ويتضمن عشر فصول:
الفصل الأول: معرفة الله والاستدلال على وجوده.
الفصل الثاني: آراؤه في التوحيد.
الفصل الثالث: آراؤه في الأسماء، والصفات.
الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان.
الفصل الخامس: آراؤه في الملائكة، والجن.
الفصل السادس: آراؤه في الكتب.
الفصل السابع: آراؤه في النبوات.
الفصل الثامن: آراؤه في اليوم الآخر.
الفصل التاسع: آراؤه في القضاء، والقدر.
الفصل العاشر: آراؤه في الصحابة، والإمامة.
[ ١١٦ ]
الفصل الأول: (آراؤه في معرفة الله والاستدلال على وجوده)
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: معرفة الله.
المبحث الثاني: الاستدلال على وجود الله.
[ ١١٧ ]
(المبحث الأول): معرفة الله تعالى
(تمهيد)
لما كانت معرفة الله تعالى هي أساس الإيمان به؛ كان من رحمته ﷿ أن فطر الناس على تلك المعرفة وجبلهم على الإقرار بها، ولمكانة هذا الأصل وما له من أهمية، وجدت أدلته كثيرة، ومتنوعة الدلالة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ -، وفى أقوال السلف المتقدمين، بل وفي حال الأمم السابقة واللاحقة؛ لذلك كان معتقد أهل السنة والجماعة في المسألة مقتضى تلك الأدلة وهو الإقرار بفطرية معرفته سبحانه.
ومن تلك الأدلة التي تقرر هذه الحقيقة، قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]
حيث فسرت الفطرة هنا بالإسلام وكان هذا هو قول كبار السلف من الصحابة والتابعين فقد روى عن: أبي هريرة، ومعاذ بن جبل، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، (١) وهذا "هو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل" (٢)
ويستند تأويل الفطرة المذكورة في الآية الكريمة بالإسلام إلى وجود الأمر بالالتزام به؛ وبيان أن الله تعالى قد فطر الناس عليه وجبلهم على التمسك به، فيصبح الأمر بالإيمان هو أمر بمقتضى تلك الخلقة التي جبلوا عليها، فيتحقق بذلك التلازم بين الأمر بالإسلام دين الله، وكونه فطرة قد جبل الناس على الإقرار بها، يدل على هذا حذف العامل فإنه لا يحذف في لغة العرب إلا إذا كان معلومًا من سياق الكلام.
_________________
(١) جامع البيان في تأويل آى القرآن: (٢١/ ٤٠ - ٤١).
(٢) التمهيد: (١٨/ ٧٢).
[ ١١٨ ]
يقول الشيخ السعدى - (١) - ﵀ -: "وهذا الأمر الذي أمرناك به. هو ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ووضع في عقولهم حسنها، واستقباح غيرها". (٢) فينتفى بذلك وجود الموانع من داخل النفس البشرية. ولكن مع ذلك إذا تمكنت الشبهات من النفس البشرية، واستطاعت أن تحجب تلك الحقيقة لوجود الموانع الصارفة من الخارج؛ أمكن حينئذ تدخل طرق المعرفة الأخرى من النظر أو الكشف، فقط لتزيل ذلك الحجاب، وتنبه النفس من تلك الغفلة التي عرضت لها.
ومما يشهد لذلك حال الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - الذين هم أعلم الناس بالله تعالى وما يجب في حقه - في دعوتهم للأمم، حيث افتتحوا تلك الدعوة بالأمر بالتوحيد الذي يعني حقيقته إخلاص العبادة لله وحده، مما يدل على أن تلك الأمم كانت مقرة بربوبية الله تعالى على خلقه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ومع وضوح هذا الأصل وبعده عن الغموض والتعقيد، إلا أن الافتراق الذي حدث للأمة المسلمة قد أثر على صفاء ذلك المعتقد، حيث داخله خلط كبير منذ اتساع رقعة بلاد الإسلام واختلاط عدد كبير من أصحاب الديانات السابقة والنحل المختلفة بأبناء المسلمين، ونتيجة لذلك تصدى عدد من المتكلمين للرد على شبهات المخالفين بغية الدفاع عن عقيدة المسلمين. ومع الابتعاد عن منهج السلف في تقرير العقيدة والدفاع عنها، وتعظيم العقل والاغترار به، حدث الابتداع المنهى عنه وأدخل في الدين ما ليس منه. وبذلك احتل منهج الرد على المخالف مكان تقرير العقيدة الحقة، وأصبحت هذه المسألة من أهم مسائل علم الكلام.
_________________
(١) هو العلامة الورع الزاهد الفقيه الأصولى المحقق الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى علامة القصيم، ولد سنة: ١٣٠٧ وتوفى سنة: ١٣٧٦ هـ ﵀ اهتم ﵀ بعقيدة السلف وظهر تأثره جليًا بشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في تحرير المسائل كان له عدد من المؤلفات القيمة على رأسها كتاب التفسير المسمى: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. انظر في ترجمته: مآثر علماء نجد: (١/ ٢٣٩)، والأعلام: (٣/ ٣٤٠) ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة: (٥/ ١٥٠).
(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: ٦٩٩.
[ ١١٩ ]
والمعتزلة هم أول من عرف عنهم تزعم هذا الفكر والذب عنه، حيث بنت معتقدها في قضية المعرفة على أساس المنهج العقلى الذي وضعته في تقرير العقائد والذي يعتمد في أساسه على قضية التحسين والتقبيح العقليين، وبذلك صار الإيمان بالعدل والتكليف ضرورة تقتضى عدم إمكان تحقق المعرفة بغير النظر، فنفوا بذلك إمكان تحققها بالضرورة؛ إذ لو أمكن معرفة "الله ضرورة أو بالمشاهدة لسقط التكليف، أو لو عرف بالطبع سقط أيضًا التكليف، فالتكليف عندهم أساس تتفرع عليه آراؤهم في مشكلة المعرفة" (١).
وانتقل هذا التصور الذي نشأ في أحضان المعتزلة للفكر الأشعري، حيث يبرهن أبو الحسن الأشعري على نظرية المعرفة بأنه لو كانت معرفته تعالى تحصل ضرورة لما أمر بها ولما ترتب المدح والذم عليها، يقول: "إن معرفة الله تعالى مأمور بها. . ." إلى أن يقول: "وإذا كان ذلك كذلك دل أنها اكتساب لأن الأمر لا يتعلق بنوع الضرورة، ولا الذم على تركه، والمدح على فعله". (٢)
ونتيجة لما تقدم ذهب الجم الغفير منهم إلى القول بأن معرفة الله تعالى نظرية فقصروا حصولها على الاستدلال العقلى فقط، وأوجبوا بذلك النظر وجوب الوسائل المفضية إلى المقاصد، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٣)
ومع ذلك فقد ذهب عدد منهم إلى إمكان معرفته سبحانه بمقتضى الفطرة. (٤)
ونتيجة لما سبق تفرع الخلاف في هذه القضية، حيث تدور محاوره حول المطالب التالية:
أولًا: طرق المعرفة.
ثانيًا: حكم المقلد في باب الإيمان. (٥)
_________________
(١) الاتجاه العقلى في مشكلة المعرفة: ١٥٩. د. عاطف عراقى. وانظر: شرح الأصول الخمسة: (٣٩).
(٢) مجرد مقالات الأشعري: (٢٤٩).
(٣) انظر: الإرشاد، للجوينى: ١١.
(٤) انظر: كلام الشهرستانى: نهاية الإقدام في علم الكلام (١٢٤). تحقيق ألفرد جيوم.
(٥) وهذا ما سأتناول بحثه في الآتى.
[ ١٢٠ ]
طرق المعرفة
كثيرًا ما يبتدئ المتكلمون الكلام في معرفة الله تعالى بالحديث عن أول واجب على المكلف، وذلك بعرض الآراء المتعددة في المسألة، ومن ثم ترجيح الرأى الذي يناسب معتقدهم في طريق الوصول إلى معرفة الله تعالى، فالذين ذهبوا إلى أن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا بالنظر اختلفوا في أول واجب على المكلف (١)، فقال بعضهم: إن أول واجب هو الشك (٢).
وهذا القول منسوب إلى أبى هاشم الجبائى المعتزلى (٣)، وهو الذي يسمى بالشك المنهجى كما هو معروف في الفلسفة، حيث يلتزم به من أراد الوصول إلى العلم المنافى للشك بأن يشك في ما لديه من علوم، ثم يقوم بتفنيد الشبهات التي أدت إلى شكه حتى يصل إلى الجزم بحقيقة تلك العلوم، (٤) وهذا بعينه الذي تحدث عنه الغزالي (٥) في كتابه: المنقذ من الضلال. (٦)
أما القول بأن أول الواجبات النظر، أو القصد إلى النظر فهذا في حقيقته يرجع إلى اعتقاد عدم تحقيق المعرفة إلا بالنظر، وهذا رأى المعتزلة على جهة الإجماع (٧).
وقد وافق عامة الأشاعرة المعتزلة في مكانة النظر، يقول الرازي: "المشهور في
_________________
(١) المواقف للإيجى: ٣٣.
(٢) الشك هو: التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك. التعريفات للجرجانى: ١٦٨.
(٣) هو عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد الجبائى، أبو هاشم بن أبي على الجبائى، المتكلم المعتزلى، واليه تنسب الطائفة الهاشمية من المعتزلة، وله مصنفات في الاعتزال توفى سنة: ٣٣١ هـ. انظر: وفيات الأعيان: (٣/ ١٨٣)، والبداية والنهاية: (١١/ ١٨٨).
(٤) انظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة: ٦٦.
(٥) هو عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد الجبانى، أبو هاشم ابن أبي على الجبانى، المتكلم، المعتزلى، واليه تنسب الطائفة الهاشمية من المعتزلة، وله مصنفات في الاعتزال، توفى سنة: ٣٢١ هـ. انظر: وفيات الاعيان: (٣/ ١٨٣)، والبداية والنهاية: (١١/ ١٨٨).
(٦) انظر: حكاية ذلك عن نفسه في كتاب المنقذ من الضلال: (٨٤).
(٧) شرح الأصول الخمسة: ١٢٥.
[ ١٢١ ]
بيان وجوب النظر أن معرفة الله تعالى واجبة ولا يمكن تحصيلها إلا بالنظر وما يتوقف الواجب المطلق عليه وكان مقدورًا للمكلف فهو واجب". (١)
ومنهم من ذهب إلى أن أول واجب هو معرفة الله تعالى. (٢)
وشيخ الإسلام يرى أن الخلاف الذي وقع بين الأشاعرة في أول واجب خلاف لفظى؛ لأن من قال بأن أول واجب هو النظر أوجبه وجوب الوسائل، ومن قال بان أول واجب معرفة الله تعالى فقد أوجبه وجوب المقاصد، يقول - ﵀ -: "فإن النظر واجب وجوب الوسيلة من باب ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب. والمعرفة واجبة وجوب المقاصد، فأول واجب وجوب الوسائل هو النظر، وأول واجب وجوب المقاصد هو المعرفة، ومن هؤلاء من يقول: أول واجب هو القصد إلى النظر، وهو أيضًا نزاع لفظى، فإن العمل الاختيارى مطلقًا مشروط بالإدارة". (٣)
مع ما تقدم فقد يشعر قول من يقول بان أول واجب هو النظر، حصر إمكان الوصول إلى المعرفة إلا بطريقه، بمعنى أنه استحق هذه المكانة لكونه الوسيلة الوحيدة التي توصل إلى المعرفة، وأما من يقول: إن المعرفة هي أول واجب، فإنه قد لا يسلم بعدم إمكان تحققها الا به، حتى ولو قال بوجوبه وجوب الوسيلة المفضية إلى المقصد (٤).
ولا شك أن مناقضة المتكلمين لمسلك التلقى بالضرورة والفطرة بادعائهم وجوب النظر وقصر المعرفة بطريقه؛ كان سببًا لوقوعهم في التناقض والاضطراب، حيث أقر بعضهم بأن جميع المعارف لا يصح الاحتجاج بها ما لم تستند إلى دعائم ضرورية تكون بمثابة الأصول والقواعد. (٥)
_________________
(١) المحصل: ٤٤ وانظر: مجرد مقالات الاشعرى: ٢٤٨.
(٢) انظر: حكاية هذه الآراء في المحصل: ٤٧.
(٣) درء التعارض: (٧/ ٣٥٣). وانظر: شرح الأصول الخمسة للقاضى عبد الجبار: ٩٥.
(٤) ولعل هذه الملاحظة التي تبادرت إلى ذهنى كانت حصيلة اطلاعى على آراء الصاوى المتعلقة بالقضية وسيأتي بيان ذلك.
(٥) انظر: ما ذكره شيخ الاسلام عن الرازي في درء التعارض: (٧/ ٤٢١).
[ ١٢٢ ]
ومن هنا دخل الانحراف في الفكر الاشعرى وظهر التناقض ممثلًا بشخصية الغزالي الذي أغرق في الاحتجاج بالضروريات حتى عد منها ما ليس منها في الحقيقة وواقع الأمر، وخرج عن قوانين المتكلمين إلى مجاهيل الصوفية، حيث أغرق في اعتماد الإلهام وعده مصدرًا معتمدًا في تلقى العقائد والأحكام بلا ضابط أو حد. (١)
ويكشف لنا الغزالي بذلك سبب ميل الصوفية إلى العلوم الإلهامية، وإعراضهم عن تلقى العلم بطريق التحصيل والكسب، يقول: "اعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون، والبحث عن الأقاويل بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى. . . . وإذا تولى الله أمر القلب، فاضت عليه الرحمة، وأشرق النور في القلب، وانشرح الصدر، وانكشف له سر الملكوت، وانقشع عن القلب حجاب العزة بلطف الرحمة، وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية". (٢)
وهذا بعينه ما قرره وهو يحكى قصة هدايته في كتابه المنقذ من الضلال، حيث قام بتصوير حاله أثناء تورطه بالشك الذي أوقعه فيه شبهات عرضت عليه في التسليم بالأوليات وكيف أن الهداية حصلت له لا بسبب واجتهاد، بل بنور قذفه الله تعالى في صدوره، يقول: "ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف. . . فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة؛ فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة". (٣)
* * *
رأى الشيخ الصاوى:
مما سبق اتضح لنا أن الصاوى عاش في عصر متأخر؛ وكان قد تتلمذ على عدد
_________________
(١) انظر: إحياء علوم الدين، للغزالى: (١/ ٢٥٣).
(٢) المرجع السابق: (٨/ ٤٥٢).
(٣) المنقذ من الضلال: ٢٢ - ٢٣.
[ ١٢٣ ]
كبير من مشايخ الأشاعرة في عصره، على رأسهم شيخه: الدردير والجمل. لذا نجد أنه غالبًا ما يقرر مذهب أشياخه في المسائل التي يعرضها، ولعلو مكانته ورسوخ قدمه في المذهب الأشعرى لا يقتصر على ذلك، بل يرجح القول الذي يراه صوابًا وكثيرًا ما يدعم ذلك الترجيح بادلة واضحة الدلالة، بأسلوب معبر، وعبارة سلسة، وقد يظهر عليه خلال عرضه لمسائل العقيدة تأثره بنزعته الصوفية، فيذكر أقوال أهل التصوف إما على سبيل التقرير، أو عرض الرأى الآخر.
وتتلخص آراؤه في معرفة الله تعالى - بناء على ما تقدم - أن معرفة الله تعالى هي أول واجب على المكلف. وبما أنها كذلك فلا بد أن يكون الدليل الموصل إليها واجبًا بوجوبها، حيث يمثل النظر عنده وسيلة للمعرفة المقصودة أو المعتمدة، وبهذا الاعتبار كان حكمه واجبًا.
يقول: "ولما كان أول الواجبات المعرفة على الأصح، وكان النظر وسيلة لها كان واجبًا". (١)
ومع ذلك فإنه يرى أن أساس ذلك الوجوب هو الشرع. حيث إن الله تعالى لم يدع المكلفين موكولين إلى عقولهم في معرفته سبحانه، بل أرسل الرسل، وبين أن الحجة لا تقام، والعذاب لا ينزل بمن يستحقه، إلا بعد إرسالهم، يقول: فإن قلت: كيف يكون للناس حجة قبل الرسل، مع قيام الأدلة التي تدل على معرفة الله ووحدانيته، كما قيل:
وفى كل شيء له آية تدل على أنه الواحد.
أجيب بأن الله لم يكلفنا بذلك بمجرد العقل، بل لا بد من ضميمة الرسل التي تنبه على الأدلة، وشاهده هذه الآية: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. فلذلك قال أهل السنة: إن معرفة الله لا تثبت إلا بالشرع. خلافًا للمعتزلة". (٢)
_________________
(١) حاشية جوهرة التوحيد: ١٥.
(٢) حاشية تفسير الجلالين: (٢/ ٢٤٤).
[ ١٢٤ ]
وتظهر نزعة التصوف جلية في هذه المسألة، حيث يقرر الصاوى أن معرفة الله تعالى قد تحصل للعبد بلا دليل، بل هي محض فضل ونور يقذفه الله تعالى في قلب عبده فيعرفه ويؤمن به. يقول: "فمعرفة الله تعالى تكون ضرورية لأهل الكشف والبصيرة النيرة، ونظرية لأهل الدليل" (١)
وفي موضع آخر يوضح حقيقة هذه الضرورة ووجه كونها كذلك. يقول: "فمعرفة العبد ربه نور من الله يقذفه في قلبه؛ فيدرك أسرار ملكه ويشاهد غيب ملكوته ويلاحظ صفاته" (٢).
ولا يكتفى بذلك بل إنه يضفى على هذه المعرفة نوعًا من الخصوصية، ليست لتلك التي تحصل بطريق النظر، حيث يقول: "واعلم أن المعرفة على قسمين خاصة وعامة. فالعامة معرفة الله بالدليل، والخاصة على ثلاثة أقسام: شهود أفعال وهى للأبرار، وشهود أسماء وصفات، وهى للأخيار، وشهود ذات، وهى لخيار الخيار". (٣)
هذا ويوافق الصاوى الحق بأن معرفة الله أمر فطرى وذلك في معرض تقريره لكلام المحلى، إلا أنه لا يذكر هذا الرأى في تحريره لمسائل الاعتقاد.
ومع ما تقدم فإنه حين يعرض أقوال العلماء في المسألة، فإنه يرجح أهمية النظر ولا يخرجه عن كونه واجبًا يقع في العصيان من حاد عنه، وكانت لديه أهلية النظر (٤).
* * *
المناقشة:
تبين مما تقدم أن الصاوى يوافق جمهور الأشاعرة في أهمية النظر وكونه طريقًا لمعرفة الله تعالى. ولكنه يخالفهم في قصر المعرفة عليه، وامتناع حصولها إلا
_________________
(١) حاشية الخريدة البهية: ٣٩.
(٢) المرجع السابق: ٤١، ٤٢، والحاشية على جوهرة التوحيد: ١٤.
(٣) الحاشية على الصلوات الدرديرية: ٦.
(٤) انظر: حاشية الجلالين: (١/ ١١) حاشية جوهرة التوحيد: ١٣.
[ ١٢٥ ]
بطريقه، يقول الأشعري: "إن أول الواجبات على شرط تقدم النظر والاستدلال، لأنه لا يصح وقوع تلك المعرفة إلا عن النظر والاستدلال". (١) وتظهر المخالفة جلية عند عرضه لأقوال المتصوفة على جهة التقرير، وفي موقفه من التقليد في باب التوحيد.
- أما القول بأن أول الواجبات على المكلف: الشك وهو قول بعض المعتزلة كما سبق، فهذا المعتقد كما قرر شيخ الإسلام مبنى على أصلين: "أحدهما: أن أول الواجبات النظر المفضى إلى العلم، والثانى: أن النظر يضاد العلم، فإن الناظر طالب للعلم، فلا يكون في حال النظر عالمًا".
وهو ما يسمى عند شيخ الإسلام بالنظر الطلبى؛ لأن صاحبه يطلب الاستدلال على المبادئ التي لا يمكن طلبها بدليل، يقول شيخ الإسلام: "لكن النظر الذي يستلزم العلم غير النظر الذي يضاده. فالنظر الذي يستلزم العلم هو النظر الاستلالى وهو النظر في الدليل: فإذا تصور الدليل وتصور استلزامه للحكم علم الحكم، والنظر الذي يضاد العلم هو النظر الطلبى، وهو نظر في المطلوب حكمه؛ هل يظفر بدليل يدله على حكمه أو لا يظفر، كطالب الضالة والمقصود قد يجده وقد لا يجده، وقد يعرض عنهما، فإن الأول انتقال من المبادئ إلى المطالب، والآخر انتقال من المطالب إلى المبادئ". (٢)
ولا شك أن الانتقال من المطالب إلى المبادئ يجعل تحصيلها بعيدًا، وهذا الذي قرره الغزالي في حكاية حاله مع الشك فبين أن الذي أدى به إلى هذا الطريق هو شكه في المبادئ المسلمة التي يستدل بها ولا يستدل لها، يقول: "والمقصود من الحكاية أن يعلم أن كمال الجد في الطلب حتى ينتهى إلى طلب ما لا يطلب؛ لأن الأوليات ليست مطلوبة فإنها حاضرة والحاضر إذا طلب فقد واختفى". (٣)
_________________
(١) مجرد مقالات الأشعري: ٢٥٠.
(٢) الرد على المنطقيين: ٣٥٢، ٣٥٣.
(٣) المنقذ من الضلال: ٢٣.
[ ١٢٦ ]
لذا سمى الغزالي ما حل به مرضًا، وكانت الهداية التي حصلت له من الله تعالى شفاء لهذا الداء الذي أصابه (١).
- أما القول بأن أول الواجبات هو: النظر، أو القصد إليه أو معرفة الله تعالى، فغير صحيح، بل الذي يراه المحققون من أهل السنة والجماعة استنباطًا من أدلة الكتاب والسنة، والتى هي بحق العمدة في المسائل التي تعد من أصول الدين، أن أول واجب على المكلف هو توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، وإن حصل منه ذلك قبل التكليف لم يطالب بالتجديد وإنما بالاستمرار والمثابرة.
وهذا الأصل هو مقتضى التسليم بدلالة النصوص الشرعية، التي تقرر مكانة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، وأنه منهج الرسل جميعًا - عليهم الصلاة والسلام - في مبدأ دعوتهم أقوامهم إلى الله، فكل نبى يبدأ دعوته بالتوحيد قائلًا: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - (٢): "والنبى لم يدع أحدًا من الخلق إلى النظر ابتداءً، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه، كما قال في الحديث المتفق على صحته لمعاذ بن جبل - ﵁ - لما بعثه إلى اليمن: إنك تأتى قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم". (٣)
_________________
(١) انظر: المرجع السابق: ٢٣.
(٢) الدرء: (٨/ ٦، ٧).
(٣) البخاري: كتاب الزكاة باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة: ١٤٥٨، وباب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء: ١٤٩٦.
[ ١٢٧ ]
وكان هذا معتقد الأئمة الهداة. ومن ذلك ما جمعه الإمام ابن عبد الهادى (١) في كتابه: "التمهيد في الكلام على التوحيد"، من آيات وأحاديث صحاح مؤكدًا هذه الحقيقة، حيث قال: فإن أول واجب على العبد: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وابتدأ الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]
وكل الأدلة التي أردفها هذه الآية الكريمة تبين أهمية التوحيد الذي أرسلت به الرسل، وأن هذا هو أول وآخر ما يطلب تحققه من العبد، وتكون به النجاة يوم القيامة. (٢)
وهذا مما تظهر فيه سماحة الإسلام، حيث يقع التكليف على كل فرد بما يقتضيه حاله، فالكافر يؤمر بالشهادتين، والمسلم يؤمر بالطهارة إن لم يكن متطهرًا، وإن كان متطهرًا أمر بالصلاة، يقول شيخ الإسلام: "وفى الجملة فينبغى أن يعلم أن ترتيب الواجبات في الشرع واحدًا بعد واحد، ليس هو أمرًا يستوى فيه جميع الناس، بل هم متنوعون في ذلك، فكما أنه قد يجب على هذا ما لا يجب على هذا، فكذلك قد يؤمر هذا ابتداءً بما لا يؤمر به هذا، فكما أن الزكاة يؤمر بها بعض الناس دون بعض، وكلهم يؤمر بالصلاة فهم مختلفون فيما يؤمر به ابتداءً من واجبات الصلاة، فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة ونحو ذلك من واجباتها أمر بفعل ذلك، ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداءً، ولا يكون أول ما يؤمر به هذا من أمور الصلاة هو أول ما يؤمر به هذا. . .". (٣)
وينبنى هذا الأصل عند جمهور السلف على اعتقاد فطرية معرفة الله تعالى - كما
_________________
(١) هو أبو المحاسن، جمال الدين، يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادى القرشي والدمشقى، الصالحى، من فقهاء الحنابلة، ومن أكابر المحدثين، له تصانيف كثيرة في شتى العلوم، منها: التمهيد في الكلام على التوحيد، رسالة في التوحيد وفضل لا إله إلا الله، عظم المنة بنزل الجنة. توفى سنة ٩٠٩ هـ. انظر: شذرات الذهب: (٨/ ٤٣).
(٢) انظر الكتاب: تحقيق د. محمد عبد الله السمهري.
(٣) الدرء (٨/ ١٦).
[ ١٢٨ ]
بينت سابقًا - وتظهر هذه الحقيقة ماثلة للعيان والأذهان، حين يخبر الله تعالى، عن حال من كذب وأعرض بأنه مكابر معاند يجحد ما توقن به نفسه. - واليقين كما هو معلوم من أعلى درجات المعرفة - وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤].
وهذا اليقين الذي داخل نفوس الخلق بحيث لو أعرض عنه الكافر كان إعراضه نتيجة للكبر الذي من تلبس به لم يفلح أبدًا. أقول هذا اليقين هو من لوازم خلقتهم التي خلقهم الله تعالى عليها، فقد أخبر تعالى أنه أخذ العهد والميثاق على بنى آدم، وهم في عهد الذر بأن يقروا بربوبيته وأن لا يشركوا معه أحدًا من خلقه فأقروا وشهدوا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].
وبذلك يكون الإيمان بالله تعالى وتوحيده أمرًا فطريًا، لا يمكن للنفس البشرية جحده ولا إنكاره إلا ظلمًا وعلوًا، كما أخبر بذلك المولى سبحانه، ولا ينبئك مثل خبير. يقول شيخ الإسلام في بيان هذه الحقيقة المشرقة: "ولهذا جميع بنى آدم مقرون بهذا شاهدون به على أنفسهم. وهذا أمر ضرورى لهم لا ينفك عنه مخلوق، وهو مما خلقوا عليه وجبلوا عليه، وجعل علمًا ضروريًا لهم لا يمكن أحدًا جحده". (١)
ومع ما تقدم من بيان منهج السلف، فإن الصاوى قد وافق وجهًا من الصواب، حيث أقر بأن معرفة الله تعالى قد تقع بغير النظر، كوقوعها فطرة كما يوحى إقراره لكلام المحلى في ذلك، أو اضطرارًا في قلب العبد. وعبر عن ذلك بالكشف والإلهام. وبذلك خالف الأشاعرة في قصرهم الطريق إلى معرفة الله تعالى على النظر، وكان أكثر اعتدالًا، حين أوجب النظر ولو بعيدًا عن التزامات المتكلمين في
_________________
(١) المرجع السابق: (٨/ ٤٨٨).
[ ١٢٩ ]
الاستدلال على من له أهلية مع تحقق المعرفة عنده؛ امتثالًا لأمر الشارع الحكيم، حيث أمر في كثير من الآيات الكريمة بالتدبر والتفكر، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن، هذا أصل متفق عليه بينهم، والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية، ولا يعرف عن أحد من الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك، بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والتفكر والاعتبار وغير ذلك، ولكن وقع الاشتراك في لفظ النظر والاستدلال، ولفظ الكلام، فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم واستدلالهم، فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال". (١)
وللإمام الحافظ ابن حجر (٢) كلام نفيس في هذه المسألة حيث قام بعرض الأقوال المختلفة ومناقشتها، وذلك بتفنيد الأقوال الباطلة وتقرير الحقائق المستمدة من الكتاب والسنة، فبعد أن ذكر الأقوال المتعددة حول النظر وجوبًا وتحريمًا، مال - ﵀ - إلى الاعتدال - شيمة أهل الحديث - ونقل كلامًا مهمًا يعد من الأقوال الحاسمة للخلاف في المسألة، يقول: "ونقلت من جزء الحافظ صلاح الدين العلائى: يمكن أن يفصل فيقال: من لا له أهلية لفهم شيء من الأدلة أصلًا، وحصل له اليقين التام بالمطلوب، إما بنشأته على ذلك، أو لنور يقذفه الله في قلبه؛ فإنه يكتفى منه بذلك. ومن فيه أهلية لفهم الأدلة لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل، ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه، وتكفى الأدلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه". (٣)
_________________
(١) نقض المنطق: ٤٧، ٤٨.
(٢) هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن على بن محمد بن محمد الشهير بابن حجر العسقلاني الأصل المصرى المولد والنشأة ولد سنة: ٧٧٣، وتوفى سنة: ٨٥٢، اشتغل بالفقه والعربية وصار حافظ الإسلام، انتهى إليه معرفة الرجال واستحضارهم، له مؤلفات عميمة النفع من أشهرها شرحه على صحيح البخاري. انظر: شذرات الذهب: (٧/ ٢٧٠).
(٣) فتح الباري: (١٣/ ٣٥٤).
[ ١٣٠ ]
وقد حكى إجماع عامة المسلمين على أن النظر لا يجب في حق من آمن إيمانًا جازمًا، الإمام ابن حزم (١) حيث قال: "وقال سائر أهل الإسلام: كل من اعتقد بقلبه اعتقادًا لا يشك فيه، وقال بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن كل ما جاء به حق، وبرئ من كل دين سوى دين محمد - ﷺ -، فإنه مسلم مؤمن، ليس عليه غير ذلك" (٢).
والحق الذي عليه المعول، أن النظر قد يجب في بعض الأحيان، وعلى بعض الأعيان، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: ٧، ٨]، وقد استدل شيخ الإسلام بهذه الآيات الكريمة على ما ذكرته، وبين أن الشاهد من الآية هو عود الضمير في قوله: [يتفكروا] على الكفار الذين وصفهم المولى بقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣)
ولا شك أن الآيات التي تحث القلب على النظر والتدبر والتفكر كثيرة في كتاب الله تعالى ولكن المراد منها بعيد كل البعد عما يقصده المتكلمون، فهذه أدلة القرآن الكريم تخاطب الفطرة البشرية التي شهدت بربوبية خالقها منذ أن عرفت الوجود وذاقت طعم الحياة بالتفكر والتدبر في هذا الخلق المحكم حتى تصل بذلك إلى اليقين والاطمئنان، فيظهر أثر ذلك عليها علمًا بما يجب في حق الله تعالى، وعملًا بما يرضى الله تعالى.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي
_________________
(١) هو أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأموى ولد بقرطبة سنة: ٣٨٤ هـ كان حافظًا عالمًا مستنبطًا للأحكام على المذهب الشافعي ثم انتقل إلى المذهب الظاهرى، أتقن علومًا جمة وألف تواليف كثيرة، منها: الإحكام في أصول الأحكام، والفصل في الملل والأهواء. والنحل وغيرها، توفى سنة: ٤٥٦: انظر: وفيات الأعيان: (٣/ ٣٢٥)، شذرات الذهب: (٣/ ٢٩٩).
(٢) الفصل في الملل والنحل (٣/ ٣٥).
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٨).
[ ١٣١ ]
الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ثم يبين تعالى من هم أولوا الألباب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]
يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: "أي يا من خلق الخلق بالحق والعدل، يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث: قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم" (١)
هذا إلى جانب التناقض الحاصل من اعتقاد وجوب النظر مع تحقق الإيمان، والقول بأن معرفة الله لا تثبت إلا بالشرع، كما هو قول الأشاعرة، وكان هذا نتيجة لاضطراب المنهج الذي سلكه هؤلاء المتكلمون في الاستدلال على المعتقد بين الرد والتقرير، ففى مواجهة أقوال المعتزلة يرجعون الأمر كله للشرع، ويقولون لا واجب إلا بالشرع. (٢)
يقول الإيجى: "النظر في معرفة الله واجب إجماعًا، واختلف في طريق ثبوته: عند أصحابنا السمع، وعند المعتزلة العقل"
مع ذلك كانوا أكثر الناس تأثرًا بأقوال المعتزلة ويظهر هذا التأثر جليًا في هذه المسألة، حيث نقل الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - قول أحد كبار الأشاعرة الذين خالفوا ما عليه جمهورهم من إيجاب النظر، يقول: "وقد وافق أبو جعفر السمنانى (٣)
- وهو من رءوس الأشاعرة على هذا وقال: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفى التقليد في ذلك" (٤).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم: (١/ ٥٧٢).
(٢) انظر: الملل والنحل، الشهرستانى: (١/ ٥٣).
(٣) محمد بن أحمد السمنانى وأبو جعفر، القاضي، الحنفى وأحد المتكلمين ولازم القاضي أبا بكر الباقلانى حتى برع بالكلام، وكان مقدم الأشعرية في وقته، وكان عالمًا صدوقًا، له تصانيف عدة، توفي سنة: ٤٤٤ هـ انظر: سير أعلام النبلاء، والبداية والنهاية: ١٢/ ٦٨، ٦٩.
(٤) فتح الباري: (١٣/ ٣٤٩).
[ ١٣٢ ]
هذا إلى جانب الاضطراب الذي وقع فيه آحادهم من القول بوجوب الصلاة على من هو دون البلوغ مع القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر، يقول شيخ الإسلام: "ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشى على من يقول: لا واجب إلا بالشرع كما هو قول الأشعرية، وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أو سبع، لا وجوب على من لم يبلغ ذلك، وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين إن كان لم يتكلم بهما، وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة، وهذا هو المعنى الذي قصده من قال: أول الواجبات الطهارة والصلاة، فإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا". (١)
* * *
وإذا كانت معرفة الله تعالى متحققة بالفطرة، التي تعنى ملازمة الجبلة البشرية للإقرار بربوبية الله تعالى، وانفراده باستحقاق العبادة، كذلك أمكن تحقق حصولها بغير هذا الطريق، ويكون ذلك عند انطماس معالم الهداية في قلب العبد؛ بسبب وجود الموانع الصارفة من تحقق مقتضى تلك الهداية الفطرية اللازمة للجبلة البشرية، فكانت عناية الله بهذا الخلق الضعيف أن جعل الطرق الدالة عليه أعظم الطرق وأوسعها، فالإلهام (٢) أو الكشف (٣) طريق إلى معرفة الله تعالى وهو هداية من المولى يختص بها من يشاء من عباده، وقد يحصل بسبب المجاهدة وترك العلائق كما يقول الصوفية - مع الاحتراز -، وقد يحصل بمحض فضل من الله ﷿؛
_________________
(١) درء التعارض: (٨/ ١٢، ١٣)
(٢) الإلهام في اللغة: التلقين، يقال: ألهمه الله الخير: لقنه إياه قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] قال الراغب الأصفهانى: (إلقاء الشيء في الروع، ويختص ذلك بما كان من جهة الله تعالى وجهة الملأ الأعلى) المفردات: ٤٥٥. يقول الإمام ابن القيم في الإلهام أنه: "موهبة مجردة لا تنال بكسب البتة"، مدارج السالكين: (١/ ٦٩).
(٣) الكشف داخل ضمن دائرة الإلهام ويعرف بأنه: (الإطلاع على ما وراء الحجاب من المعانى الغيبية، والأمور الحقيقية وجودًا وعدمًا) التعريفات للجرجانى: ١٨٤.
[ ١٣٣ ]
فينير قلب عبده للإيمان به والتزام هديه وهذا ما حكاه القرآن الكريم لنا، حيث قال في محكم التنزيل: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] وتفسير الوحى المذكور في الآية بالإلهام هو قول طائفة من السلف. قال الحسن البصري: "ألهمهم الله ﷿ ذلك". وقال السدي: "قذف في قلوبهم ذلك"
يقول شيخ الإسلام: "وليس من الممتنع وجود العلم بثبوت الصانع وصدق رسوله إلهامًا. فدعوى المدعى امتناع ذلك يفتقر إلى دليل، فطرق المعارف متنوعة في نفسها، والمعرفة بالله أعظم المعارف، وطرقها أوسع وأعظم من غيرها، فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفيًا عامًا لما سوى تلك الطريق؛ لم يقبل منه، فإن النافى عليه الدليل، كما أن المثبت عليه الدليل".
* * *
أما ما يؤخذ على الصاوى في هذا الجانب، فإنه يتلخص في تقسيمه المعرفة إلى قسمين، بحسب الطريق الموصل إليها، وإضفاء نوع من الخصوصية على تلك التي تحصل للعبد بطريق الكشف - كما يعبر عنه الصوفية - أو بالإلهام كما تعارف عليه أهل السنة والجماعة. وهذا في حقيقته مبنى على اعتقاد شائع عند المتصوفة، إذ يعدون الإلهام مصدرًا من مصادر التلقى، والذي يسامى منزلة الوحى عندهم.
والأصل في حجية الإلهام واعتباره من المسالك الشرعية في الدين أن يستند في دلالته إلى نصوص الكتاب والسنة وألَّا يستقل بحكم شرعى لا أصل له فيهما، ولذلك كان الإلهام في هذا الباب قد استوفى شرط تحكيمه والعمل بمقتضاه؛ حيث استند اعتباره لما قام عليه الدين جملة وتفصيلًا فوافق أمرًا فطريًا ضروريًا قد جبل الله تعالى خلقه عليه، وأمرهم به، وهو معرفته سبحانه ربًا، خالقًا، رازقًا، مدبرًا، أحدًا، ومن ثم التوجه له بالعبادة وحده. (١)
_________________
(١) انظر: بحث الإلهام في كتاب: المعرفة في الإسلام د/ عبد الله القرنى: ٨٠، ٨١.
[ ١٣٤ ]
ويبين الإمام ابن القيم الضابط الذي يعتمد في هذا الباب، حيث يقول: "والرؤيا كالكشف، منها رحمانى، ومنها نفسانى، ومنها شيطانى. . ." إلى أن قال: "ورؤيا الأنبياء وحى، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة؛ ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل - ﵉ - بالرؤيا.
وأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحى الصريح، فإن وافقته وإلا فلا". (١)
وبنفس الضوابط والشروط يقرر الإمام الشاطبى هذه الحقيقة، يقول: ". . . لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال، إلا أن نعرضها على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها". (٢)
لهذا فإن الإمام ابن القيم يرى أن الكشف الصحيح هو ما كان دليلًا للعبد يعينه في معرفة الحق الذي بعث الله تعالى به رسله، يقول: "فالكشف الصحيح: أن يعرف الحق الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه معاينة لقلبه، ويجرد إرادة القلب له فيدور معه وجودًا وعدمًا، هذا هو التحقيق الصحيح وما خالفه فغرور قبيح". (٣)
ويرجع هذا الأصل إلى اعتقاد كفاية الطرق والمسالك التي شرعها الدين للاستدلال على مسائله وأحكامه: علمًا وعملًا، جملة وتفصيلًا، وهو مقتضى التسليم والإيمان بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]
واعتقاد حصول البيان التام بالشرع، لا يمنع الاستئناس بما يدل عليه ويوافقه من طريق النظر أو الكشف، وإنما يقع المحظور في اعتقاد أن ثمة هدى ونور يستقل ببيانه دليل سوى دليل الشرع، ولهذا المعنى أشار العلامة عبد الرحمن المعلمى (٤)
_________________
(١) مدارج السالكين: (١/ ٧٥).
(٢) الاعتصام: (٢/ ٧٨).
(٣) مدارج السالكين: (٣/ ٢١٤).
(٤) هو عبد الرحمن بن يحيى بن على بن محمد المعلمى العتمى، فقيه من العلماء ولد سنة: ١٣١٣ هـ - تولى رئاسة القضاء في عسير ولقب بشيخ الإسلام، له تصانيف كثيرة، منها: التنكيل، والأنوار الكاشفة، ومحاضرة في كتب الرجال وغيرها، توفي ﵀: ١٣٨٦ هـ: الأعلام: (٣/ ٣٤٢).
[ ١٣٥ ]
بعد عرضه للمسالك الشرعية السلفية وبيان حصول الكفاية والاستغناء بها عما سواها، ومن ثم للمسالك الخلفية التي خلط سالكوها الحق بالباطل وبيان ما اشتملت عليه منهما، حيث قال - رحمه الله تعالى -: "مهما يكن في المأخذين الخلفيين من الوهن فإننا لا نمنع أن يستند إليهما فيما ليس من الدين ولا يدفعه الدين، بل لا ندفع أن يكون فيهما ما يوصل في كثير من ذلك إلى اليقين، فإن الشرع لم يتكفل ببيان ما ليس من الدين. وكذلك لا نرى كبير حرج في الاستئناس بما يوافق المأخذين السلفيين بعد الاعتراف بأنهما كافيان شافيان، إذ لا يلزم من كفايتهما ألّا يبقى في غيرهما ما يمكن أن يستدل به على الحق، وإنما الممنوع الباطل هو زعم أنهما غير وافيين ببيان الحق في الدين". (١)
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التفاضل في المعرفة من جهة الطريق الموصل إليها أمر يحتاج إلى دليل؛ إذ العبرة في حقيقة هذه المعرفة وما يترتب عليها من نقاء ويقين، يخلص صاحبها من درن الشرك والكفر والذي تعلقت النجاة بصفاء الإيمان من درنه.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
وفى آية أخرى ينفى الله تعالى تحقق الإيمان لكثير من الناس إلا مع تلبسهم بالشرك، يقول سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
وكيف أن إبليس لعنه الله، قد عرف الله ﷿، عظيمًا، قادرًا عزيزًا، حتى أقسم بعزته، ولم تنفعه تلك المعرفة ولا ذلك الإقرار؛ لأن العبرة بالانقياد والتسليم، الذي يتبع تلك المعرفة، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]
_________________
(١) التنكيل: (٢/ ٢٦٠).
[ ١٣٦ ]
التقليد وحكم المقلد
من خلال عرض آراء المتكلمين السابقة في قضية المعرفة يمكن لنا تحديد مواقفهم المتباينة من قضية التقليد في العقائد، حيث تنبنى هذه القضية كسابقتها على الضرورة العقلية المتمثلة في إيجابهم للنظر، وأنه السبيل الوحيد للمعرفة، ومن خالفهم في هذه الحتمية لا بد أن يتحدد اتجاهه من التقليد وفق ما يقتضيه موقفه من النظر ابتداءً.
ونتيجة لما سبق يصبح موقف المعتزلة المتمثل بالرفض التام للتقليد ضرورة حتمية يقتضيها منهجهم العقلى الذي يذهب إلى أن المعارف لا تنال إلا بالنظر والاستدلال. يقول القاضي: "إن القول به - التقليد - يؤدى إلى جحد الضرورة؛ لأن تقليد من يقول بقدم الأجسام ليس بأولى من تقليد من يقول بحدوثها". (١) حيث يعرفه بأنه: "قبول قول الغير من غير أن يطالبه بحجة وبينة حتى يجعله كالقلادة في عنقه، وما هذا حاله لا يجوز أن يكون طريقًا للعلم". (٢)
ومع مخالفة الأشاعرة للمعتزلة في قضية التكفير إلا أنهم يتفقون معهم في ذم التقليد، وكان هذا نتيجة حتمية لإيجابهم النظر كما تقدم. (٣)
ويبرهن المتكلمون على فساد التقليد وعدم جدواه في الوصول إلى المعرفة الحقة؛ أنه يجوز على المقلد الوقوع في الخطأ والصواب دونما تميز، وما كان حاله كذلك لا يصلح أن يكون حجة لصاحبه، وأنه لو أمكن الاستناد إلى التقليد لما أرسل الله الرسل بالمعجزات والبراهين حتى يصل الناس إلى الإيمان بطريق التدبر والنظر في المعجزة الموجب للعلم بها، ولعذر الناس بكفرهم، يقول القاضي عبد الجبار: "لو كان ضروريًا، لوجب أن يكون من يعدم هذا العلم معذورًا في ذلك؛ لأن ذلك
_________________
(١) المغنى: (١٢/ ١٢٣).
(٢) شرح الأصول الخمسة: ٦١.
(٣) غاية المرام: ٣٢٣، وانظر: قواعد العقائد للغزالى: ٧٦، والتبصير في الدين للإسفرايينى: ١٨١.
[ ١٣٧ ]
ليس بإرادته، وهذا يوجب في الكفار أن يكونوا معذورين في تركهم معرفة الله تعالى وغير ذلك من المعارف" (١). وبما أن النظر والاستدلال هو سبيل العلم الوحيد، فإثبات العلم بغير طريقه جهل وضلال، والتقليد لا يخرج عن كونه دعوى لا برهان لها فثبت عدم إمكان الاحتجاج به في باب العقائد.
يقول الحافظ ابن حجر في حكاية حجتهم على ذم التقليد: "واستدل بعضهم بأن التقليد لا يفيد العلم، إذ لو أفاده لكان العلم حاصلًا لمن قلد في قدم العالم، ولمن قلد في حدوثه، وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين". (٢)
ومن هنا أطلقوا الأحكام الجائرة التي هي محض افتراء؛ إذ لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، حيث تذهب المعتزلة إلى تكفير المقلد بينما يعتقد تفسيقه جمهور الأشاعرة (٣)، فيخرقون بذلك إجماع الأمة في قبول إيمان من أعلن كلمة التوحيد والتزم شعائر الإسلام.
* * *
رأى الشيخ الصاوى:
بناءً على ما تقدم من عرض أقوال الشيخ الصاوى في قضية المعرفة وما لمسناه من اعتدال ظاهر فيها؛ نجده يصحح إيمان المقلد الذي امتلأ قلبه إيمانًا وعجز عن قيام الأدلة، بل يجزم بإيمانه؛ معللًا ذلك أنه ليس عنده ظن في حقيقة الإيمان، وفى المقابل يرى الصاوى أن التقليد الذي يضر بصاحبه ويوقعه في المهالك هو تقليد أهل الكفر، إذ لا عذر لهم في ذلك، وقد قامت الحجة عليهم.
يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. "المراد بالظن خلاف التحقيق فيشمل الشك والوهم. وهذا الكلام في حق الكفار الذين اتبعوا غيرهم في الكفر وقلدوهم فيه، فلا عذر لهم في التقليد دنيا
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة: (٥٢).
(٢) فتح الباري: (١٣/ ٣٥٤).
(٣) تقدم كلام الصاوى في حاشية الجوهرة، وانظر: تحفة المريد للبيجورى: (١٩).
[ ١٣٨ ]
ولا أخرى. وأما المؤمن الذي امتلأ قلبه بالإيمان، حيث عجز عن قيام الأدلة على التوحيد، وقلد العارف فيه فليس من هذا القبيل، بل هو مؤمن جزمًا لأنه ليس عنده ظن بل جزم مطابق للواقع. وربما إن دام على الصدق ومتابعة من يقلده يرتقى في التوحيد إلى مقام أعلى وأجل من مقام من قلده. وأما القول بأنه كافر فإنما يعرف لأبى هاشم الجبائى من المعتزلة فلا يعول عليه". (١)
ومع هذا فإنه يرى أن من ترك النظر مع القدرة عليه يكون آثمًا، يقول: "وحاصل ما انحط عليه كلام الأشياخ أن من عرف الله بالدليل ولو جمليًا، ولو لم يكن باصطلاح أهل الكلام، فهو مؤمن اتفاقًا، ومن عرفه بلا دليل أصلًا بل بالتقليد، ففيه ستة أقوال:
- الأول لأبى هاشم الجبائى، رئيس المعتزلة. ونقله عن أهل السنة كذب. إذ إيمانه غير صحيح في الآخرة، وأما في الدنيا فاتفقوا على إيمانه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤].
- الثاني هو صحيح، إلا أنه عاصٍ لترك النظر مطلقًا، كان فيه أهلية للنظر أم لا.
- الثالث هو صحيح إلا أنه عاصٍ بترك النظر، إن كان فيه أهلية للنظر وكان متمكنًا من المعرفة"، إلى أن قال: "والحق الذي عليه المعول أنه مؤمن عاصٍ بترك النظر، إن كان فيه أهلية". (٢)
- ويبين الصاوى مراتب العلم وما هي المرتبة التي لا بد من تحققها حتى تتم المعرفة لدى المؤمن، لينجو بها من التقليد الذي كثر الكلام في التحذير منه، يقول: "واعلم أن العلم مراتب: الأولى العلم بالدليل ولو جمليًا، ويسمى علم يقين وهذا هو المطلوب في التوحيد الذي يخرج به المكلف من ورطة التقليد وهو الجزم من غير دليل وفيه خلاف.
_________________
(١) الحاشية على الجلالين: (٢/ ١٧٦).
(٢) حاشية جوهرة التوحيد: ١٣.
[ ١٣٩ ]
الثانية: العلم مع مراقبة الله، ويسمى عين يقين.
الثالثة: العلم مع المشاهدة، ويسمى حق يقين" (١).
* * *
المناقشة:
لقد سلك الإمام ابن حزم مسالك عدة في دحض شبه المتكلمين حول مسألة التقليد، وكان من أبرازها بيانًا: الاستدلال بوجوب اتباع النبي - ﷺ -، وأن من وجبت متابعته لا يعد تقليده ذمًا، بل لا يطلق عليه مسمى التقليد، يقول: "التقليد أخذ المرء قول. من هو دون الرسول - ﷺ - ممن لم يأمرنا باتباعه وأخذ قوله، بل حرم علينا ذلك، وأما أخذ قول الرسول - ﷺ - الذي فرض الله تصديقه وطاعته فليس تقليدًا، بل إيمان وتصديق، واتباع للحق، وطاعة الله ورسوله. . . . ." (٢) إلى أن قال: "والقرآن إنما ذم فيه تقليد الآباء والكبراء والسادة في خلاف ما جاءت به الرسل، وأما اتباع الرسل فهو الذي أوجبه، لم يذم من اتبعه أصلًا". (٣)
وأما كلامه في دحض حجتهم بأن العلم لا يأتى إلا بطريق البرهان. والتقليد ادعاء لا دليل معه، فإنه يرجع إلى بيان طرق تحصيل العلم، وعدم اقتصاره على طريق النظر والبرهان حيث بين - رحمه الله تعالى - أن العلم هو "اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، وكل من اعتقد شيئًا على ما هو به ولم يتخالجه فيه شك فهو سالم به، وسواء كان عن ضرورة حس، أو عن بديهة عقل، أو عن برهان استدلال، أو عن تيسير الله ﷿ له، وخلقه لذلك المعتقد في قلبه" (٤). فمن كان دليله على معرفة الله فطرته أو إلهام وهداية لم يطالب بالبرهان.
_________________
(١) المرجع السابق: (٤/ ٨٥).
(٢) الفصل: (٣/ ٣٦).
(٣) انظر: المرجع السابق: (٣/ ٣٧).
(٤) المرجع السابق: (٣/ ٤٠).
[ ١٤٠ ]
وقد استدل - رحمه الله تعالى - بحال جمهرة المسلمين الذين لا يعرفون علم الكلام، ومنهم أئمة أعلام وأصحاب حديث، وكيف أن الله تعالى قد حبب إليهم الأيمان وزينه في قلوبهم، حيث يرجع ذلك الميل وتلك المحبة إلى الفطرة التي جبلهم الله تعالى عليها ابتداءً، يقول: "قد سمى الله ﷿ راشدين القوم الذين زين الإيمان في قلوبهم وحببه إليهم، وكره إليهم الكفر والمعاصى، فضلًا منه ونعمة.
وهذا هو خلق الله تعالى الإيمان في قلوبهم ابتداءً، وعلى ألسنتهم، ولم يذكر الله في ذلك استدلالًا أصلًا، وبالله التوفيق" ويؤكد هذه الحقيقة الإيمانية التي امتزجت بها أرواحهم، "وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لكبرائهم، لأن هؤلاء مقرون بألسنتهم، محققون في قلوبهم، أن آباءهم لو كفروا لما كفروا هم، بل كانوا يستحلون قتل آبائهم ورؤسائهم والبراءة منهم". (١)
ومع ذلك فإنه - ﵀ - لم يغفل جانب النظر وأهميته، بل أكد على وجوبه لمن يحتاج إلى ذلك؛ إما بسبب شبهات عرضت له لا يمكن ردها إلا بطريق النظر، أو لكونه من الكفار الذين خالفوا أمر النبي - ﷺ - فأمروا بالإتيان بالبرهان وقد سبق لي عرض هذه المسألة بشيء من التفصيل، وبذلك يتبين وهن الأساس الذي بنى عليه المتكلمون رأيهم في مسألة التقليد.
وبهذا الذي تقدم من بيان الموقف الحق تجاه التقليد في باب الإيمان تظهر مخالفة الشيخ الصاوى لعقيدة السلف في إيجابه النظر وتأثيمه من تركه والحكم عليه بالعصيان، وقد سبق أن النظر لا يجب إلا على بعض الأعيان وفى بعض الأحيان ولكنه مع تأثيمه إياه فقد أصاب في إقراره بصحة إيمان المقلد الذي امتلأ قلبه إيمانًا.
كما حاد عن الصواب حين أقر أدلة المتكلمين، وجعلها طريقًا ثابتًا لمعرفة الله تعالى كما يجب (٢)، يقول الإمام الشوكانى: "ومن أمعن النظر في أحوال العوام
_________________
(١) الفصل: (٣/ ٣٨).
(٢) وهذه المسألة يزيد وضوحها عند عرضها في المبحث التالى.
[ ١٤١ ]
وجدها صحيحة، فإن كثيرًا منهم نجد الإيمان في صدره كالجبال الرواسى، ونجد بعض المتعلقين بعلم الكلام، المشتغلين به الخائضين في معقولاته، التي يتخبط فيها أهلها لا يزال ينقص إيمانه وينقص منه عروة، فإن أدركته الألطاف الربانية نجا، وإلا هلك، ولهذا تمنى كثير من الخائضين في هذه العلوم المتبحرين في أنواعها في آخر أمره أن يكون على دين العجائز، ولهم في ذلك من الكلمات المنظومة والمنثورة ما لا يخفى على من له اطلاع على أخبار الناس". (١)
* * *
_________________
(١) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: ٢٦٦.
[ ١٤٢ ]
(المبحث الثاني): الاستدلال على وجود الله تعالى
تبين مما سبق أن اعتقاد السلف في فطرية معرفة الله تعالى، هو مقتضى التسليم بنصوص الكتاب والسنة والإجماع، وأن ذلك الاعتقاد حقيقة في النفس البشرية لا يمكن دفعها، حيث يستند في مبدئه إلى الإذعان بالضرورة الفطرية التي تحتم التسليم بالمبادئ الأولية (١) والمسلمات اليقينية التي هي أساس التفكير البشرى والاستدلال العقلى.
وتمثل هذه الحقيقة في التصور السليم، المحور الأساس الذي تدور حوله الطرق الشرعية في الاستدلال على وجود الله تعالى، حيث تعتمد هذه الطرق العقلية على مبدأ السببية، الذي يقوم عليه دليل الخلق والإيجاد، ودليل الإحكام والإتقان. وبذلك فقد مثل هذا المبدأ أسمى مبادئ التفكير البشرى، الذي ميز الله تعالى به الإنسان، ليكون دليلًا هاديًا إلى معرفته تعالى إذا ضلت بصاحبها الأهواء.
ويتعين الاستدلال بالعقل على وجود الله تعالى؛ عند انطماس معالم الفطرة الكامنة في النفس البشرية، وذلك حين تحول الموانع الصارفة دون الوصول إلى هذه الحقيقة الفطرية، فيأتى هنا دور العقل البشرى ليكون هو الهادى بإذن الله تعالى إلى معرفته، حيث تنحصر وظيفته في إعمال المبدأ الفطرى، والركيزة اليقينية، وهى دلالة الأسباب على مسببها.
وقد نبه القرآن الكريم العقل البشرى إلى إدراك هذه الحقيقة حين خاطب المشركين، بطريق التقسيم الحاصر، حيث قال في محكم التنزيل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].
_________________
(١) المبادئ الأولية هي: التي لا تفتقر إلى شيء أصلًا بعد توجه العقل إليها، يقول الجرجانى: "هي التي لا تحتاج إلى البرهان بخلاف المسائل فإنها تثبت بالبرهان القاطع": تعريفات الجرجانى: ٢٥٠.
[ ١٤٣ ]
فالمعنى: "أخلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا ممتنع في بدائه العقول. أم خلقوا أنفسهم؟ فهذا أشد امتناعًا. فعلم أن لهم خالقًا خلقهم، هو الله سبحانه. وقد ذكر سبحانه الدليل بصيغة الاستفهام الإنكارى ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس لا يمكن لأحدٍ إنكارها، فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعى وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول: إنه أحدث نفسه". (١)
وقد تبين بذلك أن القرآن الكريم في خطابه للنفس البشرية، من أجل تقرير هذه الحقيقة، يأمر بإعمال التفكير والتدبر، حتى يصل إلى تلك المبادئ الفطرية، والمسلمات اليقينية، التي لا يمكن ردها، ولا الاستدلال عليها، فيرتفع بذلك الغطاء الذي حال دون الشعور بها.
فمعرفة الله تعالى فطرية في النفس، سواء حصل العلم بها ضرورة، أو بالتفات النفس إلى ذلك؛ لشعورها بطلبه والحاجة إليه، ويمكن أن يتمثل ذلك الالتفات بصورة دليل تكون مقدماته فطرية؛ لأن الاستدلال على وجود الله تعالى في أصل الأمر يرتكز على مبدأ فطرى لا يمكن الاستدلال له، يقول شيخ الإسلام: "والشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها بالبرهان، لأن غاية البرهان أن ينتهى إليها، فإذا وقع الشك فيه انقطع طريق النظر والبحث". (٢) وهذا ما حكاه الغزالي عن نفسه حين حالت الشبهات بينه وبين هذه الأوليات الفطرية، حيث سمى ذلك الشك في تلك المسلمات مرضًا، وبين أن طريق اهتدائه ونجاته منه لم يكن بنظم دليل، وإنما بنور قذفه الله تعالى في صدره. (٣)
وفى بيان فطرية الأوليات التي يقوم عليها الاستدلال على وجود الله تعالى، يقول شيخ الإسلام: "وإن كان فيها قوة تقتضى المعرفة بنفسها، وإن لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة، لزم حصول المعرفة فيها بدون ما نسمعه من أدلة المعرفة، سواء
_________________
(١) الرد على المنطقيين: ٢٥٣.
(٢) الدرء: (٣/ ٣١٠).
(٣) المنقذ من الضلال: ٢٣.
[ ١٤٤ ]
قيل: إن المعرفة الضرورية فيها، أو قيل: إنها تحصل بأسباب كالأدلة التي تنتظم في النفس من غير أن يسمع كلام مستدل، فإن النفس بفطرتها قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما لا يحتاج معه إلى كلام أحد، فإن كل مولود يولد على هذه الفطرة؛ لزم أن يكون المقتضى للمعرفة حاصلًا لكل مولود، وهو المطلوب". (١)
وبذلك يتضح المنهج الربانى، في الاستدلال على وجوده سبحانه، بعيدًا عن التعقيد والغموض، صريحًا واضحًا قريبًا من النفس البشرية، حيث يخاطب فيها تلك الحقائق التي غرست بداخلها، فما إن تتنبه لها إلا وتدرك ببديهة فطرتها ذلك الشعور الذي يدلها على الخالق سبحانه: ربًا خالقًا، لا أحد يستحق العبادة سواه.
وبسبب بعد المتكلمين عن تصور هذه الحقيقة، ولما التزموه من أصول فاسدة في وجوب الاستناد إلى العقل للدلالة على أصول الإيمان، واعتقاد عدم كفاية الأدلة الشرعية في ذلك؛ نجد أن الطرق التي سلكوها في الاستدلال على وجود الله تعالى قد بنيت على تصورات فلسفية لا حقيقة لها، يكتنفها الكثير من الغموض والتعقيد، حتى خرجت بها في كثير من الأحيان عن المقصود، هذا إلى جانب ما انبنى عليها من أمور مبتدعة، أثرت على صفاء المعتقد فيما يجب في حق لله تعالى، أو يمتنع عليه فصارت عمدة المتكلمين في هذا الباب عددًا من الأدلة المبتدعة لا أساس لها من الشرع وهى كالتالى:
١ - دليل حدوث الأجسام.
٢ - دليل الوجوب والإمكان.
دليل حدوث الأجسام
يعد هذا الدليل عند عامة المتكلمين من الأصول اليقينية التي لا يتم إيمان المرء إلا باعتقاد دلالته على وجود الباري جل وعلا؛ إذ لا يتمكن - عندهم - من إثبات الصانع إلا به، وكان أول من ابتدع هذا الطريق المعتزلة، وقد صرح بذلك شيخ
_________________
(١) الدرء: (٨/ ٤٤٦، ٤٤٧).
[ ١٤٥ ]
الإسلام حيث قال: "والمعتزلة كانوا هم أئمة الكلام في وجوب النظر والاستدلال بطريقة الأعراض والأجسام وما يتبع ذلك" (١) ولشيخ الإسلام كلام يرجع فيه هذا الدليل إلى الجهم بن صفوان (٢). (٣)
وقد أرجع القاضي أولية الاستدلال به لأبي الهذيل من شيوخ المعتزلة. (٤)
ويقوم هذا الدليل على أربع دعائم تجتمع في اعتقاد أن الأجسام لا تخلو من الحوادث وهى: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون، وعدم انفصال الجسم عنها، يعني أنه حادث مثلها. (٥) وتكون كالتالى على جهة التفصيل:
١ - أن في الأجسام معانٍ هي: الاجتماع، والافتراق، والحركة والسكون، وبيان ذلك: أن اجتماع الجسم بعد أن كان متفرقًا يحتاج إلى مخصص؛ وما كان كذلك فهو محدث، وأيضا يقال ذلك في السكون بعد الحركة، ومثله يقال في الافتراق، ودلالته أقرب، فإن الذي نراه من الأجسام إنما يكون بعد اجتماعها، والافتراق يكون بعد الاجتماع، إذًا فالافتراق دلالته على حدوث الأجسام من أقوى الأدلة.
٢ - أن هذه المعانى محدثة. وتحرير هذه الدعوى إثبات أن هذه أعراض (٦) والأعراض حادثة والدليل على حدوثها أنه يجوز عليها العدم فيمتنع عنها القدم ولا توسط في ذلك.
٣ - أن أي جسم من الأجسام لا يخلو من الأعراض، فالجسم إما متحرك وإما
_________________
(١) الدرء: (٨/ ٩٨، ٩٩).
(٢) هو أبو محرز جهم بن صفوان الراسبى الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الإيمان معرفة الله فقط، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان: الفرق بين الفرق: ٢٢١.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية: (٨/ ٥).
(٤) شرح الأصول الخمسة: (٩٥).
(٥) مذاهب الإسلاميين، عبد الرحمن بدوى: (١/ ٣٩٨).
(٦) العرض: [هو الموجود في شيء غير متقوم به لا كجزء منه، بل ولا يصح قوامة دون ما هو فيه]: المباحث المشرقية، [أو ما لا يقوم بنفسه وإنما يحتاج إلى جسم يقوم به، مثل الطعومات والمشمومات والمبصرات والألوان والحركات] الرازي: (١/ ١٣٨). وانظر: المواقف للإيجى: ٩٦.
[ ١٤٦ ]
ساكن، والحركة والسكون أعراض، والدليل على عرضيتها كما سبق، أنه يجوز فناؤها، فتذهب الحركة مثلًا ويحل السكون، والعكس بالعكس، فإثبات حلول هذه المعانى في الجسم يعتمد على مبدأ الإدراك الحسى، الذي يميز الأجسام المتحركة من الساكنة، والمجتمعة من المتفرقة.
٤ - أنها إذا لم يخلو الجسم منها، وجب حدوثه مثلها؛ لأن حظ هذه المعانى في الوجود الحدوث، وارتباط الجسم بها يعني عدم إمكان انفكاكه عنها؛ لذلك وجب أن يكون حادثًا مثلها. (١)
وبهذا يرى القاضي عبد الجبار أنه تمكن من إثبات حدوث العالم، ليثبت بذلك احتياجه لمحدث أحدثه، ويستخدم طريق السبر والتقسيم لإثبات ذلك، فيقول: "لا يخلو: إما أن تكون قد أحدثت نفسها، أو أحدثها غيرها"، ويبرهن على فساد الفرض الأول، بأن الفاعل يجب أن يكون متقدمًا على فعله، فاستحال بذلك أن تحدث الأجسام نفسها؛ لأنه يلزم من ذلك اتصافها بالقدرة حال عدمها.
بقى الفرض الثاني وهو إثبات محدث لها، وجب أن يكون مخالفًا لها، لاستحالة إيجاد الحادث للحادث، يقول: "فلم يبق إلا الفرض الثاني: وهو أن يكون الذي أحدثها فاعل مخالف لها، وهو الله تعالى الذي ليس كمثله شيء". (٢)
وقد تابع الأشعرية من تقدمهم من الفرق في ابتداع هذا الأصل، وجعله سبيلًا إلى معرفة الله تعالى، كما هو مقرر في الكثير من كتب الأشاعرة. (٣)
ومع إجماعهم على أهمية الدليل وحصول المطلوب به، إلا أن طرق عرضهم لهذا الدليل تختلف، ولكن لا يخرجها هذا الاختلاف عن المقصود، وحيث ينبنى هذا الدليل على مقدمتين هما:
١ - العالم حادث.
٢ - وكل حادث له محدث.
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة: ٩٥، ٩٧، ٩٩، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٧، ١١١.
(٢) المرجع السابق: ١١٩.
(٣) انظر: المواقف للإيجى: ٢٤٥.
[ ١٤٧ ]
النتيجة هذا العالم لا بد له من محدث.
وتستند المقدمة الأولى في إثبات حدوث العالم، إلى تقسيمه لجواهر (١) وأعراض، وأن العرض حادث، ولا يمكن انفصال الجوهر عنه، فصار بذلك حادثًا مثله. (٢)
أما المقدمة الثانية فتستند إلى امتناع التسلسل في الحوادث، وأنه لا بد من رجوع إلى واجب الوجود، يستحيل عليه العدم. (٣)
وهذا الرازي يعرض الدليل كأسلافه من المعتزلة، ويقول: والأكوان حادثة؛ لأن كل كون فإنه يصح عليه العدم، وكل ما صح عليه العدم امتنع عليه القدم، ومما امتنع عليه القدم فهو حادث، فثبت أن الجسم لا يخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، إذن الجسم حادث". (٤)
ويصل بذلك إلى إثبات احتياج هذه الحوادث لمحدث أحدثها، هو واجب الوجود؛ لامتناع التسلسل بين الحوادث، فيقول: "إنه لما ثبت أن العالم ما كان موجودًا ثم كان موجودًا، فحقيقة العالم قابلة للعدم وقابلة للوجود وكلما كان كذلك فرجحان وجوده على عدمه؛ لأجل ترجيح مرجح، فثبت أن وجود العالم محتاج إلى الموجد المؤثر". (٥)
رأي الشيخ الصاوي:
تتعدد عبارات الصاوى في الاستدلال بدليل الحدوث على إثبات الباري تعالى، وكلها تدور في إطار المعانى السابقة، حيث يقول: "العالم حادث، وكل حادث له محدث".
_________________
(١) الجوهر هو: [الموجود لا في موضوع بمعنى أن ماهيته إذا وجدت كانت لا في موضوع] المباحث المشرقية: (١/ ١٣٨).
(٢) المواقف للإيجى: ٢٤٥.
(٣) انظر: المرجع السابق: ٢٦٦، والإرشاد للجوينى: ٢٨، ٢٩.
(٤) نهاية العقول: ٢٣/ أ.
(٥) المطالب العالية: (١/ ٢١٣).
[ ١٤٨ ]
ثم يقرر دليل القضيتين، ويبدأ بالصغرى: "حدوث العالم"، ويستدل على صحتها ببيان المقدمات التي تنبنى عليها، مع الاستدلال لكل مقدمة منها.
أما المقدمة الأولى، التي ينبنى عليها دليل حدوث العالم، إثبات أن "العالم متغير"، ودليلها يستند إلى الإدراك الحسى، حيث علمت "بالمشاهدة".
وأما المقدمة الثانية "كل متغير حادث" فيقرر الاستدلال عليها بوجود التلازم بين التغير والحدوث، حيث يقول: "فإن كان موجودًا بعد عدم فحدوثه ظاهر وإن كان معدومًا بعد وجود، فكل ما جاز عليه العدم قطعًا يستحيل عليه القدم".
ثم يبين وجه التلازم بين التغير والحدوث، بتقسيم العالم إلى أجرام وأعراض، "فحدوث الأعراض بمشاهدة التغير، والأجرام لملازمتها لها، وملازم الحادث حادث بالضرورة".
فيصل بذلك إلى صحة المقدمة الأولى: "فينتج العالم حادث". (١)
وأما دليل القضية الكبرى "كل حادث له محدث"، فيستند إلى وجوب إثبات المرجح، الذي كان به ترجيح الوجود على العدم، يقول: "وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، وهو محال، فينتج العالم لا بد له من محدث".
ولإثبات أن المحدث هو الباري تعالى؛ يستدل بما يجب أن يتصف به القادر على الإيجاد من وجوب الوجود؛ منعًا للتسلسل والقدرة السابقة للفعل، وغير ذلك، يقول: "وهذا المحدث واجب الوجود إلى آخر الصفات التي يتوقف عليها الإيجاد، وإلا لما وجد العالم". (٢)
ويذكر عبارة أخرى في تقرير الدليل، هي أقرب للفطرة: "أن تقول العالم جائز عليه العدم، وكل ما جاز عليه العدم استحال عليه القدم، أنتج: العالم استحاله عليه القدم". (٣)
_________________
(١) المرجع السابق: ١٥.
(٢) حاشية جوهرة التوحيد: ١٥، ١٦. وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٤٨، ٤٩.
(٣) المرجع السابق.
[ ١٤٩ ]
المناقشة:
يشترط في الدليل حتى يتم به الوصول إلى المطلوب، أن يكون واضحًا بينًا، حتى لا يصعب فهم مقدماته، وبالتالى يتحقق المراد منه، وأن لا يستند في إحدى مقدماته إلى تقارير وضعية (١)، لا يستقيم المعنى المراد منها لعاقل، فيرد عليها المنع - طلب الدليل - ولا قوة فيها لدفعه، وإذا تيقن ذلك، وعلم احتياج الدليل للوضوح والبرهان، بأن ضعف دليل الحدوث وعدم كفايته في الاستدلال على وجود الله تعالى؛ حيث تعتمد مقدمتاه في إثبات حدوث العالم على مقدمات هي أكثر خفاء منها، وقد عبر عنها بمصطلحات فلسفية دخيلة، أكثرها من المجمل الذي يشمل حقًا وباطلًا، وهذه المقدمات هي: تقسيم العالم إلى جواهر وأعراض، وأن العرض حادث، وهو قائم بالجوهر، وما قام به الحادث فهو حادث، يقول شيخ الإسلام في بيان خفائها: "طريقة أثبتوا فيها الجلى بالخفى، وأرادوا إيضاح الواضح". (٢)
وتفصيل القول فيها كالتالى:
- أما تقسيم العالم إلى جواهر وأعراض، وأن الجوهر هو الجزء الذي لا يتجزأ، فهذا افتراض لم يثبت له دليل، وقد أثبت العلم الحديث بطلانه بإمكان انقسام الذرة وهى أصغر جزء في الأجسام، وأنها بهذا الانقسام تتحول إلى طاقة هائلة تسمى عند المتكلمين بالعرض.
وقد توصل شيخ الإسلام إلى مفهوم التحول عند التناهى قبل مئات السنين، وإن كان في المثال الذي قام بضربه قصور؛ أظهره العلم الحديث، حيث علم أن تحول الماء إلى الهواء من العمليات الفيزيائية التي لا تؤثر في تركيب المادة الكيميائى وهذه العملية تسمى بالتبخر، فالماء المكون من معادلة H ٢ O: ذرتان هيدروجين وذرة أكسجين، لا يغيرها تغير مادته بإحدى العمليات الفيزيائية المعروفة وهى
_________________
(١) أي اصطلاحية تكلفية.
(٢) الدرء: (١/ ٨).
[ ١٥٠ ]
التبخر، والتكثف، والتجمد، والانصهار (١)، ولكن لا يمنع ذلك من صحة ما توصل إليه به في ذلك الزمن، يقول في معرض نقضه لهذه النظرية: "لأن الموجود إن قيل: إنه لا يقبل القسمة بالفعل لم تكن فيه أجزاء لا تتناهى، وإن قيل: إنه يقبلها بالفعل، فإذا صغرت أجزاؤه فإنها تستحيل وتفسد وتفنى، كما تستحيل أجزاء الماء الصغار هواء، وإذا استحالت عند تناهى صغرها، لم يلزم أن تكون باقية قابلة لانقسامات لا تتناهى، ولا يلزم وجود أجزاء لا تتناهى". (٢)
وأما كلامهم في أن الجواهر الفردة لا تخلو من الأعراض فغير مسلم؛ لان الجوهر الفرد لا يرى بالعين المجردة، فثبت أنها دعوى لا برهان عليها.
والصحيح أن الأجسام لا تخلو من الأعراض وهى الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ولكن اختلاف المتكلمين في قابلية جميع الاجسام للحركة والسكون جعل الاستدلال بهما محل نظر، مع أن الاستدلال بهما بدهى؛ لانه لا يخلو أي جسم من سكون أو حركة؛ لعدم إمكان اجتماعهما أو ارتفاعهما في آنٍ واحد، فصار الاستدلال المجمع عليه ما كان مثبتًا بحصول الاجتماع والافتراق، لكن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بإثبات أن الجسم مركب من أجزاء تنتهى بالجوهر الفرد، فعاد نقض الدليل إلى إبطال هذه النظرية، وقد تقدم. (٣)
- وأما الحكم على الأعراض بالحدوث، فإنهم يستدلون لذلك بالمشاهد منها، فقد ثبت تعاقب الأعراض على الجواهر ومما يدل على حدوثها، وينفى عنها القدم (٤) ثم يقيسون ما غاب منها على المشاهد، حتى يصلوا إلى تعميم الحكم بحدوث الأعراض.
_________________
(١) انظر: المرجع في الكيمياء، سعيد بالبيد: ١٠. وانظر: سلسلة المساعد الكيميائية، سعيد بالبيد: ٧.
(٢) الدرء: (٩/ ٧٨): انظر: النبوات: ٨٦.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية: (١/ ٢٨١). والدرء: (٢/ ١٩١).
(٤) انظر: الإرشاد للجوينى: ٢٤.
[ ١٥١ ]
- وقد ضعف ابن رشد (١) هذا القياس بأنه لو صح الحكم على الغائب استدلالًا بحال الشاهد، لما احتيج إلى إثبات حدوث الأجسام بطريق الأعراض، إذ المشاهد من الأجسام بين الحدوث، ولكان إثبات حدوث ما غاب عنا منها بقياسه على المشاهد أصح، ولأمكن الاستغناء عن الاستدلال بحدوث الأعراض، والصحيح أنه لا يصح الاستناد إليه إلا عند التيقن من استواء طبيعة الشاهد بالغائب، يقول: "فتؤول أدلتهم على حدوث. جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب، وهو دليل خطابى إلا حيث النقلة معقولة بنفسها، وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب" (٢)
- وأما الحكم على ما لا يخلو من الحوادث بالحدوث، فهو العمدة في إثبات حدوث العالم، والأصل الذي أعتمد عليه أهل الكلام في ترجيح تأويلاتهم المبتدعة، حيث نزهوا الله تعالى عن حلول الحوادث فيه، فنفوا بذلك الكثير من الصفات المثبتة في القرآن والسنة.
وللسلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - توجيهات لهذا الأصل، حيث يعد من الأمور المشبهة التي تشتمل على حق وباطل، لذلك احتاج الكلام فيه إلى تفصيل وإيضاح؛ ليستبن المراد منه فيؤخذ بذلك الحكم الذي يناسبه.
فقد يراد بما لا يخلو من الحوادث: أنه لا يخلو من حادث بعينه، فهذا معلوم ببداهة العقول أنه حادث مثله.
وبيانه أن ما لا يخلو من الحوادث لا يمكن له سبقها؛ لأنه إن كان سابقًا لها كان
_________________
(١) هو محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكى أبو الوليد، فقيه أصولى، اشتغل بالفلسفة وحاول التلفيق بينها ولبين الشريعة حتى كان ذلك سببًا لتكفير العلماء له واتهامهم له بالزندقة، له عدد من المصنفات في الفقه والأصول وعلم الكلام والفلسفة، توفى بقرطبة في ذى القعدة سنة: ٥٢٠. انظر: شذرات الذهب: (٤/ ٦٢) وشجرة النور الزكية: ١٢٩، ومعجم المؤلفين: (٧/ ٢٢٨).
(٢) الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد: ١٠٩. وتجدر هنا الإشارة إلى أن طعن ابن رشد في منهج قياس الغائب على الشاهد في إثبات حدوث الأجسام الفلكية باطل، لأنه قد ثبت بالبرهان استواء طبيعة سائر الأجسام في كونها حادثة، وسيأتي تفصيل ذلك.
[ ١٥٢ ]
خاليًا منها، ولامتنع الحكم عليه بعدم خلوه من الحوادث، وإذا علم امتناع سبقه لها مع عدم خلوه منها، بقى أن يكون وجوده مقارنًا لها أو بعدها، وحدوثه في كلا الحالتين ظاهر لا يحتاج إلى بيان.
وأما الاحتمال الثاني الذي يرد عليه: أن الذي لا يخلو من جنس الحوادث حادث - أي الحوادث المتعاقبة التي لا ابتداء لها - فهذا هو محل النزاع، والذي لا يسلم أهل السنة والجماعة للمتكلمين به، وعليه مدار إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة بالإرادة كالكلام والغضب والضحك وغير ذلك، يقول شيخ الإسلام: "وأما ما لا يسبق جنس الحوادث، وهو ما قدر أنه لم يزل يقارنه حادث بعد حادث وهلم جرًا، كما أنه يقارنه حادث بعد حادث، وفانٍ بعد فانٍ في الأبد، فيقدر ليس متقدمًا على جنس الحوادث، ولا متأخرًا عن جنس الحوادث والفانيات؛ فهذا محل نزاع نازعهم فيه جمهور الناس من أهل الملل والفلاسفة القائلين بحدوث العالم". (١)
ولما علم بطلان تعميم الحكم بالحدوث على كل ما لا تخلو منه الحوادث استنادًا إلى وجود حوادث لا أول لها، أقدم متأخروا المتكلمين على نفى إمكان حوادث لا ابتداء لها، ووضعوا برهان التطبيق؛ ليحتجوا به على هذه المقولة. (٢)
لكن هذه المحاولة باءت بالفشل، ولم تتمكن من إثبات حوادث لا أول لها؛ لأن ما تستند إليه من دليل التطبيق باطل ممتنع "وملخص ذلك أن ما لا يتناهى إذا فرض فيه حد كزمن الطوفان، وفرض حد بعد ذلك كزمن الهجرة، وقدر امتداد هذين إلى ما لا نهاية، فإن تساويا لزم أن يكون الزائد مثل الناقص، وإن تفاضلا لزم وقوع التفاضل فيما لا يتناهى" (٣)
وقد بين شيخ الإسلام امتناعه من عدة أوجه:
١ - أنه لا يمكن التطبيق مع وجود التفاضل، كما في المثال.
_________________
(١) الدرء: (٨/ ٢٣٨).
(٢) انظر: المرجع السابق: (١/ ٨) و(٩/ ٨٧).
(٣) المرجع السابق: (١/ ٣٠٤). وانظر على سبيل المثال: لمع الأدلة للجوينى: ٩٠، والمواقف للإيجى: ٢٤٦.
[ ١٥٣ ]
٢ - أن التفاضل حاصل من الجهة المتناهية لا الثانية.
٣ - أن التطبيق يصح في الموجود لا المعدوم.
ثم إن هذه المقدمة تلزمهم بلوازم ممتنعة مما يدل على فسادها؛ إذ بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، ومن ذلك أن المقدمة الثانية "كل حادث لا بد له محدث" التي تعد من المسلمات المعلوم صدقها بالضرورة لم يسلم للمتكلمين إثباتها وفق هذا الأصل المبتدع الذي استندوا إليه في إثبات أن العالم حادث، حيث لزمهم في إثبات هذا المحدث أن لا يكون حادثًا ولا قديمًا، أما الحادث فلا يمكن لامتناع التسلسل. (١) أو الدور القبلى (٢) بين الفاعلين، وقد أقروا بذلك.
وأما القديم فلا يصح إثباتهم له؛ لأنه إما أن يكون فعله قديمًا، ويمتنع عدم فعله لأن في ذلك نقصًا ينافى الكمال، وعلى ذلك لا بد أن تكون المفعولات هي أيضًا أزلية؛ لأن كل فعل أنتج مفعولًا لا بد أن يتعلق به مفعوله، وهذا ما يبطله مشاهدة حدوث المفعولات. فلم يبق إلا أن يكون الفعل الذي تعلقت به الحوادث حادثًا، فنتج بذلك فعل حادث عن فاعل قديم، وهذا ما لا يقرون به وفقًا لأصلهم الفاسد.
ومن جهة أخرى فإن كون الفاعل يفعل مرة دون مرة، دل على اتصافه بصفة رجحت الفعل على الترك، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح وهو محال؛ لأن المقدر تساويهما بالنسبة للفاعل، فترجيح إحداهما على الأخرى دل على وجود علة رجحت الحدوث على العدم، ولا يصح نسبة هذا الترجيح للإرادة القديمة، كما يدعى المتكلمون.
وقد كان هذا القول منهم مدعاة للفلاسفة للتبجح بمذهبهم الباطل في قدم
_________________
(١) والمقصود من التسلسل هنا أن يفتقر المحدث إلى محدث ويمر الأمر إلى غير نهاية.
(٢) الدور القبلى هنا: أن يتوقف وجود المحدث على محدث وبالعكس، يكون كل منهما باعتباره علة متقدمًا وباعتباره معلولًا متأخرًا.، فيلزم اجتماع النقيضين انظر: ابن تيمية السلفى: ٧، د. محمد خليل هراس.
[ ١٥٤ ]
المفعولات؛ معللين ذلك بأن حدوثها يلزم منه حدوث فاعلها، لاحتياجها إلى مرجح حادث يقوم به، كما أدى ذلك إلى الطعن في أصل إثبات المتكلمين القدم للمحدث - كما بينت - والزامهم بلوازم أصلهم الفاسد.
وقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - بطلان مذهبهم، يقول: "وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية وغيرهم، يقرون بالصانع المحدث من غير تجدد سبب حادث.
ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع، وقال لهم الناس: هذا ينقض الأصل الذي أثبتم به الصانع، وأن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، فإذا كانت الأوقات متماثلة، والفاعل على حال واحدة، لم يتجدد فيه شيء أزلًا وأبدًا ثم اختص أحد الأوقات بالحدوث فيه كان ذلك ترجيحًا بلا مرجح". (١)
ثم بين - ﵀ - أن الطريق الأسلم في هذا ما كان مستمدًا من الكتاب والسنة، وهو إثبات إرادة حادثة تقوم بالقديم يكون بها الترجيح، ولا يلزم منها حدوث ما قامت به. وبذلك تنتقى حجة الفلاسفة في إبطال مسلك المتكلمين في إثبات محدث قديم مفعولاته حادثة. (٢)
- ويبقى الرد على أولئك المعارضين من الفلاسفة (٣) بأنه إذا أمكن تعاقب حوادث لا أول لها بالأفلاك مع وصفها بالقدم؛ فلم لا يمكن قيام أفعال اختيارية بالقديم يكون بها حدوث الحوادث، ولا تمنع وصفه بالقدم؟ (٤).
هذا إلى جانب ما يلزمهم في نفى قيام الحوادث بالقديم من إثبات حدوث كل الحوادث بلا سبب ولا ذات متصفة بصفات كمال. (٥)
وبكل ما تقدم بان ضعف الدليل حيث بنى على مقدمات واهية، نتج عنها انحراف خطير التزمه المتكلمون في اعتقاد ما يجب في حق الله تعالى.
_________________
(١) الدرء: (٨/ ١٠٧).
(٢) منهاج السنة النبوية: (١/ ٤٢٥، ٤٢٦).
(٣) كابن رشد وأمثاله.
(٤) انظر: شرح العقيدة الأصفهانية: ٧١.
(٥) انظر: الدرء: (١/ ٣٧١).
[ ١٥٥ ]
دليل الإمكان
يستند اعتقاد الفلاسفة في وحدانية الله تعالى إلى نفى شبهة التركيب، إذ الواحد يمتنع عليه التعدد، واعتقدوا أن في إثبات الصفات ما يخالف ذلك الأصل الذي بنو عليه توحيد الله وتنزيهه، حيث وصفوه بأنه عاقل لا يعقل إلا نفسه، ليس له إرادة ولا قدرة ولا أي صفة سوى العقل.
وعند التساؤل عن وجود هذه المفعولات الكثيرة المشاهدة، فإنهم يرجعون الإجابة إلى نظرية الفيض والصدور، فأبطلوا دلالة العالم على وجود فاعله من جهة الحدوث؛ لأن في إثبات حدوث المخلوقات استلزامًا لقيام صفة حادثة بالرب، يتعلق بها وجود الحوادث، وهذا ما يمتنع - عندهم - بناء على شبهة التركيب التي ينبنى عليها التفريق بين الواجب والممكن؛ وبذلك ينتفى إمكان الاستدلال على واجب الوجود - عندهم - إلا بطريق التصور المحض للوجود. (١)
ويعتمد هذا الاستدلال على تضمن الوجود المطلق للوجود الواجب والممكن، يقول ابن سينا: "لا شك أن هناك وجودًا، وكل وجود إما واجب وإما ممكن؛ فإن كان واجبًا فقد صح وجود الواجب وهو المطلوب، وإن كان ممكنًا فإنا نوضح أن الممكن ينتهى وجوده إلى واجب الوجود". (٢)
وتستند دلالة الوجود الممكن على الوجود الواجب إلى استحالة ترجح وجود الممكن على عدمه بلا مرجح (٣)؛ فإن واجب الوجود هو من يرجح الوجود على العدم، وإلا لزم الدور أو التسلسل الممتنعين (٤).
_________________
(١) انظر: الإشارات والتنبيهات: (٣/ ٥٤).
(٢) النجاة: ٣٨٣.
(٣) انظر: نهاية الإقدام في علم الكلام، الشهرستانى: ٩٩.
(٤) انظر المواقف: ٢٦٦. ولزيادة التوسع انظر: الأصول التي بنا عليها المبتدعة مذبهم في الصفات، ومبحث دلالة العقل على وجود الله في كتاب المعرفة في الإسلام.
[ ١٥٦ ]
وقد تأثرت المعتزلة بهذا المسلك الذي سلكه الفلاسفة والتزموا بلوازمه؛ فقاموا بنفى الصفات موافقة لهم في اعتقاد أن إثباتها يوجب التعدد وينفى الوحدانية؛ لأن انتفاء التركيب يعد في حق الواجب من أخص ما يميز به عن الممكن، وأقاموا على ذلك أصلهم المبتدع في إثبات التوحيد. (١)
وانتقلت هذه الشبهة لأكابر الأشاعرة ممن تأثروا بالفلسفة، وأصبح الاستدلال بهذا الدليل أمرًا مستساغًا عندهم (٢)، بل وجد بعضهم في الدليل ما يفى بالمقصود، بعيدًا عن التكلف واصطناع المقدمات، حيث كثرت اعتراضات المخالفين عليها، وقام بدمجه مع دليل الحدوث، كتطوير أو دعم لهذا الدليل، فخالفوا بذلك مسلك الفلاسفة في الاستدلال به، وجعلوه مما يدل على سبق الممكنات بالعدم، مما يقضى بإثبات حدوثها. (٣)
ويشكك البعض في نسبة هذا الاستدلال إلى الفلاسفة؛ للمخالفة الظاهرة في طريقة الاستدلال به، حتى حكم البعض بخلافه، وزعم أن هذا الدليل قد عرف عن الباقلانى الذي توفى قبل ابن سينا بربع قرن، (٤) ولكن لا يزال الاعتراض قائمًا؛ لأن ابن سينا لم يكن هو الذي أحدث الطريقة، بل استفاد منها وعدل عنها إلى طريقة أحدثها، على غرار طريقة المتكلمين في دليل الحدوث. (٥).
ويمكن التوفيق بين الرأيين، فيقال: إن الدليل قد انتقل من الإمكان الذهنى الافتراضى إلى الإمكان الحقيقى على يد المتكلمين، كالباقلانى، والجوينى؛ بمعنى: أنه انتقل من التصور المحض للوجود، والاستدلال به على وجود الواجب والممكن إلى تعيين الممكنات، والاستدلال على وجود واجب أبدعها؛ لما كانت عليه من العدم، وما آلت إليه من الوجود.
_________________
(١) انظر: نهاية الإقدام في علم الكلام: ٩٠.
(٢) انظر: المحصل للرازي: ٦٦.
(٣) انظر: المواقف للإيجى: ٢٦٦.
(٤) ابن رشد وفلسفته الدينية، محمود قاسم: ٩٢، ٩٤.
(٥) انظر: الدرء: (٣/ ٣٣٤).
[ ١٥٧ ]
وقد اشتهر الاستدلال به عند كافة المتكلمين؛ لما وجدوا فيه من واقعية الاستدلال، دون أن يكون التصور العقلى هو المستند الوحيد له، إلا أن الفكرة التي يقوم عليها وهى الجواز وتساوى الممكنات "فكرة اعتزالية تسربت إلى الفلسفة، وظهرت لدى الأشاعرة منذ الباقلاني". (١) مما يحكم بعدم استقلاله عن الأصل الفلسفى البعيد؛ لأنه قد سبق بيان تسرب هذه الفكرة إلى الاعتزال من الفلسفة القديمة، كما شهد بذلك الشهرستانى والغزالى. (٢)
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
يتابع الشيخ أسلافه من المتكلمين بالاستدلال بدليل الإمكان من حيث ما يقتضيه من معنى الحدوث، ودلالته على وجود الصانع، يقول: "واعلم أنهم اختلفوا في كيفية الاستدلال بالعالم على أربعة أقوال:
الأول: من جهة الإمكان أي استواء الوجود والعدم، ونظم الدليل أن تقول: العالم ممكن، وكل ممكن له صانع، فالعالم له صانع.
الثاني: من جهة الحدوث، أي الوجود بعد العدم، ونظم الدليل عليه أن تقول: العالم حادث، وكل حادث له صانع، فالعالم له صانع.
الثالث: من جهتهما معًا، ونظمه العالم ممكن حادث، وكل ما كان كذلك فله صانع.
الرابع: من جهة الإمكان بشرط الحدوث، ونظمه كالذى قبله وإنما الفرق بينهما أن الحدوث أخذ جزأ في الأول، وشرطًا في الثاني". (٣)
* * *
_________________
(١) الآمدي وآراؤه الكلامية، د. حسن الشافعي: ٤١١.
(٢) نهاية الإقدام، للشهرستانى: ٩٠، والمنقذ من الضلال، للغزالى: ١٠٧.
(٣) حاشية جوهرة التوحيد: ٨.
[ ١٥٨ ]
المناقشة:
يستند هذا الدليل في مبدأ الاستدلال به عند الفلاسفة إلى التصور المطلق للوجود، والذي ليس له حقيقة خارجة عن الذهن، مما يحكم بعدم كفايته في الاستدلال على وجود الله تعالى، فكل ما يقتضيه: تقسيم الوجود إلى واجب وممكن، أما من حيث التعين فلا يدل عليه، وهذا ما يدحض حجيته في الاستدلال على وجود الله تعالى، ويقرر عدم كفايته في هذا الأصل العظيم.
بيان ذلك: أن الدليل الصحيح الدال على وجود الله تعالى لا بد أن يدل على تعينه متصفًا بما لا يشاركه فيه أحد من صفات الكمال، مع دلالته على إثبات وجوده، وإلا لأدى ذلك الاستدلال إلى نقيض المراد منه، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "حقيقة قول هؤلاء نفى الوجود الواجب المباين للوجود الممكن، ونفى وجود الخالق المباين للمخلوقات، ونفى وجود القديم المباين للمحدثات". (١)
وهذا يرجع إلى أنه استدلال بالكلى، الذي لا وجود له إلا في الأذهان وهو مطلق الوجود على المتعين وهو الوجود الواجب المتحقق في الخارج، وهذا غير ممكن بطريقه؛ لأن دلالة الكلى على المتعين قد تفيد إثباته في العقل، ولكنها تقصر عن المراد الأسمى، وهو تعيينه بصفاته التي يحصل بها التمييز بين الواجب والممكن في الخارج، يقول شيخ الإسلام في بيان عدم جدواه: "فإن هذه الطريقة، وإن كانت صحيحة بلا ريب، لكن نتيجتها إثبات وجود واجب، وهذا لم ينازع فيه أحد من العقلاء المعتبرين، ولا هو من المطالب العالية، ولا فيه إثبات الخالق، ولا إثبات وجود واجب أبدع السموات والأرض". (٢)
- وقد أعرض الفلاسفة عن الاستدلال بالحدوث - مع أنه يستند إلى مبدأ الإدراك الحسى إلى الاستدلال بهذا الدليل - حتى لا يخالفوا اعتقادهم بقدم بعض الموجودات كالأفلاك السماوية، فحصروا دلالة الممكن على الواجب بافتقاره إليه افتقار العلة إلى معلولها دون سبق زمان. (٣)
_________________
(١) الصفدية: (٢/ ١٩).
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية: ٤٢.
(٣) انظر: الدرء: (٣/ ٣٣٤) بدون إلزامات الأشاعرة في المقدمة التالية، لأنها فطرية، وسيأتي بيانه.
[ ١٥٩ ]
وهذا ما رده عليهم شيخ الإسلام - ﵀ - وبين عدم صحته لمخالفته ما قد أجمع العقلاء عليه، يقول: "أما كون الممكن بنفسه له ذات يعتقب عليه الوجود والعدم، وأنها مع ذلك قد تكون قديمة أزلية واجبة بغيرها، كما يقوله ابن سينا وموافقوه، فهذا باطل عند العقلاء قاطبة من الأولين والآخرين، حتى عند ابن سينا مع تناقضه". (١)
- ومع مخالفة المتكلمين للفلاسفة في هذا، واستدلالهم بالإمكان على الحدوث، لاقتضائه سبق الممكنات بالعدم، كما بين الصاوى، إلا أن شيخ الإسلام يخطئهم في استخدام مصطلح الإمكان من حيث امتناع دلالته على المراد، ببيان أن الممكن ما كان معدومًا أما ما وجد فقد خرج عن الإمكان إلى الوجوب بالغير، فالمعروف في فطر الناس أن ما مضى من وجود وعدم لا يسمونه ممكنًا، وإنما يسمون بالممكن شيئًا يمكن وجوده في المستقبل وعدمه في المستقبل". (٢)
هذا وقد سبقت الإشارة إلى أن الدليل حتى يتم به المقصود لا بد أن يتسم بالبيان والوضوح، وإلا خالف المراد منه، وهذا مما انتقده شيخ الإسلام - ﵀ - على المتكلمين، حيث خالفوا السبيل المستبين إلى سبيل تتسم مقدماته بالطول والخفاء، واستخدام المصطلحات الفلسفية المبتدعة، مما جعل فهمه متعسرًا على الكثير، يقول: "فإن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين من العلم بأن الممكن لا بد له من واجب فتكون تلك الطريق أبين وأقصر، وهذه أخفى وأطول". إلى أن قال: "ومن استدل على الجلى بالخفى فإنه وإن تكلم حقًا فلم يسلك طريق الاستدلال. . . فإثبات الصانع بمثل هذه المقدمات لو كانت صحيحة كان الدليل باطلًا". (٣)
وبعد التنبيه على وعورة هذه المسالك، وانقطاعها بأصحابها في الوصول للمراد الأسمى، يجدر التنبيه إلى بيان الطرق الشرعية، التي ذكرت في القرآن الكريم والسنة المطهرة، باعتبار كفايتهما في الاستدلال على أصول الدين جملة وتفصيلًا -
_________________
(١) الدرء: (٣/ ٣٣٧).
(٢) الدرء: (٣/ ٣٥٠).
(٣) انظر: شرح العقيدة الأصفهانية: ٤٣.
[ ١٦٠ ]
كما بينت سابقًا - فإن طريقة القرآن الكريم في بيان هذا الأصل، تتفق وروح السماحة وإرادة الخير بالبشرية، التي تعد من أبرز سماته التي خصه الله بها.
فإن حديث القرآن عن معرفة الله تعالى، والاستدلال على وجوده، يتسم بأنه خطاب موجه للفطرة المغروسة في النفس البشرية، فجل ما يفيده في هذا المجال هو تنبيه العقل لإدراك هذه الحقيقة الكامنة فيه إن غفل عنها، وغابت معالمها في نفسه، ومن ثم إلزامها بما يقتضيه هذا الإقرار من التزام بأوامر الشرع المطهر، فدليل الخلق والإيجاد، يعتمد على مقدمتين، دلالة كل منهما تستند إلى اليقين، وهما: أن ما يشاهد من الموجودات مخلوق، وأنه لا بد لكل مخلوق من خالق.
حيث ترتكز المقدمة الأولى على مبدأ الإدراك الحسى، وذلك أن العلم بحدوث المخلوقات، تقتضيه مشاهدة ما يطرأ عليها من وجود بعد عدم، ومن فناء بعد وجود، وقد دل القرآن الكريم على هذه الضرورة، بأحسن بيان وأوجزه، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾.
وقال: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤].
وغيرها من آيات الذكر الحكيم، التي نبهت إلى حقيقة الخلق في هذه الموجودات المشاهدة، وإقرار الكافرين بها، فاستدلت بها دون أن تستدل لها على ضرورة وجود خالق مبدع لتلك المخلوقات.
- أما المقدمة الثانية لهذا الدليل، وهى ضرورة أن يكون لهذه المخلوقات خالقًا مبدعًا، فتعتمد على مبدأ السببية، الذي يعد من أسمى مبادئ التفكير البشرى الهادى إلى معرفة الله تعالى، وقد اعتمد القرآن الكريم في الاستدلال على هذا الأصل العظيم إلزام المخاطبين به، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [النمل: ٦٤].
حيث تدل هذه الآية الكريمة على وجوب أن يكون لهم خالق خلقهم من غير أنفسهم، ومن ثم إلزامهم بوجوب أن يكون هو الخالق الذي لا إله إلا هو.
[ ١٦١ ]
وقد أتى هذا الإلزام بصيغة الاستفهام الإنكارى ليدل على فطرية هذه القضية واستقرارها في نفوسهم، بحيث يمتنع مخالجة الشك لها. (١)
يقول العلامة الشنقيطي - ﵀ -: "لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح والأولى: أن يكونوا خلقوا من غير شيء، أي بدون خالق أصلًا.
والثانية: أن يكونوا خلقوا أنفسهم.
والثالثة: أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم.
ولا شك أن القسمين الأولين باطلان، وبطلانهما ضرورى كما ترى، فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه، والثالث هو الحق الذي لا شك فيه، وهو جل وعلا خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا". (٢)
وعلى نفس مبدأ السببية يقوم دليل آخر، له ارتباط وثيق بدليل الخلق، وذلك من جهة اشتمال المخلوقات على ما هي عليه من الإحكام والإتقان، ومن ثم الاستدلال بذلك على وجود مبدع لها، أحكم وأتقن صنعها، يقوم هذا الدليل كسابقه على مقدمتين دلالتهما يقينية: أما المقدمة الأولى: وهى أن كل ما هو مشاهد من المخلوقات قد أحكم خلقه وأتقن، فتستند إلى الإدراك الحسى الذي يدرك هذه الحقيقة ويشاهدها دون أدنى شك.
وأما المقدمة الثانية، وهى أن كل ما أحكم صنعه وأتقن فإنه يدل على وجود بديع أبدعه، فتستند إلى مبدأ السببية، الذي يمنع أن يكون هذا الإحكام والإتقان قد وجد اتفاقًا بلا مسبب له، ومن ثم يلزم بوجود مسبب قادر على إبداع هذا الخلق وإحكامه.
والآيات التي تشهد لهذا الأصل كثيرة حتى عدها بعضهم في أكثر من ثمانين
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين، لابن تيمية (٢٥٣).
(٢) أضواء البيان للشنقيطى (٤/ ٣٩٨).
[ ١٦٢ ]
موضعًا، كلها تحث العقل على تدبر ما في هذا الخلق من عناية وحسن تدبير وتقدير ونظام، ففى بيان العناية وحسن التدبير، يقول الشيخ السعدى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] "فالنفس آية كبيرة من آياته التي يحق الإقسام بها، فإنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل والحركة، والتغيير، والتأثر، والانفعالات النفسية من الهمة والإرادة والقصد والحب والبغض، وهى التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه، وتسويتها على ما هي عليه آية من آيات الله العظيمة". (١)
* * *
_________________
(١) تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن: (١٠١٢). ولمزيد من التفصيل انظر مبحث الاستدلال على وجود الله في كتاب المعرفة في الإسلام، فضيلة الشيخ الدكتور: عبد الله القرنى.
[ ١٦٣ ]
الفصل الثاني: (آراؤه في التوحيد)
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف التوحيد.
المبحث الثاني: أدلة التوحيد.
المبحث الثالث: شهادة التوحيد ونواقضها.
[ ١٦٤ ]
تمهيد
يقسم التوحيد باعتبارين: أولًا: باعتبار متعلقه؛ إلى توحيد ربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد أسماء وصفات.
الثاني: باعتباره ما يجب على العبد، إلى توحيد علمى وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد عملى وهو توحيد الألوهية.
ويعنى توحيد الربوبية: توحيد الله تعالى بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
أما توحيد الألوهية: فهو توحيد الرب تعالى بأفعال العباد، فهو بهذا المعنى لازم من لوازم الإيمان بربوبيته تعالى، فهو حقيقة يقتضى الالتزام بها ذلك الإقرار الفطرى، ولهذا كان يأتى تقريره في الكتاب والسنة بطريق الإلزام بتوحيد الربوبية قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].
وأما توحيد الأسماء والصفات فهو توحيده تعالى بماله من أسماء وصفات خص بها نفسه في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه - ﷺ -، يكون بإثباتها له على جهة تنتفى فيها كل موجبات النقص المنافى لتمام كماله وجلاله، من التمثيل والتعطيل والتحريف والتكييف، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ومن أدلة التوحيد العلمي (الربوبية والأسماء والصفات): سورة الإخلاص، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، وغيرها من الآيات الكريمة؛ فقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: دلت على نفى الشريك من كل وجه؛ في الذات وفى الصفات وفى الأفعال، كما دلت على تفرده سبحانه بالعظمة والكمال والمجد والكبرياء.
[ ١٦٥ ]
وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قد فسرها ابن عباس - ﵄ - بقوله: "السيد الذي كمل سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله ﷿، هذه صفته ولا تنبغى إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء" (١)، فإثبات الأحدية لله تضمن نفى المشاركة والمماثلة، وهذا هو توحيد التنزيه، وإثبات الصمدية بكل معانيها المتقدمة؛ تتضمن إثبات جميع تفاصيل الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهذا هو توحيد الإثبات (٢).
أما القسم الثاني من التوحيد؛ فقد تضمنته سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وكثير من آيات الكتاب الكريم.
"وغالب سور القرآن متضمنة لنوعى التوحيد، بل كل سورة في القرآن: إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمى الخبرى، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادى الطلبي" (٣).
ولما كانت العلاقة بين هذه الأقسام علاقة استلزام وتضمن؛ فقد مثل التوحيد - بأقسامه الثلاث - المقصد الأسمى والغاية العظمى من خلق الله تعالى للثقلين، ومن إنزاله الكتب إليهم على أيدى الرسل والأنبياء، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] إذ هو سبحانه المنفرد بالخلق، فلا يصح أن يعبد غيره، وهو المنفرد بالأمر وغاية الأمر أن يعبد وحده.
وقد بين سبحانه أن الغاية من خلق الثقلين هي: إفراده وحده بالعبادة، حيث قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] بل نزه نفسه
_________________
(١) رواه ابن جرير في تفسير سورة الإخلاص بإسناده: (٣٠/ ٣٤٦).
(٢) شرح العقيدة الواسطية، العلامة محمد خليل هراس: ٨٢.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية: ٨٩.
[ ١٦٦ ]
عن إرادة العبث من خلق السموات والأرض وبين أن ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] أما المؤمنون فحالهم ينطق ولسانهم يلهج بـ ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١].
وكما بين سبحانه الحكمة من خلقه؛ فقد بين الحكمة من أمره في كثير من آيات الذكر الحكيم، فقصص الأنبياء تترى وأخبارهم تروى في بيان هذه الحقيقة وتأكيد: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
وسار السلف الصالح - رضوان الله عليهم - على نهج الأنبياء - ﵈ - في الدعوة للتوحيد والذب عن حماه معتقدين اعتقادًا جازمًا مستمدًا من الهدى الكريم، أنه لا نجاة إلا به، هكذا دونما تفريق بين لوازمه ومعانيه، لا لغموض في فهمه ولبس، وإنما لوضوح هذه الحقيقة وبعدها عن الكدر والشوائب.
وظل الأمر على هذا؛ حتى خلف منٍ بعدهم خلف انحرافوا عن المسير فضلوا السبيل و﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] حيث أرادوا الدفاع عن الدين من أقوال الكفرة الباغين، فحصروا جل اهتمامهم في الدعوة إلى بعض معانيه، فكان إثبات وجود الله تعالى والاستدلال على ربوبيته، هو المقصد الأسمى من تلك المطالب العالية، ونسوا أو تناسوا أنهم بذلوا الكثير في تقرير ما هو مقرر لدى الكثير، وأعرضوا بما وهبوا من أفهام وألباب عن معرفة أن المراد غير المراد: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] وأن الناجى يوم ﴿تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] هو ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩].
وقد نتج عن هذا الانحراف الذي حصل في مفهوم التوحيد عند هؤلاء المتكلمين أن حرفوا معناه إلى ما يوافق ما ابتدعوا من أصول فاسدة، فأهملوا المراد الأسمى منه وهو الدعوة إلى إفراد الله تعالى بالعبادة.
هذا مع ما امتد إليه ذلك الانحراف من اضطراب وتضليل لمقتضيات الأدلة الشرعية فيما ينبنى على معرفة حقيقة التوحيد المنجى، فقد امتدت مخالفتهم إلى
[ ١٦٧ ]
زعزعة الثوابت في قضايا التكفير المعلومة من الضرورة بدين الإسلام، وبهذا ظهر مفهومهم الخاص في تحديد معنى الشهادة ونواقضها بناء على ما تأسس لديهم من فهم لحقيقة التوحيد المنجى.
* * *
[ ١٦٨ ]
(المبحث الأول): تعريف التوحيد
مع تأثر المتكلمين البين في قضايا الإلهيات بالرد على المناهج الكفرية في توحيد الباري تعالى، سواء فيها عقيدة اليهود أو النصارى أو الفلاسفة الإغريق؛ يتوجه الحديث عن حقيقة الإله في ضوء تلك المناهج الضالة التي انحرفت عن مسالك الأنبياء والمرسلين في الإيمان بهذه الحقيقة الفطرية.
أما عن معتقد الفلاسفة في الذات الإلهية، فإن تنزيه الإله عن التركيب عندهم يعد حجر أساس في تصورهم لمعنى التوحيد، فالتوحيد هو نفى التركيب وإثباته عكسه، (١) بمعنى أن منهجهم في إثبات الإله إنما تحقق بناء على اعتقاد بساطة الإله ونفى الصفات عنه؛ فإنهم لما اعتقدوا أن في إثبات الإرادة وسائر الصفات ما يغاير تلك الوحدانية المزعومة باعتقاد اقتضائها للتركيب؛ فقد امتنعوا عن إثباتها، وخلصوا في الإقرار بحدوث العالم المتغير عن ذلك الإله بالوجود الضرورى الحتمى، الذي تبلورت فكرته في نظرية الفيض والصدور.
أما عن عقيدة اليهود والنصارى في الذات الإلهية، فلا يخفى ما فيها من إلحاد وخروج عن مقتضى التوحيد الذي أقرته رسالات الأنبياء، إذ يتلخص انحرافهم في اعتقاد الشريك في الربوبية، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وقد بين القرآن الكريم في كثير من الآيات بطلان تلك العقائد الكفرية، ببيان ما تستلزمه من إلحاق النقص والخروج عن مقتضى التنزيه والتقديس الذي يستحقه الرب تعالى لتمام كماله وقيوميته، ومن ذلك قوله ﷿: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا
_________________
(١) انظر: المبحث السابق في بيان الخطأ في تصورهم لمعنى التركيب حيث قاموا بنفى الصفات اعتمادًا على هذه الحجة الباطلة، واعتقادًا أن في إثباتهم ما يؤدى إلى التركيب، حتى لم يعد هناك ما يميز إلههم عن العدم سوى تصور الوجود التصور الذهنى المجرد: ١٤٥.
[ ١٦٩ ]
فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٧١].
ولكن المتكلمين لما حرصوا على انتهاج الأدلة العقلية في الاستدلال للعقائد؛ خاضوا مع أولئك اليهود والنصارى معارك ضارية، افترض عليهم مسلكهم القائم على التحسين والتقبيح العقلى أن يتنازلوا عن كثير من الضروريات التي اقتضاها مبدأ التسليم بالأدلة الشرعية كتابًا وسنة.
ولكل ما تقدم فقد ظهر أثر تبرير النصارى لعقيدة التثليث باعتقاد أن الثالوث ما هو إلا مجموعة أقانيم، أي صفات لذات واحدة أو أعراض لجوهر واحد في اقتناع المعتزلة بوجوب تنزيه الباري تعالى عن الصفات؛ حتى لا يلزمهم ما لزم النصارى من الوقوع في الشرك الأكبر (١).
وقد كان للرد على عقيدة الفلاسفة في الذات الإلهية دور كبير أيضًا في تحديد درجة الانحراف في الفكر الاعتزالى اتجاه توحيد الباري تعالى، وهذا ما أشار إليه الشهرستاني عند بيانه أصول معتقد شيخ الطائفة أبى الهذيل (٢): "وإنما اقتبس هذا الرأى من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معانى قائمة بذاته، بل هي ذاته وترجع إلى السلوب أو اللوازم".
بل ويزيد في توضيح أصل معتقده جامعًا بين المؤثرات المنظرة لحقيقة ما ذهب إليه، قائلًا: وإذا أثبت أبو الهذيل هذه الصفات وجوها للذات فهى بعينها أقانيم النصارى أو أحوال أبى هاشم" (٣) وهذا كثير في عرضه آراء الفرق النصرانية.
_________________
(١) انظر: الملل والنحل للشهرستاني: (٢/ ٦٤). ونشأة الفكر الفلسفى في الإسلام، سامى النشار: (١/ ٩٧).
(٢) هو أبو الهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدى المعروف بالعلاف المتكلم شيخ البصريين في الاعتزال، كان كثير الجدل، توفي سنة ٢٣٥ هـ. انظر: وفيات الأعيان: (٤/ ٢٦٥).
(٣) الملل والنحل: (١/ ٦٣). انظر: نشأة الفكر الفلسفى في الإسلام، سامى النشار: (١/ ١٠٠).
[ ١٧٠ ]
- ومن هنا كان موقف المعتزلة الجافى إزاء التوحيد حيث أقاموه على ثلاثة أصول:
الأول: بمعنى أنه لا يتجزأ ولا يتبعض.
الثاني: أنه منفرد بالقدم لا ثانى له.
الثالث: أنه منفرد بسائر ما يستحق من الصفات النفسية، من كونه قادرًا حيًا (١) ويقول القاضي عبد الجبار في تعريفه: "هو العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفيًا وإثباتًا على الحد الذي يستحقه والإقرار به، ولا بد من اعتبار هذين الشرطين: العلم والإقرار جميعًا؛ لأنه لو علم ولم يقر، أو أقر ولم يعلم لم يكن موحدًا" (٢)
ومع تضليل الأشاعرة للمعتزلة في مقتضى نفى التركيب - عندهم - لنفيهم سائر الصفات؛ فقد انتهجوا أيضًا نفس المنهج في بيان الأسس التي ينبنى عليها مفهوم التوحيد، مع نوع من المغايرة التي يوجبها منهجهم القائم على اعتماد العقل إلى جانب الالتفات إلى النصوص الشرعية، وبيانها كالتالى:
١ - أن الله تعالى واحد في ذاته، وهذا يشمل نفى التركيب عنها، ونفى أن يماثله فيها أحد، يقول الجويني: "والرب ﷾ موجود فرد متقدس عن قبول التبعيض والانقسام، وقد يراد بتسميته واحدًا أنه لا مثل له ولا نظير". (٣)
٢ - أن الله تعالى واحد في صفاته فلا يشابهه فيها أحد، ولا تنوع فيها أي لا يوصف بأن له علمين أو إرادتين. (٤)
٣ - أن الله تعالى واحد في أفعاله، وفيه إثبات لمعنى الربوبية والانفراد
_________________
(١) المغنى في أبواب التوحيد والعدل: (٤/ ٢٤١).
(٢) شرح الأصول الخمسة: ١٢٨.
(٣) الإرشاد: ٥٢، وانظر: المواقف للإيجى: ٢٧٨. والمحصل للرازي: ١٩٣.
(٤) تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد: ٥٩.
[ ١٧١ ]
بالتصرف، ويحكى هذه المعانى ابن فورك عن شيخه الاشعرى: "الواحد والأحد بمعنى التوحد، الذي هو التفرد النافى للاشتراك والازدواج في النفس والفعل والحكم والصفة؛ لأنه في نفسه غير منقسم، وفى نعته لا مثل له، وفى تدبيره لا شريك له، فهو واحد من هذه الوجوه، ولا فرق بين الأحد والواحد عنده". (١)
رأي الشيخ الصاوي:
يوافق الصاوى من تقدمه من الأشاعرة في معنى التوحيد؛ حيث يقرر ما ذهبوا إليه من أن المعبود متصف بالوحدة في الذات، والصفات، والأفعال، (٢) وذلك بـ: "نفى الكموم الخمسة، وتوضيحه: أنه لا نظير له في ذاته، أي أن ذاته ليست مركبة من أجزاء، وليس لأحد ذات كذاته، ولا في صفاته، أي ليست صفاته معددة من جنس واحد، بمعنى أنه ليس له علمان ولا سمعان، وليس لأحد صفة كصفات مولانا، فهذه أربعة كموم: متصلان في الذات والصفات، ومنفصلان بينهما، والخاص المنفصل في الأفعال، بمعنى أنه ليس لأحد فعل مع الله، وأما المتصل فهو ثابت لا ينفى؛ لأن أفعاله على حسب شؤونه". (٣)
ومع ما تقدم فقد يظهر عليه التأثر باعتقاد السلف، كما هو معلوم من حال متأخرى الأشاعرة أمثال الدردير والجمل، وذلك في مثل تفسير الآية الكريمة: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] حيث بين أن النبي - ﵊ - قد ابتدأ بالدعوة إلى التوحيد: عبادة الله وحده، ثم علل توجهه إليه أولًا بأنه الأصل وما بعده فرع، يقول: "أمرهم بالتوحيد أولًا؛ لأنه أهم الأشياء وأصلها وغيره فرع، فإذا صلح الأصل صلح الفرع". (٤)
_________________
(١) مجرد مقالات الأشعري: ٥٥.
(٢) انظر: حاشية الجلالين: (٢/ ٢٨٦)، (٤/ ٤٦).
(٣) المرجع السابق: (٣/ ٧٠). وانظر: (١/ ٧٠) والحاشية على الخريدة البهية ١٩.
(٤) المرجع السابق: (٢/ ٢١٠).
[ ١٧٢ ]
وقد يأتى في موضع آخر فيميل إلى آراء أسلافه، فيقصر التوحيد على مفهومه العلمى دون العملى، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. يقول: "الخطاب للمكلفين لأن العبادة تتوقف على معرفة المعبود والنية، ولكن المراد ما يشمل القربة التي هي ما تتوقف على معرفة المتقرب إليه والطاعة التي لا تتوقف على شيء".
ويرى أن تفسير العبادة بالتوحيد، كما هو قول المحلى يجعل النهى عن الإشراك مؤكدًا للأمر السابق، وهذا خلاف الأولى، بل الأولى - عنده - أن يكون قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ هو الأساس وما بعده أمر بلازمه. (١)
* * *
المناقشة:
من خلال عرض أقوال الصاوى ومن قبله الأشاعرة؛ تبين أن مفهوم التوحيد - عندهم - قد داخله انحراف خطير وذلك من عدة أبواب:
الأول: اعتقاد الوحدانية في الذات، وذلك بنفى التركيب، ونفى المثيل والنظير.
- أما التركيب ففيه إجمال، حيث أرادوا به حقًا وباطلًا: فنفى تركيب الذات من أجزاء متعددة، حق لا مرية فيه؛ فالله تعالى صمد غنى عما سواه. أما إذا أرادوا به نفى ما يلزم منه التركيب - عندهم - كالصفات الخبرية مثل الوجه واليدين؛ فهذا باطل مخالف لما هو مقرر في الكتاب والسنة، وليس في إثباته ما يلزم منه التركيب كما زعموا. (٢)
- وأما إثبات وحدانية الذات بنفى النظير والمثل، فهذا حق، ولكنهم غلوا في هذا الجانب حتى زعموا أن هذا هو المراد الأسمى من التوحيد، إلى أن قصروا الاستدلال على إثباته.
_________________
(١) المرجع السابق: (١/ ٢٠٥).
(٢) سيأتي بأنه في الفصل التالى بإذن الله: ١٢١.
[ ١٧٣ ]
الثاني: اعتقاد الوحدانية في الأفعال: وأرادوا به إثبات ربوبية الله تعالى ووحدانيته في التصرف، لكنهم مع ذلك أرادوا به نفى التأثير عن فعل غير الله تعالى، وهو ما يعرف بإبطال الأسباب، وقد أدخلهم هذا الاعتقاد في نطاق الجبر. (١)
الثالث: اعتقاد الوحدانية في الصفات؛ واشتمل هذا الاعتقاد على حق وباطل، حيث أرادوا به تنزيه الله تعالى عن مشابهة صفات المخلوقين؛ فوقعوا في شر مما فروا منه، حيث عطلوه عما ورد به وصفه في الكتاب والسنة.
وهذا المعنى الذي ذهبوا إليه قد ثبت بطلانه من جهات متعددة، منها مخالفته للغة العربية (٢) - لغة القرآن الكريم - كباقى مصطلحات المتكلمين التي قال فيها شيخ الإسلام: "إن عامة ألفاظهم الاصطلاحية لا يريدون بها ما هو المعروف في اللغة من معناها، بل معانى اختصوا بالكلام فيها نفيًا وإثباتًا؛ ولهذا قال الإمام أحمد فيهم: "يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم". (٣)
فعارضوا بذلك ما ورد في الكتاب والسنة، ومما يدل عليه أنه قد ورد لفظ الواحد والوحيد في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه - ﵊ - بخلاف ما زعموا من نفى التركيب والتبعيض، فقد روى عن الإمام أحمد أنه حاج أحد المتكلمين في ذلك المعنى، حيث قال: "قد سمى الله رجلًا كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومى، فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وقد كان هذا الذي سماه الله وحيدًا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، فقد سماه وحيدًا بجميع صفاته، فالله - وله المثل الأعلى - هو بجميع صفاته إله واحد". (٤)
_________________
(١) سيتم بحثه في باب القدر بإذن الله: ٥٦٠.
(٢) جميع المعاجم اللغوية القديمة لا يوجد فيها هذا المعنى الذي ذهبوا إليه، وإنما وجد في بعض المتأخر منها كالمفردات ولسان العرب تأثرًا بآراء المتكلمين في هذا الباب.
(٣) بيان تلبيس الجهمية: (١/ ٤٧٤).
(٤) الرد على الجهمية والزنادقة: ١٣٤.
[ ١٧٤ ]
ثم إن في تفسير ما ورد في القرآن من لفظ الواحد أو الأحد، وفقًا لما ذهب إليه المتكلمون؛ إثبات للتناقض في كتاب الله تعالى، ويضرب شيخ الإسلام - ﵀ - مثالًا لذلك بسورة الإخلاص، التي ورد فيها نفى مكافأة أحد لله تعالى مهما كان، فلو طبق هذا المعنى الذي ذهب إليه المتكلمون على الأحد المنفى هنا في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، للزم منه مكافأة جميع الأجسام لله تعالى، وهذا محال، (١) وبطلان اللازم دليل على بطلان ملزومه.
ومما يدل على بطلان هذا المعنى، قصوره - عند الصاوى ومن سبقه من المتكلمين - عن تحقيق المراد الأسمى من التوحيد: إفراد الله تعالى بالعبادة، ودلالة هذا الأصل مستمدة من الكتاب والسنة، حيث دلت نصوص القرآن الكريم على تقسيم التوحيد إلى أقسام ثلاث: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات (٢)، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في بدء الحديث عن التوحيد، فمن تلك النصوص، ما يثبت ربوبية الله تعالى على خلقه، وذلك ببيان انفراده في التدبير والتصريف، ومنها ما يدعو إلى إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، وهذا هو توحيد الألوهية، ومنها ما يدل على إثبات صفات الكمال لله تعالى تعظيمًا وتنزيهًا، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات.
وكل هذه الاقسام ترتبط؛ لتدل على معنى التوحيد كما هو مستمد من الكتاب والسنة، فتوحيد الألوهية يدل على الربوبية بالتضمن؛ فما من محقق له إلا وهو محقق لتوحيد الربوبية من باب أولى، ومن ادعى خلافه فقد ادعى الجمع بين النقيضين.
أما توحيد الربوبية؛ فإنه يدل على الألوهية بالالتزام، بمعنى أن من أقر بأنه لا يستحق صفات الربوبية إلا الله تعالى؛ لزم ألا يعبد أحدًا سواه، وأى مخالفة لذلك
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية: (١/ ٤٩٤).
(٢) والذي ينبغى أن يعلم أن هذا التقسيم قد عرف منذ القدم عن السلف الصالح منهم الإمام الطحارى حيث ذكره في متنه المشهور، حيث قال: لا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره، انظر: أصول العقيدة الإسلامية التي قررها الإمام أبو جعفر الطحاوي: ٢٣ - ٢٦، تحقيق عبد المنعم العزى.
[ ١٧٥ ]
تدل على خلل في الإقرار بتوحيد الربوبية، وقد روى الإمام ابن جرير الطبري هذا المعنى عن ابن عباس - ﵄ - حيث قال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] "أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول - ﷺ - من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه". (١)
أما توحيد الأسماء والصفات؛ فإنه يدل على الربوبية بالتضمن؛ لدلالة أسمائه الحسنى على ذلك، وعلى الألوهية بالالتزام. (٢)
وبهذا يدرك أن المراد من التقسيم الذي ذكره العلماء هو توضيح المعتقد؛ وفقًا لما جاء في الكتاب والسنة، ومن ثم التأكيد على توحيد الألوهية الذي جحده الكثير ممن أقر بربوبية الله على خلقه، فمعرفة الله ربًا منعمًا متصفًا بصفات الكمال والعظمة، مما قد فطرت النفوس على الإقرار به، وإنما وقع الخلل فيما يجب اتجاه من وصف بذلك واستحقه، حيث عبدت الأصنام وصرفت الصالحات لغير الله تعالى؛ إما جهلًا أو عنادًا واستكبارًا، وأدلة الشرع في هذا المعنى كثيرة متضافرة، لا يعرض عنها إلا جاهل أو صاحب هوى.
قال شيخ الإسلام: "التوحيد الذي أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية، بأن يعبد الله وحده لا يشركون به شيئًا؛ يكون الدين كله لله. . كما قد بين القرآن هذا التوحيد في غير موضع، وهو قطب رحى القرآن الذي يدور عليه القرآن". (٣)
* * *
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم: (١/ ١٦٤).
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد، للشيخ سليمان بن عبد الله: ٣٣. وانظر دعوة التوحيد للشيخ محمد خليل هراس: ٨٣، ٨٥.
(٣) منهاج السنة النبوية: (٣/ ٢٩٠).
[ ١٧٦ ]
(المبحث الثاني): دليل التوحيد
لما انحصر المراد بالتوحيد عند المتكلمين على توحيد الربوبية؛ فقد اعتنوا بالاستدلال له عقلًا، وأجازوا ذلك بطريق النقل، وقد استندوا في ذلك إلى عدم توقف معرفة السمع عليه، يقول الإيجى: "والوحدة، فهذا يمكن إثباته بالعقل، إذ يمتنع خلافه عقلًا بالدليل الدال عليه، وبالنقل لعدم توقفه عليه". (١)
ودليلهم الذي اعتمدوا عليه في إثبات الوحدانية هو ما يسمى بدليل التمانع.
ويستند هذا الدليل في أساسه إلى مقدمتين ضروريتين، الأولى: وجود هذا العالم بما هو عليه من انتظام وإتقان.
الثانية: أن هذا الانتظام لا بد أن يكون مدبره واحدًا.
والدليل على استحالة تعدد المدبرين هو امتناع تعدد الإرادات على المخلوقات؛ إذ يلزم من تعددها إما اتفاق الآلهة أو اختلافهم، وكلاهما باطل.
أما الاتفاق فلما يلزمه من اجتماع مؤثرين على فعل واحد، ومحله إذا اتفقا على إيجاده في وقت واحد.
ومع حصوله مرتبًا فيبطل، لما يلزم من عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل.
أما الاختلاف بأن يريد أحدهما إيجاد شيء، والآخر إعدامه، فلا يخلو إما أن ينفذ مرادهما معًا، فهذا باطل، لاستحالة اجتماع النقيضين: الوجود والعدم.
أو لا ينفذ مراد واحد منهما فباطل أيضًا لاستحالة ارتفاع النقيضين: الوجود والعدم، وللزوم عجزهما معًا.
فلم يبق من هذه القسمة العقلية إلا الفرض الأخير: أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، فثبتت بذلك الوحدانية، وانتفى إمكان التعدد. (٢)
_________________
(١) المواقف: ٤٠.
(٢) انظر الدليل: لمع الأدلة للجوينى: ٨٦ - ٨٧. والإرشاد له: ٥٣ - ٥٧. والمحصل للرازي: ١٩٣. والإنصاف للباقلانى: ٤٩ - ٥٠.
[ ١٧٧ ]
رأي الشيخ الصاوى:
يتبع الصاوى رأى أسلافه في إمكان إثبات دليل الوحدانية بالعقل والنقل، يقول: "واعلم أن الدليل على الوحدانية لله النقل والعقل، أما النقل فآيات كثيرة جدًا منها: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]
وأما العقل فقد علمنا الله كيفيته بقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] وكهذه الآية يعني: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ". (١)
وفى تقريره لهذا الدليل، يقول: "لو فرض إلهان، وأرادا معًا إيجاد شيء والآخر إعدامه، فإما أن يتم مرادهما معًا، وهو باطل للزوم اجتماع الضدين، أو لا يتم مرادهما معًا، وهو باطل أيضًا؛ للزوم عجز من لا يتم مراده، وعجز من يتم مراده أيضًا؛ لوجود المماثلة بينهما، فبطل التعدد وثبتت الوحدانية.
وإذا فرض اتفاقهما فهو باطل أيضًا، لوجود التوارد.
وتقريره أيضًا أن يقال: لو فرض إلهان، وأرادا معًا إيجاد شيء فإما أن يحصل بإرادتهما معًا، وذلك باطل؛ لأنه يلزم عليه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، أو يسبق أحدهما إلى إيجاده فيلزم عليه عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل، ويلزم عجز الأول لوجود المماثلة بينهما". (٢)
ومما استدل به أيضًا لإثبات الوحدانية بدليل التمانع، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٦٩).
(٢) المرجع السابق، وانظر (٢/ ٢٩٢) وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٦٣.
[ ١٧٨ ]
يقول: "المعنى: لو فرض له شريك في الملك لنازعه وقاتله واستعلى عليه لكنه لم يوجد من هو بهذه المثابة، فبطل التعدد وثبتت الوحدانية". (١)
كما أنه يستدل للوحدانية بدليل النفس وما فيها من بديع الإتقان، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]: "أي لأنه المالك المتصرف. وهذا أعظم دليل على انفراده بالوحدانية". (٢)
المناقشة:
يعد هذا الدليل من البراهين المسلمة التي يجزم بصدقها، بل هو مقتضى الضرورة العقلية، إذ كل ما يمكن حدوثه من افتراض تعدد الآلهة قد علم امتناعه بما فطرت عليه النفوس، ومن ذلك: استحالة اجتماع النقيضين، واستحالة ارتفاعهما، وكذلك استحالة اجتماع مؤثرين على فعل واحد، واستحالة أن يكون الرب عاجزًا.
