وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الإيمان وما يتعلق به من مسائل.
الفصل الثاني: توحيد الربوبية
الفصل الثالث: توحيد الألوهية
الفصل الرابع: توحيد الأسماء والصفات
[ ١٢٧ ]
الفصل الأول الإيمان وما يتعلق به من مسائل
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة وشرعًا وحكم الاستثناء فيه
المبحث الثاني: الإيمان والإسلام
المبحث الثالث: الكبيرة وحكم مرتكبها
[ ١٢٩ ]
المبحث الأول تعريف الإيمان لغة وشرعًا وحكم الاستثناء فيه
المطلب الأول: تعريفه لغة
المطلب الثاني: تعريفه شرعًا
المطلب الثالث: حكم الاستثناء فيه
[ ١٣١ ]
المطلب الأول: تعريف الإيمان لغة:
الإيمان: مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن، وهو مشتقٌ من الأمن.
قال الجوهري (^١): "الإيمان: هو التصديق. والله تعالى المؤمن؛ لأنه أمن عباده من أن يظلمهم. وأصل آمن: أأمن: بهمزتين والأمن ضد الخوف" (^٢).
وقال الأزهري (^٣): "اتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن معناه التصديق" (^٤).
وقال ابن منظور (^٥): "الإيمان ضد الكفر. والإيمان بمعنى التصديق: ضده التكذيب" (^٦).
وقال الأصفهاني (^٧): "آمن إنما يقال على وجهين: أحدهما متعديًا بنفسه. يقال: آمَنْتُه: أي جعلت له الأمن. ومنه قيل لله مؤمن. والثاني: غير متعد. ومعناه: صار ذا أَمْنٍ قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ
_________________
(١) هو إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، لغوي، أديب، توفي بنيسابور سنة (٣٩٣ هـ). سير أعلام النبلاء (١/ ٨٠). البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة للفيروزآبادي (٢/ ٦٧).
(٢) الصحاح للجوهري (٥/ ٢٠٧١) مادة: أمن.
(٣) هو محمد بن أحمد الأزهري، أحد أئمة اللغة المعروفين، توفي سنة (٣٧٠ هـ). البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (٢/ ١٨٦)، طبقات المفسرين لأحمد الأدنه وي ص (٨٣).
(٤) تهذيب اللغة للأزهري (١٥/ ٥١٠).
(٥) محمد بن مكرم بن علي الأنصاري الشهير بابن منظور إمام في اللغة والتاريخ، توفي سنة (٧١١ هـ). الدر الكامنة (٤/ ٢٦٢). معجم المؤلفين (٣/ ٧٣١).
(٦) لسان العرب لابن منظور (١٣/ ٢١) مادة أمن.
(٧) الحسين بن محمد بن المفضل الشهير بالراغب الأصفهاني، لغوي مفسر اختلف في تاريخ وفاته كثيرًا فقيل (٥٠٢ هـ) وقيل (٥٣٥ هـ) وقيل (٥٣٥ هـ) وقيل (٤٢٥ هـ). طبقات المفسرين للأدنه وي ص (١٦٨). البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (٢/ ٩١).
[ ١٣٣ ]
كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ (^١). قيل: معناه بمصدق لنا إلَّا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمْنُ" (^٢).
وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الإيمان اللغوي: أنه بمعنى الإقرار لأنه رأى لفظة أقر أصدق في الدلالة على معنى الإيمان من غيرها من الألفاظ، حيث قال: "فالإيمان لغة: هو الإقرار؛ لأن التصديق، إنما يطابق الخبر فقط، وأما الإقرار فيطابق الخبر والأمر. ولأن أقر وآمن متقاربان، فالإيمان دخول في الأمن، والإقرار دخول في القرار ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق. والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد" (^٣).
وأمَّا القرطبي فعرَّفه بالتصديق حيث قال: "الإيمان لغة: هو التصديق مطلقًا" (^٤).
وأمَّا المازري فعرَّفه باليقين حيث قال: "الإيمان هو اليقين" (^٥).
المطلب الثاني: تعريفه شرعًا:
أما تعريف الإيمان شرعًا: فهو ما وقع فيه الخلاف بين أهل السنة ومخالفيهم منذ زمن مبكر.
قال ابن رجب (^٦): "وهذه المسائل - أعني مسائل الإسلام والإيمان
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ١٧.
(٢) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص (٣٦) مادة أمن.
(٣) الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٦٣٧، ٦٣٨).
(٤) المفهم (١/ ١٣٩).
(٥) المعلم (١/ ٢١٠).
(٦) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الدمشقي الحنبلي، إمام في العلم والعبادة، له عدة مؤلفات منها "شرح علل الترمذي" وشرح لصحيح البخاري، سماه "فتح الباري" توفي قبل =
[ ١٣٤ ]
والكفر والنفاق - مسائل عظيمة جدًّا، فإن الله ﷿ علَّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة" (^١).
لهذا الخلاف المذكور تعددت الأقوال في تعريف الإيمان، والحق منها ما عليه أهل السنة والجماعة إذ عرفوه بأنه قولٌ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعملٌ بالجوارح (^٢).
وأما الأقوال الأخرى، فهي تختلف قربًا وبعدًا من الحق، وهي على النحو التالي:
الأول: الإيمان: هو التصديق بالجنان، والقول باللسان. وهذا مشهور عن بعض الفقهاء، ولذا يقال: "إرجاء الفقهاء" وقال به: حماد بن أبي سليمان (^٣)، وأبو حنيفة وأصحابه (^٤).
الثاني: الإيمان: هو التصديق بالله مع معرفته بالقلب. وهذا قول عامة الأشاعرة (^٥).
الثالث: الإيمان: فعل جميع الطاعات المفترضة بالقلب واللسان والجوارح وهذا قول الخوارج والمعتزلة (^٦).
_________________
(١) = إكماله، توفي بدمشق سنة (٧٩٥ هـ). الدر الكامنة (٢/ ٣٢١). طبقات الحفاظ ص (٥٦٧) ترجمة (١١٧٢).
(٢) جامع العلوم والحكم ص (٣٨).
(٣) انظر: الشريعة للآجري (٢/ ٦١١)، وشرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٤/ ٩١١) ومسائل الإيمان لأبي يعلى بن الفراء ص (١٥٢).
(٤) حماد بن أبي سليمان، تابعي رمي بالإرجاء تتلمذ عليه الإمام أبو حنيفة ولازمه توفي سنة (١٢٠ هـ). سير أعلام النجلاء (٥/ ٢٣١). طبقات الحفاظ ص (٦٠) ترجمة (١٠٥).
(٥) انظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (١/ ٢١٩)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٠٧).
(٦) انظر: اللمع لأبي الحسن الأشعري ص (١٢٢)، والإنصاف للباقلاني ص (٥٥).
(٧) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٤٩، ٣٢٩)، والملل والنحل (١/ ٤٥).
[ ١٣٥ ]
وهم يخالفون أهل السنة أنهم جعلوا جميع الأعمال شرطًا لصحة الإيمان، فالإيمان كلٌّ لا يتجزأ، فإذا ذهب بعضه ذهب كلُّه، فمن أخل بالأعمال عندهم ذهب إيمانه، وهو عند الخوارج كافر في الدنيا، مخلدٌ في النار في الآخرة، وعند المعتزلة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، ووافقوا الخوارج في خلوده في النار في الآخرة، وفي نفي اسم الإيمان عنه في الدنيا، وخالفوهم في إطلاق لفظ الكفر عليه في الدنيا، وفي استحلال دمه وماله.
الرابع: هو المعرفة بالقلب فقط. وهذا قول الجهمية (^١)، ويلزم من قولهم هذا إدخال إبليس وفرعون في الإيمان.
الخامس: الإيمان هو الإقرار باللسان دون القلب. وهذا قول الكرَّامية (^٢). ويلزم من هذا القول إدخال المنافقين في الإيمان.
قال القرطبي في بيان فساد هذا القول: "الإيمان من أعمال الباطن، والإسلام من أعمال الجوارح الظاهرة، وفيه ردٌّ على غلاة المرجئة والكرامية، حيث حكموا بصحة الإيمان لمن نطق بالشهادتين، وإن لم يعتقد بقلبه، وهو قولٌ باطلٌ قطعًا، لأنه تسويغ للنفاق" (^٣).
وقال المازري ردًّا عليهم عند شرحه لقوله - ﷺ -: "أليس يشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله؟ قالوا: إنه يقول ذلك وما هو في قلبه. قال: لا يشهد أحدٌ أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تَطْعَمَهُ" (^٤): "إن احتجت به الغلاة من المرجئة في أن الشهادتين تنفع وإن لم تعتقد
_________________
(١) انظر: الملل والنحل (١/ ٨٨)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٠٨).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢٣)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٠٩).
(٣) المفهم (١/ ٣٦٦) وانظر أيضًا (١/ ٢٠٤).
(٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا ح/ ٣٣ (١/ ٣٥٦).
[ ١٣٦ ]
بالقلب، قيل لهم: معناه أنه لم يصح عند النبي - ﷺ - ما حكوا عنه من أن ذلك ليس في قلبه، والحجة في قول النبي - ﷺ - وهو لم يقل ذلك ولم يشهد به عليه" (^١).
قال القرطبى في تعريفه للإيمان شرعًا: "هو التصديق بالقواعد الشرعية" (^٢).
وقال: "الإسلام والإيمان بحكم الوضع يعمان كل انقياد وكل تصديق، لكن قصرها الشرع على تصديق مخصوص، وانقياد مخصوص" (^٣).
وقال: "الإيمان بالله هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه موصوف بصفات الجلال والكمال"، ثم بعد ذكره لأركان الإيمان قال: "مذهب السلف وأئمة الفتوى من الخلف أن من صدق بهذه الأمور تصديقًا جزمًا لا ريب فيه ولا تردد ولا توقف كان مؤمنًا حقيقة" (^٤).
فالقرطبي خالف مذهب أهل السنة والجماعة في تعريفهم للإيمان إذ جعله التصديق فقط، وأخرج الأعمال من الإيمان، وجعل إطلاق الإيمان على الأعمال ودخولها فيه من باب المجاز.
فبعد ذكره لحديث جبريل ﵇ (^٥) وحديث وفد عبد القيس،
_________________
(١) المعلم (١/ ١٩٥).
(٢) المفهم (١/ ١٣٩).
(٣) المفهم (١/ ١٤٠).
(٤) المفهم (١/ ١٤٥).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل للنبي - ﷺ - الإيمان والإسلام والإحسان، وعلم الساعة ح/ ٥٠ (١/ ١٤٠)، ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان الإيمان =
[ ١٣٧ ]
وحديث علي - ﵁ - الذي قال فيه: قال رسول الله - ﷺ -: "الإيمان اعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالأركان" (^١) قال: هذه الإطلاقات الثلاث من باب التجوز والتوسع، على عادة العرب في ذلك، وهذا إذا حقق يريح من كثير من الإشكال الناشيء من ذلك الاستعمال (^٢).
وقال عند شرحه لحديث "الإيمان بضْعٌ وستُّون شعبة، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان" (^٣): "الإيمان في هذا الحديث يُراد به الأعمال، بدليل أنه ذكر فيه أعلى الأعمال، وهو قول لا إله إلَّا الله وأدناها: أي: أقربها وهو إماطة الأذى وهما عملان فما بينهما من قبيل الأعمال، وقد قدمنا القول في حقيقة الإيمان شرعًا ولغة، وأن الأعمال الشرعية تسمى إيمانًا مجازًا وتوسعًا؛ لأنها عن الإيمان تكون غالبًا" (^٤).
حتى أعمال القلوب أدخلها في مسمى الإيمان مجازًا، حيث قال: "إطلاق الإيمان على أعمال القلوب كالنية والإخلاص والخوف،
_________________
(١) = والإسلام والإحسان ح/ ٨، (١/ ٢٥٩).
(٢) حديث موضوع قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع لم يقله الرسول - ﷺ -. الموضوعات (١/ ١٢٨)، وقال ابن تيمية بعد أن ذكر الحديث: من الموضوعات على النبي - ﷺ - باتفاق أهل العلم بحديثه، الفتاوى (٧/ ٥٠٥) وقال ابن القيم: هذا حديث موضوع ليس من كلام النبي - ﷺ -. تهذيب سنن أبي داود (١٢/ ٢٩٥). وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (٥/ ٢٩٥) حديث (٢٢٧١).
(٣) المفهم (١/ ١٤٠).
(٤) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب أمور الإيمان ح/ ٩ (١/ ٦٧). ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان ح/ ٣٥ (٢/ ٣٦٢) وفي رواية عند مسلم قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلَّا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان (٢/ ٣٦٣).
(٥) المفهم (١/ ٢١٦).
[ ١٣٨ ]
والنصيحة، وشبه ذلك من أعمال القلوب، وتسميتها إيمانًا لكونها في محل الإيمان أو عن الإيمان، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو كان منه بسبب" (^١).
وكذلك المازري عرَّف الإيمان بأنه اليقين، حيث قال: "الإيمان هو اليقين" (^٢).
وفي حديث وفد عبد القيس قال لهم رسول الله - ﷺ -: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المَغْنَمِ الخُمْس" (^٣).
فعند شرح المازري لهذا الحديث أخرج الأعمال من الإيمان، حيث قال: "ظن بعض الفقهاء أن في هذا دلالة على أن الصلاة والزكاة من الإيمان، خلافًا للمتكلمين من الأشعرية القائلين بأن ذلك ليس من الإيمان، وهذا الذي ظنه غير صحيح لاحتمال أن يكون الضمير في قوله: ثم فسرها لهم، عائدًا على الأربع لا على الإيمان كما ظن هذا الظان، ويحتمل في الحديث الثاني من أن يكون قوله "وإقام الصلاة" محطوفًا أيضًا على الأربع" (^٤).
وأوَّل كل ما جاء في إطلاق الإيمان على الأعمال فقال عند شرحه
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٤٢).
(٢) المعلم (١/ ٢١٠).
(٣) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان ح/ ٥٣ (١/ ١٥٧)، ومسلم في كتاب الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله - ﷺ - وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه لمن لم يبلغه ح/ ١٧ (١/ ٢٩٤).
(٤) المعلم (١/ ١٩١).
[ ١٣٩ ]
لحديث "الحياء من الإيمان" (^١).
"إنما كان الحياء - وهو في الأكثر غريزة - من الإيمان الذي هو اكتساب؛ لأن الحياء يمنع من المعصية، كما يمنع الإيمان منه" (^٢).
وعند شرحه لحديث: "الطُّهُور شطرُ الإيمان" (^٣). قال: "يحتمل هذا الحديث وجهين: أحدهما: أن يكون المراد بقوله "شطر الإيمان" أي أنه ينتهي تضعيف الأجر فيه إلى أجر الإيمان من غير تضعيف، وهذا كأحد التأويلات في قوله - ﷺ -: "إن قل هو الله أحد تعدلُ ثُلُث القُرآن" (^٤). والوجه الثاني: أن يكون معنى شطر الإيمان: أن الإيمان يَجُبُّ ما قبله من الآثار، وقد أخبر - ﵇ - أن الوضوء أيضًا تذهب عن الإنسان به الخطايا؛ إلَّا أنه قد قام الدليل أن الوضوء لا يصح الانتفاع به، إلَّا مع مضامة الإيمان له، فكأنه لم يحصل به رفع الإثم إلَّا مع شيء ثان. ولما كان الإيمان يمحو الآثام المتقدمة عليه بانفراده صار الطهور في التشبيه كأنه على الشطر منه" (^٥).
ولا شك أن المذهب الحق ما قاله جماهير العلماء من أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعملٌ بالجوارح.
قال البغوي: "اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان وقالوا إن الإيمان قولٌ وعملٌ
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب الحياء من الإيمان ح (١٢٤، ١/ ٩٣). ومسلم في كتاب الإيمان باب عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء، وكونه من الإيمان ح (٣٦، ٢/ ٣٦٤).
(٢) المعلم (١/ ١٩٦).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة باب فضل الوضوء ح/ ٢٢٣، (٣/ ١٠١).
(٤) رواه ابن ماجة في كتاب الأدب باب ثواب القرآن، والترمذي في أبواب فضائل القرآن باب ما جاء في سورة الإخلاص، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (٢/ ٣١٦).
(٥) المعلم (١/ ٢٣٢).
[ ١٤٠ ]
وعقيدة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" (^١).
وقال الآجري (^٢): "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح" (^٣).
وذكر اللالكائي (^٤) روايات كثيرة عن النبي - ﷺ -، وعن الصحابة والتابعين، والسلف الصالح في هذا الباب (^٥).
وقال البخاري: "كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلَّا عن من قال الإيمان: قول وعمل" (^٦).
وقال ابن عبد البر: "أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قولٌ وعملٌ، ولا عمل إلَّا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان" (^٧).
ولذا أصبح هذا القول من سمات أهل السنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان القول: إن الإيمان قول وعمل عند أهل السنة من شعائر السنة وحكى غير واحد الإجماع على
_________________
(١) شرح السنة للبغوي (١/ ٤٤).
(٢) أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الإمام المحدث صاحب سنة واتباع له عدة مصنفات توفي سنة (٣٦٠ هـ). طبقات الحفاظ ص (٣٩٥) ترجمة (٨٥٨)، وصفة الصفوة (٢/ ٤٧٠).
(٣) الشريعة للآجري (٢/ ٦١١).
(٤) هبة الله بن الحسن اللالكائي الحافظ له عدة مصنفات أشهرها وأنفعها كتاب "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" توفي سنة (٤١٨ هـ) سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤١٩). طبقات الحفاظ ص (٤٣٨) ترجمة (٩٥٣).
(٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٩١١) فما بعدها.
(٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ٩٥٩).
(٧) التمهيد لابن عبد البر (٩/ ٢٣٨).
[ ١٤١ ]
ذلك" (^١).
واستدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة من الكتاب والسنة، منها:
من الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ (^٢).
- وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٣).
وثبت في صحيح البخاري أن هذه الآية نزلت في الذين ماتوا قبل أن تحوَّل القبلة (^٤)، والمقصود ما كان الله ليضيع صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانًا.
- وقوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ (^٥).
قال القاسم بن سلَّام (^٦) - بعد ذكره لهذه الآيات -: "أفلست تراه
_________________
(١) الإيمان لابن تيمية ص (٢٤١) وانظر ص (٢٤٢) فقد نقل عن القاسم بن سلَّام أسماء كثير من الذين يقولون الإيمان قول وعمل.
(٢) سورة الأنفال، الآيات: ٢ - ٤.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.
(٤) صحيح البخاري "كتاب الإيمان" باب الصلاة من الإيمان ح/ ٤٠، (١/ ١١٨).
(٥) سورة العنكبوت، الآيات: ١ - ١٠.
(٦) هو القاسم بن سلَّام البغدادي أبو عبيد الإمام الشهير توفي سنة (٢٢٤ هـ). صفة =
[ ١٤٢ ]
﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتف منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهما من الآخر" (^١).
وأما من السنة فأحاديث كثيرة منها: حديث وفد عبد القيس (^٢).
- وقوله - ﷺ -: "الإيمان بضعٌ وسبعُون أو بضعُ وستُّون شعبة فأفضلها قول لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبةٌ من الإيمان" (^٣).
- وقوله - ﷺ -: "الطُّهور شطرُ الإيمان" (^٤). وغيرها من الأدلة.
وبهذا يتبين لنا أن ما ذهب إليه السلف هو الحق الذي أيَّدته النُّصوص من الكتاب والسنة.
سُئِلَ سهل بن عبد الله التستري (^٥) عن الإيمان ما هو؟ فقال: "قول ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة" (^٦).
وأما ما استدل به المرجئة من الأشاعرة وغيرهم، فهو كما يلي:
أولًا: أن الإيمان في اللغة هو التصديق، وقد أبقاه الشرع على ما كان، وما روي نقله. وذكر الباقلاني (^٧) الإجماع على ذلك، حيث قال:
_________________
(١) = الصفوة (٤/ ١٣٠)، تهذيب التهذيب (٣/ ٤١٠).
(٢) الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام ص (٦٦).
(٣) سبق تخريجه ص (١٣٩).
(٤) سبق تخريجه ص (١٤٠).
(٥) سبق تخريجه ص (١٤٠).
(٦) سهل بن عبد الله التستري الزاهد العابد محدث له كتاب في ذم الكلام توفي سنة (٢٨٣ هـ). صفة الصفوة (٤/ ٦٤)، طبقات الصوفية للسلمي ص (٢٠٦).
(٧) الفتاوى لابن تيمية (٧/ ١٧١).
(٨) هو أبو بكر محمد بن الطيب البغدادي المشهور بالباقلاني متكلم أشعري مكثر من التصنيف توفي في بغداد سنة (٤٠٣ هـ). البداية والنهاية (١١/ ٣٧٣)، الديباج المذهب ص (٣٦٣).
[ ١٤٣ ]
فإن قالوا: فأخبرونا ما الإيمان عندكم؟ قيل: الإيمان هو التصديق بالله، وهو العلم. والتصديق يوجد بالقلب! فإن قال: فما الدليل على ما قلتم؟ قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن وبعثة النبي - ﷺ - هو التصديق. لا يعرفون في اللغة إيمانًا غير ذلك، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (^١) أي بمصدق لنا، ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر، أي: لا يصدق بذلك، فوجب أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة؛ لأن الله ما غير اللسان العربي ولا قلبه" (^٢).
ثانيًا: ما ورد من آيات وأحاديث تدل على أن الإيمان في القلب كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^٣). وقوله - ﷺ - لأسامة بن زيد: "أفلا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ" (^٤).
ثالثًا: إن الله فرَّق بين الإيمَان والعمل في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (^٥). والعطف يقتضي المغايرة.
قال شيخ الإسلام في الرد عليهم بعد نقله لكلام الباقلَّاني السابق: "هذا عمدة من نصر قول الجهمية في مسألة الإيمان، وللجمهور من أهل السنة وغيرهم عن هذا أجوبة.
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ١٧.
(٢) التمهيد للباقلاني ص (٣٨٩)، وانظر: الإنصاف للباقلاني ص (٥٥)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ١٢٢).
(٣) سورة النحل، الآية: ١٠٦.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلَّا الله، ح/ ٩٦، (٢/ ٤٦٢).
(٥) سوة العصر، الآية: ٣.
[ ١٤٤ ]
أحدهما: قول من ينازعه في أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق ويقول هو بمعنى الإقرار وغيره.
الثاني: قول من يقول: وإن كان في اللغة هو التصديق فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما قال النبي - ﷺ -: "والفرْجُ يُصدِّقُ ذلك أو يُكذِّبهُ" (^١).
والثالث: أن يقال: ليس هو مطلق التصديق بل هو تصديق خاص مقيَّد بقيود اتصل اللفظ بها، وليس هذا نقلًا للفظ، ولا تغييرًا له، فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص، وصفه وبيَّنه.
والرابع: أن يقال: وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإن هذه لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، ونقول: أن هذه اللوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة، وتخرج عنه أخرى.
الخامس: قول من يقول: إن اللفظ باقٍ على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكامًا.
السادس: قول من يقول: إن الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية مجاز لغوي.
السابع: قول من يقول: إنه منقول. فهذه سبعة أقوال:
الأول: قول من ينازع في أن معناه في اللغة التصديق، ويقول: ليس هو التصديق بل بمعنى الإقرار وغيره.
قوله: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق، فيقال له: من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان باب زنا الجوارح دون الفرج ح/ ٦٢٤٣ (١١/ ٢٨)، ومسلم في كتاب القدر باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره ح/ ٢٦٥٧، (١٦/ ٤٤٥).
[ ١٤٥ ]
وفي أي كتاب ذُكِرَ هذا الإجماع؟ .
الثاني: أن يُقال: أتعني بأهل اللغة، نقلتها، كأبي عمرو (^١)، والأصمعي (^٢)، والخليل (^٣)، ونحوهم، أو المتكلمين بها؟ فإن عنيت الأول فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، وما سمعوه في دواوين الشعر، وكلام العرب، وغير ذلك بالإسناد، ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان، فضلًا عن أن يكونوا أجمعوا عليه، وإن عنيت المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام، فهؤلاء لم نشهدهم ولا نقل لنا أحدٌ عنهم ذلك.
الثالث: أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم، وإن قدر أنه قاله واحد واثنان فليس هذا إجماعًا.
الرابع: أن يقال: هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا: معنى هذا اللفظ كذا وكذا، وإنما ينقلون الكلام المسموع من العرب، وأنه يفهم منه كذا وكذا، وحينئذ فلو قدر أنهم نقلوا كلامًا عن العرب يفهم منه أن الإيمان هو التصديق لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة القرآن عن النبي - ﷺ -، وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أُريد به معنى لم يرده، فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه عن العرب أولى.
_________________
(١) هو أبو عمرو بن العلاء المازني النحوي المقريء كان من أعلم الناس بالقرآن والعربية والشعر، توفي سنة (١٥٤ هـ). سير أعلام النبلاء (٦/ ٤٠٧)، تهذيب التهذيب (٤/ ٥٦١).
(٢) عبد الملك بن قريب الباهلي المعرف بالأصمعي أديب لغوي، نحوي، أصولي، له عدة مصنفات، منها: "نوادر الأعراب"، "الأصمعيات" وغيرها، توفي بالبصرة سنة (٢١٦ هـ). تاريخ دمشق (٣٧/ ٥٥)، تهذيب التهذيب (٢/ ٦٢٢).
(٣) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري إمام مقدم في العربية، وهو منشيء علم العروض توفي سنة (١٧٠ هـ). تهذيب التهذيب (١/ ٥٥٢). البداية والنهاية (١٠/ ١٦٦).
[ ١٤٦ ]
الخامس: أنه لو قُدِّر أنهم قالوا هذا، فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر، والتواتر من شرطه استواء الطرفين والواسطة، وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن إنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق (^١)؟
السادس: أنه لم يذكر شاهدًا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم، وإنما استدل من غير القرآن بقول الناس: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان يؤمن بعذاب القبر، ومعلوم أن هذا ليس من ألفاظ العرب قبل نزول القرآن، بل هو مما تكلم الناس به بعد عصر الصحابة، ومن قال ذلك فليس مراده التصديق بما يرجى ويخاف بدون خوف ولا رجاء، بل يصدق بعذاب القبر ويخافه، ويصدق بالشفاعة ويرجوها، وإلَّا لو صدق بأنه يعذب في قبره ولم يكن في قلبه خوف من ذلك أصلًا لم يسموه مؤمنًا به، كما لا يسمون إبليس مؤمنًا بالله، وإن كان مصدقًا بوجوده وربوبيته. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (^٢) ليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر. ولو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء بل بشيء مخصوص، فيكون الإيمان في كلام الشارع أخصَّ من الإيمان في اللغة" (^٣).
وأما استدلالهم الثاني، فهذه النصوص التي ذكروها لا تنفي وجود الإيمان في غير القلب، وقد جاءت نصوص أخرى تدل على أن الإيمان باللسان والجوارح أيضًا.
_________________
(١) الفتاوى (٧/ ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤).
(٢) سورة يوسف، الآية: ١٧.
(٣) الفتاوى (٧/ ١٢٥، ١٢٦) بتصرف.
[ ١٤٧ ]
وأما قولهم أن الله فرق بين الإيمان والعمل، فعطف العمل على الإيمان والعطف يقتضي المغايرة.
فيقال: إن العطف بين شيئين يعني نوع مغايرة كالمغايرة بين الكل والجزء والخاص والعام والمطلق والمقيد، فيجوز عطف الأعمال على الإيمان؛ لأن الإيمان كلٌّ والأعمال جزءُ منه فيكون من باب عطف الخاص على العام كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ (^١).
ومن المعلوم قطعًا أن جبريل وميكال من جنس الملائكة وكقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (^٢) وغيرها (^٣)، فاستدلالهم بالعطف على إخراج الأعمال لا يسلم لهم.
وأمَّا قولهم إن تسمية الأعمال إيمانًا من باب المجاز، فقد رد عليهم في ذلك شيخ الإسلام بكلامٍ يطول ذكره، أذكر منه قوله: "إن القول بالمجاز كلامٌ مبتدع لم يتكلم به السلف من الصحابة والتابعين، بل ولا أحد الأئمة المشهورين بالعلم كمالك والثوري (^٤)، والأوزاعي (^٥)، وأبي حنيفة، والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة كالخليل وسيبويه (^٦)، وأبي
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٩٨.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.
(٣) انظر مسائل الإيمان لأبي يعلى ص (٢٤١) والفتاوى لابن تيمية (٧/ ١٧٩).
(٤) هو سفيان بن سعد بن مسروق الثوري، ثقة، حافظ، فقيه، من أعلام القرن الثاني، ورعًا، فقيهًا، زاهدًا، توفي سنة (١٦١ هـ). حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهانيّ (٦/ ٣٥٦)، تهذيب التهذيب (٢/ ٥٦).
(٥) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي إمام أهل الشام وأحد الأئمة الأعلام المشهورين توفي سنة (١٥٧ هـ). حلية الأولياء (٦/ ١٣٥)، صفة الصفوة (٤/ ٢٥٥).
(٦) هو عمرو بن عثمان الملقب بسيبويه، إمام النحو المقدم فيه، طلب الفقه والحديث في بداية =
[ ١٤٨ ]
عمرو بن العلاء ونحوهم. أول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيد معمر بن المثنى (^١)، ولكن لم يعن في مجازه ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عني بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية .. فهذا اصطلاح حادث، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين، فإنه لا يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف إلَّا في كلام أحمد بن حنبل، ولم يرد بذلك أن للفظ استعمالًا في غير ما وضع له، وعلى فرض صحة التقسيم إلى حقيقة ومجاز فهو لا ينفعكم بل هو عليكم لا لكم؛ لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة، وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال" (^٢).
المطلب الثالث: الاستثناء في الإيمان:
اختلف الناس في الاستثناء في الإيمان، أي قول العبد أنا مؤمن إن شاء الله، أو غير ذلك من العبارات الدالة على الاستثناء على ثلاثة أقوال:
الأول: من منع الاستثناء وحرَّمه وقال أنه يقتضي الشك، ومن تردد في تحقيق الإيمان لم يكن مؤمنًا. بل ذهب بعضهم إلى تكفير من قال بالاستثناء (^٣). وقال بهذا الماتريدية ومن وافقهم. وهذا عائد على تعريف الإيمان عندهم بأنه التصديق والإقرار.
وقد ردَّ عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية وبيَّن فساد قولهم هذا في كلام
_________________
(١) = عمره، ثم توجه إلى العربية فصار أعلم الناس بها، توفي سنة (١٨٠ هـ). البداية والنهاية (١٠/ ٧٤). سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٥١).
(٢) معمر بن المثنى التيمي البصري الإمام النحوي، صاحب التصانيف توفي سنة (٢٠٩ هـ). تهذيب التهذيب (٤/ ١٢٦)، تاريخ دمشق (٥٩/ ٤٢٣).
(٣) الفتاوى (٧/ ٨٨، ٨٩، ١١٦) بتصرف.
(٤) زيادة الإيمان ونقصانه للدكتور عبد الرزاق العباد ص (٥١٩).
[ ١٤٩ ]
يطول ذكره (^١).
الثاني: من قال بضد القول السابق، إذ أوجب الاستثناء في الإيمان، وهم الأشاعرة والكلابية. إذ الإيمان عندهم هو ما يموت عليه الإنسان، فالإيمان والكفر عندهم باعتبار الموافاة، وحملوا النصوص التي جاءت عن السلف في الاستثناء على ذلك.
الثالث: من قال بجواز الاستثناء وعدمه، فلم يحرمه مطلقًا، ولم يوجبه مطلقًا. فأجازوه باعتبار، ومنعوه باعتبار آخر. أجازوه خوف تزكية النفس، ولدخول الأعمال في الإيمان والتقصير فيها ظاهر (^٢). ومنعوه إذا أراد المستثني الشك في أصل إيمانه وهذا هو مذهب السلف. وقد ورد عن السلف نصوص تدل على الاستثناء وعدمه، فمن استثنى قصد به الإيمان التام الكامل المقبول عند الله تعالى، ومن لم يستثق قصد الإيمان الباطن الذي هو أصل الإيمان وأساسه، وهذا لا استثناء فيه.
فقد سأل رجلٌ الحسن البصري (^٣) عن الإيمان، فقال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ (^٤) فوالله ما أدري أنا منهم أم لا (^٥).
_________________
(١) الفتاوى (١٣/ ٤١).
(٢) انظر السنة للخلال (٣/ ٦٠٠)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٤٩٦).
(٣) هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري إمام التابعين الفقيه الزاهد والعلم الشهير، كان ينطق بالحكمة توفي سنة (١١٠ هـ). تهذيب التهذيب (١/ ٣٨٨)، صفة الصفوة (٣/ ٢٣٣).
(٤) سورة الأنفال، الآيات: ٢ - ٤.
(٥) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٨٦).
[ ١٥٠ ]
وقال شيخ الإسلام: ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقول: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك -أي أصل الإيمان- لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق، ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه (^١).
وقال أيضًا: والقول الثالث أوسطها وأعدلها أنه يجوز الاستثناء باعتبار وتركه باعتبار، فإن كان مقصوده أني لا أعلم أني قائم بكل ما أوجب الله عليَّ وأنه يقبل أعمالي ليس مقصوده الشك فيما في قلبه فهذا استثناؤه حسن وقصده ألَّا يزكي نفسه (^٢).
والمذهب الحق في ذلك هو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن الاستثناء الذي ورد عن السلف باعتبار عدم قيام الإنسان بسائر الأعمال التي أمر الله تعالى بها وتقصيره في ذلك، لا باعتبار عدم علمه بالمستقبل وما يموت عليه.
وقد ذهب عامة الأشاعرة إلى وجوب الاستثناء باعتبار أن الإيمان عندهم هو ما مات عليه الإنسان، فيكون مؤمنًا أو كافرًا، باعتبار الموافاة فهو يستثني لأنه لا يعلم ما يموت عليه. قال الجويني: "فإن قيل: قد أثر عن سلفكم ربط الإيمان بالمشيئة، وكان إذا سئل الواحد منهم عن إيمانه قال إنه مؤمن إن شاء الله، فما محصول ذلك؟ قلنا: الإيمان ثابت في الحال قطعًا لا شك فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة، فاعتنى السلف به، وقرنوه بالمشيئة، ولم يقصدوا التشكك في الإيمان الناجز" (^٣).
_________________
(١) الفتاوى (٧/ ٤٤٩).
(٢) المرجع السابق (١٣/ ٤١).
(٣) الإرشاد للجويني ص (٣٣٦).
[ ١٥١ ]
وعليه فقد قرر القرطبي أن المسألة خلافية، ثم بيَّن أن القول الصحيح جواز الاستثناء وعدمه -وهو الحق- ولكنه لم يعلل الاستثناء بتعليل السلف، وهو عدم قيامه بكامل الأعمال التي أمر بها والخوف من التقصير فيها، إنما علل بتعليل الأشاعرة أي بالموافاة حيث قال: "وفيه حجة لمن يقول: "أنا مؤمن" بغير استثناء، وهي مسألة اختلف فيها السلف، فمنهم المجيز والمانع، وسبب الخلاف النظر إلى الحال، أو إلى المآل، فمن منع خاف من حصول شك في الحال، أو تزكية، ومن أجاز صرف الاستثناء إلى الاستقبال، وهو غيب في الحال إذ لا يدري بما يختم له، والصواب الجواز إذا أمن الشك والتزكية، فإنه تفويض إلى الله تعالى" (^١).
وقد رد شيخ الإسلام هذا التعليل، وبيَّن أنه ليس من مذهب السلف، حيث قال: "وأمَّا الموافاة فما علمت أحدًا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثيرًا من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري، وأكثر أصحابه، ولكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث" (^٢).
وقال أيضًا: لما اشتهر عند هؤلاء أن السلف يستثنون في الإيمان ورأوا أن هذا لا يمكن إلَّا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه، وهو ما يوافي به العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا، فصاروا يحكون هذا عن السلف، وهذا القول لم يقل به أحد من السلف، ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم" (^٣).
_________________
(١) المفهم (١/ ٣٦٦).
(٢) الفتاوى (٧/ ٤٣٩).
(٣) الفتاوى (٧/ ٤٣٦).
[ ١٥٢ ]
المبحث الثاني الإيمان والإسلام
اختلف العلماء في الإسلام والإيمان، والعلاقة بينهما، فهل هما بمعنى واحد، أي الأسماء من باب الترادف أم لا؟ . على أقوالٍ:
القول الأول:
من قال إنهما بمعنى واحد، فهما مترادفان، فيطلق كل منها على الآخر، واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة، منها:
١ - أن الله -﷾- سمى الإسلام بما سمى به الإيمان، وسمى الإيمان بما سمَّى به الإسلام، وذلك كقول ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (^٣).
٢ - قول النبي - ﷺ - لوفد عبد القيس بعد أن أمرهم بالإيمان بالله وحده "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم" (^٤).
وممن قال بهذ القول الإمام البخاري إذ بوب في صحيحه في كتاب
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٩.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.
(٣) سورة الذاريات، الآية: ٣٥، ٣٦.
(٤) سبق تخريجه ص (١٣٩).
[ ١٥٣ ]
الإيمان ما يدل على قوله بهذا (^١). ومحمد بن نصر المروزي (^٢)، وابن عبد البر وابن منده (^٣)، وابن حزم وغيرهم. وقد بوَّب ابن منده في كتابه "الإيمان" فقال: ذكر الأخبار الدالة والبيان الواضح من الكتاب أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد (^٤).
وقال ابن عبد البر: وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعيين والمالكيين وهو قول داود وأصحابه، وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر (^٥).
وقال المروزي: وقالت طائفة وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث أن الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله دينًا وارتضاه لعباده ودعاهم إليه (^٦).
القول الثاني:
من فرَّق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة، منها:
- قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا
_________________
(١) كتاب الإيمان باب (٣٧) فتح الباري (١/ ١٤٠).
(٢) هو محمد بن نصر المروزي الإمام الفقيه، الحافظ، إمام أهل الحديث في عصره، من تصانيفه: "تعظيم قدر الصلاة" و"القسامة"، توفي سنة (٢٩٤ هـ) تهذيب التهذيب (٣/ ٧١٧)، صفة الصفوة (٤/ ١٤٧).
(٣) محمد بن إسحاق بن محمد بن منده الإمام الحافظ محدث الإسلام كان من أوسع العلماء رحلة، وأكثرهم حديثًا وشيوخًا توفي سنة (٣٩٥ هـ). سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٨)، تاريخ دمشق (٥٢/ ٢٩).
(٤) الإيمان لابن منده (١/ ٣٢١).
(٥) التمهيد (٩/ ٢٥٠).
(٦) تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/ ٥٢٩).
[ ١٥٤ ]
يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^١).
وقالوا: إن هؤلاء ليسوا بمنافقين، إنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٢).
- من السنة: ما ورد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد "أن رسول الله - ﷺ - أعطى رهطًا وسعدٌ جالسٌ فيهم، قال سعدُ: فتركَ رسُول الله - ﷺ - منهم من لم يُعطه، وهو أعجبهم إليَّ، فقلتُ: يارسول الله ما لكَ عن فُلان؟ فوالله إنى لأرَاهُ مؤمنًا، فقال رسول الله - ﷺ -: أو مُسلمًا" (^٣).
وحديث جبريل -﵇- حينما سأل الرسول - ﷺ - عن الإيمان والإسلام، فاختلفت الإجابة (^٤).
وممن قال بهذا ابن عباس والحسن وابن سيرين (^٥)، والزهري (^٦)، والإمام أحمد، وغيرهم.
قال الزهري: "الإسلام الكلمة والإيمان العمل" (^٧).
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٤.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة ج (٢٧)، (١/ ٩٩)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تألف من يخاف على إيمانه لضعفه ح/ ١٥٠، (٢/ ٥٣٩).
(٤) سبق تخريجه (ص ١٣٧).
(٥) أبو بكر محمد بن سيرين البصري مولى أنس بن مالك ﵁، من أئمة التابعين، كان ثقة، ثبتًا، عالمًا، توفي بالبصرة سنة (١١٠ هـ)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٦٠٦)، تهذيب التهذيب (٣/ ٥٨٥).
(٦) محمد بن مسلم بن عبيد الله القرشي الزهري من أعلام التابعين الحفاظ متفق على جلالته وإتقانه، توفي سنة (١٢٥ هـ). حلية الأولياء (٣/ ٣٦٠)، صفة الصفوة (٢/ ١٣٦).
(٧) الإيمان لابن منده (١/ ٣١١).
[ ١٥٥ ]
وقال عبد الملك الميموني (^١): "سألت أحمد بن حنبل: أتفرق بين الإيمان والإسلام، فقال لي: نعم، قلت بأي شيء تحتج؟ فقال لي: قال الله ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^٢) قال: وأقول أنا مؤمن إن شاء الله، وأقول أنا مسلم ولا أستثني" (^٣).
القول الثالث:
إن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا دلَّ كلٌّ منهما على معنى يختلف عن الآخر، وإذا افترقا دلَّ كل منهما على ما يدل عليه الآخر، فإذا اجتمعا فيفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال القلبية. واستدلوا على ذلك بالأدلة السابقة في القول الثاني، ولكنهم زادوا على القول السابق بهذا التفصيل.
وممَّن قال بهذا أبو بكر الإسماعيلي (^٤) والخطابي (^٥)، وابن رجب، وابن تيمية وغيرهم.
قال أبو بكر الإسماعيلي: "قال كثير من أهل السنة والجماعة أن
_________________
(١) هو عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران الميموني ثقة، فاضل، لازم الإمام أحمد أكثر من عشرين سنة توفي سنة (٢٧٤ هـ). سير أعلام النبلاء (١٣/ ٨٩)، تهذيب التهذيب (٣/ ٥٨٥).
(٢) سورة الحجرات، الآية ١٤.
(٣) الإيمان لابن منده (١/ ٣١١) والسنة للخلال (٣/ ٦٠٤).
(٤) هو أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني أبو بكر الإسماعيلي أحد الأئمة الأعلام، توفي سنة (٣٧١). سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٩٢)، طبقات الحفاظ ص (٣٩٩)، ترجمة (٨٦٧).
(٥) هو حمد وقيل أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الشافعي محدث فقيه، لغوي، من مصنفاته "معالم السنن" و"شأن الدعاء" وغيرها، توفي سنة (٣٨٨ هـ). طبقات الحفاظ ص (٤٢٠) ترجمة (٩١٧)، البداية والنهاية (١١/ ٣٤٦).
[ ١٥٦ ]
الإيمان قولٌ وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمَّهم، وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطَّابي في كتابه معالم السنن وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده" (^١).
وقال ابن رجب: "هكذا اسم الإسلام والإيمان، والاسمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي" (^٢).
وقال أيضًا: "إذا أُفرد كلٌّ من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق والتحقيق في الفرق بينها أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله، وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل وهو الدين" (^٣).
وقال ابن تيمية: "التحقيق ابتداءً هو ما بينه النبي - ﷺ - لما سئل عن الإسلام والإيمان، ففسَّر الإسلام: بالأعمال الظاهرة، والإيمان: بالإيمان بالأصول الخمسة، فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي - ﷺ -، وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، وإذا أفرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام مؤمنًا بلا نزاع، وهذا
_________________
(١) جامع العلوم والحكم لابن رجب ص (٣٤).
(٢) المرجع السابق ص (٣٤).
(٣) جامع العلوم والحكم ص (٣٥).
[ ١٥٧ ]
هو الواجب" (^١).
وهذا هو الراجح، جمعًا بين الأقوال، وهو الذي قال به القرطبي، إذ يقول: "الإيمان والإسلام حقيقتان متباينتان، لغة وشرعًا، كما دل عليه حديث جبريل هذا وغيره، وهذا هو الأصل في الأسماء المختلفة، أعني: أن يدل كل واحد منهما على خلاف ما يدل عليه الآخر، غير أنه قد توسع الشرع فيهما فأطلق اسم الإيمان على حقيقة الإسلام، كما في حديث وفد عبد القيس، وكقوله: "الإيمان بضع وسبعون بابًا أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلَّا الله" (^٢) وقد أطلق الإسلام مريدًا مسمى الإسلام والإيمان بمعنى التداخل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^٣). وقد أطلق الإيمان كذلك أيضًا، كما روي من حديث علي مرفوعًا "الإيمان اعتقادٌ بالقلب وإقرار باللسان، وعمل بالأركان" (^٤) " (^٥).
والمازري أخذ بالقول الثاني، ففرَّق بين الإسلام والإيمان، ولكنه لم يذكر هذا التفصيل الذي قال به أصحاب القول الثالث، فعند شرحه لحديث سعد بن أبي وقَّاص الذي قال فيه: "يا رسول الله إني لأراه مؤمنًا، قال ﵊: أو مسلمًا" (^٦) حيث قال: "قوله - ﷺ -: "أو مسلمًا" دليل على التفرقة بين الإسلام والإيمان؛ لأن الإيمان التصديق، والإسلام الاستسلام والانقياد إلى الشرائع، والإيمان شعبة من ذلك، فكل إيمانٍ إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا؛ لأنه قد ينقاد في الظاهر وهو
_________________
(١) الإيمان لابن تيمية ص (٢٠٤).
(٢) سبق تخريجه ص (١٣٨).
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٩.
(٤) سبق تخريجه ص (١٣٨).
(٥) المفهم (١/ ١٤٠).
(٦) سبق تخريجه ص (١٥٥).
[ ١٥٨ ]
منافق، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^١) " (^٢).
وهذا الذي ذكره المازري قاله ابن الصلاح، وبيَّن أنه قول جماهير العلماء، حيث قال: "وحققناه أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، وأن لك مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، وهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهما" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والرد إلى الله ورسوله في مسألة الإسلام والإيمان يوجب أن كلا من الاسمين -وإن كان مسماه واجبًا- لا يستحق أحد الجنة إلَّا بأن يكون مؤمنًا مسلمًا فالحق في ذلك ما بينه النبي - ﷺ - في حديث جبريل فجعل الدين وأهله ثلاث طبقات: أولها: الإسلام، وأوسطها: الإيمان، وأعلاها: الإحسان، ومن وصل إلى العليا فقد وصل إلى التي تليها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم، وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنًا" (^٤).
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٤.
(٢) المعلم: ٢/ ٢٣.
(٣) الإيمان لابن تيمية ص (٢٨٤).
(٤) المرجع السابق ص (٢٨١).
[ ١٥٩ ]
المبحث الثالث الكبيرة وحكم مرتكبها
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر
المطلب الثاني: تعريف الكبيرة وتحديدها
المطلب الثالث: حكم مرتكبها
[ ١٦١ ]
المطلب الأول: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر:
ذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، كما وردت بذلك النصوص من الكتاب والسنة.
فمن الكتاب: قوله تعالى:
- ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (^١).
- وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (^٢).
ومن السنة:
- قوله - ﷺ -: "الصلواتُ الخمسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمُعة، ورمضان إلى رمضان، مُكفراتٌ ما بينهُنَّ إذا اجْتنبت الكبائِرُ" (^٣).
- وقوله - ﷺ -: "إن من أكبر الكبائر أن يَلْعَن الرجُلُ والديه. قالوا: يارسول الله وكيف يلعنُ الرجُلُ والديه؛ قال: يَسُبُّ الرجلُ أبا الرجلِ فيسب أباهُ ويسُب أمَّهُ فيسُب أمَّهُ" (^٤).
والأحاديث في هذا كثيرة.
وشذت طائفة فقالت: إن جميع الذنوب كبائر، وليس فيها صغائر منهم أبو إسحاق الإسفرايني (^٥)، والجويني والقشيري (^٦)، والباقلاني،
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٣١.
(٢) سورة النجم، الآية: ٣٢.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة باب الصلوات الخمس ح (٢٣٣)، (٣/ ١١٠٩).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب لا يسب الرجل والديه ح / ٥٩٧٣، (١٠/ ٤١٧)، ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها ح/ ٨٧، (٢/ ٤٤١).
(٥) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني المعروف بالأستاذ فقيه شافعي متكلم أشعري توفي سنة (٤١٨ هـ). سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٥٣)، البداية والنهاية (١٢/ ٢٦).
(٦) هو القاسم بن عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك الخراساني القشيري الصوفي الأشعري له كتاب "شرح الأسماء الحسنى" توفي سنة (٤٦٥ هـ). طبقات المفسرين للأدنه وي ص =
[ ١٦٣ ]
وابن فورك (^١) وغيرهم. ونسبه بعضهم إلى الأشعرية، وحكاه القاضي عياض عن المحققين.
قال ابن حجر: ذهب الجمهور إلى أن من الذنوب صغائر وكبائر وشذت طائفة: منهم أبو إسحاق الإسفرايني، فقال: ليس من الذنوب صغيرة، بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ونقل ذلك عن ابن عباس وحكاه القاضي عياض عن المحققين (^٢).
وقال ابن حجر الهيتمي (^٣): "اعلم أن جماعة من الأئمة أنكروا أن في الذنوب صغيرة، وقالوا: بل سائر المعاصي كبائر منهم أبو إسحاق الإسفرايني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في الإرشاد، وابن القشيري في المرشد، بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة، واختاره في تفسيره فقال: "معاصي الله تعالى عندنا كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيره وكبيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها" (^٤).
وقد رد القرطبي هذا القول، ونصر القول الأول الذي عليه جماهير أهل العلم فقال: "قد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في الكبائر ما هي، وما الفرق بينها وبين الصغائر. فروي عن ابن مسعود: أن الكبائر ما نهى الله
_________________
(١) = (١٢٥)، "سير أعلام النبلاء" (١٨/ ٢٢٧).
(٢) محمد بن الحسن بن فورك أبو بكر الأصبهاني، فقيه، شافعي، أصولي، متكلم، أشعري، كثير التصانيف توفي سنة (٤٠٦ هـ)، طبقات المفسرين للأدنه وي ص (٩٩)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢١٤).
(٣) فتح الباري (١٠/ ٤٢٣).
(٤) أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي شهاب الدين فقيه، مشارك في أنواع من العلوم له العديد من المصنفات منها: "تحفة المحتاج لشرح المنهاج"، و"الصواعق المحرقة لإخوان الابتداع والضلال والزندقة" وغيرها، توفي سنة (٩٧٣ هـ). الأعلام (١/ ٢٣٤)، معجم المؤلفين (١/ ٢٩٣).
(٥) الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي (١/ ٨).
[ ١٦٤ ]
عنه في أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (^١). وعن الحسن: أنها كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، وقيل: هي كل ما أوعد الله عليه بنار أو بحد في الدنيا، وروي عن ابن عباس أنها كل ما نهى الله عنه" (^٢).
ثم أنكر نسبة ذلك لابن عباس وردَّه، وبين صحة تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر فقال: "وما أظنه صحيحًا -أي النقل عن ابن عباس-؛ لأنه مخالف لما في كتاب الله من التفرقة بين المنهيات، فإنه قد فرَّق بينها في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (^٤) فجعل من المنهيات كبائر وصغائر، وفرَّق بينها في الحكم لمَّا جعل تكفير السيئات في الآية مشروطا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى هذا الفرق على مثل ابن عباس؛ وهو حبر القرآن! فتلك الرواية عن ابن عباس ضعيفة أو لا تصح" (^٥).
ولكن الحافظ ابن حجر صحَّح هذا النقل عن ابن عباس، ولكنه وجه قوله بعد نقله لقول القرطبي السابق حيث قال: "لكن النقل المذكور عنه أخرجه إسماعيل القاضي (^٦) والطبري (^٧) بسندِ صحيح على شرط
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٣١.
(٢) المفهم (١/ ٢٨٣).
(٣) سورة النساء، الآية: ٣١.
(٤) سورة النجم، الآية: ٣٢.
(٥) المفهم (١/ ٢٨٤).
(٦) إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الأزدي المالكي، مفسر، مقريء، تولى قضاء بغداد وله عدة مصنفات منها "أحكام القرآن". توفي سنة (٢٨٢ هـ). الديباج المذهب ص (١٥١)، طبقات المفسرين للأدنه وي ص (٤١).
(٧) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري الإمام المحدث المفسر، صاحب كتاب "جامع البيان في =
[ ١٦٥ ]
الشيخين إلى ابن عباس، فالأولى أن يكون المراد بقوله: "ما نهى الله عنه" محمولًا على نهي خاص، وهو الذي قرن به وعيد كما قيد في الرواية الأخرى عن ابن عباس، فيحمل مطلقه على مقيده جمعًا بين كلاميه" (^١).
والقول بتقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر، والذي قال به القرطبي هو القول الصحيح الذي عليه جماهير العلماء.
قال أبو حامد الغزالي: "إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه" (^٢).
وقال النووي: "وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة، واستعمال سلف الأمة وخلفها" (^٣).
وقال ابن القيم: "وقد دلَّ القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم والأئمة على أن الذنوب كبائر وصغائر" (^٤).
وقال ابن حجر الهيتمي: "وقال جمهور العلماء أن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر" (^٥).
_________________
(١) = تأويل القرآن" توفي سنة (٣١٠ هـ)، طبقات الحفاظ ص (٣٢٧)، ترجمة (٧٠٤)، طبقات المفسرين للأدنه وي ص (٤٨).
(٢) فتح الباري (١٠/ ٤٢٤).
(٣) شرح مسلم للنووي (٢/ ٤٤٤).
(٤) المرجع السابق.
(٥) الجواب الكافي ص (١٧٠).
(٦) الزواجر (١/ ٨).
[ ١٦٦ ]
المطلب الثاني: تعريف الكبيرة وتحديدها:
الكبيرةُ لغة: من الكبر.
قال ابن منظور: "الكِبْرُ: الإثم الكبير وما وعد الله عليه النار.
والكِبْرَةُ كالكِبْرِ: التأنيث للمبالغة" (^١).
"والكبيرةُ: الإثم الكبير المنهيّ عنه شرعًا" (^٢).
والعلماء الذين قالوا بانقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، اختلفوا في تحديد الكبيرة على قولين:
القول الأول:
منهم من حصرها في عدد معين، فقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: سبع، وقيل: تسع، وقيل: إحدى عشرة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: سبعون، وقيل: سبعمائة (^٣).
ولا دليل على ذلك سوى ما يرد في بعض الأحاديث من ذكر بعض هذه الأعداد.
القول الثاني:
من يرى أن الكبائر لا تحصر بعدد معين، وهذا ما ذهب إليه القرطبي إذ قال عند شرحه لحديث: "اجْتَنِبُوا السَّبع المُوبقات" (^٤): "ولا
_________________
(١) لسان العرب، مادة كبر (٥/ ١٢٩).
(٢) المعجم الوسيط (٢/ ٧٧٣).
(٣) انظر هذه الأقوال ومن قال بها في: تفسير الطبري (٤/ ٤١)، وزاد المسير لابن الجوزي (٢/ ٤٠) والنووي في شرح مسلم (٢/ ٤٤٣)، وابن حجر في الفتح (١٢/ ١٩٠) وابن تيمية في الفتاوى (١/ ٦٥٠)، والهيتمي في الزواجر (١/ ٩).
(٤) رواه البخاري في كتاب الوصايا باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ ح (٢٧٦٦) (٥/ ٤٦٢)، ومسلم في كتاب =
[ ١٦٧ ]
شك أن الكبائر أكثر من هذه السبع بدليل الأحاديث المذكورة في هذا الباب وغيره، ولذلك قال ابن عباس حين سئل عن الكبائر فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وفي رواية عنه هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، وعلى هذا فاقتصاره ﵇ على هذه السبع في هذا الحديث يحتمل أن يكون هي التي أعلم بها في ذلك الوقت بالوحي ثم بعد ذلك أعلم بغيرها، ويحتمل أن يكون ذلك، لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت، أو التي سئل عنها في ذلك الوقت، وكذلك القول في كل حديث خصَّ عددًا من الكبائر والله تعالى أعلم" (^١).
ثم هؤلاء الذين لا يرون حصرها بموجب هذه الأحاديث بعدد معين اختلفوا في تعريفها بضابط يضبطها على أقوال:
قيل: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب فهو كبيرة، روي هذا عن ابن عباس، وقال به سعيد بن جبير (^٢) ومجاهد (^٣)، والحسن (^٤).
وقيل: "الكبائر ما كان فيه من المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله، وقال به سفيان الثوري" (^٥).
_________________
(١) = الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها ح/ ٨٩، (٢/ ٤٤٤).
(٢) المفهم (١/ ٢٨٣).
(٣) هو سعيد بن جبير الأسدي مولاهم الكوفي أحد أعلام التابعين قتله الحجاج سنة (٩٥ هـ) وكان الناس في أشد الحاجة إلى علمه رحمه الله تعالى. حلية الأولياء (٤/ ٢٧٢)، تهذيب التهذيب (٢/ ٩).
(٤) هو مجاهد بن جبر المخزومي بالولاء المكي الثقة إمام التفسير من أئمة التابعين توفي سنة (١٠١ هـ)، حلية الأولياء (٣/ ٢٧٩)، صفة الصفوة (٢/ ٢٠٨).
(٥) تفسير الطبري (٤/ ٤٤).
(٦) مدارج السالكين لابن القيم (١/ ١٤٩).
[ ١٦٨ ]
وقيل: كل معصية يقدم عليها المرء من غير استشعار خوف ولا ندم كالمتهاون بارتكابها والمتجرئ عليها اعتيادًا فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة. وممن قال بهذا أبو حامد الغزالي (^١).
وقيل: كل ذنب كبر وعظم عظمًا، يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة، وَوصفَ بكونه عظيمًا على الإطلاق. وقاله ابن الصلاح (^٢).
وقد ذكر القرطبي تعريفًا جيدًا لها إذ قال: "كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو علق عليه الحد، أو شدد عليه النكير، فهو كبيرة. وهذا الكلام في غير ما قد ورد بالنص الصريح فيه أنه كبيرة من الكبائر أو أكبر الكبائر" (^٣).
وقد اختار هذا التعريف الحافظ ابن حجر، وارتضاه، فقال: "ومن أحسن التعاريف قول القرطبي في المفهم" (^٤) ثم ساق التعريف السابق.
المطلب الثالث: حكم مرتكب الكبيرة:
أجمع أهل السنة والجماعة على أن مرتكب الكبيرة الغير مستحل لها لا يكفر بذلك، بل ينقص إيمانه ولا يذهب بالكلية، بل يقولون مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
والنصوص من الكتاب والسنة قد تضافرت على ذلك.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ (^٥).
_________________
(١) شرح مسلم للنووي (٢/ ٤٤٤).
(٢) المرجع السابق (٢/ ٤٤٥).
(٣) المفهم (١/ ٢٨٣).
(٤) فتح الباري (١٢/ ١٩).
(٥) سورة النساء، الآية: ٤٨.
[ ١٦٩ ]
قال ابن جرير: "وقد أبانت الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرته شركًا بالله" (^١).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (^٣).
قال السعدي (^٤): "الإيمان والأخوة الإيمانية لا يزولان مع وجود الاقتتال كغيره من الذنوب الكبائر التي دون الشرك وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة" (^٥).
ومن السنة: قوله - ﷺ - في حديث عبادة بن الصامت -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تُشْركوِا بالله شيئًا، ولا تسْرِقوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتلُوا أولادَكُم ولا تأتوا ببهتانٍ تفترونهُ بين أيديكم وأرجُلِكُم ولا تعصُوا في معرُوف، فمنْ وفَّى منكُم فأجْرُهُ على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعُوقِب في الدنيا فهو كفَّارةٌ له، وإن أصابَ من ذلك شيئًا ثم سَتَرَهُ الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنهُ وإن شاء
_________________
(١) تفسير الطبري (٤/ ١٢٩).
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.
(٣) سورة الحجرات الآية: ٩.
(٤) الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي أحد أعلام القرن الرابع عشر الهجري، له "تفسير القرآن" "والقول السديد في مقاصد التوحيد" وغيرها من المصنفات التي زادت على أربعين مصنفًا توفي في عنيزة بالقصيم سنة (٣٧٦ اهـ) معجم المؤلفين (١/ ١٢٢)، الأعلام (٣/ ٣٤٠).
(٥) تفسير السعدي ص (٨٧٩).
[ ١٧٠ ]
عاقبهُ" فبايعناه على ذلك (^١).
وحديث أبي ذر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثُمَّ مات على ذلك إلا دخل الجنة قلتُ: وإن زَنَى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرَق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنْفِ أبي ذرٍّ" (^٢).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وهذا هو الذي عليه جماهير العلماء خلافًا للمبتدعة من الخوارج الذين قالوا بكفر مرتكب الكبيرة والمعتزلة الذين جعلوه في الدنيا بمنزلة بين المنزلتين، فليس بمؤمن ولا كافر، وفي الآخرة خالد مخلد في جهنم، والمرجئة الخالصة الذين قالوا لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
قال الطحاوي (^٣): "ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله" (^٤).
وقال الإمام أحمد: "والكف عن أهل القبلة ولا تكفر أحد منهم
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان باب بايعوا على أن لا تشركوا بالله شيئًا ح / ١٨ (١/ ٨١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ح (١٢٣٧)، (٣/ ١٣٢) واللفظ من كتاب اللباس باب الثياب البيض ح (٥٨٢٧)، (٢٩٤١٠) ومسلم في كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ح (٩٢)، (٢/ ٤٥٢).
(٣) أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي أبو جعفر إمام حافظ، له عدة مصنفات، منها: "معاني الآثار"، وشرح مشكل الآثار" وغيرها. توفي سنة (٣٢٢ هـ). سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧)، طبقات الحفاظ ص (٣٥٥)، ترجمة (٧٦٨).
(٤) الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (٢/ ٤٣٢).
[ ١٧١ ]
بذنب ولا تخرجه من الإسلام" (^١).
وقد بوَّب البخاري في صحيحه بقوله: "باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلَّا بالشرك" (^٢).
وقال أبو عثمان الصابوني (^٣) مقررًا عقيدة السلف: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر وكبائر، فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله ﷿، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار وإذا عذبه لم يخلد فيها" (^٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيانه لمذهب أهل السنة: "وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار ويقولون هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته" (^٥).
وقد نهج القرطبي منهج أهل السنة في هذه المسألة فقرر ما ذهبوا إليه من عدم تكفير مرتكب الكبيرة فعند شرحه لحديث: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" (^٦). قال: "من المعلوم من الشرع المجمع عليه من أهل السنة أن من مات على ذلك فلابد له من دخول الجنة، وإن
_________________
(١) السنة للإمام أحمد ص (٧٢).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الإيمان فتح الباري (١/ ١٠٦).
(٣) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني، إمام في الحديث، متبع للسنة، واعظ مفسر، من العلماء العبَّاد الزُّهَّاد، توفي سنة (٤٤٧ هـ). طبقات المفسرين للأدنة وي ص (١١٨)، تاريخ دمشق (٩/ ٣).
(٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص (٢٧٦).
(٥) العقيدة الواسطية ضمن الفتاوى (٣/ ١٥١).
(٦) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ح (٩٣، ٢/ ٤٥٣).
[ ١٧٢ ]
جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحنة وهذا معلوم ضروري من الدين مجمع عليه من المسلمين" (^١).
وقال أيضًا: "من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة ولم يتب منها فهو في مشيئة الله تعالى التي دل عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢).
وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعي أن طائفة كثيرة من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بالتفضل المعبر عنه بالقبضة في الحديث الصحيح (^٣) أو بما شاء الله" (^٤).
وقال: "مذهب أهل الحق أن لا يكفر أحد من المسلمين بارتكاب كبيرة ما عدا الشرك" (^٥).
وقد ردَّ على المكفرة بالذنوب من المعتزلة والخوارج وبين تخريج الأحاديث التي تدل بظاهرها على ما ذهبوا إليه فقال في شرحه لحديث أبي هريرة: "ولا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمن" (^٦): "ظاهر هذا الحديث حجة للخوارج والمعتزلة وغيرهم ممن يخرج من الإيمان بارتكاب الكبائر غير أن أهل السنة يعارضونهم بظواهر أولى منها كقوله عليه الصلاة
_________________
(١) المفهم (١/ ٢٩٠).
(٢) سورة النساء، الآية: ٤٨.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤية ح (١٨٣، ٣/ ٣٠).
(٤) المفهم (١/ ١٩٩).
(٥) المفهم (١/ ٣٠٠).
(٦) رواه البخاري في كتاب الأشربة باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ ح/ ٥٥٧٨ (١٠/ ٣٣)، ومسلم في كتاب الإيمان باب نقصان الإيمان بالمعاصي ح (٥٧، ٢/ ٤٠١).
[ ١٧٣ ]
والسلام في حديث أبي ذر: "من مات لا يشركُ بالله شيئًا دخل الجنة وإن زنى وإن سرَقَ" (^١) وكقوله في حديث عبادة بن الصامت: "ومن أصاب شيئًا من -ذلك يعني من القتل والسرق والزنى- فعوقب فهو كفارة له، ومن لم يعاقب فأمره إلى الله إن شاء عفا وإن شاء عذبه" (^٢) ويعضد هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣).
ونحو هذا في الأحاديث كثيرة، ولما صحت هذه المعارضة تعين تأويل تلك الأحاديث الأول وما في معناها وقد اختلف العلماء في ذلك فقال حبر القرآن عبد الله بن عباس: إن ذلك محمول على المستحل لتلك الكبائر وقيل معنى ذلك: إن مرتكب تلك الكبائر يسلب عنه اسم الإيمان الكامل أو النافع الذي يفيد صاحبه الانزجار عن هذه الكبائر وقال الحسن: يسلب عنه اسم المدح الذي سمي به أولياء الله المؤمنون ويستحق اسم الذم الذي سمي به المنافقون والفاسقون وكل هذه التأويلات حسنة والحديث قابل لها وتأويل ابن عباس هذا أحسنها" (^٤).
ولا شك أن حديث عبادة بن الصامت صريح في رد مذهب المكفرة بالذنوب، وقد قال عند شرحه: "وهذا تصريح بأن ارتكاب الكبائر ليس بكفر؛ لأن الكفر لا يغفر لمن مات عليه بالنص والإجماع، وهو حجة لأهل السُّنَّة على المكفرة للذُّنوب وهم الخوارج وأهل البدعة" (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٧١).
(٢) سبق تخريجه ص (١٧١).
(٣) سورة النساء، الآية: ٤٨.
(٤) المفهم (١/ ٢٤٧).
(٥) المفهم (٥/ ١٤٢).
[ ١٧٤ ]
وكذلك حديث الشفاعة أيضًا، حيث قال فيه: "وهذا الحديث ردٌّ على الخوارج والمعتزلة حيث حكمُوا بخلود أهل الكبائر في النار وأنهم لا يخرجون منها أبدًا" (^١).
وحمل جميع ما يرد من هذه الأحاديث الدالة بظاهرها على تكفير أهل الكبائر على هذه المحامل مع تخريج كل حديث بما يناسب سياقه، وقد قال عند شرحه لحديث: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" (^٢) بعد أن بين مفهوم الحديث على ضوء معتقد أهل السنة والجماعة قال: "وعلى هذا القانون ينبغي أن يحمل ما في هذا الباب مما قال فيه النبي - ﷺ - إن فاعله لا يدخل الجنة مما ليس بشرك للأدلة المتقدمة ولما يأتي في أحاديث الشفاعة" (^٣).
والمازري أيضًا وافق أهل السنة بقولهم هذا ورد على الخوارج والمعتزلة والمرجئة فيما ذهبوا إليه، وإن كان نسب هذا القول إلى الأشعرية، فقال عند شرحه لحديث: "من مات وهو يعلمُ أنَّهُ لا إله إلَّا الله دخل الجنة" (^٤): "اختلف الناس فيمن عصى من أهل الشهادتين فقالت المرجئة: "لا تضره المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره المعصية ويكفر بها، وقالت المعتزلة يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق. وقالت
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٥٢).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان باب تحريم إيذاء الجارح (٤٦) (٢/ ٣٧٦).
(٣) المفهم (١/ ٢٢٨) وانظر على سبيل المثال (١/ ١٩٩، ٢٠١، ٢٢٨، ٢٤٥، ٢٤٧، ٢٥٤، ٢٥٦، ٢٥٧، ٢٨٩، ٢٩٩، ٣١٠، ٣٤٧، ٣٥٤، ٣/ ٧٢٥، ٤٠/ ٦٠، ٦/ ٥٢٧، ٦٠٧).
(٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على أنَّ من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا ح / ٢٦ (١/ ٣٣١).
[ ١٧٥ ]
الأشعرية: بل هو مؤمن وإن لم يغفر له وعذب، فلابد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة. وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره على صحة ما قالت به قلنا: محمله على أنه غُفِرَ له وأُخرِجَ من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة فيكون المعنى في قوله: "دخل الجنة" أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب وهذا لابد من تأويله لما جاءت به ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة، فلابد من تأويل هذا الحديث على ما قلناه لئلا تتناقض ظواهر الشرع" (^١).
وبين في شرحه لمثل هذه الأحاديث أنها لا تحمل على ظاهرها بمعزل عن الأحاديث الأخرى المبينة لها دفعًا لمذهب الخوارج فقال عند شرحه لحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (^٢): "قيل معنى مؤمن أي آمن من عذاب الله ويحتمل أن يحمل على أن معناه: أن يكون مستحلًا لذلك، وقد قيل: معناه أي كامل الإيمان، وهذا على قول من يرى أن الطاعات تسمى إيمانًا. وهذه التأويلات تدفع قول الخوارج أنه كافر بزناه، وقول المعتزلة أن الفاسق الملّيّ لا يسمى مؤمنًا تعلقًا من الطائفتين بهذا الحديث، وإذا احتمل ما قلناه لم تكن لهم فيه حجة" (^٣).
_________________
(١) المعلم (١/ ١٩٤).
(٢) سبق تخريجه ص (١٧٣).
(٣) المعلم (١/ ١٩٧) وانظر أيضًا (١/ ١٩٨، ١٩٩، ٢٠٠).
[ ١٧٦ ]
الفصل الثاني توحيد الربوبية
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
التمهيد: علم الكلام وموقف السلف منه
المبحث الأول: أول واجب على المكلف والرد على المتكلمين.
المبحث الثاني: معنى توحيد الربوبية وأدلته
المبحث الثالث: الإيمان بالقدر
[ ١٧٧ ]
التمهيد
علم الكلام وموقف السلف منه
مما لا شك فيه أن علم الكلام الذي خاض فيه من خاض، فقعَّدوا له القواعد، وبنوا عليه المسائل، وألزموا الناس من خلاله بمنهج لم يأت في كتابٍ ولا سنة، ولا عرفه سلف هذه الأمة، وقد ترتب عليه من المحاذير ما الله به عليم، خصوصًا ما يتعلق بتوحيد الربوبية، ومعرفة الله تعالى، لذا وضعت هذا التمهيد لهذا الفصل في ذم الكلام وأهله وموقف السلف منه.
لقد أمر الله تعالى بلزوم الكتاب والسنة، ونهى عن الخصومات في الدين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (^١)، وقال - ﷺ -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة" (^٢).
وقد حرص الصحابة - ﵃ - على الالتزام بالكتاب والسنة، والتحذير من البدع والكلام المذموم، والمجادلة بالباطل. وما قصة عمر ﵁ مع صبيغ بن عسل (^٣) وتأديبه، والنهي عن
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١١٥.
(٢) رواه أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦)، وأبو داود في كتاب السنة، باب لزوم السنة، والترمذي في كتاب العلم، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٣٤٢).
(٣) صبيغ بن عسل ويقال صبيغ بن شريك التميمي البصري: استمر في منهجه هذا حتى قتل في =
[ ١٧٩ ]
مجالسته - بسبب كثرة أسئلته ومجادلاته بالباطل (^١) - إلَّا نموذجًا على حرص الصحابة - ﵃ - على إقفال هذا الباب، والتحذير من هذا المسلك.
قال ابن مسعود - ﵁ - "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر" (^٢).
وقد سار التابعون، ومن بعدهم من السلف، على هذا المنهج، وازَداد تحذيرهم من هذا المسلك بعدما أحدث المتكلمون المسائل الكلامية البدعية، وما صاحبها من الألفاظ المحدثة الموهمة.
قيل لأبي حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام والأعراض والأجسام؟ فقال: "مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة" (^٣).
وقال الإمام مالك: "لو كان الكلام علمًا، لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطلٌ، يدل على باطلٍ" (^٤).
وقال الإمام الشافعي: "لأن يُبْتَلى المرءُ بكل ما نهى اللهُ عَنه -ما عدا الشرك به- خيرٌ من النظر في الكلام" (^٥).
_________________
(١) = بعض الفتن. تاريخ دمشق (٢٣/ ٤٠٨).
(٢) وردت القصة بعدة روايات انظر: الشريعة للآجري (١/ ٤٨٣)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٤/ ٧٠٢).
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٦٦).
(٤) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة للأصبهاني (١/ ١١٥).
(٥) شرح السنة للبغوي (١/ ١٤٩).
(٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٦٥) الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (١/ ١١٥).
[ ١٨٠ ]
وقال الإمام أحمد: "لا يفلح صاحب كلام أبدًا، ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل" (^١).
وقال أبو يوسف (^٢): "من طلب الدين بالكلام تزندق" (^٣).
وقال البربهاري (^٤): "اعلم أنها لم تكن زندقة ولا كفر ولا شكوك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأهل الكلام، والجدال والمراء، والخصومة والعجب" (^٥).
وهكذا تضافرت نصوص السلف في التحذير من علم الكلام وذمه. وهذا التحذير ينصب على علم الكلام المخالف للكتاب والسنة، مما أُدْخِلَ في العقيدة من الدلائل والمسائل المبتدعة، التي تكون سببًا في ضعف الإيمان، وقلة تعظيم الكتاب والسنة.
والقرطبي -﵀- له كلامٌ قويٌ جميلٌ في الرد على المتكلمين، وذم ما هم فيه، وبيان المحاذير المترتبة على الكلام، نقله الإمام الحافظ ابن حجر بطوله في الفتح -كما تقدم ذكره- خصوصًا أن القرطبي أخذ علم الكلام في بداية طلبه، كما قال ابن مسدي عنه: "أخذ
_________________
(١) صحيح جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر تحقيق أبو الأشبال الزهيري ص (٣٦٧).
(٢) هو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري مولاهم الشهير بأبي يوسف صاحب أبي حنيفة أثبت أصحاب الرأي في الحديث وأحفظهم له، توفي سنة (١٨٢ هـ). سير أعلام النبلاء (٨/ ٥٣٥)، طَبقات الحفاظ ص (١٣٦) ترجمة (٢٦٠).
(٣) الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (١/ ١١٧)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٦٦).
(٤) هو الحسن بن علي بن خلف البربهاري شيخ الحنابلة كان قوَّالًا للحق، لا تأخذه في الله لومة لائم أوذي وامتحن بسب ذلك حتى توفي مستترًا سنة (٣٢٨ هـ). سير أعلام النبلاء (١٥/ ٩٠). البداية والنهاية (١١/ ٢١٣).
(٥) شرح السنة للبربهاري ص (٣٨).
[ ١٨١ ]
نفسه بعلم الكلام وأن الجوهر الفرد لا يقبل الانقسام وتغلغل في تلك الشعاب عدة أحقاب" (^١). وقال المقري: "وكان يشتغل أولًا بالمعقول" (^٢).
فنقده لعلم الكلام نقد المجرب الخبير، حيث قال عند شرحه لحديث: "إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِمُ" (^٣): "وهذا الخصم المبغوض عند الله تعالى هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة، والشبه الموهمة، وأشد ذلك؛ الخصومة في أصول الدين، كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، وسلف أمته إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على مباحث سوفسطائية، أو مناقشات لفظية ترد بشبهها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها! ثم إن هؤلاء المتكلمين قد ارتكبوا أنواعًا من المحال لا يرتضيها البله ولا الأطفال لما بحثوا عن تحيز الجواهر والأكوان والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عن البحث فيه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم فيه بحث واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى وتقديرها، واتخاذها في أنفسها، وأنها هي الذات أو غيرها، وأن الكلام هل هو متحد أو منقسم؟ وإذا كان منقسمًا فهل ينقسم بالأنواع أو بالأوصاف؟ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور؟ ثم
_________________
(١) توضيح المشتبه (٨/ ١٣٩).
(٢) نفح الطيب لابن ناصر الدمشقي (٢/ ٦١٥).
(٣) رواه البخاري في كتاب المظالم باب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] ح (٢٤٥٧) (٥/ ١٢٧)، ومسلم في كتاب العلم باب في الألد الخصم ح (٢٦٦٨) (١٦/ ٤٥٩).
[ ١٨٢ ]
إذا انعدم المأمور فهل يبقى ذلك التعلق؟ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلًا هو عين الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي - ﷺ - ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها، لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته، فإن العقول لها حدٌّ تقف عنده، وهو العجز عن التكييف لا يتعداه، ولا فرق بين البحث في كيفية الذات وكيفية الصفات، ولذا قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^١)، ولا تبادر بالإنكار فعل الأغبياء الأغمار، فإنك قد حُجبت عن كيفية حقيقة نفسك مع علمك بوجودها وعن كيفية إدراكاتك مع أنك تدرك بها، وإذا عجزت عن إدراك كيفية ما بين جنبيك فأنت عن إدراك ما ليس كذلك أعجز. وغاية علم العلماء وإدراك عقول الفضلاء، أن يقطعوا بوجود فاعل هذه المصنوعات، منزه عن صفاتها، مقدَّس عن أحوالها، موصوف بصفات الكمال اللائق به. ثم مهما أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه، قبلناه، واعتقدناه، وما لم يتعرضوا له سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه، هذه طريقة السلف، وما سواها مهاوٍ وتلف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين ".
ثم ذكر أقوالًا في ذم الكلام لعمر بن عبد العزيز (^٢)، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن عقيل (^٣) سبق بعضها، ثم بيَّن رجوع كثير من
_________________
(١) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٢) هو الإمام الراشد القدوة العادل المصلح أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز مروان الأموي تولى الخلافة سنتين وأشهر رد فيها المظالم إلى أهلها وسعى في الإصلاح وفعل الخير من الحفاظ المجتهدين والعباد الزاهدين. تاريخ الخلفاء ص (٢٦١) وطبقات الحفاظ ص (٥٧) ترجمة (١٠١).
(٣) أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي المتكلم صاحب التصانيف من =
[ ١٨٣ ]
أئمة المتكلمين عن الكلام، كإمام الحرمين، والوليد بن أبان الكرابيسي (^١)، وأبي الوفا بن عقيل، والشهرستاني (^٢) وذكر أقوالهم في ذلك، ثم قال: " ولو لم يكن في الكلام شيءٌ يُذمُّ به إلَّا مسألتان هما من مبادئه، لكان حقيقًا بالذم، وجديرًا بالترك:
إحداهما: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات: الشك في الله تعالى. والثانية: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها فلا يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين من السلف الماضين، وأئمة المسلمين عصمنا الله من بدع المبتدعين، وسلك بنا طريق السلف الماضين، وإنما طوَّلت في هذه المسألة الأنفاس، لما قد شاع من هذه البدع في الناس، ولأنه قد اغتر كثيرٌ من الجُهَّال بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وجب عليَّ من النصيحة، والله تعالى يتولى إصلاح القلوب الجريحة" (^٣).
وسبب ذم السلف لعلم الكلام، وتشديدهم في النكير على أهله، إنما كان لعلمهم أن الكتاب والسنة يفيان بما يحتاجه الناس، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ
_________________
(١) = الأذكياء المتبحرين توفي سنة (٥١٣ هـ). سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣)، الكامل في التاريخ (٩/ ١٩٠).
(٢) الوليد بن أبان الكرابيسي المعتزلي المتكلم قيل: إنه رجع عند وفاته عن الكلام وأوصى بما عليه أهل الحديث توفي سنة (٢١٤ هـ). سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٨)، معجم المؤلفين (٤/ ٧٦).
(٣) هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني الشافعي المتكلم الأشعري، من تصانيفه: "الملل والنحل"، "نهاية الإقدام" وغيرها توفي سنة (٥٤٨ هـ). سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢٨٦)، معجم المؤلفين (٣/ ٤٢٢).
(٤) المفهم (٦/ ٦٩٠ - ٦٩٤).
[ ١٨٤ ]
لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (^١).
وقد وسع الصحابة - ﵃ - والتابعين ذلك، فلم يخوضوا في علم الكلام، والحق في الاتباع وترك الابتداع. إضافة إلى أن علم الكلام يؤدي بأهله إلى الشك والحيرة؛ لاشتماله على مسائل مبتدعة، ومعاني باطلة، بنيت على أصول فاسدة، حيث عظموا العقل، وجعلوه حاكمًا على الكتاب والسنة، فضعف خضوعهم للكتاب والسنة، وقلَّت عنايتهم بهما، فعرضوا مسائل العقيدة وفق منهج كلامي، وقالب فلسفي جدلي، مما يؤدي إلى صرف الناس عن إدراك حقيقة العقيدة الصافية السهلة الواضحة. ثم إنهم أفنوا أعمارهم في توحيد الربوبية، وإثبات أدلة وجود الله تعالى، وهو أمِرٌ فطري، لا يحتاج إلى كل ذلك، وأغفلوا توحيد الألوهية، الذي خلِق الناس لأجله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^٢). فلم يكن ما خاضوا فيه علمًا نافعًا، ولا منهجًا صائبًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم: "من أعظم الناس حشوًا وقولا للباطل وتكذيبًا للحق" (^٣).
