل شيء ومليكه، والقدر هو قدرة الله - كما قال الإمام أحمد - وهو المقدر لكل ما هو كائن، لكن هذا لا ينفي حقيقة الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأن من الأفعال ما ينفع صاحبه فيحصل له به النعيم، ومنها ما يضر صاحبه فيحصل به عذاب، فنحن لا ننكر اشتراك الجميع من جهة المشيئة والربوبية وابتداء الأمور، لكن نثبت فرقًا آخر من جهة الحكمة والأوامر الإلهية ونهاية الأمور، فإن العاقبة للتقوى، لا لغير المتقين، وقد قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (١)
ومن هنا كان "الفناء الذي يفضي بصاحبه إلى مثل هذا حال ناقص، وإن كان صاحبه غير مكلف، ولهذا لم يرد مثل هذا عن الصحابة الكرام الذين هم أفضل هذه الأمة، ولا عن نبينا محمد - ﷺ - وهو أفضل الرسل" (٢)
ولما كانت البدعة بريدًا إلى الكفر ومفتاحًا لبابه، لم يتوقف الأمر عند هذا الخلط والاضطراب في حقيقة الطاعة والمعصية، بل تعداه إلى الكفر الصراح بتسوية الخالق بالمخلوق، يقول شيخ الإسلام: "فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية، سوى بين هذه الأصناف المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق، حتى تؤول به هذه التسوية إلى أن يسوى بين الله وبين الأصنام، كما قال تعالى:
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (٨/ ٣٠٨).
(٢) مجموع الفتاوى: (١٠/ ٦٠).
[ ٧٥٣ ]
﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨].
بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود، إذ جعلوه هو وجود المخلوقات، وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد" (١)
ولكل ما تقدم أتى تحذير الشارع الحكيم من البدع، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
* * *
_________________
(١) العبودية: ٤٨.
[ ٧٥٤ ]
(المبحث الرابع): الترقي في المقامات
لما كان الهدف الأسمى - عند الصوفية - من العروج في هذه المقامات تحقق مقتضى الخلاص بتجلى المعارف النورانية حيث تنكشف الغيوب وتتحد الإرادة إلى غير ذلك من أوهامهم، فقد وضعوا للمريد عددًا من المجاهدات، التي يتم بها قطع عقبات النفس، وذلك بمحو أي خصلة فيها قد تحول دون صاحبها والتلذذ بأعلى هذه المقامات (١).
وبيان ذلك أن النفس عند المتصوفة يراد بها كل "ما كان معلولًا من أوصاف العبد، ومذمومًا من أخلاقة وأفعاله" (٢).
وإذا كان قد سبق الحديث عن أقسام المقامات من جهة ما يتعلق بها من أحكام، فإن الحديث هنا يختص ببيان حال النفس عند محاولة العروج والترقى في تلك المقامات، وأثرها على نجاح تلك المحاولة أو إخفاقها، ومن ثم بيان السبل التي ينصح بها المريد من أجل الخلوص من كل ما يمكن أن يحول دون تذليل تلك القواطع والصوارف.
وعند إرادة الكشف عن حقيقة هذه المجاهدات التي أجمع الصوفية على تأصيلها والدفاع عنها، فإن الحديث يرتبط بما سبقت الإشارة إليه من وجود تأثر واضح بالديانة البوذية، فإن الصوفى يعتقد "كما يعتقد الهندوسى أن نظامًا من التطهير لا بد منه لكى ينكشف عنه الغطاء، ويرقى إلى عالم الفيض والإلهام، والتطهير يكون بضروب من التفانى في الطاعات والتأمل والنظر والتدبر. . . . . . فالصوفى الكامل يحب الله لذاته لا رغبة في ثواب ولا خوف من عقاب" (٣).
_________________
(١) انظر: في التصوف والأخلاق، للدكتور/ عبد الفتاح بركة: ١٥٦.
(٢) الرسالة القشيرية: ٨٧.
(٣) قصة الحضارة، ول ديورانت، ترجمة/ محمد بدران: (١٣/ ٢١٦).
[ ٧٥٥ ]
وهذا منهج معروف عند الصوفية، وقد قامت بوضع أساسه رابعة العدوية التي أثر عنها أقوال عدة في تقرير هذا المبدأ، ومن ذلك أنه حين سئلت عن حقيقة إيمانها، "قالت: ما عبدته خوفًا من ناره ولا طمعًا لجنته كالأجير السوء، عبدته حبًا له وشوقًا إليه" (١).
ويقول القشيرى عن أحدهم: حقيقة المحبة أن ينسى العبد حظه من الله ﷿، وينسى حوائجه إليه.
وقيل: أوحى الله تعالى إلى عيسى - ﵇ - أنى إذا اطلعت على قلب عبد، فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبى" (٢).
ومن جملة الأسباب التي يتوصل بها إلى تذليل عوائق الطريق النفسية تجلى الأسماء الحسنى، حيث يعتقد الصوفى أن فناءه عن شهود السوى الذي حقيقته فناء عن شهود جميع الأفعال غير فعل الرب الذي هو الحقيقة الكونية القدرية يضفى عليه تجليات من صفات مشهوده الذي استغرق في مشاهدته، وبحسب استغراقه في استشعار الأسماء والصفات يكون حظه من تلك الصفات، وقد يغرق بعضهم في هذا حتى يدعى لنفسه منها ما يضفى عليه بعضًا من خصائص الربوبية، كالتصرف في الأكوان إلى غير ذلك (٣).
وهذا بلا شك تأثر واضح بالمعتقد الكفرى الفلسفى الإشراقى، الذي يقوم على مبدأ الفيض والصدور، فالعقل الفعال هو العقل العاشق وإذا اقترب منه الناسك تجلى عليه بالعلوم والمعارف وأحرز تقدمًا كبيرًا في الاقتراب من الإله أو التشبه به على قدر الطاقة (٤) وقد يصرح بعضهم (٥) بمماثلة هذا الكفر لعالم المثل الذي
_________________
(١) الكواكب الدرية، للمناوى: (١/ ٢٠٢). وانظر: نساء في محراب الحب الإلهى، رغداء الحمصى: ٢٠٥.
(٢) الرسالة: ٣٢٥.
(٣) انظر: الإنسان الكامل، عبد الرحمن بدوى: ٢٠٦.
(٤) انظر: الفلسفة العربية عبر التاريخ، رمزى نجار: الفارابى: ٩٤.
(٥) هو عبد الرحمن الأنصارى المعروف بابن الدباغ، توفى سنة: ٦٩٦ هـ انظر: مقدمة كتابه مشارق الأنوار تحقيق: ريتر.
[ ٧٥٦ ]
ابتدعه أفلاطون ليصل إلى النفس إنما تتحصل على الكمال إذا شابهت مثالها في العالم العلوى، فيقول: "فالنفوس إذا صفت ورقت تبهت بالملأ الأعلى وانتقشت فيها أمثلة الكائنات، واطلعت على المغيبات، وأثرت في السفليات، كما أن الحديدة المحماة إذا تشبثت بالنار وتكيفت بها صارت تؤثر في الأجسام أثرها، لأجل التشبه بها، فمن أجل ذلك كان تأثير النفوس في هذا العالم على قدر تشبهها بالعالم الأعلى". (١)
ويخضع هذا الاتجاه الفكرى إلى قضية الرمز والتأمل، فالأسماء الحسنى التي تدل على ما يتصف به الرب ﷿ إذا ذكرها العبد مستغرقًا تجلت له معارف وعلوم تناسب حاله في الاستغراق، حيث يفتح له بابًا من الفيض والإشراق يتمكن به من الوقوف على حقائقها المجردة، وحالهم في هذا الزعم مشابه تمامًا لحال أسلافهم من الفلاسفة الأفلاطونية "فكما أن رجال الأفلاطونية لم يروا في الألفاظ إلا ظلالًا شاحبة للحقيقة المجردة، وقالوا: إن المعرفة الحقة اليقينية لا تدرك إلا بالتأمل الباطنى العميق والمجاهدة النفسية في درجات الكشف العليا حين تتضح خلالها للمتأمل الحقائق على ما هي عليه، كذلك اعتمد فلاسفة الصوفية هذه الدعوى، وزعموا أن الوقوف على ظاهر نصوص الشرع حجاب يمنع من الوصول إلى حقائق الأمور" (٢)
وفي تقرير مبدأ الوصول إلى أعلى الأحوال بالذكر المعروف الذي يكون بترديد اسم من الأسماء الحسنى: كقولهم: الله الله، أو حى حى يقول الحكيم الترمذي (٣) في رسالته المسماة بختم الأنبياء: مكر النفس بما يعبر عن مسلك معتدل في
_________________
(١) مشارق أنوار القلوب: ١٠٠.
(٢) نشأة الفلسفة الصوفية: ٦٧.
(٣) هو أبو عبد الله محمد بن على الحكيم الترمذى عرف بالصلاح وهذا ما شهد به شيخ الإسلام - ﵀ -، وكان أول من قال بختم الولاية حيث ادعى أنه في آخر الزمان سيكون ولى هو أفضل من الصحابة الكرام وقد أثار بذلك حنق العلماء عليه فطرد من بلده، واتبعه أهل الابتداع على هذه المقولة الضالة، وقد ضمنها كتابه المسمى بختم الأنبياء، توفى سنة: ٢٥٥ هـ انظر: مجموع الفتاوى: (١٣/ ٢٦٧)، (١٧/ ٢١٨)، وانظر: كشف الظنون: (١/ ٧٠٠).
[ ٧٥٧ ]
الفكر الصوفى اتجاه استشعار الأسماء الحسنى: "إنا وجدنا مكر النفس في الكليتين، وكياسة المعرفة في الفؤاد، فبكياسة المعرفة يعرف مكر النفس:
وكياسة المعرفة من اسمه الحى، ومكر النفس من حدة الهوى الذي يصير إلى النفس من معدنه، فتلتقط لطائف الشهوات، وعذوبة الأفراح، وبهاء الزينة، فتحمله إلى الصدر حتى يشبه على عين الفؤاد، ويطفئ نور الكياسة، ويخمد وقود حياتها، فيكون كالحى المسبوت (١).
فمن شأن القائم ببرهان ذلك بالعناية والبال العظيم، أن يراقب أحوال النفس في هذا المكر الذي يعامل به، فيلقى كل حال وكل شأن بمثلها من الكياسة حتى يردعها عن وجهتها التي قصدت إليها، فترجع النفس بمكرها منقمعة خاسئة بما لقيت من زجرة الكياسة". (٢)
أما غلاة الصوفية فيجعلون من ذكر الله تعالى بالأسماء الحسنى سبيلًا إلى الاتصاف بها حتى يخرج بهم الأمر إلى ادعاء مشاركة الرب تعالى في مقتضى هذا الاسم الذي لا ينبغى إلا لذاته سبحانه، يقول الكاشانى في تعريف العبادلة: "هم أرباب التجليات الأسمائية إذا تحققوا بحقيقة اسم من أسمائه تعالى، واتصفوا بالصفة التي هي حقيقة ذلك الاسم"
ومن أمثلة ذلك، يقول في معنى عبد القهار: هو الذي وفقه الله بتأييده لقهر قوى نفسه، فتجلى له باسمه القهار، فيقهر كل من نوأه، ويهزم كل من بارزه وعاداه، ويؤثر في أكوان ولا يتأثر منها" (٣)
ويقول: "عبد الحى: من تجلى له الحق بحياته السرمدية، فحى بحياته الديمومية.
عبد القيوم: هو الذي شاهد قيام الأشياء بالحق، فتجلت قيوميته فصار قائمًا بمصالح الخلق قيمًا بالله، مقيمًا لأوامر الله تعالى في خلقه بقيوميته، ممدًا لهم فيما يقومون به من معايشهم ومصالحهم وحياتهم" (٤)
_________________
(١) المسبوت النائم والساكن.
(٢) نص الرسالة محقق في آخر كتاب: التصوف والأخلاق، للدكتور/ عبد الفتاح بركة: ٢٩٧.
(٣) اصطلاحات الصوفية: ١٢٥.
(٤) المرجع السابق: ١٣٤.
[ ٧٥٨ ]
ومن هنا كانت عناية الطائفة بالذكر، فقد قدموه على جميع الوسائل المقومة للسلوك من الصلاة وغيرها، يقول الشعرانى: "ومن شأنه مكايدة خواطره، ومعالجة أخلاقه، ونفى الغفلة عن قلبه بمداومة الذكر، وأما كثرة تلاوة القرآن والصلاة، فلا يعول المريد الصادق عليه، لأن القرآن إنما هو ورد الكمل، وكذلك الصلاة. وأما المريد فإنما عمله الدائم في تنظيف ظاهره وباطنه عن الصفات التي تمنعه من دخول حضرة الله ﷿، كالغضب وعزة النفس والكبر والحسد ونحو ذلك" (١)
رأي الشيخ الصاوي:
يرى الصاوي أن طريق الوصول إلى هذه المقامات يكون بالتزام الطريقة الصوفية على يد شيخ عارف، وعليه فإنه يرى أن هذه المقامات مما ينال بطريق المجاهدة وبذل الأسباب، يقول: "ولما ذكر مقام البقاء ولا يكون صاحبه إلا كامل الإيمان لتخليه عن الأغيار، طلب تحليته بالعطايا" وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وانشر علينا نعمتك المخصوصة بأهل العنايات، وهم الصديقون الذين أخذهم الله لنفسه، على حد قوله تعالى " ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] وهذا من التحلية بعد التخلية، لأنه طالب الفتح الأكبر ولا يكون بالمجاهدة، بل بالمواهب الربانية، بخلاف التخلية من الأغيار حتى يكون من أهل البقاء، فبن له سببًا عاديًا وهو المجاهدة على يد شيخ عارف التزم معه الشروط والآداب" (٢)
أولًا: عقبات الترقي:
وفي بيان العقبات التي يجب على المريد تذليلها من أجل الترقى إلى هذه المقامات فإنه يقول في شرحه لإحدى الصلوات: (وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وانزع من قلوبنا حب الشهوات والأغراض) "المبعدة عن الحضرة الإلهية، وهي حجب النفس الظلمانية والنورانية"
_________________
(١) الأنوار القدسية، للشعرانى: ١٠١.
(٢) حاشية الصلوات: ٦٨.
[ ٧٥٩ ]
ثم يشرع في بيات هذه الحجب، يقول: "فالظلمانية: شهوات المعاصى الباطنية والظاهرية.
والنورانية: طلب غير الله من الأمور الأخروية، كالعبادة لأجل حصول العلم.
أو لأجل الكرامات: كالكشف والطيران والجنة والخلاص من النار والقبر ونعيمه وعذابه وسعة الدنيا وإقبال الناس بقصد نفعهم، أو قصد الولاية أو الاجتماع بالنبى أو الأنبياء أو الأولياء والحاذق يقيس، كما قال بعض العارفين:
أحبك لا لي بل لانك أهله وما لى في شيء سواك مطامع
وقال سيدى عمر بن الفارض (﵁):
قال لي حسن كل شيء تجلى بى تمل فقلت قصدى وراكا
وحد القلب حبه فالتفاني لك شرك ولا أرى إلا شراكا
وقال صاحب الحكم (﵁): ما أردت همة سألك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]
ولذلك ورد أن من عبد الله بهذا الوجه: تزفه الملائكة إلى الجنة مسحوبًا من سلاسل من ذهب، ومن هنا قال العارف:
تركت للناس دنياهم ودينهم شغلًا بحبك يا دينى ودنياى.
وقال ابن الفارض:
تعلق بأذيال الهوى واخلع الحيا وخل سبيل الناسكين وإن جلوا
* * *
ثانيًا: طريق الخلاص:
وبعد أن بين العقبات فإنه يصف السبيل إلى تذليلها - كما يرى - وذلك بالإكثار من ذكر بعض أسماء الله الحسنى بقصد الاستدواء، وفقًا للطريقة الخلواتية،
[ ٧٦٠ ]
يقول: "ولما كان الخلاص من تلك الحجب واجبًا عينيًا على كل مريد لله، وضعت أهل الطريقة الخلواتية أسماء سبعة، لأن كمال النفس وخلاصها من تلك الحجب لا يحصل إلا بتجليات تلك الأسماء على الترتيب المعلوم عندهم، لأنهم قسموا النفس إلى سبعة أقسام: أمارة، ولوامة، وملهمة، ومطمئنة، وراضية، ومرضية، وكاملة:
ثم يأخذ بتوضيح سبب تسمية النفوس بهذه الأسماء مع وقفة يسيرة للنفس الرفيعة وذلك لبيان ترقيها بالمقامات بحسب ما اتصفت به من صفات علت بها عن غيرها، يقول:
فأخذوا الأمارة: من قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وهي نفوس الفساق لا تأمر صاحبها بخير أصلًا.
واللوامة: من قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] وهي تأمر بالمعاصى، لكن تلوم صاحبها وتتوب.
والملهمة: من قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] وهى التي ألهمت عيوبها فلا ترى لها تقوى ولا عملًا وصاحبها فانٍ في مقام السكر.
والمطمئنة والراضية والمرضية: من قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨] والكاملة: من قوله تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠].
