وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: النبوة
الفصل الثاني: الإمامة
الفصل الثالث: الصحابة
[ ٦٣٣ ]
الفصل الأول النبوة
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريفه النبوة والرسالة وبيان فضل الأنبياء
المبحث الثاني: دلائل النبوة
المبحث الثالث: عصمة الأنبياء
المبحث الرابع: خصائص نبينا محمد - ﷺ -
المبحث الخامس: الإيمان بالملائكة والجن
[ ٦٣٥ ]
المبحث الأول تعريف النبوة والرسالة وبيان فضل الأنبياء
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: النبوة والرسالة والفرق بينهما
المطلب الثاني: فضل الأنبياء ومكانتهم
المطلب الثالث: المفاضلة بين الأنبياء
المطلب الرابع: نبوة الخضر وحياته
المطلب الخامس: نبوة النساء
[ ٦٣٧ ]
المطلب الأول: النبوة والرسالة والفرق بينهما:
قال القرطبي في تعريف النبوة لغة: "النبوة مأخوذة من النبأ وهو الخبر، فأصلها إذًا الهمزة ثم سهلت، وقيل: مأخوذة من النبوة، وهي المرتفع عن الأرض" (^١).
وقال في معنى النبوة شرعًا: "النبوة معناها: أن يُطلع الله من يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه، إما بالمشافهة، وإما بواسطة ملك أو بإلقاء في القلب" (^٢).
وقال في التفريق بين النبي والرسول: "النبي في العرف: هو المنبأ من جهة الله تعالى لأمر يقتضي تكليفًا فإن أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول وإلَّا فهو نبي غير رسول، وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا؛ لأن الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام، هو النبأ، وافترقا في أمر خاص وهو الرسالة، فإذا قلت: محمد رسول الله تضمن ذلك أنه نبي رسول" (^٣).
وهذا الفرق وإن كان مشتهرًا بين أهل العلم إلَّا أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (^٤) فهذه الآية دلَّت على أن النبي يعمه الإرسال كالرسول، ومن المستبعد أن يخص الله تعالى عبدًا من عباده بوحي ولا يؤمر بتبليغه لغيره، فيكون هذا كتمانًا للعلم، والأنبياء منزهون عن ذلك.
_________________
(١) المفهم (١/ ٨٨).
(٢) المفهم (٦/ ١٧).
(٣) المفهم (٧/ ٤٠).
(٤) سورة الحج، الآية: ٥٢.
[ ٦٣٩ ]
قال الشيخ الشنقيطي: "وآية الحج تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي إليه وحي، ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه وحي، وأمر بتبليغ ما أوحي إليه، غير صحيح؛ لأن قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (^١) يدل على أن كلًّا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير، واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل، مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول هو ما لم ينزل عليه كتاب، وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (^٢) " (^٣).
والبيضاوي ﵀ قد اختار هذا القول حيث قال في التفريق بين النبي والرسول: "الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه ومن بعث لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵉، لذلك شبه النبي - ﷺ - علماء أمته بهم فالنبي أعم من الرسول" (^٤).
وهذا قريب مما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "فالنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله فهو نبي وليس
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ٥٢.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٤٤.
(٣) أضواء البيان (٥/ ٢٩٠).
(٤) تفسير البيضاوي (٤/ ١٣٣).
[ ٦٤٠ ]
برسول قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (^١) دليل على أن النبي مرسل ولا يسمى رسولًا عند الإطلاق لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفون أنه حق" (^٢).
المطلب الثاني: فضل الأنبياء ومكانتهم:
إن مما يعلمه كل مسلم أن الله تعالى اصطفى هؤلاء الأنبياء واختارهم لحمل رسالته وإبلاغ دعوته فهم سفراء الله تعالى إلى خلقه جعلهم الله تعالى خيرة الخلق، وصفوة البشر، شرَّفهم بالنبوة، وأعطاهم الحكمة، ورزقهم قوة العقل، وسداد الرأي، فهم أئمة الدنيا والدين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (^٣). من إكرام الله تعالى لهم أن وهبهم كمال الخَلقِ والخُلق فخصهم بصفات الكمال ونزههم عن صفات النقص والعيب. قال القرطبي: الله تعالى كمَّل أنبياءه خَلْقًا وخُلُقًا ونزههم في أول خلقهم من المعايب والنقائص المنفرة عن الاقتداء بهم المبعدة عنهم، ولذلك لم يسمع أنه كان في الأنبياء والرسل من خَلَقَه الله تعالى أعمى ولا أعور ولا أقطع ولا أبرص ولا أجذم ولا غير ذلك من العيوب والآفات التي تكون نقصًا ووصمًا يوجب لمن اتصف بها شينًا وذمًا ومن تصفح أخبارهم وعلم أحوالهم علم ذلك على القطع، وقد ذكر القاضي - ﵀ - في الشفاء من هذا جملة وافرة (^٤) ولا يعترض عليها بعمى يعقوب وبابتلاء أيوب، فإن ذلك كان طارئًا عليهم محبة لهم وليقتدي بهم من ابتلي ببلاء في حالهم وصبرهم،
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ٥٢.
(٢) النبوات لابن تيمية ص (١٨٤، ١٨٥).
(٣) سورة السجدة، الآية: ٢٤.
(٤) أي القاضي عياض في كتابه "الشفاء بتعريف حقوق المصطفى".
[ ٦٤١ ]
وفي أن ذلك لم يقطعهم عن عبادة ربهم ثم إن الله تعالى أظهر كرامتهم ومعجزاتهم بأن أعاد يعقوب بصيرًا عند وصول قميص يوسف له، وأزال عن أيوب جذامه وبلاءه عند اغتساله من العين التي أنبع الله تعالى له عند ركضه الأرض برجله، فكان ذلك زيادة في معجزاتهم، وتمكينًا في كمالهم ومنزلتهم" (^١).
فحازوا صلوات الله وسلامه عليهم الخير من أطرافه والكمال البشري من جميع جوانبه، منّةً من الله سبحانه وفضلًا.
قال القرطبي: "النبوة لا يخص الله بها إلَّا من خصَّه بصفات كمال نوعه من المعارف والعلوم والفضائل والآداب، ونزهه عن نقائص ذلك، ولذا قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (^٢)، وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (^٣)، وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^٤) وقال: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾ (^٥) وقال لنبيه - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (^٦) فقد حصل من هذا: أن النبوة لم يخص الله بها إلَّا أكمل خلقه وأبعدهم عن النقائص ثم: إنه لما شرفهم بالنبوة حصلت لهم بذلك على جميع نوعهم الخصوصية" (^٧).
فالأنبياء - ﵈ - أفضل الناس وأشجع الناس وأتقى الناس لله تعالى وأعلمهم به. قال القرطبي: "الأنبياء أفضل الناس وأعلمهم بالله
_________________
(١) المفهم (٦/ ١٨٩).
(٢) سورة الحج، آية: ٧٥.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٢٤.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ٩٠.
(٥) سورة الأنعام، الآية: ٨٤.
(٦) سورة القلم، الآية: ٤.
(٧) المفهم (٦/ ١٧).
[ ٦٤٢ ]
وبحدوده" (^١)، وقال: "ومن المعلوم حال الأنبياء ﵈ وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله ورغبتهم في الشهادة وفي لقاء الله ولم يثبت قط عن واحد منهم أنه فر أو انهزم" (^٢).
ولذا حق علينا تعظيم هؤلاء الأنبياء واحترامهم وتنزيههم عن صفات النقص وعن الصفات الذميمة.
وقد رد القرطبي - ﵀ - على من زل قلمه فجاءت عبارته بما لا يتناسب مع مقام الأنبياء، ولا يليق بمكانتهم، حيث قال: "ويعفو الله عن الحريري (^٣) فإنه تسخَّف في هذه الآية (^٤) وتمجَّن فاستدل بها على الكُدْيَة (^٥) والإلحاح فيها، وأن ذلك ليس بعيب على فاعله، ولا منقصة عليه، فقال:
فإن رُدِدْت فما بالردِّ مَنْقَصَةٌ عليك قَدْ رُدَّ موسى قَبْلُ والخَضرُ (^٦)
هذا لعبٌ بالدين وانسلال عن احترام النبيين فهي: شنشنة أَدبية، وهفوة سخافية، ويرحم الله السلف الصالح فإنهم بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبًا بشيء فإياك أن تلعب بدينك (^٧).
_________________
(١) المفهم (٣/ ٥٧٥).
(٢) المفهم (٣/ ٦٢٠).
(٣) هو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد البصري الحرامي - نسبة إلى محلة بالبصرة - الحريري صاحب المقامات أديب لغوي بليغ، توفي سنة (٥١٦ هـ). سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٦٠).
(٤) وهي قوله تعالى عن موسى والخضر ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ الكهف: ٧٧.
(٥) الكُدْية: الإلحاح في السؤال، انظر: لسان العرب (١٥/ ٢١٦).
(٦) مقامات الحريري ص (٣٢٦).
(٧) المفهم (٦/ ٢٠٨).
[ ٦٤٣ ]
المطلب الثالث: المفاضلة بين الأنبياء:
إن فضل الأنبياء على عموم بني آدم أمر معلوم في شرع الله ﷾، لا ينكره إلَّا مكذب بالقرآن منكر للسنة. إذ اصطفاهم الله واختارهم، وخصَّهم بخصائص لم تكن لمن سواهم من سائر الخلق فلا يصل إلى منزلتهم أو يدانيهم في مكانتهم لا ولي ولا شهيد فضلًا عمن سواهم من سائر الخلق.
قال القرطبي: "النبي أفضل من الولي، وهذا أمر مقطوع به عقلًا ونقلًا، والصائر إلى خلافه كافر، فإنه أمر معلوم من الشرائع بالضرورة" (^١).
وقال أيضًا: "من المعلوم من ضرورة الشرع ومن إجماع المسلمين على أن درجة الأنبياء وفضيلتهم أعظم من درجة الشهداء والأولياء" (^٢).
فتفضيل الأنبياء على غيرهم أمر لا خلاف فيه بين أهل السنة. ولكن تكلم العلماء في المفاضلة بين الأنبياء، إذ قد جاءت نصوص من الكتاب والسنة يوحي ظاهرها بالتعارض، فقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٤)، وجاءت النصوص بتفضيل نبينا - ﷺ - على سائر الأنبياء، لما خصه الله سبحانه به من الفضائل والكرامات التي لم تكن لمن سواه من المرسلين، قال - ﷺ -: "أنا سيد ولد آدم وأول من
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢١٧)، وانظر: الفتاوى لابن تيمية (١١/ ٣٢١)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٤٢).
(٢) المفهم (٦/ ٣٨٦).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٣.
(٤) سورة الإسراء، الآية: ٥٥.
[ ٦٤٤ ]
ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع" (^١).
وقال - ﷺ -: "فضلت على الأنبياء بستٍّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" (^٢). وقال: "أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها" (^٣) وغيرها من النصوص الكثيرة الدالة على فضله - ﷺ - على سائر الخلائق في الدنيا والآخرة (^٤).
وأما ما جاء مما قد يفهم منه تفضيل بعض الأنبياء على نبينا محمد - ﷺ -، كما جاء ذلك في حديث أنس ﵁ الذي قال فيه: "جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا خير البرية! قال رسول الله - ﷺ -: ذاك إبراهيم ﵇" (^٥). قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث مزيلًا الإشكال الواقع من تعارض هذا الحديث مع غيره من الأحاديث التي تدل على أنه ﵊ أفضل ولد آدم حيث قال: "قد عارض هذا الحديث قوله - ﷺ -: "أنا سيد ولد آدم" (^٦) وما علم من غير ما موضع من الكتاب والسنة وأقوال السلف والأمة: أنه أفضل ولد آدم وقد انفصل عن هذا بوجهين:
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الفضائل باب، تفضيل نبينا - ﷺ - على جميع الخلائق ح ٢٢٧٨ (١٥/ ٤٢).
(٢) رواه مسلم في كتاب المساجد، ومواضع الصلاة ح ٥٢٤ (٥/ ٨).
(٣) رواه أحمد في مسنده (١/ ٢٨١)، والترمذي في كتاب التفسير، باب ١٨، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٣٠٦) ح (١٤٥٩).
(٤) انظر: مباحث المفاضلة في العقيدة للدكتور محمد بن عبد الرحمن الشظيفي ص (١٤٧).
(٥) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب فضائل إبراهيم الخليل ﵇ ح ٢٣٦٩ (١٥/ ١٣٠).
(٦) رواه ابن ماجه في كتاب الزهد باب ذكر الشفاعة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٣٠٩) ح (١٤٦٧).
[ ٦٤٥ ]
أحدهما: أن ذلك من النبي - ﷺ - على جهة التواضع، وترك التطاول على الأنبياء، كما قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم ولد آدم على ربي يوم القيامة ولا فخر" (^١) وخصوصًا على إبراهيم الذي هو أعظم آبائه وأشرفهم.
وثانيهما: أنه - ﷺ - قال ذلك قبل أن يعلم منزلته عند الله تعالى، ثم إنه أعلم بأنه أفضل وأكرم، فأخبر به كما أمر، ألا ترى أنه كان في أول أمره يسأل أن يبلغ درجة إبراهيم من الصلاة عليه والرحمة والبركة والخلة، ثم بعد ذلك أخبرنا أن الله تعالى قد أوصله إلى ذلك لما قال: "إن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (^٢).
ثم بعد ذلك زاده الله من فضله، فشرَّفه وكرَّمه، وفضَّله على جميع خلقه، وقد أُورِد على كل واحد من هذين الوجهين استبعاد قال: رُدَّ على الأول أن قيل: كيف يصح من الصادق المعصوم أن، يخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه لأجل التواضع والأدب؟ والوارد على الثاني: أن ذلك خبر عن أمر وجودي، والأخبار الوجودية لا يدخلها النسخ، والجواب عنهما: أن يقال: إن ذلك ليس إخبارًا عن الشيء، بخلاف ما هو عليه، فإنه تواضع يمنع إطلاق ذلك اللفظ عليه وتأدب مع أبيه، بإضافة ذلك اللفظ إليه، ولم يتعرض للمعنى، فكأنه قال: لا تطلقوا هذا اللفظ عليَّ، وأطلقوه على أبي إبراهيم أدبًا معه، واحترامًا له. ولو صرح بهذا لكان صحيحًا غير مستبعد لا عقلًا ولا نقلًا، وهذا كما قال: "لا تفضلوني على موسى" (^٣) أي: لا
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرجه الترمذي بلفظ قريب من هذا في أبواب المناقب، باب في فضل النبي - ﷺ - وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي ص (٤٨٣).
(٢) سبق تخريجه ص (٥٨٩).
(٣) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى ﵇ ح ٢٣٧٣ (١٥/ ١٣٨)، ولفظه: "لا تخيروني على موسى".
[ ٦٤٦ ]
تقولوا: محمد أفضل من موسى مخافة أن يُخيَّل نقص في المفضول، كما قدمناه، ويأتي بهذا أظهر هذا اللفظ: أن ذلك راجع إلى منع إطلاق لفظ وإباحته، فذلك خبر عن الحكم الشرعي، لا عن المعنى الوجودي، وإذا ثبت ذلك جاز رفعه ووضعه وصح الحكم به ونسخه من غير تعرض للمعنى والله أعلم.
سلمنا أنه خبر عن أمر وجودي، لكن لا نسلم أن كل أمر وجودي لا يتبدل بل: منها ما يتبدل ولا يلزم من تبدله تناقض ولا محال ولا نسخ، كالإخبار عن الأمور الوضعية، وبيان ذلك: أن معنى كون الإنسان مكرمًا مفضلًا إنما ذلك بحسب ما يكرم به ويفضل على غيره، ففي وقت يكرم بما يساوي فيه غيره، وفي وقت يزاد على ذلك الغير، وفي وقت يكرم بشيء لم يكرم به أحد، فيقال: عليه في المنزلة الأولى مكرَّم مقرَّب، وفي الثانية مفضل بقيد، وفي الثالثة مفضَّل مطلقًا، ولا يلزم من ذلك تناقض ولا نسخ ولا محال، وهذا واضح وحسن جدًّا فاغتبط به، وشد عليه يدًا" (^١).
وقال المازري في شرحه لهذا الحديث: "قد ثبت أنه - ﷺ - أفضل من سائر المرسلين، فيحتمل أن يكون هذا منه - ﷺ - على جهة التواضع واستثقالًا لأن ينادى بهذا، وقد كان إبراهيم ﵇ من آبائه - ﷺ - ويكره إظهار المطاولة على الآباء، وقد يكون فهم من مناديه هذا المعنى، وأخبر في موضع آخر بكونه سيد ولد آدم غير قاصد التعاظم والتطاول على من تقدمه - ﷺ -، بل ليبين ما أمره الله ﵎ ببيانه، ولهذا عقب كلامه بأن قال: "ولا فخر" ليزيل ما قد يظن بمطلق هذا الكلام إذا أطلقه غيره من الناس في نفسه، وقد يحتمل قوله ذاك إبراهيم قبل أن يوحى إليه بأنه هو
_________________
(١) المفهم (٦/ ١٨٠).
[ ٦٤٧ ]
خير منه. فإن قيل: هذا خبر ولا يقع إلَّا صدقًا، والنسخ لا يصح فيه، فلا وجه لعذركم هذا، قلنا: قد يريد - ﷺ - أن إبراهيم خير البرية فيما يدل عليه ظاهر حاله عندي، وقد يقال: فلان خير قومه وأصلح أهل بلده، والمراد فيه ما يقتضيه ظاهر حاله، وقد مال إلى هذه الطريقة بعض العلماء في تفضيل الفاضل من الصحابة أنه تفضيل على الظاهر، لا على القطع على الباطن، وقد تكون لإبراهيم فضيلة تميز بها عن سائر الرسل، ولكن نبينا - ﷺ - له من مجموع الفضائل ما يربي عليها حتى يكون أفضل على الإطلاق ولا يكون المراد بقوله - ﷺ - في إبراهيم ﵇ "خير البرية" الإطلاق، ولكن في معنى اختص به" (^١).
وأما ما ورد من النهي عن المفاضلة بين الأنبياء والدعوة إلى ترك ذلك. فقد قال القرطبي عند شرحه لقوله ﵇: "لا تُخَيِّروا بين الأنبياء" (^٢): "اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال، فمنهم من قال: إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل ويتضمن هذا الكلام أن الحديث معارض لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٣) ولما في معنى ذلك من الأحاديث، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وهذا لا يصح حتى تتحقق المعارضة حيث لا يمكن الجمع بوجه وحتى يعرف التاريخ وكل ذلك غير صحيح على ما يأتي فليس هذا القول بصحيح. ومنهم من قال: إنما قال ذلك النبي - ﷺ - على جهة التواضع والأدب مع الأنبياء، وهذا فيه بعد، لأن السبب الذي خرج عليه هذا النهي يقتضي خلاف ذلك، فإنه إنما قال ذلك ردعًا وزجرًا للذي فضَّل، ألا ترى
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٣٠).
(٢) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى ﵇ ح ٢٣٧٤ (١٥/ ١٤١).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٣.
[ ٦٤٨ ]
أنه قد غضب حتى احمر وجهه، ونهى عن ذلك؟ فدل على أن التفضيل يحرم، ولو كان من باب الأدب والتواضع لما صدر منه ذلك. ومنهم من قال: إنما نهى عن الخوض في ذلك؛ لأن ذلك ذريعة إلى الجدال في ذلك، فيؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر، ويقل احترامهم عند المماراة، وهذا كما نُهي عنه من الجدال في القرآن والمماراة. ومنهم من قال: مقتضى هذا النهي: إنما هو المنع من تفضيل معين من الأنبياء على معين، أو على ما يقصد به معين، وإن كان اللفظ عامًّا لأن ذلك قد يفهم منه نقص في المفضول.
قلت: ويدل على ذلك أنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: "لا تفضلوني على موسى" (^١) وبدليل قوله: "لا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى" (^٢). فإن قيل: فالحديث يدل على خلاف هذا، فإن اليهودي فضَّل موسى على البشر، والمسلم قال: والذي اصطفى محمدًا على البشر وعند ذلك قال النبي - ﷺ -: "لا تفضلوا بين الأنبياء ولا تخيروا بين الأنبياء" فاقتضى ذلك المنع من التفضيل مطلقًا، معينًا وغير معين، فالجواب: أن مراد اليهودي كان إذ ذاك أن يصرح بأن موسى أفضل من محمد، لكنه لم يقدر على ذلك خوفًا على نفسه، ألا ترى أن المسلم فهم ذلك عنه فأجابه بما يقتضي أن محمدًا أفضل من موسى غير أنه قابل لفظ اليهودي بمثله، وقد بيَّن ذلك غاية البيان قوله - ﷺ -: "لا تفضلوني على موسى" فنهاهم عن ذلك، ثم إنا قد وجدنا نبينا - ﷺ - قال: "أنا أكرم ولد آدم على ربي" و"أنا سيد ولد آدم" (^٣) ولم يذهب أحد من العلماء إلى أن هذا منسوخ ولا مرجوح.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٦٤٦).
(٢) سبق تخريجه ص (٦٤٨).
(٣) سبق تخريجه ص (٦٤٥).
[ ٦٤٩ ]
قلت - أي القرطبي -: وهذا الوجه، وإن كان حسنًا، فأولى منه أن يحمل الحديث على ظاهره من منع إطلاق لفظ التفضيل بين الأنبياء، فلا يجوز في المعين فيهم ولا غيرهم، ولا يقال فلان النبي أفضل من الأنبياء كلهم، ولا من فلان، ولا خير كما هو ظاهر هذا النهي، لما ذكر من توهم النقص في المفضول، وإن كان غير معين، ولأن النبوة خصلة واحدة لا تفاضل فيها، هانما تفاضلوا بأمور غيرها. ثم إن هذا النهي يقتضي منع إطلاق ذلك اللفظ، لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإن الله تعالى قد أخبرنا بأن الرسل متفاضلون كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^١) وكما قد علمنا أن نبينا - ﷺ - قد خصَّ بخصائص من الكرامات والفضائل بما لم يخص به أحد منهم، ومع ذلك فلا نقول: نبينا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبي اجتنابًا لما نهى عنه وتأدبًا بأدبه وعملًا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل ورفعًا لما توهمه من المعارضة بين السنة والتنزيل" (^٢).
ولعل القول الذي ترجحه الأدلة من هذه الأقوال، وتطمئن إليه النفس هو ما استحسنه القرطبي، ولم يأخذ به، وقد رجحه غير واحد من العلماء، وهو أن النهي عن المفاضلة بينهم حيث تؤدي هذه المفاضلة إلى انتقاص المفضول، أو عدم التأدب مع مقام النبوة، خصوصًا عند المجادلة والمماراة كما حدث في سبب ورود هذا الحديث.
وأما ما سوى ذلك مما يُؤمنُ منه هذا الجانب، ويكون التفضيل بناءً على الأدلة الشرعية من القرآن الكريم، أو السنة النبوية، والذي فيه بيان لفضل بعض الأنبياء على بعض، إذ قد كلم الله موسى تكليمًا، واتخذ الله إبراهيم خليلًا، وخلق آدم بيده وجعلَ عيسى كلمةَ الله وروحًا منه، وفضل
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٣.