على أن من خاض من السلف في بعض المسائل التي لم تكن معروفة عند المتقدمين منهم، إنما فعل ذلك مضطرًا مجبرًا للدفاع عن الإسلام، ودفع شبه الملحدين والزنادقة، الذين يدّعون علم المعقول، ويطعنون في الكتاب والسنة، كما قال الإمام الدارمي (^٤) -﵀-:
_________________
(١) سورة العنكبوت، الآية: ٥١.
(٢) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
(٣) الفتاوى (٤/ ٢٧).
(٤) هو عثمان بن سعيد الدارمي الإمام الحافظ المحدث صاحب المسند طاف الأقاليم في طلب الحديث كان قويًّا على المبتدعة وله مصنفات في الرد عليهم توفي سنة (٢٨٠ هـ). سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣١٩)، تاريخ دمشق (٣٨/ ٣٦١).
[ ١٨٥ ]
"وقد كان من مضى من السلف يكرهون الخوض في هذا وما أشبهه، وقد كانوا رُزِقُوا العافية منهم، وابتُلِيْنَا بهم عند دروس الإسلام، وذهاب العلماء، فلم نجد بُدًّا من أن نرد عليهم ما أتوا به من الباطلِ بالحق" (^١).
وقال ابن تيمية: "فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقه" (^٢).
وكذلك ينبغي أن يُعلم أن الذين خاضوا في علم الكلام، وأخذوا بأقوال المتكلمين ليسوا على درجة واحدة، ولا يلحق الذم المذكور عن السلف جميع هؤلاء، بل هم درجات وبعضهم أقرب إلى السنة من بعض، إذ منهم من تابع أهل الكلام، وانخدع بأقوالهم، لعدم معرفته بالحق في بعض المسائل، مع تعظيمه لنصوص الشرع، ونصرته للحق، فهذا لا يقارن بمن حرَّف الكلِمَ عن مواضعه، وأصَّل أصولًا من عقله، وجعلها حاكمًا على شرع الله" (^٣).
_________________
(١) الرد على الجهمية للدارمي ص (٢٣).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٥٧).
(٣) انظر: النبوات ص (١٥٩)، الاستقامة (١/ ٣٧)، درء التعارض (٢/ ٣١٥، ٧/ ٩٨) وكلها لابن تيمية.
[ ١٨٦ ]
المبحث الأول أول واجب على المكلف والرد على المتكلمين
لقد سلك كثير من المتكلمين في معرفة الله تعالى والاستدلال على وجوده طرقًا ملتوية، ما أنزل الله بها من سلطان، وليس لهم في ذلك دليل من كتاب أو سنة، أو فهم سلف الأمة. وقد ترتب على ما ذهبوا إليه من المفاسد ما لا يحصى كثرةً، وقولهم هذا راجع إلى اعتقادهم بأن معرفة الله تعالى نظرية وليست فطرية، أي لا يوجد في القلوب معرفة للخالق سبحانه قبل النظر، لذا اعتبروه أول الواجبات على العبد. قال الباقلاني: "أول ما فرض الله ﷿ على العباد النظر في آياته، والاعتبار بمقدوراته، والاستدلال عليه بآثار قدرته، وشواهد ربوبيته، لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار، ولا مُشاهد بالحواس، إنما يُعْلَم وجوده وكونه على ما تقتضيه أفعاله، بالأدلة الظاهرة والبراهين الباهرة" (^١).
وقال الجويني: "أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحُلم شرعًا القصد إلى النظر الصحيح" (^٢).
وقد ذكر الباجوري (^٣) الأقوال في أول واجب على المكلف، ثم قال بعد ذلك في محاولة للجمع بينها: "الأصح أن أول واجب قصدًا: المعرفة، وأول واجب وسيلة قريبةً: النظر. ووسيلة بعيدة: القصد إلى
_________________
(١) الإنصاف للباقلاني ص (٢٢).
(٢) الإرشاد للجويني ص (٢٥).
(٣) إبراهيم بن محمد الباجوري أو البيجوري الشافعي الأشعري شيخ الأزهر في زمنه توفي سنة (١٢٧٧ هـ). معجم المؤلفين (١/ ٥٧)، هدية العارفين (٥/ ٤١).
[ ١٨٧ ]
النظر وبهذا يجمع بين الأقوال الثلاثة" (^١).
وهذا القول هو الذي عليه عامة الأشاعرة، وقد أخذوه عن المعتزلة. قال أبو جعفر السمناني (^٢): "إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك" (^٣).
ويترتب على قولهم هذا إخراج لعامة المسلمين من الإسلام، بل تكفير لسلف الأمة وَخَلَفِها، وقد بيَّنوا أن هذه الطريقة لا يعرفها كل أحد، فجعلوا الإيمان بالله والدخول في دينه لا يستطيعه إلَّا من رسخ في العلم بزعمهم. ولهذا لما عدَّد شارح "الجوهرة" المطالب السبعة التي يتوصل بها إلى إثبات وجود الله تعالى قال: "وهذه المطالب لا يعرفها إلَّا الراسخون في العلم" ثم قال: "قال السنوسي (^٤): وبها ينجو المكلف من أبواب جهنم السبعة" (^٥).
فانظر كيف جعل السنوسي عاقبة ترك هذه المطالب على المكلف سواء كان من العوام أو من العلماء الراسخين في العلم، وانظر كيف اعترف الباجوري بأنه لا يعلمها إلَّا الراسخون في العلم، فيكونون على هذا هم الناجين فقط دون من سواهم، ويكون العوام وهم أكثر المسلمين ليسوا بناجين من النار، بل حتى العلماء الذين ليسوا براسخين في العلم،
_________________
(١) تحفة المريد على جوهرة التوحيد للباجوري ص (٣٨).
(٢) هو محمد بن أحمد بن محمد السمناني القاضي الحنفي أحد المتكلمين لازم القاضي أبا بكر الباقلاني حتى برز في علم الكلام، كان حامل لواء الأشعرية في زمنه توفي سنة (٤٤٤ هـ). سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥١)، البداية والنهاية (١٢/ ٦٨).
(٣) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٣٦١).
(٤) محمد بن يوسف السنوسي سبقت ترجمته ص (٦٩).
(٥) تحفة المريد للباجوري ص (٤٢).
[ ١٨٨ ]
وهذا تحجير لواسع، وتضييق لرحمة الله، وابتداع لقول لم يسبقوا إليه" (^١).
ولا شك أن في الكتاب والسنة تعريفًا للناس بخالقهم بطرق سهلة ميسرة لا تخفى على أحد، ولا تحتاج لرسوخ في العلم، ودقةٍ في النظر، مع ما في فِطَرِ الناس من معرفة لله تعالى. والرسول - ﷺ - ما أمر الناس بالفظر أو طلب منهم ذلك، أو سأل من دخل في الإسلام عنه، إنما كانت الدعوة إلى الشهادتين فمن فعل ذلك دخل في الإسلام وحكم له به.
قال ابن تيمية: "والنبي - ﷺ - لم يدع أحدًا من الخلق إلى النظر ابتداءً ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه (^٢).
وقال ابن حزم: "وقال سائر أهل الإسلام: كل من اعتقد بقلبه اعتقادًا، لا يشك فيه، وقال بلسانه: لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله وأن كل ما جاء به حق وبرئ من كل دين سوى دين محمد - ﷺ - فإنه مسلم مؤمن ليس عليه غير ذلك" (^٣).
وقال أبو المظفر السمعاني (^٤): "إنما أنكرنا طريقة أهل الكلام على ما أسسوا فإنهم قالوا: أول ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري. وهذا قول مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين ولو
_________________
(١) منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله الخالق، عبد اللطيف محمد نور (١/ ٣١٦).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٦).
(٣) الفصل في الملل والنحل (٤/ ٢٩).
(٤) هو منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني مفسر أُصولي متكلم، له عدة مصنفات منها: "منهاج أهل السنة" توفي سنة (٤٨٩ هـ). طبقات المفسرين للأدنه وي ص (١٤٥)، البداية والنهاية (١٢/ ١٦٤).
[ ١٨٩ ]
أنك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها منقولًا عن النبي - ﷺ -، ولا من الصحابة - ﵃ -، وكذلك من التابعين بعدهم" (^١).
والرد على هؤلاء من وجهين:
أولًا: أن معرفة الله تعالى ليست نظرية، بل فطرية، وسيأتي بيان ذلك.
ثانيًا: أن أول الواجبات على العبد النطق بالشهادتين، كما جاءت بذلك النصوص من الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (^٣).
وقول الرسول - ﷺ - لمعاذ بن جبل - ﵁ - حينما بعثه إلى اليمن: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسُولُ الله " (^٤). وقوله - ﷺ -: "أمرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدُوا أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسُولُ الله " (^٥).
وهذا متفق عليه بين السلف، كما تبين من النصوص السابقة. والقرطبي -﵀- نصر قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة،
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (٢/ ١٢٠).
(٢) سورة النحل، الآية: ٣٦.
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.
(٤) رواه البخاري كتاب التوحيد باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎ ح (٧٣٧٢) (١٣/ ٣٥٩). ومسلم في كتاب الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ح (١٩) (١/ ٣١٠).
(٥) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب قتال الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله محمد رسول الله - ﷺ - ح (٢٢) (١/ ٣٢٥).
[ ١٩٠ ]
وخالف الأشاعرة ومن وافقهم في قولهم هذا، حيث قال بعد ذكره لأركان الإيمان: مذهب السلف وأئمة الفتوى من الخلف، أن من صدق بهذه الأمور تصديقًا جزمًا لا ريب فيه، ولا تردد ولا توقف كان مؤمنًا حقيقة وسواء كان ذلك عن براهين ناصعة، أو عن اعتقادات جازمة.
على هذا انقرضت الأعصار الكريمة، وبهذا صرحت فتاوى أئمة الهدى المستقيمة حتى حدثت مذاهب المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنه لا يصح الإيمان الشرعي، إلَّا بعد الإحاطة بالبراهين العقلية والسمعية وحصول العلم بنتائجها ومطالبها ومن لم يحصل إيمانه كذلك، فليس بمؤمن ولا يجزئ إيمانه بغير ذلك وتبعهم على ذلك جماعة من متكلمي أصحابنا كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفراييني، وأبي المعالي في أول قوليه، والأول هو الصحيح، إذ المطلوب من المكلفين ما يقال عليه: إيمان كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١)، ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٢).
والإيمان: هو التصديق لغة وشرعًا، فمن صدق بذلك كله ولم يجوز نقيض شيء من ذلك، فقد عمل بمقتضى ما أمره الله به، على نحو ما أمره الله تعالى ومن كان كذلك فقد تقصَّى عن عهدة الخطاب، إذ قد عمل بمقتضى السنَّة والكتاب، ولأنَ رسول الله - ﷺ - وأصحابه بعده حكمُوا بصحَّة إيمان كلّ من آمن وصدق بما ذكرناه، ولم يفرقوا بين من آمن عن برهان، أو عن غيره، ولأنهم لم يأمروا أجلاف العرب بترديد النظر ولا سألوهم عن أدلَّة تصديقهم، ولا أرجؤوا إيمانهم حتى ينظروا وتحاشوا
_________________
(١) سورة النساء، آية: ١٣٦.
(٢) سورة الفتح، آية: ١٣.
[ ١٩١ ]
عن إطلاق الكفر على أحد منهم، بل سموهم المؤمنين والمسلمين، وأجروا عليهم أحكام الإيمان والإسلام؛ ولأن البراهين التي حررها المتكلمون ورتبها الجدليون إنما أحدثها المتأخرون ولم يخض في شيء من تلك الأساليب السلف الماضون فمن المحال والهذيان أن يشترط في صحة الإيمان ما لم يكن معروفًا ولا معمولًا به لأهل ذلك الزمان، وهم من هم فهمًا عن الله وأخذًا عن رسول الله - ﷺ - وتبليغًا لشريعته وبيانًا لسُنَّته وطريقته" (^١).
وبيَّن في موضعٍ آخر فساد ما ذهبوا إليه، وخطورة ما يترتب عليه، فقال: "ولو لم يكن في الكلام شيءٌ يُذَمُّ به إلَّا مسألتان، هما من مبادئه، لكان حقيقًا بالذم، وجديرًا بالترك.
إحداهما: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك في الله تعالى.
والثانية: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها، والأبحاث التي حرروها فلا يصح إيمانه وهو كافر.
فيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين، من السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن من يبدأ بتكفيره أباه وأسلافه، وجيرانه، وقد أُورد على بعضهم هذا فقال: لا يُشَنَّع علي بكثرة أهل النار ومن شك في تكفير من قال: إن الشك في الله تعالى واجب، وأن معظم الصحابة والمسلمين كفار، فهو كافر شرعًا، أو مختل العقل، وضعًا إذ كل واحدة منها معلومة الفساد بالضرورة الشرعية، الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعية، وإن لم يكن كذلك، فلا ضروري يصار إليه في الشرعيات ولا العقليات" (^٢).
ولا شك أن من ذهب إلى هذا القول ليس له حجة في ذلك، وما
_________________
(١) المفهم (١/ ١٤٥).
(٢) المفهم (٦/ ٦٩٣).
[ ١٩٢ ]
تمسكوا به في حديث معاذ لا يسلم لهم، بل هو حجة عليهم، وقد بيَّن القرطبي هذا فقال: "قوله: "فإذا عرفوا الله فأخبرهم". أي: إن أطاعوا بالنطق بذلك أي: بكلمتي التوحيد كما قال في الرواية الأخرى: "فإن هم أطاعوا بذلك فأعلمهم" فسمى الطواعية بذلك والنطق به: معرفة؛ لأنه لا يكون غالبًا إلَّا عن المعرفة، وهذا الذي أمر النبي - ﷺ - به معاذًا هو الدعوة قبل القتال التي كان النبي - ﷺ - يوصي بها أمراءه، وقد اختلف في حكمها على ما يأتي في الجهاد، وعلى هذا فلا يكون في حديث معاذ حجة لمن تمسك به من المتكلمين، على أن أول واجب على كل مكلف معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حجة لمن يقول: إن أول الواجبات التلفظ بكلمتي الشهادة مصدقًا بها" (^١).
قال الشوكاني (^٢) -﵀- رادًّا على المتكلمين في قولهم في هذه المسألة، مبينًا ما يترتب عليها من النتائج الفاسدة: "فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة وتكليف لهم بما ليس في وسعهم ولا يطيقونه، وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها، الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله - ﷺ - وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته" (^٣).
_________________
(١) المفهم (١/ ١٨١).
(٢) محمد بن علي الشوكاني الإمام العالم المجتهد أكثر من التصنيف منها: "فتح القدير" في التفسير، "نيل الأوطار" في فقه الحديث، وغيرها كثير توفي سنة (١٢٥٠ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٥٤١)، الأعلام (٦/ ٢٩٨).
(٣) إرشاد الفحول ص (٣٩٣).
[ ١٩٣ ]
المبحث الثاني معنى توحيد الربوبية وأدلته
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريفه لغة
المطلب الثاني: تعريفه شرعا
المطلب الثالث: أدلته:
أ - دليل الفطرة.
ب - دليل الخلق.
جـ - دليل المعجزة.
[ ١٩٥ ]
المطلب الأول: تعريف توحيد الربوبية لغة:
قال الجوهري: "رب كل شيء مالكُهُ. والربُّ: اسم من أسماء الله ﷿" (^١).
وقال ابن فارس (^٢): "رب: الراء والباء يدل على أصول، فالأول: إصلاح الشيء، والقيام عليه، فالربُّ: المالكُ والخالقُ، والصَّاحب. والرّبُّ: المُصْلح للشَّيء. يُقال: رَبَّ فلانٌ ضَيعته، إذا قام على إصلاحها والله جلَّ ثناؤُه الرَّبُّ؛ لأنه مصلحُ أحوال خلقه" (^٣).
وقال ابن قتيبة (^٤): "الرب: المالك، يقال: هذا رب الدار، ورب الضيعة، ورب الغلام، أي مالكه، قال الله سبحانه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (^٥) أي: إلى سيدك. ولا يقال لمخلوق: هذا الرب، معرَّفًا بالألف واللام، كما يقال لله، إنما يقال، هذا رب كذا، فيعرف بالإضافة؛ لأن الله مالك كل شيء، فإذا قيل: الرب، دلَّت الألف واللام على معنى العموم، وإذا قيل لمخلوق: رب كذا ورب كذا، نسب إلى شيء خاص" (^٦).
وقال القرطبي: "وأصل رب: اسم فاعل من رب الشيء يربه إذا
_________________
(١) الصحاح للجوهري (١/ ١٣٠).
(٢) هو أحمد بن فارس بن زكريا القزويني المعروف بالرازي أبو الحسين لغوي مشارك في سائر العلوم توفي سنة (٣٩٥ هـ). طبقات المفسرين للأدنه وي ص (٩٢). معجم المؤلفين (١/ ٢٢٣).
(٣) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٣٨١، ٣٨٢).
(٤) هو عبد الله بن مسلم بن قتية الدينوري إمام مشارك في سائر العلوم له العديد من المصنفات في التفسير واللغة والحديث منها: "تاويل مختلف الحديث" "مشكل القرآن" وغيرها توفي سنة (٢٧٦ هـ). طبقات المفسرين للأدنه وي ص (٤٤). سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦).
(٥) سورة يوسف، آية: ٥٠.
(٦) تفسير غريب القرآن ص (٩).
[ ١٩٧ ]
أصلحه وقام عليه، ثم إنه يقال على السيد والمالك" (^١).
المطلب الثاني: تعريف توحيد الربوبية شرعًا:
هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه، وخالقه، ورازقه، وأنه المحيي والمميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر (^٢).
قال ابن القيم: "فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السموات والأرض عبدٌ له في قبضته، وتحت قهره" (^٣).
وهذا هو الذي قرره القرطبي -﵀- وأشار إليه في أكثر من موضع حيث قال: "إن الله تعالى يفعل ما يريد ويحكم في خلقه بما يشاء فلا مدخل لعقولنا في أفعاله، ولا معارضة لأحكامه، بل يجب علينا الرضا والتسليم، فإن إدراك العقل لأسرار أحكام الربوبية قاصر سقيم" (^٤).
وقال أيضًا: "الإيمان بالله هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفات الجلال والكمال وأنه واحد، صمد، فرد، خالق جميع المخلوقات، متصرف فيها بما يشاء من التصرفات، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء" (^٥).
_________________
(١) المفهم (٤٢/ ٧).
(٢) تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ ص (٣٣).
(٣) مدارج السالكين (١/ ٣٤).
(٤) المفهم (٦/ ٢١٦).
(٥) المفهم (١/ ١٤٤).
[ ١٩٨ ]
وهذا التوحيد هو أساس أنواع التوحيد الأخرى؛ لأن الخالق المالك الرازق المدبر هو المستحق للعبادة والخضوع، وهو المستحق لأوصاف الجلال والكمال.
وقد زعم أهل الكلام ومن وافقهم أن هذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل، وأُنزلت لأجله الكتب، فأطالوا في إثباته، وتوسعوا في تقريره.
قال شارح الطحاوية في تعريفه لتوحيد الربوبية: "الإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام، وطائفة من الصوفية، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات" (^١).
ولا شك أن التوحيد الذي جاءت بالدعوة إليه الرسل هو توحيد العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٢).
وهو الذي أنكره كفار قريش، فما نفعهم إيمانهم بتوحيد الربوبية -مع كفرهم بتوحيد الألوهية- كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ
_________________
(١) شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (١/ ٢٥).
(٢) سورة النحل، الآية: ٣٦.
[ ١٩٩ ]
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ (^١).
فهم عبدوا الأصنام، وأشركوها مع الله تعالى في العبادة، مع إقرارهم بتفرد الله ﷾ بالخلق والرزق، والإحياء والإماتة.
المطلب الثالث: أدلة توحيد الربوبية:
تبين مما سبق أن الاعتقاد بوجود الله سبحانه أمرٌ فطريٌّ، لا يحتاج إلى دليل، ولكن انحراف بعض طوائف الملحدين، أوجد الحرص على إبراز الأدلة التي جاءت في الكتاب والسنة، والعقل السليم، والتي تدل على وجود الله ﷾، لرد أولئك إلى الفطر السليمة التي فطر الله الناس عليها.
قال شيخ الإسلام: "الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًّا ضروريًّا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها" (^٢).
فهذه القضية مع وضوحها تخبط فيها بعض الناس، فأكثروا فيها من القيل والقال، واشتد النزاع وطال الجدال.
فأهل الكلام من المعتزلة وغالب الأشاعرة أنكروا المعرفة الفطرية التي في قلب العبد، وأوجبوا النظر لمعرفة الله تعالى -كما سبق-.
وأما أهل السنة والجماعة فقد استدلوا على وجود الله بعدة أدلة جاءت في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - كدليل الفطرة، ودليل الخلق ودليل المعجزة، وهو ما ذهب إليه القرطبي -﵀- موافقًا فيه السلف
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآيات: ٨٤ - ٨٩.
(٢) الفتاوى (٦/ ٧٣).
[ ٢٠٠ ]
معرضًا عن منهج أهل الكلام.
وأما المازري فله كلام في دليل الفطرة يفهم منه ميله إلى إثبات أن الفطرة هي دين الإسلام كما سيأتي مفصلًا.
أ- دليل الفطرة:
ذكر القرطبي تعريف الفطرة لغة وشرعًا. فقال في تعريفها اللغوي: "أصل الفطرة ابتداء الخلقة، ومنه فطر ناب البعير إذا ابتدأ خروجه. ومنه قول الأعرابي المتحاكم إلى ابن عباس في البئر "أنا فطرتها" أي ابتدأت حفرها" (^١).
وقال في تعريفها شرعًا: "أي جبلة الله التي جبلهم عليها من التهيؤ لمعرفته والإقرار به" (^٢).
ودليل الفطرة من كتاب الله تعالى قوله جل وعلا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (^٣).
ومن السنة قوله -ﷺ-: "ما من مولُود إلَّا يُولَدُ على الفطرة، فأبَواهُ يُهَوِّدَانِه، ويُنصِّرَانه ويُمَجسانه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء هل تحشُون فيها من جدعاء" (^٤).
وقوله -ﷺ- في الحديث القدسي فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: "إنِّي خلقتُ عبادي حُنَفاء كُلَّهُم وإنَّهُم أتتهُم الشياطينُ فاجْتَالَتْهُم عن دينهِم
_________________
(١) المفهم (١/ ٣٨٨).
(٢) المفهم (١/ ٣٨٨).
(٣) سورة الروم، الآية: ٣٠.
(٤) رواه البخاري في كتاب التفسير باب تفسير سورة الروم ح (٤٧٧٥) (٨/ ٣٧٢)، ومسلم في كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ح (٢٦٥٨) (١٦/ ٤٤٦).
[ ٢٠١ ]
وحرَّمت عليهم ما أحْلَلتُ لهُم" (^١).
وقد اختلف في الفطرة الواردة في الآية والحديثين على أقوال:
قيل: الفطرة هي الإسلام، وقيل: قدرة العبد على معرفة الله تعالى بعد بلوغه فهو يولد سالمًا ليس في قلبه شيء، وقيل: هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها من الحياة والموت والسعادة والشقاوة.
وقيل: ما أخذ عليهم من الميثاق قبل خروجهم إلى الدنيا.
وقيل: هي ما كتب عليهم فمنهم من فطر على الإيمان ومنهم من فطر على الكفر (^٢).
والقول الراجح الذي تؤيده الأدلة هو القول الأول الذي فسر الفطرة بالإسلام وهو الذي عليه عامة السلف وأكثر المفسرين.
قال مجاهد: "فطرة الله: أي الإسلام" (^٣).
وقال البخاري: "باب لا تبديل لخلق الله": لدين الله، والفطرة: الإسلام" (^٤).
وقال ابن عبد البر: "أجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الإسلام وهو المعروف عند عامة السلف" (^٥).
وهو الذي رجَّحه القرطبي، ورد الأقوال الأخرى لمخالفتها
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ح (٢٨٦٥) (١٧/ ٢٠٣).
(٢) انظر: فطرية المعرفة وموقف المتكلمين منها للدكتور أحمد حمدان ص (١٦٦).
(٣) تفسير الطبري (١٠/ ١٨٣).
(٤) صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٣٧٢).
(٥) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٢).
[ ٢٠٢ ]
للأدلة، فقال عند شرحه لحديث: "ما من مولود إلَّا يولد على الفطرة" (^١): "اختلف الناس في الفطرة المذكورة في هذا الحديث، وفي الآية فقيل: هي سابقة السعادة والشقاوة وهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (^٢) وأما في الحديث فلا؛ لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغير، وقيل: هي ما أخذ عليهم من الميثاق، وهم في أصلاب أبائهم، وهذا إنما يليق بالرواية التي جاء فيها: "كل مولود يولد على الفطرة" ويبعد في رواية من رواه "على هذه الملة" وهي إشارة إلى ملة الإسلام.
وقال بظاهر هذه الآية طائفة من المتأولين، وهذا القول أحسن ما قيل في ذلك -إن شاء الله تعالى- لصحة هذه الرواية، ولأنها مبينة لرواية من قال: على الفطرة. ومعنى الحديث: إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام هو الدين الحق، وقد جاء ذلك صريحًا في الصحيح: "جبل الله الخلق على معرفته فاجتالتهم الشياطين" (^٣) وقد تقدم هذا المعنى وقد دلَّ على صحة هذا المعنى بقية الخبر حيث قال: "كلما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " يعني: أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلق سليمًا من الآفات، فلو نزل على أصل تلك الخلقة لبقي كاملًا بريئًا من العيوب، لكن يُتصرفُ فيه، فتجدع أذنه ويوسم وجهه فتطرأ عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل، وكذلك
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٠١).
(٢) سورة الروم، الآية: ٣٠.
(٣) سبق تخريجه ص (٢٠٢).
[ ٢٠٣ ]
الإنسان وهو تشبيه واقع ووجهه واضح" (^١).
وقول القرطبي السابق موافقٌ للقول الصحيح في هذه المسألة، أما قوله: "إن الله خلق بني آدم مؤهلة لقبول الحق"، وقوله في تعريف الفطرة: "أي جبلة الله التي جبلهم عليها من التهيؤ لمعرفته والإقرار به" والتي نقلتها سابقًا فلا يفهم منه مخالفته للقول الصحيح، فقد نقل الحافظ بن حجر عن الطيبي (^٢) قوله: إن المراد بالفطرة: تمكن الناس من الهدى من أصل الجبلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك المرء عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية، كالتقليد. ثم قال الحافظ: وإلى هذا مال القرطبي في المفهم (^٣).
فقول القرطبي موافق للمشهور عن السلف؛ لأن السلف الذين فسَّروا الفطرة بالإسلام لم يقصدوا أن المولود يولد عالمًا بأحكام الدين، وإنما قصدوا أن الفطرة تستلزم معرفة الله تعالى وتوحيده من غير سبب خارجي (^٤).
ولذا نقل الحافظ ابن حجر عقب نقله لقول القرطبي السابق قول ابن القيم الذي يوضح هذا المعنى حيث قال: "ليس المراد بقوله: "يولد على الفطرة" أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين؛ لأن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ
_________________
(١) المفهم (٦/ ٦٧٥).
(٢) هو الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي شرف الدين عالم مشارك في شتى العلوم له "التبيان في المعاني والبيان" وغيرها، توفي سنة (٧٤٣ هـ). الدرر الكامنة (٢/ ٦٨)، معجم المؤلفين (١/ ٦٣٩).
(٣) فتح الباري (٣/ ٢٩٣).
(٤) انظر: دلائل التوحيد لمحمد جمال الدين القاسمي ص (٢٢).
[ ٢٠٤ ]
مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (^١) ولكن المراد أن الفطرة مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته كل مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خُلِّيَ وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره" (^٢).
وأما المازري فقد ذكر الأقوال التي قيلت في الفطرة، ولم يرجح، لكن رده للأقوال الأخرى المخالفة لتفسير الفطرة بالإسلام يدل على ترجيحه لهذا القول، وسياق كلامه يظهر ذلك، حيث قال عند شرحه لحديث: "ما من مولود إلَّا يولد على الفطرة" (^٣): "ذهب بعض الناس إلى أن المراد بالفطرة المذكورة في الحديث ما أُخذ عليهم وهم في أصلاب آبائهم، وأن الولادة تقع عليها حتى يقع التغير بالأبوين. وذهب بعض الناس إلى أن الفطرة هي ما قضي عليه من سعادة أو شقاوة يصير إليها، وهذا التأويل إنما يليق بما في بعض الطرق، وهو قوله: "على الفطرة مطلقًا"، وأما ما وقع في بعض الطرق وهو قوله: "على هذه الفطرة" وقوله في أخرى: "إلَّا وهو على هذه الملة" فإن هذه الإشارة إلى فطرة معينة وملة معينة تمنع هذا التأويل وقد يتعلق هؤلاء بقوله: "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا" (^٤) وظاهر هذا يمنع من كون كل مولود يولد على هذه الفطرة، وقد ينفصل الأخرون عنه بأن المراد به حالة ثانية طرأت عليه من التهيؤ للكفر وقبوله عليه، غير الفطرة التي ولد عليها، وقال آخرون: يحتمل أن يريد بالفطرة ما هيء له وكان مناسبًا لما وضع في العقول، وفطرة الإسلام صوابها كالموضوع في العقل، وإنما يدفع العقل عن
_________________
(١) سورة النحل، الاية: ٧٨.
(٢) فتح الباري (٣/ ٢٩٣).
(٣) سبق تخريجه ص (٢٠١).
(٤) رواه البخاري في كتاب التفسير باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ ح (٤٧٢٦) (٨/ ٢٧٤).
[ ٢٠٥ ]
إدراكه آفة وتغيير من قبل الأبوين وغيرهما" (^١).
فذكره الأقوال السابقة، والرد عليها، ثم ذكر تفسير الفطرة بالإسلام، ووجه ذلك، وعدم إعقابه بالرد يدل على اختياره لهذا القول.
وقد وجَّه أيضًا الحديث القدسي الذي قال فيه الله تعالى فيما يرويه عنه رسوله -ﷺ-: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كُلُّكم ضالٌّ إلَّا من هديتُهُ" (^٢) فقال: "ظاهره أن الناس على الضلال يخلقون إلَّا من هداه سبحانه، وقد ذكر في الحديث الآخر أنهم على الفطرة يولدون وقد يراد بهذا هاهُنا وصفهم بما كانوا عليه قبل بعثة النبي -ﷺ-، أو أنهم إن تركوا وما في طباعهم من إيثار الراحة وإهمال النظر ضلوا إلَّا من هداه الله سبحانه" (^٣).
وقد جمع القرطبي بين الحديثين، وبيَّن أنه لا تعارض بينها، فقال: "لا معارضة بين قوله تعالى: "كلكم ضال إلَّا من هديته" وبين قوله: "كل مولود يولد على الفطرة"؛ لأن هذا الضلال المقصود في هذا الحديث هو الطارئ على الفطرة الأولى المغير لها الذي بينه النبي -ﷺ- بالتمثيل في بقية الخبر حيث قال: "كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء"" (^٤).
ب- دليل الخلق:
إن المتأمل في هذا الكون العظيم الصنع في أجرامه السماوية ومخلوقاته الأرضية في الليل والنهار في سائر الكائنات والمخلوقات وما تدل عليه من بديع الصنع، وقمة الإعجاز، فهي آيات باهرة ودلالات
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٧٩).
(٢) رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم الظلم ح (٢٥٧٧) (١٦/ ٣٦٨).
(٣) المعلم (٣/ ١٦٥).
(٤) المفهم (٦/ ٥٥٢).
[ ٢٠٦ ]
واضحة تدل على أن لهذا الكون خالقًا مدبرًا أوجده وأبدعه، وأحكم صنعه، وهذا يعرفه كل من نظر في هذه المخلوقات وتدبر في هذه الكائنات (^١).
ولذا عندما سئل أحد الأعراب بما عرف الله؟
قال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على العليم الخبير؟ ! .
ولهذا قالت الرسل عليهم الصلاة والسلام لقومهم -كما حكى الله تعالى عنهم-: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٢) فقولهم فاطر السموات والأرض إشارة إلى استنكار الشك فيمن هذا صنعه وأثره.
والقرآن مليء بالآيات التي تدعو الإنسان إلى التفكر في خلق الله تعالى، والنظر في ملكوت السموات والأرض؛ لأن ذلك سببٌ لإيمان من طمست فطرته، فجحد الله تعالى، وسببٌ لزيادة إيمان المؤمن وقوة يقينه بالله تعالى.
قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
_________________
(١) انظر: دلائل التوحيد للقاسمي ص (٣٥).
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ١٠.
(٣) سورة يونس، الآية: ١٠١.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٦٤.
[ ٢٠٧ ]
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ (^٢).
وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك.
قال ابن تيمية -﵀-: "فالاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دلَّ القرآن عليها، وهدى الناس إليها، وبيَّنها وأرشد إليها هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم سواء أخبر به الرسول أم لم يخبر، لكن الرسول أمر أن يستدل به ودل به، وبيِّنه واحتج به، فهو دليلٌ شرعيٌّ؛ لأن الشارع استدل به، وأمر أن يستدل به، وهو عقلي؛ لأنه بالعقل تعلم صحته" (^٣).
وقال ابن القيم -﵀-: "لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه، فإذا تفكر الإنسان في نفسه استنارت له ايات الربوبية، وسطعت له أنوار اليقين، واضمحلت عنه غمرات الشك والريب" (^٤).
وقال أيضًا: "وإذا تأملت ما دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلى الفكر فيه أوقعك على العلم به ﷾ وبوحدانيته وصفات كماله، ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه،، وكمال حكمته وإحسانه، وبره ولطفه، وعدله، ورضاه، وغضبه، وثوابه وعقابه، فبهذا
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: ٥٣.
(٢) سورة الذاريات، الآيتان: ٢٠، ٢١.
(٣) النبوات (١/ ٥٢).
(٤) التبيان في أقسام القرآن (١/ ١٩٠).
[ ٢٠٨ ]
تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته" (^١).
ولقد عقد الإمام ابن منده -﵀- في كتابه "التوحيد" عدة فصول تدل على هذا المعنى، وساق تحتها الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وفهم السلف لتلك النصوص (^٢).
وقد بيَّن القرطبي أن هذه المخلوقات تدل على وجود الله ﷾، فما ترى من الشمس والقمر والنجوم والجبال وغيرها من المخلوقات العظيمة دالة على ذلك حيث قال: "الشمس والقمر دليلان على وجود الحق سبحانه وقهره وكمال إلهيته" (^٣).
وأشار -﵀- إلى أن النظر في هذه المخلوقات يؤدي بالعبد إلى الإيمان بالله تعالى، واليقين به سبحانه، وأن العاقل هو الذي يقوده هذا التفكر إلى الإيمان بالله تعالى والدخول في دينه، فعند شرحه لحديث أنس الذي قال فيه: "جاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك. قال: صدق، قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: نعم " (^٤).
قال القرطبي -﵀-: هذا الرجل كان كامل العقل، وقد كان
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ١٨٧).
(٢) التوحيد لابن منده (١/ ١١٣) فما بعدها.
(٣) المفهم (٢/ ٥٥٢).
(٤) رواه البخاري في كتاب العلم باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ ح (٦٣) (١/ ١٧٩) ومسلم في كتاب الإيمان باب السؤال عن أركان الإسلام ح (١٢) (١/ ٢٨٣).
[ ٢٠٩ ]
نظر بعقله في المخلوقات فدله ذلك على أن لها خالقًا خلقها، ألا ترى أنه استفهم النبي -ﷺ- عن خالق المخلوقات استفهام تقرير للقاعدة التي لا يصح العلم بالرسول إلَّا بعد حصولها، وهي التي تفيد العلم بالمرسل، ثم إنه لما وافقه على ما شهد به العقل وأن الله تعالى هو المنفرد بخلق هذه المخلوقات أقسم عليه، وسأله به هل أرسله؟ " (^١).
وهذا دليلٌ عقليٌّ على إثبات الخالق -﷾- فهذه المخلوقات لا شك أنها تدل على الخالق بالنظر والتفكر فيها، ووجود هذه المخلوقات من غير خالق أمر يحيله العقل، فهذه الموجودات محدثة، فهي موجودة بعد أن لم تكن، فهي إما أن تكون وجدت من عدم أو من محدث لها.
والأول معلوم البطلان عقلًا، فلابد إذًا من محدث لها. فإما أن تكون أحدثت نفسها، وهذا معلوم البطلان أيضا، وإما أن يكون المُحْدِثُ مُحَدثًا لمُحدثٍ آخر، وهذا الأخيرُ مُحْدَث لمُحْدِثِ آخر أيضا إلى ما لا نهاية. وهذا باطلٌ؛ لأنه يؤدي إلى الدور أو التسلسل، فلابد أن تحتاج إلى محدث أول لها قديم أزلي لا يحتاج إلى غيره، وهو واجب الوجود (^٢) وهو الله ﷾.
_________________
(١) المفهم (١/ ١٦٣).
(٢) قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: لفظ الوجود ومعناه المطلق يشترك فيهما كل من الممكن والواجب والحادث والقديم الأزلي فالله يوصف بأنه موجود والحادث يقال له أيضًا: إنه موجود. ولكن للممكن وجود يخصه فإنه حادث سبق وجوده عدم ويلحقه الفناء وهو في حاجة دائمة ابتداءً ودوامًا إلى من يكسبه ويعطيه الوجود بل يحفظه عليه ولله تعالى وجود يخصه فهو سبحانه واجب الوجود لم يسبق وجوده عدم ولا يلحقه فناء ووجوده من ذاته لم يكسبه من غيره وذلك لأنه تعالى الغني عن كل ما سواه. الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي لمحمد أحمد سيد (٢/ ٤٠٨).
[ ٢١٠ ]
وهذا الاستدلال يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ (^١).
قال ابن القيم في تفسيره لهذه الآية: "فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحجة بأقرب طريق وأفصح عبارة، يقول تعالى: هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا، فهل خُلقوا من غير خالق خلقهم، فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل ثم قال: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ وهذا أيضًا من المستحيل أن يكون العبد موجدًا خالقًا لنفسه وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقًا خلقهم، وفاطرًا فطرهم، فهو الإله الحق الذي يستحق العبادة" (^٢).
وقد استدل القرطبي بهذ الدليل العقلي فقال: "العقل الصريح قد دلَّ على أن كل ما نشاهده من هذه الموجودات ممكن في نفسه متغير في ذاته، وكل ما كان كذلك كان مفتقرًا إلى غيره، وذلك الغير إن كان ممكنًا متغيرًا كان مثل الأول، فلابد أن يستند إلى موجود لا يفتقر إلى غيره يستحيل عليه التغير (^٣)، وهو المعبر عنه بلسان النظار بواجب الوجود، وفي لسان الشرع بالصمد، المذكورفي قوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (^٤) " (^٥).
وهذا الدليل يعرفه كل أحد إذ مخلوقات الله ﷾ ظاهرة
_________________
(١) سورة الطور، الآية: ٣٥.
(٢) بدائع التفسير (٤/ ٢٦٨).
(٣) هذه جعلها المتكلمون قاعدة فاسدة لنفي صفات الله ﷾ الفعلية كالاستواء والمجيء والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك.
(٤) سورة الإخلاص، الآية: ١ - ٢.
(٥) المفهم (٥/ ٥٢٨).
[ ٢١١ ]
واضحة وفيها دلالة بينه، ولكن يؤكد على هذا الدليل ويوجَهُ إليه خاصة من انقدحت الشبُه في قلبه، فتمكنت منه فأفسدته حتى أنكر الخالق أوشك فيه.
وقد بيَّن القرطبي هذا عند شرحه لقول الرسول -ﷺ-: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستتعذ بالله ولينته" (^١) حيث قال: "قوله في الحديث الآخر: "قل آمنت بالله" أمرٌ بتذكر الإيمان الشرعي واشتغال القلب به لتمحى تلك الشبهات وتضمحل تلك الترهات وهذه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تعرضُ الترهات لها ولا تمكث فيها، فإذا استعملت هذه الأدوية على نحو ما أمر به بقيت القلوب على صحتها وانحفظت سلامتها، فأما القلوب التي تمكنت أمراض الشُّبه فيها ولم تقدر على دفع ما حل بها بتلك الأدوية المذكورة فلابد من مشافهتها بالدليل العقلي والبرهان القطعي كما فعل النبي -ﷺ- مع الذي خالطته شبهة الإبل الجرب حين قال النبي -ﷺ-: "لا عدوى" (^٢) فقال أعرابي: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها؟ فقال النبي -ﷺ-: "فمن أعدى الأول" فاستأصل الشبهة من أصلها وتحرير ذلك على طريق البرهان العقلي أن يقال: إن كان الداخل أجربها فمن أجربه، فإن كان أجربه بعير أخر كان الكلام فيه كالكلام في الأول، فإما أن يتسلسل أو يدور وكلاهما محال، فلابد أن نقف عند بعير أجربه الله من
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده ح (٣٢٧٦) (٦/ ٣٨٧). ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها ح (١٣٤) (٢/ ٥١٣).
(٢) رواه البخاري في كتاب الطب باب لا صَفَرَ وهو داء يأخذ البطن ح (٥٧١٧) (١٠/ ١٨٠). ومسلم في كتاب السلام باب لاعدوى ولا طيرة ولا هامة ح (٢٢٢٠) (١٤/ ٤٦٤).
[ ٢١٢ ]
غير عدوى" (^١).
ووجدت للمازري كلامًا في هذا الدليل ذهب فيه إلى قريب مما ذكره القرطبي حيث قال في شرحه للحديث السابق: "أمره ﵇ لهم عند وجود ذلك أن يقول: "آمنت بالله": فإن ظاهره أنه أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها والذي يقال في هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقره ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يحمل الحديث وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمرًا طارئًا على غير أصل دفع بغير نظر في دليل إذ لا أصل له ينظر فيه، وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تدفع إلَّا باستدلال ونظر في إبطالها، ومن هذا المعنى حديث: "لا عدوى" مع قول الأعرابي: فما بال الإبل الصحاح تجرب بدخول الجمل الأجرب فيها، وعلم -ﷺ- أنه اغتر بهذا المحسوس وأن الشبهة قدحت في نفسه فأزالها ﵇ من نفسه بالدليل فقال له: "فمن أعدى الأول" (^٢). ثم فصَّل في شرح كيفية ذلك كما فعل القرطبي.
جـ دليل المعجزة:
إن المعجزات التي يجريها الله تعالى تأييدًا لرسله عليهم الصلاة والسلام وتصديقًا لهم، هي من دلائل ربوبيته وإثبات وحدانيته. ذلك أنه إذا ثبتت نبوة الرسول -ﷺ- بحصول المعجزة، وجب تصديقه في كل ما يخبر به، والاستجابة لكل ما يدعو إليه، وأعظم ذلك إثبات ربوبية الله تعالى ووحدانيته والدعوة إلى توحيده.
_________________
(١) المفهم (١/ ٣٤٥).
(٢) المعلم (١/ ٢١٠).
[ ٢١٣ ]
قال ابن تيمية -﵀-: "المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة، وذلك لأن المعجزة -التي هي فعلٌ خارقٌ للعادة- تدل بنفسها على ثبوت الصانع كسائر الحوادث بل هي أخص من ذلك؛ لأن الحوادث المعتادة ليست في الدلالة كالحوادث الغريبة، ولهذا يسبح الرب عندها ويمجد ويعظم ما لا يكون عند المعتاد، ويحصل في النفوس ذلة من ذكر عظمته ما لا يحصل للمعتاد إذ هي آيات جديدة فتعطى حقها، وتدل بظهورها على الرسول، وإذا تبين أنها تدعو إلى الإقرار بأنه رسول الله فتتقرر بها الربوبية والرسالة" (^١).
وكذلك ابن القيم -﵀- يرى أن دلالة المعجزة من أقوى الطرق التي يستدل بها على وجود الله تعالى وتوحيده، حيث قال: "وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها، وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله سبحانه آيات بينات، وليس في طرق الأدلة أوثق ولا أقوى منها، فإن انقلاب عصا تقلها اليد ثعبانًا عظيمًا يبتلع ما يمر به ثم يعود عصا كما كانت، من أدل الدليل على وجود الصانع وحياته وقدرته، وإرادته، وعلمه بالكليات والجزئيات، وعلى رسالة الرسول، وعلى المبدأ والمعاد، فكل قواعد الدين في هذه العصا، وكذلك اليد، وفلق البحر وكذلك سائر آيات الأنبياء من أعظم الأدلة على الصانع وصفاته وأفعاله وصدق رسله واليوم الآخر، وهذه من طرق القرآن التي أرشد إليها عباده ودلهم بها" (^٢).
_________________
(١) الفتاوى (١١/ ٣٧٩).
(٢) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٣/ ١١٩٧، ١١٩٨).
[ ٢١٤ ]
وقد وقف القرطبي وقفات كثيرة عند معجزاته ﵊ ودلائل نبوته مبينًا أن ذلك علامةٌ على صدقه وآية لرسالته والتي لا شك أنها تتضمن الدعوة إلى وحدانيته والإقرار بربوبيته، والدعوة إلى عبادته تعالى. حيث قال: "قوله ﵊: "الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله" (^١) عند وقوع ما أخبر به من الغيب، دليلٌ على أن ذلك من جملة معجزاته، وإن لم يقترن بها في تلك الحال تحد قولي، وهذا على خلاف ما يقوله المتكلمون: إن من شروط المعجزة اقتران التحدي القولي بها، فإن لم تكن كذلك، فالخارق كرامة لا معجزة والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك لا يشترط بدليل: أن الصحابة ﵃ كانوا كلما ظهر لهم خارق للعادة على يدي النبي -ﷺ- استدلوا بذلك على صدقه وثبوت رسالته" (^٢).
والتفصيل في معجزاته -ﷺ- يأتي في مبحث دلائل النبوة في الفصل الثالث من هذه الرسالة.
على أنه صرَّح في موضع آخر على أن هذا الدليل -أي المعجزة- علامة على ربوبية الله سبحانه وإثبات وحدانيته، فعند شرحه لحديث أنس ﵁ الذي سبق ذكره بسؤال الأعرابي للرسول -ﷺ- عن خلق السماء والأرض والجبال، قال القرطبي بعد ذلك: "ثم إن الرجل استمر على أسئلته إلى أن حصل على طلبته فانشرح صدره للإسلام، وزاحت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركة مشاهدته أنوار رسول الله -ﷺ-، فقد كان
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب "إنَّ الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر ح (٣٠٦٢) (٦/ ٢٠٧). ومسلم في كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ح (١١١) (٢/ ٤٨٢).
(٢) المفهم (١/ ٣١٩).
[ ٢١٥ ]
كثير من العقلاء يحصل لهم العلم بصحة رسالته بنفس رؤيته ومشاهدته، قبل النظر في معجزته والحاصل: من حال هذا السائل أنه حصل له العلم بصدق رسول الله -ﷺ- وبصحة رسالته لمجموع قرائن لا تتعين إحداها ولا تنحصر أعدادها، ويستفاد من هذا الحديث: أن الشرع إنما طلب من المكلفين التصديق الجزم بالحق كيفما حصل وبأي وجه ثبت، ولم يقصرهم في ذلك على النظر في دلالة معينة، ولا معجزة ولا غيرها، بل كل من حصل له اليقين بصدقه، بمشاهدة وجهه، أو بالنظر في معجزته، أو بتحليفه، أو بقرينة لاحت له كان من المؤمنين، ومن جملة عباد الله المخلصين، لكن دلالات المعجزات هي الخاصة بالأنبياء، والطرق العامة للعقلاء" (^١).
وبهذا يتبين لنا أن هذه الأدلة التي ذكرها القرطبي لإثبات ربوبية الله تعالى تدل على أنه يرى أن معرفة الله تعالى لا تنحصر في طريقة معينة لا يعرف إلَّا بها، فالمعرفة بالله تعالى أعظم المعارف وأوضحها، والطرق المؤدية إليها كثيرة، وهذا هو المنهج الصحيح الذي سلكه السلف الصالح، ودلَّت عليه نصوص الكتاب والسنة.
_________________
(١) المفهم (١/ ١٦٣).
[ ٢١٦ ]
المبحث الثالث الإيمان بالقدر
وفيه عشرة مطالب:
المطلب الأول: تعريفه لغة وشرعًا
المطلب الثاني: هل يقع في القدر تغيير وتبديل
المطلب الثالث: القدر وفعل الأسباب
المطلب الرابع: الاحتجاج بالقدر على المعاصي
المطلب الخامس: أفعال العباد
المطلب السادس: الحكمة والتعليل في أفعال الله
المطلب السابع: تكليف ما لا يطاق
المطلب الثامن: معنى الظلم
المطلب التاسع: الواجب على الله
المطلب العاشر: التحسين والتقبيح
[ ٢١٧ ]
المطلب الأول: تعريف القضاء والقدر لغة وشرعًا:
(أ) لغة:
قال الجوهري: "القضاء: الحكم، وأصله قضاي؛ لأنه من قضيت، إلَّا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، والجمع أقضية، وقضى أي حكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (^١)، وقد يكون بمعنى الفراغ تقول: قضيت حاجتي، وضربه فقضى عليه أي قتله كأنه فرغ منه. وقد يكون بمعنى الأداء والإنهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (^٢). وقد يكون بمعنى الصنع والتقدير ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (^٣) ومنه القضاء والقدر" (^٤).
وقال الزهري: "القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه وكل ما أحكم عمله أو أُتمَّ أو خُتِم أو أُدِّي أداء، أو أوجب، أو أعْلِمَ، أو أُنْفِذَ، أو أُمْضيَ فقد قُضِي. وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث ومنه القضاء المقرون بالقدر" (^٥).
وقال ابن فارس: "القاف والضاد والحرف المعتل أصلٌ صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته" (^٦).
هذا في تعريف القضاء لغةً. وأما القدر فقال ابن سيده (^٧): القَدْرُ
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٤.
(٣) سورة فصلت، الآية: ١٢.
(٤) الصحاح (٦/ ٢٤٦٣).
(٥) لسان العرب (١٥/ ١٨٦).
(٦) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٩٩).
(٧) علي بن إسماعيل المرسي الشهير بابن سيدة إمام في اللغة له كتاب "المحكم والمحيط =
[ ٢١٩ ]
والقَدَرُ: القضاءُ والحُكم وهو ما يُقَدِّره الله ﷿ من القضاء ويحكم به من الأمور، قال الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (^١) أي الحكم وفي الحديث ذكر ليلة القدر، وهي الليلة التي تقدر فيها الأرزاق" (^٢).
والقَدَر والقَدْر بسكون الدال وفتحها، قال صاحب اللسان: "قال اللحياني: القَدَرُ الاسم والقَدْرُ المصدر" (^٣).
قال القرطبي: القَدَر: مصدر قَدَرْتُ الشيءَ خفيفة الدال أَقْدِرُه وأَقْدُرُه قَدْرًا وقَدَرًا إذا أحطْتَ بمقداره ويقال فيه: قدَّرْتُ أُقدِّرُ تقديرًا مشدّد الدال للتضعيف" (^٤).
"وهناك تلازم بين القضاء والقدر بحيث إن أحدهما لا ينفك عن الآخر" (^٥).
قال الخطابي: "وجماع القول في هذا الباب أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينها، فقد رام هدم البناء ونقضه" (^٦).
(ب) تعريفه شرعًا:
اختلفت عبارات السلف في تعريف القدر، وهي تدل على تقدير
_________________
(١) = الأعظم" و"شواذ اللغة" وغيرها توفي سنة (٤٥٨ هـ) سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٤٤)، الديباج المذهب ص (٢٩٩).
(٢) سورة القدر، الآية: ١.
(٣) لسان العرب (٥/ ٧٤).
(٤) لسان العرب (٥/ ٧٤).
(٥) المفهم (١/ ١٣٢).
(٦) انظر القضاء والقدر لعبد الرحمن المحمود ص (٤٤).
(٧) معالم السنن (٤/ ٢٩٧).
[ ٢٢٠ ]
الله تعالى للأشياء في القدم وعلمه سبحانه بوقوعها في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة.
وكتابة ذلك ومشيئته لها، ووقوعها على حسب ما قدرها تعالى.
قال الإمام أحمد: "القدر قدرة الله على العباد" (^١).
وقال النووي: "واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه أنه الله ﵎ قدَّر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها ﷾" (^٢).
وقال السفاريني (^٣): "القدر عند السلف ما سبق به العلم، وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد، وأن الله ﷿ قدَّر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم ﷾ أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها" (^٤).
وهكذا عرفه القرطبي -﵀- إذ قال: فإذا قلنا: إن الله تعالى قدر الأشياء، فمعناه أنه تعالى علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل
_________________
(١) مسائل ابن هانيء (٢/ ١٥٥). وقال ابن القيم عن قول أحمد: واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًّا وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد وتبصره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء فإنَّ إنكار القدر إنكار لقدرة الرب الذي خلق أعمال العباد، وكتابتها وتقديرها. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (١/ ١٣٠).
(٢) شرح مسلم للنووي (١/ ٢٦٩).
(٣) محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي محدث فقيه مكثر من التصنيف له "الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية" و"البحور الزاخرة في علوم الآخرة". وغيرها توفي سنة (١١٨٨ هـ). سلك الدرر (٤/ ٤٧)، معجم المؤلفين (٣/ ٦٥).
(٤) لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٣٤٨).
[ ٢٢١ ]
إيجادها ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلَّا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من دين السلف الماضين، والذي دلَّت عليه البراهين" (^١).
والإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، كما جاء في حديث عمر بن الخطاب -﵁- عندما سأل جبريل ﵇ الرسولَ -ﷺ- عن الإيمان فقال -ﷺ-: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (^٢).
والأدلة عليه من الكتاب والسنة كثيرة، منها:
- قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (^٣) أي: جعلنا الماء في مقر يتمكن فيه، وهو الرحم مؤخر إلى مقدار معلوم قد علمه الله، وحكم به، فقدرنا ذلك تقديرًا، فنعم المقدرون له نحن، أو فقدرنا على ذلك، فنعم القادرون عليه نحن، والأول أحق (^٤).
- وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^٥).
قال ابن كثير: "أي قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية الكريمة وما
_________________
(١) المفهم (١/ ١٣٢).
(٢) سبق تخريجه ص (١٣٧).
(٣) سورة المرسلات، الآية: ٢١ - ٢٣.
(٤) تفسير النسفي (٢/ ٧٦٣).
(٥) سورة القمر، الآية: ٤٩.
[ ٢٢٢ ]
شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتة على الفرقة القدرية الذين نبغوا في أواخر عهد الصحابة" (^١).
ومن السنة قوله -ﷺ-: "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بالقدر، خيره وشره من الله، وحتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه" (^٢).
- وقوله -ﷺ-: "كل شيءٍ بقدرٍ، حتَّى العَجْزُ والكَيْسُ" (^٣).
وقول أبي هريرة -﵁-: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله -ﷺ- في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^٤) " (^٥).
قال ابن عباس -﵁- في هذه الآية: "خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر بقدر، فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاء" (^٦).
وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على علم الله -﷾- وتقديره لأعمال الخلائق وآجالهم، والسعيد منهم والشقي، قبل خلقهم، فهو سبحانه العالم بما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٨٦).
(٢) رواه الترمذي في كتاب القدر باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره وقال "حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث عبد الله بن ميمون وهو منكر الحديث". قال الألباني بعد ذكره لقول الترمذي السابق: لكن الحديث صحيح فإنه جاء مفرقًا في أحاديث ثم ساقها. سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥/ ٥٦٦) حديث (٢٤٣٩).
(٣) رواه مسلم في كتاب القدر باب كل شيء بقدر ح (٢٦٥٥) (١٦/ ٤٤٤).
(٤) سورة القمر، الآية: ٤٨، ٤٩.
(٥) رواه مسلم في كتاب القدر باب كل شيء بقدر ح (٢٦٥٦) (١٦/ ٤٤٤).
(٦) تفسير الطبري (١١/ ٥٦٩).
[ ٢٢٣ ]
كيف يكون.
وعلم الله -﷾- كما قال السلف "سابق لا سائق" بمعنى: أنه علم تعالى ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، ومنحهم سبحانه القدرة على سلوك طريق الخير أو الشر، وعلم من يسلك طريق الخير، فيهتدي فيسعد، ومن يسلك طريق الشر فيضل فيشقى.
وقد بيَّن العلماء مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، فقال الطحاوي: "خلق الخلق بعلمه، وقدَّر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا، لم يَخْف عليه شيءٌ قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وجمل شيء يجري بتقديره، ومشيئته تنفذ، لامشيئة للعباد إلَّا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلًا لا راد لقضائه، ولا مُعقِّب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنَّا بذلك كله، وأيقنَّا أن كلا من عنده" (^١).
وقال الآجري: "مذهبنا في القدر أنا نقول إن الله ﷿ خلق الجنة، وخلق النار، وخلق لكل واحدة منهما أهلًا لا معارض لله في حكمه، يفعل في خلقه ما يريد عدلًا، من ربنا قضاؤه وقدره خلق الخلق كما شاء لما شاء فجعلهم شقيًّا وسعيدًا قبل أن يخرجهم إلى الدنيا، وهم في بطون أمهاتهم، وكتب آجالهم، وكتب أرزاقهم، وكتب أعمالهم، ثم أخرجهم إلى الدنيا، وكل إنسان يسعى فيما كتب له وعليه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، الخلق كلهم له، يفعل في خلقه ما يريد، غير ظالم لهم أحب الطاعة من عباده، وأمر بها فجرت
_________________
(١) الطحاوية مع شرحها (١/ ١٢٥ - ١٣٩).
[ ٢٢٤ ]
ممن أطاعه بتوفيقه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كونها من غير محبة منه لها، ولا أمر بها تعالى ﷿ أن يأمر بالفحشاء أو يحبها، وجل الله تعالى ربنا من أن يجري في ملكه ما لم يرد أن يجري أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم وبعد أن خلقهم قبل أن يعملوا قضاء وقدرًا، قد جرى القلم بأمره تعالى في اللوح المحفوظ بما يكون من بر وفجور يضل من يشاء ويهدي من يشاء" (^١).
وبيَّن ابن تيمية -﵀- مذهب أهل السنة والجماعة في القدر، فقال: "مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان: وهو أن الله خالق كل شيء ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها، من أفعال العباد، وغير أفعال العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون شيء إلَّا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو القادر على كل شيء، ولا يشاء شيئًا إلَّا وهو قادر عليه، وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم: قدَّر آجالهم، وأرزاقهم، وأعمالهم، وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء ومشيئته لكل ما كان وعلمه بالأشياء قبل أن تكون وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون" (^٢).
وقال أيضًا: "ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم
_________________
(١) الشريعة (٢/ ٦٩٩، ٧٠٢).
(٢) الفتاوى (٨/ ٤٤٩).
[ ٢٢٥ ]
بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن العباد لهم مشيئة وقدرة، يفعلون بقدرتهم ومشيئتهم ما أقدرهم الله عليه، مع قولهم: إن العباد لا يشاؤون إلَّا أن يشاء الله" (^١).
وقد قال القرطبي في بيانه لمعنى الإيمان بالقدر: "الإيمان بالقدر هو التصديق بما تقدم ذكره، وحاصله: هو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (^٤). وإجماع السلف والخلف على صدق قول القائل: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقوله ﵊: "كل شيء بقدر حتى العَجْز والكيس" (^٥) " (^٦).
والقرطبي والمازري على مذهب الأشاعرة في القدر، وقد صرَّح المازري في ذلك فقال في معرض رده على المعتزلة في قولهم في القدر: " هذا أيضًا مطابق لقول الأشعرية أهل السنة في أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن المعاصي قضاها الله وقدَّرها، ألَا ترى قول السائل أرأيت ما يعمله الناس اليوم ويكدحون فيه؟ ولم يفرق بين خير وشرٍ، ولا طاعة ومعصية، وكذلك جوابه -ﷺ- لم يفرق فيه بل قال: بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتلا كتاب الله مصدقًا لما قال ومسويًا بين الفجور والتقوى
_________________
(١) المرجع السابق (٨/ ٤٥٩).
(٢) سورة الصافات، الآية: ٩٦.
(٣) سورة القمر، الآية ٤٩.
(٤) سورة الإنسان، الآية: ٣٠.
(٥) سبق تخريجه ص (٢٢٣).
(٦) المفهم (١/ ١٤٥).
[ ٢٢٦ ]
بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ (^١) فأخبر سبحانه عن النفس وما فعل فيها، وكذلك قوله -ﷺ- في كتاب مسلم: "كل شيء بقدر حتى العَجْز والكَيْس" مطابقٌ أيضًا لقول الأشعرية في هذا، وكذلك قوله: "جاء قوم مشركون يخاصمون النبي -ﷺ- في القدر فنزل: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ إلى قوله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^٢) " (^٣) وهكذا الأحاديث كلها مطابقة لقول أهل الحق" (^٤).
ويتبين متابعة المازري والقرطبي للأشاعرة في القدر، والذي يميل إلى مذهب الجبر من خلال الحديث عن المسائل المتعلقة بالقدر، كأفعال العباد، والتحسين والتقبيح العقليين، وتكليف ما لا يطاق وغيرها من المسائل. وإلَّا فالأشاعرة يوافقون أهل السنة في الإيمان بمراتب القدر الأربع التي هي:
- الإيمان بعلم الله الأزلي: إذ علم سبحانه ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ (^٥).
- والإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق فما من شيء في الكون إلَّا وقد علمه سبحانه، وكتبه قبل حدوثه، كما قال تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ
_________________
(١) سورة الشمس، الآية: ٨.
(٢) سورة القمر، الآية: ٤٩.
(٣) سبق تخريجه ص (٢٢٣).
(٤) المعلم (٣/ ١٧٦).
(٥) سورة الحج، الآية: ٧٠.
[ ٢٢٧ ]
وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ (^١).
- والإيمان بمشيئة الله الشاملة، وقدرته تعالى التامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢).
- والإيمان بخلقه سبحانه وإيجاده للأشياء، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (^٣).
قال الدكتور عبد الرحمن المحمود: القدر له أربع مراتب، هي العلم، والكِتابة، والمشيئة، والخلق. فأما مرتبتا العلم والكتابة، فلم ينكرهما إلّا غلاة القدرية وأما مرتبتا المشيئة والإرادة والخلق فقد وقع فيهما الخلاف على قولين:
أحدهما: إنكار هاتين المرتبتين، وهذا مذهب المعتزلة
الثاني: الإقرار بهاتين المرتبتين بإثبات الإرادة والمشيئة الشاملة، والقول بأن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد. وهذا قول الجمهور من أهل السنة والجهمية والأشاعرة والماتريدية ومن وافق هؤلاء.
ولكن أفعال العباد لها متعلقان: أحدهما: بالخالق تعالى، فهذا قد اتفق فيه أهل السنة والأشاعرة على أن الله خالق أفعال العباد.
والثاني: بالعبد، وهل له قدرة أو لا؟ وهل قدرته مؤثرة أم غير
_________________
(١) سورة سبأ، الآية: ٣.
(٢) سورة التكوير، الآية: ٢٩.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٦٢.
[ ٢٢٨ ]
مؤثرة؟ وقع فيها الخلاف بين الطوائف إلى حدٍ كبيبر (^١).
والأقوال في القدر ترجع إلى ثلاثة أقوال:
الأول: قول أهل الجبر الذين يقولون إن الإنسان مجبور على أفعاله، وليس له إرادة ولا قدرة، وهو مذهب الجهمية ومن وافقهم.
الثاني: قول القدرية الذين قالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله من غير إرادة الله تعالى أو علمه، ويمثل هذا المذهب المعتزلة ومن وافقهم.
الثالث: من توسط فأثبت القدر وأن الله خالق كل شيء، وأن للإنسان مع ذلك إرادة ومشيئة، ولكنه خاضعة لمشيئة الله تعالى، كما أن للإنسان قدرة يفعل بها الفعل، ولكنه هو وأفعاله مخلوق لله تعالى، وهذا هو مذهب السلف.
وبين هذه الطوائف الثلاث ظهرت فرق تميل في بعض المسائل إلى طائفة، وفي المسائل الأخرى إلى طائفة ثانية، ويكون الحكم عليها حسب ما يغلب على مذهبها، فقد يقال: إنها مائلة إلى مذهب الجبر، أو إلى مذهب السلف، أو إلى مذهب القدرية، ومن أشهر هذه الطوائف طائفة الأشعرية، حيث يغلب عليهم مخالفة المعتزلة، والميل إلى مذهب الجبرية، وإن لم يصلوا إلى حد موافقة الجهم (^٢) في أقواله (^٣). فغلوهم في مخالفة المعتزلة أوصلهم إلى موافقة الجبرية في بعض مسائل القدر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن الأشعرية وبعض المثبتين للقدر
_________________
(١) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٣٠).
(٢) الجهم بن صفوان الراسبي السمرقندي أبو محرز رأس الضلالة وإمام الجهمية أجمع السلف على ذمه لما زرع من الشر والفساد بأقواله قتل سنة (١٢٨ هـ). سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٦). البداية والنهاية (١٠/ ٢٨).
(٣) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٠٨).
[ ٢٢٩ ]
وافقوا الجهم بن صفوان في أصل قوله في الجبر، وإن نازعوه في بعض ذلك نزاعًا لفظيًّا أتوا بما لا يعقل وبالغوا في مخالفة المعتزلة في مسائل القدر حتى نسبوا إلى الجبر" (^١).
المطلب الثاني: هل يقع في القدر تغيير وتبديل أو محو وإثبات؟
دلَّت ظواهر بعض النصوص على أن القدر يمكن أن يقع فيه تغيير وتبديل أو محو وإثبات، كقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^٢)، وقوله -ﷺ-: "من سرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقه، وأن يُنْسَأ له في أثره فليَصِلْ رَحمه" (^٣).
فهذان النصَّان وما يماثلهما تُشْكِل مع ما سبق من أن القدر لا يتغير وأن القلم قد جفَّ بما هو كائن.
وقد أورد القرطبي والمازري بعض صور الجمع بين هذه النصوص واتفقا على أن ما في علم الله ﷾ ثابت لا يتغير ولا يتبدل.
قال القرطبي في شرحه للحديث السابق: "معنى التأخير هنا في الأجل -وإن كانت الآجال مقدرة في علم الله لا يزاد فيها ولا ينقص-: أنه يبقى بعده ثناء جميل، وذكر حميد، وأجر متكرر، فكأنه لم يمت، وقيل معناه: يؤخر أجله المكتوب في اللوح المحفوظ والذي في علم الله ثابت لا تبديل فيه، كما قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ أي: أصل المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو علم الله
_________________
(١) منهاج السنة (٤٦٣/ ١، ٤٦٤).
(٢) سورة الرعد، الآية: ٣٩.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم ح (٥٩٨٥) (١٠/ ٤٢٩). ومسلم في كتاب البر والصلة والأداب باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها ح (٢٥٥٧) (١٦/ ٣٥٠).
[ ٢٣٠ ]
الذي لا يقبل المحو ولا التغيير، وحكي معناه عن عمر -﵁- في الآية" (^١).
وأطال المازري -على غير عادته- في هذه المسألة، وذكر عدة صور للجمع بين النصوص، فقال: قد أُثبت في هذا الحديث أن الأجل لا يزاد فيه، ولا ينقص، وقد قال في حديث آخر: إن صلة الرحم تزيد في العمر، فكيف الجمع بين الحديثين؟
قلنا: أول ما يجب أن تعلم أن الأجل عبارة عن الوقت الذي قدر موت الإنسان فيه، والباري سبحانه يعلمه، فما علمه الباري من الآجال لا يتبدل ولا يتغير، فالزيادة في الأجل الذي علمه الله ﷾ لا تصح. وإن كان في غير الأجل الذي عند الله تعالى في غيبه، فهذا غير ممتنع، وقال الحذاق من أهل العلم: ما وقع من الظواهر في الزيادة في العمر والنقصان منه، فيحمل على ما عند ملك الموت، أو من وكله الباري بقبض الأرواح، وأمره فيها بآجال محدودة، فإنه سبحانه بعد أن يأمره بذلك أو يثبته في اللوح المحفوظ لملك الموت فينقص منه أو يزيد فيه، على حسب ما شاء الله حتى يقع الموت على حسب ما علم الله تعالى في الأزل، وقد قال ﷿: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ (^٢) وهذا تنبيهٌ إلى ما قلناه، وإن كان قيل في الآية: محو الليل بالنهار، والنهار بالليل، وقيل: محو الأحكام المنسوخة بالناسخة لها. وقيل: معنى ذلك أن الله علم أن يعمره مائة عام؛ لأنه يَصِلُ رَحِمَهُ، وعلم أنه لو لم يصل رحمه لعمَّره ثمانين، والباري سبحانه موصوف بأنه يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون، وهذا أمثل ما ذكرنا من التأويلات،
_________________
(١) المفهم (٦/ ٥٢٨) وانظر أيضًا (٦/ ٦٥٤).
(٢) سورة الرعد، الآية: ٣٩.
[ ٢٣١ ]
أو ما قلناه من أن الزيادة والنقصان يرجعان إلى المَلَك" (^١).
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذه المسألة وذكر أن فيها خلافًا بين الأشعرية والحنفية "الماتريدية" حيث قال: "قد اشتهر الخلاف في ذلك بين الأشعرية والحنفية، وتمسَّك الأشاعرة بمثل هذا الحديث (^٢)، وتمسك الحنفية بمثل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (^٣) وأكثر كل من الفريقين الاحتجاج لقوله، والحق أن النزاع لفظي، وأن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة الموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله" (^٤).
ونرى القرطبي والمازري لم يخرجا عما ذكره العلماء في هذه المسألة من صور الجمع بين هذه الأحاديث حيث ذكر العلماء أن الله قدَّر السبب والمسبب، فقدَّر أن هذا يصل رحمه فيزيد الله في عمره بهذا السبب، ولو لم يصل لما زاد.
وقال آخرون: الزيادة والنقصان تكون في الصحف التي في أيدي الملائكة، فالمكتوب غير المعلوم، فما علمه الله من نهاية العمر لا يتغير، وما كتبه قد يمحى ويثبت، وعلى هذا يحمل قول عمر -﵁-
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٨٤) بتصرف.
(٢) وهو حديث ابن مسعود ﵁ في خلق الجنين وما يؤمر به الملك من كتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. أخرجه البخاري في كتاب القدر باب (١) ح (٦٥٩٤) (١١/ ٤٨٦) ومسلم في كتابه القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ح (٢٦٤٣) (١٦/ ٤٢٩).
(٣) سورة الرعد، الآية: ٣٩.
(٤) فتح الباري (١١/ ٤٩٧).
[ ٢٣٢ ]
الذي أشار إليه القرطبي وهو قوله: "اللهم إن كنت كتبتني من أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذنب والشقوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب" (^١).
ومن العلماء من قال: إن الزيادة والنقصان على سبيل المجاز، فيحمل على البركة في العمر والسعة في الرزق، والزيادة في العمل ونحوها (^٢).
وقد ردَّ شيخ الإسلام على هذا القول فقال: "يُقال لهؤلاء تلك البركة وهي الزيادة في العمل والنفع هي أيضًا مقدَّرة مكتوبة، وتتناول لجميع الأشياء -ثم بيَّن شيخ الإسلام المذهب الصحيح في ذلك فقال: - والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وَصَلَ رَحِمَهُ زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يُوجب النقص نقص من ذلك المكتوب والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلَّا ما علَّمهم الله. والله يعلم الأشياء قبل كونها، وبعد كونها، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات" (^٣).
وقال أيضًا: "الأجل أجلان: (أجلٌ مطلق) يعلمه الله (^٤)، و(أجل مقيد)، وبهذا يتبين معنى قوله -ﷺ-: "من سرَّه أن يُبْسَط له في رزقه، وأن
_________________
(١) تفسير الطبري (٧/ ٤٠١) وقد ذكر هذا القول عن ابن مسعود وغير واحد من الصحابة.
(٢) وقد ذكر القرطبي هذا القول، وقال به أيضا ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (٢٣٨) والنووي في شرحه لصحيح مسلم (١٦/ ٣٤٩) والقاضي عياض في إكمال المعلم (٨/ ٢١) وغيرهم.
(٣) الفتاوى (١٤/ ٤٩٠).
(٤) أي يعلمه الله وحده.
[ ٢٣٣ ]
يُنْسَأ له في أثرِه فليصل رحمه" (^١) فإن الله أمر الملك أن يكتب أجلًا، وقال: إن وصل رحمه زده كذا وكذا، والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر" (^٢).
ولكن ما في اللوح المحفوظ هل يتغير ويتبدل؟
أشار شيخ الإسلام إلى ذلك وذكر أن الخلاف فيها على قولين لكنه لم يرجِّح (^٣).
والقرطبي يرى أن المحو والإثبات يكونان فيما في اللوح المحفوظ كما يتبين من قوله السابق، فالتغير الذي نفاه هو ما في علم الله سبحانه، وهذا أمرٌ متفق عليه.
والراجح في هذه المسألة أن ما في اللوح المحفوظ لا يتغير ولا يتبدل، وإنما التغير والتبدل يكون في الصحف التي في أيدي الملائكة. فقد نقل ابن الجوزي عن الزَّجَّاج في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ قال المفسرون: وهو اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما يكون ويحدث".
ثم قال ابن الجوزي: "وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب لا يغير منه شيء" (^٤).
وقال الشيخ السعدي عند تفسيره للآية السابقة: "يمحو الله ما يشاء
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٣٠).
(٢) الفتاوى (٨/ ٥١٧).
(٣) المرجع السابق (١٤/ ٤٩٢).
(٤) زاد المسير (٤/ ٢٥٩).
[ ٢٣٤ ]
من الأقدار، ويثبت ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه، وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل، ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع وشعب، فالتغير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا، ولمحوها أسبابًا لا تتعدى تلك الأسباب ما رسم في اللوح المحفوظ كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببًا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببًا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببًا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ" (^١).
وقد رجَّح هذا القول أيضًا الحافظ ابن حجر حيث قال: "المحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى، فلا محو فيه البتة، ويقال له: القضاء المبرم، ويقال للأول: القضاء المعلق" (^٢).
وقال به السفاريني في لوامع الأنوار (^٣). وهو مفهوم كثير من العلماء الذين تكلموا في هذه المسألة.
المطلب الثالث: القضاء والقدر وفعل الأسباب:
إن الإيمان بالقضاء والقدر، واعتقاد أن الأمور جميعها تسير وفق
_________________
(١) تفسير السعدي ص (٤٤٥).
(٢) فتح الباري (١٠/ ٤٣).
(٣) لوامع الأنوار للسفاريني (١/ ٣٤٩).
[ ٢٣٥ ]
ما سبق فيه القضاء، وجرت به المقادير، لا يقتضي من العبد ترك العمل -المفضي إلى الخمول والدعة والبطالة- اتكالًا على ذلك، بل هذا ينافي حقيقة التوكل. فلابد مع التوكل على الله من مباشرة الأسباب المأمور بها شرعًا وعقلًا وفطرة. وقد اقتضت حكمة الله تعالى تعلق الأشياء بمسبباتها وارتباطها بها، وبناءها عليها.
قال ابن القيم -﵀-: "وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال، ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا والآخرة مصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال" (^١).
وقد قال بعض العلماء كلامًا سديدًا في هذه المسألة، وهو قوله: "الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا، نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية، قدحٌ في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لابد من ريح مربية بإذن الله، ولابد من صرف الانتفاء عنه، فلابد من تمام الشروط، وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره" (^٢).
وهذا ما قرره القرطبي فقال: "استعمل الحرص والاجتهاد في
_________________
(١) الجواب الكافي ص (٩، ١٠).
(٢) الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٧٠).
[ ٢٣٦ ]
تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك، وصيانة عيالك ومكارم أخلاقك، ولا تفرط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متكلًا على القدر، فتنسب للتقصير، وتُلام على التفريط شرعًا وعادة، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته وإبلاغ الحرص غايته، فلابد من الاستعانة بالله والتوكل عليه، والالتجاء في كل الأمور إليه، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين" (^١).
وردَّ على الذين يتركون العمل احتجاجًا بالقدر، فقال: "وقوله: "أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل"؟ وفي الرواية الأخرى: "أفلا نتَّكل على كتابنا؟ " (^٢) حاصل هذا السؤال أنه إذا وجبت السعادة والشقاوة، بالقضاء الأزلي، والقدر الإلهي، فلا فائدة للتكليف ولا حاجة بنا إلى العمل، فنتركه، وهذه أعظم شبه النافين للقدر، وقد أجابهم -ﷺ- بما لا يبقى معه إشكال فقال: "اعملوا فكلٌّ مُيسَّر لما خُلِقَ له" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ (^٣) ووجه الانفصال: أن الله تعالى أمرنا بالعمل فلابد من امتثال أمره، وغيَّب عنَّا المقادير لقيام حجته وزجره، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته وحكمته وعزه" (^٤).
والرسول -ﷺ- وهو إمام المتوكلين، لم يكن ليترك الأسباب، مع توكله على الله، بل كانت أقواله وأفعاله -ﷺ- تدل على أن فعل الأسباب من التوكل على الله.
_________________
(١) المفهم (٦/ ٦٨٢).
(٢) رواه البخاري في كتاب التفسير سورة الليل: باب ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ ح (٤٩٤٧) (٨/ ٥٧٩)، ومسلم في كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ح (٢٦٤٧) (١٦/ ٤٣٤).
(٣) سورة الليل، الآيتان: ٥، ٦.
(٤) المفهم (٦/ ٦٥٨).
[ ٢٣٧ ]
وهذا أمرٌ معلوم لا يحتاج إلى بيان، فقد شارك -ﷺ- أصحابه في حفر خندق حول المدينة في غزوة الأحزاب عملًا بالأسباب، وقد ردَّ القرطبي على جهلة الصوفية -الذين يجعلون الأخذ بالأسباب من قوادح التوكل- عند شرحه لهذا الحديث فقال: "وغير خَافٍ ما في هذا الحديث من الفقه، من جواز التحصن والاحتراز من المكروهات، والأخذ بالحزم، والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل، ولا منقص فيه، فقد كان النبي -ﷺ- على كمال المعرفة بالله تعالى، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك لم يطرح الأسباب، ولا مقتضى العادات، على ما يراه جهال المتزهدين أهل الدعاوي الممخرقين" (^١).
ومن اتخاذ الأسباب التي أمر بها تعالى: الدعاء، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٤).
"فإن قالوا إن هذا الدعاء الذي أمرنا الله ﷿ به وأرشدنا إليه، وجعل تركه استكبارًا وتوعَّد عليه بدخول النار، مع الذل، وأنكر عليهم أن غيره يجيب المضطر، إن كان ذلك كله لا فائدة فيه للعبد، فقد نسب إلى الرب -﷿- ما لا يجوز عليه، ولا تحل نسبته إليه بإجماع المسلمين، فإنه ﷿ لا يأمر إلَّا بما فيه فائدة للعبد، دنيوية وأخروية،
_________________
(١) المفهم (٣/ ٦٤٥) وانظر أيضًا (٣/ ٤٩٣).
(٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٣) سورة النمل، الآية: ٦٢.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.
[ ٢٣٨ ]
إما جلب نفع أو دفع ضر" (^١).
لكن المعتزلة قالوا: لا فائدة في الدعاء، مع سابق القدر، وغلاة الصوفية قالوا: إن الدعاء قادح في التوكل. وهذا كلامٌ باطلٌ، مردود على أصحابه بالشرع والعقل إذ الدعاء من الأسباب التي جعلها الله موصلة للمراد.
قال ابن تيمية: الدعاء في اقتضائه الإجابة، كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها الإثابة، وكسائر الأسباب في اقتضائها المسببات، ومن قال: إن الدعاء علامة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسؤول ليست بسبب أو هو عبادة محضة لا أثر له في حصول المطلوب وجودًا ولا عدمًا، بل ما يحصل بالدعاء يحصل بدونه، فهما قولان ضعيفان، فإن الله علَّق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب، كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٢) وفي الصحيحين عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلَّا أعطاه بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجِّل له دعوته، وإما أن يدَّخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا: يا رسول الله إذًا نُكثر، قال: الله أكثر" (^٣) فعلَّق العطايا بالدعاء، تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور به" (^٤).
_________________
(١) انظر: قطر الولي على حديث الولي للشوكاني ص (٥١٢).
(٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٨)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب في انتظار الفرج وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا صحيح الاسناد إلَّا أن الشيخين لم يخرجاه (١/ ٩٨٥)، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٢/ ٩٨٥)، برقم (٥٦٣٧).
(٤) الفتاوى (٨/ ١٩٢).
[ ٢٣٩ ]
وقال ابن القيم: "إن هذا المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهكذا، كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدَّر حصول الزرع بالبذر فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قدَّر وقوع المدعو به بالدعاء لا يصح أن يُقال لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب، وجميع الحركات والأعمال، وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء، ولا أبلغ في حصول المطلوب" (^١).
وهذا هو الذي قرَّره القرطبي، فردَّ على المعتزلة والصوفية فيما ذهبوا إليه في مسألة الدعاء إذ قال عند شرحه لحديث الرسول -ﷺ- الذي دعا فيه ﵇ بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة (^٢): "هذا وما في معناه من أدعية النبي -ﷺ- التي تفوق الحصر حجة على بعض المعتزلة القائلين: لا فائدة في الدعاء مع سابق القدر، وعلى غلاة الصوفية القائلين: إن الدعاء قادح في التوكل، وهذه كلها جهالات لا ينتحلها إلَّا جاهل لظهور فسادها وقبح ما يلزم عليها" (^٣).