فكل ما تقدم هو من المبادئ الأولية، التي يستدل بها، ولا يستدل لها.
يقول شيخ الإسلام بعد تقريره للدليل على طريقة المتكلمين: "وهذا أمر مستقر في فطر بنى آدم وعقولهم، وإن تنوعت العبارات عنه، وإن كان قد يحتاج إذا تغيرت فطرة أحدهم باشتباه الألفاظ والمعانى إلى بسط وإيضاح" (٣)، وقد رد - ﵀ - على من انتقد دلالته على إثبات الوحدانية من الفلاسفة، كابن رشد وغيره (٤)، فقال: "ليس الأمر كما ظنه هؤلاء؛ بل هو برهان صحيح عقلى، كما قدره فحول النظار". (٥)
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٣٢٧).
(٢) المرجع السابق: (٢/ ١٠٤).
(٣) الدرء: (٩/ ٣٦٤).
(٤) وكان محل اعتراضهم أن متقدمى الأشاعرة لم يوردوا في الدليل إمكان اتفاق الآلهة، بل اكتفوا بما يلزم من اختلافهم، ولكن متأخرى الأشاعرة فطنوا إلى هذا وأوردوا بطلان الاتفاق كما ذكر الصاوى، انظر الصفحة السابقة، ولشيخ الإسلام كلام أبطل فيه هذا الاعتراض بين فيه أن امتناع اختلاف الآلهة أبلغ في بيان عجزها [فإنه إذا لم يجز أن يريد أحدهما ويفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله لزم أن لا يكون واحد منهما قادرًا]. الدرء: (٩/ ٣٥٦) وانظر: منهاج السنة النبوية: (٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧).
(٥) الدرء: (٩/ ٣٥٤).
[ ١٧٩ ]
يبقى التنبيه هنا إلى أن شيخ الإسلام - ﵀ - مع كونه أقر بصحة استدلال المتكلمين به إلا أنه لا يوافقهم في دلالة القرآن عليه، وذلك لبداهته واستقراره في الفطر ولكون الخصومة الواقعة من الأمم لم تكن في أحقيته، يقول بعد تقريره لدليل التمانع: "وبالجملة فالدلائل العقلية على هذا متعددة، وإن كان من الناس من يزعم أن دليل ذلك هو السمع، لكن هذا المطلوب الذي أثبتوه هو متفق عليه بين العقلاء.
ومقصود القرآن توحيد الإلهية، وهو مستلزم لما ذكروه من غير عكس" (١)
وقد ذهب إلى القول بدلالة السمع عليه الكثير من علماء السلف كما سيأتي بإذن الله؛ وعليه فإن ما استدل به الصاوى من الآيات الكريمة - كغيره من المتكلمين - لتقرير هذا الدليل صحيح في الجملة، فالقرآن الكريم قد اشتمل على كافة الأدلة التي ينبنى عليها الاعتقاد السليم، وقد يكون ذلك إما على سبيل التقرير، أو الرد على المخالف، فمن المعلوم ما وقعت به النصارى من شرك في ربوبية الله تعالى، حيث أثبتوا له الولد والصاحبة تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وللقرآن الكريم أساليب متعددة كلها تبين بطلان هذا الزعم، وما ينبنى على تصوره من فساد محال، يجزم باستحالة ذلك المعتقد، في كثير من الآيات، ومن تلك الأدلة قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
فقد دلت الآية الكريمة على إبطال ما يلزم من إثبات الشركة لله تعالى، وبطلان اللازم دليل على بطلان ملزومه.
يقول الإمام ابن كثير (٢) في تفسير الآية: "لو قدر تعدد الآلهة لا نفرد كل منهم
_________________
(١) المرجع السابق: (٩/ ٣٦٩). وانظر: ابن تيمية السلفى، للشيخ محمد خليل هراس: ٨٢.
(٢) هو الحافظ الكبير عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقى الفقيه المحدث المفسر المؤرخ انتهت إليه رياسة العلم في هذه الفنون أخذ عن الشيخ تقى الدين ابن تيمية فأكثر عنه من أشهر مصنفاته: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، وجمع المسانيد العشرة، توفى سنة: ٧٧٤. انظر: شذرات الذهب: (٦/ ٢٣١).
[ ١٨٠ ]
بما خلق فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق كل من العالم العلوى والسفلى مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه. فيعلو بعضهم على بعض". (١)
أما اللازم الأول وهو انفراد كل إله بما خلق، فباطل؛ لأنه يتنافى مع ما يجب أن يتصف به الرب الحق من القدرة التامة لخلق كافة المخلوقات، مع القيام بشؤونها وتدبيرها، فتكون بذلك تحت تصرفه وقهره، أما ما خلا ذلك، فليس برب على وجه الحقيقة.
وأما اللازم الثاني لوجود التعدد؛ فهو علو بعض الأرباب على بعض، بحيث يطلب كل منهما العلو على الثاني حتى تتحقق له الربوبية؛ لان مقتضى الربوبية لا يتحقق إلا بانفراد الرب في تصريف شؤون الخلق، إيجادًا وتدبيرًا.
يقول شيخ الاسلام: "وبيان التلازم أنه إذا كان معه إله، امتنع أن يكون مستقلًا بخلق العالم، مع أن الله تعالى مستقل بخلق العالم". (٢)
ولما علم بطلان هذين اللازمين لما هو ملاحظ من انتظام المخلوقات، وسيرها وفق سنن ثابتة، بطل ملزومهما، وهو إمكان تعدد الأرباب، ولم يبق إلا أن يكون الرب هو الله تعالى لا شريك له (٣)، يقول الشيخ السعدى: "واعتبر ذلك بالشمس والقمر، والكواكب الثابتة، والسيارة، فإنها منذ خلقت وهى تجري على نظام واحد، وترتيب واحد، كلها مسخرة بالقدرة مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم، ليست مقصورة على أحد دون أحد، ولن ترى فيها خللًا ولا تناقضًا ولا معارضة في أدنى تصرف، فهل يتصور أن يكون ذلك تقدير إلهين ربين". (٤)
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم: (٣/ ٣٣٨).
(٢) منهاج السنة النبوية: (٣/ ٣١٥).
(٣) انظر: منهاج السنة: (٣/ ٣١٥).
(٤) تيسير الكريم الرحمن: ٦٠٢.
[ ١٨١ ]
وبمثل هذا تفسر الآيات التي تحمل نفس المعنى من الدلالة على وحدانية الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]
يقول الإمام ابن كثير: "لفسدتا، كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ". (١)
ويقول الشيخ السعدى: "وبيان ذلك أن العالم العلوى والسفلى على ما يرى في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام، الذي ما فيه خلل ولا عيب ولا ممانعة ولا معارضة؛ فدل ذلك على أن مدبره واحد، وربه واحد، وإلهه واحد، فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك؛ لاختل نظامه وتقوضت أركانه". (٢)
ويبين الإمام الشوكانى (٣) وجه التلازم بين التعدد والفساد، بقوله: "ووجه الفساد أن كون مع الله إلهًا آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادرًا على الاستبداد بالتصرف، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف، ويحدث بسببه الفساد". (٤)
ومما يحمل نفس المعنى، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢].
والمقصود منها كما ذكر الصاوى نفى الشريك؛ لانه لو وجد لطلب العلو والمغالبة، ومع بيان انتفاء وجود من هو بهذه المثابة؛ انتفت الشركة، وثبتت الوحدانية.
_________________
(١) تفسير ابن كثير: (٣/ ٢٣٥).
(٢) تيسير الكريم الرحمن: ٥٥٨.
(٣) هو محمد بن على بن محمد بن عبد الله الشوكانى ثم الصنعانى، الفقيه المفسر المحدث الأصولى والأديب المؤرخ، صنف في أنواع العلوم عددًا كبيرًا من الكتب النافعة تصدر للإفتاء والتدريس، كما تولى القضاء العام في مدينة صنعاء، من مؤلفاته: فتح القدير الجامع بين فنى الرواية والدراية في علم التفسير، ونيل الأوطار شرح المنتقى الأخبار، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من الأصول. انظر ترجمته: معجم المؤلفين: (١١/ ٥٣). الأعلام للزركلى: (٦/ ٢٩٨). وانظر لمزيد من التوسع: منهج الإمام الشوكانى في العقيدة: عبد الله نومسوك.
(٤) فتح القدير: (٣/ ٥٦٩).
[ ١٨٢ ]
وقد بين الشيخ الشنقيطى - ﵀ - "أن معنى الآية الكريمة. لو كان مع الله آلهة كما يزعم الكفار؛ لابتغوا، أي الآلهة المزعومة، أي لطلبوا إلى ذى العرش سبيلًا أي إلى مغالبته وإزالة ملكه؛ لأنهم إذًا يكونون شركاءه كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض". (١)
ومما ينبغى الإشارة إليه بعد هذا العرض العام لبيان كفاية الأدلة الشرعية في الاستدلال لما ينبنى عليه الدين أن هؤلاء المتكلمين فرقوا بين أمرين بينهما تلازم بين: إثبات وجود الله تعالى، وإثبات وحدانيته، وأقروا بكفاية الأدلة الشرعية على الاستدلال للوحدانية دون الوجود، مع أن هذا تفريق لا يقبله التصور السليم، إذ تضمن الوحدانية للوجود أمر بيِّن لا يلزمه دليل، ولكن ما يهم هنا أن غالب المسائل الكلامية يعتريها تناقض بيِّن، يدل على ضعف ما استندت إليه من أصول.
* * *
_________________
(١) أضواء البيان: (٣/ ٥٤٠).
[ ١٨٣ ]
(المبحث الثالث): شهادة التوحيد ونواقضها
لشهادة التوحيد مكانة عظيمة في دين الله تعالى، فهى أول أركان الإسلام، وأعلى شعب الإيمان، وأول ما يؤمر العبد به، وآخر ما يطلب منه، وفضائلها في الدين كثيرة لا مجال لحصرها الآن، وتعنى هذه الشهادة التزامًا تامًا بأصول الدين وفروعه من حيث المعتقد والتطبيق، وتستند في فضلها إلى كونها دليلًا يثبت الإقرار بالتوحيد: إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله.
ولما كان اعتقاد المتكلمين في معنى التوحيد ينحصر في إثبات ربوبية الله تعالى، قاموا بتفسير الشهادة التي يعلن بها الدخول في الإسلام بما يوافق ذلك، حيث فسروا الإله بأنه القادر على الاختراع. وهذا ما حكاه ابن فورك والبغدادى عن الأشعري، يقول ابن فورك: "واختار - أي الأشعري - ان معنى وصفنا له أنه إله: أن له الإلهية، وفسر الإلهية بأنها هي قدرته على اختراع الجواهر والأعراض، وذكر أن ذلك أحد الأقاويل المقولة في معنى الإله". (١)
وبهذا صار مفهوم التوحيد ينحصر في تقرير الاعتقاد العلمى: توحيد المعرفة والإثبات (٢)، وأغفلوا الجانب الأعظم منه وهو توحيد الإرادة والطلب (٣).
وكان لهذا الاعتقاد عند المتكلمين أثر واضح فيما يتعلق بالعبادة، وذلك أنهم حين قاموا بإبعاد العبادة عن صميم التوحيد؛ أدى ذلك إلى وجود فراغ كبير عمد أهل التصوف إلى شغله بالكلام عن الإرادة والسلوك، بما هو خارج عن هدى الكتاب والسنة، فكل ما عندهم في هذا المجال خلط بيِّن، يظهر فيه تأثر واضح بمفاهيم دخيلة تتحدث بلغة غير مفهومة (٤).
_________________
(١) مجرد مقالات الأشعري: ٤٧. وانظر: كلام البغدادي بنفس المعنى في أصول الدين: ١٢٣.
(٢) توحيد الله تعالى بأفعاله كالخلق والرزق والإحياء والإماتة.
(٣) إفراد الله تعالى بالعبادة.
(٤) وهذا ما سنعرفه في الحديث عن نشأة التصوف: ٦٥٤.
[ ١٨٤ ]
وأصبحت بذلك كتب العقائد عند المتأخرين لا تكاد تخلو من الحديث في التصوف باعتباره متممًا للكلام عن المعتقد لا داخلًا في حقيقته، ومن جراء ذلك الخلط الذي سببه إغفال المراد الأسمى من التوحيد؛ حصل اضطراب كبير في المفاهيم حول قضية التكفير، حيث انحصرت نواقض التوحيد في الجانب الاعتقادى دون العملى، مما هيأ لأصحاب التصوف والسلوك منفذًا واسعًا يلجون منه باسم الدين، يبررون به ما ابتدعوا من أمور ما أنزل الله بها من سلطان، كالتوسل بالصالحين وشد الرحال إلى قبورهم، ودعاء النبي والاستغاثة به، ولم يكتفوا بذلك بل وجهوا سهامهم إلى صميم المعتقد؛ فذهبوا إلى تفسير التوحيد بما يخدم أغراضهم في تمييع المبادئ حول المعتقد، حيث فسروه بما يسمى بوحدة الشهود، التي أرادوا بها الخلط بين مفهوم الربوبية وعقيدة الجبر؛ حتى يبرروا كل ما اشتهروا به من مخالفة للشرع والمعتقد والتى صارت بدورها مدخلًا لأهل الحلول يستندون إليه فيما سمى بوحدة الوجود، كل هذا لا يعارض انتسابهم إلى المذهب الأشعري، حتى عد الكثير من الصوفية ضمن من انتسبوا إلى الأشعري وأخذوا عنه كأمثال: القشيرى (١) والغزالى. وصار معهودًا أن يكون من ينتسب إلى الأشعرية صوفى بل من كبار الصوفية وعلى طريقة من أشهر طرقهم.
* * *
رأى الشيخ الصاوى:
يذهب الصاوى إلى ما ذهب إليه المتكلمون في معنى الشهادة، حيث يفسر الإله بما يفهم منه إثبات الربوبية، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] والمقصود من ذلك التشنيع والرد عليهم في دعواهم التثليث؛ لأن حقيقة الإله هو المستغنى عما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه". (٢)
_________________
(١) هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيرى النيسابورى الشافعي الصوفى صاحب الرسالة في التصوف، توفى سنة: ٤٦٥ هـ انظر: سير أعلام النبلاء: (١٨/ ٢٢٧).
(٢) حاشية الجلالين: (١/ ٢٨٠).
[ ١٨٥ ]
ومرة يفسره بأنه "الخالق لكل شيء". (١)
ويؤكد ذلك المعنى حين يفسر الشهادة على جهة الإجمال، يقول: "لا إله إلا الله: أي فالمراد بها الوصف بالوحدانية ولوازمها من كل كمال، والتنزيه عن كل نقص". (٢) وهذا ما فسر به قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] يقول: "هذا مرتب على ما قبله، كأنه قال: إذا علمت أنه لا ينفع التذكر إذا حضرت الساعة فدم على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية؛ فإنه النافع يوم القيامة". (٣)
ومع ما تقدم نجده في بعض المواضع يفسر الشهادة بإثبات العبودية لله تعالى، فيوافق السلف بذلك، يقول: "لا إله إلا الله تفيد ثبوت الألوهية لله أي: العبودية بحق. . . . فمعنى لا إله إلا الله المطابقى: لا معبود بحق إلا الله، ومعناها الالتزامى لا مستغن عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما عداه إلا الله، فأولها تخلية، وآخر تحلية، والمنفى هو المعبود بحق غير الله في ذهن المؤمن وفى نفس الأمر، لا في ذهن الكافر" (٤)
لكن هذا المفهوم المطابقى لمعنى الشهادة لا يخرج عن كونه اعتقادًا علميًا يتعلق بإثبات العبادة لله تعالى على جهة الإجمال؛ إذ ينقصه الامتداد الشامل لكل أنواع العبادة، يقرب هذا موقفه من نواقض التوحيد، حيث يحصر إمكان وقوعها في الجانب الاعتقادى دون العملى إلا في بعض المواطن؛ لهذا نجده يمنع وقوع الشرك المضاد للتوحيد الا ممن اعتقد إثبات الشريك مع الله تعالى في ربوبيته، أو استحقاقه للعبادة (٥)، مؤصلًا بذلك لمذهبه الأشعري ونزعته الصوفية، يقول: "وهذه الصفة أي الوحدانية أهم الصفات؛ ولذا سمى علم التوحيد بها، ولم يكفر بضدها
_________________
(١) المرجع السابق: (٢/ ٣٤).
(٢) المرجع السابق: (١/ ٢٣٢).
(٣) المرجع السابق: (٤/ ٨٥). وانظر: (١/ ٢٣٢).
(٤) حاشية الجوهرة: ٤٤. وانظر: حاشية الخريدة البهية: ١٢٤. وانظر: حاشية الجلالين: (١/ ٢٣٢).
(٥) انظر الحاشية على الجلالين: (٢/ ٨٨).
[ ١٨٦ ]
إلا بعض الإنس، أما الجن برمتهم فلا يعتقدون الشرك لله سبحانه، وإنما الكافر منهم بغير الشرك" (١)
وبهذا يعتقد الصاوى أن الشرك المخرج من الملة هو ما يكون متعلقًا بجانب الاعتقاد في الربوبية، بحيث تنسب أفعال الربوبية على جهة الإطلاق لغير الله تعالى، فإذا فعل ذلك العبد استحق وصفه بالإشراك أما ما خلا ذلك فلا، ويظهر ذلك جليًا في تقريره لما يعتقده الصوفية من الغلو بالنبى - ﷺ -، فحين يستغرق في وصفه - ﷺ - نجده يخرج بتلك الأوصاف والمنزلة عن رتبة البشر، حيث يرى أن النبي قد خلق من نور الذات العلية هكذا بلا واسطة مادة، يقول: "اعلم أن الله كان في أزله لم يعرف لعدم وجود من يعرفه فأحب أن يعرف، فقبض قبضة من نوره أي بذاته والمراد أبرزه من غير واسطة مادة، وهذا المقبوض هو المسمى بالنور المحمدى وبروح الأرواح. . إلى آخر الأوصاف". (٢)
كما يثبت له منزلة الوساطة العظمى بين الله وخلقه، يقول: "فهو حجاب بين الله وبين خلقه فلا يمكن أحدًا الوصول لله الا بواسطته أو مانع المضار الدنيوية والأخروية عن أمته، ووصفه بالأعظم لأن الأنبياء حجب أيضًا لأممهم؛ فهو أعظمهم، وكذا الشيخ حجاب لتلميذه فتلك حجب خاصة، والمصطفى هو الحجاب الكلى ويسمى بالبرزخ الكلى لكونه حجابًا وبرزخًا بين الخلق وربهم". (٣)
ومن الخصائص التي يضفيها على النبي - ﵊ - علم ليس لأحد من البشر سواه، يقول: "الملقن كل العلوم الغيبية التي نشأت عن ذى القدم ﷾، ومحل نبع علوم الأولين والآخرين". (٤)
ومما يصف به النبي أنه أصل كل خير، يقول: "وما من نعمة لله علينا سابقة ولاحقة من نعمة الإيجاد والإمداد في الدنيا والآخرة إلا وهو السبب في وصولها
_________________
(١) حاشية الخريدة: ٦٢.
(٢) حاشية الصلوات الدرديرية: ٣١.
(٣) المرجع السابق: ٣٥.
(٤) المرجع السابق: ٢٧.
[ ١٨٧ ]
إلينا وإجرائها علينا" (١)، ويقول: "فجميع خيرات الدنيا والآخرة تغترف من النبي كما يغترف من البحر". (٢) إلى أن يصف ذات النبي - ﵊ - بالأحدية: "أي العديمة المثيل والنظير والشبيه في الذات والصفات من سائر المخلوقين" (٣).
أما عن الصالحين؛ فهو يرى مشروعية التوسل بهم أحياءً وأمواتًا إما بطريق الدعاء والاستغاثة بهم، أو بزيارتهم للتبرك بذواتهم وآثارهم وفعل الطاعات عندهم، شريطة ألَّا يعتقد في أحدهم إمكان التصرف على جهة الاستقلال، وأن ما يحصل من النفع عند وصلهم كان نتيجة لإدامتهم فعل الطاعات والذكر، فيرتقوا في المقامات حتى يصلوا إلى رتبة التصريف الكونى بأمر الله فيقول أحدهم للشيء: كن فيكون (٤)، وبذلك يبرر ما يفعله الصوفية اتجاه الأولياء لنيل البركة وقضاء الحوائج، يقول: "وأما الالتجاء إلى المخلوق من حيث إنه مهبط الرحمات كمواصلة آل البيت والأولياء والصالحين فهو مطلوب وهو في الحقيقة التجاء للخالق، يقرب ذلك أن الله أمرنا بالجلوس في المساجد والطواف بالبيت وقيام ليلة القدر ونحوها، وما ذاك إلا للتعرض للرحمة النازلة في تلك الأماكن والأزمان فلا فرق بين الاشخاص وغيرهم، فهم مهبط الرحمات لا منشؤها". (٥)
ومع إقراره بمكانة الدعاء من العبادة حيث يقول: "الدعاء جزء من أجزاء العبادة، وسميت العبادة دعاء لأنه أعظم أجزائها كما في الحديث: (الدعاء مخ العبادة) (٦) " (٧)، إلا أنه لا يرى بأسًا من دعاء الصالحين والاستغاثة بهم (٨) عند الحاجة؛ بحجة أنهم مهبط للرحمات، كما تقدم.
_________________
(١) المرجع السابق: ٢٣.
(٢) المرجع السابق: ٨٩.
(٣) المرجع السابق: ٣٩.
(٤) انظر المرجع السابق: ١١٠.
(٥) حاشية الجلالين: (٣/ ٩٠). وانظر: (٣/ ٢٢٢).
(٦) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات - باب ما جاء في فضل الدعاء، ورقمه: ٣٣٧١: قال الترمذي: غريب، لا نعرفه إلا من طريق ابن لهيعة: (٥/ ٣٣٧١) وقد ضعفه الألبانى في ضعيف الجامع: (٣/ ١٥٨) ورقمه: ٣٠٠٣. وله شواهد صحيحة.
(٧) المرجع السابق: (١/ ٢٣١).
(٨) انظر: المرجع السابق: ٦٤.
[ ١٨٨ ]
وفى المقابل نجده يحرج كثيرًا على من اعتقد في الأولياء الضر أو النفع على جهة الاستقلال، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]
"هذه الآية وإن كانت خطابًا لليهود والنصارى، إلا أنها تجر بذيلها على من يشرك بالله غيره من المسلمين، كضعفاء الإيمان الذين يعتقدون في الأولياء أنهم يضرون وينفعون بذواتهم ويحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، ومع ذلك يحدثون بدعًا عظيمة ما أنزل الله بها من سلطان، ويجعلون تلك البدع طرقًا لهؤلاء الأولياء، ويزعمون أنها منجية وإن كانت مخالفة للشرع، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون". (١)
* * *
المناقشة:
لا شك أن في تفسير المتكلمين للشهادة على النحو الذي ذهبوا إليه مخالفة جلية لحقيقة التوحيد الذي دعا إليه الرسل بقولهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، إذ يلزم من كون الشهادة مفتاح الدين، وأساسه المتين أن تدل على المعتقد الذي تكون النجاة به بالمطابقة، وهو: إفراد الله تعالى بالعبادة، لذلك كان تفسير الشهادة الصحيح هو: لا معبود بحق إلا الله. ويستند هذا التفسير إلى دلالة اللغة العربية التي نزل بها القرآن، فإن كلمة إله مأخوذة من التأله، والتأله في لغة العرب معناه: التنسك والتعبد. (٢) يشهد له قراءة ابن عباس - ﵄ -: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، قال: "وعبادتك". (٣)
_________________
(١) المرجع السابق: (١/ ١٥٠).
(٢) انظر: لسان العرب: ١٣/ ٤٦٩.
(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان: (١/ ٥٤).
[ ١٨٩ ]
كما أن هذا المعنى يسنده فهم المشركين لهذه الكلمة الذين أنزل القرآن بلغتهم فإنهم حين أمروا بالإقرار بها لم يفعلوا، ولو كان معناها: لا خالق ورازق إلا الله -كما يعتقد المتكلمون - لما توانى المشركون عن التزامها، فإنهم حين ألزموا بها قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] (١) كل هذا يؤكد صحة ما ذهب إليه السلف في معنى شهادة التوحيد.
وكان هذا ما ذهب إليه الصاوى في حاشيته على الجوهرة وإن كان قد خالفه في الكثير من مؤلفاته خصوصًا حاشيته على الجلالين.
ولا شك أن في مخالفته التي تعددت منه متابعة للمتكلمين ما يلزم منه معارضة نصوص الكتاب والسنة والتى تدل صراحة على أهمية إفراد الله تعالى بالعبادة، وأنه المقصد الأسمى من التوحيد.
وإذا علم هذا بقى معرفة ما ينبنى على ذلك التصور من فساد يهدد المعتقد؛ إذ يؤدى إلى تضييق دائرة الشرك - ضد التوحيد - كما هو ظاهر من كلام الصاوى، حيث حكم على كافة الجن بأن كفرهم لم يكن بالشرك، وأن من وقع بالشرك من الإنس هم القليل، فخالف بذلك صريح النص من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.
- ويستند هذا التصور لحقيقة الشرك واتساع دائرته - كما هو واضح في الأدلة الشرعية - إلى مكانة العبادة ومنزلتها من الدين، فإذا كانت العبادة مما يدخل في صميم التوحيد باعتبارها قسم من أقسامه؛ فلا بد أن يمثل صرفها لغير الله تعالى شركًا أكبر ينافى التوحيد.
هذا ومن أعظم دواعى الشرك، الغلو في الأنبياء والصالحين؛ فالغلو هو السبب في أول شرك ظهر على وجه الأرض، روى البخاري عن ابن عباس - ﵄ - أن ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون
_________________
(١) انظر: تيسير العزيز الحميد: ٧٦.
[ ١٩٠ ]
أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت. (١)
لهذا كان تحذير النبي - ﵊ - شديدًا من مجاورة الحد في مدحه، حيث قال: (لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله). (٢).
ومن ذلك ما ورد في الصحيحين عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قالت: لولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشى أو خشى أن يتخذ مسجدًا" (٣).
وللغلو المنهى عنه مظهران عند الصاوى، الأول: الغلو في النبي، ويتمثل بما يصفه به من أوصاف تخرج به عن حدود البشر.
الثاني: غلو في الصالحين، ويتمثل بما يشرعه في حقهم من التبرك بذواتهم، وإباحة التعلق بأذيالهم والاستغاثة بهم.
أما ما يتعلق في حق النبي - ﵊ - من حكاية قصة خلقه من نور الذات العلية بلا واسطة - تعالى الله عن ذلك - كما هو مشهور من أقوال المتصوفة (٤) فبطلانها أظهر من أن يستدل له؛ إذ فيه مخالفة صريحة لما هو معلوم عن قصة خلق الإنسان الأول: آدم - ﵇ - كما وردت في كثير من الآيات الكريمة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨].
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب قوله تعالى: ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾، رقم الحديث: ٤٩٢٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾، رقم الحديث ٣٤٤٥.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز - باب ما جاء في قبر النبي - ﷺ - وأبى بكر وعمر ﵄، برقم: ٣٩٠.
(٤) انظر: مجموع الأوراد والأدعية والاستغاثات للبكرى.
[ ١٩١ ]
هذا إلى جانب ما يلمس في حكاية القصة من تأثر بأقوال النصارى في المسيح - ﵇ -، ولا عجب؛ فالدارس لأدوار التصوف الأخيرة يلحظ بتمام تأثرًا واضحًا بالأديان المحرفة والفلسفات القديمة، يقول أحد الباحثين في علم التصوف (١): "والواقع أن الحقيقة المحمدية أسطورة من الأساطير وهى في رأينا مأخوذة من النظرية النصرانية كما أن النظرية النصرانية مأخوذة من الفلسفة اليونانية. . . خصوصًا إذا علمنا أن ابن عربى وهو من القائلين بهذه النظرية، يقول: إنه هضم ما درس من الفلسفة اليونانية ومن أصول الديانة اليهودية والديانة النصرانية والديانة الإسلامية، ثم أحال ذلك كله إلى مزاج من الفكر الفلسفى الدقيق يعز على من رامه ويطول" (٢)
كما أن اعتقاد الأصل النورى للنبي - ﵊ -، وأنه يعلم الغيب، وأنه واسطة بين الخلق والرب، وأنه لولاه لما وجدت الدنيا والآخرة، كل هذا مما يجزم بدخوله على المعتقد الصحيح؛ إذ فيه مناقضة صريحة لكل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، بل فيه إقرار لما ذهب إليه المشركون من استحالة إرسال البشر، وكم من الآيات تلك التي ترد على زعم أولئك الكفرة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وحين كانت قريش تطلب منه المعجزات لإثبات نبوته أمر أن يقول: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣].
كل هذا يؤكد بطلان تلك المزاعم وعلى رأسها ادعاء علم الغيب للنبي - ﵊ -؛ إذ يعد علم الغيب من أخص ما يوصف به الرب سبحانه ولا ينبغى لأحد سواه، وقد ثبت هذا في كثير من آى الذكر الحكيم، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
وقال آمرًا سيد الأنام أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ
_________________
(١) زكى مبارك دكتور في الفلسفة.
(٢) التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق: (١/ ٢٠١).
[ ١٩٢ ]
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وبهذا يعلم أن في تقرير الصوفية لما يسمى بالحقيقة المحمدية خروجًا على مبادئ التصور السليم لحقيقة الأنبياء المرسلين، كما بينها القرآن والسنة المطهرة: من كونهم بشر قد خصهم الله تعالى بكلامه، قدراتهم محدودة، ليس لهم من الأمر من شيء، لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا إلا بإذن الله. هذا والمتأمل لآيات الذكر الحكيم يجدها تبدى وتعيد في تقرير هذه الحقيقة؛ حتى لا يخرج الناس عن هذا التصور السليم إلى الشرك بالله، كما وقع ذلك من اليهود والنصارى لعنهم الله. وقد سبق بيان تحذير النبي - ﵊ - من فعلهم.
أما عن التوسل بالصالحين، فلا بد من بيان الوجه المشروع، حيث دلت النصوص الشرعية أنه يحصل الانتفاع بالاقتداء بهم ومحبتهم، قال - ﵊ -: (المرء مع من أحب) (١).
كما يحصل من دعائهم ومجالس علمهم، فقد روى الصحابى الجليل أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﵊ - أنه قال: (إن لله ﵎ ملائكة سيارة فضلًا، يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله ﷿ وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألونى؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتى؟ قالوا: لا يا رب، قال: فكيف لو رأوا جنتى؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيروننى؟ قالوا: من نارك يا رب، قال: وهل رأوا نارى؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا نارى؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب - باب علامة حب الله ﷿، رقم الحديث: ٦١٦٨، =
[ ١٩٣ ]
قد غفرت لهم، فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون: رب فيهم فلان عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) (١).
وهذا هو محل الشاهد من الحديث، قال الإمام الشوكانى - ﵀ -: "جعل جليس أولئك القوم مثلهم مع أنه ليس منهم، وإنما عادت عليه بركتهم فصار كواحد منهم" (٢).
وكل ما خرج عن هذا المعنى للتوسل المشروع، فإما أن يدخل بصاحبه في دائرة الشرك، أو في الابتداع المنهى عنه.
إذ التوسل بذوات الصالحين بريد لاعتقاد قدرتهم على التصرف بدفع الضر أو جلب النفع؛ لذلك حذر العلماء من ذلك ببيان ما يؤدى إليه من مفاسد جسيمة - كما أقر بذلك الصاوى في إنكاره لحال الكثير من المتصوفة - وليس بمخرج لهم اعتقاد أنهم عبيد ليس لهم استقلال في التصرف؛ فقد بينت النصوص الشرعية أن هذه هي حجة المشركين الذين أقروا بربوبية الله تعالى، وأرادوا التوسل إليه بعبادة الأصنام، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧].
يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: "فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأن لا يرزق إلا هو، ولا يحيى ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات السبع ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن، كلهم عبيده وتحت تصرفه .. وأن أوثانهم لا تدبر شيئًا، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة" (٣).
قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
_________________
(١) = وصحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب - باب المرء مع من أحب.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر - بابا فضل مجالس الذكر: (١٧/ ١٤).
(٣) تحفة الذاكرين: ٤٤.
(٤) كشف الشبهات: ٧١.
[ ١٩٤ ]
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣].
وقد أبطل سبحانه حجة المشركين في التوسل بهم، حيث قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧].
وبهذا يعلم أن من توسل بالصالحين فصرف شيئًا من العبادة التي لا يستحقها أحد إلا الله لأحدهم؛ بحجة أن له جاه عنده سبحانه، فقد أتى بما هو من جنس فعل المشركين الذين قاتلهم رسول الله - ﷺ - سواء كان هذا التوسل بالدعاء الذي أقر الصاوى أنه جزء من أهم أجزاء العبادة، كما في الحديث الصحيح الذي رواه النعمان بن بشير - ﵄ - قال سمعت رسول الله يخطب ويقول: (إن الدعاء هو العبادة) (١) أو بأى نوع آخر منها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لا يمكن الإقرار بأن من يلتجئ لأحد عند الشدة لا يعتقد فيه القدرة على التصرف، بل لوضوح هذه الحقيقة استدل بها القرآن على استحقاق الله تعالى للعبادة؛ إذ هو الملاذ عند اشتداد الكرب بإقرار المشركين أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].
وللخروج من هذا الإلزام يتشبث الكثير منهم بوجوب إرجاع تلك القدرة الكونية إلى الله تعالى، ولكن هذا ليس بمخرج لهم؛ إذ يلزمهم إحضار البرهان، وأنى لهم ذلك، والبرهان يحكم ضدهم، فإذا كان سيد الخلق يؤمر بالجهر في تقرير بشريته، وأنه عبد وليس للعبد أن يتعدى حدود البشر: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب التفسير - باب ومن سورة المؤمن، رقم الحديث: ٣٢٤٧ وقال الترمذي: حديث حسن صحيح: (٥/ ٣٤٩)، وقال الحافظ ابن حجر إسناده جيد: الفتح: (١/ ٤٩)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم: ٢٥٩٠: (٣/ ١٠١).
[ ١٩٥ ]
وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] فما حال أولئك الأولياء الذين يعتقد فيهم القدرة على التصريف الكونى الذي اختص الله تعالى به، كما في قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، فكيف يصح نسبة هذه المقدرة - التي اختص الله بها نفسه وأكد على ذلك بأداة الحصر إنما - لأحد سواه مع أنها من أخص ما يوصف به الرب سبحانه لتمام اتصافه تعالى بأوصاف الربوبية التي لا تنبغى لأحد سواه (١).
ومن العجب أن يشبه الصاوى حال الذاهبين إلى أولئك الأولياء أحياءً وأمواتًا للتبرك بهم والتعلق بأذيالهم لنيل الرحمة والبركة بحال الذاهب إلى البيت العتيق للطواف بالكعبة المشرفة؛ فهذا قياس باطل، وذلك من عدة وجوه:
الأول: أن الطواف حول الكعبة والذهاب إلى المساجد أمر قد تعبدنا الله تعالى به بنص الكتاب والسنة، فلا ينبغى الخروج عما كان عليه النبي - ﷺ -؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعه، حيث قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وهذا الأصل يرجع إلى كمال الدين المنزل من عند الله تعالى، فأى ابتداع فيه دل على اتهام الشارع بالتقصير وعدم البيان، لذلك حذر النبي - ﵊ - منه أيما تحذير، قال رسول الله - ﷺ -: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٢) "، ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقف، كما في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قبل الحجر الأسود، وقال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك) (٣) " (٤).
_________________
(١) يشم من هذا الكلام رائحة الاعتقاد بوحدة الوجود والتى سيتم بحثها على جهة الاستفاضة في مبحث وحدة الوجود، بإذن الله: ٧٣٧.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، برقم: ٢٦٩٧. ومسلم، ٣٠ - كتاب الأقضية، حديث: ١٧.
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الحج ٦٠ - باب تقبيل الحجر، حديث: ١٦١٠ ولفظه: (لولا أنى رأيت رسول الله - ﷺ - قبلك ما قبلتك) ومسلم: ١٥ - الحج ٤١ - باب استحباب تقبيل الحجر: ٢٤٨.
(٤) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: ٢٧٠.
[ ١٩٦ ]
الثاني: أن هذا قياس باطل؛ لأنه قد بنى على غير أصل، وهذا حال جميع البدع "فإن جميع البدع إنما هي رأى على غير أصل، ولذلك وصف بوصف الضلال" (١)، قال الإمام ابن عبد البر: "هذا هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين بالتخرص والظن" (٢).
الثالث: أنه ورد النص الصريح بالنهى عن تخصيص بعض الأماكن بالعبادة ومنها القبور، حيث قال - ﵊ -: (اللهم لا تجعل قبرى وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (٣) وعلة النهى وردت هنا صريحة؛ حيث ابتدأ النبي النهى بدعاء الله تعالى أن لا يجعل قبره وثنًا يعبد، فدل ذلك على علة تحريم اتخاذ القبور مساجد، يقول شيخ الإسلام: "فهذه المفسدة - التي هي مفسدة الشرك، كبيره وصغيره - هي التي حسم النبي - ﷺ - مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا" (٤). وقال: (لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها) (٥) كل هذا مخافة الفتنة على الناس، وحماية لجناب التوحيد، قال الإمام الشافعي: "وأكره أن يعظم مخلوق؛ حتى يجعل قبره مسجدًا" (٦).
الرابع: أن اعتقاد حلول البركة والرحمة في مكان أو زمان لا يكون إلا بدليل يدل عليه، فالله تعالى هو وحده المتصرف في الخلق يخص بعضه بما شاء من البركة واليمن، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]؛ فليس لأحد أن يملك هذا الاختيار بل هو إلى الخالق جل شأنه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، يقول الإمام ابن القيم: "فذوات ما
_________________
(١) الاعتصام للشاطبى: (١/ ١٦٦).
(٢) جامع بيان العلم وأهله: (٢/ ١٠٣٩).
(٣) أخرجه الإمام مالك الحديث مرسلًا في الموطأ - كتاب قصر الصلاة في السفر - باب جامع الصلاة: ٨٥: (١٧٢) وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - رقمه: ٧٣٥٢، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح: (٧/ ١٧٣).
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم: (٢/ ٨٠).
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز - باب النهى عن الجلوس على القبر والصلاة عليه: (٧/ ٣٨).
(٦) كتاب الأم: (١/ ٢٧٨).
[ ١٩٧ ]
اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتملة على صفات وأمور قائمة ليست لغيرها، ولأجلها اصطفاها الله، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات وخصها بالاختيار، فهذا خلقه وهذا اختياره" (١).
وكما وردت الأدلة ببيان بركة المسجد الحرام؛ فقد وردت ببيان تعديها إلى غيره. وذلك بالثواب المضاعف والدعاء المستجاب والأمن من المكروه وغير ذلك مما ورد في بيان فضله، قال - ﵊ -: (صلاة في مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) (٢) يقول الإمام القرطبي: "جعله مباركًا لتضاعف العمل فيه، فالبركة كثرة الخير" (٣).
وإذا علم هذا تبين أن الأمر تعبدى محض، لا مجال لقياس أمر خارج عنه بلا دليل.
أما الاستغاثة بالصالحين والتوجه إليهم عند الشدائد فهذا مما لا يحل؛ إذ الدعاء من أخص ما يجب صرفه لله تعالى، وقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في الأمر بالإخلاص لله تعالى فيه، والتحذير من صرفه لغيره، فمرة يتجه الخطاب إلى النبي في التحذير من ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، ومرة يتجه الخطاب في ذلك إلى كافة الثقلين كما في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
إلى غيرها من الآيات التي تقرر مكانة الدعاء، ولزوم صرفه لله تعالى، ودحض جميع الشبه التي يستند إليها المشركون في صرفهم الدعاء لغيره سبحانه، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي
_________________
(١) زاد المعاد: (١/ ٥٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدية، رقم الحديث: ١١٩٠، وأخرجه مسلم في كتاب الحج - باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة.
(٣) الجامع لأحكام القرآن: (٤/ ١٣٩).
[ ١٩٨ ]
الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣].
فهاتان الآيتان الكريمتان تدلان على النفى التام لكل ما يسوغ دعاء غير الله تعالى، حيث نفى عنهم: الملك والشركة والشفاعة والمعونة، فأى عقل بعد ذلك يسمح بالالتجاء إلى من هذه صفته، يقول الإمام ابن القيم (١) معلقًا على هذه الآية الكريمة: "فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاة وتجريدًا وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها" (٢).
وقد دلت السنة المطهرة على أهمية الدعاء وحذرت أيما تحذير من مغبة صرفه لغير الله تعالى، قال - ﵊ -: (من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار) (٣).
وقال في حديث ابن مسعود عندما سئل أي الذنب أكبر عند الله؟: (أن تدعو لله ندًا وهو خلقك) (٤) كما حذر من الاستغاثة بغيره سبحانه فقال: (إنه لا يستغاث بى، إنما يستغاث بالله تعالى) (٥).
وكان - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - يربى أصحابه - وضوان الله تعالى عليهم - على التوجه إلى الله تعالى في كل شأن، ومن ذلك حديث ابن عمر -
_________________
(١) هو الإمام الهمام العالم الربانى أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن ايوب بن سعد الزرعى ثم الدمشقى الحنبلى الشهير بابن قيم الجوزية، ولد ﵀ سنة: ٦٩١ هـ تفقه في المذهب الحنبلى وبرع فيه وأفتى كما برع في شتى العلوم الإسلامية من التفسير والحديث والفقه والعقيدة، كان من أشد تلامذة شيخ الإسلام ملازمة له وأخذًا عنه، كان عالمًا بمذاهب أهل التصوف وإشاراتهم ومواردهم، صنف في جميع ما برع فيه من العلوم، توفي ﵀ سنة: ٧٥١ هـ. انظر: الدرر الكامنة، لابن حجر: (٤/ ٢١)، شذرات الذهب: (٦/ ١٦٨).
(٢) مدارج السالكين: (١/ ٣٥١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ برقم: ٤٤٩٧. ومسلم برقم: ٩٢.
(٤) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الديات - باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ برقم: ٦٨٦١، ومسلم برقم: ٨٦.
(٥) قال الهيثمي: [رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث] مجمع الزوائد: (١٠/ ١٥٩).
[ ١٩٩ ]
﵄ - قال: كنت خلف رسول الله - ﷺ - يومًا، فقال: (يا غلام احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك. إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم: أن الأمة إذا اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اتجمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام، وجفت الصحف) (١).
بل "كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام" (٢) والحق أن كلام الصاوى نفسه قد دل على هذا، حيث أقر بأن الكثير ممن ينتمون إلى الطرق الصوفية قد استحوذ عليهم الشيطان، فصيرهم إلى اعتقاد حصول النفع والضر من أولئك الأولياء على جهة الاستقلال، فصار شركهم أعظم ممن اعتقد التوسل بها كحال مشركى قريش، يقول شيخ الإسلام: "وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم، لما كانوا من جنس عباد الأوثان؛ صار الشيطان يضلهم ويغويهم، كما يضل عباد الأصنام ويغويهم، فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به، وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان" (٣).
* * *
_________________
(١) رواه الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق، برقم: ٢٥١٦، وقال: حديث حسن صحيح: (٤/ ٥٧٥)، وأحمد: (١/ ٢٩٣، ٣٠٣، ٣٠٧) وصححه الألباني، انظر: صحيح سنن الترمذي برقم: ٢٠٤٣: (٢/ ٣٠٩)، وظلال الجنة: ٢١٦ - ٣١٨.
(٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: ٣٠٠.
(٣) المرجع السابق.
[ ٢٠٠ ]
الفصل الثالث: (آراؤه في الأسماء والصفات)
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى.
المبحث الثاني: المسائل المتعلقة بالصفات العلا.
[ ٢٠١ ]
تمهيد
يعد الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته الحسنى، كما وردت في الكتاب والسنة، من غير تمثيل، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تكييف، من أهم الأصول التي ينبنى عليها معتقد أهل السنة والجماعة، فيما يجب في حق الله ﷿.
فالإيمان بها يقتضى الإثبات، وهذا الإثبات لا بد فيه من التزام عدم الخروج عن مراد الرب تعالى فيما أثبته لنفسه من الصفات الحسنى، كما أنه يقتضى التنزيه الواجب في حق الباري تعالى الذي عز عن المثيل والنظير، يقول الإمام الشنقيطى - ﵀ - في بيان أسس الإيمان بأسماء المولى جل وعلا: أحد هذه الأسس: - هو تنزيه الله جل وعلا على أن يشبه بشيء من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين، وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
- الثاني من هذه الأسس هو الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠].
والإيمان بما وصف به رسول الله - ﷺ - الذي قال في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤].
فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسول الله - ﷺ -، وينزه ربه تعالى عن أن تشبه صفته صفة المخلوقين" (١).
ومن هنا فإنه يجدر بيان كل ما يقدح بأصلى الإثبات والتنزيه اللذين يقتضيهما الإيمان بأسمائه وصفاته: فالذى يقدح في التنزيه هو التمثيل والتكييف، والذي يقدح في الإثبات هو التعطيل والتحريف، وبيانها كالتالى:
_________________
(١) وكان الأولى أن يوصف بالضلال لأن المجنون قد رفع عنه القلم فلا يعلق به تكليف يقتضى المنع أو الجواز: الأسماء والصفات: ٧.
[ ٢٠٢ ]
- أما التمثيل الذي يقدح في التنزيه؛ فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين.
وهذا الاعتقاد مما تبطله دلالة السمع والفطرة والعقل:
أما السمع فقد أتى بما يدل على امتناع التمثيل ضرورة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ [الشورى: ١١].
أما الفطرة فلما استقر فيها من إثبات الكمال لله تعالى على جهة ينتفى منها كل ما يدل على النقص، إما من جهة التضمن أو الاستلزام، وقد علم تطرق النقص المضاد للكمال في كل صفات المخلوقين، إما لطرو الأعراض المضادة للصفة المحمودة، أو لما تستلزمه من أنواع النقص، كما هو مشاهد ومعلوم ببداهة العقول.
أما العقل فلأنه قد علم بالضرورة بدلالة المخلوقات على وجود من أبدعها، مخالفة ذات الباري تعالى لذوات الخلق، فاقتضى ذلك الاختلاف في الذات أن يكون أيضًا فيما تتصف فيه الذات من الصفات، فالقول في الصفات، كالقول في الذات.
- أما التكييف، الذي يقدح في أصل التنزيه فهو أن يقيد إثبات الصفة بمعرفة الكيف، فلا يثبت شيئًا من الصفات إلا بتكييفها، ومن هنا فإن الفرق بينه وبين التمثل أن يقيد المثبت الممثل كيفية الصفة بماثل، أما التكييف فلا يشترط فيه ذلك.
وبطلان هذا الاعتقاد مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام كسابقه، فقد دل العقل والشرع على امتناعه.
أما دلالة السمع؛ فلقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
أما العقل فلما سبق بيانه من وجود التلازم بين الذات وصفاتها في الأحكام، فكل ما جاز على الذات جاز على ما اتصفت به، والعكس بالعكس، ومن هنا فإنه لما امتنع معرفة كيفية الذات امتنع معرفة كيفية ما تتصف به من الصفات.
[ ٢٠٣ ]
وهذا أصل عظيم يعلم به ضلال كل من منع أو أثبت بلا دليل من الكتاب والسنة، وهذا أصل امتناع الإمام مالك عن ذكر الكيفية، حيث قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (١).
- أما التعطيل فهو أن يثبت الصفة من جهة اللفظ مع نفى المعنى.
- وأما التحريف فهو أن ينفى المثبت للصفة المعنى الحق ويثبت آخر باطلًا، ليس له أساس يعتمد عليه في ذلك الإثبات بعد النفى (٢).
وكان الإيمان بالأسماء والصفات الحسنى بعيدًا عن هذه الانحرافات أمرًا مستقرًا في نفوس سلف هذه الأمة، ثابتًا في المبادئ والقيم، دون أن تؤثر في صفاته البدع، مستمدًا ذلك الثبات من مقتضى الإيمان الذي اطمأنت قلوب أصحابه به.
وتستند أهمية الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته الحسنى، إلى كونها من صميم الإيمان به سبحانه، لذا كان التوسل بها من أعظم ما شرعه الله تعالى، وتعبدنا به، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
كما أن معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، هي أساس ما يقوم بقلب العبد من عبودية لله تعالى، تقتضى إفراده سبحانه بالعبادة، ولعل هذا من أسرار ختم غالب آيات الكتاب الحكيم بذكر أسمائه جل شأنه.
فإن العبد عند توجه الخطاب له بالتكليف، فالذي يحمله على الامتثال لمقتضى الخطاب من الترك إذا كان نهيًا، أو الفعل إذا كان أمرًا إنما يتحصل منه لما استقر في فطرته من كونه تعالى عالمًا محصيًا سميعًا بصيرًا بكل ما يصدر منه من صغير أو كبير، ومن هنا كانت أهمية الإيمان بهذه الأسماء وترتب الثواب الجزيل على إحصائها بدخول الجنة.
_________________
(١) الأثر سبق تخريجه: ٨٠ وانظر: التدمرية لشيخ الإسلام: ٤٣، والقواعد المثلى، للشيخ العثيمين: ٣٦.
(٢) الصواعق المرسلة: (١/ ٢٩٦) وانظر: القواعد المثلى، للشيخ العثيمين: ٣٦.
[ ٢٠٤ ]
وبقى الأمر على ما كان عليه، إلى أن ظهرت البدع، فخرج ممن ينتسب إلى الإسلام بما يخالف منهج السلف في ذلك الاعتقاد، وكان هذا على يد الجعد بن درهم، الذي تأثر كثيرًا بأقوال الكفرة من الفلاسفة (١) وغيرهم، حتى قام بتعطيل الرب عن الصفات الثبوتية، وزعم أن فيها ما ينافى عقيدة التوحيد (٢) وقام تلميذه الجهم بن صفوان بنشر هذه البدع، حتى كان سببًا في ضلال كثير من الخلق، وسمى أتباعه بالجهمية، وصارت بذلك أصلًا لكل انحراف فيما يجب في حق الله تعالى، أو يمتنع عنه (٣).
وقد انتقل هذا الانحراف العقدي الخطير إلى المعتزلة، حيث منع مؤسسها: واصل بن عطاء من وصف الله تعالى بصفات قديمة، بحجة أن في اعتقادها إثباتًا لتعدد القدماء (٤)، وقد تأثروا في هذه المقولة بردهم على ما ادعته النصارى في التثليث، حيث زعمت أن معتقدها فيه يقوم على إثبات ثلاثة أقانيم لواحد قديم (٥)، ولا شك أن هذه الدعوى باطلة شرعًا وعقلًا، ولا مجال لإفحامهم هنا، ولكن المقصود أن هذا ليس بملزم لهؤلاء المعتزلة أن يقوموا بنفى الصفات للرد على أولئك الكفرة، بل جل ما هنالك أنهم انحرفوا عن منهج السلف في بيان الحق والرد على المخالف، وتأثروا بما وصل إليهم من كت الفلاسفة (٦). وقد تقدم أن مادة هذا الفكر مستقاة من شبهة الفلاسفة في التركيب، حيث اعتمدوا في إثبات التوحيد على نفيه.
_________________
(١) سبقت الإشارة إلى بيان معتقدهم في الأساس الذي بنى عليه معقدهم في التوحيد: ١٦٩.
(٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية لشيخ الإسلام (١/ ٢٧٧)، مجموع الفتاوى: (٥/ ٢٢).
(٣) انظر: الفتاوى: (١٢/ ٥٢٤) وانظر: مقالات الإسلاميين: (١/ ١٨١) والفرق بين الفرق للبغدادى: ٢١٣.
(٤) انظر: الملل والنحل للشهرستانى: (١/ ٤٥).
(٥) قد سبقت الإشارة على هذا التأثر عند الكلام في معتقد المتكلمين في التوحيد: ١٦٥.
(٦) انظر: مقالات الإسلاميين: ١٥٦. الملل والنحل للشهرستانى: (١/ ٥٠).
[ ٢٠٥ ]
وتحصل بهذا أن اعتقاد المعتزلة في باب الصفات يستند إلى أمرين؛ اعتقاد التوحيد بنفى التركيب، الثاني: وجوب مخالفته سبحانه لباقى الحوادث بحجة تنزيهه عن مشابهتها (١).
فصارت هاتان الشبهتان أساسًا لنفيهم الصفات الثبوتية عن الله تعالى، حيث قاموا بإثبات الأسماء الحسنى على أساس أنها أعلام محضة، لا دلالة لها في نفسها على معنى معين، فأرجعوها إلى ذات الله تعالى؛ تنزيهًا له - عندهم - عن مشابهة الخلق، واكتفوا في هذا الباب بسلب النقائص، حيث وصفوه بالسلوب (٢).
وقد تأثرت الأشاعرة على جهة العموم بذلك الانحراف، الذي نتج عن الابتعاد عن منهج السلف - رضوان الله عليهم - في تلقيهم لأسس اعتقاد ما يجب في حق الله تعالى ويمتنع عنه، ويظهر ذلك الانحراف جليًا في عدد من المسائل التي تتعلق بصفات الله تعالى، أما ما يتعلق بمسائل الأسماء فلا يظهر فيها خلاف إلا في بعض التفرعات المتعلقة بمسائل الصفات، وسيأتي الحديث عنها مفصلًا بإذن الله.
* * *
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين: ١٥٦.
(٢) انظر: الملل والنحل: (١/ ٦٥).
[ ٢٠٦ ]
(المبحث الأول): المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى (١)
يرتكز مذهب الأشاعرة في أسماء الله تعالى على عدة قواعد من أهمها ما يلى:
أسماء الله تعالى كلها حسنى:
يقر الأشاعرة بأن أسماء الله تعالى بالغة في الحسن أعلى مراتبه، ويستند هذا الإقرار إلى دلالتها على معانى الكمال والجمال (٢)، لكن هذا الإقرار منهم إنما هو على جهة العموم والإجمال، حيث يعدون بعضها أعلامًا محضة بحجة إيهامها للتشبيه، فيبطلون دلالتها على المعنى إما تأويلًا أو تفويضًا، ويظهر هنا التأثر بأقوال المعتزلة واضحًا جليًا.
أسماء الله تعالى توقيفية:
إذ يجمع جمهورهم على اعتقاد وجوب تلقيها عن الشارع الحكيم؛ فلا مجال لتسمية المولى بغير ما ورد في الكتاب والسنة، منعًا للوقوع في المحظور (٣).
أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد:
فهم لا يعتقدون أن العدد في الحديث دليل على الحصر؛ استدلالًا بما ورد في الحديث الذي ورد فيه: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) (٤).
_________________
(١) الاسم في اللغة: مشتق من السمو، حذفت لامه وألحقت همزة الوصل بدلًا منها، يقول الزجاج: [معنى قولنا اسم: هو مشتق من السمو وهو الرفعة، والأصل فيه سمو مثل: قنو وأقناء]، لسان العرب، لابن منظور: (٤/ ٢١٠٩): مادة (سما). رهذا هو الراجح في التعريف كما أن شيخ الإسلام قد وافق هذا الترجيح. انظر: مجموع الفتاوى: (٦/ ٢٠٨) ولمعرفة باقي الأقوال وأدلتها يرجع إلى: اشتقاق أسماء الله الحسنى للزجاجى: ٢٥٦، ولسان العرب لابن منظور: (٤/ ٢١٠٧)، وقد عرفه الجرجانى بأنه: [ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة] التعريفات: ٤٦.
(٢) انظر: شرح أسماء الله الحسنى للرازي: ٣٥٨.
(٣) انظر: المواقف في علم الكلام، للإيجى: ٣٣٣.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود، برقم: ٣٧١٢، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح: (٣/ ٥٥٨). وأخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب الرقائق - باب الأدعية، رقم الحديث: ٩٧٢: (٣/ ٢٥٣).
[ ٢٠٧ ]
وفى الجمع بين ما وردت به الأحاديث: الحديث الصحيح: أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة) (١) والحديث السابق، يرجح الغزالي. أن هذا كان في معرض الترغيب للجماهير في الإحصاء، لا لدلالة الحصر" (٢).
٤ - أسماء الله تعالى غير مخلوقة:
وهذا محل إجماع عندهم، يقول اللقانى في جوهرة التوحيد:
وعندنا أسماؤه العظيمة كذا صفات ذاته قديمة
ومن جملة ما تعلق بهذه القواعد: المراد بالإحصاء الذي ذكر في الحديث، فالأشاعرة يؤكدون على وجوب تدبر تلك الأسماء وفهم معانيها والتعبد بمقتضاها، وإن وجد اختلاف بينهم وبين السلف في مقتضى ذلك الفهم، حيث يوجبون تأويل بعضها لما تقرر عندهم من أن المعول عليه في ما يجب الإيمان به من الصفات هو ما دل عليه الدليل العقلى، أو انعدم فيه المعارض من جهته (٣).
ومع هذا التوجه الذي يحصر حصول اليقين في إعمال مسلك العقل يجد التصوف لنفسه منفذًا واسعًا في المذهب الأشعري يلج فيه باسم الكشف والذوق، فيفسر النصوص بعيدًا عن كل تلك القواعد التي غلا المتكلمون في إعمالها، ولما كان التدرج في طريق التصوف يعتمد كثيرًا على التجارب الوجدانية التي ترتكز على مبدأ التأمل والإشارة تأثرًا بالمذاهب الإشراقية، صار لأهل التصوف من الأشاعرة مفهومًا خاصًا لمعنى الإحصاء الوارد في الحديث، يرجع إلى اعتقاد الصوفية بما اشتهر - عندهم - من وجوب التخلق بأخلاق الله" (٤).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الشروط - باب ما يجوز في الاشتراط، رقم الحديث: ٢٧٣٦.
(٢) المقصد الأسنى: ١٣٦ - ١٣٧. وانظر: شرح المقاصد، للتفتزانى: (٤/ ٣٤٨).
(٣) سيأتي تفصل ذلك في مبحث الصفات: ٢٥٥.
(٤) المقصد الأسنى: ١٥٠ - ١٥١ ولم أعثر على تخريج - لهذا الحديث وإنما اطلعت على بعض أقوال العلم في كونه مختلقًا لا أصل له.
[ ٢٠٨ ]
رأى الشيخ الصاوي:
يعرف الصاوي الأسماء بأنها: "جمع اسم، وهو اللفظ الدال على ذات المسمى" (١).
كما أنه يتابع أسلافه في الإقرار بحسنها على جهة العموم، يقول: "ومعلوم أنها كلها حسنى، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
وفى تعليل وصفها بالحسن، يقول: "وحسن أسمائه تعالى لدلالتها على معانٍ شريفة هي أحسن المعانى (٢) ومن ذلك: "أن الدال يشرف بشرف مدلوله" (٣). وهذا التعميم لا يمنع عنده - كاعتقاد عامة الأشاعرة - من وجود أسماء يجب تأويلها؛ لأن ظاهرها موهم للتشبيه (٤).
وفي حديثه عن اعتقاد التوقف فيها والاقتصار على ما ورد في الشرع، يقول: "أسماء الله توقيفية، أي: تعليمية، بمعنى أنه لا يجوز لنا أن نسميه باسم غير وارد لنا (٥) "، "فيجوز أن يقال: يا جواد، ولا يجوز أن يقال: يا سخى، ويقال: يا عالم دون عاقل، وحكيم دون طبيب". (٦)
لذا كان الانحراف في التسمية بما لم يرد به النص مما فسر به الإلحاد الذي نهى الله تعالى. (٧)
أما ما يتعلق بالعدد الذي ذكر في حديث المصطفى - ﷺ - فهو يرى أنه ليس للحصر، يقول: "والإخبار بأنها تسع وتسعون ليس حصرًا وإنما ذلك إخبارًا عن دخول الجنة بإحصائها واستجابة الدعاء بها" (٨) وإلا فـ "أسماؤه تعالى كثيرة، قيل: ثلاثمائة، وقيل: ألف. . . وقيل: ليس لها حد، ولا نهاية لها". (٩)
_________________
(١) شرح منظومة أسماء الله الحسنى: ١١٣، وانظر: حاشية الجلالين: (٤/ ١٥٧).
(٢) شرح منظومة أسماء الله الحسنى: ١١٣.
(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ١٠٢)
(٤) انظر: ٣٠.
(٥) حاشية جوهرة التوحيد ٣٠.
(٦) حاشية الجلالين: (٢/ ١٠٢).
(٧) المرجع السابق.
(٨) حاشية الجلالين: (٢/ ١٠٢).
(٩) شرح المنظومة: ١١٣.
[ ٢٠٩ ]
ويفسر الإحصاء المأمور به في الحديث بأنه "معرفة ألفاظها ومعانيها".
ويظهر هنا تصوفه حيث يجعل للإحصاء معنى آخر للخواص، حيث يقول: وأما معناه "عند أهل الله فهو الاتصاف بها، والظهور بحقائقها، والوقوف على مدارك نتائجها، وأسرارها، أي نتائج علومها الغيبية، التي يخص الله بها من يشاء ومنها سر القدر .. " ويمثل لذلك بمقام المصنف "أي الدردير" يقول: "فإنه ما ترجم لنا في هذا الكتاب إلا بأوصافه". (١)
كما أنه يرى أن الاسم الأعظم الجامع لمعانى الأسماء والصفات هو لفظ الجلالة: "لأن حقائق المؤمنين ممزوجة به". (٢)
وفى بيان عظمة هذه الأسماء وأنها قديمة، يقول: "إنه يجب على الإنسان أن يعتقد أن أسماء الله عظيمة قديمة"؛ فإنه "كما يجب تعظيم الذات وتنزيهها عن النقائص، كذلك يجب تعظيم الاسم وتنزيهه عن النقائص، ولذا قال الفقهاء: من وجد اسم الله مكتوبًا في ورقة وموضوعًا في قذر وتركه فقد كفر، وذلك لأن التهاون بأسماء الله كالتهاون بذاته؛ لأن الاسم دال على المسمى". (٣)
ويقسم الصاوى الأسماء على حسب علاقتها بالمسمى، فيقول: "وهى إما ذاتية: كالله والرحمن، أو صفاتية: كالحى والعليم، أو أفعالية: كالمحى والمميت.
والصفاتية على أقسام: أسماء صفات جمال: كالرحيم والكريم، وأسماء صفات جلال: كالكبير والعظيم، وأسماء صفات كمال: كالسميع والبصير". (٤)
المناقشة:
لا شك أن هذه القواعد المستنبطة من كلام الأشاعرة في الأسماء الحسنى، هي معتقد أهل السنة والجماعة. ولا ينفى ذلك وجود الخلاف في بعض الفروع المتعلقة
_________________
(١) المرجع السابق: ١١٣، ١١٤.
(٢) حاشية جوهرة التوحيد: ٣٠.
(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ١٥٧).
(٤) شرح المنظومة: ١١٣. وانظر: حاشية جوهرة التوحيد: ٣٠، حاشية الجلالين: (٢/ ١٠٢).
[ ٢١٠ ]
بدلالة الأسماء على الصفات، حيث أوجبوا تأويل بعضها بما لم يرد فيه نص يعول عليه في مثل هذه المهمات، وهذا ما رده سلف الأمة، ودللوا على بطلانه بمخالفته صريح الكتاب والسنة، ولما كان عليه الصحابة والتابعين من التسليم والإذعان لكل ما ورد فيهما.
وكان للسلف الصالح إلى جانب ما تقدم مزيد بيان في المسائل المتعلقة بأسمائه تعالى، كلها تؤكد خطأ ما اعتقده الصاوي في أن منها ما يقتضى ظاهره مخالفة للكمال فلا بد إذًا من تأويله، وهذا ما تقتضيه حقيقة وصفه تعالى لأسمائه بأنها حسنى، حيث يرجع هذا الوصف إلى عدة مسائل من أهمها:
دلالة أسماء الله تعالى على الصفة والعلمية، يوضحه أن كل اسم منها علم يدل على الذات، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] يقول الإمام الدارمي (١): "فهذه كلها أسماء لم تزل له كما لم يزل، بأيها دعوت فإنما تدعو الله نفسه". (٢)
ومع دلالتها العلمية على الذات، فإن كل واحد منها يدل على صفة كمال لله تعالى، دل عليها اتصافها بالحسن على جهة التفضيل المطلق، إذ يقتضى ذلك كمال ما تضمنته من معانٍ، وهذا من جهتين:
الأولى: دلالتها على كل معنى يليق بجلال الله تعالى، وعظيم سلطانه.
الثانية: تنوع تلك المعانى الكاملة وتعددها، فالغفور يدل على معنى مغاير للسميع، وما يدل عليه العظيم ليس هو ما يدل عليه البصير. (٣)
كل هذا يؤكده اشتقاق الأسماء من معانٍ، إذ موجب الاشتقاق وجود ما اشتق منه، وإلا كان ذلك الاشتقاق محال، قال في المراقى:
_________________
(١) هو الإمام العلامة الحافظ أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمى السجستانى، له مسند كبير وجهود في دحض شبه المبتدعة، توفى سنة: ٢٨٠ هـ، انظر: شذرات الذهب: (٢/ ١٧٦)، وتذكرة الحفاظ: (٢/ ٦٢٢).
(٢) نقض الإمام أبى سعيد عثمان بن سعيد على المريسى: (١/ ١٨٣).
(٣) انظر: الدرء: (٥/ ٥٢، ٥٣).
[ ٢١١ ]
وعند فقد الوصف لا يشتق وأعوز المعتزلى الحق. (١)
ومما يقتضيه وصف الله تعالى لأسمائه بأنها حسنى، أن تكون هذه الأسماء حقيقة في الخالق - جل في علاه - فلا يشاركه في معانيها أحد، فإن الصفة إذا أضيفت للمولى تعالى علم تنزهها عن المماثلة بصفات غيره، فإن القدر المشترك من صفة السمع مثلًا ليس له وجود إلا في الذهن أما في الحقيقة فإنه لا يكون إلا مضافًا ومتعلقًا بموصوفه وحينها يأخذ حكمه من حيث وجود المماثل أو عدمه، ولما كانت ذاته تعالى ليس لها مثيل ولا نظير وقد أقر بذلك كافة أهل التنزيه كانت صفاته لها نفس الحكم، فالقول في الذات كالقول في الصفات.
وهذا ما يقتضيه وصفها بالحسن، إذ يعنى تنزيهها عن خصائص البشر، وبهذا يعلم خطأ الصاوي الذي أوقعه فيه ما كان عليه من تصوف، حيث جعل الإحصاء في حق أهل الله هو: الاتصاف بها، والظهور بحقائقها. . . إلى آخر ما ذكر.
فإن أسماء الله تعالى وصفاته لا تنبغي لأحد سواه، ولم يأمر أحد من خلقه أن يقتدى به في ذلك، وإنما جعل الاقتداء فيما اتصف به النبي - ﷺ - من صفات حميدة بلغ بها ذروة الكمال البشرى، حتى امتدحه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] لذا أمر المولى تعالى عباده بالاقتداء به، حيث قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]
يوضح هذا أن الواجب في أسماء الله تعالى وصفاته إنما يستفاد من جهة الشارع الحكيم، فالله تعالى أعلم بما يجب في حقه، ونبيه أعلم بمراد ربه، ولم يرد نص من كتاب ولا سنة تفيد ما ذهب إليه الصاوي من أن الإحصاء في حق الخواص هو الظهور بحقائق الأسماء والتجلى بها، بل كل ما ورد في معنى إحصائها - غير الحفظ - من أقوال السلف فإنه يرجع إلى حقيقة التعبد المأمور به.
_________________
(١) مراقى الصعود: (١/ ١١٠).
[ ٢١٢ ]
يقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: "وهذه طريقة الكمل من السائرين إلى الله. وهى طريقة مشتقة من قلب القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. والدعاء بها يتناول دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها". (١)
والله تعالى يحب أن يتصف العباد ببعض موجب أسمائه وصفاته، فهو حيى يحب الحياء، ستير يحب الستر، كريم يحب الكرم، جميل يحب الجمال، ولكن عند اتصاف العبد بهذه الصفة فإنها تصبح حقيقة فيه يختص بها لا علاقة لها بما اتصف به الرب، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: فـ "العبد كلما ازداد تحقيقًا لهذا الفرق، ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له، وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره". (٢)
وبهذا يعلم أن ما فسر الصاوي به الإحصاء المندوب إليه قد خرج عن الوجه الشرعي إلى ما يسمى عند أهل التصوف بالفناء عن شهود السوى، فيتدرج في هذا المقام إلى أن يصل إلى درجة البقاء، فلا يشهد سوى الذات متصفة بالصفات، وهذه هي بوابة القول بالحلول والاتحاد، فمنهم من وقف عند هذا الحد، ومنهم من شطحت به هذه المعانى إلى أن وصل إلى درجة الفناء عن وجود السوى (٣)، فبات لا يرى فارقًا بينه وبين الرب. (٤) "فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التأمل؛ فإنه مزلة أقدام، ومضلة أفهام". (٥)
والأمر على كل حال يعد من الإلحاد الذي حذر منه المولى سبحانه، فبعد أن بين تعالى الوجه المشروع تجاه أسمائه وصفاته الحسنى وهو دعاءه بها وفق ما أخبر
_________________
(١) مدارج السالكين: (١/ ٤٢٠، ٤٢١).
(٢) العبودية: ١٥٥.
(٣) كحال ابن عربى وأمثاله.
(٤) انظر: المرجع السابق ١٥٧، ١٥٨. وهذا ما سيزداد إيضاحه في باب التصوف إن شاء الله: ٧٠٠.
(٥) مدارج السالكين: (١/ ٤٢١).
[ ٢١٣ ]
سبحانه، نهى سبحانه عن كل انحراف يخرج عن هذه الدائرة، وسمى ذلك الانحراف إلحادًا (١) وتوعد من وقع به بالجزاء التام وفق ما عمل: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وبهذا يعلم أن الأسماء المتواطئة حقيقة في الخالق والمخلوق، فعند الإطلاق تدل على القدر المشترك وهو حكم كلى لا وجود له إلا في الذهن، أما عند التقييد فإنها تدل على ما يناسب موصوفها من الكمال أو النقص.
هذا من جهة الاسم المتواطئ، كالسميع والعليم، فإنه عند إضافته للمولى تعالى علم اختصاصه به فلا يشاركه فيه أحد لكمال موصوفه وتنزهه عن مقتضيات النقص.
أما ما ثبت انفراد تسمية المولى به عند إطلاقه بما عرف تقييده به: كالله والرحمن، فهذا مما لا ينبغى لأحد سواه.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، ومنها ما دل عليه بالإضافة والتخصيص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه". (٢)
وإذا تحققت دلالة الأسماء الحسنى على الذات العلية والصفة، كما يليق بجلال الله تعالى وعظيم سلطانه، بقى معرفة طرق دلالتها على ما سبق، إذ دلالة الاسم على الذات تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام، ومثاله: اسم (الخالق) فإنه يدل على الذات وعلى صفة الخلق بالمطابقة، وهذه دلالة على تمام المعنى.
أما دلالتها على ذات الرب وحده أو على صفة الخلق وحدها، فتكون بالتضمن وهى دلالة على جزء المعنى.
وتكون دلالتها على صفة العلم والحياة والقدرة بالالتزام؛ لأن هذه الصفات لا بد من توفرها فيمن له القدرة على الخلق، وهذه تسمى: دلالة اللفظ على معنى خارج عنه. (٣)
_________________
(١) الإلحاد: هو الميل بأسمائه وصفاته عما يجب في حقها.
(٢) الرسالة التدمرية: ٢٢.
(٣) انظر: الفتاوى: (١٠/ ٢٥٤). وانظر: مدارج السالكين: (١/ ٤١٨).
[ ٢١٤ ]
وفى تقسيم الصاوي للأسماء على الوجه الذي ذكر مخالفة لدلالة الأسماء على الذات مع الصفات، كما تبين سابقًا؛ إذ تنقصه الدقة المطلوبة في التقسيم الصحيح، حيث قام بالفصل بين ما هو دال على الذات، وما هو دال على الصفة، وما هو دال على الفعل، والصحيح في التقسيم أن "كل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة؛ فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل إما لازم، وإما متعدٍ" (١) واللازم لا تعلق له. بغير الذات، أما المتعدى فتعلقه يتعدى إلى غير الذات من المخلوقات، إما على جهة الشمول، أو خصوص ما يناسب ذلك الاسم من معنى، ومثال الاسم الذي يتضمن وصفًا لازمًا: (الحى) حيث دل على ذات موصوفة بالحياة فلا تعلق لها بغير الذات.
أما مثال ما يتضمن وصفًا متعديًا له تعلق كلى: (العليم)، فإنه يدل على ذات موصوفة بالعلم متعدية لكل شيء، فالعلم يتحقق بكل شيء ممكن الوجود، وقد يدل الاسم على وصف له تعلق بما يناسبه كاسم (السميع) الذي يتعلق بالمسموعات (٢)
وكل هذه من المسائل التي لها تعلق وثيق بالصفات، لذا سيتضح الكثير منها أثناء الحديث عن الصفات على ضوء منهج السلف الكرام.
* * *
بقى بعد بيان ما وقع فيه الصاوي من خطأ أن نبرهن على صحة ما ذهب إليه من أن أسماء الله تعالى توقيفية وأنها لا تحد بعدد.
- أما عن كونها توقيفية، فذلك لما ورد من النهى والتشديد في القول على الله بغير علم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
_________________
(١) مدارج السالكين: (١/ ٤١٨).
(٢) انظر: الفتاوى: (٥/ ٤٩٤).
[ ٢١٥ ]
ولا بد هنا من بيان الفرق بين تسمية المولى تعالى، والإخبار عنه، إذ يمنع من تسميته بغير ما ورد على جهة التحريم، أما عن الإخبار فيتوسع فيه بقدر الحاجة شريطة أن لا يخرج عن المعنى الصحيح الذي ورد به نص الكتاب والسنة.
"ويفرق بين دعائه والإخبار عنه؛ فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيئ لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيئ وإن لم يحكم بحسنه مثل اسم شيء وذات وموجود إذا أريد به الثابت، وأما إذا أريد به الموجود عند الشدائد؛ فهو من الأسماء الحسنى، وكذلك المريد والمتكلم؛ فإن الإرادة والكلام تنقسم إلى محمود ومذموم، فليس ذلك من الأسماء الحسنى بخلاف الحكيم والرحيم والصادق ونحو ذلك، فإن ذلك لا يكون إلا محمودًا". (١)
- أما عن كونها لا تحد بعدد، فقد ذكر جمع من العلماء على ما ذهب إليه الصاوى من أن العدد المذكور في الحديث ليس للحصر؛ استدلالًا بحديث ابن مسعود - ﵁ - عن رسول الله أنه قال: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك).
يقول الإمام النووي (٢): "مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء في الحديث الآخر: (أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) " (٣).
* * *
_________________
(١) انظر: الفتاوى: (٦/ ١٤٢).
(٢) الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام محى الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الحورانى الشافعي ولد سنة: ٦٣١ هـ برع في علوم الشريعة واللغة وبرز في الحديث والفقه، ومن أعظم تصانيفه شرح صحيح مسلم، ورياض الصالحين والأذكار وغيرها، توفى سنة: ٦٧٦ هـ انظر: تذكرة الحفاظ: (٤/ ١٤٧٠) وشذرات الذهب: (٥/ ٣٥٤).
(٣) سبق تخريجه: ١٤٩. وقد استدل أيضًا بهذا الحديث على ما سبق شيخ الإسلام: الدرء: (٣/ ٣٣٣).
[ ٢١٦ ]
(المبحث الثاني): المسائل المتعلقة بصفات الله تعالى
يعد هذا المبحث عند المتكلمين من أعمق المباحث الإلهية وأطولها، ومع ذلك يمكن تحديد الخطوط العريضة التي لا يكاد يوجد خلاف فيها بينهم، حيث يجمع الأشاعرة على إثبات سبع صفات (١) من الصفات الوجودية، وهى ما تسمى بالمعانى، وبيانها كالتالى: العلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام والسمع والبصر.
أما في باب النفى فيثبتون خمس صفات سلبية يتم بها تنزيه المولى - عندهم - عن كل نقص، وهى إثبات: القدم والبقاء والوحدانية ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس. (٢)
وهناك صفة نفسية، يعنون بها الوجود مع اختلاف وقع بينهم في تسمية المراد منها بذلك الاسم، يقول الجويني: "والوجه المرضى أن لا يعد الوجود من الصفات، فإن الوجود نفس الذات" (٣).
ولكن هذا التقسيم إنما تم بيانه على يد متأخرى الأشاعرة، كاللقانى والدردير.
وما خلا ذلك من الصفات، فإنهم يرجعونه إلى الأفعال والاختيارات، فلا يعتقدون فيها إثبات صفة علي جهة الحقيقة؛ لذا يعمد أكثرهم إلى تأويلها بما يعتقدون فيه تنزيه المولى عن صفات الحوادث. (٤)
وقد فصل الغزالي حجتهم في نفى ما عدا هذه الصفات السبع بإرجاع ما أثبت فيه حقه تعالى إليها، فقال: "لعلك تقول: هذه أسماء كثيرة، وقد منعت الترادف
_________________
(١) الصفة في اللغة تعنى [الحالة التي عليها الشيء من حليته ونعته]: المفردات للأصفهاني: ٥٢٥. وعرفها الجرجاني بأنها: [الصفة: هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، وذلك نحو طويل وقصير .. وهى الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها]، التعريفات: ١٧٣.
(٢) الإرشاد للجوينى: ٣١ - ٣٣ - ٣٤ - ٥٢.
(٣) المرجع السابق: ٣١.
(٤) انظر: شرح المقاصد للتفتزانى: (٤/ ٦٩).
[ ٢١٧ ]
فيها وأوجبت أن يتضمن كل واحد معنى آخر، فكيف يرجع جميعها إلى سبع صفات؟ فاعلم أن الصفات إن كانت سبعًا، فالأفعال كثيرة، والإضافات كثيرة، والسلوب كثيرة، ويكاد يخرج جميع ذلك عن الحصر، ثم يمكن التركيب من مجموع صفتين أو صفة وإضافة أو صفة وسلب أو سلب وإضافة، ويوضع بإزائه اسم، فتكثر الأسامى بذلك، وكان مجموعها يرجع إلى ما يدل منها على الذات، أو على الذات مع سلب، أو على الذات مع إضافة، أو على الذات مع سلب وإضافة، أو على واحد من الصفات السبع، أو على صفة وسلب، أو صفة وإضافة، أو على صفة فعل، أو على صفة فعل وإضافة أو سلب، فهذه عشرة أقسام" (١) إلى آخر ما ذكر.
وقد يقسم بعضهم الصفات المثبتة إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، فتكون الصفات الذاتية هنا هي الصفات السبع، وما أرجعوه بالتأويل إليها كالرحمة والغضب، أما الصفات الفعلية فهى التي يرجعون متعلقها إلى الصفات الذاتية.
ويفرق بين متقدمى الأشاعرة وبين متأخريهم في إثبات صفات الخبرية، فالمتقدمون منهم يثبتون الصفات الذاتية الخبرية دون الفعلية، ويردون الفعلية إلى الصفات السبع، يقول الباقلانى وهو من متقدمى الأشاعرة في بيان ذلك: "فإن قال قائل: ففصلوا لي صفات ذاته، من صفات أفعاله؛ لأعرف ذلك.
قيل له: صفات ذاته: هي التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها، كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضا وهما الإرادة على ما وصفناه وهى الرحمة والسخط والولاية والعداوة والحب والإيثار والمشيئة وإدراكه تعالى لكل جنس يدركه الخلق.
وصفات فعله: هي الخلق والرزق والعدل، . .، وكل صفة كان موجودًا قبل فعله لها" (٢)
_________________
(١) المقصد الأسنى: ١٥٧.
(٢) التمهيد: ٢٩٩.
[ ٢١٨ ]
أما المتأخرون فلا يثبتون شيئًا من صفات الإخبار لا الذاتية ولا الفعلية على الحقيقة ويردونها إلى الصفات السبع التي قام دليلهم العقلى على إثباتها ورد ما عداها، يقول الآمدي في بيان هذا الأصل المعتمد عندهم في الرد والإثبات مقننًا بالشبه العقلية: "وأما ما قيل بثبوته من باقي الصفات؛ فالمستند فيها ليس إلا المسموع المنقول دون قضيات العقول، . . .، واعلم أن هذه الظواهر وإن وقع الاغترار بها، بحيث يقال بمدلولاتها، ظاهر من جهة الوضع اللغوى، والعرف الاصطلاحى، فذلك لا محالة انخراط في سلك نظام التجسيم، ودخول في طرف دائرة التشبيه، وسنبين ما في ذلك من الضلال وفى طيه من المحال إن شاء الله بل الواجب أن يقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
فإن قيل بأن ما دلت عليه هذه الظواهر من المدلولات وأثبتناه بها من الصفات ليست على نحو صفاتنا، ولا على ما نتخيل من أحوال ذواتنا، بل مخالفة لصفاتنا كما أن ذاته مخالفة لذواتنا، وهذا مما لا يقود إلى التشبيه ولا يسوق إلى التجسيم، فهذا وإن كان في نفسه جائزًا، لكن القول بإثباته من جملة الصفات يستدعى دليلًا قطعيًا، وهذه الظواهر وإن أمكن حملها على مثل هذه المدلولات فقد أمكن حملها على غيرها أيضًا، ومع تعارض الاحتمالات وتعدد المدلولات فلا قطع، وما لا قطع عليه من الصفات، لا يصح إثباته للذات" (١)
فهذا النص يبين منهجهم في سبيل إرجاع جميع الصفات الخبرية إلى ما تقدم من الصفات الذاتية، ولهم في ذلك حجج سبقت الإشارة إليها عند الحديث عن منهج الصاوى في مسائل الاعتقاد ولعلى أشير إلى أهمها هنا؛ لمحل التلازم بين المنهج والنتيجة، حيث اعتقدوا في أن في إثباتها اعتقاد التمثيل الذي قام الدليل العقلى على منعه، فاعتمدوا منهج التأويل، أو التفويض لدفع إثبات ما تقتضيه النصوص الشرعية التي تضمنت تلك الصفات.
_________________
(١) غاية المرام: ١٣٦ - ١٣٧ - ١٣٨.
[ ٢١٩ ]
رأي الشيخ الصاوى:
لقد فصل الصاوى القول في باب الصفات محررًا للمذهب الأشعرى فبدأ بتعريف الصفة أولًا:
فالصفة هي: "ما يحكم به عليه سواء كان عين الحقيقة أو قائمًا بها أو خارجًا عنها".
وفى بيان أقسامها، يقول: فـ "الصفات إما عين الذات وهى النفسية.
أو غير الذات وهى السلبية؛ لكون مدلولها عدميًا، والفعلية لحدوثها.
أو لا عين الذات ولا غيرها، وهى وجودية، وتسمى المعانى.
أو لا عين الذات ولا غيرها، وهى اعتبارية، وتسمى معنوية.
أو صفات جامعة؛ وهى العزة، والجلال، والجمال، والغنى". (١)
ولم يقصد بنفيه التغاير مطلق المغايرة، وإنما قصد نفى الانفكاك.
وأما نفيه للعينية فقد قصد به أن يفهم مغايرة إلذات للصفات وفى هذا رد على المعتزلة الذين أرجعوا الصفات للذات وأرادوا بذلك نفى الصفات. (٢)
ولتشعب المسائل المتعلقة بهذا المبحث وعمق مادتها العلمية عند الصاوى؛ سأقوم بتفصيل القول فيها وذلك تحت عدد من المطالب، مثبتة لما تقرر عنده بكلام الأشاعرة المتقدمين، مبتدئة بالصفات السلبية التي يعني بها تنزيهه تعالى عن كل نقص.
* * *
_________________
(١) حاشية جوهرة التوحيد: ٢٧. وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٨٥.
(٢) انظر: حاشية جوهرة التوحيد: ٢٧.
[ ٢٢٠ ]
أولًا: الصفات السلبية
يقصد بالصفات السلبية عند المتكلمين: كل صفة يعتقد في إثباتها سلب نقص عن الذات العلية، وتكون ملازمة لها بحيث لا يتصور انفكاك موصوفها عنها (١): وهى القدم والبقاء ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس والوحدانية.
إذًا فأساس وصفها بالسلب يرجع إلى أمرين:
الأول: لما تضمنته من سلب النقص عن الذات.
الثاني: عدم إثبات معنى قائم بالذات يكون زائدًا عنها، فيصح به أن يكون وصفًا وجوديًا.
يقول الآمدي في بيان الأمر الأول: "وليس يلزم من تعدد مفهوم اسم القدم تكثر في مدلول اسم الباري تعالى إلا أن يقدر نعتًا وجوديًا ووصفًا حقيقيًا وليس كذلك بل حاصله إنما يرجع إلى سلب الأولية لا غير". (٢)
ويقول الإيجى في بيان الأمر الثاني وهو امتناع كون هذه الصفات زائدة على الذات: "البقاء هو نفس الوجود - أي الذات - لوجهين:
الأول: لو كان زائدًا لكان له بقاء، ويتسلسل.
الثاني: لو احتاج إلى الذات لزم الدور، وإلا لكان الذات محتاجًا إليه وكان هو مستغنيًا عن الذات، فكان هو الواجب دون الذات" (٣).
ويقول الغزالي في نفس المعنى: "ولقد أبعد من قال البقاء صفة زائدة على ذات الباقى وأبعد منه من قال القدم وصف زائد على ذات القديم وناهيك برهانًا على فساده ما لزمه من الخبط في بقاء البقاء وبقاء الصفات وقدم القدم وقدم الصفات" (٤).
_________________
(١) المواقف: ٣٣٢.
(٢) غاية المرام: ٤٤ مع تصرف يسير.
(٣) المواقف: ٢٩٧.
(٤) المقصد الأسنى: ١٤٨.
[ ٢٢١ ]
أما عن المراد بهذه الصفات فمما يعلم من الوضع الاصطلاحى عن المتكلمين، إذ القدم يعني نفى الأولية، والبقاء نفى الآخرية، والوحدانية إثبات كونه تعالى واحدًا في صفات الربوبية فلا رب سواه، والقيام بالنفس نفى الحاجة إلى الغير، ومخالفة الحوادث نفى كل ما اعتقد في إثباثه قيام الحوادث به كالعرضية والجرمية. (١)
رأى الشيخ الصاوي:
الصفات السلبية عند الصاوى متابعة لما عليه متأخرو الأشاعرة، هي: القدم، والبقاء، ومخالفة الحوادث، والقيام بالنفس، والوحدانية.
ويفسر الصاوي المراد بتسمية هذه الصفات بالسلبية، فيقول: "ليس المراد بكونها سلبية أنها مسلوبة عن الله، ومنفية عنه، وإلا لزم أن يثبت له الحدوث والمماثلة للحوادث، بل المراد بكونها - سلبية - أن كل واحدة منها سلبت أمرًا لا يليق به". (٢)
ثم يشرع في بداية الحديث عنها ببيان أهميتها، حيث يسميها بمهمات الأمهات، معللًا ذلك بـ "أنه يلزم من نفى ضد هذه الخمسة، تنزيهه تعالى عن جميع النقائص".
وحين يقوم بتعدادها فإنه يوضح المراد من كل واحدة على جهة التحديد مع بيان الدليل عليها، ويبدأ بصفة القدم، يقول: إن "معنى القدم في حقه تعالى عدم الأولية، أو عدم افتتاح الوجود، فالقديم هو الذي لا أول له، أو الذي لا افتتاح لوجوده".
ثم يذكر الدليل عليها، يقول: فـ "لو لم يكن قديمًا لكان حادثًا، ولو كان حادثًا لافتقر إلى محدث، ولو افتقر إلى محدث لافتقر محدثه إلى محدث، وهكذا فيلزم إما الدور أو التسلسل". (٣)
- وتليها صفة البقاء التي تعنى "في حقه تعالى عدم الآخرية أو عدم افتتاح الوجود"
_________________
(١) انظر: المواقف للإيجى: ٢٩٧، الإرشاد للجوينى: ٣١ - ٣٣ - ٣٤.
(٢) حاشية الخريدة البهية: ٧٣.
(٣) المرجع السابق. وقد تقدم بيان المراد منهما في بحث الاستدلال على وجود الله تعالى: ١٤٣.
[ ٢٢٢ ]
والدليل عليها: "أنه لو جاز عليه طور العدم؛ لاستحال عليه القدم؛ لأن من جاز عدمه استحال قدمه".
- ثم يذكر الصفة الثالثة من صفات السلوب وهى: "مخالفته تعالى لكل حادث" والمخالفة عنده: "عبارة عن سلب الجرمية والعرضية والكلية والجزئية ولوازمها عنه تعالى لما ثبت لها من الحدوث واستحالة القدم عليها".
وفى تقريره للدليل عليها، يقول: "الله تعالى مخالف للحوادث؛ إذ لو لم يكن مخالفًا لها لكان مماثلًا لها؛ لعدم الواسطة، لكن مماثلته للحوادث باطلة؛ إذ لو ماثل شيئًا منها لكان حادثًا مثلها، لكن كونه حادثًا باطل؛ إذ لو كان حادثًا لافتقر إلى محدث لكن افتقاره باطل. . .".
- أما عن الصفة الرابعة وهى القيام بالنفس، فيرى أن المراد منها "أنه تعالى مستغنٍ في نفسه ليس باعتبار شيء آخر، وعنى باستغنائه المذكور عدم افتقاره إلى محل، أي: ذات يقوم بها، إلى مخصص أي: مؤثر".
ويتابع الاستدلال ببيان استغنائه عن المحل، يقول: فإنه "لو احتاج إلى محل لكان صفة ولو كان صفة لم يكن متصفًا بصفات المعانى والمعنوية، والفرض أنه متصف بهما؛ وإلا لما وجد العالم، فبطل كونه صفة وثبت كونه ذاتًا".
ثم يذكر الدليل على استغنائه عن المخصص بأنه "لو احتاج إلى مخصص لكان حادثًا؛ ولو كان حدثًا لافتقر إلى محدث، كيف وقد سبق وجوب وجوده وقدمه وبقائه ومخالفته للحوادث".
- وينتهى في حديثه عن الصفات السلبية إلى ذكر الصفة الخامسة والأخيرة، وهى: الوحدانية. وقد سبق بيان مراده منها في مبحث التوحيد، وما يهمنا منها هنا هو بيان الاستدلال بنفى التركيب لإثباتها، حيث يرجع نفيه للتركيب إلى وجوب مخالفته للحوادث. (١)
_________________
(١) المرجع السابق: ٢٠، ٢١. وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٥٩.
[ ٢٢٣ ]
ومن كل ما سبق نجد أن الصفة التي يرجع إليها أدلته في التنزيه هي: المخالفة للحوادث فعليها مدار تعطيم المولى وتنزيهه عند الأشاعرة.
* * *
المناقشة:
إن أساس ما اعتمده في عد هذه الصفات من الصفات السلبية لا يسلم له، وذلك لوجوه ترجع إلى ما يجب للمولى تعالى من الكمال في صفاته وأسمائه:
الأول: امتناع قصر نفى النقائص عن الله تعالى بإثبات هذه الصفات دون غيرها، إذ جميع ما يوصف به المولى تعالى من الصفات إلى جانب إثباته للصفة الوجودية من الكمال فإنه ينفى عنه صفة نقص لا تليق به، فصفة العلم تنفى عنه الجهل، والحياة تنفى عنه الموت، والسمع والبصر إلى آخر ما اتصف به المولى ﵎.
ثانيًا: أن أي صفة نفى سلبت عن الباري تعالى أمرًا لا يليق به، فإنها في المقابل تثبت له صفة كمال؛ فالمولى ﵎ أحد أي ليس له مثيل أو شريك، فهذه الصفة وإن كانت في الأصل لنفى المماثل والشريك، فإنها أثبتت في المقابل اتصافه تعالى بكل صفات الكمال والجلال التي لا تليق إلا لجلاله.
ثالثًا: أن هذه الصفات على جهة الخصوص فيها من إثبات إفراد الكمال لله تعالى ما لا ينكره ذو فطرة سليمة، فالقديم مع التجاوز في التسليم لهم بهذا الاسم يقابل الأول، وليس يغيب ما في إثبات أوليته من معانى العظمة والكمال؛ إذ كل ما في هذا الوجود إنما هو مفتقر في وجوده وبقائه إليه ﷾، وهكذا يقال في باقي الصفات.
هذا ومما يلاحظ عند عرض أقوال الصاوى في قضية التنزيه، أو سلب النقائص عن الله ﷿ عددًا من الأمور منها:
أولًا: استناده إلى طريقة التفصيل في النفى، معتمدًا في ذلك على ما يراه العقل
[ ٢٢٤ ]
قبيحًا في حق الله تعالى، وهذا ما يخالف مقتضى تعظيم الله تعالى وإجلاله، كما دل عليه الكتاب والسنة؛ إذ يعتمد تنزيه الله تعالى وتعظيمه فيهما على النفى المجمل، الذي يستوعب جميع أفراد النقص التي ينزه المولى عن الاتصاف بها، ومع ذلك يتعدى إلى إثبات ما يقابل هذه الصفات من كمال؛ إذ السلب المحض لا يعد كمالًا في حق من وصف به إلا أن يؤدى إلى إثبات ما يقابله من كمال (١)، وهذه هي طريقة القرآن الكريم التي نبه اليها وأمر بها في كثير من الآيات، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
ثانيًا: مما استند إليه الصاوى في قضية التنزيه، استخدام المصطلحات الكلامية في نفى ما اعتقد أن في إثباته ما يوهم مماثلة الحوادث، حتى جعل هذه المصطلحات: كالجرم، والعرض، والجهة، والمحل، مقياسًا ومرجعًا في كل ما يجب أن يمتنع المولى سبحانه من الاتصاف به؛ فكل معنى يستلزم وصفه تعالى بإحدى هذه المصطلحات وجب نفيه وإبطاله، فإن كان مما ورد به نص الكتاب والسنة عطل بطريق التأويل أو التفويض.
ومن ذلك أنه حين التزم نفى الجرم والعرض عن الله تعالى، قام بتعطيل الباري تعالى عن بعض صفات الذات الخبرية، كالوجه والساق واليد، وكذلك صفات الأفعال الخبرية كالنزول والاستواء، إلى غير ذلك حيث اعتقد أن في إثباتها ما ينفى مخالفته للحوادث.
ولا شك أن في ذلك انحرافًا عن منهج التلقى الذي يعتمد في كل ما يجب أن يتصف به المولى على ما ورد به نص الكتاب والسنة، فالله تعالى أعلم بما يجب أن يتصف به، أو يمتنع عنه، وكذا نبيه - ﵊ - الذي أتم في ذلك البيان.
وقد وقع الصاوى بهذا المسلك في الابتداع المنهي عنه، حيث اعتمد في مثل هذه المهمات على ما اصطلح عليه المتكلمون؛ دون وقوف عند حدود ما أنزل الله على
_________________
(١) انظر: التدمرية، لشيخ الإسلام: ٥٧.
[ ٢٢٥ ]
رسوله، هذا إلى جانب أن هذه المصطلحات لما كانت من البدع؛ لم تكن حجة في الرد على شبه المخالفين، وهذا ما أوقع المتكلمين في الاضطراب بين جانب النفى والإثبات؛ مما جعل للمخالفين من المعتزلة وغيرهم سبيلًا للتطاول عليهم فيما أثبتوه من الصفات. (١)
ثالثًا: قد سبقت الإشارة إلى أن التنزيه عند المتكلمين يقوم على أساس مخالفة الله تعالى للحوادث، فكل واحدة من الصفات السلبية عندهم ترجع إلى هذا المعنى، وقد أوضح الصاوي المراد من ذلك حين أتى إلى هذه الصفة، وبين أنها تعنى سلب الجرمية والعرضية، فإنه حين أثبت حدوثهما عند استدلاله على حدوث العالم، جعل أساس ما يقوم عليه التنزيه هو نفى هذه المعاني عن الله، ونفى كل وصف يستلزم اتصافه تعالى بها.
فالعرضية التي تعنى إثبات الأعراض وهى الصفات الاختيارية المتجددة يوجب الصاوي نفيها عن الله تعالى، وسيأتي بيان موقفه من هذه الصفات مفصلة، فقد نفى الإرادة الحادثة المتعلقة بالإرادة القديمة، والتى ثبت اتصافه تعالى بها عقلًا (٢) وشرعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ونفى جميع الصفات الفعلية المتجددة التي تتعلق بها، وأرجع إثباتها إلى محض الاعتبار، الذي يجعلها تتأرجح بين الوجود والعدم، فتشبه بذلك الأحوال عند المعتزلة، والصاوي لنفس الشبهة مع غيرها من الشبه التي سيأتي بيانها في موضعها المحدد بإذن الله؛ يؤول الكلام المستقبلي لله تعالى، الذي أخبرت به النصوص ويرجعه إلى الكلام النفسي القديم المعبر عنه بلفظ حادث مخلوق، وكذلك الغضب والرحمة والنزول والضحك والمجئ وكل صفة اعتقد في إثباتها على ظاهرها ما يوهم إثبات الأعراض للذات العلية.
_________________
(١) انظر: التدميرية: ١٣٣.
(٢) وقد بينت هذا في مبحث الاستدلال على وجود الله، فقدمت أن في نفى هذه الصفة عن الله تعالى ما يلزم منه منع إثبات حدوث المخلوقات وقدم خالقها، كما هو معتقد الأشاعرة النافين لهذه الصفات الاختيارية انظر: ١١١.
[ ٢٢٦ ]
وفى نقض هذا الأساس الذي اعتمد عليه الصاوي في التنزيه نرجع إلى ما سبق بيانه من أن هذا مسلكًا باطلًا، وليس فيه ما يثبت الحدوث، فليس كل ما لم يخل من الحوادث حادثًا؛ لوجود الفرق بين ما لا يخلو من جنس الحوادث، أو ما لا يخلو من بعضها - كما بينت سابقًا - (١).
هذا إلى جانب أن هذه الصفات التي نفوها لأنها من الأعراض والحوادث هي من صفات الكمال التي يعد نفيها نقصًا ينزه المولى تعالى عنه، يقول شيخ الإسلام: "وبكل حال فمجرد هذا الاصطلاح، وتسمية هذه - أي الصفات الاختيارية - أعراضًا وحوادث لا يخرجها عن أنها من الكمال الذي يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف بها، أو يمكنه ذلك ولا يتصف بها". (٢)
وبهذا يكون الاستدلال على نفى الصفة عن الله تعالى؛ اعتمادًا على أنها توجب اتصافه تعالى بما هو من خصائص الحوادث، كالعرضية، باطلًا ليس له أصل من نقل ولا عقل ولا لغة، وكل ما لم يثبت له أصل، بطل الاعتماد عليه في أصول العقائد.
- ومن جملة ما اعتمد الصاوي رده تأويلًا أو تعطيلًا بناء على شبهة الحدوث كل صفة توهم الجرمية كإثبات المحل والجهة، والصفات الخبرية الفعلية؛ كالاستواء والنزول، والصفات الخبرية الذاتية؛ كاليد والوجه والقدم.
ولا شك أن ردهم لهذه الصفات خوفًا من إيهام الجرمية والتجسيم، لا يصح؛ لأنه تعالى أثبتها لنفسه وأثبتها له نبيه؛ فهو أعلم بما يتصف به، ونبيه أعلم بمراد ربه، ولو كان في إثبات هذه الصفات على ظاهرها ما يخل بمقتضى التعظيم والتنزيه الواجب لله تعالى لكان النبي - ﷺ - هو أول من بين لنا هذا، ولما علم انتفاء ذلك البيان؛ دل ذلك على انتفاء ملزومه من التنزيه عن إثباتها على ظاهرها، ولهذا السبب فصل علماء الأمة في نفى الجسم وإثباته، فامتنعوا عن نفيه بالمعنى الذي فهمه المتكلمون، والذي حملهم على رد الكثير من نصوص الكتاب والسنة لأجله.
_________________
(١) انظر: بحث الاستدلال على وجود الله تعالى: ١٤٣.
(٢) مجموع الفتاوى: (٦/ ٩٤). ويأتي النقد مفصلًا في كل صفة بعينها بإذن الله.
[ ٢٢٧ ]
كما امتنعوا عن إثباته مطلقًا لعدم الدليل المقتضى لإثباته، فصاروا على ذلك التفصيل في كل ما أحدثه المتكلمون في نفى الصفات وإثباتها، يقول الإمام ابن القيم في رد شبهتهم بنفى الجهة منعًا للتجسيم: "والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية ونحن نقول إن إثبات هذا كله غير لازم فإن الجهة غير المكان وذلك أن الجهة هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به وهى ستة وبهذا نقول إن للحيوان فوقًا وأسفل ويمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا وإما سطوح جسم آخر يحيط بالجسم ذى الجهات الست فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلًا وأما سطوح الأجسام المحيطة به فهى له مكان مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان وسطوح الفلك المحيط بسطوح الهواء هي أيضًا مكان للهواء". (١)
وقال - ﵀ - في نفى اليدين والوجه بحجة التجسيم: "وسموا الموصوف بالصفات جسمًا، وسموا من له وجه ويدان جسمًا، ثم نفوا الجسم عن الصانع، وأوهموا أنهم ينفون معناه لغة وقصدهم نفى معناه اصطلاحًا؛ فسموه بخلاف اسمه في اللغة، ونفوا به ما أثبته الرب لنفسه من صفات الكمال، وكذلك سموا صفاته أعراضًا؛ ثم نفوا عنه الأعراض بالمعنى الذي اصطلحوا عليه، لا بالمعنى الذي وضعت له ألفاظ الأعراض في اللغة، وكذلك سموا أفعاله حوادث ثم نفوها عنه بالمعنى الذي اصطلحوا عليه لا بمعناه في اللغة". (٢)
- وهذا ما يقال في الكلية والجزئية، فالمراد بها عند المتكلمين كل ما يوهم التقسيم والتجزئ عندهم من الصفات، فقد بين الصاوي قيام التنزيه على نفيها، وهذا ما لا يسلم لهم مطلقًا، فالصحيح أنه لا يلزم من إثباتها ما ذكروه من التقسيم والتجزئ.
وقد بين ضلالهم في هذه الشبهة التي اعتمدوا في إعمالها لرد هذه الصفات قياس
_________________
(١) الصواعق المرسلة: (٢/ ٤٠٧). وانظر: مناهج السنة لشيخ الإسلام: (٢/ ٦١٤).
(٢) الصواعق المرسلة: (٢/ ٦٧٣).
[ ٢٢٨ ]
الغائب على الشاهد، شيخ الإسلام - ﵀ -؛ فنبه إلى أن هذه الصفات لا يمكن ردها لإيهام التجزئ والتركيب فإن هذا إنما يصح في حق المخلوقات المكونة من الجواهر والأجرام، ومع ذلك فلا يصح تأويلهم لها لتدل على الذات كالوجه مثلًا، وذلك لدلالة اللغة التي خاطبنا القرآن بها، فقد علم ضرورة أن هذه التسميات يراد بها صفة مخصوصة تكون دالة عليها، يقول - ﵀ -: "قالوا إذا حملتم الأمر على هذا الظاهر، وبطل أن يراد بها إلا الوجه الذي هو صفة يستحقها الحى، فالوجه الذي يستحقه الحى وجه هو عضو وجارحة، يشتمل على كمية تدل على الجزئية، وصورة تثبت الكيفية، فإن كان ظاهر الأوصاف عندكم إثبات صفة تفارق في الماهية، وتقارب فيما يستحق بمثله الاشتراك في الوصف، فهذا هو التشبيه بعينه، وقد ثبت بالدليل الجلى إبطال قول المجسمة والمشبهة، وما يؤدى إلى مثل قولهم فهو باطل.
قلنا: الظاهر ما كان متلقى في اللفظ على طريق المقتضى، وذلك مما يتداوله أهل الخطاب بينهم حتى ينصرف مطلقه عند الخطاب إلى ذلك عند من له أدنى ذوق ومعرفة بالخطاب العربي واللغة العربية، وهذا كما نقول: في ألفاظ الجموع وأمثالهم إن ظاهر اللفظ يقتضى العموم والاستغراق وكما نقوله: في الأمر إن ظاهره الاستدعاء من الأعلى للأدنى يقتضى الوجوب إلى أمثال ذلك مما يرجع فيه إلى الظاهر في المتعارف، فإذا ثبت هذا فلا شك ولا مرية على ما بينا أن الظاهر في إثبات صفة هو إذا أضيف إلى مكان أريد به الحقيقة أو أريد بها المجاز، فإنه لا ينصرف إلى وهم السامع أن المراد بها جميع الذات التي هي مقولة عليها، وهذا مما لا نزاع فيه والمقصود بهذا إبطال التأويل الذي يدعيه الخصم، فإذا ثبت هذا وجب أن يكون صفة خاصة بمعنى لا يجوز أن يعبر بها عن الذات ولا وضعت لها إلا على سبيل الحقيقة ولا على سبيل المجاز، فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحى ولم يعبر بها عن الذات وجب أن تكون عضوًا وجارحة ذات كمية، وكيفية فهذا لا يلزم من جهة أن ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث
[ ٢٢٩ ]
لا من خصيصة صفة الوجه، ولكن من جهة نسبة الوجوه إلى جملة الذات فيما يثبت للذات من الماهية المركبة بكمياتها وكيفياتها وصورها، وذلك أمر أدركناه بالحس من جملة الذات فكانت الصفة مساوية للذات في موضعها بطريق أنها منها ومنتسبة إليها نسبة الجزء إلى الكل، فأما الوجه المضاف إلى الباري تعالى فإنا ننسبه إليه في نفسه نسبة الذات إليه، وقد ثبت أن الذات في حق الباري لا توصف بأنها جسم مركب من جملة الكمية وتتسلط عليه الكيفية ولا يعلم له ماهية، فالظاهر في صفته التي هي الوجه أنها كذلك لا يوصل لها إلى ماهية، ولا يوقف لها على كيفية، ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية لأن هذه إنما هي صفات الجواهر المركبة أجسامًا والله يتنزه عن ذلك، ولو جاز لقائل أن يقول ذلك في السمع والوجه والبصر وأمثال ذلك في صفات الذات لينتقل بذلك عن ظاهر الصفة منها إلى ما سواها بمثل هذه الأحوال الثابتة في المشاهدات لكان في الحياة والعلم والقدرة أيضًا كذلك فإن العلم في الشاهد عرض قائم يقدر نفيه بطريق ضرورة أو اكتساب، وذلك غير لازم مثله في حق الباري لأنه مخالف للشاهد في الذاتية غير مشارك في إثبات ماهية ولا مشارك لها في كمية ولا كيفية وهذا الكلام واضح جلى". (١)
وهذا ما بينه الإمام ابن القيم - ﵀ - على جهة الإجمال حيث يقول: فاعتقد نظار المتكلمين على تعدد شبههم بأن من وصف بهذه الصفات الخبرية" لم يكن إلهًا واحدًا، وكان هناك آلهة متعددة، وقدماء متغايرة، وأعراضًا، وأبعاضًا، وحدودًا، وجهات، وتكثر، وتغير، وتحدد، وتجرد، وتجسم، وتشبيه، وتركيب، وأكثر الناس إذا سمعوا هذه الألفاظ نفرت عقولهم من مسماها، ونبت أسماعهم عنها، وقد علم المؤمنون المصدقون للرسول العارفون بالله وصفاته وأسمائه أنكم توسلتم بها إلى نفى صفاته وأفعاله وحقائق أسمائه؛ فلم ترفعوا بها رأسًا، ولم تروا لها حرمة، ولم ترقبوا فيها ذمة، وغرت ضعاف العقول الجاهلين بحقائق الإيمان فضلوا بها وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية: ٣٧ - ٣٨.
[ ٢٣٠ ]
فلفظ الجسم لم ينطق به الوحى إثباتًا؛ فتكون له حرمة الإثبات، ولا نفيًا، فيكون له إلغاء النفى، فمن أطلقه نفيًا أو إثباتًا سئل عما أراد به، فإن قال: أردت الجسم معناه في لغة العرب، وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه ولا يقال للهواء جسم لغة ولا للنار ولا للماء، فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا فهذا المعنى منفى عن الله عقلًا وسمعًا، وإن أردتم به المركب من المادة والصورة أو المركب من الجواهر الفردة؛ فهذا منفى عن الله قطعًا، والصواب نفيه عن الممكنات أيضًا فليس الجسم المخلوق مركبًا من هذا ولا من هذا.
وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات، ويرى بالأبصار، ويتكلم ويكلم، ويسمع ويبصر، ويرضى ويغضب؛ فهذه المعانى ثابتة للرب تعالى، وهو موصوف بها، فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسمًا؛ كما أنا لا نسب الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم نواصب، ولا ننفى قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية لمن أثبته جبريًا، ولا نرد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية، ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه؛ لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسمًا مشبهًا، فإن كان تجسيمًا ثبوت استوائه على عرشه إني إذًا لمجسم، وإن كان تشبيها ثبوت صفاته فمن ذلك التشبيه لا أتكتم، وإن كان تنزيهًا جحود استوائه وأوصافه، أو كونه يتكلم؛ فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا بتوفيقه، والله أعلى وأعلم". (١)
ولا شك أن هذا هو حال ما أدخل في الدين من البدع والمحدثات؛ لأنها كما سبق وأن ذكرت لا تشتمل على البرهان الذي يتم به العلم اليقينى، فغالب ما عليه أهل البدع ألفاظ مجملة، لا يجزم فيها بقول على جهة التحقيق؛ لذا نبه علماء السلف على وجوب الحذر منها وتفصيل القول فيها؛ حتى لا يرد حق ويقبل باطل بسببها.
_________________
(١) الصواعق المرسلة: (٣/ ٩٣٩ - ٩٤٣). وسيأتي نقد كل تأويل لهذه الصفات مفصلًا بحول الله تعالى في المباحث التالية.
[ ٢٣١ ]
ثانيًا: صفات المعاني
سبقت الإشارة إلى بيان مذهب الأشاعرة فيما أثبتوه من الصفات التي أطلقوا عليها صفات المعاني، حيث اعتقدوا فيها إثبات معنى قائم بالذات على خلاف غيرها من الصفات.
وفى تحقيق قيامها بالبارى تعالى على جهة يصح إثبات اتصافه بها، يقول الباقلانى: "فإن قال قائل: ولم قلتم إن للقديم تعالى حياة وعلمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وكلامًا وإرادة؟
قيل له: من قبل أن الحى العالم القادر منا إنما كان حيًا عالمًا قادرًا متكلمًا مريدًا؛ من أجل أن له حياة وعلمًا وقدرة وكلامًا وسمعًا وبصرًا وإرادة، وأن هذه فائدة وصفه بأنه حى عالم قادر مريد.
يدل على ذلك أن الحى منا لا يجوز أن يكون حيًا عالمًا قادرًا مريدًا، مع عدم الحياة والعلم والقدرة، ولا توجد به هذه الصفات إلا وجب بوجودها به أن يكون حيًا عالمًا قادرًا، فوجب أنها علة في كونه كذلك، كما وجب أن تكون علة كون الفاعل فاعلًا، والمريد مريدًا: وجود فعله وإرادته، التي يجب كونه فاعلًا مريدًا لوجودها، وغير فاعل مريد بعدمها، فوجب أن يكون الباري سبحانه ذا حياة وعلم وقدرة وإرادة وكلام وسمع وبصر، وأنه لو لم يكن له شيء من هذه الصفات، لم يكن حيًا ولا عالمًا ولا قادرًا ولا مريدًا ولا متكلمًا ولا سميعًا ولا بصيرًا يتعالى عن ذلك" (١).
وفى بيان ذلك، يقول الشهرستانى مقررًا ما قام عليه مذهب الأشعري: "قال أبو الحسن: الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حى بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع يسمع، بصير يبصر، وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى، لا يقال: هي هو، ولا هي غيره، ولا هو، ولا غيره.
_________________
(١) التمهيد: ٢٢٧.
[ ٢٣٢ ]
وعلمه واحد يتعلق بجميع المعلومات: المستحيل، والجائز، والواجب، والموجود، والمعدوم، وقدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصلح وجوده من الجائزات، وإرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص.
وكلامه واحد هو أمر، ونهى، وخبر، واستخبار، ووعد، ووعيد، وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه لا إلى عدد في نفس الكلام، والعبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء - ﵈ -: دلالات على الكلام الأزلى والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلى.
والكلام عند الأشعري: معنى قائم بالنفس سوى العبارة، والعبارة دلالة عليه من الإنسان فالمتكلم عنده من قام به الكلام، وإرادته واحدة قديمة أزلية متعلقة بجميع المرادات من أفعاله الخاصة وأفعال عباده من حيث إنها مخلوقة له لا من حيث إنها مكتسبة لهم، وأن السمع والبصر للبارى تعالى صفتان أزليتان هما إدراكان وراء العلم يتعلقان بالمدركات الخاصة بكل واحد بشرط الوجود" (١)
رأى الشيخ الصاوي:
يبدأ الصاوي أولًا ببيان ما تسمى به هذه الصفات، يقول: "صفات المعانى تسمى: الصفات الذاتية؛ لأنها لا تنفك عن الذات.
والصفات الوجودية؛ لأنها متحققة باعتبار نفسها".
وفى بيان المراد بها، يرى أن معناها "في اللغة: ما قابل الذات فشمل النفسية والسلبية".
أما في الاصطلاح، فهى: "كل صفة قائمة بموصوف، زائدة على الذات، موجبة له حكمًا".
ويسير على نفس المنوال الذي سار عليه في الصفات السلبية، حيث يفصل القول في كل صفة على حدة، مبتدئًا ببيان المراد منها، متممًا بالاستدلال لها، منتهيًا بذكر
_________________
(١) الملل والنحل: ٩٦ - ١٠١. بتصرف يسير.
[ ٢٣٣ ]
تعلقاتها، ويعتمد في الاستدلال لصفة القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة على العقل؛ بحجة أن العالم لا بد لوجوده منها، وإلا لما وجد العالم، أما الكلام والسمع والبصر، فإنه يرى أن دليلها سمعى، إذ لا يتوقف على إثباتها وجود العالم، ومع ذلك فإنه يذكر طريق من أثبتها بالعقل بناءً على قضية التقابل بين العدم والملكة؛ فلو لم يتصف بها لاتصف بضدها، والنقص عليه محال، إلا أنه يشكك في صحة هذا الطريق لأنه مبنى عنده على قياس القديم على الحادث، فـ "كل كمال في حق الحادث لا يلزم أن يكون كمالًا في حق الله؛ ألا ترى الزوجة والولد فإنها كمال في حق الحادث لا القديم". (١)
ويبدأ الحديث أولًا عن صفة: القدرة، فيقول: "معناها في اللغة ما قابل الذات فشمل النفسية والسلبية".
اصطلاحًا: "صفة أزلية قائمة بذاته، زائدة عليها، يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه وفق الإرادة".
ثم يستدل لها بالعقل، فيقول: "الله صانع قديم، له مصنوع حادث، وكل ما كان كذلك لا بد له من قدرة يوجد بها الأشياء ويعدمها، فينتج الله لا بد له من قدرة".
فتعلق الإرادة عنده مقصور على الممكن؛ إذ الواجب والمستحيل مما لا تعلق للقدرة بهما "لأنها إن تعلقت بالواجب فإما أن تعدمه وهو محال، وأما أن توجده وهو تحصيل الحاصل، وإن تعلقت بالمستحيل إما أن تتعلق بإعدامه وهو تحصيل الحاصل، أو بإيجاده وهو محال، فتخلف قدرة الله عن تعلقها بالواجب والمستحيل ليس بعجز".
* * *
ثانيًا: الإرادة وهى "لغة: القصد، اصطلاحًا: صفة أزلية زائدة قائمة بذاته تعالى شأنها التخصيص للممكن ببعض ما يجوز عليه".
_________________
(١) حاشية جوهرة التوحيد: ٢٥. وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٧٩.
[ ٢٣٤ ]
ثم يبين أقسام الممكن بهذه الأبيات:
الممكنات المتقابلات وجودنا والعدم والصفات
أزمنة أمكنة جهات كذا المقادير روى الثقاة.
وفى الاستدلال لها، يقول: "الله صانع للعالم بالاختيار، وكل ما كان كذلك يجب له الإرادة، فينتج الله تجب له الإرادة".
* * *
ثالثًا: العلم، يقول في بيانها: "هي صفة أولية قائمة بذاته تعالى، تتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق إحاطة وانكشاف".
والدليل: "أن تقول الله صانع للعالم صنعًا متقنًا بالإرادة والاختيار وكل ما كان كذلك يجب له العلم، فينتج الله يجب له العلم".
* * *
رابعًا: الحياة، "وهى صفة أزلية قائمة بذاته تقتضى صحة العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر" وهذه هي الصفة الوحيدة التي لا يرى لها متعلقًا؛ إذ لا يقتضى الاتصاف بها "أمرًا زائدًا على قيامها بمحلها".
دليلها: "أن تقول: الله تعالى متصف بالقدرة والإرادة والعلم، وكل من كان كذلك تجب له الحياة، فينتج الله تجب له الحياة" (١).
* * *
خامسًا: الكلام، وهذه هي الصفة الخامسة من صفات المعانى، وهى" صفة أزلية قائمة بذاته ليست بحرف ولا صوت، منافية للسكوت والآفة، تتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق دلالة".
ويستند في نفى الصوت والحرف إلى أن هذا يقتضى إنشاءه تعالى للكلام في
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٢٥. وحاشية الخريدة: ٨٥.
[ ٢٣٥ ]
ذلك الوقت؛ مما يؤدى إلى تجويز السكوت عليه قبل إنشائه له، وقيام الحوادث به ومعلوم أن هذا عنده من المحال، كما أنه حتى يقرر ما عليه مذهب الأشاعرة من أن الكلام معنى واحدًا؛ يقول في وصف سماع موسى - ﵇ - لكلامه تعالى: أي "أزال الحجاب عنه حتى سمع كلامه بجميع أجزائه من جميع جهاته لا أن الله أنشأ له الكلام؛ لأن الله ﷾ دائمًا متكلم يستحيل عليه السكوت والآفة". (١)
ولإزالة ما يحصل بالنفس من استبعاد لمثل هذا السماع الذي يحصل بلا صوت ولا حرف على حد قوله، فإنه يرجع الأمر لقدرة الله تعالى فـ "كما يكون لنا في الآخرة عند رؤية ذاته جل شأنه بلا كيف ولا انحصار" جاز سماعه - ﵇ - له بهذه الكيفية. (٢)
ثم لما تعارف الناس على أن هذا القرآن هو كلام الله تعالى مع أنه بحرف كما هو معلوم بين أن هذا من حيث المجاز لا الحقيقة الشرعية، يقول: "واعلم أن كلام الله يطلق بالاشتراك على الحسي وعلى النفسي، الذي هو الصفة القديمة، فهو حقيقة عرفية في كل، فالحسي ما كان بحرف وصوت مدلوله بعض مدلول الكلام النفسي القديم القائم بذاته تعالى، والنفسى ما ليس بحرف ولا يوصف بتقديم ولا تأخير ولا تقسيم ولا بداية ولا نهاية". (٣)
ودليله في ذلك بيت الأخطل المشهور عند الأشاعرة:
إن الكلام لفى الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا (٤)." (٥)
وهو مع هذا ينسب لفظه ومعناه إلى الله تعالى، فالمعنى هو كلامه النفسى القديم، ولفظه هو الذي أوجده فتلقه عنه جبريل ومن ثم محمد - ﷺ -: "والحاصل
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٨٩).
(٢) المرجع السابق: (٣/ ٢٠٣).
(٣) حاشية جوهرة التوحيد: ٢٥.
(٤) البيت لا يوجد في ديوان الأخطل المطبوع: انظر: ديوان الأخطل، شرح راجى الأسمر، دار الكتاب العربي.
(٥) حاشية الخريدة البهية: ٨٥.
[ ٢٣٦ ]
أنه ينسب لله من حيث إيجاده ولجبريل من حيث تلقيه عن الله، ولمحمد من حيث تلقيه عن جبريل" (١).
* * *
سادسًا: السمع والبصر، وكل واحدة منهما "صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تتعلق بجميع الموجودات تعلق إحاطة وانكشاف"، "فيسمع الأصوات ولو خفية جدًا كدبيب النملة السوداء في الليل المظلم، ويبصر الأشياء ولو دقيقة، ولكن سمع الله ليس بصماخ وآذان، وبصره ليس بحدقة وأجفان، ليس كمثله شيء".
ثم يجمل الاستدلال على هذه الثلاث، بالنقل والإجماع واللغة، يقول: "ودليل هذه الصفات الثلاثة نقلى من الكتاب والسنة والإجماع والتواتر، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وأجمع أهل الأديان والعقلاء على أنه سميع بصير متكلم،، والمشتق يدل على المشتق منه خلافًا للمعتزلة النافين للمعانى، حيث قالوا: سميع بلا سمع بل بذاته". (٢)
والصاوى يثبت ما أثبته شيخه الدردير من وجود صفات حادثة لله تعالى عبر عنها بالتعلق التنجيزى الحادث لصفات المعاني، يقول: "اعلم أن صفات الله كلها عظيمة قديمة إلا صفات الأفعال؛ فإنها وإن كانت عظيمة إلا أنها ليست قديمة". (٣)
ولكنه مع ذلك لا يثبتها على جهة الحقيقة تخلصًا من إلزامه بتجويز قيام الحوادث في ذات الرب تعالى، بل يرجعها إلى أمور اعتبارية لا تخرجها عن العدم، يقول: "ولا يلزم قيام الحوادث بذاته إلا إذا كانت تلك الصفات الحادثة المتصف بها وجودية كالبياض والسواد ونحوهما، وأما إذا كانت الصفات الحادثة المتصف بها اعتبارية لا
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٤/ ٢٣٢).
(٢) حاشية جوهرة التوحيد: ٢٦. وحاشية الخريدة البهية: ٧٩. وانظر: في صفة الكلام حاشية الجلالين: (٣/ ١٥٨ - ٢٠/ ٣٤٢ - ٢٤٣).
(٣) المرجع السابق، وانظر: حاشية الجلالين: (١/ ١٨).
[ ٢٣٧ ]
وجود لها في الخارج ولا ثبوت، فلا يلزم قيام الحوادث بذاته لأن الأمر العدمى الاعتبارى لا يقوم بشيء". (١)
* * *
المناقشة:
مما يلحظ أن في تقسيم الصاوي للصفات الذاتية من حيث الدليل إلى عقلية وسمعية، وأن العقلية هي ما يتوقف العالم على وجودها، والسمعية هي التي لا توقف لوجود العالم عليها، تقديم لمنزلة الدليل العقلى على السمعى، وقد سبقت الإشارة إلى أن السبب في ذلك يرجع إلى اعتقاد المتكلمين في أنه لا يمكن إثبات وجود الله تعالى متصفًا بالصفات التي يمكن بها وجود العالم إلا بالعقل، فنفى غالبهم إمكان معرفته سبحانه بغير ذلك، ولما كان الدليل السمعى لا يخرج عن الدلالة الخبرية المحضة - عندهم - استحال أن يستدل به على جهة الاستقلال في مثل هذه المهمات.
وقد تقدم الرد عليهم، ويمكن إجماله هنا للأهمية بأن معرفة الله تعالى متصفًا بصفات الكمال مما قد فطرت النفوس عليه، فدليلها معلوم ببداهة الفطرة، ولا اقتصار على دلالة العقل هنا، ثم إن دليل السمع الصادق دليل يشتمل على البراهين العقلية التي تجزم بصدق دلالتها على كل ما أمر الشرع بالإيمان به استنادًا إلى تمام الدين وكماله، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣].
كما أن ما احتج به الصاوي على عدم صحة الاستدلال بالقياس لباقى صفات المعانى غير صحيح؛ حبث اعتمد في تضعيفه لهذا المسلك بأنه يجعل من الحادث مقياسًا للكمال الذي يجب أن يتصف به القديم، والحال الذي يقطع به المشاهد أنه ليس كل ما كان كمال في حق الحادث صح أن يتصف به الرب تعالى.
_________________
(١) حاشية الخريدة البهية: ٨٩.
[ ٢٣٨ ]
ولبيان وجه الصواب هنا لا بد أولًا من معرفة القياس الذي يصح استعماله في حق المولى تعالى، وذلك أنه قد دلت آيات القرآن الكريم على أن الذي يصح في حقه تعالى هو قياس الأولى، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، وعليه فإن كل كمال في حق المخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه هو كمال في حق الخالق تعالى، وبهذا تنتفى الشبهة التي ذكرها؛ إذ الولد في حق المخلوق يستلزم من أنواع النقص ما يجزم بامتناع اتصاف المولى به ﷾. (١)
كما أن في منعه للقياس بشتى صوره، مناقضة للأصل الذي بنى عليه ما أثبته من الصفات بالعقل؛ فإنه حين استدل على وجوب اتصافه تعالى بالعلم والإرادة والقدرة والحياة استند في ذلك على القياس، وأخص منه قياس الغائب على الشاهد.
والذي نخلص إليه هنا أن صفات الله تعالى مع كون الأصل الذي يدلنا عليها هو الكتاب والسنة، إلا أنه يمكن الاستدلال لها بالعقل بناء على أنها من الكمال الذي يجب في حق الله تعالى؛ فلو لم يتصف بها لاتصف بضدها والنقص عليه محال.
ولكفاية الطرق الشرعية في الدلالة على مسائلها؛ فإن هذا الأصل يرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، أي "الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعانى الثبوتية، التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل، كان أعلى من غيره" (٢)
هذا من حيث الاستدلال، أما على جهة التفصيل، فإن إثباته للصفات بالطريقة التي ذكرها، مع تفسيره للتعلق بأنه أمر اعتبارى يرجع إلى العدم، لا حقيقة له في الذهن فرارًا من إثبات حوادث يتصف بها المولى على جهة الحقيقة، فإن مناقشته في هذه تتأتى من جهتين:
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: (٦/ ٨٧).
(٢) الصواعق المرسلة لابن القيم: (٣/ ١٠٣١)، وانظر: شرح العقيدة الأصفهانية لشيخ الإسلام: ١٥١.
[ ٢٣٩ ]
الأولى: إذا كان الأمر بهذه الصورة فما معنى إثبات أفعال اختيارية حادثة لله تعالى؟ فمن غير المستساغ عقلًا ولا لغةً إثبات أمر لا حقيقة له، يرجع مفهومه إلى العدم؛ "لأن العقل الصحيح حكم حكمًا لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين النقيضين البتة، فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ولا واسطة بينهما البتة، فكل ما هو غير موجود فإنه معدوم قطعًا، وكل ما هو غير معدوم فإنه موجود قطعًا". (١)
أما من الجهة الثانية فإن هذا المفهوم لحقيقة التعلق كما صرح به الصاوي يؤدى إلى إثبات صفات ذاتية قديمة، تعلقها بما تتعدى إليه على جهة الحدوث والتجدد لا حقيقة له، "لأن حدوث النسب بدون حدوث ما يوجبها ممتنع، فلا تكون نسبة وإضافة إلا تابعة لصفة ثبوتية: كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية والتيامن والتياسر؛ فإنها لا بد أن تستلزم أمورًا ثبوتية". (٢)
* * *
- وبالتالى فإن حقيقة ما يؤول إليه إثباته لصفة الإرادة على هذا الوجه الذي ذكره أمر محدث مخالف للأدلة الشرعية والعقلية، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فإن كلمة إذا "ظرف لما يستقبل من الزمان. فقوله: (إذا أراد) ونحو ذلك يقتضى حصول إرادة مستقبلة ومشيئة مستقبلة" (٣)
فإن اعتقاد قدم الباري تعالى وحدوث كل هذه الموجودات على جهة الاختيار والإرادة؛ ملزم باعتقاد اتصافه تعالى بإرادة حادثة، ينتج عنها فعل حادث مخصص لحدوث هذه المخلوقات وقت خروجها من العدم إلى الوجود، وهذا لا ينافى اتصافه تعالى بإرادة قديمة "فإن إرادته للمستقبلات هي مسبوقة بإرادته للماضى" (٤)
_________________
(١) أضواء البيان للشيخ الشنقيطى: (٢/ ٢٧٧).
(٢) جامع الرسائل لشيخ الإسلام: (٢/ ١٨).
(٣) المرجع السابق: (٢/ ١٤).
(٤) انظر: جامع الرسائل: (٢/ ٣٩).