ويسترسل في بيان استحقاق هذه النفس لكل تلك الصفات على الترتيب وملاحظة الترقى في المقامات، يقول:
وسميت مطمئنة لرجوعها لمقام البقاء بربها، وسكونها للمقادير لشهودها الحق في الآثار فترى كل شيء جميلًا.
فلذلك كان أول قدم يضعه المريد في الطريق - هو الوصول إلى مقام البقاء - وقبله كان مريدًا ولم يكن من أهل الطريق.
[ ٧٦١ ]
فإذا استمرت تلك الطمأنينة واستمر بالباب، كانت راضية، فتكون مرضيًا عليها من الله، لأن من رضى له الرضا.
فإذا استمرت على الباب تجلى عليه الحق بشهِود الذات فضلًا منه وإحسانًا وهي الكاملة، وهذا إشارة لقوله تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي جنة مشهودى في الدنيا (١)
"وهذا مقام الواصلين وقبل ذلك يسمى مقام السائرين" (٢)
ويعلل تفسيره للجنة بهذا المقام، فيقول: "فإنه تقدم لنا أن مشهود الذات نعيم معجل للأولياء أعظم من نعيم الجنان".
وبعد ذلك يبين - الصاوي كما يرى - أثر تجلى أسماء الله الحسنى السبعة على هذه النفوس في ترقيها إلى المقامات الصوفية، يقول: "فوضعوا للمقام الأول - يعني النفس الأمارة -: لا اله الا الله لنفى الأغيار من كل حجاب ظلمانى.
ووضعوا الاسم الأعظم وهو الله في المقام الثاني: للخلاص من النفس اللوامة فإن تجليه يفنيها.
ووضعوا للمقام الثالث - النفس الملهمة - هو بالسكون والمد موضوع لحقيقة الحق فذكره يناسب الفانى في ذات الله.
فإذا صحا من سكوه وضعوا له حق، لأن تجليه يحصل به دوامًا الطمأنينة، لكون معنى الحق الثابت الذي لا يقبل الزوال أزلًا ولا أبدًا.
فإذا استمر ثابتًا بعد صحوه من الفناء وضعوا له في المقام الخامس: حى لتليه عليه بالحياة السرمدية، فإذا خلعت عليه خلعته صارت نفسه مرضية للرب، وناسبه قيوم لأن به قوام العالم فتخلع عليه خلعة القيومية، وهو التصرف في العالم، فيصلح للخلافة.
فينتقل للكمال وهو شهود الذات، فيناسبه قهار ليخلع عليه خلعة يقهر بها المعاندين والمعارضين، لأنه صار داعيًا من دعاة الحق" (٣).
_________________
(١) حاشية الصلوات: ٨٥.
(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٣٠).
(٣) حاشية الصلوات: ٨٥.
[ ٧٦٢ ]
أمر المشايخ المريدين بتلاوة القرآن والتعبد به بعد كمالهم ونظافة قلوبهم، وما داموا لم يكملوا يأمرونهم بالمجاهدة بالذكر ونحوه لتخلص قلوبهم، والحكمة في ذلك أن الغفلة في الذكر أخف منها في القرآن لما في الأثر: رب قارئ والقرآن يلعنه، فجعل العارفون للتوصل للقرآن طرقًا يجاهدون أنفسهم بها ليزدادوا بقراءتهم القرآن علومًا ومعارف وأخلاقًا". (١)
المناقشة:
إن موقف الصاوي من أساليب التطهير والذي يتحدد في أن إرادة النجاة من النار والفوز من الجنة إحدى الحجب التي تحول دون إخلاص العمل لله تعالى يعد امتدادًا لما ادعاه أسلافه من الصوفية الذين تأثروا بالمذاهب الملحدة، فحقيقته مستوحاة من غير هدى الرسالات المنزلة التي تتفق مع القيم والمبادئ الفطرية على هيئة تتكامل فيها الفطرة بما جبلت عليه مع الهدى الذي أتى لتقويمها وسدادها في مسيرة متوازنة بعيدًا عن التناقض واختلاق العقبات.
إن نصوص الكتاب والسنة أتت صريحة بخلاف هذا الذي ذهب إليه بل بعده من الأباطيل التي ينقضها العقل والنقل، إذ الترغيب والترهيب من أهم المقومات التي ارتكزت عليها دعوة الأنبياء والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -.
قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
يقول الإمام ابن جرير: "أرسلهم الله مبشرين لمن أطاع الله واتبعهم، بالسعادة الدنيوية والأخروية، ومنذرين من عصى الله وخالفهم بشقاوة الدارين" (٢)
وعليه فإن إغفال هذا الجانب الجزائى العظيم من عملية التربية الدينية يعد خطأ جسيمًا، وذلك لما يترتب عليه من أخطار عقدية وسلوكية يتحتم وجودها عند
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٦٢).
(٢) تيسير الكريم الرحمن: ٢٠٧.
[ ٧٦٣ ]
الإخفاق في هذه المهمة، إذ النفس مجبولة على محبة الثواب وإرادته، ولما كان الالتفات إليه في الدنيا مخل بحقيقة الإخلاص انعقد الخلاص بتوجيهه نحو الجزاء الأخروى الذي تعلقت آمال المخلصين بالحصول عليه.
ومن هنا أتى مدح المولى تعالى لخيرة عباده المؤمنين من المصطفين الأخيار، حيث قال في محكم التنزيل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، يقول الإمام ابن جرير - ﵀ - في بيان هذا الركن العظيم من أركان العبادة: "عنى بالدعاء في هذا الموضع: العبادة، كما قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] ويعنى بقوله: (رغبًا)؛: أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه من رحمته وفضله (ورهبًا): يعني رهبة منهم من عذابه وعقابه، بتركهم عبادته، وركوبهم معصيته" (١)
بقى التنبيه على حقيقة المحبة التي أنيط الفوز ببلوغ العبد إياها، إن محبة الله تعالى أمر قد فطرت النفوس عليه إذ جبلها الله على محبة من أحسن إليها ولا أحد نعمه لا تحصى إلا إياه ومن هنا كانت محبته مخالطة لبشاشة قلوب الخلق، حتى كان هذا الأصل مما لم ينازع فيه أحد وإنما كان النزاع في حقيقة المحبة المرادة الشرعية، والتي أنيط تحقيق الأمل برضا الله عند تحقيقها في قلب العبد، يتجلى هذا المعنى وضوحًا في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ هنا علق المولى حقيقة المحبة المرادة بشرط تحققها وهو متابعة النبي - ﷺ -.
وكما قيل لما كثر المدعون طولبوا بالبينة.
فالمحبة أصل التوحيد ولب العبادة ولكنها لا يمكن أن تتحقق بما يحفظ لها نقاءها مع امتناع الضابط والقائد، فالضابط هو الخوف من عذاب الله تعالى، فحتى
_________________
(١) جامع البيان: (١٧/ ٨٣).
[ ٧٦٤ ]
لا يخرج الهوى صاحبه عن طريق العبادة المتمثل بالمحبة إلى الهوى فيضل عن سبيل الله كان الخوف رادعًا وزاجرًا يهيب بالعبد من مغبة الإعراض عن أمره ونهيه.
وكان القائد هو الرجاء، فإذا استعدى الخوف بصاحبه أتى الرجاء قائدًا له حاديًا إلى مرضاة الله بعيدًا عن القنوط من رحمته وجنته.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - في بيان هذه القاعدة الجليلة: "إن محركات القلوب إلى الله ﷿ ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء.
وأقواها: المحبة وهى مقصودة تراد لذاتها، لأنها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف، فإنه يزول في الآخرة، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
والخوف المقصود منه الزجر والمنع عن الطريق، فالمحبة تلقى العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه.
فالخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن ينتبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه" (١).
ومما يظهر به ضلال معتقدهم في تهميش جانب الرجاء، وجعله من عوائق الخلاص والترقى في مقامات العبادة والسلوك، أن غاية ما يرجوه العبد هو دخول الجنة، والتنعم بما فيها، وقد علم أن أعظم نعيم الجنة هو رؤية الله، قال - ﵊ -: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿) (٢).
وبهذا يكون موقفهم من ترك عبادة الله بالرجاء مناقضًا لأصل ادعائهم المحبة،
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (١/ ٩٥).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾، رقم الحديث: ٤٤٨.
[ ٧٦٥ ]
فإن المحب مشتاق لرؤية محبوبه لا يزال يمنى نفسه بها ويعمل لأجلها، لذا كان من عذاب الكافرين أن الله لا ينظر إليهم يوم القيامة وأنهم يحجبون عن رؤيته، فلا يكلمهم ولا يزكيهم، وكان من أعظم نعيم أهل الجنة النظر إلى وجهه الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
وإذا تم بيان مكانة المحبة في تحقيق العبودية، وجب أن يبين ما يجب أن يعبر عنها من الألفاظ حتى تبقى هذه الحقيقة الإيمانية في صفاء بعيدًا عن درن الضلال والزيغ الذي يمليه الهوى، يقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: "ولما كانت المحبة جنسًا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما يذكر فيها في حق الله تعالى: ما يختص به ويليق به كالعبادة والإنابة والإخبات ولهذا لا يذكر فيها لفظ العشق والغرام والصبابة والشغف والهوى، وقد يذكر المحبة كقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (١).
ومن هنا ظهر ضلال من سمى محبة الله هوى وعشقًا كابن الفارض وغيره ممن تاهوا بإرادة هذه المعانى ولم يصلوا، وقد سبقت الإشارة إلى أنواع الإلحاد التي ارتادها ابن الفارض بهذا الحب المزعوم الذي سولت له نفسه أن يجعله مسوغًا له فيما ادعاه من أوهام الاتحاد، ومع موقف الصاوي التأويلى لهذا الإلحاد الذي عجت به أشعاره إلا أن الحق أحق أن يتبع، وعليه فما ذكره في البيت من أمر للناسكين بالتعلق بأذيال الهوى وخلع الحياء في ذلك محض ضلال وتيه وبعد عن مقتضيات المحبة الشرعية، التي لا سبيل إليها إلا بالتزام آداب الشرع ظاهرًا وباطنًا، ولو علم هذا المحجوب: ابن الفارض، وأمثاله، أن قرة عين المحب في رضا محبوبه عنه لما
_________________
(١) إغاثة اللهفان: (٢/ ١٣٣).
[ ٧٦٦ ]
تاه به المراد عن السبيل مع التلازم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
هذا وقد أصاب الصاوي في منعه إرادة المناصب أو الكرامات أو النعم المؤجلة أيًا كانت لذاتها، وجعلها من معوقات الوصول إلى الإخلاص. أما مع وقوعها دون تشوق قلب فذلك فضل الله وهو كما قال النبي - ﷺ -: (عاجل بشرى المؤمن) (١).
وكان حديث الصاوي عن النفس مع أثر تجليات الأسماء عليها في الترقى للوصول إلى أعلى المقامات محل نقاش في بعض ما ذكر، ويمكن إجمال ما يلحظ إليه في النقاط التالية:
أولًا: أنه جعل صاحب النفس الملهمة التي وردت في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ في مقام الفناء الذي هو محل سكر واصطلام، فكان هذا من باب تحميل النص ما لا يدل عليه، فإن الفناء الذي يحمل صاحبه على السكر مقام نقص، فمن غير الممكن أن تجبل النفس على إرادته، وليس فيه مراعاة للتقوى والوجل - كما ذكر - بل كثيرًا ما يدعى أصحابه سقوط التكاليف واستواء المأمور بالمحظور لمشاهدة المشيئة الكونية، يصدق هذا من كلام الصاوي ما نقله عن أحدهم في مقام الفناء: فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر.
وعليه فإن استدلاله بهذه الآية الكريمة على بلوغ النفس هذا المقام مما يرد عليه، ثم إن في نفس الآية ما يدل على مناقضة ما ذهب إليه لأن المراد بهذه الآية الكريمة بيان حقيقة النفس التي جبلها الله تعالى على معرفة الخير من الشر، حتى تقوم الحجة عليها ويصح تكليفها فلا حجة لها حينئذ في معصية الأوامر الشرعية وقد جبلت على تمييز الخير من الشر.
ثانيًا: أما تسمية النفس التي في مقام البقاء بالمطمئنة ففيه تفصيل، ويرجع إلى ما
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الأدب البر والصلة والآداب - باب إذا أثنى على الصالح فهى بشري ولا تضره، رقم الحديث: ٦٦٦٣.
[ ٧٦٧ ]
سبق بيانه في الحديث عن مقام البقاء، فبن البقاء الذي لا ينافى الفناء هو ما يكون العبد فيه بحيث لا تحجب مشاهدة أفعاله تعالى عن إدراك الفرق بين ما يحبه تعالى وما يسخطه يصل بصاحبه حقيقة إلى مقام الطمأنينة والرضا، أما إذا أراد به المعنى الذي عليه عامة الصوفية والذي يظهر أنه المقصود من كلامه وهو مشاهدة الأفعال في الآثار حتى لا يرى معصية ولا يشهد كفرًا أو ضلالًا، فمعنى باطل ترده نصوص الكتاب والسنة وحقيقته غياب عن مقتضى العبودية الذي يلزم العبد باتباع المحاب واجتناب المساخط، وقد سبق تفصيل ذلك.
- وبناء على هذا الذي تقرر عنده في معنى المطمئنة فقد أوَّل دخول الجنة بتحقق وحدة الشهود، متبعًا بذلك مسلك الاستبطان في الاستدلال للأحكام الصوفية، وبطلان هذا الذي ذهب إليه أبين من أن يستدل له، ويكفى في رده أن القرآن أنزل بلغة العرب وليس هذا مما يراد بلفظ الجنة.
ومع أن الصاوي أشعرى المعتقد ولا يقول بالمعاد الروحى قطعًا، إلا أنه في تحريره لهذه الترقيات بوجهة نظر صوفية، كشف عن تأثر التصوف في مراحله الأخيرة بعقائد الفلاسفة في إثبات المعاد الروحانى دون الجسمانى، إذ غاية النعيم - عندهم - هو معرفة الروحانيات والتلذذ بها.
* * *
ثالثًا: لقد تابع الصاوي أسلافه المتصوفة في مفهوم تجلى الأسماء الحسنى على ذاكرها والمتعبد باستشعار معانيها، ولا يخفى ما في هذا من غلو مقيت يخلط الحقائق ويطوى المرادات الشرعية على خلاف ما يقتضيه إثبات آثار الأسماء والصفات لله ﵎.
فإذا كان الهدف الأسمى من العبادة السنية تحقيق الذل والافتقار إلى الله تعالى بالقيام بكل مأمور وترك كل محظور والازدياد من النوافل والقربات، فإن هدف العبادة الصوفية الترقى إلى مراقى الربوبية، وأنى لهم؟ بل هي مهاوى الإلحاد والمروق من الدين بالكلية، وبيان ذلك ما يلى:
[ ٧٦٨ ]
إن توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته يقوم على نفى التمثيل والتشبيه والتحريف والتعطيل، وكلامهم في هذا التجلى المزعوم ادعاء لمشاركة العبد ربه في مقتضى الصفة، وهذا باطل شرعًا وعقلًا، فإنه متى قامت الصفة بالموصوف لزمها أمور أربعة: أمران لفظيان، وأمران معنويان:
فاللفظيان: ثبوتى، وسلبى، فالثبوتى: أن يشتق للموصوف منها اسم.
والسلبى: أن يمتنع الاشتقاق لغيره.
والمعنويان: ثبوتى، وسلبى، فالثبوتى: أن يعود حكمها إلى الموصوف، ويخبر بها عنه.
والسلبى: أن لا يعود حكمها إلى غيره، ولا يكون خبرًا عنه" (١).
وهذه قاعدة تتوجه إلى جميع من اتصف بصفة فعلم قيامه بها، وحقيقة هذا الحكم امتناع اتحاد الأفراد في الخارج لاشتراكها في أمر كلى، مثال ذلك صفة السمع فإن السمع إذا أفرد صار معنى كلى يشترك فيه كل من اتصف بهذه الصفة وليس يعني ذلك اتحاد المحل القابل للسمع فإن كل من له سمع في الخارج يختلف عن الآخر فسمع الإنسان ليس كسمع الحيوان وهكذا.
وهذه هي القاعدة التي قال عنها الإمام ابن القيم - ﵀ -: أنها أصل أهل السنة الذي ردوا به على المعتزلة والجهمية وهو من أصح الأصول طردًا وعكسًا (٢).
فإذا كانت هذه القاعدة يصح طردها في كل من اتصف بصفة أن يمتنع اتصاف غيره بنفس الصفة التي اتصف بها، فإنه يتعين مزيد بيان بالنسبة لصفات الخالق في مقابل صفات المخلوق، فكما أنه تعالى له ذات ليست؛ كالذوات فكذلك له صفات ليست كالصفات، "فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات".
_________________
(١) بدائع الفوائد، لابن القيم: (١/ ١٧٤).
(٢) المرجع السابق.
[ ٧٦٩ ]
وهذا الأصل مستفاد من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ومثال ذلك اتصافه تعالى بالسمع والعلم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، معنى ذلك أنه "هو وحده الذي له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوا وأنه لا يعلم كثيرًا مما يعملون" (١).