المطلب الرابع: الاحتجاج بالقدر على المعاصي:
إن الاحتجاج بقدر الله تعالى على الوقوع في المعاصي، واقتراف المنكرات مذهب باطلٌ شرعًا وعقلًا، وهو حجة المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا
_________________
(١) الجواب الكافي ص (٩).
(٢) رواه البخاري في كتاب فضائل المدينة باب (١٢) ح (١٨٨٩) (٤/ ١١٩) ومسلم في كتاب الحج باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها ح (١٣٧٦) (٩/ ١٥٨).
(٣) المفهم (٣/ ٤٩٣).
[ ٢٤٠ ]
حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (^١).
قال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: "الله تعالى أعطى كل مخلوق قدرة وإرادة، يتمكن بها من فعل ما كلِّف به، فما أوجب الله على أحد ما لا يقدر على فعله، ولا حرَّم على أحد ما لا يتمكن من تركه، فالاحتجاج بعد هذا بالقضاء والقدر ظلم محض، وعناد صرف فالمحتجُّون على المعاصي بالقضاء والقدر يتناقضون في ذلك، فإنهم لا يمكنهم أن يطردوا في ذلك بل لو أساء إليهم مسيء بضرب أو أخذ مال أو نحو ذلك، واحتج بالقضاء والقدر لما قبلوا منه هذا الاحتجاج" (^٢).
فبطلان الاحتجاج بالقدر أمرٌ واضح؛ لأنه يلزم منه تعطيل الشرع وجريان الأحكام على العباد، وهذا معلوم بطلانه بالضرورة (^٣).
وقد بيَّن شيخ الإسلام بطلان هذه الحجة عقلًا، فقال: "إن الواحد من هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد، وإما أن لا يراه حجة للعبد، فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس، فإنهم كلهم مشتركون في القدر، وحينئذ فيلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه ويأخذ ماله ويفسد حريمه، ويضرب عنقه، ويهلك الحرث والنسل، وهؤلاء جميعهم كذّابون متناقضون، فإن أحدهم لا يزال يذم هذا ويبغض هذا، ويخالف هذا، حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ويعادونه وينكرون عليه، فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات وترك الواجبات، لزمهم أن لا يذموا
_________________
(١) سورة الأنعام، الآيتان: ١٤٨، ١٤٩.
(٢) تفسير السعدي ص (٢٨٢).
(٣) انظر الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٢٦٤).
[ ٢٤١ ]
أحدًا ولا يبغضوا أحدًا، ولا يقولوا في أحدٍ: إنه ظالم، ولو فعل ما فعل، ومعلوم أن هذا لا يمكن لأحدٍ فعله، ولو فعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين أن قولهم فاسد في العقل" (^١).
وهؤلاء قد يستدلون بحديث أبي هريرة -﵁- في احتجاج آدم وموسى -﵉- حيث قال -ﷺ-: "احتجَّ آدمُ وموسى فقال له موسى: يا آدمُ أنت أبُونا خيَّبْتَنا وأخرجْتَنا من الجنة، قال لهُ آدمُ: أنت موسى اصطفاك الله بكلامِه وخطَّ لك بيده أتلُومني على أمر قد قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلُقني بأربعين سنة؟ فقال -ﷺ-: فحجَّ آدمُ موسى فحجَّ آدمُ موسى" (^٢).
وقد كان للعلماء أجوبة كثيرة على هذا الحديث تخرجه عن الاستدلال به في هذا المذهب الباطل في القدر.
وكذا فعل القرطبي حيث أبطل الاستدلال بهذا الحديث على فعل المعاصي، وذكر بعض صور توجيه الحديث، وبيَّن ضعف بعضها، ورجَّح ما يراه، حيث قال: "ظاهر هذا أن آدم إنما غلب موسى بالحجة؛ لأنه اعتذر بما سبق له من القدر، عما صدر عنه من المخالفة، وقبل عذره، وقامت بذلك حجته، فإن صح هذا لزم عليه أن يحتج به كل من عصى ويعتذر بذلك، فيُقبل عذره، وتثبت حجته، فحينئذ تكون للعصاة على الله حجة، وهذا مناقض لقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (^٣) وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث:
_________________
(١) الفتاوى (٨/ ٢٦٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب وفاة موسى وذكره بعدُ ح (٣٤٠٩) (٦/ ٥٠٨) ومسلم في كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى -﵉- ح (٢٦٥٢) (١٦/ ٤٣٩).
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٤٩.
[ ٢٤٢ ]
فقيل: إما غلبه آدم بالحجة؛ لأن آدم أبوموسى، وموسى ابن، ولا يجوز لوم الابن أباه، ولا عتبه. قلت: وهذا نأي عن الحديث، وعما سيق له.
وقيل: إنما كان ذلك لأن موسى قد كان علم من التوراة أن الله تعالى قد جعل تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة وسكناه الأرض، ونشر نسله فيها، ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي.
قلت: وهذا إبداء حكمة تلك الأكلة لا انفصال عن إلزام تلك الحجة، والسؤال باقٍ لم ينفصل عنه.
وقيل: إنما توجهت حجته عليه، لأنه قد علم من التوراة ما ذكروا: أن الله تاب عليه واجتباه وأسقط عنه اللوم والعتب، فلوم موسى وعتبه له -مع علمه بأن الله تعالى قدر المعصية، وقضى بالتوبة وبإسقاط اللوم والمعاتبة حتى صارت تلك المعصية كأن لم تكن- وقع في غير محله، وعلى غير مستحقه، وكان هذا من موسى نسبة جفاء في حال الصفاء، كما قال بعض أرباب الإشارات: ذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء، وهذا الوجه إن شاء الله أشبه ما ذكروا، وبه يتبين أن ذلك الإلزام لا يلزم" (^١).
والمازري كذلك رجَّح ما ذهب إليه القرطبي من أن اللوم لا ينبغي وقوعه بعد التوبة، حيث قال: قال بعض أهل العلم: لما كان الله سبحانه قد تاب على آدم ﵇ من معصيته، لم يجب لومه عليها، وإلَّا فالعاصي منا لا ينجيه من اللوم والعقاب، وقوله: "إن الله قدَّر ذلك عليَّ" لأنه أيضا قد قدَّر عليه العقوبة واللوم إذا وقعا به، ولما كان الله تعالى تاب على آدم -ﷺ- صار ذكر ذلك له إنما يفيد إذًا مباحثته عن السبب الذي دعاه إلى ذلك، فأخبر آدم أن السبب قضاء الله وقدره، وهذا جوابٌ صحيح إذا
_________________
(١) المفهم (٦/ ٦٦٧).
[ ٢٤٣ ]
كانت المباحثة عن الموقع في ذلك ولم يكن عند آدم سبب موقع فيه على الحقيقة إلَّا قضاء الله وقدره، ولهذا قال -ﷺ-: "فحجَّ آدم موسى" ولهذا قال آدم لموسى صلى الله عليهما: "أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه" وذكر فضائله التي أعطاه يريد بذلك أن الله سبحانه قدَّر ذلك وقضى به، فنفذ ذلك كما قدر علي ما فعلت فنفذ فيَّ" (^١).
وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام القرطبي السابق، وقال هو محصل ما أجاب به المازري، واختاره الحافظ وقال هو المعتمد (^٢).
واختار ابن القيم ﵀ هذا الجواب وأيَّد هذا التوجيه، فقال: "الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع؛ لأنه لا يدفع بالقدر أمرًا ولا نهيًا، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة يوضحه أن آدم قال لموسى: أتلومني على أن عملت عملًا كان مكتوبًا عليَّ قبل أن أُخلق؟ فإذا أذنب الرجل ذنبًا ثم تاب منه توبة، وزال أمره، حتى كأن لم يكن فأنَّبهُ مؤنِّبٌ عليه، ولَامَه، حَسُنَ منه أن يحتجَّ بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمر كان قد قدِّرَ عليَّ قبل أن أُخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقًّا، ولا ذكره حجة على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلًا محرمًا، أو يترك واجبًا فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٧٧).
(٢) فتح الباري (١١/ ٥١٨).
[ ٢٤٤ ]
إقامته عليه وإصراره، فيبطل بالاحتجاج به حقًّا، ويرتكب باطلًا" (^١).
على أن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- له جوابٌ آخر غير هذا، فهو يرى أن الحديث ليس واردًا في الاحتجاج بالقدر على المعصية أصلًا، فلا يكون دليلًا على ذلك، فالقدر حجة لآدم على موسى -﵉- لأنه لامَه لأجل المصيبة التي حصلت بفعل ذلك، وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه، فيكون الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، فيكون لوم موسى لآدم على الإخراج من الجنة لا على الأكل من الشجرة؛ لأن موسى -﵇- أعرف بالله وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب أخبره الله تعالى أنه قد تاب على صاحبه واجتباه بعده وهداه. وآدم ﵇ أعلم بالله من أن يحتج بالقدر على الذنب، وموسى ﵇ أعلم بالله من أن يقبل هذه الحجة" (^٢).
وهذا توجيه قوي سديد، وقد نقله ابن القيم في شفاء العليل ملخصًا، وقال: هذا جواب شيخنا ﵀ (^٣).
المطلب الخامس: أفعال العباد:
أفعال العباد هي لب مسائل القدر، فهي التي من أجلها صار الناس فرقًا وأحزابًا.
فهل أفعال العباد هي خلق الله تعالى أم أنها خلق العبد؟
وقع الخلاف في هذه المسألة على أقوال:
الأول: أن الله وحده هو خالق أفعال العباد وأعمالهم، إنما تنسب لهم
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ٩٤).
(٢) انظر: الفتاوى (٨/ ١٠٨، ١٧٨، ١٧٩، ٣٠٤ - ٣٠٧).
(٣) شفاء العليل (١/ ٩٢ - ٩٤).
[ ٢٤٥ ]
مجازًا، فالعباد مجبورون على أفعالهم، لا قدرة لهم ولا إرادة، فحركاتهم وإراداتهم كورق الشجر، تحركه الرياح، وكحركة الشمس والقمر والأفلاك، وهذا مذهب الجبرية (^١).
الثاني: القول بأن العباد هم الخالقون لأفعالهم، فليست أفعالهم مخلوقة لله تعالى، فهم يقولون: إن الله لا يريد المعاصي والكفر، فكيف يخلقها ويعذب عليها، فلو فعل ذلك كان ظالمًا والله منزه عن الظلم، وهذا قول المعتزلة (^٢).
الثالث: قول جمهور الأشاعرة، وهم يقولون إن الله خالق أفعال العباد، وهي كسب لهم، والمراد بالكسب الذي أثبتوه للمكلف مقارنة وجود الفعل لقدرة المكلف، واختياره من غير أن يكون ثمة تأثير منه، أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًا لظهور الفعل. فأثبتوا للعبد قدرة غير مؤثرة في المقدور، وقال بعضهم: إن للعبد نوع تأثير في المقدور، ولكن الذي عليه جمهورهم ومتأخروهم أن قدرة العبد غير مؤثرة في المقدور (^٣).
وللكسب عندهم تعريفات أهمها:
١ - ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به.
٢ - ما يقع به المقدور في محل قدرته.
٣ - ما وجد بالقادر وله عليه قدرة محدثة (^٤).
_________________
(١) انظر الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٧) ومقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٣٤٠).
(٢) انظر الملل والنحل (١/ ٤٥). ومقالات الإسلاميين (١/ ٢٧٠، ٢٧٤، ٢٩٨).
(٣) انظر: اللمع للأشعري ص (٦٩)، وانظر: الإنصاف للباقلاني ص (١٤٤، ١٥٧) والقضاء والقدر للمحمود ص (٣٦٥).
(٤) انظر: اللمع للأشعري ص (٧٣). شفاء العليل لابن القيم (١/ ٣٦٣)، والقضاء والقدر=
[ ٢٤٦ ]
وهذا الكسب الذي أثبته هؤلاء لا حقيقة له، وقد قيل ثلاثة لا حقيقة لها: طفرة النطام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري (^١).
والقرطبي والمازري على مذهب الأشاعرة في أفعال العباد إذ أثبتوا أن الله ﷾ خالق أفعال العباد وأن للعبد قدرة غير مؤثرة، وسموا ذلك كسبًا.
قال القرطبي: "إن عدم الاستقلال بإيجاد الأعمال لا يناقض خطاب التكليف بها إقدامًا عليها، وإحجامًا عنها، فنحن -وإن كنا نعلم أنَّا لا نستقل بأفعالنا- نحس بوجدان الفرق بين الحركة الضرورية والاختيارية، وتلك التفرقة راجعة إلى تمكن محسوس، وتأتٍّ معتاد، يوجد مع الاختيارية، ويفقد مع الضرورية، وذلك هو المعبر عنه بالكسب، وهو مورد التكليف، فلا تناقض ولا تعنيف" (^٢).
وقال أيضًا: قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^٣) دليلٌ على صحة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد: كسبًا واكتسابًا، ولذلك لم يطلقوا على ذلك: لا خلق ولا خالق، خلافًا لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة، ومن أطلق من أئمتنا على العبد فاعل، فالمجاز المحض كما يعرف في علم الكلام" (^٤).
وقال المازري: "الإنسان عندنا مكتسب لفعله، لا مجبور عليه، وتحقيق القول في الكسب يتسع، وموضعه كتب الأصول ولا يبعد في
_________________
(١) = للمحمود ص (٢٠٩).
(٢) الفتاوى لابن تيمية (٨/ ١٢٨)
(٣) المفهم (٦/ ٥٥٤).
(٤) سورة البقرة، آية: ٢٨٦.
(٥) المفهم (٧/ ٣٢٢).
[ ٢٤٧ ]
العقل أن يجعل الله ﷾ هذه الأعمال أمارة على استحقاق الجنة والنار، ويسهل لكل عبد ما قضي له، أو عليه من ذلك" (^١).
والأشاعرة هربوا من قول المعتزلة فوقعوا في الجبر، إذ أثبتوا للعبد قدرة غير مؤثرة، فأصبح العبد عندهم مجبورًا على فعله، ولذا بيَّن القرطبي أن الهداية هي خلق القدرة على الطاعة حيث قال: "الهداية الحقيقية هي خلق القدرة على الطاعة، وقبولها، وليس ذلك إلَّا لله تعالى" (^٢).
فالعاصي على هذا غير قادر على الطاعة ولا مستطيع لها؛ لأن الله لم يخلق له القدرة على ذلك.
وهذا خلاف قول أهل السنة والجماعة الذين أثبتوا للعبد قدرة على فعله، والله سبحانه لم يخلق للمطيع قدرة على الطاعة، لم يخلقها للعاصي، بل القدرة ثابتة للجميع، وأما قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ (^٣) وما شابهها من الآيات، فالمراد بعدم الاستطاعة فيها مشقة ذلك وصعبوته عليهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته، وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه (^٤).
ومذهب أهل السنة والجماعة في أفعال العباد أن الله ﷾ خالق أفعال العباد كلها، والعباد فاعلون حقيقة، ولهم قدرة حقيقية على أعمالهم، وقدرتهم مؤثرة في المقدور، فهم يقولون إن العبد فاعل حقيقة، وهو الذي يوصف بفعله، فهو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، والله خالقه، وخالق فعله؛ لأنه هو الذي خلق فيه
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٧٥).
(٢) المفهم (١/ ١٩٦).
(٣) سورة هود، الآية: ٢٠.
(٤) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٦١).
[ ٢٤٨ ]
القدرة والإرادة اللتين بهما يفعل، فلا منافاة بين عموم خلقه تعالى لجميع الأشياء، وبين كون العبد فاعلًا لفعله حقيقة (^١).
فأهل السنة وسط بين القدرية الذين يجعلون العبد خالقًا لأفعاله الاختيارية، وبين الجبرية الذين يجعلون العبد مجبورًا في أفعاله لا قدرة له، ولا إرادة ولا اختيار (^٢).
وأما قول الأشاعرة فهو في الحقيقة لا يختلف عن قول الجبرية، فالجبرية قالوا: إن فعل العبد ينسب إليه مجازًا (^٣)، والأشاعرة يقولون ينسب إليه عادة.
والنتيجة بهذا واحدة، وهو نفي الفعل عن العبد، وإن كان بعض الأشاعرة أثبت للعبد نوع تأثير وهؤلاء أقرب إلى أهل السنة.
قال الجويني -وهو من أئمة الأشاعرة الذين خالفوهم في هذه المسألة-: "أما نفي هذه القدرة والاستطاعة فمما يأباه العقل والحس، وأما إثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهو كنفي القدرة أصلًا" (^٤).
وقد بيَّن شيخ الإسلام -﵀- أن سبب قولهم هذا يرجع إلى عدم تفريقهم بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، وعدم تفريقهم بين ما يقوم بالله من الأفعال وما هو منفصل عنه، وجعلهم كل أفعال الله مفعولة له منفصلة عنه.
_________________
(١) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٩١٧، ٤٥٩)، وشفاء العليل لابن القيم (١/ ٣٣٣)، وشرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد العثيمين (٢/ ٢١٠).
(٢) انظر: وسطية أهل السنة بين الفرق للدكتور محمد باكريم ص (٣١٧٩).
(٣) الملل والنحل (١/ ٨٧)، وقد قال القرطبي بذلك كما سبق بيانه فوافق الجبرية وإن كان ليس هناك فرق في الحقيقة بين نسبته إليه مجازًا أو عادة.
(٤) الملل والنحل (١/ ٩٨).
[ ٢٤٩ ]
فلما جاءوا إلى مسألة القدر، وأفعال العباد، واعتقدوا أنها مفعولة لله قالوا: هي فعله، لأن الفعل عندهم هو المفعول فقيل لهم في ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا في الإجابة (^١).
قال -﵀-: "والتحقيق الذي عليه أئمة السنة، وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، فأفعال العباد هي كغيرها من الحدثان مخلوقة مفعوله لله كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله، وليس ذلك نفس خلقه وفعله بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به ليست قائمة بالله، ولا يتصف بها فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه، وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال، وهو المتصف بها وله قدرة عليها، وهو فاعلها باختياره ومشيئته وذلك كله مخلوق لله فهي فعل العبد، وهي مفعول الرب" (^٢).
المطلب السادس: الحكمة والتعليل في أفعال الله:
الله ﷾ حكيم لا يفعل جل وعلا عبثًا، ولا بغير معنى ومصلحة وحكمة، فأفعاله تعالى صادرة عن حكمة بالغة. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ (^٤)، فالله ﷾ أنكر أن يسوى بين المختلفين أو يفرق بين المتماثلين فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ (^٥)، وقال
_________________
(١) انظر الفتاوى (٢/ ١١٩).
(٢) المرجع السابق.
(٣) سورة المؤمنون، الآية: ١١٥.
(٤) سورة القمر، الآية: ٥.
(٥) سورة القلم، الآية: ٣٥.
[ ٢٥٠ ]
تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ (^١).
ولذا فأثبت أهل السنة والجماعة الحكمة في أفعال الله تعالى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال الجمهور من أهل السنة وغيرهم: بل هو حكيم في خلقه وأمره، والحكمة ليست مطلق المشيئة، إذ لو كان كذلك لكان كل مريد حكيمًا، ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة بل الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة، والقول بإثبات هذه الحكمة ليس قول المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة فقط، بل هو قول جماهير طوائف المسلمين من أهل التفسير والفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم" (^٢).
وظاهر كلام القرطبي في هذه المسألة موافقة أهل السنة في إثبات الحكمة لأفعال الله تعالى، حيث قال: "إن لله تعالى فيما يجريه حكمًا وأسرارًا راعاها، ومصالح راجعة إلى خلقه اعتبرها، كل ذلك بمشيئته وإرادته من غير وجوب عليه، ولا حكم عقليٍّ يتوجَّه إليه (^٣) بل ذلك بحسب ما سبق في علمه، ونافذِ حكمه، فما أُطلع عليه من تلك الأسرار عُرِفَ، وما لا، فالعقل عنده يقف، وحذار من الاعتراض والإنكار، فإن مآل ذلك إلى الخيبة وعذاب النار" (^٤).
وقال أيضًا: "الحكيم: المحكم للأمور أو الكثير الحكمة" (^٥).
_________________
(١) سورة القمر، الآية: ٤٣.
(٢) منهاج السنة (١/ ١٤١) وانظر الفتاوى (٨/ ٩٢).
(٣) أراد بهذا الاستثناء الاحتراز من قول المعتزلة الذين أوجبوا على الله تعالى بمقتضي الحكمة أمورًا ومنعوا أمورًا لمخالفتها لمقتضى الحكمة بزعمهم وبمحض عقولهم.
(٤) المفهم (٦/ ٢١٦).
(٥) المفهم (١/ ٤٠٥).
[ ٢٥١ ]
المطلب السابع: تكليف ما لا يطاق:
الطاقة: هي الاستطاعة (^١). والإجماع على أن الله -﷾- ما كلَّف العباد إلَّا بما يستطيعون، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٢).
قال شيخ الإسلام في بيان ذلك: "ما قال أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، لا مالك ولا أبوحنيفة، ولا الشافعي، ولا أحمد، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، ولا الليث (^٣)، ولا أمثال هؤلاء أن الله يكلف العباد ما لا يطيقونه" (^٤).
وهذا الذي قرَّره القرطبي عند ذكره للآية السابقة حيث قال: "هذا خبرٌ من الله تعالى أنه لا يأمرنا إلَّا بما نطيقه، ويمكننا إيقاعه عادة، وهو الذي لم يقع في الشريعة غيره، ويدل على ذلك تصفحها، وقد حكي الإجماع على ذلك" (^٥).
ولكن هل يصح التكليف بما لا يُطاق؟ .
هذا موطن خلاف بين الطوائف.
_________________
(١) قال الجرجاني: الاستطاعة: هي عرض يخلقه الله تعالى في الحيوان يعقل به الأفعال الاختيارية والاستطاعة والقدرة والقوة والوسع متقاربة في المعنى في اللغة وأما في عرف المتكلمين فهي عبارة عن صفة بها يتمكن الحيوان من الفعل والترك. التعريفان للجرجاني ص (٣٥).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٣) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الأصبهاني ثقة ثبت فقيه إمام مقدم شيخ الديار المصرية في زمنه كان من الأثرياء الأجواد توفي سنة (١٧٥ هـ) حلية الأولياء (٧/ ٣١٨). صفة الصفوة (٤/ ٣٠٩).
(٤) الفتاوى (٨/ ٤٧٩).
(٥) المفهم (٧/ ٣٢١).
[ ٢٥٢ ]
والتكليف بما لا يُطاق على قسمين:
الأول: ما لا يطاق للعجز عنه عادة: كتكليف الإنسان بالطيران في الهواء، أو المشي فوق الماء. وما لا يطاق للعجزء عنه عقلًا كالجمع بين الضدين.
الثاني: ما لا يطاق، لا للعجز عنه، لكن لتركه والاشتغال بضده: كتكليف الكافر الإيمان في حال كفره.
والأشاعرة اتفقوا على جواز النوع الثاني، واختلفوا في النوع الأول، فمن مجيز ومانع (^١).
وقد حكى القرطبي هذا الخلاف دون ترجيح نقال: "إنما الخلاف في جواز التكليف بما لا يمكننا إيقاعه: عقلًا كالجمع بين الضدين، أو عادة: كالطيران في الهواء، والمشي فوق الماء، فمن مجوز ومن مانع" (^٢).
ولكنه في موضع آخر وافق الأشاعرة في قولهم، فرجَّح جواز التكليف بما لا يطاق، فقال: "قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٣) ما: هذه أيضًا على عمومها، فتتناول كل ما يقع في نفس الإنسان من الخواطر، ما أُطيق دفعها شها، وما لا يُطاق، ولذلك أشفقت الصحابة من محاسبتهم على جميع ذلك، ومؤاخذتهم به، فقالوا للنبي -ﷺ-: كُلِّفنا ما نطيق بالصلاة والى جام، وهذه الآية لا نطيقها فأقرهم النبي -ﷺ- على ما فهموه، وبيَّن لهم أن لله تعالى أن
_________________
(١) انظر: اللمع للأشعري ص (٩٨)، والمستصفى للغزالي (١/ ١١٦٣).
(٢) المفهم (٧/ ٣٢١).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.
[ ٢٥٣ ]
يكلف عباده بما يطيقونه وبما لا يطيقونه" (^١).
وقال في استخراجه لفوائد من قوله -ﷺ-: "من صَوَّرَ صورةً في الدُّنيا كلِّف أن ينفُخ فيها الرُّوح يوم القيامة وليس بنافخ" (^٢): ويُستفاد منه جواز التكليف بالمحال في الدنيا، كما جاز في الآخرة (^٣).
والمازري لم يصرح بهذا فعند شرحه لحديث أبي هريرة﵁- الذي قال فيه: "لما نزلت على رسول الله -ﷺ- ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ (^٤) قال: فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله -ﷺ- فأَتوْا رسول الله -ﷺ- ثمَّ بركُوا على الرُّكَب فقالوا: لا نطيقها" (^٥): قال: إشفاقهم وقولهم: "لا نطيقها" يحتمل أن يكون أنهم اعتقدوا أنهم يؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطر التي لا تكتسب، فلهذا رأوه من قبيل ما لا يطاق فإن كان المراد هذا كان الحديث دليلًا على أنهم كلفوا ما لا يطاق، وعندنا أن تكليفه جائزٌ عقلًا" (^٦).
والقول بتكليف ما لا يطاق بناه الأشاعرة على ما في مذهبهم من أنه لا يجب على الله شيء ولا يقبح منه شيء.
_________________
(١) المفهم (١/ ٣٣٦).
(٢) رواه البخاري في كتاب التعبير باب من كذب في حلمه ح (٧٠٤٢) (١٢/ ٤٤٦)، ومسلم في كتاب اللباس والزينة باب تحريم تصوير صورة الحيوان ح (٢١١٠) (١٣/ ٣٣٨).
(٣) المفهم (٥/ ٤٣٣).
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.
(٥) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلَّا ما يطاق ح (١٢٥) (٢/ ٥٠٤).
(٦) المعلم (١/ ٢٠٨).
[ ٢٥٤ ]
وأما أهل السنة فاتفقوا على عدم جواز التكليف، بما لا يطاق، وهو النوع الأول، وقد ذكر شيخ الإسلام الإجماع على ذلك (^١).
وأما النوع الثاني فقالوا بجواز التكليف به للاتفاق على وقوعه في الشريعة، ولكنهم خالفوا في إطلاق ذلك عليه، فمنعوه لأن مضمونه أن فعل ما لا يفعله المكلف لا يطيقه، وإن كان بعض المنتسبين إلى السنة قد أطلقه في رده على القدرية (^٢).
المطلب الثامن: معنى الظلم:
لا شك أن الله ﷾ حكمٌ عدلٌ، لا يظلم الناس شيئًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (^٣)، وكقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ (^٤)، وكقوله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلتُهُ بينكم مُحرَّمًا، فلا تظالموا" (^٥).
ولكن ما هو الظلم الذي ينزه عنه ﷾؟
وقع الخلاف في معنى الظلم، بناءً على مسألة التحسين والتقبيح، على ثلاثة أقوال:
الأول: من عرَّف الظلم بأنه التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، فيقولون: الظلم بالنسبة لله غير ممكن الوجود.
_________________
(١) الفتاوى (٨/ ٣٠١).
(٢) المرجع السابق (٨/ ٢٩٨، ٢٩٩).
(٣) سورة يونس، الآية: ٤٤.
(٤) سورة الأنبياء، الآية: ٤٧.
(٥) سبق تخريجه ص (٢٠٦).
[ ٢٥٥ ]
فالظلم منه ممتنع غير مقدور، كالجمع بين الضدين، ولو قدر وجوده، فإنه عدل. فلو عذَّب الله المطيعين من الأنبياء والمرسلين، ونعَّم العاصين من الكافرين والظالمين لم يكن ظالمًا؛ لأنه يتصرف في ملكه، وليس فوقه آمر حتى يخالفه.
وهذا هو قول الجهمية وعامة الأشاعرة، ومن تابعهم من بعض أتباع مالك والشافعي وأحمد (^١).
الثاني: قول المعتزلة، وهو أن الظلم مقدور لله ﷿، ولكنه منزه عنه لقبحه، ولكنهم يجعلون الظلم الذي حرَّمه الله، وتنزَّه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، فشبَّهوه في الأفعال ما يحسن منها وما لا يحسن بعباده، فضربوا له من أنفسهم الأمثال، ولذلك فهم يسمون مشبهة الأفعال. فالله عندهم عدل لا يظلم؛ لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب، لا الكفر، ولا الفسوق، بل العباد يفعلون ذلك بغير مشيئته، فليس بخالق لأفعال العباد؛ لأنه لو كان خالقًا لها، ثم عاقب عليها، لكان ظالمًا للعباد (^٢).
وقد ذكر القرطبي القولين السابقين، وارتضى القول الأول الذي عليه عامة الأشاعرة، وأعرض عن القول الثالث الذي عليه أهل السنة، فلم يذكره ولم يشر إليه، حيث قال: "اتفق العقلاء على أن الظلم على الله تعالى مُحال، وإنما اختلفوا في الطريق، فالقائلون بالتحسين والتقبيح عقلًا يقولون: يستحيل عليه لقبحه، ومن لا يقول بذلك يقولون: يستحيل عليه لاستحالة شرطه في حقه تعالى، وذلك أن الظلم إنما يتصور في حق
_________________
(١) انظر منهاج السنة (٣/ ٢٩). وجامع الرسائل رسالة في كون الرب عادلًا وتنزهه عن الظلم (١/ ١٢١).
(٢) انظر إنعام الباري في شرح حديث أبي ذر الغفاري لابن تيمية (٢٩ - ٤٤).
[ ٢٥٦ ]
من حدَّت له حدود، ورسمت له مراسم، فمتى تعداها كان ظالمًا، والله تعالى هو الذي حدَّ الحدود، ورسم الرسوم، إذ لا حاكم فوقه، ولا حاجز عليه، ولا يجب عليه حكم، ولا يترتب عليه حق، ولا يتصور الظلم في حقه" (^١).
وقال أيضًا: "الظلم لا يتصور من الله تعالى، فإن الكل خلقه وملكه، لا حجر عليه ولا حكم، فلا يتصور في حقه الظلم لاستحالة شرطه" (^٢).
وبيَّن أنَّ لله تعالى أن يعذب من غير تكليف، كالصبي والمجنون، ولا يكون ظالمًا، موافقًا للأشاعرة فيما ذهبوا إليه، حيث قال: ثم لله تعالى أن يعذب من شاء ابتداءً من غير تكليف، من صبي أو مجنون، أو غير ذلك، بحكم المالكية، وأنه لا حجر عليه، ولا حكم، فلا يكون ظالمًا بشيء من ذلك إن فعله" (^٣).
وكذلك المازري أخذ بهذا القول موافقًا عامة الأشاعرة على ذلك حيث قال: الظلم مستحيل منه ﷾ جده؛ لأنه إنما يكون إذا تعديت الحدود وتجوَّزت المراسم، والباري جلَّت قدرته ليس فوقه أحد يحد له حدًّا، أو يرسم له رسمًا، حتى يكون متجاوزًا لذلك ظالمًا، ولا فوقه من يستحق أن يطيعه حتى يحلل له الحلال ويحرِّم عليه الحرام، ولكن تحريم الشيء يقتضي المنع منه، والكف عنه، فسمي الباري سبحانه تقدسه عن الظلم بهذا اللفظ، فقال "حرَّمت على نفسي"" (^٤).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٥٥٢).
(٢) المفهم (٦/ ٦٦٢).
(٣) المفهم (٦/ ٦٧٨). وانظر أيضًا (٦/ ٢١٢).
(٤) المعلم (٣/ ١٦٥) وانظر أيضًا (٣/ ١٩٨، ١٩٩).
[ ٢٥٧ ]
والصحيح في هذه المسألة ما عليه عامة أهل السنة وهو أن حقيقة
الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهذا الذي حرَّمه الله على نفسه مثل
أن يترك حسنات المحسن، فلا يجازيه عليها، أو يعاقب البريء على ما لم
يفعل من السيئات، ونحو ذلك من الأفعال التي يُنزَّه عنها الرب -سبحانه
وتعالى- لقسطه وعدله، وهو قادر عليها، وإنما استحق الحمد والثناء؛
لأنه ترك هذا الظلم وهو قادر عليه، وكما أن الله منزِّه عن صفات النقص
والعيب فهو أيضًا منزه عن أفعال النقص والعيب (^١).
المطلب التاسع: الواجب على الله تعالى:
خالف المعتزلة جماهير المسلمين في مسألة وجوب شيء على الله
تعالى، وذلك بناءً على قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين حيث أوجبوا
على الله أمورًا وحرموا عليه أخرى بمحض عقولهم قياسًا لله تعالى على
عباده. حيث أوجبوا عليه رعاية مصالح العباد وثوابهم على الطاعة،
ومعاقبتهم على المعصية وسموا ذلك عدلًا (^٢).
وجماهير المسلمين من أهل السنة وغيرهم قالوا: لا يجب على الله
شيء، بل له أن يفعل مايشاء ويحكم مايريد.
وقال ابن القيم -﵀- في النونية:
ماللعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشان
كلا ولاعمل لديه ضائع إن كان بالإخلاص والإحسان
إن عذبوا فبعد له أونعموا فبفضله والحمد للمنان (^٣)
_________________
(١) انظر الفتاوى لابن تيمية (١٨/ ١٤٥)، مفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ١٠٧)، القضاء والقدر للمحمود ص (١٨٨).
(٢) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٥)، والفتاوى لابن تيمية (٨/ ٩١).
(٣) القصيدة النونية المسماة "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية"، مع شرحها للشيخ=
[ ٢٥٨ ]
قال الشيخ محمد خليل هراس (^١) في شرح هذه الأبيات: "في هذه الأبيات الثلاثة بيان لمذهب أهل السنة في أنه ليس للعباد حق واجب على الله وأنه مهما يكن من حق فهو الذي أحقه، وأوجبه ولذلك لا يضيع عنده عمل قام على الإخلاص والمتابعة، فإنهما الشرطان الأساسيان لقبول الأعمال فإذا توفرا في عمل ما كان مقبولًا بمقتضى وعده سبحانه وإيجابه واستحق صاحبه الأجر المقدر له، فهو إن عذب العباد فبعدله، فإنه لا يجزي على السيئة إلَّا سيئة مثلها، فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة، وإن أنعم وأثاب فبفضله، فله الحمد أولًا وآخرًا" (^٢).
والقرطبي نصر هذا القول ورد على المعتزلة فيما ذهبوا إليه، فقال: "إن الله تعالى الفعال لما يريد القادر على ما يشاء لا يتوجه عليه وجوب ولا حق ولا يثبت عليه لوم ولا حكم، وأما على أصول أهل البدع القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وما يتولد على ذلك من الأصول الفاسدة من التجويز والتعديل والإيجاب على الله تعالى فلا يلتفت إليها ولا يعرج عليها لظهور فسادها" (^٣).
وقال المازري في شرحه لحديث معاذ بن جبل -﵁-: "قوله -ﷺ- في حديث معاذ: "هل تدري ما حق العباد على الله؟ " (^٤) يحتمل
_________________
(١) = محمد خليل هراس (٢/ ٩١).
(٢) محمد خليل هراس المصري عالم قضى حياته في التعليم والتأليف والدفاع عن العقيدة السلفية توفي سنة (١٣٩٥ هـ). انظر: مقدمة شرحه للعقيدة الواسطية، تحقيق علوي السقاف ص (٤١).
(٣) المرجع السابق (٢/ ٩٢).
(٤) المفهم (٦/ ٢١٢)، وانظر أيضًا (٦/ ٢١٦).
(٥) الحديث أخرجه البخاري في كتاب اللباس باب إرداف الرجل خلف الرجل ح (٥٩٦٧) (١٠/ ٤١٢). ومسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على: أنَّ من مات على التوحيد دخل =
[ ٢٥٩ ]
وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد حقًّا شرعيًّا لا واجبًا بالعقل، كما تقول المعتزلة، وكأنه لما وعد به تعالى ووعده الصدق صار حقًّا من هذه الجهة.
والوجه الثاني: أن يكون خرج مخرج القابلة للفظ الأول، لأنه قال في أوله: "ما حق الله على العباد؟ " ولا شك أن لله على عباده حقًّا فاتبع اللفظ الثاني الأول" (^١).
المطلب العاشر: التحسين والتقبيح:
أول من اشتهر عنه القول بالتحسين والتقبيح الجهم بن صفوان الذي وضع قاعدته "إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع" وبنى على ذلك أن العقل يوجب ما في الأشياء من صلاح وفساد وحسن وقبح، قبل نزول الوحي، ثم جاء الوحي مصدقًا لما قال به العقل من حسن بعض الأشياء، وقبح بعضها، وقد أخذ المعتزلة بهذا القول، واشتهر عنهم فقالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسول" (^٢).
وقابل هذا القول قول الأشاعرة، ومن تابعهم الذين قالوا: إن الفعل لا يدل على حسن شيء، ولا قبحه، قبل ورود الشرع، فلا يعرف الحسن والقبح إلَّا بالشرع، فلو عكس الشرع، فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه لم يكن ممتنعًا (^٣).
_________________
(١) = الجنة ح (٣٠) (١/ ٣٤٣).
(٢) المعلم (١/ ١٩٥)، وانظر أيضًا (١/ ٣٢٥).
(٣) نشأة الفكر الفلسفي للنشار (١/ ٣٤٦).
(٤) انظر: اللمع للأشعري ص (١١٦) والتبصير في الدين لأبي المظفر الإسفراييني ص (١٠٣).
[ ٢٦٠ ]
ولم يجعلوا أحكام الشرع معللة بناء على مذهبهم في التعليل، فلا فرق عندهم بين السجود للشيطان والسجود للرحمن في نفس الأمر، ولا بين الصدق والكذب، إلَّا أن الشارع حرم هذا وأوجب، هذا فمعنى حسنه كونه مأمورًا به، لا أنه منشأ مصلحة، ومعنى قبحه كونه منهيًّا عنه، لا أنه منشأ مفسدة ولا فيه صفة اقتضت حسنه أو قبحه" (^١).
وهذا ما سلكه القرطبي في هذه المسألة حيث قال: "الله تعالى جبل القلوب الكاملة على القيام بحق الأمانة من حفظها واحترامها وأدائها لمستحقها، وعلى النفرة من الخيانة فيها لتنتظم المصالح بذلك، لا لأنها حسنة في ذاتها كما يقوله المعتزلة" (^٢).
وقال أيضًا: "إن أعمال العباد الصالحة ليست مما تقتضي دخول الجنة إذ ليست في أنفسها على صفات تقتضي ذلك، ولا يستحق المكلف على الله بسببها شيئًا (^٣)، إذ لا منفعة له فيها، ولا غرض، فإنه الغني بذاته
_________________
(١) مدراج السالكين لابن القيم (١/ ٢٣٠).
(٢) المفهم (١/ ٣٥٦).
(٣) العمل سبب لدخول الجنة كما قال تعالى: ﴿دْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ النحل: (٣٢) وقوله تعالى: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، الأعراف: (٤٣). قال ابن كثير: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة. تفسير ابن كثير (٢/ ٢٠٦)، وقال السعدي: العمل هو السبب والمادة والأصل في دخول الجنة. تفسير السعدي ص (٤٦٧) وفي الجمع بين قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾، وبين قوله -ﷺ- "لن ينجو أحد بعمله" مسلم في كتاب صفات المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله ح (٢٨١٦) (١٧/ ١٦٤) قال ابن القيم: الأعمال سبب لدخول الجنة مقتضية له كاقتضاء سائر الأسباب مسبباتها، وأما الحديث فأخبر فيه أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد وأنه لولا رحمة الله بعبده لما أدخله الجنة لأنَّ العمل بمجرده ولو تناهى لا يوجب دخول الجنة ولا أن يكون عوضًا لها لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمة الله بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، مفتاح دار السعادة (١/ ٨) بتصرف، وبمن ﵀=
[ ٢٦١ ]
الذي لا يُستغنى عنه، وكأن هذا نص في الرد على أهل البدع والمعتزلة في قولهم في قاعدة التحسين والتقبيح والاستحقاق العقليين" (^١).
وصرَّح في موضع آخر "أن الحسن والقبح لا يعرفان إلَّا من قبل الشرع، فما حسنه بالثناء عليه، فهو حسن، وما قبحه بالذم عليه فهو القبيح" (^٢).
وهذا القول نقله الحافظ ابن حجر وارتضاه (^٣).
والمازري ورد عنه ما يشير إلى أخذه بهذا القول إذ رد على المعتزلة قولهم في التحسين والتقبيح، فحاصله الأخذ بالرأي المقابل لهم،
_________________
(١) = في شفاء العليل أنَّ هذا مذهب الجبرية حيث قال: وسلكت الجبرية وادي الجبر وطريق المشيئة المحضة قالوا ولما كان الأمر راجعًا إلى محض المشيئة لم تكن الأعمال سببًا للنجاة فكانت رحمته للعباد هي المستقلة بنجاتهم لا أعمالهم فكانت رحمته خيرًا من أعمالهم وهؤلاء راعوا جانب الملك وعطلوا جانب الحمد ولله سبحانه له الملك وله الحمد. شفاء العليل (١/ ٢٤٤). وقول القرطبي السابق مبالغة في مخالفة المعتزلة وإلَّا فالله تعالى جعل الأعمال من الأسباب الموصلة إلى الجنة فعلق الجزاء على الأعمال وهو ما قرره القرطبي في موضع آخر من المفهم حيث قال: لم يجعل الله التمسك بسابق القدر حجة للمقصرين ولا عذرًا للمعتذرين وعلق الجزاء على الأعمال وجعلها له سببًا فقال تعالى: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية/ ٢٢] وبـ ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ [النحل: ١١١]، وقال في أهل الجنة ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة/ ١٧]، وقال في أهل النار: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾ [فصلت/ ٢٨]، وقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم/ ٣١]، وقال على لسان نبيه -ﷺ-: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أردها عليكم فمن وجد خيرًا فليحمدالله ومن وجد الأخرى فلا يلومن إلَّا نفسه". سبق تخريجه ص (٢٠٦). المفهم (٦/ ٦٦٤).
(٢) المفهم (٧/ ١٣٩).
(٣) انظر: المرجع السابق (٧/ ١٣٩).
(٤) انظر: فتح الباري (١/ ٢٦٧).
[ ٢٦٢ ]
خصوصًا إذا علمنا أن المازري أشعري خالص لا يكاد يخرج عن رأي الأشاعرة في جميع مسائل العقيدة. حيث قال في هذه المسألة: "لا يقال أن قولهم: "أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر" (^١) إنما بعُدَ عندهم على طريقة المعتزلة في التقبيح والتحسين من جهة العقول، وأنه لا يؤجر إلَّا على فعله، بل يحتمل أن يكون إنما بَعُدَ عندهم على ما عهدوه من حكم الشريعة، وتقرر عندهم أن الأجور تكون بقدر المشاق، وهذا مما تدعو إليه الطباع وتستلذه" (^٢).
والمذهب الصحيح في هذا ما عليه جمهور أهل السنة والجماعة، وهو وسطٌ بين طرفين، فهم يقولون: إن الحسن والقبح يعرفان بالعقل، ولكن لا يترتب على ذلك ثواب ولا عقاب، قبل ورود الشرع بالأمر والنهي.
قال ابن القيم -﵀-: "الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات، ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، إلَّا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلَّا بعد إرسال الرسل، فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع" (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الزكاة باب بيان أنَّ اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف ح (١٠٠٦)، (٧/ ٩٥).
(٢) المعلم (٢/ ١٧).
(٣) مدراج السالكين (١/ ٢٣١).
[ ٢٦٣ ]
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز (^١) - رحمه الله تعالى- تعليقًا على كلام القرطبي الذي نقله الحافظ ابن حجر وارتضاه: "هذا قول بعض أهل السنة، وذهب بعض المحققين منهم إلى أن العقل يحسن ويقبح لما فطر الله عليه العباد من معرفة الحسن والقبيح، وقد جاءت الشرائع الإلهية تأمر بالحسن وتنهى عن القبيح، ولكن لا يترتب الثواب والعقاب على ذلك، إلَّا بعد بلوغ الشرع كما حقق ذلك العلامة ابن القيم -﵀- في "مفتاح دار السعادة" (^٢) وهذا هو الصواب والله أعلم" (^٣).
_________________
(١) هو الشيخ الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز إمام أهل السنة في زمنه تولى القضاء في عدد من البلدان ثم تولى رئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عند إنشائها ثم تولى رئاسة الإدارة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ثم مفتيًا عامًا للمملكة ورئيسًا لهيئة كبار علمائها إضافة إلى اضطلاعه بالعديد من المهام والأعمال الدعوية مع الاجتهاد في نشر العلم والعبادة ونفع الناس، خلَّف عدة مؤلفات منها "الفوائد الجلية في المباحث الفرضية"، "العقيدة الصحيحة وما يضادها"، "نقد القومية العربية" وله حاشية مفيدة على فتح الباري وَصَلَ فِيها إلى كِتَاب الحجِّ إلى غير ذلك من المؤلفات النِّافعة، توفي ﵀ في يوم الخميس ٢٧/ ١/ ١٤٢٠ هـ وصلي عليه بعد صلاة الجمعة في المسجد الحرام، وصلي عليه صلاة الغائب في جميع مناطق المملكة وبعض الدول الإسلامية.
(٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ١٤ - ٦٢).
(٣) فتح الباري (١/ ٢٦٧) الهامش.
[ ٢٦٤ ]
الفصل الثالث توحيد الألوهية
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: حقيقته ومكانته
المبحث الثاني: العبادة وبعض أنواعها
المبحث الثالث: نواقض التوحيد وقوادحه
المبحث الرابع: البدع والموقف من الفرق المبتدعة
[ ٢٦٥ ]
المبحث الأول حقيقته ومكانته
توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، واستحقاقه لها وحده دون سواه قولًا وفعلًا وقصدًا. ويسمى هذا التوحيد توحيد العبادة، وتوحيد الطلب، وتوحيد القصد والإرادة.
وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أصل دين الرسل، ومفتاح دعوتهم الذي فاتحوا به أقوامهم، فكل رسول أرسل إلى قومه يدعوهم بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (^١) كما أخبر الله عنهم في كتابه، وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحدٍ سواه، وهو معنى قول: "لا إله إلَّا الله" وهو الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٢). بل كل آية في القرآن فهي متضمنة لهذا التوحيد وحقوقه وجزائه، كما دلَّت على ذلك سورة "الفاتحة"، و"قل ياأيها الكافرون"، وأول سورة "الزمر" وآخرها، وأول سورة "يونس" ووسطها وآخرها، وأول سورة "الأعراف" وآخرها، وجملة سورة "الأنعام" وغالب سور القرآن (^٣).
فمن أجل هذا التوحيد أنزل الله كتبه، وأرسل رسله، ومن أجله شرع الله الجهاد، ومن أجله خلق الله الجنة والنار، بل هو المقصود الأعظم من خلق الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٥٩.
(٢) سورة الفاتحة، الآية: ٥.
(٣) انظر: مدراج السالكين لابن القيم (٣/ ٤٤٩)، وتيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد الله آل الشيخ (٣٦).
[ ٢٦٧ ]
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^١).
فهو أول واجب على المكلف، وآخر واجب عليه، وأول ما يدخل به الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، وهذا التوحيد هو الذي وقع فيه النزاع بين الرسل وأممهم، وشآقَّت فيه قريش رسول الله -ﷺ-، وقالت: أجعل الألهة إلهًا واحدًا، فهم أقروا بربوبية الله وقدرته على الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وأنكروا تفرده بالإلهية والعبادة، فقاتلهم رسول الله -ﷺ-، وأمر بقتالهم حتى يقولوا لا إله إلَّا الله، ويأتوا بلوازمها ومقتضياتها، ولهذا فإن إقرار المشرك بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلَّا الله، فلا يستحق العبادة أحدٌ إلَّا هو، وأن محمدًا رسول الله، فيجب طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر (^٢).
وقد جاءت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة في الدعوة إليه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ
_________________
(١) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
(٢) انظر: التدمرية لابن تيمية ص (١٩٦)، وتيسير العزيز الحميد لآل الشيخ ص (٣٧).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢١.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٦٢، ١٦٣.
(٥) سورة النحل، آية: ٣٦.
(٦) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.
[ ٢٦٨ ]
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^١). إلى غير ذلك من الآيات القرآنية.
وفي السنة ما روى ابن عباس﵄- أن رسول الله -ﷺ- لما بعث معاذًا -﵁- إلى اليمن قال: "إنك تقدُمُ على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله -﷿- فإذا عرفوًا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس" (^٢).
وعن معاذ بن جبل -﵁- قال: "أنا رديف النبي -ﷺ- فقال: يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك، ثم قال مثله ثلاثًا: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: لا، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ثم سار ساعة فقال: يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك قال: وهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ألَّا يعذبهم" (^٣). إلى غيرها من الأحاديث الشريفة الدالة على هذا المعنى.
وهذا هو دين الأنبياء جميعًا، كما قال -ﷺ-: "الأنبياءُ إخْوةٌ من علَّات، أمَّهاتُهُم شتَّى، ودينهم واحدٌ" (^٤).
قال القرطبي: "قوله: "دينهم واحد" أي: في توحيدهم وأصول
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٦٥.
(٢) سبق تخريجه ص (١٩٠).
(٣) سبق تخريجه ص (٢٥٩).
(٤) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله الله ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ح (٣٤٤٣) (٦/ ٥٥٠)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ﵇ ح (٢٣٦٥) (١٥/ ١٢٨).
[ ٢٦٩ ]
أديانهم" (^١).
وبهذا يتبين فساد ما ذهب إليه المعتزلة والأشاعرة ومن شايعهم في عدم التفريق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فجعلوا توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل ﵈" (^٢).
وقد بيَّن القرطبي أن شهادة أن لا إله إلَّا الله تعني عبادة الله وحده دون سواه، ولم يذكر قول الأشاعرة الذين جعلوا معناها أي لا خالق ولا موجود إلَّا الله، حيث قال عند شرحه لحديث ابن عمر -﵁- الذي قال فيه -ﷺ-: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله " (^٣): "قد روي من طرق، ففي بعضها "شهادة أن لا إله إلَّا الله" وفي بعضها: "على أن تعبد الله وتكفر بما دونه" فالأولى نقل للفظ، والأخرى نقل بالمعنى" (^٤).
وقال في موضع آخر: من مات لا يتخذ معه شريكًا في الإلهية ولا في الخلق، ولا في العبادة دخل الجنة" (^٥).
وقد تبين لنا فيما سبق رد القرطبي على المتكلمين في مسألة أول واجب على العبد، وتشنيعه عليهم فيما ذهبوا إليه، وبيَّن أن أول الواجبات النطق بكلمة التوحيد، حيث قال عند شرحه لحديث معاذ -﵁- (^٦):
_________________
(١) المفهم (٦/ ١٧٦).
(٢) انظر: شرح الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ٢٥، ٢٩).
(٣) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب قول النبي -ﷺ- بني الإسلام على خمس ح (٨، ١/ ٦٤) ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام ح (١٦، ١/ ٢٩٠).
(٤) المفهم (١/ ١٦٩).
(٥) المفهم (١/ ٢٩٠).
(٦) سبق تخريجه ص (١٩٠).
[ ٢٧٠ ]
"قوله: "فإذا عرفوا الله فأخبرهم" أي: إن أطاعوا بالنطق بذلك، أي: بكلمتي التوحيد كما قال في الرواية: "فإن هم أطاعوا بذلك فأعلمهم" فسمى الطواعية بذلك والنطق به: معرفة؛ لأنه لا يكون غالبًا إلَّا عن المعرفة، وهذا الذي أمر النبي -ﷺ- به معاذًا- هو الدعوة قبل القتال التي كان النبي -ﷺ- يوصي بها أمراءه، وقد اختلف في حكمها على ما يأتي في الجهاد، وعلى هذا فلا يكون حديث معاذ حجة لمن تمسك به من المتكلمين على أن أول واجب على كل مكلف معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حجة لمن يقول: إن أول الواجبات التلفظ بكلمتي الشهادة مصدقًا بها" (^١).
_________________
(١) المفهم (١/ ١٨١).
[ ٢٧١ ]
المبحث الثاني العبادة وبعض أنواعها
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريفها وشروط صحتها
المطلب الثاني: بعض أنواعها:
١ - الدعاء
٢ - الخوف والرجاء
٣ - التوكل
[ ٢٧٣ ]
المطلب الأول: تعريفها وشروط صحتها:
إن توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، وقد وضَّح القرطبي معنى العبادة فقال: "أصل العبادة الخضوع والتذلل، وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى" (^١).
والعبد الذي خضع لله تعالى، واستسلم، يسعى لأن تكون عبادته وفق ما أمر الله تعالى به لتوافق مرضاة الله، فتكون سببًا لنجاته.
والعبادة الصحيحة المقبولة عند الله تعالى لابد لها من شرطين أساسيين هما: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله -ﷺ-، وقال قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (^٣).
وقد بيَّن القرطبى أن الإخلاص شرطٌ في صحة جميع العبادات فقال: "الإخلاص شرطٌ في جميع العبادات، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، والإخلاص مصدر من أخلصت العسل وغيره، إذا صفيته وأفردته من شوائب كدره، أي: خلَّصته منها. فالمخلص في عباداته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتي له إلَّا بأن يكون الباعث على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ما عنده، فأما إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أعراض الدنيا، فلا يكون عبادة، بل يكون مصيبة موبقة لصاحبها، فإما كفر وهو:
_________________
(١) المفهم (١/ ١٨١).
(٢) سورة البينة، الآية: ٥.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٣.
[ ٢٧٥ ]
الشرك الأكبر، وإما رياء وهو: الشرك الأصغر" (^١).
وأما المتابعة للرسول -ﷺ- فهو المبلغ عن ربه-سبحانه. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٢)، وقال -ﷺ-: "من أحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليسَ فيه فهو رَدٌّ" (^٣).
قال القرطبي: "سنة الله تعالى في العبادة أنها لا تتلقى إلَّا من جهة الأنبياء" (^٤).
ولا شك أن هذا إقفالٌ لباب الابتداع في الدين، فلا عبادة صحيحة إلَّا ما جاءت عن طريق الرسول -ﷺ-، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^٥).
قال الفضيل بن عياض (^٦): "أخلصه وأصوبه، فإنه إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقْبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقْبَل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السنة" (^٧).
_________________
(١) المفهم (٣/ ٧٤٢).
(٢) سورة الحشر، الآية: ٧.
(٣) رواه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ح (٢٦٩٧) (٥/ ٣٥٥)، ومسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور ح (١٧١٨) (١٢/ ٢٥٧).
(٤) المفهم (٣/ ٥٧٤).
(٥) سورة الملك، الآية: ٢.
(٦) هو فضيل بن عياض بن مسعود التميمي أبو علي الإمام القدوة الزاهد العابد المشهور توفي سنة (١٨٧ هـ). تهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٩)، صفة الصفوة (٢/ ٢٣٧).
(٧) مدارج السالكين لابن القيم (١/ ٨٣).
[ ٢٧٦ ]
المطلب الثاني: بعض أنواع العبادة:
١ - الدعاء:
إن الدعاء من أعظم أنواع العبادة، وأوضح مظاهر الخضوع والتذلل لرب العالمين، لما فيه من. الالتجاء والافتقار إلى أرحم الراحمين. وقد كان -ﷺ- وهو من حقق العبودية على أكمل صورها مظهرًا الحاجة والافتقار إلى الله تعالى، ملتجئًا إليه، كثير الإلحاح في الدعاء.
وقد بيَّن القرطبي أن دعاء الرسول -ﷺ- في غزوة بدر وغيرها إنما هو من القيام بحق العبودية، وإظهار الفاقة والحاجة إليه تعالى، حيث قال: "قوله: "فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه" (^١) هذا منه -ﷺ- قيام بوظيفة ذلك الوقت من الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى، وتعليم لأمته ما يلجؤون إليه عند الشدائد والكرب الواقعة بهم، فإن ذلك الوقت كان وقت اضطرار وشدة، وقد وعد الله المضطر بالإجابة حيث قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (^٢) يعني عن المضطر عند الدعاء. فقام بعبادة ذلك الوقت، ولا يلزم من اجتهاده في الدعاء ذلك الوقت أن يكون ارتاب في أن الله سينجز له ما وعده به لكنه قام بحق العبودية وإظهار الفاقة، وامتثال العبادة، فإن الدعاء مخ العبادة، فقلبه -ﷺ- مستغرق بمعرفة الواعد وإنجاز الموعود ولسانه وجوارحه مستغرقة بالقيام بحق عبادة المعبود، فقام بكل جارحة بوظيفتها، ولكل عبادة بحقيقتها" (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب -﵁- في كتاب الجهاد والسير باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ح (١٧٦٣) (١٢/ ٣٢٧).
(٢) سورة النمل، الآية: ٦٢.
(٣) المفهم (٣/ ٥٧٤).
[ ٢٧٧ ]
وقال في موضع آخر- عن دعاء الرسول -ﷺ- ببعض الدعوات- حاثًّا على الاقتداء به ﵇: "إنما دعا النبي -ﷺ- بهذه الدعوات، وتعوَّذ بهذه التعوذات، إظهارًا للعبودية، وبيانًا للمشروعية ليُقتدي بدعواته ويتعوذ بتعويذاته" (^١).
والدعاء كما أنه عباد وقربة إلى الله تعالى، وامتثالٌ لأمره تعالى، إذ قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٢). فالمسلم بدعائه يرجو الإجابة، ولذا فلابد من القيام بهذه العبادة على وجهها الصحيح من الإتيان بشروط الدعاء، والحذر من موانع الإجابة، وقد ذكر العلماء ذلك في كتبهم، وتوسَّعوا ليحقِّقَ العبد العبادة. وقد ذكر القرطبي بعض هذه الشروط والتي منها: العزم في الدعاء وإظهار الحاجة والافتقار حيث قال عن هذا الشرط عند شرحه لقوله -ﷺ-: "لا يقُولَنَّ أحدُكُم اللهُمَّ اغفر لي إن شئت! اللهم ارحمني إن شئت! ليعزم في الدعاء فالله صانع ما شاء لا مكره له" (^٣): "إنما نهى الرسول -ﷺ- عن هذا القول لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة التهمم بالمطلوب، وكأن هذا القول يتضمن: أن هذا المطلوب إن حصل وإلَّا استغني عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، وكان ذلك دليلًا على قلة اكتراثه بذنوبه وبرحمة ربه، وأيضًا فإنه لا يكون موقنًا بالإجابة، وقد قال -ﷺ-: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافلٍ
_________________
(١) المفهم (٧/ ٣٥).
(٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٣) رواه البخاري في كتاب الدعوات، باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له ح (٦٣٣٩) (١١/ ١٤٤)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب العزم بالدعاء ح (٢٦٧٩) (١٧/ ٩).
[ ٢٧٨ ]
لاهٍ" (^١) ثم أن النبي -ﷺ- لم يكتف بالنهي عن ذلك حتى أمر بنقيضه، فقال: "ليعزم في الدعاء" أي ليجزم في طلبته وليحقق رغبته ويتيقن الإجابة" (^٢).
وذكر في موضع آخر جملة من شروط الدعاء وآدابه التي بالقيام بها وتحقيقها ترجى الإجابة فقال: "إن إجابة الدعاء لابد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به، فمن شرط الداعي أن يكون عالمًا بأنه لا قادر على حاجته إلَّا الله تعالى، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة، وحضور قلب، وأن يكون مجتنبًا لأكل الحرام، وألَّا يمل من الدعاء فيتركه، ويقول: قد دعوت فلم يستجب لي، كما قال في الحديث، ومن شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعًا واستدامة الإلحاح في الدعاء، فإن الله يحب الملحين عليه في الدعاء، وكيف لا؟ والدعاء مخ العبادة، وخلاصة العبودية، والقائل قد دعوت فلم أر يستجاب لي، ويترك. قانطًا من رحمة الله وفي صورة الممتن بدعائه على ربه، ثم إنه جاهل بالإجابة، فإنه يظنها إسعافه في عين ما طلب فقد يعلم الله تعالى: أن عين ما طلب مفسدة فيصرفه عنها، فتكون إجابته في الصرف، وقد يعلم الله أن تأخيره إلى وقت آخر أصلح للداعي، وقد يؤخره؛ لأنه سبحانه يحب استماع دعائه ودوام تضرعه، فتكثر أجوره، حتى يكون ذلك أعظم وأفضل من عين المدعو به لو قضى له. وقد قال -ﷺ-: "ما من داع يدعو إلَّا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر
_________________
(١) رواه الترمذي في كتاب الدعوات، باب (٦٦) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ١٤١) برقم (٥٩٤).
(٢) المفهم (٧/ ٢٩).
[ ٢٧٩ ]
عنه" (^١). ثم بعد هذا كله فإجابة الدعاء -وإن وردت في مواضع من الشرع مطلقة- فهي مقيدة بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (^٢) " (^٣).
٢ - الخوف والرجاء:
وهما من أنواع العبادة التي أمر الله تعالى بها، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (^٥).
فالخوف من الله تعالى دليلٌ على كمال المعرفة به سبحانه، إذ كلما كان المسلم بالله أعرف كان له أخوف، والخوف هو أساس التقوى.
قال القرطبي في هذا: "المتقي شرعًا هو الذي يخاف الله تعالى ويجعل بينه وبين عذابه وقاية من طاعته، وحاجزًا عن مخالفته، فإن أصل التقوى الخوف، والخوف إنما ينشأ عن المعرفة بجلال الله وعظمته وعظيم سلطانه وعقابه" (^٦).
والرجاء لابد أن يكون مع إحسان العمل، أما الرجاء مع ترك العمل فهو عجز، قال القرطبي موضحًا هذا المعنى: "استصحبوا الأعمال الصالحة والآداب الحسنة التي يرتجي العامل لها قبولها، ويحقق ظنه برحمة ربه عند فعلها، فإن الله قريب من المحسنين، وعقابه مخوف على
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٣٩).
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٤١.
(٣) المفهم (٧/ ٦٢، ٦٣).
(٤) سورة النازعات، الآيتان: ٤٠، ٤١.
(٥) سورة الرحمن، الآية: ٤٦.
(٦) المفهم (٦/ ٥٣٧).
[ ٢٨٠ ]
العصاة والمذنبين، وقد قلنا: إن حسن الظن بغير عمل غرة، كما قال -ﷺ-: "الكيِّسَ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله" (^١) وهذا إنما يكون في حالة الصحة والقوة على العمل، وأما في حال حضور الموت، فليس ذلك الوقت وقتًا يقدر فيه على استئناف غير الفكر في سعة رحمة الله تعالى وعظيم فضله، وأنه لا يتعاظمه ذنب يغفره، وأنه الكريم الحليم الغفور الشكور" (^٢).
وهذا الذي ذكره القرطبي هو الذي عليه عامة سلف الأمة، إذ العبد لابد له من الخوف والرجاء، فيستقيم سلوكه على أمر الله على هذين المسلكين، ويعالج نفسه بالخوف أحيانًا وبالرجاء أحيانًا، حسب ما يصلح به حاله.
قال الإمام أحمد: "ينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه وخوفه واحدًا" (^٣) ونقل ابن رجب عن بعض السلف قوله: "من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن" (^٤).
ولذا قال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (^٥): "هكذا حال العارف بالله تعالى بين الرجاء والخوف، لابد
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده (٤/ ١٢٤) والترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب (٢٥) وقال هذا حديث حسن وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير ص (٦٢٥) برقم (٤٣٠٥).
(٢) المفهم (٧/ ١٤٣).
(٣) مسائل الإمام أحمد لابن هانيء (٢/ ١٧٨).
(٤) التخويف من النار لابن رجب (١٧).
(٥) سورة الإسراء، الآية: ٥٧.
[ ٢٨١ ]
منها للمؤمن، ولذا قال بعض السلف: لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا، إلَّا أن الخوف أولى بالمسمى، لكن بحيث لا يقنط من رحمة الله، والرجاء أولى بالمحسن لكن بحيث لا يفتر فيكسل عن الاجتهاد في عبادة الله" (^١).
٣ - التوكل:
التوكل على الله من أصول العبادة التي لا يتم توحيد العبد لله إلَّا بها، وقد جاءت النصوص في الدعوة إليه والحث عليه. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ (^٣)، وقال تعالى في وصف المؤمنين الصادقين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (^٤).
وقد عرَّف القرطبي -﵀- التوكل، وبيَّن من يستحق أن يطلق عليه هذا الوصف فقال: "التوكل لغة: هو إظهار العجز عن أمر ما، والاعتماد فيه على الغير، والاسم: التكلان يقال منه: اتكلت عليه في أمري وأصله: إوتكلت: قلبت الواو تاءً لانكسار ما قبلها، ثم أبدل منها التاء وأدغمت في تاء الافتعال ويقال: وكَّلته بأمر كذا توكيلًا، والاسم: الوكالة بكسر الواو وفتحها.
واختلف العلماء في التوكل، وفيمن يستحق "اسم المتوكل على الله"، فقالت طائفة من المتصوفة: لا يستحقه إلَّا من لم يخالط قلبه خوف
_________________
(١) المفهم (٧/ ٣٥٨).
(٢) سورة هود، الآية ١٢٣.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦٠.
(٤) سورة الأنفال، الآية: ٢.
[ ٢٨٢ ]
غير الله من سبع أو غيره، وحتى يترك السعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى، وقال عامة الفقهاء: إن التوكل على الله هو الثقة بالله، والإيقان بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه -ﷺ- في السعي فيما لابد، منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة، واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة ثم المتوكلون على حالين:
الحال الأول: حال التمكن في التوكل، فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه، ولا يتعاطاها إلَّا بحكم الأمر.
الحال الثاني: حال غير المتمكن، وهو الذي يقع له الالتفات إلى الأسباب أحيانًا، غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية، والبراهين القطعية" (^١).
وهو وإن ذكر قول غلاة المتصوفة في التوكل الذين يدعون إلى ترك الأخذ بالأسباب، فقد رد عليهم فيما ذهبوا إليه وبين ضلال ما هم عليه فقال: "العمل بالأسباب المعتادة التي يرجى بها دفع مضرة أو جلب منفعة لا يقدح في التوكل خلافًا لما ذهب إليه جُهَّال المتوكلة" (^٢).
وبيَّن أن الأخذ بالأسباب ملازم للتوكل على الله، لا ينفك عنه حيث قال: استعمل الحرص والاجتهاد في تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك وصيانة عيالك ومكارم أخلاقك، ولا تفرط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متكلًا على القدر، فتنسب للتقصير، وتلام على التفريط شرعًا وعادة، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته، وإبلاغ الحرص غايته، فلابد من الاستعانة بالله والتوكل عليه،
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٦٧/ ٤٦٨).
(٢) المفهم (٦/ ١٨٦).
[ ٢٨٣ ]
والالتجاء إليه في كل الأمور، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين" (^١).
ومما يبين أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل ما كان عليه الرسول -ﷺمن الأخذ بالأسباب والحزم في جميع الأمور، فقد حمل السلاح، ولبس في الحرب درعين، ومن تتبع سيرته ﵇ علم منه ذلك علم اليقين، وهو ﵊ إمام المتوكلين.
وقد بيَّن القرطبي حاله -ﷺ- من أخذه بالأسباب وتوكله على الله تعالى، فقال في استنباطه لفوائد من غزوة الخندق: "منه جواز التحصن والاحتراز من المكروهات والأخذ بالحزم والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل ولا منقص، فقد كان النبي -ﷺ- على كمال المعرفة بالله، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك فلم يطرح الأسباب ولا مقتضى العادات على مايراه جهال المتزهدين أهل الدعاوي الممخرقين" (^٢).
وحث على الاقتداء به ﵊ فلنا فيه أسوة، حيث قال: "من أهمل شيئًا من الأسباب المعتادة زاعمًا أنه متوكل، فقد غلط، فإن التوكل لا يناقض التحرز، بل: حقيقته لا تتم إلَّا لمن جمع بين الاجتهاد في العمل على سنة الله، وبين التفويض إلى الله تعالى، كما فعل رسول الله -ﷺ-" (^٣).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٦٨٢).
(٢) المفهم (٣/ ٦٤٥).
(٣) المفهم (٦/ ٥٨).
[ ٢٨٤ ]
المبحث الثالث نواقض التوحيدي وقوادحه
وفيه أربعة عشر مطلبًا:
المطلب الأول: الشرك
المطلب الثاني: الكفر
المطلب الثالث: النفاق
المطلب الرابع: الفسق
المطلب الخامس: الحلف بغير الله
المطلب السادس: الطيرة
المطلب السابع: التبرك
المطلب الثامن: السحر
المطلب الناسع: النشرة
المطلب المعاشر: الرقى والتمائم
المطلب الحادي عشر: التنجيم
المطلب الثاني عشر: الكهانة
المطلب الثالث عشر: ما جاء في كراهية بعض الألفاظ
المطلب الرابع عشر: نسبه الحوادث إلى الدهر
[ ٢٨٥ ]
المطلب الأول: الشرك:
الشرك بالله تعالى هو أكبر الكبائر، وأعظم الظلم، لأنه صرفٌ للعبادة والتألُّه لغير مستحقها.
قال القرطبي: "اتخاذ الإنسان إلهًا غير خالقه المنعم عليه مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه، من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات، وعلى هذا فذلك أكبر الكبائر وأعظم العظائم" (^١).
وقال أيضًا: "الشرك هو أعظم الظلم، إذ المشرك اعتقد الإلهية لغير مستحقها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ (^٢) " (^٣).
وبيَّن معنى الشرك فقال: "معناه بحكم أصل الوضع ألا يتخذ معه شريكًا في الألوهية، ولا في الخلق، لكن هذا القول قد صار بحكم العرف عبارة عن الإيمان الشرعي، ألا ترى أن من وحَّد الله تعالى ولم يؤمن بالنبي -ﷺ- لم ينفعه إيمانه بالله تعالى، ولا توحيده، وكان من الكافرين بالإجماع القطعي؟ " (^٤).
لكن لا مانع أن يبقى الشرك على أصله، وهو اتخاذ شريك مع الله تعالى، وتكون هذه الصورة التي ذكرها القرطبي وأمثالها من باب الكفر، لأن الكفر أعم من الشرك.
فالكفر يدخل تحته الشرك، وجميع الأعمال المناقضة للإيمان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (^٥)
_________________
(١) المفهم (١/ ٢٨٠).
(٢) سورة لقمان، الآية: ١٣.
(٣) المفهم (١/ ٣٣٤).
(٤) المفهم (١/ ٢٩١).
(٥) سورة البينة، الآية: ٦.
[ ٢٨٧ ]
حيث فرَّق -﷾- بين المشركين وبين الكفار من أهل الكتاب، لأن كفر هؤلاء لم يكن من باب الشرك. لكن قد يرد الشرك ويراد به الكفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^١).
قال الحافظ ابن حجر: "المراد بالشرك في هذه الآية الكفر، لأن من جحد نبوة محمد -ﷺ- مثلًا كان كافرًا، ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف" (^٢).
أنواع الشرك:
ينقسم الشرك بإطلاقه إلى قسميق:
الأول: الشرك الأكبر، وهو جعل مع الله سبحانه شريكًا في الألوهية كفعل الجاهلية، أو صرف العبادة أو بعض أنواعها لغير الله تعالى، أو إشراك معه غيره فيها، وهذا شركٌ أكبر مخرج من الملة.
الثاني: الشرك الأصغر، وهو من كبائر الذنوب، لكنه لا يخرج من الملة، وهو شرك ظاهر يتمثل في بعض الأفعال والألفاظ الشركية، كالحلف بغير الله وغيرها، ومنه الرياء ويسمى: بالشرك الخفي.
قال القرطبي: "أصل الشرك المحرم: اعتقاد شريك لله تعالى في إلهيته، وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إن موجودًا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلهًا، ويلي هذا في الرتبة الإشراك في العبادة، وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئًا من العبادات
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٤٨.
(٢) فتح الباري (١/ ٨٥).
[ ٢٨٨ ]
التي أمر الله تعالى بفعلها له لغير الله وهو مبطل للأعمال، لهذا أشار بقوله: "من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركتُه وشرِيكَهُ" (^١). وهذا هو المسمى بالرياء، وهو على الجملة مبطل للأعمال" (^٢).
وقال في موضع آخر: "المخلص في عباداته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتى له إلَّا بأن يكون الباعث له على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ماعنده، فأما إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أعراض الدنيا، فلا يكون عبادة، بل يكون مصيبة موبقة لصاحبها، فإماكفر، وهو الشرك الأكبر، وإما رياء وهو: الشرك الأصغر" (^٣).
من وسائل الشرك:
لقد جاء الإسلام بالتوحيد الخالص والنهي عن الشرك والتحذير منه، وسد جميع الطرق والوسائل المؤدية إليه وحرَّمها. ومن ذلك نهيه عن الصور وتعظيمها، والبناء على القبور وتشييدها؛ لأن ذلك يؤدي إلى الشرك بالله تعالى، حيث يكون سببًا لعبادتها، كما حدث ذلك في الأمم السابقة، لذا حذَّر -ﷺ- من ذلك، وشدَّد في النهي، فعن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة -فيها تصاوير- لرسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصُّور أولئك شرارُ
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله ح (٢٩٨٥) (١٨/ ٣٢٦).
(٢) المفهم (٦/ ٦١٥).
(٣) المفهم (٣/ ٧٤٢).
[ ٢٨٩ ]
الخلق عند الله يوم القيامة" (^١). قال القرطبي: "إنما فعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا بها أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله تعالى عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم إنهم خلف من بعدهم خلف جهلوا أغراضهم ووسوس لهم الشيطان: أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها. فحذر النبي -ﷺ- عن مثل ذلك، وشدَّد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: "اشتدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد" (^٢) أي أنهاكم عن ذلك، وقال: "لعن الله اليهود والنصارى، اتَّخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" (^٣) وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد" (^٤) ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر رسول الله -ﷺ-، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة -إذ كان مستقبل المصلين- فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ح (٤٢٧) (١/ ٦٢٤)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها ح (٥٢٨) (٥/ ١٤).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٤٦) ومالك في الموطأ كتاب قصر الصلاة في السفر باب جامع الصلاة. وقال الألباني: رواه أحمد وابن سعد وأبو يعلى وأبو نعيم بسند صحيح وله شاهد مرسل رواه عبد الرزاق في "المصنف" وكذا ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم وإسناده قوي. انظر: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للألباني ص (٢٥).
(٣) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل ح (٣٤٥٣) (٦/ ٥٧٠) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على الصور واتخاذ الصور فيها ح (٥٣١) (٥/ ١٦).
(٤) سبق تخريجه في الصفحة نفسها.
[ ٢٩٠ ]
مثلث من ناحية الشمال حتى لايتمكن أحد من استقبال قبره، ولهذا الذي ذكرناه كله قالت عائشة: "لولا ذلك لأبرز قبره" (^١) (^٢).
المطلب الثاني: الكفر:
تعريفه لغة وشرعًا:
قال القرطبي في تعريف الكفر: "أصل الكفر التغطية والستر، ومنه سمي الزارع: كافرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ (^٣) أي الزُّراع. ومنه قول الشاعر:
في ليلةٍ كَفَرَ النجوم غمامها (^٤)
أي: ستر وغطى، والغمام: السحاب.
وأما الكفر الواقع في الشرع: فهو جحد المعلوم منه ضرورة شرعية، وهذا هو الذي جرى به العرف الشرعي" (^٥).
لكن هذا التعريف الذي قاله القرطبي لا يتناول جميع معاني الكفر التي جاءت في الشرع، لأن الكفر في الشرع أعم من الجحود، ولذا فإبليس من الكافرين، وهو لم يجحد أمر الله ولم ينكره، بل قابله بالرفض والاستكبار (^٦).
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب المغازي باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته ح (٤٤٤١) (٧/ ٧٤٦).
(٢) المفهم (٢/ ١٢٧).
(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٠.
(٤) البيت للشاعر المخضرم لبيد بن ربيعة وهذا عجز البيت، وصدره: * يعلو طريقة متنها متواتر * انظر: ديوان لبيد بن ربيعة ص (١٧٢).
(٥) المفهم (١/ ٢٥٢).
(٦) انظر مدراج السالكين لابن القيم (١/ ٣٣٧).
[ ٢٩١ ]
أنواع الكفر:
الكفر كفران. كفر مخرج من الملة موجب للخلود في النار، وكفر لا يخرج من الملة، وهو كفر النعمة، وصاحبه مستحق للوعيد، دون الخلود في النار، لما ورد في بعض النصوص من إطلاق الكفر على بعض المعاصي وهو مقصود العلماء بقوله: كفر دون كفر. قال القرطبي بعد ذكره للشرك المخرج من الملة: "وقد جاء الكفر بمعنى جحد المنعم وترك الشكر على النعم، وترك القيام بالحقوق، ومنه قوله -ﷺ- للنساء: "يكفرن الإحسان ويكفرن العشير" (^١) أي يجحدن حقوق الأزواج وإحسانهم، ومن هنا صح أن يُقال: كفر دون كفر" (^٢).
وفي مثال لذلك قال عمن انتسب لغير أبيه، وما جاء في الحديث من تكفيره: "لا شك أن هذا محرم معلوم التحريم، فمن فعل ذلك مستحلًا فهو كافر حقيقة، فيبقى الحديث على ظاهره، وأما إن كان غير مستحل فيكون الكفر الذي في الحديث محمولًا على كفران النعم والحقوق، فإنه قابل الإحسان بالإساءة، ومن كان كذلك صدق عليه اسم: الكافر، وعلى فعله أنه كفر لغة وشرعًا" (^٣).
المطلب الثالث: النفاق:
النفاق لغة: هو مخالفة الباطن للظاهر، وهو من النافقاء، وهو جحر اليربوع (^٤). وأُطلق على من يظهر الإسلام ويُبْطِن الكفر.
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب كفران العشير وكفر دون كفرح (٢٩) (١/ ١٠٤)، ومسلم في كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي -ﷺ- في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار ح (٩٠٧) (٦/ ٤٦٥).
(٢) المفهم (١/ ٢٥٣).
(٣) المفهم (١/ ٢٥٤) وانظر: أيضًا (١/ ٢٥٥، ٢٥٧، ٢٥٩).
(٤) لسان العرب (١٠/ ٣٥٨) مادة نفق.
[ ٢٩٢ ]
وقد بيَّن المازري سبب تسمية المنافق بهذا الاسم نقلًا عن ابن الأنباري (^١) فقال: قال ابن الأنباري في تسمية المنافق منافقًا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يسمى بذلك؛ لأنه يستر كفره، فأشبه الداخل للنفق وهو السرب يستتر فيه.
والثاني: أنه شبه باليربوع الذي له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء، فإذا طُلِبَ من القاصعاء خرج من النافقاء، وكذلك المنافق؛ لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي يدخل فيه.
الثالث: أنه شبه باليربوع أيضًا، ولكن من جهة أن اليربوع يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهرها أرق التراب فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج فظاهره جحره تراب على وجه الأرض وباطنه حفر، فكذلك المنافق ظاهره الإيمان وباطنه الكفر (^٢).
وقد تابعه القرطبي على ذلك فنقل هذا القول في سبب التسمية (^٣).
أنواع النفاق:
النفاق على نوعين:
١ - نفاق الاعتقاد وهو: إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وهذا لا شك في كفر صاحبه.
٢ - نفاق العمل، وهو الاتصاف ببعض صفات المنافقين، كما قال -ﷺ-: "آية المنافق ثلاث -وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم-: إذا حدَّث
_________________
(١) محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم الشيباني المعروف بابن الأنباري من الكُتَّاب والوزراء توفي سنة (٥٥٨ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٤٢١).
(٢) المعلم (١/ ١٩٨).
(٣) المفهم (١/ ٢٤٩).
[ ٢٩٣ ]
كذب وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان" (^١).
وقال القرطبي: "ظاهر هذا الحديث أن من كانت هذه الخصال الثلاث (^٢) فيه خرج عن الإيمان، وصار في النفاق الذي هو الكفر الذي قال فيه مالك: النفاق الذي كان على عهد رسول الله -ﷺ- هو الزندقة عندنا اليوم، وليس الأمر على مقتضى هذا الظاهر ولما استحال حمل هذا الحديث على ظاهره على مذهب أهل السنة اختلف العلماء فيه على أقوال:
أحدها: أن هذا النفاق هو نفاق العمل الذي سأل عنه عمر حذيفة لما قال له: هل تعلم في شيئًا من النفاق؟ أي: من صفات المنافقين الفعلية، ووجه هذا: أن من كانت فيه هذه الخصال المذكورة كان ساترًا لها، ومظهرًا لنقائضها، فصدق عليه اسم منافق.
وثانيها: أنه محمول على من غلبت عليه هذه الخصال، واتخذها عادة، ولم يبال بها تهاونًا واستخفافًا بأمرها، فأيُّ من كان هكذا كان فاسد الاعتقاد غالبًا فيكون منافقًا خالصًا.
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب علامة النفاق ح (٣٣) (١/ ١١١) ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان خصال المنافق ح (٥٩) (٢/ ٤٠٧).