[ ٢٤٠ ]
واعتقاد خلاف يلزمه أحد أمرين: اما حدوث المخلوقات بلا سبب يخصص أحد الأوقات وهذا مما لا يقبله العقل، وإما أن يمتنع القول بحدوث الموجودات ويحكم لها بالقدم مماثلة لقول الفلاسفة الملحدين، ولما علم أن هذا ليس هو اعتقاد المتكلمين من الأشاعرة حيث كانوا من أشد الناس عداء لهم، لزم عليهم اعتقاد الأول، وقد سبقت الإشارة إلى هذا القول من الأشاعرة كان سببًا لهجوم عنيف شنه عليهم المخالفون في حدوث العالم، وهذا ما كان من ابن رشد الذي تحدث على لسان الفلاسفة حيث ألزم المتكلمين بلوازم مذهبهم الباطل، وبين أن هذا الاعتقاد لا يسلم لهم القضية الكبرى التي لا ينازع فيها أحد، وهى اعتقاد أن كل حادث له محدث.
- أما عن صفة الكلام فقد أثبت الصاوي لله تعالى كلامًا قائمًا بالنفس، ليس بحرف ولا صوت، لا تعلق له بالإرادة، على معنى واحد لا يوصف بتقديم ولا تأخير ولا بداية ولا نهاية.
وكل هذا مخالف لما عليه سلف الأمة، ويقطع ببطلانه ما ثبت باللغة والعقل والشرع.
أما اللغة فمن المسلم أن الأبكم الذي لا يستطيع الكلام، مع ما يجول في نفسه من معانٍ قد يعبر عنها بالإشارة لا يعد متكلمًا عند أحد من الناس، فإنه قد اصطلح على أن المراد بالكلام: "النطق المفهم" ما لم توجد قرينة تدل على تعيين أحد الأمرين. (١)
أما عن بيت الأخطل الذي اعتمده المتكلمون في هذه المسألة، فقد ثبت بطلان الاستدلال به من عدة وجوه:
أولًا: يقال لهم: ثبت العرش ثم انقش. فأين ما يثبت أن هذا من شعر الأخطل أصالة؟ وقد تبين للكثير أنه لا دليل لهم في ذلك. (٢)
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: (٥/ ١٣١).
(٢) انظر: العلو للذهبي: ١٩٤.
[ ٢٤١ ]
ثانيًا: من المعلوم أن هذا الشاعر نصرانى المعتقد، فمن العجب أن يحتج بكلامه ويكون العمدة في مثل هذه المهمات، ثم ترد دلالة الأحاديث والآيات لاعتقاد أنها مما يوهم التشبيه بالحادثات (١)
ويكفى هذا لإبطال احتجاجهم به على فرض صحة النقل، فقد اعترض شيخ الإسلام على استدلالهم به وبين أنهم قد حرفوه عن الأصل وهو:
إن البيان لفى الفؤاد وإنما
ومعلوم الفرق بين اللفظين.
ومما يثبت مخالفتهم للغة ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به). (٢)
يقول الإمام ابن أبي العز: "ففرق بين حديث النفس والكلام، وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة؛ لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب". (٣)
وقد استدل الإمام البخاري (٤) على أن كلام الباري تعالى بحرف وصوت بحديث النبي - ﵊ -: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال: الحق وهو العلى الكبير). (٥)
وعود الضمير في اللغة يكون إلى أقرب مذكور وهو [قوله]. فعلم من هذا أن حقيقة الكلام ما كان من حرف وصوت كلما دل عليه النقل والعقل، وليس هو مما تعارف الناس عليه كما ذكر الصاوي.
_________________
(١) انظر: الإيمان لشيخ الإسلام: ١٣٢.
(٢) متفق عليه، صحح البخاري - كتاب العتق - باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق - رقمه: ٢٥٢٨. واللفظ لمسلم: كتاب الأيمان - باب تجاوز الله تعالى عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر: (٢/ ١٤٧).
(٣) شرح الطحاوية: ١٨٥.
(٤) انظر: خلق أفعال العباد: ١٣٧.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب قوله: (إلا من استرق السمع)، رقم الحديث: ٤٧٠١.
[ ٢٤٢ ]
وقد تحصل من عرض أدلته التي ذكرها أنه يستند في منعه أن يكون الكلام بصوت وحرف إلى أنه يلزم منه إنشاء الكلام حال الإسماع، وفى ذلك تجويز السكوت عليه قبله، وهذا ما ينافى اتصافه تعالى بالكلام على جهة الأزل. وأصل هذه الشبهة تعود عنده إلى اعتقاد استحالة اتصاف الله تعالى بالحوادث، وأن في إثبات حدوث الآحاد حدوث الأصل، فلا تكون صفة الكلام فيه قديمة كالصفات السبعة الأخرى.
ويكفى في إبطال هذه الشبهة ما عليه مذهب السلف - رضوان الله تعالى عليهم - حيث أثبتوا اتصافه تعالى بالصفات الاختيارية، وأنه لا تعارض بين إثبات آحاد الصفة والصفة نفسها. فأصل الصفة قديمة قد اتصف الله تعالى بها، فهى ملازمة لذاته سبحانه جل وعلا أما آحادها فهى حادثة، لها ارتباط بمشيئته تعالى، فمتى شاء تكلم بما شاء سبحانه من الكلام الدال على عظمته، فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، دل على ذلك الكثير من أدلة الكتاب والسنة ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].
وليس في اعتقاد أنه تعالى يتكلم متى شاء بما شاء ما يلزم منه اتصافه بالسكوت في وقت ما أو نفيه عنه، فإن النافى عليه الدليل كما أن المثبت عليه الدليل، والحق أنه يجب في مثل هذه الألفاظ التوقف فيها لعدم ورود الدليل الذي يقطع بتعيين الحكم. هذا وقد استدل بعض العلماء بحديث المصطفى - ﷺ -: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو). (١) ولكن ليس في هذا الحديث ما يثبت صفة السكوت مطلقًا، وإنما هو من باب السكوت المضاف، وهذا مما عهد في لغة العرب؛ فقد يكون الإنسان متكلمًا بحديث يتعلق بأمر ما ولم
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب اللباس - باب ما جاء في لبس الفراء، رقم الحديث: ١٧٢٦: وقال الترمذي حديث غريب: (٤/ ١٩٢) وأخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأطعمة - باب ما يذكر تحريمه، رقم الحديث: ٣٧٩٤: (٤/ ٢٩٨)، والحاكم في المستدرك: كتاب التفسير - باب سورة مريم، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي على صحته، (٢/ ٣٧٥). وقد روى من طرق أخرى كلها ضعيفة لا تقوى أن تكون شاهدة لهذا الحديث الحسن قد ضعفها الإمام ابن رجب في جامع العلوم والحكم: ٢٦١، وتعقبه الإمام النووى وبين أسباب ضعفه.
[ ٢٤٣ ]
يستوعب في ذلك الحديث جميع ما يتعلق بالأمر الذي تكلم به، حينها يمكن أن يوصف بالسكوت عن ذلك المعنى الذي أعرض عنه وهو ما زال في حال كلامه فلا يعني إن كان متصفًا بالسكوت في ذلك الوقت.
ولهذا الذي ذكرت شواهد مما وصف به الرب تعالى فالحياء صفة للرحمن تعالى وهى لازمة له من جملة صفات الكمال التي اتصف بها كما دلت على ذلك الأحاديث الشريفة (١)، ومع ذلك فقد ورد في سورة البقرة أنه تعالى لا يستحيى من ضرب الأمثال، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الوقف على قوله: (يستحيى)؛ لأن هذا من الأوصاف النسبية كالمكر والخداع والاستهزاء، فلا يوصف به تعالى إلا مقيدًا بمن يستحقها، وكذلك يكون الحديث عن السكوت؛ فلم يرد نص من كتاب ولا سنة تفيد وصفه تعالى بالسكوت على جهة الإطلاق، أما الحديث الشريف فكلمة [عنه] قيدت الحكم بالأمر المذكور، فلا يتعدى إلى غيره ولا يلزم منه وصفه تعالى بالسكوت على جهة الحقيقة، إلا بدليل صريح الدلالة؛ إذ الحديث لم يرد في بيان ما يتصف به الرب تعالى، وإنما في بيان أقسام الحكم التكليفى فلا أرى فيه لكل ما سبق دلالة واضحة على وصفه تعالى بالسكوت.
ومن جهة أخرى؛ فإن السكوت المطلق نفى، والنفى المطلق عدم محض، والله تعالى منزه عنه، إذ هو موصوف بالكمال الثابت في كل ما أثبته لمسه أو نفاه عنها، فما من نفى لصفة ما إلا وهو يثبت كمالًا مقابلًا لذلك النفى، وهذا من عظمة الله تعالى وتمام كماله وصمديته، هذا والله تعالى أعلم.
فكلماته تعالى لا انقضاء لها، ولا تعد ولا تحصى.
_________________
(١) قال - ﷺ -: (إن ربكم كريم يستحيى من عبده إذا رفع إليه يده يدعوه أن يردهما إليه صفرًا). أخرجه أبو داود: باب الدعاء، برقم: ١٤٨٣: (٢/ ٢٨٢)، والترمذي: كتاب الدعوات، وقال: حسن غريب (٥/ ٥٢٠)، وقد حسنه الحافظ ابن حجر في الفتح: (١١/ ١٤٣). وله شواهد حسنة متعددة.
[ ٢٤٤ ]
قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].
ثم إن ما ذهب إليه الصاوي في بيان كيفية سماع موسى - ﵇ - للكلام بلا صوت ولا حرف غير معقول؛ حيث فسره برفع الحجاب فعارض بذلك صريح النص في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ومعلوم أنه أتى بالمفعول المطلق هنا تأكيدًا لهذه الحقيقة فلا محيد له عنها بمثل هذا التأويل.
وليس في قياسه للكلام على الرؤية ما يدفع حقيقة الإسماع المعلومة بل كان من الأفضل أن يؤيد بذلك هذه الحقيقة، فكما جازت رؤية الحادث للقديم بلا تمثيل ولا تكييف؛ جاز سماع كلامه أيضًا كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانه، بلا تمثيل ولا تكييف. (١)
وأما زعمه بأن الكلام يطلق مجازًا على القرآن وليس على جهة الحقيقة؛ فهو يرجع إلى اعتقاد أن معناه من الكلام القديم أما لفظه فحادث مخلوق، أنزل من عند الله إعجازًا. وهذا فيه مجانبة للحقيقة؛ لأن القرآن الكريم كلام الله تعالى لفظًا ومعنى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وفى هذا دليل بيِّن "على أن ما نتلوه ونسمعه هو حقيقة كلام الله تعالى، وليس بعبارة عنه" (٢)
وإن كان الصاوي لم يلتزم ما التزمه بعض الأشاعرة من نسبة الألفاظ للنبي - ﷺ -، أو لجبريل - ﵇ - ابتداءً؛ حيث أقر بأن قولهما به إنما كان على جهة التبليغ لا
_________________
(١) لمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى كتاب: موقف ابن تيمية من الأشاعرة، د/ عبد الرحمن المحمود: (١٢٥٣/ ١٣٠٧). وكتاب: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة د/ خالد بن محمد نور: (٢/ ٥٢٤ - ٥٣).
(٢) الحجة في بيان المحجة، لأبي القاسم التيمى: ٢٦٨.
[ ٢٤٥ ]
الإنشاء والابتداء، (١) إلا أن التصريح بإيجاده يوافق قول المعتزلة بخلقه من جهة اللفظ، فالقرآن لفظ ومعنى، ولا بد لمن تابع السلف في منع القول بخلقه أن يعمم هذا على لفظه ومعناه، وقد أنكر الإمام أحمد على من قال بهذه المقولة، وحكم عليه بالابتداع واتباع المعطلة الجهمية، وكثيرًا ما كان يستدل بهذه الآية الكريمة في هذا الصدد. (٢)
وهنا يجدر التنبيه إلى الأصل الذي حمله على اعتقاد أن الله متكلم بكلام معناه واحد، فإن هذا من جملة ما ابتدع في الدين ولم يسبق إليه أحد قبل الأشاعرة، وقد استندوا في مذهبهم هذا إلى أربعة أصول متتالية:
الأول: أن الله متكلم؛ وذلك لاستحالة السكوت أو الخرس عليه، فالكلام صفة كمال بدليل المقابلة ويمتنع نفيه؛ لأن نفيه يثبت ما يناقضه من النقص، فعلم وجوب اتصافه به.
الثاني: أن الله متكلم حقيقة، ولا يثبت كونه متكلمًا إلا إذا قام الكلام بنفسه؛ لأن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم حتى يصح نسبته إليه، وهذا هو الأصل الذي أثبتوه ردًا على المعتزلة القائلين بخلق القرآن، فقد بينوا أن القول بخلافه يؤدى إلى منع نسبته لله تعالى على جهة الكلام، إذ يلزم منه لوازم باطلة قد علم بطلانها بالضرورة، فإن القول بخلقه مع إثبات كونه كلامًا لله تعالى يتناقض تمامًا للأمور التالية: فإما أن يخلقه في محل، وحينئذ يكون كلامًا لذلك المحل.
وإما لا يخلقه في محل، وحينها يلزم أن تقوم الصفة والعرض بنفسها، وهذا محال وإما أن يخلقه في نفسه، وهذا باطل؛ لأن يلزم منه أن تكون نفسه محلًا للمخلوقات، وقد علم امتناعه بالضرورة الشرعية والعقلية.
الثالث: أن كلام الله قديم، وأنه تعالى متكلم منذ الأزل، حيث منعوا قيام الحوادث به تعالى، فقد اعتقدوا أن في إثبات قيام الحوادث به سبحانه مخالفة لأصل
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى: (٢/ ٥٠).
(٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد: ٣٦.
[ ٢٤٦ ]
إثباتهم وجود الباري تعالى بدليل الحدوث، فإن أصلهم في إثبات حدوث العالم قام على ركائز متتالية كلها تدعم الركيزة الرابعة وهى أصلهم المعتمد المشهور في إثبات الحدوث بأن كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
ولأجل ذلك منعوا إثبات الكلام الحادث لله تعالى، واعتقدوا في إثباته قيام الحوادث به، وهذا ما قام دليلهم على خلافه، وقد سبقت الإشارة إلى وهن هذا الدليل ومخالفته لصريح المنقول والمعقول.
الرابع: أن كلامه بلا صوت وحرف، وهو يرجع إلى الأصل الثالث، فلحرصهم على نفى الحدوث منعوا أن يكون كلام الله بصوت، لأن قدم الصوت ممتنع عندهم، إذ علم بالضرورة أن الصوت لا يبقى زمانين، فثبت بهذا حدوثه، وهذا ما لا يمكن عندهم قيامه بالله تعالى.
ولكل ما تقدم من هذه الأصول، والتى ترجع إلى وجوب قيام الكلام بالله تعالى وإستحالة حدوثه، تعين عندهم أن يكون الكلام معنى، ليس بصوت ولا حرف.
أما كونه واحدًا فـ "لأنه لو راد على واحد؛ لم يكن له حد محدود، ويمتنع وجود معانٍ لا نهاية لها" (١).
وفى نقض مقولتهم بأنه معنى واحد، يتوجب بيان فساد اعتقادهم في أمرين:
الأول: منعهم أن يكون كلامه تعالى بالفاظ لها صوت وحرف، لإيهام الحدوث الممتنع عندهم.
الثاني: كونه معنى واحدًا.
أما الأول فيكون بنقض أساس حجتهم في منع الكلام بصوت وحرف، وذلك بإثبات صحة قيام جنس الحوادث به تعالى، وهى الصفات الاختيارية، وأنه ليس في ذلك ما يمتنع معه قدم نوع الصفة، فالله تعالى متكلم منذ الأزل، ولا يزال متكلمًا بما شاء كما شاء، ويسند هذا إلى الكثير من أدلة الكتاب والسنة "فكيف يكون أزليًا
_________________
(١) منهاج السنة: (٣/ ٣٥٦).
[ ٢٤٧ ]
أبديًا ما زال ولا يزال، وكيف يكون لم يزل ولا يزال قائلًا: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود: ٤٨].
﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢] " (١)
ومن هنا امتنع وصف القرآن بالقدم، فالصحيح أن يقال فيه كما أثر عن السلف أنه كلام الله غير مخلوق.
أما كونه معنى واحدًا فـ "مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، فإنا نعلم بالاضطرار أن معنى آية الكرسي؛ ليس هو معنى آية الدين، ولا معنى قل هو الله أحد، هو معنى تبت يدا أبى لهب، وقد عرب الناس التوراة فوجدوا فيها معانى ليست هي المعاني التي في القرآن، ونحن نعلم قطعًا أن المعاني التي أخبر الله بها في القرآن في قصة بدر وأحد والخندق ونحو ذلك لم ينزلها الله على موسى ابن عمران كما لم ينزل على محمد تحريم السبت، ولا الأمر بقتال عباد العجل فكيف يكون كل كلام الله معنى واحدًا؟ ونحن نعلم بالاضطرار أن الكلام معانيه وحروفه تنقسم إلى خبر وإنشاء، والإنشاء منه الطلب، والطلب ينقسم إلى أمر ونهى، وحقيقة الطلب غير حقيقة الخبر، فكيف لا تكون هذه أقسام الكلام وأنواعه بل هو موصوف بها كلها" (٢)
كما أن "اشتراكها من حيث النوع لا يعني انتفاء المغايرة بينها، كما هو مشاهد في الموجودات التي تقع تحت نوع واحد، وقد ألزمهم شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - بلازم مذهبهم في باقي الصفات، فقال: "هلا جعلتم هذه الصفات حقيقة واحدة، وهذه الخصائص عوارض نسبة لها؟ " (٣) وبطلان اللازم دليل بطلان ملزومه.
_________________
(١) منهاج السنة: (٥/ ٤١٨).
(٢) المرجع السابق. وانظر: النبوات: ١٤٦.
(٣) التسعينية: ٧٠٦.
[ ٢٤٨ ]
ومما يدل على مناقضة هذا الأصل المبتدع للمعقول والمنقول، ما يستلزمه من لوازم؛ إما مناقضة لأصلهم، أو فاسدة معلوم فسادها بالضرورة من دين الله، فقد أورد شيخ الإسلام - ﵀ - رد السلف في إفحامهم شبه المتكلمين هنا، وذلك بسماع موسى لكلام الله، فإنه على القول بأنه معنى واحد سيكون ما فهمه موسى مطابقًا لكل ما يعلمه الله، وهذا بين البطلان، ومن العجب أن يصرح الصاوي به ويلزم نفسه بلازمه.
وإن قالوا ببعضه امتنع عليهم أصل حجتهم وثبت مناقضتها لبداهة المعقول (١) حتى سمع كلامه بجميع أجزائه من جميع جهاته.
_________________
(١) انظر منهاج السنة: (٥/ ٤١٩).
[ ٢٤٩ ]
ثالثًا: الصفة النفسية
يراد بالصفة النفسية عند المتكلمين: "كل صفة إثبات للنفس، لازمة ما بقيت النفس، غير معللة بعلل قائمة بالموصوف".
مثال ذلك: أن كون الجوهر متحيزًا هو: صفة إثبات لازمة للجوهر ما استمرت نفسه، وهى غير معللة بزائد على الجوهر، فكانت من صفات النفس.
إذًا فالصفة النفسية هي التي لا تقدر الذات موجودة ألا بها بحيث يمتنع تصورها بدون اعتبارها.
وقد أراد المتكلمون بهذه الصفة صفة الوجود لله تعالى، ولكن على اختلاف بينهم في عدها من الصفات، يقول الجويني: "والوجه المرضى أن لا يعد الوجود من الصفات فإن الوجود نفس الذات" (١).
وللمتكلمين في منع كونها من الصفات أدلة عقلية منها ما ذكره الجويني في أن عدها من الصفات يؤدى إلى التسلسل الممتنع، يقول: "قيام الصفة الثبوتية بالشيء فرع وجوده في نفسه ضرورة، فلو كان الوجود صفة قائمة بالماهية؛ لزم أن يكون قبل الوجود لها وجود، ويلزم تقدم الشيء على نفسه، ويعود في ذلك الوجود ويتسلسل" (٢).
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
يرى الصاوي أن الصفة النفسية من الصفات الثبوتية؛ لأنها تعنى اتصافه تعالى بالوجود، ولكنها مع ذلك "أمر اعتبارى يعتبره الشخص ذهنًا فقط" فهى لا تثبت معنى خارجًا عن الذات، بل كل ما تثبته معنى في الذهن واللفظ فقط؛ إذ لا يمكن تقدير ذات ألا وهى متصفة بالوجود، ولا دلالة لها على غير ذلك. (٣)
_________________
(١) الإرشاد: ٣١.
(٢) المواقف للجوينى: ٤٨.
(٣) انظر: حاشية الخريدة البهية: ٥٨ - ٥٩. وحاشية جوهرة التوحيد: ١٨.
[ ٢٥٠ ]
وهو بذلك يزيل إشكالًا قد يتبادر إلى الذهن، إذ كيف يطلق على هذا المعنى صفة مع كونه لا يثبت وصفًا قائمًا بالذات؟ يقول: "ليس المراد بالصفة المعنى القائم بالشيء، بل ما يحكم به عليه" فعاد إلى ما سبق أن عرف به الصفة. (١)
المناقشة:
إن الأساس الذي اعتمده الصاوى في التفريق بين الصفة النفسية وصفات المعانى يرجع إلى أمر اعتبارى لا حقيقة له في نفس الأمر؛ لأنه حاول التفريق بين الصفات الثبوتية [النفسية والمعانى] بتقدير ذات فما استحال تقديرها بدونه من الصفات سماه نفسيًا، وما أمكن التقدير بدونه سماه معانى ومعنوية؛ لذلك جعل النفسية مما يثبت معنى في الذهن واللفظ على عكس المعانى؛ إذ يرى أنها تثبت معنى في اللفظ والذهن والخارج.
والحق أن هذا تقسيم لا يصح" لأن جميع صفات الرب اللازمة له هي صفات نفسية ذاتية، فهو عالم بنفسه وذاته، وهو عالم بالعلم، وهو قادر بنفسه وذاته وهو قادر بالقدرة، فله علم لازم لنفسه وقدرة لازمة لنفسه". (٢)
كما أن هذه التسمية لوجود الله تعالى مما لم يرد به الشرع؛ لذا وجب الإعراض عنها، ويرى الشيخ الشنقيطى - صاحب أضواء البيان ﵀ - أن فيها إضافة لما سبق سوء أدب مع الله تعالى؛ لأن الصفة النفسية لا تكون إلا جنسًا أو فصلًا، وهذا مما لا يجوز في حق المولى ﵎؛ لأنه تعالى لا يدخل في عداد الكليات إذ لا شريك له ولا ند ولا نظير حتى يميز بالفصل أو الجنس؛ "لأن الجنس قدر مشترك بين حقائق مختلفة؛ والفصل هو الذي يفصل بعض تلك الحقائق المشتركة في الجنس عن بعض. سبحان رب السموات والأرض وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا". (٣)
_________________
(١) المرجع السابق: ١٩.
(٢) الدرء: لشيخ الإسلام: (٣/ ٢١).
(٣) تفسير أضواء البيان: (٢/ ٢٧٤).
[ ٢٥١ ]
رابعًا: الصفات المعنوية
الكثير من محققى الأشاعرة يرجع المعنوية إلى المعانى؛ فلا يرى ثمة فرقًا بينهما، فمعنى [قادر]- عندهم - من قامت به القدرة، فيكون بذلك أمرًا اعتباريًا متحققًا بذاته. (١)
يقول الإيجى في بيان مذاهب المتكلمين في إثبات الصفات المعنوية: "المعنوية ما يصح توهم ارتفاعه عن الذات مع بقائها.
وهؤلاء قد قسموا الصفة المعنوية إلى: معللة كالعالمية والقادرية ونحوهما، وإلى غير معللة كالعلم والقدرة وشبههما، ومن أنكر الأحوال منا أنكر الصفات المعللة، وقال: لا معنى لكونه عالمًا قادرًا سوى قيام العلم والقدرة بذاته". (٢)
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
يرى الصاوى أن المراد بالمعنوية، كون الله تعالى قادرًا عالمًا حيًا سميعًا بصيرًا. (٣)
وهو في هذه المسألة يذكر رأى من قال بها على هذه الصورة السابقة، ويذكر في المقابل رأى من أثبتها معتقدًا مباينتها للمعانى من مثبتى الأحوال، يقول: "فكونه - تعالى - قادرًا صفة قائمة بالذات، لازمة للقدرة، ثابتة في الخارج ولا ترى، وعلى كلام الأشعري صفة اعتبارية، لها ثبوت في الذهن فقط".
وعده لها عند بيانه لأقسام الصفات؛ يدل على أنه من مثبتى الأحوال (٤) وهذا واضح، حيث لم يرجح رأى الأشعري على غيره.
_________________
(١) انظر: الإرشاد للجوينى: ٦٣. وقد ذكر الباجورى في حاشيته على جوهرة التوحيد أقسام الأمور الاعتبارية بأنها تنقسم إلى: أمور اعتبارية انتزاعية كقيام زيد وأمور اعتبارية من اختراع الشخص لا حقيقة لها في الواقع كبحر من زئبق: ٤٨.
(٢) المواقف: ٤٧٨.
(٣) حاشية الخريدة: ٨٠ وجوهرة التوحيد: ٢٦.
(٤) وهذا ما يذكره الباجورى في حاشيته معلقًا على اللقانى الذي قال: حى، ولم يقل: حال كونه حيًا: [لأن عد الصفات المعنوية إنما يتمشى ملى قول مثبت الأحوال]. فكان عده لها على أنها من الأسماء: ٤٨.
[ ٢٥٢ ]
وهو يؤكد مع ما تقدم على وجوب عدها من الصفات، معتقدًا" أن تركها ربما يوقع العوام في نفى نسبتها إلى الله تعالى، وهو كفر".
ومع ذلك فإنه لا يرى لهذه الصفات تعلقًا - ولو على إثبات الأحوال - كالمعانى "لأن التعلق حال؛ وحينئذ يلزم وصف الحال بالحال". (١)
المناقشة:
الصفات المعنوية عند متأخرى الأشاعرة في الحقيقة فرع عن إثبات الأحوال، لذا كان الدردير ممن لم يعتقدوا صحة إثباتها؛ موافقة لأبي الحسن الأشعري؛ إذ لا واسطة بين الوجود والعدم، ولكن الصاوى رأى إمكان عدها من الصفات، التي تثبت معنى في الخارج والذهن معًا، وبين أن عدم إمكان رؤيتها ووجود متعلقًا لها، لا يعني عدم وجودها على جهة الحقيقة.
وهذا ما احتج به مثبتو الأحوال، حيث نفوا أن يكون عدم إمكان رؤيتها مخرجًا لها من الوجود، ولكن هذا مما يرد عليهم قولهم؛ إذ عدم رؤيتها أيضًا لا يخرجها من العدم، فتصبح بهذا في حال متأرجح بين الوجود والعدم.
ولا شك أن في إثباتها على النهج الذي سلكه الصاوى تكلفًا واضحًا؛ إذ اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما مما يحيله العقل، والوجود والعدم من المتناقضات، فلا يمكن إثبات وصف في الخارج يجمع بينهما.
يقول الشيخ الشنقيطى - ﵀ -: ثم نذهب إلى الصفات السبع التي يسمونها المعنوية، والتحقيق أن عدد الصفات السبع المعنوية، التي هي كونه تعالى قادرًا ومريدًا وعالمًا وحيًا وسميعًا وبصيرًا ومتكلمًا، أنها في الحقيقة إنما هي كيفية الاتصاف بالمعانى السبع التي ذكرنا، ومن عدها من المتكلمين عدها بناء على ثبوت ما يسمونه الحال المعنوية، التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية لا معدومة ولا موجودة، والتحقيق أن هذه خرافة وخيال، وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشيء ونقيضه
_________________
(١) المرجع السابق: ٨١.
[ ٢٥٣ ]
واسطة البتة؛ فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعًا، وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعًا، ولا واسطة البتة، كما هو معروف عند العقلاء" (١).
أما عن كلامه في وجوب نسبتها لله تعالى، فإن هذا حق لا مرية فيه، ولكن ليس على النهج الذي سلكه مثبتو الأحوال، وإنما تثبت لكونها من الأسماء الحسنى التي تسمى بها المولى سبحانه، وقد علم أن أسماءه تعالى أعلام وأوصاف، فهى بهذا تدل على الذات العلية، وعلى الوصف الذي اشتقت منه، فثبت اتصاف المولى تعالى بها على جهة الحقيقة؛ لكونها من الأسماء الحسنى (٢) التي تدل على صفاته بطريق المطابقة. وعليه فإن جحد أي اسم من الأسماء الحسنى، واعتقاد عدم نسبتها إلى الله تعالى؛ مع ورد النص القاطع بذلك، هو كفر مخرج من الملة.
* * *
_________________
(١) الأسماء والصفات: ١٧.
(٢) باستثناء صفة الكلام والإرادة لأنه وإن ثبت له الاتصاف بهما تعالى إلا أنه لم ترد تسميته بهما لأن الأسماء مبناها على السماع كما سبقت الإشارة إليه، انظر: العقيدة الأصفهانية: ٢٨.
[ ٢٥٤ ]
خامسًا: موقفه من الصفات الأخرى
يرجع الأشاعرة جميع الصفات الأخرى، التي ثبتت بالدليل القطعى من الكتاب والسنة إلى الصفات السبع المجمع على اعتمادها، وفى سبيل إرجاع تلك الصفات كاليد والوجه والاستواء والنزول إلى ما تقدم من صفات المعانى، فإنهم يعمدون إلى التأويل؛ حتى يتم لهم مرادهم في ذلك، ولهم في منع إثباتها على الحقيقة شبه، لعلى أشير إلى أهمها هنا؛ لمحل التلازم بين المنهج والنتيجة:
- انعدام الدليل العقلى - عندهم - الذي يحصل به اليقين في اعتماد إثباتها، وقد اتفقوا على أن أصول الاعتقاد مما يستقل العقل بالدلالة عليه.
- قيام الدليل العقلى - عندهم - على اعتقاد أن في اعتماد النصوص التي دلت عليها على ظاهرها ما يقدح في الأصل الذي قام عليه إثبات وجود الباري تعالى، وهو تنزيه المولى عن مماثلة المخلوقين.
ولكل ما تقدم فقد اعتمدوا منهج التأويل أو التفويض؛ لدفع إثبات ما تقتضيه النصوص الشرعية، التي تضمنت تلك الصفات.
يقول الآمدي في بيان هذه الحجج، وذلك بعد أن أورد الأدلة القرآنية التي تضمنت إثبات هذه الصفات: "واعلم أن هذه الظواهر وإن وقع الاغترار بها، بحيث يقال بمدلولاتها، ظاهر من جهة الوضع اللغوى، والعرف الاصطلاحى، فذلك لا محالة انخراط في سلك نظام التجسيم، ودخول في طرف دائرة التشبيه، وسنبين ما في ذلك من الضلال وفى طيه من المحال إن شاء الله بل الواجب أن يقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
فإن قيل بأن ما دلت عليه هذه الظواهر من المدلولات وأثبتناه بها من الصفات ليست على نحو صفاتنا، ولا على ما نتخيل من أحوال ذواتنا، بل مخالفة لصفاتنا كما أن ذاته مخالفة لذواتنا، وهذا مما لا يقود إلى التشبيه ولا يسوق إلى التجسيم،
[ ٢٥٥ ]
فهذا وإن كان في نفسه جائزًا، لكن القول بإثباته من جملة الصفات يستدعى دليلًا قطعيًا، وهذه الظواهر وإن أمكن حملها على مثل هذه المدلولات، فقد أمكن حملها على غيرها أيضًا، ومع تعارض الاحتمالات وتعدد المدلولات فلا قطع، وما لا قطع عليه من الصفات، لا يصح إثباته للذات" (١).
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
يرى الصاوى أن الصفات الأخرى التي وصف الله تعالى بها نفسه، إنما ترجع في الحقيقة إلى تلك الصفات السابقة، لذا فهو لا يرى تقريرها في كتب العقائد التي قام بالتعليق عليها، وهذا ما صرح به في تعليقه على كلام الدردير حول هذا المعنى، حيث قال: فـ "سائر أسمائه وصفاته الواردة، نتائج تلك الصفات". (٢)
ولاعتماده على الأصل الذي ذكره فيما يجب في حق الله تعالى، وهو تنزيهه تعالى عن مماثلة الحوادث، فإنه ما من نص من كتاب ولا سنة يفيد إثبات صفة لله تعالى فيها ما يوهم - عنده - مخالفة لهذا الأصل المبتدع، إلا ورام إبطالها وتنزيه المولى عنها، وله في ذلك مسلكان: مسلك التأويل، ومسلك التفويض.
يقول شارحًا قول اللقانى -:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها
وعليه فإن موقفه من التأويل يختلف بحسب الصفة، فما اعتقد أن في ظاهرها مماثلة للحوادث، وكان لها تعلق بالإرادة، أرجعها إليها أو فسرها بلازمها (٣) ويذكر لذلك قاعدة تمثل منهجه في إثباتها، يقول: كل ما استحال على الله باعتبار مبدئه وورد، يطلق ويراد لازمه وغايته" (٤)
_________________
(١) غاية المرام: ١٣٨.
(٢) حاشية الخريدة البهية: ٤٢.
(٣) حاشية الخريدة: ٧٠.
(٤) حاشية الجلالين: (١/ ١٤٠).
[ ٢٥٦ ]
وأذكر هنا مجموعة من تأويلاته لبعض الصفات، تمثل تطبيقًا لهذه القاعدة:
* المحبة: فسرها بالإثابة، يقول: "فسر المحبة في حق الله بالإثابة، لأن حقيقتها وهى ميل القلب للمحبوب مستحيلة في حق الله تعالى، والإثابة لازمة لذلك" (١)
* الرحمة والرضا: فسرها بإرادة الإنعام أو الإنعام: ارحمنا أي أنعم علينا" (٢)
* الحياء: فسره بالترك، يقول: "الحياء في حق الحوادث تغيير وانكسار يعترى الإنسان من فعل ما يعاب. ولازمه الترك، فأطلق في حق الله وأريد لازمه وهو الترك" (٣)
* المقت والغضب: فسرهما بلازمهما وهو الانتقام. (٤)
ويستمر في هذا المسلك مع كل صفة اعتقد فيها مماثلة للحوادث.
- فصفة العلو لله تعالى التي وردت في كثير من النصوص، يرى أنها من صفات السلوب، والذي تفيده هو ارتفاع رتبة المولى تعالى، فينزه بذلك عن مماثلة المخلوقين، وليست مما يثبت صفة العلو الذاتى لله تعالى على الخلق، كل هذا فرارًا من إثبات الجهة التي يعتقد أنها من الصفات الملازمة للأجسام. (٥)
أما الصفات التي ترجع دلالتها إلى السمع فقط وهى: "الخبرية الذاتية والفعلية" والتى يعتقد فيها مماثلة للحوادث من حيث الاتصاف بالجرمية أو العرضية، فله مسالك عدة في إبطال دلالة النصوص عليها، كلها ترجع إلى التأويل أو التفويض:
وهاك جملة من أقواله فيها:
- الاستواء: يذكر طريق السلف والخلف فيها، حيث علق على تفسير السيوطي:
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) المرجع السابق: (١/ ١٢٩). وانظر: شرح المنظومة: ١١٥ - ١٢٥.
(٣) حاشية الجلالين: (١/ ١٦).
(٤) المرجع السابق: (٤/ ٥).
(٥) انظر: المرجع السابق: (١/ ١١٣)، (٢/ ٢٩٢)، (٤/ ٢١٧)، وانظر: شرح المنظومة: ١٢٣.
[ ٢٥٧ ]
بأنه استواء يليق به، فقال: "هذه إشارة لطريق السلف الذين يؤمنون بالمتشابه ويفوضون علمه لله تعالى وهو أسلم ولذا سلكه المفسر، وطريقة الخلف يؤولون الاستواء بالاستيلاء، إذ هو أحد معنى الاستواء. ومنه قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق" (١)
- الإتيان والمجيء والنزول: كل هذه الصفات يرى أنها مما لا يمكن إثباتها على ظاهرها بحال، لأن فيها وصف له تعالى بالانتقال، وهذا عنده من صفات الحوادث التي لا تجوز للقديم أبدًا، لذا فهو يؤولها بمجيء أمره أو نزول رحمته تعالى على حسب الأحوال التي وردت فيها هذه الصفات. (٢)
- الوجه: فسره بالرضا عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].
"فليس المراد بوجهه ذاته، بل المراد أينما تولوا وجوهكم في جهة أمركم الله بها تجدوا جهة رضاه". (٣)
- أما في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] فهو يقر تفسير الجلالين بأن المراد منه الذات، ويظهر ذلك من امتناع تعليقه على كلامه. (٤)
- اليد: يفصل القول في طريق إثباتها، فيقول: "طريقة السلف أن اليد صفة من صفاته أزليه كالسمع والبصر، ينشأ عنها الخير لا الشر، فهى أخص من القدرة، لأن القدرة ينشأ عنها جميع الممكنات إيجادًا وإعدامًا، خيرًا أو شرًا ولا يعلمها إلا هو، ويشهد لما قلناه قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥].
أي: اصطفيته ولم يقل بقدرتى.
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٤٦ - ٢٤٥).
(٢) المرجع السابق: (١/ ٨٩)، (٢/ ٥٤)، وانظر: حاشية جوهرة التوحيد: ٣١.
(٣) حاشية الجلالين: (١/ ٥١).
(٤) انظر: حاشية الجلالين: (٤/ ١٤٧).
[ ٢٥٨ ]
وطريقة الخلف أن اليد تطلق بمعنى الجارحة وهى مستحيلة على الله، وتطلق على القدرة والنعمة والملك، ويصح إرادة كل منهما في حق الله "وفى الإجابة عن اعتراض التثنية، يقول: "التثنية بحسب الجنس، لأن النعم جنسان مثل نعمة الدنيا ونعمة الدين .. وما قلناه عقائد المؤمنين" (١)
- القدم: يقول: "السلف ينزهونه عن الجارحة ويفوضون علمه إلى الله تعالى، والخلف لهم فيها تأويل منها أن المراد بالقدم والرجل قوم من أهل النار في علم الله؛ لأن القدم والرجل يطلقان في اللغة على العدد الكثير من الناس، فكأنه قال: حتى يضع رب العزة فيها العدد الكثير من الناس المودعين فيها". (٢)
- الساق: يقول في معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]: "كناية عن الشدة" واستدل بقول ابن عباس - ﵄ - بأن الساق هنا هو الشدة، وفى الإجابة عن الإشكال الذي يورده الاستدلال بحديث أبى سعيد الخدري - ﵁ - الذي يمتنع فيه إرادة المجاز، ويتحتم القول بالحقيقة، يرى أنه يؤول بالكشف عن الحجاب، فيرون الله تعالى، فيكون الساق عائدًا إلى الذات العلية. (٣)
* * *
المناقشة:
قبل المناقشة التفصيلة لما تناوله الصاوى من الصفات بالتأويل، لا بد أولًا من وقفة يسيرة لبيان ضلال منهجه في اتباع التأويل، فمع تقدم الحديث عن هذه القضية بما فيه الكفاية؛ إلا أنه لمحل التلازم تجدر الإشارة إلى بعض ما يترتب على ذلك المسلك البدعى من لوازم فاسدة؛ تقضى بفساد ملزومها، وأدع الكلام في هذا للعلامة الشنقيطى - ﵀ -: "واعلموا أن هنا قاعدة أصولية أطبق عليها من يعتد به
_________________
(١) حاشية الجلالين: (١/ ٢٧٦).
(٢) المرجع السابق: (٤/ ١١٤ - ٢٢٥).
(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ٢٢٤).
[ ٢٥٩ ]
من أهل العلم، وهى أن النبي - ﷺ - لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا سيما في العقائد، ولو مشينا على فرضهم الباطل أن ظاهر آيات الصفات الكفر؛ فالنبى - ﷺ - لم يؤول الاستواء بالاستيلاء ولم يؤول شيئًا من هذه التأويلات ولو كان المراد بها هذه التأويلات لبادر النبي - ﷺ - إلى بيانها؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، فالحاصل أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد هذا الاعتقاد، الذي يحل جميع الشبه، ويجيب عن جميع الأسئلة، وهو أن الإنسان إذا سمع وصفًا وصف به خالق السموات والأرض نفسه، أو وصفه به رسوله - ﷺ -، فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون القلب منزهًا معظمًا له جل وعلا، غير متنجس بأقذار التشبيه، فتكون أرض قلبه قابلة للإيمان والتصديق بصفات الله التي تمدح بها". (١)
- أولًا: صفة الرحمة والغضب والمحبة:
يرى الصاوى كما تقدم، أن هذه الصفات مما يوهم ظاهرها مماثلة الحوادث، لذا التزم بصرفها عن ظاهرها وتأويلها بما يمنع تلك المماثلة، ولما كان لها تعلق بالإرادة فسرها بها أو بما يلزم منها، فالرحمة إرادة الإنعام أو الإنعام وهكذا ..
وحجته في ذلك تنزيه الله تعالى عن مماثلة الحوادث.
ولنقض هذه الشبهة التي كانت سببًا لتحريف الكثير من نصوص الصفات، أقول: ليس في إثبات صفة الرحمة والمحبة والغضب ما يوجب مماثلته تعالى لخلقه، فقد أجمعت الأشاعرة ومنهم الصاوى على إثبات صفة الإرادة إلى غيرها من صفات المعانى، ولم يحملهم هذا الإثبات على اعتقاد مماثلتها لصفات المخلوقين، فكما تأتى لهم إثباتها على هذا الوجه، كان لازمًا لهم إثبات كل ما ثبت من صفات الله ﵎ دون تمثيل ولا تعطيل؛ لأن القول في بعض الصفات كالقول في الآخر (٢).
_________________
(١) الأسماء والصفات: ٣٨.
(٢) انظر: التدمرية: ٣٢.
[ ٢٦٠ ]
وتتضح المسألة أكثر عند بيان الأساس الذي بنى عليه الصاوى وجود المماثلة في هذه الصفات، فإن الشبهة التي اعتمدها الصاوى، وهى مماثلة الحوادث، قد استندت في الأساس إلى قياس القديم على الحادث، وهذا مما لا يجوز تعميم أحكامه في حق الباري تعالى (١)، لما يترتب عليه من نتائج باطلة، وذلك أنه حين أخذ يفصل طريقته في التأويل ابتدأ أولًا بالمراد من الصفة، فقال مثلًا: المحبة ميل القلب للمحبوب، وهذا مستحيل في حق المولى تعالى.
وقال عن الحياء: هو انكسار وتغير، يعترى صاحبه مما يستحيى منه، والله تعالى منزه عن ذلك.
فكانت طريقته مبنية على بيان حال العبد المتصف بهذه الصفة، وما يلحقه حال اتصافه بها، مما يدل على نقصه وحاجته، ومن ثم تنزيه المولى تعالى عنها.
ولا شك أن هذا مما لا أساس له من الصحة يسنده، فلا يجوز تمثيل صفة المولى تعالى بصفات المخلوقين، ثم الاستدلال على وجوب تأويلها بما يعترى المخلوق حال اتصافه بها؛ لأنه ﵎ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وعقيدة أهل السنة والجماعة تقوم على إثبات ما أثبته تعالى لنفسه من غير تمثيل، دل على هذا الأصل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فما أوقع المتكلمين في هذا الاضطراب؛ إلا بعدهم عن المنهج الربانى الذي أمرنا المولى باتباعه في كتابه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالصفة يفهم معناها؛ لأن الله تعالى إنما خاطبنا بلسان نفهمه، وأمرنا بتدبر آياته ومعانيه، ولكنه مع ذلك نبهنا إلى أمر مهم، وهو أنه ﵎ ليس كمثله شيء، ولا في شأن من شؤونه. (٢)
وبهذا تكون صفة الرحمة والمحبة والحياء والغضب والانتقام، كلها مما يثبت لله
_________________
(١) وهذا في الحقيقة يرجع إلى قياس الشمول [المعروف عند المناطقة بأنه الاستدلال بكلى على جزئى بواسطة اندراج ذلك الجزئى غيره تحت هذا الكلى. فهذا القياس مبني على أصول الأفراد المندرجة تحت هذا الكلى ولذلك يحكم على كل منهما بما حكم به عليه ومعلوم أنه لا مساواة بين الله ﷿ وبين خلقه]. شرح العقيدة الواسطية، الشيخ/ محمد خليل هراس: ٧٤.
(٢) انظر: إبطال التأويلات: (٢/ ٤١٣).
[ ٢٦١ ]
تعالى على جهة الحقيقة، كما هو عليه مذهب أهل السنة والجماعة، فتثبت النصوص الدالة عليها بلا أدني تحريف يحيل معناها.
وكما استند هذا المعتقد في الأصل إلى الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تقرر إثبات هذه الصفات، فإنه أيضًا يستدل لها بالدليل العقلى المستمد من الأدلة الشرعية، وهو دليل الكمال الذي يحتم إثبات كل صفة هي من الكمال المطلق لله تعالى، كما أشرت إلى هذا من قبل.
وتأتى تبعًا لهذه الصفات التي تأولها، والتى تعد عند المتكلمين من الصفات الخبرية المحضة التي لا يتأتى الاستدلال عليها إلا بالعقل:
- صفة العلو، حيث عمد الصاوى كغيره من المتكلمين إلى إثبات هذه الصفة على الوجه الذي اعتقد فيه تنزيه المولى تعالى، فتأولها ولم يثبتها على جهة الحقيقة، بالرغم من تضافر الأدلة: عقلية، وسمعية، وفطرية على إثباتها وفق ما يقتضيه ظاهر اللفظ.
وكانت حجته، كحاله في كل ما تأوله من الصفات: مماثلة الحوادث، ويحدد وجه المماثلة بأن في إثباتها على الحقيقة ما يستلزم اتصافه تعالى بالجسمية والتحيز؛ لأن العلو جهة، ولا يوصف أحد أنه في جهة؛ إلا إذا كان جسمًا يمكن له التحيز.
- وقد تصدى علماء الأمة من السلف الكرام لدحض مثل هذه الشبه، فقد بين شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - أن في هذه الألفاظ التي يطلقها المتكلمون من أنواع المحدثات في الدين، والواجب على من عرضت له أن يفصل القول فيها؛ لأنها من الأمور المجملة التي يشمل ردها أو إثباتها على حق وباطل، لذا تحتم تفصيل القول فيها.
وقد سبق لي عرض هذه المسألة بشيء من الإيجاز، ولى أن أعرض الآن كلام شيخ الإسلام الذي تناول فيه الرد على هذه الشبهة بموضوعية لا يردها إلا صاحب هوى، قال - ﵀ -: يقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود
[ ٢٦٢ ]
مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ . فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل". (١)
ونصل من هذا إلى أن وصف الله تعالى بأنه فوق العالم مباين للمخلوقات، مما قد استقر في العقول والفطر، وليس في إثباته ما يلزم منه مماثلته تعالى للحوادث.
وهذا مما لا يداخله شك في قلب كل من سلمت فطرته من مثل هذه الشبه التي أثارها المتكلمون، ولم تكن لتقوى على دفع هذه الحقيقة المستقرة في النفوس. (٢) فالموحدون أجمعون من العرب والعجم، إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة، رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم". (٣)
ولما كان الاستناد إلى النصوص الشرعية، هو الأصل الذي اعتمده أهل السنة والجماعة في إثبات صفاته تعالى؛ اهتم علماء السلف - ﵏ - بإبراز الأدلة الشرعية مع بيان وجه دلالتها على إثبات هذه الصفة، كما ينبغى لجلال الله تعالى وعظمته. ومع صعوبة حصرها إلا أنه يمكن الإشارة إلى أبرزها دلالة: فوصفه تعالى بالعلو، والاستواء، وعروج الملائكة، وعروج العمل الصالح إليه، وأنه تعالى ينزل في الثلث الأخير من الليل؛ لإجابة الدعاء، وكشف البلاء، وأنه سبحانه في السماء، كل ذلك مما يؤكد حقيقة اتصافه تعالى بهذه الصفة، التي تدل على كمال من اتصف بها، وعظمته، وسلطانه.
_________________
(١) التدمرية: ٦٦.
(٢) انظر: درء التعارض: (٧/ ١٣٢)، ومجموع الفتاوى: (١٦/ ٤٠٧).
(٣) التمهيد للإمام ابن عبد البر: (٧/ ١٣٤).
[ ٢٦٣ ]
فتحصل من كل ما سبق أنه لا يمكن حصر الصفة على معنى التنزيه، أي: "إثبات العلو المعنوى" فقط، بل لا بد من الإيمان بأنها تثبت صفة العلو الذاتى أيضًا، كما ينبغى لجلاله ﷾:
الأحد الفرد القدير الأزلى الصمد البر المهيمن العلى
علو قهر وعلو شان جل عن الأضاد والأعوان
كذا له العلو والفوقية على عباده بلا كيفية (١)
* * *
والآن مع الصفات التي يتأتى إثباتها من جهة الخبر فقط، فلا يمكن الاستدلال عليها بغيره من الأدلة العقلية أو الفطرية:
أولًا: الصفات الخبرية الفعلية:
* الاستواء:
يعرض الصاوى في هذه الصفة، كمنهجه فى بعض الصفات الخبرية، طريقة السلف والخلف في معناها، ويرى أن معتقد السلف فيها هو التفويض، وينعته بالسلامة؛ لعدم تعيين معنى مراد، أما الطريقة التي اعتقد فيها الحكمة، فهى التأويل الذي يعني تحديد معنى معين، ورأى أن الاستيلاء هو أحد معانى الاستواء الذي يقتضى تنزيه المولى تعالى من تلك المعانى التي يحتملها لفظ الاستواء.
وقد سبق لي بيان خطأ الصاوى في فهمه لمنهج السلف - رضوان الله تعالى عليهم - إذ حقيقة التفويض فيه إنما ينحصر في معرفة الكيفية، وهذا ما دل عليه الإمام مالك - ﵀ - حيث قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". (٢)
_________________
(١) منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمى - ﵀ - من مختصر معارج القبول للقحطانى: ٦٢.
(٢) رواه اللالكائى في شرح أصول الاعتقاد: (٣/ ٣٩٨). رقمه: ٦٤٤. والبغوى في: شرح السنة: (١/ ١٧١).
[ ٢٦٤ ]
وعليه فإن معنى الاستواء مفهوم؛ إذ القرآن إنما أتى ليخاطب الناس بما فهموه من لغة العرب، فلا تفويض في المعنى، يقول الإمام ابن عبد البر - ﵀ -: "الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷿ حيث قال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ". (١)
وعلى هذا المعنى الذي فهمه السلف من الاستواء، لا مكان لما ادعاه الصاوى من حصول المماثلة للحوادث، بل المعنى الذي رأى أن في حمل الاستواء عليه ما يخرج به من هذا اللازم عنده، ما هو ملزم لما فر منه. وذلك أنه لا يكون الاستيلاء إلا إذا وجد المنازع، فهل يجوز وصف الرب تعالى المنفرد بالربوبية والإلهية بهذا المعنى الذي يلزم منه وجود منازع له تعالى؟ وهذا ما أنكره ابن الأعرابى - أحد أئمة اللغة من السلف بالكوفة (٢) - حين اعترض عليه لتفسيره لمعانى الاستواء، وفق ما ورد، فقال: "هو على عرشه كما أخبر، فقيل - أي السائل - يا أبا عبد الله: ليس هذا معناه، إنما معناه: استولى، فقال: أسكت ما أنت وهذا؟ لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل: استولى". (٣)
وبهذا يعلم أن طريقة السلف هي الأعلم والأحكم، لأنها موافقة لمقتضى الإيمان والتسليم بما ورد في الكتاب والسنة، وليس فيها ما يلزم منه معارضتهما ولو بوجه من الوجوه، وفى وصفها بالسلامة دون الحكمة جمع بين النقيضين، يقول الشيخ العثيمين (٤) - ﵀ -: إن مما يلزم وصفهم لطريقة السلف بالسلامة أن تكون
_________________
(١) التمهيد: (٧/ ١٣١). وانظر: كلام الإمام ابن خزيمة في نفس المعنى: كتاب التوحيد: (١/ ٢٣٣).
(٢) هو محمد بن زياد أبو عبد الله ابن راوية، المعروف بابن الأعرابى. صاحب اللغة كان إليه المنتهى في معرفة لسان العرب توفى سنة: ٢٣١. انظر: ترجمته في: شذرات الذهب: (٢/ ٧٠).
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائى: (٢/ ٣٩٩). وانظر: مختصر العلو للذهبى في مناقشة هذه الشبهة: ٢٨.
(٤) هو العلامة الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين المقبل الوهيبي التميمي ولد عام: ١٣٤٧ هـ في عنيزة إحدى مدن القصيم طلب العلم على كبار مشايخ عصره منهم: الشيخ عبد الرحمن السعدى، والشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكنى الشنقيطى، والشيخ عبد العزيز بن باز، =
[ ٢٦٥ ]
الحكمة ثابتة لها" إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة: العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك تلك الأسباب". (١)
* صفة النزول، والمجيء، والإتيان:
كانت هذه الصفات أيضًا مما اعتقد الصاوى وجوب تنزيه المولى تعالى عن ظاهرها؛ لذا قام بتأويلها وفقًا لهذا الأصل الذي اعتمده في سائر الصفات الخبرية، حيث أوَّل النزول الذي وصف به المولى تعالى بنزول أمره أو رحمته، كذلك الآيات الكريمة التي أخبرت عن مجيء الله ﵎ إلى الحساب، فحمل النصوص أمرًا لم ترد بإثباته، وخرج بذلك عن المسلك السديد فيها.
أما تأويل النزول - الذي ورد في الحديث الشريف الذي قال فيه المصطفى - ﷺ -: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، يقول: من يدعونى فاستجيب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له؟). (٢) - بنزول الرحمة، فهذا مما يعارضه نص الحديث، وذلك لأن رحمه الله تعالى لم يرد تخصيص إنزالها في وقت دون وقت (٣)، بل قد دلت النصوص الشرعية على أن الرحمة مما يتوالى نزوله على العباد، فنزول المطر الذي لا يخصص نزوله بوقت هو من رحمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠].
كما أن في تأويل النزول بالرحمة مناقضة لأصل منعه صفة العلو الذاتى لله ﵎، فإثبات إنزاله تعالى للرحمة دليل واضح على كونه تعالى في علو.
_________________
(١) = عم نفعه بلاد الحرمين فاستقى من علمه الكثير من طلبة العلم، صنف الكثير من المؤلفات العلمية منها: شرح العقيدة الواسطية، والقول المفيد في شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، والقواعد المثلى في الأسماء والصفات وغير ذلك، توفى - ﵀ رحمة واسعة -: انظر: في ترجمته مقدمة كتابه شرح العقيدة الواسطية بقلم تلميذه: وليد بن أحمد الحسين الزبيرى: ١٥.
(٢) فتح رب البرية بتلخيص الحموية: ١٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التهجد - باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، رقمه: ١١٤٥، وأخرجه الإمام مسلم في: كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل.
(٤) انظر: شرح حديث النزول لشيخ الإسلام: ٢٣٣.
[ ٢٦٦ ]
ثم كيف يصح نسبة الكلام إلى صفة من صفات الذات العلية، فإن طلب الدعاء الوارد في الحديث الشريف مما يؤكد وجوب نسبة النزول للرب تعالى، كما يليق بجلاله لا إلى صفة هي من آحاد صفاته الذاتية.
هذا مع أن الرحمة مما لا يتوقف نزوله إلى السماء الدنيا، بل هي مما ينزل إلى الأرض ويعم من فيها في كل وقت بإذن الله (١)، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
هذا والإمام ابن القيم - ﵀ - يشنع كثيرًا على من اعتقد في إثبات النزول للمولى تعالى ما يوهم مماثلته لنزول المخلوقين، وقد استدل على ذلك بالحديث السابق والتصريح فيه بنسبة النزول إلى الرب تعالى، مما يدل على إرادة الحقيقة، ويدفع توهم المجاز بحال، هذا وفى كثرة رواته من الصحابة الذين بلغ عددهم قرابة الثلاثين دليل أيضًا على تكرر ذلك من المصطفى في كل مكان، دون أن يكون ثمة حرج وقع منه أو منهم في الإخبار عن الرب بذلك، كل هذا يؤكد المصداقية التي التزمها السلف في فهم مثل هذه النصوص، التي تدل على مدى التسليم بكل ما أخبر به المصطفى - ﷺ -. (٢)
- وكذلك تأويل المجيء والإتيان لله تعالى، كما ينبغى له سبحانه بمجيء الأمر، مما لا تؤيده تلك النصوص التي ورد فيها، بل كل ذلك هو من قبيل التأويل الذي لا يستند إلى قرينة لا من داخل النص ولا من خارجه؛ فكله في الحقيقة إنما يرجع إلى تحكم محض، لا تقبله قواعد اللغة العربية التي بها نزل القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨].
- فالنصوص الشرعية إنما تدل حقيقة على مجيء المولى للفصل يوم القيامة، وبهذا فسر أئمة السلف هذه الصفات، بلا تكييف ولا تحريف. (٣)
_________________
(١) انظر: إبطال التأويلات لأبي يعلى: (١/ ٢٦٤).
(٢) انظر: مختصر الصواعق المرسلة: ٤٢٤.
(٣) انظر: جامع البيان في تأويل آي القرآن: (٣٠/ ١٨٥).
[ ٢٦٧ ]
ثم إن في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ما يؤكد هذا ويدل عليه، يقول الإمام ابن القيم: "ففرق بين إتيان الملائكة وإتيان الرب وإتيان بعض آيات ربك، فقسم ونوع، ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحدًا فتأمله". (١)
* * *
- ثانيًا الصفات الخبرية الذاتية:
* صفة الوجه:
يلتزم الصاوى حيال هذه الصفة منهج التأويل، ولكن على ما يراه مناسبًا، فهو يؤولها بحسب النص الذي وردت فيه، فتارة يرى أنها تأول برضاه، وفي حين يمتنع عليه مثل هذا التأويل، كما هو في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] يتوقف فلا يعلق بشيء، مما يشعر بإقراره تفسير الجلالين من قبله، حيث فسر الوجه بالذات، كما هو عند عامة المتكلمين.
وفى كلتا الحالتين هو مجانب للصواب؛ لأنه خالف ما عليه السلف من وجوب الإيمان بها، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية، بلا تكيف ولا تمثيل. وهذا ما حكى الإجماع عليه الإمام ابن خزيمة (٢) حيث قال: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر، مذهبنا أن نثبت لله تعالى ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا". (٣)
* صفة اليد:
هنا يذكر الصاوى على جهة التفصيل مذهب السلف والخلف من المتكلمين، ولكنه يمل إلى رأى المتكلمين في المسألة، يوضح هذا رده على من احتج
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة: ٣٣٩.
(٢) هو الحافظ المحدث المسند الكبير إمام الأئمة شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمى النيسابورى ولد سنة: ٢٢٣ هـ قال عنه الدارقطني: كان ابن خزيمة إمام ثبتًا معدوم النظير توفى سنة: ٣١١ هـ، انظر تذكرة الحفاظ: (٢/ ٧٢٠).
(٣) كتاب التوحيد: (١/ ٢٥).
[ ٢٦٨ ]
من السلف بدلالة التثنية على إرادة الحقيقة، بأن هذه التثنية قد يراد بها الجنس مثل نعمة الدنيا والآخرة.
والحق أنه قد أصاب عند عرضه لرأى السلف في هذه الصفة ولكنه أخطأ عند إقراره لما عليه المتكلمون. نعم هناك نصوص فسرت فيها اليد بالذات كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. أيضًا فسرت هنا اليد بالقوة، كما هو عليه عامة المفسرين، وهذا التأويل مما يقتضيه السياق، وتحدده القرينة، فلا تحكم فيه بمجرد الرأى. (١)
فاليد هنا أتت بصيغة الجمع، وقد علم من لغة العرب أن اليد إذا جمعت قد يراد بها الذات أو القدرة أو القوة أو الكرم، ومن جهة أخرى فإن اليد في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ إضافة للعمل إليها، دون تعدية بالباء، وفى هذا دلالة صريحة على أن المراد بها هو ما يفهم من قوله خلقنا وعملنا، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
وكذلك اليد في قوله تعالى: ﴿بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، فإنها أتت بصيغة الجمع مع عدم إضافتها له تعالى، وهذا ما يحمل المراد بها على القوة أو القدرة. (٢)
أما الآية الكريمة التي بين الله تعالى فيها امتنانه على آدم - ﵇ - بخلقه له بيديه الكريمتين، فلا يمكن بحال أن تؤول بالقدرة؛ لأنه يمتنع ذلك التأويل من عدة وجوه:
- التثنية في قوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]: فإرادة التثنية في اللغة مانعة من احتمال المجاز، وبهذا يكون التأويل الذي ذكره الصاوى لا يستقيم له في نقض حجة السلف؛ لأن ما خرج به تأويل اليدين بالنعمتين ليس من لغة العرب، ولا هو معهود من كلامهم، وهذا ما روى عن الإمام أحمد في إنكاره على
_________________
(١) انظر: نقض الإمام الدارمي على المريسى: (١/ ٢٨٩).
(٢) انظر: الصواعق المرسلة: ٢٦٩.
[ ٢٦٩ ]
من قال بذلك، حيث قال: "من زعم أن يداه نعمتاه كيف يصنع بقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ مشددة". (١)
- دخول الباء التي تفيد تعديت الفعل إليها.
- أنه تعالى إنما قال ذلك بصيغة الامتنان على آدم موبخًا بذلك إبليس الذي امتنع عن السجود له، يقول الشيخ السعدى: "أي شرفته وكرمته واختصصته بهذه الخصيصة، التي اختص بها عن سائر الخلق" (٢)
وعلى القول بتأويل اليد بالقدرة أو النعمة، امتنع هذا الاختصاص الذي كان لآدم - ﵇ - والذي يقتضى عدم إعراض إبليس عن السجود له عند الأمر به، فثبت بهذا امتناع التأويل وإرادة الحقيقة، وهى اليدين، كما ينبغى لجلال الله تعالى وعظيم سلطانه.
- تضافر الأدلة التي تؤكد اتصاف المولى تعالى بهذه الصفة، فإلى جانب الآيات والأحاديث التي نصت على اتصاف المولى تعالى باليد، هناك أدلة أو صفات تؤكد ذلك، كاتصافه تعالى باليمين والكف والإصبع والقبضة، مما لا يباع مجالًا للشك في نسبة هذه الصفة للمولى تعالى، كما يليق بجلاله وعلو شانه، وإرادة تأويل كل هذه النصوص للخروج من هذا الإلزام، فيه تعنت واضح، لا تسىنده دلالة النصوص السابقة، وإعمالها على ظاهرها هو ما كان عليه أئمة السلف - رضوان تعالى عليهم أجمعين -. (٣)
* صفة القدم:
يجمل الصاوى رأى السلف هنا بإرادة التفويض، وتنزيه المولى عن المعنى الظاهر، كما قد عهد منه؛ استنادًا إلى أن في ذلك إثبات الجارحة لله تعالى - كما يرى - ثم يرجح تأويل القدم بالقوم الكثر من أهل النار، الذين يوضعون فيها فتقول
_________________
(١) إيطال التأويلات لأبي يعلى: (١/ ١٦٩).
(٢) تيسير الكريم الرحمن: ٧٨٢. وانظر: شرح العقيدة الواسطية للشيخ العثيمين: (١/ ٢٩١).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: (٦/ ٣٧٢).
[ ٢٧٠ ]
قط قط. ولكن هذا الذي ذهب إليه لا يقره الحديث الذي وردت فيه هذه الصفة، وذلك أن قول النبي - ﷺ -: (إن جهنم لن تمتلئ حتى يضع الجبار قدمه فيها فتقول: قط قط). (١) يمنع من إرادة المجاز، فنسبة القدم للرب تعالى صراحة (٢)، مع عدم وجود القرينة الصارفة، تدل على استحالة ما ذكره الصاوى من أن القدم هنا هي القوم الكافرين من أهل النار؛ إذ لا سند له في ذلك، بل القرائن تحف إرادة الحقيقة، وذلك أنه يستحيل إضافة الكفار إلى الله تعالى هكذا مباشرة؛ لأن "إضافة الشيء إلى الله تكريم وتشريف". (٣)
هذا وقد علم أن طلب النار للمزيد يكون بعد أن يلقى فيها جميع أهلها من الكفار، فكيف يقال بأن القدم هنا هم قوم من الكفار؟ (٤)
فيتحتم بعد العلم بامتناع ما ذهبوا إليه أن تجرى هذه الصفة "مجرى بقية الصفات، فتثبت لله على الوجه اللائق بعظمته سبحانه". (٥)
* الساق:
هذه الصفة الكريمة وردت في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، وفي السنة المطهرة في الحديث الشريف، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا. . . إلخ). (٦)
ولكن بعض المفسرين من السلف ذهب إلى تفسير الساق في الآية الكريمة بمعنى الشدة، وهذا المعنى مما عهد عند العرب ومما أثر عن ابن عباس - رضي الله تعالى
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، رقمه ٤٨٤٨.
(٢) انظر: إبطال التأويلات: (١/ ١٩٩).
(٣) شرح العقيدة الواسطية للشيخ العثيمين: (٢/ ٣٣).
(٤) انظر: نقض الإمام الدارمي على المريسى: (١/ ٤٠١).
(٥) شرحه العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس: ١٧٢.
(٦) أخرج البخاري في صحيحه بنحوه: كتاب التفسير - باب يوم يكشف عن ساق، رقمه: ٤٩١٩.
[ ٢٧١ ]
عنهما -. (١) وقد أيد الصاوى هذا التأويل؛ مستدلًا بتأويل حبر الأمة، ولكنه لوقوفه على الحديث الشريف حيث رواه مطولًا في التفسير، رأى أنه لا يمكن تأويل الساق بشدة الموقف، وذلك لتصريح الخبر بنسبة الساق إلى الرب تعالى (٢)، فاختار أن يكون الكشف هنا عن الحجاب، ولكن هذا التأويل لا تسنده لغة العرب، وليس هو مما عهد عنهم، وإنما كان محاولة من الصاوى للخروج من الإلزام الذي وجد نفسه لا يستطيع التخلص منه بتأويل الساق في الحديث بالشدة، كما فسرت الآية الكريمة من بعض العلماء.
والحق أن الساق في الآية الكريمة إنما هو صفة من صفات الرحمن، كما ورد بذلك الحديث الصحيح، فيحمل المتشابه على المحكم؛ لأن الحديث قد أوضح المراد على جهة لا تدع لإرادة المجاز سبيلًا إلى النص.
وذلك أنه مما قد تقرر في الأصول أن السنة المطهرة هي المرتبة الثانية من مراتب التشريع بعد القرآن الكريم، فهى مفسرة لما أبهم، مبينة لما أجمل؛ لهذا فإن الكثير من السلف قد فسر الساق في الآية الكريمة بإثبات الصفة للمولى تعالى بما يليق بجلاله وعظمته؛ استدلالًا بالحديث الشريف، ولا بد من بيان أمر مهم نبه إليه الإمام ابن القيم - ﵀ - أنه لم يحدث النزاع بين الصحابة على إثبات الصفة نفسها، وإنما في دلالة الآية القرآنية على إثباتها، أما من بلغه الحديث من الصحابة الكرام - رضوان الله تعالى عليهم - فلم يثبت عن أحد منهم أنه أراد حمله على غير ظاهره، هذا وقد حكى الإمام حجة من أثبت الصفة من الآية الكريمة من لغة العرب أنفسهم ورد قول من فسرها بكشف الشدة، فقال: "فإن لغة القوم أن يقال: كشفت الشدة عن القوم لا كشفت عنها، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الزخرف: ٥٠] " (٣)
_________________
(١) انظر تفسير ابن جرير الطبري: (٢٩/ ٣٩).
(٢) انظر: إبطال التأويلات لأبي يعلى: (١/ ١٥٩).
(٣) مختصر الصواعق المرسلة: (١/ ٣٨).
[ ٢٧٢ ]
الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حقيقة الإيمان الشرعية.
المبحث الثاني: الفرق بين الإسلام والإيمان.
المبحث الثالث: مسائل الأسماء والأحكام.
[ ٢٧٣ ]
تمهيد
من أهم ما اختص به منهج السلف - رضوان الله تعالى عليهم - عن مناهج غيرهم من أهل الأهواء والبدع: [الوسطية]، ذلكم المعلم البارز الذي يمثل أقوى الدعائم التي يرتكز عليها مذهب السلف الصالح، ولعل القضايا المتعلقة بالإيمان جملة وتفصيلًا، تعد من أهم المسائل التي تظهر فيها شيمة الاعتدال والوسطية، فالإيمان عند السلف: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.
فبإدخالهم العمل في مسمى الإيمان؛ خالفوا أهل التفريط من المرجئة الذين أخرجوا العمل من الإيمان، وباعتقادهم حصول الزيادة والنقصان فيه دون إزالته بالكلية إذا لم يؤد النقص إلى القدح في أصل الإيمان؛ خالفوا أهل الغلو من الخوارج الذين قاموا بتكفير مرتكب الكبيرة، وكل هذه الحقائق المتعلقة بمفهوم الإيمان الشرعي إنما استقاها السلف الصالح من معين الكتاب والسنة، ذلكم أنه قد استقر في أفئدتهم وعقولهم التلقى منهما والرد إليهما في كل أصل وفرع، وعليه فإن جميع المسائل التي تندرج في قضايا الإيمان إنما يعلم حقيقة رأى السلف فيها من خلال تعريفهم للإيمان، حقيقة مستوحاة من الهدى النبوى الكريم.
ولمكانة هذا الأصل: [الإيمان] حيث تقوم عليه ركائز الدين، وتبنى عليه أحكام الدنيا والآخرة (١)، ظهر النزاع فيه مع أول افتراق حدث في الأمة الإسلامية فالخوارج إنما تفرع خروجهم وانشقاقهم عن الفهم السقيم لهذا الأصل، حيث اعتقدوا أن الإيمان قول وعمل، وأنه لا يزيد ولا ينقص؛ لأن نقصانه يعني زواله بالكلية، فإنهم لما أقروا بدخول العمل في مسمى الإيمان، وظنوا أن العمل بمنزلة واحدة فسووا بين العمل الذي لا يصح إيمان المرء إلا به بسائر أنواع العمل من
_________________
(١) انظر: الفتاوى: (٧/ ٣٩٥).
[ ٢٧٤ ]
الفروض والواجبات، وشددوا في هذا الأمر؛ حملهم هذا الغلو على اعتقاد تكفير مرتكب الكبيرة، واعتقاد تخليده في النار.
وفي مقابل هذه الفرقة، وكرد فعل لها ظهر الإرجاء، كفكر أخذ يغزو معتقد المسلمين، منددًا بمعتقد الخوارج، مضللًا إياهم، تتبناه طائفة [المرجئة] تعلن بصراحة موقفها المغاير لما التزمه الخوارج من تكفير مرتكب الكبيرة، دون معارضة لها في كون الإيمان حقيقة واحدة، لا يزيد ولا ينقص، وأن نقصانه يعني زواله بالكلية، وإنما من جهة تعريفه، وما يقتضيه ذلك المفهوم الجديد للإيمان، الذي ظهر في معتقد هؤلاء، حيث قصروا حقيقة الإيمان على خلاف بينهم في الإقرار أو التصديق، فأخرجوا بذلك العمل من مسمى الإيمان وغايروا المعنى الصحيح له، والذي عليه السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم -.
فالإيمان عندهم لا يمكن أن يدخل فيه العمل؛ لأنه لو دخل لأدى ذلك إلى نقصانه بحجة عدم إمكان الإتيان بكافة أفراد العمل، وحتى لا يحكم بكفر مرتكب الكبيرة.
ولما كان نقصان الإيمان ممتنع، لأنه يعني - عندهم - زوال الإيمان بالكلية، التزموا لذلك إخراج العمل عن حقيقة الإيمان، واعتقاد وجوب قصره على الإقرار أو التصديق دون العمل.
قد أدت هذه المفاهيم الدخلية إلى الخروج عن الحقيقة الشرعية في المسائل المتعلقة بالكفر، ذلكم أن الذين اعتقدوا حصر الإيمان في الاعتقاد قصروا ما يضاده من الكفر أيضًا على الاعتقاد دون العمل، وخالفوا بذلك صريح النص في وقوع الكفر لبعض أنواع المخالفات التي قد ترتكب بالجوارح، تمامًا كوقوعه عند مناقضة أصل الإيمان بالتكذيب أو الشك.
وهذا ما سيتضح أكثر في مناقشة المسائل المتعلقة بالإيمان والكفر عند الأشاعرة، على ضوء الكتاب والسنة بمشيئة الله تعالى.
[ ٢٧٥ ]
وقبل البدء بذكر التفاصيل، لا بد من إدراك أمر مهم هنا، وهو أنه لم يتبلور هذا الاتجاه وتتحدد معالمه دفعة واحدة؛ لأنه - كما سبق - إنما ظهر في بداية الأمر على شكل ردود أفعال، ومر بمراحل عدة حتى صار معلمًا بارزًا للفكر الأشعري المنتشر في جهات العالم الإسلامي.
وفيما يلى مناقشة تفصيلية لمعتقدات طائفة المرجئة: وذلك ضمن مناقشتى لآراء الصاوى، تلك الشخصية التي يعد مذهبها في الحقيقة امتداد لهذه الطائفة، فالصاوى كما هو واضح أشعرى المذهب لا يكاد يخالف سلفه إلا في النزر القليل، ومن خلال المناقشة سيتم بيان ضلال معتقد الخوارج في الإيمان، وبعده كل البعد عن الحقيقة التي كان عليها سلف هذه الأمة، والتى تنبع من مصدر الهدى والنور: الكتاب والسنة.
هذا ويتمحور النقاش في المسائل المتعلقة بالإيمان حول القضايا العقدية التالية:
- حقيقة الإيمان الشرعية.
- الفرق بين الإسلام والإيمان.
- مسائل الأسماء والأحكام.
* * *
[ ٢٧٦ ]
(المبحث الأول): حقيقة الإيمان
يمثل المذهب الأشعري في القضايا المتعلقة بالإيمان امتدادًا لفكر الإرجاء الذي ظهر في المجتمع المسلم؛ كرد فعل لما ذهب إليه الخوارج في مرتكب الكبيرة (١)، ولشيغ الإسلام - ﵀ - تقسيم يبين فيه أصناف المرجئة، وهم كالتالى:
١ - طائفة تزعم أن الإيمان مجرد ما في القلب، فمنهم من يدخل فيه أعمال القلوب، ومنهم من لا يدخلها كالأشاعرة والجهمية.
٢ - وطائفة تقول هو مجرد النطق باللسان، وهم الكرامية.
٣ - وأخرى تعتقد أن الإيمان هو تصديق القلب واللسان، وهؤلاء هم مرجئة الفقهاء (٢).
ومن خلال هذا العرض الموجز لمعتقد طوائف المرجئة في الإيمان، يمكن لنا تحديد الصنف الذين يندرج تحته الأشاعرة، وذلك أنه مما اشتهر عنهم حتى لا يكاد يخالف فيه أحد منهم أن الإيمان هو التصديق، وبالتالى فإنهم يدخلون في الصنف الأول: القائلين بأن الإيمان مجرد ما في القلب.
وعند تتبع المراحل التي مر بها الإرجاء عبر التاريخ، نجد أن إرجاء الفقهاء كان سابقًا لإرجاء الأشاعرة أو الجهمية، فقد كان في بداية الأمر محاولات فردية ظهرت للرد على الخوارج، وبالتالى لم تحمل طابع التأصيل والتنظير لذلك المعتقد، وهذا ما حمل شيخ الإسلام على التفريق بين إرجاء الفقهاء وغيرهم، فعد الأول من قبيل الخلافات اللفظية التي لا يترتب عليها بدع تتعلق بالاعتقاد، على العكس من موقفه
_________________
(١) انظر: كتاب ظاهرة الإرجاء للشيخ سفر الحوالى: (٢/ ٣٧١).
(٢) انظر الفتاوى: (٧/ ١٩٥). وانظر: المواقف للإيجى: ٣٨٤ - ٣٨٥.
[ ٢٧٧ ]
اتجاه الأشاعرة وغيرهم، فقد شدد في أمرهم وبين مكمن الخطورة التي تتأتى من تقعيد المبدأ والتنظير له، حتى كتبت المؤلفات وفندت أقوال المخالفين كل ذلك في سبيل التأصيل لهذه البدعة التي عمت أرجاء الأمة المسلمة.
وقد اختلف في أول من عرف عنه الإرجاء من الفقهاء، فقيل إن أول من تحدث به: حماد بن أبي سليمان (١) شيخ أبي حنيفة - ﵃ - (٢).
هذا والتعريف الذي يجمع عليه أهل الفقه من المرجئة هو أن الإيمان: ما وقر في القلب من التصديق، وأقر به اللسان. (٣)
وقبل البدء بعرض أقوال الأشاعرة في تعريف الإيمان، لا بد من الوقوف على الداعى الذي حدى بهم إلى مثل هذا القول، وذلك أنه مما تفاقم شره في بلاد الإسلام إبان ترجمة كتب اليونان التأثر الواضح بأقوال الفلاسفة في تعريف الأشياء وفهمها، وقد كان مقرر لديهم أنه لا تنال التصورات، الغير بدهية إلا بالحد، وتبعهم بذلك طوائف أهل الإسلام، فرأوا إن يضعوا حدًا يميز لهم الإيمان على طريقة أولئك القوم، بعيدًا عن أقوال الخوارج المتعصبين.
ولما كان الحد هو ما تكون من الذاتيات المشتركة والمخصصة، أي: الجنس والفصل، وجدوا أن التصديق هو خير من يقوم بهذه المهمة؛ إذ العمل لا يمكن أن يكون من الذاتيات - عندهم - لتفاوت أهل الإيمان في الاتصاف به، فأجمعوا على أن يكون التصديق هو الحد الذي يميز الإيمان ويعرفه، يقول إمام الحرمين الجويني: "المرضى عندنا أن حقيقة الإيمان التصديق بالله تعالى فالمؤمن بالله من صدقه". (٤)
_________________
(١) هو حماد بن مسلم مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري الكوفي الفقيه، فقيه محدث وثقة ابن حبان وقال عنه الذهبي: ثقة إمام مجتهد كريم جواد، مات سنة: ١٢٠. انظر: الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة للذهبي: (١/ ٣٥١). والثقات لابن حبان: (٤/ ١٥٩).
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء: (٥/ ٢٣٥).
(٣) انظر: شرح الطحاوية للإمام ابن أبي العز: ٣٣٣. وانظر: الإيمان: ١٨٣ - ٣٧٧.
(٤) الإرشاد: ٣٩٧. وانظر: الإنصاف للباقلانى: ٥٥.
[ ٢٧٨ ]
ولما كانت الشهادة من الدين بمنزلة لا يمكن بحال تجاهل أهميتها وكونها أساسًا لدخول المرء في الإسلام، وتحريم دمه وماله، ذهب أهل التحقيق من الأشاعرة - كما حكى التفتزانى ذلك عنهم - إلى أن الشهادة شرط ليس في حقيقة الإيمان، وإنما لإجراء الأحكام الدنيوية، وخالفوا بذلك ما عليه فقهاء المرجئة من كونها شطر وليست بشرط. (١)
ولبيان السبب الذي حملهم على هذا التصور، فقد أشرت منذ البدء إلى أن الفهم الخاطئ الذي حمله فكر الخوارج إلى المجتمع المسلم، والذي تمثل في اعتقاد أن الإيمان حقيقة واحدة لا يمكن أن تتجزأ، وأن زوال البعض مؤذن بزوال الكل (٢)، دعا المرجئة إلى أن قصروا الإيمان على التصديق؛ حتى لا يؤثر ارتكاب الكبائر والتقصير في الواجبات على مسمى الإيمان، وبالتالى يخرج صاحبها عن دائرته، كما فعل الخوارج، إذا الارتباط واضح بين تعريفهم للإيمان بأنه التصديق؛ وأنه حقيقة واحدة تزول بزوال بعضها. (٣) فمنعوا بذلك إمكان الزيادة والنقصان. (٤)
ويحكى الرازي شبهة الأشاعرة، قائلًا: "الإيمان عندنا لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه لما كان اسمًا لتصديق الرسول في كل ما علم بالضرورة مجيؤه به، وهذا لا يقبل التفاوت؛ فكان مسمى الإيمان غير قابل للزيادة والنقصان". (٥)
وبعد حكايته لأقوال الخوارج والسلف في الإيمان رأى أن التوفيق ممكن بجعل العمل ثمرة من ثمرات التصديق، وخلص بذلك إلى أن "كل ما دل على أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفًا إلى أصل الإيمان، وما دل على أنه قابل لهما فهو مصروف إلى الإيمان الكامل".
_________________
(١) انظر: شرح النسفية للتفتزاني: ٤٢٨، وانظر: تحفة المريد: ٢٨.
(٢) انظر: الفتاوى: (١٣/ ٤٨).
(٣) المرجع السابق: (٧/ ٤٠٤ - ٥١١)، وشرح العقيدة الأصفهانية: ١٤٣.
(٤) انظر: ما قاله الطوسي موضحًا هذه القضية في تلخيصه لمحصل الرازي: ٢٣٩.
(٥) المحصل: ٢٣٩. وانظر: الإنصاف للباقلاني: ٥٧.
[ ٢٧٩ ]
رأى الشيخ الصاوي:
يعرف الصاوي الإيمان، لغة بأنه: [التصديق].
أما في الاصطلاح، فيرى أنه: [تصديق النبي - ﷺ - فيما جاء به مما علم من الدين بالضرورة، كالصلاة والصيام والزكاة والحج]. (١)
ثم يعرض - كما هو ديدنه في كثير من القضايا المهمة - أهم الأقوال التي ذكرت في تعريف الإيمان بين مؤيد ومفند:
- فتعريف الإيمان بأنه المعرفة - كما يقول الجهمية - يرى أنه تعريف مجانب للصواب، حيث اعترض عليه بحال كثير من الكفار الذين "يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فلو كانت المعرفة تستلزم الإيمان؛ لكان كل من عرف أن الله واحد ومحمدًا رسوله مؤمنًا".
- ويذكر بعد ذلك التعريف الذي عليه الأشاعرة و"هو حديث النفس التابع للمعرفة، أي قول النفس: آمنت وصدقت بعد المعرفة التي هي الجزم المطابق للحق عن دليل"، ويعقب هذا التعريف ببيان أنه الإيمان الكامل حتى لا يظن عدم إيمان المقلد. (٢)
- ثم يعقب تلك الأقوال بذكر رأى من ذهب إلى أن الإيمان "مركب من تصديق ونطق وعمل"، ويرى أن هذا هو مذهب المعتزلة الذي حملهم على اعتقاد أن من ترك واجبًا كالصلاة، أو فعل حرامًا كالزنا فهو كافر".
ولما كان اعتقاد دخول النطق بالشهادة في مفهوم الإيمان، مما أجمع عليه عند المرجئة الأوائل؛ تحتم على الصاوي أن يعرض الأقوال فيها، بدءً بما استقر عليه مذهب المحققين من الأشاعرة.
وقبل البدء بذكر الأقوال في المسألة، نراه يعمد إلى تحرير محل النزاع فيها،
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ١٦.
(٢) المرجع السابق: ١٣.
[ ٢٨٠ ]
وذلك وفق مذهبه الأشعري، حيث يرى أن الخلاف "مقيد بالكافر الأصلى، أما أولاد المسلمين فمسلمون، ولو لم ينطقوا طول عمرهم، غير أنهم خالفوا في الواجب الفرعى، فالكافر الأصلى القادر على النطق وتركه كافر في الداريين، وإن تركه لعذر كخرس أو مات فورًا وقامت قرائن على دخوله في الإسلام بغير النطق كإشارة مفهمة، فمسلم عندنا وعند الله. وإلا فهو مؤمن عند الله فقط".
- وبعد ذلك يقرر ما عليه مذهب الأشاعرة من أن "النطق بالشهادة شرط لإجراء الأحكام الدنيوية" مؤيدًا ذلك بأدلة نقلية من الكتاب، منها:
* قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ (المجادلة: من الآية ٢٢)
وبناء على ما سبق فإنه يخرج إلى أن من ترك العمل على غير جهة الاستحلال أو العناد أو الشك، فهو مؤمن ولكنه فوت على نفسه كمال الإيمان. (١)
فالعمل الصالح - عنده - ثمرة للإيمان الكامل (٢)، لذا نجده يعرف الإيمان الكامل بأنه: "التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان". (٣)
- ثم يذكر القول الثاني في مكانة الإقرار من الإيمان، والذي عليه مرجئة الفقهاء وهو أن الإقرار شطر "أي جزء من الإيمان، فالإيمان عندهم اسم لعملى القلب واللسان جميعًا وهذا في غير المعذور، وإلا فيكفى التصديق للمعذور اتفاقًا" (٤)
وعند تتبع أقوال الصاوي في تفسير الإيمان الذي ورد في الآيات الكريمة، نجد أنه يتردد ما بين هذين القولين، فتارة يعرف المؤمن بأنه: "من صدق بقلبه، ونطق بلسانه". (٥) وتارة يقصر المراد من الإيمان على التصديق فقط، وذلك في كثير من المواضع. (٦).
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٢/ ١٦٧ - ٢٥٥).
(٢) حاشية الجوهرة: ١٣.
(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ١٠٤).
(٤) حاشية الجوهرة: ١٧. وانظر: حاشية الخريدة: ٧٣.
(٥) حاشية الجلالين: (١/ ٧٤ - ١٤٦).
(٦) المرجع السابق: (١/ ١٦٤ - ١٨٥)، (٢/ ١٦٧).
[ ٢٨١ ]
- أما عن مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فإنه يرى صحة نسبتهما للإيمان، وأن الزيادة تحصل بالعمل والنقص بتركه، وقد استدل لهذا بالأدلة العقلية والنقلية. (١)
أما النقلية:
- فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
- كما يستدل أيضًا بإجماع الجمهور، كالإمام مالك والشافعي وأحمد [وجمهور الأشاعرة].
وأما العقلية: فقد استدل بالمشاهد من حال المكثر من الأعمال الصالحة وما يشهده من رقة ونور.
- كما استدل على فساد هذا القول بفساد لازمه، إذ القول بعدم الزيادة والنقصان يجوز أن يكون إيمان الأنبياء كإيمان الفساق من الأمة. (٢)
والصاوي هنا يذهب في مفهوم الزيادة والنقصان مذهب السلف الصالح، مخالفًا للكثير من الأشاعرة (٣)، حيث يستدل بالنصوص الواردة في إثبات زيادة الإيمان على زيادته وأن ما قبل الزيادة كان قابلًا للنقص، هذا ومفهوم الزيادة عنده هي ما عبر عنها بحصول النور والرقة لمن أكثر من ذكر الله تعالى، ولا يكتفى، بل يصرح بحصول الزيادة لأصل الإيمان، ويرد بذلك على من منع حصولها في التصديق، يقول: "فالأوجه قول الجماعة أن الزيادة والنقص للتصديق نفسه لوجود هذه الأدلة العقلية والنقلية، وغير ذلك تأويل لا يحتاج له". (٤)
* * *
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ١٧.
(٢) حاشية الجلالين: (١/ ٢٣٦)، (٢/ ١٠٩). وانظر: حاشية الجوهرة: ١٨.
(٣) انظر: شرح العقائد النسفية للتفتزاني: ١٢٥.
(٤) حاشية الجوهرة: ١٨. وانظر: حاشية الخريدة: ١٢٢.
[ ٢٨٢ ]
المناقشة:
عند سبر أبعاد قضية الإيمان، والأقوال المتعددة فيها، نجد أن الاضطراب الذي حصل في المفهومات، والذي أوقع الخوإرج في قضية تكفير مرتكب الكبيرة كان له أسوء الأثر على الوسط الإسلامى، فإنه لما انعدم الفهم الصحيح للسبب الرئيس الذي حمل الخوارج على تكفير مرتكب الكبيرة، ظن المرجئة أن فهم الخوارج لحقيقة الإيمان خاطئ من حيث إدخالهم العمل في مسمى الإيمان، واعتقدوا أن مخالفتهم في هذا تكفى في رد حجتهم وإبطالها، فراموا إبطال بدعتهم بأخرى لا تقل عنها سوءً وبعدًا عن الحقيقة، ولم يفطنوا إلى أن مكمن الضلال إنما تحصل من التصور السقيم للإيمان؛ حيث اعتقد الخوارج أنه جملة واحدة وأن ذهاب البعض يؤذن بذهاب الكل.
هنا ولهذه الحقيقة التي استرعت انتباه كثير من الباحثين من سلف هذه الأمة، صار محور النقاش من المسألة يدور حول أمرين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر:
١ - حقيقة الإيمان الشرعية التي نطقت بها آيات الكتاب الكريم وسنة المصطفى - ﷺ - أنه قول وعمل.
٢ - إن الإيمان شعب، ثم إنه يزيد بزيادة شعبه وينقص بنقصانها، وليست هذه الشعب بمنزلة واحدة، فمنها ما لا يصح الإيمان إلا به، ومنها ما هو فرض أو واجب أو سنة. وزوال ما هو في الرتبة العليا ليس كزوال ما هو دونها.
وأدلة هذين الأصلين في الكتاب والسنة كثيرة تجل عن الحصر، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ..
[ ٢٨٣ ]
وقد أجمع السلف لدلالة هذه النصوص القطعية على فهمهم لحقيقة الإيمان بأنه قول وعمل، حيث قال: "اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من أهل السنة على أن الأعمال من الإيمان لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فجعل الأعمال كلها إيمانًا". (١)
- ومن السنة المطهرة حديث المصطفى - ﷺ -: (الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة فأفضلها: قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). (٢)
"فجعل الإيمان شعبًا: بعضها باللسان، والشفتين، وبعضها بالقلب، وبعضها بسائر الجوارح". (٣)
وهذا الذي ذكرته إنما هو بعض ما ورد في الكتاب والسنة وأقوال السلف - رضوان الله تعالى عليهم - وبهذا يعلم أن ما ذهب إليه الصاوي في تعريف الإيمان موافقة للأشعرية غير صحيح؛ إذ الإيمان كغيره من المصطلحات الشرعية التي صار لها حقيقة شرعية مقيدة لأصلها اللغوى كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها، (٤) لذا كان الواجب على كل من أراد أن يعرف معنى الألفاظ القرآنية أن يرجع إلى تفسيرها عند النبي - ﷺ - وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم -.
وفى بيان هذا يقول شيخ الإسلام: "مما ينبغى أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي - ﷺ - يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، . . . . إلى أن قال: واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله، فالنبي - ﷺ - قد بين المراد
_________________
(١) شرح السنة: (١/ ٧٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان - باب أمور الإيمان، حديث رقم: ٩.
(٣) الإيمان لابن مندة: (١/ ٢٣٢).
(٤) الإيمان لشيخ الإسلام: ٢٨٣.
[ ٢٨٤ ]
بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق، وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك، فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فإنه شافٍ كافٍ، بل معانى هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة". (١)
كما أنه - ﵀ - أشار إلى قضية مهمة تتعلق بكل ما خاطب الشارع به العباد وهى المسألة التي تعرف في الأصول بـ هل يجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة؟ وخلص إلى أن هذا غير واقع في الشريعة أصلًا، وأن الإيمان من أبين الألفاظ التي عرف مقصود الشارع منها. (٢)
وبهذا تعلم حقيقة الإيمان الذي ورد مطلقًا في القرآن الكريم "فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنًا إلا بالعمل مع التصديق". (٣)
* * *
وبناء على ما تقدم، فإنه من الخطأ البين أن تعد الأعمال الصالحة ثمرة للإيمان، بل هي ركنه الذي لا يكون إلا به. فأصل الإيمان في القلب، والعمل الصالح لازم له، إذا وجد دل على ما في القلب وإذا انتفى دل على انتفائه. (٤)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]
أما ما ذهب إليه الصاوي من أن الأعمال أنما تدخل في مسمى الإيمان الكامل فليس بصحيح على جهة الإطلاق، إذ الأعمال الواجبة المفروضة من الأصول والفروع إنما تدخل في الإيمان الواجب، أما المستحبات التي لا يعد تاركها آثمًا فهذه التي تدخل في ما أطلق عليه بالإيمان الكامل. (٥)
_________________
(١) المرجع السابق: ٢٧١.
(٢) فتاوى شيخ الإسلام: (٧/ ١٠٤).
(٣) المرجع السابق: ١٢٢.
(٤) المرجع السابق: ١٨٦.
(٥) المرجع السابق.
[ ٢٨٥ ]
كما أن في القول بأن العمل يدخل في مسمى الإيمان الكامل مناقضة لأصل مذهبه في تعريف الإيمان بأنه التصديق فقط. وهذا معلوم من حال أهل الابتداع حيث يظهر التناقض كثيرًا في تقريرهم لمسائل الاعتقاد.
ومن خلال اعتراض الصاوي على تعريف الخوارج للإيمان بأنه مركب من قول وعمل، نخلص إلى الشبهة التي اعتمدها - كغيره من الأشاعرة - في قصر الإيمان على التصديق دون العمل؛ فإنه جعل دمج المعتزلة العمل في مسمى الإيمان سببًا لاعتقادهم تكفير مرتكب الكبيرة.
والحقيقة أن هذه الشبهة التي اعتمدها في رده لإدخال العمل في صميم الإيمان لا تسلم له؛ بل الذي حمل الخوارج ومنهم المعتزلة على تكفير مرتكب الكبيرة هو اعتقاد كون الإيمان حقيقة واحدة، وأصل واحد، وأن شعبه بمنزلة واحدة، لا يزيد ولا ينقص، وأن نقصان أي شعبة منه يعني زواله بالكلية، فلم يفرقوا بين ما هو أصل منها بحيث ينتفى الإيمان بانتفائه، كالصلاة مثلًا، وما هو من عداد الفروض والواجبات التي لا تقدح في أصل الإيمان، وإنما في كماله الواجب كالجهاد مثلًا.
وهذا ما يمنع الفصل في فهم السلف لحقيقة الإيمان الشرعية، فهو: قول وعمل يزيد وينقص فلا يذهب بالكلية.
يقول الإمام الطبري: "الصواب فيه - أي الإيمان - قول من قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وعليه مضى أهل الدين والفضل". (١)
إيماننا قول وقصد وعمل تزيده التقوى وينقص بالزلل (٢)
* * *
_________________
(١) صريح السنة: ٢٥.
(٢) القصيدة للإمام: محمد بن أحمد السفاريني، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود: ٦٨.
[ ٢٨٦ ]
ولكن الصاوي في هذه المسألة قد خالف قول الأشاعرة في منع الزيادة والنقصان، واتفق مع السلف في هذه القضية المهمة، وقد كان حرى بمثله أن يوافق السلف في أصل تعريفهم للإيمان واعتقاد كونه قول وعمل، وألَّا يحمله تكفير الخوارج لمرتكب الكبيرة؛ على اعتقاد أن سبب ذلك هو إدخالهم العمل في مسمى الإيمان، وكان عليه أن يدرك أساس ضلالهم، وأنه يرجع في الحقيقة إلى منعهم الزيادة والنقصان في الإيمان.
ولهذا فإن مناقشته في هذه القضية، تعود إلى بيان مكانة العمل ومنزلته من الدين، وما ورد في بيان أهمية إقامة شعائر الإسلام وعلى رأسها الصلاة (١)، وأنه مع موافقته السلف في إمكان الزيادة والنقص إلا أنه يخالفهم في اعتقاد صحة إيمان من تخلى عن العمل بالكلية، وأن ذلك لا يترتب عليه شيء سوى ضعف للإيمان دون زواله بالكلية، وهذا ما يمتنع؛ استدلالًا بما ورد في الكتاب والسنة من بيان مكانة العمل (٢).
وتجدر الإشارة إلى أن الأدلة التي استدل بها الصاوي على زيادة الإيمان ونقصانه هي نفسها أدلة السلف على ذلك. (٣) هذا والأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف في تقرير هذه الحقيقة. أذكر منها زيادة على ما تقدم:
- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].
- ومن السنة في إثبات النقص، ما رواه ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (ما رأيت من ناقصات عقل ولا دين أغلب لذى لب منكن. قالت
_________________
(١) وهذا ما سيتضح في مبحث التكفير الأسماء والأحكام: ٣٠٠.
(٢) انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام: ٣٤٧.
(٣) انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام: ٢١٩ - ٢٢٤.
[ ٢٨٧ ]
: وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين شهادة رجل وأما نقصان الدين: فإن إحداكن تفطر رمضان، وتقيم أيامًا لا تصلى). (١)
وقد حكى إجماع السلف على ما تقدم الإمام ابن عبد البر، يقول: "أما سائر الفقهاء من أهل الرأى والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر فقالوا: الإيمان قول وعمل: قول باللسان والإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة، قالوا: وكل ما يطاع الله ﷿ به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصى". (٢)
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الحيض - باب ترك الحائض الصوم، رقم الحديث: ٣٠٤.
(٢) التمهيد: (٩/ ٢٤٨).
[ ٢٨٨ ]
(المبحث الثاني): العلاقة بين الإسلام والإيمان
يعرف الإسلام بأنه: الاستسلام لله تعالى، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، والبراءة من أهله (١).
أما الإيمان فقد سبق بيان معناه عند السلف من كونه مركبًا في حقيقته من قول وعمل واعتقاد (٢).
ومن خلال هذين التعريفين لهذين المصطلحين يمكن لنا الوقوف على أقوال العلماء في تحديد العلاقة بينهما، فمن رأى أن بينهما ترادفًا فذلك لدلالة كل منهما على الدين الذي ارتضاه تعالى لعباده والذي امتدح من اتصف به.
ويرى الإمام ابن عبد البر - ﵀ - أن هذا هو مذهب الكثير من أهل العلم، يقول: "وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعيين والمالكيين، وهو قول داود وأصحابه وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر". (٣)
ومن ذهب إلى اختلافهما استمد ذلك المفهوم من إشارة كل منهما على معنى يظهر منه خصوصيته في الدلالة عليه، دون غيره من الأسماء، فيكون معنى الإسلام: الانقياد الناشئ عن الإذعان والاستسلام، كما هو ظاهر من التعريف، والإيمان: التصديق القلبى الذي يلزم الإتيان بفعل الطاعات وترك المحظورات.
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد: سليمان بن عبد الوهاب: ١١٠.
(٢) الإيمان: ٧٤.
(٣) التمهيد: (١/ ٢٤٧).
[ ٢٨٩ ]
وقد قال بهذا بعض كبار السلف كابن عباس - ﵄ - والحسن البصري، وابن سيرين (١) - رحمهما الله -. (٢)
هذا وقد توسطت طائفة من العلماء في تحديد العلاقة بينهما؛ نظرًا لوجود التلازم الواضح، كما يظهر ذلك من خلال تعريفهما، فذهبت إلى أن العلاقة بينهما تتمحور في إمكان ترادفهما حين الافتراق، وتغايرهما عند الاجتماع، لدلالة كل منهما على خصوصية معنى ليست في الآخر.
* * *
أما عن: رأي المتكلمين:
لقد اختلفت عبارات المتكلمين في بيان الفرق بين الإسلام والإيمان، فيرى الباقلانى أن الإيمان هو التصديق، والإسلام الانقياد، وعليه فكل مؤمن مسلم وليس العكس، ويبرهن على ذلك بأنه من المستحيل على المؤمن تركه للانقياد، أما المسلم فقد يكون منه انقياد بلا إيمان. (٣)
ولا يخفى ما في هذا من مناقضة لأصلهم في جعلهم العمل ثمرة للإيمان، وليس بلازم له.
هذا وتذهب غالبيتهم إلى عدم التفريق بينهما، حتى لا يعارض الأصل المجمع عليه عندهم من أن تارك العمل لا يكفر، مع وجود التصديق بما جاء عن رسول الله - ﷺ -، فحقيقة مذهبهم أن: "الإيمان والإسلام واحد، لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد، بمعنى قبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التصديق". (٤)
_________________
(١) هو أبو بكر محمد بن سيرين البصري، كان أبوه عبدًا لأنس بن مالك - ﵁ -، وكانت أمه صفية مولاة أبي بكر الصديق - ﵁ -، أحد الفقهاء من أهل البصرة عرف بالورع والتقوى في وقته، توفى سنة: ١١٠ هـ انظر: وفيات الأعيان: (٤/ ١٨٢).
(٢) انظر: الإيمان لابن مندة: ٣١١. وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائى: (٤/ ٨١٢).
(٣) انظر: الإنصاف: ٥٩.
(٤) العقائد النسفية: ١٥٩.
[ ٢٩٠ ]
ويمتد هذا المفهوم حتى لا يفرق بين المسلم والمؤمن فـ: "الإيمان هو تصديق الله تعالى فيما أخبر من أوامره ونواهيه، والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيته، وهذا لا يتحقق إلا بقبول الأمر والنهى، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا، فلا يتغايران". (١)
* * *
وعند سبر أقوال المتأخرين منهم نجد أنه في الغالب لا تخرج عن هذا المعنى وإن خالف بعضهم وفسر الإسلام بالانقياد الظاهرى.
يقول السنوسى في مكانة شهادة التوحيد: "جعلها الشارع ترجمة على ما في القلب من الإسلام".
ويعلق على ذلك الدسوقى، فيقول: "واعلم أن الإيمان والإسلام، قيل: إنهما مترادفان معناهما واحد، وهو التصديق بما جاء به النبي - ﷺ - مما علم من الدين بالضرورة. وعليه مشى المصنف.
وقيل: وهو المعتمد أنهما متغايران، فالإيمان هو التصديق بما جاء به النبي - ﷺ -، والإسلام هو الامتثال الظاهرى". (٢)
وعلى هذا فالمسألة محل اختلاف بين المتقدمين والمتأخرين وإن كان الغالب في كلام الأشاعرة عدم المغايرة بينهما؛ لاتفاقهم على عدم إدخال العمل في صميم المعتقد (٣)، ومن خالف منهم فقد وقع في التناقض.
وستتم مناقشة هذه الأقوال والترجيح بينها عند عرض كلام الصاوي ومناقشته في ضوء منهج السلف الكرام.
_________________
(١) المرجع السابق: ١٦١.
(٢) حاشية أم البراهين: ٢٢٢.
(٣) انظر: تحفة المريد للباجورى: ٧٤.
[ ٢٩١ ]
رأي الشيخ الصاوي:
يفرق الصاوي بين تعريف الإسلام والإيمان، فيرى أن الإسلام في اللغة: هو "مطلق الانقياد. يقال: أسلمت الدابة واستسلمت يعني انقادت". (١)
وفى الاصطلاح: "الانقياد إلى ما جاء به النبي - ﷺ -؛ مما علم ضرورة".
وحتى لا يناقض نفسه في قضية الإيمان، وأن العمل شرط كمال وليس داخلًا في حقيقته، يفسر المراد بقول اللقانى: "والإسلام اشرحن بالعمل":
يقول: "أي وضحه بالعمل الصالح، وهو امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والمراد: الإذعان لتلك الأحكام، وعدم ردها سواء عملها أم لا".
أما عن موقفه من الشهادتين بالنسبة للإسلام، فيرى أنه "لا بد منهما في ثبوت الإسلام، والحاصل أن النطق بالشهادتين من الإسلام". (٢)
أما الإيمان فقد سبق بيان معناه عنده من أنه: "تصديق النبي فيما جاء به مما علم من الدين بالضرورة، كالصلاة والصيام والزكاة والحج".
وفى تحديد العلاقة بينهما يرى "أنهما مختلفان مفهومًا، متحدان ما صدق، متلازمان شرعًا" (٣) فـ "الإسلام انقياد ظاهرى ناشئ عن تصديق باطنى، والإيمان تصديق باطنى ينشأ عنه انقياد ظاهرى".
وحتى لا يظن أن التغاير في المفهوم الذي دل عليه العطف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، يقضى بتغاير الذات، يؤكد على قضية التلازم بين الإسلام والإيمان، يقول: "لأن تغاير مفهوم المسلم والمؤمن كافٍ في العطف، فلا يلزم منه مغايرة ذات المؤمن لذات المسلم".
_________________
(١) انظر: حاشية الجلالين: (١/ ١٥٧).
(٢) حاشية الخريدة البهية: ١٧.
(٣) حاشية الخريدة البهية: ١٢٤.
[ ٢٩٢ ]
ومن ثم فهو يحدد وجه المغايرة التي اقتضت العطف، يقول: "الإسلام التلفظ بالشهادتين بشرط تصديق القلب بما جاء به النبي - ﷺ -، والإيمان الإذعان القلبى بشرط النطق باللسان، ويكفى في العطف أدنى تغاير". (١)
ومع ذلك؛ هو لا يقر بوجود التلازم في جميع الأحوال، بل يرى أن محله إذا اجتمع التصديق والانقياد الظاهرى في المكلف، "وإلا فلا تلازم بينهما، بل قد يكون مؤمنًا وليس بمسلم إن كان معه تصديق، ولم يثبت منه نطق.
وقد يكون مسلمًا وليس بمؤمن إن كان معه انقياد ظاهرى دون تصديق.
وهو معنى قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] ". (٢)
ولإزالة إشكال قد يرد من تغاير موقف الصاوي إزاء التلازم الذي أكد على وجوده بين الإسلام والإيمان؛ حتى حكم باتحادهما ما صدق، يبين أن الإسلام الذي ورد في الآية إنما هو المعنى باللغة وإلا فـ "الإسلام والإيمان الشرعيان المعتبران هما متحدان ما صدق، وإن كان مفهومهما مختلفًا: إذ الإيمان هو التصديق القلبى بشرط النطق بالشهادتين، والإسلام الانقياد الظاهرى الناشئ عن التصديق القلبى". (٣)
ولكن الإشكال لا يزال قائمًا في حالة وجود التصديق القلبى مع انتفاء الإقرار، فإنه مما سبق يرى أن الشهادتين أصل في ثبوت الإسلام، ولا يصح الحكم على أحد بالإسلام إلا عند إقراره بهما، ومع ذلك فهو يقر شرعية مثل هذا التصديق، وأنه كافٍ في الحكم على صاحبه بالإيمان الشرعي الذي يخرجه من عداد الكافرين، حتى حكم على من صدق بلا إقرار بأنه مؤمن وليس بمسلم، كما هو واضح من كلامه السابق، ومع المناقشة سيزداد الأمر وضوحًا.
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٢٦٠).
(٢) حاشية الجوهرة: ١٦ - ١٧.
(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ١٠٨).
[ ٢٩٣ ]
المناقشة:
إن تفريق الصاوي بين الإيمان والإسلام مطلقًا من حيث المفهوم لا يسلم له في جميع الأحوال، وإنما فقط في حالة اجتماعهما معًا، وأنه في حالة الانفراد فإن العلاقة بينهما هي الترادف، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، منها حديث المصطفى - ﷺ - لوفد عبد قيس، حيث فسر الإيمان بأعمال الظاهر، فقال في معناه: (شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وتعطوا الخمس من المغنم). (١)
وهذا التفصيل في بيان علاقة الإسلام بالإيمان يستند إلى الأمور التالية:
- أولًا: التسليم بوجود مطلق التغاير بين الإيمان والإسلام؛ لعموم الأدلة التالية:
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
وقوله عز من قائل: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦].
وكذلك ما ورد في حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أنه قال: أعطى رسول الله - ﷺ - رهطًا وأنا جالس فيهم، فترك رسول الله - ﷺ - منهم رجلًا لم يعطه - وهو أعجبهم إلى - فقمت إلى رسول الله - ﷺ - فساررته فقلت: مالك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنًا، قال: (أو مسلمًا).
_________________
(١) أخرجه البخاري في: كتاب العلم - باب تحريض النبي وفد عبد قيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم، رقمه: ٨٧.
[ ٢٩٤ ]
قال: فسكت قليلًا، ثم غلبنى ما أعلم فيه فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟ والله إنى لأراه مؤمنًا. قال: (أو مسلمًا. . .). إلى آخر الرواية. (١)
وقد روى عن عبد الله بن الإمام أحمد أنه قال: [سئل أبى عن الإسلام والإيمان، فقال: الإسلام غير الإيمان] (٢)
كما دل على ذلك حديث رسول الله - ﷺ -: (لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن). (٣)
قال: [يخرج من الإيمان إلى الإسلام، فالإيمان مقصور في الإسلام، فإذا زنا خرج من الإيمان إلى الإسلام] (٤).
- ثانيًا: إن التغاير لا يكون ألا في حالة ما إذا ذكر الإسلام والإيمان في موضع واحد.
- إن هذا التغاير مع التسليم بوجوده في حالات معينة؛ إلا أنه لا يمنع وجود تلازم بينهما، بحيث:
- ثالثًا: إنه في حالة انفراد أحدهما عن الآخر يكون مرادفًا له للأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول؛ من دلالة كل منهما على الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده. وذلك لعدة اعتبارات:
- دلالة كل منهما على مسمى الدين، وذلك من حديث جبريل - ﵇ - حيث نبه المصطفى - ﷺ - أصحابه الكرام - رضوان الله عليهم - بعد ذهاب جبريل إلى
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الزكاة - باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ حديث رقم: ١٤٧٨.
(٢) رواه أبو بكر بن الخلال في السنة: ٦٠٤.
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الأشربة - باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾، حديث رقم: ٥٥٧٨.
(٤) رواه أبو بكر الخلال في السنة: ٦٠٣. والإمام ابن منده في الإيمان لابن منده: (١/ ٣١١). وانظر: المسائل والرسائل للإمام أحمد: (١/ ١١٠).
[ ٢٩٥ ]
أن اختلاف تفسير الإيمان عن الإسلام لا يقضى بالتغاير، بل كل هذا من الدين الذي أتى جبريل - ﵇ - من أجل بيانه وتعليمه إياه لكم. وكان هذا هو استنباط الإمام البخاري - ﵀ -، حيث قال: [فجعل ذلك كله دينًا] (١).
مما تقرر عند السلف أنه لا إيمان إلا بالعمل وكذلك لا إسلام إلا بالتصديق؛ فقد دلت نصوص الشرع على أن المؤمن، أو المسلم هو من استكمل فعل ما افترضه الله تعالى عليه. (٢)
- اجتماع كل منهما في الدلالة على الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده وامتدح من اتصف به، ورتب السعادة في الدارين على الالتزام به. (٣)
مما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وفي بيان وجه الاستدلال يقول شيخ الإسلام: "فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان، وجعله اسم ثناء وتزكية". (٤)
وفيما يلى كلام للإمام ابن رجب يوضح فيه بجلاء تام معنى قولهم: إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، يقول: "من الأسماء ما يكون شاملًا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالًا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دالًا على باقيها، وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوى الحاجات والآخر على باقيها". (٥)
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري مع الفتح: كتاب الإيمان - باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وبيان النبي، رقم الحديث: ٣٧، وانظر: تعليق الإمام ابن حجر على كلام البخاري في نفس المعنى: (١/ ١١٥).
(٢) انظر: فتاوى شيخ إلاسلام: (٧/ ٣٥٩).
(٣) انظر: تعظيم قدر الصلاة للإمام المروزي: (١/ ٣٤٥). والمرجع السابق: (٧/ ٣٦٤).
(٤) مجموع الفتاوى: (٧/ ٣٦٤).
(٥) جامع العلوم والحكم: ١٠٩.
[ ٢٩٦ ]
أما عن تطابق (الماصدق) عليهما، أي: أن المسلم هو المؤمن والمؤمن هو المسلم، فهذا أيضًا مما يلزم فيه التفصيل، فقد اتفق العلماء على إن كل مؤمن مسلم، أما الثانية وهى: أن كل مسلم مؤمن، فمحل اختلاف، فإن كل مسلم مؤمن من حيث وجود مطلق الإيمان معه، لا الإيمان المطلق، الذي يستوجب المدح؛ كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، فإن الإيمان قد يطلق ويراد به المدح، وقد يطلق ويراد به فعل لازمه، فهؤلاء الذين منعوا من إطلاق الإيمان عليهم؛ كان ذلك لوجود المانع من إطلاق مسمى المدح، والذي لا يتأتى إلا عند فعل الواجبات وترك المحرمات.
أما مطلق الإيمان فإنه لا يزول عنهم لارتكابهم بعض المخالفات التي تعد من المعاصى؛ فإن "نفى الإيمان المطلق لا يستلزم أن يكونوا منافقين"، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
فكل من قصر في شيء مما ذكر؛ بحيث لا يخرجه فعله عن أصل الإيمان، لا يعد "منافقًا من أهل الدرك الأسفل من النار، بل لا يكون قد أتى بالإيمان الواجب". (١)
أما مطلق الإيمان فثابت له، ولكنه غير مستحق للاسم لوقوعه في مخالفة ما يقتضيه الإيمان الكامل الموجب للمدح.
ويستدل شيخ الإسلام - ﵀ - لثبوت مطلق الإيمان لكل مسلم؛ بدخول كل من [المطيع والعاصي] من آحاد المسلمين في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦].
كما يستدل على نفى المسمى الإيمان الموجب للمدح بقوله - ﷺ -: (أو مسلمًا. . .)، كما ذكرت ذلك سابقًا. (٢)
_________________
(١) الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان: ٢٥٤ - ٢٥٧.
(٢) صحيح البخاري: كتاب الزكاة - باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ حديث رقم: ١٤٧٨.
[ ٢٩٧ ]
وقد أشرت من خلال عرضي لرأى الشيخ الصاوي أنه في علاقة المسلم بالمؤمن قد وقع في نوع من التناقض؛ حيث أثبت وجود التلازم بين الإيمان والإسلام الشرعيان - وهذا التلازم في الأصل مسلم له - ولكنه مع ذلك أقر بإيمان من حصل منه التصديق ولم يتبعه بإقرار مع قدرته على الإتيان به، وخالف بذلك ما أوجبه في ثبوت الإسلام، وبإقراره لمثل هذا الإيمان جوز أمرًا قد أجمع السلف على بطلانه، وهو إثبات الإيمان للمعين مع انتفاء الإسلام عنه، فيكون بذلك مؤمنًا غير مسلم. فإنه مع تفسيره للإسلام بالإذعان القلبى، إلا أنه حكم بفرضية الإقرار لثبوت الإسلام للمذعن فلا يكون مسلمًا - عنده - إلا من ثبت عنه الإقرار، بخلاف باقي الأركان الخمس.
هذا مع أن القاعدة المجمع عليها، تقول: كل مؤمن مسلم، وإنما وقع الخلاف في العكس.
يقول شيخ الإسلام في بيان هذه الحقيقة: "وهذا الذي ذكروه مع بطلانه ومخالفته للكتاب والسنة هو تناقض. . . أما الجهمية فيجعلونه تصديق القلب، فلا تكون الشهادتان ولا الصلاة ولا الزكاة ولا غيرهن من الإيمان، وقد تقدم ما بينه الله ورسوله من أن الإسلام داخل في الإيمان، فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يكون مسلمًا، كما أن الإيمان داخل في الإحسان، فلا يكون محسنًا حتى يكون مؤمنًا". (١)
وقال - ﵀ - أيضًا في معرض تفنيده لمثل هذه الأقوال التي تعارض ما هو معلوم من الدين بالضرورة: "ثم قولكم كل مؤمن مسلم، إن كنتم تريدون بالإيمان تصديق القلب فقط؛ فيلزم أن يكون الرجل مسلمًا ولو لم يتكلم بالشهادتين وما أتى بشيء من الأعمال المأمور بها، وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام".
_________________
(١) الإيمان: ١٤٨.
[ ٢٩٨ ]
ثم بين - رحمه الله تعالى - بعد تمحيصه لحقيقة الفرق بين كلام السلف والمرجئة في العلاقة بين الإسلام والإيمان، مدى بعد ما أرادوا بقولهم كل مؤمن مسلم عن مراد السلف - رحمهم الله تعالى -، حتى قال: "فقولهم في غاية المباينة لقول السلف، ليس في الأقوال أبعد عن السلف منه". (١)
وحقيقة كلام المرجئة الجهمية مردود بكل حال؛ إذ التلازم بين الإيمان والإسلام يحتم أن يتبع التصديق العمل، وألَّا يحكم بإيمان من امتنع عن الإتيان به ما دام قادرًا على ذلك؛ لأن القاعدة تقول: الإرادة الجازمة مع القدرة التامة تنتج العمل (٢)، فما دام أنه قد صدق؛ فالواجب أن يظهر عليه لازم ذلك التصديق من العمل الواجب؛ وإلا امتنع الحكم عليه بالإيمان.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ما ذهب إليه الصاوي في تفسير آية الأعراب بأن المراد من الإسلام فيها هو المعنى اللغوى وهو مطلق الانقياد، مؤكدًا بذلك على قضية التلازم بينهما هو أحد الأقوال فيها، والراجح أن المراد به - كما ذهب إلى ذلك جمع من أهل العلم - هو الإسلام الشرعي وأن ذلك لا يؤدى إلى منع التلازم بينهما بل يرجع إلى ما سبق بيانه من منع التسمية الموجبة للمدح، مع الإقرار بأصل الإيمان عندهم، وإلا لخرجوا من دائرة الإسلام بالكلية، وهذا ما يخالف معتقد أهل السنة والجماعة.
* * *
_________________
(١) الإيمان: ١٥١.
(٢) انظر: الفتاوى: (٧/ ٥٢٥).
[ ٢٩٩ ]
(المبحث الثالث): الأسماء والأحكام
من أهم القضايا التي تستند في مبدئها إلى إدراك حقيقة الإيمان والإسلام مسائل الأسماء والأحكام، والتى تعنى ثبوت وصف الإيمان والإسلام أو الكفر للمعين وما يترتب على ذلك من أحكام الوعد أو الوعيد.
فإن موقف الخوارج من مرتكب الكبيرة ونعته بالكفر، ومن ثم الحكم عليه بالخلود في النار؛ كان في الحقيقة ناتجًا عن فهمهم لحقيقة الإيمان الشرعية، فمع موافقتهم للسلف الصالح - رضوان الله عليهم - في كونه مركبًا من قول وعمل، إلا أنهم بمنعهم للزيادة والنقصان فيه؛ حكموا على كل من قصر بالعمل الواجب بالكفر، والخلود في النار.
هذا وقد تبعتهم المعتزلة في تعريف الإيمان الشرعي، وما يتبع ذلك من الحكم بالخلود في النار لمرتكب الكبائر (١)، إلا أنها امتنعت عن نعته بالكفر أو الإيمان لعدم توفر ما يقتضى التسمية بأحدهما من جهة الشرع، فعدلت عنهما إلى وصفه بالفسق في الدنيا (٢)، وحكمت عليه بالخلود في النار لتحقق موجبه عندهم من الذم واللعن، الذي إذا اجتمع مقتضيه من العصيان مع الطاعة لغلب عليه؛ إذ النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. (٣)
ولغلوهم في مكانة العمل من الإيمان، واعتقادهم أن الواجب منه بجميع أنواعه بمرتبة الأصل منه، لم يدركوا حقيقة الفرق بين الإسلام والإيمان؛ فظنوا أنهما بمنزلة واحدة من الدين، بحيث لا يمكن الانتقال من مسمى الإيمان إلا إلى الكفر
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: ٧٠٧.
(٢) انظر: المرجع السابق: ٦٩٧ - ٧٠١ - ٧٠٢ - والفرق بين الفرق، للبغدادي: ١١٥، والنبوات لابن تيمية: ١٣٤.
(٣) انظر: الحق الدامغ، للخليلى: ٢٠٧. وشرح الأصول الخمسة: ٦٠٦ - ٧٠٧.
[ ٣٠٠ ]
الصراح. (١)، وخالفوا بهذا صريح ما ثبت من النصوص الدالة على انتفاء الوصف بالإيمان لمرتكب الكبائر مع ثبوت الإسلام له، وأنه لا يخرج من كليهما إلا الكفر بالله تعالى. (٢)
ولما استقر هذا الأمر في اعتقادهم وتمكنت هذه الشبهة العقلية حتى غدت أصلًا من أصولهم؛ بنوا على أساسها فهمهم لنصوص الشارع الحكيم، فأخذوا بعمومات الوعيد وأغرقوا في إعمالها على ظاهرها، وقصروا في الجهة المقابلة بما يتعلق بنصوص الوعد وأعملوا فيها بالتأويل والرد، ولهم في ذلك شبه، كلها ترجع إلى ما سبق بيانه من تغليب جانب الوعيد على الوعد.
هذا وقد أشرت سابقًا إلى الفرقة التي تبنت التيار المواجه لفكر الخوارج من أجل دحض ما خالفوا به إجماع الأمة، والثابت من النصوص الشرعية من عدم تكفير مرتكب الكبيرة، فقد حملهم هذا التوجه المندفع إلى عدم الفهم الصحيح لحقيقة النزاع أو ما يسمى بتحرير محل النزاع، فقاموا بشن هجوم عنيف على الحقيقة التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة من كون الإيمان قول وعمل، ولم يدركوا أن السبب في الضلال أولئك هو القول بعدم الزيادة والنقصان، فأرادوا أن يدرؤوا باطلًا بآخر؛ فقصروا الإيمان على التصديق، ومنعوا إدخال العمل في مسماه حتى لا يؤدى التقصير فيه إلى ذهابه بالكلية. (٣)
* * *
وقد التزمت الأشاعرة نفس الأصل المعتمد لدى الخوارج في منعهم من اعتقاد تشعب الإيمان لإمكان حصول التناقض باجتماع النقيضين عند زوال بعض الشعب
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة: ٧٠٥.
(٢) الشرح والإبانة على أصول الديانة، للإمام: ابن بطة العكبرى: ٢٠١.
(٣) انظر: الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان، لشيخ الإسلام: ٢٤٢. وقد سبق مناقشتهم في مبحث حقيقة الإيمان الشرعية.
[ ٣٠١ ]
دون بعضها، فإنه بزوال بعضه يجتمع مع نقيضه الكفر وهذا محال (١) ومن أجل التخلص من هذا الذي ظنته لازمًا لاعتقاد تشعب الإيمان، جعلته أصل واحدًا وهو التصديق، ومنعت زواله إلا بما يعرضه مباشرة من أنواع الكفر (٢): كالتكذيب، والشك والنفاق، فأخرجت بذلك العمل بشتى أنواعه من حقيقة الإيمان، ولم يعد للتقصير في جانبه أثر في نقض الإيمان وهذا بحد ذاته تفريط مخالف في مقابل إفراط الخوارج وغلوهم. (٣)
وقصروا في المقابل بقضايا الأسماء والأحكام. فنعتوا من استقر في قلبه التصديق بالإيمان، ولو فرط بالتقصير في الأركان، وحكموا له برضا الرحمن؛ فخالفوا بذلك المنزل من القرآن على من وصف بالبيان - ﷺ - تسليمًا كثيرًا.
فمن أهم ما نتج عن هذا الفهم السقيم لحقيقة الإيمان بإبعاد العمل عن مسماه، ما ذهب إليه المرجئة في تفسير الإسلام، حيث فسروه بما يوافق معتقدهم في إبعاد العمل حتى لا يكفر تاركه عندهم، فقالوا حقيقة الإسلام هي: الإذعان، سواء أتبع ذلك بالعمل أو لا، وخالفوا بهذا ما هو معلوم من الدين بالضرورة. (٤)
وبناء على ما تأصل اعتقاده عند الأشاعرة من الجزم بإنفاذ الوعد لكل من أتى منه التصديق، فقد اعتمدوا منهج الأخذ بعموم نصوص الوعد التي وجدوا في ظاهرها ما يؤيد مذهبهم وتقديمها على نصوص الوعيد في ذلك؛ وكثيرًا ما يكون إعمال هذا الأساس لتدعيم الشبه العقلية بالدليل الشرعي.
ولا يخفى ما في هذا الفهم من تفريط قابل إفراط الخوارج باقبح منه، فلم يعد لديهم ضابط للتكفير سوى الإقرار بما يخالف التصديق من الشك أو التكذيب، وصارت حقيقة التوحيد مقصورة على من أتى بالتصديق، ولو أتى بما علم مناقضته للدين بالضرورة. (٥)
_________________
(١) انظر: الإرشاد للجوينى: ٣٩٩. انظر: الإيمان لشيخ الإسلام: ٣٨٧.
(٢) انظر: الإنصاف للباقلاني: ٥٧.
(٣) انظر: فتاوى شيخ الإسلام: (٧/ ٥١٠).
(٤) انظر: شرح العقائد النسفية: ١٥٩. والمبحث السابق في علاقة الإسلام بالإيمان.
(٥) المواقف: ٣٨٨. وانظر: العقائد النسفية: ١٤٢. وانظر: مبحث التوحيد ونواقضه: ١٨٤.
[ ٣٠٢ ]
رأي الشيخ الصاوي:
يمكن تحديد موقف الصاوي من هذه القضية باتجاهين، كلاهما يدور في محور واحد ولتقرير مبدأ واحد، أما الاتجاه الأول: فهو التأكيد على حقيقة الإيمان عند المرجئة، وأنه لا يخرج منه إلى دائرة الشرك إلا عند فساد أصل التصديق.
أما الاتجاه الثاني فيتمثل في إبطال حجة الخوارج وأتباعهم من المعتزلة في تكفير مرتكب الكبيرة، والحكم عليه بالخلود في النار، مع تقرير المنهج المتبع عند الأشاعرة في هذه القضية، ومن ثم التشنيع على كل من حكم بالكفر على تارك العمل أو التقصير فيه وعده في جملتهم.
وكثيرًا ما يعالج هذه القضايا المتشعبة دون فصل بينها؛ مؤكدًا على الهدف الرئيس منها وهو تقرير مذهبه في الإيمان، مع بيان ما يدعم ذلك من موقفه من نواقض الإيمان وحقيقة الكفر.
وفيما يلى عرض لأهم ما قرره وذهب إليه، أشرت إليه تحت خطوط عريضة؛ حتى يتمكن من خلالها فهم ما توصل إليه في هذا الباب، ومن ثم عرضه على مذهب السلف الكرام.
أولًا: حقيقة الإيمان، وبيان ما يناقضه:
يؤكد الصاوي - كما بينت سابقًا - على حقيقة الإيمان في كثير من المواضع مقررًا ما ذهب إليه الأشاعرة من قصره على التصديق دون العمل، مع بيان أن السبب الرئيس الذي حمل الخوارج على تكفير مرتكب الكبيرة؛ عد العمل داخلًا في صميم الإيمان. (١)
وعند تتبع أقوال الصاوي في نواقض الإيمان نجد أنه يقرر ما يؤكد به القضية السالفة، وذلك بحصرها في الاتجاه المعاكس للتصديق، أو ما يمثل الجانب الاعتقادى دون العملى.
_________________
(١) انظر: المبحث السابق في معنى الإيمان: ٢٧٧.
[ ٣٠٣ ]
فالإنكار والاستحلال والنفاق هي أسس الكفر، والمعول عليه في استحقاق الخلود في النار؛ لأنها تعنى مناقضة الإيمان بالتكذيب.
- يقول في بيان حقيقة الكفر الذي استحق لأجله من تلبس به الخلود في النار: "إنما كان جزاء الكفار الخلود في النار؛ لأن الكفر إنكار لكمالات الله، وهى لا تتناهى، فكان جزاؤه عذابًا لا يتناهى، وذلك يتحقق بالخلود بخلاف معصية المؤمن". (١)
- أما عن الشرك؛ فيرى أن نسبة الشريك لله تعالى في ربوبيته كما فعل كفار مكة والنصارى كفر، وذلك لأن "نسبة الشريك له - تعالى - يلزم منها التكذيب بآيات الله تعالى". (٢)
وقد سبقت الإشارة إلى أنه يرى قلة من كان كفره بسبب الشرك وأن غالب الكفر الواقع بسبب نواقض الإيمان التالية من الجحود والإنكار والنفاق والشك. (٣)
- وكذلك الاستحلال، فيرى أن كل ما علم تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع فاعتقاد حله كفر مخرج من الملة. (٤)
- كما أنه يقسم النفاق إلى قسمين: "عملى واعتقادى، فالعملى أشار إليه - ﷺ - بقوله: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان). (٥)
والاعتقاد هو إظهار الإسلام، وإخفاء الكفر". (٦)
_________________
(١) حاشية الجلالين: (١/ ١٦٢).
(٢) المرجع السابق: (٢/ ٦٧) وانظر: حاشية الصلوات الدرديرية: ٢٢.
(٣) انظر: حاشية الخريدة: ٦٢، وحاشية الجوهرة.
(٤) المرجع السابق: (١/ ١٢٢).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة في كتاب الإيمان - باب علامة المنافق، حديث رقم: ٣٣. وفى كتاب: الشهادات - باب من أمر بإنجاز الوعد وفعله الحسن ..، حديث رقم: ٢٥٣٦. وفى كتاب: الوصايا - باب قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، حديث رقم: ٢٥٩٨.
(٦) حاشية الجلالين: (١/ ٢٣٧). وانظر: حاشية الصلوات الدرديرية: ٩٣.