- وبهذا يتحقق إيمان العبد بصفاته تعالى؛ فكلما ازداد العبد استشعارًا وعلمًا للفرق الذي بينه وبين خالقه؛ كلما تحققت عبوديته له وتأكدت، إذ العبودية التامة هي غاية الحب مع غاية الذل والافتقار، لذلك قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، إذًا فمقتضى العلم بمعرفة أسمائه وصفاته تعالى هو الالتجاء بها إليه تعالى بالدعاء الذي هو حقيقة العبادة.
وبيان ذلك أن الدعاء - كما سبق ذكره - ينقسم إلى قسمين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ودعاء العبادة هو العمل بمقتضى تعظيم أسمائه فكل عمل ظاهر أو باطن صدر من العبد نتيجة لإيمانه بأسمائه وصفاته كالعلم والسمع والبصر والرحمة فهو من الدعاء بالأسماء، وكل سؤال توجه به العبد لربه سائلًا إياه بأسمائه فهو من الدعاء بها، وهكذا.
وبناء على ما تقدم فإن ما تقرر عند الصاوي متبعًا بذلك طريقة الصوفية من آثار بعض ما ذكر من الأسماء مردود عليه، فقد ذكر أن ترديد الضمير (هو) يكون للنفس الملهمة، وهذا مما لا أساس له، أولًا؛ لبدعية هذا الذكر، فذكر المولى تعالى المعتبر شرعًا لا بد أن يكون مقرونًا بتعظيم المولى وتبجيله، كقول: لا إله إلا الله، الحمد لله، سبحان الله، وقد ورد في أفضل ما يذكر به المولى تعالى حديث النبي - ﷺ -، حيث يقول: (أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله).
وحقيقة هذا؛ أن الكلام لا يضاف إليه مدحًا أو ذمًا حتى يظهر به المراد، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما الذكر بالاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا بدعة في
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم: (١/ ٩٧).
[ ٧٧٠ ]
الشرع وخطأ في القول واللغة، فإن الاسم المجرد ليس هو كلامًا لا إيمانًا ولا كفرًا" (١).
فكيف يكون مثل هذا الكلام عمدة لأهل التحقيق والعبادة؟
ومن هنا فقد حكم العلماء ببدعية هذا الذكر ووجوب رده على محدثه، استنادًا لقوله - ﷺ -: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٢).
هذا وقد شرع ذكر الحق لمن صحا من سكره لأنه يفيد معنى الثبات والبقاء، وكأنه يريد بذلك أن هذه الصفة مع كثرة ترديدها تنعكس معانيها على قائله فتكسبه الثبات بعد سكره وغيابه، ونقض هذا يرجع إلى ما سبق وأن بينته من أسماء الله تعالى حقيقة فيه ليس لأحد أن يشاركه فيها كما أنها لا تستفاد أحكامها ومعانيها اللازمة لأحد مهما كثر ترديده لها فالله سبحانه فرد أحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فكل ما يناله العبد منها من آثار الإيمان بها، والتعبد بمقتضاها، إنما يتوقف على الأحكام المتعدية منها والتى ينالها أهل الإيمان بإيمانهم بها والعمل بما يلزم من ذلك الإيمان.
فإن الإيمان بأن الله هو الحق كما دلت على ذلك النصوص الشرعية يثمر الاعتقاد الجازم بأن الله هو الموجود الباقى إذا الحق من صفات الله تعالى التي تفيد الثبات وتفيد البقاء والوجود الذي لم يزل ولا يزال متصفًا بالجلال والجمال والكمال، فقوله حق وفعله حق ولقاؤه حق، وهو الحق الذي لا يعبد غيره، فكل ما عبد من دونه باطل زائل: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] (٣).
فآثاره في قلب العبد يقينًا بوجود الله الذي لا يعتريه زوال فهو الأول والآخر،
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (١٠/ ٣٩٧).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الدعوات عن رسول الله - باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، رقم الحديث: ٣٣٨٣: (٥/ ٤٣١).
(٣) انظر: النهج الأسمى: (٢/ ١٢ - ١٣).
[ ٧٧١ ]
وإيمانًا باستحقاقه لصفات الربوبية والألوهية، وكل ما خلا ذلك من أوهام الصوفية، فلا حجة فيه ولا معتمد.
أما ما ذكره من أن اسمه الحى إذا ردده العبد بعد الصحو من الفناء فإنه يخلع عليه صفة الحياة السرمدية، فهذا باطل ليس له أساس من الصحة، فصفة الحياة لله تعالى من الصفات الذاتية اللازمة، التي تعنى اتصافه بالحياة على جهة لا يماثله فيها أحد، كما في آية الكرسى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فقد نفى تعالى عنه السنة وهى النعاس ليثبت في مقابلها كمال حياته وقيوميته، فأين هذا مما يدعيه أولئك؟ وقد دلت النصوص على جهة لا تحتمل الشك أن كل مخلوق فهو إلى فناء وأن البقاء لله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧].
وهذا أيضًا ما يقال في صفة القيومية، فإنه تعالى لما وصف نفسه بالحياة الذاتية التامة، بين أن كل موجود سواه إنما كان بإيجاده له وقيوميته عليه فهو القائم على كل نفس خلقًا ومشيئة إحياء وإماتة، وعلى كل موجود حفظًا ورعاية وإبقاء وإفناء، فهو الحى القيوم الذي قامت به السموات والأرض.
وبهذا يعلم أن الأثر التعبدى للإيمان بهاتين الصفتين إنما يكون باستشعار الذل والافتقار لكمال الواحد القهار الذي بيده ملكوت كل شيء ومن ثم إفراده تعالى بالعبادة دعاء واستغاثة وتوسلًا ومحبة، لا كما يدعى هؤلاء من مزاعم التجلى التي هي صورة من صور الفيض الكفرى الإشراقى الذي جاء به فلاسفة اليونان.
يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في وصف حال من ظهر عليه آثار التعبد بهذين الاسمين العظيمين: أن من شهد وصفه تعالى بالحى القيوم فإنه يلمس "في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرًا تامًا إليه، من جهة كونه ربًا ومن وجهة كونه إلهًا معبودًا لا غنى له عنه، كما لا وجود له بغيره، فهذا هو الفقر الأعلى الذي دارت عليه رحى القوم، بل هو قطب تلك الرحى، وإنما يصح له هذا بمعرفتين لا بد منهما: معرفة حقيقة الربوبية والإلهية، ومعرفة حقيقة النفس والعبودية، فهنالك تتم
[ ٧٧٢ ]
له معرفة هذا الفقر. فإن أعطى هاتين المعرفتين حقهما من العبودية، اتصف بهذا الفقر حالًا، فما أغناه حينئذ من فقير، وما أعزه من ذليل، وما أقواه من ضعيف، وما آنسه من وحيد، فهو الغنى بلا مال، القوى بلا سلطان، العزيز بلا عشيرة، المكفى بلا عتاد، قد قرت عينه بالله، فافتقر إليه الأغنياء" (١).
وكذلك صفة القهار لله ﷿ فإن العبد إذا علم ما اتصف به تعالى من القوة والغلبة والقهر كان ذلك دافعًا له للخوف والعمل، كما أن من أثر الإيمان بهذه الصفة أن يزداد توكلًا عليه وتوجهًا فلا يخاف في الله أحدًا، وبهذا تظهر عزة المؤمن وكبريائه أمام أعداء الله؛ فالحكم لله العلى الكبير.
* * *
_________________
(١) طريق الهجرتين: ٥١.
[ ٧٧٣ ]
الفصل الثالث: (الولاية والكرامة)
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: حقيقة الولاية.
المبحث الثاني: حقيقة الكرامة.
[ ٧٧٤ ]
تمهيد
يقوم المعتقد الصحيح في استحقاق قبول العمل كما تقتضيه حقيقة الإيمان الشرعية على أمرين أساسين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر وهما: صحة القصد وسلامة المنهج، فإخلاص العمل لله تعالى، مع موافقته لشرعه المطهر، أساس القبول من المولى ﵎.
وعلى هذا الأساس قام بناء الدين متكاملًا، يدعو لتحقيق السعادة في الدارين، فإذا كانت دعوة الرسل الأولى هي الدعوة إلى التوحيد، والتجرد من كل ألوان الشرك المخلة بهذا الأصل العظيم، فقد بينت أيضًا وجوب الاستقامة على الشرع، وأناطت قبول ذلك الإخلاص المجرد لله تعالى بالتزام هدى الأنبياء والرسل، الذين هم ترجمان الوحى، والقدوة الحية، التي يستنير بها طلاب الهداية والخير.
قال تعالى موجهًا الأمر لنبيه - ﷺ - بالاستقامة: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥].
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] إن هذه الآية قال فيها ابن عباس - ﵄ -: (ما نزل على رسول الله - ﷺ - آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه) (١) لتكشف عن حقيقة الاتباع المأمور به، والذي يقتضيه صدق الإيمان بالله تعالى وبرسوله، وإخلاص التوبة له.
فالأمر بالاستقامة على دين الله هو حقيقة إقامة شرائع الدين المنزلة على المصطفى - ﷺ -؛ لذلك كان تفسير سفيان له بقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾: استقم على القرآن (٢).
_________________
(١) تفسير القرطبي: (٩/ ١٠٧).
(٢) المصدر السابق.
[ ٧٧٥ ]
ثم إن في هذه الكلمة وهى الأمر بالاستقامة في قوله: (فاستقم) دلالة على وجوب انتهاج الصراط المستقيم، الذي هو مطلب العبد، ومبتغاه الأسمى؛ للوصول إلى رضوان الله تعالى، وعليه فإن أي انحراف عن النهج السوى في امتثال شرع الله تعالى، يعد مسلكًا عوجًا ينأى بصاحبه عن سلوك الصراط المستقيم؛ ليوقعه في متاهات الهوى، فليس الأمر بالاستقامة على ما يشاؤه العبد، وإنما هو أمر اختص بما تصح به وجهته، أنه أمر بالاستقامة كما أمر المولى تعالى، لذلك أتى التحذير بعده من اتباع الهوى، حيث قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، وهنا يأتى الأمر مرة أخرى بالاعتدال، وأخذ الحيطة في رسوخ القدم على الصراط المستقيم، فليس ثمة طريق للنجاة سواه، إنه التحذير من الطغيان؛ وهو مجاوزة الحد بعد النهى عن التفريط والإهمال، هكذا حتى يتم الثبات على الاستقامة المطلوبة، بلا إفراط أو تفريط.
وكلما تحققت مقومات الاستقامة من الإتيان بالعمل الصالح الناجم عن التصور السليم، المنبعث من صدق النية وصفاء الإرادة؛ كلما أتت ثمارها بإذن ربها، فتحقق بتحققها مقام الولاية الذي تعلقت به آمال الكثير، وأنيط به مقام الأمن والسعادة: ركنا النجاة ومقوماتها الأساسية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
ومن هذا المنطلق أتى فهم السلف الصالح لحقيقة الولاية الشرعية، إن الولاية عند أهل السنة والجماعة؛ تعنى ثمرة الالتزام بطاعة الله تعالى وحسن التوجه له ظاهرًا وباطنًا، هكذا دون تشدق بالألفاظ المنمقة، التي ليس لها مستند من الشرع المطهر، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣].
فالإيمان والتقوى قرينان يستلزم أحدهما الآخر، وهذا في الآية الكريمة من باب بيان الصفات التي تتأتى بها الولاية الموجبة للأمن في الدارين، أمن يورثه تحقق معية المولى في الدنيا بالنصرة والمحبة، وأمن يوم الفزع الأكبر، يوم تتلقاهم الملائكة بالتبشير.
[ ٧٧٦ ]
فالولاية عند أهل السنة والجماعة لها جانبان: أحدهما من جهة العبد؛ قيامًا بأمر الله تعالى؛ طاعة وامتثالًا لما جاء به؛ واجتنابًا لما نهى عنه، ثم يكون التدرج في مراقى التقرب إلى الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، كما جاء في الحديث: (ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه) (١).
والجانب الآخر هو الذى يكون من جهة الرب ﵎؛ جزاء لما كان من العبد، فيتولاه المولى بالقرب والرحمة.
ومع وضوح مفهوم الولاية عند سلف الأمة، فقد خالف في ذلك الكثير من الطوائف المبتدعة، وكان على رأسها طائفة الصوفية، التي نحن الآن بصدد الحديث عنها، فقد غلت في هذا المقام غلوًا أبعد بها عن مقتضى الأمر بالاستقامة، الذي هو أساس الدين، حتى أنه حين سئل النبي عن قول في الإسلام يكون جامعًا لأسسه، قال - ﵊ -: (قل آمنت بالله ثم استقم) (٢).
فصارت الولاية عند أكثرهم مرتبة لا ينالها إلا أهل الكرامات وخرق العادات، فليس صلاح الظاهر والاستقامة على الشريعة الغراء هو دليل تحققها للعبد، بل الترقى في مقامات الفناء والبقاء هو السبيل الأوحد إليها، والذي به تحصل الكرامات المنشودة، فتنكشف الأسرار وتتخطى النفس حجب المادة؛ لتسبح في عالم الملكوت، وتشارك في تصريف الكون، وكل هذا بإذن الله! .
* * *
_________________
(١) كتاب التوحيد - باب ويحذركم الله نفسه، رقم الحديث: ٦٩٧٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب جامع أوصاف الإسلام، رقم الحديث: (٢/ ٩).
[ ٧٧٧ ]
(المبحث الأول): حقيقة الولاية
أولًا: تعريف الولاية:
" الولى من الولاء والتوالى، وهو أن يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة، والنصرة، والاعتقاد. .
والولى والمولى يستعملان في ذلك كل واحد منهما يقال في معنى الفاعل، أي الموالى، وفي معنى المفعول أي المولى، يقال للمؤمن: هو ولى الله ﷿ ولم يرد مولاه، وقد يقال: الله تعالى ولى المؤمنين ومولاهم، فمن الأول: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ومن الثاني: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١] (١).
ولبيان آراء الصوفية على مختلف توجهاتهم بين الاعتدال والغلو في معنى الولاية وتعريف الولى؛ سأذكر بعض أقوالهم فيها حتى يتسنى تصنيف أقوال الصاوي وتوجيهها وفق هذه الآراء المتعددة:
يقول: عماد الدين الأموى: "الولى: من توالت طاعته لله تعالى من غير تخلل معصية، وقيل الولى: هوالذى تولى الحق ﷾ حفظه وحراسته عن المعاصى والمخالفات، قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦].
وعلى هذين التفسيرين، فالولى محفوظ من المعاصى، لا على سبيل الوجوب، لأن الحفظ منها على سبيل الوجوب عصمة، وذلك مخصوص بالأنبياء ﵈" (٢).
_________________
(١) المفردات للراغب: (٥٣٣) بتصرف يسير.
(٢) حياة القلوب في كيفية الوصول إلى المحبوب، بهامش قوت القلوب، لعماد الدين الأموى: ٢٨٦.
[ ٧٧٨ ]
ويقول الكاشاني: "الولى من تولى الحق أمره، وحفظه من العصيان، ولم يخله ونفسه بالخذلان، حتى يبلغه في الكمال مبلغ الرجال، قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾.
والولاية: هي قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه، وذلك بتولى الحق إياه حتى يبلغه غاية مقام التمكين" (١).
كما تعرف بأنها "التصرف في الخلق بالحق" (٢).
ويقول ابن عربى الضال في تفسير قوله تعالى: " ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾: المستغرقين في عين الهوية الأحدية بفناء الآنية.
﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: إذ لم يبق منهم بقية خافوا بسببها حرمان، ولا غاية وراء ما بلغوا.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: لامتناع فوات شيء من الكمالات واللذات منهم فيحزنوا عليه.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: إن جعل صفة لأولياء الله، فمعناه الذين آمنوا الإيمان الحقى، وكانوا يتقون بقاياهم وظهور تلويناتهم" (٣).
* * *
وتكشف هذه الأقوال عن حقيقة الولى في منظور الفكر الصوفى، فالولاية عندهم منزلة قد تسمو بصاحبها حتى ترتفع به فوق منازل العباد، فيتمكنون من التصرف في الكون، وقد تنكشف لهم الحجب فيشهدون ما خفى من العلوم الغيبية بحكم هذه الولاية.
ولتأصيل هذه الأوهام والانحرافات العقدية، فالصوفية يعتقدون بالإلهام أو
_________________
(١) اصطلاحات الصوفية، عبد الرزاق الكاشاني: ٧٦.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تفسير ابن عربي: (١/ ٢٤١).
[ ٧٧٩ ]
بالوجدان النفسى، كمصدر معتمد من مصادر المعرفة، فيسلمون بالتلقى منه في الحكم على كثير من الأمور المتعلقة بالغيب والتشريع؛ مما يؤدى في حقيقة الأمر إلى التقريب بين مقام النبوة والولاية، أو إلى الدمج بينهما، ويفصح عن هذا المعنى أبو حامد الغزالي وهو يحاول تقريب حقيقة النبوة للأفهام، يقول: "ووراء العقل طور آخر تتفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل. .
وإنما ذكرناها لأن معك أنموذجًا منها وهو مدركاتك في النوم، ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم، وهى معجزات الأنبياء، ولا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلًا.