(٢) قال القرطبي: كونه ﵊ ذكر في حديث أبي هريرة أن علامة المنافق ثلاث، وفي حديث ابن عمر أنها أربع، يحتمل أن يكون ذلك لأنه ﵊ استجد من العلم بخصال المنافقين مالم يكن عنده فإما بالوحي وإما بالمشاهدة لتلك منهم وعلى مجموع الروايتين تكون خصالهم خمسًا: الكذب والغدر والإخلات والخيانة، والفجور في الخصومة. ولا شك في أن للمنافقين خصالًا أخرى مذمومة كما وصفهم الله تعالى حيث قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢] فيحمل أن يقال: إنما خصَّت تلك الخصال الخمس بالذكر لأنها أظهر عليهم من غيرها عند مخالطتهم للمسلمين، أو لأنها هي التي يضرون بها المسلمين ويقصدون بها مفسدتهم دون غيرها من صفاتهم والله أعلم. المفهم (١/ ٢٥٩).
[ ٢٩٤ ]
وثالثها: أن تلك الخصال كانت علامة المنافقين في زمانه، فإن أصحاب النبي -ﷺ- كانوا مجتنبين لتلك الخصال، بحيث لا تقع منهم، ولا تعرف فيما بينهم، وبهذا قال ابن عباس وابن عمر وروي عنهما في ذلك حديث وهما أنهما أتيا النبي -ﷺ- فسألاه عن هذا الحديث فضحك النبي -ﷺ- وقال: "ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين أنتم من ذلك براء" (^١) وذكر الحديث بطوله القاضي عياض قال: وإلى هذا صار كثير من التابعين والأئمة" (^٢).
وقال المازري في شرح هذا الحديث: "قد توجد هذه الأوصاف الآن فيمن لا يطلق عليه اسم النفاق، فيحتمل أن يكون الحديث محمولًا على زمنه -ﷺ-، وكان ذلك علامة للمنافقين في أهل زمانه، ولا شك أن أصحابه كانوا مبرئين من هذه النقائص مطهرين منها، وإنما كانت تظهر في زمانه من أهل النفاق، أو يكون -ﷺ- أراد بذلك من غلب عليه فعل هذه واتخذها عادة تهاونًا بالديانة أو يكون أراد النفاق اللغوي الذي هو إظهار خلاف المضمر، وإذا تأملت هذه الأوصاف وجدت فيها معنى ذلك؛ لأن الكاذب يظهر إليك أنه صدق ويبطن خلافه، والخصم يظهر أنه أنصف ويبطن الفجور والواعد يظهر أنه سيفعل وينكشف الباطن بخلافه" (^٢).
_________________
(١) لم أجده مع طول البحث والتحري ثم وجدته عند القاضي عياض في إكمال المعلم وقد قال فيه الدكتور: يحيى إسماعيل محقق المعلم: لم أجده وليس عليه أنوار النبوة. إكمال المعلم (١/ ٣١٥). وقال الدكتور حسين شواط في تحقيقه لكتاب الإيمان من إكمال المعلم: لم أقف على هذا الحديث برغم طول البحث في المظان. كتاب الإيمان من إكمال المعلم (١/ ٣٤٤) هامش (٤).
(٢) المعلم (١/ ١٩٧).
[ ٢٩٥ ]
الحكم في المنافق:
لا شك أن حكم المنافق الخالص في الآخرة الخلود في النار، بل هو في الدرك الأسفل منها، كما جاءت بذلك الآيات والأحاديث. قال القرطبي: "المنافقون يحكم لهم في الدنيا بأحكام المسلمين، وهم عند الله من أسوأ الكافرين" (^١).
أما من ظهر نفاقه وبان هل يقتل أم لا؟
قال القرطبي في ذلك: "المنافقون الذين علم نفاقهم في عهد رسول الله -ﷺ- كانوا مستحقين للقتل، لكن امتنع النبي -ﷺ- من ذلك لئلا يكون قتلهم منفرًا لغيرهم عن الدخول في الإسلام؛ لأن العرب كانوا أهل أنفة وكبر، بحيث لو قتل النبي -ﷺ- هؤلاء المنافقين لنفر من بعد عنهم، فيمتنع من الدخول في الدين، وقالوا: هو يقتل أصحابه، ولغضب من قرب من هؤلاء المنافقين، فتهيج الحروب، وتكثر الفتن، ويمتنع من الدخول في الدين، وهو نقيض المقصود، فعفا النبي -ﷺ- عنهم، ورفق بهم، وصبر على جفائهم وأذاهم، وأحسن إليهم حتى انشرح صدر من أراد الله هدايته فرسخ في قلبه الإيمان، وتبين له الحق اليقين، وهلك عن بينة من أراد الله هلاكه، وكان من الخاسرين، ثم أقام النبي -ﷺ- مستصحبًا لذلك إلى أن توفاه الله تعالى، فذهب النفاق وحكمه؛ لأنه ارتفع مسماه واسمه، ولذلك قال مالك: "النفاق في عهد رسول الله -ﷺ- هو الزندقة عندنا اليوم" ويظهر من مذهبه أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (^٢)
_________________
(١) المفهم (١/ ١٨٩).
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٦٠، ٦١.
[ ٢٩٦ ]
وبقوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (^١) فقد سوَّى بينهما في الأمر بالجهاد، وجهاد الكفار قتالهم وقتلهم، فليكن جهاد المنافقين كذلك وقد ذهب غير واحد من أئمتنا إلى أن المنافقين يعفى عنهم ما لم يظهروا نفاقهم، فإن أظهروه قتلوا، وهذا أيضًا يخالف ما جرى في عهد النبي -ﷺ-، فإن منهم من أظهر نفاقه واشتهر عنه حتى عرف به، والله أعلم بنفاقه، ومع ذلك لم يقتلوا وقد وضح من هذا الحديث (^٢) إبطال قول من قال: إن النبي -ﷺ- لم يقتل المنافقين لأنه لم تقم بينة معتبرة بنفاقهم، إذ قد نص فيه على المانع من ذلك وهو غير ما قالوه" (^٣).
المطلب الرابع: الفسق:
قال القرطبي في تعريف الفسق لغة: "الفاسق في أصل اللغة هو الخارج مطلقًا، والفسق والفسوق: الخروج، ومنه قولهم: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرها الأعلى، ومنه سميت الفأرة: فويسقة؛ لأنها تخرج من جحرها للفساد" (^٤).
وينقسم الفسق في الشرع إلى قسمين:
الأول: فسق مخرج من الملة موجب لصاحبه الخلود في النار، كما قال تعالى عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (^٥) وسمى سبحانه
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٧٣.
(٢) وهو قوله -ﷺ- لعمر لما قال: عن عبد الله بن أبي: دعني أضرب عنق. هذا المنافق "دعه لا يتحدث الناس أنَّ محمدًا يقتلُ أصحابه" رواه البخاري في كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية ح (٣٥١٨) (٦/ ٦٣١)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا ح (٢٥٨٤) (١٦/ ٣٧٣).
(٣) المفهم (٦/ ٥٦١).
(٤) المفهم (١/ ١٠٧).
(٥) سورة الكهف، الآية: ٥٠.
[ ٢٩٧ ]
أصحاب النار فسَّاقًا، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ (^١).
الثاني: فسق لا يخرج من الملة، وهو الوقوع في المعاصي، والتجرؤ عليها، حيث سمى الله تعالى الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بالشهداء بأنهم فاسقون، وهم لم يخرجوا من الإسلام بذلك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (^٢).
قال القرطبي مبينًا الفسق بنوعيه: هو في الشرع خروج مذموم بحسب المخروج منه، فإن كان إيمانًا فذلك الفسق كفرًا، وإن كان غير إيمان فذلك الفسق معصية" (^٣).
المطلب الخامس: الحلف بغير الله:
إن من الأعمال الشركية الحلف بغير الله تعالى لما فيه من تعظيم للمحلوف به. والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده فلا يحلف إلَّا بالله وذاته وصفاته (^٤). قال -ﷺ-: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (^٥).
وقد جعل القرطبي الحلف بغير الله كفرًا أو كبيرة من كبائر الذنوب، وذلك حسب قصد الحالف وذلك عند شرحه لقوله -ﷺ-: "من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال -وفي رواية: متعمدًا-" (^٦).
_________________
(١) سورة السجدة، الآية: ٢٠.
(٢) سورة النور، الآية: ٤.
(٣) المفهم (١/ ١٠٧).
(٤) انظر: نيل الأوطار للشوكاني (٩/ ١١٤).
(٥) أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٢٥) والترمذي في أبواب النذور والأيمان، باب (٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٥)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥/ ٦٩) برقم (٢٠٤٢).
(٦) رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب من حلف بملة سوى ملة الإسلام ح (٦٦٥٢) =
[ ٢٩٨ ]
حيث قال: "قوله: "كاذبًا متعمدًا" يحتمل أن يريد به النبي -ﷺ- من كان معتقدًا لتعظيم تلك الملة المغايرة لملة الإسلام، وحينئذ يكون كافرًا حقيقة وأما إن كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثم مرتكب كبيرة، إذ قد نسبه في قوله لمن يعظم تلك الملة ويعتقدها فغلظ عليه الوعيد بأن صيَّره كواحد منهم مبالغة في الردع والزجر" (^١).
وقد نهى الرسول -ﷺ- عن الحلف بالآباء إذ المقصود تعظيمهم بذلك، وهو نهيٌّ عن الحلف بالآباء وغيرهم إذ الحلف لا يكون إلَّا بالله فهو المستحق للتعظيم، قال -ﷺ-: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" (^٢) قال القرطبي: "إنما نهى النبي -ﷺ- عن الحلف بالآباء لما فيه من تعظيمهم بصيغ الأيمان؛ لأن العادة جارية بأن الحالف منَّا إنما يحلف بأعظم ما يعتقده كما بيناه وإذا كان ذلك: فلا أعظم عند المؤمن من الله تعالى فينبغي ألا يحلف بغيره، فإذا حلف بغير الله فقد عطم ذلك الغير بمثل ما عظَّم به الله تعالى، وذلك ممنوع منه، وهذا الذي ذكرناه في الآباء جارٍ في كل محلوف به غير الله تعالى وإنما جرى ذكر الآباء هنا؛ لأنه هو السبب الذي أثار الحديث حين سمع النبي -ﷺ- عمر يحلف بأبيه، وقد شهد لهذا المعنى قوله: "من كان حالفًا فلا يحلف إلَّا بالله" وهذا حصر، وعلى ما قررناه فظاهر النهي التحريم، ثم هذا النهي وإن كان ظاهره التحريم فيتحقق فيما
_________________
(١) = (١١/ ٥٤٦)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل النفس ح (١١٠) (٢/ ٤٧٩).
(٢) المفهم (١/ ٣١٢).
(٣) رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم ح (٦٦٤٦)، (١١/ ٥٣٨) ومسلم في كتاب الأيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله ح (١٦٤٦) (١١/ ١١٦) ولفظه "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" وفي رواية عند مسلم "فلا يحلف إلَّا بالله".
[ ٢٩٩ ]
إذا حلف بملة غير الإسلام، أو بشيء من المعبودات دون الله تعالى، أو ما كانت الجاهلية تحلف به كالدمى والدماء والأنصاب، فهذا لا يشك في تحريمه، وأما الحلف بالآباء والأشراف ورؤوس السلاطين وحياتهم ونعمهم وما شاكل ذلك، فظاهر هذا الحديث يتناولهم بحكم عمومه ولا ينبغي أن يختلف في تحريمه وأما ما كان معظمًا في الشرع مثل: النبي -ﷺ- والكعبة والعرش والكرسي وحرمة الصالحين، فأصحابنا يطلقون على الحلف بها الكراهية وظاهر الحديث وما قدمناه من النظر في المعنى يقتضي التحريم" (^١).
وما ذهب إليه القرطبي -﵀- من تحريم ذلك كله والاقتصار على الحلف بالله تعالى هو الصحيح من كلام أهل العلم.
قال ابن تيمية -﵀-: والصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أنه لا يحلف بمخلوق لا نبي ولا غير نبي، ولا مَلَكٍ من الملائكة، ولا مَلِكٍ من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم، كمذهب أبي حنيفة وغيره، وهو أحد القولين في مذهب أحمد" (^٢).
وأمَّا الحلف بالألفاظ المبهمة المراد بها اسم الله تعالى كقوله: "والذي نفسي بيده" وما شابهها من الألفاظ فهو جائز. قال القرطبي عنه: "هو قسم بالله تعالى، أي: والذي هو مالك نفسي، أو قادر عليها، ففيه دليل: على أن الحلف بالألفاظ المبهمة والمراد بها: اسم الله تعالى يمين جائزة حكمها حكم الأسماء الصريحة" (^٣).
_________________
(١) المفهم (٤/ ٦٢١).
(٢) الفتاوى (٢٧/ ٣٤٩).
(٣) المفهم (٤/ ١٦٠).
[ ٣٠٠ ]
لكن من حلف بغير الله تعالى بالآباء، أو الأصنام، أو غيرها، فهل عليه كفارة في ذلك، قال بذلك بعض أهل العلم، وقد بين القرطبي رأيه في هذه المسألة، ورجَّح عدم الكفارة فقال: قد تقرر أن اليمين بذلك -أي الطواغيت والآباء- محرم ومع ذلك فلا كفارة فيه، عند الجمهور لأجل الحلف بها، ولا لأجل الحنث فيها، أما الأول فلأن النبي -ﷺ- قد قال: "من قال: واللات والعزى فليقل: لا إله إلَّا الله" (^١) ولم يذكر كفارة ولو كانت لوجب تبيينها لتعين الحاجة لذلك وأما الثاني فليست بيمين منعقدة ولا مشروعة فيلزم بالحنث فيها الكفارة" (^٢).
فالكفارة إذا هي قول لا إله إلَّا الله، وقد كان الحلف بها يجري على ألسنتهم من غير قصد، وذلك لما نشأوا عليه من تعظيم الأصنام والحلف بها.
قال القرطبي: "ولما نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام وعلى الحلف بها، وأنعم الله عليهم بالإسلام بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد للحلف بها، فأمر النبي -ﷺ- من نطق بذلك أن يقول بعده: لا إله إلَّا الله تكفيرًا لتلك اللفظة وتذكيرًا من الغفلة وإتمامًا للنعمة" (^٣).
وإذا تبين حرمة الحلف بغير الله تعالى مطلقًا فقد يستشكل ما ورد من قوله -ﷺ-: "أفلح وأبيه إن صدق" (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب التفسير باب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ح (٤٨٦٠) (٨/ ٤٧٨)، ومسلم في كتاب الأيمان، باب من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلَّا الله ح (١٦٤٧) (١١/ ١١٧).
(٢) المفهم (٤/ ٦٢٤).
(٣) المفهم (٤/ ٦٢٦).
(٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان، بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام ح (١١) =
[ ٣٠١ ]
وما ورد في القرآن من القسم بغير الله تعالى.
وقد أورد القرطبي هذا الاستتشكال وأجاب عليه فقال: فإن قيل كيف يحكم بتحريم الحلف بالآباء والنبي -ﷺ- قد حلف بذلك لما قال: "أفلح وأبيه إن صدق" وكيف يحكم بتحريم الحلف بغير الله، وقد أقسم الله تعالى بغيره فقال: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾، ﴿وَالشَّمْسِ﴾، ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾، ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾، وغير ذلك مما في كتاب الله تعالى من ذلك؟ (^١).
وقد أجاب عن ذلك فقال: قوله: "وأبيه" الرواية الصحيحة التي لا يعرف غيرها، هكذا بصيغة القسم بالأب، وقال بعضهم: إنما هي "والله" وصحفت بأن قصرت اللامان فالتبست بأبيه، وهذا لا يلتفت إليه؛ لأنه تقدير يخرم الثقة برواية الثقات الأثبات، وإنما صار هذا القائل إلى هذا الاحتمال لما عارضه عنده من نهيه -ﷺ- عن الحلف بالآباء حيث قال: "لا تحلفوا بأبائكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (^٢).
وينفصل عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن هذا كان قبل النهي عن ذلك.
والثاني: أن يكون ذلك جرى على اللسان بحكم السبق من غير قصد للحلف به كما جرى منه: تربت يمينك، وعَقْرى حلقى (^٣) وهذه عادة عربية بشرية لا مؤاخذة عليها ولا ذم يتعلق بها (^٤).
_________________
(١) = (١/ ٢٨٣).
(٢) المفهم (٤/ ٦٢٢).
(٣) سبق تخريجه ص (٢٩٩).
(٤) عقرى: أي عقرها الله وأصابها بعقر في جسدها و"حلقى" أي: أصابها وجع في حلقها وهو دعاء يجري على لسان العرب ولا يعنونه.
(٥) المفهم (١/ ١٦٠).
[ ٣٠٢ ]
وأما عن قسم الله تعالى بتلك الأمور من وجهين:
أحدهما: أن المقسم به محذوف تقديره: ورب الضحى ورب الشمس ونحو ذلك، قاله أكثر أئمة المعاني.
وثانيهما: أن الله تعالى يقسم بما يريد، كما يفعل ما يريد. إذ لا حكم عليه ولا حاكم فوقه، ونحن المحكوم عليهم، وقد أبلغنا حكمه على لسان نبيه -ﷺ-: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" و"من كان حالفًا فلا يحلف إلَّا بالله" فيجب الانقياد والامتثال لحكم ذي العزة والجلال (^١).
والمازري قد قرَّر تحريم الحلف بغير الله تعالى، وأجاب عن الاستشكال الذي سبق ذكره وذلك عند تعليقه على قوله -ﷺ-: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، حيث قال: "هذا لئلا يشرك في التعظيم بالقسم غير الله سبحانه، وقد قال ابن عباس: لأن أحلف بالله فآثم أحب إليَّ من أن أضاهي، فقيل معناه: الحلف بغير الله، وقيل معناه: الخديعة، يرى أنه حلف وما حلف، وقد قال ابن عباس أيضًا: أن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر. ولهذا ينهى عن اليمين بسائر المخلوقات، ولا يعترض على هذا بقوله -ﷺ-: "أفلح وأبيه إن صدق" لأنه لا يراد بها القسم، وإنما هذا قولٌ جارٍ على ألسنتهم وقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ (قيل معناه: ورب التين والزيتون) أو يكون المراد به التنبيه على ما فيها من العجائب والمنة بهما عليهم، ولا يراد بهما القسم، ولو سلَّمنا أن المراد بهما القسم من غير حذف وإضمار لم يبعد أن يكون الباري سبحانه يقسم بهما ويمنعنا من القسم بهما، وتعظيم الباري جلت قدرته للأشياء بخلاف تعظيمنا لها؛ لأن كل حق بالإضافة إلى حقه
_________________
(١) المفهم (٤/ ٦٢٢).
[ ٣٠٣ ]
سبحانه حقير، وكل عظيم عند الإضافة إليه هين وإنما تعظيمه لبعض الأمور تنبيه لنا على قدرها عنده أو تعبد لنا بأن نعظمها فلا يقاس هذا على هذا" (^١).
المطلب السادس: الطيرة:
الطيرة: مصدر طار يطير طيرة وطيرانًا. وأصلها: أن العرب كانوا إذا خرج الواحد منهم في حاجة نظر إلى أول طائر يراه، فإن طار عن يمينه تشاءم به، وامتنع عن المضي في تلك الحاجة، وإن طار عن يساره تيمن به، ومضى في حاجته.
وأصل هذا: أن الرامي للطير إنما يصيب ما كان عن يساره ويخيبه ما كان عن يمينه، فسمي التشاؤم: تطيرًا بذلك (^٢). وحاصل الطيرة: أن يسمع الإنسان قولًا أو يرى أمرًا، يخاف منه ألَّا يحصل له غرضه الذي قصد تحصيله (^٣).
وقال المازري في تعريف الطيرة: "الطيرة مأخوذ مما كانوا يعتادونه في الطير ويعتقدونه في البوارح والسوانح، وكان لهم في التشاؤم والتيامن طريقة معروفة، وقيل منها أخذ اسم الطيرة وقال بعضهم: الطيرة أخذ المعاني من أمور غير محسوسة ولا معقولة، ولا معنى يشعر العقل بما يتوقع من ذلك، فلهذا فارقت الفأل وإنها لا تقع إلَّا على توقع أمر مكروه" (^٤).
وقد جاء النهي عن الطيرة لما فيها من نسبة أفعال الله سبحانه إلى
_________________
(١) المعلم (٢/ ٢٤٠).
(٢) المفهم (٢/ ١٤٠).
(٣) المفهم (٥/ ٦٢٦).
(٤) المعلم (٣/ ١٠٤).
[ ٣٠٤ ]
شيء من خلقه، ولما يؤدي إلى الاعتقاد بأن لتلك المخلوقات تأثيرًا في قضاء الله وقدره. فقد قال -ﷺ-: "الطيرةُ شرك، وما منا إلَّا، ولكن يذهبه الله بالتوكل" (^١).
قال القرطبي: "وإنما كان -ﷺ- يكره الطيرة؛ لأنها من أعمال الشرك؛ ولأنها تجلب ظن السوء بالله تعالى، كما قد روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود أن النبي -ﷺ- قال: "الطيرة شرك -ثلاثًا- وما منا إلَّا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" أي: من اعتقد في الطيرة ما كانت الجاهلية تعتقده فيها فقد أشرك مع الله تعالى خالقًا آخر، ومن لم يعتقد ذلك فقد تشبه بأهل الشرك" (^٢).
هذا إذا صدت الإنسان عن حاجته كما قال -ﷺ-: "من ردَّتُه الطيرةُ عن حاجته فقد أشرك" (^٣). لكن إذا وقع في نفسه شيء من ذلك، ولكنه توكل على الله ومضى في حاجته، فلا يلحقه إثمٌ ولا ذم، إذ لا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها، لما جاء من حديث معاوية بن الحكم -﵁- عندما قال للرسول -ﷺ-: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منَّا رجالًا يأتون الكهان قال: "فلا تأتهم" قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: "ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصُدَّنهم" (^٤).
_________________
(١) رواه الترمذي في أبواب السير، باب ما جاء في الطيرة، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، ورواه أبو داود في كتاب الكهانة والتطير، باب في الطيرة، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٧٩١) برقم (٤٢٩).
(٢) المفهم (٥/ ٦٢٨).
(٣) رواه أحمد في مسنده (٢/ ٢٢٠)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٥٣) رقم (١٠٦٥).
(٤) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ح (٥٣٧) (٥/ ٢٣).
[ ٣٠٥ ]
قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "معنى ذلك أن الإنسان بحكم العادة يجد في نفسه نفرة وكراهة مما يتطير به، فينبغي له ألا يلتفت إلى تلك النفرة، ولا لتلك الكراهة، ويمضي لوجهه الذي خرج إليه، فإن تلك الطيرة لا تضر، وإذا لم تضر فلا تصد الإنسان عن حاجته، وأشار به إلى أن الأمور كلها بيد الله تعالى فينبغي أن يعول عليه، وتفوض جميع الحوائج إليه، ويفهم منه: أن هذا الوجدان لتلك النفرة لا يلام واجدها عليها شرعًا؛ لأنه لا يقدر على الانفكاك عنها، وإنما يلام الإنسان أو يمدح على ما كان داخلًا تحت استطاعته" (^١).
وقال المازري حول هذا الحديث: "أي يجدون ذلك ضرورة فلا ملام عليهم فيه، ولكن إنما يكون اللوم على توقفهم عن إمضاء حوائجهم لأجل ذلك، وهو المكتسب فنهاهم أن يصدهم ذلك عما أرادوا فعله" (^٢).
وبيَّن القرطبي في موضع آخر أن المعرض عما يجد الماضي في حاجته على سنة الرسول -ﷺ-، وقد يُذهبُ الله ﷾ عنه ما يجد إذا علم منه صدق التوكل، وصحة التفويض، حيث قال: "المتطيَّر ليس على سنة النبي -ﷺ-، إلَّا أن يمضي لوجهه، ويعرض عنها، غير أنه قد لا يقدر على الانفكاك عنها، بحيث لا تخطر له مرة واحدة، فإن إزالة تأثيرها من النفوس لا تدخل تحت استطاعتنا لكنه إذا صحَّ تفويضه إلى الله تعالى وتوكل عليه وداوم على ذلك أذهب الله تعالى ذلك عنه، ولذلك قال -ﷺ-: "ولكن الله يذهبه بالتوكل" (^٣) " (^٤).
_________________
(١) المفهم (٢/ ١٤١).
(٢) المعلم (١/ ٢٧٥).
(٣) سبق تخريجه ص (٣٠٥).
(٤) المفهم (٥/ ٦٢٨).
[ ٣٠٦ ]
وبيَّن أن الرسول -ﷺ- ما كان يتطير بشيء، إنما كان يحب الفأل، وعرف الفأل، فقال: هو أن يسمع الإنسان قولًا حسنًا، أو يرى شيئًا يستحسنه يرجو منه أن يحصل له غرَضه الذي قصد تحصيله، وهذا معنى ما فسر به النبي -ﷺ- الفأل، وكان رسول الله -ﷺ- يكره الطيرة، ويعجبه الفأل وإنما كان يعجبه الفأل؛ لأنه تنشرح له النفس، وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل، فيحسن الظن بالله -﷿- (^١). قالت عائشة -﵂-: تزوجني رسول الله -ﷺ- في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله -ﷺ- كان أحظى عنده مني، وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال" (^٢).
وقد جعل القرطبي -﵀- قول عائشة هذا ردًا على الجُهَّال الذين يتشاءمون من شهر شوال، وبيَّن أنه ينبغي إزالة ما في أذهان هؤلاء الجُهَّال من هذه الخرافات بالعمل على مخالفتها، فقال: هذا إنما قالته عائشة -﵂- لترد به قول من كان يكره عقد النكاح في شهر شوال ويتشاءم به ولذلك قالت عائشة ذلك رادَّة لذلك الوهم: "فأي نسائه كان أحظى عنده مني" أي: لم يضرني ذلك ولا نقص من حظوتي، ثم إنها تبركت بشهر شوال، فكانت تحب أن تدخل نساءها على أزواجهن في شوال للذي حصل لها فيه من الخير برسول الله، ومن الحظوة عنده، ولمخالفة ما يقول الجهال من ذلك.
ومن هذا النوع كراهة الجهال عندنا اليوم عقد النكاح في شهر المحرم، بل ينبغي أن يتيمن بالعقد والدخول فيه تمسكًا بما عظم الله
_________________
(١) المفهم (٥/ ٦٢٦، ٦٢٧).
(٢) المفهم (٤/ ١٢٣).
[ ٣٠٧ ]
ورسوله من حرمته وردعًا للجهال عن جهالاتهم" (^١).
على أنه ربما عورض ما سبق تقريره بقوله -ﷺ-: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" (^٢) وقوله -ﷺ-: "لا يورد مُمرضٌ على مُصح" (^٣) وقوله -ﷺ-: "إنما الشؤْمُ في ثلاثة: المرأة والفرس والدار" (^٤).
أما الحديث الأول فقد قال القرطبي عند شرحه: "هذا الخطاب إنما هو لمن يجد في نفسه نفرة طبيعية لا يقدر على الانتزاع منها فأمره بالفرار لئلا يتشوش عليه ويغلبه وهمه وليس ذلك خوفًا لعدوى" (^٥).
وأما الحديث الثاني: فقال القرطبي في شرحه: "إنما نهى عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد ذلك، أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام، وهذا كنحو أمره -ﷺ- بالفرار من المجذوم فإنا وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي فإنا نجد من أنفسنا نفرة وكراهية لذلك حتى إذا أكْرَهَ الإنسان نفسه على القرب منه، وعلى مجالسته تألمت نفسه وربما تأذت بذلك ومرضت ويحتاج الإنسان في هذا إلى مجاهدة شديدة ومكابدة، ومع ذلك فالطبع أغلب، وإذا كان الأمر بهذه المثابة فالأولى بالإنسان ألا يقرب شيئًا يحتاج الإنسان فيه إلى هذه المكابدة، ولا يتعرض فيه لهذا الخطر، والمتعرض لهذا الألم زاعمًا أنه يجاهد نفسه حتى يزيل عنها تلك الكراهة هو بمنزلة من أدخل على
_________________
(١) المفهم (٤/ ١٢٤).
(٢) رواه البخاري في كتاب الطب باب الجذام ح (٥٧٠٧) (١٠/ ١٦٧).
(٣) رواه البخاري في كتاب الطب، باب لا هامة ح (٥٧٧١) (١٠/ ٢٥١) ومسلم في كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ح (٢٢٢١) (١٤/ ٤٦٦).
(٤) رواه البخاري في كتاب الطب، باب الطيرة ح (٣٧٥٣) (١٠/ ٢٢٣) ومسلم في كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم ح (٢٢٢٣) (١٤/ ٤٦٩).
(٥) المفهم (٤/ ٧٥).
[ ٣٠٨ ]
نفسه مرضًا أراد علاجه حتى يزيله، ولا شك في نقص عقل من كان على هذا، وإنما الذي يليق بالعقلاء، ويناسب تصرف الفضلاء أن يباعد أسباب الآلام ويجانب طرق الأوهام وبمجموع الأمرين وردت الشرائع، وتوافقت على ذلك العقول والطبائع" (^١).
هذا هو الرأي الذي رجَّحه القرطبي في هذه المسألة وللعلماء أقوال كثيرة فيها:
فمن العلماء من رجَّح الأخبار الدالة على نفي العدوى على الأخبار المثبتة لها وبعضهم عكس ذلك. وآخرون حاولوا الجمع بين النصوص بطرق كثيرة أحدها ما ذكره القرطبي (^٢).
وكذلك المازري ذكر بعض هذه الأقوال عند الجمع بين نفيه -ﷺ- للعدوى ونهيه أن يورد ممرض على مصح، لكنه لم يرجح حيث قال: "قال بعض أصحابنا لا يورد ممرض على مصح منسوخ بقوله: "لا عدوى" وقال آخرون: ليس بينهما تناف فيفتقر إلى النسخ، ولكن نفي العدوى، وهي اعتقاد كون بعض الأمراض تفعل في غيرها بطبيعتها، وأما أن تكون سببًا لخلق الباري سبحانه عندها مرض (^٣)، ما وردت عليه، فلم ينفه، فإنما نهى أن يورد الممرض على المصح لئلا تمرض الصحاح من قبل الله جلت قدرته عند ورود المرضى فتكون المرضى كالسبب فيها، وقال آخرون: إنما المراد بهذا الاحتياط على اعتقاد الناس لئلا يتشاءم
_________________
(١) المفهم (٥/ ٦٢٤) وانظر أيضًا (٥/ ٦١٤).
(٢) انظر فتح الباري لابن حجر (١٠/ ١٦٠).
(٣) هذا على قول الأشاعرة بإثبات وجود تلازم عادي بين الأسباب والمسببات، أي أن المسببات تحدث عند الأسباب لا بها. انظر منهج أهل السنة والجماعة، ومنهج الأشاعرة في توحيد الله (١/ ٣٤٤).
[ ٣٠٩ ]
بالإبل المريضة، ويعتقد أنها أمرضت إبله، فيأثم في هذا الاعتقاد، وقال آخرون: إنما ذلك للتأذي بمشاهدة المرضى، وما قد يكون فيها من رائحة تؤذي، وهو المراد بما وقع في بعض الأحاديث فإنه أذى، وقال بعض أصحابنا في هذا إن كانت مندوحة عن مخالطة من يتأذى كره للوارد وإلَّا فلا، وكذا في أهل الجذام، إذا تأذى الناس بمخالطتهم" (^١).
وأما الحديث الذي يثبت الشؤم في ثلاثة فقال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "قد تخيل بعض أهل العلم أن التطير بهذه الثلاثة مستثنى من قوله: "لا طيرة" (^٢) وأنه مخصوص بها، فكأنه قال: لا طيرة إلَّا في هذه الثلاثة، فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما كره من ذلك، وممن صار إلى هذا القول: ابن قتيبة، وعضد هذا بما يروى عن النبي -ﷺ- من حديث أبي هريرة -﵁- أنه قال: "الطيرة على من تطير" (^٣) وقال أبو عبد الله (^٤): إن مالكًا أخذ بحديث الشؤم في الدار والفرس وحمله على ظاهره، ولم يتأوله، فذكر في كتاب الجامع من "العتبية" أنه قال: رب دار سكنها قوم فهلكوا وآخرون بعدهم فهلكوا، وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره، ويعضد هذا حديث يحيى بن سعيد، قال: جاءت امرأة إلى النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر،
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٠٣).
(٢) قوله -ﷺ- "لا عدوى ولا طيرة وإنما الشؤم في ثلاثة " سبق تخريجه ص (٣٠٨).
(٣) رواه ابن حبان في صحيحه، كتاب العدوى والطيرة والفال، باب ذكر الخبر على أنَّ الطيرة تؤذي المتطير ح (٦١٢٣) (١٣/ ٤٩٢).
(٤) محمد بن أحمد العتبي القرطبي المالكي من فقهاء المالكية، له كتاب "العتبية" وهي المستخرجة من الأسمعة المسموعة من الإمام مالك ﵀ توفي في سنة (٣٣٦). الديباج المذهب (٣٣٦). الأعلام (٥/ ٣٠٧).
[ ٣١٠ ]
فذهب العدد وقل المال، فقال رسول الله -ﷺ-: "دعوها ذميمة" (^١).
قلت -أي القرطبي-: ولا يظن بمن قال هذا القول أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها وتفعل عندها، فإنها كانت لا تقدم على ما تطيرت به، ولا تفعله بوجهٍ، بناءً على أن الطيرة تضر قطعًا، فإن هذا ظنٌّ خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك، فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه، أو مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، وليس لشيء من هذه الأشياء أثر في الوجود، وهذا على نحو ما ذكرناه في المجذوم، فإن قيل: فهذا يجري في كل متطير به، فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ فالجواب: ما نبهنا عليه من أن هذه ضرورية في الوجود، ولابد للإنسان منها، ومن ملازمتها غالبًا، فأكثر ما يقع التشاؤم بها فخصها بالذكر لذلك فإن قيل: فما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء فإن الدار إذا تطير بها فقد وسع له في الارتحال عنها، وموضع الوباء قد منع من الخروج منه؟ ! .
فالجواب ما قاله بعض أهل العلم: إن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لم يقع التأذي به ولا اطردت عادة به خاصة ولا عامة ولا نادرة ولا متكررة، فهذا لا يصغى إليه، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه،
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب الشؤم في الفرس، صحيح الأدب المفرد للألباني (٣٤١)، وأبو داود في كتاب الكهانة والتطير باب في الطيرة، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٤١٧) برقم (٧٩٠).
[ ٣١١ ]
كلقي غراب في بعض الأسفار، أو صُراخ بومة في دار، ففي مثل هذا قال -ﷺ-: "لا طيرة" و"لا تطيروا" وهذا القسم هو الذي كانت العرب تعتبره وتعمل عليه مع أنه ليس في لقاء الغراب، ولا دخول البومة دارًا ما يشعر بأذى ولا مكروه لا على وجه الندور ولا التكرار.
وثانيها: ما يقع به الضرر، ولكنه يعم ولا يخص، ويندر ولا يتكرر كالوباء، فهذا لا يقدم عليه عملًا بالحزم والاحتياط، ولا يفر منه لإمكان أن يكون قد وصل الضرر إلى الفار فيكون سفره سببًا في محنته وتعجيلًا لهلكته.
ثالثها: سبب يخص ولا يعم، ويلحق منه الضرر بطول الملازمة كالدار والفرس والمرأة، فيباح له الاستبدال والتوكل على الله تعالى، والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال، وقد وضح الجواب والله الموفق للصواب" (^١).
ثم بيَّن -﵀- بعض تأويل العلماء لهذا الحديث، وبين انتقاداته لها، وقرر أن ما ذكره في تخريج الحديث هو الأولى، فقال: "وقد سلك العلماء في تأويل ذلك الحديث أوجهًا أُخر.
منها: أن بعضهم قال: إنما هذا منه -ﷺ- خبر عن غالب عادة ما يتشاءم به، لا أنه خبر عن الشرع (^٢)، وهذا ليس بشيء؛ لأنه تعطيل لكلام الشرع عن الفوائد الشرعية التي لبيانها أرسله الله ﷾، ومنهم
_________________
(١) المفهم (٥/ ٦٢٩).
(٢) وقد كانت عائشة ﵂، تنكر على أبي هريرة هذه الرواية وتقول إنما قال النبي -ﷺ-: "إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك" وأجاب الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذا الإنكار فقال: ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك. فتح الباري (٦/ ٦١).
[ ٣١٢ ]
من تأول الشؤم المذكور في هذه الثلاثة، فقال: الشؤم في المسكن ضيقه، وسوء جيرانه، وفي المرأة سوء خلقها، وألا تلد، وفي الفرس جماحه وألا يُغزى عليه.
وهذا المعنى لا يليق بالحديث ونسبته إلى أنه هو مراد الشرع من فاسد الحديث. وما ذكرناه أولى والله تعالى أعلم" (^١).
وأما المازري فقد قال عن هذا الحديث: "مالك -﵁- أخذ هذا الحديث على ظاهره، ولم يتأوله، فذكر في كتاب الجامع من المستخرجة أنه قال: رب دار سكنها قوم فهلكوا، وآخرون بعدهم فهلكوا، وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره، وقال غيره: فإن هذا محمله على أن المراد به أن قدر الله سبحانه ربما اتفق بما يكره عند سكنى الدار، فيصير ذلك كالسبب فيتسامح في إضافة الشؤم إليه مجازًا واتساعًا، قالوا: وقد قال في بعض طرق مسلم: إن يكن الشؤم، وهذا لفظ ينافي القطع، ويكون محمله إن يكن الشؤم حقًّا فهذه الثلاث أحق به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها. وقد وقع في بعض الأحاديث أنه -ﷺ- لمَّا شكِيَ إليه في بعض الديار ذهاب الأهل والمال قال: دعوها ذميمة.
وقد اعترض بعض أهل العلم في هذا الموضع؟ بأن قال: فإنه نهى -ﷺ- عن الفرار من بلد الطاعون، وأباح الفرار من هذه الدار فما الفرق؟ قال بعض أهل العلم: إن الجامع لهذه الفصول كلها ثلاثة أقسام (^٢).
_________________
(١) المفهم (٥/ ٦٢٩) وانظر أقوال العلماء في المسالة: في مفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٢٥٧). وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٧١). وتيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد الله آل الشيخ ص (٤٢٨).
(٢) المعلم (٣/ ١٠٤).
[ ٣١٣ ]
ثم ذكر الأقسام الثلاثة التي ذكرها أهل العلم وسبق نقلها عن القرطبي.
المطلب السابع: التبرك:
من معتقد أهل السنة والجماعة أن البركة من الله تعالى، فلا تطلب إلَّا منه، وطلبها من غيره شرك (^١).
ولكنه ﷾ جعل بركة في بعض الأعيان والأقوال والأفعال، فهي سبب للبركة. والبركة في الأشياء لا تعرف إلَّا عن طريق الشرع، ثم التبرك بهذا الشيء لا يكون إلَّا على الصفة المشروعة التي جاء بها الشارع، وذلك لإقفال باب البدع والخرافات، فمثلًا طلب بركة السحور التي جاءت في الحديث (^٢) يكون بالتسحر، وطلب بركة ماء زمزم (^٣) بشربه، وهكذا.
وأما ما يتعلق بالتبرك بالأشخاص وآثارهم، فتفصيل ذلك كما يأتي:
التبرك بالنبي -ﷺ-:
دلَّت النصوص على التبرك بالرسول -ﷺ- وبآثاره، فهو -ﷺ- مبارك في ذاته وأفعاله وآثاره، وقد كان الصحابة -﵃- يتبركون به وبآثاره، وقد أقرهم على ذلك، فقد جاء في صحيح البخاري من حديث خروج النبي -ﷺ- في الحديبية وفيه: "ما تنخم النبيُّ -ﷺ- نُخَامَةً إلَّا وقعتْ في
_________________
(١) انظر التبرك المشروع والتبرك الممنوع للدكتور علي بن نفيع العلياني ص (١٧).
(٢) وهو قوله -ﷺ- "تسحروا فإنَّ في السَّحور بركَة" رواه البخاري في كتاب الصوم، باب بركة السحورح (١٩٢٣) (٤/ ١٦٥) ومسلم في كتاب الصيام، باب فضل السحورح (١٠٩٥) (٧/ ٢١٣).
(٣) وهو قوله -ﷺ- "إنها مباركة إنها طعام طعم" رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر ﵁ ح (٢٤٧٣) (١٦/ ٢٦٣).
[ ٣١٤ ]
كفِّ رجُلٍ منهم فدلَكَ بها وجهَهُ وجلدَه" (^١).
فهذا الحديث وأمثاله يدل على مشروعية التبرك بالرسول -ﷺ-، وبآثاره، كفضل وضوئه وشعره (^٢).
وأما التبرك بالمواضع التي نزل فيها الرسول -ﷺ- أو صلى فيها اتفاقًا من غير قصد، فقد ذهب بعض المتأخرين من العلماء إلى استحباب ذلك، واستدلوا على مشروعية ذلك بفعل ابن عمر -﵄- فقد كان يتحرى الصلاة في المواضع التي صلى فيها رسول الله -ﷺ- والنزول في أماكن نزوله في سفره (^٣). وما جاء في صحيح البخاري أيضًا أن عتبان بن مالك طلب من الرسول -ﷺ- أن يصلي له في مكان في بيته ليتخذه مصلى فأجابه الرسول -ﷺ- لذلك (^٤).
ورأى الآخرون المنع من ذلك؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة -﵃- ذلك سوى ابن عمر -﵄-. فتحري ذلك ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابتدع، وقول الصحابي إذا
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب البزاق والمخاط ونحوه في الثوب ح (٢٤١)، (١/ ٤٢٠).
(٢) على أنه من المناسب لنا في هذا الزمن عند الحديث عن التبرك بآثار الرسول -ﷺ- أن ننقل قول العلامة الألباني في هذه المسألة حيث قال: إننا نؤمن بجواز التبرك بآثارهﷺ- ولا ننكره لكن يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلًا على أثر من آثاره -ﷺ- ويستعمله ونعلم أنَّ آثاره -ﷺ- من ثياب أو شعر أو فضلات قد فقدت وليس بامكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذه الآثار يصبح أمرًا غير ذي موضوع في زماننا هذا ويكون أمرًا نظريًا فلا ينبغي إطالة القول فيه. التوسل أنواعه وأحكامه للألباني ص (١٦١).
(٣) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب المساجد التي على طرق المدينة والموضع التي صلى فيها رسول الله -ﷺ- ح (٤٨٣) (١/ ٦٧٦).
(٤) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب المساجد في البيوت ح (٤٢٥) (١/ ٦١٨).
[ ٣١٥ ]
خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟ ! . إضافة إلى أن ذلك تشبُّهٌ بأهل الكتاب، وقد يكون ذريعة إلى الشرك بالله تعالى (^١).
قال ابن تيمية -﵀-: "ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين، ولا غيرهم من المهاجرين والأنصار أن أحدًا منهم كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي -ﷺ-، والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي -ﷺ- تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله، بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصد العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له، كقصد المشاعر والمساجد، وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات" (^٢).
"على أن من العلماء من رخَّص في ذلك إذا لم يتخذ عيدًا فيكثر انتياب الناس له لأجل ذلك" (^٣).
والقرطبي -﵀- أقرَّ التبرك بالرسول -ﷺ- بذاته وبآثاره -وهو مشروع بلا شك- وقرر مشروعية بل فضل التبرك بمواضعه، فقال: "كان أصحابه يتبركون بوضوئه وشرابه، وبعرقه، ويستشفون بجبته، ويتبركون بآثاره، ومواطنه، ويدعون، ويصلون عندها، وهذا كله عمل بمقتضى الأمر بالتعزير والتعظيم ونتيجة الحب الصحيح" (^٤).
_________________
(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (ص ٣٩٠).
(٢) المرجع السابق (ص ٣٨٧).
(٣) انظر: المرجع السابق (ص ٣٨٤، ٣٨٧).
(٤) المفهم (٥/ ٢٧٦).
[ ٣١٦ ]
وما ذكره القرطبي هنا من أن الصحابة -﵃- كانوا يتبركون بمواطنه، ويدعون ويصلون عندها ليس بصحيح، بل نقل ذلك عن ابن عمر فقط، خالف فيه جميع الصحابة من المهاجرين والأنصار كما قال ابن تيمية.
وقال القرطبي في موضع آخر في كتاب الحج؛ "المبيت بذي طوى ودخول مكة نهارًا ليس من المناسك، لكن إن فعل ذلك اقتداءً بالنبي -ﷺ-، وتتبعًا لمواضعه، كان له في ذلك ثوابٌ كثير، وخير جزيل" (^١).
وقال أيضًا: "والتعريس بذي الحليفة ليس من سنن الحج ولا العمرة، ولكنه مستحب تبركًا بالنبي -ﷺ-" (^٢).
على أنه -عفا الله عنه- قد غلا في ذلك، وتجاوز الحد، فقد جعل وجود خاتم الرسول -ﷺ- بين الصحابة سببًا لاستقامة أمرهم، وفقده سببًا لما حصل بينهم من حروب وفتن، فقال: "وكون الخلفاء تداولوا خاتم النبي -ﷺ- إنما كان ذلك تبركًا بآثار النبي -ﷺ-، واقتداءً به، واستصحابًا لحاله، حتى كأنه حي معهم، ولم يزل أمرهم مستقيمًا متفقًا عليه في المدة التي كان ذلك الخاتم فيهم، فلما فُقِد اختلف الناس على عثمان -﵁- وطرأ من الفتن ما هو معروف، ولايزال الهرج إلى يوم القيامة" (^٣).
بل جعل رؤية قبر الرسول -ﷺ- من العبادات التي يؤثرها العبد على أهله وماله ونفسه والناس أجمعين، حيث قال؛ "من المؤمنين من يكون مستغرقًا بالشهوات محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى -أي عن محبة
_________________
(١) المفهم (٣/ ٣٧٣).
(٢) المفهم (٣/ ٤٥٨).
(٣) المفهم (٥/ ٤١١).
[ ٣١٧ ]
الرسول -ﷺ- في أكثر أوقاته، فهذا بأخس الأحوال، لكنه إذا ذُكِّرَ بالنبي -ﷺ- وبشيء من فضائله اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته، بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره ومواضع آثاره على أهله وماله وولده ونفسه والناس أجمعين" (^١).
وقال في موضع آخر، وهو يذكر فضائل المدينة: "ففي حياته -ﷺ-: صحبته ورؤية وجهه الكريم، وبعد وفاته: مجاورة جسده الشريف، ومشاهدة آثاره المعظمة، فطوبى لمن ظفر بشيء من ذلك، وأحسن الله عزاء من لم ينل شيئًا مما هنالك" (^٢).
ونقل عن القاضي عياض مقرًّا له جعل قبر الرسول -ﷺ- أفضل بقاع الأرض، حيث قال: "قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن موضع قبر النبي -ﷺ- أفضل بقاع الأرض كلها" (^٣).
ولا شك أن هذا من الغلو الذي نهى عنه -ﷺ- فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم" (^٤)، وقال: "لا تجعلوا قبري عيدًا" (^٥)، وغيرها من الأحاديث الناهية عن الغلو في شخصه -ﷺ- فضلًا عن آثاره.
ومع ما وقع فيه القرطبي -﵀- هنا من الغلو المذموم، إلَّا أنه قرر ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من النهي عن الصلاة إلى القبور،
_________________
(١) المفهم (١/ ٢٢٧).
(٢) المفهم (٣/ ٤٩٦).
(٣) المفهم (٣/ ٥٠٣).
(٤) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣٤٤٥) (٦/ ٥٥١).
(٥) رواه أحمد في مسنده (٢/ ٣٦٧) وأبو داود في كتاب المناسك، باب زيارة القبور وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٢١١) برقم (٧٢٢٦).
[ ٣١٨ ]
والبناء عليها، سدًّا لذريعة الشرك، وحماية لجانب التوحيد، فقال: "حذَّر النبي -ﷺ- عن مثل هذا -أي تعظيم القبور والصور- وشدَّد النكير والوعيد على مثل هذا، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد" (^١) أي: أنهاكم عن ذلك ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر الرسول -ﷺ-، فأعلو حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره -ﷺ-، ثم خافوا أن تتخذ موضع قبره قبلة، إذ كان مستقبل المصلين، فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره" (^٢).
وقال عند شرحه لحديث النهي عن تجصيص القبور: "بظاهر هذا الحديث قال مالك وكره البناء والجص على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه، ووجه النهي عن البناء والتجصيص في القبور: أن ذلك مباهاة واستعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبه بمن كان يعظم القبور ويعبدها وباعتبار هذه المعاني وبظاهر هذا النهي ينبغي أن يقال هو حرام كما قد قال به بعض أهل العلم" (^٣).
وقال في موضع آخر: "قوله: "لا تصلوا إلى القبور" (^٤) أي: "لا تتخذوها قبلة لقطع الذريعة أن يعتقد الجهال في الصلاة إليها أو عليها
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٩٠).
(٢) المفهم (٢/ ١٢٨).
(٣) المفهم (٢/ ٦٢٦).
(٤) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه ح (٩٧٢) (٧/ ٤٣).
[ ٣١٩ ]
الصلاة لها فيؤدي إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام" (^١).
فيكون تقريره هنا كالرد على كلامه السابق الذي فيه غلو في قبر الرسول -ﷺ-، ولا شك أن تعظيم القبور من أعظم الذرائع إلى الشرك بالله تعالى.
التبرك بالصالحين:
لقد ذهب القرطبي -﵀- إلى جواز التبرك بالصالحين وبآثارهم، وذلك عند شرحه لحديث عبد الله بن عمر -﵄- الذي قال فيه: "إن الناس نزلوا مع رسول الله -ﷺ- على الحجر -أرض ثمود- فاستقوا من آبارها وعجنوا من العجين، فأمرهم رسول الله -ﷺ- أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة" (^٢) قال القرطبي: "أمره لهم أن يستقوا من بئر الناقة دليلٌ على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، وإن تقادمت أعصارهم، وخفيت آثارهم" (^٣).
وذكر في مواضع أخرى ما يدل على مذهبه في التبرك بآثارهم (^٤)، والصواب أن قياس التبرك بالصالحين على التبرك بالنبي -ﷺ- ليس بصحيح، وذلك لأسباب كثيرة، منها:
١ - عدم مقاربة غير الرسول للرسول -ﷺ-، فضلًا عن المساواة في الفضل
_________________
(١) المفهم (٢/ ٦٢٨).
(٢) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ح (٣٣٧٨) (٦/ ٤٨٠) ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا ح (٢٩٨١) (١٨/ ٣٢٢).
(٣) المفهم (٧/ ٣٥٥).
(٤) انظر: المفهم (١/ ٥٤٦) (٣/ ٥٦٩).
[ ٣٢٠ ]
والبركة.
٢ - ومنها عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق الصلاح إلَّا بصلاح القلب، وهذا لا يمكن الاطلاع عليه إلَّا بنص.
٣ - ومنها أننا لو ظننا صلاح شخص، فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلًا للتبرك بآثاره.
٤ - ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون مع غير النبي -ﷺ- لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
٥ - ومنها أن فعل هذا مع غير الرسول -ﷺ- قد يورث العُجْبَ والكِبْرَ والفتنة، فيكون كالمدح في الوجه بل أعظم (^١).
قال ابن رجب -﵀-: "التبرك بالآثار إنما كان يفعله الصحابة ﵃ مع النبي -ﷺ- ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم بعض، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم، فدل على أن هذا لا يفعل إلَّا مع النبي -ﷺ-، مثل التبرك بوضوئه وفضلاته، وشعره وشرب فضل شرابه، وطعامه، وفي الجملة فهذه الأشياء فتنة للمعظِّم وللمعظَّم لما يخشى عليه من الغلو المدخل في البدعة، وربما يترقى إلى نوع من الشرك، كل هذا إنما جاء من التشبه بأهل الكتاب والمشركين الذي نهيت عنه هذه الأمة" (^٢).
المطلب الثامن: السحر:
إن السحر من الأعمال الشركية التي تناقض التوحيد، ومعنى السحر كما قال القرطبي: "حيل صناعية يتوصل إليها بالتعلم والاكتساب غير أنها لخفائها ودقتها لا يتوصل إليها إلَّا آحاد الناس، فيندر وقوعها،
_________________
(١) انظر: تيسير العزيز الحميد ص (١٨٦) والتبرك المشروع والتبرك الممنوع ص (٨١، ٩٦).
(٢) الحكم الجديرة بالإذاعة لابن رجب ص (٥٨).
[ ٣٢١ ]
وتستغرب آثارها لندورها، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأزمان ذلك" (^١).
وَهَذا الذي ذكره القرطبي أحد أنواع السحر، إذ السحر أنواع، منها ما يكفر به الساحر عند الجميع، ومنه ما اختلف في تكفيره. قال النووي ﵀ عند كلامه عن السحر: "إنه قد يكون كفرًا وقد لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلَّا فلا" (^٢).
وقال الشنقيطي (^٣) بعد ذكره لأنواع السحر: "وعلوم الشر كثيرة وقصدنا بذكر ما ذكرنا منها التنبيه على خستها شرعًا، وأن منها ما هو كفر بواح، ومنها ما يؤدي إلى الكفر، وأقل درجاتها التحريم الشديد" (^٤).
حكم إنكار السحر:
بيَّن القرطبي -﵀- وجود السحر وأثره، وأن الكتاب والسنة قد دلا على ذلك، وأن من أنكر السحر فقد كفر، لتكذيبه بالكتاب والسنة، وذلك عند شرحه لحديث عائشة التي قالت فيه: "سحر رسول الله -ﷺ- يهودي" (^٥).
_________________
(١) المفهم (٥/ ٥٦٩).
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي (١٤/ ٤٢٧).
(٣) هو الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي رحل من موريتانيا واستقر في السعودية إذ درس في المعهد العلمي بالرياض ثم في كلية الشريعة ثم مدرسًا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وعضوًا في هيئة كبار العلماء عُرف ﵀ بالورع والزهد وكثرة العبادة وقد خلف عددًا من المؤلفات منها "أضواء البيان في تفسير القرآن" وغيره توفي ﵀ في مكة ودفن بها في (١٧/ ١٢/ ١٣٩٣ هـ) علماء نجد خلال ثمانية قرون. للشيخ عبد الله البسام (٦/ ٣٧١)، معجم المؤلفين (٣/ ١٤٦).
(٤) أضواء البيان (٤/ ٤٩).
(٥) رواه البخاري في كتاب الجزية والموادعة، باب هل يعفي عن الذمي إذا سحر ح (٣١٧٥) (٦/ ٣١٩)، ومسلم في كتاب السلام، باب السحر ح (٢١٨٩) (١٤/ ٤٢٤).
[ ٣٢٢ ]
حيث قال: "هذا الحديث يدل على أن السحر موجود وأن له أثرًا في المسحور، وقد دل على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسنة بحيث يحصل بذلك القطع بأن السحر حقٌّ وأنه موجود، وأن الشرع قد أخبر بذلك، كقصة سحرة فرعون، وبقولِه تعالى فيها: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ (^١) ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ (^٢) إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الآيات من ذكر السحر والسحرة، وكقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ إلى آخرها (^٣). وبالجملة: فهو أمرٌ مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله -ﷺ- عن وجوده ووقوعه، فمن كذب بذلك فهو كافر مكذب لله ولرسوله، منكر لما علم مشاهدة وعيانًا، ومنكر ذلك إن كان مستسرًا به فهو الزنديق، وإن كان مظهرًا فهو المرتد" (^٤).
حقيقة السحر وتأثيره:
أما هل للسحر حقيقة أم لا؟ فيه قولان لأهل العلم:
الأول: من قال: إن السحر تخييل فقط ولا حقيقة له، قال به جماعة من العلماء منهم ابن حزم الظاهري (^٥)، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ (^٦). قال الحافظ ابن حجر في الرد عليهم: "هذه الآية عمدة من زعم أن السحر إنما هو تخييل ولا حجة له بها؛ لأن هذه وردت في قصة سحرة فرعون، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أن
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١١٦.
(٢) سورة طه، الآية: ٦٦.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.
(٤) المفهم (٥/ ٥٦٨).
(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٢٣٣).
(٦) سورة طه، الآية: ٦٦.
[ ٣٢٣ ]
جميع أنواع السحر تخييل" (^١).
وقد بيَّن القرطبي أن أكثر السحر تخييل حيث قال: "وأكثره تخييلات لا حقيقة لها، وإيهامات لا ثبوت لها، فتعظم عند من لا يعرفها، وتشتبه على من لا يقف عليها، ولذلك قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (^٢) مع أنه كان في عين الناظر إليه عظيمًا، وعن ذلك عبر الله تعالى بقوله: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ (^٣)؛ لأن الحبال والعصي لم تخرج عن حقيقتها، وذلك بخلاف عصا موسى، فإنها انقلبت ثعبانًا مبينًا خرقًا للعادة، وإظهارًا للمعجزة" (^٤).
الثاني: أن السحر له حقيقة، وعليه عامة العلماء، وهو الذي تؤيده الأدلة.
قال المازري: "أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة، خلافًا لمن أنكره ونفى حقيقته، وأضاف ما يتفق منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز، وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما يشير إلى أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء وزوجه، وهذا كله مما لا يمكن أن يكون فيما لاحقيقة له، وكيف يتعلم ما لا حقيقة له؟ " (^٥).
وهو الذي عليه القرطبي إذ بيَّن أن أكثره تخيلات لا حقيقة لها، فيفهم أن منه ما له حقيقة، وهذا هو الصحيح من كلام أهل العلم، وأن منه خيالات ومنه حقائق. وأما هل السحر له تأثير أم لا؟ هذا يبنى على القول
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٢٣٥).
(٢) سورة طه، الآية: ٦٦.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١١٦.
(٤) المفهم (٥/ ٥٦٩).
(٥) المعلم (٣/ ٩٣).
[ ٣٢٤ ]
الأول، فمن أنكر حقيقة السحر، وجعله من باب التخييل فقط فهو ينكر تأثيره. والذين أثبتوا أن للسحر حقيقة أثبتوا أن له تأثيرًا، ولكنهم اختلفوا في هذا التأثير.
فالجمهور أن للسحر تأثيرًا فقط بحيث يغير المزاج، فيكون نوعًا من الأمراض، ولا يزيد على ذلك بحيث يكون الجماد حيوانًا مثلًا. وذهبت طائفة قليلة إلى أن للسحر تأثيرًا يصل إلى قلب الأعيان (^١). قال الحافظ ابن حجر عن ما قالته هذه الطائفة: "إن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإن كثيرًا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه (^٢).
وهذا هو الذي ذهب إليه القرطبي، وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام القرطبي بعد كلامه السابق.
قال القرطبي: "السحر ليس بخرق عادة، بل هو أمر عادي، يتوصل إليه من يطلبه غالبًا، غير أنه يقل ويندر، فلا نقول: إن الساحر تنخرق له العادة خلافًا لمن قال ذلك من أئمتنا وغيرهم: إن العادة تنخرق له، فإن أرادوا بذلك جواز انخراقها له عادة عقلًا فمسلم، ما لم يدَّع النبوة، فإن حاصل ذلك أنه أمر ممكن، والله تعالى قادر على كل ممكن، وإن أراد بذلك: أن الذي وقع في الوجود خارق للعادة فهو باطل" (^٣).
_________________
(١) موقف الإسلام من السحر لحياة سعيد عمر باخضر (١/ ٣٥٨).
(٢) فتح الباري (١٠/ ٢٣٣).
(٣) المفهم (٥/ ٥٦٩). وقد أثبت المازري أن مذهب الأشعرية جواز خرق العادة خلافًا لما قرره القرطبي هنا حيث قال: فإن قيل إذا جوزت الأشعرية خرق العادة على يدي الساحر فبماذا يتميز من النبي الصادق قيل: العادة تنخرق على يد النبي وعلى يد الولي وعلى يد الساحر إلَّا أن النبي يتحدى بها، ويستعجز سائر الخلق ويحكي عن الله سبحانه خرق العادة لتصديقه فلو كان كاذبًا لم تخرق العادة على يديه ولو خرقها لأظهر على يد غيره من المعارضين له، مثل =
[ ٣٢٥ ]
وأمَّا المازري فقد أجاز أكثر من ذلك، وبيَّن أن هذا هو مذهب الأشعرية، فقال: "وإذا ثبت السحر فاختلف الناس في القدر الذي يقع عن السحر، ولهم في ذلك اضطراب كثير، وقد رأيت بعض الناس ذهب إلى أنه لا يبلغ الأمر فيه إلى غريبة تربي على التفرقة بين المرء وزوجه، وذكر أن الله سبحانه إنما ذكر ذلك تعظيمًا لما يكون عنه، وتهويلًا له في حقنا فلو كان يقع عنه ما هو أعظم لذكره إذ لا يضرب المثل عند المبالغة إلَّا بأعلى أحوال المذكور.
ومذهب الأشعرية: أنه يجوز أن يقع عنه ما هو أكثر من ذلك، والذي قالته الأشعرية هو الصحيح عقلًا، وإذا قلنا أن لا فاعل إلَّا الله سبحانه، وإنما يقع من ذلك عادة أجراها تعالى، فلا تفترق الأفعال في ذلك، وليس بعضها أولى من بعض، وهذا واضحٌ، لكن إن ورد السمع بقصوره عن مرتبة ما، وجب اتباع السمع في ذلك، وسمع قاطع يوجب الاقتصار على ما قاله من حكينا قوله لا يوجد وذكر التفرقة بين الزوجين ليس بنص جلي، فيما قاله، ولكنه إنما يبقى النظر في كونه ظاهرًا، والمراد في المسألة القطع، فلهذا لم نشتغل هاهنا بتحرير ما تعلق به من الآية" (^١).
_________________
(١) = ما أظهر على يده والولي والساحر لا يتحديان ولا يستعجزان الخليقة ليستدلوا على صدقهم وعلى نبوتهم ولو حاولوا أشياء من ذلك لم تنخرق لهم العادة، أو تنخرق ولكنها تنخرق لمن يعارضهم، وأما الولي والساحر فإنهما يفترقان من طريق أخرى وهي أنَّ الساحر يكون ذلك علمًا على فسقه وكفره والولي لا يكون علمًا على ذلك فيه فافترق حال الثلاثة بعضهم من بعض والساحر أيضا يكون ذلك منه عن أشياء يفعلها وقوى يمزجها ومعاناة وعلاج والولي لا يفتقر إلى ذلك وكثيرًا ما يقع له ذلك بالاتفاق من غير أن يستدعيه أو يشعر به. المعلم (٣/ ٩٤).
(٢) المعلم (٣/ ٩٣).
[ ٣٢٦ ]
ونرى أن القرطبي قصر تأثير الساحر على النوع الأول وهو المرض، والتفريق بين الزوجين وما شابههما.
وأما المازري فجوز أكثر من ذلك.
والصحيح أن السحر له تأثير حقيقي على الإنسان، وأما ما يفعله الساحر من الطيران في الهواء أو المشي فوق الماء، أو قلب الإنسان حيوانًا، أو غيرها من الأعمال فعند كثير من العلماء أن هذا من باب التخييل ليس من نوع تغيير طبيعة الشيء إلى غيرها.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -﵀- عن وقوع مثل هذه الأفعال من الساحر: "بالنسبة إلى ثبوت وقوع مثل ذلك بالفعل فلم يقم دليل مقنع؛ لأن غالب ما يستدل عليه به قائله حكايات لم تثبت عن عدول، ويجوز أن يكون ما وقع منها من جنس الشعوذة، والأخذ بالعيون، لا قلب الحقيقة مثلًا إلى حقيقة أخرى، وهذا هو الأظهر عندي والله تعالى أعلم" (^١).
وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أن حد قدرة الساحر هو ما يكون باستطاعة أحد من الإنس أو الجن، وما لا يدخل تحت قدرتهم فلا يستطيعه الساحر، كقلب الإنسان حيوانًا مثلًا حيث قال -﵀-: "وجميع ما يختص بالسحرة والكُهَّان وغيرهم مما ليس بنبي: لا يخرج عن مقدور الإنس والجن، وأعني بالمقدور: ما يمكنهم التوصل إليه بطريق من الطرق فما يقدر عليه الساحر من سحر بعض الناس حتى يمرض أو يموت هو من مقدور الجن، وهو من جنس مقدور
_________________
(١) أضواء البيان (٤/ ٥٩).
[ ٣٢٧ ]
الإنس" (^١).
وقال ابن القيم -﵀-: "الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه، حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها" (^٢).
موقف القرطبي والمازري مما ورد أن النبي -ﷺ- قد سحر:
جاء في الحديث عن عائشة -﵂- قالت: سَحَرَ رسول الله -ﷺ- يهوديٌّ من بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله -ﷺ- يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله " (^٣).
وهذا الحديث قد أنكرته بعض المبتدعة بزعم أنه يحط من منصب النبوة، وينافي العصمة، ويؤثر على الثقة بالشريعة.
وقد كان للقرطبي والمازري موقف من هذه الشبهة، إذ بيَّنا أن السحر ثابت لكنه لا يحط من منزلته -ﷺ-، ولا يؤدي إلى نزع الثقة بشريعته، بل هو دليل بشريته ﵊، إذ هو كالأمراض والآلام والجراحات التي تصيبه -ﷺ-، ولم يتعد الأمر أكثر من ذلك. قال القرطبي: "قد جعل هذا بعض أهل الزيغ مطعنًا في النبوة وقال: إذا انتهى الحال إلى هذا لم يوثق بقول من كان كذلك، والجواب: إن هذا صدر عن سوء فهم، وعدم علم. أما سوء فهم فلأنها إنما أرادت أنه -ﷺ- أُخذ عن النساء، فكان قبل مقاربة الجماع يخيل إليه أنه يتأتى له ذلك، فإذا لابسه لم ينهض لغلبة مرض السحر عليه، وقد جاء هذا المعنى منصوصًا في غير
_________________
(١) النبوات (٢/ ٢٧٣، ٢٧٤).
(٢) بدائع الفوائد (٢/ ٤٥٣).
(٣) سبق تخريجه ص (٣٢٢).
[ ٣٢٨ ]
كتاب مسلم فقالت: حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء فلا يأتيهن، ولو لم ينقل أن ذلك في الجماع لصح في غيره، كما صح فيه، فيخيل إليه أنه يقدم على الأكل أو المشي مثلًا، لأنه لا يحس بمانع يمنعه منه، فإذا رام ذلك، وأخذ فيه، لم يتأث له ذلك لغلبة المرض الناشئ عن السحر، لا أنه -ﷺ- أوجب له خللًا في عقله، ولا تخليطًا في قوله إذ قام برهان المعجزة على صدقه وعصمة الله تعالى له عن الغلط فيما يبلغه بقوله وفعله، وأما عدم علم الطاعن: فقد سلبه الله العلم بأحكام النبوات، وما تدل عليه المعجزات، فكأنهم لم يعلموا أن الأنبياء من البشر، وأنه يجوز عليهم من الأمراض والآلام والغضب والضجر والعجز والسحر والعين وغير ذلك مما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عما يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصدق والعصمة عن الغلط في التبليغ، وعن هذا المعنى عبَّر الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (^١) من حيث البشرية يجوز عليهم ما يجوز عليهم، ومن حيث الخاصة النبوية: امتاز عنهم وهو الذي شهد له العلي الأعلى بأن بصره ما زاغ وما طغى، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحي يوحى وأنه ما ينطق عن الهوى" (^٢).
وقال المازري: "قد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث من طريق ثابتة، وزعموا أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، ولعله يُخيَّل إليه جبريل -﵇- وليس ثم ما يراه أو أنه أوحي إليه وما أوحي إليه، وهذا الذي قالوه باطل، وذلك أن الدليل قد قام على صدقه فيما يبلغه عن الله سبحانه، وعلى عصمته فيه، والمعجزة
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ١١٠.
(٢) المفهم (٥/ ٥٧٠).
[ ٣٢٩ ]
شاهدة بصدقه، وتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها، ولا كان رسولًا مفضلًا من أجلها، وهو في كثير منها عرضة لما يعترض البشر فغير بعيد أن يخيل إليه في أمور الدنيا ما لا حقيقة له، وقد قال بعض الناس إنما المراد بالحديث: أنه يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ، وقد يتخيل في المنام للإنسان مثل هذا المعنى، ولا حقيقة له، فلا يبعد أن يكون -ﷺ- يتخيله في اليقظة، وإن لم يكن حقيقة، وقال بعض أصحابنا: يمكن أن يكون يخيل إليه الشيء أنه فعله وما فعله، ولكنه لا يعتقد ما تخيله أنه صحيح فتكون اعتقاداته كلها على السداد فلا يبقى لاعتراض الملحدة طريق" (^١).
وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام المازري السابق في كتابه "فتح الباري" وارتضاه (^٢).
حكم الساحر:
اختلف العلماء في حد الساحر: هل يقتل بمجرد السحر؟ أم لابد أن يتضمن سحره الكفر، أو يقتل بسحره؟ .
ذهب الإمام مالك وأبو حنيفة وأحمد (في رواية عنه) أنه يقتل على كل حال (^٣). وأما الشافعي فقال: الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر يقتل، فإذا عمل عملًا دون الكفر لم نر عليه قتلًا (^٤). وهو رواية عن أحمد (^٥).
_________________
(١) المعلم (٣/ ٩٣).
(٢) فتح الباري (١٠/ ٢٣٧).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١٠/ ١١١)، وتيسير العزيز الحميد ص (٣٩١).
(٤) فتح الباري (١٠/ ٢٤٧).
(٥) انظر: المغني (١٠/ ١١١)، وتيسير العزيز الحميد ص (٣٩١).
[ ٣٣٠ ]
فالخلاف إذًا في الساحر الذي لم يشتمل سحره على الكفر، ولم يقتل بسحره. وأما إذا قتل بسحره، أو اشتمل سحره على الكفر فحده القتل عند الجميع. على أن كثيرًا من العلماء يرى أن الساحر لا يتم له السحر إلَّا بخدمة الشياطين له، وهم لا يخدمونه إلَّا بالتقرب إليهم، وهذا كفر. ثم هل تقبل توبة الساحر أم لا؟ في المسألة خلاف أيضًا:
والقرطبي والمازري أخذا بمذهب المالكية في ذلك، وهو قتل الساحر على كل حال.
قال القرطبي: "الساحر عند مالك كالزنديق؛ لأن العمل عنده بالسحر كفر مستسر به، فلا تقبل توبة الساحر، كما لا تقبل توبة الزنديق، إذ لا طريق لنا إلى معرفة صدق توبته وإنما صار مالك إلى أن السحر كفر لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (^١) أي بالسحر، ويتأيد ذلك بأن الساحر لا يتم له سحره حتى يعتقد أن سحره ذلك مؤثر بذاته وحقيقته، وذلك كفر.
وبقول مالك قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين والشافعي في قول له آخر (^٢). فالساحر عندنا يقتل على كل حال قتل بسحره أم لا؛ لأنه كالزنديق (^٣).
وقال المازري: "الساحر عندنا إذا سحر بنفسه قتل، فإن تاب لم تقبل توبته خلافًا للشافعي، وهذه المسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق؛ لأنه مسرٌّ لما يوجب قتله كالساحر. وإنما قلنا "أنه يقتل
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.
(٢) المفهم (٥/ ٥٧٤).
(٣) المفهم (٥/ ٥٦٨).
[ ٣٣١ ]
على الجملة؛ لأن من عمل السحر وعلمه فقد كفر، والكافر يقتل، قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (^١) فإذا ثبت كونه كفرًا وجب القتل به. قال بعض أصحابنا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ يعني باعوها وبيعه لنفسه يتضمن قتله.
قال الشافعي: "إن عمل السحر (وقال به) (^٢) سئل فإن قال تعمدت القتل به قُتِلَ، وإن قال لم أتعمد القتل به كانت فيه الدية. وإذا ثبت أنه كافر استغني عن هذا التفصيل الذي قاله الشافعي" (^٣).
لكن إن اعترض على ذلك بأن الرسول -ﷺ- لم يقتل لبيد بن الأعصم الذي سحره، فقد أجاب القرطبي عن هذا الاعتراض فقال: "إنما امتنع النبي -ﷺ- من ذلك لما نبَّه عليه من خوف وقوع شر بين المسلمين واليهود، لما كان بينهم من العهد والذمة، فلو قتله لثارت فتنة، ولتحدث الناس أن محمدًا يقتل من عاهده وأمَّنه، وهذا نحو مما راعاه في الامتناع عن قتل المنافقين حيث قال: "لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (^٤) فيكون ذلك منفرًا عن الدخول في دينه وفي عهده والله تعالى أعلم" (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.
(٢) هكذا في الأصل ولعلها "وَقتَلَ به".
(٣) المعلم (٣/ ٩٣).
(٤) سبق تخريجه ص (٢٩٧).
(٥) المفهم (٥/ ٥٧٤) وقد ذهب الشنقيطي ﵀ إلى هذا فقال: بينت الروايات الصحيحة أنه ترك قتله اتقاء إثارة فتنة فدل على أنه لولا ذلك لقتله وقد ترك المنافقين لئلا يقول الناس: إنَّ محمدًا يقتل أصحابه فيكون ذلك تنفيرًا عن دين الإسلام مع اتفاق العلماء على قتل الزنديق وهو عبارة عن المنافق والله أعلم. أضواء البيان (٤/ ٦٢).
[ ٣٣٢ ]
المطلب التاسع: النشرة:
وهي مسألة لها علاقة بالسحر؛ لأن السحر بمنزلة الداء، والنشرة بمنزلة الدواء. هي ضربٌ من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرًا، أو مسًا من الجن. قال ابن الجوزي: "هي حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقتدر عليه إلَّا من يعرف السحر" (^١).
وقد اختلف العلماء في حكم النشرة:
فكان الحسن البصري يكره ذلك، ويقول: لا يعلم ذلك إلَّا ساحر. واستدلوا بقوله -ﷺ- "النشرة من عمل الشيطان" (^٢) وأجازها آخرون، وقد جاء في البخاري عن قتادة (^٣) قال: قلت لسعيد بن المسيب (^٤): رجل به طب -أو يؤخذ عن امرأته- أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه" (^٥).
وسُئِلَ الإمام أحمد عمَّن يطلق السحر عن المسحور، فقال: "لا بأس به" وقال الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام الإمام أحمد السابق: "وهو المعتمد" (^٦).
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٢٤٤).
(٢) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٢٩٤) وأبو داود في كتاب الطب باب في النشرة قال الحافظ ابن حجر: أخرجه أبو داود في المراسيل ووصله أحمد وأبو داود بسند حسن عن جابر. فتح الباري (١٠/ ٢٤٤).
(٣) هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، من الحفاظ الثقات رمي بشيء من القدر لكنه ممن يحتج به توفي سنة (١١٧ هـ). تهذيب التهذيب (٣/ ٤٢٨). صفة الصفوة (٣/ ٢٥٩).
(٤) هو سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي القرشي من أئمة التابعين أخذ عن كثير من الصحابة وكان من عُبَّاد الناس وعلمائهم توفي سنة (٩٣ هـ). تهذيب التهذيب (٢/ ٤٣). صفة الصفوة (٢/ ٧٩).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الطب باب هل يستخرج السحر (١٠/ ٢٤٣).
(٦) انظر: فتح الباري (١٠/ ٢٤٤) وتيسير العزيز الحميد ص (٤١٦).
[ ٣٣٣ ]
وقد ذكر القرطبي الخلاف بين العلماء في هذه المسألة، ونقل قول المازري فيها فقال: "اختلف العلماء في النشرة وهي: أن يكتب شيئًا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء، ثم يمسح به المريض أو يسقيه إياه، فأجازها سعيد بن المسيب، قيل له: الرجل يؤخذ عن امرأته أيحل عنه وينشر؟ قال: لا بأس به، وما ينفع لم ينه عنه. وقال المازري (^١): "النشرة أمر معروف عند أهل التعزيم، وسميت بذلك، لأنها تنشر عن صاحبها أي: تحل، ومنعها الحسن وقال: هي من السحر، وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله -﵁- قال؛ سئل رسول الله -ﷺ- عن النشرة فقال: "هي من عمل الشيطان" (^٢) قال بعض علمائنا: هذا محمول على أنها خارجة عما في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، وعن المداواة المعروفة والنشرة من جنس الطب. قلت -أي القرطبي-: ويتأيد هذا بقوله -ﷺ-: "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" (^٣) " (^٤).
والصحيح أن النشرة على نوعين:
الأول: حل السحر بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، فإن السحر من عمله، فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب فيُبطِلُ عملَهُ عن المسحور.
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب، وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن: لا يحل
_________________
(١) انظر: المعلم (٣/ ٩٤).
(٢) سبق تخريجه ص (٣٣٣).
(٣) رواه مسلم في كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة ح (٢١٩٩) (١٤/ ٤٣٧).
(٤) المفهم (٥/ ٥٩٠).
[ ٣٣٤ ]
السحر إلَّا ساحر (^١).
كانت الرقى تستخدم في الجاهلية لمعالجة اللديغ والمصاب بالعين وغيرها من الأمراض.
ولما كان في عمل الجاهلية هذا من ادعاء علم الغيب، ومن الشرك والتوكل على غير الله، والاستعانة بالجن، فقد وردت النصوص الشرعية تجريم ذلك كله، فقال -ﷺ-: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" (^٢).
لكن الصحابة -﵃- أتوا النبي -ﷺ- وأخبروه بأنهم عندهم رقى يرقون بها من العقرب وغيرها، وأنهم بحاجة إلى تلك الرقى، فطلب منهم -ﷺ- أن يعرضوا عليه تلك الرقى فعرضوها عليه، فقال لهم بعد ذلك: "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك" (^٣).
وقال -ﷺ- عندما سألوه عن الرقى "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل" (^٤).
قال القرطبي: "قول عائشة -﵂-: "رخص رسول الله -ﷺ- في الرقية من الحمة" (^٥) وقول أنس: "رخَّص رسول الله -ﷺ- في الرقية
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم (٤/ ٣٩٦) وقد نقله عنه الشيخ محمد عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد.
(٢) رواه أحمد في مسنده (١/ ٣٨١) وأبو داود في كتاب الطب باب تعليق التمائم وابن ماجه في كتاب الطب باب تعليق التمائم، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٣٣٦) ح (١٦٣٢).
(٣) سبق تخريجه ص (٣٣٤).
(٤) سبق تخريجه ص (٣٣٤).
(٥) رواه البخاري في كتاب الطب باب رقية الحية والعقرب ح (٥٧٤١)، (١٠/ ٢١٦)، ومسلم في كتاب السلام باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة ح (٢١٩٣)، (١٤/ ٤٣٤).
[ ٣٣٥ ]
من العين والحمة والنملة" (^١) دليل على أن الأصل في الرقى كان ممنوعًا كما قد صرَّح به حيث قال: نهى رسول الله -ﷺ- عن الرقى (^٢). وإنما نهى عنه مطلقًا لأنهم كانوا يرقون في الجاهلية برقى هو شرك وبما لا يفهم وكانوا يعتقدون أن ذلك الرقى يؤثر، ثم إنهم لما أسلموا وزال ذلك عنهم نهاهم النبي -ﷺ- عن ذلك عمومًا ليكون أبلغ في المنع وأسد للذريعة، ثم إنهم لما سألوه وأخبروه: أنهم ينتفعون بذلك رخص لهم في بعض ذلك وقال: "أعرضوا عليَّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" (^٣).
فجازت الرقية من كل الآفات، ومن الأمراض، والجراح، والقروح، والحمة، والعين، وغير ذلك، إذا كان الرقى بما يفهم، ولم يكن فيه شرك ولا شيء ممنوع (^٤).
وقال المازري: "يحتمل أن يكون النهي كان ثابتًا ثم نُسخ، أو يكون كان النهي لأنهم كانوا يعتقدون منفعتها بطبيعة الكلام، كما كانت تعتقد الجاهلية، فلما استقر في أنفسهم وارتاضوا بالشرع أباحها لهم مع اعتقادهم أن الله هو النافع والضار، أو يكون النهي عن الرقى الكفرية ألا تراه يقول للذي قال له: "نهيت عن الرقى قال: فعرضوها عليه -ﷺ- فقال ما أرى بأسًا" (^٥).
وبهذا يتضح موقف الإسلام من الرقى، وأنها جائزة بشروط، قال
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب السلام باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة ح (٢١٩٦)، (١٤/ ٤٣٥).
(٢) هو جزء من الحديث السابق الذي قال فيه ﵇ "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
(٣) سبق تخريجه ص (٣٣٤).
(٤) المفهم (٥/ ٥٨٠).
(٥) المُعلم (٣/ ٩٥).
[ ٣٣٦ ]
ابن حجر -﵀-: "أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط، وهي:
١ - أن تكون بكلام الله وبأسمائه وصفاته، أو بما أُثِرَ عن النبي -ﷺ-.
٢ - أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.
٣ - أن لا يعتقد أن الرقية تؤثر بذاتها، بل بإذن الله ﷿" (^١).
وقد نصَّ المازري على الشرطين الأول والثاني من هذه الشروط التي ذكرها الحافظ فقال: "جميع الرقى عندنا جائزة إذا كانت بكتاب الله -﷿- وذكر الله وينهى عنها بالكلام الأعجمي ما لا يعرف معناه لجواز أن يكون فيه كفر أو إشراك" (^٢).
وأما القرطبي -﵀- فقد جعل الشرط الأول للأفضلية والكمال، فقال: "وأفضل ذلك وأنفعه ما كان بأسماء الله تعالى وكلامه، وكلام رسوله -ﷺ-" (^٣).
وقال عند شرحه لقوله ﵇ عندما عرضوا عليه الرقى "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك" (^٤): "دليل على جواز الرقى والتطبب بما لا ضرر فيه، ولا منع شرعيًا مطلقًا، وإن كان بغير أسماء الله تعالى وكلامه، لكن إذا كان مفهومًا" (^٥).