[ ٣٠٤ ]
- وكل ما يتضمن التكذيب، كالشك، والعناد، والإنكار، كفر مخرج من الملة، يقول: "المختار عند أهل السنة أن الأعمال الصالحة شرط كمال، فالتارك لها أو لبعضها من غير استحلال ولا عناد ولا شك في مشروعيتها مؤمن فوت على نفسه كمال الإيمان". (١)
- ويعرف الشك بأنه: التردد بين شيئين على حد سواء، "فإن العبد إذا تشكك في عقائده كفر". (٢)
- ويقول في حكم من جحد شيئًا من الأحكام: كل من جحد حكمًا علم من الدين بالضرورة، بمعنى أنه اشترك في معرفته الخاص والعام، فهو كافر، كجحد وجوب الصلاة أو شيء من أركانها المجمع عليها، كالسجود، وحرمة الزنا، والخمر ونحوهما". (٣)
- أما عن الأعمال فلم أجد نصًا عنده على تكفيو شيء منها لمرتكبها سوى السجود لغير الله تعالى، أو سب أي من الملائكة أو الكتب أو الرسل، والذبح بإقران اسم الله تعالى مع غيره، لما في الإتيان بها من علامة على التكذيب والجحود، يقول: "السجود لغير الله كفر، محله إن كان من هوى النفس لا بأمر الله - يعني سجود الملائكة لآدم ﵇ -". (٤)
ويقول في الإنكار والسب: "من أنكر صفة من صفات الله، أو سب ملائكته أو أنكر الكتب السماوية أو سب رسله أو أنكر رسالتهم، فالكفر بواحد من هذه المذكورات كافٍ في استحقاق الوعيد؛ لأن الإيمان بكل واحد أصل من أصول الدين". (٥)
أما عن الذبح المذكور فسياق الكلام يوضح أن المراد مصاحبة ذلك الذبح اعتقاد
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ١٧.
(٢) حاشية الصلوات الدرديرية: ٩٣.
(٣) حاشية الجوهرة: ٦٧.
(٤) حاشية الجلالين: (٢/ ٦٠ - ٢٧٥).
(٥) المرجع السابق: (١/ ٢٣٦).
[ ٣٠٥ ]
الإشراك في استحقاق المقرون ذكره العبادة مع الله تعالى، يقول: "وأما المسلم إن جمع بينهما على وجه التشريك في العبودية فهو مرتد لا تؤكل ذبيحته". (١)
ثانيًا: تحقيق الوعد مع وجود مسببه من الإيمان:
يقول: "المتقون هم الذين اتقوا الشرك وهم المؤمنون ولو عصاه؛ لأن المتقى هو الآتى بالتقوى ولو مرة واحدة. . . . .
والذي يجب الإيمان به أن الجنة تملك بالموت على كلمة التوحيد، ولو صحبها أمثال الجبال من المعاصى. غير أن أهل الجنة مراتب". (٢)
ثالثًا: تحقق الوعيد مع وجود المقتضى من الكفر:
يؤكد الصاوي على وجوب أن ينال الكافر ما يستحقه من العذاب المؤبد؛ استدلالًا بنصوص الكتاب والسنة الدالة على هذا الأصل، وقد يعلل ذلك الجزاء العادل من الله تعالى بوجود مقتضيه من الكفر والشرك، الدال على الوقوع في أقبح الظلم وأشنعه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
هذا ويجمع إلى ما تقدم الاستدلال بالدليل العقلى المستنبط من تلك الأدلة الشرعية على القطع بمقتضى السمع بإنفاذ الوعد في أهل الإيمان والوعيد في أهل الكفر، يقول: "فتحصل أن وعد الله للطائفتين لا يتخلف جزمًا لتعلق علم الله به، والدليل السمعى.
فلو جاز تخلفه لانقلب علم الله جهلًا، وللزم الكذب في خبره تعالى، وكذا وعيده للكفار.
أما وعيده للعصاة فتحت المشيئة". (٣)
ولبيان هذا الأصل يتأتى الكلام في القضايا التالية:
_________________
(١) المرجع السابق: (٢/ ٤٠).
(٢) المرجع السابق: (٢/ ٢٧٦). وانظر: (١/ ٢١٠).
(٣) حاشية الجوهرة: ٣٥.
[ ٣٠٦ ]
رابعًا: موانع إنفاذ الوعيد لأصحاب الكبائر من المسلمين:
يعتقد الصاوي وجود مكفرات للذنوب سوى التوبة، وقد يذكر ذلك إما على سبيل إبطال حجة الخصم أو على سبيل تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، ويمكن تحديدها وفق هذا الحصر التالى من حواشيه المتعددة:
١ - التوبة، يقول: "فالصدقات لا تكفر جميع السيئات بخلاف التوبة فتكفر جميعها". (١)
٢ - الأعمال الصالحة، فالنص السابق يدل مفهومه على أن الصدقة تكفر الذنوب.
٣ - المصائب، يقول في حال من مات من المسلمين متلبسًا بذنب بلا توبة: "الغالب المغفرة؛ لأن فضل الله واسع، ورحمته تغلب غضبه، وكل ذلك ما لم يمت هديمًا أو غريقًا أو مقتولًا ظلمًا مثلًا، وإلا فيقوم ما ذكر مقام التوبة". (٢)
٤ - الحدود، يقول: "وأما حدود المسلمين فالمعتد أنها جوابر". (٣) "فمتى قتل ولو من غير توبة فقد سقطت الحقوق كلها؛ لأن السيف يجب ما قبله". (٤)
٥ - الشفاعة، يقول: فـ "العاصى إذا مات مصرًا على المعاصى تحت المشيئة إن شاء عذبه مدة ثم يعفو عنه؛ بشفاعة النبي - ﷺ -، وإن شاء لم يعذبه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة". (٥)
٦ - العفو، كما دل عليه النص السابق.
خامسًا: الرد على شبه الوعيدية:
يقول في الرد على كل من جزم بإنفاذ الوعيد لأهل الكبائر على جهة المكث الأبدى:
_________________
(١) المرجع السابق: (١/ ١٢١).
(٢) المرجع السابق: (١/ ٢١٠).
(٣) المرجع السابق: (١/ ٢٦٥).
(٤) المرجع السابق: (١/ ٢٦٩).
(٥) المرجع السابق: (٢/ ٢٧٦).
[ ٣٠٧ ]
"وقال أبو هاشم الجبائى وجمهور المعتزلة: إن المتقين هم الذين اتقوا جميع إلمعاصى، فلا يثبت دخول الجنة إلا لمن ترك جميع المعاصى، وهذا مذهب باطل؛ لمخالفته النصوص القرآنية والأحاديث النبوية". (١)
وفي معرض آخر يصرح بالأدلة التي يبطل بها مذهبهم من النصوص الشرعية، يقول: "أما المعاصى فلا تبطل ثواب الأعمال الصالحة خلافًا للمعتزلة القائلين بأن الكبائر تحبط الأعمال كالردة، ورد كلامهم بقوله تعالى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] " (٢).
وكان هذا ردًا منه بالدليل الشرعي الذي يقطع ببطلان مذهبهم القائم على وجوب إنفاذ الوعيد للعصاة، حيث دل على أن الأمر راجع إلى مشيئته سبحانه، فقد يجازي بالعقاب المتوعد به، وقد يعفو فلا معقب لحكمه سبحانه.
وهذا من حيث الأصل في إنفاذ الوعيد لأهل الكبائر، أما في وقوعه على جهة التأبيد لهم، كما يعتمدونه في جانب الذم الموجب لمماثلة حكم أهل الكفر ويستدلون له بالشبه العقلية والنقلية، فللرد عليهم في هذا الباب يوجه أجوبة متعددة، كلها من القوة بمكان، مصوبًا بها أقوى الأدلة النقلية التي يستندون إليها في دعم مذهبهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
فأجاب أولًا بـ:
- سبب نزول هذه الآية، فبعد أن أورد القصة التي اشتهرت في سبب النزول وهى أن من قام بالقتل رجع إلى الكفر؛ معلنًا بذلك ارتداده عن دين الإسلام، وأن الوعيد في الآية قد توجه إليه بناء على ما آل إليه فعله، قال: "فعلى هذا الخلود في الآية على ظاهره" أي أنه استحق ذلك لأنه ارتد عن دينه بعد وقوع القتل منه.
_________________
(١) المرجع السابق: (٢٧٦/ ٢).
(٢) المرجع السابق: (٤/ ٨٩).
[ ٣٠٨ ]
ثانيًا:
في الرد على من اعترض بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال إنه يجاب عن ذلك بعدة أجوبة:
- "أنه محمول على المستحل لذلك.
- أن هذا جزاؤه إن جوزى، أي إن عامله الله بعدله جازاه بذلك، وإن عامله بفضله فجائز أن لا يدخله النار".
هنا يورد ما قد يضعف الاحتجاج به، فيقول: "ولكن في هذا الجواب شيئًا؛ لأن فيه تسليمًا أنه إذا جوزى يخلد في النار، وهو غير سديد للقواطع الدالة على أنه لا يخلد في النار إلا من مات على الكفر.
- أنه يحمل الخلود على طول المكث". (١)
سادسًا: موقفه من مخالفيه (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀):
مما سبق تبين كيف أن الصاوي رد كلام الخوارج والمعتزلة في تكفير مرتكب الكبيرة، وقارعهم في سبيل ذلك بالحجة والبرهان، ولكنه في المقابل لم يكن على استبصار بحقيقة ما حملهم على التكفير، فكل ما قام به في تحليل موقفهم والداعى لما ذهبوا إليه هو تفسيرهم الإيمان بالعمل والطاعة.
أقول: إن هذا التصور الخاطئ لحقيقة مذهب الخوارج، حمله على تعميم الحكم في كل من جعل العمل داخلًا في حقيقة الإيمان، وكفر لأجل ذلك من أخل بأصول الإيمان منه، إما بترك الإتيان به كتارك الصلاة بالكلية مثلًا، أو بالتوجه به لغير الله تعالى على جهة الإشراك في توحيد الإرادة والقصد، كما سبق وأن أشرت إلى هذه القضية في مبحث نواقض التوحيد.
ولما كانت الحركة الإصلاحية بقيادة الإمام محمد بن عبد الوهاب هي من تتزعم هذه القضايا - في ذلك الوقت (٢) - مستضيئة بهدى الكتاب والسنة، وقد انتشر صيتها
_________________
(١) المرجع السابق: (١/ ٢٢٤).
(٢) انظر مبحث: الحالة السياسية في عصر الصاوي: ١٤.
[ ٣٠٩ ]
بين البلاد، وذاع خبرها في الدعوة إلى ما كان عليه سلف الأمة من تعظيم جانب العمل والإخلاص في التوجه به لله تعالى، بعيدًا كل البعد عن معتقد الخوارج الذي حدى بهم إلى تكفير مرتكب الكبيرة، كثر مناوؤها من مختلف البقاع الإسلامية وقاموا بتشويه معالمها، وتحريف بعض ما أتت به من خالص الحق والبيان، فاستجاب لهم الكثير إما تعصبًا وحمية؛ لما كان عليه آباؤهم وكبار علمائهم من تعظيم القبور والتوجه لساكنيها بالدعاء والاستغاثة إلى غير ذلك.
وإما جهلًا بحقيقة الدعوة والأسس التي تقوم عليها، كل هذا كان له أسوء الأثر في تحديد موقف الصاوي من هذه الدعوة المباركة، التي كانت قد اشتهرت بالوهابية، نسبة إلى مؤسسها الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -، وفيما يلى نص يصرح فيه بذلك، يقول في تفسير الآية الكريمة: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].
وقيل: هذه الآية نزلت في الخوارج الذين يحرفون تأويل الكتاب والسنة ويستحلون بذلك دماء المسلمين وأموالهم، كما هو مشاهد الآن في نظائرهم، وهم فرقة بأرض الحجاز يقال لهم: الوهابية، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون - نسأل الله الكريم أن يقطع دابرهم -". (١)
المناقشة:
الخلاف مع الأشاعرة في حقيقة الإيمان مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالخلاف معهم في حقيقة الكفر، فلا يمكن بحال الفصل بينهما في تقرير منهج السلف الكرام في هذه القضية.
_________________
(١) المرجع السابق: (٣/ ٢٨٨). هذا وإنى لأعجب من بعض طلبة العلم من حملة الشهادات العالية كيف يتأتى لهم نقل مثل هذه النصوص على جهة القبول والرضا لما جاء فيها، دون أدنى تبصر وطلب للحقيقة، مع تيسر هذا في العصر الذي نعيشه! .
[ ٣١٠ ]
ومع سبر أقوال الصاوي في مسائل الأسماء والأحكام يمكن الخلوص إلى النقاط الرئيسة التي يجب أن يدور حول محورها النقاش التفصيلى الموصل للحقيقة المستهدفة، وهى كالتالى:
أولًا: الإيمان وحقيقة الكفر:
مع ما سبق من بيان مكانة العمل من الإيمان عند السلف، إلا أن التأكيد على هذا الأصل متحتم في هذه القضية على جهة الخصوص، إذ الفرق الشاسع بين معتقد المرجئة في العمل من أنه ثمرة للإيمان ومعتقد السلف من أنه لازم له لا يتصور انتفاؤه مع وجود ملزومه؛ جعل هذا أساس في كل اختلاف تفرع عنه من مسائل الأسماء والأحكام، فالتكفير بترك العمل بالكلية ولو مع غير استحلال وإنكار أصل في المعتقد الصحيح المستمد من نصوص الكتاب والسنة، فكما أن التوحيد منه ما هو عملى، وهو توحيد الإرادة والقصد، ومن أخل به وقع في الشرك المناقض لأصل التوحيد المنجى، كذلك الإيمان منه ما هو عمل والعمل منه ما هو أصل فيه، بحيث لو أخل المكلف بالإتيان به وقع في الكفر المناقض للإيمان.
والحقيقة التي لا مراء فيها أن الإيمان الشرعي يدخل فيه التوحيد بإقرار الأشاعرة أنفسهم، كما سبق بيانه ولكن الخلاف معهم في نوع هذا التوحيد، وما هو المنجى منه، فهم يقرون بأن من صدق بالله تعالى واعتقد مشاركًا له في ربوبيته لم ينجه ذلك الإيمان، لأنه خالف الإيمان الشرعي الذي يحكم لمن أتى به بالنجاة في الدارين، يؤكد هذا عدهم الإشراك في توحيد الربوبية من نواقض الإيمان الكفرية، إذ الكفر أنواع والشرك واحد منها، كما هو واضح من كلام الصاوي، وإن اعتقد بقلة من كفر من الثقلين بسببه. (١)
فهذا الأصل المجمع عليه بين الأشاعرة والسلف يعد نقطة مهمة في تحديد محور الخلاف، الذي به يمكن التوصل إلى نتيجة تقنع المتجرد لمعرفة الحقيقة، فإذا ثبت أن
_________________
(١) انظر مبحث نواقض التوحيد: ١٨٤.
[ ٣١١ ]
توحيد الإرادة والقصد والذي يعني إفراده تعالى بأنواع العبادة الفعلية والاعتقادية من صميم التوحيد الذي يحصل به النجاة؛ ثبت في المقابل أن الإيمان المنجى ما كان مشتملًا على الأركان الأساسية من العمل، كالإقرار والصلاة والتحاكم لشرع الله تعالى في كل صغيرة وكبيرة مع الإتيان بشرط قبوله من الإخلاص والمتابعة؛ لأنه لا يقبل منه إلا ما تحقق فيه ركنى توحيد الإرادة والقصد.
وإذا تبين مدى الارتباط الوثيق بين مكانة العمل من الإيمان بحقيقة التوحيد المنجى في المعتقد الصحيح النابع من مقتضى التسليم بنصوص الوحى المنزل من عند الله تعالى؛ ثبت أنه لا انفكاك في الاعتقاد الجازم بأن الإخلال بأى منهما هو من الكفر المخرج من الملة بالكلية.
وفي ما يلى نصوص من الكتاب والسنة، تثبت هذه الحقيقة المجمع عليها عند السلف:
- قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
روى الخلال عن الإمام أحمد ما نصه: "قال الحميدي: وأخبرت أن قومًا يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت فهو مؤمن؛ ما لم يكن جاحدًا إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وفعل المؤمنين، قال الله ﷿: ﴿حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
قال حنبل: قال أبو عبد الله: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به". (١)
_________________
(١) السنة: ٥٨٦ - ٥٨٧.
[ ٣١٢ ]
- وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
- وقال عز من قائل: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١].
فهذا نص على أن النجاة المناطة بدخول الدين المرتضى من عند الله سبحانه لا تكون إلا بالإتيان بهذه الفروض المذكورة، ومن المعلوم أن الدين مراتب: إسلام فإيمان فإحسان، كما دل على ذلك حديث جبريل - ﵇ -، فتعليق حصول الأخوة الدينية على شرط الإتيان بالعمل دليل على انتفاء موجبها من التدين عمن لم يتأتى منه ذلك العمل.
يقول الصحابى الجليل أنس - رضي الله تعالى عنه -: "هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث، واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله، قال الله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، قال: توبتهم: خلع الأوثان، وعبادة ربهم، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ " (١)
- وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧].
ففى هذه الآية دليل بيَّن على أن ترك الانقياد والإعراض عن الطاعة لازم لانتفاء الإيمان بالله تعالى من قلب العبد، يقول شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: "ففى القرآن والسنة من نفى الإيمان عمن لم يات بالعمل مواضع كثيرة، كما نفى فيها الإيمان عن المنافق" (٢)
_________________
(١) (٦/ ٣١٩).
(٢) الإيمان: ١٣٧.
[ ٣١٣ ]
وقد استدل - ﵀ - بهذه الآية الكريمة، وبغيرها من الأدلة الكافية في بيان هذا الأصل المجمع عليه عند السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -.
ومن كل ما سبق نصل إلى أن حقيقة الكفر، كما دلت عليها نصوص الكتاب والسنة إنما تكون بمناقضة الإيمان الشرعي المركب من الاعتقاد والقول والعمل، فكل ما ناقض هذه الأصول هو كفر صراح مخرج من الملة بالكلية.
فأنواع الكفر الأكبر المنافى للإيمان إضافة إلى ما ذكره الصاوي، كما بينها العلماء هي:
- كفر الشرك:
فقد تقدم أنه لا يتحقق التصديق بالله تعالى إلا بتوحيده عن مماثلة الغير ذاتًا وأفعالًا، وصفاتًا، كما أنه لا يتحقق لازم التصديق من العمل إلا بتوفر شرطى القبول: الإخلاص والمتابعة، ركنى توحيد الإرادة والقصد.
فالارتباط إذًا واضح، بين حقيقة الإيمان المنجى، والتوحيد المعتمد الذي يجعل تحقق كل واحد منهما لازمًا لوجود الآخر، وانتفاء أحدهما دليلًا على انتفاء الثاني، فالتصديق الذي هو أصل الإيمان مرادف لقرار بربوبيته تعالى، ولازمه من العمل الصالح مرادف لتوحيد الألوهية.
وعليه، فأى إخلال يقدح في التوحيد من ناحية الاعتقاد أو العمل يعد كفرًا مناقضًا للإيمان مخرجًا لصاحبه من الملة.
والأدلة على هذا الأصل كثيرة متضافرة:
قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في بيان هذا الشرك الذي صدق على أصحابه وصفهم بالكفر: "وهذه التسوية إنما كانت في الحب والتأليه واتباع ما شرعوا، لا في الخلق والقدرة والربوبية، وهى العدل الذي أخبر به عن الكفار.
[ ٣١٤ ]
وأصح القولين أن معنى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، فيجعلون له عدلًا يحبونه ويقدسونه ويعبدونه، كما يعبدون الله". (١)
- كفر الإعراض والتولى:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
وقال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨].
والنصوص الثابتة من جهة الشرع في الدلالة على أن الإعراض بالقلب أو العمل عن مقتضى الإيمان من الانقياد بالقلب واللسان لما يرضى الرحمن كثيرة ومتضافرة، وقد أشرت إلى هذا عند بدء الحديث عن حقيقة الكفر المناقض للإيمان.
ولى أن أقف مع عمل من الأعمال الظاهرة، قد استفاضت الأدلة الشرعية في بيان مكانته من الإيمان، بحيث لو انتفى الإتيان به كان دالًا على وجود موجبه من الكفر المخرج من الملة: الصلاة، ذلكم المعلم البارز الدال على حقيقة التدين، حتى استحق أن يكون الحد والمانع بين النقيضين: الكفر والإيمان.
فمن تلك الأدلة قول المصطفى - ﷺ -: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر). (٢)
ولا شك في أن مجى الكفر معرفًا في الحديث؛ دليلًا على تحديده بالكفر المعهود الذي صار علمًا على مناقضة الإيمان بالكلية.
_________________
(١) مفتاح دار السعادة لابن القيم: (٢/ ١٣٢).
(٢) أخرجه الترمذي: كتاب الإيمان - باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم الحديث: ٢٦٢١. وقال: حديث حسن صحيح غريب: (٥/ ١٥). وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم: ٢١١٣: (٢/ ٣٢٩). وأخرجه ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - باب ما جاء فيمن ترك الصلاة، رقم الحديث: ١٠٧٩: (١/ ٣٤٢).
[ ٣١٥ ]
يوضح هذا المعنى شيخ الإسلام - ﵀ - حين قارن بين الكفر المتعلق ببعض الكبائر، الذي وردت به الأحاديث منكرًا، وبين هذا الكفر الذي أتى معرفًا في سياق ما ورد في بيان مكانة الصلاة والتحذير من التهاون فيها، يقول: "ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر، يصير بها كافرًا الكفر المطلق، حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها مؤمنًا، حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته".
وفرق بين الكفر المعرف باللام، كما في قوله - ﷺ -: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة). (١)
وبين كفر منكر في الإثبات. (٢)
وقد أجمع الصحابة على ذلك فـ: "لم يكن أصحاب النبي يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة". (٣)
وقال أبو عيسى (الترمذي): سمعت أبا مصعب المدنى، يقول: من قال: الإيمان قول يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. (٤)
ومع التوصل إلى محل النزاع بين الفرق المختلفة في هذه الحقيقة الكبرى، أعنى الإيمان والكفر، كان كل اختلاف بعدها في مسائل الأسماء والأحكام من الوعد والوعيد يعد تفرعًا عن هذا الأساس.
ويفهم حقيقة الخلاف فيه تتجلى كل التصورات الفاسدة فيما انبنى عليه من المسائل التالية:
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (٢/ ٧٠).
(٢) اقضاء الصراط المستقيم: ١٠٨.
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان - باب ما جاء في ترك الصلاة، حديث رقم: ٢٦٢٢. (٥/ ١٥). وأخرجه المروزي في الصلاة: رقمه: ٩٤٨. وصححه الألباني، في صحيح الترمذي برقم: ٢١١٤: (٢/ ٣٢٩).
(٤) المرجع السابق.
[ ٣١٦ ]
ثانيًا: تحقق الوعد مع وجود مقتضيه من الإيمان:
وهنا سيدور النقاش مع الصاوي في هذه القضية حول بعدين من أبعادها:
أولًا: تسمية من أتى بالتصديق المجرد عن العمل، أو من أتى بالتصديق مقترنًا بالإقرار بالمؤمن.
- وإطلاق التقوى على كل من وحد الله تعالى التوحيد المعتبر عند الأشاعرة، أو من أتي بالتقوى ولو مرة واحدة في عمره!
ثانيًا: الحكم على من صدق ولو مع انعدام العمل باستحقاق الجنة.
وهذا في الحقيقة مناقض للصريح من النصوص الشرعية كما بين ذلك العلماء.
أذكر منها: حديث المصطفى - ﷺ - لوفد عبد القيس حين عرف الإيمان بالأعمال الظاهرة، فقد دل هذا الحديث على أنه لا يحكم لأحد بالإيمان حتى يكون منه العمل الصالح، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهر علانية إلا بإيمان سر، وأن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بدون صاحبه". (١)
أما الأحاديث التي وردت في بيان فضل كلمة التوحيد، وأنها مفتاح الجنة فصحيحة، ولكن لا دليل فيها على ما يذهب إليه المرجئة من استحقاق الجنة بالتلفظ بها دون تصديقها بالعمل، فقد اتفق العلماء على أن هذه الكلمة تمثل الميثاق والعهد الذي أنيط به الالتزام بكافة الأحكام الشرعية، وهذه بدورها منها ما هو أصل في قبولها، بحيث يعد التخلي عن الالتزام به ناقضًا من نواقض كلمة التوحيد، لذا فقد عد العلماء لهذه الكلمة سبعة شروط، انتفاء أي واحد منها يعد ناقضًا لها:
العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول
والصدق والإخلاص والمحبة وفقك الله لما أحبه (٢)
_________________
(١) الإيمان: ٣١٩.
(٢) للحافظ الحكمي من معارج القبول.
[ ٣١٧ ]
وهذا الذي ذكره العلماء في بيان شروط كلمة التوحيد إنما هو حصيلة الجمع بين نصوص الكتاب والسنة، والذي يحتمه التسليم والرضا بكافة ما ورد فيهما دون تغليب لجانب على آخر، فلا إفراط ولا تفريط.
وإذا ثبت هذا الأصل، علم أساس الضلال فيما انبنى على مسائل الإيمان والكفر من أحكام الوعد والوعيد عند الفرق المختلفة، فعلاوة على ما سبق بيانه من الأسس التي انبنى عليها فهم كل منهم لهذه المسائل العظام التي ترتكز عليها أحكام الدنيا والآخرة، فإن ذلك الفهم القاصر لحقيقة ما جاء به الدين المنزل من عند الله تعالى؛ حمل كل فرقة منهم على تغليب جانب منه على الجانب الآخر، مما يدل على ضعف البصيرة التي امتدح الله تعالى عباده المتصفين بها.
فالخوارج غلبوا جانب الوعيد على الوعد، والمرجئة في المقابل غلبوا جانب الوعد على الوعيد؛ فضلت الفئتان عن سلوك الصراط المستقيم الموجب للإيمان بـ (كل من عند ربنا) وكان السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - هم من مثل منهج التوسط في هذا الباب كما أسلفت سابقًا.
فالارتباط بين الظاهر والباطن، حقيقة لا ينكرها إلا جاحد معاند، فإن من اطمأن قلبه بالإيمان والتسليم لا بد أن يظهر أثر ذلك على ظاهره يالامتثال للمأمور والترك للمحظور، والعكس بالعكس فإن من انطوى على خبث نية حتى مع إظهار ما يخالفها لا بد أن يتبين حقيقة ما أسره ولو من فلتات لسانه.
فمن غير المعقول أن يمتنع المكلف عن الامتثال مع توفر المقتضى من الإيمان والتصديق، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الإمام ابن القيم - ﵀ - حيث قال: "مبدأ كل علم نظرى، وعمل اختيارى هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضى وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطى العادة". (١)
_________________
(١) الفوائد: ١٧٣.
[ ٣١٨ ]
دل على هذا الأصل حديث المصطفى - ﷺ -: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). (١)
يقول الإمام ابن رجب (٢): "فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه:
فإن كان قلبه سليمًا ليس فيه إلا محبة الله تعالى، ومحبة ما يحبه .. صلحت حركات الجوارح كلها.
وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباع هواه .. فسدت حركات الجوارح كلها". (٣)
وهذا لازم لمن نطق بكلمة التوحيد على جهة الإخلاص والتسليم، فإن لهذه الكلمة العظيمة نورًا تتفاوت درجات قائليها بقدر قوته وضعفه.
فكلما عظم نورها أحرق ما صادفه من الشهوات والشبهات، وقد يضعف فلا يحول بين قائلها وبين الوقوع في المحرمات. (٤)
وأما في حال انتفائه، فهذا هو النفاق الذي كان عليه المنافقون، فإنه لشدة ضعف نورها في قلوبهم مع ذهاب موجبها من التصديق التام، ينطفئ فيحصل لهم التيه في ظلمات الكفر والضلال، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠].
وبعد هذا التفصيل في حقيقة الإيمان الموجب للفوز وتحقق الوعد بالنجاة، تتحتم المناقشة في قضية مهمة سبقت الإشارة إليها، وهي: تعريف التقوى بأنها الإقرار
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان - باب فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم: ٥٢.
(٢) هو الحافظ المحدث زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن البغدادي الدمشقي الحنبلي الشهير بابن رجب اشتغل بالحديث والسماع والوعظ له مؤلفات عميمة النفع منها: شرح جامع أبي عيسى الترمذي، وشرح الأربعين النووية توفي سنة: ٧٩٥. انظر شذرات الذهب: (٦/ ٣٣٧).
(٣) جامع العلوم والحكم: ٢١٠.
(٤) انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ٣٣٤.
[ ٣١٩ ]
بالتوحيد - كما فهمه الأشاعرة - وأن هذا كافٍ في نيل ما وعد به المتقون من الأمن التام، وتحقق السعادة في الدارين.
إن حقيقة ما ذهب إليه الصاوي في هذا الجانب غلو في باب الوعد لا يقره مستبصر بأقوال السلف وفهمهم لحقيقة التقوى التي استفاضت الأدلة بالأمر بالتمسك بها وتعليق النجاة على تحقيقها.
قال عبد الله بن مسعود الصحابى الجليل - ﵁ - في معنى التقوى: "أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر". (١)
وقال الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز: "تقوى الله: ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرًا، فهو خير إلى خير".
وقال الصحابى الجليل معاذ بن جبل - ﵁ -: المتقون هم قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله بالعبادة. (٢)
وقد أفاض الإمام ابن رجب في عرضه لأقوال السلف في تعريفها، وبيان المراد منها، وبناء على ما اشتملت عليه تلك الأقوال من نكت مهمة ومعانٍ عظيمة يمكن الخلوص إلى ما مفاده: أن التقوى منها الكاملة، ومنها الواجبة، ومنها ما هو أصل في الدين فلا يتأتى القبول إلا بتحققه.
فالكاملة هي التي تعنى بلوغ مرتبة الإحسان، فاجتناب المعاصى والمكروهات وفعل الواجبات والمستحبات هو السبيل إلى الاتصاف بها، وهذا كتفسير ابن مسعود وتفسير علي - ﵄ - لها وغيرهما من كبار الصحابة والتابعين وهذه هي التي يتحقق الفوز الكامل والنجاة في الدارين على الأتيان بها، وبها تنال ولاية الله تعالى التامة التي تستوجب تمام رضاه عن العبد فينتفى عنه الخوف والحزن في الدارين، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
_________________
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه: كتاب التفسير - باب تفسير سورة آل عمران، وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي: (٢/ ٢٩٤).
(٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب: (١/ ٤٠٠).
[ ٣٢٠ ]
قال الإمام الثوري - ﵀ -: إنما سموا متقين؛ لأنهم اتقوا ما لا يتقى.
وكلما قل الالتزام بالتقوى؛ قل ما أنيط بها من حصول الأمن وانتفاء الحزن.
أما التقوى الواجبة فهى التي أرادها الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز - ﵁ - وهى التي تحمل صاحبها على فعل المامور وترك المحظور، وكم من الآيات التي تأمر المؤمنين بالتمسك بها، ومن المعلوم أن الأمر مقتضاه الوجوب، كما هو معلوم في أصول الفقه على القول الراجح في المسألة؛ لذلك قال الإمام ابن رجب: "وقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات، كما قال أبو هريرة وسئل عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى" (١)
وأصل التقوى هو ما ذكره الصحابى الجليل معاذ بن جبل - ﵁ - من أنها: نبذ الشرك وإخلاص العبادة لله تعالى. فالمراد إذًا تحقيق توحيد الألوهية الذي يعني الإتيان بركنى القبول، فالمقصود: أن تكون من العبد عبادة، ولا يسمى العمل عبادة لله إلا إذا كان مما تعبدنا الله تعالى به على لسان نبيه، وأن يراد بها وجه الله تعالى.
وهذا ما فسر به قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "المراد من اتقى الله في ذلك العمل، كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] قال: أخلصه وأصوبه" (٢).
وعليه فإن ما ذهب إليه الصاوي في أن المتقى هو من أتى بالتقوى ولو مرة واحدة، مخالف للتقسيم السابق الذي دل عليه فهم علماء الامة لحقيقة التقوى المأمور بها، حتى صارت علمًا عند الكثير على ترك المعاصى والحذر منها؛ خوفًا من عقاب الله تعالى، وحذرًا من عذابه.
_________________
(١) المرجع السابق: (١/ ٤٠٢).
(٢) الفتاوى: (٧/ ٤٩٥).
[ ٣٢١ ]
فالتقى هو من أخذ بأسباب السلامة من موجبات الغضب والعقاب؛ فاستحق بذلك خالص الثناء الدال على عظيم الجزاء والثواب، أما قبول العمل الذي اشترط بالتقوى فهو الذي بينه شيخ الإسلام بأن يكون ذلك العمل قد اتقى الله تعالى فيه، كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث.
وهذا ما التبس على الصاوي حيث لم يفرق بين التسمية التي تضافرت الأدلة على أنها لا تكون إلا لمن اتصف بالامتثال للمأمور واجتناب المحظور، حتى صارت علمًا على ذلك، كما هو ظاهر من أقوال السلف، وبين أصل التقوى التي هي شرط في قبول العمل، وعليه فإن المفرط لا يستحق هذا الوصف على جهة التسمية، كما فرق بين وصف الإيمان المطلق الموجب للفوز والنجاة من العذاب، وبين مطلق الإيمان المانع من الخلود في النار.
ففرق بين التقوى المناطة بقبول آحاد العمل، وبين التقوى المطلقة المقتضية لنيل الدرجات العلى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].
ثالثًا: القطع بإنفاذ الوعيد مع تحقق المقتضى وانتفاء المانع:
فالصاوي يقطع بإنفاذ الوعيد لكل من استحقه بوقوعه في الكفر المناقض للإيمان بأنواعه المعتبرة عند الأشاعرة؛ كالإشراك في الربوبية، والتكذيب، والشك، والنفاق، ومناقشته في هذه القضية ترجع إلى بيان حقيقة الكفر المعتبر شرعًا، والذي عليه يترتب الوعيد بالخلود في النار، وقد تقدم ذلك.
أما عن موانع إنفاذ الوعيد التي أوردها في حق من آمن ووحد، فلا خلاف في أحقيتها مع تحقق الإيمان الشرعي الذي دلت عليه النصوص الشرعية التي قضت باعتباره لثبوت حكم الإيمان للمعين.
هذا وقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - إضافة إلى ما ذكر - أن من الموانع:
[ ٣٢٢ ]
- دعاء المؤمنين، قال رسول الله - ﷺ -: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه). (١)
- ويدخل فيه كل ما يصل إلى الميت من بر وصلة، كما دل عليه حديث المصطفى - ﷺ -: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية. وعلم ينتفع به. وولد صالح يدعو له). (٢)
- وكل ما يلقاه المسلم بعد موته من ضمة القبر أو عذابه وأهوال يوم القيامة، فهو من المكفرات إذ لا تخرج عن جملة البلايا المكفرة للذنوب. (٣)
وفي رده على الشبه النقلية للوعيدية، نجده قد وافق الحق الذي عليه سلف الأمة، ومع ذلك لا يخلو الأمر من بعض التوجيهات في هذه القضية الشائكة والتي قام بعرض أقوال السلف فيها دون ترجيح لراجح منها، بحيث لا يرد عليه اعتراض من صاحب هوى، وذلك أن القول الأول الذي أورده كجواب على المعترض باعتبار السبب دون عموم اللفظ وهو الاستحلال، لا يقوى في الرد على شبههم، لأنه من الثابت في أصول الفقه أن ترتب الحكم على الوصف المناسب يدل على كونه علة له، وهو ما يسمى بدوران الحكم مع العلة وجودًا وعدمًا (٤)، كما أن منشأ استحقاق الوعيد هو قتل العمد لا الكفر لأنه ليس بعد الكفر ذنب، فدل على أن ارتكاب جريمة القتل في حق المؤمن هو المراد بالوعيد الوارد في الآية.
أما الجواب الثاني وهو: هذا جزاؤه إن جازاه، فقد أجاد في بيان عدم كفايته، ولكن الأقوى أن يقال: إن هذا القول يفضي إلى اعتقاد أن كلامه سبحانه منه ما هو محض خبر، لأنه إما أن يتحقق وقوعه أو لا يتحقق.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عباس - ﵄ - في: كتاب الجنائز - باب: من صلى عليه أربعون شفعوا فيه: (٧/ ١٨).
(٢) رواه الترمذي في: كتاب الأحكام - باب في الوقف، رقم الحديث: ١٣٧٦، وقال: حديث حسن صحيح: (٣/ ٦٦٠).
(٣) انظر: الفتاوى: (٧/ ٤٨٧، ٥٠١).
(٤) انظر: روضة الناظر وجنة المناظر، لابن قدامة المقدسي: (١/ ٢٤٥).
[ ٣٢٣ ]
فالفرض الأول: وهو إمكان وقوعه لبعض أهل الكبائر يقضي بخلودهم في النار، وهذا مخالف لصريح النصوص الشرعية الحاكمة بعدم خلودهم فيها.
أما الفرض الثاني: وهو القطع بعدم تحققه، فإنه يفضي إلى ما سبق بيانه من اعتقاد أن كلامه سبحانه منه ما هو محض أخبار لا يلزم من الإخبار بها أن تتحقق، وهذا باطل. وقد يفتح بابًا للتأويل الغير معتبر شرعًا، المبني على غير أساس من الصحة.
وكان جوابه الثالث الذي أورده وهو تأويل الخلود في حق مرتكبي الكبائر بطول المكث موافقًا للكثير من أهل السنة وقد احتجوا باستعماله في اللغة، وذلك أن استعمال الخلود لطول المكث مما عهد في لغة العرب، قال الشاعر:
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا صمًا خوالد ما يبين كلامها (١)
يقول الإمام ابن كثير - ﵀ -: "وبتقدير دخول القاتل في النار إما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحًا ينجو به فليس بمخلد بها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل" (٢)
وقد اعترض عليه بأنه يفتح باب التأويل لجميع النصوص التي ورد فيها الخلود بأنه المكث الطويل بما في ذلك الخلود في الجنة للمؤمنين والخلود في النار للكافرين. (٣)
يقول الحافظ ابن حجر: "وقيل: المراد بالخلود طول المدة لا حقيقة الدوام كأنه يقول: يخلد مدة معينة، وهذا أبعدها". (٤)
والقول الفصل في الجمع بين نصوص الوعد التي قضت بخلود المؤمنين إما على سبيل النجاة الكاملة أو مع وقوع العذاب واندفاعه بعد ذلك لتحقق موجب الوعد
_________________
(١) ديوان لبيد بن ربيعة ضمن شرح المعلقات العشر، أحمد الأمين الشنقيطي: ٧٥.
(٢) تفسير القرآن العظيم: (١/ ٧٠٢).
(٣) انظر: الوعد الأخروي، د/ عيسى السعدي: (٢/ ٥٦٨).
(٤) الفتح: (٣/ ٢٢٨).
[ ٣٢٤ ]
من الإيمان، وبين نصوص الوعيد التي دلت على استحقاق مرتكبي الكبائر للخلود في النار هو ما ذكره الإمام ابن القيم - ﵀ - حيث بين أن هذه النصوص كل الذي دلت عليه هو "المقتضى للعقوبة" بمعنى السبب الموجب لترتب الحكم عليه.
وهذا المقتضى في الحقيقة الشرعية لا يلزم من وجوده وجود ما يقتضيه من أحكام العقوبة على الإطلاق، لأنه سبب، والسبب حتى يعمل لا بد من وجود مقتضيه أن تنتفى موانع إنفاذه، وقد ثبت أن لإنفاذ الوعيد موانع تحول دون وقوعه على من أتى بها، وعلى رأس تلك الموانع: التوحيد، الذي دلت النصوص القاطعة على اعتباره مانعًا من وقوع الوعيد إما قطعًا، أو على جهة التأبيد، فقد ثبت عن المصطفى - ﷺ - أنه قال: (أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة: قلت: وإن سرق وإن زنا؟ قال: وإن سرق وإن زنا). (١)
والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، والشفاعة وغير ذلك مما تقدم، كلها تؤكد هذه الحقيقة.
"ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات؛ اعتبارًا بمقتضى العقاب ومانعه، وإعمالًا لأرجحها". (٢)
وهذا هو مقتضى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ حيث "جعل ما دون ذلك الشرك معلقًا بمشيئته" (٣) وقد أحسن الصاوي في استدلاله بهذه الآية لبيان بطلان مذهب الوعيدية في هذا الباب.
وتبقى مناقشته في حقيقة هذا الشرك الذي توعد الله تعالى من وقع فيه بعدم المغفرة الموجبة للقطع بالخلود في النار.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد - باب كلام الرب مع جبريل، رقم الحديث: ٧٤٨٧.
(٢) مدارج السالكين: (١/ ٤٠٠).
(٣) فتاوى شيخ الإسلام: (٧/ ٤٨٤). ولمزيد من التوسع في هذا الباب يوصي بالرجوع إلى كتاب الوعد الأخروي، للشيخ الدكتور/ عيسى السعدي.
[ ٣٢٥ ]
رابعًا: موقفه من دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -:
ومن هنا نصل إلى أساس الخطأ الذي حمل الصاوي وأمثاله على مناوأة الدعوة السلفية بقيادة الإمام محمد بن عبد الوهاب، فقد كانت القضايا المتعلقة بإخلاص التوحيد لله تعالى علمًا وعملًا، مع إقامة شرائع الدين، كما دلت عليها نصوص الوحي، هي الدعائم التي تمثل الركيزة الأولى التي قامت على أساسها هذه الدعوة المباركة.
ومع عدم وضوح الحق للبعض، التبس على الكثير الأمر، فظنوا أنها ذنب من أذناب الخوارج المكفرين بغير سلطان أتاهم. وشتان بين من كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه، وبين من كان في حمأة الضلال يرجع الرد والأخذ إلى هواه، فلا هو مستنير بهدى الكتاب، ولا سنة المصطفى - ﷺ -، وقد كان فيهما الهدى والكتاب المنير لمن أراد الحق والرشاد.
والنزاع الحاصل في الحقيقة يرجع إلى القضايا التالية:
- ارتكاب ما ينافي حقيقة الإيمان من النواقض المكفرة.
- مسألة تكفير المعين.
ولي وقفة مع كل واحدة منها أبين فيها كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب حتى يظهر لطالب الحق البون الشاسع بين مذهب الخوارج، وحقيقة ما دعا إليه الإمام - عليه رحمة الله تعالى -.
وقد سبق لي بيان حقيقة الإيمان الشرعي، وما يناقضه من أنواع الكفر المخرج من الملة. وهنا فقط التزم بعرض أقوال للإمام التي صرح فيها ببيان أهمية الحفاظ على سلامة العقيدة من النواقض السالفة الذكر، والتأكيد على مكانة التوحيد وأنه الركن الذي عليه المعول في قبول العمل، وكيف أنه حرص أشد الحرص - ﵀ - على أن يعيد لكلمة التوحيد حقيقتها المستمدة من الوحى.
فقد دلت نصوص الوحي على أن كلمة التوحيد تمثل التزامًا تكليفيًا فعليًا من
[ ٣٢٦ ]
القائل يتوجب عليه بمجرد التلفظ بها القيام بحقوقها وحمايتها من فعل ما يناقض حقيقة الإقرار والتسليم لمقتضاها.
فمع انتشار الجهل، وعموم البلوى بظهور ضعاف العلم؛ وقع الكثير في اعتقاد أن التلفظ بها كافٍ في الحماية من الكفر بأنواعه. هنا أتت كلماته الصادقة - ﵀ - تلفت الانتباه وتوقظ الغافلين من سبات الجهل والضلال إلى "أن مراد النبي - ﷺ - بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه". (١)
وحرصًا منه - ﵀ - على جلاء هذه الحقيقة التي شوهت معالمها عند الكثير، عمل جاهدا على إبراز معالم الدين المنزل من عند الله تعالى على الرسول - ﷺ -، وحقيقة ما كان يدعو إليه من الدعوة إلى توحيد الألوهية ومحاربة ألوان الشرك التي أفرزها البعد عن هدى الرسل والأنبياء - صلى الله عليهم وسلم -، وقد استدعى هذا أن يبين حقيقة الشرك الذي وقع فيه كفار قريش وكيف أنه لم يكن الداعي إليه اعتقاد مصرف غيره في الكون وإنما أتي القوم من قبل أنفسهم باعتقاد أن ثمة ما يقربهم إليه سبحانه بأنواع الوسائط والشفاعات الشركية، التي تقدح في حقيقة ما دعا إليه الرسل بقولهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، كما بين ذلك القرآن الكريم، ودل عليه صراحة.
كل هذا كان محل أولى اهتمامات الشيخ - ﵀ - في دعوته الناس في سائر الأقطار، فقد أهاله أن تقال هذه الكلمة، ثم لا يكون ذلك رادعًا من الوقوع فيما يناقضها رأسًا، بأن تنتهك حرمات هذا الدين من قبل الدجالين تحت شعارات زائفة باسم الولاية والكرامة إلى غير ذلك. (٢)
فأتت دعوته المباركة واضحة المقصد نبيلة الغاية، ترنو إلى إعادة التصور السليم لحقيقة التوحيد، كما أنزل به القرآن غضًا طريًا على محمد - ﷺ -.
_________________
(١) مجموعة التوحيد: ١٠٢.
(٢) وسيأتي الحديث عنها بمشيئة الله تعالى في باب التصوف مع بيان حقيقتها الشرعية وما داخلها من أكاذيب وافتراءات: ٧٧٨.
[ ٣٢٧ ]
يقول: "اعلم - رحمك الله -: أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده.
فأولهم نوح - ﵇ - أرسله الله إلى قومه لما غلو في الصالحين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر.
وآخر الرسل محمد - ﷺ -، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله الله إلى أناس يتعبدون، ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين، بعث الله إليهم محمدًا - ﷺ - يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم - ﵇ - ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله، لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب ولا نبى مرسل، فضلًا عن غيرهما" (١)
وبناء على هذا العرض المجمل لأهم ما دعا إليه الإمام - ﵀ -، يتبين ضلال من قام باتهام الشيخ بأنه مكفر للمسلمين مضلل لهم بغير سلطان ولا بينة، ومع هذا فقد كان الشيخ - ﵀ - رجل علم وصاحب حق على ورع وتقوى متبع لمنهج السلف الكرام في هذه المسائل العظام قد فرق بين كفر المعاند الضال، وبين الجاهل من عامة المسلمين.
وبهذا يكون الإمام قد فارق الخوارج من كل جانب، أولها: أنه لم يكفر أحدًا لارتكاب الكبيرة، كما فعل الخوارج من قبل، بل الكافر شرعًا - عنده - هو من أتى بناقض من نواقض الإيمان القولية أو الفعلية أو الاعتقادية، كما اتضح سابقًا عند عرض منهج السلف الكرام في هذه القضية.
يقول - ﵀ -: "ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه عن دائرة الإسلام" (٢)
_________________
(١) مجموعة التوحيد: ٩٩.
(٢) مجموعة مؤلفات الشيخ: (٥/ ١١).
[ ٣٢٨ ]
ويوضح الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب حقيقة هذه الدعوة المباركة وبعدها كل البعد عن معتقد الخوارج، يقول: "فإنا نعتقد أن من فعل أنواعًا من الكبائر كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك، إنه لا يخرج بفعله من دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام إذا مات موحدًا بجميع أنواع العبادة". (١)
أما الجانب الثاني: فهو أنه - ﵀ - لم يكفر أحدًا من المسلمين قد ارتكب ناقضًا من نواقض التوحيد المعهودة شرعًا إلا عند تحقق الشروط وانتفاء الموانع.
ومن هنا أتى تفنيد الشيخ - رحمه الله تعالى - لكل الأباطيل التي افتريت عليه من قبل من لم يفهم حقيقة ما دعا إليه، يقول: "وأما القول بإنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم".
ويبين الشيخ منهجه في الحكم بالكفر على المعين، يقول: "إنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسنه للناس أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها، وسعى في إزالتها". (٢)
وبهذا يبطل كل ما افترى عليه بغير ذلك، يقول: "وأما ما ذكر الأعداء عنى أنى أكفر بالظن والموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله". (٣)
ويبقى بعد هذا العرض المجمل للقضية أن أسأل الله تعالى الهداية لكل من التبس عليه الأمر في حقيقة هذه الدعوة المباركة، إنه ولى ذلك والقادر عليه.
_________________
(١) الهدية السنية: ٤٠.
(٢) المرجع السابق: (٥/ ٦٠).
(٣) المرجع السابق (٥/ ٢٥). ولمزيد من التوسع في هذا الباب يوصى بالرجوع إلى: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عبد العزيز على العبد اللطيف. وضوابط التفكير عند أهل السنة والجماعة، لفضيلة شيخنا الدكتور/ عبد الله القرني.
[ ٣٢٩ ]
الفصل الخامس: (آراؤه في الإيمان بالملائكة)
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الإيمان بالملائكة الأطهار.
المبحث الثاني: عالم الجن، والشياطين.
[ ٣٣٠ ]
(المبحث الأول): الإيمان بالملائكة الأطهار
تعريف الملائكة -:
الملائكة جمع ملاك، وملك، ولفظه بدون همز أشهر في لغة العرب، وقد يهمز فيقال: ملاك، فعلى هذا يكون أصل الاشتقاق من الألوكة، وهي الرسالة، فيكون سبب التسمية ما أنيط بهم من مهام الإرسال وقد سماهم المولى بذلك فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧].
وقيل: أصله من الملك وهو الأخذ بقوة، وقيل: مخفف من مالك، لتوليهم ما أمرهم الله به من شؤون الناس، كما يسمى من تولى أمر الناس ملكًا.
والقول الأول أقرب وأصح من جهة المعنى، واللغة.
والتاء في ملائكة تأكيدًا لتأنيث الجمع، ومثله الصلادمة؛ الخيل الشداد. (١)
وقيل: هي للمبالغة، كعلامة ونسابة، والأول أصح. (٢)
- ويعرف الملك في الاصطلاح؛ "بأنه جسم لطيف نوراني يتشكل بأشكال مختلفة" (٣)
- وحقيقة الملائكة، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية: خلق من خلق الله ﵎، عقلاء، نورانيون، أحياء، ناطقون، أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، منزهون عن الشهوات الحسية، لا تدركهم الحواس المجردة، إلا لمن أراد الله له رؤيتهم كالأنبياء مثلًا.
_________________
(١) انظر: اللسان: (٧/ ٤٢٦٩)، والقاموس: (٣/ ٣٢٠).
(٢) انظر: فتح الباري: (٦/ ٣٠٦).
(٣) التعريفات للجرجاني: ٢٨٤، والتعارف للمناوى: ٦٧٥.
[ ٣٣١ ]
قال المصطفى - ﷺ - في بيان أصل خلقهم: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم). (١)
وقال تعالى في بيان ما جبلوا عليه من صفات حميدة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩].
والإيمان بالملائكة الأطهار من الحقائق الغيبية، التي نوه القرآن بشأن من حقق التصديق بها، وقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
ولم يكتف الشارع الحكيم بأن أوجب الإيمان بها، بل جعل هذا الإيمان مقتضيًا لمحبتها وموالاتها، والاقتداء بها، والمهابة منها.
أما عن محبتها وموالاتها، فقد جعل معاداة ملك من الملائكة سبيلًا لمعاداته تعالى قال تعالى في شأن اليهود: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧].
ثم أتبع ذلك ببيان أن من عادى ملائكة الله تعالى، فقد استحق الوصم بالكفر الموجب لغضب الله ولعنته: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨].
أما عن الاقتداء بها، فقد نوه المولى تعالى بعظيم عبادتها لله وحسن إخباتها لربها وإدامتها لأنواع العبادة والذكر بما يجعلها أسوة للعابدين الذاكرين، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد والرقائق - باب في أحاديث متفرقة: (١٨/ ١٢٣).
[ ٣٣٢ ]
تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥، ٢٠٦].
أما عن مهابتها، فقد بين المولى تعالى ما جبل عليه ملائكته الموكلين بالعذاب من عظم الهيئة والغلظة وتمام الطاعة لأمر ربهم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
- هذا والحديث عن ثمار الإيمان بهم، وما يستلزمه حقيقة التصديق بما ورد في حقهم حديث عظيم، فإن العبد إذا استشعر معية الملائكة له في حال عبادته لربه، كالذكر والدعاء والصلاة والعلم والجهاد، فإنه لا يخفى ما يضفيه ذلك الشعور النابع من حقيقة التسليم على ممارسته لتلك العبادات من جد واجتهاد، وزيادة في الإخلاص، وكلما كان إيمانه بهذه الحقائق الغيبية أقوى، كلما ازداد أثرها، وآتت ثمرها بإذن ربها.
ثم إن في استشعار معيتها، وما تقوم به من أنواع التكاليف المتعلقة بإثابة العبد المؤمن، كالحفظ والاستغفار وحضور مجال الذكر وإنزال السكينة، ما يعينه على الثبات في الطاعة، ويملأ عليه أجواء تلك العبادة بالأنس والطمأنينة، يقول الشيخ محمد قطب: "ويزيد أنس الإنسان بالملائكة حين يعلم أنهم قريبون منه وأن بعضهم يسير معه حيث سار، وبعضهم يتنزلون عليه بالسكينة والطمأنينة؛ كلما أقبل على الله وتوجه إليه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠، ٣١] " (١).
إلى جانب ما يضفيه التصديق بهيئتها، وما جبلت عليه من عظيم القدرة على
_________________
(١) ركائز الإيمان: ١٨١.
[ ٣٣٣ ]
القيام بعظيم المهام، من استشعار قدرة الله تعالى المعجزة، فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال في وصف أحدهم: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) (١).
رأي الشيخ الصاوي:
أولًا: عالم الملائكة:
يعرف الصاوي الملائكة من جهة اللغة، فيقول: التاء في ملائكة لتأنيث الجمع، وإذا حذفت امتنع صرفه لصيغة منتهى الجموع، جمع ملك وأصله ملأك، ووزنه فعأل فالهمزة زائدة، ومادته تدل على الملك، والقوة، والسلطنة، وقيل: وزنه مفعل فالميم زائدة، وقيل: هو مقلوب وأصله مألك من الألوكة، وهي الرسالة، قلب قلبًا مكانيًا فصار ملاك، وفى وزنه القولان المتقدمان، وعلى كل فيقال: سقطت الهمزة فصار ملك" (٢).
- أما من جهة الشرع، فيقول في تعريفهم: "الملائكة أجسام نورانية قادرة على التشكلات بالصور الغير الحسية، ولا تحكم عليهم الصورة" (٣).
يوضح الصاوي كيفية الإيمان بالملائكة، فيقول: "يجب الإيمان إجمالًا بجميع الملائكة، وتفصيلًا بمن اشتهر منهم، وهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ورضوان، ومالك.
وأما منكر، ونكير، فلا يكفر منكرهما؛ لأنه اختلف في أصل سؤال القبر" (٤)
وهذه الشهرة لا تعنى عنده أنهم بمنزلة واحدة، بل الصحيح أن "رؤساءهم أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل".
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السنة - باب في الجهمية، رقم الحديث: ٤٦٩٤: (٥/ ٢٣٨). وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم: ٣٩٥٣: (٣/ ٨٩٥)، وفي السلسلة الصحيحة ١٥١.
(٢) حاشية الجلالين: (٤/ ٣٢١)، وشرح المنظومة: ١٤٢.
(٣) حاشية الجوهرة ٤٦، وانظر: شرح المنظومة.
(٤) حاشية الجوهرة: ٤٦.
[ ٣٣٤ ]
ثم يفصل القول في بيان مهام هؤلاء الرؤساء من الملائكة: "فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل موكل بالأرزاق، وإسرافيل موكل بالصور، وعزرائيل موكل بالأرواح" (١).
وهذا الإيمان لا يكون إلا وفق ما أتت به الأخبار الصادقة عن صفاتهم، مقرونًا بالاحترام والإكرام، يقول: "يجب الإيمان بالملائكة، أي بأنهم عباد مكرمون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة".
وتأكيدًا لهذا المعنى، وإبعادًا لكل ما يناقضه فإنه يحكم على "من نقص واحد منهم بالكفر، ومن التنقيص قول بعض العامة في حق أعوان الظلمة: إنهم كزبانية جهنم، وقولهم في حق رجل عبوس: إنه كعزرائيل". (٢)
ولما كانت الملائكة، كما أتت بذلك الآيات والأحاديث، على هيئة مغايرة للمعهود من المخلوقات، فإنه ينبه إلى بعض ما يمتازون به عن البشر؛ استنباطًا من تلك الآيات والأحاديث الصحيحة، يقول: "ومن خصائصهم أن لهم قدرة على الأفعال العظيمة، كقلع الجبل مثلًا، ولا يموتون إلا بين النفختين، يسكنون العالم العلوي، وينزلون الأرض لتدبير العالم على حسب مناصبهم، وهم أكثر المخلوقات عددًا، فعوالم البر والبحر بالنسبة لهم، كشعرة بيضاء في ثور أسود، وما يعلم جنود ربك إلا هو" (٣)
ولكل ما تقدم فلم يكن من مقدور البشر رؤيتهم على صورتهم الحقيقية، فإنه "لم يرى الملك على صورته الأصلية أحد من البشر إلا رسول الله ﷺ مرتين مرة في الأرض عند غار حراء، ومرة في السماء عند سدرة المنتهى ليلة الإسراء" (٤).
_________________
(١) شرح المنظومة: ١٤٢، حاشية الجلالين: (٣/ ٢٤٥).
(٢) حاشية الجوهرة: ٤٦.
(٣) حاشية الصلوات: ٤١. وانظر: حاشية الجلالين: (٢/ ٣١٤).
(٤) حاشية الجلالين: (٢/ ٥).
[ ٣٣٥ ]
ويتعرض الصاوي لوصف بعض طوائف الملائكة، وذلك عند تفسيره للآيات الواردة فيها، يقول في صفة حملة العرش: "اعلم أن حملة العرش أعلى طبقات الملائكة، وأولهم وجودًا وهم في الدنيا أربعة، وفي يوم القيامة ثمانية".
ويسترسل في وصفهم على ما يراه ثابتًا فيهم، يقول: "ورد أن لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، وكل وجه من الأربعة يسأل الله الرزق لذلك الجنس، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، جناحان على وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيتصدع، وجناحان يصفق بهما في الهواء، يروى أن أقدامهم في تخوم الأرض السفلي، والأرضون والسموات إلى حجزهم، ورءوسهم خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون أطرافهم، وهم أشد خوفًا من أهل السابعة، وأهلها أشد خوفًا من أهل السادسة وهكذا". (١)
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ [الرعد: ١١]، يقول: هي "ملائكة تحصي الأعمال لما ورد: إن كل إنسان له ملكان ملك عن يمينه وملك عن شماله، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين حالًا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: اصبر لعله يتوب منها، فإن لم يتب منها كتبها صاحب الشمال.
وقيل المراد بالحفظة: الملائكة الموكلون بحفظ ذوات العبيد من الحوادث والآفات، وهم عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وقيل المراد ما هو أعم، وهو الأتم".
ويبين بعد ذلك جواب ما قد يرد من استفسار حول الحكمة من تواجد مثل هذه الأنواع من الملائكة، يقول: فـ "إن قلت إن الله هو الحافظ فلم وكلت الملائكة بحفظ الشخص، أجيب بأن ذلك تكرمة لبني آدم وإظهار لفضلهم، والحكمة في كون الملائكة تكتب على الشخص ما صدر منه؛ أنه إذا علم ذلك ربما كان ذلك داعيًا للخوف والإنزجار عن فعل القبائح والمعاصى" (٢).
_________________
(١) المرجع السابق: (٤/ ٣).
(٢) المرجع السابق: (٢/ ١٩).
[ ٣٣٦ ]
ويفصل القول في بعض المهام التي أنيطت بالملائكة، كقتالها مثلًا، يقول: "اعلم أن قتال الملائكة من خصائص هذه الأمة، وليس مخصوصًا بواقعة بدر، بل ورد أن جبريل وميكائيل قاتلا مع النبي في أحد، حين فرت أصحابه" (١).
ومع هذا الإقرار منه بعدم تخصيص قتال الملائكة في بدر، فإنه يذهب إلى ما يناقضه في موضع آخر، يقول: "ورد أن جبريل نزل بخمسمائة وقاتل بها في يمين العسكر، ونزل ميكائيل بخمسمائة وقاتل بها في يسار الجيش، ولم يثبت أن الملائكة قاتلت في وقعة إلا في بدر، وأما في غيرها فكانت تنزل لتكثير عدد المسلمين ولا تقاتل". (٢)
* * *
تعليق:
يستند تعريف الملائكة بأنهم أجسام نورانية إلى ما ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم). (٣)
وهذا النور الذي خلق منه الملائكة من مخلوقات الله تعالى، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: (أخذ رسول الله - ﷺ - بيدى فقال: خلق الله - ﷿ - التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الاربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم، - ﵇ -، بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل) (٤).
_________________
(١) المرجع السابق: (١/ ١٦٧).
(٢) المرجع السابق: (٢/ ١١٠).
(٣) تقدم تخريجه: ٣٣٢.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب: ابتداء الخلق: (١٧/ ١٣٣).
[ ٣٣٧ ]
- أما عن مكانة الإيمان بها، فقد تقدم فرضيتها، وتكفير من أنكر واحد منها، إلا أن ما ذهب إليه الصاوي من استثناء إنكار منكر ونكير من موجبات الكفر، وتعليله ذلك بالاختلاف الواقع في أصل سؤال القبر مما لا سند له، بل الحق أنه: "قد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به" (١).
وليس في وجود من اعتقد خلاف ذلك ما يمنع من سحب مسمى الكفر عليه على جهة الإجمال؛ لأن إنكار أو رد أي أمر من الأمور التي تواتر الإخبار بها مما يلحق الكفر بصاحبه، ومع ذلك فقد وضع العلماء شروطًا مفصلة لتكفير المعين، وقد سبق الكلام في هذه المسألة. (٢)
ولعله قصد بالخلاف في هذه المسألة ما كان من بعض طوائف المعتزلة والخوارج، الذين حكى مذهبهم في ذلك ابن حزم - ﵀ -، قائلًا: "ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج، وذهب أهل السنة وسائر المعتزلة إلى القول به" (٣).
وعلى أي حال فإن مثل هذا الخلاف من هؤلاء الطوائف لا يعتد به لمعارضته ما تواتر خبره عن رسول الله - ﷺ -.
أما ذكره من أعمال كبار الملائكة فصحيح مشهور، وقبل بيان مستنده في ذلك يحسن الإشارة إلى الأصول التي يقوم عليها الإيمان بما اتصفت به الملائكة من أعمال:
أما الأصل الأول: فهو الإيمان المجمل بأنه تعالى قد كلفهم بمهام عظيمة وكثيرة، وأنهم قد قاموا بها على أتم ما يكون به الامتثال، قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا
_________________
(١) شرح الطحاوية: ٣٩٩.
(٢) راجع مبحث الأسماء والأحكام في فصل: آراؤه في الإيمان: ٣٠٠.
(٣) الفصل: (٤/ ٦٦).
[ ٣٣٨ ]
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] كقوله: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾.
أما الثاني: فالإيمان بما ورد على جهة التفصيل من أعمالهم، كالعبادة والتسبيح وتبليغ الوحى، وكتابة الأعمال، وحفظ الناس، وقبض الأرواح، وإنزال القطر، وخزانة الجنة والنار، إلى غير ذلك من الأعمال التي نص الكتاب والسنة بقيامهم بها، وأعظمها على الإطلاق ما يتعلق بتسبيح الله تعالى وتنزيهه، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠].
وقال: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].
يليها ما يتعلق بإرسال الرسل من تبليغ الوحى، فمن المعلوم أن جبريل - ﵇ -، أعظم الملائكة مكانة عند الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
أما ما يلى ذلك من الأعمال، فقد نص الشارع على الكثير منها، ومن ذلك كتابة الأعمال، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١].
ومنها قبض الأرواح، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١].
ومنها النفخ في الصور: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].
[ ٣٣٩ ]
ومنها تعذيب الكفار، والترحيب بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ [المدثر: ٣١].
وفي ترحيبهم بالمؤمنين: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
ومنها قتال الكافرين: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦].
ومنها أعمال لم يرد تفصيل قيامهم بها في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾
والأدلة في هذا الباب كثيرة عظيمة:
- وينطبق ذلك التفصيل في الإيمان بأسمائهم وأعيانهم، فنحن نؤمن بمن ورد تسميتهم أو صفتهم في الكتاب والسنة، كجبريل وميكال ومالك على جهة التفصيل، ونؤمن بكل الملائكة سواء عرفنا أعيانهم بالأسماء أم لا، وذلك على جهة الإجمال، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
* * *
أما من أورد الصاوي أعمالهم على جهة التفصيل مقرونًا بأسمائهم، فيفصل
[ ٣٤٠ ]
القول فيه، فجبريل - ﵇ - وكل بالوحى، وهذا مما تثبته نصوص الكتاب والسنة، وقد ورد ذكره صريحًا في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذا مستفيض معلوم بأدلة الكتاب والسنة.
وكذلك ميكائيل - ﵇ - فهو من وكل بالقطر كما ذكر، حيث وردت الأحاديث ببيان ذلك، فقد روى ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - سأل جبريل: (على أي شيء ميكائيل؟)، فقال: على النبات والقطر" (١)
أما إسرافيل - ﵇ -، فقد ثبتت تسميته بهذا الاسم في الأحاديث الصحيحة، فقد كان من دعاء النبي - ﷺ - إذا قام من الليل: (اللهم! رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم). (٢)
ولكن إضافة النفخ إليه مما لم يثبت فيه دليل معتمد إذ لا تخلو أسانيدها من مقال، منها ما ذكره الطبري في التفسير دون ذكر السند، حيث قال "والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ). (٣)
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير، عن عبد الله بن عباس - ﵄ -، رقم الحديث: ١٢٠٦١: (١١/ ٣٧٩). وأخرج بنحوه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس، برقم: ٢٤٨٣، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح: (٣/ ١٢٨).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب: باب الدعاء في صلاة الليل، رقم الحديث: ١٨٠٨: (٢٩٨: ٦).
(٣) (٧/ ٢٤١)، ومنها ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وحكم بضعفه، فقال: "روينا في حديث آخر بإسناد ضعيف عن ابن عباس في صفة القيامة فذكر في صفة الصور وعظمه وعظم إسرافيل ثم قال: فإذا بلغ الوقت الذي يريد الله أمر إسرافيل فينفخ في الصور النفخة الأولى، فتهبط النفخة من الصور إلى السموات فيصعق سكان الموات بحذافيرها وسكان البحر بحذافيرها ثم تهبط النفخة إلى الأرض، فيصعق سكان الأرض بحذافيرها، وجميع عالم الله وبريته فيهن من الجن والإنس والهوام والأنعام. قال وفي الصور من =
[ ٣٤١ ]
فقد ضعف الإمام ابن حجر - ﵀ - جميع الروايات التي ورد فيها نسبة النفخ إليه (١).
وإن كان القول به مما اشتهر عند أهل العلم حتى ذكر القرطبي - ﵀ - إجماع الأمة عليه (٢)، وكذلك نقل عن الحليمى كما ذكر الحافظ في الفتح. (٣)
_________________
(١) = الكوي بعدد من يذوق الموت من جميع الخلائق فإذا صعقوا جميعًا، كتاب: الثامن من شعب الإيمان - باب في حشر الناس بعد ما يبعثون من قبورهم إلى الموقف الذي بين لهم من الأرض، رقم الحديث: ٣٥٣: (١/ ٣١٢). ومنها ما أخرجه الطبراني الأوسط عن عائشة، وعندها كعب الحبر فذكر إسرافيل، فقالت عائشة: يا كعب أخبرني عن إسرافيل، فقال كعب: عندكم العلم؟ فقالت: أجل فأخبرني قال: له أربعة أجنحة، جناحان في الهواء، وجناح قد تسربل به، وجناح على كاهله، والعرش على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي كتب القلم، ثم درست الملائكة وملك الصور، جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى فالتقم الصور محني ظهره، شاخص بصره، قد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحه أن ينفخ في الصور، فقالت عائشة: هكذا سمعت رسول الله - ﷺ - يقول "رقم الحديث: ٩٢٨٣: (٩/ ٢١٠) وقد حسنه الهيثمي، فقال: "رواه الطبراني بإسناد حسن: الترغيب والترهيب: (٤/ ٣٨١)، ولكن العيني في العمدة قدح في صحته لضعف أحد الرواة ويدعى: زيد بن جدعان: (٢٣/ ٩٩). ومنها ما أورده السيوطي في تفسيره، عن أبي سعيد - ﵁ - أنه قال، قال رسول الله - ﷺ -: (إسرافيل صاحب الصور، وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره" في الدر المنثور وعزاه لسعيد وأحمد وابن أبي داود في المصاحف: (١/ ٩٤)، وانظر: الحبائك في أخبار الملائك: ٣٣.
(٢) يقول: "اشتهرت أن صاحب الصور إسرافيل - ﵇ -. ونقل فيه الحليمي الإجماع، ووقع التصريح به في حديث وهب بن منبه المذكور وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه وكذا في حديث الصور الطويل الذي أخرجه عبد بن حميد والطبري وأبو يعلى في الكبير والطبراني في الطوالات وعلى بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية والبيهقي في البعث من حديث أبي هريرة، ومداره على إسماعيل بن رافع، واضطرب في سنده مع ضعفه فرواه عن محمد بن كعب القرظي تارة بلا واسطة وتارة بواسطة رجل من الأنصار مبهم أيضًا، وأخرجه إسماعيل بن أبي زياد الشامي أحد الضعفاء أيضًا في تفسيره عن محمد بن عجلان عن محمد بن كعب القرظي، واعترض مغلطاوي على عبد الحق في تضعيفه الحديث بإسماعيل بن رافع وخفى عليه أن الشامي أضعف منه ولعله سرقه منه فألصقه بابن عجلان، وقد قال الدارقطني: إنه متروك يضع الحديث، وقال الخليلي: شيخ ضعيف شخن تفسيره بما لا يتابع عليه. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في حديث الصور: جمعه إسماعيل بن رافع من عدة آثار وأصله عنده أبي هريرة، فساقه كل مساقًا واحدًا. وقد صحح الحديث من طريق إسماعيل بن رافع القاضي أبو بكر بن العربي في سراجه وتبعه القرطبي في التذكرة، وقول عبد الحق في تضعيفه أولى وضعفه قبله البيهقي فوقع في هذا الحديث عند على بن معبد "إن الله خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش" الحديث، وقد ذكرت ما جاء عن وهب بن منبه في ذلك فلعله أصله": (١١/ ٣٦٨).
(٣) الجامع لأحكام القرآن: (٧/ ٢٠).
(٤) الفتح: (١١/ ٣٦٨).
[ ٣٤٢ ]
أما عن ملك الموت فقد كانت تسميته بعزرائيل، مما لم يرد فيه أي دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، ولكنه مما اشتهر بين العلماء، يقول الحافظ ابن كثير - ﵀ - عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] "وقد سمى في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور". (١)
ولكن لم يثبت من هذه الآثار حديثًا مرفوعًا، فكل ما ورد في ذلك من الموقوف وهذا ما ذكره السيوطي في عدد من مؤلفاته، فقال: وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ في العظمة عن أشعث بن أسلم (٢). قال: سأل إبراهيم - ﵇ - ملك الموت واسمه عزرائيل وله عينان في وجهه وعين في قفاه، فقال: (يا ملك الموت ما تصنع إذا كانت نفس بالمشرق ونفس بالمغرب، ووضع الوباء بأرض والتقى الزحفان، كيف تصنع؟ قال: أدعو الأرواح بإذن فتكون بين أصبعي هاتين) ". (٣)
وقد نص - ﵀ - في شرحه على النسائي بعدم وجود ما يحكم برفعه للنبي - ﷺ -، فقال: "لم يرد تسميته في حديث مرفوع، وورد عن وهب بن منبه (٤) أن اسمه عزرائيل، رواه أبو الشيخ في العظمة" ووافقه السندي في حاشيته على النسائي، فنقل كلامه بنصه. (٥).
وقد علم أن وهب بن منبه أحد خيار التابعين إلا أنه كان يكثر من رواية أخبار أهل الكتاب حتى عد أحد أكبر أسباب انتشارها في كتب التفسير، لذا صح التوقف فيما يخبر به خصوصًا مع عدم وجود الخبر الثابت عن المعصوم - ﷺ -. (٦)
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم: (٣/ ٥٩٩). أضواء البيان: (٦/ ٥٠٤).
(٢) أشعث بن أسلم العجلي البصري يروي عن أبي أبيه عن موسى روى عنه سعيد بن أبي عروبة: ثقات لابن حبان: (٦/ ٦٣).
(٣) الدر المنثور: (٥/ ١٨٨). والحبائك في أخبار الملائك: ٤٢.
(٤) وهب بن منبه بن حزن الأنصاري من أهل المدينة يروى عن عبد الله بن أنيس وله صحبة روى عنه محمد بن إسحاق بن يسار: الثقات لابن حبان (٥/ ٤٨٨).
(٥) شرح السيوطي، مع حاشية السندى: (٤/ ٤٢٤ - ٤٢٥).
(٦) الإسرائيليات والموضوعات، للشيخ أبو شهبة: ١٠٥.
[ ٣٤٣ ]
- وفي حديثه عن حملة العرش، وصفهم بعدد من الأوصاف، فقد تناول بيان عددهم فاختار أنهم أربع ويوم القيامة، يزيدون فيصير عددهم ثمانية، وكانت حجة من ذهب إلى هذا حديث رواه الطبري، أن رسول الله - ﷺ - قال: (يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية) (١)، وغيره مما يفيد نفس المعنى إلا أن الاحتجاج بها لا يصح لضعفها الشديد (٢).
- والأصح في هذا التوقف بالنسبة لحال الدنيا؛ لعدم المستند الصحيح في ذلك، أما في الآخرة فإن الآية الكريمة نص في إثبات العدد، أما الكيف فلا يعلم حقيقته إلا الله، قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].
أما ما ذكره من وصف أولئك الأربعة، فهذا ما روى عن أبي عباس (٣) - ﵄ - ولكن الاحتجاج به لا يسلم لضعف إسناده.
والصحيح المسألة ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، وإن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) (٤).
- وكان موقف الصاوي من جهاد الملائكة موقفًا يظهر فيه الاضطراب والتناقض، ولكن الصحيح فيما ذهب إليه أولًا من أن الملائكة لا يختص جهادها مع المؤمنين في غزوة بدر، ويسند هذا القول الكثير من الأحاديث وأقوال الصحابة، بل والأخبار والقصص عن المجاهدين الصادقين، ومن ذلك الحديث الصحيح، فعن عائشة
_________________
(١) رواه الطبري وإسناده منقطع: (٢٩/ ٥٩).
(٢) منها حديث قال فيه رسول الله صدق يقصد به بيتًا لأمية بن أبي الصلت، انظر: تضعيف الألباني له في السنة: (٢٥٦).
(٣) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة: ٣٥، وانظر: الدر المنثور وعزاه السيوطي لأبي الشيخ عن مكحول ﵁: (٥/ ٣٤٦).
(٤) سبق تخريجه: ٣٣٤.
[ ٣٤٤ ]
- ﵂ -: أن رسول الله لما رجع يوم الخندق، ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: (وضعت السلاح، فوالله ما وضعته، فقال رسول الله: (فأين). قال: ها هنا، وأومأ إلى بنى قريظة. قالت: فخرج إليهم رسول الله - ﷺ -). (١)
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير - باب الغسل بعد الحرب والغبار، رقم الحديث: ٢٨١٣ ولمزيد من التوسع فيما صح من أخبار الملائكة، يوصى بالرجوع إلى كتاب الملائكة المقربين، للدكتور/ محمد العقيل.
[ ٣٤٥ ]
(المبحث الثاني) عالم الجن والشياطين
الإيمان بالجن:
ولم يكن عالم الملائكة هو العالم الغيبي الوحيد من ذوات الأرواح؛ فقد ورد أيضًا حديث آخر عن عالم الجن والشياطين، يفترق في الكثير من خصائصه عن عالم الملائكة، وإن كان يجتمع معه من حيث الخفاء والغيبية، كما يقرب كثيرًا من عالمنا، وذلك من حيث التكليف والمخاطبة بالأمر والنهي. وحتى يتم التمييز بينهما؛ فلا بد من إلقاء الضوء على أهم ما يصح به إدراك الفرق بين هذين العالمين.
- وعند التعريف بهم فإنه يقال: الجن اسم جنس جمعى، مفرده جنى، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التستر والاستخفاء عن الأبصار، وسبب تسميتهم بذلك؛ اجتنانهم عن الناس فلا يرون، ومنه سمي الجنين جنينًا لاستتاره في بطن أمه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢].
- وقد عرفهم ابن حزم بأنهم: "أجسام رقاق صافية هوائية، لا ألوان لهم، وعنصرهم النار كما أن عنصرنا التراب، قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧].
والنار والهواء عنصران لا ألوان لهما، ولو كانت لهم ألوان لرأيناهم بحاسة البصر، ولو لم يكونوا أجسامًا صافية رقاقًا هوائية؛ لأدركناهم بحاسة اللمس" (١)
هذا وحقيقة الجن في ضوء النصوص الشرعية، يمكن إجمالها بأنهم خلق من خلق الله ﵎، خلقوا من نار، قد حجبوا عن الأعين فلا يرون إلا في النادر، لا يدرك كنههم إلا خالقهم، عقلاء مكلفون، لهم أهواء وشهوات، منهم
_________________
(١) الفصل: (٥/ ١٣).
[ ٣٤٦ ]
المؤمن ومنهم الكافر، قال تعالى في بيان خلقهم: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥].
وفي تفسير مادة خلقهم بالسموم قال ابن عباس - ﵄ -: إنها الريح الحارة التي تقتل، وقال أيضًا: إنها نارًا لا دخان لها. (١)
وقال الإمام الطبري في تفسير المارج: "أنه ما اختلط بعضه ببعض، بين أحمر وأصفر وأخضر، وهو كلهب النار ولسانه". (٢)
ومما يدل على كونهم مكلفين؛ ما ورد بشأن الجزاء المعد لمطيعهم وعاصيهم، قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
أما الآيات في دخول عموم النعيم المعد للطائعين فكثيرة، منها ما ورد في سورة الرحمن، حيث عم الخطاب سائر الثقلين، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].
أما عن أهمية الإيمان بهم، فقد تحدث القرآن الكريم عن الجن في عدد من المواضع، وكذلك السنة الصحيحة، مما يلزم المومن بالإيمان به، ويدرجه تحت الغيب الذي امتدح الله تعالى المصدقين به.
وقد سميت سورة في القرآن باسمهم، أتى في مطلعها قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١].
وعليه فإن كل من جحد الإقرار بوجودهم، أو تأوله تأويلًا فاسدًا يخرجهم عن الحقيقة الواردة بشأنهم؛ فإنه لا اعتداد بمذهبه ذلك، بل هو مردود عليه؛ لدلالة
_________________
(١) القرطبي: (١٠/ ٢٣).
(٢) الطبري: (٢٧/ ١٢٥).
[ ٣٤٧ ]
النصوص الصريحة على وجودهم، يقول ابن حزم: "فمن أنكر الجن، أو تأول فيهم تأويلًا يخرجهم عن ظاهرهم، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال" (١).
وغاية ما يحتج به من أنكر حقيقة الجن، كونهم من عالم الغيب، حيث انعدم الشاهد من الحس، بمعنى أنه انتفى البرهان الحسي على إثباتهم، والذي اعتمدوه في قبول الحقائق أو ردها، ولا شك أن هذا مبدأ باطل لأن التسليم بالنصوص الشرعية؛ يقضي بالإيمان على جهة التفصيل لكل ما أتت به، هذا إذا أردت إبطال شبه المسلمين، كالمعتزلة ومن نحا نحوهم من المحدثين العقلانيين.
أما من خالف أهل الملة من الفلاسفة والمشركين، فإنه يقال في الرد عليهم: إن انعدام الدليل الحسي على وجود ذلك العالم عندهم، لا يعني انعدامه؛ لأن انتفاء العلم ليس دليلًا على انعدامه.
ومن هنا فإن الرد على كل من أنكر ذلك العالم الغيبي، يكون بحسب حاله، فإن كان ممن أقر بصدق الدليل الشرعي، يبين له أهمية التسليم لكل ما جاء به الشرع، وأن أي رد لما علم منه بالضرورة؛ فإنه يعد من ألوان الكفر المخرج من الملة، كما صرح بذلك ابن حزم.
أما إن كان ممن لم يسلم بدلالة الشرع، فيكفي في الرد عليه منع أن يكون العلم مقصورة على الحس والعقل، فكل ما أتى به الوحي لا بد من التسليم له، ولو انعدم الدليل الحسي على وجوده؛ لأن عدم العلم ليس علمًا بالعدم. (٢)
رأي الشيخ الصاوي:
أما عن رأيه في الحقيقة الغيبية الأخرى، وهي عالم الجن، فإنه يعرف الجن في اللغة، فيقول: "الجن اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالياء، فيقال: جن وجني، كزنج وزنجي، وغالبًا يفرق بالتاء، كتمر وتمرة.
_________________
(١) الفصل: (٥/ ١٢)، وانظر: مجموع الفتاوى: (١٩/ ١٠).
(٢) انظر: المرجع السابق.
[ ٣٤٨ ]
وزيدت التاء في الجنة لتأنيث الجماعة، سموا بذلك لاجتنانهم: أي استتارهم عن العيون" (١).
وفي الشرع فيرى أنهم: "أجسام نارية هوائية، لها قدرة على التشكلات بالصورة الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصورة".
يقول منبهًا "وبهذا ظهر الفرق بينهم وبين الملائكة لأن الملائكة أجسام نورانية لها قدرة على التشكلات بالصور غير الخسيسة ولا تحكم عليهم الصورة" (٢).
ولهذا فإنه يوجه الاستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤] ببيان نوعه، حيث يرجح كونه استثناء منقطعًا، يقول: "وعليه فالجن نوع آخر غير الملائكة، فالجن من نار والملائكة من نور" (٣).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]؛ يذكر ما قيل فيها دون ترجيح، يقول: "قيل: المراد بهم الشياطين، وقيل: المراد بهم نوع من الملائكة، كانوا يعبدونهم؛ لاعتقادهم أنهم بنات الله" (٤)
أما عن علاقة الشياطين بالجن؛ فيذكر ما قيل فيها من آراء عند تعريفه إبليس، يقول: "إبليس هو أبو الجن وهذا أحد قولين، وقيل: هو أبو الشياطين: فرقة من الجن لم يؤمن منهم أحد، والجان هو أبو الجن، وعلى هذا تكون الأصول ثلاثة: آدم وهو أبو البشر، وإبليس وهو أبو الشياطين، والجان وهو أبو الجن" (٥)
وفي موضع آخر، يشير إلى هذه الأقوال مع الترجيح، يقول: "اختلف في الجن: فقيل: هم ذرية إبليس، غير أن المتمرد منهم يسمى شيطانًا، كما أن الإنس أولاد آدم، وقيل: إن الجن ولد الجان، والشياطين ولد إبليس، يموتون مع إبليس عند النفخة. والراجح الأول" (٦)
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٤/ ٣٥١).
(٢) المرجع السابق: (٤/ ٢٤٠)، (٢/ ٣٣).
(٣) حاشية الجلالين: (٣/ ١٦).
(٤) حاشية الجلالين: (٢/ ٣٣).
(٥) المرجع السابق: (٢/ ٢٧٥).
(٦) المرجع السابق: (٤/ ٢٤٠).
[ ٣٤٩ ]
وفي إضافة الشياطين إلى الإنس في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. قولان يرى أنهما في الصحة سواء، يقول: الشياطين "جمع مارد وهو المتمرد المستعد للشر، وقدم شياطين الإنس؛ لأنهم أقوى في الإيذاء، فإن شيطان الإنس أشد على شيطان الجن، وذلك إذا تعوذت بالله ذهب عنى شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي.
وقيل: إن الشياطين كلهم من إبليس، وذلك أنه فرق أولاده فرقتين توسوس للإنس؛ وتسمى شياطين الإنس، وفرقة توسوس لصلحاء الجن؛ وتسمى شياطين الجن، وكل صحيح". (١)
* * *
تعليق:
لا شك في صحة ما ذهب إليه الصاوي عند تعريفه للجن، ومن ثم التفريق بينهم وبين الملائكة الأبرار، ولكن أوجه المفارقة بينهم وبين الملائكة لا تقتصر على ما أورده الصاوي، بل هناك العديد من الفروق التي دلت عليها الكتاب والسنة، فالملائكة علاوة على أنهم خلق من النور، وأنهم لا تحكمهم الصورة التي يتشكلون بها، فهم خلق طاهر كريم خلقوا للعبادة ليس لهم شهوات ولا أهواء، أما الجن فلهم أهواء وشهوات، ومنهم الكافر ومنهم المؤمن، كما أنهم مكلفون بالطاعة والاتباع وما يترتب عليه الوعد والوعيد فهم في الأحكام يقربون من عالم الإنس، ولكن من جهة الغيبية والخفاء يقربون من عالم الملائكة، واستقصاء الفروق مما يطول الحديث فيه، ولكن حاولت التنبيه إلى أهمها؛ استنادًا لما ورد في حديث الكتاب والسنة عنهم.
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٣٧).
[ ٣٥٠ ]
واذكر بعض ما ورد في ذلك:
- قال تعالى في بيان أصل الخلقة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٧].
- وقال حكاية عن النفر الذين استمعوا القرآن، فولوا إلى أهلهم منذرين، مبينًا تفاوتهم من حيث الكفر والإيمان: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١].
- وقد بينت السنة أنهم خلق لهم شهوات يأكلون ويشربون، فعن أبي هريرة - ﵁ -: أنه كان يحمل مع النبي - ﷺ - إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال - ﵊ -: (من هذا). فقال: أنا أبو هريرة، فقال: (ابغني أحجارًا استنفض بها، ولا تأتنى بعظم ولا بروثة). فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: (هما من طعام الجن، وإنه أتانى وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعمًا). (١)
والأحاديث الصحيحة في القطع بذلك كثيرة.
- أما ما ذكره الصاوي من أن الجن تحكمهم الصورة على عكس الملائكة، فبيانه يرجع إلى أمرين: الأول ما حباه الله تعالى للجن من القدرة على التشكل.
الثاني ما ثبت من الأدلة في كون الصورة تحكمهم، فقد ورد من السنة ما يدل عليه، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن بالمدينة نفرًا من الجن قد أسلموا، فمن رأى من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان) (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب مناقب الأنصار - باب ذكر الجن، رقم الحديث: ٣٨٦٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب قتل الحيات ونحوها - باب استحباب قتل الوزغ: (١٤/ ٢٣٦).
[ ٣٥١ ]
وقد تناول الصاوي في حديثه عن الجن بيان أصلهم الذي يرجعون إليه، والذي يظهر - والله أعلم - أن إبليس واحد منهم، وليس بأصل لهم، كما رجح الصاوي، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠].
أما ما أورده الصاوي من أقوال أخرى، ككونه من قبيلة يقال لها الجن من جنس الملائكة، فهذا ما روى عن ابن عباس - ﵄ - (١) وعن غيره من التابعين، ولكنه في الحقيقة مما لم يدل عليه دليل، بل الأدلة تدل على أن الجن جنس آخر، يختلف اختلافًا جذريًا عن الملائكة، وقد سبق وأن أوردت الحديث الشريف الذي يبين أصل الاختلاف في الخلقة، بأن الملائكة خلقت من النور وأن الجن خلقوا من النار.
أما عن قوله بأن المارد منهم يسمى شيطانًا، فالصحيح في ذلك أن الجن أنواع، يفترقون بحسب الخلقة والامتثال، فالخارجون عن الطاعة يسمون بالشياطين، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].
وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس، قال: يا نبي الله وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم، شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول) (٢)
ومنهم من يوصف بالمارد، والمريد، أما المارد فكقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٦، ٧] والمارد: العاتي الشديد من الجن والشياطين.
_________________
(١) ابن جرير الطبري: (١٥/ ٢٥٩). ومن المعلوم أن أبى عباس - ﵄ - حبر هذه الأمة كان ممن يروي الإسرائيليات ويحدث بها بعد أن أذن المصطفى - ﵊ - بذلك فلعل هذه الرواية منها والله أعلم.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي ذر، رقمه: ٢١٤٣٧: (١٦/ ١٧). وقال الهيثمي: "رواه أحمد والبزار في الأوسط وعند النسائي طرف منه وفيه المسعودي وهو ثقة، ولكنه اختلط": (١/ ١٦٠).
[ ٣٥٢ ]
أما المريد، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧].
وغير ذلك من الأوصاف التي تدل على اختلافهم وتباينهم، مع اتحادهم في أصل الخلقة، فليس لأحد أن يذكر نسبة الشياطين إلى الجن وإبليس لهم، فقد ورد في الآية الكريمة حديث أحدهم بأنه قال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤].
- وبناء على ما تقدم فإن علاقة الشيطان بالجن علاقة واضحة حيث يسمى الكافر من الجن شيطانًا وهذا يظهر من الحديث الصحيح الذي أوردته آنفا، والذي ورد فيه النهي عن قتل الحيات، والشاهد منه أنه - ﵊ - سمى الحية العامرة التي تستأذن بالشيطان.
وهذا المعنى بين واضح في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١١].
- بقيت مسألة تتعلق بمفهوم هذه الآية الكريمة، وهي هل هناك شياطين من جنس الإنس كما هو ظاهر الآية؟ أم أن الشياطين هي مردة الجن، وإنما أضيفت إلى الإنس باعتبار مهمة الوسوسة، كما تقدم بيانه من آراء الصاوي؟
أولًا: لا بد من العلم بأن القول بكلا المعنيين مما أثر عن السلف - رضوان الله عليهم - وقد روى الإمام ابن جرير الطبري هذه الأقوال في تفسيره، إلا أنه بعد عرضها ونسبتها إلى القائلين بها رجح - ﵀ - أن القول الأول هو الراجح منها، يقول: "وليس لهذا التأويل وجه مفهوم - يعني به المعنى الثاني -، لأن الله جعل إبليس وولده أعداء ابن آدم، فكل ولده لكل ولده عدو، وقد حصر الله في هذه الآية الخبر عن الأنبياء أنه جعل لهم من الشياطين أعداءً، فلو كان معنيًا بذلك الشياطين الذين ذكرهم السدي، الذين هم ولد إبليس، لم يكن لخصوص الأنبياء بالخبر عنهم، وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن رسول الله - ﷺ -" عن أبي ذر
[ ٣٥٣ ]
أن رسول الله - ﷺ - قال: يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ قال: قلت: يا رسول الله، هل للإنس من شياطين؟ قال: نعم" (١).
وعليه فإن الشيطان هو المارد الكافر، سواء كان من الجن أم الإنس؛ لذا فإنه يبعد ما استحسنه الصاوي عند تفسيره لهذه الآية، حيث صحح القول بكلا المعنيين في تفسير الآية الكريمة.
* * *
_________________
(١) جامع البيان: (٨/ ٤)، وأخرجه النسائي في المجتبى: كتاب الاستعاذة - رقم الحديث: ٥٥٢٢: (٨/ ٦٦٩). وضعفه الألباني، في ضعيف النسائي، برقم ٤٢٤: (٢٤٢).
[ ٣٥٤ ]
الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالكتب
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الوحي وطرقه.
المبحث الثاني: الإيمان بالكتب السابقة.
المبحث الثالث: الإيمان بالقرآن الكريم.
[ ٣٥٥ ]
تمهيد
الإيمان بالكتب المنزلة على الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - حقيقة دعا إليها الدين الحنيف معظمًا شأنها قد أناط بتحقيقها ثبوت الإيمان الشرعي، فلا يتأتى لمعرض عنها نجاة من الكفر الموجب للخلود في النار، ويأتي الأمر بالإيمان بها تبعًا للإيمان بالمرسلين - عليهم الصلاة والسلام -، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦].
يقول الشيخ السعدي - ﵀ - منبهًا إلى هذه الحقيقة: "ويدخل في الإيمان بالرسل الإيمان بالكتب، فالإيمان بمحمد يقتضي الإيمان بكل ما جاء به من الكتاب والسنة ألفاظها ومعانيها، فلا يتم الإيمان إلا بذلك" (١)
والأدلة في وجوب الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء جميعًا كثيرة كلها تؤكد وجوب عدم التفريق في الإيمان بما أنزل على المصطفى - ﷺ - وما أنزل على الأنبياء، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦].
ومع وجوب التزام هذا الأصل الإيماني العظيم في حق الكتب المنزلة على الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، إلا أنه يتفاوت من حيث ما يقتضيه ذلك الالتزام، فليس الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء السابقين مماثلًا للإيمان بما أنزل على المصطفى - ﷺ -، إذ يكفي في الإيمان بها الإيمان الجملى الذي يقضي بتصديق كونها من عند الله تعالى على جهة الإجمال لا التفاصيل، وذلك لأسباب سيأتي
_________________
(١) الفتاوى السعدية: ١٥.
[ ٣٥٦ ]
بيانها، أما الإيمان بالكتاب المنزل على نبينا - ﷺ -؛ فإنه يوجب الإيمان بكل ما ورد فيه حتى أنه من أنكر حرفًا منه قد أجمع عليه فقد كفر.
ومن هنا شرع التفصيل في كيفية الإيمان بالكتب بتقسيمه على نوعين: الإيمان المجمل، والإيمان المفصل.
أما الإيمان المجمل؛ فهو الإيمان الذي يتعلق بالكتب السابقة، وحقيقته؛ أنه إيمان يقوم على التصديق بأن هذه الكتب بأسمائها قد أنزلها المولى ﵎ على أنبياء معينين بأسمائهم، وأنها قد احتوت على أصول الإيمان المعروفة، كالإيمان بالله، وأسمائه وصفاته، وتوحيده، والإيمان بالرسل، والملائكة، وأن كل ما فيها فهو خير، أنزله المولى تعالى رحمة وهداية للمرسل إليهم.
وفي الدلالة على ما احتوته تلك الكتب من توحيد الله تعالى من أصول الإيمان، ثبوت ذلك بالدليل القطعي من القرآن والسنة، قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣].
وعليه فإن أي أمر لم يثبت وجوده في الكتب السابقة بطريق الوحي المعصوم فلا يلزم الإيمان به؛ ولو مع عدم مخالفته لما تقرر من الشريعة المحفوظة، دل على ذلك الحديث الصحيح، فعن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾) (١).
وأساس ذلك التفريق في كيفية الإيمان بتلك الكتب ما دلت عليه النصوص الشرعية في إثبات حصول التحريف لتلك الكتب، حيث داخلها الكثير من
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الاعتصام بالسنة - باب قول النبي: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)، رقم الحديث: ٧٣٦٢.
[ ٣٥٧ ]
النصوص البشرية الصادرة عن أيد مغرضة، تبغى الحياة الدنيا بالآخرة، فكان هذا الإجمال حتى لا يداخل المعتقد ما ليس بحق.
قال تعالى في بيان ما أصيبت به الكتب السابقة من تحريف: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١].
أما الإيمان المفصل؛ فهو الذي يتعلق بالقرآن الكريم لفظًا ومعنى، فقد تعبدنا المولى ﵎ بالإيمان بكل حرف في هذا القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
فالحديث عن القرآن، حديث عظيم يتصل بالحديث عن عظمة المولى ﵎، إذ حقيقة الإيمان به نابعة من التصديق بصفة من صفاته ﷿؛ وهي صفة الكلام، مع تكفل المولى بحفظه من مشوبات التغيير والتحريف كما دلت على ذلك الآية الكريمة.
ولكل هذا فإنه مما علم من الدين بالضرورة أن من أنكر حرفًا من القرآن العظيم فقد كفر.
وليس يقف الأمر عند التصديق بألفاظه ومبانيه؛ بل لا بد من إتمام مقتضيات الإيمان به على جهة التفصيل، فيتحتم التسليم لكل ما أتى به من الأخبار والأحكام، وفقًا لما فهمه الصحابة الكرام، إذ الأخذ عنهم لا يتوقف على اللفظ فقط، وإنما ينسحب حكمه أيضًا على كل ما يتعلق به من الفهم والاستنباط حتى تبقى حقيقة الحفظ التي أخبر عنها المولى ﵎ حية يعمل بها كل مؤمن يعلم صدق ما أخبر به ﷿.
وعلى هذه الحقائق الإيمانية المتعلقة بالكتاب العظيم دلت السنة المطهرة مؤكدة مفسرة مبينة، مفصلة ما أجمل، مصدقة بما أخبر، تقضي بوجوب العمل به والإنكار على من تأوله بالباطل قولًا أو عملًا.
[ ٣٥٨ ]
(المبحث الأول): تعريف الوحي
يطلق الوحي في اللغة فيراد به أحد المعاني التالية: الإلهام، والكتابة، والرسالة، والإشارة، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته لغيرك، وفي لسان العرب: "أوحى إليه ألهمه وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].
كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ قال بعضهم: ألهمتهم، كما قال ﷿: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ وقال بعضهم: أوحيت إلى الحواريين أمرتهم.
ووحى في البيت بمعنى كتب.
ووحى إليه وأوحى كلمه بكلام يخفيه من غيره، قال الله ﷿: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، معناه: يسر بعضهم إلى بعض.
ووحى إليه، وأوحى؛ أومأ، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ " [مريم: ١١].
وكلها ترجع إلى معنى الإعلام الخفي السريع مهما تعددت أسبابه (١)
وهذا هو الوحي بمعناه العام الذي يشترك في إمكان حصوله الأنبياء وغيرهم، يقول شيخ الإسلام: "وليس كل ما أوحى إليه الوحي العام يكون نبيًا، فإنه قد يوحي إلى غير الناس، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢].
وقال تعالى عن يوسف وهو صغير: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ﴾ [يوسف: ١٥].
_________________
(١) فتح الباري: ١/ ٩.
[ ٣٥٩ ]
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١]، يتناول وحي الأنبياء وغيرهم كالمحدثين الملهمين (١)
أما الوحي بمعناه الخاص، أو بمعناه الشرعي فهو ما يتعلق بالأنبياء - ﵈ - لإيصال الشرع إليهم، فلا يشاركهم أحد في هذه الخصيصة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩].
فهذا الوحي يراد به؛ إعلام الله تعالى من اصطفاه من عباده بالأحكام الشرعية.
هذا وقد بين العلماء الهيئة التي كان يأتي بها الوحي؛ استنادًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.
يقول السيوطي - ﵀ -: "قد ذكر العلماء للوحي كيفيات:
أحدها: أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس كما في الصحيح (٢).
قال الخطابي: والمراد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد.
وقيل: هو صوت خفق أجنحة الملك، والحكمة في تقدمه أن يفرغ سمعه للوحي فلا يبقى فيه مكانًا لغيره.
الثانية: أن ينفث في روعه الكلام نفثًا، كما قال - ﷺ -: (إن روح القدس نفث في روعي، وأخبرني أنها لا تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها، وإن أبطأ عنها، فيا أيها الناس! اتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء رزقه أن يخرج إلى ما حرم الله عليه، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته) (٣).
_________________
(١) النبوات: ١٧٨.
(٢) فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة - ﵂ -، أن الحارث بن هشام، سأل النبي - ﷺ -: كيف يأتيك الوحي؟ قال: (كل ذاك، يأتي الملك أحيانًا في مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وهو أشده عليه، ويتمثل لي الملك أحيانًا رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول): كتاب بدء الخلق - باب ذكر الملائكة، رقم الحديث: ٣٢١٥.
(٣) مصنف عبد الرزاق: كتاب الجامع - باب القدر، رقم الحديث: ٢٠١٠٠: (١١/ ١٢٥).
[ ٣٦٠ ]
الثالثة: أن يأتيه في صورة الرجل فيكلمه (١).
الرابعة: أن يأتيه الملك في النوم.
الخامسة: أن يكلمه الله إما في اليقظة، كما في ليلة الإسراء، أو في النوم، كما في الحديث: (أتاني ربي، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى) (٢) الحديث، وليس في القرآن من هذا النوع شيء فيما أعلم" (٣).
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
ويبين معنى الوحي في اللغة، فيقول:
"الوحي: الإشارة، والرسالة، والكتابة، وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه، ثم غلب استعماله فيما يلقى إلى الأنبياء" (٤)
- ويعرفه في الاصطلاح بأنه: "الإرسال من الله لعبده بالأحكام".
ثم يذكر أقسامه بعد ذلك، قائلًا: "وهو أقسام: فيكون تارة بواسطة ملك، كجبريل - ﵇ -.
وتارة من الله تعالى بغير واسطة، كما وقع لموسى - ﵇ -.
وتارة بإلهام يقع في القلب.
_________________
(١) كما في الحديث المشار إليه في الصفحة السابقة.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -: كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - من سورة ص، رقم الحديث: ٣٢٣٥: وقال الترمذي: حديث حسن صحيح: (٥/ ٣٤٣).
(٣) الإتقان في علوم القرآن، بتصرف يسير: (١/ ٥٩ - ٦٠).
(٤) حاشية الجلالين: (٤/ ٤٢). وانظر في تعريف الوحي بهذا المعنى المذكور من كتب اللغة: لسان العرب، لابن منظور: (١٥/ ٣٧٩ - ٣٨٠). وكتاب الصحاح للجوهرى: (٦/ ٢٥١٦).
[ ٣٦١ ]
وتارة بالمنام". (١)
ويفصل القول في النوعين الأخيرين، فيضرب مثالًا لما يقع للأنبياء من الوحي عن طريق المنام، مؤيدًا ذلك بما ورد، يقول: "فـ (رؤيا الأنبياء وحي) (٢)، وذلك لما وقع للخليل حين أمر بذبح ولده في المنام (٣)، ولرسول الله - ﷺ - حين رأى أنه يدخل مكة فصدق الله رؤياه (٤) ".
أما الإلهام، فيعرفه بأنه "الإلقاء في القلوب، لا بواسطة ملك".
وفي بيان مجالاته بالنسبة للمكلفين، يرى أنه مما لا يختص بالرسل، فـ "قد يقع الإلهام - أيضًا - لغير الأنبياء، كالأولياء".
وهذا التعميم لا يعني - عنده - أنه من جنس واحد، بل إلهام الأنبياء مغاير لإلهام الأولياء، يقول: "غير أن إلهام الأولياء لا مانع من اختلاط الشيطان به؛ لأنهم غير معصومين بخلاف الأنبياء، فإلهامهم محفوظ منه" (٥)
* * *
تعليق:
إن هذه الآية الكريمة لتعد نصًا جامعًا لكل أقسام الوحي الذي يتعلق بالبشر، حيث بينت أن الوحي ما يكون بلا واسطة ملك ومن وراء حجاب.
ومنه ما يكون بالإلهام، فيكون الوحي هنا مستعملًا بمعناه اللغوي.
ومنه ما يكون بواسطة ملك يبلغ الكلام إلى المرسل إليه، فلا يخرج عن هذه الأقسام نوع من الوحي (٦)
_________________
(١) حاشية الخريدة: ٢٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس - ﵄ -: كتاب الوضوء - باب التخفيف من الوضوء، رقم الحديث: ١٣٨.
(٣) وذلك في قوله تعالى حاكيًا مقولة إبراهيم - ﵇ -: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾.
(٤) وذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
(٥) حاشية الجلالين: (٤/ ٤٢).
(٦) انظر: ما نقله الإمام ابن تيمية عن الإمام الزهري في الفتاوى: (١٢/ ٣٩٧).
[ ٣٦٢ ]
وعليه فإن هذه الآية الكريمة شملت حتى غير الأنبياء ممن أوحى إليهم وحي إلهام، كأم موسى - ﵉ - (١)، والحواريين، وغيرهم من أهل الصلاح، فتكون بذلك مبينة لأقسام الوحي المتعلق بالبشر بمعناه الكلي العام وقد أشار الإمام ابن تيمية لهذا كما تقدم.
أما المعنى الخاص أو ما يسمى بالمعنى الشرعي، وهو الذي يغلب استعمال الوحي فيه فهو ما يلقى إلى الأنبياء خاصة، وقد عرفه الصاوي بأنه: الإرسال من الله لعبده بالأحكام.
ومن أجمع ما عرف الوحي به في الاصطلاح تعريف الإمام ابن حجر - ﵀ - والذي قاربه فيه الصاوي، حيث قال: "الوحي شرعًا: الإعلام بالشرع، وقد يطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه؛ أي الموحى، وهو كلام الله المنزل على النبي - ﷺ -" (٢)
فكانت كلمة الشرع قيدًا، خرج بها ما يلقى لغير الأنبياء بطريق الإلهام، لأنه لا تشريع فيه ولا أحكام.
ومع إمكان اشتمال الإلهام على الحكم التشريعي (٣) إلا أنه لا يصح استقلاله بالدلالة عليه، بمعنى: أن لا يكون أصلًا له من حيث التشريع والحجية، ويجوز أن يكون موافقًا لما ورد مسبقًا من الأحكام التشريعية في الكتاب والسنة، فيفيد بذلك التأكيد والثبات، دون التأصيل والاستقلال.
_________________
(١) هذا على القول الراجح، وانظر: مبحث العلاقة بين الرسول والنبي: ٤٠٢.
(٢) فتح الباري: (١/ ٩).
(٣) وذلك في مثل ما وقع للصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - من سماع الأذان في المنام قبل تشريعه، فقد أخرج أبو داود في سننه عن أبي عبد الله بن زيد أن رسول الله قد أمره بالضرب في الناقوس للإعلام بالصلاة فرأى في المنام من يعلمه كلمات الأذان مرشدًا إياه أن هذا خير مما كان يفعل ليؤذن الناس بالصلاة، فذهب ذلك الصحابي إلى رسول الله ليعلمه بالرؤيا فمعه عمر بن الخطاب وأخبر بحصول ذلك له فأقر المصطفى - ﷺ - ما كان في رؤيتهما وشرع الأذان لإعلان الناس بوقت الصلاة، انظر: كتاب الصلاة - باب كيف الأذان، رقم الحديث: ٥٠٠: (١/ ٣٨٧). صححه الألباني في صحيح أبي داود وقال: حسن صحيح، برقم: ٤٦٩: (١/ ٩٨) وغيرها من الأحداث ولكن لم يكن لذلك المنام أن يستفاد منه حكمًا شرعيًا لولا إقرار النبي له وإعلامه إياهم أنها رؤيا صالحة.
[ ٣٦٣ ]
يقول الشيخ الشنقيطي - ﵀ - مبينًا هذا الأصل في حجية الإلهام من غير الأنبياء: "المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به، بل ولوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به".
وبهذا يتبين الفرق بين الإلهام الذي يكون للأنبياء، وبين ما يمكن أن يقع لغيرهم، حيث بين الصاوي أن إلهام الأنبياء معصوم فلا يمكن أن يداخله وهم أو وسوسة، أما إلهام غيرهم فليس له عصمة من ذلك بل يجوز عليه تلك الأحوال.
يقول الإمام الشاطبي - ﵀ -: "هذه الأمور لا يصح أن تراعى وتعتبر إلا بشرط ألا تخرم حكمًا شرعيًا ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال ووهم، وإما من إلقاء الشيطان" (١)
وذلك لأن المولى تعالى إنما تعبدنا بكلام النبي المرسل، وجعل لذلك المعجزات والأدلة النيرات، وحماه بالعصمة من المضلات، فلو احتج بالإلهام لانفتح باب ليس له مرصاد، ولخالف ما تعبدنا به المولى من اتباع النبي والتأسي به في كل حال، وتحريم التقديم بين يديه.
فكانت هذه الشروط التي استفيدت من أدلة الكتاب والسنة حتى تتحقق حقيقة الحفظ للدين المنزل، والتي نص عليها الكتاب العزيز بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
* * *
_________________
(١) الموافقات، للشاطبي: (٢/ ٢٦٦). وقد قدمت الحديث عن هذه المسألة في مبحث المعرفة فليطالع، كما أنصح بالرجوع إلى كتاب المعرفة في الإسلام لشيخنا الفاضل: عبد الله القرني: ٧٢.
[ ٣٦٤ ]
(المبحث الثاني): الإيمان بالكتب السابقة
لقد سبق الحديث عما يجب أن يقوم عليه الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء - ﵈ -، إلا أن الحديث هنا يتوجه إلى الكتب السابقة على وجه الخصوص، فمع وجوب الإيمان بإنزالها على الأنبياء والتصديق بأنها من عند الله تعالى، وأنها قد اشتملت على أصول الإيمان كما تقدم بيانه إلا أن ما أصيبت به من التحريف والتغيير على أيدي من أنيط بهم القيام بحفظها، قصر الإيمان على التسليم بما جاء فيها على جهة الإجمال دون ما ورد فيها من تفاصيل الأحكام، فهي بهذا منسوخة التشريع لا يؤخذ بما ورد فيها من تشريعات لم يرد الدلالة عليها في الإسلام، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾.
ولبيان هذا الأصل القائم على التفصيل بين الإيمان المطلق الممنوع في حقها؛ والذي يعني التسليم بكل ما وجدناه في تلك الكتب، ومطلق الإيمان المساوي للإيمان الجملي، والذي أنيط بتحقيقه مقتضى الأمر للإيمان بها، يتجه الحديث إلى أنواع التحريف الذي أصيبت به تلك الكتب، فعند تتبع الآيات والأحاديث التي ورد فيها تبديل أهل الكتاب لما أنزل إليهم من ربهم وجدنا أنها تشير إلى ثلاثة أنواع من التحريف:
١ - تحريف المعنى مع بقاء اللفظ على ما هو عليه.
٢ - التحريف بالتغيير والتبديل.
٣ - التحريف بالكتمان.
- ومن أمثلة النوع الأول؛ والذي يعني التحريف بلازم الحكم وما يقتضيه إثبات
[ ٣٦٥ ]
اللفظ المنزل، تأويل النواهي التي في التوراة بكونها مخصصة في حق اليهود من بعضهم البعض دون غيرهم، فقد ورد في الإصحاح الثالث والعشرين، من سفر الخروج: "لا تقبل خبرًا كاذبًا، ولا تضع يدك مع المنافق لتكون شاهد ظلم، لا تتبع الكثيرين إلى فعل الشر، . . .، لا تقتل البرئ والبار، لأني لا أبرر المذنب. ولا تأخذ رشوة. لأن الرشوة تعمي المبصرين" إلى غير ذلك من الأحكام التي أطلقت ولم تقيد، وهذا ما شهده عليهم كتابنا العزيز، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥].
أما التحريف بالتغيير سواء بالزيادة أو النقصان أو التبديل، فالأمثلة في الدلالة عليه كثيرة، ومن ذلك قصة الذبيح إسماعيل - ﵇ -، فإن أهل الكتاب حرفوا القصة ونسبوها إلى إسحاق من ولد إبراهيم - ﵇ -، وهذا مما علم مناقضته بالضرورة للحقيقة التي نزل بها القرآن الكريم من أن الذبيح هو إسماعيل، ومع ذلك فإن في نفس التوراة ما يدل على هذا التحريف بالتبديل، فقد ورد في الإصحاح الثاني والعشرين ما نصه: "وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم. فقال له: يا إبراهيم. فقال: هاأنذا. فقال: خذ ابنك ووحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك" الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التكوين. إلى آخر القصة التي نعرفها من أمره بذبح أبنه ومن ثم فديته بالكبش.
والشاهد من النص أنه يقول خذ ابنك ووحيدك، وقد كرر هذا الوصف في نفس القصة إذ ورد فيها بعد افتدائه بالكبش: "ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء. وقال بذاتي أقسمت يقول الرب. إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة"
ومعلوم أن إسماعيل هو الابن الأكبر، فقد ولد له وكان عمره: ستًا وثمانين سنة، بنص التوراة: في الإصحاح السادس عشر من سفر التكوين.
[ ٣٦٦ ]
أما إسحاق فقد ولد له وهو ابن مائة سنة: الإصحاح الحادي والعشرون، من سفر التكوين.
وهذا يفيد أن الابن الذي كان وحيدًا لإبراهيم مدة أربعة عشر عامًا كان إسماعيل ولم يكن إسحاق بنص التوراة المحرفة.
ومن أعظم التحريف بالزيادة والتبديل، ما أحدثه النصارى في عيسى - ﵇ - حيث ادعوا أنه ابن الله - تعالى الله عن قولهم -، فقد ورد في إنجيل لوقا في الإصحاح الأول ما نصه: "الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يدعى ابن الله. وهوذا إليصابات نسيبتك - أراد بها زوجة زكريا ﵍ - هي أيضًا حبلى بابن في شيخوختها وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرًا. لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله"
فالنص مع أنه ظاهر التحريف لأن هذه المقولة مناقضة لعقيدة التوحيد التي بعث بها الأنبياء من لدن آدم - ﵇ - إلى محمد - ﷺ -، إلا أن في النص ذاته ما يبين كذبهم وافتراءهم بالقول ببنوة عيسى لكونه أتى من غير أب، فقد نبهها الملك عند تعجبها وخوفها بمقارنة حالها بحال المرأة التي عرفت بالعاقر، وذكرها بأن كل ذلك يرجع إلى قدرة الله التي لا يعجزها شيء، فأي افتراء وكذب في دعوى النصارى بالبنوة.
وقد رد المولى دعواهم وأبطلها وبين مناقضتها للحق الذي قامت به السموات والأرض: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣].
أما التحريف بالكتمان فقد أخبرنا القرآن الكريم عن بعض صوره، حيث كتم أهل الكتاب تصديق بعثة النبي - ﷺ - فعصوا أمر الله بذلك، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ
[ ٣٦٧ ]
آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
رأي الشيخ الصاوي:
يقول الصاوي مؤكدًا على أهمية الإيمان بالكتب دون تحريف وتغيير، مبينًا جرم من أعرض عن هذا الالتزام، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] ما نصه: "المعنى داوموا على الإيمان بفعل الطاعات لأن فعلها يزيد في الإيمان ولا تكونوا ممن بدل وغير، فإنه ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي بشيء من ذلك بأن أنكر صفة من صفات الله، أو سب ملائكته أو أنكر الكتب السماوية، أو سب رسله، أو أنكر رسالتهم، أو لم يصدق باليوم الآخر، فالكفر بواحد من هذه المذكورات كافٍ في استحقاق الوعيد، لأن الإيمان بكل واحد أصل من أصول الدين" (١)
- وقد تناول في تفسيره عددًا من الكتب السماوية؛ وذلك لبيان ما اشتملت عليه من النور والهدى، وما لاقته من صنوف التحريف والتغيير على أيدى الكافرين من أهلها.
كلامه في التوراة:
يقول مبينًا عظمة هذا الكتاب المنزل على موسى - ﵇ - وما احتواه من أنواع الهداية عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]:
"قوله: إنا أنزلنا التوراة: كلام مستأنف مسوق لبيان فضل التوراة، وأنها كتاب عظيم كله هدى ونور.
_________________
(١) حاشية الجلالين: (١/ ٢٣٦).
[ ٣٦٨ ]
وقوله: فيها هدى: أيي لمن أراد الله هدايته، وأما من أراد الله شقوته فلا تنفعه التوراة ولا غيرها.
قوله: ونور: في الكلام استعارة مصرحة حيث شبهت الأحكام بالنور بجامع الاهتداء في كل واستعير اسم المشبه به للمشبه، وحيث أريد بالنور الأحكام، فالمراد بالهدى التوحيد فالعطف مغاير.
قوله: يحكم بها النبيون: كلام مستأنف لبيان المنتفع بالتوراة وهم الأنبياء والعلماء، والمراد بالأنبياء ما يشمل المرسلين، فحكم المرسلين ظاهر، وحكم الأنبياء بالقضاء بها لا على أنها شرع لهم (١).
قوله: الذين أسلموا: أي كمل إسلامهم، وهو وصف كاشف؛ لأن كل نبي منقاد لله، وحكمة الوصف بذلك التعريض باليهود حيث افتخروا بأصولهم ولم يسلموا، بل حرفوا التوراة وبدلوها".
كلامه في الإنجيل:
- يقول في وصف ما احتواه هذا الكتاب العظيم الذي أنزل على عيسى - ﵇ - من الهدى والنور عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٤٦): "وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور: المراد بالهدى التوحيد وبالنور الأحكام فالعطف مغاير.
قوله: مصدقًا بين يديه: أي معترفًا بأنها من عند الله وإن نسخت أحكامها؛ لأن الله ﷾ كلف كل عصر بأحكام تناسبها، فالنسخ في الأحكام الفرعية لا الأصول كالتوحيد فلا نسخ فيه، بل ما كان عليه آدم من التوحيد هو ما عليه باقي الأنبياء.
_________________
(١) قد تقدم بيان الحق في هذه المسألة، بأن النبي مأمور بالشرع ظاهرًا وباطنًا كما أنه مأمور بتبليغه، انظر: مبحث العلاقة بين النبي والرسول: ٤٠٢.
[ ٣٦٩ ]
قوله وموعظة: أي أحكامًا يتعظون بها، والحكمة في زيادة الموعظة في الإنجيل دون التوراة، لأن التوراة فيها الأحكام الشرعية فقط، وإنما المواعظ كانت في الألواح وقد تكسرت، وأما الإنجيل فهو مشتمل على الأحكام والمواعظ" (١)
كلامه في الزبور:
يقول في وصفه الزبور: "اسم للكتاب المؤتى - لداود ﵇ - وهو مائة وخمسون سورة، ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، بل هو تسبيح وتقديس وتحميد وثناء ومواعظ".
ثم يشرع في بيان كيفية تلاوة داود لهذا الكتاب العظيم، يقول: "وكان داود - ﵇ - يخرج إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور، وتقوم علماء بني إسرائيل خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء، وتقوم الجن خلف الناس، والشياطين خلف الجن، وتجئ الدواب التي في الجبال، فيقمن بين يديه، وترفرف الطيور على رءوس الناس وهم يستمعون لقراءة داود ويتعجبون منها، لأن الله أعطاه صوتًا حسنًا" (٢).
ويستدل لوصف تلاوة داود - ﵇ - للزبور بالحسن الذي يأخذ بالأسماع، يقول: "وقد ورد أن أبا موسى كان يقرأ القرآن ليلًا بصوت حسن، فلما أصبح قال له رسول الله - ﷺ -: (قد أعجبتني قراءتك الليلة كأنك أعطيت مزمارًا من مزامير داود) (٣)، فقال أبو موسى: لو علمت بك لحبرته لك تحبيرًا" (٤)
* * *
_________________
(١) حاشية الجلالين: (١/ ٢٦٩).
(٢) حاشية الجلالين: (١/ ٢٤٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن - باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، رقم الحديث: ٥٠٤٨. ولفظه: (لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود)، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب: استحباب تحسين الصوت بالقرآن، وليس في أحد من روايات الحديث قوله: (قد أعجبتني قراءتك) ولعله قد روى الحديث بما معناه.
(٤) المرجع السابق: (١/ ٢٤٣).
[ ٣٧٠ ]
وكان حديثه عن التحريف والتبديل الذي وقع في الكتب السابقة متفرقًا؛ بحسب الآيات التي اشتملت على ذكر الأفعال الشنيعة الصادرة من كفرة أهل الكتاب في تحريفهم ما أنزل إليهم من ربهم، وكان ذلك التغيير والتحريف منهم على ضربين، فمرة يحرفونها بالتأويل الباطل فلا يقيمون حدودها، ومرة يحرفونها بالنص فيعبثون بآياتها طمسًا، وتزويرًا، وإضافة.
وأما الضرب الأول فقد أشار إليهم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، يقول: " (نزلت في قريظة وبني النضير فكان الواحد من بني النضير إذا قتل واحدًا من قريظة أدى إليهم نصف الدية وإذا قتل الواحد من قريظة واحدًا من بني النضير أدى إليهم الدية كاملة) (١) فغيروا حكم الله الذي أنزل في التوراة وكل آية وردت في الكفار تجر بذيلها على عصاة المؤمنين (٢).
- وأما الضرب الثاني، فهو التحريف النصي لما هو مكتوب عندهم، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] " الحق أي نعت محمد وأصحابه المذكور في التوراة والإنجيل، لبس الحق بالباطل: "أي التغير لتلك النعوت، والكذب في تلك الصفات" (٣)
ويفصل القول في هذا التحريف والتزوير وذلك بضرب الأمثلة من واقع أفعالهم الشنيعة، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]: "الكلم أي الكلام، من نعت محمد أي من كونه أبيض مشربًا بحمرة، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير مثلًا، فقد حرفوه وقالوا:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه عن ابن عباس - ﵄ -: كتاب الأقضية - باب الحكم بين أهل الذمة، رقم الحديث: ٣٥٨٦: (٤/ ٢١٣). وصححه الألباني في صحيح ابن داود، برقم: ٣٠٦١: (٢/ ٦٨٥).
(٢) حاشية الجلالين: (١/ ٢٦٨).
(٣) المرجع السابق: (١/ ١٥٢).
[ ٣٧١ ]
أسود اللون طويل جدًا؛ حرصًا على الرياسة وعلى ما يأخذونه من سفلتهم، ومن جملة ما غيروه آية الرجم بالجلد (١)، ومن ذلك أنه في كتبهم من خالف محمدًا خلد في النار فغيروه، وقالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين يومًا مدة عبادة العجل" (٢)
وفي تلك المقولات التي داخلها التحريف على فرض تحققها ما ورد في الآية الكريمة على لسان اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] فقد "قيل: إن تلك المقالة لم تقع أصلًا، فهي كذب محض.
وقيل: إنها موجودة في التوراة، إلا في حق المسيح ومحمد، وأما هما فمعجزاتهما غير ذلك فهم قد كذبوا على التوراة في كل حال" (٣)
- هذا وقد كان لذلك التحريف والتبديل أسبابًا عدة، أشار إلى أهمها عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، يقول: "الباطل هو تخفيف الشرائع والتساهل فيها لسفلتهم.
وقيل: هو تغيير صفات المصطفى - ﷺ - الكائنة في التوراة والإنجيل.
_________________
(١) أخرج البخاري في صحيحه هذه القصة في عدد من الأبواب، وفيها كما يروى عبد الله بن عمر - ﵄ -: "أن نفرًا من اليهود جاءوا إلى رسول الله - ﷺ -، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله: (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟) فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك: فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله فرجما": كتاب المناقب - باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾، رقم الحديث: ٣٦٣.
(٢) المرجع السابق: (١/ ٢٠٩).
(٣) المرجع السابق: (١/ ١٨٢).
[ ٣٧٢ ]
وقيل: ما هو أعم، وهو الأحسن.
والباعث لهم على ذلك: حب الرياسة، وأخذ الأموال" (١).
* * *
مناقشة:
يلحظ على الصاوي اعتماده على بعض الإسرائيليات في بيان ما اشتملت عليه الكتب المنزلة وكذلك في طريقة تلاوة الزبور، ومن المعلوم أن مثل هذه الإسرائيليات ليست مستندًا صحيحًا في العلم بهذه الغيبيات، تفصيل ذلك أن الصاوي قد ذهب إلى أن زيادة الموعظة في الإنجيل كانت بسبب خلو التوراة منها لما تعرضت له الألواح من الكسر.
وحتى يتبين الحق في المسألة لا بد من الوقوف على قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] لمعرفة مدى صحة ما توصل إليه الصاوي في حكمه بخلو التوراة من الموعظة.
فقد تعددت الروايات في بيان صفة الألواح وعلاقتها بالتوراة وما تعرضت له حين ألقاها موسى - ﵇ - غضبان أسفًا مما ارتكبه قومه.
أما عن علاقة التوراة بالألواح والتي دل كلام الصاوي على أنهما شيء واحد؛ فإنه لم يرد دليل يستند إليه في الجزم بذلك، فهناك من المفسرين من ذهب إلى أن التوراة هي بعينها الألواح، ومنهم من ذهب إلى أن الألواح مغايرة لها، ومنهم من
_________________
(١) المرجع السابق: (٢/ ١٣٦).
[ ٣٧٣ ]
ذهب إلى أن الألواح مشتملة على التوراة مع زيادة عليها، ولكنه لما انعدم ما يستند إليه في القطع بأحد هذه الأقوال حسن التوقف وعدم الجزم بأحدها والإيمان بأن الألواح التي اشتملت على الموعظة والبيان قد أوتيت لموسى - ﵇ - كما هو ظاهر الآية الكريمة، وهذا ما دل عليه كلام الإمام ابن كثير - ﵀ - إذ يقول: "قيل: كانت الألواح من جوهر وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكامًا مفصلة مبينة للحلال والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص: ٤٣].
وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة والله أعلم، وعلى كل تقدير فكانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منها والله أعلم" (١)
وهذا ما يتوجه أيضًا لما ورد فيما أصيبت به الألواح من الإلقاء، فقد أخرج الطبري روايتين (٢) لا تخلو أسانيدها من مقال فلا يصح اعتمادها في مثل هذه الأمور الغيبية؛ الأولى عن ابن عباس، وفيها حجاج بن محمد ثقة ولكنه اختلط عند نزوله بغداد (٣)، ومفادها أن موسى - ﵇ - ألقى الألواح فتكسرت، فرفعت إلا سدسها.
أما الرواية الثانية التي أخرجها الطبري عن مجاهد فتفيد أن الألواح لما تكسرت بقى الهدى والرحمة، وذهب التفصيل، وهي ضعيفة أيضًا لضعف خصيف بن عبد الرحمن فهو صدوق سيئ الحفظ (٤).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم: (٢/ ٣٢٩).
(٢) جامع البيان: (٩/ ٦٦).
(٣) حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبو محمد ترمذي الأصل نزل بغداد ثم المصيصة ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته من التاسعة مات ببغداد سنة ست ومائتين: تقريب التهذيب: ١٥٣.
(٤) خصيف بن عبد الرحمن الجزري أبو عون مولى بني أمية، عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعنه سفيان، وابن فضيل، صدوق، سيئ الحفظ، ضعفه أحمد، توفى سنة ١٣٦، الكاشف للذهبي: ٢٨٠.
[ ٣٧٤ ]
ومن هنا يتبين بطلان ما ذهب إليه الصاوي؛ فإنه لم يثبت أصلًا تكسر الألواح لما ألقاها موسى - ﵇ -، بل أنه على فرض رواية المصيصي لها قبل اختلاطه ليس فيها ما يدل على أنها عين التوراة ولا على أن الموعظة هي التي رفعت بسبب تكسرها.
ومن العجيب أن الروايات التي ذكرت ما ذهب من الألواح بسبب الكسر على فرضه دلت صراحة على أن الموعظة هي التي بقيت وأن التبيان والتفصيل هو الذي رفع.
وعلى كل فليس هناك ما يستند إليه في مثل هذه الحقائق الغيبية؛ بل إن الآيات الكريمة نفسها لتدل على نفي التغيير عنها لأنها أتت معرفة بأل العهدية، وهي ما سبق لمصحوبها ذكر في الكلام، فتدل على أنه بعينه المراد، ما لم تدل قرينة على خلاف الظاهر فتصرفه وقد علم انتفاؤها لما تقدم (١)، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤].
ولو كان الأمر خلاف ذلك فإن الآية تنفي تمامًا زوال الموعظة منها، يقول الإمام ابن كثير - ﵀ - في تفسير الآية ذاكرًا ما قيل فيها: "يقول كثير من المفسرين إنها لما ألقاها تكسرت ثم جمعها بعد ذلك، ولهذا قال بعض السلف فوجد فيها هدى ورحمة، وأما التفصيل فذهب، وزعموا أن رضاضها لم يزل موجودًا في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية، والله أعلم بصحة هذا" (٢).
والذي نخلص إليه هنا أنه لم يرد ما يدل من أقوال المعصوم على أي أمر خارج عن دلالة الآيات الكريمة نفسها، لا في حقيقة الألواح ولا في علاقتها بالتوراة ولا فيما أصابها بعد إلقائه لها، يقول الشيخ أبو شبهة - ﵀ -: "فكل هذه
_________________
(١) جامع الدروس العربية، للغلايينى: ١٤٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم: (٢/ ٣٣٢).
[ ٣٧٥ ]
الروايات المتضاربة التي يرد بعضها بعضًا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم - ﷺ -، وإنما هي من إسرائيليات بني إسرائيل حملها عنهم بعض الصحابة والتابعين بحسن نية، وليس تفسير الآية متوقفًا على كل هذا الذي رووه، والذي يجب أن نؤمن به أن الله أنزل الألواح على موسى، . . .، أما هذه الألواح مم صنعت؟ وما طولها وما عرضها؟ وكيف كتبت؟ فهذا لا يجب علينا الإيمان به" (١).
أما وقد انتفت حجة قوله بانتفاء الموعظة من الألواح بعد إلقاء موسى لها، فإنه يحسن الاستدلال بالآية الكريمة التي بينت ما اشتملت عليه التوراة من أنواع الهداية، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾، فقد وصفها المولى تعالى بالهدى والنور، وفيه ما يدل على احتوائها كل ما يحصل به الاهتداء والنجاة، يقول البقاعي - ﵀ - في معنى الهدى: "أي كلام يهدى بما يدعو إليه إلى طريق الجنة، ونور أي بيان لا يدع لبسًا" (٢)
ويقول الشيخ سيد قطب - ﵀ -: "فالتوراة كما أنزلها الله كتاب الله الذي جاء لهداية بني إسرائيل، وإنارة طريقهم إلى الله وطريقهم في الحياة وقد جاءت تحمل عقيدة التوحيد، وتحمل شعائر تعبدية شتى، وتحمل كذلك شريعة: "يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء" (٣).