وأما ما عدا هذا من خواص النبوة؛ إنما يدرك بالذوق من سلوك طريق التصوف" (١).
وقد يعتقد بعضهم ارتفاعها على مرتبة النبوة، كما هو عند الغلاة منهم، يقول ابن عربي: "وهذا المقام دائرته أتم وأكبر من دائرة النبوة؛ لذلك انختمت النبوة والولاية دائمة، وجعل الولى اسم من أسماء الله دون النبي" (٢).
وحجته في ذلك أن الولى يأخذ العلم بلا واسطة أما الرسول فلا بد له من واسطة ملك، ولا شك أن في هذا من الكفر والجحود ما ليس يخفى على أحد، يقول شيخ الإسلام بعد ذكر هذه الأوهام الصوفية: "فتدبر ما فيه من الكفر، الذي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًّا، وما فيه من جحد خلق الله وأمره وجحود ربوبيته وألوهيته وشتمه وسبه، وما فيه من الإزراء برسله وصديقيه والتقدم عليهم" (٣).
وحتى يتم لهم هذا التقريب المزعوم بين الولاية والنبوة؛ فقد ادعوا العصمة للأولياء، فلا يجوز الاعتراض على حالهم، حتى ولو عارض الشرع في الظاهر،
_________________
(١) المنقذ من الضلال: ٥٤.
(٢) فصوص الحكم: ١٢٥، وانظر الواسطة بين الله وخلقه، الدكتور: المرابط الشنقيطي: ٤٨٤.
(٣) فتاوى شيخ الإسلام: (٢/ ٢٠٩).
[ ٧٨٠ ]
وقد لا يصرحون باعتقاد العصمة؛ لمخالفتها مقتضى دلائل الشرع التي تقطع باختصاص الأنبياء في هذا الوصف، فيعبرون لأجل ذلك بالحفظ بدلًا عن العصمة وهذا كثير في مؤلفاتهم.
والحقيقة أنهم لا يريدون به المعنى المراد في الشرع من التزام أوامر الشارع دون درجة الامتناع التام عن المعاصى، ولكنهم يعنون به المعنى الأول وهو العصمة كحال الأنبياء، وكتب القوم وتراجمهم أكبر شاهد على هذا، وقد يقرنون بين حال الأنبياء والأولياء لدلالة الموافقة في معنى العصمة.
يقول الكلاباذى في ذلك: "وقول من قال إن الفانى يرد إلى أوصافه محال، لان القائل إذ أقر بأن الله تعالى اختص عبدًا، واصطنعه لنفسه، ثم قال: إنه يرده، فكأنه قال: يختص ما لا يختص، ويصطنع ما لا يصطنع، وهذا محال، وجوازه من جهة التربية والحفظ عن الفتنة لا يصح أيضًا؛ لأن الله تعالى لا يحفظ على العبد ما آتاه من جهة السلب، ولا بأن يرده إلى الأوضع عن الأرفع، ولو جاز هذا جاز أن لا يحفظ مواضع الفتن من الأنبياء بأن يردهم من رتبة النبوة إلى رتبة الولاية، أو ما دونها وهذا غير جائز، ولطائف الله تعالى في عصمة أنبيائه، وحفظ أوليائه من الفتنة أكثر من أن تقع تحت الإحصاء والعد" (١).
* * *
- وهذا والصوفية في وجوب التخلق بآداب الشريعة لتحقق الولاية على مذاهب مختلفة، فأوائل القوم كانوا يؤمنون بوجوب استقامة حال الولى على أصول الشرع، أما المتأخرون منهم وهم أكثر فلا يرون ذلك شرطًا، بل يجوزون مخالفته ظاهر الشرع؛ ما دام الباطن قد عمر بالإخلاص، الذي هو أساس الولاية كما زعموا، ولهم في ذلك حكايات عجيبة تعج بها المؤلفات التي عنت بترجمتهم.
وممن رأى أن الاستقامة شرط الولاية، موافقًا بذلك المعتد الصحيح، سهل بن عبد الله، يقول: "الولى هو الذى توالت أفعاله على الموافقة" (٢).
_________________
(١) التعرف لمذهب أهل التصوف: ١٣٠.
(٢) الرسالة القشيرية: ٢٦٢.
[ ٧٨١ ]
- أما من تخطى هذا القيد فهم الكثير من أهل التصوف، روى عن بعضهم أنه قال: "الوقوف مع الظاهر حجاب ظاهر، والترقي عن المظاهر كشف ظاهر" (١).
وفي ترجمة واحد منهم عد المناوى (٢) الأكل في نهار رمضان من دلائل كراماته وسمو أحواله، يقول عنه: "كان من أرباب الأحوال والمكاشفات الخارقة، وكان يحلق رأسه ولحيته وحواجبه، وكان أصحاب النوبة يعظمونه، وكان يأكل في نهار رمضان ويقول: أنا معتوق، أعتقني ربي، وكان من أنكر عليه يعطبه في الحال" (٣).
ويصل ابن عربي إلى قمة الإغراق في الانحراف الفكري عند الصوفية، حتى ذهب إلى أن الكافرين هم الأولياء وقد صدق لأنهم أولياء الشيطان، يقول في تجلى نعت الولى: "هم المجهولون في الدنيا والآخرة المسودة وجوههم عند العالمين لشدة القرب وإسقاط التكليف، لا في الدنيا يحكمون، ولا في الآخرة يشفعون، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] " (٤).
ومن هنا ارتبط مقام الولاية بالخفاء والسرية؛ فليس من الممكن الاطلاع على السرائر، وهي أهم ما يجب أن يصلحه العبد بالإخلاص، لذلك فقد أبعد كثير من الصوفية في هذا الجانب، وهو عدم إمكان معرفة الولي، نقل عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: "أولياء الله عرائس الله تعالى، ولا يرى العرائس إلا المحرمون، فهم مخدرون عنده في حجاب الأنس، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة" (٥).
_________________
(١) الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، عبد الرءوف المناوي: (٣/ ٨٦).
(٢) هو عبد الرءوف بن تاج العارفين بن على بن زين العابدين الحدادي المنادى القاهري الشافعي، شارك في علوم شتي بالتدريس والتصنيف من تصانيفه: غاية الإرشاد في معرفة الحيوان والنبات والجماد، الروض الباسم في شمائل المصطفى أبي القاسم، شرح التحرير في فروع الفقه الشافعي، الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، توفي سنة: ١٠٣١ هـ. معجم المؤلفين: (٥/ ٢٢٠).
(٣) المصدر السابق: (٣/ ١٣١).
(٤) انظر: رسائل ابن عربي، كتاب التجليات: ٤٤٧.
(٥) الرسالة القشيرية: ٢٦١.
[ ٧٨٢ ]
وعليه فإن "الأولياء يعيشون مغمورين غالبًا ويموتون وهم مجهولون، ويوجد منهم أربعة آلاف لا يعرف أحدهم الآخر، كما لا يتبينون جمال حالهم، وهم مستورون في كل الأحوال عن أنفسهم وعن الخلق أجمعين" (١).
ولهذا فحين سئل أحدهم عن الله تعالى، وعن الولى، أيهما معرفته أصعب؟ قال: معرفة الولى أصعب من معرفة الله تعالى.
حتى بلغ ببعضهم أنه قال: "من ادعى إنه ولي يموت كافرًا؟ .
وقال: إن الولي لو كشف للناس لعبدوه؛ لأن حقيقة الولي أنه يسلب من جميع البشرية، ويتحلى بالأخلاق الإلهية ظاهرًا وباطنًا (٢).
- وتعظيمًا لشأن الولاية وإغراقًا في الانحراف الغالى اتجاهها، فإن بعض الصوفية أمثال الحكيم الترمذي، وابن عربى، يرون ختمها بما يسمى: خاتم الأولياء، ولابن عربي كلام خطير في هذا المنحى، يفصل فيه وجهة نظره في تفضيل خاتم الأولياء على خاتم الأنبياء، وكان هذا الاعتقاد منه برهانًا اعتمده العلماء في تكفيره (٣).
رأي الشيخ الصاوي:
حقيقة الولي:
يعرف الصاوي الولي في اللغة، فيقول: "الولى من الولاء وهو العز والقرب والنصرة.
أما في الاصطلاح، فيقول في معنى الأولياء: "جمع ولي وهو المواظب على الطاعات، التارك للمنهيات، المعرض عن اللذات والشهوات، فلا يفعل شهوة من حيث هي شهوة، بل أفعاله دائرة بين واجب ومندوب، مثل: يأكل بقصد التقوى
_________________
(١) تاريخ التصوف في الإسلام، الدكتور: قاسم غني: ٣٣٧.
(٢) انظر: إلى التصوف يا عباد الله، للشيخ الجزائري: ٣٧. مع تصرف يسير.
(٣) انظر: فصوص الحكم: ١٦١ - ١٦٤. وانظر: مجموع الفتاوي: (٣/ ٢٢٣).
[ ٧٨٣ ]
على الطاعات، وينكح بقصد عفة الزوجة والنسل، وبالجملة فأفعاله ليست بشهوات" (١).
ويعلل سبب تسميته بذلك، فيقول وسموا بذلك لأنهم هم المنصورون بالله المعززون به لا يطمعون في شيء سوى القرب منه".
وذلك لأن أصل كلمة ولى: "فعيل: إما بمعنى فاعل أي متولى خدمة ربه بكل ما أمكنه بروحه وجسمه ودنياه.
أو بمعنى مفعول، أي تولى الله إكرامه وعطاياه ونفحاته، فلم يكله لشيء سواه، فحيث تولى الخدمة تولاه الله بالنعمة والنفحة".
ولكل ما سبق فإن معنى الولي: هو "المنهمك في طاعة ربه الذي أفيضت عليه الأنوار والأسرار، لما ورد في الحديث: (من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) " (٢).
صفات الولي:
ولهذا الذي سبق بيانه من تعريف الولي يمكن معرفة العلامات التي يتأتى بها معرفته وتمييزه عن غيره، يقول: "وعلامة الولى كما في الحديث: سئل رسول الله عن علامة الأولياء، فقال: (هم الذين إذا رؤوا ذكر الله) (٣).
وسبب ذلك ظهور أنوار المعرفة الكائنة في قلوبهم على ظواهرهم، وذلك سر قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
- وكانت هذه العلامة للولى - كما بين الصاوي - دليلًا على اتصافه بأكرم الصفات من معرفة الله وتقواه، وهذا ما فصل القول به عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٥٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، رقم الحديث: ٧٤٠٥.
(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب قول الله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، رقم الحديث: ١١٢٣٥: (٦/ ٣٦٢).
[ ٧٨٤ ]
يقول: "هذه الجملة مستأنفة، واقعة في جواب سؤال مقدر تقديره ما صفات أولياء الله؟ .
فأجاب: بأنهم الذين اتصفوا بالإيمان والتقوى، والمعنى: أن أولياء الله هم الذين اتصفوا بالإيمان، وهو: الاعتقاد الصحيح المبني على الدلائل القطعية.
والتقوى وهي: الامتثال بالمأمورات، واجتناب المنهيات على طبق الشرع.
ولكن اتصاف الولى بالتقوى - في نظره - لا يمنع من وقوعه في المعصية؛ لعدم العصمة، يقول في قصة أخوة يوسف - ﵇ -: "إنه على القول بعدم نبوتهم ففعلهم باقٍ على ظاهره ولا تأويل فيه، لأن الولي تجوز عليه المعصية، ولكن لا يصر عليها بل يتوب، وهؤلاء آل أمرهم لحسن التوبة" (١).
شرط الولاية:
ولما تقدم فإنه يرى أن للولاية شروطًا لا يمكن لأحد أن يتصف بها دون أن تقوم به هذه الشروط، يقول: "إن شرط الولاية المعرفة بالله ﷾، وظهور نور الإيمان له حتى يكون مراقبًا لله في جميع أحواله، فينتج ذلك أنه يستدل بالحق على الخلق، عكس العوام (٢).
"فشرط الولي أن يكون محفوظًا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصومًا، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرر مخادع.
قال الإمام الشافعي وأبو حنيفة: إذا لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي، وذلك في العالم العامل بعلمه" (٣).
وإذا كان الصاوي يرى وجوب الالتزام بالشرع في حق الولى وأنه من ظهر منه خلاف ذلك فليس له ولاية في حقيقة الأمر، إلا أنه في موضع آخر يخالف هذا عند حديثه عن آداب المريد مع الشيخ، حيث يوجب احترامه وتوقيره "وعدم
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٢١٩ - ١٨٢).
(٢) حاشية الجوهرة: ١٠.
(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ١٨٢).
[ ٧٨٥ ]
الاعتراض عليه في شيء فعله، ولو كان ظاهره أنه حرام، ويؤول ما أنبههم عليه" (١).
ومما لا يرى اشتراطه لنيل الولاية التمكن من أنواع العلوم، عدم التعمق في العلوم الشرعية ليس مانعًا من الولاية، يقول: "أما العلم بالأحكام الشرعية كالأنكحة والبياعات، وغير ذلك فإن هذا ليس شرطًا بإجماع العارفين" (٢).
وبناء على ما سبق فإن كل عالم عامل ولي، وليس كل ولي عالم عامل، فقد يكفيه الحد المتوسط من العلم الذي يحمله على الإخلاص، فهو أساس الولاية وسرها الأوحد.
- وهذا ما أشار إليه، في قوله: "وقال العارفون: معرفة الولي أصعب من معرفة الله تعالى، فإن الله معروف بكماله وجلاله، لأن ولايته متوقفة على إخلاصه في العمل لربه، والإخلاص سر بين العبد وربه لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده، فإذا علمت ذلك فالخلق لا تعرف من بعضها إلا الظاهر، ويجب عليهم تحسين الظن، حيث حسن الظاهر، والله متولى السرائر" (٣).
* * *
الفرق بين الولي والدعي:
وهو بهذه التنبيهات والقيود والشروط للاتصاف بالولاية؛ يؤكد على أن هناك الكثير ممن يدعي الولاية، وليس لهم منها في الحقيقة سوى الاسم، حيث خالفوا طريق السلامة في الاستقامة على الشريعة، يقول: "أما المشتبهون بلبس الخرق، المنهمكون في الشهوات، وأنواع الجهالات، ولا يعرفون من طريقة شيخهم إلا اسمها، وينكبون على الدنيا انكباب الأسد على الفريسة، ويخترعون أمورًا لا تحل في الشرع، كالطبول والزمور والكاسات، خصوصًا في مساجد الله، ويكثرون من
_________________
(١) حاشية الخريدة: ٧٦.
(٢) المرجع السابق: ١٠.
(٣) حاشية الصلوات: ٥٩.
[ ٧٨٦ ]
وقيد الزيت والشموع، ويزعمون أنها طريقة الرحمن، كلا والله، بل طريقة الشيطان" (١).
جزاء الأولياء:
- وكان حديثه في جزاء الأولياء وما أعد الله لهم، مما فصل القول به وذلك عند قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فقد ذكر في ذلك الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب - ﵁ -، فقد روى عنه أنه قال: قال النبي - ﷺ -: (إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى.
قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور: لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾) (٢).
أما في بيان الشق الثاني من الجزاء وهو البشرى، فيفسرها بما فسرها به النبي - ﷺ -، حيث قال: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات). قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة) (٣).
فإن الرؤيا الصالحة، كما قال النبي - ﷺ -: (جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) (٤)
ولا يكتفي بهذا التفسير بل يورد ما قيل في معنى البشرى من أقوال: "قيل: المراد بالبشرى في الحياة الدنيا: نزول الملائكة بالبشارة من عند الله عند الموت، ويدل
_________________
(١) حاشية الصلوات: ٧٧ - ٧٨.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الإجارة - باب في الرهن، رقم الحديث: ٣٥٢١: (٤/ ١٩٠). صححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم: ٣٠١٢: (٢/ ٦٧٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التعبير - باب المبشرات، رقم الحديث: ٦٩٩٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التعبير - باب الرؤيا الصالحة، رقم الحديث: ٦٩٨٧.
[ ٧٨٧ ]
عليه قوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
وقيل: البشرى في الحياة الدنيا: الثناء الحسن، ومحبة الخلق لهم، لما ورد عن أبي ذر - ﵁ -: قيل لرسول الله - ﷺ -: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: (تلك عاجل بشرى للمؤمن) (١).
وورد أيضًا: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادى جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) (٢).
قال بعض المحققين: إذا اشتغل العبد بالله ﷿ استنار قلبه، وامتلأ نورًا فيفيض من ذلك النور الذي في قلبه على وجهه، فيظهر عليه آثار الخشوع والخضوع، فيحبه الناس ويثنون عليه، فتلك عاجل بشراه بمحبة الله له ورضوانه عليه.
وقيل: البشرى في الحياة الدنيا ظهور الكرامات، وقضاء الحوائج بسهولة، فكلما توجه العبد المحبوب لشيء من أموره قضى عاجلًا.
والأحسن: أن يراد بالبشرى في الدنيا جميع ما تقدم، وأعظمها: التوفيق لخدمة الله، وراحة الجسد في طاعة الله، وانشراح الصدر لذلك.