(٢) المفهم (٦/ ٢٢٨).
[ ٦٥٠ ]
نبينا - ﷺ - على سائر المرسلين، وآتاه ما لم يؤت أحدًا من العالمين، فهذا حق لا مرية فيه، ولا تعارض بين النصوص، كما قد يتوهم البعض، وهذا ما ذكره المازري عن بعض شيوخه، وسكت عنه، حيث قال: "أما قوله: "لا تفضلوا بين أنبياء الله" فيحتمل أن يكون ذلك قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وكان بعض شيوخي يقول: يحتمل أن يريد لا تفضلوا بين أنبياء الله تفضيلًا يؤدي إلى نقص بعضهم، وقد خرج الحديث على سبب، وهو لطم الأنصاري وجه اليهودي، فقد يكون - ﷺ - خاف أن يفهم من هذه الفعلة انتقاص حق موسى ﵇، فنهى عن التفضيل المؤدي إلى نقص الحقوق" (^١).
قال الحافظ ابن حجر: "قال العلماء في نهيه عن التفضيل بين الأنبياء: إنما النهي عن ذلك من يقوله برأيه، لا من يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع" (^٢).
وقال الحليمي (^٣): "الأخبار الواردة في النهي عن التخيير إنما هي في مجادلة أهل الكتاب وتفضيل بعض الأنبياء على بعض بالمخايرة؛ لأن المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين لا يؤمن أن يخرج أحدهما إلى الازدراء بالآخر، فيفضي إلى الكفر، فأما إذا كان التخيير مستندًا إلى مقابلة الفضائل لتحصيل الرجحان فلا يدخل في النهي" (^٤).
وفي إزالة الإشكال الحاصل لدى البعض من قوله - ﷺ -: "لا تفضلوني على موسى" مع ما ثبت له - ﷺ - من الفضائل التي لم تكن لمن
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٣٤).
(٢) فتح الباري (٦/ ٥١٤).
(٣) أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد النجاري، المشهور بالحليمي، محدث أديب من أعيان المذهب الشافعي، توفي سنة (٤٠٣ هـ). طبقات الحفاظ ص (٤٢٤) ترجمة (٩٢٥)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣١).
(٤) انظر: المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (٢/ ١١٧).
[ ٦٥١ ]
سواه من الأنبياء والمرسلين، كما جاءت بذلك النصوص، فقد قال شارح الطحاوية: "الجواب أن هذا كان له سبب، فإنه كان قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه مسلم، وقال: أتقول هذا ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا! فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه فقال رسول الله - ﷺ - هذا لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذمومًا، فإن الله حرَّم الفخر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (^٢). فعلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر أو على وجه الانتقاص بالمفضول، وعلى هذا يحمل قوله - ﷺ -: "لا تفضلوا بين الأنبياء" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا كان التفضيل على وجه الغض من المفضول في النقص له نهي عن ذلك، كما نهى في هذا الحديث عن تفضيل موسى، وكما قال لمن قال يا خير البرية قال: "ذاك إبراهيم" وصح قوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر" (^٤) " (^٥).
المطلب الرابع: نبوة الخضر وحياته:
نبوته:
اختلف في الخضر، هل هو نبي أو رسول أو ولي؟ كما قال الراجز:
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٥٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٣.
(٣) شرح الطحاوية (١/ ١٥٩).
(٤) رواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ١٨، وابن ماجه في سننه في كتاب الزهد، باب (١٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٣٠٩) ح (١٤٦٨).
(٥) منهاج السنة لابن تيمية (٧/ ٢٥٦).
[ ٦٥٢ ]
واختلف في خضر أهل العقول قيل نبي أو ولي أو رسول؟ (^١)
وقد رجَّح القرطبي أن الخضر نبي، وليس برسول ولا ولي. فقال: "الخضر ﵇ لم يتفق على أنه نبي، بل هو أمر مختلف فيه، هل هو نبي، أو ولي؟ فإن كان نبيًّا فليس برسول بالاتفاق، إذ لم يقل أحد: أن الخضر ﵇ أُرسل إلى أمة" (^٢).
وقال في إثبات نبوته بعد أن ذكر بعض كراماته: فيه دليل على كرامات الأولياء، وكذلك كل ما وصف عن أحوال الخضر في هذا الحديث، وكلها أمور خارقة للعادة، هذا إذا تنزلنا على أنه ولي لا نبي، وقد اختلف فيه أئمة أهل السنة، والظاهر من مساق قصته واستقراء أحواله مع قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (^٣) أنه نبي يوحى إليه بالتكاليف والأحكام، كما أُوحي إلى الأنبياء غير أنه ليس برسول" (^٤).
وأما المازري فقد ذكر الخلاف في هذه المسألة ولم يرجح حيث قال: اضطرب العلماء في الخضر، هل هو نبي أم لا؟ واحتج من قال بنبوته بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ فدلّ على أن الله ﷿ يوحي إليه بالأمر، وهذه النبوة. وينفصل الآخرون عن هذا بأنه يحتمل أن يكون نبي غيره، أمره بذلك عن الله تعالى، وقصارى ما في الآية أنه ما فعله عن أمره، ولكن إذا كان المراد عن أمر الله تعالى فمن المبلغ له؟ ليس في الآية تعيين فيه، وقد يحتج من قال بنبوته بكونه أعلم من موسى، ويبعد أن يكون الولي أعلم من النبي" (^٥). وما
_________________
(١) أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ٣٢٢).
(٢) المفهم (٦/ ٢١٧).
(٣) سورة الكهف، الآية: ٨٢.
(٤) المفهم (٦/ ٢٠٩).
(٥) المعلم (٣/ ١٣٦).
[ ٦٥٣ ]
ذكره المازري هنا ليس بحجة إذ لو كان الخضر نبيًّا فلا يصل إلى منزلة موسى - ﵇- بالاتفاق فلا يكون علمه الذي أخفى عن موسى دليل النبوة.
والذي رجَّحه القرطبي هو الذي ذهب إليه الحفاظ ابن حجر (^١) وابن الجوزي (^٢).
وكذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان، حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٥] (^٣): "يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوية، وأن هذا العلم اللدني علم وحي ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني اللذين امتن الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (^٤) أي: وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلَّا بالوحي من الله جل وعلا" (^٥).
وقد ذكر﵀- الأدلة والمبررات التي تؤيد ما ذهب إليه، والتي يصعب نقلها لطولها فلتراجع. وهذا هو القول الراجح، وقد نسبه القرطبي المفسر إلى جمهور العلماء (^٦).
_________________
(١) فتح الباري (١/ ٢٦٧).
(٢) ذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: الفتاوى (٤/ ٣٩٧).
(٣) سورة الكهف، الآية: ٦٥.
(٤) سورة الكهف، الآية: ٨٢.
(٥) أضواء البيان (٣/ ٣٢٣).
(٦) تفسير القرطبي (١١/ ١٢).
[ ٦٥٤ ]
حياته:
لقد وقع الخلاف في حياة الخضر هل ما زال حيًّا أم أنه قد مات؟ حيث ذهب بعض العلماء إلى إثبات حياته وتعميره كالنووي والقرطبي المفسر وابن الصلاح (^١).
وأما القرطبي فقد تعرض لهذه المسألة، ولم يرجح وإن كان يفهم من كلامه ميله إلى إثبات حياته.
حيث قال: "قد استدل بعض الحفاظ المتأخرين على بطلان قول من يقول: إن الخضر حي بعموم "ما من نفس منفوسة" (^٢) فإنه من أنص صيغ العموم على الاستغراق، وهذا لا حجة فيه يقينية؟ لأن العموم -وإن كان مؤكدًا للاستغراق- فليس نصًا فيه، بل: هو قابل للتخصيص، لاسيما والخضر وإن كان حيًّا -كما يقال- فليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا، فمثل هذا العموم لا يتناوله كما لم يتناول عيسى ﵇، فلأنه لم يمت، ولم يقتل، فهو حي بنص القرآن ومعناه، وكما لم يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة على ما يأتي، فإن قيل: إنما لم يتناول هذا العموم عيسى؛ لأن الله قد رفعه إليه، فليس هو على ظهر الأرض؛ لأن المراد بذلك العموم: من كان من النفوس على ظهر الأرض كما نص عليه في حديث ابن عمر، فالجواب: يمنع عموم الأرض المذكورة فيه فإنه اسم
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (١١/ ٢٩)، وشرح مسلم للنووي (١٥/ ١٤).
(٢) ولفظه عند البخاري قوله ﵇: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء ح ٦٠١ (٢/ ٨٨)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب قوله - ﷺ -: "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم "ح/ ٢٥٣٧، ٢٥٣٨ (١٦/ ٣٢٣، ٣٢٤).
[ ٦٥٥ ]
مفرد دخل عليه الألف واللام، وهي محتملة للعهد والجنس، وهي ههنا للعهد؛ لأن الأرض التي يخاطبون بها ويخبرون عن الكون فيها هي أرض العرب وما جرت عادتهم بالتصرف إليها، وفيها غالبًا دون أرض يأجوج ومأجوج، وأقاصي جزائر الهند والسند مما لا يقرع السمع اسمه، ولا يعلم علمه، ولا جواب عن حديث الدجال، وعلى الجملة: فمن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم فليس لكلامه حاصل ولا مفهوم" (^١).
والصحيح ما عليه جمهور العلماء من أنه قد مات كغيره من الناس، ولم يخص بالخلود في الحياة، والأدلة على ذلك كثيرة، منها:
- ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤] (^٢).
- ومنها قوله - ﷺ - في دعائه في معركة بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" (^٣) فلو كان الخضر حيًّا لعبد الله تعالى مع هلاك هذه العصابة.
- ومنها إخباره - ﷺ - بأنه على رأس مائة سنة، من الليلة التي تكلم فيها بالحديث، لن يبقى على وجه الأرض أحد، ممن هو عليها تلك الليلة (^٤). فلو كان الخضر حيًّا في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة.
- ومنها أنه لو فرض وجود الخضر زمن النبي - ﷺ - لكان من أتباعه ولنصره، وقاتل معه؛ لأنه مبعوث إلى الثقلين الإنس والجن، وقد قال - ﷺ -: "والذي
_________________
(١) المفهم (٦/ ٤٩٠).
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٣٤.
(٣) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ح ١٧٦٣ (١٢/ ٣٢٧).
(٤) سبق تخريجه ص (٦٥٥).
[ ٦٥٦ ]
نفسي بيده، لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلَّا أن يتبعني" (^١) وإذا كان موسى ملزم باتباع النبي - ﷺ - لو كان حيًّا فالخضر من باب أولى" (^٢).
المطلب الخامس: نبوة النساء:
إن مما وقع فيه الخلاف في مسائل النبوة، نبوة النساء، فقد ذهب بعض العلماء إلى إثبات نبوة النساء، فقد صرَّح بعض العلماء بنبوة مريم، وآسية زوجة فرعون، وأم موسى، وحواء، وهاجر، وسارة، وذهب الجمهور إلى أن النبوة قاصرة على الرجال دون النساء، إذ من شروط النبوة الذكورة، كما قال في الدرة المضية:
وشرط من أكرم بالنبوة حرية ذكورة كقوة (^٣)
والقرطبي -﵀- رجَّح نبوة مريم، وتردد في نبوة آسية حيث قال في إثبات نبوة مريم عند قوله - ﷺ -: "خير نسائها مريم بنت عمران .. " (^٤): "هذا الضمير عائد على غير مذكور، لكنه تفسره الحال والمشاهدة .. فكأنه قال: خير نساء الدنيا: مريم بنت عمران، وهذا نحو حديث ابن عباس المتقدم الذي قال فيه: "خير نساء العالمين مريم" (^٥) ويشهد لهذه
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسند" (٣/ ٣٨٧)، وابن أبي شبة في المصنف في كتاب الأدب، باب من كره النظر في كتب أهل الكتاب. وقال الألباني: الحديث عندي حسن لأن له طرقًا كثيرة عند اللالكائي والهروي وغيرهما. مشكاة المصابيح (١/ ٦٣) هامش (٢).
(٢) انظر: أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ٣٢٨ - ٣٣١).
(٣) الدرة المضية في عقيدة الفرقة الرضية مع شرحها لوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢/ ٢٦٥).
(٤) رواه البخاري في كتاب، أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ [آل عمران: ٤٢] الآية ح ٣٤٣٢، (٦/ ٥٤٢) ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين﵂- ح ٢٤٣٠ (١٥/ ٢٠٧).
(٥) حديث ابن عباس المتقدم ذكر أفضل نساء أهل الجنة إنما جاء من قوله ﵇: "خير نساء العالمين مريم بنت عمران وبنت خويلد، وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون "=
[ ٦٥٧ ]
الأحاديث في تفضيل مريم: قول الله تعالى حكاية عن قول الملائكة لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ (^١) فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، ويعتضد هذا الظاهر بأنها صديقة ونبية بلغتها الملائكة الوحي عن الله تعالى بالتكليف والإخبار والبشارة وغير ذلك كما بلغته سائر الأنبياء، فهي إذًا نبية. وهذا أولى من قول من قال: إنها غير نبية، وإذا ثبت ذلك ولم يسمع في الصحيح أن في النساء نبية غيرها، فهي أفضل من كل النساء الأولين والآخرين إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع (^٢).
وعند قوله - ﷺ -: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (^٣).
قال القرطبي: "لا شك أن أكمل نوع الإنسان: الأنبياء ثم تليهم الأولياء، ويعني بهم: الصديقين والشهداء والصالحين، وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به: النبوة، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك، والصحيح: أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، كما أوحى إلى سائر النبيين، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل: على صديقيتها وفضيلتها فلو
_________________
(١) = أخرجه ابن حبان في صحيحه في ذكر فاطمة الزهراء.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٤٢.
(٣) المفهم (٦/ ٣١٤).
(٤) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وضرب الله مثلًا للذين آمنوا امرآة فرعون -إلى قوله- وكانت من القانتين) ح ٣٤١١ (٦/ ٥١٤)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة ﵂ ح ٢٤٣١ (١٥/ ٢٠٨).
[ ٦٥٨ ]
صحت لها نبوتها لما كان في الحديث إشكال فإنه يكون معناه: إن الأنبياء في الرجال كثير، وليس في النساء نبي إلَّا هاتين المرأتين، ومن عداهما من فضلاء النساء صديقات لا نبيَّات وحينئذ يصح أن تكونا أفضل نساء العالمين، والأولى أن يقال: إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصورًا على كمال الأنبياء بل يندرج معه كمال الأولياء" (^١).
وهذا الذي ذهب إليه القرطبي قد رجّحه الأشعري وابن حزم، وحجتهم في ذلك ما ذكره القرطبي من أن الله تعالى أوحى إليها وأرسل إليها ملكًا وأثبت غيره نبوة غير مريم. والصحيح خلاف ما ذكروه، إذ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣] (^٢)، وأما قولهم أن هذا في نفي الرسالة لا النبوة، فلا يوافقون عليه إذ الصحيح أن النبي مأمورٌ بالتبليغ كالرسول، وهذا يحتاج إلى مخالطة الناس وكثرة الاجتماع بهم إلى غير ذلك مما لا يتناسب مع طبيعة المرأة المأمورة بالحشمة والبعد عن الاختلاط.
وأما الاستدلال بالكمال، فلا يلزم من إثبات الكمال حصول النبوة لأن الكمال يطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء (^٣).
أما الاستدلال علي إثبات النبوة وجود الوحي فالجواب أن الوحي أنواع، منه وحي نبوة، ووحي إلهام، ووحي منام، كما هو معلوم من معنى الوحي في اللغة. وقد ثبت الوحي لغير مريم ممن لا يثبت القرطبي
_________________
(١) المفهم (٦/ ٣٣٢).
(٢) سورة النحل، الآية: ٤٣.
(٣) فتح الباري (٦/ ٥١٥).
[ ٦٥٩ ]
نبوتها كأم موسى، إذ قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ (^١). وقد نقل الطبري عن قتادة قوله في هذه الآية: "وحيًا جاءها من الله فقذف في قلبها وليس بوحي نبوة" (^٢).
وأما مجيء الملك إلى مريم فلا حجة فيه؛ لأنه قد ثبت مجيء الملك لمن لا يشك في أنه ليس بنبي كالذي زار أخًا له في الله، فبعث الله إليه ملكًا يسأله عن سبب زيارته، فلما أخبره أنه يحبه في الله أعلمه الملك أن الله قد بعثه إليه ليخبره أنه يحبه (^٣).
واما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (^٤) فليس فيه حجة أيضًا؛ لأن الاصطفاء قد يكون اصطفاء هداية إلى دين الله تعالى وزيادة يقين ورسوخ إيمان، وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (^٥) فالصحيح الذي تدل عليه الأدلة هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وذكر النووي أن الجويني ذكر الإجماع عليه، وهو عدم وجود نبية من النساء، وأن النبوة تقتصر على الرجال، وبهذا يتبين أن القول بنبوة بعض النساء قول ضعيف نقلًا وعقلًا، ولذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه من الأقوال المنكرة الشاذة التي يعجب منها (^٦).
_________________
(١) سورة القصص، الآية: ٧.
(٢) تفسير الطبري (١٠/ ٢٩).
(٣) وقد أخرج الحديث مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة، باب في فضل الحب في الله ح ٢٥٦٧ (١٦/ ٣٥٩).
(٤) سورة آل عمران، الآية: ٤٢.
(٥) سورة فاطر، الآية: ٣٢.
(٦) انظر: الفتاوى (٤/ ٣٩٦).
[ ٦٦٠ ]
المبحث الثاني دلائل النبوة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المعجزة والكرامة
المطلب الثاني: معجزاته ﵊
١ - القرآن الكريم.
٢ - خاتم النبوة.
٣ - عصمته من الناس.
٤ - انشقاق القمر.
٥ - نطق الجمادات.
٦ - الإخبار بالمغيبات.
٧ - تكثير الطعام والشراب.
٨ - نبع الماء من بين أصابعه.
٩ - رمي الكفار بالتراب وإصابتهم جميعًا.
١٠ - إجابة دعواته.
[ ٦٦١ ]
اقتضت حكمة اللّة، تعالى أن لا يرسل رسولًا إلَّا ويؤيده بالدلائل الواضحة والبراهين الساطعة علي صدقه، وصحة نبوته، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (^٢) أي بالمعجزات البينة، والشرائع الظاهرة، والعلامات الواضحة التي تدل على صدقهم (^٣)، وقال - ﷺ -: "ما من الأنبياء نبي إلَّا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر" (^٤).
قال القرطبي: "الأنبياء دلَّت على صدقهم دلائل المعجزات (^٥)، فمن ارتاب في صدقهم فجوابه بالمعجزات التي تدل قطعًا على صحة أقوالهم وصواب أفعالهم" (^٦).
ودلائل النبوة التي يؤيد الله تعالى بها رسله تختلف من نبي إلى آخر فليست محصورة في المعجزات وليست من نوع واحد إذ المراد من الآيات الدلالة على النبوة بأي دليل كان، ومنها المعجزات لكونها خارجة على القدرة البشرية.
المطلب الأول: المعجزة والكرامة:
كما يؤيد الله سبحانه رسله بالمعجزات، فإنه تعالى يكرم بعض
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٠١.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٥.
(٣) انظر: فتح القدير للشوكاني (٥/ ١٧٧).
(٤) رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - ﷺ -: "بعثت بجوامع الكلم " ح ٧٢٧٤ (١٣/ ٢١٦١)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - ح ١٥٢ (٢/ ٥٤٥).
(٥) المفهم (٧/ ٦).
(٦) انظر: المفهم (٥/ ٥٩٩).
[ ٦٦٣ ]
أوليائه بالكرامات، التي هي خوارق للعادات، في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات. والتصديق بها من أصول أهل السنة والجماعة (^١).
وقد أنكرت طوائف من المبتدعة هذه الكرامات بدعوى أن هذا يؤدي إلى التباس النبي بالولي إذ لا تكون المعجزة دليلًا على صدق الأنبياء (^٢).
ولا شك أن هذا القول تدل على بطلانه النصوص من الكتاب والسنة (^٣)، وما تواتر نقله عن سلف الأمة. قال القرطبي: "الكرامة تدل على حسن حال من ظهرت على يديه؛ لأن الكرامات تنسب لأولياء الله وهم أهل طاعته، لا إلى أولياء الشيطان، وهم أهل الفسق والعصيان، فلا يجوز نسبة الكرامات لأهل المعاصي إجماعًا" (^٤).
وقد بيَّن القرطبي الفرق بين النبي والمتنبيء فقال: وأما الفرق بين النبي والمتنبيء فالمعجزة لا تظهر على يدي المتنبيء لأنه يلزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب وهو محال" (^٥).
_________________
(١) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٣/ ١٥٦)، ولوامع الأنوار للسفاريني (٢/ ٣٩٣).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٦٧).
(٣) من ذلك قوله تعالى عن مريم: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧]، وما جرى لأصحاب الكهف الذين ضرب الله تعالى على آذانهم في الكهف ثلاثمائة سنة، وازدادوا تسعًا، وحفظ الله أجسادهم هذه المدة الطويلة كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة الكهف. وقد ذكر شيخ الإسلام جملة من كرامات الأولياء الثابتة. انظر: الفتاوى (١١/ ٢٧٦ - ٢٨١).
(٤) المفهم (٤/ ٤٢).
(٥) المفهم (٧/ ٢٦٩).
[ ٦٦٤ ]
وفرَّق المازري في خرق العادة بين النبي والولي والساحر، إذ قال: "العادة تنخرق على يد النبي، وعلى يد الولي، وعلى يد الساحر، إلَّا أن النبي يتحدى بها، ويستعجز سائر الخلق، ويحكي عن الله سبحانه خرق العادة لتصديقه، فلو كان كاذبًا، لم تخرق العادة على يديه، ولو خرقها لأظهر على يد غيره من المعارضين له، مثل ما أظهر على يده. والولي والساحر لا يتحديان ولا يستعجزان الخليقة ليستدلوا على صدقهم وعلى نبوتهم، ولو حاولوا أشياء من ذلك لم تنخرق لهم العادة، أو تنخرق ولكنها تنخرق لمن يعارضهم وأما الولي والساحر، فإنهما يفترقان من طريق أخرى وهي أن الساحر يكون ذلك علمًا على فسقه وكفره، والولي لا يكون علمًا على ذلك اشيه فافترق حال الثلاثة بعضهم من بعض" (^١).
وقال أيضًا: "إظهار المعجزة على يد الكذاب لا تصح فيقال: لم ظهرت على يد الدجال وهو كذاب؟ فيقال: لأنه يدعي الربوبية وأدلة الحدوث تحيل ما ادَّعاه وتكذبه. والنبي يدعي النبوة، وهي غير مستحيلة في البشر، وأتى بالدليل الذي لم يعارضه شيء فصدق" (^٢).