وقد علم بالضرورة أن مقومات الهداية الدلالية هي البيان والتذكير والإرشاد والوعظ، فلا يمكن أن تتحقق الهداية إلا بهذه الأصول، وهذا معلوم من دعوة الأنبياء - ﵈ - لأممهم، فالإنذار والتبشير بالحكمة والموعظة الحسنة هي مهمة الأنبياء الأولى في دعوة الأمم إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة.
_________________
(١) الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير: ٢٠٢.
(٢) نظم الدرر: (٦/ ١٤٤).
(٣) في ظلال القرآن: (٢/ ٨٩٦).
[ ٣٧٦ ]
أما عن الهيئة التي أوردها في استماع المخلوقات لقراءة داود - ﵇ -؛ فإن المعتمد ألَّا تثبت صفة بعينها لقراءته الزبور وإنصات المخلوقات له لعدم وجود ما يدعم هذه الهيئة، وكان الثابت في هذه المسألة ما دلت عليه الآيات الكريمة من استماع المخلوقات لتسبيح داود - ﵇ - وترجيعها معه امتثالًا لأمر ربها ﵎، قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨].
وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠].
يقول الإمام ابن جرير - ﵀ - في بيان معنى التأويب للجبال والطير: "يقول تعالى ذكره: ولقد أعطينا داود منا فضلًا، وقلنا للجبال "أوبي معه": سبحي معه إذا سبح" وقد عزا هذا التفسير لكثير من أئمة السلف كابن عباس، ومجاهد وقتادة والضحاك" (١).
وكان حديثه عن التحريف مستندًا إلى نصوص الكتاب والسنة كما هو ظاهر، فقد شاء الله تعالى لحكمته أن تتعرض هذه الكتب التي أنزلت على الرسل السابقين للتحريف والتزوير، وكان لذلك حكمة قدرها في كل ما يقضيه من أمر، وقد تجلت في إرادته تعالى البقاء والهيمنة والرفعة للقرآن الكريم، دستور الإسلام، وكتابه العظيم.
هذا وأسباب ذلك التحريف والتزوير في تلك الكتب كثيرة أشير إلى أهمها في النقاط التالية:
أولًا: أن الله تعالى أوكل حفظها إلى القدرات البشرية مع علمه سبحانه بضعفها ومحدوديتها، يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ
_________________
(١) جامع البيان: (٢٢/ ٦٥).
[ ٣٧٧ ]
الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤] بينما نجد أن حفظ القرآن قد أوكله تعالى إلى نفسه، حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
ثانيًا: ما لحق ببني إسرائيل من الاضطهادات المتعددة والمتلاحقة، فقد كان لهذا أثر بالغ في ضياع كتبهم، سيما وأنهم لم يؤمروا باستظهارها غيبًا؛ مما أدى إلى وقوع الاضطراب بسبب انقطاع السند.
يقول الإمام ابن القيم في ذلك: "ولم يكن حفظ التوراة فرضًا عليهم ولا سنة، بل كان كل واحد منهم يحفظ فصلًا من التوراة، فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم ورفع كتابهم جمع من محفوظاته، ومن الفصول التي يحفظها الكهنة، ما اجتمعت منه هذه التوراة التي بأيديهم. ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة، فزعموا أن النور الآن يظهر على قبره وهو عند بطائح العراق لأنه جمع لهم ما يحفظ دينهم" (١)
وإلى هذا المعنى يشير ابن تيمية في حديثه عن تحريف الأناجيل، وانقطاع سندها، يقول: وأما الإنجيل الذي بأيديهم فإنهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح - ﵇ - ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملاه بعد رفع المسيح: متى ويوحنا وكانا قد صحبا المسيح، ولم يحفظه خلق كثير يبلغون عدد التواتر" (٢).
ثالثًا: صفات علمائهم الذميمة، فإن آيات الكتاب الكريم كثيرًا ما تتحدث عن أخلاقهم السيئة فتسمهم بأشنع الصفات وأبغضها، فمحبة الدنيا والتفاني في اكتسابها وجمع حطامها من أبرز الصفات التي تخلقوا بها، قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦].
_________________
(١) إغاثة اللهفان: (٢/ ٣٥٩). مع تصرف يسير.
(٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: (١/ ٣٥٦).
[ ٣٧٨ ]
ويصور تحريفهم وتحريهم الكذب والإصرار عليه، يقول عز من قائل: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤].
وقد قادهم تعلقهم بالفانية إلى البخل والحسد، يقول شيخ الإسلام: "ذم الله اليهود على ما حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم ..
فوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم، والبخل بالمال ..
وكذلك وصفهم بكتمان العلم في غير آية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾.
وقال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦].
فكانت هذه الصفات الذميمة هي حقيقة الدافع لهم إلى تزوير الحق ورده، يقول - ﵀ - متممًا كلامه: "فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم: تارة بخلًا به، وتارة اعتياضًا عن إظهاره بالدنيا، وتارة خوفًا أن يحتج عليهم بما أظهروه منه" (١)
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم: (١/ ٧١ - ٧٢ - ٧٣).
[ ٣٧٩ ]
ولكن قد يتبادر إلى الذهن سؤال؛ وهو إذا كان التحريف حقيقة لا شك في وجودها، فلا يمكن بحال تنزيه تلك الكتب عنها، فلماذا أتى الأمر بإقامتها وإعمال ما فيها؟ وليس ذلك فحسب بل قد أنيطت النجاة بهذا التمسك، كما أتى ذلك صريحًا في غير ما آية، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦].
إن الإجابة عن هذا السؤال تكون ببيان حقيقتين لهما علاقة وثيقة بحقيقة التحريف:
الأولى: أن التحريف لم يكن على ضرب واحد وقد أشرت إلى ذلك مسبقًا عند عرضي لأقوال الصاوي في هذا المجال، فلم تكن جميع ألفاظ الوحي قد حرفت، بل هناك حقائق غيبية كثيرة لا تزال في تلك الكتب كالتوراة والإنجيل ولكن البخل والحسد الذي أعمل في قلوب كثير من أهل الكتاب حملهم على تحريف النصوص بالتأويل الباطل، فلا يصرحون إلا بما يوافق نفوسهم المريضة، وأي أمر خالفها كالأمر باتباع الرسول فإنهم يقومون بإخفائه أو طمسه أو تأويله التأويل الباطل، كما أشار إلى ذلك الصاوي في عدد من المواضع، كحادثة الرجم وغيرها مما هو من شأن أهل الكفر والإلحاد في كل زمان ووقت.
أما الحقيقة الثانية: فقد نبهت إليها وهي أن جل الحكمة من الأمر بإقامة التوراة والإنجيل والعمل بمقتضى أخبارها هو الإيمان بمحمد - ﷺ - وطاعته والدخول في دينه، فقد نبه القرآن الكريم إلى وضوح معالم شخصية النبي المنتظر وانطباقها تمامًا على شخصية الرسول - ﷺ - في كتبهم حتى قال عز من قائل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]. يقول شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا حقيقة الأمر بإقامة الكتاب: "فإن إقامة الكتاب: العمل بما أمر الله به في الكتاب، من التصديق بما أخبر به على لسان الرسول.
[ ٣٨٠ ]
وما كتبه الذين نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك ليس هو مما أنزله الله على الرسول ولا مما أمر به ولا أخبر به وقد يقع مثل هذا في الكتب المصنفة، يصنف الشخص كتابًا فيذكر ناسخه في آخره: عمر المصنف، ونسبه، وسنه، ونحو ذلك مما ليس هو من كلام المصنف ولهذا أمر الصحابة والعلماء بتجريد القرآن، وأن لا يكتب في المصحف غير القرآن، فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس". (١)
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (١٣/ ١٠٥).
[ ٣٨١ ]
(المبحث الثالث): الإيمان بالقرآن الكريم
يرجع معنى القرآن في اللغة إلى القرء وهو الجمع، فقد سمى قرآنًا لأنه يجمع السور فيضم بعضها إلى البعض، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧].
وجاء في لسان العرب؛ "الأصل في هذه اللفظة الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسمى القرآن لأنه جمع القصص، والأمر، والنهى، والوعد، والوعيد، والآيات والسور بعضها إلى بعض؛ وهو مصدر كالغفران، والكفران" (١)
والقرآن هو الكلام المعجز المنزل على النبي - ﷺ - للتحدي، المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته.
والقرآن مكتوب، ومسموع، ومحفوظ هو كلام الله، قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.
وقال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].
قد أنزله المولى ﵎ على قلب النبي بواسطة الملك جبريل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤].
أما عن كيفية ذلك النزول فقد ورد أنه أنزل جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء، وهذا ما روى عن ابن عباس - ﵄ - حيث قال: (فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل - ﵇ - ينزله على النبي - ﷺ - ويرتله ترتيلًا) (٢)
_________________
(١) لسان العرب: (١/ ١٢٨).
(٢) أخرجه الحاكم في مستدركه: كتاب التفسير، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي: (٢/ ٢٢٣). وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير، برقم: ١٢٣٨١: (١٢/ ٣٢). وقال الهيثمي: "رواه الطبراني والبزار باختصار ورجال البزار رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني عمرو بن عبد الغفار وهو ضعيف: (٧/ ١٤٠) .. وذكره السيوطي في كيفية النزول: التحبير في علم التفسير: ١١٦.
[ ٣٨٢ ]
وكان وقت نزوله جملة في رمضان ليلة القدر، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. (١)
وعند نزوله على قلب النبي فقد كان ينزل منجمًا بحسب ما تقتضيه حكمة المولى، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].
وقد بين الشارع جانبًا من حكمة ذلك التنجيم، حيث قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
- ولعظمة هذا الكتاب واشتماله على أنواع الهداية التي احتوتها كل الكتب السابقة، فقد تمت له الهيمنة عليها، فكان خاتمها والباقي إلى يوم القيامة، فعلاقته بها علاقة تصديق وهيمنة، ولبيان هذه العلاقة فإن شيخ الإسلام - ﵀ - يعقد مقارنة بين الكتب المنزلة، وذلك في ضوء الآيات المتتالية في سورة المائدة من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣]، يقول: "فهذا وما أشبهه مما فيه اقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر، يبين ما ذكروه من أن التوراة هي الأصل والإنجيل تبع لها في كثير من الأحكام وإن كان مغايرًا لبعضها، فلهذا يذكر الإنجيل مع التوراة والقرآن، في مثل قوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١]، فيذكر الثلاثة تارة، ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة لسر، وهو أن الإنجيل من وجه أصل، ومن وجه تبع، بخلاف القرآن مع التوراة، فإنه أصل من كل وجه، بل هو مهيمن على ما بين يديه من الكتاب، وإن كان موافقًا للتوراة في أصول الدين" (٢).
_________________
(١) ذكره السيوطي في: كيفية النزول: من كتاب التحرير من علم التفسير: ١١٦.
(٢) مجموع الفتاوى: (١٦/ ٤٥).
[ ٣٨٣ ]
فقد بين - ﵀ - أن وجه المغايرة بينهما هو اختلاف الأحكام الشرعية على جهة التفصيل، كما أشار إلى أن مكمن الاتفاق بينهما هو اتحادهما في الدلالة على أصول الدين.
وهذا الاعتقاد مبني في حقيقته على أن النسخ في الأخبار ممنوع تمامًا في حق المولى تعالى؛ لأنه خبر، والخبر: إما صدق وإما كذب، والله ﷿ منزه عن الكذب بأي صورة منه، بل وموصوف بأتم صفات الصدق وأكملها، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، قال المفسرون: "صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام".
أما نسخ الأحكام، فجائز لما يقتضيه كمال عدله سبحانه، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
رأي الشيخ الصاوي:
يعرف الصاوي القرآن الكريم، فيقول: "القرآن لغة من القرء وهو الجمع" أما في الاصطلاح فإن: "المراد به: اللفظ المنزل على قلب النبي - ﷺ - المتعبد بتلاوته المقرون بدعوى التحدى". (١)
ويقول واصفًا هذا الكتاب العظيم مفحصًا عن حقيقته عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]: "أي صيرناه مقروءًا، أي مجموعًا سورًا موصوفة بكونها عربية، رحمة منا وتنزلًا لعبادنا لعجزهم عن شهود الوصف القائم بنا.
فحدوثه من حيث قيامه بالمخلوقات، وقدمه من حيث وصف الله به، وقد تنزه وصفه عن الحروف، والأصوات، والجمع والتفرق، فتدبر".
فكان هذا التحرير منه دفعًا لما قد يورده المعتزلة من شبه للاستدلال على خلق القرآن
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٩ - ٣٠٥)، وجوهرة التوحيد: ٤٧.
[ ٣٨٤ ]
بهذه الآية الكريمة، يقول: "ودفع بذلك ما قيل: إن ظاهر الآية يدل على حدوث القرآن من وجوه ثلاثة:
الأول: أنها تدل على أن القرآن مجعول، والمجعول هو المصنوع والمخلوق.
والثاني: أنه وصفه بكونه قرآنًا، والمجموع بعضه لبعض مصنوع.
والثالث: وصفه بكونه عربيًا، والعربي ما كان بلغة العرب، وذلك يدل على أنه مجعول".
ومع إجابته المسبقة لهذه الشبه؛ فإنه يعتضد بما أجاب به أسلافه من الأشاعرة على هذا الاشتباه، يقول: "وأجاب الرازي أيضًا عن ذلك أن الذي ذكرتموه حق؛ لأنكم استدللتم بهذه الوجوه على كون الحروف المتواليات والكلمات المتعاقبات محدثة، وذلك معلوم بالضرورة وليس لكم منازع فيه" (١)
وفي بيان صفة نزوله يقول: "وأجيب بأن القرآن نزل جملة في بيت العزة في سماء الدنيا، وصار ينزل بعد ذلك مفرقًا فحين نزول هذه كأن الله تعالى يقول: "لا تنتظروا بعد ذلك حكمًا فقد أتممت لكم ما قدرته لكم وادخرته عندي" (٢)
وقد تحدث عن عظمة القرآن الكريم واشتماله على أنواع الهداية والحق، وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، يقول: "فشبه القرآن بالروح من حيث إن كلَّ به الحياة، فالقرآن به حياة الأرواح، والروح بها حياة الأشباح" (٣)
وفي بيان أوجه الإعجاز في هذا الكتاب العظيم، يقول: "ووجه إعجازه أن كلماته مائة ألف كلمة وأربعة وعشرون ألف كلمة، وكل كلمة لها مطلع وغاية وظهر وبطن، فتكون علومه أربعمائة ألف وستة وتسعين ألف علم وعلم يخلف الآخر، وأن ألفاظه في أعلى طبقات البلاغة والفصاحة التي لا يصل إليه أحد" (٤).
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٤/ ٤٤). وانظر: (٣/ ٦٦).
(٢) حاشية الجلالين: (١/ ٢٥١).
(٣) المرجع السابق: (٤/ ٤٣).
(٤) حاشية الجوهرة: (٤٧ - ٤٨).
[ ٣٨٥ ]
ويسترسل في الحديث عن أوجه عظمة هذا الكتاب المبين، يقول عند قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] " أي ميزت لفظًا ومعنى:
فاللفظ في أعلى طبقات البلاغة، معجز لجميع الخلق.
والمعنى: كالوعد والوعيد، والقصص والأحكام، وغير ذلك من المعاني المختلفة.
فإذا تأملت القرآن تجد بعض آياته متعلقًا بذات الله وصفاته، وبعضها متعلقًا بعجائب خلقه من السموات والأرض وما فيهما، وبعضها متعلقًا بالمواعظ والنصائح وغير ذلك، قال البوصيرى:
فلا تعد ولا تحصى عجائبها ولا تسام على الإكثار بالسأم (١) " (٢)
وقد اشتمل حديثه عن عظمة هذا الكتاب على بيان مكانة القرآن الكريم بين الكتب المنزلة، وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨]، يقول: "أل في الكتاب للجنس فيشمل جميع الكتب السماوية، المهيمن: معناه الحاضر الرقيب، فالقرآن شاهد على سائر الكتب وعلى من آمن من أصحابها وكفر" (٣)
ولتأثره الملموس في كثير من مسائل الاعتقاد بآراء الصوفية نجد أنه يفرق بين الظاهر والباطن في التفسير من حيث الجواز والمنع على مختلف طبقات أهل العلم، يقول: "فالمراد بالعوام علماء الظاهر، ليس لهم خوض في القرآن إلا بالمنطوق، وتكلمهم بالعلوم الإشارية التي هي للخواص فضول منهم فالتكلم في اللطائف لغير الأولياء فضول منهم، ويدخلون في الوعيد الوارد: (من فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار)، ما لم يمن الله عليه بعلم لدني فحاله لا ينكر" (٤)
_________________
(١) ديوان البوصيرى: ١٧٠.
(٢) حاشية الجلالين: (٤/ ١٧).
(٣) المرجع السابق: (١/ ٢٧٠).
(٤) الحديث أخرجه الترمذي بنحوه؛ في كتاب تفسير القرآن، باب ما جاء في الذي يُفسِّر القرآن برأيه (٢٩٥٠)، وقال: حديث حسن صحيح: (٥/ ١٨٣)، وانظر: حاشية الصلوات: ٦٣.
[ ٣٨٦ ]
المناقشة:
لقد تقدم الحديث عن القرآن العظيم من حيث إنه كلام الباري تعالى منه خرج وإليه يعود، وأنه غير مخلوق وأنه بلفظه منزل من عند الله تعالى، مسموع الحروف والأصوات، وكيف أن الأشاعرة قد ضلوا في معتقدهم بالكلام النفسي، والذي زعموا فيه أن الحروف والأصوات من سمات المخلوقين؛ التي لا يجوز نسبتها إلى الباري تعالى على جهة الوصف.
وهنا في هذا المبحث نجد كيف أن ذلك المعتقد كان ذريعة للوقوع في وصف القرآن بالخلق من جهة حروفه وأصواته، فكان هذا من الأشاعرة جهلًا بحقيقته المنزلة، ومتابعة لشبه المعتزلة في اعتقاد خلق القرآن.
والعجيب في هذا أن الصاوي يظن بتحريره المسبق في تفصيل القول في حقيقة القرآن وتقسيمه من حيث الحدوث والقدم؛ بأن القدم من جهة كونه معنى قائمًا بذات الله تعالى، وأن الحدوث من جهة كونه حروفًا وكلمات، قد رد على ما اعتقده المعتزلة في خلق القرآن الكريم، وأنه مع الرازي قد أصاب الهدف في دحض الشبهة.
والصحيح في المسألة كما هو معتقد أهل السنة والجماعة أن القرآن الكريم غير مخلوق، وأن اعتقاد كونه مكونًا من الحروف والكلمات لا يطعن في حقيقة اتصاف الله تعالى به على جهة الكلام، وذلك للأمور التالية:
أولًا: أن الله ﷿ كلم موسى - ﵇ - بصوت مسموع: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾.
وفي الحديث عن رسول الله - ﷺ -: (يحشر الله العباد عراة غرلًا، بهما، قلنا: ما بهما؟
[ ٣٨٧ ]
قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: (أنا الملك أنا الديان). (١)
وفي هذا دلالة صريحة على أن كلامه تعالى بحرف، لأنه لا يكون بصوت مسموع إلا لكونه من حروف، يقول شيخ الإسلام - ﵀ - في اعتماد هذا المعتقد عن سائر السلف من الصحابة ومن تبعهم بإحسان: "واستفاضت الآثار عن النبي - ﷺ - والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة السنة؛ أنه سبحانه ينادي بصوت، نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت، أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت، أو بحرف" (٢).
وكان ما ذكر الرازي الإجماع عليه من كون الحروف والكلمات مخلوقة غير صحيح، وعدم علمه بالمخالف لا يعني عدمه، بل الصحيح أنه نقل عن الأئمة التوقف في هذا لعدم ورود النص الذي يقطع بكونها مخلوقة، أو غير مخلوقة؛ وذلك لأن في القطع بأحدها لوازم باطلة، تدل على بطلان ملزومها، فالقول: بأنها مخلوقة يجر إلى القول بخلق القرآن، والقول: بأنها غير مخلوقة يجر إلى اعتقاد أن كلام الناس بشتى أنواعه مبني على ما هو غير مخلوق، ولا يخفى ما في هذا من البطلان الذي يتشدق به أهل الحلول والاتحاد (٣).
والذي يظهر لي أن القول الفصل في المسألة هو ما توصل إليه الدكتور الجديع، حيث قال: "إن الحرف المجرد الذي هو جزء من اللفظ، مثل: (ز) من كلمة:
_________________
(١) ذكره البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أنيس: كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾: (١٣/ ٤٥٣). وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، من حديث عبد الله بن أنيس: (٤/ ٥٥١). حديث حسن: انظر: تخريج الدكتور عبد الله الجديع له في رسالته: العقيدة السلفية في كلام رب البرية: ١١١.
(٢) مجموع الفتاوى: (١٢/ ٣٠٤).
(٣) ومن ذلك قول ابن عربي الطائي: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
[ ٣٨٨ ]
(زيد) لا يقال فيه مخلوق، ولا غير مخلوق؛ لأن الحرف المجرد ليس كلامًا، وإنما يقع الكلام فيما ألف من الحروف فأفاد معنى، ككلمة (زيد) اسم علم معروف.
والكلام المؤلف من الحروف الذي يفيد معنى يفصل فيه: فإن كان كلامًا لله تعالى، كان غير مخلوق.
وإن كان كلامًا للعبد ينشئه من تلقاء نفسه، لا يريد به قراءة كلام الله فهو مخلوق، فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ غير مخلوق، وقولك: (جاءني زيد فأكرمته) مخلوق، لأن الأول كلام الله تعالى نظمه وحروفه، والثاني كلامك نظمه وحروفه" (١)
* * *
- هذا والحديث في عظمة القرآن وأنواع الإعجاز فيه حديث ذو شجون، ويمكن إيجاز القول فيه بأن الإعجاز في القرآن الكريم - كما ذكر الصاوي - على ضربين فقد أعجز لفظًا ومعنى، ولكن الكلام فيما اشتمل عليه ذلك اللفظ والمعنى من أنواع الإعجاز، فقد أحار الأولين والآخرين في الإحاطة به، وقد تناول الزركشي أقوال العلماء في بيان أنواعه: حيث البلاغة من جهة تفاوتها واستمرارها في كل ألفاظه، وعدم إمكان التعبير عنه بنفس المراد مهما بذل من جهد، ومن جهة نظمه وتأليفه، ومن جهة سلامته مع غرابة أسلوبه، ومن جهة ما تضمنه من أخبار الأولين والآخرين، ومن جهة حديثه عن الغيب، وغير ذلك مما يعجز المقام عن التفصيل فيما أشار إليه - ﵀ - حتى قال في الوجه الثاني عشر: "قول أهل التحقيق: إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال (٢)، لا بكل واحد على انفراده، فإنه جميع ذلك كله، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل وغير ذلك مما لم يسبق، فمنها الروعة التي في قلوب السامعين وأسماعهم.
_________________
(١) العقيدة السلفية من كلام رب البرية: ١٧١ - ١٧٢.
(٢) سيأتي كلامه فيها.
[ ٣٨٩ ]
ومنها أنه لم يزل ولا يزال غضًا طريًا في أسماع السامعين، وعلى ألسنة القارئين. ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة، وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبًا في كلام البشر" (١)، إلى غير ذلك من المعاني التي استرسل في بيانها - ﵀ -.
هذا وقد جد في العصر الحاضر حديث آخر عن أوجه إعجاز هذا الكتاب العظيم، ألا وهو الإعجاز العلمي، فقد أقيمت الكثير من الأبحاث والدراسات لتكشف عن شيء من عظمة إعجازه في هذه الجوانب الحسية التجريبية، وهذا كله فيه مصداق لقول الحق جلا في علاه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣].
- وكان من ضمن حديث الصاوي عن الإعجاز ذكر عدد كلمات القرآن الكريم، واعتقاد أن لها ظهرًا وبطنًا، أما عددها فقد ذكر أنها: مائة ألف وأربع وعشرون ألف كلمة، والحقيقة أن هذا من المسائل المختلف في ضبطها، وقد أورد السيوطي أقوال العلماء المتعددة في ذلك، وقد أرجع الاختلاف الواقع في عدها إلى أن كل كلمة لها حقيقة ومجاز، ولفظ ورسم، واعتبار كل منها جائز، وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز.
ثم عقب كلامه في هذه المسألة؛ حيث قال: "لا أعلم لعدد الكلمات، والحروف من فائدة؛ لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان، والقرآن لا يمكن فيه ذلك" (٢)
* * *
ومن جملة ما تناول الصاوي من المسائل المتعلقة بالقرآن: تفسيره وبيانه، وقد فرق في هذه المسألة بين نوعين من التفسير: التفسير بالظاهر، والتفسير الإشاري، وأشار
_________________
(١) البرهان في علوم القرآن: (٢/ ١٠٦).
(٢) الإتقان في علوم القرآن: (١/ ٩٣). وقد عزاه للإمام السخاوي.
[ ٣٩٠ ]
في خلال حديثه عنه إلى بعض القواعد المعتمدة عند المتصوفة فيه، حيث قصر استعماله على طائفة معينة يطلق عليها عند الصوفية بالخواص، ومنع مع ذلك أهل العلم بالظاهر - ويعنى بهم أهل العلم بالشريعة - من التفسير بهذا النوع من التفاسير الصوفية، وقد استند الصاوي فيما ذهب إليه إلى عدد من الأمور المعتبرة عند هذه الطائفة:
أولها: اعتقاد أن للقرآن الكريم ظاهرًا وباطنًا، وأنه لا دلالة واضحة من ظاهره لباطنه؛ بل قد يخالفه تمامًا، بحيث يتأتى للمقتصر على فهم القرآن بظاهر ألفاظه الوقوع في الخطأ المبين إذا أراد أن يستوحي باطن اللفظ كما يعتقد الصاوي، فيقع في الإثم المبين.
ثانيها: تقسيم العلم إلى علم مكتسب وعلم لدني، وأن من كان علمه مكتسبًا لا يتصور منه استنباط الإشارات الباطنية، لأنها لا تتأتى بطريق الاكتساب، بل هي محض فضل من الله تعالى، قد ينال بنوع اجتهاد، ولكنه لا يرجع إلى نحو الأسباب التي يتأتى بها العلم المكتسب.
ثالثها: تفريقه بين العوام والخواص، وجعل طبقة علماء الظاهر من جملة العوام الذين ليس لهم اجتهاد في فهم الإشارات اللدنية، وإرجاع فهم الحقائق إلى أهل الولاية وهم من يسميهم بالخواص.
- أما المسألة الأولى؛ وهي اعتقاد أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، فهذا ما عليه غالب أهل التصوف، وقد نشأ من هذا الاعتقاد ما يسمى بالتفسير الإشاري عند الصوفية، حيث يتوسط في مكانته بين التفسير بالمأثور وبين التفسير الباطني المعتمد عند أهل الباطن، فنجد هذا النوع من التفسير عند بعض المتصوفة يأخذ طابع العمق حتى يخرج به عن التفسير المعهود.
وقد يقع في التأويل الباطني المنحرف بأقصى درجات الانحراف، وقد ينحو به نحو الاعتدال، وهذا ما عليه الغالب، إلا أنه قد يقع في كثير من التخليط فيبعد عن النص بتأويلات بعيدة، لا يدل عليها من قريب، أو بعيد.
[ ٣٩١ ]
وقد يقرب ببعضهم حتى لا يكاد يبعد عن تفسير أهل السنة المعتاد (١).
ولعل هذا هو سبب ولاء الصاوي لابن عربي الطائي، فكثيرًا ما يطلق عليه مسمى: (سيدى) (٢)، وقد كان هذا الاعتقاد منه مدعاة إلى التوقف عن الاستدلال بالظاهر على العقائد، حيث اشتهر بالمقولة الباطلة: "الأخذ بظاهر القرآن كفر" (٣).
والحق في هذه المسألة أن التفريق بين الظاهر والباطن من محدثات الأهواء والبدع، فإن علاقة الباطن بالظاهر علاقة ملازمة، لا يمكن بحال الفصل بينهما، فلا يستدل بالنص على أمر لا يدل ظاهره عليه مفهومًا أو منطوقًا، ولعلي أشير إلى بعض المعاني التي قد تكون صحيحة في نفس الأمر إلا أن علاقتها بالنص تكاد توسم بالبتر، حيث يضرب الإمام الشاطبى مثلًا لذلك الانحراف في الفهم.
فيقول: "لو فسر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]: "بأن السكر هو سكر الغفلة والشهوة وحب الدنيا المانع من قبول العبادة في اعتبار التقوى، كما منع سكر الشراب من الجواز في صلب الفقه، وأن الجنابة المراد بها التضمخ بدنس الذنوب، والاغتسال هو التوبة، لكان هذا التفسير غير معتبر، لأن العرب لم تستعمل مثله في مثل هذا الموضع، ولا عهد لها به، لأنها لا تفهم من الجنابة، والاغتسال إلا الحقيقة".
كما يشير إلى ضرب آخر لا حقيقة له في الأصل ولا علاقة له بالنص على الإطلاق، فصلته بالمعنى المراد مبتورة تمامًا" ومثله قول من زعم أن النعلين في قوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] إشارة إلى خلع الكونين، فهذا على ظاهره لا تعرفه العرب لا في حقائقها المستعملة ولا في مجازاتها".
_________________
(١) انظر: التفسير والمفسرون للذهبي، بحث: أهم كتب التفسير الإشاري: ٣٧٩.
(٢) سيأتي الحديث عنه بإذن الله في باب التصوف.
(٣) راجع مبحث الأسماء والصفات: ٢٠٧.
[ ٣٩٢ ]
ثم يبين وجه القطع بعدم إرادة مثل هذه المعاني، يقول: "فلا يصح استعمال الأدلة الشرعية في مثله، وأول قاطع فيه أن القرآن أنزل عربيًا وبلسان العرب، وكذلك السنة إنما جاءت على ما هو معهود لهم، وهذا الاستعمال خرج عنه". (١)
إذًا حقيقة الفصل بين الظاهر والباطن وَهْمٌ لا أساس له، بل هو أساس لكل باطل من التفسير بالرأي الذي يحرم اعتماده في حق من تصدى لتفسير القرآن الكريم.
وهنا تجدر الإشارة إلى الطريقة المثلى التي سار عليها أئمة السلف في تفسير القرآن الكريم، إذ الأصل المعتمد الذي تقوم عليه الطريقة الصحيحة هو: التفسير إما بنقل ثابت، أو رأي صائب، وما سواهما فباطل.
ويرجع هذا الأصل من حيث المستند إلى ما تواتر من دلائل الكتاب والسنة وأقوال السلف.
هذا ويندرج تحت ذلك الأصل عدد من القواعد المتعلقة بأنواع النقل وترتيبها حسب الأهمية، فلا تصح مجاوزة قول النبي إلى قول غيره مع التيقن من صحته، كما لا يعدل عن قول الصحابي إلى من هو دونه مع وجوده، وإذا اختلف في المسألة على قولين ينظر في أدلة كل منهما وثبوتها من حيث السند، إلى غير ذلك.
ومع عدم وجود تفسير للنص من الأحاديث والأخبار والآثار؛ فإنه يرجع إلى تفسير القرآن باللغة التي نزل بها، ومن هنا يكون مدخل الرأي الصائب؛ حيث يعمل دلالة اللغة إلى أقرب معنى، وأصحه، وأفصحه من معاني اللغة العربية في ضوء ما يرتبط به من نصوص فسرت بالنقل الصحيح. فلا يخرج عن معهود الشارع في مراده من النصوص في الغالب.
_________________
(١) الموافقات: (٣/ ٢٥٠). لمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى كتاب: قواعد التفسير، للدكتور: خالد عثمان السبت، وبحوث في أصول التفسير، للدكتور: محمد لطفي الصباغ.
[ ٣٩٣ ]
يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في وجوب إعمال الأصل السابق، وذلك في حديثه عن حقيقة الرأي الصائب: "أن يكون - أي الرأي المحمود - بعد طلب علم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها في القرآن، ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة، فبما قضى به الخلفاء الراشدون، أو اثنان منهم، أو واحد، فإن لم يجده، فبما قاله واحد من الصحابة - ﵃ - فإن لم يجده، اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وأقضية أصحابه، فهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة، واستعملوه، وأقر بعضهم بعضًا عليه" (١).
إذًا فالرأي المذموم الذي أتى فيه الوعيد؛ هو "رأي مجرد لا دليل عليه، بل هو خرص وتخمين".
أما الرأي المحمود، والذي لا مندوحة عنه للمفسر العالم في كثير من الأحيان؛ فهو الذي يستند "إلى استدلال، واستنباط من النص وحده، أو من نص آخر معه" (٢).
ومن هنا نعلم حقيقة ما أثر عن أبي بكر الصديق - ﵁ - في التوقف عن التقول في كتاب الله برأيه، فإنه - ﵁ - سئل عن معنى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾، فقال: (أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأي) (٣).
فالدافع إلى توقفه - ﵁ - هو عدم علمه بما يستند إليه في تفسيره لهذه الكلمة.
- وإذا تبين هذا، وعلم أن الرأي لا يكون صائبًا إلا إذا استند إلى حقائق شرعية لغوية، وأنه قد أثر توقف كبار الصحابة عن تفسير القرآن بالرأي المحض؛ علم ضلال القائل باختصاص أهل الولاية في فهم المعاني الإشارية دون غيرهم من أهل العلم بالشريعة التي يطلق عليه الصوفية "علم الظاهر".
وعلم أيضًا ضلال من قدم أهل الولاية كما يسمون عند المتصوفة على أهل العلم بالحقائق الشرعية المكتسبة من الطرق اليقينية.
_________________
(١) إعلام الموقعين: (١/ ٨٥).
(٢) المرجع السابق: (١/ ٨٣).
(٣) الجامع لشعب الإيمان: فصل في ترك التفسير بالظن، رقم الحديث: ٢٠٨٢: (٥/ ٢٢٨). وانظر إعلام الموقعين: (١/ ٥٤).
[ ٣٩٤ ]
وعلم أيضًا ضلال من خرج عن هدى الصحابة الكرام في توقفهم عن تفسير كتاب الله بغير مستند شرعي؛ مع ثبوت الرفعة لمكانتهم عند الله، وخيريتهم على سائر القرون.
بل وعلم ضلال الصوفية أيضًا في تقديم خواصهم على ما أثر عن الصحابة لمعرفة ما يسمى بعلم الإشارات، الذي كثيرًا ما يخرج بصاحبه إلى التقول على الله بغير علم، وإلى الابتداع المنهي عنه، وقد يقع به أيضًا في الكفر والعياذ بالله.
ونقل عن ابن الصلاح (١) أنه قال في فتاويه عن تفاسير هؤلاء: "الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئًا من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرًا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة في القرآن العظيم، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك منهم ذكر لنظير ما ورد به القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير، فمن ذلك قول بعضهم في: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]: إن المراد النفس، فأمرنا بقتال من يلينا، لأنها أقرب شيء إلينا.
وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه.
فكأنه قال: أمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك، لما فيه من الإبهام والالتباس. انتهى من كلامه - ﵀ -. (٢)
فهل بعد هذا التقول على كتاب الله بغير علم من ضلال؟
_________________
(١) هو أبو عمر عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الشهر زوري المعروف بابن الصلاح، ألفية الشافعي، برز في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال، وكانت له مشاركات في فنون عديدة، صنف في علوم الحديث كتابًا نافعًا، وكذلك في مناسك الحج، وجمعت له فتاوى في مؤلف، وغير ذلك من المصنفات توفي ﵀ سنة: ٦٤٣ هـ بدمشق. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان: (٣/ ٢٤٣)، وطبقات السبكي: (٨/ ٣٢٧).
(٢) البرهان في علوم القرآن، للزركشي، بتصرف يسير: (٢/ ١٧٠).
[ ٣٩٥ ]
- وعليه فإن تقسيمه السابق للعلوم من حيث طرق تحصيلها إلى مكتسب ولدني، وأن معرفة الإشارات لا تتأتى لأحد من أهل العلم المكتسب، لا حقيقة له، بل هو محض وهم.
ومبنى هذا التصور أن الإلهام مصدر من مصادر التلقي التي يستند إليها في فهم الكتاب العظيم، وقد تقدم بطلان هذا وبيان أن الإلهامات لا يستند إليها فيما يتعلق بفهم نصوص الشرع، إذ ليس لأهل الولاية عصمة من وساوس الشيطان وتضليله، وإنما ترجع في حجيتها إلى موافقتها لمصدر التلقي اليقيني: الكتاب والسنة، فما وافقهما قبل، وإلا فلا اعتداد به البتة في أي استنباط لا استناد له إلى قواعد التفسير المسبقة.
ومن العجب أن يخالف الصاوي نفسه في هذا الباب ويدخل في ضرب من التناقض المخل، حيث يفرق عند حديثه عن الوحي بين إلهام الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وغيرهم من الأولياء: بأنه لا عصمة لهؤلاء بخلاف أولئك الذين عصمهم الله من وساوس الشيطان وغيرها.
وليس في هذا ما يناقض اعتقاد أن للتوفيق والهداية والولاية دور كبير في فهم القرآن الكريم والوقوف على معانيه وإدراك مغازيه، في ضوء التزام القواعد المسبقة، فـ "إن هذا الكتاب هدى للمؤمنين وشفاء، فقلوب المؤمنين هي التي تدرك طبيعته وحقيقته، فتهتدي به وتشتفي.
فأما الذين لا يؤمنون فقلوبهم مطموسة، لا تخالطها بشاشة هذا الكتاب، فهو وقر في آذانهم، وعمى في قلوبهم، وهم لا يتبينون شيئًا لأنهم بعيدون جدًا عن طبيعة هذا الكتاب وهواتفه ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].
ويجد الإنسان مصداق هذا القول في كل زمان وفي كل بيئة.
فناس يثقل هذا القرآن على آذانهم وعلى قلوبهم، ولا يزيدها إلا صممًا وعمى، وما تغير القرآن، ولكن تغيرت القلوب وصدق الله العظيم" (١)
_________________
(١) في ظلال القرآن: (٥/ ٣١٢٨).
[ ٣٩٦ ]
الفصل السابع: آراؤه في الإيمان بالنبوات
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: مفهوم النبوة والرسالة.
المبحث الثاني: الإيمان بالرسل والأنبياء.
المبحث الثالث: خاتم الأنبياء وعموم رسالته.
المبحث الرابع: دلائل النبوة.
[ ٣٩٧ ]
تمهيد
اقتضت حكمة المولى تعالى وعظيم منته؛ أن يختص بفضله من يشاء من عباده؛ ليتم بذلك أداء رسالة التبليغ، والتي بها يخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر إلى نور اليقين والإيمان، فالرسالة نعمة سابغة بها يتأتى الرضا بالله ربًا وبشرعه دينًا، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] ومن هنا علمت الضرورة الملحة إلى إرسال الرسل، والاقتداء بهديهم، فـ "بمتابعتهم يتميز أهل الهدى من الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها" (١).
وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، يقول الإمام السعدي - ﵀ -: "يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة، إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة، ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له" (٢)
وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، يقول الإمام ابن كثير - ﵀ -: "أي بالحق والعدل، وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به، فإن الذي جاءوا به هو الحق، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، أي صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوأوا غرف الجنات: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا
_________________
(١) زاد المعاد، لابن القيم: (١/ ٦٩).
(٢) تيسير الكريم الرحمن: ٤٦٨.
[ ٣٩٨ ]
لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] " (١)
ولما كانت للرسالة هذه المنزلة العظيمة؛ بحيث تعلق بها المقصد الأسمى والغاية العظمى من إيجاد الثقلين الجن والأنس، وأنيط بها تحقيق العدل الذي قامت به السموات والأرض؛ تولى المولى تعالى اختيار من هو أهل للقيام بأداء واجباتها من البشر، قد اصطفاهم ربنا تعالى لعلمه الذي وسع كل شيء، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧].
ولكل ما تقدم صار الإيمان بهم ركنًا عظيمًا من أركان الإيمان؛ لا يقبل الله تعالى بدونه من أحد صرفًا ولا عدلًا، وأتى الأمر بذلك مؤكدًا موثقًا بعدم التفريق في الإيمان بين أحد منهم، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
هذا وقد وقف أتباع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أمام ذلك الصرح الإيماني العظيم، موقفًا يتغاير بين الإفراط والتفريط، بين الغلو والتقصير، والقليل هم الذين التزموا منهج الوسطية، الذي يمثل صورة الاعتدال المأمور بها في الإيمان بهم - صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين - فالإيمان بأنهم رسل من عند الله تعالى، قد اصطفاهم المولى ﵎، وخصهم بالعصمة، وما انبنى عليها من وجوب الاتباع التام، حمل البعض من ضعاف البصيرة على الغلو في شأنهم؛ حتى رفعوهم عن مرتبة البشر، ولعل النصارى ومن شابههم من غلاة الصوفية، هم من مثلوا هذا الاتجاه المنحرف، والذي دفعهم إلى الوقوع في الشرك عند نهاية المطاف، قال تعالى مخبرًا عن هذه الحقيقة: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم بتصريف يسير: (٤/ ٤٠١).
[ ٣٩٩ ]
عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] أما الذين مثلوا صورة التقصير المخل فهم اليهود لعائن الله عليهم، حيث كذبوا الرسل - صلوات ربي وسلامه عليهم - حتى حملهم ذلك التكذيب والعداء على أن قاموا بقتلهم أو رميهم بأنواع التهم والقبائح والفواحش التي يترفع عنها أوساط الناس وأشرفهم (١)، وهذا ما حدثتنا به آيات الكتاب العظيم، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥].
ولكل ما تقدم صار إيمان كثير ممن اتبعوا الأنبياء مشوبًا بالنواقض القادحة في أصله، وفي هذا يقول الإمام الشوكاني عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾: "الغلو: هو التجاوز في الحد، ومنه غلا السعر يغلو غلاءً، وغلا الرجل في الأمر غلوًا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها، والمراد بالآية نهيهم عن الإفراط تارة، والتفريط أخرى، فمن الإفراط غلو النصارى في عيسى؛ حتى جعلوه ربًا، ومن التفريط غلو اليهود فيه - ﵇ - حتى جعلوه لغير رشدة" (٢).
لذا أتى نهي النبي شديدًا عن الاقتداء بأهل الكتاب؛ فقد قال - ﵊ -: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله). (٣)
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: العهد القديم: صموئيل الثاني، الإصحاح الثالث عشر في كلامهم عن سيدنا داود - ﵇ - في التوراة المحرفة.
(٢) فتح القدير: (١/ ٨٠٧) بتصرف يسير.
(٣) تقدم تخريجه: ٧٢.
[ ٤٠٠ ]
فكان منهج التوسط والاعتدال هو خير الأمور، فالإيمان بهم وطاعتهم لا يخرج بالعبد عن اعتقاد بشريتهم، وأنهم رسل من عند الله؛ طاعتهم لطاعة الله، ومحبتهم لمحبته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وسيأتي مزيد بيان في المباحث التالية بإذن الله.
* * *
[ ٤٠١ ]
(المبحث الأول): مفهوم النبوة والرسالة
تعددت أقوال العلماء في تعريف النبوة والرسالة والتفريق بينهما، وكان هذا المبحث مما شاع الحديث عنه بين العلماء، وهناك ما نقلته من كلام الصاوي، معلقة عليه بكلام السلف - الصالح رضوان الله عليهم -:
تعرف النبوة في اللغة بأنها مشتقة من النبأ؛ فيكون معناها الإخبار، قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ - ٢].
كما تشتق من النبوة بمعنى الارتفاع؛ فيكون معناها العلو والمكانة الرفيعة، (١) وكل هذه المعانى مما يصح إرادتها في حق النبي؛ فالنبى مخبر من المولى ﵎، وهو ذو مكانة ورفعة، ويحصل بطريقته الاهتداء لأمر الله تعالى.
أما الرسول لغة فمشتق من الإرسال، ويقصد به التوجيه والبعث (٢)، قال تعالى في قصة ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥].
وقد أطلق هذا المسمى على الرسل؛ لأنهم موجهون من عند الله تعالى لهداية الناس، ودلالتهم على مسالك الخير.
أما في تحديد المصطلح الشرعي لكل منهما، فللعلماء في ذلك أقوال متعددة، يرجع بيانها إلى تحديد العلاقة بين الرسول والنبى، فهناك من نفى وجود أي فارق بين النبي والرسول، وبالتالى فقد جعل التعدد في المسمى إما بالنبى أو الرسول ليس من قبيل تغاير الذوات، وإنما من قبيل تعدد الأوصاف التي تقضى بتعدد
_________________
(١) انظر: لسان العرب، لابن منظور: مادة نبأ: (٧/ ٤٣١٥).
(٢) المرجع السابق: مادة رسل (٣/ ١٦٤٣). وانظر: الشفا للقاضى عياض في معنى النبي والرسول في اللغة: (٢/ ٧٢٦ - ٧٢٨).
[ ٤٠٢ ]
الأسماء الدالة عليها، وبالتالى فتكون العلاقة بينهما هي التغاير في المفهوم، والاتحاد فيما صدق، فالنبى هو وصف من اصطفاه المولى للقيام بمهمة الرسالة بما يؤهله لها، حيث نبئ بالوحى؛ فهو مأمور بإبلاغه لذلك.
أما الرسول فهو وصف لذلك المصطفى بمقتضى المهمة التي كلف بها، وهى القيام بشؤون الإبلاغ وتكاليف الرسالة.
وعليه فإن العطف الذي ورد في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] ليس فيه دلالة على التباين بين المعطوف والمعطوف عليه، لأن التغاير مع التسليم بثبوته عند العطف لا يقضى بانتفاء العلاقة بينهما، فقد ينصرف إلى تغاير الصفات دون الذوات، فيفرق بين مطلق المغايرة والمغايرة المطلقة؛ لأن لفظ التغاير إذا أطلق يحتمل كلا المعنيين، وهذا معروف في أدلة الشرع، كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]، فإنه ليس لأحد أن يحتج لمخالفة شخص النذير للبشير؛ بوجود العطف الذي يقضى بالتغاير؛ لأن التغاير كما سبق وأن أشرت لفظ مجمل يصدق فيه أدنى تغاير، ولو من جهة الأوصاف. (١)
وهذا القول الذي يقرر ترادفهما، مما ذكره القاضي عياض (٢) عند عرضه للأقوال في هذه المسألة، وحكم بضعفه لمخالفته ما عليه عامة أهل العلم من وجود الفرق بينهما.
وهناك من جعل العلاقة بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا؛ فكل رسول نبى، وليس كل نبى رسولًا؛ فكان بذلك عدد الأنبياء أكثر من الرسول، وقد استدلوا لهذا
_________________
(١) انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام في بيان التغاير الذي وردت به ألفاظ الكتاب والسنة: ١٦٣.
(٢) هو القاضي العلامة عياض بن موسى اليحصبى السبتى، ولد بسبتة سنة: ٤٧٦ هـ قال عنه ابن بشكوال: هو من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم استقضى بسبتة مدة طويلة، له كتاب الشفاء في شرف المصطفى، وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك، وغير ذلك، توفى سنة: ٥٤٤ هـ. انظر: وفيات الأعيان: (٤/ ١٣٠٤).
[ ٤٠٣ ]
بالحديث الشريف الذي أخبر فيه النبي أن عدة: (مائة ألف وأربعمائة وعشرون ألفًا، والرسل من ذلك ثلاث مائة وخمسة عشر، جمًا غفيرًا) (١)
وكذلك استدلوا بالعطف الذي يدل على التغاير الوارد في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾. وفي مفهوم هذا التغاير الذي ميز الرسول عن النبي فقلت له أعداد الرسل تعددت أقوال هذه الطائفة من العلماء:
- فمنهم من ذهب إلى أن الرسول هو من أرسل بشرع جديد، أما النبي فهو الذي أرسل بشرع من قبله، وقد اعترض عليه بأن بعضًا من الرسل كانوا على شريعة من قبلهم كـ داود وسليمان؛ فقد كانا على شريعة التوراة، وكذلك يوسف فقد كان على شريعة إبراهيم - عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم - قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣].
- ومنهم من ذهب إلى أن الرسول هو من أمر بالتبليغ، حيث وصف بالإرسال، الذي يدل على هذا المعنى، أما النبي فهو من لم يؤمر بالتبليغ؛ حيث انتفى عنه التكليف لانعدام الوصف بالإرسال (٢).
وهذا المذهب لم يسلم من اعتراضات أوردها العلماء عليه؛ وذلك لمخالفته صريح النص الدال على أن النبي والرسول كلاهما قد توجه إليه الإرسال، الذي يقضى بالتبليغ، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] (٣).
* * *
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده، من حديث أبى أمامة الباهلى، رقم الحديث: ٢١٧٨٥: (٦/ ٣٥٥).
(٢) وانظر في هذه الأقوال المتعددة كتاب شرح الشفا للقاضى عياض: (٢/ ٧٢٩ - ٧٣١).
(٣) سيأتي مزيد بيان في مناقشة هذا المذهب.
[ ٤٠٤ ]
رأي الشيخ الصاوي:
يعرف الصاوي النبي لغة بأنه: "المرتفع أو الرافع". (١)
أما الرسول في الاصطلاح فهو "إنسان ذكر حر أوحى إليه بشرع، وأمر بتبليغه، فإن لم يؤمر به فنبى فقط" (٢)
ويحدد العلاقة بينهما مفصلًا، مع ذكر الأقوال في ذلك، فيقول: "النبي أعم من الرسول؛ فيلزم من كونه رسولًا أن يكون نبيًا ولا عكس، ولا يلزم أن يكون له كتاب وهذا هو المشهور.
وقيل: النبي والرسول مترادفان، وقيل: الرسول من كان له شرع جديد وكتاب".
ثم يورد اعتراض من اعترض على حصر الرسالة في البشر، فيقول: "فإن قلت: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] يفيد أن الرسل يكونون من الملائكة أيضًا، وهو خلاف التعريف.
أجيب بأن الرسول المعرف هنا هو الذي يبلغ الأمم وأما رسل الملائكة فهم لتبليغ بعضهم بعضًا ولتبليغ رسل البشر، فالموضوع مختلف. (٣)
كما أنه يرد على من قال بنبوة النساء؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾، فيقول: "المراد الإلهام لا وحى النبوة" وكل من اعتقد فيها ذلك من النساء الصالحات" فولية على المعتمد" (٤)
أما الحرية، فيؤكد على وجوب توفرها في الرسول، ويرد على من منع اشتراطها؛ استدلالًا بنبوة لقمان - ﵇ - حيث يرى الصاوي تضعيف القول بعبوديته، ويرد حكاية ذلك إلى ما اتصف به من سمار اللون فشابه العبيد بذلك، دون أن يكون منهم.
_________________
(١) حاشية الخريدة: ٢١.
(٢) شرح المنظومة: ١٤٣.
(٣) حاشية الخريدة: ٢١.
(٤) حاشية الجوهرة: ٤٥.
[ ٤٠٥ ]
وكل ما قيد به التعريف زيادة على ما ذكر، كاشتراط البلوغ، فمحل اختلاف، يقول: "واختلف في البلوغ، فقيل بعدم اشتراطه؛ ودليل ذلك آية عيسى ويحيى، وقيل باشتراطه، ويؤول ما ورد في حق عيسى ويحيى؛ بأنه إخبار بما سيحصل لتحقيق الوقوع كـ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ " (١)
ويظهر من خلال أقواله المتعددة في أحوال الرسل والأنبياء أن ثمة فرقًا آخر يراه بين الرسول والنبى، قد يمثل نوع امتداد لما ذكره من حصر مهمة التبليغ في الرسل دون الأنبياء، أو كنتيجة لهذا التعريف، يقول في دحض شبه من احتج بمخالفة الخضر والأسباط - ﵈ - للظاهر المعمول به: "أجيب بأنهم لو كانوا أنبياء إلا أنهم ليسوا برسل مشرعين، فللنبى أن يفعل بمقتضى الحقيقة وباطن الأمر، كما في خرق السفينة وقتل الغلام الواقع من الخضر - ﵇ -، فهو بحسب الظاهر حرام، وبحسب الباطن مصلحة" (٢)
ومما تقدم يتبين أن حقيقة النبوة كما يؤكد على ذلك الصاوي اجتباء واصطفاء، لا تنال بالاكتساب، يقول: "النبوة ليست مكتسبة لأحد" (٣) ويستدل ذلك بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ويرى أن القول باكتسابها مردود وذلك "بطرد إبليس مع كونه أكثر الخلق عبادة" (٤)
* * *
تعليق:
إن ما ذكره الصاوي بصيغة الترجيح على أن الرسول هو من أوحى إليه بشرع جديد وأمر بتبليغه، وأن النبي من لم يؤمر بتبليغه، فدلالة النصوص صريحة في رده، وذلك أن منها ما يدل صراحة على أن الأنبياء كانت لهم مشاركة واسعة في
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) حاشية الخريدة: ٩٨.
(٣) حاشية الجلالين: (٣/ ٢١٤).
(٤) حاشية الجوهرة: ٤٥. وانظر: حاشية الجلالين: (١/ ١٤٠).
[ ٤٠٦ ]
ميادين التبليغ، وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وغيره من ميادين التبليغ، كالحكم وإعمال شريعة الله تعالى بين الناس، يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وكذلك قول المصطفى - ﷺ -: (عرضت على الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبى معه الرجلان، والنبى معه الرهط، والنبى ليس معه أحد) (١) ففى هذا الحديث دلالة صريحة على أنه كان من الأنبياء تبليغ لأقوامهم، أشار إليه الإتباع الوارد في الحديث.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالتبليغ الذي حقيقته الدعوة إلى الله تعالى أمر قد أنيطت به الخيرية الموجبة لفلاح المؤمنين، وتقديمهم على سائر الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠].
حتى أن تخلى بني إسرائيل عن هذه المسؤولية العظيمة؛ أدى إلى نزع التفضيل عنهم، ورفع الاصطفاء منهم، قال تعالى في بيان سبب استحقاقهم للعن والإبعاد عن رحمة الله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩].
وكان ما ذهب إليه في بيان الفرق بينهما مدعاة له - كما ذكرت من أقواله - إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري في: كتاب الطب - باب من لم يرق، رقم الحديث: ٥٧٥٢.
[ ٤٠٧ ]
الاعتذار عن ما فعله الأسباط والخضر - ﵇ - من مخالفة ظاهرة لما هو مأمور أو معهود في الظاهر من الشرع؛ بكونهم أنبياء لم يؤمروا بالتبليغ، فجاز لهم العمل بمقتضى الحقيقة، والحقيقة أن تخريج فعلهم على نحو ما ذهب إليه، من التفريق بين الرسول والنبى في شأن التبليغ المقتضى للإتباع بعيد ولا يصح؛ إذ ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة، بل الأدلة السابقة كلها تحكم بضعفه وعدم حجيته، والجواب على ما ذكر من مخالفهم الظاهر يصح من وجوه أخرى؛ تستند إلى نصوص الكتاب والسنة بعيدًا عن مثل هذه الآراء التقريرية التي مال إليها، فالصواب أن الخضر نبى كما عليه غالب أهل العلم (١)، وليس في الآيات التي في سورة الكهف ما يدل على مخالفته الشرع في حقيقة الأمر، فكل ما هنالك أن الله تعالى أطلعه على أمور لم يظهرها لموسى - ﵇ - ولو ظهرت له لعمل عمله فيها، فالقاعدة الفقهية تقول: إذا تعارض مفسدتان روعى أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما (٢)، وهذا ما كان من الخضر - ﵇ - فخرقه للسفينة كان لدفع مفسدة أعظم مما قام بفعله، ولا شك أن هذا سائغ شرعًا كما تقدم، وتسند هذه القاعدة إلى الأصل القائم على دفع المضار [لا ضرر ولا ضرار]، ودليلها من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
أما إصلاحه الجدار من أجل اليتيمين فمشروعيته من البيان بمحل؛ إذ الوصية بالأيتام ورعاية مصالحهم مما قد اتفقت الشرائع على الأمر بالتحلى به، ويزداد الأمر خصوصية في حال الصالحين وذوى الفضل، وكان ما علمه الخضر من شأنهم وحى أوحاه الله إليه، وأخفاه على موسى - ﵇ - ولو علمه لما توانى عن فعله.
_________________
(١) انظر: فتح الباري: (٦/ ٤٣٤).
(٢) انظر: الأشباه والنظائر، لابن نجيم: ٨٩. وانظر شرح صحيح مسلم للنووى في حديث الأعرابى الذي بال في المسجد: (٣/ ١٩١). وانظر كتاب: القواعد الفقهية الكبرى لـ د/ صالح بن غانم السدلان.
[ ٤٠٨ ]
وأما قصة قتل الغلام، فالراجح فيها أن الخضر إنما حصل منه القتل بعد تحقق موجبه من كفر الغلام، دل على ذلك قراءة ابن عباس - ﵄ -: "قال سعيد بن جبير: فكان ابن عباس يقرأ: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غضبًا. وكان يقرأ: [وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين] " (١).
ففى هذه القراءة دلالة صريحة على تحقق الكفر منه؛ حتى استحق إطلاق مسماه عليه فعلًا وقت قتل الخضر له، وبهذا جزم قتادة - ﵀ - فقد روى عنه أنه قال: "لعمرى ما قتله إلا على كفر" (٢)
والكفر الواقع من الغلام لم يكن موسى - ﵇ - على علم به، فجهله به هو الذي حمله على استنكار ما فعله الخضر، وعليه فإن ما علمه الخضر بوحى من الله كما نص عليه حديث البخاري كان من الغيب المقيد النسبى، دليله ما أخبر به المصطفى - ﷺ -: [يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمكه الله لا أعلمه] (٣).
بقى اعتراض من اعترض على عدم مشروعية قتله بالظاهر من الشريعة لكونه ما زال في سن الأحداث؛ حتى وصف بأنه غلام، ويجيب شيخ الإسلام على هذا بكون: "الغلام الذي قتله الخضر إما أن يكون كافرًا بالغًا كفر بعد البلوغ؛ فيجوز قتله، وإما أن يكون كافرًا قبل البلوغ؛ وجاز قتله في تلك الشريعة، وقتل لئلا يفتن أبويه عن دينهما، كما يقتل الصبى الكافر في ديننا؛ إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا بالقتل. . . وقد يقال: بل في السنة ما يدل عليه، ومنه قول ابن عباس لنجدة الحرورى لما سأله عن قتل الغلمان: [إن علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتله وإلا فلا]. (٤)، (٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير - باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾، رقم الحديث: ٤٧٢٥.
(٢) التمهيد، لابن عبد البر: (١٨/ ١٠٨).
(٣) الحديث السابق.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: باب النساء الغازيات والنهى عن قتل صبيان أهل الحرب: (١٢/ ١٩٤).
(٥) درء التعارض: (٨/ ٤٢٨).
[ ٤٠٩ ]
أما عن الأسباط؛ فالصحيح أن هذه تسمية أطلقت على القبائل الكبيرة من نسل يعقوب - ﵇ -، وكان منهم أنبياء، يقول ابن جرير: "وأما (الأسباط) الذين ذكرهم، فهم اثنا عشر رجلًا من ولد يعقوب بن إسحق بن إبراهيم. ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا أسباطًا، كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: الأسباط: يوسف وأخوته، بنو يعقوب، ولد اثنى عشر رجلًا، فولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا: أسباطًا" (١)
وعليه فلا حجة فيه للتفريق بين ما يفعله الأنبياء والرسل؛ فكلهم محكوم فعله بالشرع، وهم في ذلك قدوة تقتفى آثارهم.
* * *
فإذا ثبت ضعف هذا القول واستبعاده عن جهة الصواب، فإن الراجح في المسألة هو ما نبه إليه شيخ الإسلام من أن ثمة زيادة في التكليف والإبلاغ يختص بها الرسول، وهو ما عبر عنه بالإرسال إلى القوم المخالفين، يقول - ﵀ -: "النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبى وليس برسول" (٢)
فدائرة النبوة أكبر من دائرة الرسالة، وذلك من جهة أهلها، إذ يمكن تحديد العلاقة بينهما بالعموم والخصوص المطلق، فـ "الرسول أخص من النبي، فكل رسول نبى وليس كل نبى رسول، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها" (٣)
_________________
(١) تفسير ابن جرير: (١/ ٥٦٨).
(٢) كتاب النبوات: ٢٥٥.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية: ١٥٨.
[ ٤١٠ ]
وما أورده الصاوي من قيود أخرى في التعريف، كالبشرية، والذكورة والحرية فصحيحة؛ قد دل على اعتبارها الكتاب والسنة.
- فبشرية الرسل كانت لحكمة عظيمة قدرها المولى تعالى، حيث يتأتى الإتساء بهم، وتسهل بذلك معاشرتهم، وتلقى التكاليف البشرية عنهم، هذا إلى جانب أنه من نوع الابتلاء بهم.
ففى الحديث القدسى فيما يخبر - ﷺ - عن ربه أنه قال: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك (١)
قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤، ٩٥].
ويندرج تحت مفهوم البشرية مفاهيم عدة، فالبشرية تعنى العبودية وتعنى الافتقار؛ وتعنى انتفاء الألوهية بشتى معالمها، وكثيرًا ما يستدل القرآن الكريم على عبودية الرسل؛ لإبطال المعتقدات الفاسدة المتعلقة بهم؛ ببيان بشريتهم، وما تقتضيه من ضعف، وحاجة، وجهل بأمور الغيب، مما يبعد تلك المعتقدات عن التصور السليم غاية البعد، ويصحح المقاييس، ويضع كل شيء في محله، فالرسول بشر وعمله هداية البشر وإخراجهم من ظلمات الكفر، ومعجزاتهم ما هي إلا دليل على صدق ما أتوا به.
قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥].
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار: (١٧/ ١٩٨).
[ ٤١١ ]
- أما القيد الثاني في التعريف وهو ما عبر عنه بالذكورة؛ فهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩]
واختصاص النبوة بجنس الرجال هو مقتضى القيومية التي خصهم الله تعالى بها دون النساء، ولا يخفى أن الرجل أقدر على أداء هذه المهمة العظيمة، وأجدر بالقيام بواجباتها وحقوقها من الجهاد والرئاسة والحكم، وغير ذلك كما لا يخفى. (١)
وكانت هذه المسألة مما تعددت فيها الأقوال، فالذين ذهبوا إلى نبوة النساء قالوا: لا حجة في الآية على منع النبوة، وإنما هي خاصة بالرسالة فقط.
هذا ويستند القائلون بنبوة النساء، كما يقرر ذلك الإمام ابن حزم - ﵀ - إلى ما ورد في حق مريم - ﵍ - من إرسال الملك، وإعلامها بما سيكون من ولدها، وأمرها بالصلاة والإكثار من القربات، وكذلك ما ورد في حق أم موسى حتى بادرت بإلقاء ولدها في اليم لما أوحى لها بذلك، يقول: "فأما أم موسى وأم عيسى وأم إسحاق فالقرآن قد جاء بمخاطبة الملائكة لبعضهن بالوحى، وإلى بعض منهن عن الله ﷿ بالإنباء بما يكون قبل أن يكون، وهذه النبوة نفسها التي لا نبوة غيرها؛ فصحت نبوتهن بنص القرآن" (٢)
وكان هذا قول البعض من أهل العلم عد منهم الحافظ ابن حجر - ﵀ -: الأشعري والقرطبى (٣) إلى جانب ابن حزم - ﵏ -، وقد ذكر أدلة أخرى استدل بها القائلون بجواز نبوة النساء منها ما أخبر به المصطفى - ﷺ - من حصول الكمال للبعض منهن، وما ورد في القرآن الكريم من اصطفاء مريم - ﵍ - على نساء العالمين (٤)
_________________
(١) انظر: لوامع الأنوار للسفارينى: (٢/ ٢٦٦).
(٢) الفصل في الملل: (٤/ ١١).
(٣) هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجى الأندلسى، من كبار المفسرين، صالح متعبد من أهل قرطبة، من كتبه الجامع في أحكام القرآن، والأسنى في أسماء الله الحسنى، والتذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة، توفى سنة: ٦٧١ هـ انظر: شذرات الذهب: (٥/ ٣٣٥)، والأعلام: (٥/ ٣٢٢).
(٤) انظر فتح الباري: (٦/ ٤٤٧ - ٤٤٨ - ٤٧٠ - ٤٧١).
[ ٤١٢ ]
يقول القرطبي - ﵀ - في الاستدلال بالكمال على ثبوت النبوة: "الكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء، ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين، وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة؛ فيلزم عليه أن تكون مريم - ﵍ - وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك، والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم، ويأتى بيانه أيضًا في مريم، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها" (١)
والصحيح في المسألة أن الوحى قد يستعمل بمعناه العام؛ فلا يكون الاحتجاج به كافيًا في إثبات النبوة، فالوحى - كما سبقت الإشارة إليه - يعني: الإشارة والرسالة والإلهام والكلام الخفى وكل ما ألقيته إلى غيرك" (٢)، وجاء في تهذيب اللغة أن أصل الوحى في اللغة: إعلام في خفاء ومنه سمى الإلهام وحيًا". كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١] وما ورد في سورة النحل أيضًا: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا حقيقة الوحى: "الوحى هو الإعلام السريع الخفى، إما في اليقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحى، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك عن النبي - ﷺ - في الصحاح.
وقال عبادة بن الصامت - ﵁ - ويروى مرفوعًا: (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام) وكذلك في اليقظة، فقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتى فعمر) (٣)، (٤)
_________________
(١) تفسير القرطبي: (٤/ ٨٣).
(٢) لسان العرب لابن منظور: (٨/ ٤٧٨٧).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة - مناقب عمر بن الخطاب، حديث رقم: ٣٦٨٩. وأخرجه مسلم في: كتاب فضائل الصحابة.
(٤) مجموع الفتاوى: (١٢/ ٣٩٨).
[ ٤١٣ ]
وبهذا المعنى فسر الإيحاء في حق أم موسى - ﵇ -، والذي ورد ذكره في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧]، ذكر تفسيره به الإمام ابن جرير عن قتادة، حيث قال: "وحيًا جاءها من الله فقذف في قلبها، وليس بوحى نبوة" (١)
لذا فإن شيخ الإسلام قد ضعف القول بنبوة أم عيسى وموسى؛ مستندًا إلى أن الوحى لا يكفى في الدلالة على النبوة، يقول: "وليس كل من أوحى إليه الوحى العام يكون نبيًا؛ فإنه قد يوحى إلى غبر الناس، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾، وقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] " (٢).
وكل ما استدل به القائلون بنبوة النساء ليس فيه مستند قوى يعتمد عليه في إثبات ذلك، فتكليف أم موسى بإلقاء ولدها - ﵇ - في اليم ليس بكافٍ في إثبات نبوتها؛ لأن حقيقة النبوة إرسال من الله يقتضى التكليف بالإبلاغ، كما سبق بيانه، فمن تمعن في حقيقة الإرسال الذي يعم الأنبياء والرسل وجده محصورًا في الرجال فقط؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] وهذا كما هو معلوم على القول الراجح في أن الإرسال المقتضى للتبليغ يعم الأنبياء والرسل أجمعين.
أما وصف بعض النساء بالكمال والاصطفاء فليس فيه ما يثبت لهن النبوة؛ لأن الله تعالى أثبت الاصطفاء لبعض خلقه دون أن يكون في ذلك دلالة على إثبات النبوة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢].
أما عن الكمال المثبت لمن ورد ذكرهن في حديث المصطفى - ﷺ -: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وخديجة بنت
_________________
(١) تفسير الطبري: (٢٠/ ٢٩).
(٢) النبوات: ٢٧٢.
[ ٤١٤ ]
خويلد) (١) " فإن الحافظ ابن حجر يورد اعتراضًا يمنع الاستدلال به في حق من رأى نبوة النساء اعتمادًا عليه، حاصله أنه قد يراد بالكمال كمال غير الأنبياء، يقول "فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك".
"وقد ذكر النووي في الأذكار عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم ليست نبية، ونسبه في شرح المهذب لجماعة، وجاء عن الحسن البصري ليس في النساء نبية ولا في الجن" (٢)
ولكل ما تقدم؛ فإن شيخ الإسلام - ﵀ - يرى شدة ضعف هذا القول حتى نعته بالشذوذ. (٣)
ويكون الصاوي في هذه المسألة قد وافق القول المعتمد، كما ذكر.
* * *
وكان ما ذهب إليه من أن النبوة محض اصطفاء من الله هو المعتمد عند سلف الأمة، خلافًا لمن ادعى غير ذلك من الفلاسفة وغيرهم، يقول الحافظ ابن حجر - ﵀ -: "النبوة نعمة يمن الله بها على من يشاء، ولا يبلغها أحد بعلمه ولا كشفه، ولا يستحقها باستعداد ولايته، ومعناها الحقيقى شرعًا: من حصلت له النبوة. وليست راجعة إلى جسم النبي ولا إلى عرض من أعراضه، بل ولا إلى علمه يكون نبيًا، بل المرجع إلى إعلام الله له بأني نبأتك، أو جعلتك نبيًا". (٤)
وهذا الاصطفاء إنما يتأتى وفق حكمة الله تعالى وعلمه بخلقه.
يقول شيخ الإسلام في بيان هذا الأصل عند أهل السنة: "وإذا عرفت حكمة
_________________
(١) أخرجه البخاري في: كتاب فضائل الصحابة - باب فضل عائشة - ﵂ - رقم الحديث: ٣٧٦٩، ومسلم في فضائل الصحابة.
(٢) فتح الباري: (٦/ ٤٧٠).
(٣) انظر: الفتاوى: (٤/ ٣٩٦).
(٤) فتح الباري: (٦/ ٣٦١).
[ ٤١٥ ]
الرب وعدله؛ تبين أنه إنما يرسل من اصطفاه لرسالته واختاره له، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] " (١)
وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وكان هذا الاعتقاد مبنى على تعظيم الأنبياء والنبوة؛ فالقول بخلافه يقلل من شأنهم، ويطعن في تمام منزلتهم، وما يترتب على ذلك من الاتباع المأمور به نحوهم، وكان هذا المعلم البارز في حقيقة النبوة من أهم ما يميزها عن باقي الأحوال البشرية التي يحصل بها خوارق العادات، يقول شيخ الإسلام: "فالنبوة لا تنال بكسب العبيد ولا آياتها تحصل بكسب العباد، وهذا من الفروق بين آيات الأنبياء وبين السحر والكهانة" (٢)
* * *
_________________
(١) النبوات: ٣٨٧.
(٢) النبوات: ٤٣٩.
[ ٤١٦ ]
(المبحث الثاني): الإيمان بالرسل والأنبياء
إنه مما يجب الإيمان به الإيمان بالرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وقد ذكرت في بدء الحديث عددًا من الأدلة التي يرتكز عليها هذا الأصل الإيمانى العظيم، ومع ذلك فإنه يفصل في كيفية الإيمان بهم؛ تمامًا كصفة الإيمان بالكتب والملائكة، فثبوت مبدأ الإيمان في حقهم جميعًا يقضى بعدم التفريق بينهم، لأن الكفر بواحد منهم يعني الكفر بالجميع؛ فالكل رسل من عند المولى تعالى، قد ثبتت أدلة نبوتهم بالدليل القاطع الذي لا يمكن رده أو تأويله.
أما ما يقتضيه الإيمان بهم أو ما يستلزمه هو ما يصح فيه التفصيل والبيان، فليس الإيمان بالرسل السابقين كالإيمان بمحمد - ﷺ -؛ وذلك لأن الله ﵎ إنما تعبدنا بالاقتداء به في مبانى العبادات دون غيره من الرسل؛ حيث كانت شريعته ناسخة لما قبلها من الشرائع المنزلة على الأنبياء من قبل.
ومن جهة أخرى، فإنه لا بد من التزام عدد من القواعد التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، فإنه يجب اعتقاد حصول التفاضل بينهم، فليس اتفاقهم في الرسالة يعني تساويهم في الرتبة من حيث الأفضلية، فلا بد من اعتقاد أن محمد - ﷺ - هو خير الأنبياء والمرسلين صلى الله عليهم وسلم، ويليه أولو العزم من الرسل، وفى مقدمتهم الخليل إبراهيم - ﵇ -، وبعد ذلك سائر الرسل والأنبياء - صلى الله عليهم وسلم -:
قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]
هذا ويقوم الإيمان بهم جميعًا على أسس وقواعد لا يصح الإيمان إلا بتحققها
[ ٤١٧ ]
في معتقد العبد، ومن تلك القواعد التي قام عليها الإيمان بهم: اعتقاد أن نبوتهم هي محض فضل من الله ﵎ وإصطفاء.
كما أن معرفتهم بما اتصفوا به من جميل الفعال، وكريم الخلال، في إطار المقدور البشرى، وما اختصوا به من مهام الدعوة كالبشارة والنذارة والتبليغ، وما يقتضيه ذلك من اتصافهم بالعصمة في التشريع، لتندرج في ضمن تلك الأسس التي يجب العلم بها، وحديث القرآن في هذا الباب واسع، والأدلة على هذا كثيرة:
ففى اعتقاد قيامهم بشؤون الدعوة من النذارة والبشارة، قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
أما عن الأدلة التي تضمنت بيان ما اتصفوا به فهى على نوعين، منها ما يبين صفاتهم البشرية التي لا تخرجهم عن كونهم من جنس البشر؛ حتى لا يؤدى الانبهار بعظيم ما اتخصوا به إلى اعتقاد مغايرتهم لجنس البشر، ومنها ما يظهر تميزهم عن سائر البشر، دون أن يؤثر في أصل انتمائهم إليهم (١)، وهذا مما يقتضيه قيامهم بشؤون الرسالة.
ففى تقرير بشريتهم، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧، ٨]).
_________________
(١) وهذا ما يسمى بالمقسم في علم المنطق، يعني أنه يفيد إظهار قسم من أقسام الأفراد الذين يندرجون تحت نوع واحد ببيان ما اختصوا به من صفات.
[ ٤١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨].
أما الأدلة في بيان عظيم ما تصفوا من الصدق والأمانة والصبر والحلم فكثيرة جدًا، وغالبًا ما تأتى في بيان ما تصف به آحادهم، كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلى الله عليهم أجمعين -، منها قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤].
وقوله تعالى في وصف موسى - ﵇ -: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
وكل ذلك مما تضافرت النصوص الشرعية في الدلالة عليه، يقول العلامة السعدى مجملًا تلك الأسس العظيمة: "وهذا الأصل - أي الإيمان بالأنبياء ﵈ - مبناه على أن يعترف ويعتقد بأن جميع الأنبياء قد اختصهم الله بوحيه وإرساله، وجعلهم وسائط بينه وبين خلقه في تبليغ شرعه ودينه، وأن الله أيدهم بالبراهين الدالة على صدقهم وصحة ما جاءوا به، وأنهم أكمل الخلق علمًا وعملًا، وأصدقهم وأبرهم، وأكملهم أخلاقًا وأعمالًا، وأن الله خصهم بخصائص، وفضلهم بفضائل لا يلحقهم فيها أحد.
وأن الله برأهم من كل خلق دنئ، وأنهم معصومون في كل ما يبلغونه عن الله، وأنه لا يستقر في خبرهم وتبليغهم إلا الحق والصواب، وأنه يجب الإيمان بهم وبكل ما أتوه من الله، ومحبتهم وتعظيمهم" (١)
ولكل ما تقدم فالكلام في هذا المبحث سيدور في بيان صفاتهم ووظائفهم وما يجب في حقهم، والآن مع:
* * *
_________________
(١) الفتاوى السعدية: ١٤.
[ ٤١٩ ]
رأي الشيخ الصاوي:
يقسم الصاوي ما يجب في حق الأنبياء من الإيمان على جهة بيان الكيفية، يقول: "يجب الإيمان بالنبيين عمومًا: إجمالًا في الإجمالى، وتفصيلًا في التفصيلى"
ويفصل القول في ذلك "فيجب الإيمان تفصيلًا بخمسة وعشرين نبيًا: ثمانية عشر في سورة الأنعام، ومحمد وآدم وهود وصالح وشعيب وإدريس وذا الكفل".
ومن ثم فهو يؤكد على هذه الحقيقة الإيمانية بالحكم على من جحد واحدًا منهم بالكفر الصراح: "ومن أنكر أي واحد منهم بعد علمه فقد كفر".
أما الجانب الإجمالى في الإيمان بالرسل فيتعلق "بما عدا هؤلاء، ولا يعلم عدتهم إلا الله" (١).
ومع هذا فهو يفرق بين من أجمع على نبوته، ومن هو بخلاف ذلك ممن ورد ذكره في القرآن الكريم: كلقمان، وذى القرنين، وعزير، فهؤلاء الحكم فيهم أن "من أنكر وجودهم كفر، ومن أنكر نبوتهم لا يكفر" (٢).
والإيمان بهم جميعًا مرتبط بحقيقة أخرى وهى اعتقاد تفاضلهم، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، يقول في بيان ذلك: "تحقيق هذه الطريقة أن تقول: نبينا أفضل الخلق على الإطلاق، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم نوح، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء غير الرسل، وهم متفاضلون فيما بينهم، لكن لا يعلم تفضيلهم إلا الله تعالى، ثم جبريل، ثم إسرافيل، ثم ميكائيل، ثم عزرائيل، ثم عامة البشر، ثم عامة الملائكة" (٣)
وفى بيان صفاتهم وعظيم خلالهم يفصل الصاوي القول، فيذكر الصفة معرفًا إياها أولًا، مفندًا ما يعرض من الشبه في نقضها، مستدلًا لها بالدليل السمعى، متممًا لذلك بما يوافقه من الدليل العقلى:
_________________
(١) حاشية الجلالين: (١/ ١٥٧). وانظر: حاشية الجوهرة: ١٦. وانظر: شرح الصلوات الدرديرية: ٢٧.
(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٧).
(٣) حاشية الجوهرة: ٤٦. وحاشية الخريدة: ١١١.
[ ٤٢٠ ]
أولًا: صفة الأمانة: يعرف الصاوي الأمانة بما يساوى مفهوم العصمة للأنبياء، يقول: "هي حفظ ظواهرهم وبواطنهم في حالة الصغر والكبر، قبل النبوة وبعدها عن التلبيس بمنهى عنه، ولو خلاف الأولى".
وفي رد ما يحاك حولها من شبه، يقول: "وقد يقع منهم المكروه وخلاف الأولى لا على وجهها، بل على وجه التشريع، كالبول من قيام والشرب، أما المحرمات فلم تقع منهم إجماعًا (١) ". (٢)
كما يبطل من احتج على خلاف ما تقدم في إثبات عصمة الأنبياء؛ بما وقع لآدم - ﵇ - من وسوسة الشيطان، المنافية لمقتضى العصمة الربانية - كما يرى - يقول: "إن قلت: إن الأنبياء معصومون من وسوسة الشيطان وظاهر الآية - يعني قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]- يقتضى أن الشيطان وسوس لآدم. أجيب؛ بأنه لم يباشر آدم بالوسوسة، وإنما باشر حواء وهى باشرت آدم بذلك" (٣)
ويستدل لذلك بالدليل العقلى إذ "لو كان خائنًا بفعل منهى عنه؛ لكان ذلك المنهى عنه طاعة وهو محال؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء والحال أنه أمرنا بالاقتداء بهم" (٤)
ثانيًا: الصدق: ويعنى به: "مطابقة خبرهم للواقع ولو في حال المزح". وفيما يعرض عليه من الشبه، يقول: "ويؤول ما ظاهره الكذب في حق الأنبياء، كما في واقعة إبراهيم الخليل مع الأصنام، فإنه خارج مخرج التقريع والتهديد والتبكيت".
ودليل ذلك من العقل الصريح، أنه "لو كان كاذبًا للزم الكذب في خبره
_________________
(١) وانظر: في منع ارتكابهم المحرمات صغيرة وكبيرة: (١/ ١٤٣ - ١٤٩ - ١٧٧).
(٢) حاشية الجوهرة: ١٢.
(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ٦٢).
(٤) حاشية الجوهرة: ١٢. والخريدة البهية: ٩٧. انظر: شرح الصلوات الدرديرية: ٩٧.
[ ٤٢١ ]
تعالى؛ لتصديقه لهم بالمعجزات، وتصديق الكاذب كذب، والكذب عليه محال" (١)
ثالثًا: "الفطانة: وهى ذكاوة العقل، ومعرفة طرق الدعاوى الباطلة من الصحيحة".
رابعًا: الأخلاق الحميدة بمفهومها الواسع، وأضرب مثالًا لذلك بصفة الحلم فهو يؤكد على اتصاف الرسل بالحلم على جهة الكمال، كما يرد على من طعن في حلم موسى - ﵇ -، فيقول: "وما قيل إن موسى لما كان قليل الحلم أمره الله بإلانة الكلام لفرعون، حيث قال له: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ومحمد - ﵇ - لما كان كامل الحلم أمره الله بالإغلاظ على الكفار، حيث قال: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] فهو باطل لا أصل له، وإنما الذي يقال إن كلِّ كامل في الحلم وكلِّ مأمور بالإلانة أولًا، فإذا تقرر الدين وثبت وأمروا بالجهاد، أمروا بالإغلاظ"
ولا يكتفى بإثبات الحلم لكافة الأنبياء على جهة الكمال، بل يشدد في هذا ويحكم على المخالف بالكفر، يقول: "ومن نفى عن أحد منهم الحلم فقد كفر" (٢).
* * *
- وكل ما تقدم لا يخالف ما تقتضيه بشريتهم من حصول بعض "الأعراض البشرية التي لا تؤدى إلى نقص مراتبهم العلية، كالنوم ونحوه، ولكن أكلهم ونومهم لا عن شهوة بل للتقوى".
وهذا القيد الذي أثبته في حقيقة الأعراض البشرية - وهو امتناع النقص منهم - قد أخصج به كل: "الأعراض المنفردة، كالجنون والجذام والبرص والعمى والفقر وسوء الخلق وخسة الأصل؛ فإنها محالة في حقهم".
وبعد ذلك يعرض بالتفنيد لكل ما روى في حقهم - صلوات ربى عليهم - مما
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ١٢.
(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٩٣).
[ ٤٢٢ ]
يخالف بلوغهم للكمال البشرى، فإنه "لم يثبت أن شعيبًا كان ضريرًا، وما كان بيعقوب فهو حجاب على العين من تواصل الدموع، فلذلك لما جاء البشير ارتد بصيرًا لانقطاع دمع العين، وما كان بأيوب من البلاء إن كان عظيمًا فالحق أنه كان بين الجلد والعظم فلم يكن منفرًا، وما اشتهر في القصة من الحكايات المنفرة فهى باطلة".
أما ما عدى ذلك من الأعراض التي لا تقدح في كمالهم فتجوز عليهم، ويفصل القول في المحتمل منها كالسهو، حيث يقوم بالتفريق بين السهو في الأقوال والأفعال "فالسهو ممتنع عليهم في الأخبار البلاغية، مثل عذاب القبر ونعيمه وغيرهما".
ويجيب على من اعترض بما حصل للنبي من رجوعه عن الأمر بترك التلقيح، واعترافه بصواب من فعله، أن هذا ليس من قبيل الخبر المعرض للصدق والكذب" وإنما هو من باب الرأى والاستشارة في أمر دنيوى لا أمر دينى".
ثم يأتى إلى القسم الثاني من سنته - ﷺ - وهى السنة الفعلية، فيجوز وقوع السهو فيها؛ وأن ذلك لحكمة يريدها الرب سبحانه، يقول: "وأما في الأفعال البلاغية وغيرها فيجوز كالسهو في الصلاة للتشريع".
وتفصيله السابق فيما يتعلق بالسهو في الأفعال والأقوال محله إذا كان قد سبق وأن قام بتبليغها، وأما قبل التبليغ فلا يجوز السهو والنسيان عليه البتة يقول: "وأما النسيان فممتنع في البلاغيات قبل تبليغها، قولية كانت أو فعلية، وأما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر عليهم؛ لحفظه بعد التبليغ ووجوب ضبطه على المكلف ليعمل به، ويصحح عليهم نسيان المنسوخ لفظًا ومعنى قبل التبليغ وبعده" (١).
في بيان وظائفهم يبدأ بـ:
- التبليغ لما جاءوا به من عند الله "ثم يفصل القول في أنواع المبلغ، يقول: "والحاصل أن ما جاءوا به أقسام ثلاثة: قسم أمروا بتبليغه، فلم يكتموا منه حرف، وقسم خيروا بين كتمانه وتبليغه، فبلغوا البعض وكتموا البعض".
_________________
(١) المرجع السابق: ٤٣.
[ ٤٢٣ ]
ثم يبين الدليل على انتفاء كتمان المأمور بتبليغه للنبي - ﷺ -، إذ "لو جاز على الأنبياء الكتمان؛ لكتم نبينا - ﷺ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ " (١)
وحقيقة التبليغ المأمور به الدلالة إلى طريق الحق، أما هداية الناس "بمعنى إيصال الخير للقلب، فلم يكلف به أحد؛ قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] " (٢)
- التبشير والإنذار، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨]: "هذا بيان لوظائف المرسلين، والمعنى أن المرسلين منصبهم البشارة لمن آمن، والنذارة لمن كفر" ويؤكد بهذا عبوديتهم لله تعالى فهم: "ليسوا قادرين على إيجاد نفع أو ضر إنما جعلهم الله سببًا لذلك" (٣)
* * *
التعليق:
من خلال عرض كلام الصاوي في الإيمان بالرسل؛ نجد أنه قد تناول عددًا من المسائل المهمة، والتى تتعلق بالإيمان بهم، وسأتناول البعض منها بمزيد من التوضيح أو المناقشة، وسأبدأ بالحديث عن:
أولًا: المفاضلة بين البشر والملائكة:
تعد هذه من المسائل المختلف فيها، والتى لم يجزم فيها بقول قاطع؛ لعدم وجود مستند للجزم به من أدلة الكتاب والسنة، ولكن ما ذكره الصاوي من أن البشر أفضل من الملائكة دون أن يقيد ذلك بالصالحين منهم بعيد كل البعد عن الصواب، ولم يقل به أحد من طوائف المسلمين، ولعلها زلة قلم، فيبعد عن مثله تعنى ذلك والله أعلم.
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) حاشية الجلالين: (١/ ١٢١).
(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ١٥).
[ ٤٢٤ ]
وذلك لأن أصل الاختلاف الواقع في المفاضلة، إنما ينحصر بين الملائكة وصالحى البشر، وإلا فجنس البشر لا يمكن بحال تفضيله على جنس الملائكة؛ لأن البشر قد وقع منهم الكفر والجحود، أما الملائكة فقد عصمهم الله تعالى عن ذلك، واستحقوا بتمام امتثالهم الثناء من الله، قال تعالى عنهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقال: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في بيان فضلهم.
أما جنس البشر فقد وردت الآيات بذمه قال تعالى عن الأمانة: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ واستثنى بعد ذلك أهل الطاعة منهم والحقيقة أن هذا مما لم يقل به أحد من أهل العلم، أما عن المفاضلة بين الملائكة وصالحى البشر؛ فالصحيح في المسألة هو التوقف والتزام المأمور به نصًا، فإنه "ليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل؛ فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصًا، وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
ولا يقال إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة هنا متكافئة: (١)
* * *
ثانيًا: عصمة الأنبياء:
لا شك أن الأنبياء قد بلغوا ذروة الكمال البشرى من حيث امتثالهم لأوامر الله تعالى، وإعمالهم للوحى المنزل عليهم، وانهم موصوفون بالعصمة التي تقضى بالتزامهم أوامر الله تعالى والابتعاد عن مناهيه، ولكن هذا لا يمنع من وقوعهم في بعض الصغائر التي تدل على بشريتهم، وليس فيه ما ينقص من كمالهم الواجب لهم، فالعصمة في حقهم تكون ملازمة لهم على جهة الكمال فيما يتعلق بتبليغ
_________________
(١) شرح الطحاوية، لابن أبي العز: ٣٠٢، تحقيق الشيخ الألباني.
[ ٤٢٥ ]
الوحى والرسالة، أما ما خلا ذلك فلا يمتنع عنهم الوقوع في بعض الصغائر، التي يظهر لهم مخالفتها؛ فيرجعون عنها على جهة الفور، وبهذا تنتفى حجة الصاوي في كون جواز وقوعهم في الذنب تشريعًا له، والله تعالى لا يأمر بالفحشاء، فقد جاءت الأدلة على استغفارهم من الذنب بعد ارتكابهم إياه، كما حصل لآدم - ﵇ -، قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١].
وموسى - ﵇ - حين وكز الرجل القبطى؛ نصرة للذى من شيعته فوقع ميتًا: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٥، ١٦]
وكذلك ما كان من نوح - ﵇ - حين سأل الله تعالى وعده بنجاة أهله بعد غرق ولده: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] وغيره مما لا مجال لحصره الآن.
ومن كل ما سبق علم أن الخطأ ولو حصل وقوعه منهم فإنه يبين ولا يقر عليه بحال، ومن المعلوم أن الاتباع يكون فيما حصل عليه الإقرار، أو تأتى له الثبات دون المنسوخ أو المبين خطؤه بالاستغفار منه، وعليه فإن العصمة التي تكون للأنبياء في حال تبليغهم عن الله تعالى تقتضى أن لا يقر أحدهم على خطأ مهما كان، لا أن يمتنع عن أحدهم الخطأ؛ لأن هذا مما لا يمكن في أحوال البشر، "فإن من جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا - ﷺ - مجمعون على أنه لا يقر على منكر من قول أو فعل" (١)
يقول شيخ الإسلام في هذا الجانب: "والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين" (٢)
_________________
(١) الشفا للقاضى عياض: (٤/ ٢٤١).
(٢) مجموع الفتاوى: (١٠/ ٢٩٠).
[ ٤٢٦ ]
فإن "اليقين التام وانتفاء الوساوس هو الغالب على أنبياء الله سبحانه، وحصوله موهبة من الله تعالى، ويندر خلاف ذلك منهم؛ لحكمة الله تعالى، لو لم يكن إلا لتأسى المؤمنين بهم، وعدم انكسار نفوسهم" (١).
أما امتناع مواقعة الكبائر في حقهم؛ فهذا مما أجمعت عليه طوائف المسلمين، يقول في ذلك شيخ الإسلام: "هذا والقول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى أنه قول أكثر أهل العلم وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول" (٢)
* * *
ثالثًا: ما يتعلق بالأحوال البشرية:
إن ما ذكره الصاوي في هذه المسألة يعد من أمثل الأقوال التي ذكرت فيها، فقد وافق قول الجمهور في جواز النسيان والسهو على الرسل وأنه ليس في ذلك ما يلزم منه النقص المحال في حقهم، بل قد يراد لحكمة تشريعية، كـ "إفادة علم وتقرير شرع" (٣)، كما قال - ﵊ -: (إني لأنسى أو أنسى لأسن). (٤)
وذلك كالسهو الذي حصل له - ﵊ - في الصلاة حيث صلى ركعتين في رباعية، فقد كان ذلك النسيان منه - عليه أفضل الصلاة والتسليم - سببًا لمشروعية سجود السهو، كما وردت بذلك الروايات الصحيحة المتفق عليها (٥).
وفى أحد ما روى عنه إقرار منه - ﵊ - بجواز السهو عليه، قال - ﵊ -: (إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت
_________________
(١) العواصم والقواصم، لابن الوزير: (١/ ٢١٣). بتصرف يسير
(٢) مجموع الفتاوى: (٤/ ٣١٩). وانظر: الشفا للقاضي عياض: (٤/ ٢٣٠).
(٣) الشفا للقاض عياض: (٤/ ٢٦٣) وانظر: فتاوى شيخ الإسلام: (٣٥/ ١٠١).
(٤) أخرجه الإمام مالك في الموطأ: كتاب السهو - باب العمل في السهو، وقال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث روى عن النبي مسندًا ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه، ومعناه صحيح في الأصول: (١/ ١٠٠).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الآذان - باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس، رقم الحديث: ٧١٤ ..
[ ٤٢٧ ]
فذكرونى، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين) (١).
وكان ما ذهب إليه في التفريق بين الأقوال والأفعال التبليغية بمنع النسيان في الأقوال دون الأفعال مسددًا موافقًا للصواب؛ فقد نقل الإجماع على ذلك الإمام النووي في شرحه لمسلم كما نقله القاضي عياض، يقول: "وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهوًا وعن غير قصد جائز عليه كما تقرر في أحاديث السهو في الصلاة، وفرقوا بين ذلك وبين الأقوال البلاغية؛ لقيام المعجزة على الصدق في القول ومخالفة ذلك تناقضها، وأما السهو في الأفعال فغير مناقض لها ولا قادح في النبوة". (٢)
وأما حصره لوقوع السهو بما بعد التبليغ، فقد يسلم له ولكن لا يمتنع مع هذا وقوعه قبله؛ لأن من قال بجوازه فإنه يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط بل ينبهون عليه ويعرفون حكمه بالفور" (٣)؛ وذلك لوجوب اتصافهم بالعصمة، كما تقدم، وأنها تتأكد عند ذلك على جهة الكمال.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في: كتاب الصلاة - باب التوجه نحو القبة، رقم الحديث: ٤٠١.
(٢) الشفا للقاضى عياض: (٤/ ٢٦٣).
(٣) المرجع السابق: (٤/ ٢٦٥).
[ ٤٢٨ ]
(المبحث الثالث): خاتم الأنبياء عموم رسالته
الإيمان بالمصطفى - ﷺ - أصل عظيم من أصول الإيمان، فقد قرنت الشهادة بنبوته بشهادة توحيد الباري تعالى، فلا يعبد الرب تعالى إلا بما جاء به، وفى ذلك إشارة إلى أن الإيمان بالله تعالى لا يتوجه له القبول الشرعي إلا إذا اقترن باتباعه - ﷺ -، وقد جاء هذا الأصل مبينًا في الإرشاد إلى الطريق الموصل لنيل محبة الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
وحقيقة هذا الاتباع الذي أنيط به تحقيق المقصد الأسمي من رضا الله ومغفرة الذنوب قد بين في الآية التالية: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
فطاعته - ﷺ - بما جاء به هي اتباعه المأمور به، يقول الشيخ السعدى: "فمن فعل ذلك - أي اتباعه ﵊ - أحبه الله وجازاه جزاء المحبين وغفر له ذنوبه وستر عليه عيوبه، فكأنه قيل: ومع ذلك فما حقيقة أتباع الرسول وصفتها؟ فأجاب بقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ بامتثال الأمر، واجتناب النهى، وتصديق الخبر" (١).
والأدلة في هذا كثيرة، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
يقول الإمام ابن كثير - ﵀ - في بيان دلالة هذه الآية على وجوب طاعة النبي - ﷺ - "يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن: ١١٨.
[ ٤٢٩ ]
- ﷺ - في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة" (١)
ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]
فقد دلت الآية على أن الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة النبي - ﷺ - يقتضى وجوب الالتزام؛ وذلك لأمرين:
الأول: نفى التخيير المعارض لمقتضى الأمر.
الثاني: ترتب الضلال المبين على معارضة الامتثال بالمعصية.
يقول الإمام القرطبي في معنى ذلك: "توعد تعالى وأخبر أن من يعص الله ورسوله فقد ضل، وهذا أدل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من فقهائنا، وفقهاء أصحاب الإمام الشافعي وبعض الأصوليين، من أن صيغة أفعل للوجوب في أصل وضعها؛ لأن الله ﵎ نفى خيرة المكلف عند سماع أمره وأمر رسوله - ﷺ -، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم علق على المعصية بذلك الضلال، فلزم حمل الأمر على الوجوب". (٢)
وعليه فإن هذا الأصل العظيم يحتمد على أربعة أركان، لا يتم له القيام إلا بحصولها منه وهي: "طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع" (٣)، وتمثل هذه الأركان البراهين التي بها يتم اعتماد صدق الإيمان به - ﵊ -.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: (١/ ٦٨٠).
(٢) الجامع لأحكام القرآن: (١٤/ ١٨٧).
(٣) شرح ثلاثة أصول للإمام محمد بن عد الوهاب لفضيلة الثيخ محمد العثيمين - ﵀ -: ٧١.
[ ٤٣٠ ]
هذا واعتقاد أفضليته وحصوله على درجة الكمال البشرى التي لم تتأت لأحد من الخلق سواه، وما تحلى به - ﵊ - من جميل الأخلاق الخلقية والخلقية، كل ذلك مما يزيد في تأكيد هذه الحقيقة الإيمانية، وتوثيقها في قلب العبد المؤمن، فمعرفته حق المعرفة تستوجب من تمام الإيمان به والثبات عليه والزيادة منه؛ ما يؤكد على أهمية تقصى أسبابها، وذلك بالنهل من كل ما يقرب العبد من معرفة نبيه - ﷺ -، لذا كانت معرفته - ﵊ - المعرفة المقتضية لتمام اتباعه وتصديقه من الأصول التي يقوم عليها الدين.
أما عن حقيقة هذه المعرفة الموجبة لتحقيق الهدف من بعثة الرسول وهى الاتباع والطاعة، فهى معرفته - ﷺ - بما يحصل به تمام العلم بنبوته ورسالته الموجبة لاتباعه والسير على خطاه، وهذه بدورها تقوم على ثلاثة ركائز:
أولًا: التأمل في دلائل نبوته - ﷺ -، وعلى رأسها القرآن الكريم.
ثانيًا: مطالعة سيرته وأحواله بين صحبه - ﵊ -، فإنها وإن كانت مما يمكن إدراجه تحت الركيزة الأولى، إلا أن في تخصيصها للإشادة بها زيادة في إرادة معنى التوسع والتفصيل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياته، حيث أنيط تحقق المبتغى من رضوان الله تعالى في الاقتداء به والتأسى، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
ثالثًا: معرفة ما ورد من نصوص الشرع كتابًا وسنة؛ إذ مصدر العلم بهما إنما تحصل بطريقه - ﵊ -، فإن من أعظم ما توجبه معرفته معرفة ما أتى به المعرفة التي يتحقق مقتضاها من الالتزام التام والرضا والقبول.
ومع ظهور الإرجاء في المجتمع المسلم، وتفشيه في الأوساط المختلفة، وانحلال عرى التمسك بدين الله تعالى، والبحث عن الحد الأدنى لإثبات وصف الإسلام على الفرد، تغيرت المفاهيم المرتبطة بهذه الحقيقة الإيمانية، وصار دليل محبة
[ ٤٣١ ]
الرسول - ﵊ - والإيمان به هو التغنى بصفاته وأخلاقه - ﵊ -، والإشادة بفضائله عن طريق اجتماعات معروفة تعقد في يوم ولادته، وليتها تتوقف على ذلك بل ويصاحبها الكثير من مظاهر الغلو المنهى عنها شرعًا، والتى قد تتعدى في كثير من الأحيان لتعبر عن شرك صريح ومبالغة ممقوتة، قد عظم تحذير النبي - ﷺ - منها.
وقد أصبحت محبته بهذه الصورة هي الحقيقة المزعومة التي يبرهن بها ضعاف العزيمة على الإيمان به وإجلاله وتعظيمه، وبالتالى فكل من يظهر خلاف ذلك يرمى بأقبح التهم كباغض الرسول وشاتمه، إلى غير ذلك من ألوان التعدى ظلمًا وعدوانًا بلا أدنى دليل وبرهان.
وهذا التيار المخالف لهدى السلف في الواجب نحو الرسول - ﵊ - وما ينبغى لتحقيق الإيمان به، كان منشؤه منذ المبدأ الأوساط الصوفية التي حادت بما ظهر فيها من بدع، وتوجه منحرف في مصادر التلقى عن التصور السليم لحقيقة الإيمان بالنبى - ﷺ -، فظنوا أن محبته لا تتأتى إلا عن طريق هذه المبتدعات في القول والاعتقاد والسلوك، وظهر هذا في الكثير من أقوالهم وأشعارهم، وما زالت هذه الأفكار في رواج مع ما يصب فيها من روافد فاسدة لأديان سابقة، حتى تبلورت أخيرًا بما يعرف بالحقيقة المحمدية (١) والتى صارت علمًا يدل على مدى الانحراف الخطير الذي داخل تيار التصوف في الفكر الإسلامى، ولكل ما تقدم نجد أن هذا الاتجاه الغالى قد أخذ طريقًا وعرًا في آراء الصاوي، فمع علمه بالكتاب والسنة وتأصيله للفكر الأشعري، إلا أن ذلك لم يكن مانعًا له من الخوض في مثل هذه الأمور المخالفة لصريح ما أنزل الله على رسوله والتحدث على لسان القوم بمثل حديثهم، وفى هذا المبحث سأتناول الخطوط العريضة لعقيدته في نبوة المصطفى - ﷺ -، ومناقشة ما يستوجب منها ذلك.
_________________
(١) قد سبق لي الحديث عنها بصورة موجزة في بحث التوحيد، فليراجع: ١٦٥.
[ ٤٣٢ ]
رأي الشيخ الصاوي:
حقيقة الإيمان به - ﷺ -:
- إن الإيمان برسالة النبي - ﵊ - من أعظم العقود التي أمر الله تعالى عباده بالوفاء بها، لذا فإن الصاوي يؤكد على وجوب تحقيق الوفاء بهذا العهد من العبد بالتزام ما يقتضيه من الإيمان والانقياد والطاعة، يقول: "فيجب على الإنسان الوفاء به ويصدق ما جاء به، ويعظمه ويحترمه ولا يخالف ما أمره به أصلًا" (١).
ويستند في وجوب طاعته والتزام أمره إلى كون "جميع أحواله - ﵊ - بالوحى حتى اجتهاده، فالكل مأمور به من حضرة الغيب، ولذا كانت أحواله دائرة بين الواجب والمندوب" (٢).
* * *
أسماؤه الشريفة:
- أما عن أسمائه التي ورد تسميته بها، فيقول فيه - ﷺ -: "محمد هو أشرف أسمائه - ﷺ - وله أسماء كثيرة فقد ورد أن له ألف اسم كما أن الله له ألف اسم، ولكن هذا الاسم أشرفها وأعلاها لاقترانه مع اإسم الله في كلمة التوحيد، ولما ورد أنه خلق النور المحمدى وسماه محمدًا، أو لأنه مكتوب على أوراق أشجار الجنة وعلى دائرة العرش، ولا يدخل أحد الجنة إلا بذكره ولو من الأمم السابقة".
وقد وردت تسميته "بالخاتم الذي أتى ختامًا لرسل الله وأنبيائه، وفى الحديث: (أنا العاقب) (٣) " (٤)
_________________
(١) حاشية الجلالين: (١/ ٢٤٨).
(٢) حاشية الصلوات الدرديرية: ٩٧.
(٣) أخرجه البخارى: في كتاب المناقب - باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ -، رقم الحديث: ٣٥٣٢.
(٤) حاشية الجوهرة: ٧.
[ ٤٣٣ ]
ومع هذا فإنه يرى التوقف في أسمائه - ﵊ - وذلك على جهة الاتفاق، فلا يجوز تسميته بما لم يرد ولو كان متضمنًا تعظيمًا، ويعلل ذلك بقوله: "النبي بشر يتطرق إليه النقص بخلافه سبحانه؛ ولئلا يطرونه كما أطرت النصارى عيسى" (١).
مكانته بين الرسل:
وفى بيان مكانته بين الرسل فإنه يحكى الإجماع بتفضيله على سائر الخلق ويذكر مع ذلك حجة من خرق هذا الإجماع والرد المناسب لها، يقول: "وهذا التفضيل بإجماع المسلمين سنيين ومعتزلة، إلا البعض ممن خرق الإجماع، وقال بتفضيل جبريل على محمد - ﷺ -؛ مستدلًا بما في سورة التكوير من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] حيث وصف جبريل بأنه رسول كريم إلى قوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢].
فرد عليه بأن القرآن في أعلى طبقات البلاغة، وهى مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فإن كلام الكفار كان في الواسطة الذي كان يأخذ عنه النبي - ﷺ - حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقالوا: إن به جنة، أي يأخذ عن الجن، فرد المولى عليهم بمدح الواسطة وبرأ المصطفى مما يقولون، فإنه كان معروفًا بينهم بالصادق الأمين" (٢)
ويزيد في بيان عدم إرادة تفضيل جبريل على الرسول - ﵊ - بأن العكس هو المقصود، حيث يقول: "بل إذا أمعنت النظر؛ وجدت إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام دالًا على بلوغ الغاية في تعظيم محمد، حيث جعل السفير بينه وبين الله هذا الملك الموصوف بتلك الصفات، وفضل المصطفى مصرح به في هذا الكتاب، وفى سائر الكتب السماوية كالشمس في رابعة النهار" (٣)
* * *
_________________
(١) المرجع السابق: ٣٠.
(٢) حاشية الجوهرة: ٤٥.
(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ٢٨٠).
[ ٤٣٤ ]
وفى الإجابة على الإشكال الذي قد يرد من نهى المصطفى - ﵊ - في قوله: (لا تخيرونى على موسى) (١) وقوله: (ولا تفضلوا بين الأنبياء) (٢) فمعناه لا تخيرونى تخييرًا يقتضى نقص موسى عن مرتبته، كأن تقولوا مثلًا: محمد نبى ورسول وحبيب وخليل دون موسى.
أما قوله: (لا تفضلونى على يونس بن متى) (٣)، فقيل معناه: لا تعتقدوا أنى أقرب إلى الله في الحس منه، حيث ناجيت ربى فوق السموات السبع، وناجى ربه في بطن الحوت" (٤)
ويعضد قوله بأفضلية المصطفى - ﷺ - على سائر الخلق، بذكر صفاته الجامعة لمكارم أخلاق الأنبياء - عليهم جميعًا الصلاة والسلام -، وذلك عند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، يقول موجهًا هذا الاستدلال: "وبيانه أن جميع خصال الكمال وصفات الشرف كانت متفرقة فيهم، فكان نوح صاحب احتمال أذى على قومه، وإبراهيم صاحب كرم وبذل ومجاهدة في سبيل الله ﷿، وإسحق ويعقوب وأيوب أصحاب صبر على البلاء والمحن، وداود وسليمان أصحاب شكر على النعم، ويوسف جمع بين الصبر والشكر، وموسى صاحب الشريعة الظاهرة والمعجزات الباهرة، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا، وإسماعيل صاحب صدق الوعد، ويونس صاحب تضرع وإخبات، ثم إن الله أمر نبيه أن يقتدى بهم في جميع تلك الخصال المحمودة المتفرقة فيهم، فثبت بهذا أنه أفضل الأنبياء لما اجتمع فيه من هذه الخصال والله أعلم". (٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري في: كتاب الخصومات - باب ما يذكر في الأشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهود، رقم الحديث: ٢٤١١.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء - باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، رقم الحديث ٣٤١٤.
(٣) ونص الحديث هو: (ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس بن متى ﵇) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء - باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، رقم الحديث: ٣٤١٦ ..
(٤) حاشية الجوهرة: ٤٥.
(٥) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٨).
[ ٤٣٥ ]
خصائصه - ﷺ -:
ويتبع بيان فضله بذكر ما اختص به - ﵊ - على سائر الرسل والأنبياء من قبله:
- عموم الرسالة له - ﷺ -، يقول في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠]: "ففى الآية دليل على عموم رسالته للعالمين إلى يوم القيامة، وقد احتج بهذه الآية على أن رسول الله أفضل من جميع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -" (١).
وفى توضيح حقيقة هذا العموم، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فـ "إرساله للإنس والجن إرسال تكليف، وللملائكة قيل إرسال تكليف، وقيل تشريف، وللحيوانات غير العاقلة والجمادات إرسال تشريف" (٢)
- أيضًا ومن جملة ما اختص به - ﵊ - وسطية أمته وتفضيلها على سائر الأمم، يقول: "وبالجملة فهو - ﷺ - أفضل الخلق على الإطلاق، وأمته أفضل الأمم على الإطلاق" (٣).
مظاهر الغلو فيه - ﷺ -:
- هذا ويكثر الصاوي من ذكر الخصائص والمزايا، حتى مع عدم وجود مستند شرعى لما يذكر، ومن ذلك اعتقاد أنه - ﵊ - واسطة في كل نعمة من الدنيا والآخرة، يقول عند حكايته لقصة خلق حواء من ضلع آدم - ﵇ - وكيف أنه حين أراد أن يتزوج بها منع من ذلك حتى يقوم بأداء مهرها، فلما سأل عنه قيل له بأنه عدد من الصلوات على الرسول - ﷺ -، ويعلق على هذه القصة التي لا مستند لها بقوله: فـ "من خصائص الرسول - ﷺ - أن يزوج بلا مهر
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) المرجع السابق: (٣/ ١٤١ - ٢٨١). وحاشية الخريدة: ١٠٠.
(٣) المرجع السابق: (١/ ١٦٢).
[ ٤٣٦ ]
أصلًا، فلما كان هو الواسطة في ذلك عد كأنه العاقد لهما، وإنما كان خصوص الصلاة على النبي - ﷺ - إشارة إلى أنه - ﷺ - هو الواسطة العظمى في كل نعمة وصلت لكل أحد حتى أبيه آدم" (١).
- وقد سبق لي وأن أشرت إلى ظاهرة الغلو الملحوظة في آراء الصاوي حول الإيمان بالرسول (٢)، ولكن لي هنا أن أنبه مع بعض الاختصار إلى أهم المعالم البارزة لهذه الظاهرة؛ حتى تبدو أكثر وضوحًا لمناقشتها فيما بعد.
- فإن من أهم تلك المعالم البارزة لظاهرة الغلو نسبة علم الغيب له - ﵊ -، يقول: "والذي يجب الإيمان به أن رسول الله لم ينتقل من الدنيا حتى أعلمه الله بجميع المغيبات التي تحصل في الدنيا والآخرة، ومن جملتها علم الساعة (٣) فهو يعلمها كما هي عين يقين، لما ورد: رفعت لي الدنيا فأنا أنظر فيها كما أنظر إلى كفى هذه و[قوله ولو كنت أعلم الغيب] إن قلت إن هذا يشكل على ما تقدم لنا أنه اطلع على جميع مغيبات الدنيا والآخرة، والجواب أنه قال ذلك تواضعًا أو أن علمه بالغيب كلِّ علم من حيث إنه لا قدرة له على تغيير ما قدر الله وقوعه، فيكون المعنى لو كان لي علم حقيقى بأن أقدر على ما أريد وقوعه لاستكثرت" (٤).
وحتى الروح كان علمها مما لا يخفى - عند الصاوي - على رسول الله، يقول: " الروح واختلف فيها على ثلاثمائة قول، والحق لا يعلمها غير الله ورسوله: قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] " (٥)
_________________
(١) المرجع السابق: (٢/ ٦٢). وانظر: حاشية الخريدة: ١٩.
(٢) انظر: مبحث التوحيد: ١٦٩.
(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ٢٧).
(٤) المرجع السابق (٢/ ١٠٤). وانظر: حاشية الصلوات الدرديرية عند شرحه لقول البوصيرى: ومن علومك علم اللوح والقلم: ٢٧.
(٥) حاشية الصلوات الدرديرية: ١٠٢.
[ ٤٣٧ ]
- ولشكره على توسطه - ﵊ - في كل نعمة تصل إلينا - كما يعتقد الصاوي - تتوجب ملاحظته في كل عمل نقوم به، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ صلوات الرسول: "أي دعواته لأنه الواسطة العظمى في كل نعمة فتجب ملاحظته في كل عمل؛ لأن الله تعبدنا يالتوسل به، قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فمن زعم أنه يصل إلى رضا الله بدون اتخاذه - ﷺ - واسطة ووسيلة بينه وبين الله تعالى ضل سعيه وخاب رأيه، فهو باب الله الأعظم والوصول إليه وصول إلى الله لأن الحضرتين واحدة، ومن فرق لم يذق للمعرفة طمعًا" (١)
- ولكل ما تقدم ذهب إلى مشروعية التوسل بالرسول، يقول: "وقد ورد أنه لا يجوز القسم على الله تعالى إلا بأسمائه العلية أو بسيدنا محمد - ﷺ -، كما في الحديث الشريف (من كان له حاجة عند الله فليقل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بحبيبك المصطفى عندك يا سيدنا يا محمد أتوسل بك إلى ربى في قضاء حاجتى هذه لتقضى لي) (٢) " (٣)
- وكانت الحقيقة النورانية المحمدية مما طال كلامه في تقريرها، يقول: محمد النور الذاتى: أي نور ذات الله، أي الذي خلقه الله بلا مادة لأنه مفتاح الوجود، ومادة لكل موجود فهو ممد لجميع ذوات الخلق وصفاتهم دنيا وأخرى بواسطة أنه مهبط التجلى لأسماء الله تعالى وصفاته" (٤)
- هذا والصاوى يطيل النفس كثيرًا في ذكر ما اختص به من صفات - ﵊ - بين خلقية، وخلقية حتى يصل إلى درجة الغلو البين.
_________________
(١) المرجع السابق: (٢/ ١٥٤)، وانظر: حاشية الصلوات: ٧٣.
(٢) أخرجه الترمذي في: كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، رقم الحديث: ٣٥٧٨ وقال حديث صحيح حسن غريب: (٥/ ٥٣١). وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه: كتاب الصلاة - باب صلاة الترغيب والترهيب، رقم الحديث: ١٢١٩ (٢/ ٢٢٥). وفى سنن ابن ماجه: باب ما جاء في صلاة الحاجة، برقم: ١٣٨٤: (١/ ٤٤٢) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه برقم: ١١٣٧: (١/ ٢٣٢).
(٣) حاشية الصلوات الدرديرية: ٩٤.
(٤) المرجع السابق: ٤٧.
[ ٤٣٨ ]
- يقول: "إنه - ﷺ - احتوى على صفات جمالية ظاهرية وباطنية لا تدخل تحت حصر، وصفات جلالية كذلك، وقد كبر في ذلك العارفون قديمًا وحديثًا، كحسان بن ثابت وكعب من الصحابة - ﵃ - والبوصيرى (١) وغيره، ولم يقفوا على حد.
وبالجملة فيكفينا في جماله وجلاله قول الله ﷿: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقوله أيضًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] " (٢)
ولو اكتفى بهذا لكان حسن ولكنه جعل التغنى بهذه الصفات والتأمل فيها ليس فقط على وجهها الحقيقى ولكن مع ما أسبل عليها من مظاهر الغلو السابقة هو المقصد الأسمى من الإيمان بالرسول وأعظم الطرق التي ينال بها القرب من المولى تعالى، يقول: "ومعلوم أن من ذاق لذة وصال المصطفى ذاق لذة وصال ربه، لأن الحضرة واحدة، ومن بلغ الوسيلة شهد المقصد ومن فرق بين الوصالين لم يذق للمعرفة طعمًا، وإنما العارفون تنافسوا في محبة الله ورسوله، فمنهم من طلب الوصال بالتغزل في الوسيلة كالبوصيرى، ومنهم من طلبه بالتغزل في المقصد كابن الفارض وأمثاله، ولما كان من أعظم أسباب الوصل التعلق بصفات الحبيب وبكثرة الصلاة عليه حتى يصير خياله بين عينيه أينما كان وضع صاحب دلائل الخيرات صورة الروضة الشريفة لينظر فيها عند صلاته على الحبيب، فينتقل مما فيها إلى تصور ما فيها، فإذا كرر ذلك مع كثرة الصلاة صار المخيل محسوسًا".
- وكان من جملة ما حمله عليه غلوه أن جعل إرادة الثواب من الصلاة عليه ليست هي مطلوب العارفين، يقول: "وليس مقصود العارفين بكثرة الصلاة على
_________________
(١) هو محمد بن سعيد بن حماد بن محسن الصنهاجى، ولد في بهشيم من أعمال البهنساوية من أعلام التصوف كان صاحب علم وأدب ولكن حاد به ميله إلى التصوف عن جادة الصواب له ديوان يسمى البردة في مدح الرسول خرج به تصوفه في الكثير منه عن جادة الاعتدال توفى سنة: ٦٩٦ في الإسكندرية. انظر ترجمته في: شذرات الذهب: (٥/ ٤٣٢) والأعلام للزركلى: (٦/ ١٣٩).
(٢) حاشية الصلوات الدرديرية: ٤٩.
[ ٤٣٩ ]
النبي حصول الثواب لهم أو نفعه بذلك، وإن كان حاصلًا في نفس الأمر" ويستشهد بما قاله ابن الفارض في مثل هذا المعنى، يقول: "وقال سيدى عمر ابن الفارض نفعنا الله به حين كشف له عن الجنة وما أعد له فيها:
إن كان منزلتى في الحب عندكم ما قد رأيت فقد ضيعت أيامى". (١)
* * *
المناقشة:
أولًا: أسماؤه الشريفة:
إن ما قرره الصاوي في أمر أسمائه - ﷺ - لمما يظهر فيه التناقض البين إذ كيف يلزم المسلم بعدم تسميته - ﵊ - إلا بما ورد حتى يصفها لتأكيد ذلك بالتوقيفية، ثم يذكر أن عدد أسمائه يقارب الألف؟ ومن المعلوم أن أسماءه - ﵊ - لا تصل إطلاقًا إلى ما ذكر، وقد وردت عدة روايات في الصحيح تضمنت ما سمى به نفسه - ﵊ - (لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحى الذي يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمى، وأنا العاقب). (٢)
فصلى الله عليه وسلم ما أعظم تواضعه ووقوفه عند حدود ما أنزل الله، فلم يسم نفسه إلا بما هو متصف به حقيقة، وقد ورد في القرآن تسميته بالرءوف الرحيم وكان معروف بالصادق الأمين قبل البعثة إلى غير هذه الأسماء التي وردت، وإن كانت الحجة التي أوردها في وجوب التوقف في الأسماء وهى خشية الغلو والوقوع فيما نهى عنه النبي من التكلف في الإطراء والمدح صحيحة معتمدة، ولكن عدم التزامه بها في الكثير مما قرره في شأن المصطفى - ﵊ -؛ ليحكم بوقوعه في الاضطراب، وعدم الثبات على المبدأ.
_________________
(١) المرجع السابق: ٥١.
(٢) سبق تخريجه: ٤٣٣.
[ ٤٤٠ ]
وهذا الذي كان منه في أمر الأسماء إنما يصح أن يكون صورة واحدة من الصور المتعددة التي يظهر فيها خروجه عن التزام ذلك المبدأ، وهو التوقف في كل ما يعد من شؤونه - ﵊ -، خشية الوقوع في الغلو المذموم.
ثانيًا: قضية التفضيل:
ومن القضايا المهمة التي تتعلق بشأن نبوة المصطفى - ﵊ - قضية التفضيل وقد أشار الصاوي إلى بعض ما قيل في الجمع بين ما تواترت الأخبار في تفضيله على سائر الرسل، وبين ما ورد من نهيه - ﵊ - وتحذيره من تفضيله على موسى - ﵇ -، أو تفضيل أحد على يونس بن متى (١) وإن كان ما ذكره من أن النهى يقصد به ما أدى إلى التنقيص من شأن موسى ويونس - ﵉ - يعد من أقوى الأقوال في الجمع بين تلك النصوص.
ومما قيل في الجمع بينهما أن النهى عن المفاضلة كان قبل أن يوحى إليه - ﵊ - بالتفضيل أما وقد أوحى إليه فلا يبعد أن يكون النهى في باب المنسوخ من الأحكام ومن المعلوم أن النسخ جائز فيها.
ويرى الإمام ابن قتيبة أن هذا النهى الوارد منه - ﵊ - كان من باب التواضع مع علمه السابق بتفضيله على سائر الأنبياء، كما ورد في الحديث: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) (٢).
يقول ابن قتيبة في ذلك: "وإنما أراد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة؛ لأنه الشافع يومئذ، والشهيد، وله لواء الحمد والحوض، وهو أول من تنشق عنه الأرض، وأراد بقوله: (لا تفضلوني على يونس) من طريق التواضع". (٣)
وكان لبعضهم توجيهًا آخر للنهى الوارد وذلك ما ذكره الإمام القرطبي في
_________________
(١) تقدم تخريج هذه الأحاديث: ٤٣٥.
(٢) أخرجه مسلم في: كتاب الفضائل - باب تفضيل نينا - ﷺ -: (١٥/ ٣٧).
(٣) تأويل مختلف الحديث: ١٣٢.
[ ٤٤١ ]
التفسير، يقول بعد عرضه الأقوال السابقة الذكر" قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخرى زائدة عليها ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتخذ خليلًا، ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وفي المسألة أقوال متعددة أوردها الحافظ ابن حجر في كتابه وفى كل منها ما له وجه يقتضى إمكان إرادته وكان من أفضلها في اعتقادى ما ذكره الصاوي لأن النهى مراد لعدم التنقص والوقوع في المنهى عنه من قلة احترام الأنبياء والتقليل من شأنهم فكان الواجب التزام الأدب في تعظيمهم وهذا لا يمنع - كما ذكر أهل العلم - من اعتقاد تفضيل الرسول - ﵊ -، كما لا يخفى من الأدلة الصحيحة. (١)
وكان استدلال الصاوي على هذه الأفضلية بما اختص به - ﵊ - من مزايا كعموم رسالته لا مراء فيه وقد ذكر الاحتجاج به دون أن يعزو ذلك والصحيح أن هذا كان مستند ابن عباس - ﵄ - في تفضيله - ﵊ - على غير من الأنبياء، فقد روى عن ابن عباس أنه قال: "إن الله فضل محمدًا - ﷺ - على الأنبياء وعلى أهل السماء. فقالوا: يا ابن عباس، بم فضل على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].
وقال الله لمحمد - ﷺ -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٢].
_________________
(١) التفسير: (٣/ ٢٤٩). وانظر: ما ذكره الحافظ من هذه الأقوال في الفتح: (٦/ ٥١٤). وانظر: كتاب الشفا للقاضى عياض في ذكر هذه الأقوال: (٢/ ٦١٨).
[ ٤٤٢ ]
قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال الله ﷿ لمحمد - ﷺ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] فأرسله إلى الجن والإنس (١).
يقول القاضي عياض: "قال أهل التفسير أراد بقوله - تعالى- " ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] محمدًا - ﷺ -، لأنه بعث إلى الأحمر والأسود وأحلت له الغنائم وظهرت على يديه المعجزات وليس أحد من الأنبياء أعطى فضيلة أو كرامة إلا وقد أعطى محمد - ﷺ - مثلها -. . . ." (٢)
قال - ﷺ -: (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بى النبيون) (٣).
وخصائصه - ﵊ - كثيرة عظيمة وكلها "تدل على علو مرتبته، إذ لا معنى للتفضيل إلا التخصيص بالمناقب والمراتب" (٤).
ثالثًا: الغلو فيه - ﷺ -:
لقد كان الرجوع بما ورد في فضله - ﵊ - إلى الكتاب والسنة كافٍ في بيان عظيم ما حباه الله تعالى من منزلة علية ورفيعة على جميع بنى آدم، ولما تأتت الحاجة إلى مثل هذه الروايات الواهية التي أكثر من الاستشهاد بها الصاوي على ما ذكر من خصائص لا أساس لها صحيح من كتاب ولا سنة، بل جل ما تحمله غلو صريح نهى عنه المصطفى وحذو منه أمته أيما تحذير.
_________________
(١) أخرجه الدارمي في مسنده - باب ما أعطى النبي من الفضل، رقمه: ٤٦: (١/ ٢٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه الطبراني ورجاله رجال الثقات غير الحكم بن أبان وهو ثقة: (٨/ ٢٥٥).
(٢) الشفا للقاضي عياض: (١/ ٢٦٤).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: (٥/ ٥).
(٤) بداية السول في تفضيل الرسول، للعلامة العز بن عبد السلام السلمى، تحقيق: العلامة محمد ناصر الدين الألباني: ٣٥. وانظر: في بيان خصائصه على جهة التوسع: غاية السول في خصائص الرسول لابن الملقن، تحقيق: عبد الله بحر الدين.
[ ٤٤٣ ]
وقد سبق لي في مبحث متقدم أن أشرت إلى الكثير مما وقع به الصاوي في مسألة الغلو مع تقديم الأدلة والبراهين على انحرات مسلكه في تقرير ذلك عن المنهج الصحيح القويم. ولى مع هذا أن أضيف بعض التعليقات الهادفة هنا وذلك من خلال إبراز مواطن الغلو في تقرير نبوة المصطفى - ﵊ -، والعمل على مناقشتها مناقشة علمية هادفة؛ حتى تتم الفائدة من عقد هذا المبحث، وهى بيان حقيقة الإيمان بنبوة المصطفى - ﷺ -، وما يقتضيه ذلك الإيمان وفق ما شرع الله على لسان رسوله، ورد الشبهات القادحة في هذه الحقيقة الإيمانية إفراطًا وتفريطًا.
أولًا: علم الغيب له - ﵊ - ونسبة ذلك إليه دون استثناء حتى للأمور الخمسة التي اختص الله تعالى بعلمها دون خلقه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
وقد ذكر هذا القول السيوطي بصيغة التمريض (١) وأتى تعليق العلامة الهراس عليه شديدًا فقال: "ولا دليل لهذا البعض - أي الذين ذهبوا إلى القول بعلم النبي لها - وهو مكذوب بصريح القرآن، نعوذ بالله من الغلو الذي يخرج من الإيمان". (٢)
ثانيًا: وكان من جملة ما خرج به الصاوي عن المسلك الصحيح في تعظيم النبي - ﵊ - تجويز القسم به والتوسل بمنزلته بعد وفاته واستخدام بعض الألفاظ الموهمة مما لا أصل لها في الشرع لتوجيه مثل هذه الآراء البعيدة، كقوله باتحاد الحضرة في عدة مواضع من كتبه.
والصواب هنا أن استخدام مثل هذه الألفاظ يعد من ذرائع الشرك بالله تعالى لأنها:
_________________
(١) انظر: كلامه في ذلك في كتاب الخصائص الكبرى: (٢/ ٣٣٥)، وأنموذج اللبيب في خصائص الحبيب: ٢٣.
(٢) الخصائص الكبرى للسيوطي: تعليق الشيخ الهراس نقلًا عن مقدمة الألباني في تحقيقه لكتاب بداية السول.
[ ٤٤٤ ]
أولًا: من البدع المحدثة التي حذر منها النبي أمته حيث كان يقول في الخطبة: (شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) (١)
ثانيًا: هذه الألفاظ تعد من الغلو المنهى عنه قال - ﵊ -: (لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم) (٢)
فحقيقة الإطراء المنهى عنه، كما بين ذلك أهل العلم هو الخروج عما شرع الله تعالى في حقه من الإجلال والأدب، إلى ما هو من خصائص الربوبية التي لا تكون إلا لله تعالى، يقول الإمام البغوي: "الإطراء مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه، وذلك أن النصارى أفرطوا في مدح عيسى وإطرائه بالباطل وجعلوه ولدًا، فمنعهم النبي - ﷺ - من أن يطروه بالباطل" (٣)
مع ما فيها من مقاربة لألفاظ الشرك المحرمة فهذا النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - ينهى بعض أصحابه وبشدة فحين قيل له ما شاء الله وشئت رد تلك المقولة وأظهر بهتانها وقال: (أجعلتنى والله عدلًا؟ ما شاء الله وحده) (٤)
- أما عن القسم به - ﵊ - فقد وردت الأحاديث الصحيحة ببيان أن القسم حق لله تعالى فلا يجوز أن يتعداه العبد إلى غيره وأن من فعل ذلك فقد أشرك، قال - ﵊ -: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) (٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجمعة - باب رفع الصوت في الخطبة.
(٢) سبق تخريجه: ٧٢.
(٣) شرح السنة: (١٣/ ٢٤٦).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسند ابن عباس - ﵄ -: رقم الحديث: ١٩٦٤، وصححه أحمد شاكر: (٢/ ٤٦٥)، ورواه ابن ماجه في سننه: كتاب الكفارات - باب النهى أن يقال ما شاء الله وشئت، رقم الحديث: ٢١١٧، وصححه الألباني في السلسلة: ١٣٩.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأيمان والنذور - باب في كراهية الحلف بالآباء، رقم الحديث: ٣٢٤٦: (٤/ ٧٦). وصححه الألباني في صحيح ابن داود برقم: ٢٧٨٧: (٢/ ٦٢٧). وأخرجه الترمدى: كتاب النذور والأيمان - باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله، رقم الحديث: ١٥٣٥، وقال الترمذي: حديث حسن: (٤/ ٩٣).