وأما البشرى في الآخرة، فالجنة وما فيها من النعيم الدائم، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢].
طرق الولاية:
- وقد تعرض الصاوي لمسألة مهمة مما يتعلق بالولاية، وكان رأيه فيها يعتبر نوع
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة - باب المرء مع من أحب: (١٦/ ١٨٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الخلق - رقم الحديث: ٣٢٠٩.
[ ٧٨٨ ]
امتداد لتعريفه للولى، وبيان صفاته، وما يشترط فيه، وهي: هل الولاية مكتسبة؟ أم هي محض عناية من الله تعالى؟ يقول على جهة التفصيل: "قال بعضهم: الولاية مكتسبة.
وقال بعضهم: كالنبوة ليست مكتسبة.
فمن قال: مكتسبة وأراد بها التخلي عن الأغيار، وشهود الواحد القهار، فإنها مكتسبة بالمجاهدة، كما علمت.
وأما الولاية بمعنى العطايا التي خصت بها العنايات كالعلوم اللدنية، والكشف على المغيبات والاجتماع بسيد العالمين، والكرامات: فليست مكتسبة، بل قد يكمل الشخص ولا يحصل له شيء من ذلك" (١).
وهو بهذا يقرر استقلال الإلهام في اعتماد معرفة العلوم الغيبية، إلا أنه في موضع الحكم على الإلهام يرى مفارقته للوحي من حيث انعدام العصمة لهم، يقول: "غير أن إلهام الأولياء لا مانع من اختلاط الشيطان به؛ لأنهم غير معصومين بخلاف الأنبياء، فإلهامهم محفوظ منه" (٢).
فضائل الأولياء:
- ولكل هذه الخصائص التي قد تتحصل للأولياء فإن الصاوي يرى مشروعية التبرك بهم على نحو لا يكون لغيرهم من عامة المسلمين، يقول عند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت: ٤١]: "حمل المفسر - السيوطي - الأولياء على الأصنام مخرج للأولياء، بمعنى المتولين في خدمة ربهم، فإن اتخاذهم بمعنى التبرك بهم والالتجاء لهم والتعلق بأذيالهم مأمور به، وهم أسباب عادية: تنزل الرحمات والبركات عندهم، لا بهم، خلافًا لمن جهل وعاند، وزعم أن التبرك بهم شرك" (٣).
_________________
(١) المرجع السابق: ٦٨.
(٢) حاشية الجلالين: (٤/ ٤٢).
(٣) حاشية الجلالين: (٣/ ٢٢٢).
[ ٧٨٩ ]
زمن الولاية:
- ومما أتم به الحديث عن الولاية: فترتها الزمنية الممكنة، حيث بين أن الولاية باقية ببقاء القرآن وتختتم برفعة وبموت عيسى، ويعلل ذلك بقوله: "لأنه ما دام المتذكرون للقرآن المعتبرون به فهو باقٍ، فعلامة انعدام الأولياء رفع القرآن".
وبهذا تبين أن كل ما يحدث في خلال هذه المدة، مما قد يظن في ظاهره انعدام وجود الولي، كنزول البلايا وحلول الفتن، فلا يعد في حقيقته مانعًا لوجود الأولياء، يقول: "ونزول البلايا ليس دليلًا على عدم وجود الأولياء، فإن البلايا كانت تنزل في زمن الأنبياء، وفي الحديث: "يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث) (١) " (٢).
المناقشة:
حقيقة الولاية:
عند سبر أقوال الصاوي في هذا المبحث، يظهر جليًا موقفه المعتدل مقارنة بما سبق بيانه من الاتجاهات الصوفية الغالية، فالصاوي يرى وجوب التمسك بالشرع، ببيان أن الاستقامة هي طريق الولاية الأوحد، فالتقوى والإيمان هي من أهم صفات الولي كما أشار إلى ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
فحقيقة الولاية؛ كما تقدم هي متابعة المولى تعالى في أمره ونهيه، حتى يكون موافقًا له في مراده المحبوب، وهذا هو مقتضى الإيمان الشرعي الذي يحمل على التزام التقوى ومجانبة الهوي، وعليه فإن المقياس الصحيح في ثبوت وصف الولاية للمعين هو المتابعة التامة للمأمور الشرعي "إذ الولي لا يكون وليًا لله إلا بمتابعة الرسول باطنًا وظاهرًا فعلى قدر المتابعة للرسول يكون قدر الولاية" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب قصة يأجوج ومأجوج، رقم الحديث: ٣٣٤٦.
(٢) حاشية الجوهرة: ٤٥.
(٣) فتاوى شيخ الإسلام: (٢/ ٢٢٥).
[ ٧٩٠ ]
فـ "أصل الولاية الحب، وهذا لأن حقيقة التوحيد ألَّا يحب إلا الله، ويحب ما يحبه الله الله، فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله" (١).
فإذا تحقق هذا الأصل في قلب العبد فإنه "يصير محبًا لما أحب الرب مبغضًا لما أُبغض، مواليًا لمن يوالي، معاديًا لمن يعادي، "فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذي يحبه الله ويرضاه، وهذا مما يدخل في موالاة العبد لربه، وموالاة الرب لعبده، فإن الولاية ضد العداوة، والولاية تتضمن المحبة والموافقة، والعداوة تتضمن البغض والمخالفة" (٢).
ويعرف الحافظ ابن حجر - ﵀ - الولي وفق هذا المفهوم السلفى، فيقول: "المراد بولى الله العالم بالله تعالى، المواظب على طاعته المخلص في عبادته".
ولهذا فقد استحق الولي موالاة الله له بإتمام نعمته عليه وهدايته إلى الصراط المستقيم: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. ومن هنا فإن كل من ثبت له وصف الإيمان فإنه ولي لله تعالى، يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في بيان هذه الحقيقة: "فإن الله قد وصف الولى بصفة المؤمن فقال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وهذه صفة المؤمن ثم لا يجوز أن يصف نفسه بأنه ولي وكذلك المؤمن، ولأنه إنما يكون وليًا بتوليه لطاعات الله وقيامه بها كالمؤمن - و- لأن الولاية هي القرب من الله ﷿؛ فولي الله هوالقريب منه المختص به، والولاء هو في اللغة القرب، ولهذا علامات وأدلة وله أسباب وشروط وموجبات، وله موانع وآفات وقواطع".
ومع هذا إلا أن المؤمنين في ثبوت الولاية لهم على مراتب، فكما أن أهل الإيمان على درجات متفاوتة فيه؛ فكذلك حالهم مع الولاية، فإنه بحسب التزام العبد بمقتضيات الإيمان يكون حظه من ولاية الله تعالى له، وكأن منزلة الولاية التامة - بمعناها الخاص - مقارنة لمرتبة الإحسان من حيث ملازمة أسباب القرب،
_________________
(١) المرجع السابق: (١٠/ ٤٦٥).
(٢) المرجع السابق: (٥/ ٥١٠).
[ ٧٩١ ]
واكتمال أوصاف العبودية، يقول ابن القيم متممًا حديثه في هذه الحقائق: فـ "ولاية الله تعالى نوعان: عامة وخاصة، فالعامة: ولاية كل مؤمن، فمن كان مؤمنًا لله تقيًا كان له وليًا، وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه. .
والولاية الخاصة: إن من علم من نفسه أنه قائم لله بجميع حقوقه، مؤثر له على كل ما سواه في جميع حالاته، قد صارت مراضي الله ومحابه هي همه، ومتعلق خواطره، يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه، وإن سخط الخلق؛ فهذا إذا قال: أنا ولي الله، كان صادقًا" (١).
وإذا علمت حقيقة الولاية أدركت درجات التفاضل بين الأولياء فيكون "أفضل أولياء الله هم الأنبياء، وأفضل الأنبياء هم المرسلون، وأفضل الرسل هم أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ومحمد - ﷺ -، وأفضل أولي العزم نبينا محمد - ﷺ -، وهو الذي أنزل سبحانه عليه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فجعل سبحانه صدق محبة الله ﷿ متوقفة على اتباعه، وجعل اتباعه سبب حصول المحبة من الله سبحانه" (٢).
فبتحقق الاتباع من العبد وفق الطريقة النبوية؛ يتحقق البرهان الأوحد على صدق المحبة التي هي أصل الولاية وغايتها، فعلاقة الاتباع بالولاية حينئذ علاقة تلازم واقتضاء لا يصلح انفكاكها عنه، وإلا فسد الإدعاء وصار كحال اليهود والنصارى حيث قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه﴾، فجاء الرد عليهم بما يدل على عدم إتيانهم بمقتضى المحبة من الاتباع والتزام أسباب النجاة: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨].
وقد أكد الصاوي على أن هذه هي حقيقة الولي في مقابل الدعي الذي لم يلتزم طريق الولاية الحقة من اتباع الطريقة النبوية، فخالفها إلى الابتداع بارتكاب أمور ما
_________________
(١) بدائع الفوائد: (٣/ ٦٢١).
(٢) قطر الولى على حديث الولى، للشوكاني: ٢٣٨.
[ ٧٩٢ ]
أنزل الله بها من سلطان، كاستخدام الطبول والزمور والكاسات خصوصًا في مساجد الله، فقد أجاد - ﵀ - ببيان بطلان هذه المحدثات وأن من ادعى ولايته على أساسها فهو موافق لطريقة الشيطان لا طريقة الرحمن.
وبهذا فالصاوي قد وافق منهج السلف الصالح في تحديد الطريق إلى الولاية، ومع ذلك فلم تمنعه هذه البداية المسددة من الانحراف في بقية مقتضيات الولاية ومستلزماتها، وسأقوم بتناول هذه الملاحظات على جهة الترتيب، كما أوردتها في أقواله:
١ - شروط الولي: إن ما ذكره الصاوي من أن الولى يشترط لصحة ولايته أن يتعمق في تقوى الله ومراقبته؛ حتى يستدل بالحق على الخلق، فحقيقته اعتقاد أن معرفة الله تعالى من أعرف المعارف أي من الضروريات، التي يستدل بها ولا يستدل لها، ومع التسليم له بهذه الحقيقة إلا أن هذا لا يخرج عن كونه فناء في ربوبية المولى، ولم يكن هذا هو المقصد الأعظم من إرسال الرسل وإنزال الكتب، بل حقيقة التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء هو إفراد الله تعالى بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.
وهذا يرجع إلى ما أسلفت الحديث عنه، من أن معرفة الله تعالى فطرية في النفوس، وإنما كانت الخصومة فيما تقتضيه هذه المعرفة، من وجوب إفراد الله بالعبادة على الطريقة التي شرعها، وأنزلها على أنبيائه ورسله.
بقى معرفة حقيقة الاستدلال على وجود الله بالخلق هل هو - كما يدعي الصاوي - من مسالك العوام في معرفة الله، دون الخواص من الأولياء؟
إن مصادر التلقي الشرعية، التي هي محور الاستدلال الديني، لتدل في الكثير من مواضعها على شرعية هذا المسلك، بل وعلى بيان فضله ومنزلة سالكيه، فالآيات والأحاديث في هذا كثيرة، مما يصعب استقصاؤه هنا، ولعلى اكتفى منها بقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
[ ٧٩٣ ]
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١].
إن هذا القرآن الذي جاء ليخاطب الفطرة الإنسانية بما أودع فيها من ركائز، ليسمو بالمخاطب في درجات العبودية بحثه على إعمال تلك الركائز المودعة فيه، فيجعل منها طريقًا يصل به إلى إدراك أسمى المعارف والعلوم الدينية، فليس ثمة تناقض بينها، وليس في اعتمادها ما يشين العبد، كما يظن أمثال هؤلاء المتصوفة، إن السبيل الأوحد لمرضاة الله تعالى هو موافقة المنهج القرآني، الذي يرسم الطريق الأمثل في إدراك حقائق العبودية، ذلك السبيل الذي يتسم بتحقيق التوازن بين القدرات البشرية، وبين متطلبات العبودية، دون إفراط أو تفريط.
- ومما اشترطه الصاوي لأجل الولاية الحفظ، وعلل ذلك بأنه من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرر مخادع، ومع ما قدمت من بيان أصل هذا المعتقد عند الصوفية، وأن مقصودهم بذلك هو اعتقاد العصمة للولى، بحيث لا يمكن أن يتردى عن هذه المنزلة التي وصل إليها، واعتمدت من كلامهم الكثير في هذا مما أورده الكلاباذي، حيث عمد إلى عقد مقارنة بين النبي والولي، ببيان أنه كما لا يجوز سلب مقام النبوة عن النبي بعد اختياره لها، فكذلك لا يجوز هذا في حال الولي.
فإذا كنت قد أشرت إلى أن مرادهم بهذا الحفظ هو عدم الاعتراض على الولي؛ حتى ولو أتى بما يخالف الشرع، فإن ما وقع به الصاوي من التناقض في هذا المجال، ليدل صراحة على هذا المعنى، حيث أوجب على المريد تعظيم الشيخ، وعدم الاعتراض عليه، حتى ولو أتى بما يخالف ظاهر الشرع، وأن على المريد تأويل تلك المخالفة بما لا يخلع عن الولي مهابة الحفظ، التي توجب الاتباع والتقدير.
يقول شيخ الإسلام في بيان حقيقة الحفظ: "وكثير من الغلاة في المشايخ يعتقد أحدهم في شيخه نحو ذلك، ويقولون: الشيخ محفوظ، ويأمرون باتباع الشيخ في
[ ٧٩٤ ]
كل ما يفعل، لا يخالف في شيء أصلًا، وهذا من جنس غلو الرافضة والنصارى والإسماعيلية: تدعى في أئمتها أنهم كانوا معصومين" (١).
وإذا علم هذا تبين أن ما يدعيه الصوفية في حفظ الولي مخالف لمقتضى البشرية، وهذا ما ظهر من موقف الصاوي المتناقض حيث حصر أفعال الأولياء في دائرة الواجب والمندوب فلا تخرج عنها، ومع ذلك جوز المعصية عليهم في حديثه عن الأسباط وما قيل في حقيقتهم، ومن ثم فهو محاولة منهم في تزكية المشايخ؛ حتى لا يعترض عليهم معترض، وكل هذا مما لا أصل له من الشرع المطهر، فها هو أبو بكر الصديق - ﵁ -، وهو خير من طلعة عليه الشمس بعد الأنبياء والرسل، يقول في خطبة توليه الحكم: "يا أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن ضعفت فقوموني، وإن أحسنت فأعينوني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، الضعيف فيكم القوي عندى حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم الضعيف عندى حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالفقر، ولأظهرت - أو قال: شاعت - الفاحشة في قوم إلا عمهم البلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم" (٢).
٢ - معرفة الولي:
وما ذكره الصاوي من أن معرفة الولي أصعب من معرفة الله؛ لأن أساس الولاية الإخلاص وهو سر بين العبد وربه، فيه مقارنة لا وجه لها إذ أن معرفة الله تعالى فطرية في الخليقة، فليس ثمة مجال للمقارنة بينهما، ثم إن في هذا رفع لمقام الولاية، بما لا يليق؛ فلا وجه لمقارنة الرب تعالى بخلقه.
كما أن فيه نوعًا من المبالغة في سرية الولاية وتضيقًا لدائرتها، مع أن المولى تعالى قد أثبتها لكل من سلك سبيل الإيمان، معتصمًا فيه بتقواه وملاحظته.
_________________
(١) منهاج السنة: (٦/ ١٨٩).
(٢) مصنف عبد الرزاق - كتاب العلم - باب لا طاعة في معصية، رقم الحديث: ٢٠٧٠٢: (١١/ ٣٣٦).
[ ٧٩٥ ]
٣ - آثار الولاية، وهذا ما عبر عنه بفيض الأنوار والأسرار، وإن كنت قد أفردت الحديث عنه لاحقًا في مبحث الكرامة، فيحسن أن أبين ما في هذا الكلام من غموض قد يدل على انحراف في مقتضيات الولاية، فمع أن الصاوي لم يوضح مراده من الأنوار والأسرار هنا، إلا أنه يمكن فهم مراده منها من خلال تتبع آرائه في مختلف مؤلفاته العقدية، فإن الصاوي قد قصر علم الإشارة الذي يدرك به أسرار التنزيل على الأولياء كما قدمت الحديث عنه في مبحث القرآن، وجعله من العلوم الخاصة التي لا تكشف لأهل الظاهر، كما يرى، ولا شك أن هذا اعتقاد ليس يسنده شيء من أدلة الشرع والدين، فلا أسرار ولا باطن بل العلم هو ما جاء به النبي المرسل لكل الناس، فلا يختص إدراكه لأحد منهم بلا سبب كوني أو شرعي (١).
طرق الولاية:
يعرض الصاوي لمسألة مهمة وهي هل الولاية مكتسبة أم لا؟ واستنادًا إلى ما ذهب إليه من وجوب التمسك والاستقامة؛ فإنه يرى أنها مكتسبة، ولكن في تعبيره عن هذا بالشهود والتخلي مما يقضي بأن وصول العبد إلى مقام الفناء هو مفتاح الولاية، وغاية التزام التقوى، وهذا مما سيرد تفصيله في مبحث مستقل، حتى يتسنى معرفة حقيقته في الميزان الشرعي، وفق ما أريد به على لسان القوم.