وجعل -﵀- الرقية ثلاثة أقسام:
-قسم من رقى الجاهلية، وبما لا يعرف، فهذا يجب اجتنابه على سائر
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٢٠٦).
(٢) المعلم (٣/ ٩٥).
(٣) المفهم (٥/ ٥٨١).
(٤) سبق تخريجه ص (٣٣٤).
(٥) المفهم (٥/ ٥٨٤).
[ ٣٣٧ ]
المسلمين.
- وقسم بأسماء الله تعالى وبالمروي عن رسول الله -ﷺ-، وهذا التجاء إلى الله تعالى.
- وقسم ثالث وهو الرقى بأسماء الملائكة والنبيين والصالحين، وما عطم الله وأجازه، لكنه جعل تركه أولى، فقال: الرقى بأسماء الملائكة والنبيين والصالحين أو بالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار، وما شاكل ذلك مما يعظم كما قد يفعله كثير ممن يتعاطى الرقى فهذا القسم ليس من قبيل الرقى المحظور الذي يعم اجتنابه، وليس من قبيل الرقى الذي هو التجاء إلى الله تعالى، وتبرك بأسمائه، وكأن هذا القسم المتوسط يلحق بما يجوز فعله غير أن تركه أولى (^١).
فالقرطبي -﵀- خالف في هذا الشرط، وهو كون الرقية بأسماء الله تعالى وصفاته وما أثر عن النبي -ﷺ- فأجاز الرقية بأسماء الملائكة أو النبيين إلى غير ذلك مما ذكر، ولا شك أنه قد أخطأ فيما ذهب إليه، لأن الرقى من الاستعاذة، والاستعاذة من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلَّا لله تعالى وحده، فلا يجوز صرفها لغيره من المخلوقات مهما بلغت عظمتها.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ (^٢): "الرقى الموصوفة بكونها شركًا هي الرقى التي منها شرك من دعاء غير الله والاستعانة
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٦٦).
(٢) هو سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب من أحفاد الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي كان إمامًا بارزًا في شتى العلوم توفي في شبابه وذلك سنة (١٢٣٣ هـ) على يد إبراهيم باشا عندما استولى على الدرعية. الأعلام (٣/ ١٢٩)، معجم المؤلفين (١/ ٧٩٣).
[ ٣٣٨ ]
والاستعاذة به، كالرقى بأسماء الملائكة والأنبياء والجن ونحو ذلك" (^١).
وإذا ثبت جواز الاسترقاء كما دلت النصوص على ذلك فهل يكون الاسترقاء قادحًا في التوكل أم لا؟
أي هل الاسترقاء أفضل أم تركه؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمام أحمد والخطابي والقاضي عياض والنووي، وابن تيمية، وابن القيم وغيرهم من العلماء، إلى أن الاسترقاء قادح في التوكل، وأن تركه أفضل كما جاء عن رسول الله -ﷺ- في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال -ﷺ-: "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" (^٢).
قال النووي: "الظاهر من معنى الحديث أن هؤلاء كمل تفويضهم إلى الله ﷿، فلم يتسببوا في دفع ما أوقعه بهم ولا شك في فضيلة هذه الحالة ورجحان صاحبها" (^٣).
وذهب آخرون إلى أن الاسترقاء غير قادح في التوكل منهم ابن قتيبة وابن عبد البر والمازري والقرطبي.
وقد استدلوا على ذلك بما ورد من منافع الأدوية، والحث على التداوي إضافة إلى فعل الرسول -ﷺ- وهو إمام المتوكلين وأن الرقى بأسماء الله هو غاية التوكل على الله فهو التجاء إليه، وتعويل عليه في كشف الضر والبلاء.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (١٦٥).
(٢) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ح (٦٥٤١)، (١١/ ٤١٣)، ومسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب ح (٢٢٠)، (٣/ ٩٢).
(٣) شرح صحيح مسلم النووي (٣/ ٩٢).
[ ٣٣٩ ]
وأما الحديث السابق، فقد قال المازري فيه بعد أن بين أنه قد جاءت أحاديث كثيرة في منافع الأدوية، وكثرة تداوي الرسول -ﷺ-: فإذا ثبت هذا صح أن يحمل ما في الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطباعها كما يقول بعض الطبائعيين لا أنهم يفوضون الأمر إلى الله سبحانه وحده" (^١).
لكن القرطبي رد قول المازري هذا فقال بعد سياقه لكلام المازري السابق: وهذا غير لائق بمساق الحديث ولا بمعناه إذ مقصوده: إثبات مزية وخصوصية لهؤلاء السبعين ألفًا، وما ذكره يرفع المزية والخصوصية، فإن مجانبة اعتقاد ذلك هو حال المسلمين كافة، ومن لم يجانب اعتقاد ذلك لم يكن مسلمًا، ثم إن ظاهر لفظ الحديث إنما هو "لا يرقون ولا يكتوون" أي لا يفعلون هذه الأمور، وما ذكره خروج عنه من غير دليل (^٢).
ثم ذكر قول الداوودي (^٣) وهو أن المراد أن هؤلاء يجتنبون فعل ذلك في الصحة، وأما في المرض فجائز، ورد عليه القرطبي بأن هذا وإن صح في بعض الرقى لم يصح في البعض الآخر، فالتعويذات من الرقى ويجوز أن يتعوذ من الشرور كلها قبل وقوعها وكذلك التطبب يجوز أن يتحرز من الأدواء قبل وقوعها.
ثم ذكر قول الخطابي الذي سبق ذكره، وإقرار القاضي عياض له
_________________
(١) المعلم (١/ ٢٣١).
(٢) المفهم (١/ ٤٦٣).
(٣) هو أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداوودي البوشنجي كان من الأئمة الكبار في المذهب الشافعي توفي سنة (٤٦٧ هـ). سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٢٢). معجم المؤلفين (٢/ ١٢٢).
[ ٣٤٠ ]
ولم يعلق عليه.
وذكر قولًا آخر لم ينسبه لأحد، وهو أن استعمال الرقى والكي قادح في التوكل بخلاف سائر أنواع الطب؛ لأن باب الرقى والكي والطيرة موهوم، وما عداها غير موهوم، بل محقق، فيصير كالأكل للغذاء أو الشرب للري.
وردَّ أيضًا هذا القول وبيَّن أنه فاسد من وجهين: أحدهما أن أكثر أبواب الطب موهومة فلا معنى للتخصيص.
والثاني: أن الرقى باسماء الله هو غاية التوكل على الله تعالى، فإذا كان هذا قادحًا في التوكل فليكن الدعاء والأذكار قادحًا في التوكل، ولا قائل به، ثم بيَّن أن الرسول رقى واسترقى، وفعل ذلك الخلفاء والسلف، فإذا كانت الرقى قادحة في التوكل ومانعة من اللحوق بالسبعين ألفًا، فالتوكل لم يتم للنبي -ﷺ-، ولا لأصحابه، ولا يكون بهذا أحد منهم من السبعين ألفًا، ولا يقول بهذا عاقل" (^١).
ثم بيَّن رأيه في هذه المسألة فقال: "وأمَّا الرقى والاسترقاء: فما كان منه من رقى الجاهلية أو بما لا يعرف فواجب اجتنابه على سائر المسلمين وتركه حاصل من أكثرهم، فلا يكون اجتناب ذلك هو المراد هنا، ولا اجتناب الرقى بأسماء الله تعالى وبالمروي عن رسول الله -ﷺ- لما قدمناه من أنه التجاء إلى الله وتبرك بأسمائه.
ويظهر لي والله أعلم أن المقصود: اجتناب رقى لا تدخل في هذين القسمين كالرقى بأسماء الملائكة والنبيين والصالحين، أو بالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار وما شاكل ذلك مما يعظم هذا ما
_________________
(١) انظر: المفهم (١/ ٤٦٣، ٤٦٤، ٤٦٥).
[ ٣٤١ ]
ظهر لي فمن ظهر له ذلك فليقبله شاكرًا، وإلَّا فليتركه عاذرًا" (^١).
ونحن نقول نتركه ونعذره، فقد اجتهد -﵀- فأخطأ، فالله يغفر له خطأه ويجازيه على اجتهاده. والذي يظهر والله أعلم رجحان القول الأول، ومقصودهم بطلب الإنسان الرقية من غيره، لا أنه يرقي نفسه هو، فهذا لا يدخل في الحديث قال ابن تيمية -﵀-: "المسترقي يسأل غيره ويرجو نفعه، وتمام التوكل ينافي ذلك، والمراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم" (^٢).
التمائم:
جمع تميمة وهي ما يعلق على الإنسان أو الحيوان لدفع العين والآفات.
وقد كان هذا من أفعال الجاهلية الذين يظنون أن تعليق التمائم تقيهم وتصرف عنهم البلاء فنهاهم -ﷺ- عن هذا الفعل فقال: "من علَّق تميمة فقد أشرك" (^٣).
وجاء عن أبي بشير الأنصاري -﵁- أنه كان مع رسول الله -ﷺ- في بعض أسفاره قال: فأرسل رسول الله -ﷺ- رسولًا: "لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلَّا قطعت" (^٤).
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٦٦).
(٢) الفتاوى (١/ ١٨٢، ٢٣٨) وانظر التفصيل في ذلك والرد على أدلة القائلين بالقول الثاني في أحكام الرقى والتمائم للدكتور فهد بن ضويان السحيمي ص (٤٦).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٥٦) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٨٨٩) برقم (٤٩٢).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل ح (٣٠٠٥) (٦/ ١٦٤) ومسلم في كتاب اللباس والزينة باب كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير ح (٢١١٥) (١٤/ ٣٤١).
[ ٣٤٢ ]
قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: اختلف العلماء في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين، فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة وأجازه عند الحاجة إليه، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض" (^١).
وقال المازري: "الظاهر من مذهب مالك قصر النهي على الوتر خاصة وأجازه ابن القاسم بغير الوتر، وقال بعض أصحابنا فيمن قلد بعيره شيئًا ملونًا فيه خرز قال: إن كان للجمال فلا بأس به، وقد اختلف الناس في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان أيضًا ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة إليه وأجازه عند الحاجة إليه لنفي ما أصابه من ضرر العين وشبهه ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض" (^٢).
فأقول: إن أرادوا بغير التعاويذ القرآنية ما جاء من الأذكار النبوية فالخلاف فيه صحيح كما سنذكره.
وأما إن أرادوا ما ليس بتعاويذ قرآنية ممَّا تفعله الجاهلية من تعليق لأسماء الملائكة أو الجن أو ما فيه طلاسم غير معروفة أو ما ليس فيه كتابة كقطعة جلد أو نحاس فهذا لا شك في حرمته والمنع منه وهو شرك أكبر إن اعتقد المعلق أنه ينفعه ويدفع عنه الضر، وأما إن اعتقد أنه سبب، وأن النافع الضار هو الله وحده، فهذا شرك أصغر؛ لأنه اعتقد ما ليس بسبب سببًا (^٣).
_________________
(١) المفهم (٥/ ٤٣٦).
(٢) المعلم (٣/ ٨١).
(٣) انظر التمائم في ميزان العقيدة للدكتور علي العلياني ص (١٩، ٢٠).
[ ٣٤٣ ]
وأما ما كان بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ففيه خلاف بين العلماء من السلف والخلف، فأجازه جماعة ومنعه آخرون. والميل إلى المنع أولى، خصوصًا في هذه الأزمان التي تعلق فيها كثير من الناس بالبدع والخرافات والأوهام.
قال الشيخ السعدي -﵀-: "وأمَّا التعاليق التي فيها قرآن أو أحاديث نبوية، أو أدعية طيبة محترمة، فالأولى تركها لعدم ورودها عن الشارع، ولكونها يتوسل بها إلى غيرها من المحرم، ولأن الغالب على متعلقها أنه لا يحترمها ويدخل فيها المواضع القذرة" (^١).
المطلب الحادي عشر: التنجيم (^٢):
وهو من ادعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلَّا الله سبحانه، وهو نوعان:
الأول: من اعتقد أن هذه الكواكب هي التي تدبر هذا الكون، ومنها يصدر الخير والشر والسعادة والنحوسة. والإجماع على كفر من اعتقد هذا
_________________
(١) القول السديد في مقاصد التوحيد، ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٣/ ١٩).
(٢) قال الشيخ السعدي ﵀: التنجيم نوعان: نوع يسمى (علم التأثير): وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الكونية فهذا باطل ودعوى لمشاركة الله في علم الغيب الذي انفرد به أو تصديق لمن ادَّعى ذلك وهذا ينافي التوحيد لما فيه من هذه الدعوى الباطلة ولما فيه من تعلق القلب بغير الله ولما فيه من فساد العقل، لأن سلوك الطرق الباطلة وتصديقها من مفسدات العقول والأديان. النوع الثاني: (علم التسيير) وهو: الاستدلال بالشمس والقمر والكواكب على القبلة والأوقات والجهات فهذا النوع لا بأس به بل كثير منه نافع قد حث عليه الشارع إذا كان وسيلة إلى معرفة أوقات العبادات أو إلى الإهتداء به في الجهات فيجب التفريق بين ما نهى عنه الشارع وحرمه وبين ما أباحه أو استحبه أو أوجبه فالأول هو المنافي للتوحيد دون الثاني. القول السديد في مقاصد التوحيد، المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٣/ ٣٢).
[ ٣٤٤ ]
الاعتقاد (^١).
الثاني: من اعتقد أن الله هو الخالق المدبر، ولكنه جعل هذه الكواكب علامات ودلالات على الحوادث الأرضية. وهذا مجمع على تحريمه، ولكن هل يكفر أم لا؟ اختلف العلماء في تكفيره على قولين:
الأول: من حكم بكفره؛ لأنه ادعى أن لهذه الكواكب دلالات على علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه.
وقد ذهب إلى هذا القرطبي المفسر (^٢) والشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ حيث قال: "وينبغي أن يقطع بكفره؛ لأنها دعوى لعلم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه بما لا يدل عليه" (^٣).
الثاني: من لم يحكم بكفره، وذهب إلى هذا، الإمام مالك وابن حجر وآخرون.
قال ابن حجر: "ولم يتعين الكفر في حق من قال ذلك، وإنما يكفر من نسب الاختراع إليها، وأما من جعلها علامة على حدوث أمر في الأرض فلا" (^٤).
وقد بيَّن القرطبي كفر النوع الأول، وهو اعتقاد أن هذه الكواكب تدبر الكون، وذلك عند شرحه لقوله -ﷺ- لأصحابه إثر سماء كانت من الليل: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك
_________________
(١) التنجيم والمنجمون للدكتور عبد المجيد المشعبي ص (٢٧٩).
(٢) تفسير القرطبي (١٩/ ١٩).
(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٤٤٢).
(٤) فتح الباري (٦/ ٣٤١).
[ ٣٤٥ ]
كافر بي مؤمن بالكوكب" (^١).
قال القرطبي: "ظاهره أنه الكفر الحقيقي؛ لأنه قابل به المؤمن الحقيقي، فيحمل على من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب وخلقها، لا من فعل الله تعالى، كما يعتقده بعض جهال المنجمين والطبائعيين العرب" (^٢).
وأما النوع الثاني: الذين يعتقدون أن الكواكب دالة على علم الغيب ومعرفة حوادث الأرض، فقد بيَّن القرطبي فساد مذهبهم لكنه لم يحكم بكفرهم، حيث قال: "النجوم لا يعلم بها علم الغيب، ولا القضاء ولو كان كذلك لكانت الملائكة أعلم بذلك وأحق به، وكل ما يتعاطاه المنجمون من ذلك فليس شيء منه علمًا يقينًا، وإنما هو رجم بظن وتخمين بوهم، الإصابة فيه نادرة، والخطأ والكذب فيه غالب، وهذا مشاهد من أحوال المنجمين، والمطلوب من العلوم النجوميات ما يهتدى به في الظلمات، وتعرف به الأوقات، وما سوى ذلك فمخارق وترهات، ويكفي في الرد عليهم ظهور كذبهم واضطراب قولهم، وقد اتفقت الشرائع على أن القضاء بالنجوم محرم مذموم" (^٣).
وأما المازري فقد حكم أيضًا بتكفير أصحاب القول الأول، فقال:
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الأذان باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم ح (٨٤٦) (٢/ ٣٨٨) ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء ح (٧١) (٢/ ٤١٩).
(٢) المفهم (١/ ٢٥٩) وقد بين أيضًا أنه لا يجوز إطلاقًا هذا اللفظ ولو اعتقد أن الله هو خالق المطر فقال عمن فعل هذا: ليس بكافر ولكنه مخطيء من وجهين: أحدهما: أنه خالف الشرع وقد حذر من هذا الإطلاق. وثانيهما: أنه قد تشبه بأهل الكفر في قولهم وذلك لا يجوز لأنا قد أمرنا بمخالفتهم فلو قال غير هذا اللفظ الممنوع يريد به الإخبار عما أجرى الله به سنته جاز. المفهم (١/ ٢٥٩).
(٣) المفهم (٥/ ٦٣٨).
[ ٣٤٦ ]
"من اعتقد اعتقاد كثير من الفلاسفة في كون الأفلاك فاعلة لما تحتها، وكل فلك يفعل فيما تحته حتى ينتهي الأمر إلينا وسائر الحيوان والمعادن والنبات، ولا صنع للباري -﷾- في ذلك فإن ذلك مروق من الإسلام" (^١).
وقال في شرحه للحديث السابق: "هذا يحمل على أن المراد به تكفير من اعتقد أن المطر من فعل الكوكب وخلقه، دون أن يكون خلقًا لله سبحانه كما يقول بعض الفلاسفة" (^٢).
وأما النوع الثاني فقد ناقش المازري أصحابه وأطال في ذلك، وبيَّن أن هذه الكواكب ليس فيها دلالة على حوادث الأرض، وأن مرجع قولهم إلى النوع الأول، لكنه لم يصرح بكفرهم، فقال بعد مناقشتهم: "وهذه الطريقة تضعف طريقة الإسلاميين منهم الذين يقولون: لا خالق إلَّا الله ﷿، وإنما هي دلالة على الغيوب بدلالة أجراها الباري جلت قدرته كما أجرى الغيوم والسحب الثقيلة دلالة على الأمطار، وإن كانت ربما خابت؛ لأن ما يذكرونه من الطرق التي تتحصل المعرفة منها تتسع جدًّا، ولا تنضبط، والحذَّاق منهم يعترفون بهذا، وقد حاول القاضي ابن الطيب (^٣) الاعتضاد في الرد عليهم بالسمعيات وما وقع من العموميات في أن لا يعلم الغيب إلَّا الله -﷿- وما وقع أيضًا من الآثار عن النبي -ﷺ-
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٠٥).
(٢) المعلم (١/ ٢٠٠) وبين أنَّ هذه العبارة لا تجوز وإن اعتقد أنَّ الله ﷾ هو الخالق ولكن جعل في بعض الاتصالات من الكواكب دلالة على وقوع المطر لكنه لا يكفر بذلك إذا عبر عنه بعبارة لا يمنع الشرع منها ثم بين أنَّ الظن بمن قال ذلك من العوام إرادة هذا المعنى. انظر المعلم (١/ ٢٠٠).
(٣) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني. انظر المعلم (١/ ٣٥٨).
[ ٣٤٧ ]
في النجوم بالتخصيص" (^١).
المطلب الثاني عشر: الكهانة:
الكهانة كالتنجيم في دعوى علم الغيب ومنافاتها للتوحيد.
تعريف الكاهن:
قال القرطبي في تعريفه للكاهن: "الكاهن الذي يتعاطى علم ما غاب عنه" (^٢).
وقال المازري: "الكاهن: يخبر عن غيب من طريق غير موثوق به" (^٣). وقال أيضًا: "الكهان قوم يزعمون أنهم يعلمون الغيب بأمور تلقى في نفوسهم" (^٤).
وفرَّق بين الكاهن والعرَّاف فقال: "الكاهن الذي يخبر بالغيب المستقبل، والعراف: هو الذي يخبر بما أخفى، وقد حصل في الوجود" (^٥).
استمداد الكهان:
إن ما يخبر به الكاهن من معلومات يستمده من مصادر عديدة موهومة، وقد بيَّن القرطبي -﵀- نقلًا عن القاضي عياض أن الكهانة على أربعة أضرب، لكنه ذكر ثلاثة فقط، فقال: "قال القاضي أبو الفضل: الكهانة في العرب على أربعة أضرب:
أحدها: أن يكون للإنسان رئيٌّ من الجن يخبره بما يسترق من السمع، وهذا القسم قد بطل منذ بعث الله محمَّدًا -ﷺ- كما نص الله تعالى عليه في
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٠٦، ١٠٨).
(٢) المفهم (٢/ ١٣٩).
(٣) المعلم (١/ ٢٧٥).
(٤) المعلم (٣/ ١٠٥).
(٥) المعلم (٢/ ١٩١).
[ ٣٤٨ ]
الكتاب (^١).
الثاني: أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض، وما يخفى مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت هذا كله المعتزلة وبعض المتكلمين وأحالوه، ولا استحالة، ولا بعد في وجود مثل هذا، لكنهم بعد يكذبون والنهي عام في تصديقهم والسماع منهم.
الثالث: التخمين والحرز، وهذا يخلق الله فيه لبعض الناس شدة قوة، لكن الكذب في هذا الباب أغلب قال: ومن هذا الباب العرافة وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هي العيافة -بالياء- وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة" (^٢).
تحريم الكهانة والنهي عن إتيان الكهان:
قد جاءت النصوص في تحريم الكهانة والنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم، قال القرطبي: "سؤالهم عن غيب ليخبروا به حرام وما يأخذون على ذلك حرام، ولا خلاف فيه؛ لأنه حلوان الكاهن المنهي عنه. قال أبو عمر: ويجب على ولي الحسبة أن يقيمهم من الأسواق وينكر
_________________
(١) وقال في موضع آخر مبينًا منع ذلك بعد بعثة الرسول -ﷺ-: كانت الكهانة في الجاهلية في كثير من الناس شائعة فاشية وكان أهل الجاهلية يترافعون إلى الكهان في وقائعهم وأحكامهم وإنما كان الكاهن يتمكن من التكهن بواسطة تابعة من الجن وذلك أنَّ الجني كان يسترق السمع فيخطف الكلمة من الملائكة فيخبر بها وليه فيتحدث بها ويزيد معها مئة كذبة كما قال رسول الله -ﷺ- فلما بعث الله رسوله -ﷺ- أرسلت الشهب على الجن فلم يتمكنوا مما كانوا يتمكنون منه قبل ذلك فانقطعت الكهانة لئلا يجر ذلك إلى تغيير الشرع ولبس الحق بالباطل لكنها وإن كانت قد انقطعت فقد بقي في الوجود قوم يتشبهون بأولئك الكهان فنهى رسول الله -ﷺ- عن أتباعهم. المفهم (٢/ ١٣٩).
(٢) المفهم (٥/ ٦٣٢).
[ ٣٤٩ ]
عليهم أشد النكير، ولا يدع أحدًا يأتيهم لذلك، وإذا ظهر صدق بعضهم في بعض الأمور فليس ذلك بالذي يخرجهم عن الكهانة، فإن تلك الكلمة إما خطفة جني، أو موافقة قدر، ليغتر به بعض الجهال. ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين فجاؤوا إلى هؤلاء الكهنة والعرَّافين فبهرجوا عليهم بالمحال، واستخرجوا منهم الأموال، فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل (^١)، ومن أديانهم على الفساد والضلال" (^٢).
وقال أيضًا: "نهى الرسول -ﷺ- عن اتباعهم؛ لأنهم كذبة ممخرقون مبطلون ضالون مضلون، فيحرم إتيانهم والسماع منهم، وقد كثر هذا النوع في كثير من نساء الأندلس، وكثير من رجال غير الأندلس، فليحذر من الإتيان إليهم والسماع منهم" (^٣).
وعند شرحه لقوله -ﷺ-: "من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" (^٤). قال: "العرَّاف: هو الحازي والمنجم الذي يدعي الغيب، وهذا يدل على أن إتيان العرافين كبيرة، وظاهره أن صلاته في هذه الأربعين تحبط وتبطل" (^٥).
وقل المازري: "نهاهم -ﷺ- عن إتيان الكهان؛ لأنهم يجرهم ذلك إلى تغيير الشرائع ثم يلبسون عليهم" (^٦).
_________________
(١) الآل الباطل انظر: القاموس المحيط للفيروزآبادي ص (١٢٤٣).
(٢) المفهم (٥/ ٦٣٣).
(٣) المفهم (٢/ ١٤٠).
(٤) رواه مسلم في كتاب السلام باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان ح (٢٢٣٠) (١٤/ ٤٧٨).
(٥) المفهم (٥/ ٦٣٥) وقد جاء الوعيد هنا بعد قبول الصلاة وجاء برواية أخرى بالتكفير وفيه تقييد الكفر بتصديقه فيكون من صدقة وقع عليه الكفر ومن سأله ولم يصدقه لم تقبل صلاته أربعين يومًا. انظر تيسير العزيز الحميد ص (٤٠٩).
(٦) المعلم (١/ ٢٧٥).
[ ٣٥٠ ]
المطلب الثالث عشر: ما جاء في كراهية بعض الألفاظ:
أ - التسمي بملك الأملاك:
قال - ﷺ -: "إن أخنع اسمٍ عند الله رجل يسمى ملك الأملاك، لا مالك إلَّا الله" (^١).
فالذي تسمى بهذا الاسم قد تعدى على مقام الربوبية، إذ الله سبحانه هو ملك الأملاك، ولذا قال - ﷺ -: "لا مالك إلَّا الله". فالذي تسمى ملك الأملاك أو ملك الملوك، قد بلغ الغاية من الكفر والكذب (^٢).
قال القرطبي: "المسمى بهذا الاسم قد انتهى من الكبر إلى الغاية التي لا تنبغي لمخلوق وأنه قد تعاطى ما هو خاص بالإله الحق إذ لا يصدق هذا الاسم بالحقيقة إلَّا على الله تعالى فعوقب على ذلك من الإذلال والإخساس والاسترذال بما لم يعاقب به أحد من المخلوقين" (^٣).
قل ابن القيم: "لما كان الملك الحق لله وحده، ولا ملك على الحقيقة سواه، كان أخنع اسم وأوضعه عنده وأغضبه له اسم "شاهان شاه" أي ملك الملوك، وسلطان السلاطين، فإن ذلك ليس لأحد غير الله فتسميته بهذا من أبطل الباطل" (^٤).
ب - كلمة (لو):
من كمال التوحيد الاستسلام للقضاء والقدر، والعبد مأمور عند
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله ح (٦٢٠٦) (١٠/ ٦٠٤) ومسلم في كتاب الآداب باب تحريم التسمي بملك الأملاك وبملك الملوك ح (٢١٤٣) (١٤/ ٣٦٨).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٦١٢).
(٣) المفهم (٥/ ٤٥٥).
(٤) زاد المعاد (٢/ ٣٤٠).
[ ٣٥١ ]
المصائب بالصبر والاحتساب وقول "لو" لا يرد القدر، بل ربما دل على التضجر والاعتراض على القدر (^١).
قال - ﷺ -: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" (^٢).
قال القرطبي: "نهي الرسول - ﷺ - في هذا الحديث عن قول "لو" محمول على من يقول ذلك معتمدًا على الأسباب معرضًا عن المقدور، أو متضجرًا منه، كما حكاه الله من قول المنافقين حيث قالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ (^٣) ثم رَّد الله قولهم، وبيَّن عجزهم فقال: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٤) .. فالواجب عند وقوع المقدور التسليم لأمر الله، وترك الاعتراض على الله، والإعراض عن الالتفات إلى ما فات، فيجوز النطق بـ "لو" عند السلامة من تلك الآفات" (^٥).
وأمَّا ما جاء في الأحاديث مما يخالف ظاهره هذا الحديث، فالصحيح أنه لا تعارض بينها، إذ كل ما جاء خبر عن مستقبل لا اعتراض فيه على قدر، ولا كراهة، وإنما المنهي عنه ما كان في معارضته القدر مع اعتقاد أن ذلك المانع لو يقع لوقع خلاف المقدور (^٦).
_________________
(١) انظر: تيسير العزيز الحميد ص (٦٦١).
(٢) رواه مسلم في كتاب القدر باب الأمر بالقوة وترك العجز ح (٢٦٦٤) (١٦/ ٤٥٥).
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦٨.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٦٨.
(٥) المفهم (٤/ ٦٣٨).
(٦) انظر: تيسير العزيز الحميد ص (٦٦٧، ٦٦٨).
[ ٣٥٢ ]
ج - القول للمملوك: عبدي، وللسيد: ربي:
قال - ﷺ -: "لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضِّئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي" (^١).
قال الخطَّابي: "وسبب المنع أن الإنسان مربوب معبد بإخلاص التوحيد لله تعالى، وترك الإشرك به، فترك المضاهاة بالاسم لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا فرق بين الحر والعبد، وأما من لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يكره أن يطلق عليه عند الإضافة كقوله: رب الدار والثوب" (^٢).
وقد اختلف في هذا النهي هل هو للتحريم، أم للأدب والتنزيه؟ خصوصًا مع ما ورد من النصوص المخالفة لهذا النهي.
قال القرطبي عن هذا الحديث: "هذا كله من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، ألا ترى قول يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (^٣) وقول النبي - ﷺ -: "أن تلد الأمة ربَّها وربتها" (^٤) فكان محل النهي في هذا الباب ألا تتخذ هذه الأسماء عادة فيترك الأولى والأحسن ولما كان ابتداء التربية وكمالها من الله تعالى بالحقيقة لا من غيره، كان الأولى بالإنسان ألا ينسب تربية نفسه إلَّا إلى من إليه الربوبية الحقيقية، وهو الله تعالى فإن مثل ذلك كان متجوزًا في
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد ح (٢٢٤٩) (١٥/ ٨).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٦٥٣).
(٣) سورة يوسف، الآية: ٤٢.
(٤) سبق تخريجه ص (١٣٧).
[ ٣٥٣ ]
اللفظ مخالفًا للأولى" (^١).
وقال عن قوله - ﷺ -: "لا يقل العبد: ربي، وليقل: سيدي"، قال: "إنما فرق بينها؟ لأن الرب من أسماء الله المستعملة بالاتفاق، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا: ليس من أسمائه فالفرق واضح، إذ لا التباس ولا إشكال يلزم من إطلاقه، كما يلزم من إطلاق الرب، وإذا قلنا: إنه من أسمائه فليس في الشهرة، والاستعمال كلفظ الرب فيحصل الفرق بذلك وأما من حيث اللغة فالرب مأخوذ مما ذكرنا (^٢) والسيد من السؤدد وهو التقدم يقال: ساد قومه: إذا تقدمهم ولا شك تقدم السيد على غلامه فلما حصل الافتراق جاز الإطلاق" (^٣).
المطلب الرابع عشر: نسبة الحوادث إلى الدهر:
قال - ﷺ - قال الله تعالى: "يؤذيني - ابن آدم يسبُّ الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار" (^٤).
قال القرطبي: "يراد بابن آدم هنا: أهل الجاهلية ومن جرى مجراهم ممن يطلق هذا اللفظ، ولا يتحرز منه، فإن الغالب من أحوال بني آدم إطلاق نسبة الأفعال إلى الدهر فيذمونه ويسفهونه إذا لم تحصل لهم أغراضهم ويمدحونه إذا حصلت لهم وأكثر ما يوجد ذلك في كلام الشعراء والفصحاء، ولا شك في كفر من نسب تلك الأفعال أو شيئًا منها للدهر
_________________
(١) المفهم (٥/ ٥٥٢).
(٢) قال الرب أصله من ربِّ الشيء والولد يربه ورباه يربيه: إذا قام عليه بما يصلحه ويكمله فهو: ربُّ ورابُّ. المفهم (٥/ ٥٥٣).
(٣) المفهم (٥/ ٥٥٤).
(٤) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب لا تسبوا الدهر ح (٦١٨١) (١٠/ ٥٨٠) ومسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها باب النهي عن سب الدهر (٢٢٤٦) (١٥/ ٥).
[ ٣٥٤ ]
حقيقة واعتقد ذلك.
وأما من جرت هذه الألفاظ على لسانه ولا يعتقد صحة تلك فليس بكافر، ولكنه قد تشبه بأهل الكفر وبالجاهلية في الإطلاق، وقد ارتكب ما نهاه رسول الله - ﷺ - عنه فليتب وليستغفر الله تعالى" (^١).
وقال أيضًا: "لما كان اعتقاد أهل الجاهلية أن الدهر هو الذي يفعل الأفعال ويذمونه إذا لم تحصل أغراضهم أعلمهم النبي - ﷺ - أن الله يفعل كل شيء، فإذا سبوا الدهر من حيث: أنه الفاعل ولا فاعل إلَّا الله، فكأنهم سبوا الله تعالى فلذلك قال الله تعالى: "يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر". أي أنا الذي أفعل ما ينسبونه للدهر لا الدهر، فإنه ليل ونهار (^٢).
وقال المازري: المراد أنهم كانوا ينسبون الأفعال لغير الله ﷾ جهلًا بكونه ﷿ خالق كل شيء ويجعلون له شريكًا في الأفعال، فأنكر عليهم هذا الاعتقاد وأراد أن الذي يشيرون إليه بأنه يفعل هذه الأفعال هو الله جلت قدرته ليس هو الدهر، كما لوقال قائل: القاضي فلان قتل فلانًا الزاني، فيقول الآخر: الشرع قتله لم يقتله القاضي، أو يقول: الشرع هو القاضي، وإنما يعني أنه يجب إضافة الشيء إلى ما هو الأصل فيه، أو التنبيه على غلط القائل وإرشاده لموضع الصواب، إذا ظن به أنه خفي عنه" (^٣).
_________________
(١) المفهم (٥/ ٥٤٧).
(٢) المفهم (٥/ ٥٤٧).
(٣) المعلم (٣/ ١١١).
[ ٣٥٥ ]
المبحث الرابع البدع والموقف من الفرق المبتدعة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: ما يعصم من البدع
المطلب الثاني: تعريف البدعة والموقف من المبتدعة
المطلب الثالث: الكلام على بعض الفرق المبتدعة:
١ - الخوارج.
٢ - الصوفية.
٣ - المعتزلة.
٤ - الشيعة.
٥ - القدرية.
٦ - المرجئة.
٧ - الأشاعرة.
[ ٣٥٧ ]
المبحث الرابع البدع والموقف من الفرق المبتدعة
إن من أصول أهل السنة والجماعة إنكار البدع في الدين، والتحذير منها، مع الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة، والسير على منهج سلف الأمة.
وقد كان للقرطبي - ﵀ - كلامٌ نفيسٌ في هذا الجانب حذر فيه من البدع والمبتدعين، وأوصى بالتمسك بالكتاب والسنة، والاقتداء بالسلف الصالح، وكشف عوار هذه الفرق المنحرفة والنحل الضالة، مع ما وقع فيه - ﵀ - من الخطأ والزلل، والوقوع في بعض ما حذر منه، خصوصًا في باب الأسماء والصفات، كما سيتبين بعد ذلك - إن شاء الله - وسيكون الحديث هنا من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول: ما يعصم من البدع:
١ - الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة:
إن منهج المسلم المستسلم لله تعالى الاتباع وترك الابتداع، الاتباع لما جاء في الكتاب والسنة، إذ هما المصدران الأساسيان لمعرفة ما يحب الله ويكره، ولذا فالذين ضلوا الطريق من المبتدعة المنحرفة كان ذلك بسبب بعدهم عن هذه المصادر الأصلية إلى غيرها من الطرق المعوجة والوسائل المضلة.
قال القرطبي في الرد على هؤلاء: "وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري، وإجماع السلف والخلف على ألا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء
[ ٣٥٩ ]
منها إلَّا عن طريق الرسل الكرام، فمن قال: إن هناك طريقًا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يستغنى بها عن الرسل، فهو كافر يقتل، ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب" (^١).
٢ - ذم الكلام وتقديم العقل على الشرع (^٢):
الكتاب والسنة وافيان بكل شيء إذ فيهما الهدى والنور، والصلاح والفلاح، ومن بحث عن ذلك في غيرهما فقد ضلَّ كما كان حال المبتدعة الذين سلكوا علم الكلام، فقدَّموا العقل على الشرع، فكان هذا منهم ابتداعًا في دين الله، وسببًا للانحراف والضلال، وقد قال القرطبي في بيان ضلال المتكلمين وخصومتهم في أصول الدين: "أشد ذلك الخصومة في أصول الدين كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وسلف أمته إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة - ثم تحدث عن دخولهم في مسالك أمسك عنها السلف، حتى قال: - إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة، التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي - ﷺ - ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها، لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته، فإن العقول لها حد تقف عنده ويكفي في الرح عن الخوض في طرق المتكلمين ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين عصمنا الله من بدع المبتدعين، وسلك بنا طريق السلف الماضين، وإنما طوَّلت في هذه المسألة الأنفاس لما قد شاع من هذه البدع في الناس" (^٣).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢١٩).
(٢) انظر أول واجب على المكلف والرد على المتكلمين في هذه الرسالة ص (١٤٧)
(٣) المفهم (٦/ ٦٩٠ - ٦٩٤).
[ ٣٦٠ ]
٣ - سلوك منهج السلف:
إن المخرج من الفتن والاعتصام من البدع، يكون بالالتزام بسنة الرسول - ﷺ -، وسنة الخلفاء من بعده، والاقتداء بالصحابة الكرام ومن بعدهم من أئمة الإسلام، فمن اقتدى بهم صار أقوم الناس سبيلًا، وأحسنهم طريقًا، ومن انحرف عن منهجهم وأراد الهدى في غير مسلكهم فقد ضل ضلالًا بعيدًا.
وقد بيَّن القرطبي أن الهدي هدي الصحابة - ﵃ - وأنهم القدوة لمن بعدهم، فقال: "الصحابة - ﵃ - لثقابة أذهانهم، وصحة فهومهم وغزارة علومهم أولى بالعلم ممن بعدهم، كيف لا، وهم أئمة الهدى، وبهم إلى كل العلوم يقتدى، وإليهم المرتجع وقولهم المتبع" (^١).
وقال في الوصية باتباع منهج السلف، وضلال من خالفه: "لم يخض في شيء من تلك الأساليب السلف الماضون، فمن المحال والهذيان أن يشترط في صحة الإيمان ما لم يكن معروفًا، ولا معمولًا به لأهل ذلك الزمان، وهم من هم فهمًا عن الله، وأخذًا عن رسول الله، وتبليغًا لشريعته، وبيانًا لسنته وطريقته" (^٢).
تعريف البدعة:
قال القرطبي في تعريف البدعة: "حقيقة البدعة ما ابتدئ وافتتح من غير أصل شرعي، وهي التي قال فيها - ﷺ -: "من أحدث في أمرنا
_________________
(١) المفهم (١/ ٣٣٨).
(٢) المفهم (١/ ١٤٦).
[ ٣٦١ ]
ما ليس منه فهو رد" (^١) " (^٢).
وقد قال - ﷺ -: " شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (^٣).
قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "يعني المحدثات التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة والجواز، وهي المسماة بالبدع، ولذا حكم عليها بأن كل بدعة ضلالة" (^٤).
فالموقف من هذه البدع رفضها، وعدم العمل بها؟ لأنها ليست من شرع الله تعالى، قال القرطبي: "من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فهو منسوخ لا يعمل به ولا يلتفت إليه" (^٥).
الموقف من المبتدعة:
إن صاحب البدعة قد جاء بأمر لم يأذن به الله، فكأنه قد استدرك على صاحب الشريعة - ﷺ -، ولذا كان للسلف الصالح ﵃ الموقف الحازم من المبتدعة بما يتناسب مع بدعتهم، ويتضح هذا من خلال النقاط التالية:
* التحذير من التشبه بالمبتدعة:
لأنه إذا كان الشرع قد نهى عن البدعة، فإن التشبه بالمبتدعة منهيٌ عنه؛ لقوله - ﷺ -: "من تشبَّه بقوم فهو منهم" (^٦). قال الصنعاني - رحمه
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٧٦).
(٢) المفهم (٢/ ٥٠٨).
(٣) رواه مسلم في كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة ح (٨٦٧)، (٦/ ٤٠٣).
(٤) المفهم (٢/ ٥٠٨).
(٥) المفهم (٥/ ١٧١).
(٦) رواه أحمد في مسنده (٢/ ٥٠) وأبو داود في كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٠٥٩) برقم (٦١٤٩).
[ ٣٦٢ ]
الله - معلِّقًا على هذا الحديث: "والحديث دالٌ على أن من تشبَّه بالفُسَّاق كان منهم، أو بالكفار أو بالمبتدعة في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة" (^١).
قال القرطبي في معرض تعداده لحلل النهي عن الصلاة على غير الأنبياء: "وينضاف إلى ذلك: أن أهل البدع قد اتخذوا ذلك شعارًا لهم في الدعاء لأئمتهم وأمرائهم، ولا يجوز التشبه بأهل البدع" (^٢).
* جواز غيبتهم:
قرر القرطبي جواز غيبة المبتدع، فقال في شرحه لحديث عائشة - ﵂ - التي قالت فيه: "إن رجلًا استأذن على النبي - ﷺ - فقال: ائذنوا له، فلبئس أخو العشيرة - أو بئس - ابن العشيرة" (^٣): "ففي حديثه من الفقه: جواز غيبة: المعلن بفسقه، ونفاقه، والأمير الجائر، وصاحب البدعة" (^٤).
وقد تكلم السلف على ذلك، وبيَّنوا أن المقصود منه تحذير الناس من صاحب البدعة، حتى لا يتأثروا به.
قال الحسن البصري - ﵀ -: "ليس لأهل البدعة غيبة".
وقال أيضًا في رواية أخرى: "ليس لصاحب بدعة ولا لفاسق يعلن
_________________
(١) سبل السلام للصنعاني (٤/ ٣٤٨).
(٢) المفهم (٢/ ٤٢).
(٣) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب ح (٦٠٥٤) (١٠/ ٤٨٦). ومسلم في كتاب البر والصلة، باب مدارة من يتقي فحشه ح (٢٥٩١) (١٦/ ٣٨٠).
(٤) المفهم (٦/ ٥٧٣).
[ ٣٦٣ ]
بفسقه غيبة" (^١).
قال الشاطبي (^٢) - ﵀ - مبئنًا هدف غيبة المبتدع عند حديثه عن أحكام أهل البدع: " ذكرهم بما هم عليه وإشاعة بدعتهم كي يحذروا ولئلا يغتر بكلامهم، كما جاء عن كثير من السلف ذلك" (^٣).
* هجرهم:
قال الإمام أحمد - ﵀ -: "أصول أهل السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ -، والاقتداء بهم، وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء" (^٤).
قال القرطبي: "وأما الهجران لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك ولا يختلف في هذا" (^٥).
قلت: ضابط هذا أن يكون للمصلحة الراجحة، أما إذا أدَّى إلى مفسدة أعظم من هذه المصلحة، فلا يشرع إضافة إلى تفريق العلماء بين صاحب البدعة المعلن لبدعته أو الداعي إليها، ومن ليس كذلك، قال شيخ الإسلام - ابن تيمية: "وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر" (^٦).
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٥٨).
(٢) إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشاطبي الإمام الفقيه الأصولي المحدث من أئمة المالكية كان مدافعًا عن السنة محاربًا للبدعة، له مصنفات نافعة منها "الإعتصام" و"الموافقات" توفي سنة (٧٩٠ هـ)، شجرة النور الزكية (٢٣١)، معجم المؤلفين (١/ ٧٧).
(٣) الاعتصام (١/ ١٧٦).
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٥٦).
(٥) المفهم (٦/ ٥٣٤).
(٦) الفتاوى (٢٨/ ٢٠٦).
[ ٣٦٤ ]
* ترك الصلاة عليهم:
قال القرطبي: "يكره لأهل الفضل الصلاة على المعلن بالبدع والكبائر" (^١).
وقال في موضعٍ آخر: "على أن أهل الفضل يجتنبون الصلاة على المبتدعة والبغاة وأصحاب الكبائر رادعًا لأمثالهم" (^٢).
وتخصيص القرطبي ذلك بأهل الفضل هو الصحيح، إذ يكون هذا رادعًا لأمثالهم من أهل البدع مع ما فيه من تحذير لعامة الناس عن مسالكهم، فيكون الإنكار عليهم من أهل الفضل في حياتهم وبعد مماتهم، وإلَّا فالصلاة من عموم المسلمين مشروعة على المبتدع ما لم تصل به بدعته إلى الكفر.
قال - ابن تيمية - ﵀ -: "وأما من كان مظهرًا للفسق مع ما فيه من الإيمان، كأهل الكبائر، فهؤلاء لابد أن يصلي عليهم بعض المسلمين، ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرًا لأمثاله عن مثل ما فعله، كما امتنع النبي - ﷺ - عن الصلاة على قاتل نفسه، وعلى الغال، وعلى المدين الذي لا وفاء له، وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع كان عمله بهذه السنة حسنًا" (^٣).
* عدم الاعتداد بخلافهم، وعدم قبول روايتهم:
قال القرطبي في بيان اتفاق السلف والخلف على تقديم الصديق - ﵁ - وأفضليته: "ولم يختلف في ذلك أحدٌ من أئمة السلف، ولا الخلف، ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين
_________________
(١) المفهم (٢/ ٦٠٨).
(٢) المفهم (٢/ ٦٣٨).
(٣) الفتاوى (٢٤/ ٢٨٦).
[ ٣٦٥ ]
مكفر تضرب رقبته، وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته، وتدحض حجته" (^١).
وقال أيضًا: "ولا مبالاة بخلاف أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف، وأيضا فإنهم لا يعتد بخلافهم" (^٢).
وقال عن قبول رواية المبتدع: "الفاسق المتأول الذي لا يعرف فسق نفسه، ولا يُكَفَّر ببدعته، فقد اختلف في قبول قوله، فقبل الشافعي شهادته، وردها القاضي أبو بكر (^٣)، وفرَّق مالك بين أن يدعو إلى بدعة فلا تقبل، أو لا يدعو فتقبل، وروي عنه: أنه لا تقبل شهادتهم مطلقًا، وكلهم اتفقوا على أن من كانت بدعته تجرئه على الكذب كالخطابية من الرافضة لم تقبل روايته ولا شهادته" (^٤).
المطلب الثالث: الكلام على بعض الفرق المبتدعة:
١ - الخوارج:
الخوارج أول الفرق المبتدعة ظهورًا، إذ سموا بهذا الاسم لخروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - يوم الحكمين، وهم يكفرون صاحب الكبيرة ويرون أنه مخلد في النار، ولذا كفروا عامة الصحابة الذين عاصروهم.
والقرطبي - ﵀ - أكثر من الرد عليهم، والحديث عنهم،
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢٣٨).
(٢) المفهم (٤/ ١٥).
(٣) محمد بن عبد الله المشهور بابن العربي صاحب كتاب "العواصم من القواصم"، (٢/ ٦٣٩، ٦٥٧).
(٤) المفهم (١/ ١٠٨). وانظر: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع للدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي (٢/ ٦٣٩، ٦٥٧).
[ ٣٦٦ ]
وبيان أصل نشأتهم، وسبب ضلالتهم، والخلاف في تكفيرهم. يتبين هذا من خلال النقاط التالية:
سبب التسمية:
قال القرطبي: "سموا: المارقة، والخوارج، لأنهم مرقوا من الدين، وخرجوا على خيار المسلمين" (^١).
"والحرورية: الخوارج سموا بذلك، لأنهم خرجوامن حروراء وهي حرة معروفة بالعراق" (^٢).
ضلالتهم وعظم الابتلاء بهم:
قال القرطبي: "خرجت الخوارج فكفروه - أي علي بن أبي طالب ﵁ - وكل من معه وقالوا: حكمت الرجال في دين الله، والله تعالى يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (^٣) ثم اجتمعوا وشقوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السبيل" (^٤).
وقال أيضًا: "لما حكموا بكفر من خرجوا عليه من المسلمين استباحوا دماءهم وتركوا أهل الذمة وقالوا: نفي لهم بذمتهم، وعدلوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين عن قتال المشركين، وهذا كله من آثار عبادات الجهال الذين لم يشرح الله صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق، ولا صحبهم في حالهم ذلك توفيق ويكفي من جهلهم وغلوهم في بدعتهم حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله بصحة إيمانه، وبأنه من أهل الجنة كعلي وغيره من صحابة رسول الله
_________________
(١) المفهم (٣/ ١٠٩).
(٢) المفهم (٣/ ١١١).
(٣) الأنعام، الآية: ٥٧.
(٤) المفهم (٦/ ٢٧٠).
[ ٣٦٧ ]
- ﷺ -" (^١).
وعند شرحه لقوله - ﷺ -: "إذا قال الرجلُ هلَكَ الناسُ فهو أهلكهم" (^٢). قال: "قد يغلب على القائل رأي الخوارج فيهلك الناس بالخروج عليهم، ويشق عصاهم بالقتال وغير ذلك كما فعلت الخوارج، فيكون قد أهلكهم حقيقة وحسًا" (^٣).
سبب خروجهم:
بيَّن القرطبي أن خروج الخوارج على المسلمين لم يكن طلبًا لدنيا ولا حثا في رياسة، ولكنهم جهلوا الأحكام، فخالفوا أئمة الإسلام.
قال القرطبي: "حملهم على الخروج الغيرة للدين لا شيء من العصبية والملك، لكنهم أخطأوا التأويل، وحرَّفوا التنزيل" (^٤).
لكنهم لا يعذرون على فعلهم هذا، إذ ليس محلًا للاجتهاد، وهم ليسوا من أهله.
قال القرطبي وهو يتحدث عن عدم لوم من اجتهد في أمر يسوغ فيه الاجتهاد، فأخطأ؛ لأن هذه الأمور اجتهادية، وليس فيها نصوص قطعية، حيث قال مستثنيًا هؤلاء: "ويستثنى من ذلك قتلة عثمان، فإنه لم يرتكب ما يوجب خلعه، ولا قتله، والخوارج على عليّ والمسلمين، فإنهم حكموا بكفر الجميع، فهاتان الطائفتان مخطئتان قطعًا" (^٥).
_________________
(١) المفهم (٣/ ١١٤، ١١٥).
(٢) رواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب النهي من قول هلك الناس ح (٢٦٢٣) (١٦/ ٤١٣).
(٣) المفهم (٦/ ٦٠٩).
(٤) المفهم (٤/ ٦٠).
(٥) المفهم (٦/ ٦٢٠).
[ ٣٦٨ ]
* الحكم على الخوارج:
قال القرطبي: "بظاهر هذا التشبيه (^١) تمسك من حكم بتكفيرهم من أئمتنا، وقد توقف في تكفيرهم كثير من العلماء لقوله - ﷺ -: "فيتمارى في الفُوقِ" وهذا يقضي بأنه يشك في أمرهم، فيتوقف فيهم، وكأن القول الأول أظهر من الحديث، فعلى القول بتكفيرهم: يقاتلون ويقتلون وتسبى أموالهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى قول من لا يكفرهم: لا يجهز على جريحهم ولا يتبع منهزمهم ولا تقتل أسراهم، ولا تستباح أموالهم، وكل هذا إذا خالفوا المسلمين، وشقوا عصاهم، ونصبوا راية الحرب، فأما من استتر ببدعته منهم، ولم ينصب راية الحرب، ولم يخرج عن الجماعة، فهل يقتل بعد الاستتابة أو لا يقتل وإنما يجتهد في رد بدعته ورده عنها؟ اختلف في ذلك وسبب الخلاف في تكفير من هذه حاله: أن باب التكفير بابٌ خطير أقدم عليه كثير من الناس فسقطوا، وتوقف فيه الفحول فسلموا، ولا نعدل بالسلامة شيئًا" (^٢).
وفي موضع آخر بيَّن عدم كفرهم، وذلك عند شرحه لقوله - ﷺ -: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله إلَّا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (^٣) حيث قال: "قوله: "المفارق للجماعة" ظاهره: أنه أتى به نعتًا جاريًا على التارك لدينه، لأنه إذا ارتد عن دين الإسلام، فقد خرج عن جماعتهم، غير أنه يلحق بهم في هذا الوصف كل من خرج عن جماعة
_________________
(١) وهو قوله - ﷺ -: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن ح (٥٠٥٨) (٨/ ٧١٧).
(٢) المفهم (٣/ ١١٠).
(٣) رواه مسلم في كتاب القسامة، باب ما يباح من دم المسلم ح (١٦٧٦) (١١/ ١٧٦).
[ ٣٦٩ ]
المسلمين، وإن لم يكن مرتدًا كالخوارج وأهل البدع إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحد عليهم، وقاتلوا عليه، وأهل البغي والمحاربين ومن أشبههم" (^١).
أما المازري فعند شرحه لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - في ذكر الخوارج ووصفهم الذي قال فيه: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية" (^٢).
قال المازري: "يتعلق بظاهر هذا الحديث من يرى تكفيرهم، وقد اختلف أهل الأصول في تكفيرهم، وقد ينفصل عن هذا من لا يرى تكفيرهم بأن يحمل قتلهم على أنه كالحد لهم على بدعتهم، ويشير إلى هذا قوله ﵇: "يقتلون أهل الإسلام"" (^٣).
وفي موضع آخر أشار المازري إلى دقة فهم الصحابة - ﵃ - وذلك لتفريق أبي سعيد الخدري - ﵁ - بين قوله - ﷺ -: "يخرج في هذه الأمة" وليس "من هذه الأمة"، وقد بيَّن المازري أنه وردت روايات فيها عبارة "من هذه الأمة"، ثم أشار إلى اختلاف الناس في تكفيرهم لشدة إشكال المسألة، حتى إن كثيرًا من العلماء يتهرب من الإجابة على ذلك لصعوبة إدخال كافر بالملة، أو إخراج مسلم منها، ولذا
_________________
(١) المفهم (٥/ ٤٠).
(٢) رواه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم ح (٦٩٣١) (١٢/ ٢٩٥)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ح (١٠٦٤) (٧/ ١٦٦).
(٣) المعلم (٢/ ٢٤).
[ ٣٧٠ ]
نقل عن بعض العلماء قوله: إن هذه المسألة من المعوصات؛ لأن القوم لم يصرحوا بنفس الكفر، وإنما قالوا أقوالًا تؤدي إليه، ثم بيَّن المازري أن التكفير بلازم القول موضع إشكال ولم يصرح بتكفير الخوارج من عدمه" (^١).
الرد عليهم:
أكثر القرطبي - ﵀ - من الرد على الخوارج فيما ذهبوا إليه من البدع والانحرافات والتي أعظمها تكفيرهم لمرتكب الكبيرة وإخراجهم له من الإسلام وحكمهم عليه بالخلود في النار، وقد خالفوا في هذه المسألة، وفي غيرها جماعة المسلمين، وخرجوا عليهم، وقد قال القرطبي في بيان أن مخالفتهم لا يعتد بها، ولا يلتفت إليها: ولا التفات لإنكار الخوارج والنظَّام، الرجم، إما لأنهم ليسوا بمسلمين عند من يكفرهم، وإما لأنهم لا يعتد بخلافهم لظهور بدعتهم وفسقهم" (^٢).
ولا مجال هنا لتتبع ردوده عليهم، ولا على الفرق الأخرى التي سيأتي الحديث عنها إذ هذا مفرق في ثنايا الرسالة، ولكن سأحيل إلى أرقام الصفحات في الهامش (^٣).
٢ - الصوفية:
كانت بداية التصوف عبارة عن تمسك بالأخلاق والزهد في الدنيا، ثم انحرف مفهومه إلى الانقطاع عن الدنيا والعلم، ثم انحرف إلى عقائد
_________________
(١) انظر: المعلم (٢/ ٢٥، ٢٦).
(٢) المفهم (٥/ ٨٤)، وانظر أيضًا (١/ ٤٣٧، ٥٩٥)، (٤/ ٦)، (٥/ ٨٤).
(٣) انظر: الرد عليهم، المفهم (١/ ٢٤٧) (٣/ ١٠٩، ٥٩٢)، (٤/ ٦، ٦٠)، (٥/ ٤٠، ٨٤، ٨٦، ١١٦، ١٤٢، ٦٣٥) (٦/ ٢٧٠، ٦٠٩، ٦٢٠) وأما المازري فانظر المعلم (١/ ١٩٤، ١٩٧) (٢/ ٢٤، ٢٦، ٢٦١).
[ ٣٧١ ]
باطلة، كالحلول والاتحاد، وترك الواجبات، وفعل المحرمات وغيرها من الانحرافات (^١).
والقرطبي - ﵀ - كانت له صولات وجولات مع هذه الطائفة بين انحرافها وبعدها عن الحق فيما ابتدعته من الأباطيل كالغناء والمزامير، التي يتقربون فيها بزعمهم إلى الله تعالى إلى غير ذلك من الانحرافات التي وقعوا فيها، وسبب كثرة رده على هذه الطائفة انتشار التصوف في زمنه وكثرته، وانشغال الناس به عن العلم والتفقه، حيث قال مُشيرًا إلى ذلك: "مجالس العلم والتذكير هي المجالس التي يذكر فيها كلام الله وسنة رسوله، وأخبار السلف الصالحين، وكلام الأئمة الزُّهَّاد المتقدمين، المبرَّأَةُ عن التصنع والبدع، والمنزهة عن المقاصد الردية والطمع، وهذه المجالس قد انعدمت في هذا الزمان (^٢) وعوض منها الكذب والبدع ومزامير الشيطان نعوذ بالله من حضورها ونسأله العافية من شرورها" (^٣).
ومجمل ردوده على هذه الطائفة تنحصر في النقاط التالية:
أ - الكشف الصوفي:
قصة الخضر مع موسى - ﵇ - صرف الصوفية معانيها وأهدافها ومراميها وجعلوها عمودًا من أعمدة العقيدة الصوفية، حيث
_________________
(١) انظر تلبيس إبليس لابن الجوزي ص (١٩٩) والفلاسفة الإسلاميون والصوفية وموقف أهل السنة منهم للدكتور عبد الفتاح فؤاد ص (٦٥).
(٢) هذا منه ﵀ مبالغة لا يوافق عليها إذ قد تبين لنا في مبحث الحياة العلمية في عصره في الباب الأول إزدهارها في زمنه وكثرة العلماء ومجالس العلم وأعظم دليل على ذلك ما وصل إلينا من التراث العلمي لذلك العصر.
(٣) المفهم (٧/ ١١).
[ ٣٧٢ ]
جعلوها دليلًا على أن هناك ظاهرًا شرعيًّا وحقيقة صوفية تخالف الظاهر (^١).
وقد قال القرطبي عند ذكر قصة موسى مع الخضر في كتاب النبوات: "ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق يلزم منه هدُّ الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية إنما يحكم بها على الأغنياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل: إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم، قالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع والكليات، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم، وقد جاء فيما ينقلون استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون.
قلت - أي القرطبي -: وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله، ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته، فإن أحكامه لا تعلم إلَّا بواسطة رسله السفراء، بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالاته فمن قال: إن هناك طريقًا آخر يعرف بها أمره ونهيه، غير الرسل، بحيث يستغنى بها عن الرسل فهو كافر يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا - ﷺ - الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده، ولا رسول، وبيان ذلك: أنه من قال: يأخذ عن قلبه، وإن ما وقع
_________________
(١) الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق ص (١٢٥).
[ ٣٧٣ ]
فيه هو حكم الله، وأنه يعمل بفقتضاه وأنه لا يحتاج في ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، فإن هذا نحو مما قاله رسوله: "إن روح القدس نفث في روعي" (^١).
وقد سمعنا عن بعض الممخرقين المتظاهرين بالدين، أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وإنما أروي عن قلبي عن ربي، ومثل هذا كثير، نسأل الله الهداية والعصمة، وسلوك طريق سلف هذه الأمة، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله" (^٢).
وقال في موضع آخر: "وقد شاهدت بعض الممخرقين وسمعنا منهم أنهم يعرضون عن القواعد الشرعية، ويحكمون بالخواطر القلبية، يقول: الشاهد المتصل بي أعدل من الشاهد المنفصل عني، وهذه مخرقة أبرزتها زندقة يقتل صاحبها، ولا يستتاب، من غير شك ولا ارتياب" (^٣).
ب - في تقديسهم للأولياء:
رفع رموز الصوفية أنفسهم ودعوا الجهال والغوفاء إليهم وزعموا أن لهم ولاية خاصة ومكانة عند الله عالية.
قال القرطبي مبينا عظم الابتلاء بهؤلاء في زمنه: "قد اغتر كثير من الجُهَّال بالأعمال، فلاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات، وإجابة
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٦٦) وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٧) وقال - ابن كثير: أخرجه - ابن حبان في صحيحه، انظر تفسير - ابن كثير (١/ ١١٧) لكني لم أجده في صحيح - ابن حبان كما ذكرا بن كثير وقال العجلوني عندما ذكر حديث "اطلبوا الحوائج بعز الأنفس" رواه ابن عساكر بسند ضعيف لكن يقويه ما رواه الطبراني وأبو نعيم ثم ذكر الحديث. كشف الخفاء ومزيل الإلباس فيما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس (١/ ١٥٥).
(٢) المفهم (٦/ ٢١٧).
(٣) المفهم (٥/ ١٥٤).
[ ٣٧٤ ]
الدعوات، وزعموا أنهم ممن يتبرك بلقائهم، ويغتنم صالح دعائهم، وأنهم يجب احترامهم وتعظيمهم فيتمسح بأثوابهم، وتقبل أيديهم، ويرون أن لهم المكانة عند الله بحيث ينتقم لهم ممن تنقصهم في الحال، وأن يؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وهذه كلها نتائج الجهل العميم، والعقل غير المستقيم، فإن ذلك إنما يصدر من جاهل معجب بنفسه، غافل عن جرمه وذنبه، مغتر بإمهال الله ﷿ له عن أخذه، ولقد غلب أمثال هؤلاء الأنذال في هذه الأزمان، فاستتبعوا العوام، وعظمت بسببهم على أهل الدين المصائب والطوام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذه نفثات مصدور وإلى الله عاقبة الأمور" (^١).
وقد ألزم الصوفية كل تابع لهم بأن يتخذ له شيخًا يلازمه، ولا يأخذ إلَّا عنه، ويطيعه طاعة عمياء، وإن أمره بالسوء والفحشاء، وشعارهم في ذلك قولهم: "كن بين يدي شيخك كالميت بين يدي الغاسل" (^٢) وقد بيَّن القرطبي انحراف الصوفية في هذا الجانب عند شرحه لقوله - ﷺ -: "لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف" (^٣) حيث قال: "هذا الحديث يرد حكاية حكيت عن بعض مشايخ الصوفية، وذلك أن مريدًا له قال يومًا: قد حمي التنور، فماذا أصنع؟ فتغافل عنه، فأعاد عليه القول فقال له: ادخل فيه، فدخل المريد في التنور، ثم إن الشيخ تذكر فقال: الحقوه كان قد عقد على نفسه ألَّا يخالفني، فلحقوه فوجده في التنور لم تضره النار.
_________________
(١) المفهم (٧/ ٣٧٥).
(٢) الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق ص (٣١٩).
(٣) رواه البخاري في كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض، والأحكام ح (٧٢٥٧) (١٣/ ٢٤٥)، ومسلم في كتاب الإجازة، باب وجوب طاعة الأمراء من غير معصية وتحريمها في المعصية ح (١٨٤٠) (١٢/ ٤٦٩).
[ ٣٧٥ ]
وهذه الحكاية أظنها من الكذب الذي كذب به على هذه الطائفة الفاضلة (^١)، فكم قد كذب عليها الزنادقة وأعداء الدين، وبيان ما يحقق ذلك أن هذا الشيخ إما أن يكون قاصدًا لأمر ذلك المريد بدخول النار أو لا، فإن كان قاصدًا كان قصده ذلك معصية ولا طاعة فيها، بنص النبي - ﷺ -، ويكون امتثال المريد لذلك معصية، وكيف تظهر الكرامات على العصاة في حال معصيتهم؟ وإن كان الشيخ غير قاصد لذلك ولا شاعر بما صدر عنه، فكيف يحل للمريد أن يلقي نفسه في النار بأمر غلط لا حقيقة له، ثم إن هذا المريد عاص بذلك الفعل، ولا يظهر على العاصي كرامة حال ملابسته للمعصية، ولو جاز ذلك لجاز للزناة وشربة الخمر والفسقة أن يدَّعوا الكرامات وهم ملابسون لفسقهم.
هذا مما لا يجوز إجماعًا وإنما تنسب الكرامات لأولياء الله، وهم أهل طاعته، لا إلى أولياء الشيطان، وهم أهل الفسق والعصيان" (^٢).
وقد أطال في الرد عليهم، ورد تخريجهم هذه الحكاية بقولهم إن الشيخ أراد التأديب والمريد أطاعه لثقته بشيخه ووفائه له، واعتقاده أنه لا يأمره إلَّا بمصلحة، فصح توكل المريد، فأنجاه الله، فبين أن هذه القيود لا تجيز فعل المحرم إجماعَا ولا تُهدُّ القواعد الشرعية لأجلها (^٣).
ج - في الوسوسة والغلو في الزهد:
قال - ﷺ -: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي
_________________
(١) ثناؤه عليهم هنا فيه إشكال فهو مخالف لردوده عليهم وبيانه لضلالاتهم فيما سبق ويأتي والذي يظهر والله أعلم، أنه يفرق بين مشايخ الصوفية المتقدمين وبين المعاصرين له إذ يحسن الظن بمن تقدم خصوصًا عندما كانت الصوفية في صورتها القريبة من الاعتدال.
(٢) المفهم (٤/ ٤١).
(٣) المفهم (٤/ ٤٢).
[ ٣٧٦ ]
هذا: كل مال نحلته عبدًا حلال" (^١)
قال القرطبي: "فائدة هذه القضية رفع توهم من يتوهم أن ما يستلذ ويستطاب من رفيع الأطعمة والملابس والمناكح والمساكن محرم أو مكروه، وإن كان ذلك من الكسب الجائز، كما ذهب إليه بعض غلاة المتزهدة" (^٢).
وقال في موضع آخر: "دليل (^٣) على جواز الشبع خلافًا لمن كرهه مطلقًا، وهم قوم من المتصوفة" (^٤).
وفي استخراجه لبعض الفوائد من الأحاديث التي فيها حمل الرسول - ﷺ - للصبيان، وعدم تورعه مما قد يلاقيه من النجاسة، قال: "فيه من الفقه ما يدل على جواز حمل الصبيان، وترك التعمق في التحفظ، مما يكون منهم من المخاط والبول، وغير ذلك، فلا يجتنب من ذلك إلَّا ما ظهرت عينه، أو تحقق أو تفاحش، وكان النبي - ﷺ - وأصحابه يعملون على مقتضى الحنيفية السمحة، فيمشون حفاة في الطين، ويجلسون بالأرض، وتكون عليهم الثياب الوسخة التي ليست بنجسة ويلعقون أصابعهم والقصعة عند الأكل، ولا يعيبون شيئًا من ذلك ولا يتوسوسون فيه، وكل ذلك ردٌّ على غلاة متوسوسة الصوفية اليوم فإنهم يبالغون في نظافة
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٠٢).
(٢) المفهم (٦/ ٧١٢).
(٣) وهو ما جاء من حديث أنس بن مالك ﵁ أنَّ أبا طلحة دعا النبي - ﷺ - إلى طعام فدعا الرسول - ﷺ - أصحابه فكان العشرة يدخلون فيأكلون حتى الشبع ثم من بعدهم من شبعوا جميعًا. انظر صحيح البخاري كتاب الأطعمة، باب من أدخل الضيفان عشرة عشرة ح (٥٤٥٠) (٩/ ٤٨٦)، ومسلم في كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه ح (٢٠٤٠) (١٣/ ٢٢٧).
(٤) المفهم (٥/ ٣١١).
[ ٣٧٧ ]
الظواهر والثياب وبواطنهم وسخة خراب" (^١).
د - في الوجد والسماع:
أباح الصوفية سماع الغناء والمزامير، بل زعموا أنها تقرب لرب العالمين. وقد واجه القرطبي هذا الباطل ورد هذا الضلال، خصوصًا مع انتشاره في عصره، بل أفرد هذا بتأليف مستقل، وذلك بكتابه الموسوم بـ "كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسماع" (^٢). وقد استدل الصوفية على باطلهم بإنشاد النبي - ﷺ - وأصحابه في حفر الخندق، إذ كانوا يرتجزون أثناء العمل بأبيات من الشعر.
وقد قال القرطبي في رد هذا الاستدلال: "وقد يستدل بإنشاد النبي - ﷺ - وأصحابه هذه الأسجاع أهل المجون والبدع من المتصوفة على إباحة ما أحدثوه من السماع المشتمل على مناكر لا يرضى بها أهل المروءات، فكيف بأهل الديانات، كالطارات والشبابات واجتماع المغاني، وأهل الفساد، والشبان، والغناء بالألحان، والرقص بالأكمام، وضرب الأقدام، كما يفعله الفسقة المجان، ومجموع ذلك يعلم فساده وكونه معصية من ضرورة الأديان، فلا يحتاج في إبطاله إلى إقامة دليل ولا برهان، وقد كتبنا في ذلك جزءًا حسنًا سميناه "كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسماع"" (^٣).
وقال في موضع آخر عن هذه المسألة عند شرحه للحديث الذي فيه أن الصحابة - ﵃ - يرتجزون والرسول - ﷺ - معهم (^٤): "من هنا
_________________
(١) المفهم (٦/ ٣٠٠).
(٢) انظر: ص (٨٧).
(٣) المفهم (٣/ ٦٤٥).
(٤) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي - ﷺ - (٥٢٤) =
[ ٣٧٨ ]
أخذت الصوفية إباحة السماع غير أنهم اليوم أفرطوا في ذلك وتعدوا فيه الوجه الجائز، وتذرعوا بذلك إلى استباحة المحرمات من أصناف الملاهي: كالشبابات والطارات والرقص وغير ذلك، وهذه أفعال المجان، أهل البطالة والفسوق، المدخلين في الشريعة ما ليس منها، أعاذنا الله من ذلك بمنه" (^١).
وأما حال هؤلاء عند الذكر والمواعظ فهو الزعيق والصياح، بزعم أن هذا من صفات أهل الخشوع والصلاح.
وقد بيَّن القرطبي - ﵀ - أن هذا لم يكن من هدي الصحابة - ﵃ - وهم أشد الناس خشية لله تعالى بعد الأنبياء ﵈، وذلك عند قول أنس - ﵁ - وهو يبين حال الصحابة - ﵃ - عند غضب الرسول - ﷺ - حيث قال: "فجعلت التفت يمينًا وشمالًا، فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي" (^٢). قال القرطبي: "هذه حالة العارفين بالله تعالى، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما تفعله جهَّالُ العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزفير، ومن النهيق الذي يشبه نهاق الحمير، فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وجدٌ وخشوع: إنك لم تبلغ ذلك، أي: تساوي حال رسول الله - ﷺ -، ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ، الفهم عن الله تعالى، والبكاء خوفًا من
_________________
(١) = (٥/ ١٠).
(٢) المفهم (٢/ ١٢٤).
(٣) رواه البخاري في كتاب العلم، باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره ح (٩٢) (١/ ٢٢٥) ومسلم في كتاب الفضائل، باب توقيره - ﷺ - وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه ح (٢٣٥٩) (١٥/ ١٢٠).
[ ٣٧٩ ]
الله، والوقار حياءً من الله [ثم أطال في ذكر أحوال العارفين، وذكر ماورد عن السلف من الصعق وغيره عند سماع القرآن] ثم قال: فالجواب: أين الدر من الصدف، والمسك من الجيف؟ هيهات قياس الملائكة بالحدادين، والمحققين بالممخرقين، فإن كنت يا من لبس عليه، تدعي أنك على نعتهم فمت كموتهم، فتنبه لبهرجتك، فإن الناقد بصير، والمحاسب خبير" (^١).
وقد بيَّن أن من كان يصرخ في حال خطبة الجمعة، فإما أن يكون مع ذلك ذهاب عقله، فقد انتقض وضوؤه فصلى بغير وضوء، ويكون قد تكلم في الخطبة وشوش على الحاضرين وأظهر بدعة في مجتمع الناس إلى ما في ذلك من الرياء والفسق (^٢).
هـ - في جهلهم بمفهوم التوكل:
من اعتقادات الصوفية ترك العمل، واعتقاد ذلك من كمال التوكل إذ العمل عندهم قادح في التوكل.
وقد بيَّن القرطبي فساد هذا الفهم، ومخالفته لهدي الرسول - ﷺ -، وسنته، وذلك في مواضع كثيرة من المفهم، حيث قال مبينًا أن السعي في طلب الرزق لا ينقص التوكل: "المتفرغ للعبادة وطلب العلم لا يخل بحاله، ولا ينقص توكله اشتغاله بالنظر في مطعمه ومشربه وحاجته، كما يذهب إليه جهال المتزهدة" (^٣).
وعند شرحه لحديث أنس بن مالك - ﵁ - الذي فيه أولئك النفر الذين سألوا عن عبادة الرسول - ﷺ - فكأنهم تقالوها ثم ذكروا
_________________
(١) المفهم (٦/ ١٦٠).
(٢) المفهم (٦/ ١٦١).
(٣) المفهم (٣/ ٧٤١).
[ ٣٨٠ ]
من أعمالهم وعباداتهم فرد عليهم - ﷺ - بقوله: " لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (^١).
فبعد شرح القرطبي لهذا الحديث واستخراجه لما يستفاد منه قال: "وعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقق أن فيه ردًّا على غلاة المتزهدين وعلى أهل البطالة من المتصوفين إذ كل فريق قد عدل عن طريقه وحاد عن تحقيقه" (^٢).
٣ - المعتزلة:
فرقة ظهرت في أوائل القرن الثاني الهجري، وسلكت مسلكًا عقليًّا متطرفًا في مسائل العقيدة، وسموا بهذا الاسم لاعتزال زعيمهم واصل بن عطاء (^٣) مجلس الحسن البصري ﵀.
وقد أكثر القرطبي والمازري من الرد عليهم، وتفنيد أقوالهم، وبيان خطأهم فيما ذهبوا إليه خصوصًا المازري إذ أكئر من الرد عليهم على غير عادته مع الفرق الأخرى، وربما سبب ذلك أن مذهب الاعتزال قابل مذهب الأشاعرة، وقد تصدى كثير من الأشاعرة للرد على المعتزلة تبعًا لمن ينتسبون إليه، وهو أبو الحسن الأشعري الذي كان على مذهب المعتزلة، ثم رجع عنه، وبين فساده فتابعه على ذلك غالب علماء الأشاعرة. وقد رد القرطبي والمازري عليهم في كثير من المسائل: فرد
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح ح (٥٠٦٣) (٩/ ٥) ومسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ح (١٤٠١) (٩/ ١٨٥).
(٢) المفهم (٤/ ٨٧).
(٣) واصل بن عطاء المعتزلي المعروف بالغزال متكلم أديب خطيب فصيح رأس المعتزلة وناشر مذهبهم الباطل أجمع السلف على ذمة توفي سنة (١٣١ هـ). سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٦٤)، الأعلام (٨/ ١٠٨).
[ ٣٨١ ]
عليهم في مسائل القدر (^١). وفي إنكارهم لرؤية الله تعالى في الآخرة (^٢). وفي حكمهم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار (^٣). وفي إنكارهم لشفاعة الرسول - ﷺ - في القيامة وإنكارهم للدجال (^٤). وكذلك في قولهم بعدم خلق الجنة والنار (^٥). وغيرها من المسائل (^٦).
وتتبين هذه الردود في المباحث الخاصة بكل مسألة.
٤ - الشيعة:
وهم فرقة قالت بإمامة علي بن أبي طالب - ﵁ - وأنه قد نص عليه واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عن أولاده وقالوا: إن خروج الولاية عن علي - ﵁ - بظلم من الشيخين وبعضهم كفر الصحابة - ﵃ - واعتقدوا العصمة في أئمتهم إلى غير ذلك من الضلالات التي في معتقداتهم، وهم فرق كثيرة منها الغالية، ومنها دون ذلك، وقد يسمَّون بالرافضة.
وقد تكلم القرطبي على الشيعة، وبين أنهم من أكثر الفرق الضالة تعمدًا للكذب، وتضليلًا للناس، فقال في كذبهم على عائشة - ﵂ -: "وهذا التأويل (^٧) عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم عليها" (^٨).
_________________
(١) انظر: المفهم (٣/ ٤٩٣، ٥٢٦) (٥/ ٦٢١) والمعلم (١/ ٣٠٤، ٣٢٥) (٢/ ١٧) (٣/ ١٧٦، ١٨٥، ١٩٧، ١٩٨، ٢٦٥).
(٢) انظر: المفهم (١/ ٤١٥) (٢/ ٥٧) والمعلم (١/ ٢٢٣، ٢٢٥) (٣/ ٢١٢).
(٣) انظر: المفهم (٢٤٧، ٤٥٢) والمعلم (١/ ١٩٤، ١٩٧) (٢/ ٢٦١).
(٤) انظر: المفهم (١/ ٤٣٧) (٧/ ٢٦٧).
(٥) انظر: المفهم (٢/ ٤٥٢).
(٦) انظر: المعلم (١/ ٢٦٦) (٢/ ٢٥) (٣/ ١٨٨، ١٩٨) (٣/ ٢٠٥، ٣٠٣).
(٧) وهو قولهم: إنها لم تقصر في السفر لأنها لم تكن في سفر جائز.
(٨) المفهم (٢/ ٣٢٧).
[ ٣٨٢ ]
وقال في موضع آخر في رده على طعنهم في أبي بكر - ﵁ -: "ولا تسمع أكاذيب الرافضة المبطلين الضالين المضلين" (^١).
وبين في موضع آخر كذبهم وتبرؤ علي - ﵁ - مما نسبوه إليه، وذلك عند تعليقه على قول علي - ﵁ -: "ما كان النبي - ﷺ - يُسرُّ إلى شيئًا يكتمه الناس " (^٢). حيث قال: "هذا رد وتكذيب للفرق الغالية فيه وهم الشيعة والإمامية والرافضة الزاعمين أن النبي - ﷺ - وصَّى لعلي، وولَّاه بالنص، وأسرَّ إليه دون الناس كلهم بعلوم عظيمة، وأمور كثيرة، وهذه كلها منهم أكاذيب وترهات وتمويهات يشهد بفسادها نصوص متبوعهم وما تقتضيه العادات من انتشار ما تدعو إليه الحاجة العامة وغضب علي على ذلك دليل على أنه لا يرتضي شيئًا مما قيل هنالك" (^٣).
وبيَّن في موضع آخر أن الرافضة لا يعتد بخلافهم؛ لأنه قد حكم كثير من العلماء بتكفيرهم (^٤).
وقال أيضًا: الرافضة لا يلتفت لخلافهم إذ ليسوا على طريقة المسلمين (^٥).
حكم الشيعة:
الشيعة فرق مختلفة لا شك في كفر الغالي منها، وقد بيَّن القرطبي خلاف العلماء فيهم، وذلك لاختلاف معتقداتهم، حيث قال: "ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته، وبين
_________________
(١) المفهم (٣/ ٥٦٩).
(٢) رواه مسلم في كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله ح (١٩٧٨) (١٣/ ١٥٠).
(٣) المفهم (٥/ ٢٤٤).
(٤) المفهم (٢/ ٩٢).
(٥) المفهم (٤/ ٩٣).
[ ٣٨٣ ]
مبتدع مفسق لا تقبل كلمته، وتدحض حجته" (^١).
وقال في موضع آخر: "فأما الروافض فقد كفَّروا الصحابة كلهم؛ لأنهم تركوا العمل بالحق الذي هو النص على استخلاف علي - ﵁ - واستخلفوا غيره بالاجتهاد، ومنهم من كفَّر عليًّا - ﵁ -؛ لأنه لم يطلب حقه، وهؤلاء لا يشك في كفرهم؛ لأن من كفر الأمة كلها والصدر الأول، فقد أبطل نقل الشريعة، وهدم الإسلام، وأما غيرهم من الفرق فلم يرتكب أحد منهم هذه المقالة الشنعاء القبيحة القصعاء، ومن ارتكبها منهم ألحقناه بمن تقدم في التكفير ومأواه جهنم وبئس المصير" (^٢).
الرد عليهم:
أكثر القرطبي من الرد على الشيعة في كثير مما ذهبوا إليه من الأباطيل، وذلك في مواضع متفرقة من المفهم، فرد عليهم في تجويز الكبائر على الأنبياء (^٣)، وفي موقفهم من الصحابة - ﵃ أجمعين - (^٤)، وفي موقفهم من الخلافة، وقولهم بالنص على علي - ﵁ (^٥). إلى غير ذلك من المسائل الأخرى (^٦).
٥ - القدرية:
وهم القائلون بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن أفعال العباد مقدورة لهم على جهة الاستقلال، وكان متقدموهم ينكرون علم الله بالأشياء قبل
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢٣٨).
(٢) المفهم (٦/ ٢٧٣).
(٣) انظر: المفهم (٢/ ٩٢، ١٨٥) (٣/ ٥٦٤) (٦/ ٢١٧، ٣٠٣).
(٤) انظر: المفهم (٢/ ٣٢٧) (٦/ ٢٥٢).
(٥) انظر: المفهم (٦/ ٢٤٨، ٢٧٣) وانظر: المازري في هذه المسألة المعلم (٣/ ١٣٦).
(٦) انظر: المفهم (٥/ ١٣٦، ٢٤٤) (٧/ ٣٢٧، ٣٣٣).
[ ٣٨٤ ]
وجودها، وهم الذين كفرهم السلف أخذ معبد الجهني (^١) هذا عن نصراني أسلم ثم تنصر، وأخذ غيلان الدمشقي (^٢) عن معبد، وقد يطلق القدرية على المعتزلة لنفيهم القدر في معاصي العباد (^٣).