وقال القرطبي في بيان أن مذهب أهل السنة إثبات الكرامات: "وقوع الكرامات للأولياء هو قول جمهور أهل السنة والعلماء لما وقع في الكتاب والسنة وأخبار صالحي هذه الأمة مما يدل على وقوعها وإنما محل الإنكار ادعاء وقوعها ممن ليس موصوفًا بشروطها، ولا هو أهل لها وادعاء كثرة وقوع ذلك دائمًا متكررًا حتى يلزم عليه، أن يرجع خرق العادة عادة وذلك إبطال لسنة الله وحسم السبل الموصولة إلى معرفة أنبياء الله
_________________
(١) المعلم (٣/ ٩٤).
(٢) المعلم (٣/ ٢١٤).
[ ٦٦٥ ]
تعالى" (^١).
وقد بيَّن القرطبي أن المعجزة التي تقع على يد الرسول لا يشترط فيها اقتران التحدي عند كل ظهور لها. لكن يكتفى بالإعلام أولًا بنبوته ودعوة الناس إلى تصديقه ومتابعته.
قال: "قوله - ﷺ -: "الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله" (^٢) عند وقوع ما أخبر به من الغيب دليل على أن ذلك من جملة معجزاته، وإن لم يقترن بها في تلك الحال تحد قولي وهذا على خلاف ما يقوله المتكلمون: إن من شروط المعجزة اقتران التحدي القولي بها، فإن لم تكن كذلك فالخارق كرامة لا معجزة والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك لا يشترط بدليل أن الصحابة -﵃- كانوا كلما ظهر لهم خارق للعادة على يدي النبي - ﷺ - استدلوا بذلك على صدقه وثبوت رسالته ولم يصدر عنه مع شيء من ذلك تحدٍ بالقول عند وقوع تلك الخوارق، ومع ذلك فهي معجزات والذي ينبغي أن يقال: إن اقتران القول لا يلزم بل يكفي من ذلك قول كلي يتقدم الخوارق كقول الرسول - ﷺ - الدليل على صدقي ظهور الخوارق على يدي، فإن كل ما يظهر على يديه منها بعد ذلك يكون دليلًا على صدقه، وإن لم يقترن بها واحدًا واحدًا قول ويمكن أن يقال: إن قرينة حاله تدل على دوام التحدي فيتنزل ذلك منزلة اقتران القول" (^٣).
قد يفهم من هذه النقولات موافقة القرطبي والمازري للأشاعرة في مذهبهم في المعجزات، وإن كان القرطبي قد صرَّح بمخالفته لقول
_________________
(١) المفهم (٦/ ٥١٧).
(٢) سبق تخريجه ص (٢١٥).
(٣) المفهم (١/ ٣١٩، ٣٢٠).
[ ٦٦٦ ]
الأشاعرة في حصر دلالة صدق النبي على المعجزة، كما سبق نقل كلامه عند الحديث عن دلائل الربوبية (^١).
وقول القرطبي هنا أن المعجزة لا يظهرها الله على يد كاذب صحيح، لكن الله تعالى يفعل ذلك لحكمة، وهو منزه تعالى عن ذلك، لا كما تعلل الأشاعرة بأن المعجزة هي الدليل الوحيد على صدق النبي، أو أن إظهارها على يد الكاذب يفضي إلى تعجيز الرب عن إثبات صدق أنبيائه (^٢).
وأما جعلهم الفرق بين المعجزة والسحر والشعوذة هو فقط عدم المعارضة، وكونها جاءت على يد مدعي النبوة، فهذا فرقٌ ضعيفٌ، فإن من الناس من ادَّعى النبوة وكان كاذبًا وظهرت على يده بعض هذه الخوارق، فلم يُمنع منها، ولم يعارضه أحد، كما حدث للأسود العنسي ومسيلمة وغيرهما (^٣).
المطلب الثاني: معجزاته ﵊:
معجزات الأنبياء ﵈ مناسبة لحال أقوامهم حيث جاء موسى -﵇- بالعصا على صورة ما يضع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره؛ لأنه جاء إلى قوم فشا فيهم السحر، وعيسى﵇- أرسل إلى قوم كثر فيهم الأطباء والحكماء، فأتاهم الله بمعجزة من جنس عملهم، لم تصل قدرتهم إليها، وكان العرب الذين بعث فيهم الرسول - ﷺ - بلغوا الغاية من البلاغة والفصاحة، فجاءهم تعالى بالقرآن المعجزة الخالدة الباقية إلى قيام الساعة، مع العديد من
_________________
(١) انظر: ص (١٩٨).
(٢) انظر: النبوات لابن تيمية (١/ ٦، ٧) والجواب الصحيح لابن تيمية (٦/ ٣٩٧).
(٣) انظر: النبوات ص (١٣، ١٤، ٢٠٣).
[ ٦٦٧ ]
معجزاته ﵊، التي جاءهم بها كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام والإخبار عن المغيبات وغيرها من دلائل النبوة التي أيدَهُ بها ﷾.
وأقف هنا مع بعض دلائل النبوة التي ذكرها القرطبي في المفهم والمازري في المعلم:
١ - القرآن الكريم:
القرآن الكريم هو أعظم الآيات التي أعطيها رسولنا - ﷺ - بل أعظم آيات الرسل كلهم على الإطلاق آية دائمة باقية إلى قيام الساعة تحدى الله تعالى بها الفصحاء والبلغاء من العرب، بل من الإنس والجن: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] (^١) بل لا يأتون بسورة من مثله قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨] (^٢). فهو المعجزة التي شاهدها من عاصر الرسول - ﷺ -، ومن أتى بعده إلى قيام الساعة.
قال القرطبي عن هذه الآية: "كل رسول أُيِّد بمعجزة تدل على صحة رسالته فيظهر صدقه، وتثبت حجته، كما قد علم من أحوالهم بما أخبرنا الله به وبينه عنهم غير أن معجزاتهم تنقرض بانقراضهم، فلا يبقى منها بعدهم إلَّا الإخبار بها وذلك قد يخفى مع توالي الأعصار ونبينا - ﷺ - وإن كان قد أعطي من كل نوع من أنواع معجزات الأنبياء قبله، كما قد أوضحناه في كتابنا المسمى بـ "الإعلام بصحة نبوة محمد عليه أفضل
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٨٨.
(٢) سورة يونس، الآية: ٣٨.
[ ٦٦٨ ]
الصلاة والسلام" لكنه فُضل على جميعهم بالمعجزة العظمى الباقية ما بقيت الدنيا وهي: الكتاب العزيز الذي أعجزت السورة منه الجن والإنس أي تعجيز فإعجازه مشاهد بالعيان متجدد ما تعاقب الجديدان فمن ارتاب الآن في صدق قوله قيل له: فائت بسورة من مثله، ولما كانت هذه المعجزة قاطعة الظهور مستمرة مدى الدهور اشترك في معرفتها المتقدمون والمتأخرون واستوى في معرفة صدق محمد - ﷺ -: السابقون واللاحقون فدخل العقلاء في دينه دخولًا متتابعًا وحقق الله تعالى له رجاءه فكان أكثر الأنبياء تابعًا" (^١).
٢ - خاتم النبوة:
إن من دلائل النبوة الحسية الظاهرة التي أُيد بها - ﷺ - ما جعل بين كتفيه من أصل خلقه من خاتم النبوة الظاهر لكل متأمل فقد جاء في حديث جابر بن سمرة﵁-: "رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده" (^٢).
قال القرطبي: خاتم النبوة من علاماته المعروفة في الكتب السابقة، وفي صدور علماء الملل السالفة، ولذا لما حصل عند سلمان الفارسي -﵁- العلم بصفاته وأحواله وعلاماته وموضع مبعثه ودار هجرته، جد في الطلب، حتى ظفر بما طلب، ولما لقيه جعل يتأمل ظهره، فعلم النبي - ﷺ - أنه يريد أن يقف على ما يعرفه من خاتم النبوة، فنزع رداءه من على ظهره، فلما رأى سلمان الخاتم، أكب عليه يقبله وهو
_________________
(١) المفهم (٦/ ٥٠).
(٢) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات خاتم النبوة وصفته، ومحله من جسده - ﷺ - ح ٢٣٤٤ (١٥/ ١٠٦).
[ ٦٦٩ ]
يقول: أشهد أنك رسول الله" (^١).
٣ - عصمته من الناس:
من دلائل نبوته -﵊- حفظ الله تعالى له من أعدائه، الذين كانوا يتربصون به، ويسعون للتخلص منه، ولكن الله تعالى تكفل بحفظه فلم يستطيعوا أن يصلوا إليه مع محاولاتهم المتكررة قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (^٢).
وقد جاء في حديث جابر -﵁- قوله: "غزونا مع رسول الله - ﷺ - غزوة قِبَل نجدٍ فأدْرَكَنا رسولُ الله - ﷺ - في وادٍ كثير العِضَاةِ فنزل رسول الله - ﷺ - تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي، يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: "إن رجلًا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظتُ وهو قائمُ على رأسي، فلم أشعر إلَّا والسيف صلتٌ في يده" فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: "قلت الله! " ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: "قلت الله! " قال: "فشام السيف فها هو ذا جالس" ثم لم يعرض له رسول الله - ﷺ -" (^٣).
قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "لم يبال النبي - ﷺ - بقوله، ولا عرج عليه، ثقة منه بوعد الله، وتوكلًا عليه، وعلمًا منه بأنه ليس في الوجود فعل إلَّا لله تعالى، فإنه أعلم الناس بالله تعالى، وأشدهم له خشية، فأجابه بقوله: "الله" ثانية وثالثة، فلما سمع الرجل ذلك وشاهد تلك القوة
_________________
(١) المفهم (٦/ ١٣٥).
(٢) سورة المائدة، الآية: ٦٧.
(٣) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة ح ٢٩١٠ (٦/ ١١٣)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الخوف ح ٨٤٣ (٦/ ٣٧٧).
[ ٦٧٠ ]
التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحال تحقق صدقه وعلم أنه لا يصل إليه بضرر.
وهذا من أعظم الخوارق للعادة فإنه عدو متمكن بيده سيف شاهر وموت حاضر، ولا حال تغيرت، ولا روعة حصلت هذا محال في العادات، فوقوعه من أبلغ الكرامات، ومع اقتران التحدي به يكون من أوضح المعجزات" (^١).
٤ - انشقاق القمر:
وهو من معجزاته ﵊ التي تحدى بها قومه ودعاهم بها إلى تصديقه والإيمان به، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ (^٢).
قال الطبري في تفسير هذه الآية: "إن كفار مكة سألوا الرسول - ﷺ - آية فأراهم انشقاق القمر آية حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوته، فلما أراهم أعرضوا وكذَّبوا" (^٣).
قال القرطبي: "وقع ذلك الانشقاق على حقيقته، ووجد ذلك بمكة ومنى بعد أن سألت قريش رسول الله - ﷺ - آية، فأراهم انشقاقه على نحو ما ذكر من أن عبد الله بن مسعود أوضح كيفية هذا الانشقاق حتى لم يترك لقائل مقالًا، فقال: وكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، وفي رواية: فسترت الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، ونحو ذلك قال ابن عمر - ﵄- وقد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة - ﵃- منهم: عبد الله بن مسعود وأنس، وابن عباس، وابن
_________________
(١) المفهم (٦/ ٦٣).
(٢) سورة القمر، الآيتان: ١، ٢.
(٣) تفسير الطبري، (١١/ ٥٤٤).
[ ٦٧١ ]
عمر، وحذيفة، وعلي، وجبير بن مطعم، وغيرهم، وروى ذلك عن الصحابة أمثالهم من التابعين، ثم كذلك ينقله الجم الغفير والعدد الكثير إلى أن انتهى ذلك إلينا، وفاضت أنواره علينا، وانضاف إلى ذلك ما جاء من ذلك في القرآن المتواتر عند كل إنسان فقد حصل بهذه المعجزة العلم اليقين الذي لا يشك فيه أحدٌ من العاقلين" (^١).
وقد ردّ على الذين استبعدوا وقوعه أو كذبوه من بعض أهل الملة أو من الملاحدة قال في ختامه: "والذي يحسم مادة الخلاف بين أهل ملتنا أن نقول: "لا بعد في أن يكون الله تعالى خرق العادة في ذلك الوقت، فصرف جميع أهل الأرض عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة، لتختص مشاهدة تلك الآية بأهل مكة، كما اختصوا بأكثر مشاهدة آياته، كحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وكلام الشجر، إلى غير ذلك من الخوارق التي شاهدوها ونقلوها إلى غيرهم، كما قد فصلنا ذلك في كتابنا المسمى "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا محمد - ﷺ -" وهذا الكلام خاصٌّ للمنكر للإنشقاق من أهل الإسلام، وأما الملاحدة فالكلام معهم في إبطال أصولهم الفاسدة" (^٢).
٥ - نطق الجمادات:
من دلائل نبوته - ﷺ - ما جاء في بعض الأحاديث من نطق الحجر والشجر تصديقًا له وآية لرسالته، قال - ﷺ -: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" (^٣) قال القرطبي: "يعني أنه كان
_________________
(١) المفهم (٧/ ٤٠٣).
(٢) المفهم (٧/ ٤٠٤).
(٣) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب نسب الرسول - ﷺ - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ح ٢٢٧٧ (١٥/ ٤٢).
[ ٦٧٢ ]
يسلم عليه بالنبوة والرسالة، قبل أن يشافهه الملك بالرسالة، وقد سمع الكثير ممن حضر مجالسه تسبيح الحصى في كفه وحنين الجذع (^١) والمسجد قد غصَّ بأهله" (^٢).
٦ - الإخبار بالمغيبات:
الغيب لا يعلمه إلَّا الله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾ [فاطر: ٣٨] (^٣). ولكن قد يظهر الله تعالى بعض أمور الغيب لمن يشاء من عباده، كما أظهر سبحانه للخضر ما أخفاه عن موسى، وكما أظهر لموسى ﵇ وغيره من الأنبياء ما أخفاه عما سواهم قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (^٤).
ولذا فالإخبار ببعض أمور الغيب، جعلها الله تعالى من دلائل النبوة، التي تدل على صدق الأنبياء -﵈- فيما يخبرون به. وقد وقع للرسول - ﷺ - من الإخبار ببعض أمور الغيب، فَوَقَعَ منها ماوقع ممَّا شوهد في حياته - ﷺ - ومنه ما حدث بعد ذلك، ومنه ما سيأتي. فمنها إخباره - ﷺ - أن أمره سيظهر وهو يومئذ بمكة بضيق ومحاصرة (^٥).
قال القرطبي في هذا الخبر: "وهذا من إخباره بالغيب، فهو داخل
_________________
(١) حنين الجذع جاء من حديث جابر ﵁ وغيره، قال: "كان في مسجد رسول الله - ﷺ - جذع في قبلته يقوم إليه رسول الله - ﷺ - في خطبته، فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل رسول الله - ﷺ - فوضع يده عليه" رواه البخاري في كتاب الجمعة باب الخطبة على المنبر ح ٩١٨ (٢/ ٤٦١).
(٢) المفهم (٦/ ٥١) بتصرف يسير.
(٣) سورة فاطر، الآية: ٣٨.
(٤) سورة الجن، الآيتان: ٢٦، ٢٧.
(٥) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة ح ٨٣٢ (٦/ ٣٦٢).
[ ٦٧٣ ]
في باب دلالات نبوته، فإنه أخبر عن غيب وقع على نحو ما أخبر عنه" (^١).
وعند قوله - ﷺ - عن الخوارج: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان" (^٢).
قال القرطبي: "هذا منه - ﷺ - إخبار عن أمر غيب وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان من أدلة نبوته - ﷺ -، وذلك أنهم لما حكموا بكفر من خرجوا عليه من المسلمين استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة وقالوا: نفي لهم بذمتهم، وعدلوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين" (^٣).
وعند إخباره - ﷺ - بفتح اليمن والشام والعراق (^٤). قال القرطبي: "وهذا الحديث من دلائل نبوته وصدقه - ﷺ - فإنه أخبر بوقوع أمور قبل وقوعها، ثم وقعت بعد ذلك على نحو خبره، فكان ذلك دليلًا على صدقه" (^٥).
وهذا في السنة كثير يصعب حصره، وقد بيَّن القرطبي عند شرحه لأمثال هذه الأحاديث المخبرة ببعض أمور الغيب التي وقعت كما أخبر بها - ﷺ - أن هذا من دلائل نبوته، وعلامات صدق رسالته، فقد قال عند ذكر أحد هذه الأخبار: "هذا من المعجزات الغيبية وهي من الكثرة بحيث لا تحصى، يحصل بمجموعها العلم القطعي بأن النبي - ﷺ - كان يعلم كثيرًا من
_________________
(١) المفهم (٢/ ٤٦١).
(٢) سبق تخريجه ص (٣٧٠).
(٣) المفهم (٣/ ١١٤).
(٤) رواه البخاري في كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة ح ١٨٧٥ (٤/ ١٠٧)، ومسلم في كتاب الحج، باب الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار ح ١٣٨٨ (٩/ ١٦٧).
(٥) المفهم (٣/ ٥٠٠).
[ ٦٧٤ ]
علم الغيب الذي لا يعلمه إلَّا الله، أو من ارتضاه من الرسل، فأطلعه الله عليه، والنبي - ﷺ - قد أطلعه الله عليه فهو رسول من أفضل الرسل (^١) " (^٢).
٧ - تكثير الطعام والشراب:
وقد وقع من ذلك كثير، منها ما جاء في حديث إياس بن سلمة عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة، فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض دوابنا، فأمر نبي الله - ﷺ - فجمعنا أزوادنا، فبسطنا له نطعًا، فاجتمع زاد القوم على النطع، قال: فتطاولت لأحزره (^٣) كم هو، فحزرته كربضة العنز، ونحن أربع عشرة مئة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعًا، ثم حشونا جربنا، فقال نبي الله - ﷺ -: "فهل من وضوء؟ " فجاء رجل بإداوة فيها نطفة، فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا نُدَغْفِقُةُ دغفقةً (^٤) أربع عشرة مئة" (^٥).
قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "هذا الحديث قد اشتمل على معجزتين من معجزات النبي - ﷺ - في الطعام والشراب، وقد وقع ذلك منه مراتٍ كثيرة، ورُوي من طرق عديدة، ووقع منه في جموع كثيرة، ومشاهد عظيمة، فهي من معجزاته المتواترة وكراماته المتظاهرة" (^٦).
وقال المازري عند شرحه لهذا الحديث: "هذا أحد معجزاته - ﷺ - تكثير الماء، وتكثير الطعام، والباري سبحانه قادرٌ على خرق العادات،
_________________
(١) المفهم (٦/ ٥٨).
(٢) انظر: المفهم (٢/ ١٢٠، ١٣٣، ٣/ ٦١٧، ٦٢٧، ٦٨٣، ٧٥٤، ٧٦٠، ٤/ ٥٨. ٥٤٧، ٥/ ٣٠٩، ٤٠٣، ٦/ ٢٧٤، ٢٩١، ٢٩٦، ٤١٥، ٤٤٣، ٤٩٨، ٤٩٩، ٥٠٦، ٥٧٢، ٧٠٥، ٧/ ٢١٧).
(٣) أي: لأعلم مقداره.
(٤) أي: نأخذ منه ونصب على أيدينا صبًّا شديدًا.
(٥) رواه مسلم في كتاب اللقطة، باب استحباب خلط الأزواد إذا قلت ح ١٧٢٩ (١٢/ ٢٧٦).
(٦) المفهم (٥/ ٢٠٣)، وانظر: المفهم (٢/ ٣٢١، ٥/ ٣٠٨، ٦/ ٥٦).
[ ٦٧٥ ]
فيمكن أن يكون كلما أكل منه جزء خلق الباري -جلت قدرته- جزءًا آخر يخلفه، وكذلك في الماء.
ومعجزات النبي - ﷺ - ضروب: فأما القرآن فمنقول تواترًا، أما مثل هذه المعجزة فلك فيها طريقان:
أحدهما: أن نقول تواترت على المعنى كتواتر جود حاتم، وحلم الأحنف، فإنه لا تنقل قصة بعينها في ذلك تواترًا ولكن تكاثرت القصص من جهة الآحاد حتى صار محصولها التواتر بالكرم والحلم، وكذلك تواترت معجزات سوى القرآن حتى ثبت انخراق العادة له - ﷺ - بغير القرآن.
والطريق الثانية: أن نقول فإن الصاحب إذا روى مثل هذا الأمر العجيب وأحال على حضوره فيه مع سائر الصحابة وهم يسمعون روايته ودعواه حضورهم معه، ولا ينكرون ذلك عليه، فإن ذلك تصديق له يوجب العلم بصحة ما قال" (^١).
وقد أشار أيضًا إلى هذه المعجزة، والتي قبلها عند شرحه لحديث أبي قتادة حيث توضأ - ﷺ - في أحد الغزوات من ميضأة أبي قتادة، ثم أمره أن يحتفظ بها؛ وأخبره - ﷺ - أنه سيكون لها نبأ، ثم طلبها منه - ﷺ - لما عطش الناس، وفُقِدَ الماء، فجعل رسول الله - ﷺ - يصب وأبو قتادة يسقيهم حتى شربوا وتوضؤوا جميعًا (^٢). حيث قال: "هذا فيه للنبي - ﷺ - معجزتان: قولية وفعلية، فالقولية: إخباره ﵇ بالغيب، وأنها سيكون لها نبأ، والفعلية: تكثير الماء القليل" (^٣).
_________________
(١) المعلم (٢/ ٢٧١).
(٢) رواه مسلم في كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة ح ٦٨٠ (٥/ ١٨٨).
(٣) المعلم (١/ ٢٩٥).
[ ٦٧٦ ]
٨ - نبع الماء من بين أصابعه:
وهي من دلائل نبوته التي شاهدها الصحابة -﵃- في أكثر من موضع، حيث جاء في حديث أنس﵁- قال: رأيت رسول الله - ﷺ - وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء، فلم يجدوه، فأُتي رسول الله - ﷺ - بوضوء فوضع رسول الله - ﷺ - في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه، قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناسُ حتى توضؤوا من عند آخرهم" (^١).
قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "هذه المعجزة تكررت من النبي - ﷺ - مرات عديدة، في مشاهد عظيمة، وجموع كثيرة، بلغتنا بطرق صحيحة من رواية أنس، وعبدالله بن مسعود، وجابر، وعمران بن حصين، وغيرهم، ممن يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، وبهذا الطريق: حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته، كما قد ذكرنا جملة من ذلك في كتاب "الإعلام" وهذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى ﵇ في نبع الماء من الحجر من ضربه بالعصا إذ من المألوف نبع الماء من بعض الحجارة فأما نبعه من بين عظم ولحم وعصب ودم فشيء لم يسمع بمثله ولا تُحُدِّث به عن غيره" (^٢).
٩ - رمي الكفار بالتراب وإصابتهم جميعًا:
جاء في حديث العباس بن عبد المطلب -﵁- في ذكر غزوة حنين قال: ثم أخذ رسول الله - ﷺ - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار،
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة ح ١٦٩ (١/ ٣٢٥)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - ﷺ - ح ٢٢٧٩ (١٥/ ٤٤).
(٢) المفهم (٦/ ٥٢)، وانظر أيضًا: (٦/ ٨٠).