وتكفي الإشارة هنا إلى بدعية هذه المفاهيم، لانعدام مستندها من فعل النبي - ﷺ - وصحابته الكرام.
وهو بهذا يرى أن مقتضيات الولاية الأخرى، والتي تعني في المفهوم الصوفي: الكرامات والعطايا المترتبة على التزام مقام الولاية، ليست مما يمكن تحصيله بالاكتساب؛ فهي محض فضل يختص المولي به من يشاء من عباده، فقد يكمل الشخص ولا يتحقق له شيء من ذلك. وهذا المعتقد في بادئ الأمر دون الخوض
_________________
(١) وسيأتي تفصيله لاحقًا في مبحث الكرامة بإذن الله: ٨٠٣.
[ ٧٩٦ ]
في تفاصيل هذه المواهب مما يسلم له، فليست الكرامة هي دليل الولاية وبرهانها، بحيث لا يمكن ثبوت الاتصاف بها إلا مع التحلي بتلك العطايا والكرامات. وأعني بها: الكرامة في معناها الخاص، وهي ما يتحصل به خرق العادات، كالسير على المياه ومعرفة ما قد يقع في المستقبل، عن طريق الإلهام الكشفي أو المنامي مثلًا.
ولكن هنا ما يجب التنبيه إليه: فكما أن هذه المواهب مما لا يتوقف ثبوت الولاية عليها، فليست مانعًا من قيامها بالعبد، فكذلك الحال مع وجودها؛ أعني أن تحققها في المكلف لا يدل على ولايته، وهذا ما لم يفطن إليه الصاوي.
وعليه فالكرامة بهذا المفهوم الخاص قد فقدت مقومات الدلالة، فمن المقرر أنه إذا وجد الدليل وجد المدلول "فإن الدليل ملزوم للمدلول عليه، وإذا تحقق الملزوم تحقق اللازم وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فإذا ثبت الدليل ثبت المدلول عليه، وإذا فسد المدلول عليه لزم فساد الدليل" (١).
يقول العلامة الألوسي: "وأحسن ما يعتمد عليه في معرفة الولاية اتباع الشريعة الغراء، وسلوك المحجة البيضاء، فمن خرج عنها قيد شبر بعد عن الولاية بمراحل، فلا ينبغي أن يطلق عليه اسم ولي، ولو أتى بألف ألف خارق، فالولى الشرعي اليوم أعز من الكبريت الأحمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله:
أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها" (٢)
أما ما ذكر إمكان حصوله من الأمور الغير مكتسبة للولى كالعلم بالمغيبات، والعلوم اللدنية والاجتماع بسيد العالمين، فهذا فيه تفصيل، لأن العلم بالغيب وإن وقع بطريق الكشف والإلهام المقرر شرعًا، إلا أنه لا يستند إليه في أمر أخروي على جهة الإطلاق.
إن مهمة الرؤيا الصادقة كواحدة من أهم مسالك الإلهام للعبد لتقف عند حد التبشير، كما بين ذلك المولى بقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام ابن تيمية: (٢/ ٤٢).
(٢) روح المعاني: (١١/ ١٤٩).
[ ٧٩٧ ]
تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤]، أما ما عدا ذلك من وظائف الوحي، كالبلاغ كمثلًا، فليس لها أي تأثير فيها، لأن هذه المهمة متعلقة بالرسالة لتكفل المولى تعالى بالعصمة لأنبيائه من اختلاط الشياطين ومضلاتهم.
أما ما ذكره من الاجتماع بسيد العالمين النبي - ﷺ -، فإنه لم يحدد مراده بهذا الاجتماع، متى يكون وكيف وأين؟ وما هي عمدته في تحققه؟ ولكن يكفي فيه أنه باطل لا حقيقة له شرعًا؛ فلا يجتمع أحد برسول الله - ﷺ - بعد مماته أبدًا إلا في المنام فإنه - ﷺ - قال: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتخيل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) (١)، أما في اليقظة فالنبي بشر قد توفاه الله، وعلم ذلك بالضرورة الشرعية والعقلية والعرفية، وهذا الاعتقاد مشهور عن الصوفية، فإنهم يعتقدون بالحضرة ويقيمون من أجلها الموالد والحفلات، ويقرؤون الأشعار والابتهالات، حتى إذا لبس عليهم الشيطان وأنساهم ذكر الله ظنوا أن النبي حاضر بينهم، وما هو إلا شيطان أغواهم لما صرفوا أنواع العبادة لغير الله تعالى من التوسل والاستغاثة والدعاء والذكر.
وفي المبحث التالي مزيد بيان لارتباط هذه المفاهيم بحقيقة الكرامة.
فضائل الأولياء:
يرى الصاوي مشروعية التبرك بالأولياء؛ موافقة لمذهب الصوفية في هذا الاعتقاد، ولأن هذا المبحث من مفردات توحيد الإرادة؛ فقد قدمت الحديث عنه في مبحث التوحيد، مبينة أن لفظ التبرك من الألفاظ المجملة، التي تشتمل على معنى حق مراد من جهة الشرع، وآخر بدعي شركي كثر خوض الناس فيه بالباطل، وقطعًا فإن هذا المعنى الباطل من قوادح التوحيد التي أتى فيها الوعيد مفصلًا.
وليس هذا مجال تفصيل ما تقدم، ويكفى التنبيه إلى أن التبرك بذوات الأولياء مما ليس له مستند شرعي، فحقيقته ابتداع لا حجة له من الكتاب أو السنة.
أما التبرك بدعاء الأولياء، وحضور مجالس ذكرهم ومحبتهم، فهذا من التوسل
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب التعبير - باب: من رأى النبي - ﷺ - في المنام، رقم الحديث: ٦٥٩٣.
[ ٧٩٨ ]
المشروع، الذي لا يخرج العبد من دائرة التوحيد فحقيقته أخذ بالأسباب المشروعة الممدوحة، التي جاء بها الوحي المظهر.
ويظهر من كلام الصاوي هنا تشبثه بنفي السببية حتى أنه يرجع حصول البركة من المشايخ بالاقتران العادي لا بالسبب المقتضى، ولا شك أن هذا يظهر تمسكه بأشعريته حتى في تحرير كلام الصوفية واعتقادهم في أوليائهم، وإن كان الحديث هنا منصبًا على بيان حقيقة البركة المشروعة ورد ما عداها من المبتدعة، فإن القول بأن البركة التي تحصل شرعًا من المشايخ ترجع إلى مجرد العادة لا السبب القدري فهذا غير صحيح، لأن الله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها فكونه تعالى يخلق السبب سواء كان شرعيًا أم كونيًا في أمر من الأمور فإن هذا يؤكد على حقيقة تأثيره بمشيئة الله وتقديره، فلو شاء لأبطل الأسباب ولو شاء لتحقق مقتضاها مع توفر شروطها وانتفاء موانعها.
أما عن التبرك الغير مشروع، نعود إلى التأكيد على أهمية التوحيد، فإن من أسمى مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الدين، وأساس الدين توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له، فهو حق الله الأعظم الذي أنيط بتحققه قبول العمل الموجب لدخول الجنة والنجاة من النار.
فلا غرو إذًا أن يأتي الشارع الحكيم بسد ذرائع الشرك التي كانت سببًا في وقوع أمم من الجن والإنس في الشرك الأكبر المخرج من الملة، ولعلي أذكر أمثلة لحرص المصطفى - ﷺ - على صفاء المعتقد وخلوصه من أدران الشرك، فـ "عن عبد الله بن الشخير قال انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي - ﷺ - فقلنا: أنت سيدنا، فقال: (السيد الله تعالى)، قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا، فقال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان) (١).
وهذا كله من حماية النبي - ﷺ - جناب التوحيد، وكما قال لمن قال تعالوا بنا
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأدب - باب في كراهية التمادح، رقم الحديث: ٤٧٧٣: (٥/ ٢٧٨) وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم: ٤٠٢١: (٣/ ٩١٢).
[ ٧٩٩ ]
نستغيث برسول الله - ﷺ - من هذا المنافق قال: (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله) " (١).
ومن هنا كان التوسل بذوات الأولياء، من أعظم ذرائع الشرك، فقد تسبب هذا المعتقد في ضلال قوم نوح.
كما أن أساس الشرك الذي وقع فيه كفار مكة؛ مرده إلى هذا التوسل الشركي، حيث ظن مشركو قريش أن لهذه الآلهة منزلة عند الله، تقربهم بعبادتها، والتبرك بها، والتعلق بأذيالها من المولى تعالى.
ولما كانت العبادة توقيفية، فليس للعقل فيها استقلال عن الشرع؛ فقد حرم التبرك بذوات الصالحين، وعد الوقوع به من ألوان الابتداع الذي يقدح في جناب التوحيد، وبحسب درجة الاعتقاد في ذلك التبرك؛ يقرب هذا الابتداع من دائرة الشرك أو يدخل فيها.
فمن ظن أن لهؤلاء الأولياء نوع نفع أو ضر، ولو على غير جهة الاستقلال - وهذا هو حال من يعتقد البركة فيهم، إذ حقيقة التبرك هو طلب البركة بالزيادة والنفع - كما ظن أولئك المشركون في آلهتهم، فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، إذ العلة في دخول أولئك في الشرك مع فعل هؤلاء واحدة، فلم يكن الدافع لأولئك في توسلهم بالآلهة اعتقاد انفرادهم بالضر أو النفع، فقد كانوا يعلمون بأنهم عبيد الله، يصدق ذلك قولهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك.
وأساس هذا المنع: أعني به التبرك بالذوات من جهتين: الأولى من جهة وجوب إفراد الله تعالى بأفعال الربوبية، فإن في نسبة نوع من الضر أو النفع لأحد لم يرد في استحقاقه ذلك دليل كوني أو شرعي، محض تحكم على المولى تعالى، كيف وقد أمر المصطفى وهو خير من طلعت عليه الشمس أن يعلن افتقاره إلى ربه بقوله:
_________________
(١) تقدم تخريجه، معارج القبول: (٢/ ٥٣٢).
[ ٨٠٠ ]
وقد أمر المصطفى وهو خير من طلعت عليه الشمس أن يعلن افتقاره إلى ربه بقوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾.
أما الجهة الأخرى وهي في الحقيقة مستلزمة للأولى: حفظ لإرادة العبد من التعلق بغير الله تعالى، فينصرف لأجله نوع من أنواع العبادة التي لا تنبغي إلا لله، كالخوف أو الرجاء أو المحبة لذلك الولى، مما يؤدي إلى الوقوع في الشرك المخرج من الملة، فمن المعلوم أن أساس التوحيد هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد، وفي الحديث الصحيح: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) (١).
وهذا التوحيد هوالذي حصلت فيه الخصومة بين الأنبياء والأمم، فكان أساس دعوتهم لأقوامهم يستند إلى تحقيقه، وتخليص العقائد من معوقاته وموانعه، وأكتفى بهذا البيان هنا (٢).
مدة الولاية:
لقد وافق الصاوي في هذه المسألة معتقد أهل السنة والجماعة؛ فظهر اعتداله في التفكير الصوفي جليًا هنا، فمن المسلم به أن الولاية ليست مقيدة بزمن معين، فهي باقية ببقاء أهل الإيمان وقراءة القرآن، فمع وجود المقتضى من الإيمان والتقوى، وانتفاء المانع من الإفراط أو التفريط؛ يتحقق مقام الولاية لمن اكتملت فيه هذه المقومات الموجبة لاتصافه بها.
وعليه فلا أساس لدعوى القائلين بختم الولاية من الصوفية، يقول شيخ الإسلام في هذه الحقيقة: "ولفظ خاتم الأولياء لا يوجد في كلام أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا له ذكر في كتاب الله ولا سنة رسوله، وموجب هذا اللفظ أنه آخر مؤمن تقي فإن الله يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فكل من كان مؤمنًا تقيًا كان الله وليًا، وهم على درجتين: السابقون المقربون،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير - باب اسم الفرس والحمار، رقم الحديث:
(٢) انظر: مبحث التوحيد: ١٦٥.
[ ٨٠١ ]
وأصحاب اليمين المقتصدون، كما قسمهم الله تعالى في سورة فاطر وسورة الواقعة والإنسان والمطففين" (١).
أما الشق الثاني من هذه الدعوى الباطلة، وهو اعتقاد أفضلية خاتم الأولياء، فليس ثمة ما يستند إليه في ذلك، بل الأدلة تقطع بأفضلية القرون الأولى، وهذا في حال أهل الإيمان عامة، فما بال المقارنة بخاتم الرسل - عليه أفضل الصلاة والتسليم - إن العلم بتفضيله على سائر الأمة، مما يعلم من الدين بالضرورة.
وشيخ الإسلام إذ يقطع بكفر من اعتقد هذا، فإنه أيضًا يبطل حجة من اعتقد أفضلية خاتم الأولياء على غيره من المؤمنين على افتراض وجوده، وهو بهذا يسلك مسلك التنزل مع المخالف للوصول إلى الهدف المنشود، يقول - ﵀ -: "وإذا كان خاتم الأولياء آخر مؤمن تقي في الدنيا؛ فليس ذلك الرجل أفضل الأولياء ولا أكملهم، بل أفضلهم وأكملهم سابقوهم، الذين هم أخص بأفضل الرسل من غيرهم.
فإنه كلما كان الولى أعظم اختصاصًا بالرسول وأخذًا عنه، وموافقة له كان أفضل، إذ الولي لا يكون وليًا لله إلا بمتابعة الرسول باطنًا وظاهرًا، فعلى قدر المتابعة للرسول يكون قدر الولاية" (٢).
* * *
_________________
(١) فتاوى شيخ الإسلام: (٢/ ٢٢٤).
(٢) مجموع الفتاوى: (٢/ ٢٢٥).
[ ٨٠٢ ]
المبحث الثاني: حقيقة الكرامة
مما يقوم عليه معتقد أهل السنة والجماعة في جانب الولاية، الإيمان بإمكان وقوع الكرامة في حق الأولياء، وأنها من فضل الله الذي يؤتيه من يشاء من أهل تقواه والاستقامة على دينه القويم.
والكرامة في اللغة مشتقة من الإكرام، و"الكرام بالضم مثل الكريم فإذا أفرط في الكرم قلت كرام بالتشديد، والتكريم والإكرام بمعنى والاسم منه: الكرامة" (١).
أما في الاصطلاح، فالكرامة لها معنيان، معنى عام، وآخر خاص، أما العام فتكون اسمًا جامعًا لكل ما يكرم الله به عبده من النعم الظاهرة والباطنة، كالعلم والطاعة والرزق.
وأما في معناها الخاص؛ فهى الأمر الخارق العادة الإنس والجن، يقع على يد ظاهر الصلاح ملتزم لمتابعة نبيه.
فكان أهل السنة بهذا الاعتقاد وسطًا بين الغلو والتفريط، فقد جفت المعتزلة في هذا الباب، فأنكروا الكرامة، وكان مستندهم في ذلك مسلماتهم العقلية، إذ الخوف من اختلاط الكرامة بالمعجزة حجتهم في المنع؛ حتى لا يحصل اللبس بين الولي والنبي.
ولا شك أن في هذا مخالفة لصريح المنقول من الشرع المطهر، فقد دلت آيات الكتاب وأحاديث المصطفى - ﷺ - على إثبات الكرامة في حق من استقام حاله ظاهرًا وباطنًا.
وفي مقابل هذا الاتجاه الجافي؛ يأتي مذهب أهل الغلو والإفراط وهم الصوفية، فقد غلو في إثبات الكرامة إلى حد بعيد، فحادوا بذلك عن الطريق المستقيم، حيث
_________________
(١) لسان العرب: (٧/ ٣٨٦١).
[ ٨٠٣ ]
أدخلوا في مسمى الكرامة الكثير من الأمور، التي لا يصح وقوعها لأحد من البشر كائنًا من كان، وقد ساقهم هذا المنحى المضطرب في فهم حقيقة الكرامة إلى ابتذالها، حتى غدت علمًا عندهم على الإتيان بالعجائب من الأفعال والأقوال، ولو كانت مما يخل بالمروءة والقيم الأصيلة، وحتى غدا المارستان موطنًا للكثير من الكرامات.
- ولعلي أذكر بعض ما عجت به تصانيف الصوفية في هذا المقام، يقول المناوي في ذي النون المصرى: ومن مقاماته العلية الفائقة وأحواله المدهشة الخارقة أن روحه الشريفة كانت تدبر أجسامًا متعددة" (١) فهل هذا من الكرامة أم من الأوهام الخيالية؟
ويقول في عبد القادر الجيلاني: ومن كراماته أنه كان أيام رضاعته لا يرضع في رمضان، فكان الناس إذا شكوا في الهلال رجعوا إليه" (٢).