وقد رد عليهم القرطبي فيما ذهبوا إليه في القدر حين قال: "حملت القدرية هدى الله على البيان بناءً على مذهبهم الفاسد في القدر" (^٤)، وقال في موضع آخر: "والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة يفيد مجموعها العلم القطعي واليقين الحقيقي الاضطراري بإبطال مذاهب القدرية لكنهم كابروا في ذلك كله، وردوه وتأولوا ذلك تأويلًا فاسدًا" (^٥).
وأما المازري فقد جاء ذكر القدرية في المعلم في موضعين، رد في واحد منها على القدرية في قولهم بخلق العباد لأفعالهم (^٦)، وفي الموضع الآخر بيَّن الخلاف في تكفير القدرية (^٧).
٦ - المرجئة:
وهم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فيقولون لا يضر مع
_________________
(١) معبد الجهني البصري أول من تكلم بالقدر في أواخر عهد الصحابة ﵃ وأنكر عليهم ابن عمر ﵄ توفي معبد سنة (٨٠ هـ). تهذيب التهذيب (٤/ ١١٦)، سير أعلام النبلاء (٤/ ١٨٥).
(٢) غيلان بن مسلم الدمشقي أبو مروان من البلغاء وهو ثاني من تكلم بالقدر ودعا إليه قتل في خلافة هشام بن عبد الملك. العقد الفريد ابن عبد ربه الأندلسي (٢/ ٢٠٥) الأعلام (٥/ ١٢٤).
(٣) انظر: السنة لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (١/ ٣٨٤) وما بعدها والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٥).
(٤) المفهم (٢/ ٥٠٧).
(٥) المفهم (٦/ ٦٦١).
(٦) المعلم (٣/ ١٧١).
(٧) المعلم (١/ ١٨٧).
[ ٣٨٥ ]
الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والجهمية والكرامية من فرق المرجئة (^١). وقد ردَّ القرطبي والمازري هذا المذهب الباطل كما تبين ذلك في مبحث حكم مرتكب الكبيرة (^٢).
٧ - الأشاعرة:
هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري في مذهبه الثاني، ولا يخفى أنه قد رجع عن مذهبه الثاني إلى مذهب أهل السنة والجماعة في آخر حياته، ولكن الأشاعرة تابعوه على ما كان عليه قبل رجوعه إلى مذهب السلف، وعامة الأشاعرة يثبتون سبع صفات فقط، ويخالفون أهل السنة في كثير من مسائل العقيدة (^٣).
والقرطبي والمازري على مذهب الأشاعرة في كثير من مسائل العقيدة، وإن كان القرطبي لم يلتزم بذلك، بل يخالف الأشاعرة في بعض المسائل (^٤).
وقد جاء ذكر الأشاعرة باسمهم الصريح في موضع واحد من المفهم (^٥)، وفي خمسة مواضع من المعلم (^٦). وهم يطلقون أهل السنة أو أهل السنة والجماعة ويقصدون بذلك الأشاعرة، وهذا يتبين من خلال الأقوال التي ينسبونها لأهل السنة إذ كثير منها لا يقول به أهل السنة بل هو قول الأشاعرة، فقد ذكر القرطبي رأي الأشاعرة في بعض المسائل وقال:
_________________
(١) انظر: القدرية والمرجئة للدكتور ناصر العقل ص (٧٧) وما بعدها.
(٢) ص (١٥٧).
(٣) انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود ومنهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله الخالد بن عبد اللطيف.
(٤) ويتضح هذا من خلال التفصيل في مباحث الرسالة.
(٥) المفهم (٢/ ٥٧).
(٦) المعلم (١/ ١٨٤، ١٩٤) (٣/ ٩٤، ١٦٥، ١٧٦).
[ ٣٨٦ ]
"هذا قول أهل السنة" (^١).
وقد يذكر بعض أقوال أهل السنة وينسبها إليهم وهو يقصد الأشاعرة إذ يوافقون أهل السنة في هذه المسائل (^٢).
وأما المازري فقد ذكر أهل السنة وقصد بهم الأشاعرة وذلك في سبعة مواضع من المعلم (^٣).
وقد جاء ذكر بعض الفرق كالجهمية (^٤)، والباطنية (^٥)، والكرامية (^٦)، والراوندية (^٧)، والقلندرية (^٨).
_________________
(١) المفهم (١/ ١٩٦، ٢١٢، ٢٩٦) (٦/ ٢١٢).
(٢) المفهم (١/ ٢٠٠، ٣٢١، ٣٧٣، ٤١٣) (٣/ ٥٦٢) (٥/ ١٤٢، ٥٦٥، ٦٣٥) (٦/ ٤٠، ٩٠، ٢٣٨، ٢٤٤، ٣٨٧، ٦٠٨) (٧/ ١٨٨، ٢٦٧، ٢٩٢، ٣٣٥).
(٣) (١/ ٢١٧) (٣/ ٣٥، ٩٣، ١١٦، ١٣٧، ١٧٠، ١٩٧).
(٤) هي إحدى الفرق المنحرفة التي نسبت للجهم من صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال وزعم أنَّ الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط وأنَّ الكفر هو الجهل به ونفي أسماء الله تعالى وصفاته إلى غير ذلك من مخالفته لمذهب السلف. الملل والنحل (١/ ٨٦). الفرق بين الفرق للبغدادي ص (٢١١). انظر: المفهم (٧/ ٢٦٧).
(٥) من الفرق الضالة التي تدَّعي أنَّ للنصوص ظاهرًا وباطنًا ويعتقدون أن الله لا يوصف بالوجود ولا العدم ولا هو معلوم ولا مجهول إلى غير ذلك من العقائد الباطلة ولهم ألقاب كثيرة كالقرامطة والنصيرية والإسماعيلية. الفرق بين الفرق ص (٢٨١). وقد أدرج الحديث عنها والرد عليها مع الشيعة.
(٦) أتباع عبد الله بن كرام افترقوا لعدة فرق من أبرز عقائدهم قولهم إنَّ الإيمان مجرد القول باللسان. مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢٤). الفرق بين الفرق ص (٢١٥). وانظر: المفهم (١/ ٢٦٧).
(٧) فرقة من فرق الروافض الحلولية الذين قالوا بتناسخ روح الإله في الأئمة. الفرق بين الفرق ص (٢٧٢) وانظر: المفهم (٦/ ٢٤٨) والمعلم (٣/ ١٣٧).
(٨) المفهم (٧/ ١٦٦). وهذه الطائفة من طوائف الصوفية وتسمى الملامية أو الملامتية واليونسية والحيدرية، نشأت بعد الستمائة بقليل بدمشق. انظر: أخبارهم في خطط المقريزي (٢/ ٤٣٢) وانظر: فتوى شيخ الإسلام فيهم في الفتاوى (٣٥/ ١٣).
[ ٣٨٧ ]
الفصل الرابع توحيد الأسماء والصفات
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: منهجهما في أسماء الله تعالى
المبحث الثاني: منهجهما في صفات الله
المبحث الثالث: منهجهما في رؤية الله تعالى
[ ٣٨٩ ]
تمهيد
توحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله ﷾ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، التي وردت في الكتاب والسنة، وذلك بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه، أو أثبته له رسوله - ﷺ - من غير تحريفٍ (^١)، ولا تعطيلٍ (^٢)، ومن غير تكييف (^٣)، ولا تمثيل (^٤)، ولا تشبيه (^٥). فنؤمن بأن الله تعالى متصفٌ بجميع صفات الكمال، ومنزه سبحانه عن جميع صفات النقص.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: "توحيد الأسماء والصفات: هو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، وأنه سميع بصير، رؤوف رحيم، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وأنه الملك القدوس، السلام، المؤمن،
_________________
(١) التحريف في الإصطلاح هو: تغيير النص لفظًا أو معنى، فالتحريف اللفظي مثل: نصب لفظ الجلال في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ ليكون التكليم من موسى، والتحريف المعنوي مثل: تحريف معنى اليدين المضافتين إلى الله تعالى إلى القوة والنعمة ونحو ذلك.
(٢) التعطيل في الاصطلاح: هو إنكار ما يجب إثباته لله تعالى من الأسماء والصفات.
(٣) التكييف هو: حكاية كيفية الصفة وأنها على هيئة كذا وكذا أو السؤال عنها بكيف.
(٤) التمثيل: هو إثبات المثيل والنظير للشيء.
(٥) التشبيه: هو إثبات المشابه للشيء والفرق بين التشبيه والتمثيل أنَّ التشبيه يقتضي المشابهة والمساواة في أكثر الصفات والتمثيل يقتضي المماثلة والمساواة من كل وجه. وهذه التعريفات استقيتها من شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٦٦ - ٦٩) وفتح رب البرية بتلخيص الحموية لابن عثيمين ص (٥٤، ٥٥) والتحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية لفالح آل مهدي (٢/ ٦، ٧).
[ ٣٩١ ]
المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، سبحان الله عما يشركون، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العلى" (^١).
والأدلة على هذا التوحيد كثيرة من الكتاب والسنة، بل لا تخلو سورة من سور القرآن من ذكر أسماء الله وصفاته. قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾ (^٤).
وكان - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه يقول: "اللهم ربّ السموات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى،
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (٣٤).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٣) سورة الحشر، الآية: ٢٣، ٢٤.
(٤) سورة الحديد، الآية: ١ - ٦.
[ ٣٩٢ ]
ومنزل الإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" (^١). وغيره من الأحاديث الكثيرة التي جاءت بإثبات أسمائه سبحانه وصفاته، ولذا فأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذه الأسماء والصفات كما جاءت، وكما يليق بالله ﷾.
ويُعدّ هذا المبحث من أهم مباحث العقيدة وأخطرها، إذ كثر الخلط والانحراف عن المنهج السوي فيه من قبل بعض الفرق الإسلامية، حيث نشأ عن الضلال فيه معتقداتٌ باطلةٌ، وتصوراتٌ خاطئةٌ في الذات الإلهية، ولهذا اعتنى علماء السنة والجماعة بهذا التوحيد وصنَّفوا فيه المصنفات، وأفردوه بكثير من المؤلفات. ومنهجهم في هذا هو المنهج الأقوم الذي جاء في الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة.
قال شيخ الإسلام - مبينًا اعتقاد السلف في هذا الباب -: "الأصل في هذا الباب أن يُوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله: نفيًّا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه. وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد (^٢) لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذمَّ الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب الدعاء عند النوم ح (٢٧١٣)، (١٧/ ٣٩).
(٢) الإلحاد في اللغة: الميل والعدول عن الشيء. والإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته هو العدول والميل بها عن حقائقها ومعانيها الصحيحة إلى معانٍ باطلة. انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٧٠).
[ ٣٩٣ ]
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ الآية (^٢). فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقين: إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٣) فمعنى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ للتشبيه والتمثيل، وقوله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ردٌّ للإلحاد والتعطيل" (^٤).
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.
(٢) سورة فصلت، الآية: ٤٠.
(٣) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٤) الفتاوى (٣/ ٣).
[ ٣٩٤ ]
المبحث الأول منهجهما في أسماء الله تعالى
وفيه تسعة مطالب:
المطلب الأول: الاسم والمسمى
المطلب الثاني: عدد أسماء الله
المطلب الثالث: معنى إحصائها
المطلب الرابع: طريق إثباتها
المطلب الخامس: أقسامها
المطلب السادس: اسم الله الأعظم
المطلب السابع: شرح بعض الأسماء
المطلب الثامن: الأسماء المزدوجة
المطلب التاسع: ما ليس من أسماء الله
[ ٣٩٥ ]
إن شرف العلم تابعٌ لشرف معلومه، ولا أجلّ ولا أعظم من الله تعالى، ولذا فمعرفة أسمائه سبحانه، والإيمان بها، وفهم معانيها من أجلِّ العلوم، وأفضل الطاعات، ولا طريق لذلك إلَّا بالكتاب والسنة، والاقتداء بسلف الأمة. فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن لله أسماء سمى بها نفسه، وأن هذه الأسماء كلها حسنى، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (^١).
قال - ابن القيم - ﵀ -: "إن أسماء الله ﵎ دالةٌ على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء، وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى، إذ لو كانت ألفاظًا لا معاني فيها، لم تكن حسنى، ولا كانت دالة على مدح ولا كمال" (^٢).
وقد تكلَّم القرطبي والمازري في أسماء الله تعالى، وما يتعلق بها، ويتضح هذا من خلال التفصيل في المباحث التالية:
المطلب الأول: الاسم والمسمى:
الكلام في هذه المسألة من الأمور المُحْدَثة، التي لم يتحدث فيها الصحابة - ﵃ - ولا التابعون، إنما حدثت بعدهم، ولذا أنكر بعض العلماء الحديث فيها، ومنعوا منه، قال الشافعي - ﵀ -: "إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، أو الاسم المسمى، فاشهد عليه أنه من أهل الكلام ولا دين له" (^٣).
وقال محمد بن جعفر البغدادي (^٤): "سمعت إبراهيم
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.
(٢) مدارج السالكين (١/ ٢٨).
(٣) طبقات السافعية للسبكي (٢/ ١٧٤).
(٤) هو محمد بن جعفر بن محمد الربعي البغدادي ابن الإمام حدث عنه النسائي في سننه توفي =
[ ٣٩٧ ]
الحربي (^١) - ولم يكن في وقته مثله - يقول - وقد سُئِلَ عن الاسم والمسمى -: لي مذ أجالس أهل العلم سبعون سنة، ما سمعت أحدًا منهم يتكلم في الاسم والمسمى" (^٢).
وقال الطبري: "وأمَّا القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى، فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيه شين، والصمت عنه زين، وحسب امرئ من العلم به، والقول فيه أن ينتهي إلى قول الله ﷿ ثناؤه الصادق، وهو قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (^٤) " (^٥).
لكن لما تحدث أهل البدع في هذه المسألة، وخاضوا فيها، وجانبوا فيها الصَّواب، كان لابد لأهل الحق من الحديث فيها بالصواب كغيرها من المسائل التي تحدث فيها أهل السنة، وقد سكت عنها من قبلهم؛ لأنهم ابتلوا بالحديث فيها ردًّا على أهل البدع، قال الإمام الدارمي: "قد كان من مضى من السلف يكرهون الخوض في هذا وما أشبهه، وقد كانوا رزقوا العافية منهم، وابتلينا بهم عند دروس الإسلام،
_________________
(١) = سنة (٣٠٠ هـ). سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٦٨). تهذيب التهذيب (٣/ ٥٣١).
(٢) إبراهيم بن إسحاق الحربي البغدادي الإمام الحافظ أحد أعلام القرن الثالث الهجري صنَّف "غريب الحديث" وغيره توفي سنة (٢٨٥ هـ). تاريخ بغداد للبغدادي (٦/ ٢٧). صفة الصفوة (٢/ ٤٠٤).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٥٩).
(٤) سورة الإسراء، الآية: ١١٠.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.
(٦) صريح السنة ص (٢٦).
[ ٣٩٨ ]
وذهاب العلماء، فلم نجد بدًّا من أن نرد عليهم ما أتوا به من الباطل بالحق" (^١).
وأول الأقوال في هذه المسألة قولة الجهمية والمعتزلة الذين قالوا: إن الاسم غير المسمى؛ لأن الاسم مخلوق والمسمى غير مخلوق، وهذا بناءً على قولهم في أن أسماء الله وصفاته مخلوقة، وقد تابعهم على قولهم هذا ابن حزم والغزالي (^٢).
وقد أجمع أهل السنة، ومن وافقهم في رد هذا القول، ولكنهم اختلفوا في هذه المسألة على أقوال:
الأول: من، قال: الاسم هو المسمى وقد استدلوا بأدلة منها: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^٣)، قالوا: المسبِّح هو المسمى، وهو الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ (^٤) والمراد المسميات (^٥).
وقد روى شيخ الإسلام عن الشافعي قوله: "إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة" (^٦).
وقد قال بهذا بعض علماء السنة، ومنهم: البغوي واللالكائي وغيرهما (^٧).
_________________
(١) الرد على الجهمية للدارمي ص (٢٣).
(٢) انظر: الفصل في الملل والنحل لابن حزم (٥/ ١٩). والمقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى للغزالي (٢٨).
(٣) سورة الأعلى، الآية: ١.
(٤) سورة يوسف، الآية: ٤٠.
(٥) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٦/ ١٩٠).
(٦) الفتاوى (٦/ ١٨٧). وانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٠).
(٧) قال ابن تيمية: ولم يعرف عن أحد من السلف أنه قال: الاسم هو المسمى بل هذا قاله كثير =
[ ٣٩٩ ]
الثاني: من قال: إن الأسماء ثلاثة أقسام:
أ - تارة يكون هو المسمى كاسم الموجود.
ب - وتارة يكون الاسم غير المسمى كاسم الخالق.
* - وتارة لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير.
وهذا هو المشهور عن أبي الحسن الأشعري (^١).
وقد ردَّ شيخ الإسلام هذا القول، وبيَّن مجانبته للصَّواب (^٢).
الثالث: من قال: الاسم للمسمى إذ هو دليل وعلم عليه، قال شارح الطحاوية: "فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى، ونحو ذلك، فالاسم ههنَا هو المراد للمسمى، ولا يقال "غيره"، لما في لفظ "الغير" من الإجمال، فإن أُريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى، فحق، وإن أريد أن الله تعالى كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله" (^٣).
وقد ذكر شيخ الإسلام أن الاسم يتناول اللفظ والمعنى المتصور في القلب، ولذا أمر الله تعالى بذكره تارة، وبذكر اسمه تارة كما أمر بتسبيحه تارة، وبتسبيح اسمه تارة، حيث قال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ (^٤)،
_________________
(١) = من المنتسبين للسنة بعد الأئمة وأنكره أكثر أهل السنة عليهم. الفتاوى (٦/ ١٨٧).
(٢) الفتاوى (٦/ ١٨٨) وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٠٤٣).
(٣) الفتاوى (٦/ ٢٠١).
(٤) شرح الطحاوية (١/ ١٠٢).
(٥) سورة الأحزاب، الآية: ٤١.
[ ٤٠٠ ]
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ " (^٣) " (^٤).
وهذا القول هو اختيار أكثر أهل السنة والذي ارتضاه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، حيث قال ابن القيم: "هذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون أسماؤه تعالى غيره، وهي مخلوقة، ولمذهب من رد عليهم ممن يقول اسمه نفس ذاته لا غيره، وبالتفصيل تزول الشبه ويتبين الصواب" (^٥).
وهذا القول هو الموافق لظاهر كلام القرطبي، حيث ردَّ على الذين قالوا: الاسم هو المسمى حقيقة، حيث قال: "الاسم في العرف العام: هو الكلمة الدالة على معنى فرد، وبهذا الاعتبار لا فرق بين الاسم والفعل والحرف، إذ كل واحد منها يصدق عليه ذلك الحد، فلا فعل ولا حرف في العرف العام، وإنما ذلك اصطلاح النحويين والمنطقيين، وليس ذلك من غرضنا، وإذا فهمت هذا فهمت غلط من قال: إن الاسم هو المسمى حقيقة، كما قالت طائفة من جُهَّال الحشوية، فإنهم صرحوا بذلك، واعتقدوه حتى ألزموا على ذلك أن من قال: سمُّ: مات، ومن قال: نار: احترق، وهؤلاء أخس من أن يشتغل بمخاطبتهم (^٦)، وأمَّا من قال من
_________________
(١) سورة المزمل، الآية: ٨.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٢.
(٣) سورة الأعلى، الآية: ١.
(٤) انظر: الفتاوى (٦/ ٢٠٦، ٢٠٩، ٢١٠).
(٥) بدائع الفوائد (١/ ٢٣).
(٦) قال ابن تيمية: وهؤلاء الذين قالوا: إنَّ الاسم هو المسمى لم يريدوا بذلك أنَّ اللفظ المؤلف من الحروف هو نفس الشخص المسمى به فإنَّ هذا لا يقوله عاقل ولهذا يقال: لو كان الاسم هو المسمى لكان من قال: نار احترق لسانه ومن الناس من يظن أنَّ هذا مرادهم ويشنع =
[ ٤٠١ ]
النحويين ومن المتكلمين: الاسم هو المسمى، فحاشاهم أن يريدوا هذه الحماقة، وإنما أرادوا: أنه هو من حيث أنه لا يدل إلَّا عليه، ولا يفيد إلَّا هو، فإن كان ذلك الاسم من الأسماء الدالة على ذات المسمى دل عليه من غير مزيد أمر أخر، وإن كان من الأسماء الدالة على معنى زائد: دلَّ على تلك الذات منسوبة إلى ذلك الزائد خاصة دون غيره، وبيان ذلك: أنك إذا قلت: زيد -مثلًا- فهو يدل على ذاتٍ مُشخَّصه في الوجود من غير زيادة ولا نقصان، فلو قلت -مثلًا-: العالم دل هذا على تلك الذات منسوبة إلى العلم ومن هنا صحَّ عقلًا أن تكثر الأسماء المختلفة على ذات واحدة، ولا توجب تعددًا فيها ولا تكثيرًا (^١)، وقد غمض فهم هذا مع وضوحه على بعض أئمة المتكلمين، وفر منه هربًا من لزوم تعدد في ذات الإله قد يقال: الاسم هو المسمى ويعني به: أن هذه الكلمة التي هي الاسم قد يطلق ويراد به المسمى كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^٢) أي سبح ربك، فأريد بالاسم المسمى، وهذا بحث لفظي لا ينبغي أن ينكر ولا جرم قال به في هذه الآية وفيما يشبهها جماعة من علماء اللسان وغيرهم، وإذا تقرر هذا فافهم أن أسماء الحق سبحانه، وإن تعددت فلا تعدد في ذاته تعالى" (^٣).
وبيَّن في موضع آخر أن الاسم غير المسمى، وذلك عند قول عائشة
_________________
(١) = عليهم وهذا غلط عليهم بل هؤلاء يقولون: اللفظ هو التسمية والإسم ليس هو اللفظ بل هو المراد باللفظ فإنك إذا قلت: يا زيد يا عمر فليس مرادك دعاء اللفظ بل مرادك دعاء المسمى باللفظ وذكرت الإسم فصار المراد بالاسم هو المسمى. الفتاوى (٦/ ١٨٨).
(٢) وهذا منه ﵀ رد على الجهمية الذين يزعمون أنَّ إثبات الأسماء يوجب تعددًا في الذات.
(٣) سورة الأعلى، الآية: ١.
(٤) المفهم (٧/ ١٤) وقد نقل الحافظ ابن حجر هذا القول بطوله في فتح الباري (١١/ ٢٢٥).
[ ٤٠٢ ]
-﵂- للرسول -ﷺ-: "والله يا رسول الله ما أهجر إلَّا اسمك" (^١)، حيث قال: "هذا يدل على أن الاسم غير المسمى، وهي مسألة اختلف فيها أهل اللسان والمتكلمون" (^٢).
وأما أن الاسم هو المسمى فعند قوله -ﷺ-: "اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت" (^٣) قال: "فالاسم هنا: هو المسمى كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (^٤) أي سبح ربك، هذا قول الشارحين" (^٥).
وقال أيضًا عند رقية جبريل للرسول -ﷺ- بقوله: "باسم الله أرقيك" (^٦): "الاسم هنا يراد به المسمى، فكأنه قال: الله يبريك، كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^٧) أي سبح ربك، ولفظ الاسم في أصله عبارة عن الكلمة الدالة على المسمى، والمسمى هو مدلولها غير أنه قد يتوسع فيوضع الاسم موضع المسمى مسامحة فتدبر هذا فإنه موضع كثر فيه الغلط وتاه فيه كثير من الجهال وسقط" (^٨).
والتفصيل هو الصواب؛ لأن إنكار قول من قال: الاسم هو المسمى: لما في قوله من الاحتمال الباطل، وذلك بجعل الأسماء هي
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب النكاح، باب غيرة النساء ووجدهن (ح ٥٢٢٨) (٩/ ٢٣٧). ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عائشة -﵂- ح (٢٤٣٩) (١٥/ ٢١٢).
(٢) المفهم (٦/ ٣٢٣).
(٣) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم ح (٢٧١١) (١٧/ ٣٨).
(٤) سورة الأعلى، الآية: ١.
(٥) المفهم (٧/ ٤٠).
(٦) رواه مسلم في كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقي ح (٢١٨٦) (١٤/ ٤٢٠).
(٧) سورة الأعلى، الآية: ١.
(٨) المفهم (٥/ ٥٦٤).
[ ٤٠٣ ]
نفسها المسميات، فإذا قال الإنسان: نار أحرقت لسانه، إذ لو اقتصروا على أن الاسم مراد به المسمى لكان ذلك هو الحق. وكذلك من قال: الاسم غير المسمى فيكون اسم الشيء مباينًا له، وهذا باطل، فالخالق سبحانه أسماؤه من كلامه، وليس كلامه بائنًا عنه" (^١).
المطلب الثاني: عدد أسماء الله تعالى:
قال -ﷺ-: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، من حَفِظَهَا دخل الجنة، واللهُ وتر يحب الوتر" (^٢).
وقد اختلف العلماء في هذا العدد المذكور، هل المراد به الحصر، بحيث إن أسماء الله لا تزيد على هذا العدد أم إنها أكثر من ذلك، لكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا العدد لا يُفيد الحصر، إذ أسماؤه تعالى لا تحد بعدد قلة سبحانه أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها أحد كما قال -ﷺ-: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (^٣). قال ابن كثير: "الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين" (^٤)، وقال ابن القيم: "الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد، فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم
_________________
(١) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٢٠٧) وبدائع الفوائد لابن القيم (١/ ٢٢).
(٢) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب إنَّ لله مائة اسم إلَّا واحدة ح (٧٣٩٢) (١٣/ ٣٨٩). ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب في أسماء الله تعالى: ح (٢٦٧٧) (٧/ ١٧).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٣٩١) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٣٨٣) حديث (١٩٩).
(٤) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٥٨).
[ ٤٠٤ ]
الغيب عنده، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل" (^١)، وقال النووي: "اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾ فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء" (^٢).
والقرطبي وافق جمهور العلماء فيما ذهبوا إليه من عدم حصر أسماء الله تعالى بهذا العدد ولا بغيره، حيث قال عند شرحه للحديث السابق: "ليس المقصود حصر الأسماء فيما ذكر وهذا كقول القائل: لزيد مائة دينار أعدَّها للصدقة، لا يفهم من هذا: أنه ليس له مال غير المائة دينار، وإنما يُفهم أن هذه المائة هي التي أعدها للصدقة لا غيرها، وقد دلَّ على أن لله أسماء أُخر ما قدمناه من قوله -ﷺ-: "اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (^٣)، وقوله: "فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلَّا أن يلهمنيها الله" (^٤) " (^٥).
قال ابن القيم: "وتلك المحامد تفي بأسمائه وصفاته" (^٦).
وقال ابن تيمية: "والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي -ﷺفي الحديث السابق- معناه أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، وليس مراده أنه ليس له إلَّا تسعة وتسعون اسمًا" (^٧).
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ١٧٤).
(٢) شرح النووي لصحيح مسلم (١٧/ ٨).
(٣) سبق تخريجه ص (٤٠٤).
(٤) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب "رؤية ممن حملنا مع نوح " ح (٤٧١٢) (٨/ ٢٤٧). ومسلم في كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة ح (١٩٤) (٣/ ٦٦).
(٥) المفهم (٧/ ١٦).
(٦) بدائع الفوائد (١/ ١٧٦).
(٧) درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٣٣٢).
[ ٤٠٥ ]
المطلب الثالث: معنى الإحصاء المذكور:
لا شك أن العلم بأسماء الله -﷾- وإحصاءها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماء الله كما ينبغي للمخلوق، فقد أحصى جميع العلوم إذ إحصاء أسمائه سبحانه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي مقتضاها ومرتبطة بها (^١).
ولذا اختلفت عبارات العلماء في تحديد معنى الإحصاء الوارد في الحديث، والذي جعل الرسول -ﷺ- جزاءه الجنة، وقد قال القرطبي في بيانه لمعنى الإحصاء الوارد في الحديث: "الإحصاء في الكلام على ثلاث مراتب، أولها: العدد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ (^٢) والثانية: بمعنى الفهم، ومنه يقال: رجل ذو حصاة أي: ذو لب وفهم، ومنه سمي العقل حصاة، قال كعب بن سعد الغنوي (^٣):
وأن لسان المرءِ ما لم تكُن له حصاةُ على عوراتِهِ لدليلُ (^٤)
والثَّالثة: بمعنى الإطاقة على العمل والقوة، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (^٥) أي: لن تطيقوا العمل بذلك، والمرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة، لكن المرتبة الأولى: هي مرتبة أصحاب
_________________
(١) أسماء الله الحسنى لعبد الله بن صالح الغصن ص (١١٥).
(٢) سورة الجن، الآية: ٢٨.
(٣) كعب بن سعد بن عمرو الغنوي شاعر جاهلي أشهر شعره بائيته في رثاء أخ له قتل في حرب ذي قار. الأعلام (٥/ ٢٢٧). كشف الظنون (١/ ٨٠٨).
(٤) البيت لطرفة بن العبد البكري الشاعر الجاهلي أحد شعراء المعلقات وليس كما ذكر القرطبي. انظر ديوان طرفة بن العبد ص (٨١).
(٥) سورة المزمل، الآية: ٢٠.
[ ٤٠٦ ]
اليمين، والثانية: للسابقين، والثالثة: للصديقين، ونعني بإطاقتها حسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها، والاتصاف بقدر الممكن منها، كما أشار إليه الطوسي (^١) في المقصد الأسنى" (^٢).
والحق أن الإحصاء شامل لثلاثة أمور، كما ذكر ذلك ابن القيم -﵀- وهي:
١ - إحصاء ألفاظها وعدها.
٢ - فهم معانيها ومدلولها.
٣ - دعاؤه بها (^٣).
قال ابن بطَّال (^٤): "الإحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل، فالذي بالعمل أن لله أسماء يختص بها كالأحد والقدير فيجب الإقرار بها، والخضوع عندها، وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيها، كالكريم والعفو فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي، وأما الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها، ولو شارك المؤمن غيره في العد والحفظ فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها" (^٥).
_________________
(١) هو محمد بن محمد الغزالي الطوسي صاحب "إحياء علوم الدين".
(٢) المفهم (٧/ ١٧).
(٣) بدائع الفوائد (١/ ١٧١).
(٤) هو علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي المعروف بابن اللَّجام الإمام الحافظ المحدث له شرح لصحيح البخاري توفي سنة (٤٤٩ هـ). سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٧). الديباج المذهب ص (٢٩٨).
(٥) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٣٩٠).
[ ٤٠٧ ]
المطلب الرابع: طريق إثباتها:
تبين أن أسماء الله تعالى غير محصورة، وهذا هو رأي جمهور العلماء، وهو الرأي الذي نصره القرطبي.
وقد تتبع العلماء أسماء الله تعالى في الكتاب والسنة، محاولة لجمعها ومعرفتها، قال القرطبي: وقد بحث الناس عن هذه الأسماء في الكتاب والسنة فجمعوها في كتبهم كالخطابي والقشيري، وغيرهما، فمن أرادها وجدها (^١).
وقد اختلف العلماء في هذه الأسماء، هل هي توقيفية بحيث لا يسمى الله تعالى إلَّا بما ورد في الكتاب والسنة، أو من الممكن أن يشتق لله تعالى من أفعاله أسماء، أو يسمى بأسماء مستحسنة، وإن لم ترد في الكتاب أو السنة؟
الحق هو ما عليه جمهور العلماء من أن أسماء الله توقيفية فلا يسمى سبحانه إلَّا بما جاء في الكتاب والسنة، وقد خالف في ذلك المعتزلة، ورأوا أن العقل إذا دلَّ على جواز تسمية الله باسم فيجب أن نسميه به، حتى لو لم يرد بذلك نصٌّ صحيح، وقد بالغ في إثبات هذا أبو علي الجبائي (^٢)، حتى سمى الله بأسماء ينزه الحق ﷾ عنها" (^٣) (^٤).
_________________
(١) المفهم (٧/ ١٧).
(٢) أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام المعروف بالجبائي أحد أئمة المعتزلة أخذ عنه الأشعري ثم تركه وصارت بينها مناظرات توفي سنة (٣٠٣ هـ). سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٨٣). طبقات المفسرين للسيوطي (٢/ ١٠٢).
(٣) انظر مقالات الإسلاميين (٢/ ٢٠٨) والفرق بين الفرق ص (٣٣٧).
(٤) ذكر بعض من ترجم لأبي الحسن الأشعري أنَّ من أسباب تركه الاعتزال مناظرته لشيخه أبي علي الجبائي في بعض المسائل ومنها هذه المسألة فقد كان أبو الحسن الأشعري يرى أنَّ أسماء الله توقيفية بخلاف شيخه الجبائي فمرة دخل رجل على الجبائي فقال له: هل يجوز =
[ ٤٠٨ ]
ولا شك أن ما ذهب إليه المعتزلة ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة، ولا عمل سلف الأمة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (^٢).
قال الخطابي -﵀-: "ومن علم هذا الباب أعني: الأسماء والصفات، ومما يدخل في أحكامه، ويتعلق به من شرائط، أنه لا يتجاوز فيها التوقيف" (^٣).
وذلك لأنها من أمور الغيب التي يجب الوقوف فيها على ما جاء في
_________________
(١) = أن يسمى الله تعالى عاقلًا؟ قال الجبائي: لا لأنَّ العقل مشتق من العقال، وهو المانع والمنع في حق الله محال، فامتنع الإطلاق، فقال أبو الحسن الأشعري: فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيمًا لأنَّ هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت -﵁-: فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء وقول الآخر: أبني حنيفة حكِّموا سفاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا أي: نمنع بالقوافي من هجانا وامنعوا سفاءكم. فإذا كان اللفظ مشتقًّا من المنع، والمنع على الله محال لزمك أن تمنع إطلاق (حكيم) على الله سبحانه. فقال الجبائي: فلم منعت أنت أن يسمى الله عاقلًا وأجزت أن يسمى حكيمًا؟ قال الأشعري: لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي فأطلقت حكيمًا لأنَّ الشرع أطلقه ومنعت عاقلًا لأنَّ الشرع منعه ولو أطلقه الشرع لأطلقته. طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٣٥٧).
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.
(٤) شأن الدعاء للخطابي ص (١١١).
[ ٤٠٩ ]
الكتاب والسنة، فلا مجال للعقل فيها؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله من الأسماء لقوله -ﷺ-: "لا نُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (^١).
والتسمية من الثناء، فدل على أن العقل لا مجال له في باب الأسماء إلَّا التصديق والوقوف عند النصوص.
واحتج الغزالي بالاتفاق على أنه لا يجوز لنا أن نسمي رسول الله -ﷺ- باسم لم يسمه به أبوه، ولا سمى به نفسه، وكذا كل كبير من الخلق قال: "فإذا امتنع ذلك في حق المخلوق فامتناعه في حق الله أولى" (^٢).
والقرطبي تكلم في هذه المسألة في موضعين من المفهم بيَّن فيهما موضع الخلاف في ذلك، ولم يرجح حيث قال: "العلماء اختلفوا في أسماء الله تعالى هل الأصل فيها التوقيف، فلا يسمى إلَّا بما سمى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله، أو بجمع الأمة عليه؟ أو الأصل جواز تسميته بكل اسم حسن إلَّا أن يمنع منه مانع شرعي؟ .
الأول: لأبي الحسن، والثاني: للقاضي أبي بكر (^٣)، ومثار الخلاف: هل الألف واللام في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (^٤) للجنس أو للعهد؟ ثم هل يكتفي في كون الكلمة اسمًا من أسماء الله تعالى بوجودها في كلام الشارع من غير تكرار، ولا كثرة، أم لا بد منهما؟ فيه رأيان" (^٥).
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود ح (٤٨٦) (٤/ ٤٥٠).
(٢) المقصد الأسني للغزالي ص (١٧٤).
(٣) الباقلاني.
(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.
(٥) المفهم (٦/ ٥٧٦).
[ ٤١٠ ]
وبيَّن في الموضع الآخر أنه لا بد من التوقيف عليها أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، حيث قال: "أسماء الله تعالى لا بد فيها من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، فيخبر به، وينادى به، كما اتفق في سائر أسماء الله تعالى كالغفور والشكور والعليم والحليم، وغير ذلك من أسمائه، فإنك تجدها في الشريعة وفي لسان أهلها تارة يخبر بها، وأخرى يخبر عنها، وأخرى يدعى وينادى بها (^١).
وما ذكره -﵀- في هذا الكلام فيه إيهام، إذ الأسماء التي جاء بها للتمثيل كلها، وردت في كتاب الله، وليته ضرب لنا مثلًا لما استعمل استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، ولم يرد في كتاب ولا سنة ليتبين لنا مراده جزمًا بلا تخمين. والذي يظهر لي -والله أعلم- أنه خلط بين الأسماء وبين مسألة الإخبار عنه. فالأسماء يجب التوقيف فيها، فلا يسمى إلَّا بنص من كتاب أو سنة، وأما مسألة الإخبار عنه فقد توسع العلماء في ذلك فأجازوا الإخبار عنه تعالى بغير أسمائه التي ورد فيها النَّص، فأجازوا إطلاق اسم: "الموجود" و"الشيء" و"الذات" وغيرها على الله تعالى، من باب الإخبار، وإن لم ترد في الكتاب أو السنة، لكنه لا يخبر عنه باسم سيء.
قال ابن تيمية: "وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيئ، لكن. قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه مثل اسم: شيء وذات وموجود" (^٢).
_________________
(١) المفهم (٥/ ٥٤٨).
(٢) الفتاوى (٦/ ١٤٢، ١٤٣).
[ ٤١١ ]
وقال ابن القيم: "ما يدخل في باب الإخبار عنه أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالشيء والموجود والقائم بنفسه، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى" (^١).
وربما جعل القرطبي من أسمائه ما هو من صفاته، التي يخبر عنه بها، ويدعى بها، مثل: أرحم الراحمين، ورافع السماء، ومنزل الغيث، ومنجي المؤمنين، ومهلك الظالمين، ونحوها، وهذا كثير في السنة.
وإذا قيل كل ما لا يقبل الدعاء به فليس من أسمائه لا يعني أنه لا يجوز أن ندعوه بصفاته وأفعاله، ولكن وإن دعوناه بها فلا تكون من أسمائه (^٢).
والمازري أثبت القول الصحيح وهو التوقيف على ما جاء في الكتاب والسنة، حيث قال: "الباري سبحانه لا يسمى إلَّا بما سمى به نفسه، أو سمَّاه به رسوله -ﷺ-، أو اجتمعت الأمة عليه، قال أبو الحسن الأشعري أو على معناه: "وما لم يرد فيه إذن في إطلاقه ولا ورد فيه منع ولم يستحل وصف الباري تعالى به ففيه اختلاف هل يبقى على حكم العقل لا يوصف بتحليل ولا تحريم أو يمنع منه لقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (^٣) فأثبت كون أسمائه حسنى ولا حسن إلَّا ما ورد الشرع به" (^٤).
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ١٦٩).
(٢) انظر: أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة للدكتور عمر الأشقر ص (٥٩).
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.
(٤) المعلم (٣/ ١٦٧).
[ ٤١٢ ]
المطلب الخامس: أقسامها:
قال القرطبي: "أسماء الله تعالى من جهة دلالتها أربعة أضرب:
فمنها: ما يدل على الذات مجردة، كاسم "الله تعالى" على قول من يقول: إنه علم غير مشتق وهو الخليل وغيره؛ لأنه يدل على الوجود الحق الموصوف بصفات الجلال والكمال دلالة مطلقة غير مقيدة بقيد ولأنه أشهر أسمائه، ومنها: ما يدل على صفات الباري تعالى الثابتة له كالعالم (^١)، والقادر، والسميع، والبصير. ومنها: ما يدل على إضافة أمر ما إليه (^٢) كالخالق والرازق. ومنها: ما يدل على سلب شيء عنه (^٣)، كالقدوس، والسلام. وهذه الأقسام الأربعة لازمة منحصرة دائرة بين النفي والإثبات، فاختبرها تجدها كذلك" (^٤).
وقد ذكر ابن القيم هذا التقسيم في بدائع الفوائد (^٥).
المطلب السادس: اسم الله الأعظم:
اختلف العلماء في اسم الله الأعظم، فذهب البعض إلى نفي ذلك بمعنى أنه ليس لله اسمٌ أعظم، له مزايا وخصائص تميزه عن سائر الأسماء، وإلى هذا ذهب الطبري والأشعري، والباقلاني، وغيرهم.
_________________
(١) وهي وإن دلت على إضافة أمر إليه كالخلق والرزق، إلَّا أنها صفات ثابتة لله تعالى أزلًا وأبدًا. قال الطحاوي: ليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري. شرح الطحاوية (١/ ١٠٩).
(٢) العالم لم تأت وصفًا لله تعالى إلَّا مضافة كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٧٣] وأما بالأفراد فالعليم.
(٣) أي التنزيه والتقديس بنفي صفات النقص عنه وهذا النفي يدل على إثبات صفات الكمال له ويتضح هذا في اسم القدوس والسلام.
(٤) المفهم (٧/ ١٥).
(٥) بدائع الفوائد (١/ ١٦٦).
[ ٤١٣ ]
وذهب الجمهور إلى إثبات الاسم الأعظم لله تعالى لورود النص الصريح بذلك عن الرسول -ﷺ- (^١).
وهذا الذي ذهب إليه القرطبي تبعًا لجمهور العلماء، ثم اختلف الجمهور في تحديد اسم الله الأعظم. ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أربعة عشر قولًا (^٢). فذهب كثير من العلماء إلى أنه: لفظ الجلالة "الله" وذهب آخرون إلى أنه: "الحي القيوم"، وقيل: "ذو الجلال والإكرام"، ورجَّح الدُّكتور عبد الله الدميجي في كتابه "اسم الله الأعظم" أن تحديده على وجه القطع أمر متعذر (^٣).
والقرطبي -﵀- لم يصرِّح برأيه في هذه المسألة، إنما اكتفى بقوله وهو يتحدث عن سورتي البقرة وآل عمران وتسميتهما بالزهراوين: "ويقع لي أنهما سميتا بذلك لأنهما اشتركتا في تضمن اسم الله الأعظم، كما ذكر أبو داود من حديث أسماء بنت يزيد أن رسول الله -ﷺ- قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (^٤) والتي في سورة آل عمران: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٥) " (^٦) والله أعلم" (^٧).
_________________
(١) وقد خصه بعض العلماء بباب مستقل مثل: ابن ماجه حيث عقد بابًا باسم: اسم الله الأعظم وذلك في كتاب الدعاء من سننه وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الدعاء (٦/ ٤٧). والبغوي في شرح السنة في كتاب الدعوات باب ما قيل في الاسم الأعظم (٣/ ٣٠٩) وغيرهم.
(٢) فتح الباري (١١/ ٢٢٧).
(٣) اسم الله الأعظم ص (١٦١) وانظر هذه الأقوال وغيرها على وجه التفصيل في هذا المرجع.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.
(٥) سورة آل عمران، الآية: ٢.
(٦) رواه أبو داود في كتاب الصلاة باب الدعاء، والترمذي في أبواب الدعوات باب (٦٥) وقال حديث حسن صحيح وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٢٢٩) برقم (٩٨٠).
(٧) المفهم (٢/ ٤٣٠).
[ ٤١٤ ]
المطلب السابع: شرح بعض أسماء الله تعالى:
تعرض القرطبي لبعض أسماء الله تعالى بالشرح والتَّوضيح في مواضع متعددة من "المفهم"، وأمَّا المازري فتعرض للقليل منها كعادته في الاختصار، وقد رتبتها هنا على حروف المعجم دون النظر لترتيب ورودها في المفهم، وهي كما يلي:
الأحد:
قال القرطبي حول هذا الاسم: "يدل على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع صفات الكمال المعظمة، وبيانه: أن الأحد والواحد وإن رجعا إلى أصل واحد لغة، فقد افترقا استعمالًا وعرفًا، وذلك: أن الهمزة من أحد منقلبة عن الواو من: وحد كما قال النابغة (^١):
كأنَّ رَحْلي وقد زَالَ النَّهارُ بنا يوم الجليلِ على مُسْتأْنسٍ وَحِد (^٢)
فهما من الوحدة، وهي راجعة إلى نفي التعدد والكثرة، غير أن استعمال العرب فيهما مختلف: فإن الواحد عندهم أصل العدد من غير تعرض لنفي ما عداه، والأحد يثبت مدلوله ويتعرض لنفي ما سواه، ولهذا أكثر ما استعملته العرب في النفي، فقالوا: ما فيها أحد ولم يكن له كفوًا أحد، ولم يقولوا هنا: واحد، فإن أرادوا الإثبات قالوا: رأيت واحدًا من الناس، ولم يقولوا هنا: أحدًا، وعلى هذا فالأحد في أسمائه تعالى مشعر بوجوده الخاص به، الذي لا يشاركه فيه غيره، وهو المعبر عنه بواجب الوجود، وربما عبَّر عنه بعض المتكلمين بأنه أخص وصفه" (^٣).
_________________
(١) هو زياد بن معاوية الذبياني الشهير بالنابغة الذبياني من أشهر شعراء الجاهلية كان الشعراء يعرضون عليه أشعارهم في سوق عكاظ، كان نديمًا للنعمان بن المنذر ملك الحيرة وأكثر شعره في مدحه. الأعلام (٣/ ٥٤).
(٢) قاله في مدح النعمان بن المنذر ملك الحيرة واعتذاره إليه: انظر: ديوان النابغة الذبياني ص (٧٩).
(٣) المفهم (٢/ ٤٤١).
[ ٤١٥ ]
الأول والآخر:
قال القرطبي حول هذين الاسمين: "اختلفت عبارات العلماء في هذا وأرشق عباراتهم قول من قال: الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، وقيل: الأول بالابتداء، والآخر بالإفناء، وقيل: الأول: القديم، والآخر: الباقي" (^١).
الباطن:
قال القرطبي: "اختلفت عبارات العلماء حوله فقيل: الباطن: بلا احتجاب، وقيل: الباطن عن الإدراكات، وقيل: الباطن الخفي اللطيف الرفيق بالخلق" (^٢).
الجبَّار:
ذكر القرطبي هذا الاسم فقال: "الجبار: العظيم الشأن، الممتنع على من يرومه، ومنه نخلة جبارة، إذا فاقت الأيدي طولًا، يقال منه: جبَّار بين الجبرية والجبروت، ولم يأت فعَّال من أفعلت إلَّا جبَّار من أجبرت ودراك وسآر والجبروت أيضًا للمبالغة بزيادة التاء وقيل: معنى الجبار: أي: المصلح من قولهم: جبرت العظم، وذلك أنه تعالى يجبر القلوب المنكسرة من أجله ويرحم عباده ويسد خلاتهم" (^٣).
الجميل:
ذكر القرطبي هذا الاسم عند شرحه لقوله -ﷺ-: "إن الله جميل يحب الجمال" (^٤). حيث قال: "الجمال لغة هو الحسن وهذا الحديث يدل
_________________
(١) انظر: المفهم (٧/ ٤٢).
(٢) المفهم (٧/ ٤٢).
(٣) المفهم (١/ ٤٤٣).
(٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب تحريم الكبر وبيانه ح (٩١) (٢/ ٤٤٨).
[ ٤١٦ ]
على أن الجميل من أسماء الله تعالى، وقال بذلك جماعة من أهل العلم، إلَّا أنهم اختلفوا في معناه فقيل: معناه معنى الجليل، قاله القشيري، وقيل: معناه ذو النور والبهجة، أي: مالكهما، قاله الخطَّابي، وقيل: جميل الأفعال بكم والنظر إليكم، فهو يحب التجمل منكم في قلة إظهار الحاجة إلى غيره، قاله الصيرفي، وقال: الجميل: المنزه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال الآمر بالتجمل له بنظافة الثياب والأبدان والنزاهة عن الرذائل والطغيان" (^١).
وقال المازري عن هذا الاسم عند شرحه للحديث السابق: "أُطلق في هذا الحديث تسمية الباري تعالى جميلًا ويحتمل أن يكون سماه بذلك لانتفاء النقص عنه؛ لأن الجميل منا من حسنت صورته، ومضمون حسن الصورة انتفاء النقائص والشين عنها، ويحتمل أن "جميل" ها هُنَا بمعنى مجمل أي محسن" (^٢).
الحق:
عند شرح القرطبي لقوله -ﷺ- في دعائه لربه: "أنت الحق ووعدك الحق " (^٣)، قال: "أي واجب الوجود وأصله: من حق الشيء إذا ثبت ووجب ومنه: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ (^٤) ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (^٥) أي ثبت ووجب، وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره إذ وجوده لنفسه فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال
_________________
(١) المفهم (١/ ٢٨٨).
(٢) المعلم (١/ ٢٠٣).
(٣) رواه البخاري في كتاب التهجد باب التهجد بالليل ح (١١٢٠) (٣/ ٥) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ح (٧٦٩) (٥/ ٢٩٠).
(٤) سورة الزمر، الآية: ١٩.
(٥) سورة السجدة، الآية: ١٣.
[ ٤١٧ ]
عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد (^١):
ألا كل شيء ما خلا الله باطل (^٢)
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ (^٣) " (^٤).
الحكيم: قال القرطبي: "الحكيم: المحكم للأمور أو الكثير الحكمة" (^٥).
الخبير:
قال القرطبي: "الخبير: العليم بخبرة الأمور، أي: بواطنها وما يختبر منها" (^٦).
الرب:
قال القرطبي عن هذا الاسم عند قوله -ﷺ-: "أنت رب السموات والأرض ومن فيهن " (^٧): "أي مصلحهما ومصلح من فيهما، مأخوذ
_________________
(١) لبيد بن ربيعة بن عامر العامري من الشعراء المخضرمين قدم على رسول الله -ﷺ- فأسلم وحسن إسلامه توفي سنة (٤١ هـ) وعمره كما قيل يزيد على (١٥٠ سنة) فهو من المعمَّرين. أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٤/ ٤٨٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (٣/ ٣٩٢).
(٢) تتمة البيت: وكل نعيم لا محالة زائل. وقد أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب أيام الجاهلية ح (٣٨٤١) (٧/ ١٨٣).
(٣) سورة القصص، الآية: ٨٨.
(٤) المفهم (٢/ ٣٩٨).
(٥) المفهم (١/ ٤٠٥).
(٦) المفهم (١/ ٤٠٤).
(٧) وهو قوله ﵇ "أنت الحق " سبق تخريجه ص (٤١٧).
[ ٤١٨ ]
من الربّة، وهي: نبتٌ تصلحُ عليه المواشي، يقال: ربَّ يربُّ ربًّا، فهو رابٌّ، وربٌّ، وربَّى يربِّي تربية: فهو: مُربّ، قال النَّابغة:
* وربَّ عليه اللهُ أحسَنَ صُنْعَهُ (^١) *
وقال آخر:
يَرُبُّ الذي يأتي من الخير إنه إذا فعل المعروف زاد وتمَّما (^٢)
والربُّ أيضًا: السَّيد. فيكون معناه: أنه سيدُ من في السموات والأرض، والرب: المالك أي: هو مالكهما، ومالك من فيهما" (^٣).
وقال في موضع آخر: "أصل "ربٌّ": اسم فاعل من ربَّ الشيء: إذا أصلحه وقام عليه ثم إنه يقال على السيد والمالك" (^٤).
الرفيق:
قال القرطبي عن هذا الاسم وذلك عند شرحه لقوله -ﷺ-: "إن الله رفيق يحب الرفق" (^٥): "الرفيق: هو كثير الرفق، وهو اللينُ، والتسهيل، وضده العنف، والتشديد، والتصعيب، وقد يجيء الرفق بمعنى الإرفاق، وهو: إعطاء ما يرتفق به قال أبو زيد: يقال: رفقت به وأرفقته بمعنى: نفعته، وكلاهما صحيح في حق الله تعالى إذ هو الميسر والمسهل لأسباب الخير والمنافع كلها، والمعطي لها، فلا تيسير إلَّا بتيسيره، ولا منفعة إلَّا بإعطائه وتقديره، وقد يجيء الرفق أيضًا بمعنى: التِّمهل في الأمر والتَّأني
_________________
(١) قاله النابغة عندما أخبر بمرض النعمان بن المنذر وهو كما في ديوانه: ورب عليه الله أحسن فضله وكان على البرية ناصرا انظر: ديوان النابغة ص (١١٩).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) المفهم (٢/ ٣٩٧).
(٤) المفهم (٧/ ٤٢).
(٥) رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق ح (٢٥٩٣). (١٦/ ٣٨٣).
[ ٤١٩ ]
فيه يُقال منه: رفقت الدابة أرفقها رفقًا: إذا شددت عضدها بحبل لتبطئ في مشيها وعلى هذا فيكون الرفيق في حق الله تعالى بمعنى: الحليم فإنه لا يعجل بعقوبة العصاة، بل يمهل ليتوب من سبقت له السعادة، ويزداد إثمًا من سبقت له الشقاوة وهذا المعنى أليق بالحديث، فإنه السبب الذي أخرجه وذلك أن اليهود سلموا على النبي -ﷺ- فقالوا: السَّام عليك ففهمتهم عائشة -﵂- فقالت: بل عليكم السَّامُ واللعنة، قال لها النبي -ﷺ- هذا الحديث" (^١).
وقال المازري: إن لم يرد في الشريعة بإطلاقه سوى هذا ففي قبوله خلاف (^٢) ويحتمل أن يكون قوله "رفيق" يفيد صفة فعل وهو ما يخلقه سبحانه من الرفق لعباده" (^٣).
السلام:
قال القرطبي: "السَّلام من أسمائه تعالى الحسنى، وهو السالم من النقائص، وسمات الحدث (^٤)، وقيل: المسلم عباده، وقيل: المسلم عليهم في الجنة، كما قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (^٥) " (^٦).
وقال في موضع آخر: "السلام اسم من أسماء الله تعالى كما قال تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ (^٧) ومعناه في حق الله تعالى: أنه
_________________
(١) المفهم (٦/ ٥٧٦).
(٢) هذا بناء على قول الأشاعرة في قبول أخبار الآحاد.
(٣) انظر: المعلم (٣/ ١٦٧).
(٤) هذه حجة المبتدعة في نفي صفات الله الفعلية كالنزول إلى السماء الدنيا والمجيء بزعم أن ذلك من صفات وسمات المحدثات.
(٥) سورة الزمر، الآية: ٧٣.
(٦) المفهم (٢/ ٣٤).
(٧) سورة الحشر، الآية: ٢٣.
[ ٤٢٠ ]
المنزه عن النقائص والآفات التي تجوز على خلقه المسلِّم لمن استجار به من جميع المخلوقات" (^١).
السِّيد:
لم يجزم القرطبي بأن هذا من أسماء الله وذلك عند شرحه لقوله -ﷺ-: "لا يقل العبد: "ربي" وليقل: "سيدي"" (^٢). حيث قال: "إنما فرَّق بينهما لأن الرب من أسماء الله المستعملة بالاتفاق، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا: ليس من أسمائه فالفرق واضح، إذ لا التباس ولا إشكال يلزم من إطلاقه، كما يلزم من إطلاق الرَّبِّ، وإذا قلنا: إنه من أسمائه فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ "الرب" فيحصل الفرق بذلك وأما من حيث اللغة فالسيد من السؤدد، وهو التقدم يقال: ساد قومه: إذا تقدمهم" (^٣).
الصمد:
ذكر القرطبي هذا الاسم مع اسم الله تعالى "الأحد" وذلك عند قوله -ﷺ-: "قل هو الله أحد، تعدل ثلث القرآن" (^٤) قال القرطبي: "اشتملت على اسمين من أسمائه تعالى يتضمنان جميع أوصاف كماله تعالى لم يوجدا في غيرها من جميع السور وهما: "الأحد" و"الصمد" أما الصمد: فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال فإن الصمد هو الذي انتهى سؤدده بحيث يُصْمَدُ إليه في الحوائج كلها أي: يقصد ولا يصح ذلك تحقيقًا إلَّا
_________________
(١) المفهم (٥/ ٤٨٥).
(٢) سبق تخريجه ص (٣٥٣).
(٣) المفهم (٥/ ٥٥٤) وقد جاء في اسم السيد قوله -ﷺ- "السيد الله ﵎" رواه أبو داود في كتاب الأدب باب كراهية التمادح، وأحمد في المسند (٤/ ٢٤) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري ص (٩٧). برقم (١٥٥).
(٤) سبق تخريجه ص (١٤٠).
[ ٤٢١ ]
ممن حاز جميع خصال الكمال حقيقة وذلك لا يكمل إلَّا الله تعالى فهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فقد ظهر أن لهذين الاسمين من شمول الدلالة على الله تعالى وصفاته، ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا موجودين في شيء من سور القرآن، فظهرت خصوصية هذه السورة بأنها تعدل ثلث القرآن (^١).
الطيب:
قال -ﷺ-: "إن الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا" (^٢). قال القرطبي: "إن الله طيِّب أي: منزه عن النقائص والخبائث فيكون بمعنى القدوس، وقيل: طيب الثناء ومستلذ الأسماء عند العارفين بها، وعلى هذا: فطيب: من أسمائه الحسنى، ومعدودٌ في جملتها المأخوذة من السنة كالجميل والنظيف (^٣) على قول من رواه ورآه (^٤).
الظاهر:
قال القرطبي: "اختلفت عبارات العلماء فيه فقيل: الظاهر بلا اقتراب وقيل: الظاهر بالآيات، وقيل: الظاهر: الغالب" (^٥).
العزيز:
قال القرطبي متحدثًا عن مصدر هذا الاسم وهو "العزة": "العزة:
_________________
(١) المفهم (٢/ ٤٤١).
(٢) رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها ح (١٠١٥) (٧/ ١٠٤).
(٣) الصحيح أنه لم يرد فيه حديث صحيح إنما جاء في حديث ضعيف قوله: "إنَّ الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة ". رواه الترمذي في كتاب الأداب، باب ما جاء في النظافة وقال: حديث غريب وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص (٢٣٤) برقم (١٦١٦).
(٤) المفهم (٣/ ٥٨).
(٥) انظر المفهم (٧/ ٤٢).
[ ٤٢٢ ]
القوة والغلبة ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ (^١) أي غلبني ويقال أيضًا: عزَّ الشيء إذا قل، فلا يكاد يوجد مثله يعزُّ عزًّا وعزازة، وعزَّ يعزّ عِزة إذا صار قويًّا بعد ضعف وذلةٍ. فعزة الله تعالى قهره للجبابرة وقوته الباهرة" (^٢).
العلي:
قال القرطبي: "العلي: ذو العلو وهو الرفعة المعنوية في حقه تعالى لا المكانية (^٣) " (^٤).
وقال في موضع آخر: "العلي: أي العلي شأنه" (^٥).
القدوس:
قال القرطبي: "القدوس من القدس، وهي الطهارة، والقدس: السطل الذي يستقى به، ومنه: البيت المقدَّس أي: المطهر" (^٦).
القيُّوم أو القيَّام:
قال القرطبي: "قيَّام على المبالغة من "قام بالشيء" إذا هيأ له ما يحتاج إليه ويقال: "قيُّوم" و"قيَّام" و"قيِّم" وقرأ عمر "الله لا إله إلَّا هو الحي القيَّام" (^٧) وعلقمة (^٨): القيم. وقال قتادة: هو القائم بتدبير خلقه.
_________________
(١) سورة ص، الآية: ٢٣.
(٢) المفهم (١/ ٤٤٣).
(٣) هذا على مذهبه في نفي علو الله تعالى وسيأتي تفصيله.
(٤) المفهم (١/ ٤٠٥).
(٥) المفهم (٥/ ٦٣٩).
(٦) المفهم (٢/ ٩١).
(٧) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥ وهي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
(٨) علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الإمام الحافظ فقيه العراق من كبار التابعين ومن أخص أصحاب ابن مسعود وأشدهم له ملازمة توفي سنة (٦٢ هـ). حلية الأولياء (٢/ ٩٨). تذكرة =
[ ٤٢٣ ]
وقال الحسن: القائم على كل نفس بما كسبت. وقال ابن جبير: الدائم الوجود. وقال ابن عباس: الذي لا يحول ولا يزول" (^١).
الكبير:
قال القرطبي عن هذا الاسم: الكبير: الكبير سلطانه" (^٢).
اللطيف:
قال القرطبي: "اللطيف: الكثير اللطف وهو في حق الله تعالى: رفقه بعباده وإيصاله لهم ما يصلحهم بحيث لا يشعرون كما قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ (^٣) وأصله: من اللطف في العمل وهو الرفق فيه وضده العنف والاسم منه: اللطف بتحريك الطاء يقال: جاءتنا لطفة من فلان أي هدية" (^٤).
الله:
قال القرطبي وهو يتحدث عن أقسام أسماء الله تعالى من جهة دلالتها: "فمنها ما يدل على الذات مجردة كاسم الله تعالى على قول من يقول: إنه علم غير مشتق (^٥) وهو الخليل وغيره؛ لأنه يدل على الوجود
_________________
(١) = الحفاظ للذهبي (١/ ٤٨).
(٢) المفهم (٢/ ٣٩٧).
(٣) المفهم (٥/ ٦٣٩).
(٤) سورة يوسف، الآية: ١٠٠.
(٥) المفهم (١/ ٤٠٤).
(٦) الخلاف في لفظ الجلالة هل هو مشتق أو غير مشتق؟ خلاف مشهور وقد رجح ابن القيم -﵀- أنه مشتق ومعنى كونه مشتقًا أنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسماء الله الحسنى كالعليم والقدير والغفور وغيرها، فإنها مشتقة من مصادرها. انظر بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٨، ١٩) وتفسير القرطبي (١/ ٧٢)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٨، ١٩). وتيسير العزيز الحميد ص (٢٨).
[ ٤٢٤ ]
الحق الموصوف بصفات الجلال والكمال دلالة مطلقة غير مقيدة بقيد؛ ولأنه أشهر أسمائه حتى تعرف كل أسمائه به فيقال: الرحمن: اسم الله ولا يقال الله اسم الرحمن؛ ولأن العرب عاملته معاملة الأسماء الأعلام في النداء، فجمعوا بينه وبين ياء النداء، ولو كان مشتقًّا لكانت لامه زائدة، وحينئذ لا يجمع بينه وبينها في النداء، كما لا تقول العرب: يا لحارث، ولا يا لعباس، ولاستيفاء المباحث علم الاشتقاق" (^١).
المقدِّم والمؤخِّر:
قال القرطبي عن هذين الاسمين عند شرحه لقوله -ﷺ-: "أنت المقدم وأنت المؤخر" (^٢): "أي: المقدم لمن شئت بالتوبة والولاية والطاعة، والمؤخر لمن شئت بضد ذلك، والأولى: أنه تعالى مقدِّم كل مقدَّم في الدنيا والآخرة، ومؤخِّر كل مؤخَّر في الدنيا والآخرة" (^٣).
وقال في موضع آخر عن هذين الاسمين: "أي: تقدِّم من تشاء فتجعلهم أنبياء وأولياء وعلماء وفضلاء وتؤخِّر من شئت فتجعله فرعون وأبا جهل، أو تملِّك الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وعلى الجملة فكل تقديم وتأخير منه" (^٤).
المحيي والمميت:
قال -ﷺ-: "اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت" (^٥). قال القرطبي:
_________________
(١) المفهم (٧/ ١٥).
(٢) رواه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء للمشركين ح (٦٣٩٨) (١١/ ٢٠٠) ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل ح (٢٧١٩) (١٧/ ٤٣).
(٣) المفهم (٧/ ٤٨).
(٤) المفهم (٢/ ٤٠٣).
(٥) سبق تخريجه ص (٤٠٣).
[ ٤٢٥ ]
"المحيي المميت من أسمائه تعالى، ومعنى ذلك: أن الله تعالى إنما سمى نفسه بأسمائه الحسنى؛ لأن معانيها ثابتة في حقه، وواجبة له، فكل ما ظهر في الوجود من الآثار إنما هي صادرة عن تلك المقتضيات، فكل إحياء في الدنيا والآخرة: إنما هو صادر عن قدرته على الإحياء، وكذلك القول في الإماتة، وفي الرحمة والملك وغير ذلك من المعاني التي تدل عليها أسماؤه، فكأنه قال: باسمك المحيي أحيا وباسمك المميت أموت، وكذلك القول في سائر الأسماء الدالة على المعاني" (^١).
الملك:
قال القرطبي: ""الملك": من له المُلْكُ و"المالك": من له المِلْك والمِلكُ أمدحُ، والمالك أخصُّ وكلاهما واجبٌ لله تعالى (^٢).
نور السموات والأرض:
قال -ﷺ-: "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض" (^٣) قال القرطبي: "أي: مُنوِّرُها في قول الحسن دليله قراءة علي -﵁-: "الله نَوَّر السَّموات" (^٤) بفتح النون والواو مشددة، قال ابن عباس: هادي أهلهما. ومجاهد: مُدبِّرهما. وقيل: هو المنزه في السموات والأرض من كل عيب من قول العرب: امرأة نوارة، أي: مبرأة من كل ريبة، وقيل: هو اسم مدح يقال: فلان نورُ البلد وشمس الزمان، كما قال النابغة:
_________________
(١) المفهم (٧/ ٤٠).
(٢) المفهم (٥/ ٤٥٥).
(٣) وهو أول الحديث الذي قال فيه ﵇ "أنت الحق .. " سبق تخريجه ص (٤١٧).
(٤) سورة النور، الآية: ٣٥ والآية هي: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
[ ٤٢٦ ]
فإنك شمسُ والملوك كواكبُ إذا طَلَعتْ لم يبدُ منهن كوكبُ (^١)
وقال آخر:
إذا سار عبد الله في مرو ليلةً فقد سار فيها نورها وجمالها (^٢)
وقال أبو العالية (^٣): "مزيِّن السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزيِّن الأرض بالأنبياء والأولياء والعلماء" (^٤).
وقال في موضع آخر: "فأما اسم الله تعالى "النور" فمعناه: أنه هاد من ظلمات الجهالات كما أن النور المحسوس هاد في محسوس الظلمات، وقيل معناه: أنه منوِّر السموات والأرض وخالق الأنوار فيهما" (^٥).
الوتر:
قال -ﷺ-: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر" (^٦).
_________________
(١) قاله النابغة الذبياني في مدحه للنعمان بن المنذر ملك الحيرة واعتذاره إليه. انظر: ديوان النابغة الذبياني ص (٥٤).
(٢) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة عبد الله بن المبارك وقال: قال عمار بن الحسن يمدح ابن المبارك: إذا سار عبد الله في مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالها إذا ذكر الأحبار في كل بلدة فهم أنجم فيها وأنت هلالها سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٩١).
(٣) أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري الإمام الحافظ المقريء المفسر أحد أئمة التابعين وأعلامهم من أعلم الناس بعد الصحابة بالقرآن توفي سنة (٩٠ هـ) وقيل (٩٣ هـ). تهذيب التهذيب (١/ ٦١٠). معرفة القراء الكبار (١/ ٦٠).
(٤) المفهم (٢/ ٣٩٦).
(٥) المفهم (١/ ٤٠٨).
(٦) سبق تخريجه ص (٤٠٤).
[ ٤٢٧ ]
قال القرطبي: "الوتر: الفرد، والشفع: الزوج، وأن معنى وحدانية الله تعالى: أنه واحد في ذاته، فلا انقسام له، وواحد في إلهيته فلا نظير له، وواحد في مُلكه ومِلكه فلا شريك له إن الله تعالى في ذاته وكماله وأفعاله واحد، ويحب التوحيد أن يوحَّد ويعتقد انفراده دون خلقه (^١).
المطلب الثامن: الأسماء المزدوجة:
عامة أسماء الله تعالى يطلق مفردًا ومقترنًا بغيره، كالقدير والسميع والبصير وغيرها. ومنها ما لا يطلق على الله مفردًا بل مقرونًا بمقابله، كالمانع والضار، والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي، والنافع، والعفو، فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل؛ لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية، وتدبير الخلق والتصرف فيهم، عطاءً ومنعًا ونفعًا وضرًّا، وعفوًا، وانتقامًا، وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت تجري مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجئ مفردة، ولم تطلق عليه إلَّا مقترنة (^٢).
وقد أشار القرطبي إلى هذا فقال عند ذكر اسميه تعالى المقدم والمؤخر: "وهذان الاسمان من أسماء الله تعالى المزدوجة كالأول والآخر، والمبدئ والمعيد والقابض، والباسط، والخافض، والرافع، والضار، والنافع، فهذه الأسماء لا تقال إلَّا مزدوجة كما جاءت في
_________________
(١) المفهم (٧/ ١٧).
(٢) انظر: بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٧٧).
[ ٤٢٨ ]
الكتاب والسنة هكذا، قال بعض العلماء، ولم يجز أن يقال: يا خافض حتى يضم إليه: يا رافع (^١) " (^٢).
المطلب التاسع: ما ليس من أسماء الله:
جاء في بعض الأحاديث بعض الألفاظ الموهمة أنها من أسماء الله، حتى ذهب البعض إلى جعلها من أسمائه تعالى، كالدهر ورمضان، والصاحب، والخليفة.
فقد جاء عن رسول الله -ﷺ- في الدهر قوله: "قال الله ﵎ يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أُقلِّبُ ليله ونهاره" (^٣). قال القرطبي: "قيدها بعض الناس "الدَّهَر" بالنصب على أن تكون ظرفًا يعمل فيه "أقُلِّبُ" فكأنه قال: أنا طول الدهر، أقلب الليل والنهار، ويكون "أُقَلِّبُ" هو الخبر، والذي حمله على ذلك خوف أن يقال: إن الدهر من أسماء الله تعالى، وهذا عدول عما صح إلى ما لم يصح مخافة ما لا يصح، فإن الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضم ولم يرو الفتح من يعتمد عليه، ولا يلزم من ثبوت الضم أن يكون الدهر من أسماء الله تعالى فلا يكون الدهر اسمًا من أسمائه تعالى" (^٤).
وأما رمضان، فقد ورد فيه حديث لا يصح وهو قوله: "لا تقولوا
_________________
(١) المفهم (٧/ ٤٨).
(٢) انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى للدكتور محمد خليفة التميمي (٤١١).
(٣) رواه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة الجاثية (٤٥). ح (٤٨٢٦) (٨/ ٤٣٧)، ومسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب النهي عن سب الدهر ح (٢٢٤٦) (١٥/ ٥).
(٤) المفهم (٥/ ٥٤٨).
[ ٤٢٩ ]
رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى" (^١).
وقد رده القرطبي فقال: وليس بصحيح فإنه من حديث: أبي معشر نجيح وهو ضعيف، و"رمضان": مأخوذ من رمض الصائم يرمض: إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء: شدة الحر (^٢).
وقال في موضع آخر: "لم يوجد في شيء من أسماء الله تعالى رمضان، والمعنى الذي أشتق منه رمضان محال على الله تعالى" (^٣). قال -ﷺ-: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل" (^٤). قال القرطبي: "لا يسمى الله تعالى بالصاحب ولا بالخليفة لعدم الإذن وعدم تكرارهما في الشريعة" (^٥).
وكذلك الشافي قال القرطبي بعد ذكره لقوله -ﷺ-: "اشف أنت الشافي" (^٦): "الشافي اسم فاعل، والألف واللام فيه بمعنى "الذي" وليس باسم علم لله إذ لم يكثر ذلك ولم يتكرر على ما قدمناه" (^٧).
وما ذهب إليه القرطبي هنا في نفي هذه الألفاظ أن تلحق بأسماء الله تعالى الحسنى هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء ما عدا اسم الشافي
_________________
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الصيام، باب ما روي من كراهية قول القائل جاء رمضان وذهب رمضان (٤/ ٢٠١). وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٨٧) والسيوطي في اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (٢/ ٩٧).
(٢) المفهم (٣/ ١٣٦).
(٣) المفهم (١/ ١٥٤).
(٤) رواه مسلم في كتاب الحج باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره ح (١٣٤٢) (٩/ ١١٨).
(٥) المفهم (٣/ ٤٥٤).
(٦) رواه البخاري في كتاب الطب باب مسح الراقي الوجع بيده اليمنى ح (٥٧٥٠) (١٠/ ٢٢١). ومسلم في كتاب السلام، باب استحباب رقية المريض ح (٢١٩١) (١٤/ ٤٣٠).
(٧) المفهم (٥/ ٥٧٧).
[ ٤٣٠ ]
إذ ذهب إلى إلحاقه بأسماء الله تعالى عدد من العلماء لوروده في الحديث الصحيح (^١).
_________________
(١) انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن خليفة التميمي ص (١٧٩، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩١)، وأسماء الله الحسنى لعبد الله بن صالح الغصن ص (٣٤٦، ٣٥٢).
[ ٤٣١ ]
آرَاءُ القُرطبي وَالمازري الاعتِقَادية مِنْ خِلال شَرْحَيْهِمَا لِصَحِيحِ مُسْلِم
درَاسَة وَتَرجيح
تأليف الدكتور
عَبد الله بن محمَّد بن رميَان الرميَان
وَكيلُ كُليةِ الدّعوَةِ وَأصُول الدين لِلدِرَاسَاتِ العُليَا
بِجَامِعَة أم القُرى
الجزء الثاني
[ ٤٣٢ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حقُوق الطّبْع مَحفُوظة للمؤَلّف
الطّبْعَة الأولى
١٤٢٧ هـ
أصل هذا الكتاب رسالة علمية نال بها المؤلف درجة العالمية العالية (الدكتوراه) من قسم العقيدة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة في ٢/ ٢/ ١٤٢١ هـ بتقدير (ممتاز) مع التوصية بطبع الرسالة وتداولها بين الجامعات
عنوان المؤلف: مكة المكرمة - ص. ب: ١٣٦٦٣
[ ٤٣٣ ]
المبحث الثاني منهجهما في صفات الله تعالى
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: منهج السلف في الصفات
المطلب الثاني: منهجهما في الصفات وموقفهما من ظواهر النصوص
المطلب الثالث: الشبهات العقلية التي ردوا بها الصفات
المطلب الرابع: رمي السلف بالتشبيه والتجسيم
المطلب الخامس: منهجهما في سائر صفات الله تعالى
[ ٤٣٤ ]
المطلب الأول: منهج السلف في الصفات:
إن منهج السلف في صفات الله تعالى وسطٌ بين المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن سلك مسلكهم، وبين الأشاعرة وغيرهم من الذين يلحدون في ذلك ويعطلون حقائق ما وصف الله به نفسه ﷿ وبين الممثلة من غلاة الكرامية وغلاة الرافضة الذين يضربون لله ﷿ الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.
وكلا المذهبين مجانب للحق والصواب، والمذهب الصحيح ما عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين، ومن اقتدى بهم، إذ هو الصراط المستقيم، فهم يؤمنون بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسول الله -ﷺ- من صفات الجلال والكمال حقيقة على الوجه الذي يليق به تعالى، وينفون عنه ما نفاه سبحانه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله -ﷺ- من صفات النقص التي لا تليق به سبحانه، وعمدتهم في هذا: الأدلة الواردة في الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^١).
قال محمد بن الحسن (^٢): "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله -ﷺ- في صفة الرب ﷿ من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي -ﷺ-، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا، ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب
_________________
(١) سورة الشورى، آية: ١١.
(٢) محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني فقيه العراق وصاحب أبي حنيفة وقد أخذ عنه الشافعي كان من الفقهاء الأذكياء توفي بالري سنة (١٨٩ هـ). تاريخ بغداد (٢/ ١٧٢)، سير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤).
[ ٤٣٥ ]
والسنة ثم سكتوا" (^١).
وقال ابن خزيمة (^٢): "نحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا ونصدق ذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين عزَّ ربنا عن أن يشبه المخلوقين وجلَّ ربنا عن مقالة المعطلين، وعزَّ أن يكون عدمًا كما قاله المبطلون، لأن ما لا صفة له عدم، تعالى الله عما يقول الجهميون الذين ينكرون صفات خالقنا الذي وصف بها نفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه محمد -ﷺ-" (^٣).
وقال الصابوني: "أصحاب الحديث يعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله أو شهد بها رسوله -ﷺ- على ما وردت به الأخبار الصحاح ونقلته العدول الثقات عنه ويثبتون دته ﷿ ما أثبته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله -ﷺ-، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٤) " (^٥).
وقال ابن عبد البر: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٣/ ٤٨٠).
(٢) أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة الحافظ صاحب الصحيح وله كتاب "التوحيد" وغيرها من علماء السنة المنافحين عنها توفي سنة (٣١١ هـ) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦٥)، طبقات الحفاظ للسيوطي ص (٣٣٠) ترجمة (٧١٠).
(٣) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٦).
(٤) سورة الشورى، آية: ١١.
(٥) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص (١٦٠، ١٦٢) باختصار.
[ ٤٣٦ ]
الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلَّا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يُحدُّون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مُشبِّه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، وهم أئمة الجماعة والحمد لله" (^١).
وقال أبو القاسم قوَّام السُّنَّة (^٢): "قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي -ﷺ- متواترة في صفات الله تعالى، موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة، والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف، وأنه ﷿ أزلي بصفاته وأسمائه، التي وصف بها نفسه، أو وصفه الرسول -ﷺ- بها، فمن جحد صفة من صفاته بعد الثبوت، كان بذلك جاحدًا والله تعالى امتدح نفسه بصفاته ودعا عباده إلى مدحه بذلك، وصدق به المصطفى -ﷺ- وبيَّن مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهومًا عند العرب غير محتاج إلى تأويله" (^٣).
وقال ابن قدامة: "ومذهب السلف -رحمة الله عليهم- الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله أو على
_________________
(١) التمهيد (٧/ ١٤٥).
(٢) إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الملقب "قوام السنة" مكثر من التصنيف إذ له العديد من التصانيف النافعة في التفسير والحديث، والتوحيد، وغيرها توفي سنة (٥٣٥ هـ) طبقات المفسرين للسيوطي ص (٣٧). طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٣٠٢).
(٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٣، ١٨٤).
[ ٤٣٧ ]
لسان رسوله من غير زيادة عليها، ولا نقص منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أمروها كما جاءت وردوا علمها إلى قائلها (^١) ومعناها إلى المتكلم بها" (^٢).
وقال ابن تيمية: "الأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ (^٤) الآية، فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٥) ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ ردٌّ للإلحاد
_________________
(١) أي: علم كيفيتها.
(٢) ذم التأويل لابن قدامة ص (١١).
(٣) سورة الأعراف، آية: ١٨٠.
(٤) سورة فصلت، آية: ٤٠.
(٥) سورة الشورى، آية: ١١.
[ ٤٣٨ ]
والتعطيل" (^١).
وقال ابن رجب: "أما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الأمة فهي إقرار النصوص، وإمرارها كما جاءت، ونفي الكيفية عنها، والتمثيل ومن قال: الظاهر منها غير مراد، قيل له: الظاهر ظاهران، ظاهر يليق بالمخلوقين، ويختص بهم، فهو غير مراد، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام، فهو مراد، ونفيه تعطيل وأهل العلم والإيمان يعلمون أن ذلك كله متلقى مما جاء به الرسول -ﷺ-، وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه، ولا عدول عنه، وأنه لا سبيل إلى تلقي الهدى إلَّا منه، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله -ﷺ- الصحيحة ما ظاهره كفر أو تشبيه أو مستحيل، بل كل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله -ﷺ- فإنه حق وصدق، يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه، فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته" (^٢).
والنصوص عن السلف في هذا كثيرة متواترة لا مجال لجمعها، وإنما ذكرت إشارات وإلماحات لما عليه السلف من الاعتقاد في الصفات.
المطلب الثاني: منهجهما في الصفات وموقفهما من ظواهر النصوص:
القرطبي والمازري -عفا الله عنهما- على منهج الأشاعرة في صفات الله تعالى، وهو إثبات الصفات السبع، وهي: الحياة والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع والبصر، والإرادة على مخالفة لأهل السنة في إثباتها. وتأويل باقي الصفات أو تفويض العلم بها.
_________________
(١) التدمرية ص (٦، ٨).
(٢) فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٣٣، ٢٣٤).
[ ٤٣٩ ]
وللقرطبي كلامٌ جميل عند ردّه على المتكلمين ليته التزم به حيث قال: "بحث المتكلمون عن كيفية تعلقات صفات الله تعالى وتقديرها واتخاذها في أنفسها، وأنها هي الذات أو غيرها إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي -ﷺ-، ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته، فإن العقول لها حد تقف عنده وهو العجز عن التكييف لا يتعداه، ولا فرق بين البحث في كيفية الذات وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^١) ونقطع بوجود الخالق المنزه عن صفات المخلوقات المقدس عن أحوالها الموصوف بصفات الكمال اللائق به، ثم مهما أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وما لم يتعرضوا له سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه هذه طريقة السلف وما سواه مهاوٍ وتلف" (^٢).
وهذا منهج سلفي صرف، لكنه -﵀- عند التطبيق سلك مسلك المؤولين، وسار على طريقة المتكلمين مخالفًا ما جاء عن السلف وما عليه الأثبات من الخلف.
والقرطبي والمازري رحمهما الله منهجهما في الصفات بين التأويل والتفويض، مع رمي السلف بالتشبيه والتجسيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
التأويل: التأويل هو: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر (^٣).
_________________
(١) سورة الشورى، آية: ١١.
(٢) المفهم (٦/ ٦٩٠، ٦٩١) بتصرف.