[ ٦٧٧ ]
ثم قال: "انهَزَمُوا وربّ محمد" قال: فذهبت انظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلَّا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى أحدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا" (^١).
قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "رميه - ﷺ - في وجوه الكفار بالتراب، وإصابته أعين جميعهم من أعظم معجزاته، إذ ليس في قوة البشر إيصال ذلك إلى أعينهم، ولا يسع كفه ما يعمهم، وإنما كان ذلك من صنع الله لنبيه - ﷺ -، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (^٢) " (^٣).
١٠ - إجابة دعواته:
إن من دلائل نبوته - ﷺ - استجابة دعائه فكان ﵊ إذا دعا استجاب الله تعالى له، وقد وقع ذلك كثيرًا، وجاءت السنة به، فمنها: دعوته ﵊ على أبي جهل وعتبة، وشيبة، ومن معهم، عند اشتداد أذاهم، فصرعوا في بدر جميع الذين سمَّاهم - ﷺ - (^٤).
قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "وإجابة الله تعالى لنبيه - ﷺ - في مثل هذا الدعاء من أدلة نبوته وصحتها" (^٥).
وقد بيَّن القرطبي في عدة مواضع عند ذكر أمثال هذا الحديث. أن استجابة دعوته -﵊- من دلائل نبوته (^٦).
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين ح ١٧٧٥ (١٢/ ٣٥٥).
(٢) سورة الأنفال، الآية: ١٧.
(٣) المفهم (٣/ ٦١٧).
(٤) رواه البخاري في كتاب الوضوء باب إذا وضع على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته ح ٢٤٠ (١/ ٤١٦)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين ح ١٧٩٤ (١٢/ ٣٩٣).
(٥) المفهم (٣/ ٦٥٤).
(٦) انظر: المفهم (٢/ ٥٤٦، ٣/ ٣٩٤، ٤/ ٥٥٠، ٥/ ٢٩٧، ٣٣٤، ٦/ ٤٠٤).
[ ٦٧٨ ]
وقال في موضع آخر: "هذه من بعض دعوات النبي - ﷺ - المعجلة الإجابة، وهي من الكثرة بحيث تفوق الحصر، ويحصل بمجموعها القطع، بأن الله تعالى قد أكرم محمدًا - ﷺ - بإجابة دعواته، وأسعفه في كثير من طلباته، وكل ذلك يدل على مكانته وصدق رسالته" (^١).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٦٨).
[ ٦٧٩ ]
المبحث الثالث عصمة الأنبياء
أرسل الله ﷾ إلى الناس رسلًا منهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (^١). وقد بيَّن الرسل ﵈ لأقوامهم أنهم من البشر، كما قال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (^٢). فهم من البشر، لكن الله تعالى من عليهم فجعلهم خير البشر، ووضعهم في المكانة العليا من الكمال البشري، فحفظهم تعالى مما لا يليق بمكانتهم، ولا يتناسب مع رسالتهم. وهذا لا يتنافى مع بشريتهم التي بمقتضاها يحتاجون إلى الطعام والشراب، ويصيبهم ما يصيب البشر من الأمراض والأسقام والابتلاء والموت، قال لقرطبي: "الأنبياء من البشر يجوز عليهم من الأمراض والآلام، والغضب، والضجر، والعجز، والسحر، والعين، وغير ذلك ما يجوز على البشر" (^٣).
وقال المازري: "النبي - ﷺ - معصوم من أن يكذب على الله، أو يفسد ما يبلغه عنه، وهو مع هذا غير معصوم من الأمراض، وما يكون من بعض عوارضها، مما لايعود بنقص في منزلته، ولا فساد فيما مهد من شريعته" (^٤).
أما بالنسبة لعصمة الأنبياء: فالإجماع قد انعقد على عصمتهم
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ١١.
(٣) المفهم (٥/ ٥٧٠).
(٤) المعلم (٢/ ٢٣٤).
[ ٦٨٠ ]
- ﵈- من الكذب أو الخطأ في التبليغ. قال ابن تيمية: "فالأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه" (^١).
فلا خلاف في عصمتهم في تحمل الرسالة والتبليغ عن الله تعالى فلا ينسون شيئًا مما أوحاه الله إليهم، ولا يكتمون شيئًا، قال تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (^٣).
قال الشنقيطي: "واعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ" (^٤).
قال القرطبي: "الأنبياء معصومون عما يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصدق والعصمة عن الغلط في التبليغ، وعن هذا المعنى عبر الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (^٥) من حيث البشرية: يجوز عليهم ما يجوز عليهم ومن حيث الخاصية النبوية: امتاز عنهم وهو الذي شهد له العلي الأعلى بأن بصره ما زاغ وما طغى وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحي يوحى وأنه ما ينطق عن الهوى" (^٦).
وقال المازري: "الأنبياء -﵈- معصومون من الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله سبحانه، قل ذلك أو جل؛ لأن المعجزة تدل
_________________
(١) الفتاوى (١٠/ ٢٨٩).
(٢) سورة المائدة، الَاية: ٦٧.
(٣) سورة النجم، الآيتان: ٣، ٤.
(٤) أضواء البيان (٤/ ١٠٥).
(٥) سور الكهف، الآية: ١١٠.
(٦) المفهم (٥/ ٥٧٠)، وانظر: المفهم (٦/ ١٦٧).
[ ٦٨١ ]
على صدقهم في ذلك" (^١).
وأما المعاصي: فالكبائر لا شك أنهم في عصمة منها، وأما الصغائر التي لا تزري بمكانتهم: فقد وقع الخلاف فيها بين أهل العلم، فذهب بعض العلماء إلى عصمتهم من الصغائر؛ لأن القول بوقوعهم فيها ينافي الاقتداء بهم والأمر بمتابعتهم إذ كيف يصح متابعتهم على المعصية؟ (^٢).
وذهب عامة العلماء إلى جواز وقوع الصغائر، منهم من دون إصرار عليها، ولا ملازمة لها، وقد جاءت النصوص في إثبات وقوع ذلك من الأنبياء ومعاتبة الله تعالى لهم. قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (^٣) وموسى -﵇- لما قتل القبطي، قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ (^٤)، وداود ﵇ قال الله تعالى عنه: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ (^٥) ففي مسارعتهم إلى التوبة وإنابتهم إلى ربهم زيادة في حسناتهم، ورفعة في درجاتهم.
وأما القول بأن الوقوع في الصغائر يقدح بالتأسي فليس بصحيح، إذ التأسي يكون فيما يُقرّون عليه، كما أن النسخ جائز فيما يبلغون من الأمر والنهي، وليس تجويز ذلك مانعًا من وجوب الطاعة؛ لأن الطاعة تجب فيما لم ينسخ، فعدم النسخ يقرر الحكم، وعدم الإنكار يقرر الفعل،
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٣١).
(٢) منهم: ابن الجوزي والحافظ ابن حجر وغيرهما. انظر: فتح الباري (١١/ ١٠٥).
(٣) سورة طه، الآيتان: ١٢١، ١٢٢.
(٤) سورة القصص، الآيتان: ١٥، ١٦.
(٥) سورة ص، الآيتان: ٢٤، ٢٥.
[ ٦٨٢ ]
والأصل عدم كل منهما (^١).
وقد جعل شيخ الإسلام هذا القول أحد قولين متطرفين في مسألة العصمة، حيث قال: "واعلم أن المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي نقيض كلاهما مخالف لكتاب الله من بعض الوجوه: قوم أفرطوا في دعوى امتناع الذنوب، حتى حرفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب ومغفرة الله لهم ورفع درجاتهم بذلك، وقوم أفرطوا في أن ذكروا عنهم ما دلَّ القرآن على براءتهم منه وأضافوا إليهم ذنوبًا وعيوبًا نزههم الله عنها، وهؤلاء مخالفون للقرآن، ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريف كان من الأمة الوسط مهتديًا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين (^٢).
فالقول الوسط في هذه المسألة هو أن الصغائر يجوز وقوعها من الأنبياء، ولكنهم لا يُقرّون عليها، ويسارعون بالتوبة منها، ولذا لم يذكر الله تعالى عن نبي شيئًا من ذلك إلَّا مقرونًا بالتوبة منه، وتوبة الله عليه.
وهذا ما ذهب إليه القرطبي حيث قال: "اختلف الناس في عصمة الأنبياء من الذنوب اختلافًا كثيرًا، والذي ينبغي أن يقال: إن الأنبياء معصومون مما يناقض مدلول المعجزة عقلًا، كالكفر بالله تعالى والكذب عليه، والتحريف في التبليغ والخطأ فيه، ومعصومون من الكبائر، وعن الصغائر التي تزري بفاعلها، وتحط منزلته، وتسقط مروءته إجماعًا واختلف أئمتنا في وقوع الصغائر منهم، فمن قائل: بالوقوع ومن قائل: بمنع ذلك، والقول الوسط في ذلك: أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا
_________________
(١) الفتاوي لابن تيمية (١٥/ ١٤٨، ١٠/ ٢٩٣).
(٢) الفتاوي (١٥/ ١٥٠).
[ ٦٨٣ ]
منها، واستغفروا وتابوا وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويلات بجملتها، وإن قبل ذلك آحادها لكن الذي ينبغي أن يقال: إن الذي أضيف إليهم من الذنوب ليس من قبيل الكبائر، ولا مما يزري بمناصبهم على ما تقدم ولا كثر منهم وقوع ذلك، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم، وعوتبوا عليها يخف أمرها بالنسبة إلى غيرهم، وإنما عُدِّدَتْ عليهم، وعوتبوا عليها بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم فهم وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، فلم يخل ذلك بمناصبهم، ولا قدح ذلك في رتبتهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم، ومدحهم وزكَّاهم، واختارهم، واصطفاهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى يوم الدين، والكلام على هذه المسألة تفصيلًا يستدعي تطويلًا، وفيما ذكرناه كفاية والله الموفق للهداية (^١).
وقال المازري: "أما الكبائر: فهو -﵇- معصوم منها إجماعًا، وأما الصغائر: فإن المجيزين لوقوعها من الرسل يمنعون أن تضاف إليه - ﷺ - على جهة الانتقاص (^٢).
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٣٥، ٤٣٤).
(٢) المعلم (٢/ ٢٤).
[ ٦٨٤ ]
المبحث الرابع خصائص نبينا محمد - ﷺ -
لقد منَّ الله تعالى علينا إذ جعلنا من أمة هذا النبي الكريم الذي كمله ربه تعالى بالخصال الحميدة، وخصَّه بالصفات الجميلة والمناقب الفريدة، والمقامات المحمودة التي لم تكن لما سواه من المرسلين فضلًا عن سائر الخلق أجمعين. "فالله سبحانه قد خصَّ نبينا - ﷺ - من كرم الخُلُق ومن طيب النفس، ومن مقام الفتوة بما لم يخص به أحدًا غيره، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤﴾ (^١) وبقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (^٢) " (^٣).
وأكرمه ﷾ بكمال معرفته وشدة خشيته فصار به - ﷺ - في المقام الأعلى.
قال القرطبي: "إنما كان النبي - ﷺ - أعلم الناس بالله، لما خصه الله تعالى به في أصل الخلقة، من كمال الفطنة وجودة القريحة، وسداد النظر وسرعة الإدراك، ولما رفع الله عنه من موانع الإدراك، وقواطع النظر قبل تمامه، ومن اجتمعت له هذه الأمور، سهل عليه الوصول إلى العلوم النظرية، وصارت في حقه كالضرورية، ثم إن الله تعالى قد أطلعه من علم صفاته، وأحكامه وأحوال العالم كله ما لم يُطْلع عليه غيره وهذا كله معلوم من حاله - ﷺ - بالعقل الصريح والنقل الصحيح، وإذا كان في علمه بالله تعالى أعلم الناس لزم أن يكون أخشى الناس لله تعالى لأن الخشية منبعثة عن
_________________
(١) سورة القلم، الآية: ٤.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.
(٣) المفهم (١/ ٤٥٥).
[ ٦٨٥ ]
العلم وبحسبه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^١) " (^٢).
وهذه المقامات له - ﷺ - لا تستغرب إذا عُلم أن الله تعالى اصطفاه وجعله مختارًا من خيار الناس، كما قال - ﷺ -: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (^٣).
قال القرطبي: " ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (^٤) قد اصطفى الله تعالى من هذا الجنس الحيواني نوع بني آدم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ (^٥) يكفيك من ذلك كله: أن الله تعالى خلق العالم كله لأجله، كما صرح بذلك عنه لما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: ١٣] (^٦) ثم إن الله تعالى اختار من هذا النوع الإنساني من جعله معدن نبوته، ومحل رسالته، فأولهم آدم -﵊- ثم إن الله اختار من نطفته نطفة كريمة، فلم يزل ينقلها من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة فكان منها الأنبياء والرسل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ (^٧) ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل وإسحاق، كما قال:
_________________
(١) سورة فاطر، الآية: ٢٨.
(٢) المفهم (٦/ ١٥٠).
(٣) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ - ح ٢٢٧٦ (١٥/ ٤١).
(٤) سورة القصص، الآية: ٦٨.
(٥) سورة الإسراء، الآية: ٧٠.
(٦) سورة الجاثية، الآية: ١٣.
(٧) سورة آل عمران، الآيتان: ٣٣، ٣٤.
[ ٦٨٦ ]
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (^١) ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إسماعيل كنانة كما ذكرهم النبي - ﷺ - في هذا الحديث ثم إن الله تعالى ختمهم بختامهم وأمَّهم بإمامهم وشرفهم بصدر كتيبتهم، وبيت قصيدهم شمس ضحاها هلال ليلتها در تقاصيرها (^٢) زبرجدها وهو محمد - ﷺ - أخَّره عن الأنبياء زمانًا، وقدَّمه عليهم رتبة ومكانًا جعله الله واسطة النظام وكمل بكماله أولئك الملأ الكرام وخصَّه من بينهم بالمقام المحمود في اليوم المشهود" (^٣).
"فالله تعالى قد حمده بما لم يحمد به أحدًا من الخلق وأعطاه من المحامد ما لم يعط مثله أحدًا من الخلق ويلهمه يوم القيامة من محامده، ما لم يلهمه أحدًا من الخلق، وقد حمده أهل السموات والأرض والدنيا والآخرة" (^٤). نسأل الله تعالى أن يميتنا على ملته ويحشرنا في زمرته.
وأذكر هنا خصائصه - ﷺ - بالتفصيل التي ذكرها القرطبي أو المازري وهي كما يلي:
١ - خاتم الأنبياء:
لقد بعث الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (^٥)، وما من أمة إلَّا بعث فيها رسول، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (^٦). ولذا تتابع الرسل -﵈- واحدًا بعد
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٦٣.
(٢) جمع تقصارة وهي: القلادة انظر: لسان العرب (٥/ ١٠٢).
(٣) المفهم (٦/ ٤٧).
(٤) المفهم (٦/ ١٤٥).
(٥) سورة النساء، الآية: ١٦٥.
(٦) سورة فاطر، الآية: ٢٤.
[ ٦٨٧ ]
الأخر، حتى ختمهم الله جلَّ وعلا بصفوة خلقه، وأفضل رسله، فجعل من خصائص هذا النبي الكريم أنه آخر الرسل، كما قال - ﷺ -: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا فأتمها وأكملها، إلَّا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللبنة! فأنا موضع اللبنة جئت فختمتُ الأنبياء" (^١).
قال القرطبي في شرح هذا الحديث: "مقصود هذا المثل أن يبين به - ﷺ - أن الله ختم به النبيين والمرسلين، وتمم به ما سبق في علمه إظهاره من مكارم الأخلاق وشرائع الإسلام، فيه كَمُلَ النظام، وهو ختمُ الأنبياء والرسل الكرام صلى الله عليه وعلى آله أفضل صلاة وسلم عليه أبلغ سلام" (^٢).
ولذا انقطعت النبوة بعده - ﷺ - كما قال ﵇: "إنه لا نبي بعدي" (^٣) قال القرطبي: "هذا النفي عام في الأنبياء والرسل؛ لأن الرسول نبي وزيادة، وقد جاء نصًّا في كتاب الترمذي قوله: "لا نبي بعدي ولا رسول" (^٤) وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (^٥) ومن أسمائه في الكتب القديمة وفيما أطلقته هذه الأمة: خاتم الأنبياء، ومما سمى به نفسه: العاقب، والمقفي، فالعاقب: الذي يعقبُ الأنبياء،
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب خاتم النبيين - ﷺ - ح ٣٥٣٤ (٦/ ٦٤٥)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب ذكر كونه - ﷺ - خاتم النبيين ح ٢٢٨٧ (١٥/ ٥٧).
(٢) المفهم (٦/ ٨٨).
(٣) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ح ٣٤٥٥ (٦/ ٥٧١)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول ح ١٨٤٢ (١٢/ ٤٧٣).
(٤) رواه الترمذي في أبواب الرؤيا، باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، وقال: حديث حسن صحيح غريب وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٥٨).
(٥) سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.
[ ٦٨٨ ]
والمقفي: الذي يقفوهم أي: يكون بعدهم، وعلى الجملة: هو أمر مجمع عليه معلوم من دين هذه الأمة، فمن ادعى أن بعده نبيًّا أو رسولًا، فإن كان مُسرًّا لذلك واطُلع بالشهادة المعتبرة قُتِلَ قَتْلَة زنديق، فإن صرَّح بذلك فهو مرتد يستتاب، فإن تاب وإلَّا قُتِل قتلة مرتد" (^١).
٢ - الشفاعة:
من الخصائص التي أُكرم بها - ﷺ - وخُص بها دون الرسل -﵈- الشفاعة العامة لأهل المحشر يوم القيامة، وقد جاء إثباتها في الحديث الطويل الذي جاء فيه قوله - ﷺ -: "أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذلك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم -ثم ذكر مجيئهم لآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، وكلهم يعتذر حتى قال: فيأتوني فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله عليَّ، ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك سل تعطه اشفع تشفع" (^٢).
_________________
(١) المفهم (٤/ ٤٨).
(٢) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ح ٣٣٤٠ (٦/ ٤٢٨)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة ح ١٩٤ (٦٦/ ٣).
[ ٦٨٩ ]
قال القرطبي: "محمد - ﷺ - أخَّره عن الأنبياء زمانًا وقدَّمه رتبةً ومكانًا جعله الله واسطة النظام وكمل بكماله أولئك الملأ الكرام، وخصه من بينهم بالمقام المحمود في اليوم المشهود، فهو شفيعهم إذا استشفعوا، وقائدهم إذا وفدوا، وخطيبهم إذا جمعوا وسيدهم إذا ذكروا الناس كلهم إذا جمعهم موقف القيامة، وطال عليهم، وعظم كربهم، طلبوا من يشفع لهم إلى الله تعالى في إراحتهم من موقفهم، فيبدؤون بآدم -﵇- فيسألونه الشفاعة فيقول: نفسي نفسي لست لها وهكذا يقول من سُئلها من الأنبياء حتى ينتهي الأمر إلى سيدنا محمد - ﷺ - فيقول: "أنا لها" فيقوم في أرفع مقام ويخص بما لا يحصى من المعارف والإلهام وينادى بألطف خطاب وأعظم إكرام: يا محمد! قل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع وهذا مقام لم ينله أحد من الأنام ولا سمع بمثله لأحد من الملائكة الكرام" (^١).
هذا في شفاعته العامة لأهل المحشر إذ لا شافع في هذا المقام غيره ومن خصائصه أيضًا فيما يتعلق بالشفاعة أنه أول شافع يوم القيامة في الشفاعات الأخرى غير العامة وقد قال - ﷺ -: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع" (^٢).
قال القرطبي في شرح هذا الحديث: "مقصود هذا الحديث أن يبين أنه لا يتقدمه شافع، لا من الملائكة ولا من النبيين، ولا من المؤمنين في جميع أقسام الشفاعات، على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف خاصة لا تكون لغيره. وهذه المنزلة أعظم المراتب وأشرف المناقب" (^٣).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٤٧).
(٢) سبق تخريجه ص (٦٤٦).
(٣) المفهم (٦/ ٤٩).
[ ٦٩٠ ]
٣ - الوسيلة:
ومما خص الله تعالى به نبينا - ﷺ - الوسيلة وهي: منزلة رفيعة في الجنة، قال - ﷺ -: "واسألوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلَّا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو" (^١).
قال القرطبي: "قوله: "وأرجو أن أكون أنا هو" قال هذا - ﷺ - قبل أن يبان له أنه صاحبها، إذ قد أخبر أنه يقوم مقامًا لا يقومه أحد غيره، ويحمد الله محامد لم يُلهمها أحد غيره" (^٢).
٤ - الكوثر:
وهو الحوض المورود، الذي خص الله تعالى به نبينا محمدًا - ﷺ - في ذلك اليوم العظيم -وسيأتي تفصيل ذلك- فهو من خصائصه التي لم تكن لغيره.
قال القرطبي: "إن الله تعالى قد خصَّ نبيه محمدًا - ﷺ - بالكوثر، الذي هو الحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة" (^٣).
ومن خصائصه ما جاء في قوله - ﷺ -: "اعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي. كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود. وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي - ﷺ - ثم يسأل له الوسيلة ح ٣٨٤ (٤/ ٣٢٨).
(٢) المفهم (٢/ ١٣).
(٣) المفهم (٦/ ٩٠).
[ ٦٩١ ]
بين يدي مسيرة شهر، واعطيت الشفاعة" (^١).
وقد جاء في بعض الأحاديث: "أعطيت ثلاثًا" وجاء في حديث آخر: "أعطيت ستًّا" وقد بيَّن القرطبي أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث، فقال: "لا يظن القاصد (^٢) أن هذا تعارض، وإنما يظن هذا من توهم أن ذكر الأعداد يدل على الحصر، وأنها لها دليل خطاب، وكل ذلك باطل، فإن القائل عندي خمسة دنانير -مثلًا- لا يدل هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول تارة أخرى: عندي عشرون، وتارة أخرى: عندي ثلاثون، فإن من عنده ثلاثون صدق عليه أن عنده عشرين وعشرة، فلا تناقض ولا تعارض، ويجوز أن يكون النبي - ﷺ - أُعلِم في وقت بالثلاث، وفي وقت بالخمس، وفي وقت بالست، والله تعالى أعلم" (^٣).
وقد بيَّن القرطبي أن هذه المذكورات من الخصائص التي تميز بها - ﷺ - عن غيره من المرسلين، فقال: "قوله: "وبعثت إلى الأحمر والأسود" يعني كافة الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ (^٤). وقوله: "جعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا" وهذا مما خصَّ الله به نبيه - ﷺ -، وكانت الأنبياء قبله إنما أبيح لهم الصلاة في مواضع مخصوصة، كالبيَع والكنائس. وقوله: "واحلت لي الغنائم " هذا من خصائصه ﵊، وإنما كانت الغنائم قبله تجمع، ثم تأتي نار من السماء فتأكلها. و"الرعب" الفزع، والشفاعة الخاصة بالنبي - ﷺ - هي الشفاعة
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب التيمم ح ٣٣٥ (١/ ٥١٩)، ومسلم في كتاب المساجد، ومواضع الصلاة ح ٥٢١ (٥/ ٦).