ويقول في أحدهم: "وله كرامات كثيرة، فلما قدم السهروردي إلى دمشق أراد زيارته فقالوا له: لا تفعل الرجل لا يصوم ولا يصلي ويمشي مكشوف العورة غالبًا، فركب السهروردي بغلته وحوله الجمع الجم، فلما وصل إلى قرب مكانه رآه الرجل فكشف عورته" (٣) وهناك الكثير من القصص التي يستحيي من ذكرها (٤)، ولعل في هذا القدر كفاية، ولكل هذا الانحراف؛ فقد صارت حقيقة الكرامة عندهم مخالفة تمامًا للحقيقة الشرعية، التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة.
أما عن منزلة الكرامة عندهم؛ فتعد الدليل الأوحد الذي يمكن بتحققه الوصول إلى مرتبة الولاية عندهم، بل يرى البعض أن معرفة الولاية لا يكون إلا بمعرفة حد الكرامة، كما أن النبوة لا تعرف إلا بمعرفة حد المعجزة، فإذا كان من غير الممكن تكذيب النبي بعد ثبات نبوته بدليل المعجز كدليل برهاني، فكذلك لا يمكن بعد معرفة الكرامة وثبوت الوصف المعين الذي يميزها عن غيرها إنكار ولاية من قامت
_________________
(١) الكواكب الدرية: (١/ ٤٠١).
(٢) المرجع السابق: (١/ ٦٧٨): هذا وكثير مما حكى عنهم اختراعات لا أصل لها.
(٣) المرجع السابق: (١/ ٦٩٠).
(٤) انظر: الطبقات الكبرى للشعراني، ترجمة عبد القادر السبكي: ٦٦٤.
[ ٨٠٤ ]
به دون غيره، ومن جهة أخرى فالكرامة مما جاء الشرع بوجوب التصديق به، فإذا ثبتت لأحد فلا يجوز أن يقدح في ولايته.
يقول القشيرى في بيان ذلك: "ولأن من شرط صحة المعرفة بالنبوة الوقوف على حد المعجزة، ويدخل في جملته العلم بحقيقة الكرامات، فإذا رأى الكرامات ظاهرة عليه لا يمكنه أن ألّا يميز بينها وبين غيرها، فإذا رأى شيئًا من ذلك علم أنه في الحال على الحق" (١).
ويقول: "وظهور الكرامات علامة صدق من ظهرت عليه في أحواله، فمن لم يكن صادقًا فظهور مثلها عليه لا يجوز" (٢).
ويعد التصرف في الكون ومعرفة الغيوب من أهم الكرامات، يعرف الزركشي الولى في ضوء مفهوم الكرامة عند الصوفية، فيقول: "وسمى الولى وليًا لأنه تولى الله بطاعته، وقيل لأن الله تولاه بلطفه، فهو فعيل، إما بمعنى فاعل أو مفعول، وحينئذ يصير مجاب الدعاء مكاشفًا بغيب الأرض والسماء، مخاطبًا بسائر الأسماع فلا يدع إلا إياه إليه، ولا يستدل بغيره عليه" (٣).
وهذا أصل اعتقادهم في الأقطاب فـ "القطب هو أعظم صوفية الزمان، والحاكم على أولياء الله، ومتى أراد فيجتمع حوله كل أولياء الله بطى الأرض من أطراف الدنيا، وأكنافها في طرفة عين، ويأتى عدد من الأولياء بعد القطب، يعدون من أهل الحل والعقد، وهم القادة في ساحة الله ﷻ" (٤).
رأي الشيخ الصاوي:
يعرف الصاوي الكرامة، فيقول: "الكرامة هي: أمر خارق للعادة، غير مقرون
_________________
(١) الرسالة القشيرية: ٢٦١.
(٢) المرجع السابق: ٣٥٣.
(٣) تشنيف المسامع، بجمع الجوامع لتاج الدين السبكي، للشيخ بدر الدين الزركشي: (٤/ ٩٣٢) انظر: الطبقات الكبرى للشعراني في ترجمة على البرلسي: ٦٠٨.
(٤) تاريخ التصوف، قاسم غنى: ٣٣٧.
[ ٨٠٥ ]
بدعوى النبوة، ولا هو مقدمة لها، يظهر على يد شخص ظاهر الصلاح، ملتزم لمتابعة نبيه".
ثم يذكر قيود التعريف وذلك لتوضيح محترزاته، يقول: "فخرج بالخارق للعادة: السحر ونحوه.
وبقوله: غير مقرون بدعوى النبوة: المعجزة.
وبقوله: ولا هو مقدمة لها: الإرهاص.
وبقوله: ظاهر الصلاح: المعونة والاستدراج والإهانة.
وفي بيان حكم اعتقاد ثبوتها وما يستند إليه، يقول: "مما يجب اعتقاده ثبوت الكرامات للأولياء، فهى واقعة شرعًا جائزة عقلًا.
دليل ذلك: ما ورد في القرآن من قصة مريم وولادتها عيسى من غير زوج مع كفالة زكريا لها، وحفظها.
وقصة آصف بالمد وفتح الصاد، ومجيئه بالعرش قبل أن يرتد طرف سليمان - ﵇ - إليه، حيث كان يعرف الاسم الأعظم ودعا الله به.
وما وقع من كرامات الصحابة والتابعين إلى وقتنا هذا" (١).
- وتأكيدًا لاشتراط الصلاح والمتابعة؛ فإن الصاوي يقوم بتعريفها تبعًا للأسباب الموجبة لها، يقول في ذلك: "تطلق على الأمر الخارق للعادة على يد ظاهر الصلاح، ولكن المراد هنا - أي في لفظ الصلاة الدرديرية - ما أكرم به العبد من العطايا الإلهية، كانت خارق للعادة أم لا.
معنوية، كالمعرفة بالله، والخشية ودوام المراقبة له، والمسارعة لامتثال أمره ونهيه، والرسوخ في اليقين ودوام المتابعة لله، والفهم عنه وغير ذلك.
أو حسية، كالأرزاق الدنيوية من الحلال، وصحة البدن، والزوجة الصالحة، وحسن المنزل والمركب والفوز بالجنة من غير سابقة حساب ولا عذاب، والسلامة من
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٥٤.
[ ٨٠٦ ]
عذاب القبر، والتنعم بنعيمه، إلى غير ذلك من نعم الله التي قال فيها: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١).
* * *
ومما يراه الصاوي خارقًا للعادة من الكرامات: انكشاف يتأتى به الإطلاع على المغيبات، إذًا الصاوي ينسب علم الغيب للأولياء، ولكن ليس على جهة الاستقلال بل على جهة العناية والفضل، وهذا ما صرح به عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، يقول: "أي من حيث ذاتها، أما بإعلام الله للعبد، فلا مانع منه كالأنبياء وبعض الأولياء، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾.
قال العلماء: وكذلك ولى، فلا مانع من كون الله يطلع بعض عباده الصالحين على بعض هذه المغيبات، فتكون معجزة للنبي، وكرامة للولى" (٢).
ويقول عند آية الميثاق: "وكان علي - كرم الله وجهه - يقول: إني لأذكر العهد الذي عهد إلى ربى، وكان سهل التسترى يقول: إني لأعرف تلامذتى من ذلك اليوم ولم أزل أربيهم" (٣).
ويقول أيضًا في بيان هذه العطايا الخاصة بالأولياء عند قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾: أما أجسادهم - الشهداء - فمحلها القبور، غير أن الأرواح لها تعلق بها، فلذلك لا يحصل لأجسادهم بلاء، فأرواحهم لها جولان عظيم من البرزخ إلى أعلى السموات إلى داخل الجنان، والطيور الخضر لها كالهودج مع كونها
_________________
(١) حاشية الصلوات: ٦٥.
(٢) حاشية الجلالين: (٣/ ٢٤٤).
(٣) المرجع السابق: (٢/ ١٠٠).
[ ٨٠٧ ]
متصلة بجسم صاحبها، وما وصل للروح من النعيم يحصل للجسم أيضًا، وذلك نظير النائم، فإن النائم يرى أن روحه في المشرق أو في المغرب مع كونها متصلة بجسمه، وكالأولياء الذين أعطاهم الله التصريف، فالواحد منهم يكون جالسًا في مكان، وروحه تسرح في أمكنة متعددة، وربك على كل شيء قدير" (١).
ولهذا التصريف الذي يعتقده الصاوي لأهل المراتب العالية في الولاية، فإنه يرى مشروعية الاستغاثة بهم، يقول: "وتطلق الأنجاب في عرف الصوفية على طائفة فوق الأبدال، ويقال لهم النجباء.
فأول المراتب الأولياء، ثم الأبدال، ثم النجباء، ثم النقباء، ثم العرفاء، ثم الأقطاب، ثم الغوث، فيستغاث بهم في النوازل على هذا الترتيب: (٢).
* * *
المناقشة:
أولًا: حقيقة الكرامة:
إن مفهوم الكرامة عند أهل السنة والجماعة؛ يعد في الحقيقة نوع امتداد لمفهوم الولاية عندهم، وكذلك الحال عند الصوفية، فلما كانت حقيقة الولاية في ضوء ما ورد من نصوص الكتاب والسنة؛ تعنى تولى مراضى الرب تعالى بالاستقامة على شرعه ومتابعة نبيه محمد - ﷺ -، الموجبة لمولاة الرب تعالى بأنواع المنن، وأعظمها دخول الجنة، والأمن من عذاب النار، كانت حقيقة الكرامة أيضًا هي ثمرة التزام الاستقامة من خوارق العادات، والعلم النافع وطاعة الباري تعالى.
وكما أن مفهوم الولاية عند الصوفية يقوم على اعتقاد خرق العادات والتصوف في الكون وعلم المغيبات، فكذلك الكرامة عندهم، إنها هي بعينها مقومات الولاية في الفكر الصوفى، فليست تخرج عن هذه الأمور، التي هي مطمح القوم، ومحط آمالهم في الولاية، ولو مع مخالفة ظاهرة لأوامر الشرع.
_________________
(١) حاشية الجلالين: (١/ ١٧٩).
(٢) حاشية الصلوات: ٦٤.
[ ٨٠٨ ]
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - معرفًا الكرامة بما لا يمكن أن تتأتى إلا به: "إن الكرامة لزوم الاستقامة، وإن الله لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ " (١).
حجية الكرامة:
لقد ثبت في الأدلة الشرعية ومن حياة أصدق الأولياء من الصحابة والتابعين - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -: إجراء أحكام خارجة عن مقتضى العادة على يد بعض عباد الله الصالحين، يتأتى بها تحقيق مطلب دينى أو دنيوى لهم، تكون من الله تعالى إكرامًا للعبد، وتبشيرًا له؛ لثبوته على مقومات الولاية.
فالكرامة من حيث هي أمر خارق للعادة، يستند في تحققه إلى محض تصرف الباري تعالى، قد ثبت وقوعها على وجوه كثيرة، جماعها كما بين شيخ الإسلام: القدرة والعلم والغنى، يقول شيخ الإسلام: "المعجزة للنبي والكرامة للولى وجماعها الأمر الخارق للعادة، فنقول: صفات الكمال ترجع إلى ثلاث: العلم والقدرة والغنى، وإن شئت أن تقول: العلم والقدرة إما على الفعل وهو التأثير، وإما على الترك وهو الغنى. والأول أجود.
وهذه الثلاثة لا تصلح على وجه الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علمًا، وهو على كل شيء قدير وهو غني عن العالمين" (٢).
ومن الأمثله الدالة على ذلك: ما وقع لعمر - ﵁ - من انكشاف الغيب؛ فطابق الوحي قبل نزوله على قلب النبي - ﷺ -، فعن أنس قال: قال عمر - ﵄ -: (وافقت ربي في ثلاث: فقلت يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (١٠/ ٢٩).
(٢) مجموع الفتاوى: (١١/ ٣١٢).
[ ٨٠٩ ]
وآية الحجاب، قلت يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب.
واجتمع نساء النبي - ﷺ - في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (١).
فكان هذا دليلًا على حصول الانكشاف، الذي به يتحصل علم الغيب، لكن هو دون رتبة الأنبياء.
ومن ذلك ما أورده الصاوي من قصة مريم - ﵍ -، وذلك الذي أتى بالعرش لسليمان - ﵇ -، وتسميته بآصف قد وردت بها روايات ضعيفة (٢) لا يصح اعتمادها في التسمية.
ومن ذلك ما أخبر به الصادق المصدوق - ﷺ -: (بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان. للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله! لم تسألنى عن اسمى؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإنى أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وأكل أنا وعيالى ثلثًا، وأرد فيها ثلثه) (٣).
فـ "إذا ثبت ما ذكرت من الدلائل على جواز ظهورها بخرق العادة على يد الأولياء على سبيل الكرامة، فماذا تتميز الكرامة عن المعجزة؟ اختلفوا فيه، فذهب قوم إلى أن شرط الكرامة: أن تكون من غير إيثار واختيار من الولى، والمعجزة
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الصلاة - باب ما جاء في القبلة، رقم الحديث: ٤٠٢.
(٢) انظر: كرامات أولياء الله لـ الإمام اللالكائى، تحقيق الدكتور أحمد سعد حمدان الغامدى، فقد بين انقطاع هذه الرواية: ٨٠.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد - باب الإنفاق على المساكين: (١٨/ ١١٥).
[ ٨١٠ ]
يكون بالإيثار والاختيار فيفترقان، وقوم قالوا: يجوز ظهور الكرامة على يد الولى مع الاختيار، ولكن لا يجوز ظهورها مع دعوى الولاية، حتى لو ادعى الولاية وأراد إثباتها بالكرامة لم يخرق المعجزة فظهر مع دعوى النبوة.
والفرق الصحيح أن الكرامة لا تقع موافقًا لدعوى الولى، والمعجزة شرطها أن تكون موافقة لدعوى مدع النبوة، فيظهر به الفرق" (١).
وهذا إنما يكون على التسليم بإمكان الالتباس، وذلك لأن الكرامة في الحقيقة تعد نوع امتداد للمعجزة، التي تدل على صدق النبي، فلا يحصل منها معارضة تقتضى التباسها بالمعجز، وذلك لأنها لا تكون إلا لمن قامت به شروط الولاية من الاستقامة على متابعة النبي وإلا لم تقع، فهى من هذه الحيثية آية على صدق النبي ومعجزة له، فأى اختلال في صدق متابعة الولى؛ يعد نقضًا لحقيقة الكرامة.
ثم إن ما يحصل للأولياء من خوارق العادات، لا يماثل المعجزة من حيث القدر، وهذا ما نبه إليه شيخ الإسلام - ﵀ -: "وأما كرامات الأولياء فهى أيضًا من آيات الأنبياء، فإنها إنما تكون لمن تشهد لهم بالرسالة، فهى دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوة، وأيضًا فإن كرامات الأولياء معتادة من الصالحين، ومعجزات الأنبياء فوق ذلك، فانشقاق القمو والإتيان بالقرآن، وانقلاب العصا حية، وخروج الدابة من صخرة، لم يكن مثله للأولياء، وكذلك خلق الطير من الطين، ولكن آياته صغار وكبار، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٢٠]، فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيه محمد - ﷺ -: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، فالآيات الكبرى مختصة بهم، وأما الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين، مثل تكثير الطعام" (٢).
وعليه فإن ما يقع لبعض الناس، مما يظن فيه خرق للعادة مع عدم الاستقامة
_________________
(١) قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر: (١/ ٩٩).
(٢) النبوات: ٣٢٣.
[ ٨١١ ]
والمتابعة، فإنه من الأحوال الشيطانية، التي يتوهم خرقها للعادة مع كونها من مقدور الثقلين: الجن والإنس: "ولهذا قال الأئمة: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء، أو يمشى على الماء، فلا تغتروا به، حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهى، ولهذا يوجد كثير من الناس يطير في الهواء، وتكون الشياطين هي التي تحمله لا يكون من كرامات أولياء الله المتقين، ومن هؤلاء من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحمله فيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله، ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، لأن الحج الذي أمر الله به ورسوله لا بد فيه من الإحرام والوقوف بعرفة، ولا بد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة، فإنه ركن لا يتم الحج إلا به، بل عليه أن يقف بمزدلفة ويرمى الجمار، ويطوف للوداع، وعليه اجتناب المحظورات، وأمثاله يقع كثيرًا، وهى أحوال شيطانية، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] (١).
وإذا علم هذا فإنه ليس بمستقيم أن تكون خرق العادات هي دليل الولاية والعلامة عليها - كما بين الصاوي - لأنه لم يتحقق حصولها لكثير ممن عرف بالصلاح والتقوى من أهل القرون الأولى، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن اعتمادها قد يؤدى إلى حصول اللبس عند كثير من غير المحققين، يقول شيخ الإسلام - ﵀ - في بيان خطر هذا المعتقد على آحاد المسلمين: "فمنهم من يرتد عن الإسلام وينقلب على عقبيه، ويعتقد فيمن لا يصلى بل ولا يؤمن بالرسل بل يسب الرسل ويتنقص بهم أنه من أعظم أولياء الله المتقين، ومنهم من يبقى حائرًا مترددًا شاكًا مرتابًا، يقدم إلى الكفر رجلًا وإلى الإسلام أخرى، وربما كان إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، وسبب ذلك: أنهم استدلوا على الولاية بما لا يدل عليها، فإن الكفار والمشركين والسحرة والكهان معهم من الشياطين من يفعل بهم أضعاف أضعاف
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (١/ ٨٣).