(٣) انظر: تعريفات التأويل في: موقف المتكلمين من نصوص الكتاب والسنة، لسليمان الغصن (١/ ٤٩٧).
[ ٤٤٠ ]
وما سلكه الأشاعرة تبعًا لمن قبلهم من الجهمية والمعتزلة هو من التأويل الفاسد المذموم الذي ليس عليه دليل من كتاب أو سنة؛ لأن هؤلاء اتخذوا من التأويل الفاسد متكأً لتبرير الأصول التي أصَّلوها واعتقدوها واخترعوا لأجل ذلك قوانين عقلية، وأصولًا كلامية، جعلوها الحكم في فهم الدين، والفيصل في معرفة الحق من الباطل، فمتى ظهرت مسألة رجعوا إلى معقولاتهم، وخواطرهم، وآرائهم، فطلبوا الدين من قبلها، فإذا سمعوا شيئًا من الكتاب والسنة عرضوه على معيارهم، فإن استقام قبلوه، وإلَّا حرَّفوه بالتأويلات البعيدة، والمعاني المستكرهة، فحادوا عن الحق وزاغوا عنه" (^١).
قال ابن القيم: "والتأويل الذي يخالف ما دلَّت عليه النصوص وما جاءت به السنة هو التأويل الفاسد" (^٢).
والتأويل يطلق مشتركًا بين ثلاثة معان:
الأول: أنه الحقيقة التي يؤول إليها الأمر وهذا هو معناه في القرآن.
الثاني: يُراد به التفسير والبيان.
الثالث: معناه المتعارف في اصطلاح الأصوليين وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك" (^٣).
وذكر ابن القيم أن هذا الأخير هو قول المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين حيثما قال: "وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين، فمن صنف في إبطال التأويل على رأي المتكلمين:
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة للأصفهاني (٢/ ٢٣٨).
(٢) الصواعق المرسلة (١/ ١٨٧).
(٣) انظر: الأسماء والصفات نقلًا وعقلًا للشنقيطي (٨٢، ٨٤).
[ ٤٤١ ]
القاضي أبو يعلى، والشيخ موفق الدين ابن قدامة، وقد حكى غير واحد إجماع السلف على عدم القول به" (^١).
وقال ابن تيمية: "وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه، فهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله التي هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه، فكانوا ينكرون التأويل الباطل الذي هو التفسير الباطل كما ننكر قول من فسر كلام المتكلم بخلاف مراده" (^٢).
لكن القرطبي والمازري -عفا الله عنهما- سلكا مسلك التأويل، فصرفا نصوص التنزيل إلى معانٍ باطلة، مخالفة لما عليه السلف من الإيمان بها، وعدم تأويلها كما سبق بيانه.
ومن ذلك: القرطبي -في الحديث الذي فيه إثبات الأصبع لله تعالى- الرواية التي فيها: "تصديقًا له" (^٣) لأنها تخالف مذهبه في الصفات، ثم بيَّن منهجه في مثل هذه النصوص فقال: "إذا جاءنا مثل هذا الكلام في كلام الصادق تأوَّلناه، أو توقَّفْنَا فيه إلى أن يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره لضرورة صدق من دلَّت المعجزة على صدقه، فأما إذا جاءنا مثل هذا على لسان من يجوز عليه الكذب، بل: من أخبرنا الصادق
_________________
(١) انظر: الصواعق المرسلة (١/ ١٧٩).
(٢) الصفدية (١/ ٢٩١).
(٣) وذلك أن الرجل الذي من أهل الكتاب قال: يا أبا القاسم "إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والثرى على إصبع ثم يهزهن يقول أنا الملك فضحك رسول الله -ﷺ- حتى بدت نواجذه تصديقًا له وتعجبًا.
[ ٤٤٢ ]
عن نوعه بالكذب والتحريف كذَّبناه" (^١).
فالقرطبي بيَّن موقفه هنا من نصوص الصفات -الموهمة للتشبيه بزعمه- وهو: إما التكذيب -إن لم يكن نصًّا شرعيًّا- أو التأويل أو التوقف عند وضوح النص الشرعي.
وقد قال في موضع آخر: كل ما أطلق على الله تعالى مما يدل على الجوارح والأعضاء كالأعين والأيدي والجنب، والأصبع وغير ذلك، مما يلزم من ظاهره التجسيم الذي تدل العقول على استحالته فهي كلها متأولة في حقه تعالى لاستحالة حملها على ظواهرها" (^٢).
وبين أن منهجه هذا تبعًا للمتكلمين حيث قال: "التحقيق أن يقال: الله ورسوله أعلم، والتسليم الذي كان عليه السلف أسلم (^٣)، لكن مع القطع بأن هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسنة الموهمة للتجسيم والتشبيه يستحيل حملها على ظواهرها لما يعارضها من ظواهر أُخر كما قرره أئمتنا في كتبهم ولما دل العقل الصريح عليه" (^٤).
ومع تأويل القرطبي لعامة نصوص الصفات، إلَّا أنه تردد في بعضها بين التفويض والتأويل منها قوله: "اعلم أن الناس قد أكثروا في تأويلات
_________________
(١) المفهم (٧/ ٣٩٠) أراد بقوله: "أخبرنا الصادق عن نوعه بالكذب". اليهود لأنَّ الذي حاور الرسول -ﷺ- في هذا الحديث من اليهود ولكن هذا التكذيب ليس له وجه، لأنَّ هذا الحديث جاءنا عن غير طريق هذا اليهودي إذ جاءنا عن طريق الثقات الأثبات ونقلوا إقرار الرسول -ﷺ- وتعجبه من حديثه وضحكه تصديقًا له وسيأتي الرد عليه في ما ذهب إليه في صفة الأصابع ص (٤٣١).
(٢) المفهم (٣/ ٣٧).
(٣) هذا هو التفويض وليس من مذهب السلف بل مذهب السلف الإيمان بالصفات كما جاءت وتفويض كيفيتها انظر: ص (٣٥٧).
(٤) المفهم (١/ ٤١٩).
[ ٤٤٣ ]
هذه الأحاديث فمن مبعد ومن محوّم وما ذكرناه أحسنها وأقومها لمنهاج كلام العرب؛ ولأن يكون هو المراد ومغ ذلك فلا نقطع بأنه هو المراد والتحقيق أن يقال: "الله ورسوله أعلم" والتسليم الذي كان عليه السلف أسلم" (^١).
وكذلك المازري سلك هذا المسلك في نصوص الصفات بل تكلف في تأويل كل ما جاء في إثبات الصفات الفعلية لله تعالى أو الذاتية كاليد والقدم، والأصبع، وغيرها، حيث قال في شرحه للحديث المثبت لصفة القدم لله تعالى: "هذا الحديث من مشاهير الأحاديث التي وقعت موهمة للتشبيه ولمَّا نقله الأثبات واشتهر عند الرواة تكلف العلماء قديمًا وحديثًا الكلام عليه والنظر في تأويله" (^٢).
وبيَّن المازري غرضه من التأويل فقال بعد تأويله لصفة الأصبع الورادة في الحديث: "والغرض المنع أن يكون لله سبحانه أصبع جارحة لإحالة العقل، له ثم بعد هذا يتأول على ما يجوز وقد أرينا طرفًا من التأويل" (^٣).
ونرى هنا أنهما حرصا على التأويل لمخالفة هذه النصوص للعقل لأنها موهمة لتشبيه الخالق بالمخلوق بزعمهم.
ولا شك أن هذا باطل، لأن نصوص الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة لا توهم التشبيه، إذ لا يمكن أن يكون ظاهر ما جاء في الكتاب والسنة باطلًا.
_________________
(١) المفهم (١/ ٤١٩).
(٢) المعلم (٣/ ٢٠٠).
(٣) المعلم (٣/ ١٩٥).
[ ٤٤٤ ]
قال مرعي الكرمي ﵀ (^١): "ويجد الناظر في النصوص الواردة عن الله ورسوله في ذلك نصوصًا تشير إلى حقائق هذه المعاني، ويجد الرسول تارة قد صرَّح بها مخبرًا بها عن ربه واصفًا له بها، ومن المعلوم أنه -﵇- كان يحضر في مجلسه الشريف: العالم والجاهل، والذكي والبليد، والأعرابي الجافي، ثم لا يجد شيئًا يعقب تلك النصوص مما يصرفها عن حقائقها، لا نصًّا ولا ظاهرًا، كما تأولها بعض هؤلاء المتكلمين، ولم ينقل عنه -﵇- بأنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين، ونحو ذلك، ولا نقل عنه أن لهذه الصفات معاني أخرى باطنة غير ما يظهر من مدلولها .. ولم يقل الرسول ولا أحد من سلف الأمة يومًا من الدهر: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه وكيف يجوز على الله ورسوله والسلف أن يتكلموا دائمًا بما هو نصٌّ أو ظاهرٌ في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يتكلمون به، ولا يدلون عليه" (^٢).
وهم بتأويلهم هذا نفوا ما ذكره الله وأثبتوا ما لم يذكره فوقعوا في خطأين، قال ابن الوزير (^٣): "فاعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى أمرين واضح بطلانهما فتأمل ذلك بإنصاف وشد عليه يديك، وهذان الأمران الباطلان هما: الزيادة في الدين بإثبات ما لم يذكره الله تعالى ورسله -﵈- من مهمات الدين الواجبة، والنقص منه بنفي بعض ما
_________________
(١) مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي محدث فقيه مؤرخ تنقل بين عدَّة بلدان واستقر أخيرًا بمصر وفيها توفي بعد أن أصبح من أكابر علماء الحنابلة فيها توفي سنة (١٠٣٣ هـ) معجم المؤلفين (٣/ ٨٤٢)، الأعلام.
(٢) أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات للكرمي ص (٨٥).
(٣) محمد بن إبراهيم المرتضي اليماني الشهير بابن الوزير إمام حافظ، له عدَّة مصنفات منها: "العواصم في الذب عن سنة أبي القاسم" توفي في صنعاء سنة (٨٤٠ هـ).
[ ٤٤٥ ]
ذكره الله تعالى ورسله من ذلك بالتأويل الباطل" (^١).
القول بالمجاز:
المجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولًا (^٢).
وقد جعل المؤولة المجاز بابًا واسعًا لتحريف نصوص الصفات إذا عجزوا عن الطعن في أصل ثبوتها، قال الشيخ الشنقيطي: "وبهذا الباطل توصل المعطلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في كتابه وسنة نبيه بدعوى أنها من المجاز" (^٣).
والمجاز أحد طرق التأويل، بل بعض العلماء يرى أن التأويل كله راجع إلى المجاز، كما قال الغزالي في كلامه على التأويل: "ويشبه أن يكون كل تأويل صرفًا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز" (^٤).
قال ابن القيم: "تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز، ليس تقسيمًا شرعيًّا، ولا عقليًّا، ولا لغويًّا، فهو اصطلاح محض، وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة، وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية، ومن سلك طريقهم من المتكلمين" (^٥).
وقد صرف القرطبي والمازري كثيرًا من نصوص الصفات من الحقيقة إلى المجاز، هربًا من إثباتها.
قال القرطبي في نفيه لعلو الله تعالى عند شرحه لحديث الجارية:
_________________
(١) إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص (٨٥).
(٢) انظر: بطلان المجاز وأثره في إفساد التصور وتعطيل نصوص الكتاب والسنة لمصطفى الصياصنة ص (٣٣)، معجم المؤلفين (٣/ ٣٥)، الأعلام (٥/ ٣٠٠).
(٣) مذكرة أصول الفقه لمحمد الأمين الشنقيطي ص (٥٨).
(٤) المستصفى للغزالي (٢/ ٤٩).
(٥) مختصر الصواعق (٢/ ٥).
[ ٤٤٦ ]
"وإذا ثبت ذلك، ثبت أن النبي -ﷺ- إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم" (^١).
وقال في موضع آخر: "نسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية، عبَّر بها عن كثرة العطاء والقدرة عليه" (^٢).
وقال المازري: "استعير لمنع الباري سبحانه عن معاصيه اسم الغيرة مجازًا واتساعًا، وخاطبهم النبي -ﷺ- بما يفهمونه" (^٣).
وقال في تأويله لإتيان الله تعالى ومجيئه: "عُبِّر بالإتيان ها هنا عن الرؤية على سبيل المجاز" (^٤).
والنصوص الواردة عنهما في هذا كثيرة تتبين من خلال التفصيل في الصفات، والحق الواجب حمل جميع أخبار الصفات الواردة في الكتاب والسنة على ظاهرها واعتقاد حقائقها على الوجه اللائق بالله تعالى، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
قال ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة -كلها- في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز وأما أهل البدع من الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه" (^٥).
والذي حملهم على القول بالمجاز ظنهم أن حقائق صفات الله
_________________
(١) المفهم (٢/ ١٤٣).
(٢) المفهم (٣/ ٣٧).
(٣) المعلم (١/ ٣٢٢).
(٤) المعلم (١/ ٢٢٦).
(٥) التمهيد (٧/ ١٤٥).
[ ٤٤٧ ]
تعالى التي نفوها مما يختص بالمخلوقين، فظنوا أن صفات الله تعالى إذا كانت حقيقة لزم أن يكون الرب مماثلًا للمخلوقين وأن صفاته مماثلة لصفاتهم (^١). قال ابن تيمية: "لكن نعلم أن كثيرًا ممن ينفي ذلك لا يعلم لوازم قوله بل كثير منهم يتوهم أن الحقيقة ليست إلَّا محض حقائق المخلوقين، وهؤلاء جهال بمسمى الحقيقة والمجاز، وقولهم افتراء على اللغة والشرع، وإلَّا فقد يكون المعنى الذي يقصد به نفي الحقيقة نفي مماثلة صفات الرب سبحانه لصفات المخلوقين قيل له: أحسنت في نفي هذا المعنى الفاسد، ولكن أخطأت في ظنك أن هذا هو حقيقة ما وصف الله به نفسه" (^٢).
وقد ردَّ شيخ الإسلام على الأشاعرة -المثبتة لبعض الصفات دون بعض- بقولهم هذا بأصلين:
أحدهما: أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة عليم بعلم قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه، وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.
قيل له: لا فرق بين ما نفيته وما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين؛ فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به كما أن
_________________
(١) انظر: اللمع للأشعري ص (٢٠) والتبصير في الدين الأسفراييني ص (٩٤) والعقيدة النظامية لعبد الملك الجويني ص (٢١).
(٢) الفتاوى (٢٠/ ٢١٨).
[ ٤٤٨ ]
للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به.
وإن قال الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام. قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة فإن قلت: هذه إرادة المخلوق قيل لك: وهذا غضب المخلوق.
وكذلك يلزم بالقول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته" (^١).
التفويض:
التفويض: هو صرف اللفظ عن ظاهره مع عدم التعرض لبيان المراد منه، بل يترك ويفوض علمه إلى الله تعالى، بأن يقال: الله أعلم بمراده. هذا هو التفويض عند القائلين به في نصوص الصفات الخبرية التي توهم التشبيه بصفات المخلوقين بزعمهم.
وجزمهم وقطعهم أن معاني النصوص ليست على ظواهرها يناقض قولهم بالتفويض.
إذ قالوا: إن ظواهر نصوص هذه الصفات يقتضي التشبيه حيث لا يعقل لها معنى معلوم إلَّا ما هو معهود في الأذهان من صفات المخلوقين، وبالتالي فإنه يتعين نفيه ومنعه، وهذه مقدمة مشتركة بين مذهب التأويل والتفويض.
وقولهم: إن المعاني المرادة من هذه النصوص مجهولة للخلق، لا سبيل للعلم بها، بل هي مما استأثر الله بعلمه، ولا يمكن تعيين المراد
_________________
(١) التدمرية ص (٣١).
[ ٤٤٩ ]
بها لعدم ورود النص التوقيفي بذلك، وهنا يفترق مذهب التفويض عن مذهب التأويل الذي يجوز الاجتهاد في تعيين معان مجازية للصفات السمعية (^١).
والقرطبي مع اعتقاده أن التفويض هو مذهب السلف إلَّا أنه قال به حيث اضطر إليه في بعض النصوص التي لم يجد له تأويلًا سائغًا، أو يرى بُعد التأويلات التي يوردها وأنها غير مقنعة فيلجأ إلى التفويض وهذا في مواضع كثيرة جدًّا في "المفهم"، منها قوله بعد ذكره لعدة تأويلات: "ويحتمل تأويلًا آخر، والله بمراده أعلم والتسليم للمتشابهات أسلم، وهي طريقة السلف وأهل الاقتداء من الخلف" (^٢).
وقال بعد تأويله لاستواء الله تعالى على عرشه: "له محامل واضحة، وتأويلات صحيحة، غير أن الشرع لم يعين لنا محملًا من تلك المحامل فيتوقف في التعيين، ويسلك مسلك السلف الصالح في التسليم" (^٣).
وقال في موضع آخر: "مذهب السلف ترك التعرض لتأويلاتها مع قطعهم باستحالة ظواهرها، ومذهب غيرهم إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها، من غير قطع متعين محمل منها" (^٤).
وقال أيضًا: "قد قلنا التسليم هو الطريق المستقيم (^٥). والتسليم
_________________
(١) انظر: مذهب التفويض في نصوص الصفات لأحمد القاضي ص (١٥٢، ١٧٠).
(٢) المفهم (٦/ ٦٦٦).
(٣) المفهم (٦/ ٦٧٠).
(٤) المفهم (٦/ ٦٩٧).
(٥) المفهم (٧/ ٧).
[ ٤٥٠ ]
الذي عليه السلف أسلم" (^١).
والسلامة التي يمكن إثباتها في مذهب أهل التفويض هي السلامة من التحريف الذي يقوله المتكلمون على الله بغير علم بصرف معاني النصوص إلى استعمالات مجازية، ولا ريب أن هذا لون من السلامة، لكن قابله الوقوع في هلكة التجهيل بتفريغ تلك النصوص من أي معنى يفهمه السامع (^٢). وكذلك التعطيل لما ثبت لله تعالى من حقائق تلك الصفات.
ثم مع اعتقاد القرطبي بأن التفويض هو مذهب السلف، وبيانه أن سلوكه أسلم، فلم يلتزم به طلبًا للسلامة - كما زعم - إنما جعله مخرجًا عند عدم وجود وجه للتأويل.
ونسبة التفويض للسلف واشتهار هذا القول عند الأشاعرة (^٣)، حتى أصبح عندهم من المسلمات التي لا تقبل الجدل، هو من الكذب على السلف، إذ مذهب السلف واضح في الإيمان بنصوص الصفات، وإجرائها على ظاهرها من غير تكييف وجعل هؤلاء عبارات السلف التي تدعو إلى إمرار النصوص هي الدليل على نسبة هذا القول إليهم، كما قال القرطبي: "قد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث وأبعدوا والأشبه ما ذكرناه أو التوقف كما قال السلف "اقرؤوها كما جاءت" يعنون المشكلات" (^٤).
_________________
(١) المفهم (١/ ٤١٩).
(٢) مذهب أهل التفويض للقاضي ص (٤٤٤).
(٣) انظر: الملل والنحل (١/ ١٠٤).
(٤) المفهم (١/ ٤١١).
[ ٤٥١ ]
والسلف﵏ - أرادوا إمرارها دون تكييف لا كما يفهم هؤلاء. قال ابن تيمية: "هؤلاء المبتدعة الذين فضلوا طريقة الخلف على طريقة السلف من حيثما ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه، ولا فهم لمراد الله ورسوله منها، واعتقدوا أنهم بمنزلة الأميين، الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (^١) وأن طريقة المتأخرين منهم هي استخراج معاني النصوص وصرفها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكر التأويلات فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف، والكذب عليهم" (^٢).
قال الأصبهاني: "السنة هي: اتباع الأثر والحديث، والسلامة التسليم والإيمان بصفات الله ﷿ من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تأويل، بجميع ما ورد من الأحاديث في الصفات - ثم ذكر أمثلة من الآيات والأحاديث - ثم قال: كل ذلك بلا كيف ولا تأويل، نؤمن بها إيمان أهل السلامة والتسليم، ولا نتفكر في كيفيتها، وساحة التسليم لأهل السنة والسلامة واسعة بحمد الله ومنِّه، وطلب السلامة في معرفة صفات الله ﷿ أوجب وأولى وأقمن وأحرى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٣) فليس كمثله شيء: ينفي كل تشبيه وتمثيل. وهو السميع البصير: ينفي كل تعطيل وتأويل، فهذا مذهب أهل السنة والجماعة والأثر، فمن فارق مذهبهم فارق السنة ومن اقتدى بهم وافق
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ٧٨
(٢) الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ١٦٢).
(٣) سورة الشورى، آية: ١١.
[ ٤٥٢ ]
السنة" (^١).
فمذهب السلف - ﵃ - إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها. والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، يحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف (^٢).
والأقوال عن السلف كثيرة تبين إثباتهم للصفات، وإيمانهم بها، وعدم التفويض إلَّا للكيفية، وسيتضح هذا أكثر في التفصيل في الصفات إن شاء الله تعالى.
المطلب الثالث: الشبهات العقلية التي ردوا بها الصفات:
القرطبي والمازري على منهج المتكلمين في ردهم لصفات الله تعالى بالشبه العقلية الباطلة التي يدل على بطلانها الكتاب والسنة والعقل السليم.
وهم في صرفهم لظواهر النصوص يظنون أن هذا من باب تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه؛ لأنهم زعموا أن ظواهر النصوص الواردة في صفات الله تعالى الذاتية كالقدم واليد ونحوها، أو الفعلية يوهم التشبيه، فلابد من صرفها عن ظاهرها بالتأويل، أو التفويض، والتفويض - عندهم - أن يعلم أن ظاهرها غير مراد، ويفوض معرفة المراد بها بعد ذلك (^٣).
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٢، ٢٦٠).
(٢) ذم التأويل لابن قدامة ص (١٥).
(٣) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ١٠٤).
[ ٤٥٣ ]
وقولهم هذا لأنهم لم يفهموا من نصوص الصفات إلَّا ما هو من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين فجعلوا للظاهر المتبادر إلى الذهن معنى باطلًا فوقعوا في التشبيه والتعطيل. ولذا قال ناظمهم:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أوفوض ورم تنزيها (^١)
قال الشيخ الشنقيطي: "والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله - ﷺ - فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان، هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟ لا والله لا يُنكرُ ذلك إلَّا مكابرة، والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنه كفر وتشبيه إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله ﷿، وعدم الإيمان بها مع أنه جل وعلا هو الذي وصف نفسه بها فكان هذا الجاهل مشبهًا أولًا ثم معطلًا ثانيًا" (^٢).
لأن مجرد الاتفاق في المسميات لا يقتضي التشبيه إنما التشبيه عند السلف أن يقال: يد كيد أو وجه كوجه ونحو ذلك.
قال إسحاق بن راهوية (^٣): "إنما التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد
_________________
(١) جوهرة التوحيد مع شرحها عون المريد (١/ ٤٤٢).
(٢) أضواء البيان (٢/ ٣٠).
(٣) هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المروزي المعروف بابن راهوية ثقة حافظ مجتهد أثنى عليه الإمام أحمد فقال: إسحاق لم يلق مثله توفي سنة (٢٣٨ هـ). تهذيب التهذيب (١/ ١١٢)، طبقات الحفاظ ص (٢١٠) ترجمة (٤١٨).
[ ٤٥٤ ]
أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يد وسمع وبصر ولا يقول كيد ولا مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال ﵎ في كتابه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١) " (^٢).
قال نعيم بن حماد (^٣): "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه، فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيهًا" (^٤).
وبسبب هذا التنزيه المزعوم عن مشابهة الله تعالى لخلقه، وقع القرطبي والمازري في نفي جميع صفات الله تعالى عدا الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة.
وخالفوا المنهج السلفي الذي عليه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام في القرون المفضلة ومن سلك مسلكهم إلى يومنا هذا.
فهم يثبتون لله تعالى ما أثبته سبحانه لنفسه أو أثبته له رسوله - ﷺ - مع تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقين. لكن هؤلاء جعلوا مجرد إثبات الصفات لله تعالى الواردة في الكتاب والسنة يعتبر تشبيهًا له سبحانه بخلقه. ولذا رموا السلف المثبتين لهذه الصفات بصفات منفرة كقولهم: المجسمة أو المشبهة أو الحشوية كما سبق بيانه.
_________________
(١) سورة الشورى، آية: ١١.
(٢) أقاويل الثقات للكرامي ص (١٣٩).
(٣) نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي كان من أشد الناس على الجهمية توفي سنة (٢٢٨ هـ) في سجن المأمون إذ امتحن على القول بخلق القرآن فأبى حتى مات في سجنه ﵀ سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٩٥)، طبقات الحفاظ ص (٢٠٣) ترجمة (٤٠٥).
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٣/ ٥٨٧).
[ ٤٥٥ ]
وقد سلك المتكلمون هذا المنهج الباطل نظرًا لتحكيمهم العقول القاصرة في النصوص الشرعية، وتقديم العقل على النقل، وزعمهم أن إثبات هذه الصفات يناقض العقل فاعتقدوا أن إثبات الصفات الذاتية كاليد والقدم ونحوها يقتضي التجسيم والتركيب بحيث يكون الله تعالى جسمًا مجسمًا ذا أعضاء وجوارح.
وأن إثبات علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه أو نزوله إلى السماء الدنيا يقتضي إثبات الجهة لله تعالى والتحيز وأنه محصور محدود.
وأن إثبات هذه الصفات وغيرها من الصفات الفعلية لله تعالى يلزم منه حلول الحوادث بالله تعالى، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. إلى غير ذلك من الترهات التي هي من آثار تحكيم العقول وتقديمها على النصوص الشرعية فلبسوا على من لا يعرف مصطلحاتهم، وهي في الحقيقة أوهام وشبهات منعتهم من قبول الحق، ووقعوا بسببها في تحريف نصوص الكتاب والسنة.
وسأورد بعض النقولات من كتابي "المفهم" و"المعلم" تبين سلوك القرطبي والمازري لهذا المسلك والتزامهما بهذا المنهج، والأمر يتضح أكثر عند التفصيل في الصفات حيث يكون الرد المفصل من خلالها.
وسأتبع هذه النقولات بالتفصيل في هذه الشبه التي انقدحت في عقولهم مع الرد عليها من كلام السلف.
ومن الشبه التي وقع فيها القرطبي - ﵀ - ما ذهب إليه من أن العقل والنقل يؤيدان ما ذهب إليه في التأويل حيث قال: "العقل والنقل يردان مذهب المجسمة، أما العقل: فلو كان عرضًا أو جسمًا لجاز عليه
[ ٤٥٦ ]
ما يجوز عليهما، ويلزم تغيره وحدثه. وأما النقل: فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١) ولو كان جسمًا أوعرضًا لكان كل شيء منهما مماثلًا له" (^٢).
"فإن الأجسام من حيث هي متساوية في الأحكام العقلية، وما ثبت للشيء ثبت لمثله، وقد ثبت لهذه الأجسام الحدوث فيلزم عليه أن يكون الله تعالى حادثًا، ويلزم على قولهم أن يكون كل واحد منا مثلًا له تعالى من جهة الجسمية والحيوانية والجوارح وغير ذلك من الأعضاء (^٣).
وقال: "والله منزه عن الجسمية ولوازمها" (^٤).
ثم قال: "وقد شهد العقل والنقل أن الله منزه عن مماثلة الأجسام وعن الجوارح المركبة" (^٥).
وقال في نفي علو الله تعالى واستوائه على عرشه: "الباري منزه عن الاختصاص بالأمكنة والجهات، إذ ذاك من لوازم المحدثات" (^٦).
وقال أيضًا: "الله منزه عن الفوقية كما هو منزه عن التحتية إذ كل ذلك من لوازم الأجرام وخصائص الأجسام" (^٧).
وقال أيضًا: "الباري يستحيل أن يحيط به حجاب، إذ يلزم منه أن يكون مقدرًا محصورًا فيحتاج إلى مقدر ومخصص، ويلزم منه
_________________
(١) سورة الشورى، آية: ١١.
(٢) المفهم (١/ ٤٠٨).
(٣) المفهم (٧/ ١٩٤).
(٤) المفهم (١/ ٤٣٦).
(٥) المفهم (٤/ ٢٢).
(٦) المفهم (٦/ ٤٥١).
(٧) المفهم (٣/ ٥٩٥).
[ ٤٥٧ ]
حدوثه" (^١).
وقال: "كل موجود ممكن محدث، وهو لا يخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث" (^٢).
وقال في نفي استواء الله على عرشه بالشبه العقلية: "ومما يعلم استحالته كون العرش حاملًا لله تعالى، وأن الله مستقر عليه كاستقرار الأجسام، إذ لو كان مجمولًا لكان محتاجًا فقيرًا لما يحمله (^٣)، وذلك ينافي وصف الإلهية إذ أخص أوصاف الإله الاستغناء المطلق" (^٤).
وقال المازري: "الصورة تفيد التركيب، وكل مركب محدث، والباري سبحانه ليس بمحدث، فليس بمركب وما ليس بمركب فليس بمصور" (^٥) إلى غير ذلك من الشبه العقلية التي جعلوها حجة لصرف النصوص عن المراد بها، وللقدح في مذهب السلف الصالح في الإثبات وأهل السنة لا يوافقونهم على هذه الألفاظ، ولا يجعلون الطعن عليهم فيها سببًا لعدم قولهم الحق، أو التردد فيه. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٦).
١ - التركيب:
ادَّعى الأشاعرة ومن على منهجهم أن إثبات الصفات الخبرية
_________________
(١) المفهم (١/ ٤١١).
(٢) المفهم (٦/ ٦٧٠).
(٣) أهل السنة مع إثباتهم لاستواء الله على عرشه لا يسلمون بهذه اللوازم وينكرون احتياج الله تعالى لخلقه ويثبتون استغناءه التام، وسيأتي الرد عليه عند التفصيل في هذه الصفة ص (٤٤٧).
(٤) المفهم (٦/ ٦٧٠).
(٥) المعلم (٣/ ١٦٩).
(٦) سورة الرعد، آية: ١٧.
[ ٤٥٨ ]
الذاتية لله تعالى كصفة الوجه واليد ونحوها يؤدي إلى أن يكون الله مركبًا، وما كان كذلك، فهو مستلزم للحاجة والافتقار، وهذا بناءً على قياسهم الخالق على المخلوق، وبهذا وقعوا في التشبيه والتعطيل (^١). ويقال في الرد عليهم:
هذا اللفظ من الألفاظ المجملة التي لبسوا بها على الناس فلابد من الاستفصال عن معناه، فيقال لهم: ماذا تريدون بلفظ المركب؟ إن أردتم به ما ركبه غيره كقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ (^٢) أو ما كان متفرقًا فاجتمع، كأجزاء الطعام والثوب وغيره، أو ما يقبل التفريق والانقسام. فمن ادعى أن اتصاف الله بالصفات يؤدي إلى هذا المعنى الباطل فقد كذب وافترى، أما إن قصدتم ما تميز به شيء عن شيء كالعلم عن القدرة، أو ما ركب من الذات وصفاتها، فهذا حق، لكن تسمية هذا تركيبًا اصطلاحٌ باطل، فما من موجود إلَّا ويعلم منه شيء دون شيء، والجسم الذي له صفات لا يعرف في اللغة إطلاق كونه مركبًا، فإن التفاحة التي لها لون وطعم وريح لا يعرف في اللغة إطلاق كونها مركبة من لونها وطعمها وريحها (^٣)، فحجتهم صارت مبنية على مثل هذه الألفاظ المجملة، والتزام الألفاظ الشرعية مع الاستفصال عن الإجمال الواقع في المصطلحات الحادثة هو منهج السلف، وهو المنهج الحق. ثم هم يثبتون أن الله عالمٌ قادرٌ مريدٌ، فإن كانت ذاته مركبة من هذه المعاني لزم التركيب الذي ادعوه، وإن كانت عرضية لزم الافتقار الذي ادعوه.
_________________
(١) انظر: التبصير في الدين للإسفراييني ص (٩٦) والملل والنحل (١/ ١٠٥).
(٢) سورة الانفطار، آية: ٨.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٥/ ١٤٤) والفتاوى (٦/ ١٠٩)، والصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٩٣٠).
[ ٤٥٩ ]
ثم لا يسلم لهم أن هناك تركيبًا من أجزاء بحال، وإنما هي ذات قائمة بنفسها مستلزمة للوازمها التي لا يصح وجوده إلَّا بها، وليست صفة الموصوف أجزاء له ولا أبعاضًا يتميز بعضها عن بعض، أو تتميز عنه حتى يصح أن يقال هي مركبة منه أو ليست مركبة. أنه لو فرض أن هذا يسمى مركبًا فليس مستلزمًا للإمكان، ولا للحدوث، ولا للافتقار، وذلك أنه علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون الرب تعالى فقيرًا إلى خلقه، بل هو الغني عن العالمين فهو سبحانه غني بنفسه، ليس ثبوته وغناه مستفادا من غيره، إنما هو بنفسه، لم يزل ولا يزال حقًّا صمدًا قيومًا، فالقول في صفاته التي هي داخلة في مسمى نفسه هو القول في نفسه (^١).
ثم لا يتصورُ عاقل في حق الله تعالى خالق المفرد والمركب الذي يجمع المتفرق ويؤلف بين الأجزاء فيركبها كما يشاء أن يكون اتصافه بالصفات التي وصف بها نفسه يؤدي إلى التركيب! كالإنسان المركب من الأجزاء التي يحتاج بعضها إلى بعض، إن هذا قياس باطل عقلًا وشرعًا، وهو بهتان ومكابرة للعقل الذي يدل على إثبات إله واحد لا شريك له، ولا شبيه له، ولا يتصور عقلًا أن يكون هذا الرب الواحد لا صفة له ولا وجه ولا يدين، ولا هو فوق خلقه فدعوى أن هذا يؤدي إلى التركيب دعوى باطلة، وكذب صريح على العقل والوحي (¬٢).
٢ - الجسم:
لفظ الجسم من الألفاظ المبتدعة التي لم تأت في الكتاب ولا السنة، ولا تكلم بها أحدٌ من الصحابة أو التابعين.
_________________
(١) انظر: نقض أساس التقديس لابن تيمية (١/ ٦٠٥، ٦٠٧) ومنهاج السنة لابن تيمية (٢/ ٥٤١).
(٢) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٩٤٥، ٩٤٧).
[ ٤٦٠ ]
"فلما ظهرت الجهمية نفاة الصفات تكلم الناس في الجسم، وفي إدخال لفظ الجسم في أصول الدين، وفي التوحيد، وكان هذا من الكلام المذموم عند السلف والأئمة، فصار الناس في لفظ الجسم على ثلاثة أقوال: طائفة تقول إنه جسم، وطائفة تقول ليس بجسم، وطائفة تمسك عن إطلاقه نفيًّا أو إثباتًا، وهذا لكونه بدعة في الشرع، أو لكونه في العقل يتناول حقًّا وباطلًا، فمنهم من يكف عن التكلم في ذلك، ومنهم من يستفصل المتكلم، فإن ذكر في النفي أو الإثبات معنى صحيحًا قبله، وعبَّر عنه بعبارة شرعية، ولا يعبر عنها بعبارة مبتدعة في الشرع، وإن ذكر معنى باطلًا ردَّه، وذلك أن لفظ الجسم فيه اشتراك بين معناه في اللغة ومعانيه المصطلح عليها، وفي المعنى مصطلحات عقلية فيطلقه كل قوم بحسب اصطلاحاتهم وحسب اعتقاداتهم" (^١).
"فيقال لمن أطلقه: ما أردت بالجسم؟ فإن قال: أردت الجسم الذي معناه في لغة العرب البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه، فهذا المعنى منفي عن الله تعالى عقلًا وسمعًا" (^٢).
"وإن قال: أردت بالجسم ما كان مركبًا من الجواهر الفردة أو المادة والصورة، وأن هذا يقتضي أن يكون تجسيمًا والأجسام متماثلة. قيل له: أكثر العقلاء يخالفونك في تماثل الأجسام المخلوقة، وفي أنها مركبة، فلا يقولون: إن الهواء مثل الماء، ولا أبدان الحيوان مثل الحديد والجبال، فكيف يوافقونك على أن الرب تعالى يكون جسمًا مماثلًا لخلقه إذا أثبتوا له ما ورد في صحيح المنقول من صفاته تعالى" (^٣).
_________________
(١) منهاج السنة لابن تيمية (٢/ ١٩٨).
(٢) الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٩٣٩).
(٣) انظر: الفتاوى لابن تيمية (١٧/ ٣١٧، ٣١٨).
[ ٤٦١ ]
وإن قال: أردت بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار، ويتكلم ويكلم ويسمع ويبصر ويرضى ويغضب، فهذه المعاني ثابتة لله تعالى، وهو موصوف بها، فلا ننفيها عنه تعالى بتسميتك للموصوف بها جسمًا، كما أننا لا نسُبُّ الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم نواصب، ولا نرد خبر الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية! ! ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك جسمًا مشبهًا! !
فإن كان تجسيمًا ثبوت استوائه على عرشه إني إذًا لمجسم
وإن كان تشبيهًا ثبوت صفاته فمن ذلك التشبيه لا أتكتم
وإن كان تنزيهًا جحود استوائه وأوصافه أو كونه يتكلم
فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا بتوفيقه والله أعلى وأعظم (^١)
وإن أردت بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية، فقد أشار أعرف الخلق بأصبعه رافعًا إلى السماء بمشهد الجمع العظيم مستشهدًا له لا للقبلة.
وإن أردت بالجسم ما يقال: أين هو؟ فقد سأل أعلم الخلق به بأين منبهًا على علوه على عرشه، وسمع السؤال بأين وأجاب عنه، ولم يقل هذا السؤال إنما يكون للجسم.
وإن أردت بالجسم ما يلحقه من وإلى، فقد نزل جبريل ﵇ من عنده، وعرج برسوله - ﷺ - إليه، وإليه يصعد الكلم الطيب وعبده المسيح رفع إليه.
_________________
(١) هذه الأبيات لابن القيم ﵀. انظر: الصواعق المرسلة (٣/ ٩٤٠).
[ ٤٦٢ ]
وإن أردت بالجسم ما له وجه ويدان وسمع وبصر، فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى، وبيديه وسمعه وبصره، وغير ذلك من صفاته التي أطلقها على نفسه (^١).
٣ - حلول الحوادث والأعراض:
لقد نفى القرطبي والمازري - تبعًا للأشاعرة - صفات الله تعالى الفعلية بحجة أن إثباتها يؤدي إلى حلول الحوادث بالله تعالى، وقالوا: ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث (^٢).
قال شارح الطحاوية: "حلول الحوادث بالرب تعالى المنفي في علم الكلام المذموم لم يرد نفيه ولا إثباته في الكتاب ولا في السنة، وفيه إجمال، فإن أريد بالنفي أنه لا يحلُّ في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح، وإن أُريد به نفي الصفات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد ولا يتكلم بما شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته فهذا نفي باطل.
وأهل الكلام يطلقون نفي حلول الحوادث فيسلم السني للمتكلم ذلك على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل وهذا غير لازم له" (^٣).
وقال شيخ الإسلام في رد هذه الشبهة: "لفظ الأعراض والحوادث لفظان مجملان، فإن أريد بذلك ما يعقله أهل اللغة من أن هذه الأعراض
_________________
(١) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٩٣٩، ٩٤٣).
(٢) انظر: التبصير في الدين للإسفراييني ص (٩٦، ٩٧) والملل والنحل (١/ ٩٥).
(٣) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٩٧).
[ ٤٦٣ ]
والحوادث هي الأمراض والآفات كما يقال: فلان عرض له مرض شديد، وفلان قد أحدث حدثًا عظيمًا ويقال: فلان به عارض من الجن، وفلان حدث له مرض فهذه من النقائص التي ينزه الله عنها" (^١).
ثم بيَّن أنه إن أريد بنفي الأعراض والحوادث نفي صفات الله تعالى التي أثبتها سبحانه لنفسه، فإن هذا غير صحيح فجعل هذه الصفات أعراضًا وأحداثًا اصطلاح أحدثه علماء الكلام، والعلماء باللغة وبكتاب الله لا يفقهون من هذه الألفاظ هذا المعنى الذي اصطلحوا عليه ونفوا به صفات كماله وجلاله (^٢).
ولا يلزم من إثبات الصفات الاختيارية لله تعالى كالخلق والإحياء والغضب والرضا ونحو ذلك، مما وصف الله به نفسه حلول الحوادث بالله تعالى؛ لأن الله سبحانه عندما يخلق أو يتكلم أو يغضب أو يرضى لا يكون الكلام قد حدث له بعد أن كان ممتنعًا عليه؛ لأنه سبحانه لم يزل متصفًا بصفات الكمال.
فحدوث الكلام والخلق والتصوير في وقت دون وقت "غير ممتنع ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلمًا بالأمس لا يقال: إنه حدث له الكلام ولو كان غير متكلم لآفةٍ كالصغر والخرس ثم تكلم يقال: حدث له الكلام، فالساكت لغير آفةٍ يسمى متكلمًا بالقوة بمعنى أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى متكلمًا بالفعل وكذلك الكاتب في حال الكتابة هو كاتب بالفعل ولا يخرج عن كونه كاتبًا في حال عدم مباشرته للكتابة" (^٣).
_________________
(١) الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٩٠).
(٢) انظر: الفتاوى (٦/ ٩١).
(٣) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٩٧).
[ ٤٦٤ ]
٤ - الجهة والتحيز:
وقد توصلوا بهذين اللفظين إلى نفي علو الله تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا (^١).
فيقال لهم: لفظ الجهة من الألفاظ المجملة التي تحتمل حقًّا وباطلًا، فيقال لمن أطلقه: ماذا تقصد بلفظ "الجهة" الذي تنفيه عن الله تعالى؟
فإن أردت بذلك نفي السفل أو نفي أن يكون الله تعالى في داخل المخلوقات تحيط به فهذا المعنى صحيح، ولكن إطلاق لفظ جهة لا يوافق عليه؛ لأنه لم يرد في كتاب ولا سنة فلا يجوز إطلاقه، وإلَّا فمن المعلوم أن الله تعالى عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه، ليس في داخل المخلوقات ولا تحيط به ﷾ عن ذلك فهو مباين لخلقه غير مختلط بهم.
وأما إن أردت بنفي الجهة نفي علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه، فهذا باطل مخالف للعقل والنقل؛ لأن هذه الصفات لله تعالى ثابتة بالأدلة القاطعة، فلا يكون هذا اللفظ الحادث سببًا في نفي ما ثبت لله تعالى من صفات الكمال" (^٢).
وأمَّا التحيز فيقال: إن أردتم به أن الله تعالى يحوزه شيء فالله تعالى منزه عن هذا، إذ ما ثم إلَّا الخالق والمخلوق، وقد علم بصريح العقل أن الله لا يحل في خلقه، ولا يحله شيء من خلقه، فإذا كان كذلك واستحال أن يوصف بجهة السفل - كما يوافق الأشعرية على ذلك - لم يبق إلَّا أن
_________________
(١) انظر: التبصير في الدين للأسفراييني ص (٩٨) والفرق بين الفرق للبغدادي ص (٣٣٣).
(٢) انظر: نقض أساس التقديس لابن تيمية (٢/ ١١٧ - ١١٩) ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٢٥٣، ٢٥٥).
[ ٤٦٥ ]
يوصف بالعلو. وأما التحيز العدمي -فهذا قد يطلقونه- كما هو الشأن في العالم، فقد يقولون إن العالم متحيز -أي ليس داخلًا في عالم آخر- وعليه فإن الحيز هنا أمر عدمي، والعدم ليس بشيء، فإذا كان كذلك، فإن الله تعالى بهذا الاعتبار منحاز عن خلقه" (^١).
ولكن يجب إطلاق كلمة العلو والاستواء لا هذا اللفظ الذي لم يرد في الكتاب أو السنة، إنما أرادوا بإطلاقه نفي ما ثبت لله ﷾ من علوه على خلقه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى سمائه الدنيا تعالى الله تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
وقولهم هذا بدعوى تنزيه الله تعالى أوقعهم بضد هذا التنزيه الذي ادعوه إذ هذا التنزيه المزعوم جعلهم يقولون: بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، فجمعوا بهذا بين النقيضين إذ يستحيل أن يكون الموجود لا داخل العالم ولا خارجه، وما ثم إلَّا الخالق والمخلوق، والمخلوق هو العالم، فإذا قيل ليس داخل العالم لزم أن يكون خارجه (^٢).
ويلزم من قولهم هذا تشبيه الله تعالى بالممتنعات والمعدومات؛ لأنها يصدق عليها: لا داخل العالم ولا خارجه، فيكونون قد فروا من شيء توهموه شرًّا، إلى ما هو أشرُّ منه (^٣).
٥ - الحد:
الحد من الألفاظ المحدثة المحتملة للحق والباطل، ولذا نقل عن السلف إثباته ونفيه.
_________________
(١) انظر: نقض أساس التقديس (٢/ ١١٧، ١١٩) ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٣، ٢٥٤).
(٢) انظر: التدمرية لابن تيمية ص (٣٦) وشرح النونية للهراس (١/ ١٧٦، ١٧٧).
(٣) انظر: التدمرية ص (٦١، ٦٤).
[ ٤٦٦ ]
قيل لعبد الله بن المبارك: كيف تعرف الله ﷿؟ قال: على العرش بحد (^١).
وورد إثبات هذا اللفظ عن الدارمي وغيره (^٢)،
وقد أنكره بعض السلف ولم يروا إطلاقه، وجاء عن الإمام أحمد إثبات الحد ونفيه (^٣).
والصحيح أنه لا تعارض بين القولين، إذ النافي نفى المعاني الباطلة، والمثبت قصد إثبات ما تنفيه المعطلة، والرد على الجهمية القائلين بالحلول.
قال شيخ الإسلام: "ولما كان الجهمية يقولون ما مضمونه إن الخالق لا يتميز عن الخلق فيجحدون صفاته التي تميز بها، ويجحدون قدره .. فبين ابن المبارك أن الرب سبحانه على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه، وذكر الحد؛ لأن الجهمية كانوا يقولون. ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم؛ لأن ذلك مستلزم للحد" (^٤).
وقال عن الروايتين الواردتين عن الإمام أحمد: "حيث نفاه نفى تحديد الحادِّ له، وعلمه بحده، وحيث أثبته أثبته في نفسه، ولفظ الحد يقال على حقيقة المحدود، صنفة أو قدرًا، أو مجموعهما، ويقال على العلم والقول الدال على المحدود" (^٥).
_________________
(١) رد الدارمي على المريسي (١/ ٢٢٤).
(٢) المرجع السابق.
(٣) انظر: أساس التقديس لابن تيمية (١/ ٤٣٠، ٤٣٣).
(٤) المرجع السابق (١/ ٤٤٣).
(٥) المرجع السابق (٢/ ١٧٤).
[ ٤٦٧ ]
فيكون الحد في كلام السلف على ثلاثة معان:
١ - ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره، وعلى هذا نقول إن الله تعالى غير حالٍّ في خلقه، ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه، المقيم لما سواه، فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلًا، فإنه ليس وراء نفيه إلَّا نفي وجود الرب، ونفي حقيقته (^١).
٢ - ويطلق على معنى الكيفية، ويدل عليه قول الإمام أحمد: "ولا يصفه الواصفون ولا يحده أحد، تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة" (^٢).
فالله تعالى بهذا المعنى له حد، لكن لا يجوز لأحد أن يحده؛ لأنه غير معلوم، فلصفات الله كيفية، لكنها غير معلومة لنا، كما قال الإمام الدارمي: "والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره .. ولكن نؤمن بالحد، ونكل علم ذلك إلى الله" (^٣).
٣ - ويطلق على معنى حكاية غاية ونهاية تنتهي إليها صفات الله تعالى، فهذا ممنوع لأن صفات الله تعالى كقدرته وإرادته لا تحد بغاية، ويدل على ذلك قول الإمام أحمد "سميع بصير بلا حد ولا تقدير" (^٤).
٦ - لفظ الأعضاء والأركان والجوارح:
احتج نفاة صفات الله تعالى الذاتية، كاليد والوجه والقدم، وغيرها، بأن إثباتها لله تعالى يلزم منه إثبات الأعضاء والجوارح لله تعالى (^٥).
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٦٣).
(٢) نقض أساس التقديس (٢/ ١٦٥).
(٣) رد الدارمي على المريسي (١/ ٢٢٣، ٢٢٤).
(٤) نقض أساس التقديس (١/ ٤٣١).
(٥) انظر: التبصير في الدين للأسفراييني ص (٩٦) والملل والنحل (١٠٥١).
[ ٤٦٨ ]
ولا شك أن هذا زعمٌ باطلٌ، وقولٌ مردودٌ، إذ جاء إثبات هذه الصفات في الكتاب والسنة، فلا ندعها لقول هؤلاء، ولذا فأهل السنة يقولون عن هذا الزعم: لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء أو جوارح، أو أدوات أو أركان؛ لأن الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد الصمد، لا يتجزأ، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية، والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع، وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة، وكل هذه المعاني منتفية عن الله، ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى" (^١).
المطلب الرابع: رمي السلف بالتشبيه والتجسيم:
إن متابعة القرطبي والمازري للمتكلمين في قواعدهم التي أحدثوها لنفي صفات الله ﷾ جعلتهم يرمون أهل السنة بألقاب ذميمة هم منها براء، وذلك كتسميتهم بالحشوية، والمجسمة، إذ كل من أثبت الصفات لله سبحانه كما جاءت بها النصوص رموه بهذه الألقاب والأوصاف للتنفير منه.
وتسميتهم بالحشوية أرادوا أنهم من حشو الناس وسقطهم، فلا يعتد بكلامهم، أو لإثباتهم العلو والاستواء، وهذا بزعمهم يؤدي إلى أن يكون الله تعالى في السماء مظروفًا محشوًا تعالى الله عن ذلك.
قال ابن القيم:
ومن العجائب قولهم لمن اقتدى بالوحي من أثر ومن قرآن
حشوية يعنون حشوًا في الوجو د وفضلة في أمة الإنسان
ويظن جاهلهم بأنهم حشوا رب العباد بداخل الأكوان
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٦٤).
[ ٤٦٩ ]
لا تبهتوا أهل الحديث به فما ذا قولهم تبًّ لذي البهتان
كم ذا مشبهة وكم حشوية فالبهت لا يخفى على الرحمن (^١)
فأولى أن يتصف هؤلاء المتكلمون بالحشو؛ لأنهم حشوا الأوراق وسودوها بزبالات عقولهم، وأفسدوها بالبدع، والضلالات المخالفة للقرآن والسنة (^٢). وسموهم بالمجسمة؛ لأنهم أثبتوا الصفات التي نفاها المتكلمون بعقولهم التي قدموها على نصوص الوحي، وأهل السنة أثبتوها لله تعالى من غير تشبيه له ﷾ بخلقه.
قال ابن القيم:
كم ذا مشبهة مجسمة نوا بتة مسبة جاهل فتان
أسماء سميتم بها أهل الحـ ـديث وناصري القرآن والإيمان
ما ذنبهم والله إلَّا أنهم أخذوا بوحي الله والفرقان
وأبوا يدينوا بالذي دنتم به من هذه الآراء والهذيان (^٣)
وعند شرح القرطبي لقوله - ﷺ -: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّاهم الله فاحذروهم" (^٤) قال: يعني يتبعونه ويجمعونه طلبًا للتشكيك في القرآن، وإضلالًا للعوام، كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن. أو طلبًا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما وقع في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية حتى
_________________
(١) القصيدة النونية مع شرحها للهراس (١/ ٣٣٣).
(٢) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص (٨٠، ٨٢).
(٣) القصيدة النونية مع شرحها للهراس (١/ ٣٣٦).
(٤) وذلك بعد ما قرأ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ الآية [سورة آل عمران،آية ٧] رواه البخاري في كتاب التفسير، باب "منه آيات محكمات" ح (٤٥٤٧) (٨/ ٥٧)، ومسلم في كتاب العلم، "باب رفع العلم وقبضه"ح (٢٦٧٣) (١٦/ ٤٦٥).
[ ٤٧٠ ]
اعتقدوا أن الباري تعالى جسم مجسم، وصورة مصورة، ذات وجه وعين ويد وجنب (^١) ورجل وإصبع، تعالى الله عن ذلك، فحذر النبي - ﷺ - عن
_________________
(١) أهل السنة لا يقولون بأن الجَنْب صفة من صفات الله تعالى لعدم ورود ذلك بالكتاب أو السنة أما قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [سورة الزمر، آية: ٥٦]. فمعناه: قصرت في طاعة الله، قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: قوله "على ما فرطت في جنب الله" يقول: على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به وقصرت في الدنيا في طاعة الله انظر: تفسير الطبري (١١/ ١٩). وقال الدارمي في رده على المريسي: وأدعيت علينا زورًا وبهتانًا أننا نقول أنَّ الجنب الوارد في الآية هو العضو فإن كنت صادقًا فأشر إلى أحد من بني آدم قاله؟ ! إنما تفسيرها: تحسر الكافرين على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله تعالى واختاروا عليها الكفر، ولا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلًا عن علمائهم، انظر: رد الدارمي على المريسي (٢/ ٨٠٧). قال ابن تيمية: لا يعرف عالم مشهور عند المسلمين ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين أثبتوا لله جنبًا نظير جنب الإنسان وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق كقوله تعالى: "بيت الله "و"ناقة الله"و"عباد الله" بل وكذلك "روح الله" عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم ولكن إذا أضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره مثل: كلام الله وعلم الله ويد الله ونحو ذلك كان صفة له وفي القرآن ما يبين أنه ليس المراد بالجنب ما هو نظير جنب الإنسان فإنه قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ والتفريط ليس في شيء من صفات الله ﷿ والإنسان إذا قال: فلان قد فرط في جنب فلان، أو جانبه لا يريد به أنَّ التفريط وقع في شيء من نفس ذلك الشخص بل يريد به أنه فرط في جهته اللفظ وفي حقه فإذا كان هذا اللفظ إذا أضيف إلى المخلوق لا يكون ظاهره أنَّ التفريط في نفس جنب الإنسان المتصل بأضلاعه بل ذلك التفريط لم يلاصقه فكيف يظن أنَّ ظاهره في حق الله أنَّ التفريط كان في ذاته. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٤/ ٤١٥). وقد ذكر ابن الجوزي عند تفسيره لهذه الآية خمسة أقوال لجنب الله هي: طاعة الله وحق الله وأمر الله وذكر الله وقرب الله. زاد المسير (٧/ ٦٠). على أن صديق حسن خان ﵀ قد ذكر الجنب من صفات الله تعالى وهو وهم منه ﵀. انظر: قطف الثمر في عقيدة أهل الأثر لصديق حسن ص (٦٧).
[ ٤٧١ ]
سلوك طريقهم، فأما القسم الأول: فلا شك في تكفيرهم وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة. وأما القسم الثاني: فالصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون، فإن تابوا، وإلَّا قتلوا، كما يفعل بمن ارتد" (^١).
وعند شرحه للحديث الذي فيه إثبات القدم لله تعالى قال: "قد ضل بظاهر هذا اللفظ من أذهب الله عقله، وأعدم فهمه، وهم المجسمة المشبهة، فاعتقدوا أن لله تعالى رِجْلًا من لحم وعصب تشبه أرجلنا، كما اعتقدوا في الله تعالى أنه: جسم يشبه أجسامنا، ذو وجه وعينين، وجنب، ويد، ورجل، وهكذا، وهذا ارتكاب جهالة خالفوا بها العقول وأدلة الشرع المنقول، وما كان سلف هذه الأمة عليه من التنزيه عن المماثلة والتشبيه، وكيف يستقر هذا المذهب الفاسد في قلب من له أدنى فكرة ومن العقل أقل مسكة" (^٢).
وعند شرحه لقوله - ﷺ -: "إذا قاتل أحدكلم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" (^٣).
قال: "قد أعادت المشبهة هذا الضمير على الله تعالى، فالتزموا القول بالتجسيم، وذلك نتيجة العقل السقيم، والجهل العميم، وقد بيَّنا جهلهم وحقَّقنا كفرهم، فيما تقدم" (^٤).
وقال عند حديثه عن فتنة الدجال: "وكل ما يظهره الله على يدي الدجال من الخوارق للعادة محن امتحن الله بها عباده، وابتلاء ابتلاهم به
_________________
(١) المفهم (٦/ ٦٧٠).
(٢) المفهم (٧/ ١٩٤).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة، باب النهي عن ضرب الوجه ح (٢٦١٢) (١٦/ ٤٠٤).
(٤) المفهم (٦/ ٥٩٨).
[ ٤٧٢ ]
ليميز أهل التنزيه والتوحيد بما يدل عليه العقل السديد من استحالة الإلهية على ذوي الأجسام، وإن أتوا على دعواهم بامتثال تلك الطوام أو ليغتر أهل الجهل باعتقاد التجسيم حتى يوردهم ذلك نار الجحيم" (^١).
وقال أيضًا: "الغالب على اليهود أنهم يعتقدون الجسمية، وأن الله تعالى شخص ذو جوارح، كما تعتقده غلاة الحشوية في هذه الملة" (^٢).
وقال المازري بعد ذكره لعدة تأويلات لصرف ما ثبت في الحديث الصحيح من إثبات القدم لله تعالى: "وإذا أمكن حمل الحديث على هذه التأويلات الصحيحة الجائزة على الله سبحانه لم يصح حمله على ما تقوله المجسمة من إفادته إثبات الجارحة لله، تعالى الله عن قولهم، وقد قام الدليل القاطع على استحالة ذلك عليه جل وعلا وهذا واضح فتأمله" (^٣).
ولا شك أن رميهم أهل السنة بهذه الألقاب من التعدي والظلم الذي لا يرضاه الله تعالى إضافة إلى إلزامهم لمن يثبت هذه الصفات لله تعالى كما وردت بالتشبيه وأهل السنة من هذا براء (^٤).
قال الإمام الدارمي في رده على المريسي: "وكيف استجزت أن تسمى أهل السنة وأهل المعرفة بصفات الله المقدسة مشبهة إذا وصفوا الله بما وصف به نفسه في كتابه بالأسماء التي أسماؤها موجودة في صفات بني آدم بلا تكييف" (^٥).
_________________
(١) المفهم (٧/ ٢١٧٣) وانظر: أيضًا (٧/ ٢٩٣).
(٢) المفهم (٣/ ٣٨٩).
(٣) المعلم (٣/ ٢٠١).
(٤) ويتبين هذا في هذا المبحث أي: مبحث منهجهما في الصفات حيث صرفوا عامة النصوص الواردة في الصفات الفعلية والذاتية عن ظاهرها والزموا من أثبتها بالتجسيم والتشبيه.
(٥) رد الدارمي على المريسي (١/ ٣٠١).
[ ٤٧٣ ]
المطلب الخامس: منهجهما في سائر صفات الله تعالى:
صفة العلم:
العلم صفة ذاتية لازمة لله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (^١)، وقال سبحانه: ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^٢). وقال - ﷺ -: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب" (^٣). والأدميون وإن كانوا يوصفون بالعلم، فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان (^٤).
وعلم الله ليس كعلم المخلوقين، تعالى الله سبحانه عن مشابهة خلقه، وقد أثبت الأشاعرة هذه الصفة مع باقي الصفات السبع التي أثبتوها مع مخالفة لأهل السنة في إثباتها (^٥)، وتابعهم القرطبي على ذلك، حيث قال عند تعريفه للإيمان بالله تعالى: "الإيمان بالله: هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، وأنه تعالى منزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات" (^٦).
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: ٧٣.
(٢) سورة الطلاق، آية: ١٢.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الاستخارة ح (٦٣٨٢) (١١/ ١٨٧)
(٤) شأن الدعاء للخطابي ص (٥٧).
(٥) انظر: اللمع للأشعري ص (٢٨ - ٣٢) والإنصاف للباقلاني ص (٣٨، ٣٩).
(٦) المفهم (١/ ١٤٤).
[ ٤٧٤ ]
وقال عن علم الله تعالى: "الله عالم بما كان وبما يكون وبما لا يكون: أن لو كان كيف كان يكون" (^١).
وقال أيضًا: "الله تعالى علم مقادير الأشياء وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلَّا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته" (^٢).
صفة القدرة:
صفة ذاتية لازمة لله تعالى، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٣)
، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ (^٤).
وقال - ﷺ -: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شرما أجد وأحاذر" (^٥)، وقال - ﷺ - في حديث الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر" (^٦).
والقرطبي أثبت هذه الصفة متابعة للأشاعرة؛ لأنها من الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة، وقد سبق نقل إثبات القرطبي لهذه الصفات، وذلك في صفة العلم.
وقد بين حكم من أنكر هذه الصفة فقال: اختلف في تكفير من
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢١٦).
(٢) المفهم (١/ ١٣٢).
(٣) سورة البقرة، آية: ٢٠.
(٤) سورة الأنعام، آية: ٦٥.
(٥) رواه مسلم في كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء ح (٢٢٠٢) (١٤/ ٤٣٩).
(٦) سبق تخريجه ص (٤٧٤).
[ ٤٧٥ ]
اعترف بأن الله قادر بلا قدرة، وعالم بلا علم، ومريد بلا إرادة، فهل يكفر أم لا؟ ولا يختلف المسلمون أن من جهل أو شك في كون الباري تعالى عالمًا به، وقادرًا على إعادته كافر حلال الدم في الدنيا، مخلد في النار في الآخرة؛ لأن ذلك معلوم من الشرع بالضرورة، وجحده أو الشك فيه تكذيب للرسول - ﷺ - قطعًا" (^١).
صفة الإرادة:
صفة ذاتية لازمة لله تعالى، قال جل وعلا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (^٢)، وقال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ (^٣). وقال - ﷺ -: "إذا أراد الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم" (^٤).
والقرطبي قد أثبت هذه الصفة تبعًا للأشاعرة، بل إن الأشاعرة صرفوا كثيرًا من صفات الله تعالى إلى هذه الصفة، فقالوا عن محبة الله: إنها إرادة إكرام من يحب، وعن غضبه تعالى: إرادة الانتقام، وهكذا.
وقد سبق في صفة العلم والقدرة نقل النصوص عن القرطبي في إثبات هذه الصفة، وفي تكفير من قال: إن الله مريد بلا إرادة.
وقد أنكر القرطبي والمازري تسمية إرادة الله تعالى عزمًا، حيث قال القرطبي: "عزم الله لي. أي: خلق فيَّ قصدًا مؤكدًا، وهو العزم، لا
_________________
(١) المفهم (٧/ ٧٥).
(٢) سورة الأنعام، آية: ١٢٥.
(٣) سورة المائدة، آية: ١.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت ح (٢٨٧٩) (١٧/ ٢١٥).
[ ٤٧٦ ]
أن إرادة الله تسمى عزمًا لعدم الإذن في ذلك" (^١).
وقال المازري عند قول مسلم "عزم الله لي": "لا يظن بمسلم أنه أراد لو عزم الله لي عليه لأن إرادة الله سبحانه لا تسمى عزمًا ولعله أراد سهل لي سبيل العزم، أو خلق في قدرة عليه" (^٢).
وقد جاء هذا اللفظ في قول أم سلمة - ﵂ - في صحيح مسلم قالت: " .. فلما توفي أبوسلمة قلت: من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله - ﷺ -، ثم عزم الله لي فقلتها (^٣). قالت: فتزوجت رسول الله - ﷺ -" (^٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وهل يجوز وصفه بالعزم؟ فيه قولان: أحدهما: المنع كقول القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى. والثاني: الجواز وهو أصح فقد قرأ جماعة من السلف ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٥) بالضم، وفي الحديث الصحيح من حديث أم سلمة: "ثم عزم الله لي"، وكذلك في خطبة مسلم: "فعزم لي" (^٦).
والعزم في حق المخلوقين عقد القلب على إمضاء الأمر، ولا نقول في حق الله كيف؟ بل نثبته على وجه يليق بجلاله وعظمته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
_________________
(١) المفهم (٢/ ٥٧).
(٢) المعلم (١/ ١٨٢).
(٣) أي قالت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، لقوله ﵊: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها: إلَّا أخلف الله له خيرًا منها" وهو نفس الحديث المخرج بعده.
(٤) رواه مسلم في كتاب الجنائز باب ما يقال عند المصيبة ح (٩١٨) (٦/ ٤٧٦).
(٥) سورة آل عمران، آية: ١٥٩.
(٦) الفتاوى (١٦/ ٣٠٣).
[ ٤٧٧ ]
شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^١) (^٢).
ولكن مع إثبات الأشاعرة للصفات السبع، فهم لا يتفقون في إثباتهم مع أهل السنة، وذلك أنهم قالوا بنفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، أي: نفي ما يتعلق بالله من الصفات الفعلية والاختيارية التي تقوم بذاته، وهذا قالوه بناء على دليل حدوث الأجسام، وأن ما حلت به الحوادث فهو حادث، ووجدوا أن إثبات هذه الصفات - عدا الحياة - يلزم منه حلول الحوادث بالله؛ لأنه مع وجود المخلوقات توجد معلومات ومرادات ومسموعات ومبصرات ومقدرات، وكذا إذا كلم بعض رسله أو أوحى إليهم، وصلة هذه بالله تعالى يلزم منها ما يسمونه بحلول الحوادث بالله تعالى؛ لأن علم الله بالشيء بعد وجودهِ ليس هو نفس علمه بعد وجوده، لم يتجدد له فيه نعت ولا صفة، وإلّا صار جهلًا، وهكذا بقية الصفات، فحاولوا حل هذه المعضلة - بزعمهم - بأن قالوا بأزلية هذه الصفات، وأنها لازمة لذات الله أزلًا وأبدًا، وقالوا: إنه لا يتجدد لله عند وجود هذه الموجودات نعت ولا صفة، وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم فقط، ولا شك أن هذا من مخالفة العقل والنقل؛ لأن العلم بالشيء بعد وجوده ليس كالعلم به قبل وجوده، وقد ذكر الله تعالى علمه بما يكون في بضعة عشر موضعًا مع أنه تعالى قد أخبر أن علمه قد أحاط بكل شيء قبل كونه" (^٣).
وقد رد عليهم شيخ الإسلام بتخبطهم هذا بكلام يطول ذكره (^٤).
_________________
(١) سورة الشورى، آية: ١١.
(٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف ص (١٨١).
(٣) موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود (٣/ ١٠٥٤).
(٤) انظر: رسالة في تحقيق علم الله، لابن تيمية، جامع الرسائل (١/ ١٧٧)، والفتاوى (٨/ ٨) (١٦/ ٣٠١) والرد على المنطقيين ص (٤٦٥).
[ ٤٧٨ ]
صفة الكلام:
صفة الكلام من أكثر الصفات التي وقع فيها النزاع والجدل، وابتلي بسببها عدد من أئمة الإسلام إذ ثبتوا على الحق فيها، وما حادوا عن الصواب، فواجهوا بسبب ذلك ما كان سببًا في رفع درجاتهم، وإعلاء مكانتهم، واختلف الناس في هذه الصفة على أقوال، منها:
- ما ذهب إليه المعتزلة والجهمية من أن معنى كون الله تعالى متكلمًا أنه خلق الكلام في غيره، وليس الكلام صفة قائمة به (^١).
- وأما الكلابية والأشاعرة، فأثبتوا صفة الكلام لله ﷿، وأن كلامه قائم بذاته أزلًا وأبدًا، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، وقالوا: إن ذلك الكلام معنى واحد في الأزل هو الأمر بكل مأمور، والنهي عن كل محظور، والخبر عن كل مخبر عنه، فإن عبَّر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبَّر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبَّر عنه بالسريانية كان إنجيلًا (^٢). فجعلوا صفة الكلام صفة ذاتية لله تعالى، وليست فعلية؛ لأن الله تعالى - بزعمهم - ليس له فعل قائم به، وإنما فعله مفعوله، والمفعول منفصل عنه، وكلام الله ليس منفصلًا عنه (^٣).
- وأمَّا أهل السنة، فأثبتوا صفة الكلام صفة ذاتية لله تعالى، وفعلية، بمعنى أنه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأنه تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته وقدرته (^٤).
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٣، ٢٦٧).
(٢) انظر: الفتاوى لابن تيمية (١٢/ ٥٨٣).
(٣) انظر: الإنصاف للباقلاني ص (٧١) والتبصير في الدين للأسفرابيني ص (١٠١).
(٤) انظر: القواعد المثلى للشيخ محمد العثيمين ص (٢٥).
[ ٤٧٩ ]
الكلام النفسي:
القرطبي وافق الأشاعرة في قولهم في صفة الكلام، وأنه كلام نفسي ليس بحرف ولا صوت. فعند حديث أسامة بن زيد - ﵄ - الذي قال فيه: "بعثنا رسول الله - ﷺ - في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلَّا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: [قال: لا إله إلَّا الله وقتلته؟ قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا" (^١).
قال القرطبي: "قوله: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟، أي: أقالها بقلبه، وتكلم بها مع نفسه، ففيه دليل لأهل السنة على أن حديث النفس كلام وقول، فهو رد على من أنكر ذلك من المعتزلة وأهل البدع" (^٢).
قلت: هذا ليس قولًا لأهل السنة، بل للأشاعرة المخالفين لأهل السنة في هذه المسألة، وليس في هذا دليل لهم بل عليهم؛ لأن هذا الرجل تكلم بهذه الكلمة، ونطق بها بلسانه، فالمنكر والمسؤول عنه هل اعتقد بقلبه معناها أم أن هذا القول على سبيل الكذب والتمويه، خوفًا من السلاح؟ .
قال شيخ الإسلام: "مما لا نزاع فيه أن القول والحديث ونحوهما مع التقييد يضاف إلى النفس والقلب، كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم به
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٤٤).
(٢) المفهم (١/ ٢٩٦).
[ ٤٨٠ ]
أو تعمل" (^١) لكن النزاع في شيئين: أحدهما: أن الكلام على الإطلاق من غير إضافة إلى نفس أو قلب أو نحو ذلك هل هو اسم لمجرد المعنى أو لمجرد الحروف أو لمجموع المعاني والحروف؟ والذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، وقيل: بل مسماه هو اللفظ، والمعنى ليس جزءًا من مسماه، بل هو مدلول مسماه، وهذا قول كثير من المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين للسنة وقيل: بل مسماه هو المعنى وإطلاق الكلام عليه مجازٌ؛ لأنه دالٌ عليه، وهذا قول ابن كلاب ومن تبعه" (^٢).
وقال أيضًا: "إذا قيد القول بالنفس كانت دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق، والدليل قوله - ﷺ -: "إن الله تجاوز لأمتي عمَّا حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل" (^٣).
وهذا ردٌّ عليهم مطلقًا لأنه قال: "ما لم تتكلم" فدل على أن حديث النفس ليس هو الكلام المطلق (^٤).
أما قول العربي: "كان في نفسي كلام" ونحو ذلك، فلا يُخالفُ في صحته لكن ليس على مراد الأشعرية، إنما على مراد أهل السنة من كون لفظ "الكلام" إذا جاء مقيَّدًا كان التقييد قرينة دالة على إخراجه من إطلاقه حيث قد تُراد به المعاني أو الألفاظ بالقرائن، فلما قيَّده العربي ههُنَا
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان ح (٦٦٦٤) (١١/ ٥٥٧) ومسلم في كتاب الإيمان باب تجاوز الله عن حديث النفس ح (١٢٧) (٢/ ٥٠٦).
(٢) انظر: الفتاوى (٧/ ١٣٤ - ١٣٦).
(٣) سبق تخريجه ص (٤٨١).
(٤) انظر: الفتاوى (٧/ ١٣٣).
[ ٤٨١ ]
بالنفس أخرجه من مطلق الكلام فكيف تحتج الأشاعرة بما هو مجاز على قواعدهم لتقرير ما هو الحقيقة؟ وذلك أنهم يقولون: ما تصرفه القرائن عن حقيقته إنما هو مجاز (^١).
فأهل السنة يرون أن إثبات الكلام النفسي هو إضافة نقص إلى الله تعالى إذ أن الأخرس له خواطر يريد أن يتكلم بها، ولكنه مع ذلك لا يستطيع، فالله ﷾ منزَّه عن مثل هذا العجز، الذي يعتبر نقصًا في المخلوق، والله ﵎ منزه عن كل نقض، بل أولى بالتنزه عن ذلك النقص من المخلوق، فهو سبحانه متصف بصفات الكمال، ومتكلم بمشيئته وقدرته وإرادته متى شاء وكيف شاء" (^٢).
ثم نعلم جميعًا أن المتكلم بالألفاظ والمعاني أكمل ممن يقوم المعنى في نفسه، وهو لا يقدر على التعبير عنه وهذا إن وجد في المخلوق الضعيف كان نقصًا بيِّنًا فكيف تصفون الله بأن كلامه هو المعنى الذي يكون في نفسه، وأن الله ﷿ يفهمه من شاء من خلقه، كما أفهمه جبريل، وجبريل يكون - على قولكم هذا - أكمل من الله؛ لأنه فهم المعنى، وأمكنه التعبير عنه، تعالى الله عن قولكم علوًّا كبيرًا، بل أي فرق بين الله وبين الآلهة التي لا ترجع إلى عابديها قولًا؟ " (^٣).
"فالذين قالوا بهذا القول لم يتصوروا ماهيته وعجزوا عن بيانه بتعريف منضبط" (^٤)
قال شيخ الإسلام: "الكلام النفساني الذي أثبتُّموه لم تثبتوا ما هو؟
_________________
(١) العقيدة السلفية في كلام رب البرية لعبد الله بن يوسف الجديع ص (٣٥١، ٣٥٢).
(٢) البيهقي وموقفه من الإلهيات للدكتور أحمد عطية الزهراني ص (٢٠٠).
(٣) العقيدة السلفية في كلام رب البرية، للجديع ص (٣٦٧، ٣٦٨) بتصرف.
(٤) المرجع السابق ص (٣٦٧).
[ ٤٨٢ ]
بل ولا تصورتموه وإثبات الشيء فرع تصوره فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته؟ ولهذا كان أبو سعيد بن كلَّاب - رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة - لا يذكر في بيانها شيئًا يعقل، بل يقول: هو معنى يناقض السكوت والخرس، والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام، فالساكت هو الساكت عن الكلام، والأخرس هو العاجز عنه، أو الذي حصلت له آفة في محل النطق تمنعه عن الكلام، وحينئذ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام ولا يعرف الكلام حتى يعرف الساكت والأخرس فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه" (^١).
قولهم كلام الله ليس بحرف ولا صوت:
ذهب الأشاعرة إلى القول بأن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت، وقالوا: إذا كان المتكلما ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات، والباري جل ثناؤه ليس بذي مخارج وكلامه ليس بحرف ولا صوت (^٢).
قال القرطبي: "لا خلاف بين أهل السنة في أن موسى سمع كلام الله الذي لا يشبهه كلام البشر الذي ليس بصوت ولا حرف، ولو سمعه بالحرف والصوت لما صحت خصوصية الفضيلة لموسى بذلك إذ قد سمع كلامه تعالى بواسطة الحرف والصوت المشترك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^٣) " (^٤).
وعند شرحه لقوله - ﵇ - في بيان كيف يأتيه الوحي:
_________________
(١) الفتاوى (٦/ ٢٩٦).
(٢) الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٢٨).
(٣) سورة التوبة، آية: ٦.
(٤) المفهم (١/ ٤٣٣).
[ ٤٨٣ ]
"أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليَّ " (^١).
قال: "والذي عندي في هذا الحديث: أن هذا تشبيه لأصوات خفق أجنحة الملائكة، فيعني أنها متتابعة متلاحقة، لا أن الله تعالى يتكلم بصوت، فإن كلامه تعالى ليس بحرف ولا صوت كما هو مبرهن عليه في موضعه فإن أراد هذا القائل: أن كلام الله تعالى القائم به صوت يسمع بحاسة الأذن فهو غلط فاحش، وما هذا اعتقاد أهل الحق، وإن أراد: أن الملائكة تسمع كلام ملك آخر يبلغهم عن الله بصوت فصحيح" (^٢).
سئل شيخ الإسلام عن كلام الله تعالى هل هو بحرف وصوت، أم لا؟ فقال: الصواب الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم اتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحرف بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام، ليس هو الحرف فقط، ولا المعنى فقط وأن الله يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح" (^٣).
وقد نصَّ أئمة الإسلام أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه تكلم به بحرف
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ - ح (٢) (١/ ٢٥). ومسلم في كتاب الفضائل باب عرق النبي - ﷺ - في البرد وحين يأتيه الوحي ح (٢٣٣٣) (١٥/ ٩٥).
(٢) المفهم (٦/ ١٧١).
(٣) الفتاوى (١٢/ ٢٤٣، ٢٤٤).
[ ٤٨٤ ]
وصوت، ليس منه شيء كلامًا لغيره لا جبريل ولا غيره" (^١).
فقول الأشاعرة هذا ليس عليه دليل سوى زعمهم أن إثبات الصفة يقتضي تشبيه الله تعالى بخلقه؛ لأن الحرف والصوت من صفات كلام المخلوقين.
وأهل السنة يثبتون هذه الصفة لله تعالى من غير تشبيه له بخلقه، ويبطلون زعم الأشاعرة أن إثبات الصوت يلزم منه إثبات المخارج وغير ذلك من اللوازم الباطلة التي نطقوا بها.
وقد ردَّ عليهم الإمام أحمد في هذه المسألة فقال: "أما قولهم: إن الكلام لا يكون إلَّا من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ (^٢) وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ (^٣) أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (^٤) أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان، ولكن الله أنطقها كيف شاء من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان" (^٥).
فهذه النصوص تدل على أن المتكلم ليس من شرطه أن يكون ذا مخارج فبطل ما زعموا.
أما قول القرطبي لو كان سمع موسى كلام الله تعالى بحرف وصوت لم تكن له خصوصية إذ قد سمعه بحرف وصوت جميع الناس ثم استدل
_________________
(١) المرجع السابق (١٢/ ٥٨٤).
(٢) سورة فصلت، آية: ١١.
(٣) سورة الأنبياء، آية: ٧٩.
(٤) سورة فصلت، آية: ٢١.
(٥) الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص (٣٥).
[ ٤٨٥ ]
بالآية على ما سبق ذكره.
فيقال: "موسى ﵇ وحده هو الذي سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت، والخطأ في عدم التفريق بين كلام الله تعالى وبين الأصوات المسموعة من القراء كما هو فهم الأشاعرة حيث حسبوا أهل السنة بإثباتهم لكلام الله تعالى بصوت يقولون: إن أصوات التالين هي صفة كلام الله وأهل السنة يقولون: أن أصوات القراء بالقرآن من أفعالهم وهي مضافة إليهم، وأفعالهم مخلوقة فأصوات القراء ليست صفة لكلام الله. ولكن الصوت الذي هو صفة لكلام الله تعالى هو الذي سمعه موسى ﵇ حين ناداه ربه وكلَّمه وسمعه جبريل - ﵇ - حين يوحي إليه بالوحي ويسمعه العباد يوم القيامة" (^١).
قال شيخ الإسلام: "كثير من الخائضين في هذه المسألة لا يفرق بين صوت العبد وصوت الرب، بل يجعل هذا هو هذا، فينفيهما جميعًا أو يثبتهما جميعًا، والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه، ونادى موسى بصوت نفسه، كما ثبت بالكتاب والسنة، وإجماع السلف، وصوت العبد ليس هو صوت الرب، فالعباد يقرؤونه بأصوات أنفسهم، وأفعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ، والكلام كلام البارئ. وقد قال - ﷺ -: "زيِّنوا القرآن بأصواتكم" (^٢) فبين أن الصوت صوت القارئ والكلام كلام البارئ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^٣) وهو سبحانه نادى
_________________
(١) انظر: العقيدة السلفية ص (٣٨٢، ٣٨٣).
(٢) رواه أبو داود في أبواب الوتر، باب كيف يستحب الترتيل في القرآن، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ص (٦٦٩) برقم (٣٥٨٠).
(٣) سورة التوبة، آية: ٦.
[ ٤٨٦ ]
موسى بصوت سمعه موسى، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (^٢)، ففرق بين إيحائه للنبيين وبين تكليمه لموسى، فمن قال إن موسى لم يسمع صوتًا، بل ألهم معناه لم يفرق بين موسى وغيره، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ (^٤) فقد فرَّق بين الإيحاء والتكلم من وراء حجاب، كما كلم الله موسى، فمن سوَّى بين هذا وهذا كان ضالًّا" (^٥).
وخاتمة المطاف أن نعلم أن السلف يثبتون أن الله تعالى يتكلم بصوت يسمع كما دلَّت عليه النصوص من الكتاب والسنة، وأن صوته سبحانه لا يشبه أصوات خلقه كما أن ذاته لا تشبه ذواتهم ومن قال بغير هذا فقد ضل سواء السبيل.
صفتا السمع والبصر:
السمع والبصر صفتان ذاتيتان ثابتتان لله ﷿ بالكتاب والسنة والعقل والفطرة، وإجماع الأمة، ولم يخالف في ذلك إلَّا شواذ من المنحرفة كالجهمية وبعض المعتزلة (^٦). قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا
_________________
(١) سورة النازعات، آية: ١٥.
(٢) سورة النساء، آية: ١٦٤.
(٣) سورة البقرة، آية: ٢٥٣.
(٤) سورة الشورى، آية: ٥١.
(٥) الفتاوى (١٢/ ٥٨٣، ٥٨٨) بتصرف.
(٦) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ١٨٢).
[ ٤٨٧ ]
بَصِيرًا﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢).