(٢) هكذا في الأصل ولعلها: القاصر.
(٣) المفهم (٢/ ١١٥).
(٤) سورة سبأ، الآية: ٢٨.
[ ٦٩٢ ]
لأهل الموقف كما تقدم" (^١).
وقال المازري في شرحه لهذا الحديث: "قوله: "مسجدًا" قيل: إن من كان قبله إنما أبيح لهم الصلاة في مواضع مخصوصة، كالبيع والكنائس، وقوله: "وأحلت لي الغنائم" هو من خصائصه - ﷺ - وكان من قبله لا تحل لهم الغنائم بل كانت تجمع ثم تأتي نار من السماء فتأكلها" (^٢).
٥ - أول من ينشق عنه القبر:
وهي من خصائصه - ﷺ - التي لا يشاركه فيها غيره، قال - ﷺ -: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر" (^٣).
قال القرطبي في شرح هذا الحديث: "يعني: أنه أول من يعجل إحياؤه مبالغة في إكرامه وتخصيصًا له بتعجيل جزيل إنعامه" (^٤).
٦ - أنه نبي التوبة والرحمة:
وقد جاء هذا في قوله - ﷺ -: "أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة" (^٥).
كل نبي جاء بالتوبة والرحمة ولا شك ولكن ذكر هذا من النبي - ﷺ - يدل على اختصاص، لم يكن لغيره فيرجع هذا إلى المعنى، وقد قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "أي: الذي تكثر التوبة في أمته وتعم حتى لا يوجد فيما ملكته أمته إلَّا تائب من الكفر ويحتمل أن يكون معناه: أن أمته لما كانت أكثر الأمم كانت توبتهم أكثر من توبة غيرهم
_________________
(١) المفهم (٢/ ١١٦).
(٢) المعلم (١/ ٢٧٢).
(٣) سبق تخريجه ص (٦٤٦).
(٤) المفهم (٦/ ٤٨).
(٥) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب في أسمائه - ﷺ - ح ٢٣٥٥ (١٥/ ١١٤).
[ ٦٩٣ ]
ويحتمل أن تكون توبة أمته أبلغ حتى يكون التائب منهم كمن لم يذنب ولا يؤاخذ لا في الدنيا ولا في الآخرة، ويكون غيرهم يؤاخذ في الدنيا، وإن لم يؤاخذ في الآخرة، والله أعلم. والذي أحوج إلى هذه الأوجه: اختصاص نبينا - ﷺ - بهذا الاسم مع أن كل نبي جاء بتوبة أمته فيصدق أنه نبي التوبة فلابد من إبداء مزية لنبينا يختص بها كما بيَّنا، وقوله: "ونبي الرحمة" والرحمة إفاضة النعم على المحتاجين والشفقة عليهم واللطف بهم، وقد أعطى الله نبينا - ﷺ - وأمته منها ما لم يعطه أحدًا من العالمين، ويكفي من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (^١) فهو أعظم كل رحمة وأمته القابلة لما جاء به قد حصلت على أعظم حظ من هذه الرحمة وشفاعته يوم القيامة لأهل الموقف أعم كل رحمة ولأهل الكبائر أجل كل نعمة وخاتمة ذلك شفاعته في ترفيع منازل أهل الجنة" (^٢).
وبالجملة فخصائصه - ﷺ - كثيرة، سواء فيما أعطاه الله تعالى في الدنيا، أو ما جعله له تعالى في الآخرة من المواقف المحمودة، والمقامات الفاضلة، مع ما خص به تعالى أمته، وأكرمها إذ جعلها خير الأمم، وأكثر أهل الجنة. كل ذلك جاءنا من خبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحي يوحى.
قال القرطبي: "وهذه الخصائص والفضائل التي حدث بها النبي - ﷺ - عن نفسه، إنما كان ذلك منه؛ لأنها من جملة ما أُمر بتبليغه؛ لما يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك، وأنه حق في نفسه وليُرغَب في الدخول في دينه وليتمسك به من دخل فيه وليعلم قدر نعمة الله عليه في أن
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.
(٢) المفهم (٦/ ١٤٧).
[ ٦٩٤ ]
جعله من أمة من هذا حاله، ولتعظم محبته في قلوب متبعيه، فتكثر أعمالهم، وتطيب أحوالهم، فيحشرون في زمرته، وينالون الحظ الأكبر من كرامته، وعلى الجملة فيحصل بذلك شرف الدنيا وشرف الآخرة؛ لأن شرف المتبوع متعدٍّ لشرف التابع على كل حال" (^١).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٤٩).
[ ٦٩٥ ]
المبحث الخامس الإيمان بالملائكة والجن
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الإيمان بالملائكة
المطلب الثاني: الإيمان بالجن
[ ٦٩٧ ]
الملائكة هم رسل الله تعالى إلى خلقه، فهم عباده المكرمون الذين ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (^١)، وقد تكلم القرطبي عن الملائكة في مواضع من المفهم أفُصِّلها في النقاط التالية:
١ - تعريف الملائكة:
قال القرطبي في تعريف الملائكة: الملائكة؛ جمع ملك، وقد اختلف في اشتقاقه ووزنه فقال ابن شميل: لا اشتقاق له، وقال ابن كيسان: وزنه: فعل من الملك، وقال أبو عبيد: هو مفعل من: لأك، أي: أرسل، وقال غيره: إنه مأخوذ من الألوكة، وهي الرسالة، فكأنها تؤلك في الفم، قال لبيد:
وغُلامٍ أَرسَلَتْهُ أُمُّهُ بألُوكٍ فَبَذَلنَا ما سأل (^٢)
فأصله على هذا: مَألكُ فالهمزة فاء الفعل، لكنهم قلبوها إلى عينه، فقالوا: ملأك، ثم سهلوه فقالوا: ملاك، وقد جاء على أصله في الشعر قال:
فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكنْ لملأكٍ تَنزَّلَ من جو السماء يَصُوبُ (^٣)
وقيل: هو مَلْك من مَلَك نحو: شمل من شَمَل (^٤).
٢ - الإيمان بالملائكة:
الإيمان بالملائكة هو أحد أركان الإيمان، قال تعالى: ﴿آمَنَ
_________________
(١) سورة التحريم، الآية: ٦.
(٢) ديوان لبيد بن ربيعة ص (١٤٠).
(٣) البيت للشاعر الجاهلي: رويشد بن كثير الطائي. انظر: شعر طيء وأخبارها في الجاهلية والإسلام (٢/ ٣٩٦).
(٤) المفهم (١/ ١٤٧).
[ ٦٩٩ ]
الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (^١)، وقال - ﷺ - عندما سأله جبريل ﵇ عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (^٢). قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "الإيمان بالملائكة: هو التصديق بأنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ (^٣)، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (^٤)، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (^٥) وأنهم سفراء بينه وبين رسله والمتصرفون كما أذن لهم في خلقه" (^٦).
٣ - صفاتهم:
لقد بين - ﷺ - مادة خلقهم فقال: "خلقت الملائكة من نور وخلق الجانُّ من مارج من نار وآدم مما وصف لكم" (^٧).
قال القرطبي: "قوله "خلقت الملائكة من نور" أي: من جواهر مضيئة فكانوا خيرًا محضًا" (^٨).
وقد جعل الله تعالى للملائكة أجنحة على اختلاف بينهم في عدد الأجنحة كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.
(٢) سبق تخريجه ص (١٣٧).
(٣) سورة الأنبياء، الآيتان: ٢٦، ٢٧.
(٤) سورة التحريم، الآية: ٦.
(٥) سورة الأنبياء، الآية: ٢٠.
(٦) المفهم (١/ ١٤٤).
(٧) رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة ح ٢٩٩٦ (١٨/ ٣٣٣).
(٨) المفهم (٧/ ٣١٥).
[ ٧٠٠ ]
رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١) قال القرطبي: "المراد: أن الله تعالى خلق الملائكة أصنافًا، فمنهم صنف جعل لكل واحد منهم جناحين ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم ثلاثة، وصنف جعل لكل واحد منهم أربعة (^٢).
وهم مع عظيم خلقهم لهم قدرة على التشكل بغير صورهم التي خلقهم الله عليها، كما أرسل تعالى جبريل - ﵇ - إلى مريم في صورة بشر، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (^٣).
وكما سبق في حديث جبريل عندما جاء إلى الرسول - ﷺ - وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان في حضور الصحابة، وكان على صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر.
وقد قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "قوله: "إنه جبريل" دليل على أن الله تعالى مكن الملائكة من أن يتمثلوا فيما شاؤوا من صور بني آدم، كما قد نصَّ الله تعالى على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ وقد كان جبريل يتمثل للنبي - ﷺ - في صورة دحية بن خليفة (^٤) وقد كان لجبريل صورة خاصة خلق عليها لم يره النبي - ﷺ - عليها سوى مرتين" (^٥).
وقال في موضع آخر: "إن الله تعالى قد مكن الملائكة والجن من التشكل في الصور المختلفة والتمثيل بها مع أن للنوعين في أنفسهما خِلَقًا
_________________
(١) سورة فاطر، الآية ١.
(٢) انظر: المفهم (٧/ ٣٢٧، ٣٢٨).
(٣) سورة مريم، الآية: ١٧.
(٤) مسند الإمام أحمد (٢/ ١٠٧، ٣/ ٣٣٤، ٦/ ٩٤).
(٥) المفهم (١/ ١٥٢).
[ ٧٠١ ]
خاصة بهما خلقهما الله تعالى عليها، كما قال - ﷺ -: "لم أر جبريل على صورته التي خُلق عليها غير مرتين" (^١) والبحث عن كيفية ذلك التمثيل ليس وراءه تحصيل والواجب التصديق بما جاء من ذلك، ومن أنكر وجود الملائكة والجن وتمثُّلهم في الصور فقد كفر" (^٢).
٤ - تفاضلهم:
الملائكة ﵈ متفاوتون في الرتبة والدرجة فأفضلهم جبريل ﵈، وهو أعظم الملائكة وهو الذي ينزل بالوحي على الرسل ﵈، قال القرطبي: سمي جبريل - ﵇ - بالناموس لأن الله تعالى خصه بالوحي وعلم الغيب" (^٣).
قال حسان بن ثابت - ﵁ -:
وجبريلُ رسُولُ الله فينا ورُوحُ القُدسِ ليس له كفاءُ (^٤)
قال القرطبي: أي: لا يقاومه أحد ولا يماثله وروح القدس: هو جبريل - ﵇ - والقدس: الطهارة" (^٥).
ومن الملائكة الذين فضلهم الله تعالى وقدمهم ميكائيل وإسرافيل ﵉ وقد كان - ﷺ - إذا قام من الليل يفتتح صلاته بقوله: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض " (^٦).
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب التفسير باب (١) ح (٤٨٥٥) (٨/ ٤٧٢)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب معنى قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ ح ١٧٧ (٣/ ١٠).
(٢) المفهم (٦/ ١٧٢).
(٣) المفهم (١/ ٣٧٩).
(٤) ديوان حسان بن ثابت (١/ ١٨) وفيه: وجبريل أمين الله فينا
(٥) المفهم (٦/ ٤٢٩).
(٦) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ح ٧٧٠ (٦/ ٣٠٣).
[ ٧٠٢ ]
قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "خص هؤلاء الملائكة بالذكر تشريفًا لهم؛ إذ بهم ينتظم هذا الوجود؛ إذ قد أقامهم الله تعالى في ذلك" (^١).
ويرى القرطبي تفاضل الملائكة بعد ذلك بحسب مراتبهم في السماء، فأفضلهم حملة العرش، ثم الذين في السماء السابعة، ثم الذين في السماء السادسة، وهكذا، استنباطًا من قوله - ﷺ -: "ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال فيستخبر بعض أهل السموات بعضًا حتى يبلغ الخبر إلى السماء الدنيا " (^٢).
حيث قال في شرح هذا الحديث: "فيه دليل على أن حملة العرش أفضل الملائكة، وأعلاهم منزلة، وأن فضائل الملائكة على حسب مراتبهم في السموات فعلوم الملائكة بالكائنات يستفيده بعضهم من بعض إلَّا حملة العرش فإنهم يستفيدون علومهم من الحق سبحانه فهم المبدؤون بالإعلام أولًا ثم إن ملائكة كل سماء تستفيد من التي فوقها" (^٣).
وأما تفاضل الملائكة وصالحي البشر فهو محل نزاع بين أهل العلم، والقرطبي ذكر المسألة، وأشار إلى الخلاف ولم يرجح، وذلك عند قوله - ﷺ - في الحديث القدسي فيما يرويه عن ربه ﷿: "إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأٍ خير
_________________
(١) المفهم (٢/ ٤٠٠).
(٢) رواه مسلم في كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان ح ٢٢٢٩ (١٤/ ٤٧٦).
(٣) المفهم (٥/ ٦٣٨).
[ ٧٠٣ ]
منهم" (^١)، حيث قال: "هذا ظاهر في تفضيل الملائكة على بني آدم، وهو أحد القولين للعلماء، وللمسألة غور ليس هذا موضع ذكره" (^٢).
ومع فضل الملائكة ﵈ ومكانتهم إلَّا أنهم لا يعلمون الغيب إلَّا إذا اطلعهم الله تعالى عليه كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ (^٣).
فالقرطبي عند شرحه لحديث الإسراء، وفيه: أن الملائكة عندما يستفتح جبريل - ﵇ - كل سماء ويقول معي محمد يقولون وقد بعث إليه؟ (^٤). قال: "هو استفهام من الملائكة عن بعث النبي - ﷺ - وإرساله إلى الخلق، وهذا يدل على أنهم لم يكن عندهم علم من وقت إرساله (^٥).
وقال أيضًا: "الملائكة تستخرج ما عند الله تعالى من علم حال النطفة فتقول: يارب ما الرزق؟ ما الأجل؟ فيقضي ربك ما شاء أي: يظهر من قضائه وحكمه للملائكة ما سبق به علمه وتعلقت به إرادته فيكتب الملك من اللوح المحفوظ ثم يخرج بالصحيفة فيُطْلعُ اللهُ تعالى بسبب تلك الصحيفة من شاء من الملائكة الموكلين بأحواله على ذلك ليقوم كل بما عليه من وظيفته حسب ما سطر في صحيفته" (^٦).
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٧٣).
(٢) المفهم (٧/ ٧). وانظر: التفصيل في هذه المسألة في كتاب "مباحث الفاضلة في العقيدة" للدكتور محمد بن عبد الرحمن الشظيفي ص (٣٥٤).
(٣) سورة البقرة، الآيتان: ٣١، ٣٢.
(٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات ح ١٦٢ (٢/ ٥٦٧).
(٥) المفهم (١/ ٣٨٩).
(٦) انظر: المفهم (٦/ ٦٥٤).
[ ٧٠٤ ]
٥ - أعمالهم:
أ-العبادة:
قال تعالى عنهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ (^٢) فهم لا يسأمون ولا يتعبون من العبادة لأن الله تعالى خلقهم كذلك، أما الإنسان فلا يطيق ما يطيقون؛ لأنه كما قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (^٣)، قال القرطبي: "دوام الذكر وعدم الفترة من خاصية الملائكة، إذ سنة الله في العالم الإنساني أنه متوسط بين عالمي الملائكة والشياطين فمكن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومكَّن الشياطين في الشر والإغواء بحيث لا يغفلون وجعل هذا العالم الإنساني متلونًا فيمكنه ويلونه" (^٤).
ب - السفارة:
ومن وظائف الملائكة وأعمالهم السفارة بين الله تعالى، وبين رسله، فينزلون بالوحي على الأنبياء كما قال تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ (^٥) وكما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ (^٦).
قال القرطبي: "السفرة: جمع سافر وهم ملائكة الوحي، سموا بذلك لأنهم يسفرون بين الله وبين خلقه" (^٧).
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٢٠.
(٢) سورة النحل، الآية: ٥٠.
(٣) سورة النساء، الآية: ٢٨.
(٤) المفهم (٧/ ٦٧، ٦٨). بتصرف.
(٥) سورة عبس، الآية: ١٥، ١٦.
(٦) سورة فاطر، الآية: ١.
(٧) المفهم (٢/ ٤٢٥)، وانظر: (٦/ ١٧١).
[ ٧٠٥ ]
ج - حفظ أعمال بني آدم:
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (^٢)، قال القرطبي: "الحفظة ملازمةٌ للإنسان" (^٣).
وعند شرحه لقوله - ﷺ -: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" (^٤). قال: "هؤلاء الملائكة: إن كانوا هم الحفظة فسؤال الله لهم بقوله: "كيف تركتم عبادي؟ إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم وعلى أنهم هم الحفظة مذهب الجمهور وإن كانوا غيرهم - وهو الأظهر عندي - فسؤاله تعالى لهم: إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (^٥) وإظهارًا لما سبق في معلومه إذ قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (^٦) " (^٧).
د - حضور مجالس الذكر:
مجالس الذكر هي مجالس العلم، والملائكة - ﵈ - يحرصون على العلم، ويبسطون أجنحتهم لطالبه، كما قال - ﷺ -: "إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم" (^٨). قال القرطبي: "قيل:
_________________
(١) سورة الانفطار، الآيات: ١٠ - ١٢.
(٢) سورة ق، الآية: ١٨.
(٣) المفهم (٥/ ٤٢١).
(٤) سبق تخريجه ص (٥٠٠).
(٥) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٦) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٧) المفهم (٢/ ٢٦١).
(٨) رواه الترمذي في أبواب العلم، باب في فضل الفقه على العبادة، وابن ماجة في باب فضل العلماء، والحث على طلب العلم، وصححه الألباني في صحيح - ابن ماجة (١/ ٤٣).
[ ٧٠٦ ]
معناه تخضع له وتعظمه، وقيل: تبسطها له بالدعاء لأن جناح الطائر يده" (^١). ومن الملائكة ﵈ الذين يسعون في الأرض يتبعون مجالس الذكر قال - ﷺ -: "إن لله ﵎ ملائكة سيارة فُضْلًا يتتبعون مجالس الذكر" (^٢) قال القرطبي: "سيارة: يعني: سائرين يطلبون مجالس العلم والتذكير، وهي المجالس التي يذكر فيها كلام الله وسنة رسوله وأخبار السلف الصالحين" (^٣).
هـ - القتال مع المؤمنين:
إذ قد يؤيد الله تعالى بملائكته من يشاء من عباده كما حدث هذا في معركة بدر وأحد، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ (^٥).
والرسول - ﷺ - عندما أُخبر عن الفارس الذي يقول: "أقدم حيزوم وضرب المشرك من غير أن يرى" قال: ذلك مدد السماء الثالثة" (^٦).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٦٨٥).
(٢) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل مجالس الذكر ح ٢٦٨٩ (١٧/ ١٧).
(٣) انظر: المفهم (٧/ ١١).
(٤) سورة الأنفال، الآية: ٩.
(٥) سورة آل عمران، الآيات: ١٢٣ - ١٢٥.
(٦) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزة بدر ح ١٧٦٣ (١٢/ ٣٢٧).
[ ٧٠٧ ]
قال القرطبي: "أي: من ملائكة السماء الثالثة التي أُمدُّوا بهم وهذا يدل: على أنهم كانوا أُمدُّوا بملائكة من كل سماء ويدل هذا الخبر على أن الملائكة قاتلت يومئذ وهو قول أكثر أهل العلم" (^١).
وبين القرطبي كيفية قتال الملائكة في هذه الحروب فقال: "قتال الملائكة للكفار يوم بدر ويوم أحد لم يخرج عن عادة القتال المعتاد بين الناس ولو أذن الله تعالى لملك من أولئك الملائكة بأن يصيح صيحة واحدة في عسكر العدو لهلكوا في لحظة واحدة أو لخسف بهم في موضعهم أو أسقط عليهم قطعة من الجبل المطل عليهم، لكن لو كان ذلك: لصار الخبر عيانًا والإيمان بالغيب مشاهدة فيبطل سرُّ التكليف فلا يتوجه يومُ ولا تعنيف كما قد صرح الله تعالى بذلك قولًا وذكرًا، إذ قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا (^٢)﴾ (^٣).
و- خزنة النار:
وهم ملائكة جعلهم الله تعالى غلاظًا شدادًا ليكون أشد في نكال وعذاب أهل النار. قال - ﷺ -: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" (^٤).
قال القرطبي: "ملائكتها - كما وصفهم الله تعالى -: ﴿غِلَاظٌ
_________________
(١) المفهم (٣/ ٥٧٧).
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.
(٣) المفهم (٦/ ١٠١).
(٤) رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في شدة حر جهنم وبعد قعرها، وما تأخذ من المعذبين ح ٢٨٤٢ (١٧/ ١٨٥).
[ ٧٠٨ ]
شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (^١) وأما هذا العدد المحصور للملائكة فكأنه عدد برؤسائهم وأما جملتهم فالعبارة عنها ما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (^٢) " (^٣)
وقال في تفسير سورة العلق: "قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ (^٤) أي: لتعذيبه وهم خزنة النار الموكلون بتعذيب الكفار وهم الملائكة الذين قال الله فيهم: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (^٥) وسموا زبانية من الزبن وهو الدفع لشدة دفعهم وبطشهم" (^٦).
المطلب الثاني: الإيمان بالجن:
الإيمان بوجود الجن من الإيمان بالنبوات؛ لأن هذا إنما جاء من علم الغيب الذي جاء به الرسل ﵈. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^٧)، وسميت سورة من سور القرآن الكريم باسمهم. قال شيخ الإسلام: "لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن، ولا في أن الله أرسل محمدًا - ﷺ - إليهم، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواترًا معلومًا بالاضطرار" (^٨).
_________________
(١) سورة التحريم، الآية: ٦.
(٢) سورة المدثر، الآية: ٣١.
(٣) المفهم (٧/ ١٨٧).
(٤) سورة العلق، الآية: ١٨.
(٥) سورة التحريم، الآية: ٦.
(٦) المفهم (٧/ ٤٣٥).
(٧) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
(٨) الفتاوى لابن تيمية (١٩/ ١٠).
[ ٧٠٩ ]
تعريفهم:
قال القرطبي: "أصل الجن من: ج - ن - للسترة والتستر أينما وقعت فتتبعها تجدها كذلك" (^١).
والشيطان: من الجن لكنه: المارد منهم قال القرطبي: "الشيطان وزنه: فَيْعَال من شطن أي: بَعُدَ عن الخير أو من شاط إذا احتد واحترق، وإنه إنما يقال على المارد من الجن وهو الكثير الشر الشديد الضُّرِّ" (^٢).
وبين القرطبي أن الشيطان إذا أسلم زال عنه هذا الاسم وأصبح مسلمًا (^٣).
وقد يطلق الشيطان على الإنس، كذلك كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (^٤).
وقال - ﷺ -: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره، فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان" (^٥).
قال القرطبي: "أي: فعله فعل الشيطان إذا أبي إلَّا التشويش على المصلي ويحتمل أن يكون معناه: أن الحامل على ذلك الفعل هو الشيطان" (^٦).
_________________
(١) المفهم (٥/ ٥٣٤)، وانظر: معجم مقاييس اللغة (١/ ٤٢١).