[ ٨١٢ ]
ذلك، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢].
فامتنع أن تكون دليلًا عليه، وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وكراماتهم ثمرة إيمانهم وتقواهم، لا ثمرة الشرك والبدعة والفسق.
والمقصود هنا أن من أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان، كإخبار عن غائب، أو أمر يتضمن قضاء حاجة ونحو ذلك، فإذا شاهد أحدهم القبر انشق وخرج منه شيخ بهى عانقه أو كلمه؛ ظن أن ذلك هو النبي المقبور أو الشيخ المقبور، والقبر لم ينشق، وإنما الشيطان مثل له ذلك (١).
ولما كانت هذه الخوارق بمثابة الثواب المعجل للعبد الصالح، فمن الممكن أن ألَّا يتم تحققها في الدنيا وأن تدخر له في آخرته، وكان هذا هو معتقد عباد الله الصالحين، فلم يكن همهم حصول هذه الخوارق من المكاشفات ونحوها، بل كان هدفهم الأسمى هو الثبات على مقامات الإيمان والعمل الصالح، وإذا وقع لهم منها شيء كانوا على وجل وخوف فلا يطمئنون به؛ لخوفهم من الاستدراج وتعجيل الطيبات.
وعلى العكس من هذا حال أهل البدع والمنكرات، فهمهم الأكبر من العبادة والمجاهدة هو حصول مثل هذه الخوارق، أو ما يظن بأنه خارق من أحوال الشياطين، فإذا حصل لهم منها شيء تشدقوا بذكرها، واحتالوا على الناس بألوان الحيل؛ حتى يتم لهم التوجه بالهمم، فيستغاث بهم ويتقرب لهم من دون الله، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وغاية من يعبد الله يطلب خوارق العادات يكون له نصيب من هذا، ولهذا كان منهم من يرى طائرًا، ومنهم يرى ماشيًا، ومنهم وفيهم جهال ضلال.
والحق المبين أن كمال الإنسان أن يعبد الله علمًا وعملًا، كما أمره ربه" (٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (١/ ١٧٦).
(٢) مجموع الفتاوى: (٢/ ٩٦).
[ ٨١٣ ]
شبهات حول الكرامة:
من كل ما تقدم تبين أن اعتقاد السلف في ثبوت الكرامة يقوم على أمرين:
١ - أن الكرامة تشمل كل ما يمن به الرب تعالى على عبده المؤمن المتبع شريعة نبيه، فهى ثمرة الإيمان والتقوى، يتقدمها الثبات على الإيمان، وانشراح الصدر لذلك، ويدخل فيها ما يكون خارقًا للعادة.
٢ - أن الكرامة التي هي خرق للعادات ليست دليلًا على الولاية، لأنه قد تتحقق مقومات الولاية في العبد دون أن يحصل له شيء من هذه الخوارق، وهذا كثير في القرون المفضلة.
ومع موافقة الصاوي اعتقاد السلف في هذين الأمرين، إلا أن مخالفته ظاهرة في تفاصيل اعتقاد خرق العادات، وما ينبنى عليها من أحكام.
وبيان هذا: أنه قد ثبت التصديق بإمكان حصول الانكشاف ومعرفة الغيب عن طريق الإلهام أو الرؤيا الصالحة، وأنه مع اكتمال شروط الولاية فيمن حصل له ذلك فإنها تكون له من قبيل الكرامة، ولكن لا يصح الاستدلال بها واعتمادها في الأحكام الشرعية.
فإذا كانت (الرؤيا الحسنة، من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) (١) كما ورد في الحديث فقد بين حديث آخر أن هذا إنما يختص بمهمة التبشير وهى واحدة من وظائف النبوة، قال رسول الله - ﷺ -: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات). قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة) (٢).
ولهذا دلائل كثيرة مردها إلى اكتمال الدين وتمامه بشرعة المصطفى - ﷺ -؛ فليس لأحد أن يتقدمه بزيادة أو نقصان، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التعبير - باب رؤيا الصالحين، رقم الحديث: ٦٥٨٢.
(٢) أخرجه البخاري أيضًا في كتاب التعبير - باب رؤيا الصالحين، رقم الحديث: ٦٥٨٩.
[ ٨١٤ ]
وقال عز من قائل في النهى عن التقدمة المخلة بتمام الالتزام وشكر المولى على تمام المنة باكتمال النعمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
هذا والأحاديث في النهي عن الابتداع، ووجوب التمسك بالاتباع كثيرة، وقد دلت على أن كل ما فيه مخالفة للشرعة المطهرة فهو مردود على صاحبه مهما ادعى من حصول الكشف والعرفان، فلا يسلم له؛ لامتناع العصمة والدلالة القطعية بعدم الحاجة إلى مثل هذه الأوهام.
يقول شيخ الإسلام في ذلك: فكل من اتبع ما يرد عليه من الخطاب، أو ما يراه من الأنوار والأشخاص الغيبية، ولا يعتبر ذلك بالكتاب والسنة، فإنما يتبع ظنًا لا يغنى من الحق شيئًا.
فليس من المحدثين الملهمين أفضل من عمر، كما قال - ﷺ -: (إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتى هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب) (١)، وقد وافق عمر ربه في عدة أشياء (٢)، ومع هذا فكان عليه أن يعتصم بما جاء به الرسول، ولا يقبل ما يرد عليه حتى يعرضه على الرسول، ولا يتقدم بين يدى الله ورسوله، بل يجعل ما ورد عليه تبعًا، وكان إذا تبين له من ذلك أشياء خلاف ما وقع له فيرجع إلى السنة، وكان أبو بكر يبين له أشياء خفيت عليه فيرجع إلى بيان الصديق وإرشاده وتعليمه، كما جرى يوم الحديبية، ويوم مات الرسول (٣)، ويوم ناظره من مانع الزكاة (٤) وغير ذلك، وكانت المرأة ترد عليه ما يقوله
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب حديث الغار، رقم الحديث: ٣٤٦٩.
(٢) تقدم بيانها.
(٣) أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله مات وأبو بكر بالسنح فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله، وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسى إذ ذاك، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدى رجالًا وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن الرسول فقبله، قال: بأبى أنت وأمى طبت حيًا وميتًا، والذي نفسى بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، قال: ألا من كان يعبد محمدًا - ﷺ - فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: (إنك ميت وإنهم ميتون): كتاب فضائل الصحابة - باب قول النبي: (لو كنت متخذًا خليلًا)، رقم الحديث: ٣٦٦٧ - ٣٦٦٨. وفي رواية أن عمر - ﵁ - قال: (والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتى ما تقلنى رجلاى، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي - ﷺ - قد مات): كتاب المغازى - باب مرض النبي ووفاته، رقم الحديث: ٤٤٥٤.
(٤) أخرج الإمام أحمد في مسند عمر بن الخطاب - ﵁ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا هريرة قال: "لما توفي رسول الله وكان أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله - ﷺ -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى) قال أبو بكر - ﵁ -: والله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعونى عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها، قال عمر - ﵁ -: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر - ﵁ - للقتال فعرفت أنه الحق)، رقم الحديث: ١١٧: قال أحمد شاكر: إسناده صحيح: (١/ ٢١٦).
[ ٨١٥ ]
وتذكر الحجة من القرآن، فيرجع إليها كما جرى في مهور النساء (١) ومثل هذا كثير" (٢).
وعليه فلا يصح الاستدلال بهذا الكشف في المسائل الشرعية؛ كما جوز الصاوي اعتماده في التفسير الإشارى الذي سبق مناقشته فيه (٣).
ومن جهة أخرى، فإنه لا يقطع بحصول مقتضى هذا الكشف من المعارف الغيبية، إلا عند تحققه على أرض الواقع، وهذا يرجع إلى أن دلالته على مقتضاه ظنية وليست بيقينية، فلا شيء دلالته يقينية في معرفة الغيب إلا ما كان مستنده الوحي المعصوم: الكتاب والسنة.
ومن هنا امتنع استقلالها باكتساب العلم الذي يقضى جزمًا بمطابقة الواقع في علوم الغيب، وأدلة هذا في الكتاب والسنة كثيرة متضافرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، وهذه هي
_________________
(١) ومن ذلك أن عمر - ﵁ - خرج وخطب في الناس ينهاهم عن كثرة المهور فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا من ذهب﴾، قال وكذلك هي في قراءة عبد الله، فلا يحل لكم فلا تأخذوا منه شيئًا، فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته: مصنف عبد الرزاق: كتاب النكاح - باب غلاء الصداق، رقم الحديث: ١٠٤٢٠: (٦/ ١٨٠).
(٢) الفرقان بين الحق والباطل: ٤٨ - ٤٩.
(٣) انظر: مبحث آراؤه في القرآن: ٣٨٢.
[ ٨١٦ ]
مفاتيح الغيب التي وردت في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقد فسرها بهذا الصادق المصدوق ففي الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: (مفاتيح الغيب خمس: "إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام، وما تدرى نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير") (١).
وعليه فإن ما ادعاه الصاوي من أنه لا يمتنع أن ينكشف شيء من العلوم الغيبية للأولياء، بتعليم الله لهم على جهة يتيقن منها حصول مقتضى هذا الكشف، أمر لا حقيقة له، بل هو من الأوهام التي تردها آيات الكتاب وسنة النبي - ﵊ -، وكم من الآيات تلك التي يأمر بها المولى تعالى نبيه محمد - ﷺ - بالتبرؤ من علم الغيب، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠].
وهذا الاعتقاد باستقلال الكشوفات والرؤى في معرفة الغيب؛ أدى إلى وقوع الصوفية في الغلو المحرم، الذي قد يكون شركًا أو ذريعة إلى الشرك، ومن هنا ظهر بطلان ما حكاه عن التسترى أنه كان يعرف تلامذته منذ الميثاق، وأنه كان يربيهم وما ذكره عن على - ﵁ - من أنه كان يتذكر ذلك اليوم الذي أخذ عليه الميثاق فيه، إن كل هذه الأخبار مما لا حقيقة لها تستند إليه كونًا ولا شرعًا، فليس من المقدور البشرى تذكر ذلك اليوم ولا معرفة ما كان فيه؛ لأن البشر كانوا في عهد الذر، ولم يكونوا على هذه الهيئة التي صاروا إليها، ثم إن هذا الإشهاد غايته معرفة الله وتوحيده، ولو كان لأحد تذكر هذا اليوم لكان ذلك للمصطفى - ﷺ - خير ولد آدم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب وعنده مفاتح الغيب، رقم الحديث: ٤٦٢٧.
[ ٨١٧ ]
وليس يخفى ما في تخصيص علي - ﵁ - بالعلم من التأثر بأقوال الغلاة فيه، ومما يؤكد عدم ورود ما يخصصه، بعلم عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ما أخرجه البخاري في صحيحه، فعن أبي جحيفة - ﵁ - قال: "قلت لعلي - ﵁ -: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة). قلت: وما في الصحيفة؟ قال: (العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر) (١).
- وهذا وقد أثبت للأولياء من خوارق العادات التأثير بالتصرف في الكون، ولا بد للحكم على هذا المقال من وزنه بميزان الشريعة، فنعرف هل لهذا مستند من الكتاب أو السنة؟
لقد دل الحديث القدسي الذي توعد الله فيه من أقدم على إيذاء ولي من الأولياء بالحرب؛ على أن المولى ﵎ قد يتصرف في هذا الكون موافقة لغرض الولي لنصرته وحاجته، إذًا فمرد هذا التأثير إلى الله تعالى، وقد يكون للعبد فيه نوع تأثير كالدعوة المستجابة (٢) ولكن ليس في هذا ما يقضى بتصرفه في المخلوقات فإن إجابة الدعاء هي محض فضل المولى، كما أنها من التوسل المشروع الذي يتحقق به تمام العبودية.
ومن هنا علم أن ما يدعيه الصوفية في كرامات الأولياء، التي تقضي بأحقية تصرفهم في الكون حتى يكون لأحدهم أن يقول للشيء كن فيكون، ليس بصحيح أبدًا ولو ادعى أنه على غير جهة الاستقلال، بل هو من الضلالات القادحة في جناب التوحيد.
بيان ذلك أن مرد هذه الادعاءات إلى الكتاب والسنة، ولم يرد فيهما ما يسند مثل هذه الأقوال الباطلة، بل دلالتهما في هذه الأمور على النقيض من ذلك، فما زالت
_________________
(١) كتاب الجهاد والسير - باب فكاك الأسير، رقم الحديث: ٣٠٤٧.
(٢) انظر: الفتاوى: (١١/ ٣١٤).
[ ٨١٨ ]
الآيات الكريمة تبدى وتعيد في وجوب إفراد الله تعالى بأفعاله، ومن ثم إفراده بأفعال العباد من الاستغاثة والاستعانة والدعاء، فكم من الآيات تلك التي تؤكد على أنه ليس لأحد تصرف يملك فيه كشف ضر لحق به، فضلًا عن إمكان دفعه.
وقد أمر المصطفى بإعلان هذه الكلمات التي تدفع كل الأوهام المتعلقة بغير الله تعالى، كلمات تنبض بحقائق العبودية والإقرار التام بكمال ربوبية المولى ﵎، ورد الأمر إليه ظاهرًا وباطنا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
ولهذا المبحث علاقة وثيقة بحقيقة التبرك، فالانحراف في فهمه هو أساس الانحراف الحاصل في حقيقة التبرك، فحين وقع غلاة الصوفية في الغلو المنهي عنه، وادعوا للأولياء القدرة على التصرف؛ توجهوا إليهم بالدعاء، واعتقدوا حلول البركة بذواتهم فأشركوهم مع الله أحياء وأمواتًا، ونسبوا لهم ما لا يليق إلا لذات الرب ﵎ (١).
ومن هنا علم أن الكرامة لا تكون إلا للولى المستقيم على دين نبيه، فلا ينسب حصول ما يقع له من خوارق العادات إلى ذاته، بل هو على يقين من أنها محض قدرة الله تعالى، تفضل بها عليه منًّا وكرمًا، فلا يؤدى به ذلك إلى الاغترار والأمن، بل يخاف دومًا من العاقبة والاستدراج، ولنا في عمر - ﵁ - صاحب الكشوف والموافقات أصدق أسوة، فمع شهادة النبي له بالجنة إلا أنه عند موته كان على خوف ووجل، فعن ابن عمر قال: (كان رأس عمر - ﵄ - على حجري فقال: ضعه لا أم لك، ثم قال: ويلي ويل أم عمر إن لم يغفر لي ربي) (٢).
_________________
(١) لمزيد من التوسع انظر: مبحث التوحيد: ١٨٤.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة - كتاب الزهد - باب كلام عمر - ﵁ -، رقم الحديث: ٤٠: (٨/ ١٥٣).
[ ٨١٩ ]
وقال خوفًا على اغترار المسلمين بكثرة الفتوحات التي حصلت في عصره: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله) (١).
ولشدة حرصه على صفاء عقيدة الصحابة، وصدق توجهه إلى الله تعالى؛ قام بعزل خالد - ﵁ - من قيادة المعارك، بعد إحرازه النصر في الكثير منها.
ولو أردت استقصاء هذه المواقف الإيمانية في حرص النبي وصحابته الكرام على سلامة الاعتقاد وصفائه من أدران الشرك؛ لطال بي المقام، وما هي إلا لفتات وودت فيها أن أبين مكانة الكرامة في الصدر الأول، بعيدًا عن غلو هؤلاء الأدعياء.
بقى بيان حقيقة من نسب إليهم الصاوي مشروعية الاستغاثة بهم، وهم النجباء والأقطاب والغوث، فقد فصل شيخ الإسلام ما يمكن به رد وجودهم بما يتحقق به إبطال ما علق بهم الصوفية من أوهام لا أساس لها من الشرع، وذلك ببيان أن كل ما استند إليه الصوفية من الأحاديث في ذكرهم فهي موضوعة لا يحتج بها (٢).
وعليه فإن "الإيمان بوجود هؤلاء ليس واجبًا عند أحد من علماء المسلمين وطوائفهم المعروفين. . إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي - ﷺ - لم يشرع لأمته التصديق بوجود هؤلاء ولا أصحابه كانوا يجعلون ذلك من الدين"، كما أن بطلان الدعوى تدل على بطلان تحققها للمدعى عليه، فـ "القائلون بهذه الأمور منهم من ينسب إلى أحد هؤلاء ما لا تجوز نسبته إلى أحد من البشر، مثل دعوى بعضهم أن الغوث أو القطب هو الذي يمد أهل الأرض في هداهم ونصرهم ورزقهم، فإن هذا لا يصل إلى أحد من أهل الأرض إلا بواسطة نزوله على ذلك الشخص، وهذا باطل بإجماع المسلمين، وهو من جنس قول النصارى في الباب" (٣).
* * *
_________________
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه: كتاب الإيمان، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين لاحتجاجهما جميعًا بأيوب بن عائد الطائي وسائر رواته وإن لم يخرجاه: (١/ ٦١).
(٢) مجموع الفتاوى: (١١/ ١٦٧).
(٣) منهاج السنة: (١/ ٩٢ - ٩٣).
[ ٨٢٠ ]