[ ٤٤٥ ]
هذا وتعد قضية التوسل بذاته الشريفة من أهم مباحث هذا الباب لوقوع الكثير في اللبس والخلط فالحديث الذي ذكره الصاوي مستدلًا به على مشروعية التوسل به - ﷺ - ودعاء الله بمنزلته كان قى حياته، إذ من المسلم مشروعية التوسل به - ﵊ -، فقد أثر عن الشيخ العز بن عبد السلام أنه علق على الحديث الذي أورده الصاوي بقوله: "فإن صح فينبغى أن يكون مخصوصًا به فإنه سيد ولد آدم" (١)
أما بعد مماته - عليه صلوات ربي - فلم يثبت عن أحد من الصحابة الكرام أنه قام بهذا الفعل بل صح الخبر عن عمررضي الله عنه - أنه دعا الناس في عهده حين أقحطوا إلى التوسل بالعباس فكان يقول: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، وكان يتم لهم ذلك بفضل الله كما في تمام الرواية: (قال: فيسقون) (٢).
وهذا الحديث فيه دلالة قطعية على توقف الصحابة الكرام - ﵃ - عن التوسل بالرسول بعد موته، كما هو ظاهر من كلام عمر - ﵁ - وفيه أيضًا مشروعية التوسل بدعاء الصالحين عند اشتداد الكرب.
يقول الإمام الشوكاني بعد تفصيل القول في التفريق بين التوسل المشروع والتوسل المنهى عنه: "والحاصل أن طلب الحوائج من الأحياء جائز إذا كانوا يقدرون عليها، ومن ذلك الدعاء، فإنه يجوز استمداده من كل مسلم، بل يحسن ذلك. . ولكن ينبغى أن يعلم أن دعاء من يدعو له لا ينفع إلا بإذن الله وإرادته ومشيئته، كما ورد بذلك القرآن العظيم، فهذه تقييد للمطلق لا ينبغى عنه العدول بحال" (٣).
_________________
(١) غاية السول في خصائص الرسول، للإمام ابن الملقن: ٢٩٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الاستسقاء باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، رقم الحديث: ١٠١٠.
(٣) الرسائل السلفية: ١٧٠.
[ ٤٤٦ ]
ثالثًا: وما ذكره الصاوي من أنه يجب ملاحظة الرسول - ﵊ - في كل عمل لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] حقيقته من الألفاظ المجملة التي تحتمل حقًا وباطلًا، فإن كان يقصد بالملاحظة التوجه إليه - ﵊ - بالقلب فهذا مما لا يجوز قطعًا ودلالته على الشرك واضحة، لأن توحيد الإرادة والقصد قد أنيط به قبول الأعمال فلا يصح شيء من العبد مع الإخلال به، حتى أن العبد إذا وفق للإخلاص وإرادة الله في جميع أعماله ووقع عنده خلل في عمل واحد أحبط ذلك العمل، كما قال تعالى في الحديث القدسى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه) (١).
وإن كان يقصد بالملاحظة المتابعة، فلا يعبد الله تعالى إلا وفق ما شرع لنا على يد المصطفى - ﵊ - فهذا حق لا مراء فيه بل هو عين ما يقتضيه الإيمان برسالة الرسول - ﵊ -، والشهادة العظمى على محبة الله ورسوله.
وبهذا المعنى يصح التعبير عن الرسول - ﷺ - بأنه واسطة ووسيلة أما بما سبق بيانه من اعتقاد نفعه، أو ضره بغير اتباعه، أو التوجه إليه بالدعاء بعد مماته فلا، وهذا هو عين الإفراط الذي حذر منه المصطفى - ﷺ - أمته.
رابعًا: وكان من جملة الخلط الذي وقع فيه الصاوي أن عطف شعر اللاحقين من أهل الغلو في مدحه - ﵊ - بشعر الصحابة الكرام الذين فاض قريظهم فيه عذوبة وطهارة، فلم يحيدوا عما أخبر الله تعالى عنه قيد أنملة، وكان جمعه بينهم محض وهم وضلال، فالبوصيرى الذي نطقت قصيدته بالغلو في كثير من أبياتها، لتحكم بعظيم البون وبعد المسافة، فمن نسبة علم الغيب له إلى تفريج الكرب إلى غير ذلك، مما يطول بى المقام في استقصاء ما أتى بها من غلو بصريح العبارة، كل هذا مما لا يدع مجالًا للشك في تغاير المفاهيم، وتباعد الحقائق المعتقدة حول ما تقتضيه محبة المصطفى - ﵊ -.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد والرقائق - باب من أشرك في عمله غير الله.
[ ٤٤٧ ]
وهاك بعض ما نقلة الصاوي عنه من بردته:
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم (١)
فعلى ضوء ما سبق بيانه يبدو الغلو صريحًا واضحًا، فإن كل بيت من الأبيات السابقة ينطق بلون من ألوان الغلو المنهى عنه، يقول الشوكانى بعد أن بين حقيقة ما يقتضيه الإيمان برسالته - ﵊ -: "فانظر - رحمك الله تعالى - ما وقع من كثير من هذه الأمة من الغلو المنهى عنه، المخالف لما في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - كما يقول صاحب البردة - رحمه الله تعالى - وذكر الأبيات السابقة - فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله - ﷺ -، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله - ﷺ - إنا لله وإنا إليه راجعون" (٢)
ومن العجيب أن يجمع هذا مع مخالفته لصريح ما أنزل الله على رسوله إلى شعر حسان - ﵁ - الذي دعا له الرسول بتأييد جبريل - ﵇ -، يقول - ﵁ -:
أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
نبى أتانا بعد يأس وفترة من الرسل والأثان في الأرض تعبد
فأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا يلوح كما لاح الصقيل المهند
وأنذرنا نارًا وبشر جنة وعلمنا الإسلام فالله نحمد
وأنت إله الخلق ربي وخالقي بذلك ما عمرت في الناس أشهد
_________________
(١) استشهد الصاوي بها في أماكن متعددة في حاشيته على الصلوات الدرديرية: انظر: ديوان البوصيرى: ١٦٦ - ١٧٠، تحقيق أحمد بسج.
(٢) الرسائل السلفية: كتاب الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد: ١٧١.
[ ٤٤٨ ]
تعاليت إله الناس عن قول من دعا سواك إلهًا أنت أعلى وأمجد
لك الخلق والنعماء والأمر كله فإياك نستهدى وإياك نعبد (١)
* * *
خامسًا: كما أن لا يخفى ما وقع فيه من انحراف بين عندما عبر عن المولى تعالى بالمقصد وعن النبي بالوسيلة، ثم وحد بينهما وجعل أعظم الطرق الموصلة إلى هذه الحضرة على - حد تعبيره - هي المحبة التي عبر عنها بالغزل، فمن أين له أن التغزل هو أعظم طرق الوصل؟ ومن أين له أن التغنى بالأوصاف والتعلق بها هو من أعظم دلائل المحبة؟
- ثم إن في تعبيره عن المحبة الصادقة بالغزل ما يخل بمقتضى التعظيم والإجلال الواجبين في حق الله تعالى وحق رسوله - ﵊ -، فالطريق إلى الله تعالى واحد لا سبيل إليه سواه، وهو عبادته بإخلاص ومتابعة، قال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وإنما عرف تعالى عباده بأسمائه وصفاته حتى يعرفوه فيعبدوه حق عبادته.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] وإلا فإن معرفة الله تعالى بماله من الكمال المطلق مما فطر العباد عليه وإنما أتى العبد من جانب ما تقتضيه هذه المعرفه. (٢)
وكذلك الطريق إلى المحبة المصطفى - ﷺ - لا تسلك إلا بصدق المتابعة والتقرب إلى الله تعالى، قال الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود: (لا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله) فإن "من أحب شيئًا آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقًا في حبه وكان مدعيًا، فالصادق في حب النبي - ﷺ - من
_________________
(١) ديوان حسان بن ثابت - ﵁ -: ٤٧.
(٢) انظر: المبحث المتعلق بالتوحيد: ١٦٩.
[ ٤٤٩ ]
تظهر علامة ذلك عليه، وأولها: الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ " (١)
ويقول الإمام ابن القيم في بيان حقيقة محبته - ﵊ -: "إن تعظيم الرسول وإجلاله ومحبته تابع لتعظيم مرسله سبحانه وإجلاله ومحبته وطاعته، فمحال أن تثبت المحبة والطاعة والتعظيم والإجلال للرسول - ﷺ - دون مرسله، بل إنما يثبت ذلك له تبعًا لمحبة الله وتعظيمه وإجلاله، ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة الله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومحبته محبة لله. ." (٢)
كما أن تقديم العمل بسنته على هوى النفس وآراء الرجال من براهين صدق مدعى محبته - ﵊ -، لذا علق المولى تعالى صدق الإيمان بالتحاكم لشرعه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
فإن صدق الاتباع أعدل الشهود، وأقواهم بينة على محبة من اتصف به، وقد كان القرآن الكريم يتعهد دومًا من تربى في مدرسة النبوة بغرس فضيلة الأدب معه - ﵊ -، فمرة يوجههم إلى وجوب اتباعه، ومرة يخصص من هذا الاتباع أولوية التحاكم لشرعه المطهر، والتسليم لما يقضى به بينهم، ومرة يحذرهم من مغبة الالتفات عن أمره، كما قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
إن النداء الربانى لأهل الإيمان حقيقة باقية تهيب بكل من دخل في عموم هذا الجمع بأن يحسنوا اتباعهم له، وأن لا يقدموا شيئًا على سنته مهما حسنته العقول والأهواء أو ارتأت أولويته.
_________________
(١) الشفا للقاضي عياض (٣/ ٥٦١).
(٢) جلاء الأفهام: ٣٠٤.
[ ٤٥٠ ]
وقد كان حال الصحابة - ﵃ - مع عظيم محبتهم له - ﵊ -، لأعظم شاهد يشهد بمخالفة ما ذكر الصاوي، فهذا الصحابى الجليل الذي يطلب مصاحبة الرسول في الجنة، يحثه - ﵊ - على كثرة السجود، ففى الحديث الصحيح أن ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله - ﷺ -، فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعنى على نفسك بكثرة السجود) (١)
وكانت الصلاة عليه من جملة الأعمال الموجبة لنيل القرب منه - ﵊ -، فقد ورد في الحديث الشريف أنه قال: (أولى الناس بى يوم القيامة أكثرهم على الصلاة) (٢)
- وما ذكره من أن الكمل هم الذين لا يبتغون بصلاتهم عليه - ﷺ - الأجر والمثوبة، فحقيقته متابعة للصوفية في ادعاءاتهم الباطلة، وتظهر مخالفته للمعلوم من كلام الله ورسوله من عدة وجوه؛ كان منها ما دل عليه حديث المصطفى - ﵊ - الذي أخبر فيه عن شكره لله تعالى بأداء السجود على ما جعل من ثواب الصلاة عليه، فعن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: (خرج رسول الله - ﷺ - فأتبعته حتى دخل نخلًا فسجد فأطال السجود حتى خفت أو خشيت أن يكون الله قد توفاه أو قبضه قال: فجئت أنظر فرفع رأسه فقال: مالك يا عبد الرحمن؟ قال فذكرت ذلك له. قال: فقال: (إن جبريل قال لي ألا أبشرك؟ إن الله ﷿ يقول: من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه). (٣)
_________________
(١) أخرجه مسلم في: كتاب الصلاة - باب فضل السجود والحث عليه: (٤/ ٢٠٦).
(٢) أخرجه الترمذي في: كتاب الوتر - باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي - ﷺ -، رقم الحديث: ٤٨٤ وقال: حديث حسن غريب: (٢/ ٣٥٤).
(٣) أخرجه أحمد في المسند من حديث عبد الرحمن بن عوف، رقمه: ١٦٦٢. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح: (٢/ ٣٠٨).
[ ٤٥١ ]
ومنها أن كان - ﵊ - كثيرًا ما يحض أصحابه على الإكثار من الصلاة عليه بمالهم من الأجر، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. (١)
- ثم إن في استشهاده ببيت الفارض على عدم إرادة الثواب في حق العارفين محض وهم وضلال؛ فما هذا هدى الأنبياء وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، بل رجاء ما عند الله تعالى والخوف من عقابه هو دين الرسل وأتباعهم.
قال تعالى بعد حكاية فضله على أنبيائه ورسله - عليهم الصلاة والسلام -: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
* * *
_________________
(١) منها ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رض الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قال: (من صلى على واحدة صلى الله عليه عشرًا): كتاب الصلاة - باب استحباب القول مثل قول المؤذن: (٤/ ٨٥).
[ ٤٥٢ ]
(المبحث الرابع): دلائل النبوة
تبين مما سبق أن من أعظم أهداف الرسالة السعى إلى تحقيق الغاية من خلق الثقلين، ألا وهى عبادة الله وحده لا شريك له، فإنه لا يمكن أن يعرف طريقها المرضى إلا عن طريق ما جاءت به الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام -، الذين قاموا بأداء الرسالة إلى البشرية، فحملوا على عاتقهم مهمة التبليغ بالنذارة والبشارة إلى الصراط المستقيم.
ومع وضوح هذه الحقيقة الربانية المتمثلة باصطفاء الرسل والتى قد اختارها المولى تعالى طريقًا لهداية العباد والتى تتجلى في الكثير مما يرتبط بها ارتباطًا وثيقًا كتحقيق الأهداف ووضوح المبادئ وثبات النتائج، إلا أن حكمة المولى ﷿ اقتضت أن يؤيد رسله بالبينات والأدلة والبراهين التي لا يملك من أوتى سلامة الأدوات إلا الإقرار برسالة من هيئت له تصديقًا وتأييدًا.
ولم تكن هذه الآيات بمعزل عن الغاية التي هيئت لها، وإنما كانت تتفق مع حقيقة الرسالة قلبًا وقالبًا، كمعلم من أبرز معالم الهداية إلى الإيمان بالرسالة ومرسلها، ومن هنا تبدو المعجزة كأعظم دلائل النبوة دون أن تكون هي المنفردة بهذه المهمة، وهذا هو المعتمد في عقيدة أهل السنة والجماعة حول أهمية المعجزة ومكانتها من الدلالة على صدق الرسالة.
ومع نشوء الخلاف بين الفرق الإسلامية؛ تعددت الآراء حول هذه القضية وكان المعتمد عند غالب المتكلمين أن المعجزة هي البرهان الأوحد على صدق الرسول، وحجتهم في ذلك أن ما سواها غير متعذر معارضته، والمعتزلة هم أول من تبنى هذا المعتقد ووصفوا المعجز بأنه الدليل الأوحد على صدق النبوة، يعرف القاضي عبد الجبار المعجز بأنه: "الفعل الذي يدل على صدق المدعى للنبوة" (١).
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة: ٥٦٨.
[ ٤٥٣ ]
وامتدادًا لذلك الفكر فقد صار الاستدلال بالمعجز على صدق الرسول هو المسلك المعتمد عند غالب الأشاعرة، يقول الإيجى في إثبات نبوة محمد - ﷺ -:
"المسلك الأول - وهو العمدة - أنه ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده" (١)
وهذا إمام الحرمين الجويني يعقد فصلًا في تقرير أنه لا دليل على صدق النبي غير المعجزة، ويبرهن لذلك بأنه الدليل الوحيد الذي يتحقق فيه الإعجاز والتحدى وما سواه فقد "يستوى فيه البر والفاجر، فيستحيل لذلك كونه دليلًا" (٢).
وكذلك الآمدي المتكلم المعروف يسير على خطا سابقيه في تقرير الدليل، يقول: "والذي يدل على كونه رسولًا من عند الله تعالى أن نقول: إن محمدًا كان موجودًا، وأنه ادعى الرسالة عن الله ﷿، وأنه ظهرت المعجزات على يده، وأنه تحدى بها ولم يوجد لها معارض؛ فكان رسولًا" (٣).
ولم يكن هذا القول مع الصدارة الفكرية التي كانت له في المذهب الأشعري محل إجماع، بل خالف فيه بعض كبار منظرى المذهب الأشعري كالغزالى والرازى؛ إتباعًا للمنهج القويم المستمد من الكتاب والسنة، فهذا الغزالي يطيل النفس في تقرير دليل النبوة بعيدًا عن منهج المتكلمين، يقول: "ومن نظر في أقوال رسول الله - ﷺ - وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق وتلطفه في حق الناس بأنواع اللين واللطف إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم؛ حصل له علم ضرورى بأن شفقته على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده، وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال وإلى عجائب الغيب التي أخبر عنها في القرآن على لسانه وفى الاخبار وإلى ما ذكره في آخر الزمان وظهر ذلك كما ذكره؛ علم علمًا ضروريًا أنه بلغ الطور الذي وراء العقل وانفتحت له العين التي ينكشف منها الغيب، والخواص والأمور التي لا يدركها العقل، وهذا هو منهاج يحصل به العلم الضرورى بصدق النبي - ﷺ -" (٤).
_________________
(١) المواقف: ٣٤٩.
(٢) الإرشاد: ٣٣١.
(٣) أبكار الأفكار في أصول الدين: (٤/ ٦٨).
(٤) الأصفهانية: ١٩٩.
[ ٤٥٤ ]
وممن تأثر بما ذهب إليه الغزالي الرازي، فعند الاستدلال على نبوة المصطفى - ﵊ - يذكر إلى جانب الاستدلال بالمعجز: "إثبات نبوته - ﵇ - بالاستدلال بأخلاقه وأفعاله وأحكامه وسيره، فإن كل واحد منها وإن كان لا يدل على النبوة لكن مجموعها مما يعلم قطعًا أنه لا يحصل إلا للأنبياء" (١).
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
يقف الصاوي موقفًا مغايرًا لما هو معهود من كلام الأشاعرة في الاستدلال على نبوة الرسل ويظهر بذلك تأثره بموقف الغزالي من قبل.
فهو أولًا يوضح المراد بدلائل النبوة بقوله: "أي - الأدلة - الدالة على صدقه - ﷺ -"
ويرى أن دلائل صدق الرسول - ﵊ -" ثلاثة أمور:
أحدها: المعجزات الظاهرات.
ثانيها: القرآن العظيم.
ثالثها: كون دينه الذي أمر باتباعه وهو دين الإسلام ليس فيه شيء سوى تعظيم الله والانقياد لأمره ونهيه والتبرى من كل معبود سواه، فهذه أمور نيرة واضحة في صحة نبوته - ﷺ -" (٢)
وتأكيدًا لهذا المعنى السابق فإنه في تفسيره للآيات التي تنكر على المشركين إعراضهم عن الانقياد لدعوة المصطفى - ﵊ -، يرجع ما حصل منهم إلى عدم إدراك ما يتحصل به اليقين بصدق الرسول - ﵊ -.
ففي بيان معنى قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٨، ٦٩]
_________________
(١) المحصل: ٢٠٨.
(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ١٣٦).
[ ٤٥٥ ]
يقول: "وهذا شروع في بيان أن إقدامهم على هذه الضلالات لا بد أن يكون لأحد أمور أربعة:
أحدها: أن لا يتأملوا في دليل نبوته وهو القرآن المعجز.
ثانيها: أن يعتقدوا أن بعثة الرسول أمر غريب لم تسمع ولم ترد عن الأمم السابقة.
ثالثها: ألَّا يكونوا عالمين بأمانته وصدقه قبل ادعاء النبوة.
رابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون". (١)
وفي كل مرة يوضح أنه ليس هذا هو سبب إعراضهم بل الكبر عن قبول الحق والانقياد له.
أما عن المراد بالمعجزة فيعرف الصاوي أصلها في اللغة، بقوله: "المعجزة في الأصل مشتقة من الإعجاز وهو إثبات العجز في الغير ثم استعمل في لازمه وهو إظهاره، ثم نقلت للأمر الخارق" (٢)
أما تعريفها كما هو عليه كلام الأشاعرة، فيقول في الخارق: "هو الأمر الخارق للعادة، الواقع على يد مدعى النبوة المقرون بالتحدى (٣) مع عدم المعارضة" (٤)
ثم يشرع بعد ذلك ببيان مفردات التعريف واحدة واحدة، يقول: "وقد اشتمل التعريف على سبعة أمور:
أولًا: أن تكون فعلًا لله أو تركًا، فالأول: كنبع الماء من بين الأصابع.
والثاني: كعدم الإحراق لإبراهيم - ﵇ -.
ثانيًا: أن تكون خارقًا للعادة لا أن يكون معتادًا.
_________________
(١) المرجع السابق: (٣/ ١١٤).
(٢) حاشية الخريدة: ٩٩.
(٣) حاشية الخريدة: ٤. وحاشية الصلوات: ٥٥.
(٤) حاشية الجوهرة: ٤٦.
[ ٤٥٦ ]
ثالثًا: أن تكون على يد مدعى النبوة؛ لأنها إن كانت على يد غيره فلا تسمى معجزة".
ويبدأ بتفصيل ما يسمى به الخارق على يد غير مدعى النبوة ف " إما أن تسمى إرهاصًا وهو الخارق للعادة على يد نبى قبل ادعائها.
أو كرامة: وهى الخارق للعادة على يد ظاهر الصلاح.
أو معونة: وهى ما كان على يد مستور الحال.
أو استدراجًا: وهو ما كان على يد فاسق على طبق مراده.
أو إهانة: وهو ما كان على غير مراده".
رابعًا: أن تكون مقارنة للدعوى حقيقة أو حكمًا.
خامسًا: أن تكون موافقة للدعوى، فالمخالفة كفلق الجبل عند قول مدعى النبوة: آيتى فلق البحر، فلا تعد معجزة.
سادسًا: أن لا تكون مكذبة إن كان ممن يعتبر تكذيبه، كقوله: آيتى نطق الجماد فنطق بأنه كذاب، فلا تعد معجزة، وأما إن كان مما لا يعتبر تكذيبه، كما إذا قال: آيتى إحياء هذا الميت مثلًا، فأحيى ونطق بأنه كذاب فإحياؤه كافٍ في المعجزة ولا يلتفت لتكذيبه لاتهامه بعد ذلك بالأغراض.
سابعًا: أن تتعذر معارضته إلا من نبى مثله، فالسحر ونحوه لا يعد معجزة.
ثامنًا: أن لا يكون الخارق في زمن خرق العادات، كقرب الساعة". (١)
وفى بيان الحكمة من اختيار نوع المعجزة لكل نبى فإنه يوضح مدى العلاقة الوثيقة بين نوعها وبين ما برع فيه أهل زمان ذلك النبي؛ حتى يتحقق الإعجاز ويظهر كأقوى ما يكون، فيعلل الصاوي ما أيد به عيسى - ﵇ - من إحياء الموتى وإبراء المرضى بقوله: "فإن معجزة كل نبى على شكل أهل زمانه، كموسى - ﵇ - فإنه بعث في زمن كثرت فيه السحرة؛ فأعياهم بالعصا واليد البيضاء، وسيدنا محمد - ﷺ - فإنه بعث في زمن العرب البلغاء؛ فأعياهم بالقرآن" (٢)
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) حاشية الجلالين: (١/ ١٤٦).
[ ٤٥٧ ]
ويشرع في بيان معجزاته - ﵊ -: "مما يجب علينا اعتقاده أن الله أعطى نبيه - ﷺ - معجزات أي خوارق للعادات كثيرة لا نهاية لها، قيل: أعطاه الله مائة ألف وسبعين ألف معجزة منها مائة ألف في القرآن، والسبعون في غيره" (١)
ويرى أن حادثة الإسراء والمعراج من جملة معجزاته، يقول: "ومن جملة معجزاته - ﷺ - أنه أسرى به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى على ظهر البراق، وجبريل على يمينه، وميكائيل عن يساره".
ومن تلك المعجزات "انشقاق القمر فلقتين في السماء متباعدتين، بحيث كانت كل واحدة فوق جبل.
ومنها تسبيح الجماد في كفه - ﷺ -؛ لما ورد أنه قبض على حصيات في كفه فسبحن حتى سمع لهن حنينًا كحنين النحل، ثم ناولهن أبا بكر فسبحن ثم ناولهن عثمان فسبحن، ثم وضعهن على الأرض فخرسن، ففى ذلك كرامة للصحابة أيضًا. (٢)
ومنها نطق الحيوانات كالضب والظبية والبعير" (٣).
ويؤكد على أهمية الإيمان بآحاد المعجزات الواردة، حيث يقول: "فمن أنكر الإسراء كفر لتكذيبه القرآن". (٤)
* * *
تعليق:
لا ريب في أن كلام الصاوي المتعلق بالاستدلال على النبوة قد وافق الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، ولى أن أضيف بعض ما يحسن إضافته إلى ما ذكر مع شيء من التفصيل وذلك ضمن النقاط التالية:
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٤٧.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط - باب تسبيح الحصى: مجمع البحرين في زوائد المعجمين للهيثمى، برقم ٣٥٢٠ - ٣٥٢١: (٦/ ١٥٢)، وذكره في المجمع وقال: رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات، وفى بعضهم ضعف، وسكت عن رواية الطبراني: (٨/ ٢٩٩).
(٣) حاشية الصلوات: ٥٥.
(٤) المرجع السابق: ٤٨.
[ ٤٥٨ ]
أولًا: طريق الاستدلال بالمعجزات والبراهين:
لا شك أن هذا الطريق فيه تمام الكفاية على إثبات صدق الرسول في دعوته، فإن في سنة الله تعالى الجارية بتأييده لأنبيائه ورسله بالمعجزات؛ لأكبر شاهد على أهمية المعجزة وكونها من أوضح البراهين الهادية للإيمان بالرسل.
وتحقيق هذا أن المعجزة خرق للعادات الجارية بالسنن الكونية بما يحصل التحدى به بحيث يخرج موجبها المقتضى لتحققها عن مقدور البشر فتصبح بذلك آية واضحة تستند في وضوحها إلى المسلمات الفطرية من وسائل الإدراك الحسية التي لا يمكن بحال التردد في مصداقية ما تتوصل إليه من نتائج دالة على كونها مرادة لتأييد من أجريت على يديه.
يقول ابن الوزير (١) في هذه الحقيقة: "فالنظر في المعجزات الواضحات والخوارق الباهرات كان به إيمان عامة أهل الإسلام في زمن الرسول - ﵇ -، وبه كان إيمان السحرة في زمن موسى - ﵇ -" (٢).
وهذا الأصل في إثبات الرسالة لا يمكن التشكيك في أهميته، ومع هذا فالغلو في حصر الدلالة به غير مسلم، فأمر الرسالة من العظم بمكان؛ بحيث لا يمكن أن يكون طريق العلم بها محصورًا في دليل بعينه، وهذا ما نبه إليه شيخ الإسلام في كثير من مؤلفاته القيمة.
ثانيًا: الاستدلال بحال الرسول - ﵊ - فيما اتصف به من صدق ورجاحة عقل وعدالة مشهود لها في قومه، وتقوم هذه الدلالة على استقراء مجموع أحواله قبل البعثة وبعدها مما يصل بالمستبين إلى درجة اليقين من استحالة
_________________
(١) هو الإمام العلامة محمد بن إبراهيم بن على المرتضى الحسنى القاسمى، من أعيان اليمن قال عنه الحافظ ابن حجر: كان مقبلًا على الاشتغال بالحديث شديد الميل إلى السنة، له مصنفات نفيسة منها: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبى القاسم، وتنقيح الأنظار في علوم الآثار، والروض الباسم في الذب عن سنة أبى القاسم، توفى سنة: ٨٤٠ هـ: الأعلام للزركلى: (٥/ ٣٠٠). ومقدمة كتاب العواصم: (١/ ٥).
(٢) العواصم والقواصم: (١/ ٢٠٦).
[ ٤٥٩ ]
كذب من استقامت أحواله بالصدق التام والعقل الراجح والخلق العظيم، فالصدق وهو أعظم ما يبحث عنه من أحوال مدعى النبوة تتأتى طرق معرفته من جهات متعددة بحيث يسهل التمييز في شأن من ادعاه كذبًا وزورًا ممن قامت أحواله به حتى استحق الاتصاف به على جهة العلمية كما كان شأن المصطفى - ﵊ -.
هذا والقرآن الكريم في كثير من المواضع يلفت أنظار الممترين إلى كثير من الحقائق المعهودة في أحوال الرسل والتى امتزجت بها شخصيته - ﵊ -، مما لا يدع لهم مجالًا للشك والتمادى في طرق الغواية بعيدًا عن الاعتراف بهذه الحقيقة الإيمانية، وفى ذلك كان قول حسان بن ثابت - ﵁ -:
لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر (١)
ثم إن في صفات الرسول الأخرى، كالخلق الرفيع والأمانة والنزاهة وإرادة الخير والبعد عن مواقع الريبة ما يجزم بصدقه فيما ادعاه، وبهذا استدلت السيدة خديجة - ﵂ - على نبوته - ﵊ - وردت عنه ما خالجه من ريبة في أمره، حيث قالت: "فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق" (٢)
يقول شيخ الإسلام في تعليقه على هذه المقولة العظيمة: "وقد علم من سنة الله أن من جبله الله على الأخلاق المحمودة، ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه، وأيضًا فالنبوة في الآدميين هي من عهد آدم - ﵇ - فإنه كان نبيًا وكان بنوه يعلمون نبوته وأحواله بالاضطرار، وقد علم جنس ما يدعو إليه الرسل وجنس أحوالهم، فالمدعى للرسالة في زمن الإمكان إذا أتى بما ظهر به مخالفته
_________________
(١) ديوان حسان بن ثابت: ١/ ٤٨٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدأ الوحي - باب كيف كان بدأ الوحي، رقم الحديث: ٣.
[ ٤٦٠ ]
للرسل علم أنه ليس منهم، وإذا أتى بما هو من خصائص الرسل علم أنه منهم لا سيما إذا علم أنه لا بد من رسول منتظر، وعلم أن لذلك الرسول صفات متعددة تميزه عمن سواه، فهذا قد يبلغ بصاحبه إلى العلم الضرورى بأن هذا هو الرسول المنتظر، لهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] " (١)
وهذا هو مصداق قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فإنه ﷿ قد هيأ لأمر الرسالة من علت أحوالهم البشرية حتى وصلوا إلى ذروة الكمال الممكن لها؛ وذلك بما اتصفوا به من عظيم الخلق وجمال الخلق، وقد قال تعالى في معرض امتنانه على أشرف خلقه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ومعلوم أن في انفضاض الناس عن المرسل ما يقضى بانتفاء الغاية التي من أجلها كانت الرسالة؛ إذًا فانتفاء هذا الحال عنه فيه إشارة إلى أن أحوال الرسل محض عناية من الله تعالى، إذ يتوقف عليها القيام بأمر الرسالة من حيث التحمل والأداء، وعليه فإن انتظام هذه المقامات العالية في شخص ما مع ادعائه للنبوة في وقت إمكانها ليقضى بصدقه فيما ادعاه كما تقرر ذلك من دلائل نبوته - ﵊ -. (٢)
ولا شك أن في انضمام هذا المسلك إلى المسلك الذي قبله ما يصل بالمتأمل فيهما إلى درجة اليقين، يقول الإمام ابن الوزير: "إن سيرة النبي - ﷺ - ومعرفة أوصافه، وقرائن أحواله لتفيد العلم الضرورى العادى وحدها، فإذا انضمت إلى المعجز محت الوسواس وأطفأته، كما يطفئ الماء النار" (٣).
ثالثًا: الاستدلال بحال الدعوة نفسها وهو في الحقيقة استدلال بالركائز التي يقوم عليها أمر الدعوة وما يترتب عليها من نتائج فعالة على الفرد والمجتمع، فإنه مما علم
_________________
(١) الأصفهانية: ١٦٢.
(٢) انظر: منهاج السنة: (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠).
(٣) العواصم والقواصم، لابن الوزير: (١/ ٢٠٧).
[ ٤٦١ ]
ضرورة من حال الأنبياء في دعوتهم الأمم العناية بأمر التوحيد ونبذ الشرك وأهله، وأيضًا الاهتمام بمصالح الأفراد وذلك بالحث على التمسك بفضائل الأعمال والأقوال، وكان هذا المسلك في تقرير النبوة هو حقيقة ما استند إليه النجاشي في التصديق برسالة النبي - ﷺ -، حيث قال: [إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة]. (١)
وفى هذا المعنى يقول شيخ الإسلام "وقد علم جنس ما جاءت به الأنبياء والمرسلون وما كانوا يدعون إليه ويأمرون به، ولم تزل آثار المرسلين في الأرض ولم يزل عند الناس من آثار الرسل ما يعرفون به جنس ما جاءت به الرسل ويفرقون به بين الرسل وغير الرسل" (٢)
وإن مما يتعلق بشأن الدعوة ما يترتب عليها من نتائج تظهر محكمة في حال المدعين فإنه من أصدق ما يستدل به على صدق مدعى الرسالة استمرار شأنها بعلو أتباعها ونصرتهم وخذلان أعدائها وضعتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩].
يقول شيخ الإسلام - ﵀ -؛ استدلالًا بهذه الآية الكريمة على هذا المسلك: "ومثل هذا في القرآن متعدد، ففى غير موضع يذكر الله تعالى قصص رسله ومن آمن بهم وما حصل لهم من النصر والسعادة وحسن العاقبة، وقصص من كفر بهم وكذبهم وما حصل لهم من البلاء والعذاب وسوء العاقبة، وهذا من أعظم الأدلة والبراهين على صدق الرسل وبرهم، وكذب من خالفهم وفجوره. كمن شاهد أصحاب الفيل وما أحاط بهم ومن شاهد آثارهم بأرض الشام واليمن والحجاز وغير ذلك" (٣)
_________________
(١) رواه أحمد في المسند من حديث جعفر بن أبي طالب، رقمه: ١٧٤٠، قال عنه الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح": (٢/ ٣٥٤).
(٢) الأصفهانية: ١٥٩.
(٣) الأصفهانية: ١٧٦. وانظر: النبوات: ٣٧.
[ ٤٦٢ ]
وقد جمع الاستدلال بهذين المسلكين: حال المرسل والمرسل به هرقل ملك الروم، وذلك حين أرسل إليه رسول الله - ﵊ - يدعوه إلى الإسلام وأبو سفيان في بعض أسفاره في الشام مع بعض أصحابه فاستدعاه هرقل وسأله عن بعض ما يمكنه من معرفة مدى صدق الرسول فيما دعاه إليه، فجعل يسأله وأمر من معه أن يصدقوه أو يكذبوه فيما يجيب به سؤاله، قال أبو سفيان حاكيًا قصة الحوار الذي دار بينهما: "ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ - قلت: هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ - قلت: لا.
قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ - قلت: لا.
قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ - فقلت: بل ضعفاؤهم.
قال: أيزيدون أم ينقصون؟ - قلت: بل يزيدون.
قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ - قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ - قلت: لا.
قال: فهل يغدر؟ - قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندرى ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكنى كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذا الكلمة.
قال: فهل قاتلتموه؟ - قلت: نعم.
قال فكيف كان قتالكم إياه؟ - قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه.
قال: ماذا يأمركم؟ - قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.
وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت رجل يأتسى بقول قيل قبله.
[ ٤٦٣ ]
وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف عنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.
وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمى هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أنى أعلم أنى أخلص إليه، لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه" (١).
هذا وقد أفرد الصاوي القرآن الكريم بالذكر، كدليل صادق في إثبات نبوة المصطفى - ﵊ -، والحق أن مسلك الاستدلال بالقرآن يرجع إلى الجمع بين الاستدلال بالمعجز وبين الاستدلال بحال الدعوة، أي بما تضمنه من أخبار وعلوم حوت مبادئ الدين الذي أنزل ليكون دستورًا له حافظًا لمقومات بقائه من الأصول والمبانى التي لا قوام له إلا بها، مع كونه قد حصل به الإعجاز التام وذلك
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الوحي - كيف كان بدأ الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، رقم الحديث: ٧.
[ ٤٦٤ ]
من عدة جهات، أولها النظم فقد تحدى المولى به على أقصر سورة منه، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
كما أن القرآن العظيم يحوى من الأخبار والعلوم الشاهدة والغائبة ما يحيل إمكان نسبته لبشر مهما بلغ من العلم والعقل، وقد شهد بهذا أعتى من استنكف عن الاستسلام لمقتضى الإقرار بإعجازه ودلالته على صدق من أتى على يده، ويحكى لنا القرآن في ذلك موقف الوليد وكيف أنه تبين له الحق ولكن كفره وبغيه حال دون الإيمان برسالة المصطفى - ﵇ -.
ومن هذا المنطلق في الفهم لحقيقة الاستدلال بالقرآن العظيم على نبوة المصطفى - ﷺ - يتبين لنا أن الإعجاز الحاصل بطريقه حاله ليس كحال باقي المعجزات الحاصلة على أيدى الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، إذ أن اتحاد عدد من الأدلة في دليل واحد يقضى بقوته واستعلائه على غيره.
هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن استقلال المدعو له بالدلالة على صدقه ليقضى باستحقاقه الكافى في الاستغناء عما سواه؛ مما يشهد بصدقه كدليل خارج عنه، فدلالته عندئذ تكون مرتبطة به بحيث لا يمكن بحال الفصل بين حقيقة الدليل والمستدل له، مما يحمل على الجزم بتصديقه دون أدنى ارتياب في أمره، فـ "القرآن هو بنفسه الوحى المدعى، وهو الخارق المعجز، فشاهده في عينه، ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحى، فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه". (١)
وهذا ما وصفه به الرب تعالى إذ قال في محكم التنزيل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون: ٩٥، ولمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى: مبحث الأدلة العقلية للنبوة، من رسالة: المعرفة في الإسلام، لفضيلة الشيخ د/ عبد الله القرني: ١٢٠.
[ ٤٦٥ ]
والحديث في أوجه إعجار القرآن الكريم حديث متصل العظمة، مستجمع أقطاب الكمال، إذ تقصى مكامن علوه وهيمنته ليعد في حقيقة الأمر ضربًا من المحال، ويكفى في الإشارة إلى ذلك بيان حقيقة القرآن من حيث إنه كلام الله تعالى خرج منه وإليه يعود، ففضل كلامه تعالى على كلام خلقه كفضله هو سبحانه على سائر خلقه، ومن هنا أتى معجز الألفاظ، تقاصرت عن محاكاته همم البلغاء من أهل الفصاحة والبيان، فالتحدى به باقٍ إلى قيام الساعة.
حقيقة المعجزة:
أما ما ذهب إليه الصاوي في بيان حقيقة المعجزة بأنها الخارق للعادة وجعل هذا القيد في التعريف قدر مشترك بينها وبين غيرها، كالسحر والكرامة فلا يحصل - عنده - به التمييز إلا بإضافة قيود أخرى تمنع من دخول غير أفراد المعرف فيه، فهذا غير صحيح؛ لأنه يقضى باتحاد الماهية وأعنى بها الجنس الذي يشمل المعرف وغيره لاتفاقه معه من جهة الذاتيات المشتركة، ولو مع إثبات تغايرهما من جهة الذاتيات المميزة، كما ذكر الصاوي في القيود الأخرى للتعريف.
وذلك لأنه لا يمكن بحال الجمع بين هذه الحقائق المختلفة تحت جنس واحد؛ لوجود المغايرة التامة في جميع أجزاء الماهية.
يقرب هذا أن حقيقة الخرق للعادة في كل ما ذكر مما سوى المعجز عند التحقق لا يعد خارقًا في الأصل من كل الجهات، فالسحر والكهانة وهما أشد ما يكون غرابة ومخالفة للمعهود عند عامة الناس "أمور معتادة معروفة لأصحابها ليست خارقة لعاداتهم، وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن تبعهم" كما أن "الكهانة والسحر يناله الإنسان بتعلمه وسعيه واكتسابه، وهذا مجرب عند الناس، بخلاف النبوة؛ فإنه لا ينالها أحد باكتسابه" (١)
"أما كرامات الصالحين فهى من آيات الأنبياء، ولكن ليست من آياتهم الكبرى ولا يتوقف إثبات النبوة عليها، وليست خارقة لعادة الصالحين، بل هي معتادة في الصالحين من أهل الملل في أهل الكتاب والمسلمين" (٢)
_________________
(١) النبوات، لشيخ الإسلام: ٢١٥.
(٢) المرجع السابق: ٤٤٣.
[ ٤٦٦ ]
كما أنها مما يتأتى بطرق الاكتساب الشرعية فليست في معنى المعجزة من حيث إنها محض فضل من الله يؤيد به من أرسلهم هداية للعالمين.
ومن كل ما سبق يتبين أن خرق العادة حقيقة لا تكون إلا للمعجزة، أما غيرها وإن شوهد مخالفته للمعهود إلا أن هذه المخالفة لا تخرج عن كونها نسبية إضافية لا تستحق إطلاق لفظ الخارق عليها، والذي يوحى بمجانسته لجنس المعجزات من هذا الوجه وهذا المعنى هو مصداق قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
وكان ما ذكره الصاوي من قيود أخرى في التعريف تفرق بين المعجز وغيره صحيحة لا جدال فيها. وقد أشار شيخ الإسلام - ﵀ - في معرض بيان ما يفرق به بين السحر والمعجزة إلى كثير من الفروق الأخرى المهمة والتى تمثل في الحقيقة أسس الاختلاف بينهما، فكان الاستدلال بحال الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وما يدعون إليه أكبر ما يفرق به بين ما يدعيه أولئك الدجاجلة وبين ما يؤيد الله تعالى به رسله من المعجزات، وكان ما ذكرته في حقيقة المعجزة من عدم إمكان اكتسابها ومن كونها خارجة عن مقدور جميع الجن والإنس هو الفارق الجوهري الذي يخرج المعجزة عما يمكن أن يلتبس بها على بعض ضعاف العقول. (١)
وما ذكره عن كثرة معجزات الرسول - ﵊ - فصحيح ومع هذا فلم يرد دليل يعتمد عليه في حدها بعدد معين (٢) وكان ما أشار إليه من أعظم معجزاته: كحادثة انشقاق القمر، ففى صحيح مسلم عن ابن عمر - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: (قد كان ذلك على عهد رسول الله - ﷺ -، انشق القمر فلقتين، فلقة من دون الجبل وفلقة من خلف الجبل، فقال رسول الله: (اللهم اشهد) " (٣)
_________________
(١) انظر: النبوات: ٤٣٩.
(٢) انظر: في هذا الباب كتاب: دلائل النبوة للإمام إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني، تحقيق: مساعد الراشد الحمديد.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار - باب انشقاق القمر: (١٧/ ١٤٤).
[ ٤٦٧ ]
كذلك حادثة الإسراء والمعراج فقد نطق الكتاب العزيز بهذا كما تواترت به الأحاديث بما لا يشك فيه وعليه فلا ينكر هذا إلا زنديق لا يعول على كلامه.
وكانت حادثة نبع الماء من بين أصابعه - ﵊ - من معجزاته، فقد ورد في الصحيحين عن أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - دعا بإناء من ماء، فأتى بقدح رحراح، فيه شيء من ماء، فوضع أصابعه فيه، قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه، قال أنس: فحزرت من توضأ، ما بين السبعين إلى الثمانين) (١)
ومعجزاته كما وردت في الصحاح كثيرة لا مجال لحصرها هنا ويكفى العلم بأن الله تعالى قد خص نبينا بالكثير من المعجزات الدالة على تأييد الله تعالى له وكان أعظمها المعجزة الخالدة معجزة القرآن العظيم التي تحدى الله تعالى بها الأمم إلى قيام الساعة.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء - باب الوضوء من التور، رقم الحديث: ٢٠٠.
[ ٤٦٨ ]
الفصل الثامن: (آراؤه في الإيمان باليوم الآخر)
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: اليوم الآخر.
المبحث الثاني: الإيمان بأشراط الساعة.
المبحث الثالث: حياة البرزخ.
المبحث الرابع: حقائق الساعة.
[ ٤٦٩ ]
تمهيد
إن الإيمان باليوم الآخر أحد الركائز الأساسية، التي يقوم عليها الإيمان بالغيب، إذ يمثل الإيمان به حقيقة الإقرار بالجزاء الموعود به من الله تعالى، والذي يحمل صاحبه على الامتثال لكل ما يأمر به الرب ﷿؛ فتتحقق بذلك الغاية التي من أجلها كان الخلق والأمر، وهى عبادة الله وحده بكل ما تعنيه هذه الكلمة من شمولية المنهج تنظيرًا وتطبيقًا.
لذا كان الإيمان باليوم الآخر حقيقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان بالله تعالى، فهذا المجازى وذلك هو الجزاء، ولعل هذا أحد ما يترجح به تفسير الاقتران الذي كثيرًا ما يتكرر بين هذين الركنين من الإيمان في القرآن الكريم؛ الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر.
يقول تعالى في بيان حال المنتفع بأوامر الله تعالى ونواهيه: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
وقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين بالإيمان به في كثير من المواضع، يقول عز من قائل: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤].
أما عن منزلته من أركان الإيمان؛ فهو الركن السادس منها، والأدلة على ركنيته كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾.
وهذا ما أخبر به المصطفى - ﷺ - في حديث جبريل المشهور، قال - ﵊ - في بيان معنى الإيمان بذكر ما يقوم عليه من أركان: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره). (١)
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٤٧٠ ]
والقرآن في تقرير البراهين على تحققه؛ يؤكد على أن ذلك هو ما يقتضيه عدل الله تعالى، وحكمته البالغة؛ لهذا أتى الوعيد شديدًا في حق من أنكره وتجرأ على الله تعالى بنفى إمكانه، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].
وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٧، ٢٨]. وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥].
ولمكانة هذا الأصل وماله من عظيم الثمرة والنفع، في إصلاح الفرد والمجتمع؛ فقد توالت الآيات الكريمة واستفاضت الأحاديث النبوية في ذكر تفاصيله وحكاية ما سيكون فيه من أحداث ومهام، وما سينتهى به من خلود في الجنة أو النار، مع وصف كامل لتلك المراحل الأخروية، واستفاضة في بيان مآل المؤمنين والكافرين.
هذا والحديث في بيان ثمرة الإيمان باليوم الآخر؛ حديث عظيم ذو شجون، ولا يخفى للمتفكر فيما يجنيه التفصيل الآنف من تأكيد للإيمان بذلك اليوم، ومن ثم الاستعداد المنبغى له بفعل الخيرات، والبعد عن المعاصى الموبقات.
يقول الشيخ السعدى - ﵀ - موجهًا الأنظار إلى هذه الفوائد العظام: "إن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة، التي لا يصح الإيمان بدونها، وكلما ازدادت معرفته بتفاصيله؛ ازداد إيمان العبد به، ثم إن في "معرفة ذلك حقيقة المعرفة ما يفتح للإنسان باب الخوف والرجاء، اللذين إن خلا القلب منهما خرب كل الخراب، وإن عمر بهما أوجب له الخوف والانكفاف عن المعاصى، والرجاء تيسير
[ ٤٧١ ]
الطاعة وتسهيلها، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة تفاصيل الأمور التي يخاف منها وتحذر، كأهوال القبر وشدته، وأهوال الموقف، وصفات النار المفظعة، وبمعرفة تفاصيل الجنة وما فيها من النعيم المقيم والحبرة والسرور، ونعيم القلب والروح والبدن، فيحدث بسبب ذلك الاشتياق الداعى للاجتهاد في السعى للمحبوب المطلوب بكل ما يقدر عليه" (١)
ويقول - ﵀ -: "إن الإيمان بالبعث والجزاء أصل صلاح القلوب، وأصل الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، اللذين هما أساس الخيرات".
ولكل ما تقدم؛ فإنى سأعرض في هذا الفصل بحول الله تعالى للأمور التالية بالبيان والتفصيل:
- أولًا: تعريف اليوم الآخر وبيان أدلته.
- ثانيًا: الإيمان بأشراط الساعة.
- ثالثًا: الموت والقبر عذابه ونعيمه.
- رابعًا: حقائق الساعة وما ورد فيها.
* * *
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن: (١/ ٢٨ - ٢٩).
[ ٤٧٢ ]
(المبحث الأول): تعريف اليوم الآخر، وأدلته
إن حقيقة الإيمان باليوم الآخر؛ هي التصديق الجازم بأن الله تعالى سيعيد العباد مرة أخرى إلى الحياة بعد موتهم؛ وذلك لمحاسبتهم، وإقامة العدل في شأنهم، وهذا يستلزم الإيمان بكل تفاصيل الإعادة والجزاء، التي أخبر بها المولى تعالى في كتابه، والتى دلت عليها السنة المطهرة، كالحساب والصحف والميزان والصراط والجنة والنار وغير ذلك.
ولا بد لمعرفة هذا الأصل العظيم من أصول الدين؛ أن نقف على أهم الأسس التي ينبنى عليها الإيمان الحق به، وذلك أن وقوع اليوم الآخر كما أخبر به المولى تعالى هو الحقيقة التي يقتضيها ما يتصف به ﷿ من صفات الكمال والعظمة، حيث يعتمد في حجية تحققه كما سبقت الإشارة إليه على الحكمة الثابتة في كل ما يكون منه سبحانه، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].
فقد أناط المولى تعالى في هذه الآية الكريمة إرادته للبعث وإرجاع الناس إليه يوم القيامة؛ بنفى إرادة العبث منه سبحانه، وتعليقه هذا يقضى بأن تصرفه في جميع مخلوقاته إنما يتأتى من جهة إرادته لتمام الحكمة، الدائرة بين العدل والفضل.
وإذا تقرر هذا الأصل وهو الإيمان بحكمة الله تعالى، المقتضية لإحقاق الجزاء العادل منه سبحانه في اليوم الآخر، فلا بد من معرفة أن تحقق الجزاء في الآخرة متوقف لإثباته على حقيقة أخرى، تمثل في مكانتها الوسيلة التي يرتكز عليها إثبات ذلك الأصل، وهذه الحقيقة هي التي كثر إنكار الجاحدين لها من أهل الكفر والمراء؛ إذ في إنكارهم لها هدف لجحد ما يترتب عليها من إثبات الجزاء العادل المرتبط
[ ٤٧٣ ]
بحقيقة الحكمة، فلا يمكن بحال انفصالها عنه، تلكم هي حقيقة البعث بعد الموت، وإعادة الحياة إلى الأجساد بعد مفارقتها لها، والتى تستند في إثباتها إلى اتصاف الله تعالى بالقدرة التامة المتعلقة بكل ما هو من شأنه الإمكان.
وإلى هذا المعنى يشير قول المولى تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].
وقد كانت العناية بشأن هذه الحقيقة تأصيلًا ودفاعًا؛ بإبطال شبه المنكرين لها ظاهرة في كتاب الله تعالى، هذا وقد تنوعت دلالته في إثباته لها؛ فمرة يتجه في تأصيلها إلى تنبيه وازع الإيمان، الذي يقضى بالتسليم لكل ما أخبر به المولى تعالى من أمور الغيب، ومرة يتجه إلى الغريزة الفطربة بما هو مغروس فيها من مبادئ أولية مسلمة، لا يمكن بحال أن يقف المتجرد أمامها موقف الإنكار، فتحمله بما غرس فيه على التسليم لها، والإذعان التام بوجوب تحققها (١).
ومع وضوح هذا المراد في كتاب الله تعالى، إلا أن الكثير من المتكلمين وقف أمامه موقف المنكر، وأحال أن يكون مستند إثبات البعث والجزاء الاستدلال العقلى النابع من التسليم للمسلمات الفطرية، وأرجعه على جهة الجزم إلى مقتضى التسليم بالغيب الموحى به من الله تعالى، والذي يسنده في كل ما أخبر به من حقائق محجوبة عدم خروجه عن الممكنات، التي تعلقت بها قدرة الباري تعالى.
يقول الإيجى في ذلك: "وهى جائزة عندنا، خلافًا للفلاسفة، والتناسخية، لأنه لا يمتنع وجوده الثاني لذاته ولا للوازمه، وإلا لم يوجد ابتداءً" (٢).
ويذكر هذا القسم من أصول العقائد الجويني فيما لا يدرك إلا بالسمع، يقول: "وأما ما لا يدرك إلا سمعًا؛ فهو القضاء بوقوع ما يجوز في العقل وقوعه، ولا يجب أن يتقرر الحكم بثبوت الجائز ثبوته فيما غاب عنا إلا بالسمع" (٣).
_________________
(١) وسيأتي الحديث عنه مع مناقشة آراء الصاوي في هذا الباب إن شاء الله.
(٢) المواقف: ٣٧١.
(٣) الإرشاد للجوينى: ٣٥٨ - ٣٧١.
[ ٤٧٤ ]
وحقيقة هذا التصور لأصول ما يجب اعتقاده هو ما ذكرته آنفًا؛ من أنهم جعلوا السمع مجرد خبر يجب تصديقه، لا يحتوى على براهين عقلية تحمل بدورها الذهن على التفكير والتدبر، ضمن دائرة الخبر الموحى به من عند الله تعالى.
وإذا اتضح موقف المتكلمين من قضية الإيمان باليوم الآخر، بقى معرفة مدى صحة مسلكهم في الاستدلال عليه، وذلك من خلال عرض أقوال الصاوي في هذه القضية.
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
أولًا: يقرر الصاوي وجوب الإيمان باليوم الآخر، بقوله: "مما يجب اعتقاده أن الله يبعث العباد، ويحييهم بجميع أجزائهم، ويسوقهم إلى المحشر لفصل القضاء، ومن نفخت فيه الروح بعث ولو نزل ميتًا".
وفى بيان حقيقة الإيمان باليوم الآخر، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]: "أي يصدقون بأن الله متصف بكل كمال مستحيل عليه كل نقص وقوله واليوم الآخر أي وما فيه من النعيم والعقاب فيصدقون بأنه حق" (١)
ثانيًا: أما عن أسماء اليوم الآخر، فيذكر منها، قائلًا: "ومما يجب اعتقاده وإنكاره كفر؛ اليوم الآخر، ويسمى يوم الدين، ويوم الجزاء، ويوم القيامة".
ثم يعلل تسميته باليوم الآخر قائلًا: "وسمى بذلك لأنه آخر الأيام فلا ليل بعد، بل إما نور محض على من آمن، أو ظلام محض على من طغى وكفر، وأوله من قيام الناس من القبور، ولا نهاية لآخره، وقيل: استقرار أهل الدارين فيها".
ثالثًا: وفي حديثه عن حجية الإيمان باليوم الآخر، فإنه يتابع المتكلمين قبله في إرجاع ذلك إلى النقل، يقول: "ويجب الإيمان به لوروده كتابًا وسنة وإجماعًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] ". (٢)
_________________
(١) حاشية الجلالين (١/ ١٦٤).
(٢) حاشية الجوهرة: ٦٠ - ٦١.
[ ٤٧٥ ]
رابعًا: وإذا كان الصاوي في مجال تقرير أصول العقائد، كما هو شأنه في جوهرة التوحيد والخريدة البهية يعتمد في الغالب كلام أهل الفن، فإنه لا يلتزم ذلك على جهة التأصيل في تفسيره للقرآن الكريم، إذ نجده يقرر أدلة أخرى على وجوب الإيمان باليوم الآخر، سالكًا لها مسلك الاستدلال الشرعي العقلى، الذي أرشد إليه المولى تعالى في رد شبه المنكرين للبعث.
وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥].
يقول: "مناسبة هذه الآية لما قبلها؛ أنه لما ذكر من يجادل في قدرة الله بغير علم، وكان جدالهم في البعث، ذكر دليلين على ذلك: الأول في نفس الإنسان وابتداء خلقه.
الثاني: في الأرض وما يخرج منها، فإذا تأمل الإنسان فيهما ثبت عنده البعث وأنه واقع لا محالة". (١)
كما انتهج نفس المسلك السابق في تفسير قوله تعالى: " ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢].
يقول: "هذا بحسب العادة الجارية بأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة بالأولى؛ وإلا فالكل في قبضة قدرته سواء، لا مزية للإعادة على الابتداء؛ لأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون" (٢)
وأيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١].
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٨٨).
(٢) المرجع السابق: (٢/ ٣).
[ ٤٧٦ ]
يقول: "المقصود من هذا الكلام الرد على منكرى البعث؛ حيث ادعو أنه مستحيل.
وحاصل الرد أن يقال لهم: إن استحالته التي تدعونها؛ إما لعدم مادة وهو مردود بأن غاية الأمر تصير الأجزاء ترابًا، وهو قادر على أن ينزل عليه ماء فيصير طينًا؛ وقد خلق أباهم آدم من طين.
أو لعدم القدرة؛ وهو مردود بأن القادر على هذه الأشياء العظام من السموات والأرض وغيرهما؛ قادر على إعادتهم ثانيًا، وقدرته ذاتية لا تتغير، فهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] " (١)
خامسًا: ولا يغفل الصاوي - كما هو معهود منه؛ وهو الفقيه المجتهد - جانب بيان الحكمة من إرادة الله تعالى لذلك اليوم (٢)، ففى تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦].
يقول: "هذا دليل على صحة الحشر ووقوعه، وذلك أن الله تعالى خلق النوع الإنساني، وخلق له ما في الأرض جميعًا، وكلفه الإيمان والطاعة؛ فآمن البعض وكفر البعض، وختم الله في سابق أزله أن النعيم للمؤمن، والعقاب للكافر، وذلك لا يكون في الدنيا لعدم الاعتداد بها؛ فحينئذ لا بد منه لتجزى كل نفس بما كسبت". (٣)
"وهذا كله لإظهار العدل؛ فحيث لم يترك غير العقلاء، فكيف بالعقلاء؟ فلا بد من الحشر والحساب والجزاء، إما بالعدل وإما بالفضل" (٤)
* * *
_________________
(١) المرجع السابق: (٣/ ٣١٣).
(٢) وسيأتي بيان موقفه من الحكمة وأن غالب آرائه فيه تدل على تأرجحه بين النفى والإثبات مع ميل ملحوظ إلى إثباتها: ٥٧٨.
(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ٦١).
(٤) المرجع السابق: (٢/ ١٣).
[ ٤٧٧ ]
تعليق:
إن ما انتهجه الأشاعرة في الاستدلال للمعاد؛ ليعد من المناهج غير البرهانية، وبالتالى فكل ما يتوصل إليه من نتائج، فإنه لا يحمل طابع الحجية المقنعة.
وذلك لأن الاستدلال بالإمكان الذهنى، حقيقته أن الذهن لا يمنع حصول ما يراه ممكنًا؛ فتصبح الحقيقة المبنية عليه مجرد توقعات ذاتية لا مستند لها من أرض الواقع، وهذا ما نقضه عليهم شيخ الإسلام - ﵀ -، يقول: إن "الإمكان الذهنى حقيقته عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجى، بل يبقى الشيء في الذهن غير معلوم الامتناع، ولا معلوم الإمكان الخارجى" (١)
وحاصل ما ذكر أن الأمر يصبح مجرد دعوى، تفتقر إلى دليل يعضد ما يقوم بالذهن من احتمالات، لا يجد ما يدفع إمكان وجودها، ومن هذه الحيثية فإن هذا المسلك يفقد طابع البرهانية؛ ويبقى في جملة الدعاوى التقريرية، التي يضعف الاستدلال بها، ولو توقفوا عن القول به وتابعوا الصاوي في حصر حجيته بطريق النقل والإجماع لكان أفضل.
ومع ذلك فإن في غياب هذا الأصل - وهو إثبات حجية البعث بالمسلك العقلى - مخالفة لصريح ما أنزل الله تعالى في كتابه، فقد أتى به التصريح في كثير من الآيات الكريمة على إمكان الاستدلال للمعاد استدلالًا ذهنيًا برهانيًا؛ يستند في حجيته إلى القياس، بحيث يخرج الاستدلال له عن دائرة الإمكان الذهنى إلى دائرة الإمكان الخارجى، والذي يجعل من الوقائع المشاهدة على أرض الواقع مسلكًا يصل منها إلى إمكان حصوله مرة أخرى.
وكل ما ذكره الصاوي من طرق في الاستنباط العقلى؛ لا تخرج في حقيقتها عن مسلك القياس المذكور أعلاه، وعند تحقيق الأمر في هذه المهمة نجد أن طرق القياس
_________________
(١) الفتاوى: (٣/ ٢٩٨).
[ ٤٧٨ ]
التي دار حولها حديث القرآن الكريم لإثبات قضية المعاد، لا تخرج عن أحد مسلكين اثنين: هما قياس الشاهد على الغائب، وقياس الأولى.
- أما قياس الأولى؛ فقد ورد الاستدلال به كثيرًا في كتاب الله تعالى، وهو كما قال الصاوي: خطاب للفطرة بما استقر فيها أن من قدر على إيجاد الشيء ابتداءً؛ قدر على إعادته من باب أولى، فحقيقة المعاد إعادة للخلق الأول الذي كانت نسبة إيجاده للبارى تعالى من الحقائق الفطرية التي يعدم الشك إليها سبيلًا، مع سلامة الفطرة وبعدها عن شبهات الهوى، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ. . .﴾.
يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في الاستدلال بهذه الآية على ما سبق بيانه: "فلستم ترتابون في أنكم مخلوقون، ولستم ترتابون في مبدأ خلقكم من حال إلى حال إلى حين الموت والبعث، الذي وعدتم به نظير النشأة الأولى، فهما نظيران في الإمكان والوقوع؛ فإعادتكم بعد الموت خلقًا جديدًا، كالنشأة الأولى التي لا ترتابون فيها، فكيف تنكرون إحدى النشأتين مع مشاهدتكم لنظيرها" (١).
وكذلك قوله تعالى ردًا على منكرى البعث: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٤٩ - ٥١].
وكان استفسارهم عن موعد البعث بعد إقامة الحجة عليهم في إمكان وجوده؛ دليلًا على إقرارهم بإمكانه، وإن لم يصرحوا بذلك؛ نتيجة لما أعمل في قلوبهم من أدواء الكبر والبغى بغير الحق، وإنما أعرضوا عن الإذعان لهذه الحقيقة، كما أعرضوا عن الإيمان بصدق المصطفى - ﵊ - مع كونهم قد أطبقوا على أحقية ذلك في قرارة أنفسهم.
_________________
(١) إعلام الموقعين، لابن القيم، (١/ ١٤٠).
[ ٤٧٩ ]
ومن هنا تتجلى واحدة من أهم أسباب الجمع بين ذكر الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر في كثير من آيات الكتاب العزيز؛ فإن حقيقة التكذيب باليوم الآخر تكذيب بربوبية الله تعالى، وقدح في كمال قدرته، وتمام عدله في تصرفه، وقد جاء هذا المعنى في الحديث القدسى: (كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمنى ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياى فقوله: لن يعيدنى كما بدأنى، وليس أول الخلق بأهون على من إعادته. وأما شتمه إياى فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد). (١)
وكانت هذه الحقيقة وهى فطرية الإيمان بربوبية الله تعالى، وتسليمهم لها في قرارة أنفسهم؛ مستند الاحتجاج عليهم في إنكارهم مبدأ البعث، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦، ٨٧].
يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - موضحًا المراد من هذا التحدى وانهزامهم السافر في المقابل، كل ذلك من أجل إقامة الحجة عليهم بوجود البعث والجزاء: "أي هلا تردون الروح إلى مكانها إن كنتم غير مدبورين ولا مقهورين ولا مجزيين، وهذه الآية تحتاج إلى تفسير؛ فإنها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب، ووجه الاستدلال أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء؛ فقد كفروا بربهم وأنكروا قدرته وربوبيته وحكمته، فإما أن يقروا بأن لهم ربًا قاهرًا متصرفًا فيهم، يميتهم إذا شاء، ويحييهم إذا شاء، ويأمرهم وينهاهم، ويثيب محسنهم، ويعاقب مسيئهم، وإما ألَّا يقروا برب هذا شأنه، فإن أقروا آمنوا بالبعث والنشور، والدين الأمرى والجزائى، وإن أنكروه وكفروا فقد زعموا أنهم غير مربوبين، ولا محكوم عليه، ولا لهم رب يتصرف فيهم كما أراد، . . . . .، وهذه غاية التعجيز لهم؛ إذا تبين عجزهم عن رد نفس واحدة إلى مكانها ولو اجتمع على ذلك الثقلان، فيالها من آية دالة على وحدانيته وربوبيته سبحانه، وتصرفه في عباده، ونفوذ أحكامه
_________________
(١) أخرجه البخاري في: كتاب التفسير - باب قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، رقم الحديث: ٤٩٧٤.
[ ٤٨٠ ]
فيهم، وجريانها عليهم، والدين دينان؛ دين شرعى أمرى، ودين حسابى جزائى، وكلاهما لله وحده" (١)
وكان من جملة مسالك قياس الأولى: الاستدلال بخلق السموات والأرض على إمكان البعث، ومستند هذه الدلالة كما تقدم هو الاستدلال على العظيم الممكن بوجود ما هو أعظم منه؛ مع تحقق وجوده على أرض الواقع، وهذا الاستدلال كما ذكر الصاوي استدلال بعين قدرة الباري تعالى، والتى ينسب إليها الإبداع؛ فإذا دخل ما هو أعظم مما يجحده الكافرون في إمكانها مع إقرارهم بذلك؛ فمن باب أولى أن تدخل إعادتهم يوم البعث في مقدورها، مع وجود المقتضى لذلك من إحقاق الجزاء العادل الذي توجبه حكمة المولى تعالى، وانتفاء الموانع لتمام قدرة الرب ﵎ كما تقدم.
ومما ورد في ذلك، قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩].
وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].
يقول شيخ الإسلام مبينًا أهمية هذا المسلك لتحقق البعث: "فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بنى آدم والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك" (٢).
- أما قياس الغائب على الشاهد في الاستدلال على البعث فهو على ضربين:
_________________
(١) الجواب الكافى، لابن القيم: (١/ ١٤٦).
(٢) مجموع الفتاوى: (٣/ ٢٩٩).
[ ٤٨١ ]
إما بقياس ما غاب عنا من البعث العام على المشاهد من البعث الخاص، فهو استدلال بحصول المثيل المشاهد على حصول مثيله الغائب.
وإما استدلال بما غاب عنا من البعث على المشاهد في حصول نظيره.
وكلا هذين الضربين ورد الاستدلال بهما في كتاب الله العزيز في عدد من المواضع.
وترجح حجية هذا الضرب من القياس في الاستدلال للبعث؛ لوجود القاسم المشترك، وهو ما يسمى بجامع الحقيقة عند المتكلمين (١) والذي أرشد إليه ابن رشد وأوقف عليه حجية الاستدلال بهذا الضرب من القياس: "التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب" (٢)
فإن حقيقة ما غاب عنا من بعث الأجساد يتفق في طبيعته مع ما يشاهد من بدء الخلق، أو ما يماثله مما وقع للأمم قبلنا، أو نظيره من إحياء موات الأرض بعد فنائها.
وترجع أهمية قياس ما غاب عنا من البعث بالمشاهد منه؛ إلى كونه مما يحيل العقل امتناعه بعد وجوده على أرض الواقع؛ إذ يصبح لمن شاهده أمرًا محسوسًا، القدح فيه قدح بالمسلمات الضرورية التي لا يمكن بحال الشك فيها أو ردها.
أما من غابت هذه الوقائع عنه، فيكون مستند هذه الدلالة حينئذ هو الوحى الصادق؛ حيث أخبر عنه بعثة جميع الأموات: آحاد ومتفرقين، كما يرجع إلى الخبر المقطوع به من جهة تواتر مقتضاه، فقد كانت هذه القصص مما تواتر سماعها في جهات الأرض، وكان لأهل الكتاب في هذا المضمار حكايات معروفة، يقصونها على العرب قبل البعثة؛ حتى حمل بعضهم التعنت وطلب التعجيز على سؤال النبي - ﵊ - عن قصة أصحاب الكهف، كما هو معلوم في كتب التفسير المشهورة. (٣)
_________________
(١) انظر: الإرشاد للجوينى: ١٥٤.
(٢) الكشف عن مناهج الأدلة: ١٠٩.
(٣) انظر: تفسير البغوي: (٥/ ١٤٦ - ١٤٧).
[ ٤٨٢ ]
ومن ذلك قصة الرجل الذي مر على قرية وهى خاوية على عروشها: أي خربة قد تهدمت، فلم يبق من معالمها سوى أسقف منازلها، التي عبر عنها بالعروش؛ فاستبعد حين رأى ذلك المنظر الموحى بالفناء والزوال أن تعود الحياة لها مرة أخرى، فأتته الإجابة على استبعاده بما لا يملك له ردًا، حيث توفاه الله مائة عام ثم بعثه، قال تعالى في حكاية ذلك: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
وكان أيضًا مما ورد في الاستدلال على البعث بوقوعه في هذه الدنيا ما ورد في حكاية خبر إبراهيم - ﵇ - عند سؤاله المولى ﷿ مشاهدة بعث الأموات؛ فأراه الله ذلك بأن أمره أن يقطع أربعة من الطير قطعًا متفرقة، ثم يضع كل مجموعة منها على رأس جبل، ثم يعلن نداءه لهن فيجبن لذلك النداء بأمر الباري تعالى، وكان هذا المشهد الحسى لإبراهيم - ﵇ - نقلة ابتغاها من علم اليقين الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه، إلى عين اليقين بحيث يصبح مستند الدلالة إيمانًا بالشهادة مع الإيمان بالغيب.
- أما الاستدلال على البعث بوجود نظيره فتتجلى صورته في إحياء موات الأرض بإنزال الغيث من السماء بإذن الله، فإن مقتضى إعادة الحياة إلى ما اندثرت فيه معالمها كما هو الحال في إحياء الأرض بعد موتها أن ينسحب حكم الإمكان على كل ما يماثلها من هذه الحيثية، وهذا ما دل عليه قول المولى تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩].
والحديث في استقصاء ما ورد في ذلك من القرآن والسنة يطول، ومستند هذه
[ ٤٨٣ ]
الدلالة كما تقدم الإشارة إليه أن "حكم الشيء حكم نظيره، وأنه سبحانه إذا كان قادرًا على شيء؛ فكيف تعجز قدرته عن نظيره ومثله".
وورود هذا المسلك كثيرًا في الآيات الكريمة، مما يدل على "إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد" (١)
والصاوى في هذا المبحث يظهر اعترافه جليًا بحكمة الباري تعالى وإرادته العدل بين العباد، كما هو واضح من خلال كلامه المنصوص عليه سابقًا وكان هذا منه بمثابة الاعتراف بصحة مذهب السلف - رضوان الله تعالى عليهم - في إثباتهم الحكمة، وأن نفيها عنه يقضى بنسبة الظلم له تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ولعل هذا من جملة ما وقع فيه من تناقض؛ نتيجة لموقفه المتميز في تحرير المذهب الأشعري بالجملة.
وعلى كل فإن الارتباط بين واضح بين إرادة البعث؛ وبين إثبات حكمة المولى تعالى، التي تتجلى في إلحاق الجزاء العادل بكل المكلفين، فقد أشرت سابقًا إلى أن إرادة المولى تعالى للبعث إنما تأكدت لأن به يكون إحقاق الحق، الذي قامت به السموات والأرض، وهذا مقتضى اتصاف الباري تعالى بالكمال المطلق، ثم إن دلالة الكتاب والسنة في إثبات ذلك ظاهرة صرحت بها الآيات في عدد من المواضع، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن في تكذيب الكافرين لحقيقة البعث دلالة أخرى على هذا الارتباط؛ ذلك أن الكافرين ما أنكروا البعث حقيقة لشكهم في قدرة الباري تعالى على ذلك مع إقرارهم بأنه خالق السموات والأرض وخالق أنفسهم، وإنما كان منهم ذلك لعلمهم بالتلازم الذي بين البعث، وبين الجزاء
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم: (٣/ ٦٨١) بتصرف بسيط. ولمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى رسالة المعرفة في الإسلام لشيخنا الفاضل الدكتور: عبد الله القرنى، مبحث: دلالة العقل على البعث والجزاء.
[ ٤٨٤ ]
العادل، الذي تقتضيه حكمة الباري تعالى، أو بعبارة أخرى لعلمهم بأن ذلك البعث لم يكن إلا لمجازاتهم على ما قدموه في الحياة الدنيا، وإلى هذا المعنى دل قوله تعالى آمرًا نبيه - ﵊ - أن يتحدى اليهود على محبتهم الآخرة بتمنى الموت؛ فإنهم لما أيقنوا بالبعث ضرورة يعلمها أهل الكتب السماوية؛ علموا أنهم مجازون على أعمالهم الشريرة، والتى من أعظمها جرمًا عداء المصطفى - ﵊ -، وتكذيبهم إياه، بل ومحاولة قتله - صلوات ربي وسلامه عليه -، فكرهوا من أجل ذلك الموت، وكانوا أحرص الناس على حياة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦].
بل وأظهر من هذا دلالة ما ذكرته سابقًا، من إبطال الباري تعالى لزعم الذين كفروا، بقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].
وكذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
* * *
[ ٤٨٥ ]
(المبحث الثاني): الإيمان بأشراط الساعة
لقد كانت حكمة المولى تعالى في إخفاء وقت الساعة جلية واضحة؛ إذ الجهل بذلك مدعاة للعمل والأخذ بأسباب السلامة قبل أن يحل موعدها، وكان السؤال عن وقتها مما استكثر به الكافرون على رسول الله - ﷺ -، ودومًا كان يأتى الرد من المولى تعالى بأنه ليس في مقدور أحد الإحاطة بعلمها، وأن ذلك مما يختص بعلمه سبحانه، ولكن مع ذلك فقد دلت الأحاديث والآيات الكريمة على أن لها وقتًا محددًا، ويمكن معرفة اقترابه بتحقق بعض الدلائل، والتى تسمى بالأشراط (١)، فبها يعرف أن زمن قيام الساعة قد اقترب.
وهذه الأشراط تتفاوت فيما بينها؛ من حيث دلالتها على قرب قيام الساعة، فمنها ما يدل على دنو الموعد دون الوقوع، ويكون ذلك قبل مدة زمنية، وهى التي تسمى بأشراط الساعة الصغرى.
ومنها ما يدل على أنه قد حان وقت قيامها، حتى لا يكون هناك فاصل زمنى يذكر، وهذه التي تسمى بأشراط الساعة الكبرى، ولما كانت هذه المسائل من عظيم مسائل الإيمان؛ اعتنى السلف بذكرها، وجمعوا لذلك الأدلة من الكتاب والسنة، كما قاموا بتمييز الصحيح الذي ورد فيها من الضعيف، ولا يخفى مدى النفع الذي تحقق بمعرفتها، لذا تم إخبار المولى تعالى بها نبيه - ﵊ -، بل وأمر جبريل - ﵇ - أن يسأل عنها حتى يعم العلم بها كل من سمع ذلك الحديث المشهور.
وحتى يتم النفع؛ سأتناول كل واحدة من هذه الأشراط بالتفصيل والتبيان بإذن المولى تعالى، وذلك من خلال عرض آراء الصاوي في هذا المبحث:
_________________
(١) الأشراط هي العلامات، والواحدة تدعى: شرط، والمراد بها العلامات التي يعقبها قيام الساعة، انظر: لسان العرب لابن منظور: مادة: شرط: (٧/ ٣٢٩) وانظر: كلام ابن رجب في جامع العلوم والحكم، حيث قال: "علاماتها - أي -. التي تدل على اقترابها": ١٣٦.
[ ٤٨٦ ]
رأي الشيخ الصاوي:
يقول الصاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]: "ورد عن حذيفة والبراء بن عازب (كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله - ﷺ -، فقال: ما تتذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة. قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات الدخان، ودابة الأرض، وخسفًا بالمشرق، وخسفًا بالمغرب، وخسفًا بجزيرة العرب، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن) (١).
وإن من علاماتها الصغرى بعثة النبي - ﷺ -" (٢).
وعن ترتيب هذه الآيات من حيث الظهور، يقول: "وروى أن أول الآيات ظهورًا الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها، وهو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوى، وذلك أن الكفار يسلمون في زمن عيسى، فإذا قبض ومن معه من المسلمين رجع أكثرهم إلى الكفر فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها" (٣).
* * *
وفى تفسير آيات سورة الكهف يصف يأجوج ومأجوج، فيقول: "روى أن كلِّ من الجيلين اشتمل على أربعة آلاف، لا يموت الواحد منهم حتى ينظر ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح، وهم أصناف منهم طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم طوله وعرضه سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، والجميع كفار دعاهم النبي - ﷺ - ليلة الإسراء فلم يجيبوا" (٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة: (١٨/ ٢٧).
(٢) حاشية الجلالين: (٤/ ٨٥).
(٣) المرجع السابق: (٢/ ٥٥).
(٤) حاشية الجلالين: (٣/ ٢٥).
[ ٤٨٧ ]
أما عن نزول المسيح - ﵇ -، فإنه يرى إمكان تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] بنزول عيسى وإيمان الناس به أو بفتنة آحاد أهل الكتاب به عند الموت، يقول: "روى أن اليهودى إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره وقالوا له: يا عدو الله أتاك عيسى نبيًا فكذبت به، فيقول: آمنت بأنه عبد الله ورسوله، ويقال للنصرانى: أتاك عيسى نبيًا فزعمت أنه الله وابن الله، فيقول: آمنت بأنه عبد الله، فأهل الكتاب يؤمنون به ولكن لا ينفعهم إيمانهم؛ لحصوله وقت معاينة العذاب.
أما التفسير الثاني؛ فيقول وهناك "تفسير آخر وهو صحيح المعنى أن عيسى حين ينزل إلى الأرض ما من أحد يكون من اليهود أو النصارى أو ممن يعبد غير الله إلا آمن بعيسى حتى تصير الملة كلها إسلامية" (١)
وكان تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] بأن المراد بها طلوع الشمس من مغربها هو الصحيح الذي عليه غالب أهل العلم.
يقول: "ورد أن رسول الله قال يومًا: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس إذا غربت؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعى فارجعى من حيث شئت، فتصبح طالعة من مطلعها، وهكذا كل يوم، فإذا أراد الله أن يطلعها من مغربها حبسها، فتقول: يا رب إن مسيرى بعيد، فيقول لها: اطلعى من حيث غربت، فقال الناس: هل لذلك من آية، فقال: آية تلك الليلة أن تطول قدر ثلاث ليالٍ، فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقص، ثم يأتون مضاجعهم حتى إذا استيقظوا والليل مكانه؛ خافوا أن يكون ذلك بين يدى أمر عظيم، فإذا أصبحوا طال عليهم طلوع الشمس فبينما هم ينتظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب" (٢).
_________________
(١) المرجع السابق: (١/ ٢٤٢).
(٢) المرجع السابق: (٢/ ٥٤).
[ ٤٨٨ ]
وفي حديثه عن وصف الدابة الوارد ذكرها في سورة النمل نجده يروى الكثير من الأخبار في بيان صفتها، يقول: هي الجساسة، ورد في الحديث: "أن طولها ستون ذراعًا بذراع آدم - ﵇ - لا يدركها طالب لا يفوتها هارب، وروى: أن لها أربع قوائم ولها زغب وريش وجناحان.
وأن لها: "رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن إبل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هرة، وذنب كبش، وخف بعير، وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعًا بذراع آدم - ﵇ -.
وعن أبي هريرة - ﵁ -: فيها كل لون ما بين قرنيها فرسخ للراكب.
وفى تحدد مكان خروجها وكيفيته يذكر عددًا من الروايات، يقول: "وعن على - ﵁ -: أنها تخرج بعد ثلاثة أيام، ينظرون فلا يخرج كل يوم إلا ثلثها، وعن النبي - ﷺ - أنه سئل من أين تخرج الدابة؟ فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى.
وروى: أنها تخرج ثلاث خرجات: تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن، ثم تخرج بالبادية ثم تكمن دهرًا طويلًا، فبينما الناس في أعظم المساجد حرمة على الله تعالى وأكرمها فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن، حذاء دار بنى مخزوم عن يمين الخارج من المسجد".
وقيل: تخرج من الصفا لما روى: بينما عيسى - ﵇ - يطوف بالبيت ومعه المسلمون؛ إذ تضطرب الأرض تحتهم حتى تتحرك تحرك القنديل، وتنشق الصفا مما يلى المسعى؛ فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان - عليهما الصلاة والسلام -، فتضرب المؤمن في مسجده بالعصا فتنكت نكتة بيضاء فتفشو حتى يضئ بها وجهه، وتكتب بين عينيه مؤمن، وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه، فتفشو النكتة حتى يسود بها وجهه، وتكتب بين عينيه كافر، ثم تقول لهم: أنت يا فلان من أهل الجنة، وأنت يا فلان من أهل النار".
[ ٤٨٩ ]
ويزيد في تحديد هويتها، حيث يقول: "واختلف في تعيين هذه الدابة، فقيل: هي فصيل ناقة صالح وهو أصح الأقوال، فإنه لما عقرت أمه هرب فانفتح له حجر فدخل في جوفه ثم انطبق محليه الحجر فهو فيه حتى يخرج بإذن الله ﷿" (١).
وكان اجتماع الناس على الكفر كأحد علامات الساعة الكبرى مما تطرق له الصاوي بالبيان، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]: "لا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة والجبابرة من زخرفة الأبنية، وتذهيب السقوف وغيرها من مبادئ الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة في الكفر قرب الساعة؛ حتى لا تقوم الساعة على من يقول الله، أو في زمن الدجال لأن من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث أنه لا عداد له في جانب الكفرة" (٢)
* * *
تعليق:
من الملاحظ أن الصاوي لم يقف من هذا المبحث موقف المستقصى والمفصل؛ بل يعد كلامه في هذه الجزئية من مسائل اليوم الآخر مما يظهر فيه الاختصار الشديد، ولى أن أفصل القول فيما أجمل؛ حتى لا تبقى هناك ثغرة في هذا الفصل بحول الله تعالى، وذلك كما قدمت الحديث عن علامات الساعة أن منها الصغرى ومنها الكبرى، فالصغرى هي التي أشار إليها النبي - ﵊ - في حديث جبريل - ﵇ - المشهور، حيث قال: (أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان) (٣)
يقول الإمام ابن رجب في الحقيقة التي أخبر عنها الحديث من أشراط الساعة: "ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمور توسد
_________________
(١) المرجع السابق: (٣/ ١٩٢).
(٢) المرجع السابق: (٤/ ٤٩).
(٣) تقدم تخريجه فيما سبق: ٤٧٠.
[ ٤٩٠ ]
إلى غير أهلها، كما قال النبي - ﷺ - لمن سأله عن الساعة: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) (١)
والأحاديث في بيانها كثيرة، منها: حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال، فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به. وحتى يتطاول الناس في البنيان. وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتنى مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس - يعني - آمنوا أجمعون، فذلك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] " (٢)
فكل ما ورد في الحديث يعد من أشراط الساعة الصغرى، إلا طلوع الشمس من مغربها، فقد عدها العلماء من الأشراط الكبرى التي تؤذن بقيام الساعة، وكان ما ذكره الصاوي من بعثة النبي - ﷺ - صحيحًا؛ إذ يستند إلى إخبار الرسول - ﷺ - بذلك، فقد ورد في الحديث الصحيح عن سهل - ﵁ - قال: قال رسول - ﷺ -: (بعثت أنا والساعة كهاتين). ويشير بإصبعيه فيمدهما" (٣)
وكانت حادثة انشقاق القمر في عهده - ﷺ - من العلامات على اقتراب الساعة منذ بعثته - ﵊ - فقد قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في: كتاب العلم - باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه، رقم الحديث: ٥٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن - باب خروج النار، رقم الحديث: ٧١٢١.
(٣) أخرجه البخاري في: كتاب الرقاق - باب قول النبي - ﷺ - (بعثت أنا والساعة كهاتين)، رقم الحديث: ٦٥٠٣.
[ ٤٩١ ]
أما أشراط الساعة الكبرى فهي كالتالي:
١ - المهدي: مما ثبت في الصحاح أن خليفة من آل بيت رسول الله - ﷺ - يلى أمر هذه الأمة، فيملأ الأرض عدلًا، كما ملئت جورًا، قال - ﷺ -: (لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلمًا وجورًا وعدوانًا، ثم يخرج من أهل بيتى من يملأها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا) (١)
والأحاديث في بيان صفته كثيرة منها الصحيح ومنها الضعيف، وفى الصحيح منها ما يكفى ثبوت هذا الأمر العظيم.
٢ - المسيح الدجال: وقد ورد ذكره في حديث حذيفة الذي استدل به الصاوي آنفًا، هذا والكلام في استقصاء ما ورد حوله مما يصعب لضيق المقام، فقد ثبت في الصحاح عنه - ﷺ - أنه كان كثيرًا ما يحذر أصحابه منه، فعن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم هذا الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: قولوا: (اللهم! إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) (٢).
وقد يحمله نصحه لأمته وشفقته العظيمة عليهم أن يصفه لهم خشية أن يفتنوا به، قال - ﵊ -: (إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، ولكنى سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبى لقومه، إنه أعور، وإن الله ليس بأعور) (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب المهدى - رقمه: ٤٢٨١: (٥/ ٣٠)، وأخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة، برقم: ٧٧٣: (١/ ٥٠٠) وأخرج بنحوه الترمذي في سننه: كتاب الفتن عن رسول الله - باب ما جاء في المهدى - رقم الحديث: ٢٢٣٠، وقال: حديث حسن صحيح: (٤/ ٤٣٨) .. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: (١/ ٣٩ - ٤٠).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب التعوذ من عذاب القبر: (٥/ ٨٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن - باب ذكر الدجال، رقم الحديث: ٧١٢٧.
[ ٤٩٢ ]
وقد وردت الأحاديث الصحاح بقيام خوارق العادات على يديه مما يلبس به كثيرًا على أصحاب القلوب الضعيفة، ومن أعظم ذلك أنه يأتى ومعه جنة ونار، فعن حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال في الدجال: (إن معه ماءً ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار) (١)
٣ - نزول عيسى - ﵇ -: إن من أعظم أمارات الساعة نزول عيسى - ﵇ -، حيث يقوم بنصرة الحق؛ فيقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويحكم في الأرض بالعدل، ويؤمن أهل الكتاب؛ فيدخلون في دين الله أفواجًا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩].
وقد ورد في ذلك الكثير من الأحاديث، منها قول النبي - ﷺ -: (والذي نفسى بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) (٢).
٤ - خروج يأجوج ومأجوج: وكذلك من علامات الساعة الكبرى خروج يأجوج ومأجوج، وقد ورد خبرهم في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧].
وفي قصة إهلاكهم وهلاكهم يروى أبو عمرو الدانى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (يخرج يأجوج ومأجوج يمرحون في الأرض فيفسدون فيها، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، ثم يبعث الله ﷿ عليهم دابة مثل النغف، فتلج أسماعهم ومناخرهم فيموتون منها، قال: فتنتن الأرض منهم؛ فتجأر إلى الله تعالى، فيرسل الله ﷿ ماء، فيطهر الأرض منهم) (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن - باب ذكر الدجال، رقم الحديث: ٧١٣٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع - باب قتل الخنزير، رقم الحديث: ٢٢٢٢.
(٣) السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها، أبو عمرو عثمان بن سعيد الدانى: (٦/ ١٢٠٧ - ١٢) تحقيق: المباركفورى.
[ ٤٩٣ ]
أما عن الرواية التي أوردها الصاوي في بيان صفاتهم، فلم يصح منها شيء، فقد أخرجها ابن الجوزى في الموضوعات بسنده عن محمد بن إسحاق عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة، . . . .، ثم قال: "هذا حديث موضوع، كما قال ابن عدى، ومحمد بن إسحاق العكاشى (١)، قال عنه يحيى بن معين: كذاب، وقال الدارقطني: يضع الحديث" (٢).
والصحيح في هذا الباب: "أنه قد اختلف في عددهم وصفاتهم، ولم يصح في ذلك شيء" (٣)
وكان ما حكاه الصاوي من دعوته - ﵊ - لهم في ليلة الإسراء والمعراج وردهم ذلك بالكفر مما يرد سنده، فقد ضعفه السيوطي في الدر المنثور، حيث قال عن سند روايته: "واه" (٤).
٤ - الخسوفات الثلاث: اختلف العلماء في أمر هذه الخسوفات، التي أخبر عنها حديث المصطفى - ﷺ -؛ فقال البعض إنها وقعت، وقال البعض إنها لم تقع بعد، وأن أمرها من العظم بمكان؛ حتى يكون وقوعها دلالة على قرب قيام الساعة، يقول الإمام ابن الحجر: "وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرًا زائدًا على ما وجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا أو قدرًا" (٥).
٥ - طلوع الشمس من مغربها: أحد العلامات العظام الدالة على اقتراب قيام الساعة، وقد ورد ذكرها في عدد من الأحاديث الصحيحة.
وهذه هي الساعة التي يقفل فيها باب التوبة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدى: (٦/ ١٦٧ - ١٦٩). ترجمة محمد بن إسحاق العكاشى.
(٢) الموضوعات، لابن الجوزى: (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
(٣) روح المعانى للألوسى: (١٦/ ٤٤).
(٤) الدر المنثور للسيوطي: (٤/ ٢٧٥).
(٥) فتح الباري: (١٣/ ٨٤).
[ ٤٩٤ ]
ويستند تفسير بعض الآيات الواردة في الآية بطلوع الشمس من مغربها إلى ما أخبر به المصطفى ﷺ، حيث قال: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين: ﴿لا ينفع نفسا إيمانها﴾ (١)
: يقول الإمام البغوي - ﵀ - عند تفسيره لهذه الآية: " أو يأتي بعض آيات ربك ": يعني طلوع الشمس من مغربها، عليه أكثر المفسرين ورواه أبو سعيد الخدري مرفوعا (٢) (٣)
٦ - خروج الدابة: ومما يدل على قرب قيام الساعة؛ خروج الدابة في آخر الزمان تثبيتا للمؤمن وتبكيتا للكافر، حيث تكثر الشرور والآثام، وقد ثبت هذا الخبر بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]
ومما ورد في صفتها حديث أبي هريرة ﵁ الذي أورده الصاوي حيث قال: أن رسول الله ﷺ قال: (تخرج الدابة معها خاتم سليمان وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن، وتختم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فيقول: هاها يا مؤمن، ويقال هاها يا كافر، ويقول: هذا يا كافر وهذا يا مؤمن) (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في: كتاب التفسير - باب: لا ينفع نفسا إيمانها، رقم الحديث: (٤٦٣٦)
(٢) أخرجه الترمذي في سننه عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله تعالى: (أو يأتي بعض آيات ربك قال: (طلوع الشمس من مغربها): كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - باب ومن سورة الأنعام، رقم الحديث: ٣٠٧١، وقال الترمذي: حسن غريب: (٥/ ٢٤٧)
(٣) معالم التنزيل، للبغوي: (٣/ ٢٠٧)
(٤) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير في سورة النمل رقمه: ٣١٨٧، وقال حديث حسن غريب: (٥/ ٣١٧)
[ ٤٩٥ ]
أما قوله في تحديد ماهيتها بأنها الجساسة أولًا، وفصيل ناقة صالح ثانيًا، ثم اعتماده القول الثاني، فمحل نظر.
حيث أوقف الإمام النووي خبر تفسير الدابة بالجساسة على عبد الرحمن بن عمرو بن العاص (١)، وهذا الصحابي الجليل كان يحدث عن أهل الكتاب وذلك بعد أن أصاب زاملتين يوم اليرموك، فلا يبعد أن تكونا مصدر ذلك القول، فلا يعول عليه عندئذ، أو يكون مما اجتهد فيه برأيه استنباطا من حديث الجساسة المعروف في صحيح مسلم وما كان كذلك مع عدم الموافق له من الصحابة الكرام وعدم ما يسنده من صحيح المنقول، فلا يعطى له حكم المرفوع؛ لأن ما قاله فيه مدخل للرأي.
أما القول الذي اعتمده الصاوي من أن الدابة هي فصيل الناقة، فليس له مستند من الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فقد ذكره القرطبي (٢) معتمدًا إياه من رواية لا يصح الاستدلال بها سندًا ولا متنًا، أما من جهة المتن فحاصلها أنه قد ذكر فيها وصف الدابة بالرغاء الذي هو صوت الإبل (٣)، واعتقد القرطبي أن هذا فيه دلالة على كونها فصيل الناقة، مع أن حقيقة النص ليس فيها ما يدعم هذا الفهم للمتأمل.
أما من جهة السند؛ فقد ذكر هذه الرواية الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: "هذا الحديث رواه الطبراني، وفيه طلحة بن عمرو: متروك" (٤)
ورواها الحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح الإسناد، وهو أبين حديث في ذكر الدابة ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي، فقال: طلحة يعني: ابن عمرو الحضرمي ضعفوه وتركه أحمد" (٥)
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي: (١٨/ ٧٨).
(٢) انظر تفسير القرطبي: (١٣/ ٢٣٥).
(٣) الرواية رواها أبو داود الطيالسي في مسنده، عن طلحة بن عمرو قال: ذكر رسول الله ﷺ الدابة، فقال: لها ثلاث خرجات من الدهر فتخرج في أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية، يعني: مكة، ثم تكمن زمنا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك، فيطو نكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية، يعني: مكة قال رسول الله ﷺ ثم بينما الناس في أعظم المساجد حرمة، خيرها وأكرمها المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام، تتفض عن رأسها التراب إلى آخر الرواية: باب خروج الدابة والخسف الذي يكون في آخر الزمان، برقم: ٢٧٨٩: (٢/ ٢٢٠).
(٤) كتاب الفتن - باب خروج الدابة: (٨/ ٧)
(٥) انظر: تهذيب التهذيب: (٥/ ٢٣) ترجمة: ٣٨. وقد استفدت مطالعة هذه الأقوال من عدد من الدراسات المتعلقة بأشراط الساعة، منها: اتحاف الجماعة بما جاء في الفتن وأشراط الساعة، للشيخ: حمود التويجري
[ ٤٩٦ ]
أما ما حكاه بشأن بيان صفتها، فمما لم يرد فيه حديث عن المعصوم ﷺ (١)، لذا كان الحق في هذه القضية ما ذكره الشيخ السعدي ﵀ في أمر هذه الدابة العجيبة، يقول: "وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة، كما تكاثرت بتلك الأحاديث، لم يذكر الله ورسوله كيفية هذه الدابة، وإنما أثرها والمقصود منها وأنها من آيات الله، تكلم الناس كلاما خارقا للعادة، حين يقع القول على الناس، وحين يمترون بآيات الله، فتكون حجة وبرهانا للمؤمنين، وحجة على المعاندين" (٢)
٧ - اندراس الإسلام، واجتماع الناس على الكفر: فقد دلت الأحاديث الثابتة أن الإسلام في آخر الزمان يدرس، فعن حذيفة ﵁ قال: " قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام، ولاصلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليُسري على كتاب الله ﷿ في ليلة لا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آبانا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها)، فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؛ وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة، تتجيهم من النار ثلاثًا". (٣)
وقد دلت بعض الأحاديث على أنه لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، وذلك بعد أن يرسل الله ريحا طيبة، تقبض أرواح المؤمنين، فعن أبي هريرة رضي اللهعنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله يبعث ريحًا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته) (٤)
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير: (٣/ ٤٩٦).
(٢) تيسير الكريم الرحمن: ٦٦٢.
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الفتن - باب ذهاب القرآن والعلم، رقم الحديث: ٤٠٤٩: (٢/ ١٣٤٤) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة، برقم: ٣٢٧٣: (٢/ ٣٧٨).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب الريح التي تكون قرب القيامة: (٢/ ١٣٢).
[ ٤٩٧ ]
وفي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (يذهب الصالحون، الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير، أو التمر، لا يباليهم الله بالة). قال عبد الله: يقال: حفالة وحثالة. (١) .
وعند ذلك يتحقق اجتماع الناس على الكفر؛ كما في الحديث الصحيح: (فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغي ليتا ورفع ليتا، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس ). (٢)
٨ - خروج نار تحشر الناس إلى محشرهم: آخر الآيات الكبرى الدالة على قيام الساعة؛ هي ما أخبر عنها المصطفى ﷺ في الحديث الذي ذكره الصاوي في حاشيته على التفسير، فقد بين الحديث بمجموع رواياته أن النار تخرج من اليمن، وتحديدًا من منطقة عدن، تحيط بالناس موجهة إياهم إلى أرض الشام، حيث المحشر.
أما عن بيان كيفية الحشر؛ فيخبرنا به النبي ﷺ، حيث قال: (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا: وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا) (٣) .
وفي تحديد أرض المحشر ببلاد الشام وردت الأحاديث الصحيحة، منها حديث
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب ذهاب الصالحين، رقم الحديث: ٦٤٣٤، قال الحافظ ابن حجر: "والحفالة بالمهملة والفاء بمعنى الحثالة بالمثلثة، والفاء قد تقع موضع الثاء، والمراد بها الرديء من كل شيء، وقال الخطابي: أي لا يرفع لهم قدرا ولا يقيم لهم وزنا، يقال باليت بفلان وما بليت به مبالاة وبالية وبالة". انظر؛ فتح الباري: (١١/ ٢٥٢).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب ذكر الدجال: وقال النووي في معنى الليت"والليت بكسر اللام وأخره مشاة فوق، وهي صفحة العنق وهي جانبه" (١٨/ ٧٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب كيف الحشر، رقم الحديث: ٦٥٢٢.
[ ٤٩٨ ]
عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ستخرج نار من حضرموت أو من نحو حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام) (١).
وروى الإمام أحمد أن رسول الله - ﷺ - قال: (ها هنا تحشرون ها هنا تحشرون - ثلاثًا - ركبانًا ومشاةً وعلى وجوهكم، توفون يوم القيامة سبعين أمة أنتم آخر الأمم وأكرمها على الله ﵎. . قال: ابن أبي بكير فأشار بيده إلى الشام، فقال: إلى ها هنا تحشرون) (٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الفتن عن رسول الله - ﷺ - باب ما جاء: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قبل الحجاز، رقم الحديث: ٢٢١٧. وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح: (٤/ ٤٣١).
(٢) رواه أحمد في مسنده من حديث حكيم بن معاوية البهزى، رقم الحديث: ١٩٨٩٦: (١٥/ ٩٩)، وقال الإمام ابن حجر عن هذه الرواية والتى قبلها: أخرجه الترمذي والنسائي وسنده قوى: فتح الباري: (١١/).
[ ٤٩٩ ]
(المبحث الثالث): الموت، وحياة البرزخ
لقد تقدم الحديث عن أهمية الإيمان باليوم الآخر في حياة المسلم، وكيف أن التصديق به يقتضى الاستعداد له، فيتحقق بذلك الدافع الموجب لأداء ما افترض عليه، حيث الجزاء المعد لكل موفق ومقصر أو معرض بالكلية.
هذا والحديث عن اليوم الآخر، وما يتحقق فيه من مقتضى قيومية الله تعالى على خلقه واتصافه بالحكمة التامة، حيث الحساب العادل، والجزاء المستحق لكل بحسب ما قدم من عمل، يبتدئ على التحقيق بأول منزل من منازله وهى القبر أو البرزخ، كما أتت تسميته بذلك في القرآن الكريم، وإلى هذه الحقيقة الإيمانية الجزائية دلت الآيات والأحاديث الصحيحة المتظاهرة، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].
وقال عز من قائل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] يقول الشيخ السعدى - عليه رحمة الله -: "وفي هذا دليل على عذاب البرزخ ونعيمه؛ فإن هذا الخطاب والعذاب الموجه إليهم إنما هو عند الاحتضار وقبيل الموت وبعده" (١)
وقال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦] يقول الإمام الشوكاني: "وذهب الجمهور أن هذا العرض هو في البرزخ، وقيل هو في الآخرة، ولا ملجئ إلى هذا التكلف فإن قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن: ٢٦٤.
[ ٥٠٠ ]
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾؛ يدل دلالة واضحة على أن ذلك العرض هو في البرزخ". (١)
وأدلة السنة في هذا الباب كثيرة، منها حديث عائشة - ﵂ -: أن رسول الله قال: (أنكم تفتنون في قبوركم كفتنة المسيح الدجال) (٢)
وحديث عائشة - ﵂ -: (أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر. فسألت عائشة رسول الله - ﷺ - عن عذاب القبر فقال: (نعم، عذاب القبر حق)، قالت عائشة - ﵂ -: فما رأيت رسول الله - ﷺ - بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر) (٣).
الروح والموت
أولًا: الروح:
يعرف الصاوي الأرواح بأنها: "أجسام لطيفة، تبقى بعد فناء جسدها، وتذهب وتجئ، فإما في عليين، وإما في سجين". (٤)
ما ذكره هو "قول جمهور المتكلمين" ويرى أنه "هو الأصح" فيما قيل في تعريفها، ولا يكتفى بهذا بل يعرض الآراء المتعددة فيها، فيقول: "وقيل: إن الروح عرض وهى الحياة التي صار الجسم بها حيًا، وقيل: إنها ليست بجسم ولا عرض، بل هي جوهر مجرد قائم بنفسه له تعلق بالبدن للتدبير والتحريك غير داخل فيه ولا خارج عنه، وهو قول الفلاسفة" (٥)
_________________
(١) فتح القدير للشوكاني: (٤/ ٦٩٤).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم - باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، رقم الحديث: ٨٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز - باب ما جاء في عذاب القبر، رقم الحديث: ١٣٧٢.
(٤) حاشية الخريدة: ٣٥.
(٥) حاشية الجلالين: (٣/ ٣٤٠).
[ ٥٠١ ]
"وقال السادة الشافعية: إنها جسم لطيف شفاف، حى لذاته، مشتبك بالأجسام الكثيفة اشتباك الماء بالعود الأخضر على هيئة جسد صاحبها، واحتجوا لهذا بوصفها بالهبوط، والعروج، والتردد في البرزخ" (١).
وقال العز بن عبد السلام (٢): إن في كل جسد روحين:
أحدهما: روح الحياة؛ التي أجرى الله العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان حيًا، فإذا فارقته مات، فإذا رجعت إليه حيى، ولا يعلم مقرها إلا من أطلعه الله على ذلك.
والأخرى روح اليقظة؛ التي أجرى الله العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان متيقظًا، فإذا خرجت منه نام الإنسان، ورأت الروح المنامات" (٣).
"ويشهد له آية الزمر، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، ويقرب هذا أحوال الأولياء لأن لهم حالة تسرح فيها أرواحهم وترى العجائب كالنائم".
والمشهور أنها روح واحدة، ويكون معنى يتوفاكم؛ يذهب شعوركم، لأنهم عرفوا النوم؛ بأنه فترة طبيعية تهجم على الشخص قهرًا عليه، تمنع حواسه الحركة، وعقله الإدراك" (٤).
وهو بهذا يرجح عدم تقسيم الروح، فيقول في موضع آخر "والروح شيء واحد
_________________
(١) المرجع السابق: (٢/ ٣٣٨).
(٢) هو عز الدين شيخ الإسلام وسلطان العلماء أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن الحسن الدمشقي المصري الشافعي، ولد سنة: ٥٧٨ هـ تفقه على ابن عساكر وقرأ الأصول على الآمدي وبرع في هذين العلمين كما جمع بين علم التفسير والحديث، حتى بلغ رتبة الاجتهاد وقصده طلاب العلم من أقطار البلاد، صنف كتبًا عديدة في مختلف الفنون، منها: الإلمام بأدلة الأحكام، وقواعد الشريعة، وبداية السول في تفضيل الرسول، توفى - ﵀ - سنة: ٦٦٠ هـ، انظر: شذرات الذهب: (٥/ ٣٠١)، وطبقات الشافعية لابن الصلاح: (١/ ٥٤٩). والأعلام: (٤/ ٢١).
(٣) حاشية الجوهرة: ٥٨.
(٤) حاشية الجلالين: (٢/ ١٩).
[ ٥٠٢ ]
على التحقيق، وذلك القبض ظاهرًا بحيث ينعدم التمييز والإحساس، وباطنًا بحيث تنعدم الحياة والنفس والحركة" (١).
وفي بيان حقيقتها نراه يتوقف مستدلًا بما ورد في القرآن الكريم، يقول: "اعلم أنه اختلف في الروح، فقال قوم: إنها سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليها أحدًا، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وهذا القول هو الحق، فيكره الخوض في الروح" (٢)
وعند تفسير هذه الآية الكريمة، يقول: "أي مما استأثر الله بعلمه وهذا هو الصحيح، وقيل: الروح هي الدم، وقيل: النفس، ونقل عن بعض أصحاب مالك أنها صورة كجسد صاحبها، وفي الآية اقتصار على وصف الروح كما اقتصر موسى في جواب قول فرعون: وما رب العالمين؟ على ذكر صفاته، فإن إدراكه بالكنه على ما هو عليه لا يعلمه إلا الله" (٣)
وإذا كان الراجح لديه كما هو واضح من أقواله رد علمها حقيقة إلى الله تعالى في الأصل، فإنه يرى أن ذلك مما يدخل أيضًا في علم رسوله - ﵊ -، يقول: "واختلف فيها على ثلاثمائة قول، والحق لا يعلمها غير الله ورسوله" (٤)
أما عن مكانها في الجسم فقد يوافق ما قيل: في أن "مقرها القلب، وشعاعها مقوم للجسد كالشمعة الكائنة وسط آنية من زجاج، فأصلها في وسطه، ونورها سار في جميع أجزائه" (٥)
وكان قبض الروح من المسائل التي اعتنى بها الصاوي، فيبين معنى القبض ومن المتكفل بهذا، فيقول: "ويقبض الروح أي يخرجها عزرائيل - ﵇ -،
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٣٥١).
(٢) المرجع السابق: (٣/ ٣٥١).
(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ٣٣٨).
(٤) حاشية الصلوات: ٦٠.
(٥) المرجع السابق: (٣/ ٣٥١).
[ ٥٠٣ ]
ومعناه: عبد الجبار (١)، ملك عظيم هائل المنظر، مفزع جدًا، رأسه في السماء العليا، ورجلاه في تخوم الأرض السفلى". (٢)
أما عن المقر الذي تستقر فيه الروح بعد مفارقتها الجسد فيذكر ما ورد في ذلك، يقول: "وورد أن ملك الموت يقبض الروح من الجسد، ويسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنًا، أو إلى ملائكة العذاب إن كان كافرًا، ويقال: معه سبعة من ملائكة الرحمة وسبعة من ملائكة العذاب، فإذا قبض نفسًا مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة، فيبشرونها بالثواب ويصعدون بها إلى السماء.
وإذا قبض نفسًا كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب، فيبشرونها بالعذاب ويفزعونها، ثم يصعدون بها إلى السماء ثم ترد إلى سجين، وروح المؤمن إلى عليين" (٣).
يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]: "كما قال رسول الله - ﷺ - في قبض روح الكافر: (ويخرج معها ريح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي يسمى بها في الدنيا إليه، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾) ". (٤)
_________________
(١) هذه الأسماء التي ورد تسمية الملائكة بها أعجمية في الأصل، وقد فسرها بعض العلماء بأنها تعنى العبودية لله تعالى، ولكنهم اختلفوا في تعيين المعنى، وكان تفسير عزرائيل بعبد الجبار أحد الأقوال التي ذكرت في معنى أسمائهم، ذكر ذلك العينى في العمدة وعزاه لبعض الكتب ولم يسمها: (١/ ٧٢).
(٢) حاشية الجوهرة: قد سبق التنبيه في مبحث الملائكة على عدم ورود ما يقطع بتسمية ملك الموت بعزرائيل ووصفه بهذه الأوصاف، بل الغالب فيها أنها من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، أما بالنسبة لوصف ملك الموت بهذه الصفة فهذا مما ورد بشأن إسرافيل وليس عزرائيل على فرض تسميته به، فقد ورد به الخبر عن ابن عباس - ﵄ -، فعن شهر عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - خرج على أصحابه فقال: ما جمعكم؟ فقالوا: اجتمعنا نذكر ربنا ونتفكر في عظمته، فقال: ألا أخبركم ببعض عظمته؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: إن ملكًا من حملة العرش يقال له إسرافيل راوية من روايا العرش على كاهله، قد مرقت قدماه في الأرض السفلى ومرق رأسه من السماء السابعة العليا: حلية الأولياء، أبو نعيم: (٦/ ٦٦). وانظر: كنز العمال: (٦/ ١٣٧).
(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٠).
(٤) المرجع السابق: (٢/ ٦٩).
[ ٥٠٤ ]
ويقول في موضع آخر: "أما بعد الموت فأرواح الأنبياء في الجنة، وأرواح الشهداء في حواصل طيور خضر في الجنة، وأرواح المطيعين غير الشهداء بأفنية القبور في البرزخ، وحده من أفنية القبور إلى باب الجنة، وأرواح الكفار ببئر برهوت بحضرموت" (١)
وفى بيان علاقة الروح في الجسد بعد مفارقتها إياه، يقول: "وأما أجسادهم فمحلها القبور، غير أن الأرواح لها تعلق بها، فلذلك لا يحصل لأجسادهم بلاء، فأرواحهم لها جولان عظيم من البرزخ إلى أعلى السموات إلى داخل الجنان والطيور الخضر لها كالهوادج مع كونها متصلة بجسم صاحبها وما وصل للروح من النعيم يحصل للجسم أيضًا، وذلك نظير النائم، فإن النائم يرى أن روحه في المشرق أو في المغرب مع كونها متصلة بجسمه، وكالأولياء الذين أعطاهم الله التصريف، فإن الواحد منهم يكون جالسًا في مكان، وروحه تسرح في أمكنة متعددة، وربك على كل شيء قدير" (٢)
* * *
ثانيًا: الموت:
كان قبض الروح ومفارقتها الجسد هو حقيقة الموت الذي أخبر المولى تعالى عنه بالخلق، لذا فإن الصاوي يفصل القول في بيان معناه، ففى تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] يعرض الصاوي ما قيل في تعريفه على جهة التحقيق، يقول: اختلف في الموت والحياة، فحكى عن ابن عباس، والكلبى، ومقاتل أن الموت والحياة جسمان، فالموت على هيئة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء، وهى التي كان جبريل - ﵇ - والأنبياء - ﵈ - يركبونها، خطوتها مد البصر
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٥٨.
(٢) حاشية الجلالين: (١/ ١٧٩). وقد تقدم بيان بطلان هذا الذي وصف به أرواح الأولياء من حيث التصريف في مبحث التوحيد، انظر: ١٦٩، كما أنه سيأتي القول فيه أيضًا في مبحث الولاية بإذن الله: ٧٧٨.
[ ٥٠٥ ]
فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء ولا يجد ريحها إلا حيى، وهى التي أخذ السامرى من أثرها ترابًا فألقاه على العجل فحيى، فعلى هذا الحياة والموت أمران وجوديان وتقابلهما من تقابل الضدين، وقيل: الموت عدم الحياة، فتقابلهما من تقابل العدم والملكة" (١).
وكان هذا منه عند سبر ما قيل فيه من أقوال، أما عند تعريفه فيرى أن الموت: "عرض يضاد الحياة ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من دار إلى دار، فكل من مات فقد انتقل من عالم الدنيا إلى عالم البرزخ" (٢).
ولما كان الحديث عن الموت من جملة ما ورد خبره في الكتاب المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يقرر الصاوي أن "التصديق بالموت واجب" مستدلًا بقوله تعالى: " ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].
وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] " (٣)
ويبقى معرفة مكانه وما يقع عليه، فإذا تقرر وجوب حكمه فعلى أي الأجزاء يقع؟ أعلى الروح؟ أم الجسم؟ وللإجابة على هذا السؤال المتبادر إلى الأفهام: "يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ المعنى كل روح ذائقة الموت لجسمها، وإلا فالروح لا تموت، وعموم الآية يشمل حتى الشهداء والأنبياء والملائكة".
وتأكيدًا لما سبق بيانه فإنه يورد اعتراضًا مع الإجابة عليه، قد يفهم من نفى حكم الموت على من مات شهيدًا، كما صرحت بذلك الآيات الكريمة، يقول: "وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فمعناه ترد بعد خروجها لهم وكذلك الأنبياء والملائكة، وأما ما عداهم فلا ترد لهم إلا عند النفخة الثانية". (٤)
_________________
(١) المرجع السابق: (٤/ ٢١٤).
(٢) حاشية الجوهرة: ٥٦.
(٣) المرجع السابق: ٥٦.
(٤) حاشية الجلالين: (١/ ١٨٢).
[ ٥٠٦ ]
ولكن في تعميمه هذا نظر؛ حيث يرى أن الخضر - ﵇ - حى ولا يزال حيًا إلى يوم القيامة، يقول في ذلك: "والجمهور على أنه حى إلى يوم القيامة - لشربه من ماء الحياة - يجتمع به خواص الأولياء ويأخذون عنه" (١)
وعودًا إلى ما سبق بيانه من تأكيد الحياة البرزخية وإحقاقها لكل نفس، يقول: وإذا ثبت عود الروح إلى الجسد بعد مفارقتها إياه فإن "الأموات لا تعود أجسامهم في الدنيا بأرواحهم كما كانوا أبدًا، وإنما يبعثون يوم القيامة لا فرق بين الأنبياء وغيرهم، وما ورد عن بعض الصالحين من أنهم يجتمعون بالنبي - ﷺ - يقظة، فالمراد أن روحه الشريفة تشكلت بصورة جسده الشريف، وكذا يقال في الأولياء والشهداء، لان أرواح المطيعين مطلقة غير محبوسة، وأما الكفار فأرواحهم محبوسة لا تسعى في الملكوت" (٢)
ويذكر حال الكافر عند نزع روحه، فيقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] إشارة إلى أنهم يعلمون كفرهم قبل موتهم ويشاهدون الأماكن التي أعدت لهم في نظيره، فمن حيث تلك المشاهدة تزهق أرواحهم وهم كافرون كارهون، بخلاف المؤمن فإنه يشاهد مقعده من الجنة، ولا تخرج روحه إلا وهو كاره للدنيا محب للآخرة". (٣)
* * *
تعليق:
أولًا: حقيقة الروح:
لقد كانت معرفة الروح معرفة حقيقية تجلو ما يحيط حول حقيقتها من استفسار، مما قد استأثر الله تعالى بعلمه، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، يقول الإمام ابن كثير
_________________
(١) المرجع السابق: (٣/ ١٩).
(٢) المرجع السابق: (٣/ ١١٧).
(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ١٥١).
[ ٥٠٧ ]
- ﵀ - في معنى الآية الكريمة: "أي من شأنه ومما استأثر بعلمه دونكم، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎، والمعنى أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه - أمر الروح - مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى" (١).
وهذا الاستئثار الذي تكلم عنه الإمام ابن كثير يعني أن علمها مما انفرد الله تعالى به، فليس باستطاعة أحد من البشر الإحاطة به، وعليه فلا يصح بحال نسبة هذا العلم إلى الرسول - ﷺ -، وليس في هذا ما يخل بمنزلته، بل هو وقوف عند حدود الشرع، وإعمال لنهى المصطفى - ﵊ - عن الغلو والإطراء المنهى عنه.
وحقيقة ذلك أن ما أخفاه المولى تعالى من العلوم التي انفرد بها تختلف علة ذلك الإخفاء، إذ من المعلوم أن كل ما يقدره المولى فهو لحكمة بالغة، وكانت الروح من جملة ما أخفاه المولى لحكمة يعلمها، قد تكون لانعدام المستقبل لإدراكها في المقدور البشرى، ويلفت الانتباه شيخ الإسلام - ﵀ - إلى هذه الحقيقة، وذلك في تعليقه على سبب نزولها (٢)، يقول - ﵀ -: "فبين بذلك أن ملك الرب عظيم، وجنوده وصفة ذلك وقدرته أعظم من أن يحيط به الآدميون، وهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلًا، فلا يظن من يدعى العلم أنه يمكنه أن يعلم كل ما سئل عنه، ولا كل ما في الوجود، فما يعلم جنود ربك إلا هو". (٣)
ومع كل ما تقدم، فليس الخبر معناه أن كل ما يتعلق بالروح مما لا يمكن إدراكه، ولكن الخبر هنا متجه إلى ما أخفاه الشارع الحكيم، أما ما دلت عليه نصوص
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: (٣/ ٨٥).
(٢) وذلك أنه كما ورد في الصحيح أنه - ﵊ - مر بنفر من اليهود فسألوه عن الروح فنزلت عليه هذه الآية. انظر: الحديث في صحيح البخاري: كتاب العلم - باب قوله الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، رقم الحديث: ١٢٥.
(٣) مجموع الفتاوى: (٤/ ٢٣١).
[ ٥٠٨ ]
الكتاب والسنة فحقيق أن يفهم ما أتت به في معرفة حقيقة الروح، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وليس في الكتاب والسنة أن المسلمين نهوا أن يتكلموا في الروح بما دل عليه الكتاب والسنة، لا في ذاتها ولا في صفاتها، وأما الكلام بغير علم فذلك محرم في كل شيء" (١).
وبناء على ما تقدم، فيصح تعريف الروح بما ورد فيها من الأخبار الصحيحة. يقول الإمام ابن القيم في كتابه الروح بعد عرض أبرز ما قيل في تعريفها: "إنها جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نورانى علوى خفيف حى متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء ويسرى فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقى ذلك الجسم اللطيف مشابكًا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح، وهذا القول هو الصواب في المسألة، وهو الذي لا يصح غيره، وكل الأقوال سواه باطلة وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة" (٢).
وكان هذا من جملة ما ذكره الصاوي من الأقوال وعزاه لأئمة الشافعية.
أما ما أورده من بقية الأقوال في معنى الروح، فغاية ما هنالك أنه جمع لآراء متعددة بل ومتباينة، دون نقد أو توجيه كافٍ لها، فقد أورد كلام الفلاسفة في أن الروح جوهر قائم بنفسه، وحقيقة هذا القول أن الروح قديمة وليست بمربوبة، وهذا ما رده عليهم أهل الإسلام قاطبة.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - حين سئل عن الروح: "الحمد لله رب العالمين روح الآدمى مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين" (٣).
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) الروح لابن القيم: (٢/ ١٧٩).
(٣) المرجع السابق: (٤/ ٢١٦).
[ ٥٠٩ ]
أما عن تسمية الروح بالنفس، فالحق في هذا ما بينه شيخ الإسلام بوجود نوع اشتراك بينهما؛ يؤيده إطلاق النفس على الروح في عدد من المواضع التي وردت في حديث المصطفى - ﷺ -، "ودلائل هذا الأصل، وبيان مسمى الروح، والنفس، وما فيه من الاشتراك كثير" (١) في القرآن والسنة، وقد أوضح هذه المسألة الإمام ابن كثير؛ من أنها "ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهى إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء، كما أن الماء هو حياة الشجر ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًا، فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إما مصطارًا أو خمرًا، ولا يقال له ماء حينئذ إلا على سبيل المجاز، وكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا النحو، وكذا لا يقال للروح نفس إلا باعتبار ما تؤول إليه، فحاصل ما نقول: إن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهى هي من وجه لا من كل وجه وهذا معنى حسن، والله أعلم" (٢).
أما عن علاقة الروح بالجسد بعد الموت، فالعلماء على أن لها اتصالًا به بعد مفارقتها إياه؛ فالنعيم والعذاب يقع على الروح مع الجسد بيان ذلك "أن الله سبحانه جعل الدور ثلاثًا: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكامًا تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان، والأرواح تبعًا لها، لهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح؛ وإن أضمرت النفوس خلافه، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبعًا لها؛ فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا؛ فتألمت بألمها والتذت براحتها، وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب، تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (٤/ ٢٣٠).
(٢) عزاه ابن كثير إلى السهلي، انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: (٣/ ٨٥).
[ ٥١٠ ]
والنعيم، فالأبدان هنا ظاهرة، والأرواح خفية، والأبدان كالقبور لها، والارواح هناك ظاهرة، والأبدان خفية في قبورها تجرى أحكام البرزخ على الأرواح، فتسرى إلى أبدانها نعيمًا أو عذابًا؛ كما تجرى أحكام الدنيا على الأبدان، فتسرى إلى أرواحها نعيمًا أو عذابًا"
فالصاوى هنا يوافق القول الراجح في المسألة، وقد ضرب لذلك الاتصال الغيبى مثالًا باتصال مشاهد حسى، "فقد أرانا الله سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجًا في الدنيا من حال النائم؛ فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجرى على روحه أصلًا والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر الروح على البدن تأثيرًا مشاهدًا؛ فيرى النائم في نومه أنه ضرب؛ فيصبح وأثر الضرب في جسمه، ويرى أنه قد أكل أو شرب؛ فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه، ويذهب عنه الجوع والظمأ.
وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس؛ فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع، فهكذا في البرزخ بل أعظم فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى، وهى متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع". (١)
ومع ذلك فقد وقع الصاوي في خطأ جسيم؛ حين مثل لتلك العلاقة أيضًا بحال الولى الذي يكون في مكان فتجوب روحه في الكون تصريفًا وتدبيرًا، فإن هذا محض وهم لا حقيقة له أفرزه غلو المتصوفة في مشايخهم، وهو أساس انحرافهم في مقتضيات الولاية، حيث بنوا على مثل هذه الأوهام صرف أنواع من العبادة التي لا تجوز إلا لله تعالى كالتوسل والدعاء والملاحظة، وقد أسلفت الحديث في مبحث التوحيد، وللأهمية هنا؛ فإنه يحسن التأكيد على ما سبق من أن اعتقاد التصريف لغير الله تعالى فيه قدح في الإيمان بربوبية الله تعالى، فالله ﷿ وحده الذي يدبر أمر العباد ويصرف شؤونهم لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه فهو الرب القيوم،
_________________
(١) الروح: ٦٣ - ٦٤.
[ ٥١١ ]
"القيوم بنفسه القيم لغيره؛ فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غنى عنها ولا قوام لها إلا به ولا قوام لها بدون أمره، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِه﴾ وهو القائم على كل شيء والقائم بجميع أمور عباده والقائم على كل نفس بما كسبت" (١).
ولو اعترض على هذا بأنه قد أرجع تصريفهم لأمر الله تعالى وإذنه، فحينها يطالب بالدليل على هذا الأذن، ومن أين له أن الله تعالى أوكل تصريف بعض شؤون العباد لبعضهم من الأولياء في حالة يعلم بالضرورة أنه من غير المقدور الكونى للبشر أن يكون لهم أثر في حقيقة الأمر، ولا شك أن هذه الأوهام مماثلة لأوهام المشركين من قبل في آلهتهم التي اعتقدوا أنها تنفع وتضر فتشفع بما لها من منزلة أعطاها الله إياها.
فيقال هنا أن كل أمر لم يثبت في نفعه أو ضره أو تصريفه كما ذكر الصاوي هنا سبب كونى أو شرعى يعد اعتقاد نفعه وضره واتخاذه سببًا شركًا بالله تعالى، يقول الشيخ العثيمين - ﵀ - في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾: "الشاهد من هذه الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع ولا بدفع ضر، فليست أسبابًا لذلك، فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعى أو قدرى، فيعتبر اتخاذه سببًا إشراكًا بالله". (٢).
* * *
ثانيًا: مستقر الروح:
لقد فصل الصاوي القول في هذه القضية بما لا مزيد عليه، ولكن كان ينقصه الاستدلال الكافي بما ورد من الأحاديث الشريفة في هذا الباب، ومع وجود بعض الملاحظات على ما ذكر كان يظهر فيها تأثره بنزعته الصوفية، التي كانت تخرج به في بعض الأحيان عن حد الاعتدال.
_________________
(١) معارج القبول: (١/ ٢٠٨).
(٢) القول المفيد: (١/ ١٦٦).
[ ٥١٢ ]
أما عن مستقر أرواح المؤمنين، فقد ورد في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال في الشهداء: (أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل) (١).
كما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجع إلى جسده يوم يبعث) (٢).
وما أخبر به من أن أرواح الكفار ببئر برهوت بحضرموت؛ فهذا ما ورد به الخبر عن عبد الله بن عمرو، حيث قال: "أرواح المؤمنين تجمع بالجابيتين، وأرواح الكفار تجمع ببرهوت: سبخة بحضرموت" (٣).
والكلام في هذه الجزئية من مسائل الروح لا يخرج عن وصف مستقر روح المؤمن بالثواب والنعيم، ومستقر روح الكافر بالعذاب والجحيم، أما على جهة التفصيل فـ "الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهى أرواح الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النبي - ﷺ - ليلة الإسراء.
ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهى أرواح بعض الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه، أو غيره، كما في الحديث الشريف أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله: مالى إن قتلت في سبيل الله؟ قال: (الجنة فلما ولى، قال: إلا الدين! سارنى به جبريل آنفًا). (٤)
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة - باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة: (١٣/ ٣١).
(٢) سنن ابن ماجه: كتاب الزهد - باب ذكر القبر والبلى، رقم الحديث: ٤٢٧١: (٢/ ١٤٢٨). وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: برقم: ٣٤٤٦: (٢/ ٤٢٣).
(٣) صحيح ابن حبان: كتاب الجنائز - فصل في الموت وما يتعلق به، رقم الحديث: ٣٠١٣: (٧/ ٢٨٣). وصححه الألباني في السلسلة، برقم: ٩٩٥: (٢/ ٧٢٩).
(٤) أخرجه النسائي في المجتبى: كتاب الجهاد - باب من قاتل في سبيل الله تعالى وعليه دين، رقم الحديث: ٣١٥٥: (٦/ ٣٣). وصححه الألباني في صحيح النسائي برقم: ٢٩٥٧، وقال: حسن صحيح: (٢/ ٦٦٣).
[ ٥١٣ ]
ومنهم من يكون محبوسًا على باب الجنة؛ كما في الحديث الآخر رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنة.
ومنهم من يكون محبوسًا في قبره، كحديث صاحب الشملة التي غلها ثم استشهد، فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال النبي - ﷺ -: والذي نفسى بيده إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه نارًا في قبره. (١)
والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها ومحبته وذكره والأنس به والتقرب إليه، بل هي أرضية سفلية، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك" (٢)
* * *
الموت:
لقد تناول الصاوي في تحريره للمسائل المتعلقة بالموت مسألتين هما:
الأولى: حقيقة الموت:
فالكلام عن حقيقة الموت مما كثر الحديث فيه. والصحيح فيه كما ذكر الصاوي أنه أمر وجودى لدلالة الحديث الصحيح قال رسول الله - ﷺ -: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادى منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادى: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ: وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة - وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا - وهم لا يؤمنون) (٣).
ولا يمنع من كونه عرضًا كما عرفه الصاوي متابعة لأسلافه من المتكلمين أن
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازي - باب غزوة خيبر، رقم الحديث: ٤٢٣٤.
(٢) الروح: لابن القيم: ١١٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب وأنذرهم يوم الحسرة، رقم الحديث: ٤٧٣٠.
[ ٥١٤ ]
يصير له وجودًا مجسدًا يوم القيامة (١)، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن البقرة، وآل عمران يجيئان يوم القيامة كأنهما غمامتان". (٢)
وشيخ الإسلام - ﵀ - عند عرضه لحقيقة العلاقة بين الموت والحياة لم يرجح أحد القولين على الآخر؛ في كون الموت وجوديًا، أو عدميًا، واكتفى بإثبات أنه مقابل للحياة، حيث أرجع النزاع الوارد إلى نوع من النزاع اللفظي الذي لا ثمرة له حقيقية، وذلك لأنه يمكن القول بأن الموت أمر وجودى لتعلق صفة الخلق به، ويمكن أن يكون أمرًا عدميًا فيكون خلقه بمعنى خلق الأعراض المضادة للحياة، يقول: "فإنا نعلم بالحس أن الحركة أمر وجودى، كما نعلم أن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر أمر وجودى، وأما كون ما يقابل ذلك هو ضد ما ينافيها أو عدمها من محلها فهذا فيه نظر، ولهذا تنازع العقلاء في هذا دون الأول، وكثير من النزاع في ذلك يكون لفظيًا، فإنه قد يكون عدم الشيء مستلزمًا لأمر وجودى، مثل الحياة مثلًا، فإن عدم حياة البدن مثلًا مستلزمًا لأعراض وجودية.
والناس تنازعوا في الموت: هل هو عدمى أو وجودى؟ ومن قال: إنه وجودى، احتج بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] فاخبر أنه خلق الموت، كما خلق الحياة، ومنازعه يقول: العدم الطارئ يخلق كما يخلق الوجود، أو يقول: الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة، وحينئذ فالنزاع لفظي" (٣)
* * *
الثانية: حكم الموت:
فقد أفاد تقريره بوجوب الإيمان بالموت أنه لا يستثنى من عمومه أحد، حتى
_________________
(١) انظر: شرح الحديث السابق لابن حجر في فتح الباري: (١١/ ٤٢١).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة: (٦/ ٩٠).
(٣) درء التعارض: (١/ ٤١١).
[ ٥١٥ ]
الأنبياء والمرسلين، ولكنه عند حكايته لقصة موسى مع الخضر - ﵉ - خالف ما ذهب إليه آنفًا، وحكى إجماع الجمهور على بقاء الخضر حيًا، بل واجتماع الأولياء معه، وقد اعتمد في سبب خلوده أنه شرب من ماء الحياة، والصحيح في هذه المسألة أنه لم يثبت في شربه خبرًا صحيحًا يسلم له (١).