(٢) المفهم (٧/ ٤٠١)، وانظر: (٤/ ٥٨).
(٣) المفهم (٧/ ٤٠٢).
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١١٢.
(٥) رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب يرد المصلي من مرَّ بين يديه ح ٥٠٩ (١/ ٦٩٣)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي ح ٥٠٥ (٤/ ٤٦٩).
(٦) المفهم (٢/ ١٠٥).
[ ٧١٠ ]
وعند شرحه لقوله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" (^١). قال: يعني: شياطين الإنس من الآباء والمعلمين بتعليمهم وتدريبهم وشياطين الجن بوساوسهم" (^٢).
صفاتهم:
بين الله ﷾ أن الجن خلقوا من مارج من نار، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ (^٣).
قال القرطبي: "أي: من شواظ ذي لهب واتقاد ودخان فكانوا شرًّا محضًا والخير فيهم قليل" (^٤). والجن لهم قدرة على التشكل بالصور المختلفة إذا أقدرهم الله تعالى على ذلك.
قال القرطبي: "أوجد الله تعالى الجن على صور تخصهم ثم مكنهم من التشكل في صور مختلفة فيتمثلون في أي صورة شاؤوا أو شاء الله" (^٥).
وقال أيضًا: "تتمثل الملائكة والجن في الصور المختلفة ولهم في أنفسهم صورٌ خلقهم الله تعالى عليها، والإيمان بذلك كله واجب لما دلَّ عليه من السمع الصادق" (^٦).
وبين أن رؤية الناس للجن ممكنة، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٠١).
(٢) المفهم (٦/ ٧١٢).
(٣) سورة الرحمن، الآية: ١٥.
(٤) المفهم (٧/ ٣١٥).
(٥) المفهم (٢/ ١٥٠).
(٦) المفهم (٦/ ٣٥٩).
[ ٧١١ ]
وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (^١) فهذا إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم (^٢).
والجن يموتون كالإنس كما قال - ﷺ -: "أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون" (^٣).
قال القرطبي: "إنما خص هذين النوعين بالموت، وإن كان جميع الحيوان يموت لأن هذين النوعين هما المكلفان المقصودان بالتبليغ والله أعلم" (^٤).
تكليفهم:
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^٥) وقال تعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ (^٦).
قال القرطبي: "والحاصل من الكتاب والسنة: العلم القطعي بأن الجن والشياطين موجودون متعبدون بالأحكام الشرعية، على النحو الذي يليق بخلقتهم وأحوالهم، وأن نبينا محمدًا - ﷺ - رسول إلى الإنس
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٧.
(٢) انظر: المفهم (٢/ ١٥٠)، وانظر: الأقوال في هذه المسألة في: كتاب عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة للدكتور عبد الكريم عبيدات ص (٢٩ - ٤١).
(٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله ﷿: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ ح ٧٣٨٣ (١٣/ ٣٨٠)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل ح ٢٧١٧ (١٧/ ٤٢).
(٤) المفهم (٧/ ٤٦).
(٥) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
(٦) سورة الأحقاف، الآيات: ٢٩ - ٣١.
[ ٧١٢ ]
والجن أجمعين فمن دخل في دينه وآمن به، فهو من المؤمنين، ومعهم في الدنيا والآخرة والجنة مستقر المؤمنين، ومن كذبه وصد عنه فهو الشيطان المبعد عن المؤمنين في الدنيا والآخرة، والنار مستقر الكافرين" (^١).
وقال أيضًا: "قد علمنا قطعًا: أن رسول الله - ﷺ - بلَّغ الرسالة للإنس والجن، وأنه قد آمن به خلق كثير من النوعين بحيث لا يحصرهم بلد ولا يحيط بهم عدد" (^٢).
_________________
(١) المفهم (٧/ ٤٢٠).
(٢) المفهم (٥/ ٥٣١).
[ ٧١٣ ]
الفصل الثاني الإمامة
وفيه خمسة مباحث
المبحث الأول: حكم نصب الإمام وبما تنعقد به الإمامة
المبحث الثاني: البيعة
المبحث الثالث: شروط الإمام
المبحث الرابع: واجبات الإمام وحقوقه
المبحث الخامس: الموقف من الأئمة
[ ٧١٥ ]
المبحث الأول حكم نصب الإمام وبما تنعقد به الإمامة
وجود إمام يتولى أمور المسلمين أمر لابد منه، وهذا معلوم بالعقل والنقل، ولذا نقل النووي ﵀ الإجماع عليه (^١).
ونصب الإمام يكون بالبيعة أو الاستخلاف، فالرسول - ﷺ - لم يستخلف فاتفق الصحابة - ﵃ - على مبايعة الصديق - ﵁ - والصديق - ﵁ - استخلف عليهم عمر - ﵁ -.
ولذا قال عمر - ﵁ - عند موته: "وإني إن لا أستخلف فإن رسول الله - ﷺ - لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف" (^٢).
قال القرطبي عند قول عمر: "وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف": "يعني أرنا أبا بكر استخلفه ونصَّ عليه وعيَّنه، وهذا لا خلاف في أن الأمر كذلك وؤع، ولا في أن هذا طريق مشروع في الاستخلاف، ثم إن عمر - ﵁ - سلك طريقًا بين طريقين، جمعت له الاقتداء بهما، فاقتدى برسول الله - ﷺ - في أنه لم ينص على واحد بعينه، فصدق عليه أنه غير مستخلف واقتدى بأبي بكر من حيث أنه لم يترك أمر المسلمين مهملًا (^٣) فإنه جعل الأمر شورى في ستة ممن يصلح للخلافة
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٢/ ٤٤٧).
(٢) رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب الاستخلاف ح ٧٢١٧ (١٣/ ٢١٨)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب الاستخلاف وتركه ح ١٨٢٣ (١٢/ ٤٤٦).
(٣) لا يظن بهذه العبارة أن المقصود من الإهمال: التضييع فهذا لا يليق بالرسول - ﷺ -، والواقع أيضًا في هذه المسألة بخلافه فإنه كما قال شيخ الإسلام: "دلَّ ﵊ =
[ ٧١٧ ]
وفوض التعيين لاختيارهم" (^١).
وقد بيَّن القرطبي وجوب نصب الإمام، وطريق ذلك، فقال عند شرحه للحديث السابق: "قد حصل من هذا الحديث أن نصب الإمام لابُدَّ منه، وأن لنصبه طريقين:
أحدهما: اجتهاد أهل الحل والعقد.
والآخر: النصُّ إمَّا على واحد بعينه، وإما على جماعة بأعيانها ويفوَّض التخيير إليهم في تعيين واحد منهم. وهذا مما أجمع عليه السلف الصالح، ولا مبالاة بخلاف أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف وأيضًا فإنهم لا يعتد بخلافهم" (^٢).
وقد بيَّن القرطبي في أكثر من موضع أن النص على الخليفة: أي الاستخلاف كان من الصديق لعمر - ﵄ -، وأما الرسول - ﷺ - فلم ينص على أبي بكر - ﵁ - كما قال بعض العلماء، ولا على علي - ﵁ - كما قالت الرافضة، حيث قال: "المعلوم عندهم - أي الصحابة ﵃ - أن النبي - ﷺ - لم يستخلف أحدًا، وكذلك قال عمر - ﵁ -: "وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر" وهذا بمحضر من الصحابة وعلي والعباس - ﵃ - ولم ينكر أحد
_________________
(١) = المسلمين على استخلاف أبي بكر بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راضٍ بذلك حامدٍ له وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك، فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله - ﷺ - قطعًا للعذر، لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود". منهاج السنة لابن تيمية (١/ ١٣٩).
(٢) المفهم (٤/ ١٤).
(٣) المفهم (٤/ ١٥).
[ ٧١٨ ]
منهم على عمر، ولا ذكر أحد من الناس نصًّا باستخلاف على أحد، فكان ذلك دليلًا على كذرب من ادعى شيئًا من ذلك إذ العادات تحيل أن يكون عندهم نص على أحد في في ذلك الأمر العظيم المهم فيكتموه مع تصلبهم في الدين وعدم تقيتهم فإنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، وكذلك اتفق لهم عند موت النبي - ﷺ - فإنهم اجتمعوا لذلك وتفاوضوا فيه مفاوضة من لا يتقي شيئًا، ولا يخاف أحدًا حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، ولم يذكر أحد منهم نصًّا، ولا ادعى أحد منهم أنه نص عليه ولو كان عندهم من ذلك شيء لكانوا هم أحق بمعرفته ونقله، ولما اختلفوا في شيء من ذلك، ومر، العجب ألا يكون عند أحد من هؤلاء نص على ذلك ولا يذكره مع قرب العهد وتوفر الدين والجد ودعاء الحاجة الشديدة إلى ذلك، ويأتي بعدهم بأزمان متطاولة وأوقات مختلفة، وقلة علم، وعدم فهم من يدعي: أن عنده من العلم بالنص على واحد معين، ما لم يكن عند أولئك الملأ الكرام، ولا سمع منهم، وهذا محض الكذب الذي لا يقبله سليم العقل، لكن غلبت التعصب والأهواء تُورِّطُ صاحبها في الظلماء، وقد ذهبت الشيعة على اختلاف فرقها إلى أنه نص على خلافة علي - ﵁ - وذهبت الراواندية إلى أنه نص على خلافة العباس - ﵁ - واختلق كل واحد منهما من الكذب والزور والبهتان ما لا يرضى به من في قلبه حبة خردل من الإيمان، وما ذكرناه من عدم النص على واحد بعينه، هو مذهب جمهور أهل السنة من السلف والخلف، لا على أبي بكر ولا غيره، غير أنهم استندوا في استحقاق أبي بكر - ﵁ - بالخلافة إلى أصول كلية وقرائن خالية، ومجموع ظواهر جلية، حَصَلتْ لهم العلم بأنه أحق بالخلافة وأولى بالإمامة يعلم ذلك من استقرأ أخباره وخصائصه" (^١).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢٤٧).
[ ٧١٩ ]
وقال في موضع آخر: "الأحاديث الدالة على خلافة الصديق - ﵁ - ليست نصوصًا في ذلك لكنها ظواهر قوية إذا انضاف إليها استقراء ما في الشريعة مما يدل على ذلك المعنى علم استحقاقه للخلافة وانعقادها له ضرورة شرعية والقادح في خلافته مقطوع بخطئه وتفسيقه، وهل يكفر أم لا؟ مختلف فيه، والأظهر: تكفيره لما استقر في الشريعة مما يدل على استحقاقه لها، وأنه أحق وأولى بها، سيما وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك، ولم يبق منهم مخالف في شيء مما جرى هنالك" (^١).
وما ذكره ﵀ في التشديد على من قال بالنص وتكذيبه يجري على أهل البدع من الشيعة وغيرهم من أهل أهواء.
وأما من ذهب إلى ذلك من أهل السنة فحاشاهم من ذلك، وغاية الأمر أنهم قد أخطأوا في اجتهادهم، فلا يلامون على ذلك (^٢).
وقال المازري في هذه المسألة: "أما غلو الشيعة في قولهم بأن عليًّا - ﵁ - وصي النبي - ﷺ - فباطل لا أصل له، وأما الصديق - ﵁ - فإذا أثبتنا ولايته باتفاق الصحابة عليه على وجه يوجب إمامته، فإن المحققين من أئمتنا أنكروا أن يكون ذلك بنص قاطع منه - ﷺ - على إمامته، وقالوا: لو كان النص عند الصحابة لم يقع منها ما وقع عند إقامته والعقد له، ولا كان ما كان من الاختلاف فدل ذلك على أنه رأي منهم وقع فيه تردد من طائفة ثم استقر الأمر، فانجزم الرأي عليه، ويجعل هؤلاء ما وقع في هذا الحديث: "ويأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكر" (^٣) مع ما وقع من
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢٤٩).
(٢) انظر: الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة للدكتور عبد الله الدميجي ص (١٣٠).
(٣) رواه البخاري في كتاب المرضى باب ما رخص للمريض أن يقول ح ٥٦٦٦ (١٠/ ١٢٨)، =
[ ٧٢٠ ]
أمثاله من الظواهر التي لا تبلغ النص الجلي القاطع الذي لا يسوغ خلافه ولا الاجتهاد معه" (^١).
_________________
(١) = ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر الصديق ﵁ ح ٢٣٨٧ (١٥/ ١٦٣).
(٢) المعلم (٣/ ١٣٧).
[ ٧٢١ ]
المبحث الثاني البيعة
قال القرطبي: "البيعة: مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايع يلتزم للإمام أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسه وماله لله تعالى، وقد وعد الله تعالى على ذلك بالجنة، فكأنه قد حصلت له المعاوضة فصدق على ذلك اسم البيع والمبايعة والشراء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^١) ثم هي واجبة على كل مسلم لقوله - ﷺ -: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (^٢) (^٣).
وبيَّن القرطبي أنه لا يكتفى في البيعة بعقد اللسان فقال: "البيعة لا يكتفى فيها بمجرد عقد اللسان فقط، بل لابد من الضرب باليد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (^٤) ولكن ذلك للرجال فقط (^٥). أي للرجال من أهل الحل والعقد، وإلَّا فعامة الناس يكتفى منهم بانعقاد قلوبهم على البيعة، وقد بيَّن القرطبي هذا في موضع آخر فقال: "من كان من أهل الحل والعقد والشهرة، فبيعته بالقول، والمباشرة باليد إن كان حاضرًا، أو بالقول والإشهاد عليه إن كان غائبًا، ويكفي من لا يؤبه له ولا يعرف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ١١١.
(٢) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال ح ١٨٥١ (١٢/ ٤٨٢).
(٣) المفهم (٤/ ٤٤).
(٤) سورة الفتح، الآية: ١٠.
(٥) المفهم (٤/ ٥٢).
[ ٧٢٢ ]
ويسمع ويطيع له في السر والجهر، ولا يعتقد خلافًا لذلك فإن أضمره، فمات مات ميتة جاهلية؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة" (^١).
ومن شروط البيعة أن تكون لإمام واحد فلا تنعقد لإمامين لقوله - ﷺ -: "إذا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" (^٢) وقال: "فوا ببيعة الأول فالأول" (^٣).
قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "هذا دليل على وجوب الوفاء ببيعة الأول وسكت في هذا الحديث عما يحكم به على الآخر، وقد نص عليه في الحديث الآتي حيث قال: "فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر" (^٤) وفي رواية: "فاضربوه بالسيف كائنًا من كان" وهذا الحكم مجمع عليه عند تقارب الأقطار، وإمكان استقلال واحد بأمور المسلمين وضبطها فأما لو تباعدت الأقطار وخيف ضيعة البعيد من المسلمين، ولم يتمكن الواحد من ضبط أمور من بَعُدَ عنه فقد ذكر بعض الأصوليين: أنهم يقيمون لأنفسهم واليًا يدبرهم ويستقل بأمورهم قلت: ويمكن أن يقال: إنهم يقيمون من يدبر أمورهم على جهة النيابة عن الإمام الأعظم، لا أنهم يخلعون الإمام المتقدم حكمًا، ويولون هذا بنفسه مستقلًا، هذا ما لا يوجد نصًّا عن أحد ممن يعتبر قوله. والذي يمكن أن يفعل مثل هذا إذا تعذر الوصول إلى الإمام الأعظم أن يقيموا لأنفسهم من يدبرهم، ممن
_________________
(١) المفهم (٤/ ٤٤).
(٢) رواه مسلم في كتاب الإمارة باب إذا بويع لخليفتين ح ١٨٥٣ (١٢/ ٤٨٤).
(٣) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل ح ٣٤٥٥ (٦/ ٥٧١)، ومسلم في كتاب الإمارة باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول ح ١٨٤٢ (١٢/ ٤٧٣).
(٤) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول ح ١٨٤٤ (١٢/ ٤٧٤).
[ ٧٢٣ ]
يعترف للإمام بالسمع والطاعة فمتى أمكنهم الوصول إلى الإمام فالأمر له في إبقاء ذلك أو عزله. ثم للإمام أن يفوض لأهل الأقاليم البعيدة التفويض العام ويجعل للوالي عليهم الاستقلال بالأمور كلها لتعذر المراجعة عليهم، كما قد اتفق لأهل الأندلس وأقصى بلاد العجم.
فأما لو عقدت البيعة لإمامين معًا في وقت واحد في بلدين متقاربين فالإمامة لأرجحهما (^١).
_________________
(١) المفهم (٤/ ٤٩).
[ ٧٢٤ ]
المبحث الثالث شروط الإمام
والمبايعة في الإمامة العظمى لابد لها من شروط يجب أن تتوفر بالإمام كالقرشية والحرية وغيرها من الشروط التي ذكرها العلماء في كتبهم على خلاف بينهم في بعض هذه الشروط وقد اشترط القرطبي لتنصيب الإمام القرشية وحكى الإجماع على شرط الحرية وأما غيرها من الشروط فلم يتعرض لها.
١ - القرشية:
جاءت النصوص بحصر الخلافة في قريش، فقد قال - ﷺ -: "الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم" (^١) وقال - ﷺ -: "الناس تبع لقريش في الخير والشر" (^٢)، وقال - ﷺ -: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان" (^٣).
قال القرطبي بعد ذكره لهذه الأحاديث: "قوله: "الناس تبع لقريش في هذا الشأن" يعني به: شأن الولاية والإمارة (^٤) وذلك: أن قريشًا كانت
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب المناقب باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾ ح ٣٤٩٥ (٦/ ٦٠٨)، ومسلم في كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ح ١٨١٨ (١٢/ ٤٤١).
(٢) رواه مسلم في كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ح ١٨١٩ (١٢/ ٤٤٢).
(٣) رواه مسلم في كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ح ١٨٢٠ (١٢/ ٤٤٢).
(٤) والمقصود بهذا: الإمامة العظمى أما ما سواها فلا يدخل في هذه الأحاديث، قال القرطبي: "أجمعت الأمة على أن جميع الولايات تصح لغير قريش ما خلا الإمامة الكبرى فهي المقصودة بالحديث مطلقًا، وقد قدَّم النبي - ﷺ - غير قريش على قريش، فإنه قدَّم زيد بن =
[ ٧٢٥ ]
في الجاهلية رؤساء العرب وقادتها؛ لأنهم أهل البيت والحرم، حتى كانت العرب تسميهم: أهل الله وإليهم كانوا يرجعون في أمورهم، ويعتمدون عليهم فيما ينوبهم، ولذلك توقف كثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام قبل أن تدخل فيه قريش، فلما أسلموا ودخلوا فيه، أطبقت العرب على الدخول في الدين بحكم أنهم كانوا لهم تابعين ثم لما جاء الإسلام استقر أمر الخلافة والملك في قريش شرعًا ووجودًا، ولذلك قالت قريش يوم السقيفة للأنصار: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، وقال عمر في كلامه: إن هذا الأمر لا تعرفه الناس، إلَّا لهذا الحي من قريش، فانقادوا لذلك، ولم يخالف فيه أحد، وهو إجماع السلف والخلف، ولا اعتبار بقول النظام (^١) ولا ضرار بن عمرو (^٢) وأهل البدع من الخوارج وغيرهم، إذ قالوا بجواز صحتها لغير قريش؛ لأنهم إما مُكَفَّر وإما مُفسَّق، ثم إنهم مسبوقون بإجماع السلف ومحجوجون بهذه الأحاديث الكثيرة الشهيرة" (^٣).
وهذا الذي ذهب إليه القرطبي هو الذي عليه جماهير علماء المسلمين قاطبة، وحكى الإجماع عليه من قبل الصحابة والتابعين، وبه قال الأئمة الأربعة" (^٤).
_________________
(١) = حارثة وولده أسامة ومعاذ بن جبل، وقدَّم سالمًا مولى أبي حذيفة على الصلاة بقباء فكان يؤمهم وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهم من كبراء قريش" المفهم (٤/ ٧).
(٢) هو إبراهيم بن سيار بن هانيء البصري، أبو إسحاق أحد أئمة المعتزلة، توفي سنة (٢٣١). سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤١).
(٣) هو ضرار بن عمرو المعتزلي من كبار أئمة الاعتزال ثم خالفهم فكفروه وطردوه وتنسب إليه فرقة الضرارية توفي سنة (١٩٠ هـ). سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٤).
(٤) المفهم (٤/ ٥).
(٥) انظر: الإمامة العظمى للدميجي ص (٢٦٥).
[ ٧٢٦ ]
قال النووي بعد ذكره للأحاديث السابقة: "هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة والتابعين من بعدهم بالأحاديث الصحيحة" (^١).
٢ - الحرية:
ويشترط في الإمامة الحرية؛ لأن المملوك لا يحق له التصرف في شيء إلَّا بإذن سيده، فلا ولاية له على نفسه، فكيف تكون له الولاية على غيره، ووقته ليس ملكًا له، بل ملك لسيده. ولا شك أن في اشتراط القرشية ما يتضمن هذا الشرط.
وأما ما جاء في حديث أبي ذر - ﵁ - قوله: "إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف" (^٢).
فليس هذا معارضًا لاشتراط الحرية، قال القرطبي في شرح هذا الحديث: "وهذا منه - ﷺ - على جهة الإغياء على عادة العرب في تمكينهم المعاني وتأكيدها كما قال النبي - ﷺ -: "من بنى مسجدًا لله ولو مثل مفحص قطاة بنى الله تعالى له بيتًا في الجنة" (^٣) ومفحص قطاة لا يصلح لمسجد، وإنما هو تمثيل للتصغير على جهة الإنماء، فكأنه قال: أصغر ما يكون من المساجد. وعلى هذا التأويل لا يكون فيه حجة لمن استدل به على جواز
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم (١٢/ ٤٤١، ٤٤٢).
(٢) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء من غير معصية وتحريمها في المعصية ح ١٨٣٧ (١٢/ ٤٦٧).
(٣) رواه ابن ماجة في كتاب المساجد والجماعات، باب من بنى لله مسجدًا، وابن خزيمة في جماع أبواب فضائل المساجد وبنائها وتعظيمها، باب فضل المسجد، وإن صغر المسجد وضاق وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (١/ ١٢٤).
[ ٧٢٧ ]
تأمير العبد فيما دون الإمامة الكبرى، وهم بعض أهل الظاهر فيما أحسب، فإنه قد اتفق على أن الإمام الأعظم لابد أن يكون حرًّا وأمير الجيش والحرب في معناه، فإنها مناصب دينية يتعلق بها تنفيذ أحكام شرعية، فلا يصلح لها العبد؛ لأنه ناقص بالرق، محجور عليه، لا يستقل بنفسه ومسلوب أهلية الشهادة، والتنفيذ، فلا يصلح للقضاء، ولا للإمارة، وأظنُّ أن جمهور علماء المسلمين على ذلك" (^١).
"وهذا الذي ذكره القرطبي في توجيه الحديث اختاره الحافظ ابن حجر ونسبه إلى الخطَّابي" (^٢).
_________________
(١) المفهم (٤/ ٣٧)، والقول بتجويز تأمير العبد فيما دون الإمامة العظمى قال به بعض العلماء، وقد اختاره الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان (١/ ٢٧) وقيل في هذا الحديث: المقصود به ما سبق عليه الرق، فإطلاقه عليه باعتبار اتصافه به سابقا، كما أطلق الله تعالى لفظ اليتيم على البالغ في قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾ سورة النساء آية ٢، وقيل المراد به: المتغلب لا المختار. انظر: الإمامه العظمى للدميجي ص ٢٤٢.
(٢) فتح الباري (١٣/ ١٣١).
[ ٧٢٨ ]
الحكم في الإسلام تبعة ومسؤولية لم يشرع إلَّا لتحقيق أهداف وبلوغ مقاصد، وتحقيق هذه الأهداف وبلوغ هذه المقاصد مسؤولية مشتركة بين الحكام والمحكومين.
وبما أن الأمة أعطت الحاكم السلطة للسير بها نحو تحقيق هذه المقاصد، لذلك كان عليه من الواجبات ما ليس على غيره، لكنه لا يستطيع القيام وحده بتحقيق هذه المقاصد، مهما بلغ من القوة، لذلك أوجب الإسلام على المحكومين أيضًا واجبات وحقوقًا للإمام مقابل تلك الواجبات الملقاة على عاتقه (¬١).
١ - واجبات الإمام:
قال - ﷺ -: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلَّا حرم الله عليه الجنة" (^٢).
قال القرطبي: "الرعاية: الحفظ والصيانة، والغش: ضد النصيحة، وحاصله راجع إلى الزجر عن أن يضيع ما أُمر بحفظه، وأن يقصر في ذلك مع التمكن من فعل ما يتعين عليه" (^٣).
وعند قوله - ﷺ -: "اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما
_________________
(١) الإمامة العظمى للدميجي ص (٣٣٣).
(٢) رواه البخاري في كتاب الأحكام باب من استرعي رعية فلم ينصح ح (٧١٥٠) (١٣/ ١٣٥)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار ح ١٤٢ (٢/ ٥٢٤).
(٣) المفهم (١/ ٣٥٤).
[ ٧٢٩ ]
حملتم" (^١).
قال القرطبي: "يعني أن الله تعالى كلَّف الولاة العدل وحسن الرعاية وكلف المولى عليهم الطاعة وحسن النصيحة، فأراد أنه إن عصى الأمراء الله فيكم ولم يقوموا بحقوقكم فلا تعصوا الله أنتم فيهم، وقوموا بحقوقهم، فإن الله مجاز كل واحد من الفريقين بما عمل" (^٢).
وقد قال - ﷺ -: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته" (^٣).
قال القرطبي: "الراعي: هو الحافظ للشيء المراعي لمصالحه، وكل من ذكر في هذا الحديث قد كلف ضبط ما أسند إليه من رعيته، واؤتمن عليه، فيجب عليه أن يجتهد في ذلك وينصح ولا يفرط في شيء من ذلك، فإن وفَّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر، والأجر الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كل واحد من رعيته بحقه، فكثر مطالبوه وناقشه محاسبوه" (^٤).
٣ - حقوق الإمام:
للإمام حقٌّ على رعيته جاءت به النصوص من الكتاب والسنة؛ لأنه سبب انتظام الحياة وحصول المقاصد. قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب في طاعة الأمراء، وإن منعوا الحقوق ح ١٨٤٦ (١٢/ ٤٧٧).
(٢) المفهم (٤/ ٥٥).
(٣) رواه البخاري في كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق ح ٢٥٥٤ (٥/ ٢١٠)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل ح ١٨٢٩ (١٢/ ٤٥٤).
(٤) المفهم (٤/ ٢٧).
[ ٧٣٠ ]
الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^١). قال القرطبي: "أولوا الأمر في الآية هم الأُمراء، وهو أظهر من قول من قال: هم العلماء، قاله الحسن، ومالك، وله وجه وهو: أن الأمراء شرطهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراء النبي - ﷺ - وحينئذ تجب طاعتهم، فلو أمروا بما لا يقتضيه العلم حرمت طاعتهم، فإذًا: الحكم للعلماء والأمراء لهم بالأصالة، غير أنهم لهم الفتيا من غير جبر، وللأمير الفتيا والجبر، وهذان القولان أشبه ما قيل في هذه الآية" (^٢).
وقال - ﷺ -: "من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني" (^٣).
قال القرطبي: "كل من أطاع أمير رسول الله - ﷺ - فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، فينتج أن من أطاع أمير رسول الله - ﷺ -، فقد أطاع الله، وهو حق صحيح، وليس هذا الأمر خاصًّا بمن باشره رسول الله - ﷺ - بتولية الإمارة، بل هو عام في كل أمير للمسلمين عدل، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية" (^٤).
فلا خلاف في وجوب طاعة أمراء المسلمين سواء كان المأمور به موافقًا لنشاط الإنسان وهواه أو مخالفًا له، بل حتى لو استأثر الأمراء بالأموال دون الناس وجبت طاعتهم (^٥).
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(٢) المفهم (٤/ ٣٤).
(٣) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به ح ٢٩٥٧ (٦/ ١٣٥)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء من غير معصية، وتحريمها في المعصية ح ١٨٣٥ (١٢/ ٤٦٥).
(٤) المفهم (٤/ ٣٦).
(٥) المفهم (٤/ ٣٦، ٣٧).
[ ٧٣١ ]
قال - ﷺ -: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلَّا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (^١).
قال القرطبي: "هذا ظاهر في وجوب السمع والطاعة للأمراء، والقضاة، ولا خلاف فيه، إذا لم يأمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولًا واحدًا" (^٢).
وقوله - ﷺ -: "إنما الطاعة في المعروف" (^٣) يعني بالمعروف هنا: ما ليس بمنكر ولا معصية، فيدخل فيه الطاعات الواجبة والمندوب إليها، والأمور الجائزة شرعًا، فلو أمر بجائز لصارت طاعته فيه واجبة ولما حلَّت مخالفته (^٤).
وبيَّن أن شرط الطاعة بالاستطاعة المقصود به: أن رفع الحرج إذا وقعت المخالفة غلطًا أو سهوًا، أو غلبة ليس تسويغًا للمخالفة فيما يشق ويثقل مما يأمر به الإمام إذ جاءت الأحاديث بالنص على الطاعة مع وجود الثقل والمشقة (^٥).
فقيام كل من الحاكم والمحكوم بالحقوق التي عليه من أسباب صلاح المجتمع، وترك هذه الحقوق وتضييعها سبب للفساد والانحراف، ولذا قال - ﷺ -: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ح ٧١٤٤ (١٣/ ١٣٠)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية ح ١٨٣٩ (١٢/ ٤٦٨).
(٢) المفهم (٤/ ٣٨).
(٣) سبق تخريجه ص (٣٧٥).
(٤) المفهم (٤/ ٤١).
(٥) المفهم (٤/ ٤٦).
[ ٧٣٢ ]
وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم" (^١).
قال القرطبي: "قوله: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم" أي: تدعون لهم في المعونة على القيام بالحق والعدل، ويدعون لكم بالهداية والإرشاد وإعانتكم على الخير، وكل فريق يحب الآخر لما بينهم من التواصل والتراحم والشفقة والقيام بالحقوق، كما كان ذلك في زمن الخلفاء الأربعة، وفي زمان عمر بن عبد العزيز - ﵃ - ونقيض ذلك في الشرار لترك كل فريق منهما القيام بما يجب عليه من الحقوق للآخر، ولاتباع الأهواء والجور والبخل والإساءة فينشأ عن ذلك التباغض والتلاعن وسائر المفاسد" (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب خيار الأمة وشرارهم ح ١٨٥٥ (١٢/ ٤٨٦).
(٢) المفهم (٤/ ٦٥).
[ ٧٣٣ ]
المبحث الخامس الموقف من الأئمة
قد سبق بيان وجوب طاعة الإمام في غير المعصية، وأن طاعته من طاعة الله ﷿.
وعدم طاعته في معصية الله أيضًا محل اتفاق بين العلماء. لكن الخلاف في مسألة الخروج على الأئمة ومتى يكون ذلك؟ . إذ جاءت الأحاديث الكثيرة بالدعوة إلى الصبر على جور الحكام، وعدم نزع اليد من طاعتهم، والنهي عن الخروج عليهم. والأمر المتفق عليه بين العلماء هو الخروج عليهم حال كفرهم كما قال عبادة بن الصامت - ﵁ -: "بايعنا - أي: رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" (^١).
قال القرطبي: "بواحًا من باح الرجل بالشيء يبوح به بوحًا وبواحًا: إذا أظهره وقوله: "عندكم من الله فيه برهان" أي: حجة بينة وأمر لا شك فيه، يحصل به اليقين أنه كفر فحينئذ يجب أن يخلع من عقدت له البيعة" (^٢).
وقال في موضع آخر: "لا تجوز طاعة الإمام في المعصية، وإن كانت هذه المعصية كفرًا، وجب خلعه على المسلمين كلهم، وكذلك لو
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ -: "سترون بعدي أمورًا تنكرونها"ح ٧٠٥٦ (١٣/ ٧)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية ح ١٨٤٠ (١٢/ ٤٧٠).
(٢) المفهم (٤/ ٤٥).
[ ٧٣٤ ]
ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين كإقامة الصلاة، وصوم رمضان، وإقامة الحدود، ومنع ذلك، وكذلك لو أباح شرب الخمر والزنى، ولم يمنع منها لا يختلف في وجوب خلعه" (^١).
وهذا القول هو الصحيح إذ الكفر سبب لخلع الحاكم بأي طريقة ممكنة، وترك العمل بكتاب الله تعالى جاء النص بأنه سبب لخلع الحاكم والخروج عن طاعته، قال لمجفه: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله" (^٢). وإباحة شرب الخمر والزنى وترك إقامة الصلاة، أو الصيام، والمنع من ذلك كلها صور للكفر بالله تعالى، وترك العمل بكتابه. فالخلاف الذي وقع بين العلماء ليس في الصور السابقة، إنما فيما يكون دون الكفر، كالفسق والظلم ونحوها.
فالقرطبي ذهب إلى عدم الخروج على الإمام الظالم والفاسق، حيث قال: "متى أجمع المسلمون على إمام فلا يخرج عليه، وإن جار فتشهد مع أئمة الجور الصلوات والجماعات والجهاد، والحج، وتجتنب معاصيهم ولا يطاعون فيها" (^٣).
وعند قوله - ﷺ -: "يهلكُ أُمتي هذا الحيُّ من قريش" قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "لو أن الناس اعتزلوهم" (^٤).
قال القرطبي: "هذا فيه دليل على إقرار أئمة الجور، وترك الخروج
_________________
(١) المفهم (٤/ ٣٩).
(٢) رواه البخاري في كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى ح ٦٩٣ (٢/ ٢١٦).
(٣) المفهم (٤/ ٥٧)، وانظر: (٤/ ٦٦).
(٤) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة ح ٣٦٠٤ (٦/ ٧٠٨)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت مما يرى من البلاء ح ٢٩١٧ (١٨/ ٢٥٦).
[ ٧٣٥ ]
عليهم، والإعراض عن هنات ومفاسد تصدر منهم، وهذا ما أقاموا الصلاة، ولم يصدر منهم كفر بواح عندنا من الله فيه برهان" (^١).
وقال المازري: "الإمام العدل: لا يحل الخروج عليه باتفاق، والإمام إذا فسق وجار، فإن كان فسقه كفرًا، وجب خلعه، وإن كان ما سواه من المعاصي فمذهب أهل السنة أنه لا يخلع، واحتجوا بظاهر الأحاديث، وهي كثيرة، ولأنه قد يؤدي خلعه إلى إراقة الدماء، وكشف الحريم، فيكون الضرر بذلك أشد من الضرر به، وعند المعتزلة أنه يخلع، وهذا في إمام عقد له على وجه يصح ثم فسق وجار، وأما المتغلبون على البلاد فالكلام فيهم يتسع وليس هذا موضعه" (^٢).
وهذا الذي ذهب إليه القرطبي والمازري هو الذي عليه أكثر علماء أهل السنة، بل قد حكى النووي الإجماع عليه (^٣)؛ لأن الخروج على الأئمة يؤدي إلى الفتنة والنصوص الكثيرة قد جاءت في النهي عن القتال في الفتنة، قال ابن تيمية: "ولهذا استقر رأي أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - ﷺ -، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم" (^٤).
_________________
(١) المفهم (٧/ ٢٥٤).
(٢) المعلم (٣/ ٣٥).
(٣) شرح مسلم للنووي (١٢/ ٤٦٩).
(٤) منهاج السنة (٢/ ٢٤١).
[ ٧٣٦ ]
الفصل الثالث الصحابة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: مكانة الصحابة وفضلهم
المبحث الثاني: عدالتهم وعظم الطعن فيهم
المبحث الثالث: الموقف مما وقع بينهم
[ ٧٣٧ ]
المبحث الأول مكانة الصحابة وفضلهم
قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ الآية (^١). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (^٢)، وقال - ﷺ -: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " (^٣).
قال القرطبي: "من المعلوم الذي لا يُشك فيه: أن الله تعالى اختار أصحاب نبيه لنبيه - ﷺ -، ولإقامة دينه، فجميع ما نحن فيه من العلوم والأعمال والفضائل والأحوال، والمتملكات، والأموال، والعز، والسلطان، والدين، والإيمان، وغير ذلك من النعم التي لا يحصيها لسان، ولا يتسع لتقديرها زمان، إنما كان بسببهم، ولما كان ذلك وجب علينا الاعتراف بحقوقهم، والشكر لهم على عظيم أياديهم قيامًا بما أوجب الله تعالى من شكر المنعم، واجتنابًا لما حرَّمه من كفران حقه، هذا مع ما تحققناه من ثناء الله تعالى عليهم، وتشريفه لهم ورضاه عنهم كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (^٤) وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
_________________
(١) سورة الفتح، الآية: ٢٩.
(٢) سورة الفتح، الآية: ١٨.
(٣) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، ورضي عنهم ح ٣٦٥١ (٥/ ٧)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ح ٢٥٣٣ (١٦/ ٣١٨).
(٤) سورة الفتح، الآيات: ١٨ - ٢٩.
[ ٧٣٩ ]
وَالْأَنْصَارِ﴾ (^١)، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (^٢) إلى غير ذلك" (^٣).
"فإنهم ﵃ لم يزالوا على أعمال أهل الجنة من أمور الدين ومراعاة أحواله والتمسك بأعمال البر والخير إلى أن توفوا على ذلك، ومن وقع منهم في معصية أو مخالفة لجأ إلى التوبة، ولازمها حتى لقي الله تعالى عليها يُعلمُ ذلك قطعًا من أحوالهم من طالع سيرهم وأخبارهم" (^٤).
"فعيشهم ﵃ لم يزل شديدًا وجهدهم جهيدًا حتى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عندهم صابرين على شدة عيشهم، معرضين عن الدنيا وزهرتها، ولذاتها مقبلين على الآخرة، ونعيمها، وكراماتها، فحماهم الله ما رغبوا عنه، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه، حشرنا الله في زمرتهم، واستعملنا بسنتهم" (^٥).
وقال المازري: "من المعلوم ضرورة تدين الصحابة - ﵃ - ومبادرتهم إلى الطاعات، والقرب، ورغبتهم - ﵃ - في الخير" (^٦).
تفضيل الصحابة على من بعدهم:
قال - ﷺ -: "لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (^٧).
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ١٠٠.
(٢) سورة الحشر، الآية: ٨.
(٣) المفهم (٦/ ٤٩٢).
(٤) المفهم (٦/ ٤٤٢).
(٥) المفهم (٥/ ٣٠٥). وانظر: (١/ ٣٣٧، ٣/ ٦٤٧، ٤/ ٢٤٢، ٥/ ٤٧٧).
(٦) انظر: المعلم (٣/ ١٥٠).
(٧) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -: "لو كنت متخذًا خليلًا" (ح ٣٦٧٣) (٧/ ٢٥)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة رضي =
[ ٧٤٠ ]
هذا الحديث وما سبق ذكره عن بيان فضل الصحابة ومكانتهم يدل على تفضيل الصحابة - ﵃ - على كل من جاء بعدهم ففضل الصحبة لا يعادله شيء، وهذا هو الذي ذهب إليه جمهور العلماء من السلف والخلف، قال ابن تيمية: "قال غير واحد من الأئمة: أن كل من صحب النبي - ﷺ - أفضل ممن لم يصحبه مطلقًا" (^١).
وهذا هو الذي رجَّحه القرطبي عند شرحه لقوله - ﷺ -: "وددت أنَّا قد رأينا إخواننا" قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد" (^٢). حيث قال: "قد أخذ أبو عمر ابن عبد البر - ﵀ - من هذا الحديث ومن قوله - ﷺ -: "إن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على إلى جمر للعامل فيهن أجر خمسين منكم" (^٣) أنه يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صحب النبي - ﷺ - ورآه ولو مرة من عمره أفضل من كل من يأتي بعدُ، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يصار لغيره لأمور:
أولها: مزية الصحبة ومشاهدة رسول الله - ﷺ -.
وثانيها: فضيلة السبق للإسلام.
وثالثها: خصوصية الذَّب عن حضرة رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) = الله عنهم ح ٢٥٤٠ (١٦/ ٣٢٦).
(٢) الفتاوى (٤/ ٥٢٧).
(٣) رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء ح ٢٤٩ (٣/ ١٤٠).
(٤) رواه الترمذي في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة، وابن ماجة في كتاب الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص (٣٤٦) رقم الحديث (٢٣٤٤).
[ ٧٤١ ]
ورابعها: فضيلة الهجرة والنصرة.
وخامسها: ضبطهم للشريعة وحفظها عن رسول الله - ﷺ -.
وسادسها: تبليغها لمن بعدهم.
وسابعها: السبق في النفقة في أول الإسلام.
وثامنها: أن كل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة إلى يوم القيامة فحظهم منه أكمل حظ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سنوا سنن الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال - ﷺ -: "من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (^١) ولا شك في أنهم الذين سنُّوا جميع السُّنن وسابقوا إلى المكارم، ولو عُدِّدت مكارمهم وفُسِّرت خواصهم وحُصرت لملأت أسفارًا، ولكلت الأعين بمطالعتها حيارى.
وعن هذه الجملة قال - ﷺ - فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة - يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا - فجعلهم أصحابي" وقال: "في أصحابي كلهم خير" (^٢) وكذلك قال: "اتقوا الله في أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه" (^٣) وكفى من ذلك كله ثناء الله تعالى عليهم جملة وتفصيلًا وتعيينًا وإبهامًا، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم، فأما استدلال المخالف بقوله - ﷺ -: "إخواننا" فلا حجة فيه؛ لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ح ١٠١٧ (٧/ ١٠٧).
(٢) الحديث عند الطبري في صريح السنة ص (٢٣)، ومجمع الزوائد للهيثمي (١٠/ ١٦)، وذكره أبو إسحاق الحويني في كتابه النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة ص (٧٢). ولم أجده عند البزار كما ذكر القرطبي.
(٣) سبق تخريجه ص (٧٤٠).
[ ٧٤٢ ]
الأخوة الحظ الأوفر؛ لأنها الأخوة اليقينية العامة، وانفردت الصحابة بخصوصية الصحبة. وأما قوله: "للعامل منهم أجر خمسين منكم" فلا حجة فيه؛ لأن ذلك - إن صح - إنما هو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال - ﷺ - في آخره: "لأنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون" (^١) ولا بُعد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث، والله أعلم" (^٢).
المفاضلة بين الصحابة:
لقد دلَّت نصوص الشرع على وقوع التفاضل بين الصحابة - ﵃ - قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ (^٣). وهذا التفضيل لا يفضي إلى تنقيص المفضول إذ ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٤). وقال ابن عمر - ﵁ -: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي - ﷺ - فخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان" (^٥) فأهل السنة على إثبات التفاضل بين الصحابة - ﵃ - وتفاوتهم في الفضيلة، فهم يقدمون الصديق ﵁ ثم عمر على غيرهم من الصحابة، وهذا أمر
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٧٤١).
(٢) المفهم (١/ ٥٠١).
(٣) سورة الحديد، الآية: ١٠.
(٤) سورة التوبة، الآية: ١٠٠.
(٥) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر بعد النبي - ﷺ - (٣٦٥٥) (٧/ ٢٠).
[ ٧٤٣ ]
متفق عليه بين أهل السنة. قال عمرو بن العاص ﵁: "سألت النبي - ﷺ - من أحب الناس إليك قال: "عائشة" قلت من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر بن الخطاب" فعد رجالًا (^١).
وقال علي بن أبي طالب - ﵁ - وهو واقف على عمر في سرير موته بعد أن ترحم عليه: "ما خلفت أحدًا أحب إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كثيرًا أسمع النبي - ﷺ - يقول: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" (^٢).
قال ابن تيمية: "أما تفضيل أبي بكر ثم عمر على عثمان وعلي فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين من الصحابة والتابعين وتابعهم" (^٣).
أما عثمان وعلي - ﵄ - فقد وقع اختلاف يسير في تقديم أحدهما إلَّا أن الأمر استقر بعد ذلك على تقديم عثمان - ﵁ - قال يحيى بن سعيد (^٤): "من أدركت من أصحاب النبي - ﷺ - والتابعين
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -: "لو كنت متخذًا خليلًا" ح (٣٦٦٢) (٧/ ٢٢). ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ - ح ٢٣٨٤ (١٥/ ١٦٣).
(٢) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب ﵁ ح (٣٦٨٥) (٧/ ٥١)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر - ﵁ - ج ٢٣٨٩ (١٥/ ١٦٧).
(٣) الفتاوى (٤/ ٤٢١).
(٤) هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري، عالم المدينة في زمانه، وتلميذ الفقهاء السبعة، سمع من بعض الصحابة وحدث عنهم توفي سنة (١٤٤ هـ). تهذيب التهذيب (٤/ ٣٦٠)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٦٨).
[ ٧٤٤ ]
لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما إنما كان الاختلاف في علي وعثمان" (^١).
قال - ابن تيمية: "مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي - ﵄ - بعد اتفاقهم على تقدير أبي بكر وعمر أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان: وسكتوا أو ربعوا بعلي وقدم قوم عليًّا وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة" (^٢).
وهذا هو القول الحق وهو الذي اختاره القرطبي - ﵀ - ونصره حيث قال: "إذا قلنا إن أحدًا من الصحابة - ﵃ - فاضل فمعناه أن له منزلة شريفة عند الله تعالى، وهذا لا يتوصل إليه بالعقل قطعًا، فلابد أن يرجع ذلك إلى النقل، والنقل إنما يتلقى من الرسول - ﷺ -، فإذا أخبرنا الرسول - ﷺ - بشيء من ذلك تلقيناه بالقبول، فإن كان قطعيًا حصل لنا العلم بذلك، وإن لم يكن قطعيًا كان كسبيل المجتهدات على ما تقدم وعلى ما ذكرناه في الأصول، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة ذلك إلَّا بالخبر فالمقطوع بفضله وأفضليته بعد رسول الله - ﷺ - عند أهل السنة هو الذي يقطع به من الكتاب والسنة، أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق، ولم يختلف في ذلك أحد من أئمة السلف، ولا الخلف، ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته،
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٨/ ١٤٤٩)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٤٧٣).