أما عن اجتماعه بالأولياء فهذا من ترهات الصوفية، وقد سئل شيخ الإسلام - ﵀ - عن ذلك فقال لا يبعد أن يكون شيطانًا، وسيأتي بيانه.
وعليه فلا حجة للقائلين ببقائه، بل هناك نصوص كثيرة تناقض ما ذهبوا إليه، منها ما أورده البخاري في الصحيح أنه - ﷺ - قال: (أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة، لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد) (٢)
وعند شرح الحافظ ابن حجر - ﵀ - للحديث، أورد كلام من احتج به، وشبهة المخالف لذلك، حيث قال: "قال النووي وغيره: احتج البخاري ومن قال بقوله بهذا الحديث على موت الخضر، والجمهور على خلافه، وأجابوا عنه بأن الخضر كان حينئذ من ساكنى البحر، فلم يدخل في الحديث" (٣)
وهذه الشبهة التي يستند إليها من ذهب إلى بقائه لا أصل لها من عقل ولا نقل، إذ البحر كما هو معلوم لا يخرج عن كونه فوق ظهر الأرض لذا فإن "الذي عليه أهل التحقيق أن الخضر قد مات قبل بعثة النبي - ﷺ -، لأدلة كثيرة معروفة في محلها، ولو كان حيًا في حياة نبينا لدخل في هذا الحديث، وكان ممن أتى عليه الموت قبل رأس المائة" (٤)
وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام - ﵀ - حيث قال: "الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة وحتى عزرائيل ملك الموت" (٥)
_________________
(١) انظر: ما أورده الحافظ ابن حجر، وعزاه إلى خيثمة بن سليمان من طريق جعفر الصادق عن أبيه، وقد عرف بانقطاعه: (٦/ ٤٣٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة - باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء، رقم الحديث: ٦٠١.
(٣) فتح الباري: (٢/ ٧٥).
(٤) المرجع السابق: تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز على الحديث في فتح الباري.
(٥) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٩). وانظر: الجواب الصحيح: (٢/ ٣٣٥). وانظر: منهاج السنة: (٤/ ٦٤).
[ ٥١٦ ]
أما عن اجتماع الخضر بالأولياء؛ فهذا مما لا شيء يسنده سوى ترهات الصوفية، وإن كان مما اشتهر عنه الحديث بين العوام وكثير من العباد، (١) وقد قال الإمام أحمد - ﵀ - حين سئل: عن تعمير الخضر وإلياس وأنهما باقيان يريان ويروى عنهما: من أحال على غائب لم ينصف منه، وما ألقى هذا إلا شيطان" (٢)
وهذا ما رده أيضًا ابن حزم - ﵀ - وبين مخالفته للثابت من نصوص الكتاب والسنة، يقول: "وسلك هذا السبيل بعض الصوفية فزعموا أن الخضر وإلياس - ﵉ - حيان إلى اليوم، وادعى بعضهم أنه يلقى إلياس في الفلوات والخضر في المروج والرياض، وأنه متى ذكر حضر على ذكراه".
قال أبو محمد: فإن ذكر في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها وفي ألف موضع في دقيقة واحدة كيف يصنع؟
ولقد لقينا من يذهب إلى هذا خلقًا وكلمناهم منهم المعروف بابن شق الليل المحدث بطلبيره، وهو مع ذلك من أهل العناية وسعة الرواية، ومنهم محمد بن عبد الله الكاتب، وأخبرني أنه جالس الخضر وكلمه مرارًا، أو غيره كثير.
هذا مع سماعهم قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وقول رسول الله - ﷺ - (لا نبى بعدى) (٣) فكيف يستجيزه مسلم أن يثبت بعده - ﵇ - نبيًا في الأرض حاشا ما استثناه رسول الله - ﷺ - في الآثار المسندة الثابتة في نزول عيسى بن مريم - ﵇ - في آخر الزمان (٤).
_________________
(١) انظر: ما رواه اللالكائي في كرامات الأولياء، حيث ذكر في: "سياق ما روى في كرامات أبي حفص عمر بن عبد العزيز - ﵁ - رؤيته للخضر - ﵇ -، يقول: عن رياح بن عبيدة قال: رأيت رجلًا ماشى عمر بن عبد العزيز معتمدًا على يديه فقلت في نفسي: إن هذا الرجل جافٍ قال: فلما انصرف من الصلاة قلت: من الرجل الذي كان معتمدًا على يدك آنفًا قال: فهل رأيته يا رياح قلت: نعم قال: ما أحسبك إلا رجلًا صالحًا ذاك أخى الخضر بشرني أنى سألى وأعدل": ١٦٨ - ١٦٩.
(٢) مجموع الفتاوى: (٤/ ٣٣٧).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء - باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم الحديث: ٣٢٦٨.
(٤) الفصل في الملل: (٤/ ١٣٨).
[ ٥١٧ ]
وعليه فلا احتجاج بما روى في حقهما من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، لأنه ثبت ما يعارضها من أدلة الكتاب والسنة الصحيحة:
فقد سئل البخاري عن الخضر وإلياس هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون هذا؟ وقد قال النبي - ﷺ -: (لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض أحد) (١)
وقال أبو الفرج ابن الجوزى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وليس هما في الأحياء والله أعلم. (٢)
وكما يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "القول الفصل في الخضر - ﵇ - والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودًا في زمن النبي - ﵌ - لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة، ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن مختفيًا عن خير أمة أخرجت للناس، وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم، ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا في دينهم ولا في دنياهم، فإن دينهم أخذوه عن الرسول النبي الأمي - ﷺ -" (٣)
* * *
حياة البرزخ
يعرف الصاوي البرزخ المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] بقوله: "البرزخ في اللغة: الحاجز بين الشيئين.
وعرفًا: الحاجز بين الدنيا والآخرة".
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب العلم - باب السمر في العلم، رقم الحديث: ١١٦.
(٢) مجموع الفتاوى: (٤/ ٣٣٧).
(٣) زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور: ٧٠.
[ ٥١٨ ]
ويزيد في بيان حده فيقول: "وله زمان ومآل ومكان، فزمانه: من الموت إلى يوم القيامة. ومآله: الأرواح، ومكانه: من القبر إلى الجنة لأرواح السعداء، وإلى النار لأرواح الأشقياء". (١)
كما "يطلق البرزخ على حالة الشخص بعد موته إلى يوم القيامة، فيقال: في البرزخ؛ أي في العالم المتوسط بين الدنيا والآخرة". (٢)
وهذه الحالة التي تمر بكل المكلفين تكون على مراحل، ويحدث في كل مرحلة منها ما يؤدى إلى التي تليها، فإنه "مما يجب اعتقاده سؤال منكر ونكير لنا، فهو مختص بهذه الأمة، أي أمة الدعوة: المؤمنين والمنافقين والكافرين، ومحله بعد تمام الدفن وانصراف الناس، فيعيد الله الروح إلى الميت والحواس، فيترفقان بالمؤمن وينهران الكافر والمنافق، ويسأل كل إنسان بلغته يجمع من تفرقت أجزاؤه أو أكلته السباع، والسؤال مخصوص بمن كان مكلفًا ولو جنيًا لا ملكًا، ويستثنى من المكلفين الأنبياء والصديقون والمرابطون والشهداء". (٣)
ويفصل القول في كيفية سؤالهما، وإجابة المكلف لهما بذكر ما ورد في ذلك، يقول: "حين يحيى الله الميت حتى يسمع قرع نعال من كان ماشيًا في جنازته، يقعدانه ويقولان له: ما ربك وما دينك وما نبيك؟، فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - ﷺ -، فيقولان له: نم نومة العروس، قد علمنا أن كنت لموقنًا، وأما الكافر والمنافق، فيقول: لا أدرى كنت أسمع الناس يقولون شيئًا فقلت مثل ما يقولون، فيضربانه بمطارق من نار، فيصيح صيحة يسمعه من في الأرض غير الثقلين، ويقولان له: لا دريت ولا تليت (٤) " (٥)
_________________
(١) حاشية الخريدة: ١٠٥. وانظر: حاشية الجلالين: (٣/ ١١٧).
(٢) حاشية الصلوات: ٧٣.
(٣) حاشية الجوهرة: ٥٨.
(٤) جزء من حديث أخرجه أبو داود في سننه بلفظ متقارب: أول كتاب السنة - باب المسألة في القبر وعذاب القبر، رقم الحديث: ٤٧٢٨: (٥/ ٤٧١٨) صححه الألباني في صحيح أبي داود برقم: ٣٩٧٧: (٣/ ٩٠٠). وأخرجه بلفظ متقارب البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز - باب الميت يسمع خفق النعال، رقم الحديث: ١٢٧٣: (١/ ٤٤٨).
(٥) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٦٥).
[ ٥١٩ ]
ولما كان نعيم القبر وعذابه مما ورد الخبر به كتابًا وسنة، يرى الصاوي أنه: "مما يجب الإيمان به التصديق بعذاب القبر، ونعيمه للمكلفين بحسبهم".
وفي تأكيد هذه الحقيقة الإيمانية يوضح أن كل من فارق الحياة فهو مقبور ولو لم تحصل له المواراة، كالغريق مثلًا، منبهًا إلى أن "المراد بالقبر" على جهة الحقيقة: "البرزخ".
مؤكدًا ذلك بقوله: "وإنما أضيف إلى القبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت أراد الله تعذيبه عذب قبر أو لم يقبر" (١).
وفى بيان ما يقع عليه الجزاء الموعود، يرى أن: "محله الروح والبدن على المعتمد".
وعن كيفية العذاب المتوعد به من حيث الدوام، يقول: "ويدوم على الكفار والمنافقين وبعض العصاة، وينقطع عمن خفت ذنوبهم، ومن لم يسأل فيه لا يعذب" ويسترسل في الحديث عما ورد في وعيده، فيقول: "ومن جملة عذابه ضغطته وهى التقاء حافتيه.
ومن جملته أيضًا ما في الحديث: يسلط الله على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينًا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة، ولو أن تنينًا منها نفخ على الأرض ما أنبتت خضراء.
ومنها تشكل عمله بصورة قرد، أو خنزير يضاجعه في قبره، وفتح طاقة فيه من جهنم، ويسمع صياحه من العذاب ما عدا الثقلين" (٢).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، يقول: "والمعنى تعرض أرواحهم من حين موتهم إلى قيام الساعة على النار لما روى: (إن أرواح الكفار في جوف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها). (٣)
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٥٨.
(٢) حاشية الجوهرة: ٥٨ - ٥٩.
(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ١٠).
[ ٥٢٠ ]
أما الشق الثاني من الجزاء وهو النعيم: فيبين أولًا كيفيته، فيقول: "أي وصول النعيم للمؤمنين في القبور".
ولما كان النعيم محض فضل المولى تعالى، وكان فضله تعالى سابغًا فليس يقتصر على المكلفين، كالعذاب، فإن الصحيح فيه كما يرى الصاوي أنه: "لا يختص بهذه الأمة ولا بالمكلفين".
والحديث في بيان هيئته يطول، لذا فإنه تكفى الإشارة إلى بعض صوره فـ "من جملته: توسيعه، وفتح طاقة فيه من الجنة، وجعله روضة من رياضها، وتصوير عمله بصورة حسنة تؤانسه". (١)
ولعظيم ما يراه المؤمن والكافر كليهما في حياة البرزخ "فإن من مات على الإيمان تمنى عدم العود إلى الدنيا، لأن عالم البرزخ في اتساعه بالنسبة للدنيا، كالدنيا بالنسبة لبطن الأم.
أما إن مات على الكفر والعياذ بالله، تمنى العود إلى الدنيا، لما يرى من ضيق برزخه وعذابه". (٢)
تعليق:
تقدم الحديث عن مكانة الإيمان بالبرزخ في عقيدة المؤمن، أما ما يتبع ذلك من التفاصيل، فقد كان كلام الصاوي في هذا المجال مستوعبًا لأهم ما يجب الحديث فيه من المسائل المتعلقة بالبرزخ، وما فيه من نعيم وعذاب، ومع هذا فقد كان ينقصه الاستدلال على بعض ما ذكر، والعزو لما يستدل به من الأخبار في البعض الآخر. وسأتناول أهم النقاط في ذلك:
أولًا: الإيمان بفتنة القبر وسؤال الملكين، فقد دلت عليه أحاديث كثيرة صحيحة وقد أوردت بعضها فيما سبق، ولكن تسمية الملكين اللذين ورد ذكرهما في الحديث
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٥٩.
(٢) حاشية الجوهرة: ٥٦.
[ ٥٢١ ]
بمنكر ونكير، لم تثبت في جميع الروايات، وإنما وردت في بعضها، فقد روى الترمذي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر، والآخر النكير. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ثم ينور له فيه. ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله. لا أدرى. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك. فيقال للأرض: التئمى عليه. فتلتئم عليه. فتختلف فيها أضلاعه. فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك). (١)
- وقد تقدم أن هذه الفتنة مما يعم حكمه على كل المكلفين بعد موتهم، ومع ذلك فقد وردت الأحاديث في استثناء بعض أولئك المكلفين من أهل الإيمان، ذكر منهم الصاوي المرابط والشهيد.
فمما ورد في استثناء المرابط من فتنة القبر حديث رسول الله - ﷺ -، حيث قال: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر). (٢)
أما الشهيد فقد روى النسائي في سننه أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة). (٣)
_________________
(١) كتاب الجنائز - باب ما جاء في عذاب القبر، رقم الحديث: ١٠٧١: قال الترمذي: حديث حسن غريب: (٣/ ٣٨٣). وابن جان في صحيحه: كتاب الجنائز - فصل في أحوال الميت في قبره، رقم الحديث: ٣١١٧: (٧/ ٣٨٦) وصححه الألباني في تخريج المشكاة: (١/ ١٣١).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب فضائل الجهاد - باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا، رقم الحديث: ١٦٢١: وفال الترمذي: حسن صحيح: (٤/ ١٤٢) ورواه ابن حبان في صحيحه: كتاب السير - باب فضل الجهاد، رقم الحديث: ٤٦٢٤: (١٠/ ٤٨٤).
(٣) كتاب الجنائز - باب الشهيد، رقم الحديث: ٢٠٥٣: (٤/ ٩٩). وصححه الألباني في صحيح النسائي، برقم: ١٩٤٠: (٢/ ٤١٤).
[ ٥٢٢ ]
وقد ورد - زيادة على ما ذكر - أن من يموت يوم الجمعة فإنه يأمن الفتنة، فعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر). (١)
- أما ما أورده من ألوان العذاب الحاصل في القبر، فكله مقتبس من حديث رواه الترمذي قد يصل إلى مرتبة الحسن، فعن أبي سعيد قال: "دخل رسول الله - ﷺ - مصلاه فرأى ناسًا كأنهم يكتشرون قال: (أما إنكم لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى الموت، فأكثروا من ذكر هادم اللذات الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود، فإن دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلًا، أما ان كنت لأحب من يمشى على ظهرف إلى، فإذ وليتك اليوم وصرت إلى فسترى صنيعى بك، قال: فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة.
وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر، قال له القبر: لا مرحبًا ولا أهلًا، أما إن كنت لأبغض من يمشى على ظهري إلى، فإذا وليتك اليوم وصرت إلى فسترى صنيعى بك، قال: فيلتئم عليه حتى تلتقى عليه وتختلف أضلاعه، قال: قال رسول الله - ﷺ - بأصابعه، فأدخل بعضها في جوف بعض قال: ويقبض الله له سبعين تنينًا لو أن واحدًا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئًا ما بقيت الدنيا، فينهشنه ويخدشنه حتى يفضى به الحساب قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار). (٢)
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الجنائز - باب ما جاء فيمن مات يوم الجمعة، رقم الحديث: ١٠٧٤ وقال الترمذي: حديث غريب: (٣/ ٣٨٦). وصححه الألباني في صحيح الترمذي وقال: حسن، رقمه: ٨٥٨: (١/ ٣١٢).
(٢) كتاب صفة القيامة، رقم الحديث: ٢٤٦٠، وقال الترمذي: حديت غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه: (٤/ ٥٥١). وبنحو منه أخرج ابن حبان في صحيحه: كتاب الجنائز - فصل في أحوال الميت في قبره، رقم الحديث: ٣١٢١: (٧/ ٣٩١). وقال الهيثمي: "رواه أحمد وأبو يعلى موقوفًا وفيه دراج وفيه كلام وقد وثق": (٣/ ٥٥).
[ ٥٢٣ ]
أما عن تشكل العمل بحسبه إن خيرًا فعلى صورة رجل حسن وإن شرًا على صورة رجل قبيح في القبر مصاحبًا المقبور إلى يوم القيامة، فهذا مما وردت به الأحاديث الصحيحة. (١)
ولكن تحديد الهيئة بالقرد والخنزير مما لم أعثر فيه على دليل وفى هذا القدر كفاية، وإلى المبحث التالى بعون الله.
* * *
_________________
(١) انظر ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب - ﵁ - في حديث طويل منه في وصف حال المؤمن بعد سؤال الملكين: "ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول أبشر بالذى يسرك هذا يومك الذي توعد، فيقول له من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح. . . إلى أن يصف حال الكافر بعد سؤال الملكين له، فيقول: "ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث": قال الشيخ حمزة أحمد الزين: إسناده صحيح (١٤/ ٢٠٢)، وصححه الحاكم في مستدركه: (١/ ٩٣).
[ ٥٢٤ ]
(المبحث الرابع): حقائق يوم القيامة
حين يأذن الله تعالى لتلك الأرواح أن تعود لأجسادها بعد انقضاء فترة البرزخ، تتحقق أهوال يوم القيامة، وتبدل الأرض غير الأرض، وينفخ في الصور، فتجمع الأشتات، ويخلق الله منها البشر تارة أخرى، فيجتمعون لفصل القضاء، وتكون تلك بداية النهاية، حيث توزن الأعمال، وتحل الشفاعة، ويرضى الرب على من شاء من عباده، ويسخط على من استحق السخط منهم، ثم يساق المؤمنون إلى منازلهم في الجنان، حيث الدرجات العلى والنعيم المقيم، ويكب الكافرون على وجوههم في جهنم، ويطهر عصاة المؤمنين بالنار، ممن لم تحملهم أعمالهم على سلوك الصراط دونما انكباب، وكانت لهذه الأحداث الجسام المتتالية أدلة كثيرة عظيمة من الكتاب والسنة:
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
يقول الشيخ السعدى في تفسير هذه: "يحشر الله جميع الخلق على تلك الأرض فلا يغادر منهم أحدًا بل يجمع الأولين والآخرين من بطون الفلوات، وفغور البحار ويجمعهم بعدما تفرقوا ويعيدهم بعدما تمزقوا خلقًا جديدًا.
فيعرضون عليه صفًا ليستعرضهم، وينظر في أعمالهم ويحكم فيهم بحكمه العدل الذي لا جور فيه ولا ظلم، ويقول لهم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤].
أي بلا مال ولا أهل ولا عشيرة، ما معهم إلا الأعمال والمكاسب في الخير والشر التي كسبوها" (١)
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن: ٥١٠.
[ ٥٢٥ ]
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤].
ولي في هذا المبحث المتشعب الأطراف أن ألقى الضوء على آراء الصاوي مع شيء من التوجيه والتعليق، مبتدئة بالحديث عن المحشر وعرضات يوم القيامة، متممة بالكلام عن الجنة والنار.
* * *
[ ٥٢٦ ]
(المطلب الأول): المحشر وعرضات يوم القيامة
تظهر عبارات المتكلمين في هذه المسائل الغيبية موافقة لما عليه السلف - رضوان الله عليهم -، حيث يقتصر مستند دلالتها عندهم على الوحى الصادق، ومع ذلك فقد تظهر بعض المخالفات التي تسربت إلى المعتقد، بسبب التصدى للرد على الفلاسفة؛ واعتمادهم في ذلك على المنهج العقلى، الذي قد يحيد بهم أحيانًا عن معين الوحى، كانت مسألة الإعادة وكيفيتها مما يظهر فيه اتباعهم ذلك المنهج؛ حيث تصدوا للرد على منكرى البعث من الفلاسفة، كما أن لهذه القضية ارتباطًا وثيقًا بمسألة الحدوث، وإن صح التعبير هي الوجه الثاني لها، وقد اشتهرت مخالفتهم فيها للمنهج الصحيح، وعند سبر أقوالهم فيها نجد أنها لا تخرج عن أحد قولين؛ يقول الرازي: "أما القائلون بالمعاد البدنى؛ منهم من زعم أن الله تعالى يعدم البدن ثم يعيده، ومنهم من زعم أنه يفرق الأجزاء ثم يجمعها". (١).
وكان لكلا الفريقين جمع من الأدلة، التي استند إليها في تقرير دعواه، والآن مع عرض أقوال الصاوي في هذه المسائل المتتالية.
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
لقد تناول الصاوي في بيان حقائق الساعة في تفسيره، أو في حواشيه العقدية عددًا من المواضيع المرتبطة بها، وتظهر إرادته الترتيب جلية في عرضه لها، ويمكن ترتيبها كالتالى:
أولًا: ما يتعلق بالنفخ:
لقد كان النفخ أول ما تناول بحثه من تلك المواضيع المتعددة، فعند تعريفه للصور المعد للنفخ فيه، يقول: هو "القرن المستطيل".
_________________
(١) المحصل: للرازي: ٢٢٣.
[ ٥٢٧ ]
ويعرض ما ورد في بيانه عن السلف، يقول: "قال مجاهد: الصور كهيئة البوق وفيه جميع الأرواح، وفيه ثقب بعددها، فإذا نفخ خرجت كل روح من ثقبة ووصلت لجسدها فتحله الحياة".
ثم يوضح حقيقة الإحياء الحاصل عند النفخ، يقول: "فالإحياء يحصل بإيجاد الله عند النفخ لا بالنفخ فهو سبب عادى" (١).
ولما كانت النفخات متعددة في ذلك اليوم المهيب؛ نبه إلى أن هذه هي النفخة الثانية، و"أما الأولى؛ فعندها يموت كل ذى روح، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] " (٢)
أما عن متولى النفخ فيرى أن "النافخ هو إسرافيل (٣) - حيث - يضع الصور على فيه، ويقف على صخرة بيت المقدس، ويقول: يا أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، فيقبلون عليه.
وقيل: المنادى جبريل، والنافخ إسرافيل" (٤)
ثانيًا: كيفية البعث:
وفي حديثه عن كيفية هذا البعث، يقول: "ومما يجب اعتقاده أن الجسم يعاد بعينه عن عدم؛ فيصير الجسم معدومًا بالكلية كما كان قبل وجوده، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] ".
ويعرض مع ذلك رأى المخالف مرجحًا: "وقيل عن تفريق محضين؛ أي فلا يبقى جوهر مع جوهر أصلًا، والأول هو الحق".
_________________
(١) سيأتي الحديث عن الأسباب وموقف السلف منها فليراجع في فصل آراؤه في القدر: ٥٩٤.
(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٣).
(٣) تقدم بحث تسمية الملك النافخ للصور بإسرافيل في فصل الملائكة والذي يظهر والله أعلم أنه لم يثبت في ذلك دليل يستند إليه: ٣٤١.
(٤) حاشية الجلالين: (٣/ ٦٠) (٣/ ٣٠٧) وهناك خبر طويل ذكر ضعفه الإمام البيهقي ورد فيه نداءه بهذه الكلمات التي ذكرها الصاوي، انظر: شعب الإيمان: الثامن من شعب الإيمان وهو باب في حشر الناس، رقم الحديث: ٣٥٣: (١/ ٣١٢)، ولم أقف على خبر يفيد مكان النفخ لإسرافيل عليه.
[ ٥٢٨ ]
ولكنه يرى استثناء بعض من لا يجوز عليهم الإعادة من العدم؛ لورود الأدلة الثابتة بذلك، يقول في موضع آخر عن مفهوم الإعادة: "يصير الجسم معدومًا بالكلية، كما كان قبل وجوده، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.
وهذا القول هو المعتمد "أما من لا تأكل الأرض أجسامهم؛ فيصح فيهم اجتماع المتفرق:
لا تأكل الأرض جسمًا للنبي ولا لعالم وشهيد قتل معترك (١)
ولا يعني - عنده - أن الخلق من العدم يتحصل به المغايرة في الأجساد أو الأرواح؛ لأن قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ يؤكد عدم اختلاف الماهية مع الإعادة، يقول في تفسير الآية: "يعيدكم أحياء بالأرواح والأجساد بعينها" (٢).
ثالثًا: هيئات الناس عند البعث:
ومع مساواة الناس في تحقق الوعد عليهم بالحشر، إلا أنهم يختلفون في صفته أشد الاختلاف، يقول في تفسير: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]: "ورد أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحًا، فيقول هل تعرفنى؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح، فاركبنى؛ فقد طالما ركبتك في الدنيا، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ يعني ركبانًا، وأما الكافر، فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحًا، فيقول: هل تعرفنى؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث، طالما ركبتنى في الدنيا؛ فأنا أركبك، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] " (٣).
وتكون هيئة الناس عند حشرهم "حفاة عراة وذلك عند الحساب".
_________________
(١) حاشية الجرهرة: ٦٠. وحاشية الخريدة: ١٠٥. وانظر: حاشية الجلالين: (٣/ ٨٥).
(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٦٦).
(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ١٠).
[ ٥٢٩ ]
ويعرف هذه الألفاظ التي أتت بها الأحاديث (١)، فيقول: "غرلًا: جمع أغرل كحمر جمع أحمر، أي غير مقطوعين القلفة" (٢)
* * *
رابعًا: ما يتعلق بالحساب:
ثم يشرع ببيان الحساب وما يتعلق به، يقول: "الحساب ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع؛ فمن أنكره كفر، ودليله من القرآن: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢]، وأجمع المسلمون عليه". (٣)
وعن مدة الحساب، يقول: "ورد أنه يحاسب الخلق في نصف يوم من أيام الدنيا" (٤)، وفي رواية أنه تعالى يحاسب الكل في مقدار حلب شاة". (٥)
- ويتناول بعد ذلك مجمل ما يحدث في يوم الحساب، يقول: "مما يجب اعتقاده ومن أنكره أو شك فيه فقد كفر؛ لوروده كتابًا وسنة وإجماعًا: تناول العباد الصحف أي الكتب التي كتب الملائكة فيها ما فعلوه في الدنيا، وكل العباد يأخذون صحائفهم إلا الأنبياء والسبعين ألفًا، الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ومقدمهم ورئيسهم أبو بكر الصديق - ﵁ -" (٦).
- كما "يجب الإيمان بأن العباد توزن أعمالهم خيرًا كانت أو شرًا، وبالميزان أي الآلة الحسية التي يوزن بها، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
_________________
(١) حديث عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (تحشررن حفاة عراة غرلًا) أخرجه البخاري في صحيحه في عدد من المواضع منها: كتاب الأنبياء - باب قول الله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، رقم الحديث: ٣٣٤٩.
(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٣٠).
(٣) حاشية الجوهرة: ٦٤.
(٤) حاشية الجلالين: (١/ ١٢٧).
(٥) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٠).
(٦) حاشية الجوهرة: ٦٤.
[ ٥٣٠ ]
وهذا الوزن "لا يكون في حق كل واحد، لما ورد يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن".
موضحًا العلة في ذلك: "فهو - الوزن - فرع الحساب، فكل من حوسب وزنت أعماله" (١).
ويؤقت للوزن زمانًا، فيقول: "الوزن بعد أخذ الصحف والحساب، ثم بعد الوزن يكون المرور على الصراط، وهو مختلف باختلاف أحوال العباد".
أما عن كيفية الوزن وماهية الموزون، فيقول: "والوزن يكون إما للأعمال أو لصحائفها، فعلى الأول تصور الأعمال الصالحة بصورة نيرة حسنة، وتوضع في كفة الحسنات، وتصور الأعمال السيئة بصورة مظلمة قبيحة، وتوضع في كفة السيئات" (٢).
"وبقى قول ثالث وهو؛ أن الوزن للذوات لما في الحديث: "إنه ليأتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة" (٣)
ويبعد عن الذهن استحالة هيئات الوزن، يقول: "لا يقال أن فيه قلبًا للحقائق، لأنه مثال ولأن قدرته تعالى صالحة لذلك؛ فإنه من جملة الممكنات" (٤)
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ يفصل القول في حال الناس مع الميزان، يقول: "اعلم أن الناس في القيامة ثلاث فرق؛ متقون لا كبائر لهم، ومخلطون، وكفار؛ فأما المتقون؛ فإن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وصغائرهم إن كانت لهم في الكفة الأخرى، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنًا، وتكفر صغائرهم باجتنابهم الكبائر، ويؤمر بهم إلى الجنة، وينعم كل حسب أعماله.
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) المرجع السابق. وانظر: حاشية الخريدة: ١٠٦.
(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ٩٥).
(٤) حاشية الخريدة: ١٠٧.
[ ٥٣١ ]
وأما الكفار؛ فإنه يوضع كفرهم في الكفة المظلمة، ولا توجد لهم حسنة توضع في الكفة الأخرى، فتبقى فارغة فيأمر الله بهم إلى النار.
وهذان الصنفان هما المذكوران في القرآن صراحة في آيات الوزن.
وأما الذين خلطوا، فقد ثبت في السنة أن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بأقل قليل، أو ساوت أدخلوا الجنة.
وإن كانت السيئات أثقل ولو بأقل قليل أدخلوا النار إلا أن يعفو الله، هذا إن كانت كبائرهم فيما بينهم وبين الله، وأما إن كانت عليهم تبعات وكانت لهم حسنات كثيرة، فإنه يؤخذ من حسناتهم فيرد على المظلوم، وإن لم يكن لهم حسنات أخذ من سيئات المظلوم؛ فتحمل على الظالم من أوزار من ظلمه، ثم يعذب إلا أن يرضي الله عنه خصماءه" (١).
* * *
خامسًا: الحوض:
ومن جملة ما أخبرت به الشريعة من أمور الغيب الحوض، يقول: "يجب علينا الإيمان بحوض نبينا - ﷺ -، من أنكره فسق وبدع، وهو كبير متسع طوله شهر وعرضه كذلك، وزواياه سواء، ففى الحديث: (حوضى مسيرة شهر وزواياه سواء ماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدًا) (٢) "
وعن زمان الشرب منه، يقول: "واختلف هل هو قبل الصراط أو بعده".
وفى بيان هيئته، يقول: "وقيل له حوضان".
وكل هذا في رأيه لا يؤثر جهله في الاعتقاد، يقول: "وفى الحقيقة الواجب علينا اعتقاد ثبوته وجهل تقدمه على الصراط، أو تأخره لا يضر في الاعتقاد".
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٥٩).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل - باب حوض نبينا - ﷺ - وصفاته: (١٥/ ٥٥).
[ ٥٣٢ ]
أما عن رواده، فيقول: "ويشرب منه من آمن وصدق باليوم الآخر، واتبع سنة رسول الله - ﷺ - ومات على ذلك، ولم يغير ولم يبدل، ولم يتخذ عقيدة غير ما عليه النبي وأصحابه، ويطرد عنه من غير وبدل في عقيدته، فالكافر بعقيدته لا يشرب منه، والمبتدع يشرب منه بعد الرد". (١)
خامسًا الشفاعة:
وكان الحديث عن الشفاعة من أهم ما تناوله من المسائل المتعلقة بأخبار يوم القيامة، يقول: "مما يجب اعتقاده أن النبي - ﷺ - شافع مشفع".
ويعرف الشفاعة بأنها "لغة: الوسيلة والطلب، وشرعًا سؤال الخير للغير"
وعن مكانة الرسول بين الشافعين، يقول: "ومما يجب اعتقاده أن النبي مع كونه شافعًا ومقبول الشفاعة، مقدم على غيره من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين".
ويستطرد في الحديث عن أنواع شفاعته - ﵊ -، وما يختص به منها، يقول: "وله شفاعات أعظمها الشفاعة في فصل القضاء، وهى مختصة به قطعًا؛ لأن الناس في ذلك الوقت يذهبون إلى الرسل من آدم إلى عيسى فردًا فردًا؛ فيسألونهم الشفاعة في الانصراف من ذلك الموقف، فكل يبدى حجة إلى أن يذهبوا إليه - ﷺ - يسألونه الشفاعة، فيقول: أنا لها أنا لها، فيسجد تحت العرش، فيقول الله له: ارفع رأسك واشفع تشفع، فيرفع رأسه وهذا هو المقام المحمود؛ لأنه من حينها يكثر حمد الناس له، فينصب له لواء له ثلاث زاويات، زاوية بالمشرق، وأخرى بالمغرب، وأخرى بالوسط، والأنبياء ومن دونهم تحت ذلك اللواء. (٢)
وثانى الشفاعات في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهى مختصة به أيضًا. (٣)
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٦٤.
(٢) وقد صح هذا الخبر بروايات عدة في كتب الصحاح منه ما أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء - باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: برقم: ٣١٦٢: (٣/ ١٢١٥).
(٣) وهذا ما دلت عليه الأحاديث الثابتة عن رسول الله - ﷺ -، فقد أخرج البخاري في صحيحه ما ورد في (يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب): كتاب التفسير - باب ذرية من حملنا مع نوح، رقم الحديث: ٤٤٣٥.
[ ٥٣٣ ]
ثالثها: فيمن استحق دخول النار؛ أن لا يدخلها وليست مختصة به - ﷺ - (١).
رابعها: في إخراج الموحدين من النار وليست مختصة به أيضًا (٢).
خامسها: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها (٣).
سادسها: في جماعة من صلحاء أمته؛ ليتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات (٤).
سابعها: فيمن خلد في النار من الكفار؛ أن يخفف عنهم العذاب في أوقات مخصوصة (٥).
ثامنها: في أطفال المشركين أن لا يعذبوا (٦).
_________________
(١) وهذا مما يندرج في شفاعته لأهل الكبائر من أمته، أخرج البخاري في صحيحه أنه - ﵊ - قال: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه، أو نفسه): كتاب العلم - باب الحرص على الحديث، رقم الحديث: ٩٩. وقد صرحت أحاديث بشفاعته لمن استحق النار أن لا يدخلها ولكنها لم تثبت من حيث الإسناد، انظر: الشفاعة، لأبي عبد الرحمن مقبل الوادعى: ١١٠. وقد صرح الإمام ابن القيم - ﵀ - بالتوقف فيها، فقال في حاشيته على سنن أبي داود ما نصه: "ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس: أحدهما: في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها، وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه، وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يشفع قبل الدخول، فلا يدخلون، فلم أظفر فيه بنص" انتهى كلامه، ولعله أراد بعدم الوقف على نص صحيح يعتمد إليه في مثل هذه المسائل العظيمة: (١٣/ ٧٨).
(٢) وهذا ما ورد في عدد من الأحاديث الصحيحة، أخرج البخاري في صحيحه: عن النبي - ﷺ - أنه قال: (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد - ﷺ - فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين): كتاب الرقاق - باب صفة الجنة والنار، رقم الحديث: ٦١٩٨.
(٣) ومما يدل على ذلك دعاؤه - ﷺ - لأحد الصحابة برفعة الدرجات فقد أخرج البخاري في حديث مطول أنه - ﷺ - قال يدعو لصحابى جليل يدعى أبو عامر (اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس): كتاب المغازى - باب: غزوة أوطاس، رقم الحديث: ٤٠٦٨.
(٤) وهذه مما يندرج في التي قبلها.
(٥) وذلك كشفاعة النبي في عمه أبى طالب، أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله - ﷺ - لمن سأله قائلًا: ما أغنيت من عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟: (هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار): كتاب فضائل الصحابة - باب قصة أبى طالب، رقم الحديث: ٣٦٧٠.
(٦) المعلوم أن أولاد المشركين وكل من مات على الفطرة مع إبراهيم - ﵇ - كما هو معلوم من حديث البخاري الذي حكى يه النبي - ﷺ - رؤية رآها ففيها أن إبراهيم - ﵇ - في أصل الشجرة والصبيان حوله: كتاب الجنائز - باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم الحديث: ١٣٢٠.
[ ٥٣٤ ]
وبالجملة فالمختص به قطعًا الشفاعة العظمى، وأما ما عداها ففيه خلاف ويشفع غيره، كالأنبياء، والملائكة، والصحابة، والشهداء، والأولياء، والأطفال، والمولى يشفع فيمن قال لا إله إلا الله، ولم يعمل خيرًا قط" (١).
* * *
تعليق:
أولًا: حقيقة البعث:
من جملة المسائل المهمة، التي تطرق الصاوي للحديث فيها: مسألة كيفية البعث وإعادة الحياة إلى أصحاب القبور، فإن ما ذكره فيها من أقوال لتعد زبدة أقوال المتكلمين في كيفية البعث، فجمع المتفرق، والإعادة من العدم، هما ما أجمع عليه أهل الفن من الأشاعرة.
والحقيقة المستمدة من معين الوحى المطهر أن الإعادة من العدم المحض، كما يعتقد الأشاعرة لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، بل قد دلت الأحاديث النبوية على أن جزء من الإنسان حتى غير ما ذكر من الذين لا تبلى أجسادهم يبقى وهو عجب الذنب، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - (ما بين النفختين أربعون). قال: أربعون يومًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قال أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: (ثم ينزل الله من السماء ماءً، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة) (٢).
قال الحافظ - ﵀ -؛ في بيان معنى العجب: "هو عظم لطيف في أصل الصلب، وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع" (٣).
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٦٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾، رقم الحديث: ٤٦٥١.
(٣) فتح الباري: (٨/ ٥٥٢).
[ ٥٣٥ ]
وليس في استدلاله بقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ دليل على ما ذهب إليه من الإعادة من العدم؛ لأن الله تعالى إنما خلق الإنسان مما ذكر في قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢].
بل الإنسان الأول؛ وهو آدم - ﵇ -، قد ذكر الباري تعالى لنا قصة خلقه في عدد من مواضع كتابه العزيز، وكيف أنه تعالى خلقه من: ﴿صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾
يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "والإنسان إذا مات وصار ترابًا؛ فنى وعدم، وكذلك سائر ما على الأرض، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ثم يعيده من التراب كما خلقه ابتداءً من التراب، ويخلقه خلقًا جديدًا. ولكن للنشأة الثانية أحكامًا وصفات ليست للأولى، والمشهود المعلوم للناس إنما هو إحداثه لما يحدثه من غيره، لا إحداثًا من غير مادة.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]، ولم يقل خلقتك لا من شيء، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥]، ولم يقل خلق كل دابة لا من شيء، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وهذا هو القدرة التي تبهر العقول، وهو أن يقلب حقائق الموجودات، فيحيل الأول ويفنيه ويلاشيه، ويحدث شيئًا آخر، كما قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام: ٩٥] " (١).
وقد أطال الإمام ابن القيم - ﵀ - النفس في دحض هذا المعتقد، الذي أثار افتراءات الفلاسفة المنكرين للبعث الجسدى (٢)، يقول: "فإن القرآن والسنة إنما دلا على تغيير العالم وتحويله وتبديله، لا جعله عدمًا محضًا وإعدامه بالكلية، فدل
_________________
(١) النبوات: ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) انظر: تهافت الفلاسفة للغزالى: ٣٠٢.
[ ٥٣٦ ]
على تبديل الأرض غير الأرض والسموات، وعلى تشقق السماء وانفطارها، وتكوير الشمس وانتثار الكواكب، ويسجر البحار، وإنزال المطر على أجزاء بنى آدم المختلطة بالتراب؛ فينبتون كما ينبت النبات، وترد تلك الأرواح بعينها إلى تلك الأجساد، التي أحيلت ثم، أنشئت نشاة أخرى "إلى أن يقول: فهذا الذي أخبر به القرآن والسنة، ولا سبيل لأحد من الملاحدة الفلاسفة وغيرهم إلى الاعتراض على هذا المعاد، الذي جاءت به الرسل بحرف واحد، وإنما اعتراضهم على المعاد الذي عليه طائفة من المتكلمين؛ أن الرسل جاءوا به وهو أن الله يعدم أجزاء العالم العلوى والسفلى كلها، فيجعلها عدمًا محضًا، ثم يعيد ذلك العدم وجودًا (١).
أما الذي عليه المتكلمون في إدراك حقيقة البعث بأنه الجمع للمتفرق؛ إنما تحصل نتيجة لموقفهم من الخلق ابتداءً "فإن معرفة المعاد مبنية على معرفة المبدأ، والبعث مبنى على الخلق" (٢).
فإنهم لما أرادوا أن يستدلوا لحدوث الخلق في مقابل اعتقاد الفلاسفة بقدمه قسموا العالم إلى جواهر وأعراض، وعرفوا الجوهر بأنه القائم بنفسه، والعرض ما قام بغيره، ثم أثبتوا حدوث الأعراض لملازمة التغيير لها، وحتى يصلوا إلى إثبات حدوث الجواهر قالوا بأصلهم الفاسد كل ما لا يخلو من الأعراض فهو حادث، فإن حقيقة اعتقادهم بالخلق المتجدد يؤول إلى إحداث الأعراض وإزالتها، أما الجواهر فهى باقية لم يحدث فيها إيجاد وإعدام بعد خلقه لها أول مرة من العدم، كما هو معلوم من اعتقادهم بامتناع حوادث لا أول لها، وهذا أصل قولهم بأن المعاد: هو تفريق تلك الأجزاء ثم جمعها، وهى باقية بأعيانها.
أما من قال بالإعادة من العدم فإنه يقول: "بل يعدمها ويعدم الأعراض القائمة بها ثم يعيدها".
وقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - فساد كلا القولين، فأبطل أصل معتقدهم ببقاء الجواهر، وأظهر ما فيه من سوء اعتقاد وقلة علم بما يجب لله تعالى من تعظيم
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: (٢/ ٣٥). وانظر: شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي: ٤٦٤.
(٢) النبوات: ١٠٤.
[ ٥٣٧ ]
وإجلال وقدرة على الخلق والإيجاد، يقول - ﵀ -: "وهؤلاء - يريد المتكلمين - يريدون بالمادة جوهر باقٍ وهو محل للصورة الجوهرية، فلم يخلق عندهم الإنسان من مادة، بل المادة باقية، وأحدث صورته فيها؛ كما أن الصور الصناعية كصورة الخاتم والسرير والثياب والبيوت وغير ذلك، إنما أحدث الصانع صورته العرضية في مادة لم تزل موجودة لم تفسد، لكن حولت من صفة إلى صفة، فهكذا تقول الجهمية المتكلمة المبتدعة أن الله أحدث صورة عرضية في مادة باقية لم تفسد، فيجعلون خلق الإنسان بمنزلة عمل الخاتم والسرير والثوب، . . . . .، وهم لا يشهدون للرحمن إحداثًا ولا إفناءً، بل إنما يحدث عندهم الأعراض، وهى تفنى بأنفسها لا بإفنائه، وهى تفنى عقب إحداثها" (١).
ويفصل القول في مناقضة قولهم لما هو معلوم بالضرورة والبرهان، فيقول: "الإنسان إذا أكله حيوان آخر، فإن أعيدت تلك الجواهر من الأول نقصت من الثاني وبالعكس.
أما على قول من يقول أنها تفرق، ثم تجمع فقيل له: تلك الجواهر إن جمعت للآكل نقصت من المأكول، وإن أعيدت للمأكول نقصت من الآكل". (٢)
- أما عن استثناء من لا يجوز عليهم العدم والفناء؛ كالأنبياء - ﵈ -، فقد أشار الصاوي إلى عدد منهم، حيث ورد في الحديث الشريف أن رسول الله قال: (إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء). (٣)
"أما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة".
وأما العلماء فقد يكون مستنده في القول بمنع العدم عليهم أيضًا هو المشاهدة
_________________
(١) النبوات: ١٠٦ - ١٠٧.
(٢) النبوات: ١٠٤.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الوتر - باب في الاستغفار، رقم الحديث: ١٥٢٦: (٢/ ٢٩٩). وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم: ١٣٥٥: (١/ ٢٨٥).
[ ٥٣٨ ]
بالعادة، فقد شوهد إلى هذا اليوم من تفتح قبورهم من العلماء ولم تتغير أجسادهم؛ كالشهيد تمامًا.
وقد استند الإمام ابن عبد البر في استثناء الشهيد تبعًا للأنبياء إلى ما وقع للصحابة الكرام وشوهد حين نقلت أجسادهم بعد ست وأربعين سنة، فاعتبر أن تعميم الحكم الوارد في حديث عجب الذنب مما يدخله الخصوص، بدلالة خروج الأنبياء من عمومه، ومن جهة أخرى فإنه استدل لذلك بدليل الإمكان العقلي فإنه إذا جاز أن يمتنع على الأرض أكل العجب كان الشهداء في ذلك من باب أولى لما شوهد من خبرهم، يقول: "وظاهر هذا الحديث وعمومه يوجب أن يكون بنو آدم كلهم في ذلك سواء، إلا أنه قد روى في أجساد الأنبياء والشهداء أن الأرض لا تأكلهم، وحسبك ما جاء في شهداء أحد وغيرهم، وهذا يدل على أن هذا لفظ عموم، ويدخله الخصوص من الوجوه التي ذكرنا، فكأنه قال: كل من تأكله الأرض فإنه لا تأكل منه عجب الذنب وإذا جاز أن لا تأكل الأرض عجب الذنب، جاز أن لا تأكل الشهداء، وذلك كله حكم الله وحكمته" (١) انتهى كلامه - ﵀ -.
وبناء على ما ذهب إليه - ﵀ - من جواز التخصيص بطريق المشاهدة فقد زاد غيره الصديقين والعلماء العاملين والمؤذن المحتسب وحامل القرآن العامل به والمرابط والميت بالطاعون صابرًا محتسبًا والمكثر من ذكر الله والمحبين لله فتلك عشرة كاملة" (٢). والله تعالى أعلم.
ثانيًا: النفخ في الصور:
صح عن رسول الله - ﷺ - أنه عرف الصور عندما سأله الأعرابى عنه بأنه: (قرن ينفخ فيه) (٣) وكان تعريف الصاوي له مقاربًا لهذا الحديث أما عن متولى النفخ فيه؛
_________________
(١) التمهيد: (١٨/ ١٧٨).
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ: (٢/ ٨٤). وانظر: عمدة القارى: (١٩/ ١٤٦).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السنة - باب في ذكر البعث والصور، رقم الحديث: ٤٧٠٩: (٥/ ٢٤٥) وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم: ٣٩٦٨: (٣/ ٨٩٨) .. وأخرجه الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق - باب ما جاء في شأن الصور، رقم الحديث: ٢٤٣٠، وقال الترمذي: حديث حسن: (٤/ ٥٣٦).
[ ٥٣٩ ]
فقد حكى الحافظ ابن حجر - ﵀ - الإجماع على أن النافخ في الصور هو إسرافيل - ﵇ -، ومع ذلك فقد ضعف جميع الروايات التي ذكر فيها تسميته. (١)
وهذا ما رجحه الإمام الطبري عند عرضه ما قيل فيه من أقوال؛ وكان مستنده في ذلك الحديث السابق عن رسول الله - ﷺ -. (٢)
وقد بينت الأحاديث الشريفة هيئة ذلك الملك الكريم، في تأهبه التام لتلقى الأمر بالنفخ فيه، قال رسول الله - ﷺ -: (كيف أنعم؛ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ! قال المسلمون: فكيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل توكلنا على الله ربنا) (٣)
أما عن عدد النفخات، فالواضح من كلام الصاوي اعتقاد أنها نفختان، لا ثالث لهما: نفخة الصعق، ونفخة البعث والنشور.
وقد اختلفت العلماء في عددها على وجه التحقيق؛ فالقائلون بأنها ثلاث فرقوا بين الفزع والصعق، وفسروا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]؛ بأنها نفخة الفزع التي تليها نفخة الصعق، أما من ذهب إلى أنها نفختان؛ جعلوا الصعق والفزع واحدة وبعدها نفخة البعث والنشور.
ولعل القول بأنها نفختان آكد الدلالة لحديث المصطفى - ﷺ -: (ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس، ثم يرسل الله، أو قال ينزل الله
_________________
(١) انظر: فتح الباري: (١١/ ٣٦٨). وانظر: ما تقدم من مبحث الملائكة: ٣٤١.
(٢) انظر: جامع البيان: (٧/ ٢٤١).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب التفسير من سورة الزمر، برقم: ٣٢٤٣ وقال: حديث حسن: (٥/ ٣٧٤). وصححه الألباني في صحيح الترمذى برقم: ٢٥٨٥: (٣/ ١٠٠).
[ ٥٤٠ ]
مطرًا كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (الزمر: ٦٨» (١).
وحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما بين النفختين أربعون). قال: أربعون يومًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: (ثم ينزل الله من السماء ماءً، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة). (٢)
والذي يظهر من أقوال المفسرين والعلماء أن سبب الاختلاف في عدد النفخات يرجع إلى اختلاف الأفهام، في استنباط الفوائد من الادلة المتعددة، ولتوقف الصاوي عن الخوض فيها، ولأنى لم أجد من الخوض فيها كبير نفع؛ أدع للقارئ مرجعًا يستفيد منه فهم تلك الأقوال (٣).
الحساب:
لقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله تعالى يحاسب عباده حسابًا سريعًا، يسيرًا عليه ﷾.
أما عن تحديد مدة ذلك الحساب فقد اختلف العلماء في ذلك حيث ظهرت أقوال عدة للمفسرين من السلف الصالح عند بيان قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فذهب البعض إلى أن مدة الحساب: خمسين ألف سنة على المسلم والكافر، وهذا قول الحسن.
دل على ذلك قوله - ﷺ -: (ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدى منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الفتن - باب خروج الدجال، رقم الحديث: ٣٨٩.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير - باب يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجًا، رقم الحديث: ٤٩٣٥.
(٣) لمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى كتاب الحياة الآخرة لـ د/ غالب عواجى: (١/ ١٨٩).
[ ٥٤١ ]
جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار). (١)
وقال ابن عباس يكون كذلك على الكافرين فقط دون المؤمنين، بينما ذهب البعضى إلى أن شعور المؤمن به يختلف عن الكافر حيث يخفف على المؤمنين، فلا يشعرون بطوله، وهذا ما دل عليه قوله - ﷺ -: (يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة يهون ذلك على المؤمنين، كتدلى الشمس للغروب إلى أن تغرب) (٢).
والبعض ذهب إلى أن العدد غير مراد لذاته، وإنما لبيان عظيم قدرة الله وتصريفه لشؤون عباده بحيث: "لو ولى محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله لم يفرغ منه خمسين ألف سنة".
لذا ورد عن بعض السلف منهم عطاء عن ابن عباس ومقاتل أن الله يفرغ منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا.
وقد روى ما يؤيده عن محمد بن الفضل عن الكلبي قال: "يقول - أي المولى تعالى - لو وليت حساب ذلك اليوم الملائكة والجن والإنس وطوقتهم محاسبتهم لم يفرغوا منه إلا بعد خمسين ألف سنة، وأنا أفرغ منها في ساعة واحدة من النهار". (٣)
وهذا ما ذهب إليه الصاوي هنا، أما عن تحديد المدة بمقدار حلب شاة فهذا ما ذكرته بعض كتب التفسير وترجع من حيث المفهوم إلا ما ذكرته من أن المدة غير محددة وإنما أريد سرعة الحساب المعجزة، يقول القرطبي: "قال الحسن: حسابه
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة - باب إثم مانع الزكاة، رقم الحديث: ٢٢٨٧.
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه: باب إخباره - ﷺ - عن البعث وأحوال الناس في ذلك اليوم، برقم: ٧٣٣٣. وصححه شعيب الأرنؤوط وقال: إسناده صحيح على شرط البخاري: (١٦/ ٣٢٨).
(٣) تفسير البغوي: (٨/ ٢٢١).
[ ٥٤٢ ]
أسرع من لمح البصر، وفى الخبر: إن الله يحاسب في قدر حلب شاة، وقيل: هو أنه إذا حاسب واحدًا فقد حاسب جميع الخلق، وقيل لعلي بن أبي طالب - ﵁ -: كيف يحاسب الله العباد في اليوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم" (١)
أما عن تفاصيل الحساب، فقد بينت آيات الكتاب الكريم الهيئات، التي يتأتى بها تناول العباد لصحفهم، فمنهم من يعطى كتابه بيمينه، وهؤلاء هم أهل السعادة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩].
ومنهم من يؤتى كتابه من وراء ظهره أو بشماله، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، وهؤلاء هم أهل الشقاء والتعاسة أعاذنا الله من حالهم.
وكان ما ذهب إليه الصاوي من استثناء السبعين ألفًا من تناول الصحف، الذين ورد ذكرهم في حديث النبي - ﷺ - الذي قال فيه: (ليدخلن من أمتى سبعون ألفًا، أو سبعمائة ألف، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر) (٢) فرعًا لنفى الحساب عنهم، وكان الذي ذهب إليه في ذلك فهمًا استنبطه من قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، ومن قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩، ٢٠].
وبناء على ما ثبت "في عدة أخبار عن النبي المختار - ﷺ - ما كر الليل على النهار: أن طائفة من هذه الأمة بلا ارتياب يدخلون الجنة بغير حساب، فيدخلون جنات النعيم قبل وضع الموازين، وأخذ الصحف بالشمال واليمين" (٣).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن: (٢/ ٤٣٥). وهذا الخبر مما لم يذكر المفسرين سنده، وقد وجدته في عدد منها بلا سند كتفسير النسفي والصاوي وأبي السعود، وفي موسوعة أطراف الحديث النبوي، عزاه السعيد زغلول لتفسير القرطبي كما هو ثبت أعلاه: (٣/ ٢١٤).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الخلق - باب ما جاء في صفة الجنة، رقم الحديث: ٣٢٤٧.
(٣) لوامع الأنوار: ١٧٦.
[ ٥٤٣ ]
وأما الحساب؛ ففى استثناء الأنبياء منه مع هؤلاء السبعين ألفًا خلاف بين العلماء، فالذين ذهبوا إلى أن الحساب لا يستثنى منه أحد؛ احتجوا بقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]؛ على عموم الحساب في حق كل أحد، والحق أنه مع ثبوت السؤال، فليس فيه ما يثبت الحساب؛ لأنه تعالى إنما يسألهم ليحق الحق، ويظهر تمام براءة الرسل، وعظيم جرم الكافرين، يقول الرازي: "فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير البتة؟، قلنا: لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير البتة، التحق التقصير بكليته بالأمة، فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل؛ لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير، ويتضاعف أسباب الخزى والإهانة في حق الكفار؛ لما ثبت أن كل التقصير كان منهم" (١).
وفي توجيه رأى من ذهب إلى عدم استثناء أحد من المسألة بموجب هذه الآية الكريمة؛ يكون الحساب المنفى عن الأنبياء ما كان على هيئته المعلومة، حيث يكون جهة المناقشة والتقريع".
لأن "الأنبياء لا حساب عليهم، وكذلك أطفال المؤمنين، وكذلك العشرة المبشرون بالجنة" (٢).
- ومما يتفرع عن الحساب الوزن وزمانه، يرى الصاوي أنه يكون بعد الحساب، يقول القرطبي: "قال العلماء إذا انقضى الحساب كان بعده الوزن؛ لأن الوزن للجزاء فينبغى أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها" (٣).
هذا "وإثبات ميزان الآخرة مذهب الفرقة الناجية القاهرة، ومن خالفهم رمى بمخالفة الشريعة، ونبز بالبدعة الشنيعة" (٤).
_________________
(١) التفسير الكبير: (١٤/ ٢٣).
(٢) لوامع الأنوار: (٢/ ١٧٥).
(٣) التذكرة: (٢/ ١٠).
(٤) منهاج السلامة في ميزان القيامة، للحافط محمد بن أبي بكر القيسي: ١٣٠.
[ ٥٤٤ ]
أما عن حقيقة الميزان؛ فقد وردت أقوال عدة في بيان ماهيته، فالراجح عند السلف أنه ميزان حقيقي حسى توزن به الأعمال، والبعض من أهل العلم فسره بالعدل، وقال: هو كناية عن إرادته، وقد عزا القرطبي هذا القول إلى مجاهد، والضحاك، والأعمش، والصحيح ما عليه الجمهور، كما أشار إلى ذلك القرطبي، وقد استدل شيخ الإسلام - ﵀ - على أنه ميزان حقيقى حسي بالأخبار التي وردت في وزنه الأعمال، يقول: "الميزان هو ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ وقوله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
وفي الصحيحين عن النبي - ﷺ -: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده) (١)، وقال عن ساقى عبد الله بن مسعود: (لهما في الميزان أثقل من أحد)، وهذا وأمثاله مما يبين أن الاعمال توزن بموازين؛ تبين بها رجحان الحسنات على السيئات وبالعكس، فهو ما به تبين العدل، والمقصود بالوزن العدل، كموازين الدنيا".
وبعد ذلك بين - ﵀ - أن كيفية وزن الأعمال به مما لا علم بحقيقته، يقول: "أما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب" (٢).
وهذا البيان منه - ﵀ - كافٍ في الإجابة على اعتراض من اعترض باستحالة وزن الأعراض، إلى غير ذلك مما ذكره الصاوي؛ نقلًا عن القرطبي في كتابه التذكرة (٣).
أما ما ذكره الصاوي متابعًا القرطبي في كون كفة الحسنات من نور والأخرى من ظلام؛ فلم أقف على عزو هذه الأقوال، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الدعوات - باب فضل التسبيح، رقم الحديث: ٦٠٤٦.
(٢) مجموع الفتاوى: (٤/ ٣٠٢).
(٣) (٢/ ١٦).
[ ٥٤٥ ]
الحوض والصراط:
وردت أدلة كثيرة عن الرسول - ﵊ - في بيان صفة الحوض (١) منها ما أورده الصاوي، وكلها تفيد أنه من نعم الله الجليلة على نبيه - ﷺ -، وعلى أمته من بعده قد اختصت به، وأنه لا يشرب منه من خرج على اتباع المصطفى، وانساق وراء الأهواء والشبه، وقد أورد الصاوي في تقرير ما ورد فيه مسألتين، وهما: ومن وروده للشرب منه، الثانية: حال رواده.
فقد ذكر الصاوي اختلاف العلماء في زمن الشرب من الحوض، ورأى أن ذلك مما لا يضر الجهل به وهذا صحيح، وقد أورد القرطبي وابن حجر أقوال العلماء في ذلك (٢) والذي يظهر أن ما ذهب إليه القرطبي أصح ما قيل في ذلك، فقد ذهب - ﵀ - إلى أن الحوض يكون قبل الصراط، واستدل بحديث البخاري أن النبي - ﷺ - قال: (بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم، فقال: هلم، قلت أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم) (٣) يقول في وجه الاستدلال به: "فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط؛ لأن الصراط إنما هو جسر على جهنم ممدود يجاز عليه، فمن جازه سلم من النار" (٤)
بقيت مسألة مهمة؛ وهي حال الناس مع الحوض في ورودهم إياه؛ فقد وردت أدلة كثيرة تفيد أن الحوض ترده أمة محمد - ﷺ -، وأنه يرد عنه أهل الابتداع منهم، قال النبي - ﷺ -: (إني فرطكم على الحوض، من مر على شرب، ومن شرب لم يظمأ
_________________
(١) انظر: مرويات الصحابة - ﵃ - في الحوض والكوثر. جمع عبد القادر بن محمد عطا صوفي.
(٢) انظر: التذكرة: (١/ ٤٥٧). وفتح الباري: (١١/ ٤٦٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب في الحوض، رقم الحديث: ٦٥٨٧.
(٤) التذكرة: (١/ ٤٥٨).
[ ٥٤٦ ]
أبدًا، ليردن على أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بينى وبينهم، فأقول: إنهم منى، فيقال: لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدى) (١)
أما ما ذهب إليه الصاوي في إثبات الرد لأهل الابتداع في الدين بعد ذودهم عنه فقد قارب فيه كلام الحافظ ابن حجر في بعض توجيهاته للحديث، حيث قال: "وقيل هم أصحاب الكبائر والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يقطع بدخول هؤلاء النار لجواز أن يذادوا عن الحوض أولًا عقوبة لهم ثم يرحموا" (٢) ولكن الدليل السابق صريح في ذهابهم إلى النار، وعلى كل فليس لرجوعهم مرة أخرى إلى الحوض بعد ذودهم عنه دليل ولا حتى من كلام الحافظ لأنه لم ينص على رجوعهم وإنما على إمكان حلول رحمة الله بهم فلا يصار بهم إلى النار. وفيه بيان ما للمبتدع من الوعيد الشديد.
- أما عن الصراط فهو: "جسر ممدود على متن جهنم، يرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة بين الجنة والنار" (٣).
وفي بيان صفته يقول أبو سعيد الخدري - ﵁ -: (بلغنى أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف) (٤).
ويروى في ذلك حديث آخر مطول فيه أن رسول الله - ﷺ - قال: (ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهرى جهنم). قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: (مدحضة مزلة، عليه خطاطيف، وكلاليبا، وحسكة مفلطحة؛ لها شوكة عقيفة تكون بنجد، يقال له: السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا) (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب في الحوض، رقم الحديث: ٦٥٨٣ - ٦٥٨٤.
(٢) فتح الباري: (١١/ ٣٨٦).
(٣) لوامع الأنوار، للسفاريني: (٢/ ١٨٩).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب رؤية الله سبحانه في الآخرة: (٣/ ٣٤).
(٥) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، رقم الحديث: ٧٤٣٩. وانظر: البدور السافرة في أخبار الآخرة، للسيوطي: باب ما ورد في الصراط: ٣٣٠.
[ ٥٤٧ ]
مسألة الشفاعة:
كانت هذه القضية من أعظم ما تطرق إليه الصاوي في حديثه عن حقائق يوم القيامة، وقد فصلت القول في أنواع شفاعة الرسول - ﷺ - الثابتة في الصحاح، ومع ذلك فكلامه في هذه المسألة ينقصه بيان أنواع الشفاعة من حيث الاعتقاد، فالتسليم بأن شفاعة الرسول - ﷺ - مقبولة قطعًا؛ لا يعني أن يعتقد إمكانها على كل حال، وفي حق كل أحد، كما يظن البعض، فقد يتوهم بعض الغلاة أنه إذا طلب الشفاعة من الرسول أو من بعض الصالحين فإن ما يرجوه من النجاة والفوز متحقق على جهة التأكيد، وألحق الذي لا مراء فيه أن الشفاعة المثبتة التي أتت الآيات والأحاديث بإثباتها لا تكون إلا بتحقق شرطين وهما: الإذن من المولى تعالى، ورضاه سبحانه عن المشفوع له، فإذا وجدت هذه الشروط حلت الشفاعة وأذن للشافع، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].
وإذنه تعالى مرتبط بتحقق رضاه، بمعنى أنه ثمرة له، ورضاه تعالى عن المشفوع له إنما يتحصل إذا كان من أهل الإخلاص والتوحيد، لحديث المصطفى - ﷺ -: (أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه) (١).
إذًا فاعتقاد قبول شفاعة النبي - ﷺ - لا ينافى ما تقدم؛ لأنه - ﵊ - لا يشفع إلا عند تحقق هذين الشرطين.
وهذه الشفاعة المثبتة التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة؛ تعنى أن الأمر كله لله وحده، فهى إذًا مستمدة من حقيقة التوحيد، الذي دعا الرسل إلى التمسك به، ومن المعلوم أن المشركين حين اعتقدوا استقلال آلهتهم في القيام بالشفاعة؛ صرفوا أنواع التقرب إليها من دون الله، فوقعوا في الشرك المخرج من التوحيد، وهذا ما نفسر به نفى الشفاعة في بعض الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم - باب الحرص على الحديث، رقم الحديث: ٩٩.
[ ٥٤٨ ]
عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] (١)
وهذه هي المسماة بالشفاعة المنفية الشركية، التي ليس لها حقيقة إلا في أذهان معتقديها؛ كلما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة. (٢)
والأدلة على ثبوت الشفاعة للنبي - ﷺ - كثيرة مستفيضة، سبق وأن أوردت بعضها، وقد بلغت حد التواتر المعنوى، فإن: "شفاعة النبي - ﷺ - نوع من السمعيات، وردت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر المعنوى، وانعقد عليها إجماع أهل الحق من السلف الصالح".
وأعظم أنواعها الشفاعة لفصل القضاء كما بين الصاوي، فإن هذه الشفاعة "مجمع عليها لم ينكرها أحد ممن يقول بالحشر، إذ هي للإراحة من طول الوقوف حين يتمنون الانصراف من موقفهم ذلك ولو إلى النار" (٣)
وقد ثبتت الشفاعة أيضًا للأنبياء الآخرين، وكذلك للملائكة والشهداء والصالحين، قال رسول الله - ﷺ - في حديث مطول ذكر فيه بعض ما يكون من أهوال يوم القيامة: (فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض من النار، فيخرج أقوامًا قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافته كما تنبت الحبة في حميل السيل) (٤).
* * *
_________________
(١) تقدم الحديث عن حقيقة التوحيد الذي أتى به الرسل - ﵈ - في مبحث التوحيد: ١٦٥.
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد: ٢٨٨.
(٣) لوامع الأنوار: (٢/ ٢٠٨). ولمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى الشفاعة للشيخ/ مقبل الوادعي.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد - باب قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، رقم الحديث: ٧٤٣٩.
[ ٥٤٩ ]
الجنة والنار
أراد الله بحكمته وتمام عدله أن يجزى كل إنسان بما قدم من عمل؛ إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا، وحتى تقام الحجة على الخلق؛ فلا يدانى هذه الحقيقة الكونية الشرعية شك وارتياب أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب هداية وإرشادًا تبشيرًا وإنذارًا، وكانت جميع الرسالات تأتى يصدق بعضها بعضًا في الدعوة للتصديق بهذه الحقيقة؛ حتى أنيطت النجاة بالإيمان بها.
والمتأمل في آيات الكتاب الكريم، يجد أن تقرير هذا الأصل العظيم من أصول الإيمان؛ قد عنى بشأنه عناية عظيمة، ولا شك أن في ذلك دلالة واضحة على بروز أهميته من بين مسائل العقيدة، إذ يحقق بدوره مدعاة عظيمة لاتباع الأمر واجتناب النهى، حتى لا يكاد يغيب عن المكلف المتأمل كتاب ربه ذلك المصير الجزائي العظيم.
هذا ولم يقتصر الحديث عنهما على الكتاب فقط، بل تناولت السنة المطهرة الكثير من المسائل المتعلقة بهما، إما من حيث التأصيل أو من حيث البناء، أما ما ورد منها في تأصيل المعتقد، فمثل قوله - ﷺ -: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) (١).
وأما ما ورد من جهة البناء وزيادة البيان فكثير جدًا، فمنها ما يصف نعيم الجنة وما أعد الله تعالى للمتقين من ألوان النعيم المقيم، ومنها ما يبين أسباب دخولها والأعمال الموجبة لها إلى غير ذلك (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، رقم الحديث: ٣٤٣٥.
(٢) انظر: كتاب حادى إلارواح للإمام ابن القيم في ذلك.
[ ٥٥٠ ]
رأي الشيخ الصاوي:
المراد بالجنة:
يعرف الصاوي الجنة لغة بأنها: "البستان"، ويعبر عن معناها الشرعي بقوله: "والمراد منها دار الثواب".
وعن عدد أبوابها، يقول: "أبوابها الكبار ثمانية (١)، باب الشهادتين، وباب الصلاة، وباب الصيام، وباب الزكاة، وباب الحج، وباب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وباب الصلة، وباب الجهاد في سبيل الله".
ويصف داخل الجنة، بقوله: "ومن داخلها عشرة أبواب صغار، وهى سبع جنات متجاورة أوسطها وأفضلها الفردوس، وسقف الجميع عرش الرحمن، ويليها جنة المأوى وجنة الخلد وجنة النعيم وجنة عدن ودار السلام ودار الجلال، وقيل: أربع، وقيل: واحدة؛ وإنما التعدد في الاسم لشرفها، ولتحقق معانى تلك الأسماء فيها، ترابها المسك والزعفران، وفى كل قصر منها فرع من شجرة طوبى، وأصلها في بيت النبي - ﷺ -، تطرح ما تشتهيه الأنفس، وبالجملة ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
أما مكان الجنة فيرى أنه: "فوق السموات السبع" (٢).
المراد بالنار:
- وعند حديثه عن النار؛ يبدأ ببيان منزلة الإيمان بها، يقول: "يجب الإيمان بها كغيرها في وجوب التصديق بوجودها شرعًا".
_________________
(١) ورد ذلك في الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: (في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون)، أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الخلق - باب صفة أبواب الجنة، رقم الحديث: ٣٢٥٧. أما أسماء الأبواب فقد وردت في حديث آخر فيه أن رسول الله قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودى من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعى من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعى من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة): أخرجه البخاري في كتاب الصوم - باب الريان للصائمين، رقم الحديث: ١٨٩٧.
(٢) حاشية الجلالين: ٦٣، وحاشية الخريدة: ١٠٩.
[ ٥٥١ ]
ويعرف النار شرعًا بأنها: "دار العذاب بجميع طبقاتها السبع".
ويسترسل في الحديث عن هيئتها المريعة، فيقول: "أرضها من رصاص وسقفها من نحاس وحيطانها من كبريت وقودها الناس والحجارة".
ويذكر من شدة ما ورد في وصفها "الحديث: (أن نار الدنيا أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم ألف سنة حتى احمرت، ثم ألف سنة حتى اسودت؛ فهى سوداء مظلمة) (١) " (٢).
كما يرى تقسيم النار إلى طبقات، فـ "أعلاها جهنم وهى لعصاة المؤمنين وتحتها لظى هي لليهود، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٥، ١٦].
ثم الحطمة قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٥، ٦]؛ وهي النصارى.
ثم السعير قال تعالى: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] وهى للصابئين فرقة من اليهود، ازدادوا ضلالًا لعبادتهم العجل.
ثم سقر وهي للمجوس عباد النار، قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦].
ثم الجحيم وهي لعبدة الأصنام، قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠، ٣١].
ثم الهاوية وهي للمنافقين، وكل من اشتد كفره كفرعون وهامان وقارون".
ويعلل تقسيمه السابق؛ بقوله: هكذا ذكر الأشياخ تبعًا لبعض الأحاديث في النار.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب صفة جهنم عن رسول الله - ﷺ -، رقم الحديث: ٢٥٩١، قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحدًا رفعه غير يحيى بن أبي بكر عن شريك: (٤/ ٦١٢).
(٢) حاشية الخريدة: ١٠٩.
[ ٥٥٢ ]
ومع ذلك فهو يستدرك ذلك التقسيم؛ لوجود ما يعارضه بنص الكتاب، يقول: "ولكن آيات القرآن شاهدة بأن كل اسم من تلك الأسماء يطلق على ما يعم الجميع؛ لأنه يذكر صفات الكفار بأى وجه، ويعبر عن وعيدهم بأى اسم من هذه الأسماء".
أما عن مكان النار فيرى أنه: "لم يصح في محل النار خبر" (١). (٢)
خلود الجنة والنار:
لقد كان من أهم ما تناوله في الحديث عن الجنة والنار مسألة الخلود، فيرى أنهما "يبقيان بإبقاء الله، خلافًا للجهمية القائلين بفنائهما وفناء أهليهما".
ولما كان رأيه في هذه المسألة قد يظن أنه معارض للاستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] فسره بأنه "مدة البرزخ والموقف". (٣)
وعند تفسير لهذه الآية الكريمة أجمل ما ورد فيها من أقوال تبين عدم حجية القول بفناء النار أو الجنة استدلالًا بها، فقد استند القائلون بفنائهما إلى تعليق الخلود على دوام السموات والأرض، وكان من المعلوم أنهما إلى فناء وزوال، كما استندوا إلى الاستثناء الوارد، الذي يعلق الخلود على مشيئة الرب تعالى، وكل هذا مما يمكن رده بدلالة الآيات الكريمة نفسها، يقول مفندًا كل هذه الاستدلالات: إنه قد ذكر لها "نحو عشرين وجهًا في التفسير:
- منها أن المراد بالسموات والأرض سقف الجنة والنار وأرضهما.
- ويحتمل الاستثناء في جاب أهل الشقاوة على عصاة الأمة؛ فيكون المعنى خالدين فيها أبدًا إلا عصاة المؤمنين، الذين نفذ فيهم الوعيد، فلا يخلدون أبدًا، بل يخرجون بشفاعة النبي - ﷺ -.
والاستثناء حينئذ؛ إما منقطع لعدم دخول هؤلاء في الأشقياء، أو متصل بجعل هؤلاء أشقياء باعتبار، وسعداء باعتبار آخر.
_________________
(١) انظر: البدور السافرة في أمور الآخرة حيث ذكر السيوطي عددًا من الأخبار في ذلك: ٤٠٢.
(٢) المرجع السابق: ٦٣. وانظر: حاشية الخريدة: ١٠٩.
(٣) المرجع السابق.
[ ٥٥٣ ]
وفى جانب أهل السعادة على عصاة المؤمنين أيضًا لكن باعتبار تعذيبهم أولًا فيتأخرون في الدخول مع السابقين، فتحصل أن الاستثناء في كل محمول على العصاة، لكن في جانب أهل الشقاوة مستثنون من الخلود، وفي جانب أهل السعادة مستثنون من المبدأ، كأنه قال: فأما الذين سعدوا ففى الجنة من أول الأمر إلا ما شاء ربك من العصاة، فليسوا في الجنة من أول الأمر، بل هم في النار يعذبون ثم يخرجون.
- ومنها أن المراد بالذين شقوا الكفار، وبالذين سعدوا المؤمنون، والاستثناء باعتبار أن بعض الكفار قد يثقل من النار إلى غيرها، كالزمهرير.
وبعض المؤمنين قد ينقل من النعيم فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين إلى أعلى منه، وهو رؤية وجه الله الكريم ومخاطبته.
- ومنها أن الاستثناء راجع لمدة تأخرهم عن دخول الجنة والنار؛ كمدة الدنيا والبرزخ؛ لأنهم لم يدخلوهما حين خلقوا سعداء وأشقياء" وكان هذا موافقًا لما ذكر في حاشية الخريدة.
"ومنها غير ذلك".
ثم يتبع هذه التأويلات بتقرير خلودهما، وإبطال كل ما يخالف ذلك، يقول: "وما تقدم من أن نعيم الجنان وعذاب النار دائم، هو ما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ووراء ذلك أقوال يجب تأويلها، والأخذ بظاهرها كفر" (١).
* * *
تعليق:
يقوم مذهب السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - فيما يختص بدار الجزاء على اعتقاد أن الجنة والنار كليهما مخلوقتان لا يفنيان، باقيتان بإبقاء الله تعالى لهما، قال الطحاوي في العقيدة السلفية: "والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٢١٤).
[ ٥٥٤ ]
شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد" (١)
ويستند هذا الاعتقاد الصحيح إلى ما ورد من النصوص الشرعية الدالة على ذلك الأصل، فهناك آيات كثيرة وأحاديث صحيحة تدل دلالة صريحة إلى ما تقدم من كون الجنة والنار قد تم لهما الوجود، فهما موجودتان باقيتان بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥].
وفى الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعدة بالغداة والعشى، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة). (٢)
وفي الصحيح أيضًا عن أنس - ﵁ -، قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس! إني إمامكم، فلا تسبقونى بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإنى أراكم أمامى ومن خلفى، ثم قال: والذي نفس محمد بيده! لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار) (٣).
والأدلة في ذلك كثيرة، وكلها كما تقدم تفيد يقينًا وجود الجنة والنار.
أما عن خلودهما بحيث لا يتعرضان للفناء بإذن الله، فهذا مما أجمع عليه سلف الأمة، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية؛ كالجنة والنار
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية: ٤٢٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كاب الجنائز - باب الميت يعرض عليه بالغداة والعشى، رقم الحديث: ١٣٧٩.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما: (٤/ ١٥١).
[ ٥٥٥ ]
والعرش وغير ذلك، ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين، كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله، وسنة رسوله، وإجماع سلف الأمة وأئمتها". (١)
وهذا ما ذكره ابن حزم - ﵀ - في الفصل، حيث يقول: "اتفقت فرق الأمة كلها على ألَّا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان" (٢).
وقد ناقش - ﵀ - أدلة الجهم فيما ذهب إليه، يقول: "وأما جهم بن صفوان فإنه احتج بقول الله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]، وبقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
وقال: كما لا يجوز أن يوجد شيء لم يزل غير الله تعالى، فكذلك لا يجوز أن يوجد شيء لا يزال غير الله تعالى"
ثم شرع - ﵀ - في الرد عليه قائلًا: "ما نعلم له حجة غير هذا أصلًا، وكل هذا لا حجة له فيه، أما قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فإنما عنى تعالى الاستحالة من شيء إلى شيء ومن حال إلى حال، وهذا عام لجميع المخلوقات دون الله تعالى، وكذلك مدد النعيم في الجنة والعذاب في النار، كلما فنيت مدة أحدث الله ﷿ أخرى، وهكذا أبدًا بلا نهاية.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ فإن اسم الشيء لا يقع إلا على موجود، والإحصاء لا يقع على ما ذكرنا إلا على ما خرج إلى الفعل ووجد بعد، وإذا لم يخرج من الفعل فهو لا شيء بعد، ولا يجوز أن يعد لا شيء، وكل ما خرج إلى الفعل من مدة بقاء الجنة والنار، وأهلهما فمحصى بلا شك، ثم يحدث الله تعالى لهم مددًا آخر، وهكذا أبدًا بلا نهاية ولا آخر" (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (١٨/ ٣٠٧).
(٢) الفصل: (٤/ ٨٣).
(٣) المرجع السابق.
[ ٥٥٦ ]
والأدلة على هذا كثيرة واضحة الدلالة، وقد استدل الإمام القرطبي على خلودهما بحديث ذبح الموت، وذلك أنه ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادى منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادى: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] (١).
وبعد أن ذكره مستدلًا به، قال: "هذه الأحاديث - يعني أحاديث ذبح الموت - مع صحتها نص في خلود أهل النار فيها، لا إلى غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من عُير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة، بل كما قال في كتابه الكريم وأوضح فيه عن عذاب الكافرين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦].
وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦].
وقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢] (٢).
وقد يستند من شكك في بقائهما إلى الاستثناء الوارد في الآيات من سورة الزمر، وقد أجاب الصاوي على هذا الاشتباه بعدد من الأجوبة التي أجاب بها
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير - باب: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾، رقم الحديث: ٤٧٣٠.
(٢) التذكرة: (٢/ ٢١١).
[ ٥٥٧ ]
السلف على ذلك الاشتباه وقد أوردها الإمام ابن أبي العز (١) في بيان إجماع أهل العلم على أبدية الجنة، فقال: "واختلف السلف في هذا الاستثناء، فقيل:
- معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها.
- وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف.
- وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف.
- وقيل: هو استثناء الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. . إلى آخر ما ذكر من أقوال، ثم قال: "وعلى كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]. محكم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] (٢).
وكان هذا التوجيه منه - ﵀ - من أحسن ما قيل في تفسير الاستثناء، حيث كان الإعراض عن الخوض في المتشابه، والرد إلى المحكم؛ مما امتدح الله تعالى عباده به؛ لأنه سيمة التسليم والإذعان، الذي يقتضيه الإيمان بالله تعالى والرضا بدينه.
ومع أن هذا القول هو المجمع عليه عند أهل العلم، إلا أن هناك من خالف ذلك الإجماع فيما يتعلق بخلود النار، مستندًا إلى عدد من الأدلة السمعية والعقلية، وقد أورد الإمام ابن القيم - ﵀ - (٣) أدلة القائلين بذلك، مع ميله الواضح إلى
_________________
(١) هو الشيخ صدر الدين محمد بن علاء الدين على بن محمد بن أبي العز الحنفى الصالحى، اشتغل بالعلوم وكان ماهرًا في دروسه متقنًا تعليمها ولى قضاء دمشق، ثم رحل إلى مصر وولى قضاءها ثم عاد إلى دمشق توفي ﵀ سنة: ٧٩٢ هـ انظر: شذرات الذهب: (٦/ ٣٢٦).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية: ٤٢٦.
(٣) (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب الروضة الشريفة - ﷺ -) كما قال الإمام مالك - ﵁ - (كشف الخفاء، للعجلونى: ٢/ ١٧٣)، وكفى بالمرء نبلًا أن تعد معايبه.
[ ٥٥٨ ]
ترجيح ما ذهبوا إليه، ولم يكن هذا هو قوله الوحيد، بل له قول آخر انتصر له في عدد من مؤلفاته وهو القول بالتوقف، حيث استند في ذلك إلى الاستثناء الوارد في الآية، إذ إرجاع الأمر إلى مشيئة الله وحده يقضى بعدم التقديم بين يديه بغير دليل، ولكن الصحيح في المسألة أن الأدلة على بقاء النار من المحكم البين، الذي لا يرد عليه أدنى اعتراض، وليس في الجزم به ما يعارض أدب التلقى بالقبول عن الله ورسوله، بل القول به هو حقيقة ثمرة الرد إليهما (١).
- أما عن تكفير من خالف في اعتقاد فناء النار فلا يجوز؛ لأن من قال به مجتهدًا وسعه في الفهم واستنباط الحكم فلا وزر عليه، قال - ﵊ -: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (٢).
"فالخلاف المذموم حقًا إنما هو من أولئك المقلدين، الذين يصرون على التدين بالتقليد، والإعراض عن الاهتداء بهدى رسول الله - ﷺ - مباشرة، والإخلاص له في اتباعه وحده دون سواه الذي هو من لوازم الشهادة بأنه رسول الله، وقد أمرنا بطاعته استقلالًا، لا يشاركه في ذلك أحد من البشر في غير آية من آيات الله ﵎، فأى خلاف شر من هذا الذي عليه المقلد هذا الذي يظل: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية: ٨] (٣).
أما عن قوله بأن الأخذ بظاهر القرآن كفر، فقد سبقت الإشارة إلى إبطاله وعده من كلام أهل البدع المحرم في دين الله، والذي لم يثبت القول به عن أحد من السلف الكرام (٤).
_________________
(١) لمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى الرسالة المذكورة أعلاه بتحقيق فضيلة الشيخ: محمد ناصر الدين الألباني عليه رحمة الله.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب أجر الحاكم إذا اجتهد - رقم الحديث: ٧٣٥٢.
(٣) مقدمة الشيخ الألباني لكتاب: رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، للصنعانى.
(٤) راجع مبحث منهجه في الاستدلال: ٨٨.
[ ٥٥٩ ]
الفصل التاسع: (آراؤه في الإيمان بالقضاء والقدر)
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: القضاء والقدر.
المبحث الثاني: الحكمة والتعليل.
المبحث الثالث: خلق أفعال العباد.
[ ٥٦٠ ]
(المبحث الأول): القضاء والقدر (تعريفه ومراتبه)
أصل معنى القضاء في اللغة هو: إحكام الشيء وإتقانه، وإلى هذا أشار ابن فارس (١) حيث قال: "القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح، يدل على إحكام أمره وإتقانه وإنفاذه لجهته" (٢).
أما القدر فله معانٍ متعددة؛ كلها ترجع إلى مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، يقول ابن فارس: "القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته" (٣).
وفي الاصطلاح فإن مغنى القضاء والقدر هو تعلق علم الله تعالى بالكائنات، وإرادته لها أزلًا قبل وجودها، فلا حادث إلا وقد قدره، أي سبق علمه به، وتعلقت به إرادته (٤).
أما عن مكانة الإيمان بقضاء الله وقدره: خيره وشره، فإنه ركن من أركان الإيمان، حيث إن حقيقة الإيمان به هي الإيمان بالله تعالى، فإن الباعث الحق على الإيمان بهما هو الموجب لذلك من الرضا بربوبيته تعالى متصفًا بأسمائه وصفاته الحسنى (٥).
_________________
(١) هو أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب القزوينى الشافعي المالكى، ولد سنة: ٣٢٩ هـ، لغوى من مصنفاته: المجمل في اللغة، مقاييس اللغة، جامع التأويل في تفسير القرآن، توفى سنة: ٣٩٥ هـ انظر: معجم المؤلفين: (٢/ ٤٠).
(٢) معجم مقاييس اللغة: (٥/ ٩٩). وانظر: لسان العرب: (٦/ ٣٦٦٥). وللتوسع يوصى بالرجوع إلى: القضاء والقدر ل د/ عبد الرحمن المحمود.
(٣) معجم مقاييس اللغة: (٥/ ٦٢).
(٤) انظر: شرح العقيدة الواسطية، للشيخ صالح الفوزان: ١٦٢. وانظر: القضاء والقدر د/ عبد الرحمن المحمود.
(٥) انظر: مدارج السالكين: (٢/ ١٨١).
[ ٥٦١ ]
- والأصل في عد الإيمان بالقضاء والقدر ركنًا من أركان الإيمان، لا يقبل الله تعالى إيمان عبد إلا بتحققه منه: الأدلة التي ردت في الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، فهذا نص من المولى تعالى على أن جميع المخلوقات إنما تحقق وجودها وفقًا لما قدره تعالى بشأنها (١).
أما الأدلة من السنة فأعظمها دلالة حديث جبريل - ﵇ - المشهور الذي قال فيه المصطفى - ﷺ - حين سئل عن الإيمان: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) (٢).
وقبل التطرق بالحديث عن الفرق التي ظهر عندها الانحراف في معتقد القدر داخل المجتمع المسلم؛ أود أن ألقى الضوء على بعض الحوادث، التي قد لا تكون يداية لخط الانحراف الذي داخل عقيدة المجتمع الإسلامى آنذاك، وإنما هي بمثابة الإرهاصات، أو بوادر الفتنة، التي ألمت بالمسلمين تجاه عقيدة القدر، وقد تعبر بشكل أو آخر عن شفافية هذا الموضوع، وارتباطه الوثيق بحقيقة الإيمان، الذي يعني التسليم التام لكل ما جاء به الشرع.
فقد وقعت أحداث متعددة، تمثل صورًا أو حالات فردية، لم تتبلور بعد من الانحراف العقدى في القدر، منها ما وقع في عهد عمر - ﵁ -: فيحكى أن رجلًا سرق فقال له عمر: لم سرقت؟ فقال: سرقت بقضاء الله وقدره، فأجابه عمر - ﵁ - بما يقطع عليه هذه الحجة، ويحسم مادة استشرائها في الأمة قائلًا: ونحن نقطع يدك بقضاء الله وقدره (٣).
وإذا كانت الحادثة السابقة تمثل صورة من صور الغلو في الإيمان بالقدر، فهناك ما يمثل الجانب الآخر من الجفاء والتفريط في هذا الأصل الإيمانى، فعن أبي يحيى مولى ابن عفراء، قال: أتيت ابن عباس ومعى رجلان من الذين يذكرون القدر أو
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: (٤/ ٣٣٩).
(٢) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب الإيمان والإسلام والإحسان: (١/ ١٥٧).
(٣) انظر: منهاج السنة: (٣/ ٢٣٤).
[ ٥٦٢ ]
ينكرونه، فقلت: يا ابن عباس، ما تقول في القدر، لو أن هؤلاء أتوك يسألونك، وقال مرة يسألونك عن القدر، إن زنا وإن سرق أو شرب؟ فحسر عن قميصه حتى أخرج منكبيه، وقال: يا أبا يحيى لعلك من الذين ينكرون القدر ويكذبون به، والله لو أعلم أنك منهم، أو هذين معك لجاهدتهم، إن زنا فبقدر، وإن سرق فبقدر، وإن شرب الخمر فبقدر" (١).
- أما عن أرباب الفتنة، ومن قام بوضع بذورها واحتوائها؛ فيحكى المؤرخون (٢) أن غيلان الدمشقى (٣) ومعبد الجهني (٤) هما أول من عرف عنه الخوض في القدر، وذلك في عهد المتأخرين من الصحابة الكرام، وقد أخذ عن معبد الجعد بن درهم الذي تولى كبر نشر هذه الفتنة بين المسلمين، وكان أن تصدى لهم جمع من الصحب الكرام يعلنون التبرؤ منهم، وتحذير الناس من ضلال ما أتوا به، حتى روى أن ذلك هو السبب في إخبار الصحابى الجليل عبد الله بن عمر بحديث جبريل - ﵇ - (٥).
هذا وتنقسم القدرية؛ بحسب موقفهم من القدر إلى: قدرية غلاة، وأخرى متوسطة:
- أما الغلاة منهم، فهم الذين أنكروا علم الله تعالى وكتابته ومشيئته وخلقه لأفعال العباد: "حتى قال فيهم الأئمة، كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم: إن المنكرين لعلم الله المتقدم يكفرون" (٦).
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة: (٢/ ٤٢٥).
(٢) انظر: الفرق بين الفرق للبغدادى: ٣٩ والملل والنحل للشهرستانى: (١/ ٣٠).
(٣) هو: غيلان بن مسلم، أبو مروان، أخذ القول عن معبد الجهني كما دلت على ذلك بعض النصوص التاريخية قتل صلبًا بفتوى من الإمام الأوزاعي على باب دمشق في عهد الخليفة الأموى: عبد الملك بن مروان انظر الملل والنحل للشهرستانى: (١/ ٣٠)، الأعلام للزركلى: (٥/ ١٢٤).
(٤) هو معبد بن خالد الجهني البصري أول من أظهر خبث المقالة في القدر، قال أبو حاتم: "قدم المدينة فأفسد فيها ناسًا" يقال أنه أخذ مذهبه عن رجل نصرانى يدعى سوسن أسلم ثم عاد إلى الكفر مرة أخرى، قيل في موته أن الحجاج قتله بعد خروجه عليه مع ابن الأشعث سنة: ٨٠ هـ. انظر: تهذيب التهذيب: (١٠/ ٢٢٥)، والأعلام (٨/ ١٧٧). وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائى: (٤/ ٨٢٧).
(٥) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب: (١/ ٩٤).
(٦) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (٨/ ٤٥٠). وانظر: في حكاية تكفيرهم.
[ ٥٦٣ ]
أما القدرية المتوسطة فهم الذين أنكروا المشيئة والخلق المتعلق بأفعال العباد، ولهم في ذلك شبه سيأتي بيانها ومناقشتها في المباحث التالية إن شاء الله تعالى، وتتزعم المعتزلة هذا الاتجاه ويظهر كمعتقد يتضمنه أصل من أصولها الخمس التي لا يعد معتزليًا إلا من بنى معتقده على أساسها (١).
وفي مقابل هذا الاتجاه الغالى لنفى القدر ظهر الجبر كمعتقد يتزعمه الجهم بن صفوان مرددًا أقوال الكفرة الذين نزل بشأنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، ولما كان الغلو في هذا الاتجاه بارز المعالم، مناقضًا للكثير مما هو معلوم بالضرورة من الدين، وكان قد لقى رواجًا في أوساط بعض المسلمين؛ لما فيه من مناقضة لمذهب القدرية، الذين شاع تكفير الأئمة لهم، ظهر له امتداد على يد الأشاعرة، ولكن دونه من ناحية الغلو.
يقول شيخ الإسلام: "فقابل هؤلاء قوم من العلماء والعباد وأهل الكلام والتصوف؛ فأثبتوا القدر، وآمنوا بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء ومليكه، وهذا حسن وصواب لكنهم قصروا في الأمر والنهى والوعد والوعيد، وأفرطوا حتى خرج غلاتهم إلى الإلحاد، فصارِوا من جنس المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] " (٢).
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
أولًا: تعريف القدر:
يذكر الصاوي آراء من سبقه في تعريف القدر، فيقول: قالت الأشاعرة: هو إيجاد الله الأشياء على طبق ما سبق به علمه وإرادته.
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: ٢٩٩. ومجموع الفتاوى: (٨/ ٤٥٠).
(٢) مجموع الفتاوى: (٨/ ٩٨).
[ ٥٦٤ ]
فعليه هو صفة فعل؛ وهى حادثة.
وقالت الماتريدية: هو تحديده أزلًا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبح غير ذلك فهو تعلق العلم والإرادة، وعليه فهو قديم، وقد يقال الخلاف لفظى، فمن نظر لمظهر الإيجاد قال: هو حادث، ومن نظر لتعلق العلم والإرادة التنجيزى الأزلى، قال: هو قديم.
وللجمع بينهما، يعرفه بأنه "إيجاد الله للأشياء على طبق العلم والإرادة".
ثانيًا: تعريف القضاء:
عرفه في اللغة بأنه: "الحكم" (١).
أما في الاصطلاح فذكر أيضًا أقوال الماتريدية، والأشعرية، فعند الماتريدية يعرف بأنه: "الفعل بزيادة أحكام فعلية، فهو حادث".
ويذكر تعريفًا آخر لهم، هو: "العلم المتعلق بالأشياء أزلًا" (٢).
أما تعريفه عند الأشاعرة فهو: "إرادة الله المتعلقة بالأشياء أزلًا" "فالقضاء قديم على كليهما" (٣).
والذي يبدو أن هذا هو الراجح لديه، لذكره إياه في تفسير قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].
وينقل عن البعض أنه قال: القضاء والقدر هو شيء واحد، وهو إيجاد الله للأشياء على طبق العلم والقدرة.
ثم يعلق على هذه التعاريف المتعددة بقوله: "وفي الحقيقة الأشاعرة والماتريدية تعاكسا فما قالت الأشاعرة: إنه قضاء؛ قالت الماتريدية: إنه قدر، وبالعكس" (٤).
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٣١٦).
(٢) حاشية الخريدة: ١٣٨.
(٣) المرجع السابق.
(٤) حاشية جوهرة التوحيد: ٣٨. وانظر: أيضًا جمعه لهذه الأقوال في: حاشية الجلالين: (٤/ ١٤٤).
[ ٥٦٥ ]
- وفي بيان العلاقة بينهما يقول: "فالتصرف الذي يظهر في الخلق من حيث وجوده على طبق العلم والإرادة قدر، ومن حيث تعلق علم الله وإرادته به قضاء، فكل شيء بقضاء وقدر" (١).
ولتحديد هذه العلاقة؛ نجده يعلق على تفسير السيوطي عند اقتصاره على تعريف القدر بقوله: "إما لأن بينهما تلازمًا أو لترادفهما" (٢).
وبهذا التعليق يخرج الصاوي من تلك الأقوال المتعددة، وليس له تعريف جامع لهما.
ثالثًا: مراتب القدر:
أما عن مراتب القدر، فكلامه فيها كلام المؤمنين بالقدر المثبتين له على مراتبه الأربعة، وهذا لا ينفى ما وقوع فيه من المخالفات المتعلقة بأفعال العباد؛ كما هو عليه مذهب الأشاعرة (٣).
مرتبة العلم:
قد سبق لي بيان مذهبه في الصفات السبعة المثبتة، وكانت صفة العلم واحدة من تلك الصفات، فالصاوى يرى أن العلم التام الكامل المحيط بكل ما هو موجد لا يكون إلا لله تعالى، وبهذا يحرج كثيرًا على من اعتقد أن علم الرسول - ﷺ - أو علم أحد من الأنبياء كعلمه تعالى، يقول: "وأما من قال إن نبينا أو غيره أحاط بالمغيبات علمًا كما أحاط علم الله بها فقد كفر".
ولكن هذا لا يمنعه من اعتقاد أن رسول الله لم يخرج من الدنيا: "حتى أعلمه الله بجميع المغيبات التي تحصل في الدنيا والآخرة؛ فهو يعلمها كما هي عين يقين، ولكن أمر بكتمان البعض.
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٢٤٥).
(٢) المرجع السابق: (٤/ ١٤٤).
(٣) سيأتي بيانه في مكانه إن شاء الله.
[ ٥٦٦ ]
وفي تخريج ما قد يعارض به هذا الاعتقاد من إقراره - ﷺ - بأنه لا يعلم الغيب يرى الصاوي: "أنه قال ذلك تواضعًا، أو أن علمه بالمغيب كلِّ علم؛ من حيث إنه لا قدرة له على تغيير ما قدر الله وقوعه.
فيكون معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]: "لو كان لي علم حقيقى بأن أقدر على ما أريد وقوعه لاستكثرت. ." (١).
وتأسيسًا لمكانة العلم فإنه يقول: "من سبق في علم الله خسرانه فلا يتأتى له الإيمان في الدنيا" (٢).
مرتبة الكتابة:
في تفسير قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ يذكر الصاوي على جهة التدليل لمرتبة الكتابة حديث رسول الله - ﷺ -: (أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما كان، وما يكون إلى يوم القيامة) (٣).
وفي بيان مراتب الكتابة ينقل كلام القرطبي في ذلك، فيقول: "الأقلام ثلاثة في الأصل:
القلم الأول: الذي خلقه الله تعالى بيده وأمره أن يكتب في اللوح المحفوظ.
والثاني: قلم الملائكة الذين يكتبون به المقادير، والكوائن من اللوح المحفوظ.
والثالث: أقلام الناس يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها إلى مآربهم" (٤).
ومما يتعلق بهذه المرتبة: مسألة المحو، فقد دل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] على أن بعض ما يقدره الله تعالى كتابة قد
_________________
(١) المرجع السابق: (٢/ ١٠٤).
(٢) المرجع السابق: (٢/ ٨).
(٣) المرجع السابق: (٤/ ٢٢٠).
(٤) المرجع السابق: (٤/ ٣١٧).
[ ٥٦٧ ]
يرفع فلا يتحقق له الوقوع كما كتب أولًا، وهذا المعنى مما ثبت به الخبر عن المصطفى - ﷺ - حيث قال: (تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء) (١).
والصاوى عند تفسير هذه الآية الكريمة يعرض ما ورد فيها من أقوال، فقد ذهب البعض إلى أن المحو قد يقع في اللوح المحفوظ، وفي الصحف معًا، وبهذا المعنى يكون المراد بأم الكتاب؛ علم الله تعالى المتعلق بالأشياء أزلًا.
أما القول الثاني فيما يقع فيه التغير أن المحو والإثبات يقعان في صحف الملائكة فقط.
وعلى هذا يكون المراد بأم الكتاب؛ اللوح المحفوظ، وهو لا يقبل التغيير، ولا التبديل.
وبهذا العرض المجمل يصل الصاوي إلى الفائدة المستخلصة من جملة الآراء، فيقول: "والحاصل أن ما في علم الله لا يقبل التغيير جزمًا، والخلاف في اللوح المحفوظ، والآية محتملة" (٢).
- وفي بيان الفرق بين العلم والكتابة؛ فإنه يقوم بعقد مقارنة بينهما؛ يبين فيها أن العلم دائرته أوسع من اللوح، ودليله في ذلك أن "ذات الله وصفاته أحاط بها العلم لا اللوح والكائنات، وما يتعلق بها أحاط بها اللوح والعلم" (٣).
مرتبة المشيئة:
يعرف الصاوي المشيئة بالإرادة، فلا يرى ثمة فرقًا بينهما، ويبين بعد ذلك ما تتعلق به الإرادة؛ حيث يقصر تعلقها على الممكن دون المستحيل، أو الواجب كما سبق بيانه.
فالأسماء والصفات الحسنى لا تعلق للمشيئة بها، والمستحيل كذلك (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في: كتاب القدر - باب من تعوذ بالله، رقم الحديث: ٧٣٠٧.
(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٥٨).
(٣) المرجع السابق: (٢/ ١٨).
(٤) وقد سبق تعليله لما ذهب إليه، فليراجع في مبحث الأسماء والصفات: ٢٣٢.
[ ٥٦٨ ]
يؤكد هذا أنه في تفسيره لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؛ أول الإرادة بالمحبة، يقول: "وليست الإرادة على حقيقتها؛ لأنه يقتضى أن إرادة المده متعلقة بتوبة كل عاصٍ، مع أنه ليس كذلك فالمعنى؛ الله يحب توبة العبد فيتوب عليه" (١).
ومع عدم تفريقه بين المشيئة والإرادة؛ إلا أنه يرى ثمة تغايرًا بين الإرادة والأمر، يقول: "القسمة رباعية، لأنه:
- إما أن يأمر ويريد؛ كإيمان المؤمنين والأنبياء: أمرهم به، وأراده منهم، بدليل وقوعه.
- وإما ألَّا يأمر ولا يريد؛ ككفر من ذكر، لم يأمرهم به، ولم يرده منهم؛ إذ لو أراده لوقع.
- وإما أن يأمر ولا يريد؛ كإيمان أبى جهل وإبليس وأضرابهم، أمرهم بالإيمان، ولم يرده منهم؛ إذ لو أراده لوقع.
- وإما أن يريد ولا يأمر، ككفر من ذكر أراده منهم؛ بدليل وقوعه منهم.
فبين الأمر والإرادة عموم وخصوص من وجه؛ يجتمعان في إيمان المؤمنين؛ وينفرد الأمر دون الإرادة في إيمان الكافر، وتنفرد الإرادة دون الأمر في كفرهم".
أما عن علاقة الأمر بالرضا، فيقول: "وبين الأمر والرضا تلازم؛ لأنه لا يأمر إلا بما يرضاه" (٢).
مرتبة الخلق:
يعتقد الصاوي بأن الله تعالى هو المنفرد بالخلق والإيجاد، ولكنه لتقرير هذا يمنع فعل العباد على الحقيقة فيبطل الأثر ويرد السبب، وله في ذلك كلام طويل، وشبه عديدة، وردود على غيره ممن خالفه في ذلك، وسأرجئ الكلام فيها لمبحث خاص؛
_________________
(١) المرجع السابق: (١/ ٢٠٢).
(٢) حاشية الجوهرة: ٢٤. وحاشية الجلالين: (٣/ ٢٤٤).
[ ٥٦٩ ]
حتى يتم بحول الله تعالى الوقوف على كل النقاط، ومن ثم مناقشتها في ضوء منهج السلف الكرام.
* * *
المناقشة:
لما كان التفريق بين القضاء والقدر مما لم يرد فيه قول ثابت بنص الكتاب والسنة؛ فقد اختلف العلماء في تحديد ذلك على أقوال عدة؛ فالأول: أنه لا فرق بينهما حيث صح إطلاق أحدهما على الآخر، مما يدل على عدم وجود مسوغ للتفريق.
الثاني: القول بالتوقف حيث امتنع التفريق بصريح الأدلة من الكتاب والسنة وعليهما المعول فيما شأنه التوقف (١).
الثالث: أنه يفرق بينهما، ولهم في توجيه ذلك الفرق عدد من الأقوال:
١ - منها ما أورده الحافظ ابن حجر - ﵀ - بقوله: "القضاء هو الحكم الكلى الإجمالى في الأزل، والقدر جزيئات ذلك الحكم وتفاصيله" (٢).
٢ - ومنها ما ذكره بعض العلماء؛ من أن القضاء هو ما يتحقق وقوعه، أما القدر فهو مما يمكن توقف إنفاذه، فيكون القدر بمثابة العلم الأزلى، والقضاء المشيئة النافذة (٣)، وهذا التفريق تبطله الأدلة التي دلت على أن كلا الأمرين قد يتغير فلا يقع، فعن عائشة - ﵂ - أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يغنى حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة) (٤).
وكما ورد ما يفيد رفع القدر وتغييره فقد ورد أيضًا في القضاء فعن النبي - ﷺ - أنه قال: (تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء) (٥).
_________________
(١) انظر: فتح الباري: (١١/ ٤٧٧).
(٢) فتح الباري: (١١/ ٤٧٧).
(٣) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني: ٤٠٧.
(٤) أخرجه الحاكم في مستدركه: كتاب الدعاء، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه: (١/ ٤٩٢).
(٥) أخرجه البخاري: كتاب القدر - باب من تعوذ بالله من درك الشقاء، رقم الحديث: ٦٦١٦.
[ ٥٧٠ ]
٣ - وقد ذهب الأشاعرة إلى توجيه آخر لذلك الفرق، يقول الإيجى: "واعلم أن قضاء الله عند الأشاعرة هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال.
وقدره: إيجاده إياها على قدر مخصوص، وتقدير معين في ذواتها وأحوالها" (١).
٤ - أما الماتريدية؛ فيعرف القضاء على مذهبهم؛ بأنه انقطاع الشيء وتمامه، وعليه فإن الطاعات والمعاصى كلها بقضاء الله، أي بخلقه وتكوينه.
وأما القدر؛ فهو عندهم على وجهين:
أحدهما: الحد الذي يخرج عليه الشيء، وهو جعل كل شيء على ما هو عليه من خير أو شر، من حسن أو قبح، من حكمة أو سفه.
والثانى: بيان ما يقع عليه كل شيء من زمان ومكان، وما له من الثواب والعقاب" (٢).
ومع كل ما تقدم من آراء الصاوي وغيره من العلماء يمكن الخلوص إلى الجادة الوسط، وهى أن العلاقة بينهما شبيهة بالعلاقة بين الإسلام والإيمان، وهذا ما ذكره الصاوي على غير جهة الجزم.
وعليه فلا انفكاك لأحدهما عن الآخر، حتى إذا أفرد أحدهما بالذكر دخل فيه الثاني على جهة التضمن أو التلازم، ولا مشاحة في الإصطلاح.
لذا فإن "جماع القول في هذا الباب؛ أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه" (٣).
* * *
_________________
(١) المواقف: (٣/ ٢٦١).
(٢) تبصرة الأدلة، أبو المعين النسفى: (٢/ ٧١٦).
(٣) معالم السنن للخطابي: (٥/ ٧٧).
[ ٥٧١ ]
مراتب القدر:
أما عن مراتب القدر فمن الملاحظ عند تتبعى لآرائه في هذا الباب أنه لم يتعمد جمعها ولا الترتيب فيها؛ إذ كل ما نقلته عنه إنما هي أقوال متناثرة جمعتها ورتبتها وفق المنهج المتبع عند السلف الكرام، وهذا ما يدعونى للوقوف عليها مرة أخرى ومن ثم تدارك ما فاته منها، ومناقشته في بعض القضايا المتعلقة بها:
أولًا: مرتبة العلم، فالله تعالى قد وسع علمه كل شيء، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وفي الحديث أن رسول الله - ﷺ - سئل عن أولاد المشركين، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (١).
ومن ذلك ما ورد عن علي - ﵁ -، حيث قال: كان رسول الله - ﷺ - ذات يوم جالسًا وفي يده عود ينكث به، فرفع رأسه فقال: (ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار)، قالوا: يا رسول الله؛ فلم نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال: (لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له)، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٢).
فإنه مما لا شك أن هذا أصل عظيم من أصول الإيمان بالقدر، حتى كان المعول عليه في إبطال حجج الخصم من القدرية النافين.
ولا ريب في أن الصاوي كان موافقًا للحق حين أقر بأن العلم التام المحيط بكل شيء لا يعلمه إلا الله تعالى، وأن من اعتقد مماثلة علم النبي - ﷺ - لعلم الله تعالى فقد كفر، ولكن هذا الاعتقاد ليس بكافٍ في إخراجه من دائرة الغلو الذي أوقعه فيه ميله إلى التصوف؛ إذ الآية صريحة في أن هذه الأمور مما اختص الله تعالى بعلمها
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب القدر - باب الله أعلم بما كانوا عاملين، رقم الحديث:
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب القدر - باب كيفية خلق الآدمى: (١٦/ ١٩٧).
[ ٥٧٢ ]
وأنه - ﵊ - لا يعلم منها إلا ما كشف له، ومع هذا فلا يعد عالمًا بها على جهة التمام، فمن اعتقد أن النبي يعلم وقت الساعة فقد كفر، ومن اعتقد أنه - ﵊ - يعلم ما تكسب كل نفس فقد كفر لأنه خالف ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، قال تعالى آمرًا نبيه: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠].
وبهذا يعلم أن ما ذكره الصاوي من كونه - ﷺ - لم يخرج من الدنيا حتى علم مغيبات الدنيا والآخرة؛ مما لا مستند له في الشرع؛ بل الأدلة تضافرت على إثبات خلافه، أما ما خرج به قوله - ﷺ -: ﴿لَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾؛ بأنه على سبيل التواضع، أو العلم الذي لا أثر له في القدر؛ فغير مسلم، لأن الآية قد اشتملت على أمر متضمن لخبر، والخبر لا يصح فيه النسخ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد دل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]؛ على أن غيب الدنيا والآخرة مما اختص المولى تعالى بالإحاطة به، فلا يكون لغيره أبدًا، فكيف يصح نسبته لمن أمر بتبليغ هذا الخبر إلى الناس كافة؟
والذي نخلص إليه أن كل هذه التخريجات؛ هي من قبيل المغالطات التي لا أساس لها من الصحة، لذا فإن اعتقاد ما قصد بها يعد قدحًا في جناب التوحيد؛ لأن فيها نسبة الكمال الذي لا ينبغى إلا لله تعالى لأحد من البشر.
ثانيًا: مرتبة الكتابة؛ وتعنى أن الله تعالى قد كتب مقادير المخلوقات، وأصل الكتابة ما كتب في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
ومن السنة قول المصطفى - ﷺ -: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء) (١).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب القدر - باب حجاج آدم موسى: (١٦/ ٢٠٣).
[ ٥٧٣ ]
ويحسن بى من باب إتمام الكلام فيها أن أذكر ما يتعلق بها من مراتب مع مرتبة العلم، استنادًا لما ورد في ذلك من أدلة ثابتة:
- التقدير الأول: هو ما كان سابق لخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؛ استنادًا للحديث الثابت عن رسول الله - ﷺ -.
- التقدير الثاني: عند أخذ الميثاق من بنى آدم - ﵇ - وهم في عهد الذر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
- التقدير الثالث: وهو التقدير العمرى للإنسان (١) ويكون عند حمل أمه به، بعد مضى أربعة أشهر؛ على الراجح من أقوال العلماء، وهذا ما دل عليه حديث المصطفى - ﷺ -، حيث قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، . .، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع: برزقه، وأجله، وشقى، أو سعيد. . .) (٢).
- التقدير الرابع: وهو الحولى، ويكون في ليلة القدر، قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
- التقدير الخامس: وهو التقدير اليومى الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، وقال - ﷺ -: (من شأنه أن يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويرفع قومًا ويخفض آخرين) (٣).
ثالثًا: مرتبة المشيئة؛ وتعنى الإيمان الجازم بأن كل ما يجرى في هذا الكون فهو بمشيئة الله تعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ٢٦٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب القدر - باب في القدر، رقم الحديث: ٦٥٩٤.
(٣) رواه ابن ماجه: في تعظيم حديث رسول الله والتغليظ على من عارضه - باب فيما أنكرت الجهمية، رقم الحديث: ٢٠٢: (١/ ١١٦). وصححه الألباني في ظلال الجنة تخريج السنة لابن أبي عاصم، رقم الحديث: ٣٠١، وانظر: كتاب القضاء والقدر للشيخ عبد الرحمن المحمود.
[ ٥٧٤ ]
رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
ومن السنة المطهرة قول النبي - ﷺ - للرجل الذي قال له: ما شاء الله وشئت: (أجعلتنى والله عدلًا، بل ما شاء الله وحده) (١).
فهذا الحديث واضح في الاستدلال لهذه المرتبة، وحجة قاطعة في إثبات أن الأمر كله راجع لمشيئته تعالى، فلا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه.
ويقوم مذهب السلف في الإيمان بهذه المرتبة على أساس التفريق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فليس كل ما أراده الله تعالى شرعًا يتحقق له النفاذ القدرى، وليس كل ما أراده قدرًا يكون مرادًا له في الشرع.
وبهذا يصح تقسيم الإرادة إلى: كونية وأخرى شرعية.
فالكونية في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
والشرعية في مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وبذلك تكون الإرادة الكونية هي المرادفة للمشيئة القدرية النافذة المتحققة الوقوع، ولا يشترط فيها أن تكون مرادة لله تعالى شرعًا أي محبوبة مرضية له تعالى (٢)، وعلى هذا الأساس يمكن تحديد علاقة الإرادة بالمشيئة بأن بينهما العموم والخصوص المطلق، فكل مشيئة إرادة، وليست كل إرادة مشيئة؛ لأن منها ما هو شرعى وليس شرعى وليس بقدرى، كما سبق بيانه.
وعليه يكون كلام الصاوي السابق في العلاقة بين الإرادة والأمر مخرجًا على هذا النحو؛ لأن في هذا التقسيم إعمالًا للنصوص الشرعية الدالة على أن الإرادة قد تطلق على ما هو مراد لله تعالى شرعًا لا قدرًا، كالآية التي ذكرتها من قبل: ﴿يُرِيدُ
_________________
(١) سبق تخريجه: ٤٤٥.
(٢) انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام: (٨/ ١٨٨).
[ ٥٧٥ ]
اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، ولا داعى لما ذهب إليه من إخراج الإرادة هنا عن حقيقتها، ويكون الصواب فيها أن تبقى على ظاهرها، ويراد بها الإرادة الشرعية المقدرة وقوعًا في المؤمن دون الكافر (١).
وهذا ما يلزمه أيضًا في الأمر، فالذى يكون بينه وبين الرضا تلازم؛ هو الأمر الشرعي لا الكونى القدرى، فقد قسم العلماء الأمر على ضوء الآيات التي ورد فيها؛ إلى أمر شرعى: وهو المحبوب المراد لله تعالى شرعًا، إلى أمر قدرى: وهو ما نفذ منه دون اشتراط الرضا فيه.
والقدرى في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦].
أما الشرعي ففى مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. وهذا ما يرد أيضًا في القضاء، "فإن القضاء يكون كونيًا وشرعيًا، وكذلك الإرادة، والأمر، والإذن، والكتاب، والحكم، والتحريم، والكلمات ونحو ذلك" (٢) بدليل الكتاب والسنة.
رابعًا: مرتبة الخلق؛ وهي الاعتقاد الجازم بأنه ما من موجود بعد الواحد الأحد، إلا وهو خلق من خلق الله تعالى، ويدخل في ذلك أفعال العباد، فهى مخلوقة له ﷾ (٣).
قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]
ووجه الاستدلال بهذه الآية هو التقسيم الوارد في معنى (ما): فإما أن تكون ما
_________________
(١) المرجع السابق: (٨/ ٣٤١)، والتسعينية لشيخ الإسلام أيضًا: (٢/ ٦٣٢).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفى: ٤٤٧.
(٣) سيأتي الحديث عنها مفصلًا في مبحث مستقل.
[ ٥٧٦ ]
هنا مصدرية فيصير المعنى: والله خلقكم وعملكم، أو موصولة فيكون المعنى: والله خلقكم والذي تعملونه من أصنام، وكلا المعنيين بينهما تلازم، إذ يلزم من كونه تعالى خالقًا للصنعة؛ أن يكون خالقًا للفعل الذي أنتجها، وكذلك إذا كان خالقًا للعمل؛ أن يكون ما ينتج عنه مخلوقًا له (١).
ومن السنة أقوال المصطفى - ﷺ -، والتى تدل على إرجاع الأمر لله وحداه، وأن كل خير منه، وأنه لا حول ولا قوة إلا به، قال - ﵊ - لأبي موسى الأشعري: (يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله) (٢)؛ فلا تحول للعبد من حال إلى حال إلا بحول الله وقوته.
وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول عند حفر الخندق: (لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن السكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، إن الأولى قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا) (٣)؛ فنسب التوفيق لفعل الخير إلى الله، فلولا توفيقه، وتقديره الخير لنا لما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا.
وثبت أيضًا عن النبي - ﷺ - قوله: (إن الله يصنع كل صانع، وصنعته). وقال الإمام البخاري في خلق أفعال العباد: "فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة" (٤).
وقد أفردت الحديث عنها لعظيم ما تعلق بها من مسائل الشرع والتوحيد.
* * *
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: (٤/ ١٩).
(٢) أخرجه البخاري في: كتاب القدر - باب لا حول ولا قوة إلا بالله، رقم الحديث: ٦٦١٠.
(٣) أخرجه البخاري في: كتاب الجهاد - باب حفر الخندق، رقم الحديث: ٢٨٣٧.
(٤) خلق أفعال العباد: ٢٥.
[ ٥٧٧ ]
(المبحث الثاني): الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى
ينبنى الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره في مذهب السلف الصالح على أسس، لا يصح الإيمان إلا بها:
أولًا: التسليم المقتضى للرضا بكل ما قدره الله تعالى، وذلك من حيث المؤثر في وجوده من صفاته تعالى، لا من حيث متعلقه من أفعال العباد وغيرها، مما لا يصح الرضا به لعدم تحقق الإرادة الشرعية له من عند الله تعالى.
ثانيًا: اعتقاد أن الله تعالى حكيم في فعله وخلقه وأمره، إذ كل ما يقضيه سبحانه ويقدره فهو دائر بين العدل والفضل، صادر عن إرادته الحكمة البالغة في كل ما يكون منه تعالى، كما في الآية الكريمة: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
ومما يدل على أن كل ما هو منه تعالى فلحكمة يراها سبحانه، قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] إذ الخير منه تعالى وإليه، والشر ليس إليه، فقد ثبت في الحديث الشريف أنه - ﷺ - كان يقول في دعائه: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك) (١).
أما كون أفعاله تعالى دائرة بين العدل والفضل؛ فهذا مما تواترت الأدلة على إثباته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]. وحتى يرتبط مفهوم الإيمان بالقدر، وأن كل شيء متعلق بقدرته تعالى مع مفهوم الحكمة والعدل؛ توجه المعنى المراد بالظلم المنفى عن الله تعالى؛
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل: (٦/ ٥٩).
[ ٥٧٨ ]
بأنه وضع الشيء في غير محله؛ فكان تفسير الظلم بهذا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بإثبات الحكمة له، وأنه سبحانه عدل مريد لكل ما هو محمود، وأسماؤه الحسنى تعالى كلها دالة على هذه الحقيقة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠].
وكثيرًا ما تأتى التكاليف الشرعية متوجة ببيان الحكمة منها، فيصبح الدافع للعمل من الإيمان مصحوبًا بمعرفة مكمن الخير والنفع المراد منه، ومع هذا فقد تخفى، بل ويكون في خفائها منفعة أخرى أعظم يراها سبحانه، فيكون الدافع للامتثال حينئذ هو الإيمان والتسليم، كما قال في محكم التنزيل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فكل ما هو من عند الله تعالى لحكمة يعلمها، وانتفاء العلم بها لا يعني انعدامها، كما يقال: عدم العلم ليس علما بالعدم، وعلى هذا درج اعتقاد السلف من الأئمة والفقهاء في هذه المسألة التي تعد "من أجل مسائل التوحيد المتعلقة بالخلق والأمر، بالشرع والقدر" (١)
ولما كانت المسألة بهذه الأهمية البالغة من حيث ما تعلقت به من عظيم مسائل الشرع والقدر، اختلفت مذاهب الناس فيها اختلافًا كبيرًا، وانبنى على ذلك أساس التباين في موقفهم من القدر، خصوصًا ما تعلق منه بأفعال العباد.
فقد ذهبت الأشاعرة إلى القول بعدم جواز تعليل أفعال الله تعالى بشيء من الأغراض والعلل الغائية، وكان هذا قول "كثير ممن يثبت القدر، وينتسب إلى السنة من أهل الكلام والفقه وغيرهم، وقد قال بهذا طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وهو قول الأشعري وأصحابه، وقول كثير من نفاة القياس الظاهرية". (٢)
وحجتهم في ذلك أن الغاية والحكمة تعنى الغرض، والغرض لا يجوز على الله
_________________
(١) مفتاح دار السعادة، لابن القيم: (٢/ ٤٢). وانظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: (٨/ ٨١).
(٢) الفتاوى: (٨/ ٨٣).
[ ٥٧٩ ]
تعالى تنزيهًا له - عندهم - لاعتقادهم أن من يفعل لغرض فقد استكمل به، "والمستكمل بغيره ناقص لذاته". (١)
ولما انتفى مفهوم الحكمة عند الأشاعرة لهذه الحجة ظهر امتداد له في قضية الظلم المنفى عن الله فإنهم لما غلو في نفى تعليل أفعال الله تعالى؛ جعلوا الظلم أمرًا لا يمكن تصوره بالعقل لانتفائه في الإمكان الذهنى، يقول الآمدي: وأما "قولهم: يلزم منه الظلم، فإنما يتصور أن لو كان قابلًا لاتصافه بالظلم وليس كذلك، فإن الظلم إنما يتصور في حق من تصرفه في ملك غيره من غير حق، أو بمخالفة من المتصرف فيما هو داخل تحت أمره وحكمه، وذلك كله مما لا يمكن في حق الله تعالى". (٢)
أما المعتزلة فقد ذهبت إلى النقيض من ذلك حيث غلت في تعليل أفعال الله تعالى بالغايات والعلل الحميدة، فلا يصدر عنه إلا ما تقتضيه تلك الحكمة من فعل وخلق وأمر، ولكن الخلاف معهم يدور حول مفهوم تلك الحكمة، فقد قاسوا أفعاله تعالى على أفعال العباد وبالتالى نفوا أن يكون مريدًا وخالقًا لأى فعل ظاهره الشر، وكان أن التزموا لتقرير هذا الأصل تعريف بأنه "كل ضرر لا نفع فيه، ولا دفع ضرر، ولا استحقاق". (٣)
فكان هذا أصل في اعتقادهم تنزيه الله تعالى عن الظلم؛ ومنع نسبة أفعال العباد له على جهة الخلق والإيجاد (٤)، والغلو في تعليل أفعال الله تعالى إثباتًا للحكمة بالمقياس البشرى:
ومع كل ما تقدم، فلا يرجعون حكمها إلى الله تعالى؛ إذ يمتنعون عن وصفه بها، كما يوصف بصفة القدم مثلًا. (٥)
_________________
(١) المحصل للرازي: ٢٠٥. وانظر: المواقف، للإيجى: ٣٣٢.
(٢) أبكار الأفكار في أصول الدين: (٢/ ١٦٦).
(٣) شرح الأصول الخمسة: ٣٤٥، وما يليها.
(٤) شرح الأصول الخمسة: ٣٠٢. المحيط بالتكليف: ٢٦٠. تحقيق د/ الأهوانى المغنى في أبواب العدل والتوحيد: (٦/ ٤٨)، تحقيق د/ الأهوانى.
(٥) انظر: فتاوى شيخ الإسلام: (٨/ ٢١١).
[ ٥٨٠ ]
رأي الشيخ الصاوي:
يسير الصاوي على نفس نهج أشياخه في منع تعليل أفعال الله تعالى، ويحتج لذلك بنفس الشبهة التي احتج بها من قبله، وهى شبهة الاستكمال بالغير، ومع ذلك فهو يقر بوجود الحكمة الغائية في الفعل والتى يشهد بوجودها الإتقان والإحكام في كل ما خلقه تعالى في هذا الوجود، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣]. "ليمكروا فيها: اللام إما لام العاقبة والصيرورة، نظير: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، أو لام العلة بمعنى الحكمة.
وأما قولهم: تنزه الله عن العلة، فمعناه: العلة الباعثة على الفعل ليتكمل به، وأما الحكم فلا تخلو أفعال الله عنها، سبحانك ما خلقت هذا عبثًا". (١)
ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢]: "للام للعلة الغائية؛ وهى المترتبة على آخر الفعل، وليست علة باعثة؛ لاستحالة الأغراض على الله تعالى في الأفعال، والأحكام". (٢)
وعلى هذا الأساس يفسر الحكمة، كصفة في حق المولى تعالى، يقول:
- "ذو الحكمة: أي: الإتقان، فالحكيم ذو الصنع المتقن". (٣)
- "ذو الحكمة: أي: العلم التام، فالحكيم بمعنى العالم". (٤)
ولكن له تفسير آخر لهذه الصفة العظيمة يناقض مذهبه في إثبات الحكمة بمعنى العلة الغائية دون الباعثة - على فرض التفريق بينهما -، يقول: "ذو حكمة، وهى وضع الشيء في محله". (٥)
_________________
(١) المرجع السابق: (٢/ ٤١).
(٢) المرجع السابق: (٤/ ٩١).
(٣) حاشية الجلالين: (١/ ٢٠ - ١٠١)، شرح المنظومة: ١٢٦.
(٤) المرجع السابق.
(٥) حاشية الجلالين: (١/ ١٣٠ - ٢٤٤).
[ ٥٨١ ]
وتأكيدًا لما ذهب إليه أولًا؛ فإنه يرى أن في نفى الحكمة مخرجًا من إيهام التناقض بين الشرع والقدر، فقد سبق وأن ذكرت تفريقه بين ما يريده تعالى، وما يأمر به، وكيف أنه أثبت لله تعالى إرادته لبعض ما قضى به دون أن يكون ذلك مرضيًا له، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] "إن الإرادة لا تستلزم الرضا، بل قد يريد شيئًا، ولا يرضى به لتنزهه عن الأغراض في الأحكام، والأفعال، فلا تقاس أفعال الله على أفعال العباد؛ وذلك لأن ما يغضب الله لا يصل له منه ضرر، وما يرضيه لا يصل له منه نفع، بل معنى ذلك؛ أنه يعاقب على ما يغضبه، ويثيب على ما يرضيه، بخلاف العباد؛ فرضاهم لازم لإرادتهم؛ لأن ما يرضيهم يحصل لهم به النفع، فهو واقع منهم بإرادتهم، وما يغضبهم يحصل لهم به الضرر، فهو غير واقع بإرادتهم.
والكفار قد سووا بين الخالق والمخلوق، فقالوا ما قالوا، والمقصود من الشبهة إبطال إرسال الرسل وجعله عبثًا تعالى الله عن ذلك". (١)
موقفه من الظلم:
وكان هذا أصل اعتمده في فهمه لمعنى الظلم تنزيهًا للمولى عنه، فقد أوَّل الظلم المنفى عن الله تعالى بالمراد الشرعي دون العقلى، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]؛ "سمى الأخذ من غير ذنب ظلمًا تكرمًا منه، وإلا فحقيقة الظلم التصرف في ملك الغير من غير إذنه، ولا ملك لأحد معه، وهو بهذا المعنى مستحيل عقلًا على الله، وأما أخذه بغير ذنب؛ فهو وإن كان جائزًا عقلًا فمستحيل شرعًا؛ لأنه سماه ظلمًا تفضلًا منه، ونزه نفسه سبحانه عنه، كما ألزم نفسه بالرحمة تفضلًا منه". (٢)
ويرد بذلك على المعتزلة، ويرى أن اعتقادهم وجود التلازم بين الإرادة والأمر
_________________
(١) المرجع السابق: (٢/ ٢٨٩).
(٢) المرجع السابق: (٢/ ١٢١/ ٢١٦) (٤/ ٢٧).
[ ٥٨٢ ]
هي التي أدت بهم إلى ما ذهبوا إليه في القدر؛ "خلافًا للمعتزلة؛ القائلين بالتلازم بين الرضا والإرادة، وبنوا على ذلك أمور فاسدة.
وحكى أن رجلًا من المعتزلة تناظر مع رجل من أهل السنة، فقال المعتزلى: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال السنى: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
فقال المعتزلى: أيريد ربك أن يعصى؟
فقال السنى: أيعصى ربنا قهرًا؟ .
فقال المعتزلى: أرأيت إن منعنى الهدى، أأحسن إلىَّ، أم أساء؟
فقال: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فالمالك يفعل في ملكه كيف يشاء، فبهت المعتزلى". (١)
* * *
المناقشة:
إن تعليل أفعال الله تعالى بالغايات المطلوبة، والحكم الحميدة، أمر يقتضيه إثبات "كمال الرب تعالى، وجلاله، وحكمته، وعدله، ورحمته، وقدرته وإحسانه، وحمده، ومجده، وحقائق أسمائه الحسنى". (٢)
لذا كان هذا هو اعتقاد أكثر الناس من المسلمين، وغير المسلمين، وقول طوائف من أصحاب أبى حنيفة، ومالك، وأحمد وغيرهم، وقول أكثر أهل الحديث، والتصوف، وأهل التفسير" (٣)
أما عن الشبهة التي ذكرها الأشاعرة في منع التعليل: بأن من يفعل لغاية مقصودة فقد استكمل بغيره، والمستكمل بغيره ناقص، وهذا محال في حق الباري
_________________
(١) المرجع السابق: (٣/ ٣٤٤).
(٢) شفاء العليل، لابن القيم: ٣٤٣.
(٣) مجموع الفتاوى: (٨/ ٨٩).
[ ٥٨٣ ]
تعالى، فإن أساس ما قامت عليه اعتقاد بطلان الفروض الممكنة على فرض تحقق الحكمة في أفعال الله تعالى، يقول شيخ الإسلام في إيضاح حجة القوم: "فإنه:
- إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء.
- أو يكون وجودها أولى به.
فإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها.
وإن كان الثاني ثبت أن وجودها أولى به، فيكون مستكملًا بها، فيكون قبلها ناقصًا". (١)
وقد أطال الإمام ابن القيم - ﵀ - الكلام في إبطال شبه القوم وذلك من جانبين:
الأول: جانب تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الحكمة، حيث أورد ما يقارب اثنين وعشرين نوعًا من الأدلة مأصَّلة بالعديد من النصوص الشرعية الثابتة، مع حسن الاستدلال بها، والذب عنها بإبطال ما وجه إليها من الشبه المبتدعة باسم اللغة، والشرع. (٢)
الثاني: جانب الرد، وفيه أورد حجج النافين للتعليل، وقام بتفنيذها على جهة السلب، والإيجاب.
أما السلبى؛ فقد طالب الخصم بالدليل من العقل، أو الشرع، أو الإجماع، ولا دليل.
وأما الإيجابى، فقد أورد الحجج في إبطال شبههم التي ليس لها أساس تعتمده سوى مجرد افتراضات ذهنية، لا تتمالك أمام ما قدم - ﵀ - من براهين وثوابت، شرعية وفطرية، يتعين على كل متجرد للحق التسليم لها.
ولكثرة الأدلة التي أوردها في هذا المقام، سأتخير منها ما يفى بالمقصود بإذن الله تعالى:
_________________
(١) المرجع السابق: (٨/ ٨٣)
(٢) شفاء العليل: ٣١٩ - ٣٤٥.
[ ٥٨٤ ]
أولًا: إبطال حجتهم المعتمدة في نفى الحكمة، وهى أن كل من فعل لغرض فهو ناقص بذاته، ومستكمل بغيره.
أما الشق الأول من هذه الشبهة وهو قولهم: "ناقص بذاته"؛ فعند البحث عن الفروض المحتمل إرادتها بهذا النقص المشار إليه يمكن إرجاعها إلى أحد المعانى التالية:
- الأول: أن النقص هنا؛ هو انعدام الكمال الغير واجب حصوله قبل حدوث المطلوب.
- والثانى: أن النقص هنا؛ يعني انعدام ما ليس كمالًا قبل وجوده.
والذي يتحصل عند سبر هذه الفروض؛ أنها ساقطة، وغير كافية في إثبات النقص الذاتى بحال:
فالفرض الأول؛ دعوى باطلة، فإنه قد ثبت أن ما كان في حيز العدم مع كون حصوله ليس بكمال في ذلك الوقت، فإنه يمتنع وصفه بالكمال قبل حصوله في الوقت المراد.
أما الفرض الثاني؛ فظاهر السقوط، فما ليس بكمال قبل وجوده لا يعد انعدامه نقصًا، والمعنى الأول يرجع إلى الثاني.
وعليه "فما كان قبل وجوده عدمُه أولى من وجوده، وبعد وجوده وجوده أولى من عدمه، لم يكن عدمه قبل وجوده نقصًا، ولا وجوده بعد عدمه نقصًا، بل الكمال عدمه قبل وقت وجوده، ووجوده وقت وجوده.
وإذا كان كذلك فالحكم المطلوبة والغايات من هذا النوع وجودها وقت وجودها هو الكمال، وعدمها حينئذ نقص، وعدمها وقت عدمها كمال، ووجودها حينئذ نقص.
وعلى هذا فالنافى؛ هو الذي نسب النقص إلى الله - تعالى - لا المثبت".
أما الشطر الثاني من الشبهة؛ والتى تلى ما تقدم في الحكم، وهو قولهم: "بأن من فعل لأجل غاية فقد استكمل بغيره"؛ فإن إبطال هذه الشبهة يكون؛ ببيان المراد بذلك الغير الذي حصل به الكمال، فيقال: إما أن يكون المراد بالغير شيئًا خارجًا عنه قد استفاد منه تلك الحكمة.
[ ٥٨٥ ]
أو أن يراد به مغايرة الحكمة له، واستكماله بها، عند اتصافه بها.
أما المراد الأول فممتنع؛ لأنه "لا رب غيره، ولا خالق سواه، ولم يستفد سبحانه من غيره كمالًا بوجه من الوجوه".
وكذلك الثاني؛ فإنه لا يسلم مراده؛ لأن "الحكمة صفته سبحانه، وصفاته ليست غيرًا له".
فكما أنه تعالى متصف بالعلم، والقدرة، والإرادة مع كونها قائمة به، ليست مغايرة له، فكذلك الحكمة فهى صفته تعالى، ولا يقال في وصفه بها: إنه مستكمل بغيره. (١)
ثم إن منعهم التعليل بحجة الاستكمال "منقوض بنفس ما يفعله - تعالى - من المفعولات" (٢)، فإذا ثبت أنه تعالى يفعل المفعولات، كما يقر بذلك الأشاعرة دون أن يلزمه الاستكمال بها؛ فكذلك ما يفعله تعالى لعلة محمودة.
- وإذا ثبت بطلان أصلهم في منع تعليل أفعال الرب تعالى، بقى أن أبين من جانب التقرير المستند إلى دلالة العقل في فهم نصوص الشرع ما يكفى في إثبات تعليل أفعاله تعالى بالحكمة.
فمن الأمور المستقرة في الفطر والألباب اتصافه تعالى بكل كمال، كما أن أسماءه الحسنى دالة على هذا الأصل العظيم في العلم بما يجب في حقه تعالى، ولما كان في إثبات الحكمة كمال؛ لأن النقل الصحيح والعقل الصريح يقضيان؛ بأن من يفعل الفعل لغاية محمودة أكمل ممن يخلو مراده عن ذلك، وفي نفيها عنه - تعالى - نقص، "والأمة مجمعة على انتفاء النقص عن الله، بل العلم بانتفائه عن الله تعالى من أعلى العلوم الضرورية المستقرة في فطر الخلق" (٣)؛ وجب إثباتها لله تعالى.
_________________
(١) المرجع السابق: ٣٤٨. ومجموع الفتاوى: (٨/ ١٤٦).
(٢) مجموع الفتاوى: (٨/ ١٤٦).
(٣) المرجع السابق: ٣٤٩. ومجموع الفتاوى: (٨/ ١٤٧).
[ ٥٨٦ ]
وإثبات الحكمة على هذا الوجه الذي دل عليه المنطوق الصحيح والمعقول الصريح؛ "به يثبت أن الله حكيم؛ فإنه من لم يفعل شيئًا لحكمة لم يكن حكيمًا" (١).
* * *
أما ما ذهب إليه الأشاعرة من أن المراد بصفة الحكمة؛ الإحكام، والإتقان في الصنعة، وأن معنى الحكيم من اتصف بذلك، فيكون من باب التفسير بجزء المعنى فقط، ولا كفاية فيه لدلالة على المراد من هذه الصفة العظيمة، ثم إن في تفسير الحكمة بالإحكام إلزام لهم بإثبات الحكمة له تعالى في كل أفعاله وخلقه وأمره، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، إذ لا مفهوم للإحكام إلا أن يكون لكل جزء في المخلوق من حيث تركيبه على هيئة معينة، ووفق سنة ربانية معهودة وغاية محمودة؛ لأجلها تم إحداثه، وإناطة الوظيفة به على الصورة التي ركب عليها. والأدلة الشرعية نقلية وعقلية تفيد هذا، وتدل عليه بأوضح حجة، وأكمل برهان.
والحق أن الصاوي في هذا الباب قد وقع في التناقض؛ إذ كيف ينفى عن أفعال الله تعالى تعليلها بالعلل والأغراض، ويذكر حجة الأشاعرة في ذلك، ثم يفسر الحكيم على أحد أقواله؛ بأنه واضع الشيء في محله!، مع أنه يدرك ببداهة العقل أن من كانت هذه صفته وجب اتصافه بالحكمة على مراد السلف منها.
بل ويثبت الحكمة في أفعاله، ويستنكر على من نفى هذا بقوله: "سبحانك ما خلقت هذا عبثًا"!
هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ كيف يثبت الحكمة في أفعاله بمعنى العلة الغائية، ويرى في ذلك مخرجًا من إلزامات الأشاعرة السابقة!، ثم يفرق بينها وبين العلة الباعثة؟، مع أنه عند التحقيق لا فرق بينهما البته؛ وذلك أن الغاية ما لم تكن
_________________
(١) الفتاوى لشيخ الإسلام: (٨/ ٣٧٨).
[ ٥٨٧ ]
باعثة لا تسمى غاية، إذ الغاية هي التي يتغيها الإنسان بمعنى أنه يقصد فعله لأجل تحقيقها، وبالتالى تكون هي الباعثة له على فعله؛ ولذا صح تسميتها بالغاية، فأى تفريق بينهما لا اعتداد به لمخالفته صريح العقل والفطرة.
وهذا ما رد به شيخ الإسلام على الفلاسفة النافين للحكمة، حيث ألزمهم بالإقرار بها لإثباتهم العلة الغائية، يقول: "إما أن تثبتوا لمبدع العالم حكمة وغاية مطلوبة، وإما ألَّا تثبتوا، فإن لم تثبتوا بطل قولكم بإثبات العلة الغائية، وبطل ما تذكرونه من حكمة الباري تعالى في خلق الحيوان، وغير ذلك من المخلوقات" (١) إلى آخر كلامه - ﵀ - في إثبات الحكمة على الوجه المراد منها.
ويكون الصاوي بإثباته وجود اللام الغائية في القرآن؛ قد خالف أصل المذهب في هذه القضية، يقول شيخ الإسلام: "وأما نفاة الحكمة كالأشعرى وأتباعه، كالقاضى أبى بكر، وأبى يعلى وغيرهم، فهؤلاء أصلهم أن الله لا يخلق شيئًا لشيء، فلم يخلق أحدًا لعبادة، ولا لغيرها، وعندهم ليس في القرآن لام كى، لكن قد يقولون: في القرآن لام العاقبة". (٢)
ولكن تفريقه بين العلة الغائية وبين العلة الباعثة يعد انتكاسًا، ورجوعًا إلى مذهب الأشاعرة، كما أنه ليس بخفى ما وقع فيه من تناقض بسبب هذه الآراء المتعددة، فقد حاول التوسط بين قولين، كل منهما على نقيض الآخر، وهذا من المحال، فيعود بذلك إلى مذهب نفاة الحكمة والتعليل.
ومما يؤكد هذا أنه وجد في نفى الحكمة والغرض بغيته في الرد على المخالفين في القدر من المعتزلة، أو الجبرية الغلاة، فإنه حين منع التلازم بين الرضا والإرادة؛ برر بنفى التعليل، والغرض ما قدر له الوقوع من الكفر الذي انتفى عنه الرضا.
وكان هذا الاعتقاد حاملًا له على تفسير الظلم؛ بأنه التصرف في ملك الغير حتى ينزه أفعاله تعالى التي اعقد فيها الخلو من العلل والأغراض عن الظلم.
_________________
(١) الفتاوى: (٨/ ٨٨).
(٢) الفتاوى: (٨/ ٤٤).
[ ٥٨٨ ]
والذي عليه مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، أنه مع صحة التفريق الذي ذكره الصاوي بين ما يرضاه تعالى وما يريده، أو كما يعبر عنه باللغة المطابقة لما ورد بلسان الشرع؛ بين ما يريده شرعيًا، وما يريده كونًا؛ إلا أن ذلك ليس فيه ما يعني نفى الحكمة عن مراداته تعالى، فالخير منه وإليه، والشر ليس إليه، يوضحه أن المراد قد يكون مرادًا لذاته، أو مرادًا لغيره، والأول كإيمان المؤمنين وتعريضهم للثواب والأجر، وأما الثاني فكإيجاده لإبليس، "فإن في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله، فالله سبحانه لم يخلقه عبثًا، ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم" (١)
فالشر في حقيقته نوعان: شر محض، وشر نسبى، والأول لا مكان له في الوجود، لأنه تعالى لا يخلق شيئًا عبثًا، وأما الشر النسبي الذي قد يكون في حقيقته شرًا مؤكدًا ولكنه بالإضافة إلى ما يترتب عليه من المصالح العميمة يصبح شره نسبيًا بحيث يراد للخير الذي يتأتى بسببه؛ فهذا ما يتوجه له القول في خلق إبليس، فقد كان وجوده سببًا لظهور حقائق الإيمان من القلوب، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
وهذا هو الحال في الكثير مما يريده تعالى من الأمور التي ظاهرها الشر، كسائر المصائب والابتلاءات؛ فإنه بالنظر إلى حقيقتها من حيث هي، فلا يشك في كونها شر، ولكنها بالنسبة لما يترتب عليها من أنواع العبادات القلبية والبدنية، كالصبر، والرضا، واليقين، والإنابة إلى الله تعالى، تكون مرادة محمودة، فكل "مخلوق باعتبار الحكمة التي خلق لأجلها خير وحكمة، وإن كان فيه شر من جهة أخرى، فذلك أمر عارضى جزئى ليس شرًا محضًا". (٢)
_________________
(١) شفاء العليل: ٣١٠.
(٢) مجموع الفتاوى: (٨/ ٥١٢).
[ ٥٨٩ ]
فأفعال المولى تعالى كلها دائرة بين العدل، والفضل، والحكمة، والمصلحة لا محيد فيها عن ذلك.
وأما ما يلزم الصاوي لمنعه التعليل من؛ أنه تعالى "يخلق الشر الذي لا خير فيه، ولا منفعة لأحد، ولا له فيه حكمة، ولا رحمة، ويعذب الناس بلا ذنب لم يكن مدحًا له بل العكس؛ والحق أن هذا هو مذهب الجهم بن صفوان الذي يقول فيه: "إن الله خلق الشر المحض الذي لا خير فيه لأحد؛ لا لحكمة ولا لرحمة" (١)
و"الكتاب، والسنة، والاعتبار يبطل هذا" (٢)
ولا بد في بيان هذا الأصل من التنبيه إلى أن عدم العلم بالحكمة لا يعني انتفاءها، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "ما من ذرة في السموات والأرض ولا معنى من المعانى؛ إلا وهو شاهد لله تعالى بتمام العلم والرحمة، وكمال القدرة والحكمة، وما خلق الخلق باطلًا، ولا فعل شيئًا عبثًا، بل هو الحكيم في أفعاله وأقواله ﷾، ثم إن من حكمته ما أطلع بعض خلقه عليها، ومنها ما استأثر سبحانه بعلمه" (٣)
لهذا كان الجواب بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ كافيًا في الإجابة على سؤال الملائكة القائلين: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
فإنه ليس من مقدور البشر الإحاطة بحكمة الرب تعالى في فعله وخلقه وأمره، فالأصل أن حكمته تعالى "صادرة من علمه، وحكمته، وقدرته" (٤) وما يعلمه لا يقدر على الإحاطة به إلا هو؛ لذا قرن الملائكة بين هذين الوصفين عندما أمروا بذكر أسماء المسميات؛ فـ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].
_________________
(١) شفاء العليل: ٣٠١.
(٢) الفتاوى: (٨/ ٢٠٧).
(٣) المرجع السابق: (٨/ ١٩٧).
(٤) المرجع السابق: (٨/ ٤٦٥). وانظر: (٨/ ٣٩٨).
[ ٥٩٠ ]
حقيقة الظلم:
وبناء على ما تقدم يعلم بطلان تعريف الظلم؛ بأنه التصرف في ملك الغير، ومن ثم تنزيه المولى تعالى عنه - كما ذكر الصاوي - بل حقيقة الظلم التي يجب نفيها عن المولى تعالى كما بينها السلف؛ هي وضع الشيء في غير محله (١).
وعليه فوضعه تعالى للأشياء في محلها هو عين الحكمة، وتمام العدل والرحمة.
وكان هذا مما فسر به الصاوي (الحكيم) على أحد قوليه، ولو تفطن لما يقتضيه هذا الوصف؛ لأثبت به عدل الله تعالى وحكمته، وبذلك ينتفى عنه الظلم.
وعليه فإن تفسير الظلم - الذي تواترت الأخبار بتنزيهه تعالى عنه - بإنه التصرف في ملك الغير؛ هو عين الجهل؛ إذ لا مستند له من اللغة، أو الشرع، تقول العرب: (من شابه أباه فما ظلم)، كما يقال: (هو أظلم من حية)؛ لأنها تدخل حفرًا لم تحفرها، فهذا المعنى للظلم مما هو معروف في اللغة، والأمثلة على ذلك كثيرة (٢).
أما في الشرع؛ فمن مقتضى استحقاق المولى تعالى للحمد والثناء تركه تعالى للظلم مع قدرته على فعله. "ومعلوم أن المحال الذي لا يمكن، ولا يكون مقدورًا أصلًا لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته ولا فعله، ولا يحمد على ذلك، وإنما يكون المدح بترك الأفعاله لمن هو قادر عليها، وأن يتنزه عنها لكماله، وغناه، وحمده" (٣).
هذا ويستدل الإمام ابن القيم على بطلان ما ذهب إليه الأشاعرة في تفسيرهم للظلم، بقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] يقول: "فنفى أن يكون تعذيبه لهم ظلمًا، ثم أخبر أنهم هم الظالمون بكفرهم، ولو
_________________
(١) انظر: جامع الرسائل: ١٢٤.
(٢) انظر: لسان العرب مادة ظلم: (٥/ ٢٧٥٦)، وانظر: تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة: ٤٦٧: تحقيق: أحمد صقر.
(٣) مفتاح دار السعادة: (٢/ ١٠٨).
[ ٥٩١ ]
كان الظلم المنفى هو المحال، لم يحسن مقابلة قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾، بقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾، بل يقتضى الكلام أن يقال: ما ظلمناهم؛ ولكن تصرفنا في ملكنا وعبيدنا، فلما نفى الظلم عن نفسه، وأثبته لهم؛ دل على أن الظلم المنفى؛ أن يعذبهم بغير جرم، وأنه إنما عذبهم بجرمهم وظلمهم" (١).
مع ما يلزمهم من نسبة القبيح لفعله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (٢).
أما ما اعتقده الصاوي من أن نفى التعليل والغرض فيه رد على المعتزلة؛ فهذا باطل لا يصح؛ لأن شبهتهم في تلازم الأمر والإرادة لا تبطل بمثل هذا التقرير المباعد للحقيقة الشرعية الفطرية في إثبات الغرض المحمود في أفعاله تعالى، بل الرد عليها يكون بما تقدم من أن حكمته تعالى قد تخفى في ظاهر المراد مع وجودها؛ لتعلق حكمته، وعدله، ورحمته بكل ما يكون منه، وما يتصرف فيه من خلق وأمر.
كما يكون أيضًا بالتأكيد على قضية التلازم بين الرضا؛ والمراد شرعًا، لا قدرًا، وذلك ببيان الأدلة الثابتة الدالة على أنه تعالى لا يرضى لعباده الكفر، معِ تمام ملكه وقدرته، وأنه لا يكون إلا ما يشاء سبحانه، كما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].
ثم إن الأساس الذي قام عليه مذهبهم في تنزيه المولى تعالى عن الظلم؛ هو إثبات الحكمة على المعنى المشاهد عند البشر، وذلك بقياس الشاهد على الغائب، فما وجدوه قبحًا وظلمًا من أفعال العباد نزهوا الله عن إرادته، وحكموا بنسبته لفعل العبد على جهة الاستقلال، وقد سبق بيان فساد هذا المسلك في الاستدلال على صفات الله تعالى؛ لأنه لا يستقيم الاستدلال به إلا مع التيقن من استواء طبيعة الشاهد والغائب، أما وقد دل برهان الفطرة والشرع على أنه تعالى ليس كمثله شيء؛ فلا اعتداد بمثل هذه الأقيسة الدخيلة على المعتقد، ويبقى الاستغناء بما دل
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: (٢/ ١٠٧).
(٢) انظر: الفتاوى: (٨/ ٥٠٩).
[ ٥٩٢ ]
عليه الشرع؛ من أنه تعالى لا يظلم، بمعنى أنه لا يعذب أهل طاعته، ومن استحق بوعده الثواب والأجر. والحق أن مكمن الضلال الذي وقع فيه هؤلاء؛ هو عدم التمييز بين الفعل وبين الخلق، فالله تعالى خالق أفعال العباد وليس بفاعل لها، فالفاعل؛ هو من يقوم به الفعل، ويوصف به، وترجع إليه أحكامه أما الخالق تعالى فلا يوصف بتلك الأفعال، ولا ترجع أحكامها إليه إطلاقًا.
فهو خالق أفعال العباد بما فيها الصلاة والصيام، ومع ذلك لا يوصف بأنه مصلٍ، أو صائم، وكذا ما في أفعالهم من جور وظلم، يقول شيخ الإسلام في رده عليهم: "فكونكم أخذتم في حد الظالم؛ أنه من فعل الظلم، وعنيتم بذلك من فعله في غيره، فهذا تلبيس، وإفساد للشرع، والعقل، واللغة؛ . . ." (١).
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (١٨/ ١٥٣)، وسأفصل ما يتعلق بأفعال العباد في المبحث التالى إن شاء الله تعالى.
[ ٥٩٣ ]
(المبحث الثالث): أفعال العباد
تمثل هذه القضية محور النزاع في المسائل المتعلقة بالقدر، بين الفرق الإسلامية على اختلاف مذاهبها؛ فكل اختلاف وقع في مسائل القدر كانت قضية أفعال العباد هي أساسه من حيث المبدأ، ونتيجة له من حيث تنظير المقدمات، وتقعيد الأصول.
وحقيقة الخلاف في كل ذلك؛ ترجع إلى اعتقاد التناقض بين الشرع والقدر، وإلى هذه المهمة يلفت شيخ الإسلام أنظار الباحثين عن الحق، يقول - ﵀ -: "ومسألة القدر يحتاج فيها إلى الإيمان بقدر الله، وإلى الإيمان بشرع الله، فطائفة غلب عليهم التصديق بالأمر والنهى، والوعد والوعيد، فظنوا أن هذا لا يتم إلا بالتكذيب بالقدر؛ فأخطئوا في التكذيب به، وطائفة ظنت أن الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأن يقول: إن الرب تعالى يخلق ويأمر لا لحكمة ولا لرحمة" (١).
فالمعتزلة كما هو واضح من النص، غلبت جانب الشرع على القدر، وغلت في الإيمان بالتكليف؛ حتى طعنت في القدر، وأنه تعالى خالق لكل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، وقدمت لهذه النتيجة مقدمات متعددة من تعليل أفعال الله تعالى بالحكمة، واستحالة الظلم عليه، وتحسين الأشياء وتقبيحها بالعقل، كل ذلك كان بمثابة الأدلة التي أرادت بها أن تدعم موقفها من نفى هذه المرتبة من مراتب القدر المتعلقة بأفعال العباد، وقد سبق بيان مكمن ضلالها في تلك المسائل، وأنها بإرجاعها كل شيء للعقل؛ ابتعدت عن هدى الإيمان الذي يقضى بالتسليم التام لقضاء الله تعالى وقدره كما في الحديث الشريف: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) (٢).
_________________
(١) درء التعارض: (٨/ ٤٠٥).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان - باب سؤال جبريل - ﵇ -.
[ ٥٩٤ ]
ولا شك أن المسلك الخاطئ الذي التزمته في الاستدلال على ما يجب في حق الله تعالى وما يمتنع عنه؛ كان له أكبر الأثر فيما وقعت فيه من مخالفة النهج القويم المستمد من الكتاب والسنة، فقياس الشاهد على الغائب حملها على رد كل ما استقبحته من الأفعال المشاهدة من العباد وقاست عليها أفعال الرب تعالى دون أدنى تفريق أو إعمال لداعى القطرة الذي يهتف بأنه الرب سبحانه ليس كمثله أحد، وبهذا طعنت في أعظم حقيقة عرفها الوجود وهى انفراد الرب تعالى بالخلق والتدبير.
وفي مقابل هذه الفئة ظهرت الجبرية معظمة لجانب القدر، ملتزمة للإقرار بربوبية الله تعالى، ولكنها أجحفت في الجانب الآخر: جانب الشرع، فالجبرية الغلاة أتباع الجهم ذهبوا إلى نفى الاختيار تمامًا عن العبد، وعدم التفريق بين ما يضطر إليه من الأفعال وما يريده، ونفت بذلك قدرة العبد تمامًا، وردت الشرع، وجوزت على الله تعالى أن يعذب من قضى ساعات عمره في طاعة الله تعالى، وليس هذا هو مجال عرض أثر هذا المعتقد الضال عليها، وكان ممن تأثر بمنهجها فرقة الأشاعرة؛ حيث عدلت فيه بعض التعديلات؛ نتيجة اعتبارها للتكليف وجانب الشرع، فأثبتت قدرة العبد الحادثة، ونسبت له الكسب؛ حتى يصح تكليفه بذلك، ولكن مفهوم الكسب عندها داخله اضطراب كبير، لم يعد يملك نتيجة له أحقية مفارقة مذهب الجبر، مع اختلاف في أثر المعتقد على الإيمان بالشرع، وسيأتي الحديث عنه فيما يلى إن شاء الله.
وقد توسط السلف الصالح بين هذين التيارين المتعاكسين، فلم يغلبوا جانبًا على آخر، وعليه فإن معتقدهم فيما يتعلق بأفعال العباد يقوم على أصلين:
الأول: أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، فالمعتقد الصحيح في كل ما هو موجود يستند إلى مبدأ الثنائية، تلك الحقيقة التي أشارت إليها الفاتحة في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فأثبتت الرب الواحد، والمربوب وهو العالم بأسره، ولا تخرج أفعال العباد عن أن تكون مربوبة لله تعالى؛ لعموم ربوبيته،
[ ٥٩٥ ]
وتدبيره لشؤون خلقه، وهذا ما دل عليه صراحة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ثم إن أفعال العباد متعلقة بقدرة الله تعالى النافذة في كل ما هو ممكن، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الثاني: الإيمان التام بحقيقة الشرع الذي أثبته المولى تعالى لنفسه في محكم التنزيل، والإيمان بما يقتضيه الإقرار به من التكليف، وما يستلزمه من صحة نسبة القدرة على الفعل للعبد، بل وتأثيرها فيه على جهة الحقيقة، وذلك ضمن دائرة السببية، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢].
أدلة القدرية والجبرية:
وتجدر الإشارة إلى أن الشبهة التي اعتمدها كلا الفريقين: القدرية والجبرية واحدة، وهى عدم إمكان وجود فعل بقدرتين، فالتزمته المعتزلة، وأرجعت الفعل إلى قدرة العبد على جهة الاستقلال؛ استنادًا إلى الضرورة العقلية، التي تشهد بأن الفعل صادر عن إرادة الإنسان، يقول القاضي عبد الجبار: "إن هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصودنا ودواعينا، ويجب انتفاؤها بحسب كراهتنا وصارفنا مع سلامة الأحوال إما محققًا وإما مقدرًا، فلولا أنها محتاجة إلينا ومتعلقة بنا وإلا لما وجب ذلك فيها؛ لأن هذه الطريقة تثبت احتياج الشيء إلى غيره، كما يعلم احتياج المتحرك إلى الحركة والساكن إلى السكون، وهذه هي الدلالة المعتمدة" (١).
وهذا كما هو صريح من جانب الرد التقعيدى الإيجابى، أما من جهة السلب أو الإلزام؛ كما يعبر عنه، فيعتقد أن في نسبة الفعل إلى الرب تعالى ما ينسب إليه القبيح من الظلم المنافى لإرادة الحكمة والعدل (٢).
ويعتقد إلى جانب هذا أن في القول بخلق الأفعال طعنًا في جانب التكليف، المتمثل بإرسال الرسل، وإنزال الكتب بما فيها من أوامر ونواهٍ؛ حتى يؤدى ذلك إلى نسبة العبث المنافى لتمام الحكمة والعدل للرب تعالى (٣).
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة: ٣٣٧. وانظر: المحيط بالتكليف: ٣٤٠.
(٢) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضى عبد الجبار: ٣٤٥. وقد شق مناقشة قضية الظلم فلتراجع: ٥٧٨.
(٣) مذاهب الإسلاميين، عبد الرحمن بدوى: ٣٣٤. وانظر: المحيط بالتكليف: ٣٤٨.
[ ٥٩٦ ]
وكذلك الأشعرية التزمت نفس الشبهة في منع صدور الفعل بقدرتين وقادرين، ولكن مع اختلاف في النتيجة؛ حيث أثبتت وجود القدرة الحادثة في العبد، ولكن دون أن يكون لها أدنى أثر في إحداث الفعل، فالفعل فعل الله تعالى، وقدرة العبد ما هي إلا سبب اقترانى يوجد الفعل عنده لا به، وكان هذا هو مذهب الأشعري وعليه بنى النظرية المعروفة بالكسب
هذا والمذهب الأشعري الممثل بكبار منظريه؛ قد حصل فيه اضطراب في حقيقة الكسب، وذلك أن القاعدة التي أسسها الأشعري لتصور علاقة الإنسان بأفعاله لم تكن مستساغة لدى جميع من سار على نهجه (١).
وعلى الرغم من هذه المحاولات العديدة من الأشاعرة في رفض الجبر عقيدة ومذهبًا، وإضفاء نوع من الواقعية لفكرة الكسب؛ حتى تبعده عن مذهب الجبر، إلا أن الرازي وهو العالم بخفايا المذهب، الواقف على أغوار مراميه، يتفطن إلى أن المراد بالكسب تقرير مذهب الجبر، ويدعم موقفه هذا بالأدلة التي يرى فيها تأييدًا لما ذهب إليه؛ فيستدل على أمرين ليصل بنتيجتيهما إلى ما يريد من تقرير الجبر: خلق أفعال العباد بدليل الإمكان؛ إذ لا تخرج عن كونها إما ممكنة، أو واجبة. ولما استحال وجوبها؛ إذ لا يرجح وجودها على عدمه إلا بمرجح، لم يبق إلا كونها ممكنة؛ بمعنى مخلوقة" (٢).
وقد يعارض موقف الرازي من حقيقة الكسب بموقف آخر لواحد من كبار منظرى المذهب الأشعري، ذلكم هو الإمام الجويني؛ حيث رد على من نفى التأثير مطلقًا من جهة الجد، وأرجع حقيقة الكسب إلى السببية؛ فأثبت بهذا لقدرة العبد أثرًا في الفعل على جهة السببية، ودون الاستقلال (٣).
* * *
_________________
(١) الإنصاف للباقلاني: ٤٦.
(٢) المباحث المشرقية للرازي: (٢/ ٥٤٤).
(٣) شفاء العليل: ٢١٢.
[ ٥٩٧ ]
رأي الشيخ الصاوي:
يلتزم الصاوي مسلك سابقيه في تقرير نظرية الكسب، مع ميل واضح إلى تقرير عقيدة الجبر؛ متأثرًا بذلك بالفكر الصوفي، الذي يجعل من القدر حقيقة مرادة، ولو عارضت الشرع في الظاهر، وعند سبر أقواله في هذا المجال؛ يمكن إرجاعها إلى عدة نقاط كلها تهدف إلى ما سبق بيانه:
أولًا: أفعال العباد وحقيقتها القدرية:
يرجع الصاوي الأمر كله لله تعالى؛ فهو الخالق وهو الفاعل، ولا يثبت للعبد إلا ميلًا يحدثه حال اختياره، يقول: "إن الله خالق لعبيده، وما عملوه من خير أو شر اختيارًا أو اضطرارًا، وليس للعبد إلا مجرد الميل حالة الاختيار؛ ولذا طولب بالتوبة والإقلاع والندم، واستحق التعزير والحدود والثواب والعقاب" (١).
كما يلحظ منه تصريح بالجبر، ولا يرى في ذلك بأسًا، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]: " (وما تشاءون)؛ رجوع للحقيقة، وإعلام بأن العبد مختار في الظاهر، مجبور في الباطن على ما يريده الله منه" (٢).
ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]: "المراد بالخلق؛ الإيجاد، وبالأمر؛ التصرف، فهو منفرد بالإيجاد والتصرف فلا شريك له فيهما، وتصرف الحادث إنما هو بتصرف الله له، وليس لمخلوق استقلال بتصرف أبدًا، وإنما العبيد مظاهر التصريف" (٣).
وحتى يخرج نفسه من دائرة الجبر المحض؛ يقرر معتقد الأشاعرة في الكسب، سالكًا مذهب الأشعرى في ذلك، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]: "الإنصاف في التوحيد؛ اعتقاد أن الله متصف بكل
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٣٤.
(٢) حاشية الجلالين: (٤/ ٢٩١).
(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ٧٣).
[ ٥٩٨ ]
كمال، منزه عن كل نقص، والإنصاف في الاعتقاد؛ نسبة الأفعال كلها لله، ونسبة الكسب للعبيد؛ خلافًا للجبرية والمعتزلة، فالفرقة الأولى نفت الكسب أصلًا، وقالوا: العبد كالخيط المعلق في الهواء، لا فعل له أصلًا، وتعذيب الله له ظلم، وهؤلاء كفار، والفرقة الثانية، قالوا: العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وهؤلاء فساق، وكلا المذهبين جور، والإنصاف نسبة الأفعال كلها لله خيرها وشرها، ظاهرها وباطنها، ولكن من الأفعال ما هو جبرى، وهذه لا كسب للعبد فيها، ولذا لا يثاب عليها ولا يعاقب، ومنها ما هو اختيارى، وهذه للعبد فيها نوع كسب ولذا يثاب عليه إن كان خيرًا ويعاقب عليه إن كان شرًا" (١).
أما عن المراد بالكسب؛ فيوضح ذلك بقوله: "الكسب هو تعلق قدرة العبد وإرادته بالفعل، فإذا تعلقت قدرة العبد وإرادته بالفعل؛ فمن عظيم قدرة الله تعالى إيجاد الفعل عند قدرة العبد لا بقدرته وإرادته" ويضرب لذلك مثالًا: "كقطع السكين مثلًا؛ فإن القطع عند مرور السكين لا بالسكين؛ فإنه يمكن تخلفه، فمقارنة قدرة العبد وإرادته لإيجاد الله هو المسمى بالكسب" (٢).
وهذا ما يدعو إلى معرفة رأيه في:
ثانيًا: الأسباب، وموقف الناس منها:
يجمل الصاوي رأيه في موقف الناس من الأسباب، فيقول: "من قال: إن الأسباب العادية تؤثر بذاتها من غير جعل من الله تعالى؛ كفر بالإجماع، ومن قال: بقوة خلقها الله فيها فمبتدع، ومن قال: إنها تؤثر بإذن الله لكون بينها وبين ما قارنها ملازمة عقلية؛ فلا يصح التخلف، فهو جاهل واعتقاده يؤول به إلى الكفر" (٣).
ويستدل على صحة مذهبه في أن الأسباب لا تؤثر إطلاقًا؛ بحادثة الفداء كما في قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل - ﵉ -، يقول: "استدل أهل السنة على
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٣٠١).
(٢) حاشية الجوهرة: ٣٥.
(٣) حاشية الخريدة: ٦٨. وانظر: حاشية الجلالين: (٣/ ١٥٢).
[ ٥٩٩ ]
أن الأمور العادية لا تؤثر شيئًا لا بنفسها ولا بقوة أودعها الله فيها، وإنما المؤثر هو الله تعالى، ولو لم يكن ذلك كذلك لما تخلف القطع في ولد إبراهيم، وتخلف الإحراق في إبراهيم" (١).
ومع هذا فهو لا ينكر الأخذ بالأسباب، بل يسم من تركها بالضلال والخسران، أما عن علاقة حصول الأمر بالسبب؛ فهو يرجع ذلك إلى مجرد الاقتران؛ متبعًا مذهب الأشعري في الأسباب، يقول: "فينبغى للإنسان أن يفوض أمر الرزق له تعالى، ولا ينافى هذا أخذه في الأسباب؛ لأن الله تعالى أوجد الأشياء عند أسبابها لا بها، فالأسباب لا تنكر ومن أنكرها فقد ضل وخسر" (٢).
ثالثًا: أدلة رجح بها مذهب الأشعري، ورد بها على مخالفيه:
يستدل الصاوي لموقفه من أفعال العباد بعدد من الأدلة بين سمعية، وأخرى عقلية:
الأدلة السمعية:
- قال تعالى: ﴿وَاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
- وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].
- وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
يقول: "استدلال على انفراده تعالى بالإيجاد سواء كانت ما مصدرية، أو موصولة بمعنى الذي، فالآية حجة لنا على انفراده تعالى بالإيجاد، ورد على المعتزلة القائلين: أن يخلق أفعال نفسه الاختيارية" (٣).
الأدلة العقلية:
يبرهن الصاوي على أن أفعال العباد مخلوقة بطريق السبر والتقسيم، فيقول: "لا يخلو إما أن يكون حصول هذا الفعل بقدرة الله تعالى وقدرة العبد، فإن قالوا:
_________________
(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٣٢١).
(٢) المرجع السابق: (٣/ ٢٢٦).
(٣) حاشية الخريدة: ٦٤.
[ ٦٠٠ ]
نعم، قلنا: لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وإن قالوا بقدرة العبد فقط؛ لزم وقوع شيء في الكون قهرًا عن الله ﷾، ولزم أن لا يكون ﷾ واحد في الأفعال وهو كفر".
فلم يبق من هذه الأقسام إلا فرض واحد؛ وهو أن تكون الأفعال بقدرة الله تعالى، كما يستدل بجهل الإنسان على عجزه وعدم إمكان نسبة الأفعال إليه، يقول: "لو كان الفعل له لكان عالمًا بحركات نفسه وسكناتها مدى الأيام، فجهله بها دليل عجزه" (١).
* * *
رابعًا: حقيقة القدر في الفكر الصوفي:
يستخدم الصاوي عبارات الصوفية في المفارقة بين الشرع والقدر، وإطلاق مسمى الحقيقة على القدر الحاصل بما فيه من خير وشر؛ ويقع في التجاوزات نتيجة لذلك، فيورد كلام كبار الصوفية في عذر الخلق عند النظر إلى الحقيقة، ولا شك أن فيه مناقضة لتشديده على الجبرية، ونعتهم بالكفر، ولكن هذا مما أوقعه فيه ميله إلى التصوف، يقول: "من نظر للخلق بعين الحقيقة عذرهم، ومن نظر لهم بعين الشريعة مقتهم، فعذرهم بالنظر لخلق الله الضلال والهدى في قلوبهم، فالخالق للضلال والهدى والأفعال جميعها هو الله وحده؛ فمن نظر لذلك لم يستقبح فعل أحد؛ لأنه فعل الله في الحقيقة، قال الشاعر:
إذا ما رأيت الله في الكل فاعلًا رأيت جميع الكائنات ملاحًا
وإن لم تر إلا مظاهر صنعه حجبت فصيرت الحسان قباحًا" (٢)
* * *
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٣٤ - وحاشية الخريدة: ٦٧.
(٢) حاشية الجلالين: (١/ ١٢١)، (١/ ١٥٦).
[ ٦٠١ ]
المناقشة:
سبق وأن أشرت إلى أن أساس الضلال الحاصل في المسائل المتعلقة بالقدر؛ اعتقاد ثمة تناقض بين الشرع والقدر، وعليه فالواجب أولًا بيان انتفاء التناقض بينهما، وأنه لا يلزم لإثبات القدر القدح في الشرع؛ كما فعلت الجبرية، ولا يلزم لإثبات الشرع القدح في القدر؛ كما فعلت القدرية، وأن التسليم بكليهما يقتضى عدم الميل بأحدهما عما يجب فيه، لذا كان المنهج الصحيح هو التوسط وعدم ضرب نصوص الشرع بعضها ببعض، بل الإيمان بأن: كلا من عند ربنا، "فأدلة الجبرية متضافرة صحيحة على من نفى قدرة الرب على شيء من الأعيان والأفعال، وعموم مشيئته وخلقه لكل موجود، وأثبت في الوجود شيئًا بدون مشيئته وخلقه.
وأدلة القدرية متضافرة صحيحة على من نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره، وقال: إنه ليس بفاعل شيئًا، والله يعاقبه على ما لم يفعله، ولا له قدرة عليه بل هو مضطر إليه مجبور عليه" (١).
والحقيقة أن الخروج عن نهج الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح أساس لكل ضلال وبلاء، فالتسليم بالقدر دون جدال ومراء من أعظم أسس الإيمان بهذا الركن العظيم من أركان الإيمان ذلكم أنه قد نهى عن الجدال في القدر والخوض فيه بلا علم فالله تعالى لم يأمر عباده ولم يتعبدهم بكيفية القدر؛ ولكن تعبدهم بالتسليم له، مع عدم ضرب نصوص الدين بعضها ببعض، يقول الإمام الطحاوي (٢) "وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبى مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة، فإن الله طوى علم القدر عن
_________________
(١) شفاء العليل: ٩٤.
(٢) هو الإمام العلامة الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن الملك بن سلمة بن سليم الأزدى الطحاوي الحنفى ولد سنة: ٢٣٧ هـ، قال عنه الشيرازي: انتهت إلى أبى جعفر رياسة أصحاب أبى حنيفة بمصر، صنف في اختلاف العلماء وفي الشروط وفي أحكام القرآن العظيم ومعانى الآثار، توفى سنة: ٣٢١. انظر: تذكرة الحفاظ: (٣/ ٨٠٨).
[ ٦٠٢ ]
الأنام، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين" (١).
وعند سبر أقوال المخالفين لمنهج السلف؛ نجد أن الانحراف داخلهم من رد نصوص بعض الكتاب، أو استخدام بعض الألفاظ التي لم ترد في الشرع، فهؤلاء القدرية ردوا صريح الكتاب بأن الله تعالى خالق لكل شيء، وأنه لا أحد يملك الخروج عن مشيئته؛ كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، فدلالة هذه النصوص على إثبات خلق الله تعالى لأفعال العباد صريحة صحيحة، لا يجادل فيها إلا مكابر، قد قدم هواه على الشرع الحكيم، وليس في ذلك ما يبطل الشرع وحكمة المولى تعالى؛ كما فعل غلاة الجبرية، ومتوسطوهم، فالله حكيم يضع كل شيء في محله، وقد تقدم هذا كما أنه ﷿ لا يجبر أحدًا على فعله، فالجبر مما لم يرد لأفعال العباد؛ فلا يقال جبر وإنما خلق وجبل، فالله تعالى أعظم من أن يجبر أحدًا على شيء، وإنما يخلق ويجبل عبده على ما يريد؛ حتى يجعل العبد مريدًا لأفعاله عن اختيار ومشيئة (٢).
لذا كان هذا من الألفاظ التي كرهها الإمام أحمد - ﵀ -، فقد رد على من قال: إن الله جبر العباد، فقال: هكذا لا تقول وأنكر هذا وقال: يضل من يشاء ويهدى من يشاء، وفي رواية أخرى أنه في رده قال: بئس ما قال، ولم يقل شيئًا غير هذا (٣).
وجماع هذين الأمرين، أعنى: إثبات مشيئة العبد وإرجاعها أولًا وأخيرًا إلى مشيئة الرب تعالى، قوله عز من قائل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، يقول شيخ الإسلام: "وهذه الآية رد على الطائفتين: المجبرة
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية: ٢٤٩.
(٢) انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام: (٨/ ٤٦١).
(٣) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد: (١/ ١٥٨).
[ ٦٠٣ ]
الجهمية، والمعتزلة القدرية، فإنه تعالى قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] فأثبت للعبد مشيئة وفعلًا، ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فبين أن مشيئة العبد معلقة بمشيئة الله، والأولى رد على الجبرية، وهذه رد على القدرية الذين يقولون: قد يشاء العبد ما لا يشاؤه الله" (١).
وكل ما يستدل به الجبرية على مناقضة هذا الأصل، وهو إثبات فعل العبد على الحقيقة وإرجاعه إلى جملة الأسباب، التي أوجدها الله تعالى ورتب على وجودها ما أراد سبحانه، فيه ما يثبت بطلان قولهم، فقد استدل الصاوي بهذه الآية الكريمة على الجبر ولا مستند له فيما ذهب إليه كما تقدم ويستدل غيره أيضًا من أهل الجبر بمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فأثبت المولى تعالى رمى العبد ولكنه نفى عنه الاستقلال بالرمى وهذه هي حقيقة الأسباب التي أثبتها أهل السنة وأرجعوا إليها فعل العبد وقدرته على إنجاز ما يريد، ومن هنا نأتى إلى مناقشة نظرية الكسب في الفكر الأشعري.
نظرية الكسب في الفكر الأشعري:
من خلال عرض أقوال طائفة من كبار منظرى المذهب الأشعري تبين وبوضوح أن نظرية الكسب كانت محل اختلاف واضطراب عند أصحاب المذهب وأن هذا الاضطراب كان نتيجة لعدم اقتناع بحقيقة الكسب، يقول عبد الرحمن البدوى: "يظهر أن موقف أبى الحسن الأشعري لا يمكن قبوله ولا بد من تعديله: فعدله الباقلانى؛ بأن أثبت للقدرة الإنسانية تأثيرًا، هو حال به يتصف صاحب القدرة بكسبه لهذا الفعل، وجعل هذه الحال هي التي ينالها العقاب والثواب، لكن الجويني رأى أن هذا غير معقول، ويساوى نفى التأثير الذي قال به الأشعري، ولهذا خطا خطوة أبعد فأقر قيام نسبة حقيقية بين فعل العبد وبين قدرته، لكن في غير أمور الإحداث والخلق، وهذه النسبة تطرد من فعل إلى سببه، باستمرار حتى نصل إلى مسبب الأسباب؛ أي الله تعالى" (٢).
_________________
(١) المرجع السابق: (٨/ ٤٨٨).
(٢) مذاهب الإسلاميين: ٥٦١.
[ ٦٠٤ ]
ومما سبق يظهر وجه الاستحالة في نظرية الكسب؛ لأنها محاولة في التوسط بين الاختيار والجبر، والحقيقة أنه لا توسط بينهما، ولا بد من القول بأحدهما في نهاية المطاف، وهذه هي حقيقة الكسب؛ تنظير للجبر بقالب الاختيار؛ فإن نزع التأثير من فعل العبد تمامًا وإرجاع حصول الفعل عند قدرته إلى مجرد الاقتران ينفى تمامًا صورة الاختيار عن فعل العبد، ويقضى بالجبر الذي كثيرًا ما صرح به الصاوي في حواشيه، ومن العجب أن يحكم الصاوي على من قال بالجبر بالكفر المخرج من الملة، ثم يعلن بصراحة أن العبد مجبور في قالب مختار، فأى مفهوم للجبر إن لم يكن هذا هو المراد منه!
ثم إن في جعله من العباد مظاهر للتصريف الإلهى، وفى نسبته أفعال العباد له تعالى ليس فقط على جهة الخلق كما هو الصحيح، بل حتى على جهة الفعل حيث يصف الله تعالى بأنه فاعل لأفعال العباد، وفي تقسيمه أيضًا للحقيقة والشريعة وذكر أقوال كبار مذهب التصوف في حكاية العذر عن أهل الكفر والقبائح، مناقضة صريحة لمهاجمته مذهب الجبرية، والحكم عليه بما حاول الفرار منه، وصريح كلام الشهرستانى وهو أحد كبار منظرى المذهب الأشعري في نسبة الجبر لمن نفى التأثير تمامًا عن فعل العبد بالجبر، ومع ذلك فإن العدل يقضى ببيان وجه مخالفة الأشعرية لمذهب جهم؛ وذلك أن الصاوي متبعًا رأى الأشعري يفرق - كما هو ظاهر من كلامه - بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية، كما أنه ينسب للعبد قدرة حادثة وهذا ما لا يقول به جهم وأتباعه (١).
وعليه فمناقشته في هذه القضية ترجع إلى أمرين:
أولًا: إثبات أن لقدرة العبد الحادثة أثرًا في وجود الفعل على جهة السببية لا الإحداث والخلق.
ثانيًا: أن الله ﷿ لا يوصف بأنه فاعل لأفعال العباد؛ بل خالق لها.
_________________
(١) انظر: درء التعارض لشيخ الإسلام: (٩/ ١٦٧).
[ ٦٠٥ ]
وحقيقة ما تقدم في إثبات الأثر أنه لا يمكن بحال التفريق بين أفعال العبد الاختيارية والاضطرارية؛ إلا مع إثبات تأثير لقدرة العبد في وجود الفعل، وهذا ما عليه مذهب أهل السنة والجماعة، ومع ذلك فإن هذا التأثير ليس على جهة الخلق والإيجاد، التي تقضى بالاستقلال في وجود الفعل وإخراجه من حيز العدم، وإنما على جهة السببية التي ترجع إلى مسبب الأسباب وحده جل في علاه، وليس في هذا أي تناقض كما يتصور الأشاعرة، بل المناقضة في مخالفة ذلك، يقربه أنه كما أثبتم للعبد قدرة حادثة ليس في إثباتها منازعة للقدرة القديمة؛ فليس بممتنع أن يثبت لهذه القدرة تأثيرًا حادثًا في وجود الفعل، ليس له استقلال في ذلك، أما نفى التأثير عن القدرة فهو حكم بعدمها، فالمعقول من القدرة معنى به يفعل الفاعل، ولا تثبت قدرة لغير فاعل، ولا قدرة يكون وجودها وعدمها بالنسبة إلى الفاعل سواء" (١).
وأساس هذا إثبات السببية على جهة الحقيقة، وأن في الأسباب قوة أوجدها الله تعالى فيها، تستمد منها وجودها وفاعليتها، والمذهب الأشعري في نفيه للأسباب يغالط مبدأ من أسمى مبادئ التفكير الإنسانى، الذي وهبه الله تعالى للعقل البشرى، والذي يعد الدليل الأول، والمقدمة الأولى، التي لا نزاع في التسليم لها؛ للاستدلال على وجوده سبحانه.
وهذا ما قدمته سابقًا في الحديث عن أدلة إثبات وجود الله تعالى؛ لذا كان التشكيك في هذه المسلمة؛ من أهم ما يرمى إليه أعداء الدين من الملاحدة، وحتى لا يخرج بى الكلام عن المقام؛ أقول أن الطعن في هذا الأساس والركيزة الفطرية المسلمة ليس له أساس من الصحة يعتمد عليه، وكل ما هنالك أن هذا التصرف من الشيغ الأشعري - عليه رحمة الله تعالى -؛ كان من قبيل ردود الأفعال ضد الغلاة في مطالعة الأسباب من القدرية أو الفلاسفة المنتسبين؛ حتى أدى بهم ذلك إلى أن أثبتوا لها الإحداث على جهة الاستقلال، وهذا ما لا يقول به السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم -، وكثيرًا ما يؤكد الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن
_________________
(١) الفتاوى: (٨٤٦٨).
[ ٦٠٦ ]
القيم على حقيقة السبب في المنظور الشرعي، وأنه غير كافٍ في ترتب مقتضاه على وجوده حتى تتحقق له الشروط وتنتفى الموانع، وكل ذلك لا يكون إلا بإرادة المولى ومشيئته النافذة.
وهذا ما يفسر به الأئمة ما حدث عند إلقاء الخليل - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم - في النار؛ فإن النار سبب للإحراق، ولكن لما أن أراد المولى تعالى إبطال السبب لعدم توفر شرط إعماله من مشيئة الله تعالى النافذة، كان ما كان من تحويل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم - ﵇ -، وهذا ما يقال أيضًا في قصة الخليل مع ابنه إسماعيل - ﵇ -، ولا داعى لمعارضة الأحكام الكونية بمثل هذه التأويلات المخالفة للعقل والشرع.
وبذلك تنتفى حجة الأشاعرة في نفى التأثير عن قدرة العبد؛ فمع الأخذ بمفهوم السببية كما قرره السلف - رضوان الله عليهم -، وما يترتب عليه من نسبة التأثير على جهة الحقيقة الحادثة لا على جهة الخلق والإحداث؛ لم يعد للأشعرية حجة في نفى السبب عقلًا ولا شرعًا.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - مفصلًا منهج السلف الكرام في قضية السبب: "الذي عليه السلف وأتباعهم، وأئمة أهل السنة وجمهور الإسلام المثبتون للقدر المخالفون للمعتزلة إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أخر تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والمسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته، كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة. ." (١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (٨/ ٤٨٧).
[ ٦٠٧ ]
أما المحور الثاني في مناقشتهم؛ وهو عدم تفريقهم بين الخلق والمخلوق والفعل والمفعول؛ فهذا أيضًا مما لبس عليهم فيه، وخلطوا نتيجة لذلك بين حق وباطل، فالله تعالى خالق لأفعال العباد، موجد لها من العدم؛ فتنسب إلى أفعاله من جهة الخلق كباقى المخلوقات، ولا تنسب إلى أفعاله من حيث قيام الوصف به.
ولذا كان الصحيح في المسألة ما ذكره شيخ الإسلام في التفريق بين الفعل والمفعول، فالفعل للعبد وهو الانفعال في المراد، والمفعول بمعنى المخلوق هو لله تعالى، يقول: "وأما الجمهور الذين يفرقون بين هذا وهذا، فيقولون هذه مخلوقة لله مفعولة لله ليست هي نفس فعله، وأما العبد فهى فعله القائم به، وهى أيضًا مفعولة له إذا أريد بالفعل المفعول" (١) وهذا "إجماع من أهل السنة حكاه الحسين بن مسعود البغوي (٢) وغيره، فالعبد فعله حقيقة، والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته" (٣).
وبهذا يتضح معنى الكسب المذكور في قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ويكون المعنى الذي أراده الأشعرية للكسب من جملة المستحيلات، لأنه لا يعقل فرق بين الفعل الذي نفاه والكسب الذي أثبته" لذا قال الناس: "عجائب الكلام ثلاثة: طفرة النظام، وأحوال أبى هاشم، وكسب الاشعرى" (٤).
وكان هذا الضلال الذي وقع في الأشعرية نتيجة لهذا الخلط المشين بين فعل الله تعالى وفعل العبد أساسًا اعتمده المتصوفة في التفريق بين الحقيقة والشريعة، والذي
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (٨/ ١٢٢).
(٢) هو الإمام الهمام أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الفقيه الشافعي المحدث المفسر، صنف في التفسير وروى الحديث وأبان المشكلات ومن كتبه: معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم، وشرح السنة وغيرهما، توفى سنة: ٥١٠ هـ. انظر: وفيات الأعيان: (٢/ ١٣٦)، وسير أعلام النبلاء: (١٩/ ٤٣٩).
(٣) شفاء العليل: ٢٢٣.
(٤) النبوات لشيخ الإسلام: ١٩٩.
[ ٦٠٨ ]
سوغ لغلاتهم التشدق بمذهب الجبر دون تورع ووجل، ويظهر من خلال ما ذكرت من كلام الصاوي في نقله لعباراتهم شناعة ما توصلوا إليه نتيجة لذلك: فنسبة القبيح إلى الله تعالى واستحسانه لذلك، والجهر بعذر الخلق طائعهم وفاجرهم؛ لأنهم مظاهر لأفعال الله، كل هذا كان محصلة تلك الأهواء الفاسدة هي نفى الفعل عن العبد حقيقة.
ومهما تستروا بستار الكسب؛ فإن ألفاظهم تدل صراحة على اعتناق الجبر، والمتأمل لكلام الرازي يجد صراحة الإقرار بهذا، وعليه فلا سبيل بين الجبر والاختيار، فمن أثبت الاختيار بحال لا يمكن أن يقر بمذهب الجبر إطلاقًا والعكس صحيح، ومن رام خلافه وقع في التناقض؛ كما هو واضح في موقف الصاوي من التشديد في الحكم على الجبرية، ثم حكاية كلام المتصوفة الصريح في اعتناق مذهب الجبر.
وحقيقة ما تكلم فيه هؤلاء المتصوفة من عذر الخلق بفعل الرب، والتفريق بين الشريعة والحقيقة؛ هو الاحتجاج بالقدر على معصيته تعالى، وقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - ضلالهم، فقال: وهولاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية وهى ربوبيته تعالى لكل شيء، ويجعلون ذلك مانعًا من اتباع أمره الدينى الشرعي على مراتب في الضلال.
فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقًا عامًا؛ فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة، وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضًا، بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض، فإنه لا يمكن أن يقر كل آدمى على ما فعل إلى أن قال: "فيقال له إن كان القدر حجة؛ فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك، وإن لم يكون حجة بطل أصل قولك حجة.
[ ٦٠٩ ]
ومنهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة؛ فيزعمون أن الأمر والنهى لازم لمن شهد لنفسه فعلًا، وأثبت له صنعًا، أما من شهد أن أفعاله مخلوقة، أو أنه مجبور على ذلك، وأن الله متصرف فيه كما تحرك سائر المتحركات، فإنه يرتفع عنه الأمر والنهى والوعد والوعيد. . ." إلى أن قال - ﵀ -: "وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله، ومعاداة له، وصد عن سبيله، ومشاقة له، وتكذيب لرسله، ومضادة له في حكمه" (١).
ومن خلال النص السابق يظهر أن أقوى دليل في إبطال الاحتجاج بالقدر هو ما لا يمكن دفعه من إرادة العبد وقدرته على الاختيار، وهذا ما يقتضيه التكليف الشرعي، فالله تعالى قد كلف عباده ما في وسعهم وتحت تصرفهم، وفى ذلك مقولة أهل العلم: إذا سلب ما وهب؛ أسقط ما أوجب، وعليه فلا تناقض بين الشرع والقدر حتى يحتج هؤلاء على معارضة الشرع بالقدر، فأساس ما يبطل به الاحتجاج بالقدر على المعصية إثبات التكليف، وقد علم أن المكلف لا تقام عليه الحجة بالتكليف حتى تقام عليه الحجة من إرسال الرسل وإبلاغه بذلك، وتحقق الشروط فيه من البلوغ والعقل، وانتفاء الموانع؛ فأى عذر بعد هذا للمحتج بالقدر على معصية الله تعالى!
ومن كل ما سبق؛ نرجع إلى التأكيد على الحقيقة السابقة الذكر، من أن أساس الضلال في كل المسائل المتعلقة بالقدر، ومن جملتها مسألة الاحتجاج به، هو اعتقاد التناقض بين الشرع والقدر، وكانت هذه الألفاظ كلفظ الحقيقة والشريعة والظاهر والباطن من المتصوفة تعبيرًا ناطقًا عن هذا التناقض، الذي لا أساس له صحيح من عقل ولا نقل.
* * *
_________________
(١) الفتاوى: (١٠/ ١٦٦).
[ ٦١٠ ]
الفصل العاشر: آراؤه في الصحابة والإمامة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الصحابة الكرام.
المبحث الثاني: مسائل الإمامة.
[ ٦١١ ]
تمهيد
سبق وأن أشرت إلى عظم مكانة القرآن الكريم من بين الكتب المنزلة، وكيف أن المولى تعالى قد اجتباه واختاره ليكون المهيمن عليها، والحافظ لأصول الإيمان فيها حتى أوكل المولى تعالى حفظه إليه، لتبقى له هذه المكانة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولما اقتضت حكمة العزيز أن كل ما في الكون إنما يسير وفق سنن مطردة ثابتة، فليس ثمة أمر يقع من مقدور الله إلا وقد هيأ المولى له أسبابًا، يتأتى بها وقوعه وفق مشيئته سبحانه، وأن هذه السنن لا تخرق إلا لأمر عظيم، يرشد به المولى عباده لصدق نبيه، أما سوى ذلك فلا يخرج عن هذه السنن، التي يكمن بتسخيرها المطرد عظمة الخالق ﷿، وإحكامه في خلقه، ومن ذلك حفظه لهذا الدين القويم، بحفظ دستوره العظيم، وهو القرآن الكريم.
فإن المولى تعالى لما قدر له البقاء والاستمرار، واختاره ليكون خاتم الدين المنزل، والمهيمن عليه، وفق لحفظه أسبابًا، هي محض كرمه تعالى وتوفيقه، يرفع بها من يشاء من عباده، فسخر له رجالًا كان لهم الفضل والسابقة في حفظه وتبليغه، بل والتفانى في الدفاع عنه، حتى اشتمل ذلك الاحتفاء البالغ به على فهم تفسيره بحفظ السنة المطهرة - المصدر الثاني من مصادر التشريع - فبذلوا في سبيل القيام بهذه الأمور العظيمة النفس والنفيس، فكان لهم شرف الهجرة والجهاد، إعلاءً لراية الدين عقيدة ومنهاجًا، حتى وجب لهم بذلك الحق الأرفع في توليهم، وتعظيمهم، وإظهار مكانتهم، والاعتراف بجميل فضلهم، والدعاء لهم بالترضى والاستغفار، وحفظ أعراضهم والذب عنهم، إلى غير ذلك مما يمليه واجب شكرهم، كما أتى الأمر بذلك في صريح الكتاب قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]
[ ٦١٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
كما جاءت الأحاديث عن المصطفى - ﷺ -؛ تنوه بشرفهم وسابقتهم، ووجوب أداء حقهم، وتتوعد كل من حاد عن ولائهم وتلبس بعدائهم، وسيأتي بيانها - بإذن الله - عند عرض أقوال الشيخ الصاوي.
ومع ظهور الفتن في المجتمع المسلم إبان الخلافة الراشدة، تغير موقف الكثير من أهل الأغراض الفاسدة حيال ما ينبغى أن يكون من محبتهم وحفظ أعراضهم، فخاض من خاض فيها، إما جهلًا وإما عداءً وحنقًا على الإسلام وأهله، حتى تصدى بعضهم إلى إظهار ذلك، وجعله من الدين الذي لا ينعقد الاعتقاد إلا به، وتظهر الرافضة كأكبر فرقة تتزعم هذا المعتقد الخطير، وتحاول بشتى الطرق والوسائل أن تجعل لما تعتقده من عداء بعض الصحابة، بل وشتمهم بأقبح الشتائم، والذي يصل بهم في الكثير من الأحيان إلى تكفيرهم؛ مبررًا سوغ لها مثل هذه الشناعات في حقهم.
ولست الآن بصدد استقصاء الأسباب التي أدت بهم إلى هذا الانحراف العقدى الخطير، والذي حمل الكثير من أهل العلم على تكفيرهم وتضليلهم، ولكن الذي أود أن أبينه هنا بطلان ما ذهبوا إليه فيما ادعوه بصورة مجملة، ترتكز على ما ورد في شأن الصحابة الكرام من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.
هذا ولم يكن من الأشاعرة مخالفة للمعتقد الصحيح في حق الصحابة الكرام، بل كان لهم في ذلك شأن في ادحاض شبه الخصوم ومفترياتهم، وعليه فلا حاجة في تقديم آرائهم على رأى الشيخ الصاوي؛ لعدم وجود المعارض في هذا الباب.
ولما كان أساس الخلاف الواقع في حق الصحابة منذ البداية قد نشأ في أجواء الخلاف في أحقية الإمامة، حيث احتدم الصراع بين أهل السنة والجماعة والرافضة في شرعية إمامة الصديق - ﵁ -، وخالف في ذلك الرافضة، بل وشنوا
[ ٦١٣ ]
حربًا على العقيدة والأخلاق في سبيل الانتصار لمذهبهم، كما استمرأ الباغون من الخوارج الخروج على الإمام علي - ﵁ -؛ لوجود ما يسوغ لهم ذلك في معتقدهم الباغى، كان للحديث عن الإمامة ومعتقد أهل السنة والجماعة فيها ارتباط وثيق بالحديث عن الصحابة الكرم - رضوان الله عليهم -، وبيان ما يجب في حقهم، لذا فقد ارتأيت الجمع في حديثى عن هذين المبحثين تحت فصل واحد، مبتدئة ببيان رأى الصاوي في كل منهما، متممة بذكر أهم ما يقوم عليه الاعتقاد الصحيح فيهما.
* * *
[ ٦١٤ ]
(المبحث الأول): الصحابة الكرام
لقد تناول الصاوي عددًا من المسائل المتعلقة بالصحابة الكرام، كلها تدور في محور واحد، وهو بيان فضل الصحابة وواجب المسلم نحوهم، ويمكن توضيح ذلك بإبراز آرائه الموجزة في هذا المبحث تحت عناوين موضحة للفكرة التي يريد عرضها في كلامه، ومن ثم التعليق عليها وفق ما ذهب إلى تقريره فيها، وهى كالتالى:
أولًا: تعريف الصحابة:
- يضع الصاوي حدًا في تمييز الصحابة الكرام عن غيرهم، فيقول في تعريف الصحابى: "هو كل من اجتمع بالنبى - ﷺ - بعد البعثة مؤمنًا، ولو لم تطل صحبته، - ولو كان غير مميز - فشمل الصبيان الذين حنكهم النبي - ﷺ - ومات على ذلك".
وبهذا يصل إلى أنه لا اختصاص لجنس بعينه في هذا المسمى، يقول: "ولو من الجن والملائكة والأنبياء في حال الحياة، فعيسى والخضر وإلياس والملائكة الذين اجتمعوا به في الأرض صحابة باقون" (١).
- في تحديد زمن الصحابة يقول: "وقرن الصحابة مائة وعشرون سنة، مبدؤها البعثة".
وعليه فإن "أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يعلم عددهم إلا الله تعالى" (٢).
* * *
ثانيًا: فضائل الصحابة:
يوضح الصاوي ما يجب أن يكون عليه المعتقد الصحيح في حقهم؛ حيث يقول: "مما يجب اعتقاده: أن أصحاب رسول الله - ﷺ - خير الخلق بعد الأنبياء، ورؤساء الملائكة (٣) " (٤).
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٧ - ٤٩.
(٢) شرح المنظومة: ١٤٣.
(٣) تقدم الحديث عن مسألة المفاضلة في بحث الإيمان بالأنبياء ﵈: ٤١٧.
(٤) حاشية الجوهرة: ٤٩.
[ ٦١٥ ]
- ويستدل لهذا الفضل بما ورد في شأنهم من قوله - ﷺ -: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (١).
وقال: (الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدى، فمن أحبهم فبحبى أحبهم، ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه) (٢). (٣)
- مع وجوب اعتقاد أفضليتهم على سائر قرون الأمة؛ إلا أنهم في ذلك الفضل على درجات متفاوتة، يقول: "ولا يخفى ترجيح رتبة من لازمه وقاتل تحت رايته على من لم يكن كذلك".
- ثم يفصل القول في هذا التفضيل، مبينًا: أن "أفضل الصحابة من تولى الخلافة عنه - ﷺ -، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي".
وعليه فإنه "ينبغي حبهم، والتوسل بهم على هذا الترتيب".
فـ "الذين بشروا بالجنة يلوون عليًا في الفضل، وأهل بدر رتبتهم تلى رتبة الستة من العشرة.
وأهل أحد رتبتهم تلى رتبة بقية أهل بدر الذين لم يحضروا أحد، وأهل بيعة الرضوان تلى رتبتهم رتبة أهل أحد". (٤)
- وقد كان هذا الاصطفاء والتفضيل من الله تعالى؛ جزاء لما قدموه من جليل العمل للإسلام وأهله، فقد "كانوا يحبون الرسول - ﷺ - أكثر من أنفسهم وأولادهم وأموالهم، ولذلك قتلوا من أجله آباءهم وأبناءهم وعشيرتهم، وكان الواحد منهم
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة - باب قول النبي: لو كنت متخذًا خليلًا، رقم الحديث: ٣٦٧٣.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب المناقب عن رسول الله - ﷺ -، رقم الحديث: ٣٨٦٢: وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٥/ ٦٥٣). وأخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب مناقب الصحابة - فضل الصحابة، رقم الحديث: ٧٢٥٦: وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف لوجود عبد الرحمن بن زياد فلم يؤثر عنه جرحًا ولا تعديلًا: (١٦/ ٢٤٤).
(٣) حاشية الجوهرة: ٤٩.
(٤) حاشية الجوهرة: ٥٠.
[ ٦١٦ ]
يعذبه الأعداء بأنواع العذاب؛ لأجل سبة يسبها لرسول الله - ﷺ - فيختار العذاب، كما وقع لبلال وغيره. (١)
فـ "هم الملازمون للنبي - ﷺ - في أشغاله، وحروبه، وهجرته، وصلاته للقبلتين، وقد عاشروه الزمن الطويل، ومازوا بخطاب القرآن لهم مشافهة، وحلول جبريل - ﵇ - بينهم في غالب الأوقات" (٢)
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] يبين أن الصحابة الكرام هم أصحاب السبق في ميدان الخيرية والتفضيل؛ لاكتمال صفات المدح فيهم، يقول: "هذا مدح عظيم وتفضيل من الله لهذه الأمة المحمدية وفيه إعلام بتثبيتهم على تلك الأوصاف العظيمة، واعلم أن المخاطب مشافهة الصحابة، وثبتت لهم هذه الأوصاف المرضية فمدحهم الله على ذلك، ومن تمسك بأوصافهم وأخلاقهم كان ممدوحًا مثلهم، وهذا المدح يدل على أن أوصافهم مرضية لله، فشرفهم الله بشرف نبيهم، قال صاحب البردة:
لما دعا الله داعينا لطاعته بأشرف الرسل كنا أكرم الأمم (٣)
- وقد استحقوا لعظيم ما تخلقوا به من مقتضيات الإيمان الأجر العظيم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤]، يقول عند تفسيرها: "يؤخذ من هذه الآية أن جميع المهاجرين والأنصار مبشرون بالجنة من غير سابقة عذاب، وأما ما ورد من أن المبشرين بالجنة عشرة فلأنهم جمعوا في حديث واحد". (٤)
- ويفصل القول في مزايا المهاجرين والأنصار منهم على جهة الخصوص،
_________________
(١) حاشية الصلوات: ٨٦.
(٢) حاشية الجوهرة: ٧.
(٣) حاشية الجلالين: (١/ ١٦٢).
(٤) حاشية الجلالين: (٢/ ١٢٧).
[ ٦١٧ ]
وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، يقول: "الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: اعجبوا؛ أي تعجبوا من حال المهاجرين حيث تنزهوا عن الديار والأموال، وتركوا ذلك ابتغاء وجه الله تعالى، وعبر فيه بالخروج؛ لأن المال لما كان يستر صاحبه، كان كأنه ظرف له".
وهم في ذلك: "طالبين الرزق من الله لإعراضهم عن أملاكهم الدنيوية، ومرضاة الله تعالى في الآخرة".
والذي حملهم على ذلك ما وصفهم به المولى، حيث قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ "أي الخالصون في إيمانهم، حيث اختاروا الإسلام، وخرجوا عن الديار والأموال والعشائر، حتى روى أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ماله من دثار غيرها".
ويذكر ما ورد في شأن المهاجرين عن النبي - ﷺ -، يقول: وفي الحديث: "أن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا" (١)
ثم يشرع في بيان ما للأنصار من منزلة علية في ضوء الآية الكريمة، يقول: "والذين تبوءوا الدار، أي؛ اتخذوها منزلًا بإسلامهم من قبل قدوم النبي - ﷺ - بسنتين، فعصموها، وحفظوها بالإسلام، فكأنهم استحدثوا بناءها، والمعنى: لزموا الدار والإيمان، أو شبه تمكنهم في الإيمان باتخاذهم منزلًا فيه، جمع بين الحقيقة والمجاز.
ولا يجدون في ذلك كله: "حسدًا ولا منًا ولا غيظًا ولا حزازة".
ومن جميل ما تصفوا به أنهم "يؤثرون على أنفسهم في كل شيء من أسباب
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص: كتاب الزهد: (١٨/ ١١٠).
[ ٦١٨ ]
المعاش؛ حتى إن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما، ويزوجها واحدًا من المهاجرين". (١)
هذا وحقيقة الإيثار التي اتصفوا بها: "تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية، رغبة في الحظوظ الدينية.
وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وغاية المحبة، والصبر على المشقة".
ثم يختم حديثه ببيان أن هذا الوصف لا يخص الأنصار دون غيرهم من الصحابة، فقد روى عن ابن عمر أنه قال: (أهدى لرجل من أصحاب النبي - ﷺ - رأس شاة، فقال: أخى فلانًا وعياله أحوج إلى هذا منا فبعثه إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات ثم عادت إلى الأول؛ فنزلت هذه الآية) (٢).
وروى أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة، ثم قال للغلام: اذهب بها إلى عبيدة بن الجراح، ثم امكث عنده في البيت حتى ننظر وما يصنع بها فذهب بها الغلام إليه وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالى يا جارية، اذهبى بهذه السبعة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى فقدها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره ووجده قد ربط مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إليه، وامكث في البيت ساعة حتى ننظر ما يصنع فذهب بها إليه وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: ﵀ ووصله، وقال يا جارية:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس - ﵁ - ما حكاه من قصة مقدم عبد الرحمن بن عوف الصحابى الجليل ومآخاة رسول الله له مع سعد بن الربيع وكيف أنه عرض عليه الاقتسام في أهله وماله ولكن عبد الرحمن - رضي الله عن الجميع - رفض ودعا له بالبركة ثم توجه إلى السوق ففتح الله عليه من خير الدنيا الكثير: كتاب البيوع - باب ما جاء في قول الله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾، رقم الحديث: ٢٠٤٩.
(٢) أخرجه الحاكم في مستدركه: كتاب التفسير، باب تفسير سورة الحشر، وقال الحاكم: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٢/ ٤٨٤).
[ ٦١٩ ]
اذهبي إلى بيت فلان بكذا، واذهبى إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران، فدحا بهما إليها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره، وسر بذلك وقال: إنهم أخوة". (١)
- وفي التنويه بما اختص به أبو بكر الصديق﵁ - من الفضائل والمزايا، يقول في حديثه عن الردة والمرتدين: "فكفى الله أمرهم على يد أبى بكر الصديق حين خرج لقتالهم، حيث منعوا الزكاة، فكره ذلك الصحابة وقالوا: هم أهل القبلة فكيف نقاتلهم، فتقلد أبو بكر بسيفه، وخرج وحده، فلم يجدوا بدًا من الخروج على أثره، فقال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء وحمدناه في الانتهاء، وقال بعض الصحابة: ما ولد بعد النبيين أفضل من أبى بكر لقد قام مقام نبى من الأنبياء في قتال أهل الردة" (٢)
* * *
ثالثًا الدفاع عن الصحابة:
- يقول موضحًا ما يجب على المسلم اعتقاده في الخلاف الذي وقع بين الصحابة - رضوان الله عليهم -: "أصرف التخاصم عن ظاهره وجوبًا للذى ورد عنهم بالسند المتصل، متواترًا كان أو مشهورًا كان أولًا، حين كان سنده صحيحًا، وإلا فهو مردود لذاته، لا يحتاج إلى تأويل".
ثم يبين مراده بالصرف عن الظاهر، فيقول: "المراد أن تصرفه إلى محمل حسن حيث كان ممكنًا، فإن لم يكن تأويله وقفنا، لاعتقادنا حفظهم مما يوجب الفسق، لأنهم مجتهدون، وقد قال العلماء: المصيب بأجرين والمخطئ بأجر".
ويبرهن على حجية هذا الموقف بشهادة الله تعالى لهم بالعدالة، يقول: فـ "قد شهد الله ورسوله لهم بالعدالة".
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: معاذ بن جبل - ﵁ -، رقم الحديث: ٤٦ (٢٠/ ٣٣). وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير وعمرو بن حيان لم أعرفه": (٣/ ١٢٥).
(٢) المرجع السابق: (١/ ٢٧٢).
[ ٦٢٠ ]
هذا من جهة ومن جهة أخرى: "لأن التفتيش عما جرى بينهم ليس من العقائد الدينية، ولا مما ينتفع به في الدين، بل ربما ضر في اليقين".
وبهذا الطرح المسبق يصل إلى بيان حكم الخوض فيما وقع بين الصحابة الكرام من الخلاف، يقول مفصلًا رأيه: وعليه فإنه؛ "لا يباح الخوض فيه إلا للتعليم، أو الرد على المعتصبين.
أما العوام؛ فلا يجوز لهم الخوض فيه؛ لفرط جهلهم وعدم معرفتهم للتأويل".
ومع الإقرار بجواز الخوض فيه في بعض الحالات؛ كما تقتضيه الضرورة، إلا أنه يلفت الانتباه إلى وجوب التمسك بالأدب في الحديث عنهم، كما يقتضيه الاعتراف بفضلهم، يقول: "ويجب عليك حال خوضك فيما شجر بينهم لأمر مما تقدم أن تتجنب الحسد حال خوضك، لقوله - ﷺ -: (الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدى، فمن أحبهم فبحبى أحبهم، ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه) (١). (٢)
التعليق:
أولًا: تعريف الصحابة:
جاء في لسان العرب: "صحبه يصحبه صحبة بالضم، وصحابة بالفتح، وصاحبه عاشره، والصحب جمع الصاحب، مثل راكب وركب، والأصحاب جماعة الصحب، مثل: فرخ وأفراخ، والصاحب المعاشر" (٣)
وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: "الأصحاب جمع صاحب، والصاحب اسم فاعل من صحبه يصحبه، وذلك يقع على قليل الصحبة وكثيرها" (٤)
_________________
(١) سبق تخريجه: ٦١٦.
(٢) المرجع السابق: ٥١. وحاشية الخريدة: ١١٢. وانظر: حاشية الجلالين: (١/ ١٦٩).
(٣) لسان العرب: (٤/ ٢٤٠٠).
(٤) الصارم المسلول: ٥٧٥.
[ ٦٢١ ]
أما تعريف الصحابة في الاصطلاح الشرعي، فقد تعددت أقوال العلماء في وضع حد له، يكون جامعًا لأفراده، مانعًا من دخول غيره فيه، من هؤلاء الإمام البخاري - ﵀ -، فقد قال في تعريفهم: (من صحب النبي - ﷺ -، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه) (١)
وأدق ما قيل في هذا الباب وأضبطه ما قرره الحافظ ابن حجر - ﵀ -، حيث قال: "الصحابى من لقى النبي مؤمنًا ومات على الإسلام" (٢)
وكان تعرف الصاوي للصحابة موافقًا لما ذهب إليه الحافظ ابن حجر، وإن صحت العبارة يكاد يكون شارحًا له، مفسرًا لمفرداته، وذلك لأن جميع الألفاظ التي زادها فيما ذكر إنما تدخل في القيود التي اشتمل عليها تعريف ابن حجر المذكور.
- فاشتراطه لزمن الرؤية أن يكون بعد البعثة، داخل في مفهوم كلمة "مؤمنًا به"؛ لأنه قد علم بالضرورة عدم التكليف بالإيمان به قبل البعثة.
- ثم إن عدم اشتراط التمييز، الذي قيد به الصاوي تعريفه أيضًا مما يندرج في تعريف الحافظ، وذلك لأن الأطفال الغير مميزين لهم حكم البالغين من جهة ثبوت وصف الإسلام لهم، وهذا على القول المعتمد في تفسير الفطرة.
ومع وجود المخالف في هذه المسألة من العلماء (٣)، حيث قيد بعضهم التعريف باشتراط التمييز والإدراك، إلا أنه لا اعتداد بقوله هنا، وذلك لرجحان الأدلة في تعريف الفطرة التي ذكرت في الأدلة الشرعية بالإسلام (٤).
- وأما ما ذهب إليه الصاوي من عدم اشتراط الجنس لثبوت حكم الصحبة،
_________________
(١) ذكره البخاري في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة: (٧/ ٣).
(٢) الإصابة في تميز الصحابة: (١/ ١٠). وانظر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر: ١٤٩.
(٣) انظر: أسد الغابة لابن الأثير حيث أورد اشتراط الإدراك والفهم في ثبوت الصحبة نقلًا عن الواقدى الذي عزى القول بهذا إلى بعض أهل العلم دون ذكر أسمائهم: (١/ ١٩). كما صرح بهذا ابن حزم - ﵀ - فقد اشترط الوعى حال الصحبة. انظر: الإحكام في أصول الأحكام: (٥/ ٨٩).
(٤) راجع مبحث آراؤه في معرفة الله: ١١٨.
[ ٦٢٢ ]
فإنه مما لا يسلم له على جهة التعميم، وذلك لأنه قد علم توجه الأمر بالإيمان بالنبى - ﷺ - للمخاطب بالتكاليف الشرعية، ممن يتأتى منهم القبول أو الرفض، وهم الثقلين: الإنس والجن.
وقد أشار إلى هذا المعنى الحافظ ابن حجر حين شرح مفردات التعريف، حيث قال: "ويدخل في قولنا مؤمنًا به كل مكلف من الجن والإنس" (١).
أما الملائكة، فلا يصح إدخالهم في هذا، لأن المولى ﷿ قد جبلهم على الإيمان به وعلى طاعته فلا تعمهم أحكام المكلفين من الثقلين.
- وكان في إدخاله عيسى والخضر - على القول بنبوته - وإلياس - ﵈ - في حكم الصحبة، مما لا يصح، وذلك لأنه - ﵊ - لم يثبت أنه التقى بهم في حياته إلا ليلة الإسراء، وهم في حال البرزخ، وقد علم أن حياة البرزخ مما لا ينسحب عليها أحكام الحياة الدنيا، ومع ثبوت الخير كتابًا وسنة بأن عيسى - ﵇ - سينزل إلى الأرض، وسيحكم بشريعة الإسلام، إلا أنه ليس في ذلك دلالة على ثبوت الصحبة له.
أما ما ذهب إليه من إثبات وصف الصحبة للخضر وإلياس - ﵉ -، فإنه مبنى على أمرين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر:
أولًا: اعتقاد أن الخضر وإلياس أحياء على الدوام، وأنه لم ولن يتعرضا للموت أبدًا.
ثانيًا: أن الخضر وإلياس قد ثبتت لهما رؤية النبي - ﵊ - والاجتماع به.
والحقيقة أن كلا الأمرين مما لا مستند له من الصحة.
وتفصيل ذلك: أن اعتقاد دوام حياة الخضر وإلياس؛ مما تنقضه أدلة الكتاب والسنة، وذلك لأنها نصت على أنه لا نجاة لأحد من الموت أبدًا، منها قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.
_________________
(١) الإصابة: (١/ ١٢).
[ ٦٢٣ ]
كما أنه لا يوجد دليل معتمد يستثنى الخضر وإلياس من هذا الحكم الكلى، الذي لم ينج منه أحد، ولا حتى أشرف الثقلين: محمد - ﷺ -. ولعل الصاوي في نفس حديثه عن الفاصل الزمنى الذي يمكن أن ينتسب إليه الصحابة ما يكفى في إبطال ما ادعاه من بقائهما، فقد ورد في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: (أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) (١).
أما حكاية التقائه - ﵊ - بالخضر وإلياس - ﵉ -، فهذا مما ترويه المسانيد الواهية، التي يجمع على تلقيها بالقبول كافة المتصوفة، وكثير من العوام وقد تلتبس على بعض أهل العلم (٢).
وقد تصدى الحافظ - ﵀ - لبيان شدة ضعف هذه الروايات، التي تدل على بقاء الخضر، ومن ثم التقائه بالنبي - ﷺ -، وذلك في عدد من مواضع الفتح (٣)، كما أورد حجج أهل العلم في دحض هذه الادعاءات ضمن شرحه للأحاديث التي استندوا إلى دلالتها، كحديث النبي - ﷺ - الذي قال فيه: (يرحم الله موسى، لو كان صبر يقص علينا من أمرهما) (٤).
يقول الحافظ حاكيًا حجتهم "فلو كان الخضر موجودًا لما حسن هذا التمنى، ولأحضره بين يديه وأراه العجائب، وكان أدعى لإيمان الكفرة، لا سيما أهل الكتاب" (٥).
هذا وقد أفرد الحافظ في توضيح ذلك مصنفًا أسماه: (الزهر النضر في نبأ الخضر) (٦)، جزم فيه بضعف جميع ما روى في هذا المعنى.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم - باب السمر في العلم، رقم الحديث: ١١٦. وقد سبق تفصيل ذلك في الحياة البرزخية.
(٢) حكى ذلك الحافظ في الفتح: (٦/ ٤٣٤).
(٣) انظر: (٦/ ٤٣٤ - ٤٣٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب حديث الخضر مع موسى - ﵉ -، رقم الحديث: ٣٤٠١.
(٥) الفتح: (٦/ ٤٣٤).
(٦) انظر: ١١٤.
[ ٦٢٤ ]
أما عن تعمير إلياس - ﵇ -، وحكاية اجتماعه بالنبي - ﷺ -، فهذا مما وضع على النبي خبره، فقد روى الحاكم في مستدركه (١) حديث يطول في هذا المعنى، ولكن الحافظ الذهبي بين بطلانه عند ترجمة يزيد البلوى (٢).
كما نقل الحافظ ابن حجر - ﵀ - كلامًا للذهبى من كتابه: (تلخيص المستدرك) حكم فيه على الحديث بالوضع ورد على الحاكم تصحيحه لهذا الخبر. (٣)
- أما ما ذكره الصاوي من عدم معرفة عدد الصحابة - ﵃ -؛ فصحيح دل عليه حديث كعب بن مالك في غزوة تبوك، حيث قال فيه: (والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ). (٤)
- فالذى يفهم من الحديث أنه لم يقيد عددهم بحد معين، وذلك لكثرتهم، وقد علم أن هناك الكثير أيضًا ممن تخلف من أصحاب العذر رجالًا ونساءً وأطفالًا، وعليه فكل من قيدهم بعدد احتاج ضبطه لمستند صحيح، وقد علم عدمه، أما من ذكر عددًا مقاربًا فلا بأس بذلك، قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى -: "وللحاكم في الإكليل من حديث معاذ خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى غزوة تبوك زيادة على الثلاثين ألفًا، وبهذه العدة جزم ابن إسحاق، وأورده الواقدى بسند آخر موصول وزاد أنه كان معهم عشرة آلاف فرس" (٥)
* * *
فضل الصحابة:
إن الأدلة في استحقاق الصحابة الفضل على سائر الأمة مما استفاضت به الأدلة
_________________
(١) كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين، رقم الحديث: ٤٢٣١: (٢/ ٦٧٤).
(٢) انظر: ميزان الاعتدال للذهبى: (٤/ ٤٤١).
(٣) لسان الميزان، للحافظ ابن حجر: (٦/ ٢٩٦) وانظر الفتح: (٦/ ٣٧٥) .. ولمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى كتاب: منهج الحافظ ابن حجر في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري: (٣/ ١٢٣٨ - ١٢٥٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازى، باب حديث كعب بن مالك، رقم الحديث: ٤٤١٨.
(٥) الفتح: (٨/ ١١٧ - ١١٨). ولمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام، للدكتور: ناصر الشيخ.
[ ٦٢٥ ]
قال - ﵊ -: (خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). (١)
وكما تقدم من كلام الصاوي لم يكن استحقاقهم لهذا الفضل العظيم مجردًا عن الحكمة، وإنما كان ذلك جزاء لما اتصفوا به من عظيم الأخلاق، ولما قدموه للإسلام وللمسلمين.
هذا والحديث عن فضل الصحابة؛ مما يطول المقام في استقصائه، ولعلى أشير إلى الآية التي استدل بها الصاوي على خيرية الصحابة وعدالتهم، وهى آية آل عمران، يقول السفارينى - ﵀ -: "معتمد القول عند أئمة السنة أن الصحابة - رضوان الله عليهم كلهم - عدول بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق المعتبرين، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، قيل: اتفق المفسرون على أن ذلك في الصحابة، لكن الخلاف في التفاسير مشهور، ورجح كثير عمومها في أمة محمد - ﷺ -" (٢)
وقد أجاد القول الإمام ابن كثير - ﵀ - في توجيه ما قيل فيها من أقوال، يقول: "والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله - ﷺ - ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] " (٣)
ولكن ما يؤخذ على الصاوي هنا استدلاله بالأحاديث الضعيفة على ما يجب في حقهم مع وجود الصحيح الثابت الذي يحصل به الكفاية واليقين.
- كما أن استدلاله بما يثبت فضلهم ويقطع بالنعيم المعد لهم لإثبات تساويهم في دخول الجنة بلا سابقة عذاب مما لا يسلم له بإطلاقه، فإنه قد ثبت في السنة المطهرة
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب ما يحذر من زهرة الدنيا، رقم الحديث: ٦٤٢٩.
(٢) لوامع الأنوار: (٢/ ٣٧٧).
(٣) تفسير القرآن العظيم: (١/ ٥١٠).
[ ٦٢٦ ]
تفاوت الصحابة في مسائل الحساب والمغفرة، مما يدل على ذلك حديث الصحيحين الذي بشر فيه النبي - ﷺ - بدخول طائفة من أمته الجنة بلا حساب أو عقاب، فعن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال في حديث عرض الأمم عليه: (فإذا سواد عظيم. فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله - ﷺ -. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله. وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله - ﷺ - فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه. فقال: هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن. فقال: ادع الله أن يجعلنى منهم. فقال: أنت منهم ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلنى منهم. فقال: سبقك بها عكاشة)
فدلالة الحديث على تفاوت الصحابة في هذه المسائل واضحة جلية من جهتين الأولى، أنه سمع اجتهادهم في معرفة هذه الطائفة؛ وقد كان من جملة ما ظهر لهم، أنهم الذين صحبوا رسول الله - ﷺ -، ومع ذلك لم يقرهم على شيء مما ظنوه، وبين ﵊ الصفات التي أكرمهم بها المولى تعالى وجازاهم لاتصافهم بها دخول الجنة بلا حساب أو عقاب (١)، فإن النبي - ﷺ - جعل الوصف الذي يستحق به هؤلاء دخول الجنة بغير حساب هو تحقيق التوحيد وتجريده فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون والطيرة نوع من الشرك ويتوكلون على الله وحده لا على غيره (٢).
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب: كتاب الطب: باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو رقم الحديث: ٥٣٧٨، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان - باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، رقم الحديث: ٥٢٦. واللفظ لمسلم.
(٢) حادى الأرواح، لابن القيم: ٨٩.
[ ٦٢٧ ]
أما الثانية؛ فقد شهد النبي - ﵊ - لعكاشة بكونه منهم مع أنه توقف فيمن طلب أن يدعو له بذلك (١).
والذي يظهر تفاوت الصحابة في هذه المسائل لتوقف النبي - ﷺ - في الشهادة لأحد سوى من أوحى إليه أنه توفرت فيه ما ذكر من الصفات.
ويحسن هنا بعد بيان المسألة إجمالًا أن ينبه إلى أنه قد يكون ممن يحاسب ويبقى مدة بعد دخول هؤلاء الجنة في عرضات القيامة من هو خيرًا منهم وأن هذا التفضيل لهذه الخصلة وليس تفضيلًا شاملًا عامًا، يقول شيخ الإسلام - رحمة الله -: "فالفقراء متقدمون في دخول الجنة لخفة الحساب عليهم، والأغنياء مؤخرون لأجل الحساب، ثم إذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير كانت درجته في الجنة فوقه، وإن تأخر في الدخول.
كما أن السبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ومنهم عكاشة بن محصن، وقد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل منهم".
ومما تقدم يتبين أن نفى العذاب عن أجمعهم مطلقًا مما يحتاج لدليل، لأن في إثبات أصل الحساب ودخولهم في عمومه ما ينافى ذلك، فالحساب على درجات وقد ثبت من حديث النبي - ﷺ - أنه قال: (من نوقش الحساب عذب) (٢) وهذا من حيث الإجمال، أما وقد ثبت بالأدلة الصحيحة استحقاق العذاب على بعضهم ممن ثبتت له عموم الصحبة ممن هو دون المشهورين أصحاب الفضل والسابقة؛ فلا حجة
_________________
(١) وقد كان للعلماء في سبب توقفه - ﵊ - عددًا من الأجوبة، منها أن السائل كان أحد المنافقين، أو أنه سأله ولم يكن صادقًا بقلبه، أو أنه لم يوح إلى النبي - ﵊ - إلا بشأن عكاشة، أو أنها كانت ساعة إجابة وانتهت بدعائه - ﵊ - له، أو أن النبي - ﷺ - أراد بذلك حسم المادة حتى لا يطلبها من ليس أهلًا لها. وقد ضعف الحافظ ابن حجر القول بأنه كان أحد المنافقين؛ "لوجهين: أحدهما: أن الأصل في الصحابة عدم النفاق فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل صحيح. الثاني: أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال إلا عن قصد صحيح ويقين بتصديق الرسول، وكيف يصدر ذلك من منافق: فتح الباري: (١١/ ٤١٢ - ٤١٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب من نوقش الحساب عذب، رقم الحديث: ٦١٧١.
[ ٦٢٨ ]
إذًا لمن منعه مطلقًا عن كل من أطلق عليه مسمى صحابى، فعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (ليردن على ناس من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دونى، فأقول: أصحابي؟ فيقول: لا تدرى ما أحدثوا بعدك).
وفي حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، فأقول: يا رب أصحابي. . الحديث (١)، وعن أبي بكرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (ليردن على الحوض رجال ممن صحبنى ورآنى، حتى إذا رفعوا إلى ورأيتهم اختلجوا دونى، فلأقولن: رب، أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك). (٢)
وكان للعلماء عددًا من التوجيهات التي فسروا بها الصحبة المثبتة هنا لهؤلاء المذادين ذكرها الحافظ - ﵀ - منها أن المقصود بهؤلاء "الذين ارتدوا على عهد أبى بكر فقاتلهم أبو بكر، يعني حتى قتلوا وماتوا على الكفر. ."
وهذا إنما يتوجه لغير المشهورين من الصحابة فإنه "لم يرتد من الصحابة أحد وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدنيا، وذلك لا يوجب قدحًا في الصحابة المشهورين"
وقال بعضهم: يحتمل أن يكونوا منافقين أو من مرتكبى الكبائر، كما لا يمتنع دخول أصحاب البدع في ذلك، ولكن رد وصمهم بالابتداع لأن البدع إنما حدثت من غير القرن الذين صحبوا رسول الله.
وبهذا يكون المراد هنا الصحبة العامة التي تثبت بالرؤية والدخول في الإسلام وهذا ما أثبته سابقًا، فليس المراد المشهورين من الصحابة ولا من كانت له سابقة في الإسلام، يقول الحافظ: "وأجيب بحمل الصحابة على المعنى الأعم"
كما أن في رواية أصيحابى بالتصغير ما يدل "على قلة عددهم" (٣)
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الرقاق - باب في الحوض، رقم الحديث: ٦٥٧٦ - ٦٥٨٢.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث بكرة: (٦/ ٣٣)، وحسنه الحافظ في الفتح: (١١/ ٣٨٥).
(٣) فتح الباري: (١١/ ٣٨٥ - ٣٨٦).
[ ٦٢٩ ]
ومع إنه ليس في هذه الأحاديث ما يقطع بدخولهم في النار إلا أن مجرد ذبهم عن الحوض فيه معنى العقوبة، ويدخل في عموم العذاب، يقول الإمام النووي: "لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم ثم يرحمهم الله سبحانه فيدخلهم الجنة بغير عذاب" (١)
وبهذا يتبين أن الآية التي استدل بها الصاوي وهى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤]، تفيد قاعدة كلية وحكمًا عامًا، قد يستثنى منه البعض لوجود مانع أو انتفاء شرط، وهذا كصاحب الغلة التي غلها في غزوة مع رسول الله - ﷺ - عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال افتتحنا خيبر، ولم نغنم ذهبًا ولا فضة، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله - ﷺ - إلى وادى القرى، ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له أحد بنى الضباب (٢)، فبينما هو يحط رحل رسول الله - ﷺ - إذ جاءه سهم عائر، حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئًا له الشهادة، فقال رسول الله - ﷺ -: (بل، والذي نفسى بيده، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا) (٣)
كما أنه مما اشتهر أن الجنة لا يشهد لأحد بدخولها إلا من ورد تبشيره بها على جهة التعيين، فمع صحة ما ذهب إليه الصاوي من أن حديث العشرة لا يفيد حصر البشارة على هؤلاء، فإنه لا يسلم أن تعم على أحد حتى مع عدم ورود الدليل على تعيينه بالبشارة، والصحيح أن الحديث لا يفيد الحصر ولا ينفى الزيادة المثبتة بالأحاديث الأخرى المتفرقة، يقول العينى في تعليقه على حديث النبي - ﷺ - الذي فيه
_________________
(١) شرح مسلم: (٣/ ١٣٧).
(٢) أهداه رفاعة بن زيد الجذامى لرسول الله - ﷺ -، فأعتقه رسول الله، وقيل لم يعتقه: أسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير: (٥/ ١٣١).
(٣) أخرج البخاري في صحيحه: فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي - ﷺ - بشراك أو بشراكين، فقال هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول الله - ﷺ -: (شراك - أو شراكان - من نار) كتاب المغازى - باب: غزوة خيبر، رقم الحديث: ٣٩٩٣.
[ ٦٣٠ ]
: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا: "فإن قيل المبشرون بالجنة معدودون بالعشرة، وبهذا يزاد عليهم، لأنه - ﷺ - نص عليه أنه من أهل الجنة وأجيب بأن التنصيص على العدد لا ينافى الزيادة، وقد ورد أيضًا في حق كثير مثل ذلك، كما قال - ﷺ - في الحسن والحسين وأزواجه" (١) وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وغيرهم.
* * *
- أما تفاوت الصحابة في درجات ذلك الفضل فقد تقدمت الإشارة إليه في كلام الصاوي، ويستند هذا التفاوت إلى الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك منها قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]
يقول الإمام ابن جرير في معنى الآية الكريمة: "يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين أنفقوا في سبيل الله من قبل فتح الحديبية، وقاتلوا المشركين أعظم درجة في الجنة عند الله من الذين أنفقوا من بعد ذلك وقاتلوا". (٢)
وقال - ﵊ - ناهيًا خالد بن الوليد - ﵁ - في سبة سبها عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه). (٣)
فعلم منه تقدم السابقين في الإسلام والهجرة على من بعدهم.
وقال - ﵊ - في فضل الخلفاء الراشدين: (فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) (٤).
_________________
(١) عمدة القارئ: (٨/ ٢٤٢).
(٢) جامع البيان: (٢٧/ ٢٢١).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب العلم عن رسول الله - ﷺ - باب ما جاء في الأخذ بالسنة، رقم الحديث: ٢٦٧٦، وقال الترمذي عنه: حديث صحيح: (٥/ ٤٣).
[ ٦٣١ ]
وقال - ﵊ - في فضل أهل بدر من حديث حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ -: (وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). (١)
وقال أيضًا في حديث آخر، عندما جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - فقال له: (ما تعدون أهل بدر فيكم؟، قال: من أفضل المسلمين، فقال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة) (٢).
إلى غير ذلك من الأحاديث، التي دلت على تفاوتهم - ﵃ - في الرتبة والفضل، وقد كانت هذه المسألة مما استرعى اهتمام العلماء، حتى قاموا بتصنيف الصحابة إلى درجات استنادًا للأدلة المستفيضة في ذلك، ولكنهم اختلفوا في وضع عدد ثابت لها، وأشهر التقسيم الذي عليه أهل العلم، كالتالى:
الأولى: قدماء السابقين الذين أسلموا بمكة كالخلفاء الأربعة.
الثانية: أصحاب دار الندوة.
الثالثة: مهاجرة الحبشة.
الرابعة: أصحاب العقبة الأولى.
الخامسة: أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار.
السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إليه إلى قباء قبل أن يدخل المدينة.
السابعة: أهل بدر.
الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
التاسعة: أهل بيعة الرضوان.
العاشرة: من هاجر بين الحديبية وفتح مكة.
الحادية عشر: مسلمة الفتح.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير - باب الجاسوس، رقم الحديث: ٣٠٠٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازى - باب شهود الملائكة بدر، رقم الحديث: ٣٩٩٢.
[ ٦٣٢ ]
الثانية عشر: صبيان وأطفال رأوا رسول الله - ﷺ - يوم الفتح وفي حجة الوداع" (١).
هذا وقد تعرض الصاوي إلى مسألة مهمة بعد بيان تدرجهم - رضي الله تعالى عليهم بالفضل -، وهى قضية التوسل بهم، حيث بنى على ذلك التدرج أن التوسل بهم أيضًا يكون وفق ذلك الترتيب.
والحقيقة أن هذه المسألة من مهام المسائل العقدية، لوقوع الكثير في الضلال بسبب اختلاف التوسل المذموم عليهم بالممدوح منه.
فمع التسليم بمشروعية التوسل بهم - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -، إلا أن الصاوي لم يوضح مراده من ذلك التوسل، ولا كيفيته المشروعة، فالتوسل المشروع في حقهم هو التوسل إلى بمحبتهم وإجلالهم، والاقتداء بهم، وحفظ أعراضهم، أو بطلب الدعاء منهم في حياتهم، كما فعل عمر- رضى الله تعالى عنه - مع عم النبي - ﷺ -: العباس - رضي الله تعالى عنه - (٢). وما خلا ذلك من التوجه لهم بالدعاء واعتقاد حصول الضر أو النفع من جهتهم فلا صحة له، بل هو عين الشرك الذي حذر النبي - ﷺ - أمته منه.
* * *
الدفاع عن الصحابة:
تقدم الحديث عن فضل الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم -، واستفاضة الأدلة في ذلك، مما يعني أنه لا يجوز بحال القدح أو الطعن فيهم، مهما كان السبب، لأنه كما قال شيخ الإسلام - ﵀ - بعد ذكر الأحاديث الواردة في فضلهم: "هذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون، والقدح فيهم قدح في القرآن والسنة" (٣).
_________________
(١) العواصم والقواصم لابن الوزير: (١/ ٤١٢). وانظر: أحكام القرآن لابن العربى: (٢/ ١٠٠٢).
(٢) قد سبق توضيح هذا على جهة التفصيل والاستدلال في مبحث التوحيد ونواقضه: ١٨٤.
(٣) مجموع الفتاوى: (٤/ ٤٣٠).
[ ٦٣٣ ]
وقد تفطن أهل الافتراق والأهواء لهذه الحقيقة التي لا مراء فيها، فاتجهوا إلى ذلك المعين الصافى، وراموا بغيًا تكدير صفوه، وأنى لهم، فطعن الشيعة في حفظ القرآن الكريم، وزعموا تحريفه بأنواع الأكاذيب، كما أعرضت الخوارج عن تحكيم السنة فأخذت تعمل رأيها في قبول ما تشاء ورد ما تريد، وهكذا حتى خرج زعماء هذه الفرق على جماعة المسلمين بتكفير كبار الصحابة ممن شهد لهم رسول الله بالجنة، فعلم من ذلك أن الطعن في الصحابة هو ديدن الخارجين عن منهج الكتاب والسنة، فالرد عليهم إذًا يكون أولًا: ببيان مكانة التلقى عنهما، وأنه لا نجاة بغير الاهتداء بهديهما.
وعليه فإن الطعن في عدالة الصحابة الكرام بما يوجب الفسق أو الكفر بحجة ما وقع بينهم من خصام ليس له مسوغ شرعى مهما كانت حجة الخصم، لأنه قد ثبتت عدالتهم بما يوجب لهم الترضى ودخول الجنة بالخبر اليقينى المتواتر كتابًا وسنة.
هذا والحديث في بيان حقيقة الخصام الذي حدث في صفوف الصحابة - ﵃ -، مما امتلأت بمروياته كتب التاريخ، فقد جمعت بين دفتيها عددًا ضخمًا منها، ولكنه مع الأسف كان غالبه مما وضعه أصحاب الأهواء والبدع المارقين من جماعة المسلمين، لذا كان تنبيه الصاوي السابق من هذه المرويات، متبعًا بذلك منهج أكابر العلماء.
فتحرى الصحيح منها، ونبذ ما خالف ذلك، مما لا مستند له من الصحة سندًا أو متنًا مما يدل على التمسك بمنهج الكتاب والسنة في اعتقاد عدالة الصحابة وحفظهم عن موجبات الفسق وما شاكله.
وقبل الحديث في الاستدلال لهذا الموقف السديد من الصاوي، أتوجه بالبيان:
أولًا: لما حدث بين الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم -، لعلى أعطى للقارئ فكرة موجزة عن حقيقة التخاصم الذي حدث من جهة أسبابه ودوافعه، أقول: لقد كان لأعداء المسلمين من اليهود، دور كبير في غرس بذور الفتنة، ومن ثم تعهد نموها واشتدادها، فقد رصد التاريخ بما لا يدع مجالًا للشك، تحركات ابن سبأ
[ ٦٣٤ ]
اليهودى، الذي تظاهر بالإسلام في أثناء خلافة عثمان - ﵁ -، حيث قام بإيغار قلوب عماله عليه، وذلك بمساعدة أتباعه الذين أطلق عليهم مسمى السبئية، حتى تمخض عن ذلك الحشد النفسى على الخليفة الراشد حشدًا حقيقيًا مجندًا، أدى إلى مقتله على حين غرة، غدرًا في منزله - رضى الله تعالى عنه وأرضاه -.
أقول لقد كان لهذا الحادث الأليم أثر بالغ، بل هو الدافع الأول لحدوث التخاصم بين الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -، حيث اختلفت الآراء وتباينت في كيفية معالجة الوضع الراهن.
فقد طالب الصحابة الخليفة الرابع: علي بن أبي طالب - ﵁ وأرضاه - بأخذ القود لعثمان - ﵁ -، المقتول ظلمًا وغدرًا.
ولكن علي - ﵁ -، وهو الفطن الحكيم، تريث في الأمر وطلب المهلة ريثما تحين الفرصة المناسبة فيتمكن من القبض على هذه العصابة الآثمة دون إحداث أمر يؤدى بدوره إلى بث الفرقة، خصوصًا والخلافة لم تحكم قبضتها بعد على أطراف الدولة المترامية (١).
ومع هذا الموقف المتأنى منه - ﵁ -، لم يطق بعض الصحابة الصبر لما حدث للخليفة المقتول غدرًا - ﵁ -، فامتنعوا عن المبايعة حتى يتم الأخذ بالثأر خوفًا من أن يهدر دمه ويصعب معرفة قاتليه (٢).
وهكذا أخذ الخلاف بالتبلور متجهًا نحو الشدة والسيطرة، حتى استقر الأمر على انشقاق الصف إلى فرقتين: واحدة يتزعمها الصحابى الجليل على، وواحدة يتزعمها معاوية بن أبي سفيان - ﵄ -، واستمر الخلاف إلى أن نشبت بين صفوف هاتين الفئتين حروبًا عظيمة، قيل: إن عدد الذين قتلوا فيها فاق عدد شهداء معارك الفتوح الإسلامية بأسرها إبان الخلافة الراشدة.
_________________
(١) البداية والنهاية، لابن كثير: (٧/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
(٢) تاريخ الطبري (٤/ ٤٤٤). وانظر: البداية والنهاية: (٧/ ٢٨٣).
[ ٦٣٥ ]
ومن خلال تلك الاحداث الجسام، التي فتت في عضد الأمة الإسلامية سنح للمغرضين فرص كثيرة، يدسون فيها الأقاويل الكاذبة، والافتراءات المحضة على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فأظهروهم في كثير من المواقف الحرجة بمظهر لا يليق بهم، وهم الذين اصطفاهم المولى تعالى؛ ليكونوا أصحاب رسوله - ﷺ -، ورافعى لواء الإسلام من بعده.
ودون خوض في آحاد تلك الحوادث الجسام، التي هتكت أمن الأمة الإسلامية دهرًا من الزمن، يمكن التخلص إلى أن حقيقة الخلاف إنما نشأ عن اجتهاد وإعمال الرأى، وعليه فلا تثريب على أحد من الفئتين، لأنه كما قال الصاوي مستدلًا بالحديث الشريف: ليس على المجتهد المخطئ ذنب، فقد قال المصطفى - ﷺ -: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (١).
وكان هذا المبدأ هو أحد الأصول التي قام عليها معتقد السنة والجماعة في تعظيم الصحابة وإجلالهم وعدم الوقوع في أعراضهم؛ بسبب ذلك التخاصم الذي حدث بينهم، وليس لأحد أن يعترض، فيقول أن أمر الدماء ليس كغيرها، فإن المولى تعالى لم ينزع عن الفئتين المتقاتلتين وصف الإيمان بل أمر بالإصلاح بينهما، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩].
وهذا ما شهد به الخليفة الراشد علي - ﵁ - للقتلى من الفريقين، حيث قال حين سئل عن قتلى معركة صفين: "قتلانا وقتلاهم في الجنة" (٢).
وعليه فإن إعمال الأصل الأول في الحكم على الصحابة وهو اعتقاد فضلهم وما ترتب على ذلك من شهادة المولى تعالى لهم بالرضوان الموجب لدخول الجنة، هو أهم المبادئ التي يستند إليها في التغاضى عما بدر منهم في عهد الفتن.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الاعتصام بالسنة - باب أجر الحاكم إذا اجتهد، رقم الحديث: ٧٣٥٢.
(٢) سير أعلام النبلاء: (٣/ ١٤٤).
[ ٦٣٦ ]
كما أن الأحاديث التي وردت في تحريم الوقوع في أعراضهم، والنهى عن كل ما ينقص من قدرهم؛ لتدل دلالة صريحة لا يمكن معها إلا التوقف والإمساك عن الخوض في التخاصم، الذي حدث بين الصحابة - رضوان الله عليهم -، هذا وقد جاء الأمر بالإمساك مصرحًا به في الحديث الشريف، قال - ﷺ -: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) (١).
ومن هنا شرع الإمساك عن الخوض فيما حدث بين الصحابة الكرام، والتورع عن تتبع تفاصيل الخصام بينهم، ويعد هذا الموقف معلمًا بارزًا من أهم المعالم، التي يتميز بها معتقد الفرقة الناجية، فقد سئل الحسن البصري - رحمه الله تعالى - عن قتال الصحابة فيما بينهم، فقال: "قتال شهده أصحاب محمد - ﷺ - وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا" (٢).
وأجاب بنحو ذلك عمر بن عبد العزيز - ﵀ -، حيث قال: "تلك دماء طهر الله يدى منها أفلا أطهر لسانى، مثل أصحاب رسول الله - ﷺ - مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها" (٣).
وقد فصل القول في ذلك شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا أن الكثير مما روى في التخاصم الذي حصل: مكذوب عليهم، وإنما أريد به تشويه سمعتهم والطعن فيهم، يقول حاكيًا موقف السنة والجماعة في ذلك: "ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود، برقم: ١٠٤٤٨: (١٠/ ٢٤٣) وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه مسهر بن عبد الملك وثقة ابن حبان وغيره، وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح (٢٠٢/ ٧): "وصححه الألباني في السلسلة، رقم: ٣٤.
(٢) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: (١٦/ ٣٢٢).
(٣) المرجع السابق.
[ ٦٣٧ ]
منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة.
ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم: (١).
وقد أشار الإمام الذهبي (٢) في معرض حديثه عن موقف أهل السنة والجماعة من الخصام الذي حدث بين الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى الشروط التي يجب أن يلتزمها من أراد أن يطالع تلك الروايات التي تحدثت عن ذلك التخاصم، موضحًا الهدف من إعمالها وضبط النفس عليها؛ حيث قال: "تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم - ﵃ أجمعين -، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب.
وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغى طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفوا القلوب، وتتوافر على حب الصحابة والترضى عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العرى من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى، حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣).
_________________
(١) العقيدة الواسطية شرح العلامة: محمد خليل هراس: ٢٤٩. وانظر: الفتاوى: (٤/ ٤٣٤).
(٢) هو الإمام العلامة الحافظ المؤرخ شيخ المحدثين أبو عبد الله بن أحمد بن عثمان التركمانى المعروف بالذهبى ولد سنة: ٦٧٣ هـ له مصنفات عظيمة منها: ميزان الاعتدال في نقد الرجال وسير أعلام النبلاء وغيرها، توفى سنة: ٧٤٨ هـ انظر: ذيل تذكرة الحفاظ: (٥/ ٣٤).
(٣) سير أعلام النبلاء: (١٠/ ٩٢).
[ ٦٣٨ ]
ومع إجماع أهل العلم على هذا الذي بينه الإمام الذهبي من وجوب الإمساك عن التخاصم الذي حدث بينهم، إلا أنه قد يستحب على المتمكن المنصف العالم دراسة تلك الروايات، ومعرفة أغوارها، وتنقيتها من الكثير مما داخلها من الأغلوطات الوهمية، التي سجلتها كتب التاريخ، كل ذلك بقصد الذب، عنهم، وإجلاء حقيقة ما أثير ضدهم - ﵃ أجمعين -، فلا يشك حينئذ من موافقة هذا العمل للمقاصد الشرعية المعتبرة عند أهل العلم.
فإنه لا يخفى على المتبصر بأمر هذا الدين الحنيف ما للصحابة الكرام من الفضل في حفظه، وفي نشر تعاليمه، وهداية الناس له، إذًا فحقيقة الدفاع عنهم - رضوان الله عليهم -، دفاع عن الدين نفسه، كما أن الطعن فيهم طعن في الدين، ليس من جهة اشتماله على مدحهم والأمر بحفظ أعراضهم والترضى عنهم فحسب، بل من جهة كونهم القاعدة الرصينة التي أريمى عليها دعائم الإسلام، ولا يخفى على المتأمل ما تحمله كلمات الرسول - ﷺ - وهو يناجى ربه في أول غزوة في الإسلام، في معركة بدر:
تلك المعركة التي احتدم فيها الصراع بين النور والظلام مؤذنًا بغلبة النور واستعلائه، حيث قال - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم -: (اللهم! إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) (١).
وأما إذا خلت المطالعة من اقتضاء هذه المصلحة المعتبرة، فمن المسلم عدم اعتبار شرعيته، وأن الأولى والأصوب هو التوقف عن مثل هذا العمل الذي لا نفع فيه، بل قد يلحق بصاحبه من المضار ما لا طاقة له بدفعه، فيتأثر بتلك الروايات والأكاذيب مما يؤدى به في نهاية المطاف إلى الطعن فيهم، والقدح في أعراضهم، فيخرج بذلك عن المنهج الذي خطه الشارع الحكيم لاتباع هذا الدين، حيال حملة أمانته، وحفظة كتابه وسنته؛ الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين -، وجمعنا بهم في مستقر رحمته، آمين.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير - باب الإمداد بالملائكة: (١٢/ ٨٤).
[ ٦٣٩ ]
ومصداقًا لهذا المعنى يقول العالم الجليل: العوام بن حوشب (١): "أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة، بعضهم يقول لبعض: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله - ﷺ - لتأتلف عليه القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم، فتحرضوا الناس عليهم" (٢).
* * *
_________________
(١) عوام بن حوشب بن يزيد الشيباني أبو عيسى الواسطي: ثقة ثبت فاضل مات سنة ١٤٨: (١/ ٢٦٧).
(٢) الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة، للإمام ابن بطة الحنبلى: (١٨١).
[ ٦٤٠ ]
(المبحث الثاني): الإمامة
لقد تناول الصاوي في حديثه عن الإمامة عددًا من المسائل المهمة المتعلقة بهذا الموضوع، ولكنه اتسم في طريقة تحريرها بالإيجاز والاختصار الشديدين، ولعل لهذا الموقف منه أسبابًا ودوافع اجتماعية، حدت به عن التفصيل والاستيعاب.
أولًا: يبين الصاوي حكم تنصيب الإمام بالشروط المعتبرة شرعًا، فيقول: "يجب على الأمة وجوبًا كفائيًا إقامة خليفة عدل، لا يميل به الهوى فيجور في الحكم".
والمراد به عدل الشهادة، وهو من استكمل شروطًا ستة: الإسلام، والبلوغ والعقل، والحرية، والذكورة، وعدم الفسق بجارحة؛ أو اعتقاد.
- وليتم إعمال هذه الشروط عند اكتمالها وتوظيفها فيمن تأتى له الاتصاف بها لا بد من الإقرار بمشروعية إمامته من الجهات المسؤولة، وعلى الترتيب المعتبر شرعًا، يقول: "وليس كل من يصلح للإمامة يصير إمامًا، بل لا بد من النص على إمامته إما من الله تعالى أو رسوله - ﷺ - أو من السابق أو إجماع الأمة"
ثم ينبه على أن البحث عن توفر هذه الشروط إنما يكون منذ البدء لا في نهاية المطاف، يقول: "وهذه الشروط في حالة الابتداء والاختيار ولذلك يعزل إن أزيل وصفه أو تغلب علينا في الابتداء وهو معدوم الأوصاف".
أما عن أهمية تنصيب الإمام، فيرى أنه مما يقدم على غيره من الواجبات الشرعية المعتبرة التي يمكن تأجيلها، وذلك لما يترتب عليه من انتظام الأمور وإحكام الأمن، يقول: "وجوب نصبه حكم شرعى فهو أهم الواجبات ولذا اشتغل الصحابة بذلك عن دفن رسول الله - ﷺ - فتأخر دفنه يومين، لأنه ورد أنه توفى يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء".
[ ٦٤١ ]
وحتى ينتظم أمر الأمة ويتحقق المطلوب من الإمامة، يرى أنه: لا يجوز تعدد الخليفة".
وعليه فإن الواجب اتجاه كل من سولت له نفسه الخروج على الإمام هو القتال، يقول: "ومن خرج وجب قتاله".
ويستثنى من هذا الحكم وجود الحاجة لتعدد الإمام، كاتساع الأقطار، مثلًا، يقول: "إلا إذا اتسعت الأقطار، وبعدت جدًا فيجوز التعدد، لوجوب طاعته على سائر الرعايا ظاهرًا وباطنًا، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
ولقوله - ﷺ -: (من أطاع أميرى؛ فقد أطاعنى، ومن عصى أميرى؛ فقد عصانى).
ومع تقريريه لوجوب طاعة وامتثال أمر الوالى إلا أنه يرى عدم إطلاق الحكم بذلك عند وجود الموانع، يقول: "إلا إذا وقع منه الكفر، وأمر به فلا تجوز طاعته". وبهذا يرى أنه "إذا ولى مستكملًا للشروط فزال وصف العدالة منه بأن طرأ عليه الفسق؛ فلا يعزل، وأما طروء الكفر؛ فيعزل". (١)
* * *
تعليق:
أولًا: حكم تنصيب الوالي:
بين الصاوي أن حكم تنصيب الإمام واجب على الأمة وجوبًا كفائيًا بالشرع، وقد وافق بذلك ما أجمع عليه أهل العلم، ومستند هذا الوجوب المجمع عليه من جهة الشرع ما يترتب على تنصيبه من مصالح عميمة، يستقر بها أمر الأمة في الدين والدنيا، يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في هذا المعنى: "اعلم أن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات، حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) حاشية الجوهرة: ٦٨.
[ ٦٤٢ ]
ووجه ذلك الوجوب أنه أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور، وتجهيز الجيوش للجهاد، وحفظ بيضة الإسلام، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به إن كان مقدورًا فهو واجب، ولأن في نصبه جلب منافع لا تحصى، ودفع مضار لا تستقصى، وكل ما كان كذلك يكون واجبًا" (١)
أما انعقاد البيعة باستخلاف الخليفة السابق، أو بجعله الأمر شورى بين أهل الحل والعقد، أو بالقوة والغلبة، فقد حكى الحافظ ابن حجر - ﵀ - عن الإمام النووي وغيره إجماع أهل العلم على انعقاد الخلافة بمثل هذه الأمور". (٢)
* * *
ثانيًا: ما تنعقد به البيعة:
أما حديثه عما تنعقد به الإمامة، فقد كان القول بالنص: أي الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة محل اختلاف لين العلماء، وقد اشتهر القول به عند الشيعة، حتى ادعى أحدهم أنه لم يقل أحد بالتنصيص على خلافة أحد من الصحابة بعد رسول الله، إلا علي - ﵁ -، وقد أبطل شيخ الإسلام حجته في ذلك ببيان أن من الصحابة والسلف وأهل العلم، من ذهب إلى التنصيص على خلافة أبى بكر الصديق - ﵁ - (٣).
وإلى هذا المعنى يشير الإمام ابن القيم، مستدلًا بما روى عن علي - ﵁ - أنه قال: "لقد أمر النبي أبا بكر أن يصلى بالناس، وإنى لشاهد وما أنا غائب، وما بى مرض، فرضينا لدنيانا ما رضيه النبي لديننا".
"ووجه ما تقرر من أن الأمر بتقديمه للصلاة؛ كما ذكر فيه الإشارة أو التصريح بأحقيته بالخلافة إذ القصد الذاتى من نصب الإمام العالم إقامة الشعائر". (٤)
_________________
(١) الصواعق المحرقة: (١/ ٢٥). وانظر: مقدمة ابن خلدون في نفس المعنى: ٣٠٣.
(٢) انظر: فتح الباري: (١٣/ ٢٠٨).
(٣) انظر: منهاج السنة: (٦/ ٤٤٣).
(٤) الصواعق المحرقة: (١/ ٦١).
[ ٦٤٣ ]
ولكن هل يعد هذا من قبيل القياس والإشارة - كما تقدم من كلام ابن القيم -، أم هو من قبيل النص الصريح؟ كان هذا مجال اجتهاد بين العلماء.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - مفصلًا القول في هذه المسألة: "ذهبت طوائف من أهل السنة إلى أن إمامة أبى بكر ثبتت بالنص، والنزاع في ذلك معروف في مذهب أحمد وغيره من الأئمة.
وقد وردت روايتين عن الإمام أحمد في ذلك:
أحدهما: أنها ثبتت بالاختيار، وبهذا قال جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية.
الثانية: أنها ثبتت بالنص الخفى والإشارة، وبهذا قال الحسن البصري، وجماعة من أهل الحديث" (١).
وأخذ بإيراد الأدلة التي استند إليها القائلون بالنص، حيث أورد كلام ابن حزم الصريح في اعتقاد ذلك، مما يطول المقام باستقصائه ولكنه في الجملة لا يخرج عن مثل ما روى عن علي - ﵁ -.
صفات الوالي:
- وما ذكره الصاوي من الشروط التي يتم بها اختيار الخليفة فصحيحة مع القدرة على ذلك، يقول شيخ الإسلام: "أهل السنة يقولون: ينبغى أن يولى الأصلح للولاية إذا أمكن: إما وجوبًا عند أكثرهم، وإما استحبابًا عند بعضهم، وأن من عدل عن الأصلح مع قدرته لهواه فهو ظالم، ومن كان عاجزًا عن تولية الأصلح مع محبته لذلك فهو معذور" (٢).
- وينبنى القول بوجوب تقديم الفاضل بالخلافة على الاستنان بما سنه لنا أصحاب رسول الله، وهم من هم في الصدق والورع، فلا ريب في أن اختيار الصحابة لأبي بكر وعمر من بعده ثم عثمان وعلي ﵃ أجمعين -
_________________
(١) منهاج السنة: (١/ ٤٨٦).
(٢) منهاج السنة: (١/ ٥٥١).
[ ٦٤٤ ]
وتقديمهم على غيرهم إنما كان لاستحقاقهم الإمامة باكتمال الشروط التي يحبها الله ورسوله فيهم - ﵃ أجمعين -، والأدلة في ذلك كثيرة متضافرة (١).
كما يستند التقديم بالأولية في الفضل إلى أن مهمة الإمام الأولى هي الحكم بشريعة الله ورسوله، والقيام برعاية مصالح المسلمين، فلما انعدم المماثل للرسول - ﷺ - في حكمه بشريعة الله كان؛ "أحق الناس بخلافة نبوته أقربهم إلى الأمر بما يأمر به، والنهى عما نهى عنه" (٢).
* * *
تعدد الولاة:
- ومن المسائل المتعلقة بالإمامة والتى أشار إليها الصاوي مبينًا رأيه: قضية تعدد الإمام، حيث حكم بتحريم تعدد الإمام ما لم تكن هناك مصلحة متحققة من تعدده، كاتساع الدولة الإسلامية وتعدد أقطارها مثلًا.
وكان هذا الذي ذهب إليه الصاوي مما حكى الإجماع عليه من أهل العلم، يقول ابن حزم - ﵀ -: "اتفق من ذكرنا ممن يرى فرض الإمامة على أنه لا يجوز كون إمامين في وقت واحد في العالم، ولا يجوز إلا إمام واحد".
وقد استدل لهذا بعدد من الأدلة: نقلية، وأخرى عقلية مستنبطة من النقلية، إذ لا تعارض بين الصحيح منهما، يقول: "قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
وقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
فحرم الله ﷿ التفرق والتنارع، وإذا كان إمامان فقد حصل التفرق المحرم؛ فوجد التنازع، ووقعت المعصية لله تعالى، وقلنا ما لا يحل لنا.
وأما من طريق النظر والمصلحة، فلو جاز أن يكون في العالم إمامان لجاز أن
_________________
(١) المرجع السابق: (١/ ٥٣٠).
(٢) المرجع السابق: (١/ ٨٤).
[ ٦٤٥ ]
يكون فيه ثلاثة وأربعة وأكثر، فإن منع من ذلك مانع كان متحكمًا بلا برهان ومدعيًا بلا دليل.
وإن جاز ذلك زاد الأمر حتى يكون في كل عالم إمام، وفي كل مدينة إمام، أو في كل قرية إمام، أو يكون كل أحد إمامًا وخليفة في منزله، وهذا هو الفساد المحض، وهلاك الدين والدنيا" (١).
* * *
حق الإمام:
الواجب عند انعقاد البيعة: السمع والطاعة في غير معصية، وقد عد الإمام البيهقي (٢) طاعة ولى الأمر من شعب الإيمان مستدلًا بالآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. (٣)
وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة عن رسول الله كلها تأمر بالامتثال لأمر الإمام، قال رسول الله - ﷺ -: (اسمعوا وأطيعوا، وان استعمل عليكم عبد حبشى، كأن رأسه زبيبة). (٤)
ومع ذلك فليست طاعة الإمام طاعة مطلقة، إذ الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله ولرسوله، أما طاعة الإمام فهى مقيدة بطاعنه فيما يرضى الله تعالى، أما في معصيته فلا يجوز ذلك في حق أحد كائنًا من كان، قال - ﷺ -: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، ويصلون عليكم، وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم، ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله! أفلا
_________________
(١) الفصل: (٤/ ٨٨).
(٢) هو العلامة الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقي ولد سنة: ٣٨٤ هـ عمل كتبًا لم يسبق إلى تحرير مثلها، منها الأسماء والصفات، والسنن الكبير، والسنن والآثار، وشعب الإيمان، ودلائل النبوة، توفى سنة: ٤٥٨ هـ: تذكرة الحفاظ: (٣/ ١١٣٢).
(٣) مختصر شعب الإيمان، للشيخ أبى جعفر القزينى: ١٧٣.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأحكام - باب السمع والطاعة للإمام، رقم الحديث: ٧١٤٢.
[ ٦٤٦ ]
ننابذهم بالسيف؟، فقال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه؛ فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة). (١)
وعليه فلا يجوز الخروج على الإمام؛ بحجة عدم استكمال الشروط فيه، لظهور ما يحكم عليه بالفسق مثلًا، كالأمر بما يغضب الله تعالى من المعاصى، بعد انعقاد الإمامة له، وذلك لدلالة النصوص الشرعية صراحة بوجوب السمع والطاعة في غير معصية، وتحريم الخروج عليه مع عدم الدافع من الأمر بالكفر الصريح.
إذًا يفرق بين طاعة الإمام المسلم الطاعة إلى تستلزم امتثال أمره مهما كان، وبين طاعته التي تعنى عدم الخروج عليه:
أما الأولى؛ فقد دلت الأحاديث على تقييدها بالمعروف؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وأما الثانية؛ فقد جاءت الأحاديث بإطلاقها، فحرمت الخروج عليه، بل وشددت في ذلك، مادام الإمام على التزام بإقامة شعائر الإسلام، قال رسول الله - ﷺ -: (ستكون أمراء؛ فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضى وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟، قال: لا، ما صلوا) (٢).
يقول شيخ الإسلام في تعليقه على الحديث السابق: "وهذا يبين أن الأئمة هم الأمراء وولاة الأمور، وأنه يكره ينكر ما يأتونه من معصية الله، ولا تنزع اليد من طاعتهم، بل يطاعون في طاعة الله، وأن منهم خيارًا وشرارًا". (٣)
وهذا إنما يلتزم به في حال عدم خروج الإمام عن التزام شعائر الإسلام وتحقيقها في الرعية، ولو بالحد الأدنى منها، كما بين ذلك المصطفى - ﷺ - حيث علق أحقية الوالى في الإمامة بإقامة الصلاة في رعيته.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة - باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع: (١٢/ ٢٤٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة - باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع: (١٢/ ٢٤٣).
(٣) منهاج السنة: (١/ ١١٧). وانظر: مجموع الفتاوى: (٣/ ٢٤٩).
[ ٦٤٧ ]
فإنه مع وجود ما يقتضى خروج الإمام من دائرة الإسلام إلى الكفر الصريح؛ فلا أحقية له حينئذ في الخلافة الشرعية، دل على ذلك الحديث الصحيح، فقد روى عن عبادة بن الصامت - ﵁ - أنه قال: (دعانا النبي - ﷺ - فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن ترو كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان). (١)
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن - باب قول النبي - ﷺ -: (سترون بعدى أمورًا تنكرونها)، رقم الحديث: ٧٠٥٦. قال الحافظ: "البواح" بموحدة ومهملة، معنى قوله: (بواحًا)؛ يريد ظاهرًا باديًا، من قولهم: باح بالشيء؛ يبوح به؛ بوحًا، وبواحًا؛ إذا أذاعه وأظهره، وفي رواية "براحا" بالراء؛ وهو قريب من هذا المعنى، وأصل البراح الأرض القفراء التي لا أنيىس فيها ولا بناء، وقيل: البراح البيان؛ يقال: برح الخفاه إذا ظهر. الفتح: (١٣/ ٨).
[ ٦٤٨ ]