(٢) العقيدة الواسطية لابن تيمية ضمن الفتاوى (٣/ ١٥٣)، وانظر: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ٢١٤)، وفتح الباري لابن حجر - ﵀ - (٧/ ٣٤).
[ ٧٤٥ ]
وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته، وتدحض حجته، وقد اختلف أئمة أهل السنة في علي وعثمان ﵄، فالجمهور منهم على تقديم عثمان وقد رُوي عن مالك أنه توقف في ذلك ورُوي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور وهو الأصح إن شاء الله والمسألة اجتهادية لا قطعية ومستندها الكلي أن هؤلاء الأربعة: هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيه ولإقامة دينه فمراتبهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة إلى ما ينضاف إلى ذلك بما يشهد لكل واحد منهم من شهادات النبي - ﷺ - له بذلك تأصيلًا وتفصيلًا (^١).
والمازري ﵀ تكلم في هذه المسألة وذكر الأقوال فيها وبين ما حصل من خلاف في بعض تفاصيلها، ولكنه لم يرجح ولم يبد رأيه فيها بل اكتفى بما نقله من أقوال" (^٢).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢٣٧).
(٢) انظر: المعلم (٣/ ١٣٧، ١٣٨).
[ ٧٤٦ ]
المبحث الثاني عدالتهم وعظم الطعن فيهم
الصحابة - ﵃ - كلهم عدول لأن الله تعالى اختارهم واصطفاهم لصحبة نبيه - ﷺ -.
قال القرطبي: "الصحابة ﵃ لا فرق بين إسنادهم وإرسالهم إذ الكل عدول على مذهب أهل الحق فلا خلاف في قبول مراسيل الصحابة؛ لأنه عدول" (^١). فالأصل فيهم - ﵃ - صحة الإيمان والعدالة (^٢).
وقال المازري: "مذهب أفاضل العلماء أن ما وقع من الأحاديث القادحة في عدالة بعص الصحابة والمضيفة إليهم ما لا يليق بهم، فإنها ترد ولا تقبل إذا كان رواتها غير ثقات، فإن أحب بعض العلماء تأويلها قطعًا للشغب ترك ورأيه، وإذا رواها الثقات تؤولت على الوجه اللائق بهم إذا أمكن التأويل ولا يقع في روايات الثقات إلَّا ما يمكن تأويله" (^٣).
فالصحابة - ﵃ - لا يذمُّهم ولا يطعن فيهم إلَّا من هو متهم على دين الإسلام لأنهم - ﵃ - حملة الشريعة ونقلة الملة، ولذا فالطعن فيهم أو تنقيصهم أو أحد منهم من منهج أهل الضلال والبدع.
قال القرطبي: "من تعرض لسبهم وجَحَدَ عظيم حقهم فقد انسلخ من الإيمان، وقابل الشكر بالكفران إذ لا خلاف في وجوب
_________________
(١) المفهم (١/ ١٢٢) بتصرف يسير.
(٢) المفهم (١/ ٤٦٩).
(٣) المعلم (٣/ ١٤١).
[ ٧٤٧ ]
احترامهم وتحريم سبهم، ولا يختلف في أن من قال: إنهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يُقتل؛ لأنه أنكر معلومًا ضرويًّا من الشرع فقد كذب الله ورسوله فيما أخبرا به عنهم، وكذلك الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة أو ضللهم وهل حكمه حكم المرتد فيستتاب؟ أو حكم الزنديق فلا يستتاب ويقتل على كل حال؟ هذا مما يختلف فيه، فأما من سبهم بغير ذلك، فإن كان سبًّا يوجب حدًّا كالقذف حُدَّ حدّه ثم ينكل التنكيل الشديد من الحبس والتخليد فيه، والإهانة ما خلا عائشة - ﵂ - فإن قاذفها يقتل؛ لأنه مكذب لما جاء في الكتاب والسنة من براءتها، قاله مالك وغيره، واختلف في غيرها من أزواج النبي - ﷺ - فقيل: يُقتل قاذفها؛ لأن ذلك أذى للنبي - ﷺ - وقيل: يحدُّ وينكل كما ذكرناه على قولين، وأما من سبهم بغير القذف، فإنه يجلد الجلد الموجع وينكل التنكيل الشديد" (^١).
وعامة من اشتهر بذلك من أهل البدع الروافض، الذين كفروا عامة الصحابة - ﵃ - ولم يستثنوا إلَّا نفرًا قليلًا منهم، قال القرطبي في الرد عليهم وبيان حكمهم: "فأما الروافض ففد كفروا الصحابة كلهم؛ لأنهم عندهم تركوا العمل بالحق الذي هو النص على عليٍّ - ﵁ - واستخلفوا غيره بالاجتهاد، ومنهم من كقر عليًّا - ﵁ -؛ لأنه لم يطلب حقه، وهؤلاء لا يشكّ في كفرهم؛ لأن من كفَّر الأمة كلها، والصدر الأول، فقد أبطل نقل الشريعة، وهدم الإسلام، وأما غيرهم من الفرق، فلم يرتكب أحد منهم هذه المقالة الشنعاء القبيحة القصعاء، ومن ارتكبها منهم ألحقناه بمن تقدم في التكفير ومأواه جهنم وبئس المصير" (^٢).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٤٩٣)، وانظر: (٦/ ٤٩٤، ٤٩٥، ٧/ ٤٠٧).
(٢) المفهم (٦/ ٢٧٣).
[ ٧٤٨ ]
المبحث الثالث الموقف مما وقع بينهم
كل ما سبق بيانه من فضل الصحابة - ﵃ - ومكانتهم، وبيان عدالتهم وعظم الطعن فيهم، يبين لنا الموقف مما وقع بينهم من فتن؛ إذ قد نص أهل السنة على السكوت عما شجر بينهم، وبيان أن الجميع مجتهد: فمصيبتهم له أجران ومخطئهم له أجر واحد (^١).
وهذا هو الذي سلكه القرطبي والمازري رحمهما الله. إذ بيَّن القرطبي أن الخلاف الذي وقع بينهم إنما هو بسبب حرصهم على الخير وشدة تمسكهم بالحق، فقال: "الصحابة - ﵃ - لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون في القيام بالحق، وإن أدى إلى العظائم، وهذا هو أعظم الأسباب التي أوجبت الاختلاف بينهم، حتى أدى ذلك إلى الحروب العظيمة والخطوب الجسيمة، فإن كل طائفة كانت ترى أنها المصيبة المحقة، ومخالفتها المخطئة، فإنها كانت أمورًا اجتهادية، ولم يكن فيها نصوص قطعية" (^٢).
وقال أيضًا في بيان الموقف الحق مما وقع بينهم: "والذي عليه جماعة أهل السنة والخق حسن الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وطلب أحسن التأويل لفعلهم، وأنهم مجتهدون غير قاصدين للمعصية، والمجاهرة بذلك، وطلب حب الدنيا، بل كلُّ عملٍ على شاكلته وبحسب ما أدَّاه إليه اجتهاده، لكن منهم المخطئ في اجتهاده، ومنهم المصيب،
_________________
(١) انظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ص (٢٩٤)، والإمامة والرد على الرافضة للأصبهاني ص (٣٦٣)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٢٤).
(٢) المفهم (٦/ ٦٢٠).
[ ٧٤٩ ]
وقد رفع الله تعالى الحرج عن المجتهد المخطئ في فروع الدين، وضعف الأجر للمصيب، وقد توقف الطبري وغيره عن تعيين المحق منهم وعند الجمهور: أن عليًّا وأشياعه مصيبون في ذبهم عن الإمامة وقتالهم من نازعهم فيها إذ كان أحق الناس بها وأفضل من على الأرض حينئذ، وغيره تأول وجوب القيام بتغيير المنكر في طلب قتلة عثمان الذين في عسكر عليٍّ - ﵁ - وأنهم لا يعطون بيعة ولا يعقدون إمامة، حتى يقضوا ذلك، ولم يطلبوا سوى ذلك، ولم ير هو دفعهم إذ الحكم فيهم إلى الإمام وكانت الأمور لم يستقر استقرارها، ولا اجتمعت الكلمة بعد، وفيهم عدد، ولهم شوكة ومنعة، ولو أظهر تسليمهم أولًا، أو القصاص لاضطرب الأمر وانبثَّ الحَبْلُ، ومنهم جماعة لم يروا الدخول في شيء من ذلك محتجين بنهي النبي - ﷺ - عن التلبس بالفتن، والنهي عن قتال أهل الدعوة وعذروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية فيقاتلوها" (^١).
وبين أن ما وقع بينهم لا يجيز وصف أحدهم بالفسق، أو الابتداع، بل كل منهم مجتهد عمل على حسب ظنه، وهم في ذلك على ما أجمع عليه المسلمون في المجتهدين من القاعدة المعلومة: وهي أن كل مجتهد مأجور غير مأثوم" (^٢).
وبيَّن أنه لا خلاف أن علي - ﵁ - هو الإمام العدل، وأنه أفضل من معاوية، ومن كل من كان معه (^٣).
وكذلك المازري بين أن الخلاف الذي وقع بين علي ومعاوية ومن
_________________
(١) المفهم (٧/ ٢١٢).
(٢) المفهم (١/ ١٢٣).
(٣) المفهم (٣/ ١١٦).
[ ٧٥٠ ]
معهما من الصحابة -﵃ أجمعين- لا يقتضي تكفير إحدى الطائفتين أو تفسيقها" (^١).
الدفاع عن صحابة بأعيانهم:
تبين لنا فيما سبق المنهج السوي والموقف المرضي مما وقع بين الصحابة -﵃- وذلك لئلا يطعن أحد في نزاهتهم أويشك في صدقهم، فهم صفوة هذه الأمة، وأعلامها، وقادتها، ونقلة ملتها، فالطعن فيهم أو في أحدهم من علامات أهل البدع، ومناهج أهل الأهواء، فنأخذ جميل أفعالهم، ونقتدي بها، وهو الكثير العام، ونغض الطرف عما وقعوا فيه من الأخطاء والذنوب التي وقعوا فيها بمقتضى البشرية، فغمرت هذه الزلات في بحر الإحسان والطاعات، قال ابن قدامة: "ومن السنه، تولي أصحاب رسول الله -ﷺ- ومحبتهم وذكر محاسنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم" (^٢).
وقال أبو نعيم الأصبهاني: "فالواجب على المسلمين في أصحاب رسول الله -ﷺ- إظهار ما مدحهم الله تعالى به وشكرهم عليه من جميل أفعالهم وجميل سوابقهم، وأن يغضوا عما كان منهم في حال الغضب والإغفال وفرط منهم عند استزلال الشيطان إياهم فإن الهفوة والزلل والغضب والإفراط لا يخلو منه أحد" (^٣).
وهذا المنهج العسوي هو الذي سلكه القرطبي -﵀- فدافع عن الصحابة عمومًا ونافح عن بعضهم على وجه الخصوص خصوصًا من
_________________
(١) المعلم (٢/ ٢٦).
(٢) لمعة الاعتقاد ص (٣٢).
(٣) الإمامة والرد على الرافضة ص (٣٤١، ٣٤٢).
[ ٧٥١ ]
كان عرضة منهم لأهل البدع والأهواء.
ومن هؤلاء الذين دافع عنهم بأعيانهم:
١ - علي بن أبي طالب -﵁-:
قال القرطبي في الاعتذار له عن تأخره في مبايعة الصديق -﵁-: "لا يظن بعلي أنه خالف الناس في البيعة لكنه تأخر عن الناس لمانع منعه، وهو الموجدة التي وجدها حين استُبدَّ بمثل هذا الأمر العظيم، ولم يُنتظر مع أنه كان أحق الناس بحضوره وبمشورته، لكن العذر للمبايعين لأبي بكر على ذلك الاستعجال مخافة ثوران الفتنة بين المهاجرين والأنصار، كما هو معروف في حديث السقيفة، فسابقوا الفتنة، فلم يتأت لهم انتظاره لذلك، وقد جرى بينهم في هذا المجلس (^١) من المحاورة والمكالمة والإنصاف ما يدل: على معرفة بعضهم بفضل بعض وأن قلوبهم متفقة على احترام بعضهم لبعض ومحبة بعضهم لبعض ما يَشْرَقُ به الرافضي اللعين وتُشْرِق به قلوب أهل الدين" (^٢).
وقال في رده على الشيعة فيما نسبوه إلى علي -﵁- من بغضٍ للشيخين وعداءٍ لهما، وحاشاه -﵁- من ذلك: هذا الحديث (^٣) ردٌّ من علي -﵁- على الشيعة فيما ينقولونه عليه من بغضه للشيخين ونسبته إياهما إلى الجور في الإمامة وأنهما غصباه، وهذا كله كذب وافتراء، عليُّ -﵁- منه براء بل المعلوم من حاله معهما تعظيمه ومحبته لهما واعترافه بالفضل لهما عليه وعلى غيره
_________________
(١) وهو ما أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر ح (٤٢٤٠، ٤٢٤١) (٧/ ٥٦٤)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي -ﷺ-: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة"ح ١٧٥٨ (١٢/ ٣٢٠).
(٢) المفهم (٣/ ٥٧٠).
(٣) وهو حديث ثناء علي على عمر ﵄ عند موته وقد سبق تخريجه ص (٧٤٤).
[ ٧٥٢ ]
وحديثه هذا ينص على هذا المعنى، وقد تقدم ثناء عليٍّ على أبي بكر -﵄- واعتذاره عن تخلفه عن بيعته وصحة مبايعته له، وانقياده له، مختارًا طائعًا سرًّا وجهرًا، وكذلك فعل مع عمر -﵃ أجمعين- وكل ذلك يكذب الشيعة والروافض في دعواهم لكن الهوي والتعصب أعماهم" (^١).
وكذلك رد على من نسب إلى عليٍّ -﵁- الإعانة على قتل "عثمان -﵁- أو التقصير في نصرته حيث قال: "بنو أمية (^٢)
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢٥٢).
(٢) أرى القرطبي ﵀، تحامل على بني أمية وذمهم وقدح فيهم، وبالغ في ذلك ومما لا شك فيه أنهم مع ما لهم من المساوئ إلَّا أن لهم من المحامد: من نصرة الإسلام، ونشر دين الله في شتى البلاد ما لا يخفى، ولكن لقرب عهدهم بالخلافة الراشدة، بانت عيوبهم، وظهرت، كما أنَّ أكثر المصادر قد كتبت في عهد العباسيين فشحنت أكثرها بروايات مدسوسة للنيل من هؤلاء الخلفاء، والتشنيع عليهم. قال القرطبي في ذمهم بعدما ذكر فضائل آل البيت وحقوقهم: ومع ذلك فقد قابل بنو أمية عظم هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق، فسفكوا من أهل البيت دماءهم وسبوا نساءهم وأسروا صغارهم، وخربوا ديارهم، وجحدوا شرفهم، وفضلهم، واستباحوا سبهم، ولعنهم، فخالفوا رسول الله -ﷺ- في وصيته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فواخجلهم إذا وقفوا بين يديه، ويا فضيحتهم يوم يعرضون عليه. المفهم (٦/ ٣٠٤)، وانظر (٦/ ٣١٠). وقال أيضًا: "فيزيد -بن معاوية- واكثر ولاته ومن بعده من خلفاء بني أمية هم الذين يصدق عليهم أنهم "دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها" فإنهم لم يسيروا بالسواء ولا عدلوا في القضاء، يدل على ذلك تصفح أخبارهم، ومطالعة سيرهم، ولا يعترض على هذا بمدة خلافة عمر بن عبد العزيز بأنها كانت خلافة عدل لقصرها، وندورها في بني أمية، فقد كانت سنتين وخمسة أشهر، فكان هذا الحديث لم يتعرض لها، والله تعالى أعلم" المفهم (٤/ ٥٦). قال شيخ الإسلام: "بنو مروان لم يقتلوا على الإطلاق أحدًا من بني هاشم لا آل علي ولا آل العباس، إلَّا زيد بن عليب المصلوب بكناسة الكوفة، وابنه يحيى ولا سبىَ أهل البيت أحد ولا سُبي منهم أحد انظر: الفتاوى (٢٧/ ٤٨١).
[ ٧٥٣ ]
كانوا يسبون عليًّا وينتقصونه وذلك كان منهم لما وقر في أنفسهم من أنه أعان على قتل عثمان، وأنه أسلمه لمن قتله، بناءً منهم على أنه كان بالمدينة، وأنه كان متمكنًا من نصرته، وكل ذلك ظن كذب، وتأويل باطل، غطَّى التعصب منه وجه الصواب، وقد قدمنا أن عليًّا -﵁- أقسم بالله أنه ما قتله ولا مالا على قتله ولا رضيه، ولم يقل أحد من النقلة قط ولا سُمع من أحد أن عليًّا كان مع القتلة ولا أنه دخل معهم الدار عليه. وأما ترك نصرته فعثمان -﵁- أسلم نفسه ومنع نصرته كما ذكرناه في بابه ومما تشبثوا به أنهم نسبوا عليًّا إلى ترك أخذ القصاص من قتلة عثمان، وإلى أنه منعهم منهم، وأنه قام دونهم، وكل ذلك أقوال كاذبة أنتجت ظنونًا غير صائبة ترتب عليها ذلك البلاء كما سبق به القضاء" (^١).
ووجه القرطبي ذم العباس لعلي -﵄- عندما شكاه إلى عمر بما يتناسب مع مكانة الصحابة -﵃- (^٢).
٢ - معاوية -﵁-:
تعرض معاوية -﵁- لطعن الشيعة وذمهم، وليسوا ممن يؤخذ منهم، لكن ربما تأثر بقولهم بعض المنتسبين للسنة، فلم يحسنوا الظن بمعاوية -﵁- قال القرطبي في الثناء على معاوية﵁- والدفاع عنه فيما نسب إليه من لعن علي وذمه: "يبعد على معاوية أن يصرح بلعن علي وسبه، لما كان معاوية موصوفًا به من الفضل والدين،
_________________
(١) = وقال أيضًا: ويزيد لم يأمر بقتل الحسين ولم يظهر الرضا به. منهاج السنة (٨/ ١٤١). وقال: "وأعظم ما نقمه الناس على بني أمية شيئان أحدهما: تكلمهم في علي، والثاني: تأخير الصلاة عن وقتها" منهاج السنة (٨/ ٢٣٩).
(٢) المفهم (٦/ ٢٧٢).
(٣) انظر: المفهم (٣/ ٥٦١).
[ ٧٥٤ ]
والحلم وكرم الأخلاق، وما يروى عنه من ذلك، فأكثره كذب لا يصح أما التصريح باللعن وركيك القول، مما اقتحمه جهال بني أمية وسفلتهم فحاش معاوية منه، ومن كان على مثل حاله من الصحبة والدين والفضل والعلم" (^١).
وكذلك المازردي دافع عن هذا الصحابي الجليل فقال: "معاوية من عدول الصحابة وأفاضلهم وما وقع من الحروب بينه وبين علي وما جرى بين الصحابة من الدماء فعلى التأويل والاجتهاد (^٢).
٣ - عائشة -﵂-:
نال عائشة -﵂- ما نال غيرها من الصحابة الكرام -﵃- من الشيعة أهل الكذب والافتراء، عندما أولوا إتمامها في السفر على أنها كانت في سفر معصية، فقال القرطبي مدافعًا عنها: هذا باطل قطعًا فإنها كانت، اتقى لله وأخوف وأطوع من أن تخرج في سفر لا يرضاه الله تعالى، وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم عليها ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (^٣) وإنما خرجت -﵂- مجتهدة محتسبة في خروجها تريد أن تطفئ نار الفتنة ثم خرجت الأمور عن ضبطها وأقل درجاتها أن تكون ممن قال فيها رسول الله -ﷺ- "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر" (^٤) " (^٥).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢٧٨). وانظر: (٤/ ٥٣).
(٢) المعلم (٣/ ١٣٩).
(٣) سورة النور، الآية: ١٦.
(٤) رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ح ٧٣٥٢ (١٣/ ٣٣٠)، ومسلم في كتاب الأقضية باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ح ١٧١٦ (١٢/ ٢٥٤).
(٥) المفهم (٢/ ٣٢٧).
[ ٧٥٥ ]
٤ - فاطمة بنت قيس -﵂-:
دافع القرطبي -﵀- عن هذه الصحابية الجليلة ممن اتهمها بسلاطة اللسان، وإيذاء الجيران، حيث قال: "إنما أذن النبي -ﷺ- لفاطمة أن تخرج من البيت الذي طلقت فيه لما ذكره مسلم في الرواية الأخرى من أنها خافت على نفسها من عورة منزلها، وفيه دليل على أن المعتدة تنتقل لأجل الضرورة وهذا أولى من قول من قال: إنها كانت لسنة تؤذي زوجها وأحماءها بلسانها، فإن هذه الصفة لا تليق بمن اختارها رسول الله -ﷺ- لحبه وابن حبه (^١) وتواردت رغبات الصحابة عليها حين انقضت عدتها، ولو كانت على مثل تلك الحال لكان ينبغي ألا يُرغب فيها ولا يُحرص عليها أيضًا: فلم يثبت بذلك نقل مسند صحيح ويا للعجب كيف يجترئ ذو دين أن يقدم على غيبة مثل هذه الصحابية التي اختارها النبي -ﷺ- لحبه ابن حبه لسبب خبر لم يثبت وأعجب من ذلك قول بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (^٢) إنها نزلت في فاطمة لأنها كانت فيها بذاذة لسان وأذى للأحماء وهذا لم يثبت فيه نقل ولا يدل عليه نظر فذكر ذلك عنها ونسبته إليها غيبة أو بهتان (^٣).
وقال أيضًا: ويغفر الله تعالى لسعيد بن المسيب ما وقع فيه حيث قال في هذه الصحابية المحتارة: تلك امرأة فتنت الناس إنها كانت لسنة فوضِعَت على يد ابن أم مكتوم وروى عنه أيضًا أنه قال: تلك امرأة استطالت على أحمائها فأمرها النبي -ﷺ- أن تنتقل فلقد أفحش في القول
_________________
(١) وهو أسامة بن زيد بن حارثة ﵄.
(٢) سورة الطلاق، الآية: ١.
(٣) المفهم (٤/ ٢٦٩).
[ ٧٥٦ ]
واغتابها ولابد لها معه من موقف بين يدي الله تعالى (^١).
وقد دافع أيضًا عن كثير من الصحابة -﵃- مما قد ينسب إليهم أو يفهم خطأ عنهم مما لا يليق بهم ولا يتناسب مع مكانتهم: كأبي بكر (^٢) وسعيد بن زيد (^٣)، وأبي هريرة (^٤)، وغيرهم (^٥) ﵃.
_________________
(١) المفهم (٤/ ٢٧٨).
(٢) انظر: المفهم (٦/ ٢٥٤).
(٣) انظر: المفهم (٤/ ٥٣٦).
(٤) انظر: المفهم (٤/ ٣٧٩، ٤٥٠).
(٥) انظر: المفهم (٧/ ٣٧٩).
[ ٧٥٧ ]