وأخرج أبو داود في سننه عن أبي يونس مولى أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾، (^٣) قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يضع إبهَامَهُ على أذُنِهِ والتي تليها على عينه قال أبو هريرة: رأيت رسول الله - ﷺ - يقرؤُها ويضعُ إصبعيه قال ابن يونس: قال المقري: يعني أن الله سميع بصير: يعني أن لله سمعًا وبصرًا" (^٤).
قال أبو داود - بعد ذكره للحديث -: "وهذا ردٌّ على الجهمية".
وقال البيهقي: "أراد بهذه الإشارة تحقيق إثبات السمع والبصر لله ببيان محلهما من الإنسان يريد أن له سمعًا وبصرًا، لا أن المراد به العلم، فلو كان كذلك لأشار إلى القلب، لأنه محل العلم، ولم يرد بذلك الجارحة (^٥) فإن الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين" (^٦).
قال الحافظ ابن كثير﵀ -: "فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعظمة، والمشيئة، والإرادة، والقول،
_________________
(١) سورة النساء، آية: ١٣٤.
(٢) سورة الشورى آية: ١١.
(٣) سورة النساء، آية: ٥٨.
(٤) رواه أبو داود في كتاب السنة، باب الجهمية وقال الحافظ ابن حجر سنده قوي على شرط مسلم، انظر: فتح الباري (١٣/ ٣٨٥) وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود: صحيح الإسناد (٣/ ١٩٥).
(٥) الأولى: ترك مثل هذه العبارة لأنها ليست من عبارات السلف الذين يثبتون الصفات لله تعالى من غير تشبيه ولا تعرض لمثل هذه العبارات.
(٦) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ٤٦٣).
[ ٤٨٨ ]
والكلام، والرضى، والسخط، والحب، والبغض، والفرح، والضحك، وجب اعتقاد حقيقته من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله - ﷾ - ورسوله - ﷺ - من غير إضافة ولا زيادة عليه ولا تكييف له ولا تشبيه ولا تحريف، ولا تبديل ولا تغيير، وإزالة لفظ عما تعرفه العرب، وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك" (^١).
قال القرطبي في إثبات صفتي السمع والبصر: "نقول: إن الله تعالى يدرك المدركات ويبصر المبصرات ويسمع المسموعات على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه المخلوقات" (^٢).
والأشاعرة وإن وافقوا أهل السنة في إثبات السمع والبصر، إلَّا أنهم يخالفونهم في قولهم إنه يسمع المسموعات ويبصر المبصرات بسمع واحد قديم، وأنه لا يتجدد له سمع ولا بصر عند حدوث المسموعات والمبصرات، وإنما يتجدد التعلق، وهذا قولهم في جميع الصفات التي يثبتونها (^٣)، وذلك بناءً على أصلهم في امتناع قيام الحوادث بذاته؛ لأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث كما زعموا، وهذا أصل فاسد التزموا لأجله بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى، كالاستواء والنزول والفرح والضحك وغيرها. قال ابن تيمية - ﵀ -: "قد دلَّ الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة، ودلائل العقل على أنه سميع بصير، والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه وإذا دعاه عباده
_________________
(١) العقائد لابن كثير نقلًا عن كتاب "علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين" للدكتور رضا نعسان ص (٨٢).
(٢) المفهم (٣/ ٢١٥).
(٣) انظر: الفرق بين الفرق ص (٣٣٤) والإنصاف للباقلاني ص (٣٨، ٣٩).
[ ٤٨٩ ]
سمع دعاءهم وسمع نجواهم كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (^١) أي تشتكي إليه وهو يسمع التحاور- والتحاور تراجع الكلام - بينها وبين الرسول - ﵇ - فالله تعالى إذا خلق العباد وعملوا وقالوا: فإما أن نقول إنه يسمع أقوالهم ويرى أعمالهم، وإما لا يرى ولا يسمع فإن نفى ذلك فهو تعطيل لهاتين الصفتين وتكذيب للقرآن، وهما صفتا كمال لا نقص فيه" (^٢).
"فأهل السنة والجماعة يثبتون لله سمعًا وبصرًا أزليين يسمع ويبصر بهما كل مسموع وكل مبصر عند حدوثه وهذا هو الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة ويقبله العقل السليم" (^٣).
صفة العلو:
علو الله تعالى من أعظم صفاته التي تضافرت على إثباتها الأدلة من الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة. إلَّا أن آثار علم الكلام الذي شوَّه صفاء العقيدة وغير سلامة الفطرة جعل بعض من ركب علم الكلام وخاض في هذه الأوهام ينكر علو الله تعالى، ويصرف ما جاء في ذلك من النصوص إلى علو القهر أو الشأن.
وهذا ما ذهب إليه القرطبي والمازري تبعًا لمتأخري الأشاعرة في نفيهم لعلو الله تعالى. ولا شك أن الكتاب والسنة والعقل والفطرة يشهد بضد ما ذهبوا إليه وما قالوا به.
ويتبين هذا من تكلفهم في تأويل النصوص وحيرتهم من كثرة الأدلة.
_________________
(١) سورة المجادلة، آية: ١.
(٢) انظر: الرد على المنطقيين ص (٤٦٥) والفتاوى (٦/ ٢٢٨).
(٣) انظر: جامع الرسائل لابن تيمية (٢/ ١٥ - ١٧).
[ ٤٩٠ ]
ومن أصرح الأدلة وأوضحها في إثبات علو الله تعالى حديث الجارية، إلَّا أن القرطبي - ﵀ - تكلَّف في تأويله وأجهد نفسه في ذلك، ويتضح هذا من خلال كلامه عليه حيث قال: "قوله - ﷺ - للجارية: "أين الله؟ " (^١) هذا السؤال من النبي - ﷺ - تنزل مع الجارية على قدر فهمها إذ أراد أن يُظهر منها ما يدل على أنها ليست ممن يعبد الأصنام ولا الحجارة التي في الأرض، فأجابت بذلك، وكأنها قالت: إن الله ليس من جنس ما يكون في الأرض و"أين" ظرف يسأل به عن المكان وهو لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان، بل هو خالق الزمان والمكان، ولم يزل موجودًا ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، ولو كان قابلًا للمكان لكان مختصًّا به، ويحتاج إلى مخصص، ولكان فيه إما متحركًا وإما ساكنًا، وهما أمران حادثان، وما يتصف بالحوادث حادث، ولما صدق قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٢) إذ كانت تماثله الكائنات في أحكامها، والممكنات في إمكانها، وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي - ﷺ - إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم فأراد النبي - ﷺ - أن يتعرف منها هل هي ممن يعتقد أن معبوده في بيت الأصنام أم لا؟ فقال لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقنع منها بذلك، وحكم بإيمانها إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك، وإذ نزهت الله تعالى عن أن يكون من قبيل معبوداتهم وأصنامهم ورفعته عن أن يكون في مثل أمكنتهم، وحملها على ذلك أنها رأت المسلمين يرمقون
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب تحريم الكلام في الصلاة ح (٥٣٧) (٥/ ٢٣).
(٢) سورة الشورى، آية: ١١.
[ ٤٩١ ]
أبصارهم وأيديهم إلى السماء عند الدعاء فتُركت على ذلك في تلك الحال لقصور فهمها، إلى أن يتمكن فهمها وينشرح صدرها، إذ لو قيل لها في تلك الحال: الله يستحيل عليه المكان والزمان، لخيف عليها أن تعتقد النفي المحض والتعطيل، إذ ليس كل عقل يقبل هذا ويعقله على وجهه، بل إنما يعقله العالمون الذين شرح الله صدورهم لهدايته، ونور قلوبهم بنور معرفته، وأمدهم بتوفيقه ومعونته، وأكثر الخلق تغلب عليهم الأوهام وتكلّ منهم الأفهام، وقيل في تأويل هذا الحديث: إن النبي - ﷺ - سألها بـ "أين" عن الرتبة المعنوية التي هي راجعة إلى جلاله تعالى، وعظمته التي بها باين كل من نسبت إليه الإلهية، وهذا كما يقال: أين الثريا من الثرى؟ ! والبصر من العمى؟ ! أي: بعد ما بينهما واختصت الثريا والبصر بالشرف والرفعة، وعلى هذا يكون قولها "في السماء" أي في غاية العلو والرفعة، وهذا كما يقال: فلان في السماء ومناط الثريا وهذا كما قال:
وإن بني عوفٍ كما قد علمتم مناط الثُّريَّا قد تعالت نجُومها (^١)
أقول هذا والله ورسوله أعلم والتسليم أسلم.
تنبيه: ثم اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين قاطبةً محدِّثِهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونُظَّارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٢) ليست على ظاهرها وأنها متأولة عند جميعهم أما من قال منهم بالجهة فتلك الجهة عنده جهة الفوق التي عبر عنها بالعرش وهي فوق السموات كما جاء في الأحاديث فلابد أن يتأول كونه في السماء، وقد تأولوا تأويلات وأشبه ما فيه: أن في:
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) سورة الملك، آية: ١٦.
[ ٤٩٢ ]
بمعنى: على كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^١) أي: على جذوع النخل ويكون العلو بمعنى الغلبة، وأما من يعتقد نفي الجهة في حق الله تعالى، فهو أحق بإزالة ذلك الظاهر وإجلال الله تعالى عنه وأولى الفرق بالتأويل، وقد حصل من هذا الأصل المحقق: أن قول الجارية "في السماء" ليس على ظاهره باتفاق المسلمين فيتعين أن يعتقد فيه أنه مُعرَّضٌ لتأويل المتأولين وأن من حمله على ظاهره فهو ضالٌّ من الضِّالين" (^٢).
ومع صراحة هذا الحديث وسؤال الرسول - ﷺ - للجارية بأين، إلَّا أن القرطبي أنكر جواز ذلك، فقال: "الله يحكم ما يشاء فلا يتوجه في فعله لم وكيف؟ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين" (^٣).
وقد نقل هذا الكلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وسكت عنه، وتعقبه الشيخ عبد العزيز بن باز - ﵀ - فقال: "الصواب عند أهل السنة وصف الله سبحانه بأنه في جهة العلو، وأنه فوق العرش، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، ويجوز عند أهل السنة السؤال عنه بأين كما جاء في صحيح مسلم" (^٤).
وكذا المازري نفى علو الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث فقال: "إنما أراد النبي - ﷺ - أن يتطلب دليلًا على أنها موحدة فخاطبها بما تفهم به قصده، إذ من علامات الموحدين التوجه إلى السماء عند الدعاء، وطلب الحوائج؛ لأن العرب التي تعبد الأصنام تطلب حوائجها من الأصنام والعجم من النيران، فأراد - ﷺ - الكشف عن معتقدها: هل هي من جملة من
_________________
(١) سورة طه، آية: ٧١.
(٢) المفهم (٢/ ١٤٢ - ١٤٥) وانظر: (٣/ ١١١) (٤/ ٣٠٥).
(٣) المفهم (٦/ ٢١٦).
(٤) فتح الباري (١/ ٢٦٦). هامش (١).
[ ٤٩٣ ]
آمن؟ فأشارت إلى السماء وهي الجهة المقصودة عند الموحدين، كما ذكرنا، وقيل: إنما وجه السؤال بـ "أين" ههنا سؤال عما تعتقده من جلال الباري وعظمته وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلالته تعالى في نفسها، والسماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين، فكما لم يدل استقبال الكعبة على أن الله جلَّت قدرته فيها لم يدل التوجه إلى السماء والإشارة على أن الله سبحانه حالٌّ فيها" (^١).
فالقرطبي والمازري نفيا علو الله تعالى، وهو في الحديث نصٌّ صريح لا يقبل التأويل، والعجب من كلام القرطبي هذا؛ إذ مضمونه: أن إجابة الجارية: باطل وضلال، وكيف يرضى الرسول - ﷺ - بإقرارها على هذا الباطل هي ومن حضر أو نقل له هذا الحديث إلى قيام الساعة، وهو ﵊ الذي بُعث لدفع الباطل وإقرار الحق ونشره وتصحيح تصورات العباد في ربهم تعالى.
مع ما كان عليه - ﷺ - من إنكار المنكر وعدم التواني في ذلك، ولذا عد العلماء إقراره - ﷺ - وسكوته من التشريع، ولكن الذي دفع القرطبي لهذا القول - المخالف للقواعد والأصول والذي يُعرَفُ ضلاله ببداهة العقول - التزامه بالقواعد الفاسدة التي رتبها المتكلمون لنفي صفات الله تعالى كما صرح بذلك في كثير من المواضع، ثم قوله هنا مخالف لما قرره عند رده على المتكلمين في قولهم بأن أول واجب على العبد النظر، حيث بين فساد قولهم ولازمه تكفير عامة المسلمين؛ لأنهم ليس عندهم أهلية النظر التي قصرها المتكلمون على أصحاب العقل والفهم. وهذا ما وقع فيه هنا إذ بين أن قول الجارية ضلال وأن الحق بضده، ولكن تقصر عامة العقول
_________________
(١) المعلم (١/ ٢٧٥).
[ ٤٩٤ ]
والأفهام عن معرفته فلا يقبله أو يفهمه كل عقل بل هو مقصور على العلماء دون أكثر الخلق. وهذا كقول المتكلمين في مسألة أول واجب على المكلف، إذ معنى قوله هذا أن عامة الخلق على ضلال في اعتقادهم بالله تعالى، وأن الرسول - ﷺ - أقرهم على هذا الضلال - حاشاه - ﷺ - من ذلك -.
وأمَّا قوله: إن إثبات هذا يقتضي مشابهة المخلوقات، وأن الله تعالى لو كان قابلًا للمكان لكان مختصًا به ويحتاج إلى مخصص وأيضًا يقتضي وصف الله تعالى بالحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وغيرها من قواعد المتكلمين، فقد سبق الإجابة عليها بالتفصيل، فلتراجع.
وأما قوله: "إن هذا من باب التوسع والمجاز" فهو باطل؛ إذ المجاز عندهم هو قسيم الحقيقة أي: بمعنى الشيء المقابل للحقيقة، والقول بالمجاز قول محدث، قد حدث بعد القرون المفضلة، وكان منشؤه من جهة المعتزلة، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
وقد سبق الرد عليهم في قولهم بالمجاز. فجعل هذا من المجاز تأويل منافٍ لسياق الكلام والأدلة كثيرة وصريحة على علو الله تعالى وفوقيته.
وأما تأويل هذا على أن المراد به علو الرتبة المعنوية (^١)، فلا يسلم له؛ لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى العلو بأقسامه الثلاثة: علو الشأن، وعلو القهر، وعلو الفوقية (علو الذات)، فيعتقدون أن الله تعالى في السماء فوق جميع المخلوقات، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه،
_________________
(١) وانظر أيضًا: المفهم (١/ ٤٠٥).
[ ٤٩٥ ]
عالٍ عليهم غير مختلط بهم.
وألفاظ العلو لم تستعمل في القرآن عند الإطلاق، إلَّا في معنى علو الذات، وهذا المعنى مستلزم لمعاني العلو الأخرى" (^١).
وقد بسط العلماء - ﵏ - أدلة العلو في كتبهم فقد نقل شيخ الإسلام عن بعض أكابر الإمام الشافعي أنه قال: "في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده، وقال غيره: فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك" (^٢).
وقد ذكر ابن القيم في "الصواعق المرسلة" ثلاثين دليلًا من أدلة العقل والفطرة على علو الله تعالى (^٣).
قال الإمام الدارمي: "فالله ﵎ فوق عرشه فوق سمواته، بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد، وعلمه من فوق العرش بأقصى خلقه وأدناهم واحد، لا يبعد عنه شيء .. والآثار في ذلك عن رسول الله - ﷺ - كثيرة، والحجج متظاهرة والحمد لله على ذلك" (^٤).
وقال ابن قدامة: "فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله - ﷺ - خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين وجمع الله تعالى عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزًا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب بهم يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينظرون مجيء الفرج من
_________________
(١) انظر: الفتاوى لابن تيمية (١٦/ ٣٥٩).
(٢) الفتاوى لابن تيمية (٥/ ١٢١).
(٣) الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٢٧٩ - ١٣٤٠).
(٤) الرد على الجهمية للدارمي ص (٤٧).
[ ٤٩٦ ]
ربهم ينطقون بذلك بألسنتهم" (^١).
وقال ابن تيمية: "فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله - ﷺ - من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص، وإما ظاهر في أن الله ﷾ هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء، وهو على كل شيء، وأنه فوق العرش وأنه فوق السماء" (^٢).
فمن الأدلة على علو الله تعالى من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (^٤)، وقوله ﷿: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^٦)، والآيات في هذا كثيرة.
ومن السنة حديث الجارية السابق، وقوله - ﷺ -: "ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء" (^٧).
ومنها حديث المعراج الطويل، وفيه تجاوز النبي - ﷺ - سماءً سماءً، حتى انتهى إلى ربه تعالى، فقرَّبه وأدناه، وفرض عليه خمسين صلاة، فلم
_________________
(١) إثبات صفة العلو لابن قدامة ص (٤١).
(٢) الفتاوى (٥/ ١٢).
(٣) سورة الأنعام، آية: ١٨.
(٤) سورة النحل، آية: ٥٠.
(٥) سورة الملك، آية: ١٦.
(٦) سورة فاطر، آية: ١٠.
(٧) رواه البخاري في كتاب المغازي باب بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - ح (٤٣٥١) (٧/ ٦٦٥) ومسلم في كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم ح (١٠٦٤) (٧/ ١٦٨).
[ ٤٩٧ ]
يزل يتردد بين موسى - ﵇ - وبين ربه - ﵎ - ينزل من عند ربه إلى موسى فيسأله كم فرض عليه، فيخبره، فيقول: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فيصعد إلى ربه فيسأله التخفيف (^١). فهذه النصوص وغيرها قد تضافرت مع دلالة العقل والفطرة (^٢) على إثبات علو الله تعالى على خلقه.
وأما قوله باتفاق المسلمين على أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء ليست على ظاهرها، فهذه الشبهة هي التي جعلتهم ينفون علو الله تعالى وفوقيته مع اعترافهم بأن جهة العلو أشرف من غيرها، وذلك أنهم تصوروا أن النصوص التي نطقت بأن الله في السماء تدل بظاهرها على أنه تعالى مظروف في جوف السماء، فشبهوه بمخلوق داخل مخلوق آخر (^٣). فأرادوا أن يفروا من هذا التشبيه الذي أوقعهم فيه سوء الفهم، فوقعوا في التعطيل.
قال القرطبي: "مذهب أهل الحق والتحقيق أنهم يحيلون على الله تعالى أن يكون في السماء أو في الأرض إذ لو كان في شيء لكان محصورًا محدودًا ولو كان كذلك لكان محدثًا وعلى هذه القاعدة فقوله تعالى: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٤) وقول الأمة للنبي - ﷺ - حين قال لها: "أين الله؟ " فقالت: "في السماء" ولم ينكر عليها ذلك، وما قد روي عن بعض السلف أنهم كانوا يطلقون ذلك ليس على ظاهره بل هو مؤول تأويلات صحيحة
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات وفرض الصلوات ح (١٦٢) (٢/ ٥٦٧).
(٢) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٤/ ٦٠) (٥/ ١٥٢، ٢٧٥، ٢٧٦).
(٣) الصفات الإلهية لمحمد أمان الجامي ص (٢٣٥).
(٤) سورة الملك، آية: ١٦.
[ ٤٩٨ ]
قد أبداها كثير من أهل العلم في كتبهم لكن السلف - ﵃ أجمعين - كانوا يجتنبون تأويل المتشابهات ولا يتعرضون لها مع علمهم بأن الله تعالى يستحيل عليه سمات المحدثات ولوازم المخلوقات" (^١).
فالنصوص لا تدل على ما فهموا، بل تدل على ما يليق بالله تعالى، وقد ردَّ شيخ الإسلام هذه الشبهة، فقال: "من توهم كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب - إن نقله عن غيره - ضال - إن اعتقده في ربه - وما سمعنا أحدًا يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحدًا يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحدًا نقله عن واحد، ولو سئل سائر المسلمين، هل تفهمون من قول الله ورسوله: "إن الله في السماء" أن السماء تحويه؟ لبادر كل واحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا، وإذا كان الأمر هكذا، فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئًا محالًا لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله بل عند الناس "أن الله في السماء" و"هو على العرش" واحد، إذ السماء إنما يراد به العلو، فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه ﷾ وسع السموات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبه له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقًا يحصره ويحويه؟ وقد قال سبحانه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^٢) وقال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣) بمعنى "على" ونحو ذلك، وهذا كلام عربي حقيقة لا مجازًا، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا
_________________
(١) المفهم (١/ ٣٣٥).
(٢) سورة طه، آية: ٧١.
(٣) سورة آل عمران، آية: ١٣٧.
[ ٤٩٩ ]
مشتركة (^١).
ولهذه الشبهة التي انقدحت في أذهانهم ذهب القرطبي إلى نفي العلو وتأويل كل دليل يدل عليه.
فعند شرحه لقوله - ﷺ -: "يُرفَعُ إليه عَمَلُ الليل قبل عَمَلِ النهار، وعمل النهار قبلَ عملِ الليل" (^٢) وهو من أدلة العلو. قال: "قوله: "يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل" يعني: أن الملائكة الموكلين بنا تحصى علينا عمل اليوم، فترفعه في آخره لقرب الليل وكذلك في الليل ترفعه بقرب النهار، ولذلك جاء في الرواية الأخرى "يُرفع إليه عملُ الليل بالنهار وعمل النهار بالليل" فجعل الباء مكان "قبل" وهذا الحديث كقوله "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" (^٣) والهاء في "إليه" عائدة إلى الله تعالى لكن على طريقة حذف المضاف والمراد به: المحل الذي تنتهي الملائكة إليه بأعمال العباد، ولعله سدرة المنتهى، وهذا كما تقول: رفع المال إلى الملك أي: إلى خزائنه، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (^٤) وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (^٥) أي: مقاماتهم في حضرته وإنما احتجنا إلى إبداء هذا التأويل، لئلا يتخيل الجاهل أنه مختص بجهة فوق، فيلزمه التجسيم، ويكفيك مما يدل على
_________________
(١) الفتاوى (٥/ ١٠٦).
(٢) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب في قوله ﵇ "إنَّ الله لا ينام" وفي قوله "حجابه النور" ح (١٧٩) (٣/ ١٦).
(٣) رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة باب فضل صلاة العصر ح (٥٥٥) (٢/ ٤١) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما ح (٦٣٢) (٥/ ١٣٨).
(٤) سورة فاطر، آية: ١٠.
(٥) سورة المعارج، آية: ٤.
[ ٥٠٠ ]
نفي الجهة في حقه تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^١) " (^٢).
وهذه التأويلات التي ذكرها القرطبي لهذه النصوص باطلة؛ لأنها خروج بالنصوص عن حقيقتها إلى معانٍ فاسدة لا تحتملها من دون دليل، ولا صحيح تعليل، دفعه ذلك دعوى التنزيه وعدم الوقوع في التشبيه، وهي دعوى ساقطة، الأدلة بضدها وأهل السنة والجماعة أثبتوا علو الله تعالى بهذه الأدلة وبغيرها من النصوص الكثيرة التي يقف أمامها أهل التأويل في حيرة من كثرتها وصراحتها على ما ينفون. بل الفطرة دالة على علو الله تعالى على خلقه لأن الله ﵎ فطر الخلق كلهم، العرب والعجم، حتى البهائم على الإيمان به، وبعلوه، فما من عبد يتوجه إلى ربه بدعاء أو عبادة، إلَّا وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو، وارتفاع قلبه إلى السماء لا يلتفت إلى غيره يمينًا، ولا شمالًا، ولا ينصرف عن هذه الفطرة، إلَّا من اجتالته الشياطين والأهواء، ولهذا أخبر النبي - ﷺ - أن الجارية التي سألها "أين الله؟ " فقالت: في السماء، مؤمنة؛ لأنها لم تقل إلَّا الحق، وكان أبو المعالي يقول في مجلسه: كان الله ولا شيء، وهو الآن على ما كان عليه - يعرِّض بإنكار استواء الله على عرشه - فقال أبو جعفر الهمذاني (^٣): دعنا من ذكر العرش - أي لأنه ثبت بالسمع - وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا ما قال عارف قط: يا الله إلَّا وجده من قلبه ضرورة بطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف تدفع هذه الضرورة من قلوبنا فصرخ أبو المعالي ولطم رأسه وقال: حيَّرني
_________________
(١) سورة الحديد، آية: ٤.
(٢) المفهم (١/ ٤١٠).
(٣) محمد بن أبي الحسن بن محممد الهمذاني أبو جعفر إمام حافظ رحل كثيرًا في طلب العلم قال الذهبي: كان من أئمة أهل الأثر ومن كبراء الصوفية توفي سنة (٥٣١ هـ). سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠١). شذرات الذهب (٤/ ٩٧).
[ ٥٠١ ]
الهمذاني حيرني الهمذاني" (^١).
ولهذا كان - ﷺ - في خطبة حجة الوداع يرفع بإصبعه "السبابة" إلى السماء وينكبها إلى الناس ويقول: "اللهم اشهد اللهم اشهد" (^٢) وكان - ﷺ - كثيرًا ما يرفع يديه عند الدعاء، فجعل العلماء هذا من الأدلة الفطرية الشرعية على علو الله تعالى، ولكن القرطبي أوَّلَ هذا كغيره من الأدلة حيث قال عند شرحه لحديث أبي بردة - ﵁ - الذي قال فيه: "ثم دعا رسول الله - ﷺ - بماءٍ فتوضأ منه ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه" (^٣).
قال القرطبي: "قوله: ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه" دليل على استحباب الرفع عند الدعاء، وقد فعل النبي - ﷺ - ذلك يوم بدر، وفي الاستسقاء، وقد رويت كراهية ذلك عن مالك، ويمكن أن يقال: إنما كره أن يتخذ ذلك سنة راتبة على أصله في هذا الباب، أو مخافة أن يعتقد الجهال مكانًا لله تعالى، والذي يزيل هذا الوهم: أن يقال: لا يلزم من مدِّ الأيدي إلى السماء أن يكون مكانًا لله ولا جهة كما لا يلزم من استقبال الكعبة أن يكون الله تعالى فيها، بل السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة (^٤). وقال عن الحديث الأول: هذه الإشارة منه - ﷺ - إلى السماء؛ لأنها قبلة الدعاء، وإما لعلو الله المعنوي؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يختص بجهة (^٥).
_________________
(١) شرح الطحاوية (٢/ ٣٩٠).
(٢) رواه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ - ح (١٢١٨) (٨/ ٤٢٠).
(٣) رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين ﵄ ح (٢٤٩٨) (١٦/ ٢٩٢).
(٤) المفهم (٦/ ٤٥٠).
(٥) المفهم (٣/ ٣٣٥).
[ ٥٠٢ ]
وقد أجاب عن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بجواب مفصل اشتمل على أربعين وجهًا - وصلت إلينا في الجزء المطبوع من نقض التأسيس -. والحمد لله.
وقد ركَّز شيخ الإسلام في هذه الأوجه على بيان أن الاستدلال برفع الأيدي والأبصار إلى السماء عند الدعاء إنما هو حجة أهل الإثبات من السلف والخلف، وإن من هؤلاء الأشعري، وأئمة أصحابه، وقد نقل شيخ الإسلام كلامهم في ذلك فالمعترض إنما يعترض على شيوخه الأشاعرة، وهم باستدلالهم يردون عليه، والإشارة إلى الله في العلو باليد، والأصابع، أو العين، أو الرأس، قد تواترت به السنن عن الرسول - ﷺ -، والنهي عن رفع البصر في الصلاة؛ لأنه من باب الخشوع الذي أثنى الله على أهله، ولو كان الله ليس في الفوق، بل هو في السفل كما هو في الفوق لم يكن رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع بل يكون بمنزلة خفضها.
والناس على اختلاف عقائدهم وأديانهم يشيرون عند الدعاء إلى السماء؛ لأن هذا شيء يجدونه في فطرهم.
ودعوى أن السماء قبلة الدعاء كالكعبة قبلة للصلاة باطل معلوم بالاضطرار بطلانه من وجوه منها أن المسلمين مجمعون على أن قبلة الداعي هي قبلة الصلاة، ومنها أن كون السماء أو العرش قبلة لا يثبت بغير الشرع، وليس في النصوص أي دليل على ذلك، ومنها أن القبلة أمر يدخله النسخ ولذلك تحولت، القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ولو كانت القبلة هي العرش أو السماء لجاز تغييرها وتبديلها ولجاز أن يدعو الإنسان ربه إلى سائر الجهات، وهذا فضلًا عن أنه باطل فإن العباد
[ ٥٠٣ ]
مفطورون على أن لا يتوجهوا إلا إلى جهة العلو، ومنها: أن القبلة ما يستقبله الإنسان بوجهه أما ما يرفع الإنسان إليه يده أو رأسه أو بصره، فهذا باتفاق الناس لا يسمى قبلة، ومعلوم أن مستقبل القبلة يستدبر ما يقابلها، أما الداعي فإنه لا يكون مستقبلًا للسماء مستدبرًا للأرض، بل يكون مستقبلًا لبعض الجهات، إلى غيرها من الأوجه.
فتبين من هذه الأوجه وغيرها سلامة احتجاج السلف على العلو بما فطر الناس عليه من رفع أيديهم إلى السماء عند الدعاء والحاجة (^١).
فالحاصل أن الحق ما دلت عليه النصوص الكثيرة وشهد به العقل والفطرة وأجمع عليه سلف الأمة من أن الله تعالى له العلو المطلق من كل وجه علو الشأن وعلو القهر وعلو الذات (^٢).
صفة العزة:
صفة ذاتية ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (^٥). وقال - ﷺ -: "العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذَّبته" (^٦)، وكان من دعائه - ﷺ -: "اللهم إني أعوذ بعزتك" (^٧) قال
_________________
(١) موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود (٣/ ١٢٤٧، ١٢٤٨).
(٢) وقد جاءت مصنفات كاملة خصصت لهذه الصفة مثل "إجتماع الجوش الإسلامية لغزو المعطلة والجهمية" لابن القيم، "العلو للعلي الغفار" للذهبي و"العلو" لابن قدامة وغيرها.
(٣) سورة النساء، آية: ١٣٩.
(٤) سورة يونس، آية: ٦٥.
(٥) سورة فاطر، آية: ١٠.
(٦) رواه مسلم في كتاب البر والصلة باب تحريم الكبر ح (٢٦٢٠) (١٦/ ٤١١).
(٧) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل ح (٢٧١٦) =
[ ٥٠٤ ]
الشيخ الغنيمان: "والعزة من صفات ذاته تعالى التي لا تنفك عنه، فغلب بعزته وقهر بها كل شيء، وكل عزة حصلت لخلقه فهي منه" (^١).
قال القرطبي في إثبات صفة العزة لله تعالى: "العزة: القوة والغلبة، ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ (^٢) أي: غلبني ويقال أيضًا: عز الشيء إذا قلَّ، فلا يكاد يوجد مثله يعزُّ عزًّا وعزازة وعزَّ يعز عِزة إذا صار قويًّا بعد ضعف وذلة، فعزة الله تعالى قهره للجبابرة وقوته الباهرة، وهو مع ذلك عديم المثل والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٣) " (^٤).
وقال في موضع آخر: "العز والعظمة والكبرياء من أوصاف الله تعالى الخاصة به التي لا تنبغي لغيره، فمن تعاطى شيئًا منها أذله الله تعالى وصغَّره وحقَّره وأهلكه كما قد أظهر الله تعالى من سننه في المتكبرين السابقين واللاحقين" (^٥).
والعزة التي هي صفة من صفات الله تعالى تكون بمعنى الامتناع على من يرومه من أعدائه وتكون بمعنى القهر والغلبة، وتكون بمعنى القوة والصلابة، وهذه المعاني ثابتة لله تعالى، وقد أشار ابن القيم إلى هذه المعاني في نونيته فقال:
وهو العزيز فلن يُرام جنابه أنّى يُرام جنابُ ذي السلطان
وهو العزيز القاهر الغلاب لم يغلبه شيءٌ هذه صفتان
_________________
(١) = (١٧/ ٤١).
(٢) شرح كتاب التوحيد، من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ١٤٧).
(٣) سورة ص، آية: ٢٣.
(٤) سورة الشورى، آية: ١١.
(٥) المفهم (١/ ٤٤٣).
(٦) المفهم (١/ ٢٧٦).
[ ٥٠٥ ]
وهو العزيز بقوة هي وصفه فالعز حينئذ ثلاث معان
وهي التي كملت له سبحانه من كل وجه عادم النقصان (^١)
صفتا العظمة والكبرياء:
صفتان ذاتيتان لله ﷿، ثابتتان بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ (^٣)، وجاء في حديث الشفاعة أنه يقول ﷿: "وعزتي وجلالي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلَّا الله" (^٤)، وقال - ﷺ -: "العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته" (^٥) وعند أبي داود بلفظ "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" (^٦).
قال الأزهري: "من صفات الله ﷿: العلي العظيم وعظمة الله لا تكيف، ولا تحد، ولا تمثل بشيء، ويجب على العباد أن يعلموا أنه عظيم كما وصف نفسه، وفوق ذلك بلا كيفية ولا تحديد" (^٧).
وقال الغنيمان: "من المعلوم أن الكبرياء من صفات الله تعالى، ولا يجوز للعباد أن يتصفوا بها ووصف الله تعالى بأن العظمة إزاره والكبرياء رداؤه كسائر صفاته، تثبت على ما يليق به، ويجب أن يؤمن بها
_________________
(١) القصيدة النونية مع شرحها للهراس (٢/ ٧٣).
(٢) سورة الواقعة، آية: ٩٦.
(٣) سورة الجاثية، آية: ٣٧.
(٤) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم ح (٧٥١٠) (١٣/ ٤٨١) ومسلم في كتاب الإيمان باب أدنى أهلى الجنة منزلة فيها ح (١٩٣) (٣/ ٥٤).
(٥) سبق تخريجه ص (٥٠٤).
(٦) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس باب ما جاء في الكبر.
(٧) تهذيب اللغة للأزهري (٢/ ٣٠٣).
[ ٥٠٦ ]
على ما أفاده النص دون تحريف ولا تعطيل" (^١).
قال القرطبي في هاتين الصفتين: "الكبرياء والكبر: كلاهما مصدر: كبر في نفسه يكبر وأصله: من كبر السن، أو كبر الجرم، لكن صار ذلك بحكم عرف الاستعمال عبارة عن حصول كمال الذات يستلزم ترفيعًا لها على الغير، ومن ههنا كان الكبر قبيحًا ممنوعًا في حقنا واجبًا في حق الله تعالى، وبيانه: أن الكمال الحقيقي المطلق لا يصح إلَّا لله تعالى، وكمال غيره إنما هو عرض نسبي، فإذا وصف الحق نفسه بالكبر ونسبه إليه كانت النسبة حقيقة في حقه، إذ لا أكمل منه ولا أرفع، فكل كامل ناقص، وكل رفيع محتقر بالنسبة إلى كماله وجلاله، والعظمة بمعنى الكبرياء غير أنها لا تستدعي غيرًا يتعاظم عليه، كما يستدعيه الكبر كما بيَّنا، وأيضًا فقد يستعمل الكبير فيما لا يستعمل فيه العظيم فيقال: فلان كبير السن، ولا يقال: عظيم السن" (^٢).
وقال في موضع آخر: "الكبرياء والعظمة من أوصاف كمال الله تعالى، واجبان له، إذ ليست أوصاف كمال الله وجلاله مستفادة من غيره، بل هي واجبة الوجود لذواتها، بحيث لا يجوز عليه العدم ولا النقص، ولا يجوز عليه تعالى نقيض شيء من ذلك، فكماله وجلاله حقيقة له، بخلاف كمالنا فإنه مستفاد من الله تعالى، ويجوز عليه العدم وطروء النقيض والنقص، فإذا كان هذا فالتكبر والتعاظم خرق منا، ومستحيل في حقنا، ولذلك حرمهما الشرع وجعلهما من الكبائر" (^٣).
فالقرطبي هنا أثبت هاتين الصفتين لله تعالى كما يليق به سبحانه كما
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (٢/ ٥٥، ٥٦).
(٢) المفهم (١/ ٤٤٣).
(٣) المفهم (١/ ١٨٦).
[ ٥٠٧ ]
جاء عن السلف.
وصف الله تعالى بالصورة:
ثبت وصف الله تعالى بالصورة في عدة أحاديث، منها ما جاء في الحديث الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: "وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه" (^١).
وفي الحديث الآخر، قال - ﷺ -: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته" (^٢)، وقال - ﷺ -: "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا" (^٣)، فأثبت جمهور السلف بهذه الأحاديث وصف الله بالصورة، إلَّا أن بعض علماء السنة خالف في ذلك، منهم ابن خزيمة وابن منده (^٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في هذا الحديث (^٥) عائدٌ إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح (٧٤٣٩) (١٣/ ٤٣١) ومسلم في كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤية ح (١٨٣) (٣/ ٢١).
(٢) سبق تخريجه ص (٤٧٢).
(٣) رواه البخاري في كتاب الإستئذان باب بدء السلام ح (٦٢٢٧) (١١/ ٥) ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ح (٢٨٤١) (١٧/ ١٨٤).
(٤) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ٨٤ - ٩٤) والتوحيد لابن منده (١/ ٢٢٢، ٢٢٤).
(٥) وهو حديث "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا ".
[ ٥٠٨ ]
ذلك لكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة كأبي ثور (^١)، وابن خزيمة، وأبي الشيخ الأصبهاني (^٢)، وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة" (^٣).
وقد أنكر القرطبي والمازري وصف الله تعالى بالصورة، وذكرا تأويلات عديدة لهذه الأحاديث، وأطال المازري جدًّا عند حديثه عن هذه المسألة على غير عادته.
قال القرطبي عند شرحه لحديث: "يأتيهم الله في صورته": "أما الصورة الثانية التي يعرفون عندما يتجلى لهم الحق، فهي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات، ولا يشبهه شيء من المصورات ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة، فمن المتداول أن يقال: صورة هذا الأمر كذا، أي: صفته" (^٤).
وعند شرحه لقوله - ﷺ -: "فإن الله خلق آدم على صورته" قال: "أي على صورة وجه المضروب وهذا هو ظاهر الحديث، ولا يكون في
_________________
(١) إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي إمام حافظ فقيه من أصحاب الشافعي مفتي العراق في زمنه كان من العلماء الورعين والأئمة المجتهدين توفي سنة (٢٤٠ هـ) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٧٢). طبقات الحفاظ ص (٢٤٧) ترجمة (٥٠٦).
(٢) عبد الله بن محمد بن جعفر الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ له العديد من المصنفات منها كتاب "العظمة" وغيره توفي سنة (٣٦٩ هـ). سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٧٦)، معجم المؤلفين (٢/ ٢٧٧).
(٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١، ٥٣٨/ ٥٣٩) وقد نقله من كتاب "نقض أساس التقديس" لابن تيمية (٣/ ٢٠٢) فما بعدها.
(٤) المفهم (١/ ٤١٨).
[ ٥٠٩ ]
الحديث إشكال يوهم في حق الله تعالى تشبيهًا، وإنما أشكل ذلك على من أعاد الضمير في صورته على الله تعالى، وذلك ينبغي ألَّا يصار إليه شرعًا ولا عقلًا، أما العقل فيحيل الصورة الجسمية على الله تعالى، وأما الشرع فلم ينص على ذلك نصًّا قاطعًا، ومحال أن يكون ذلك، فإن النص القاطع صادق، والصادق لا يقول المحال، فيتعين عود الضمير على المضروب؛ لأنه هو الذي سبق الكلام لبيان حكمه، وقد أعادت المشبهة هذا الضمير على الله تعالى، فالتزموا القول بالتجسيم، وذلك نتيجة العقل السقيم والجهل الصميم، وقد بيَّنا جهلهم، وحقَّقنا كفرهم فيما تقدم، ولو سلمنا: أن الضمير عائدٌ على الله تعالى فللتأويل فيه وجه صحيح، وهو أن الصورة قد تطلق بمعنى الصفة، كما يقال: صورة هذه المسألة كذا، أي: صفتها، وصوَّر لي فلان كذا، فتصورته. أي: وصفه لي ففهمته، وضبطتُ وصفه في نفسي وعلى هذا فيكون معنى قوله: "إن الله خلق آدم على صورته" أي: خلقه موصوفًا بالعلم الذي فصل به بينه وبين جميع أصناف الحيوانات وخصه منه بما لم يخص به أحدًا من ملائكة الأرضين والسموات، وقد قلنا فيما تقدم: إن التسليم في المتشابهات أسلم، والله ورسوله أعلم" (^١).
وفي حديث: "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا" قال: "هذا الضمير عائدٌ على أقرب مذكور، وهو آدم، وهو أعمُّ، وهذا الأصل في عود الضمائر، ومعنى ذلك أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها، لم ينتقل في النشأة أحوالًا، ولا تردد في الأرحام أطوارًا، إذ لم يخلقه صغيرًا فكبر، ولا ضعيفًا فقوي، بل خلقه رجلًا كاملًا سويًّا قويًّا، بخلاف سُنَّة الله في ولده، ويصح أن يكون معناه للإخبار عن أن الله تعالى
_________________
(١) المفهم (٦/ ٥٩٧).
[ ٥١٠ ]
خلقه يوم خلقه على الصورة التي كان عليها بالأرض، وأنه لم يكن في الجنة على صورة أخرى، ولا اختلفت صفاته، ولا صورته، كما تختلف صور الملائكة والجن، والله تعالى أعلم، ولو سلَّمنا أن الضمير عائدٌ على الله تعالى لصح أن يقال هنا: إن الصورة بمعنى الصفة" (^١).
وأما المازري فعند شرحه لقوله - ﷺ -: "إذا قاتل فإن الله خلق آدم على صورته" قال: هذا الحديث ثابت عند أهل النقل، وقد رواه بعضهم: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" (^٢) ولا يثبت هذا عند أهل النقل، ولعلَّه نُقِلَ من راويه بالمعنى الذي توهمه، وظن أن الضمير عائدٌ على الله سبحانه، فأظهره، وقال: على صورة الرحمن.
واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره، وقال: فإن الله سبحانه له صورة، لا كالصور، وأجرى الحديث على ظاهره، والذي قاله لا يخفى فساده؛ لأن الصورة تفيد التركيب، وكل مركب محدث، والباري سبحانه ليس بمحدث، فليس بمركب، وما ليس بمركب فليس بمصور، وهذا من جنس قول المبتدعة: إن الباري ﷿ جسم لا كالأجسام، لما رأوا أهل السنة يقولون: الباري سبحانه شيء لا كالأشياء طردوا هذا، فقالوا: جسم لا كالأجسام، وقال ابن قتيبة: صورة لا كالصور، وعجبًا لابن قتيبة في قوله: صورة لا كالصور، مع كون هذا الحديث يقتضي ظاهره عند خلق آدم على صورته، فقد صارت صورة الباري سبحانه على صورة آدم - ﵇ - على ظاهر هذا على أصله، فكيف يقول على صورة آدم، ويقول: إنها لا كالصور، هذا تناقض، ويقال له أيضًا: إن أردت بقولك صورة لا كالصور، أنه ليس بمؤلف ولا
_________________
(١) المفهم (٧/ ١٨٣).
(٢) سيأتي تخريجه عند رد الحافظ ابن حجر على المازري في رده لهذا الحديث.
[ ٥١١ ]
مركب، فليس بصورة على الحقيقة، وأنت مثبت تسمية تفيد في اللغة معنى مستحيلًا عليه تعالى مع نفي ذلك المعنى، فلم تعط اللفظ حقه، ولم تجره على ظاهره، فإذا سلمت أنه ليس على ظاهره، فقد وافقت على افتقاره إلى التأويل، وهذا الذي نقول به، فإذا ثبت افتقاره إلى التأويل قلنا: اختلف الناس في تأويله، فمنهم: من أعاد الضمير إلى المضروب، وذكر أن في بعض طرق الحديث أنه سمع - ﷺ - يقول: قبح الله وجهك، ووجه من أشبهك، أو نحو هذا، فقال - ﷺ - ما قال، أما على هذه الرواية وهي شتم من أشبهه، فبيَّن وجه هذا التعليل؛ لأنه إذا شتم من أشبهه فكأنه شتم آدم وغيره من الأنبياء - ﵈ -، وقال آخرون: إن الضمير عائد على آدم نفسه، وعورض هؤلاء بأن هذا يجعل الكلام غثًا لغوًا لا فائدة تحته، وردوا على هذا الاعتراض بأن فيه فائدة وهو الرد على الطبائعيين الذين يعتقدون أن تصوير آدم كان على بعض تأثيرات النجوم، أو على الدهريين بقولهم: ليس ثم إنسان أول، إنما الإنسان من نطفة، والنطفة من إنسان، هكذا أبدًا إلى غير أول، أو على القدرية في قولهم: إن كثيرًا من أعراض آدم وصفاته خلق لآدم، ولكن لا يحسن مع ذكر سبب الحديث، وهو قوله: "إذا قاتل أحدكم أخاه " وقال آخرون: الضمير يعود إلى الله ويكون له وجهان: أحدهما أن يراد بالصورة الصفة، كما يقال: صورة فلان عند السلطان كذا، أي صفته، وذلك لصفات الكمال التي تميز بها آدم ﵇.
والثاني: أن تكون إضافة الصورة إضافة تشريف واختصاص كما قيل في الكعبة بيت الله، وقيل ناقة الله" (^١).
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٦٩) بتصرف.
[ ٥١٢ ]
فمن خلال هذه النقولات عن القرطبي والمازري في هذه الصفة تبين تأويلهم لها، وحرصهم على صرفها عن ظاهرها.
فالقرطبي جعل إطلاق الصورة في حديث: "فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون" بمعنى الصفة.
وأما في الحديثين الآخرَين وهو قوله: "إذا قاتل فإن الله خلق آدم على صورته"، وقوله: "خلق الله آدم على صورته ستون ذراعًا" فأعاد الضمير في الحديث الأول على المضروب، والضمير في الحديث الثاني إلى آدم نفسه. وبيَّن أنه لو سلم بعودة الضمير فيهما إلى الله فيكون معنى صورته أي: صفته، وأما المازري فقد رد حديث: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" ورد على ابن قتيبة في إثباته الصورة، وقوله: صورة لا كالصور. ثم بيَّن التأويلات في هذا الحديث، وهو قوله - ﵇ -: "إذا قاتل .. فإن الله خلق آدم على صورته" فجعل الضمير إما يعود إلى المضروب، أو إلى آدم نفسه، وبيَّن أنه لو فرض عودته إلى الله تعالى لكان المقصود بالصورة، إما الصفة أو قصد بذلك التشريف.
فيكون الرد هنا أولا على المازري في رده لحديث: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" وفي رده على ابن قتيبة ثم نتبع ذلك بالرد على هذه التأويلات التي ذكرها القرطبي والمازري بما يبطلها من كلام أهل السنة.
أما رد المازري لحديث: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" فقد قال الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام المازري السابق في الفتح: "وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة" ثم قال: "وعلى صحتها فيحمل على ما يليق بالباري ﷾".
قلت - أي: ابن حجر -: الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في
[ ٥١٣ ]
"السنة" (^١) والطبراني (^٢) من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات، وأخرجها ابن أبي عاصم أيضًا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول (^٣) قال: "من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن" (^٤).
وأما رد المازري على ابن قتيبة، فذلك بناء على قواعد المتكلمين الفاسدة في جعل إثبات الصفات لله تعالى يستلزم التجسيم والتشبيه، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وقد سبق تفنيد هذه الشبه وإبطالها.
وأنكر على ابن قتيبة قوله: صورة لا كالصور، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون الصفات بالنصوص الصحيحة من الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٥) فمع إيمانهم بالصفات الثابتة لله تعالى، فهم ينفون وينكرون تشبيه الله تعالى بخلقه، ولو اتفقت المسميات، فكما أن ذاته ليست كذوات المخلوقين، فصورته سبحانه ليست كصور المخلوقين، وكذلك يقال في الوجه واليد والأصابع، وسائر صفات الله ﷾.
فأهل السنة والجماعة يجمعون بين الإيمان بالنصوص، وتنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقين.
_________________
(١) السنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٣٠).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ٤٣٠) وقد أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٧) وأعله بثلاث علل وضعفه الألباني في تخريجه لكتاب السنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٣٠).
(٣) وهو إعادة الضمير على المضروب.
(٤) فتح الباري (٥/ ٢١٧).
(٥) سورة الشورى، آية: ١١.
[ ٥١٤ ]
وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية على هؤلاء الذين يزعمون أن إثبات هذا الحديث، وهو قوله - ﷺ -: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" مع قولهم: صورة لا كالصور من باب التناقض، حيث قال: "فإن قيل بأن هذا تصريحٌ أن وجه الله يشبه وجه الإنسان فيقال: لا ريب أن كل موجودين لابد أن يتفقا في شيء يشتركان فيه، وأن أحدهما أكمل فيه وأولى من الآخر، وإلا إذا قدر أنهما لا يتفقان في شيء أصلًا ولا يشتركان فيه، لم يكونا موجودين، وهذا معلوم بالفطرة البديهية، وهذا الذي جاءت به السنة من ثبوت الشبه من بعض الوجوه، وقد أخبر به الرسول - ﷺ - فوجب قبوله والإيمان به، والله تعالى هو الذي خلق آدم على صورته، وهذا لا يناقض قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لأن المماثلة منفية عن الله تعالى على كل حال، وهذا لا يمنع المشابهة من بعض الوجوه البعيدة، كالوجود والعلم والحياة ونحو ذلك، مع أن المحذور الذي فروا منه إلى تأويل الحديث على أن الصورة بمعنى الصفة يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا منه فإن كان مثل هذا لازمًا على التقديرين لم يجز ترك مقتضى الحديث ومفهومه مع أنه لا محذور فيه.
والتشبيه المنفي بالنص والإجماع والأدلة العقلية الصحيحة منتف على التقديرين، فلابد أن يكون بين الذات والذات مشابهة إذا كان على الصفة المعنوية، فكون هذا عالمًا قادرًا، وهذا عالمًا قادرًا، وهذا ذاتًا لها صفات، وهذا ذاتًا لها صفات، لابد أن يثبت التشابه. فوجود ذات ليس لها صفات ممتنع في العقل، وثبوت الصفات الكمالية معلوم بالشرع والعقل. كذلك ثبوت ذات لا تشبه الموجودات بوجه من الوجوه ممتنع في العقل، وثبوت المشابهة من بعض الوجوه في الأمور الكمالية معلوم
[ ٥١٥ ]
بالشرع والعقل" (^١).
"وقد بيَّن أهل السنة أن إعادة الضمير في حديث "خلق الله آدم على صورته" على غير الله هو قول الجهمية، قال الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ -: من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه" (^٢).
قال شيخ الإسلام: "أما عود الضمير إلى غير الله فباطل من وجوه:
- ما في الصحيحين ابتداءً "أن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا" وفي أحاديث أخر: "إن الله خلق آدم على صورته" ولم يقدم ذكر أحد يعود الضمير إليه، وما ذكر بعضهم: من أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يضرب رجلًا، ويقول: قبَّح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فقال: "خلق الله آدم على صورته" أي صورة هذا المضروب، فهذا شيء لا أصل له، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث.
- أن الحديث الآخر لفظه: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته" وليس في هذا ذكر أحد يعود الضمير إليه.
- أنه في مثل هذا لا يصلح إفراد الضمير، فإن الله خلق آدم على صورة بنيه كلهم، فتخصيص واحد لم يتقدم له ذكر بأن الله خلق آدم على صورته في غاية البعد لاسيما وقوله: "إذا قاتل أحدكم" و"إذا ضرب أحدكم" عامٌّ في كل مضروب، والله خلق آدم على صورهم جميعًا، فلا معنى لإفراد الضمير.
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٥٥٨، ٥٦١) بتصرف وقد نقله من كتاب "نقض أساس التقديس" لابن تيمية (٢/ ٢٧٣، ٢٨٥).
(٢) إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ٨٨).
[ ٥١٦ ]
- أن ذرية آدم خُلِقُوا على صورة آدم، لم يخلق آدم على صورهم.
- أنه لو أُريد مجرد المشابهة لآدم وذريته لم يحتج إلى لفظ "خلق" على كذا، فإن هذه العبارة إنما تستعمل فيما فعل على مثال غيره.
- أن يقال: كون الوجه يشبه وجه آدم مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم، لو صح أن هذا علة منع الضرب لوجب هذا الحكم لسائر الأعضاء وهذا لا يقوله أحد.
وأمَّا عود الضمير على آدم ففاسد؛ لأنه كون آدم خلق على صورة آدم ليس له معنى، وليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه، ولا عن تقبيحها، كذلك الله خلق سائر أعضاء آدم غلى صورة آدم، فيكون هذا مانعًا من ضرب سائر الأعضاء، وهذا معلوم الفساد.
أما تأويلهم الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة وعلقة، ولم يتكون في مدة طويلة، فلو كانت هذه العلة هي المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه، كونه خلق على هذا الوجه، وهذه العلة منتفية في بنيه، فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه وتقبيحها لانتفاء العلة إذ هم لم يخلقوا على صورهم التي هم عليها إضافة إلى أن هذا القول لا دليل عليه، وليس في هذه الأحاديث ما يدل عليه بحال من الأحوال" (^١).
وقد أطال شيخ الإسلام في رد هذه التأويلات بما يبطلها فاكتفينا بنقل بعضه مختصرًا خشية الإطالة.
أما قولهم: إن المراد بالصورة: الصفة فهو فاسد؛ لأن الصورة هي الصورة الموجودة في الخارج ولفظ: "صَوَرَ" يدل على ذلك، وما من
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٥٤٠، ٥٤٥) بتصرف وإختصار وقد نقله من كتاب "نقض التأسيس" لابن تيمية (٣/ ٢٠٢) فما بعدها.
[ ٥١٧ ]
موجود من الموجودات إلَّا وله صورة في الخارج. أما الصفة فهي: مصدر وصفت الشيء أصفه وصفًا ثم يسمون المفعول باسم المصدر صفة. فتفسير الصورة بمجرد الصفة التي تقوم بالأعيان كالعلم والقدرة فاسد؛ لأن قول القائل: صورة فلان لا يقصد مجرد الصفات القائمة به من العلم والقدرة وغيرها، بل هذا من الجناية على اللغة وأهلها. وإذا دلَّ لفظ الصورة على صفة قائمة بالموصوف أو بالذهن واللسان فلابد مع ذلك أن يدل على الصورة الخارجية، كما يمكن أن يقال لمن يقول بهذا: المشاركة في بعض الصفات واللوازم البعيدة إما أن يصحح قول القائل: إن الله خلق آدم على صورة الله، أو لا يصحح ذلك، فإن لم يصحح ذلك بطل قولك. وإن كانت تلك المشاركة تصحح هذا الإطلاق جاز أن يقال: إن الله خلق كل ملك من الملائكة على صورته، بل خلق كل حي على صورته، إذ ما من شيء من الأشياء إلَّا وهو يشاركه في بعض اللوازم البعيدة، كالوجود والقيام بالنفس وحمل الصفات، فعلى هذا يصح أن يقال في كل جسم وجوهر: إن الله خلقه على صورته، فبطل هذا التأويل على التقديرين (^١).
وأما القول بأن هذا من إضافة التشريف كناقة الله، وبيت الله، فقد رد شيخ الإسلام هذا القول فقال: "إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها، كالناقة والبيت، فأما الصفات القائمة بغيرها مثل العلم والقدرة والكلام والمشيئة إذا أضيفت كانت إضافة صفة إلى موصوف، فالأعيان القائمة بنفسها قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله تعالى فيعلمون أنها ليست إضافة صفة، وعلى هذا فالصورة قائمة
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٥١٠، ٥٣١، ٥٥٣، ٥٥٧، بتصرف وقد نقله من كتاب "نقض أساس التقديس" لابن تيمية (٣/ ٢٠٢). فما بعدها.
[ ٥١٨ ]
بالموصوف بها المضافة إليه، فصورة الله كوجه الله، ويد الله وعلم الله، ويمتنع أن تقوم بغيره، كما أنه لابد أن يكون في العين المضافة إلى الله تعالى معنى يختص بها تستحق به الإضافة، وأما الصور المخلوقة، فهي مشاركة لجميع الصور في كون الله خلقها من جميع الوجوه، فما الموجب لتخصيصها بالإضافة إلى الله تعالى؟ وأيضًا فسائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله تعالى خلق ذلك جميعه فينبغي أن يضاف سائر الأعضاء إلى الله بهذا الاعتبار" (^١).
وبهذا يعرف أن الحق هو ما عليه جماهير أهل السنة والجماعة في إئبات وصف الله تعالى بالصورة كما جاء في هذه الأحاديث. ويتبين بطلان قول من وصف من أثبت الصورة بالتجسيم، والحكم عليهم بالكفر لأجل هذا الاعتقاد الذي وافقوا فيه النصوص. وهذا موقف المؤولة والنفاة من أهل السنة والجماعة المثبتين للصفات، ولو تصوروا أن هذا الوصف الذي ألصقوه والحكم الذي أطلقوه يشمل: الصحابة والتابعين وسلف الأمة من عباد الله الصالحين الذين كانوا على هذا الاعتقاد لخاف على نفسه ورجع عن قوله.
قال ابن قتيبة - ﵀ -: "لذي عندي والله أعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الألف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد" (^٢).
وهذا هو الحق والصواب الذي عليه الأدلة واضحة من الكتاب والسنة.
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٥٦٣، ٥٦٦) بتصرف وقد نقله من كتاب "نقض أساس التقديس" لابن تيمية ص (٣/ ٢٧٣، ٢٨٥).
(٢) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص (٢٢٠).
[ ٥١٩ ]
صفة الوجه:
صفة ذاتية ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (^٣)، وقال - ﷺ -: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يُرفعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (^٤). وعندما نزل قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (^٥) قال - ﷺ -: "أعوذ بوجهك" (^٦) فالوجه صفة ثابتة لله ﷿ أثبتها أهل السنة والجماعة للنصوص الكثيرة المتواترة من الكتاب والسنة في إثباتها وأثبتوها على ما يليق به ﷾.
والقرطبي مع تأويله لهذه الصفة وصرفها عن ظاهرها في عدة مواضع إلَّا أنه في بعض المواضع تردد بين التأويل والتفويض حيث قال عند شرحه للحديث الأول: سبحات وجه ربنا: جلاله والهاء في بصره عائدة على الله تعالى على أحسن الأقوال، وهو الذي عاد عليه ضمير "وجهه" وكذلك ضمير "خلقه" وقد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث، وأبعدوا، لا سيما من قال: إن الهاء في وجهه تعود على
_________________
(١) سورة القصص، آية: ٨٨.
(٢) سورة البقرة، آية: ٢٧٢.
(٣) سورة الرحمن، آية: ٢٧.
(٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله ﵇ "إنَّ الله لا ينام" ح (١٧٩). (٣/ ١٦).
(٥) سورة الأنعام، آية: ٦٥.
(٦) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله عزَّوجل ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ح (٧٤٠٦) (١٣/ ٤٠٠).
[ ٥٢٠ ]
المخلوق، فإنه يحيل مساق الكلام ويخل بالمعنى، والأشبه ما ذكرناه أو التوقف كما قال السلف: "اقرؤوها كما جاءت" يعنون المشكلات (^١).
وقال في موضع آخر: "لطفه وكرمه بعباده المؤمنين ورحمته لهم وعوده عليهم يقتضي أن يمن عليهم بأن يريهم وجهه إبلاغًا في الإنعام، وإكمالًا للامتنان، فإذا كشف عنهم الموانع وأراهم وجهه الكريم، فقد فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء، فكأنه قد رفع عنهم حجابًا يمنعهم ووجه الله تعالى هل هو عبارة عن وجوده المقدس أو عن صفة شريفة عظيمة معقولة؟ في ذلك لأئمتنا قولان" (^٢).
وقال عند قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (^٣) أي: يخلصون في عباداتهم وأعمالهم لله تعالى ويتوجهون إليه بذلك لا لغيره ويصح أن يقال: يقصدون بأعمالهم وجهه الكريم أي: وجوده المنزه المقدس عن صفات المخلوقين" (^٤).
وعند قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٥) قال: "أي جهة الله يعني القبلة وأضافها الله تعالى إليه تشريفًا، وقيل: رضاه، وقيل: رحمته كما قال في الحديث "فإن الرحمة تواجهه" (^٦) وقال الفراء: العمل كما قال الشاعر:
_________________
(١) المفهم (١/ ٤١١).
(٢) المفهم (١/ ٤١٢).
(٣) سورة الأنعام، آية: ٥٢.
(٤) المفهم (٦/ ٢٨٥).
(٥) سورة البقرة، آية: ١١٥.
(٦) رواه الترمذي في أبواب الطهارة باب ماجاء في كراهية مسح الحصى في الصلاة وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب مسح الحصى في الصلاة وضعفه الألباني في ضعيف ص (٨٨) الجامع الصغير برقم (٦١٣).
[ ٥٢١ ]
أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحصيه رب العباد إليه الوجه العملُ (^١)
وفي قوله نظر فإن الوجه المذكور في الشعر ليس هو العمل بدليل ذكر العمل بعده، وإنما معناه: القصد أي: إليه القصد والعمل ويمكن حمل الوجه في الآية على هذا والله أعلم" (^٢).
وقال المازري في شرحه للحديث الأول الذي سبق: الضمير الذي في "وجهه" يعود على المخلوق لا على الخالق إذ الحجاب بمعنى الستر إنما يكون على الأجسام المحدودة والباري جلَّت قدرته، ليس بجسم ولا محدود والحجاب في اللغة: المنع ومنه سمى المانع من الأمير: حاجبًا لمنعه الناس عنه ومنه الحاجب في الوجه؛ لأنه يمنع الأذى عن العين وأما تفسير السبحات، فقال الهروي: سبحات وجهه: نور وجهه تعالى في كتاب العين: سبحة من نور وجهه وجلاله، وإنما نقلنا هذا ليعلم قول أهل اللغة في هذه اللفظة لا على اتباعهم فيما يرجع الضمير إليه وإطلاق اللفظ الذي قالوه" (^٣).
ويتضح أن ماورد عن القرطبي والمازري مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون هذه الصفة كما جاءت من غير تشبيه، وأما ما ذكره القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٤) فقد ذهب كثير من علماء السنة إلى أن هذه الآية ليست من آيات الصفات، بل المراد بها قبلة الله، وقد بيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حيث قال: المراد بالوجه هنا القبلة فإن "الوجه" هو الجهة في لغة العرب، يقال:
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) المفهم (٢/ ٣٤١).
(٣) المعلم (١/ ٢٢٤).
(٤) سورة البقرة، آية: ١١٥.
[ ٥٢٢ ]
قصدت هذا الوجه وسافرت إلى هذا الوجه أي: إلى هذه الجهة، وهذا كثير مشهور، فالوجه هو: الجهة وهو الوجه كما في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (^١) أي: متوليها، فقوله تعالى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كلا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربان، وكلاهما في شأن القبلة والوجه والجهة، وهو الذي ذكر في الآيتين: إنا نوليه: نستقبله، والسياق يدل عليه؛ لأنه قال: أينما تولوا، وأين من الظروف، وتولوا: أي تستقبلوا، فالمعنى: أي موضع استقبلتموه، فهنالك وجه الله، فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله هذا بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وهي الجهات كلها، كما في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ (^٢) فأخبر أن الجهات له فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف، كأنه قال: جهة الله وقبلة الله، ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله، أي: قبلة الله، ولكن يقول هذه الآية تدل على الصفة، وعلى أن العبد يستقبل ربه، كما جاء في الحديث: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه" (^٣) ويقول أن لآية دلَّت على المعنيين" (^٤).
هذا بالنسبة لهذا الدليل، وأما ما سواه من الأدلة فهي نصٌّ في إثبات هذه الصفات، والسلف بإجماعهم على الاستدلال بها، قال الإمام ابن خزيمة: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق،
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ١٤٨.
(٢) سورة البقرة، آية: ١٤٢.
(٣) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب حسك البزاق باليد من المسجد ح (٤٠٦) (١/ ٦٠٦)، ومسلم في كتاب المساجد وموضع الصلاة باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها ح (٥٤٧) (٥/ ٤١).
(٤) الفتاوى (٦/ ١٦).
[ ٥٢٣ ]
والشام، ومصر، مذهبنا: أنَّا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين عزَّ ربنا عن أن يشبه المخلوقين وجلَّ ربنا عن مقالة المعطلين" (^١).
ومما يدل على إبطال مذهب التأويل في هذه الصفة، قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (^٢) فأضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه، فقال: "ذو" ولو كان ذكر الوجه صلة، ولم يكن صفة للذات لقال: ذي الجلال، فلما قال: "ذو الجلال" علمنا أنه نعت للوجه، وأن الوجه صفة للذات (^٣).
وقال الدارمي في رده على المريسي: "لو كان وجه الله قبلته، أو الأعمال التي يبتغى بها وجهه أفيجوز أن يقال للقبلة والأعمال ذو الجلال والإكرام؟ فقد علم المؤمنون من خلق الله أنه لا يقدس وجه بذي الجلال والإكرام غير وجه الله.
ثم قوله في الحديث: "أحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره" أفيستقيم: أن يتأول هذا أنه أحرقت سبحات وجهه الأعمال الصالحة، ووجه القبلة كل شيء أدركه بصره؟ ما يشك مسلم في استحالة هذا، ثم قوله - ﷺ -: "أعوذ بوجهك" وقوله: "أسألك لذة النظر إلى وجهك" (^٤). أفيجوز أن يتأول هذا: أعوذ بثوابك والأعمال التي يبتغى بها
_________________
(١) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٦).
(٢) سورة الرحمن، آية: ٢٧.
(٣) انظر: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٥١)
(٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى كتاب صفة الصلاة باب (٩٦) وابن حبان في صحيحه في باب صفة الصلاة، ذكر جواز دعاء المرء في الصلاة بما ليس في كتاب الله وصححه الألباني في صحيح الجامع ص (٢٧٩) برقم (١٣٠١).
[ ٥٢٤ ]
وجهك، وبوجه القبلة؟ فإنه لا يجوز أن يستعاذ بوجه شيء غير وجه الله تعالى، وكذلك لا يجوز أن تقول: لذة النظر إلى قبلتك، وإلى الأعمال التي ابتغى بها وجهك - وبعد ذكر النصوص في صفة الوجه والرد على جميع التأويلات فيها - قال: وعلى تصديق هذه الآثار والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والعلم ولولا كثرة من يستنكر الحق ويستحسن الباطل، ما اشتغلنا كل هذا الاشتغال بتثبيت وجه الله ذي الجلال والإكرام" (^١).
فإثبات الوجه لله تعالى واجب على الحقيقة بما يليق به ﷾. هذا هو المذهب السلفي الواضح النقي.
صفة اليد:
لقد جاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة بإثبات اليد لله ﷾، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢)، وقال تعالي: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٤).
وجاء في السنة أحاديث كثيرة، منها: قوله - ﷺ -: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" (^٥) وفي حديث الشفاعة وفيه: "فيأتونه فيقولون: ياآدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه" (^٦).
_________________
(١) رد الدارمي على المريسي (٢/ ٧٠٨، ٧٢٣) بتصرف، وانظر: الحجة في بيان المجحة (١/ ٢١٧) وأصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٣/ ٤٥٧).
(٢) سورة آل عمران، آية: ٧٣.
(٣) سورة المائدة، آية: ٦٤.
(٤) سورة ص، آية: ٧٥.
(٥) رواه مسلم في كتاب التوبة باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت ح (٢٧٥٩) (١٧/ ٨٣).
(٦) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ =
[ ٥٢٥ ]
وأهل السنة والجماعة أثبتوا أن لله ﷾ يدين تليقان به ﷾ من غير تشبيه بخلقه، تعالى الله عن ذلك.
قال الإمام ابن خزيمة: "باب: ذكر إثبات اليد للخالق البارئ جل وعلا، والبيان أن الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تنزيله" ثم سرد جملة من الآيات تدل على ذلك، ثم قال: "باب: ذكر البيان من سنة النبي - ﷺ - على إثبات يد الله ﷿ موافقًا لما تلونا من تنزيل ربنا لا مخالفًا، قد نزه الله نبيه وأعلى درجته ورفع قدره عن أن يقول إلَّا ما هو موافق لما أنزل الله عليه من وحيه" (^١).
وذكر أبو الحسن الأشعري أن من جملة ما عليه أهل الحق والسنة: أن لله يدين بلا كيف (^٢). ورد على أهل البدع في تأويلها (^٣).
وقال اللالكائي: "سياق ما دل من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله - ﷺ - على أن من صفات الله ﷿: الوجه والعين واليدين" (^٤) ثم سرد بعد ذلك الأدلة على ثبوت هذه الصفات (^٥).
وقد كانت هذه الصفة من أكثر ما تعرض له القرطبي في "المفهم"، والمازري في "المعلم" ولكنهما صرفا النصوص عن ظاهرها، والتزما بتأويل جميع النصوص الواردة في ذلك في تكلف ظاهر.
_________________
(١) = ح (٣٣٤٠) (٦/ ٤٢٨) ومسلم في كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ح (١٩٤) (٣/ ٦٦).
(٢) التوحيد لابن خزيمة (١/ ١١٨، ١١٩).
(٣) الإبانة عن أصول الديانة للأشعري ص (١٠٦).
(٤) المرجع السابق (١٢٥، ١٤٠).
(٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٥٧).
(٦) المرجع السابق.
[ ٥٢٦ ]
ففي شرح القرطبي لحديث الشفاعة قال: "اعلم أن الله تعالى منزه عن يد الجارحة، واليد في كلام العرب تطلق على القدرة والنعمة والملك. واللائق هنا حملها على القدرة، وتكون فائدة الاختصاص لآدم: أنه تعالى خلقه بقدرته ابتداءً من غير سبب ولا واسطة خلق ولا أطوار قَلَبَهُ فيها وذلك بخلاف غيره من ولده، ويحتمل أن يكون شرفه بالإضافة إليه كما قال "بيتي" وقد قدمنا أن التسليم في المشكلات أسلم" (^١).
وقال عند قوله - ﷺ -: "وكلتا يديه يمين" (^٢): "يفهم من إضافة اليدين إليه تعالى قدرته على المخلوقات" (^٣).
وعند شرحه لقوله - ﷺ -: "إن الله يبسط يده بالليل " (^٤) قال: "هذا الحديث أُجري مجرى المثل الذي يفهم منه دوام قبول التوبة واستدامة اللطف والرحمة" (^٥).
وقال المازري في قوله تعالى ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (^٦): "أي: نعمتاه على تأويل اليد ههنا على النعمة، ونعم الله لا تحصى، فالتثنية للتأكيد لا حقيقية" (^٧).
وقال في شرحه لقوله - ﷺ -: "إن الله يبسط يده ": "المراد بهذا: القبول على التائب؛ لأنه قد جرت العادة أن الإنسان إذا نُوول ما يقبله
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٢٧).
(٢) رواه مسلم في كتاب الإمارة باب فضيلة الإمام العادل ح (١٨٢٧) (١٢/ ٤٥٢).
(٣) المفهم (٣/ ٣٧).
(٤) سبق تخريجه ص (٥٢٥).
(٥) المفهم (٧/ ١٠٦).
(٦) سورة المائدة، الآية: ٦٤.
(٧) المعلم (٢/ ٤٧).
[ ٥٢٧ ]
بسط يده إليه، وإذا نوول ما يكره قبض يده فخاطب العرب من حيث تعلم، وذكر أمثالًا محسوسة ليؤكد معنى ما يريده في النفس وأما يد الجارحة فمستحيلة على الله سبحانه والقبض والبسط من صفات الأجسام، واليد قد تطلق في اللغة على النعمة، وهذا المعنى المشهور في اللسان يقارب ما قلناه؛ لأن ما يفعله سبحانه من قبول توبة عباده من أحد نعمه عليهم وكذلك ما يفعله من النعم بالتائبين، وأما إثبات اليدين لله سبحانه من غير أن تكون يدي جارحة بل صفتين من الصفات قديمة أزلية فأثبتها أبو بكر القاضي ابن الطيب وغيره من أئمتنا لقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^١) فأثبت اليدين ههُنا صفتين قديمتين؛ لأن صرف اليد ههُنَا عنده إلى النعمة لا يليق بهذا الموضع؛ لأن النعمة مخلوقة، ولا يخلق مخلوق بمخلوق، وصرفها إلى القدرة يمنع منه التثنية، والقدرة واحدة بلا خلاف، وأبو المعالي مال إلى نفي ذلك وحمل القرآن على التجوز وأن المراد أن الله خلق آدم بغير واسطة بخلاف غيره من بنيه، فكنَّى عن ذلك بأنه خلقه بيديه، لأنا إذا لم يكن بيننا وبين ما يكون من الأفعال وسائط عبر عن ذلك بأن يقال: فعلته بنفسي، وتوليته بيدي، والقصد تمييز آدم بالاختصاص، وقد يجمع الشيء تفخيمًا، وإن كان واحدًا، والعرب تفعل ذلك، فهذا المعنى سلك الأئمة في هذه الآية وإن قلنا بإثبات اليد على طريقة القاضي، فلابد من تأويل الأحاديث على نحو ما قلناه، لذكر البسط فيه، وإنما يبقى النظر في معنى اليد، وإضافة هذا الأمر إليهما" (^٢).
وقال عند قوله - ﷺ -: "يطوي الله سبحانه السموات يوم القيامة ثم
_________________
(١) سورة ص، آية: ٧٥.
(٢) المعلم (٣/ ١٩٠).
[ ٥٢٨ ]
يأخذهن بيده اليمنى" (^١): "تقدَّم القول في ذكر اليد واختلاف الأصوليين في إثباتها بمعنى الصمة، لا بمعنى الجارحة، وتنازعهم في مقتضى قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٢) وذكرنا تأويل ما وقع في ذكر اليد، ولكن لما ذكر ههُنا اليمين والشمال كان آكد في إيهام الجارحة، فإذا ثبت استحالة يد الجارحة عليه ووصفه باليمين والشمال، فلابد من حمل هذا على ما يجوز وأمثل ما تؤول عليه عندي: أن الله سبحانه أراد أنه يطوي السموات والأرضين بقدرته، وكنى عن ذلك بذكر اليد؛ لأن بها فعلنا نحن وبها تصرفنا فخاطب بما يفهم وبما يخرج إلى الحس والوجود ليكون أوكد وأرسخ في نفس السامع" (^٣).
وهذه التأويلات التي ذكروها بناءً على مذهبهم الفاسد بأن إثبات الصفات يستلزم التجسيم والتشبيه، وهذا زعمٌ باطلٌ؛ لأن اللازم المذكور إنما يلزم من أثبت يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين، وأما من أثبت يدين تليقان بالله لا تشبهان أيدي المخلوقين، فإن هذا لا يلزمه ماذكروه؛ لأن إثبات يدين حقيقيتين تليقان بالله تعالى، هو مثل إثبات علم وقدرة وحياة وسمع وبصر يليق بالله تعالى، أما تأويل اليدين بالقوة أو القدرة، أو النعمة، فهذا مذهب الكلَّابية والأشاعرة، وغيرهم، ممن ينفي صفات الله تعالى الخبرية، ولو فرض مجيء اليد بمعنى القدرة، فلا يجوز إطلاق هذا المعنى إلَّا في حق من اتصف باليد على الحقيقة، ولذلك لا يقال: يد الهوى ولا يد الماء" (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار ح (٢٧٨٨) (١٧/ ١٣٨).
(٢) سورة ص، آية: ٧٥.
(٣) المعلم (٣/ ١٩٥).
(٤) الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٣٧٠).
[ ٥٢٩ ]
وقد ورد ذكر اليدين في الآية بصيغة التثنية، وتأويلها بالقدرة لا يمكن لأن قدرة الله تعالى صفته وهي مفردة، وقد قال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^١) إشارة إلى المعنى الذي أوجب السجود، فلو كانت اليد بمعنى القدرة لم يكن بين آدم وإبليس فرق لتشاركهما فيما خُلق كل منهما به وهي قدرته ولقال إبليس: وأي فضيلة له عليَّ وأنا خلقتني بقدرتك كما خلقته بقدرتك، فلما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (^٢) دلَّ على اختصاص آدم بأن الله خلقه بيديه.
ولا جائز أن يراد باليدين النعمتان لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق؛ لأن النعم مخلوقة (^٣).
وأما جعل قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٤) من باب العناية بخلق آدم ﵇، وتشريفه بالإضافة إليه، فهذا كلام باطل؛ لأنه يقتضي أن اليدين ليستا من الصفات الحقيقية بل من الصفات المعنوية، وهذا مخالف لسياق الآية، ولفهم السلف، وذلك أن الفعل إذا أُضيف إلى الفاعل، وعُدِّيَ الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ كان نصًّا في أنه فعل الفعل بيديه، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، وكلام الله تعالى منزَّه عن ذلك" (^٥).
وأهل السنة والجماعة قد أجمعوا على إثبات اليدين لله تعالى فيجب إثباتهما بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف، ولا تمثيل، وهما
_________________
(١) سورة ص، آية: ٧٥.
(٢) سورة ص، آية: ٧٦.
(٣) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٤٠٥) وقد نقل هذا عن ابن بطال.
(٤) سورة ص، آية: ٧٥.
(٥) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٣٦٦).
[ ٥٣٠ ]
يدان حقيقيتان، تليقان به ﷾.
إطلاق اليمين والشمال على يد الله تعالى:
جاءت النصوص من الكتاب والسنة بوصف يد الله ﷾ بأنها يمين. قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^١)، وقال - ﷺ -: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة" (^٢)، وقال - ﷺ -: "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض" (^٣)، وقال - ﷺ -: "ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلَّا الطيب إلَّا أخذها الرحمن بيمينه" (^٤)، وقوله - ﷺ -: "إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" (^٥).
فإطلاق اليمين على يد الله تعالى بإجماع السلف لهذه النصوص الكثيرة الصريحة بإثباتها ولا يلتفت لمن خالف هذا ممن حاد عن مذهب السلف فعطل صفات الله تعالى.
والقرطبي والمازري، كما أوَّلا صفة اليد، فكذلك صرفا ما جاء في
_________________
(١) سورة الزمر، آية: ٦٧.
(٢) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب "وكان عرشه على الماء، وهو رب العرش العظيم" ح (٧٤١٩) (١٣/ ٤١٥) ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة ح (٩٩٣) (٧/ ٨٤).
(٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى"ملك الناس" ح (٧٣٨٢) (١٣/ ٣٧٩) ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار ح (٢٧٨٧) (١٧/ ١٣٧).
(٤) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ح (٧٤٣٠) (١٣/ ٤٢٦) ومسلم في كتاب الزكاة باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها ح (١٠١٤) (٧/ ١٠٢).
(٥) سبق تخريجه ص (٥٢٧).
[ ٥٣١ ]
إثبات اليمين عن ظاهرها إلى تأويلات باطلة.
قال القرطبي عند شرحه لقوله - ﵇ -: "عن يمين الرحمن"، "قال ابن عرفة (^١): يقال: أتاه عن يمين: إذا أتاه من الجهة المحمودة. قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ (^٢) أي: أصحاب المنزلة الرفيعة وقيل غير هذا في الآية.
وقد توسعت العرب في اليمين فأطلقوه ولا يريدون به يمين الجارحة بل الجهة المحمودة والظفر بالخصلة الشريفة المقصودة، كما قال شاعرهم:
إذا ما رايةُ رُفعتْ لمجدٍ تلقَّاها عَرَابةُ باليمين (^٣)
والمجد: الشرف، ورايته عبارة عما يظهر من خصاله، وهما معنويان، فاليمين التي تُتلقى به تلك الراية معنوي لا محسوس، فأشبه ما يحمل عليه اليمين في هذا الحديث ما قاله ابن عرفة" (^٤).
وعند قوله - ﷺ -: "يمين الله ملأى" قال: "نسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية عبر بها عن كثرة العطاء والقدرة عليه، وحمل على هذه الاستعارة عادة التخاطب وحصول التفاهم" (^٥).
وقال المازري في شرح هذا الحديث: "هذا مما يتأول لأن اليمين التي هي جارحة إنما كانت يمينًا بنسبتها إلى الشمال فلا يوصف بها
_________________
(١) أبو الحسن علي بن محمد الجرجاني الحناطي المعلم توفي في حدود سنة (٤٢٠ هـ). سير أعلام النبلاء (٢١٧/ ٤٢١).
(٢) سورة الواقعة، آية: ٢٧.
(٣) البيت للشاعر المخضرم الشماخ بن ضرار الذبياني انظر: ديوان الشماخ ص (٣٣٦).
(٤) المفهم (٤/ ٢٢) وانظر: (٣/ ٦٠).
(٥) المفهم (٣/ ٣٧).
[ ٥٣٢ ]
تعالى؛ لأنها تتضمن إثبات شمال، وهذا يؤدي إلى التحديد ويتقدس الباري سبحانه عن أن يكون جسمًا محدودًا، وإنما خاطبهم - ﷺ - بما يفهمونه إذ أراد الإخبار على أن الباري لا ينقصه الإنفاق، ولا يمسك خشية الإملاق، جلت قدرته وعظمت عن ذلك، وعبَّر ﵇ عن قدرة الله سبحانه على توالي النعم بسح اليمين؛ إذ الباذل منَّا والمنفق يفعل ذلك بيمينه" (^١).
قال أبو يعلى في إبطال هذه التأويلات: "فإن قيل قوله: "عن يمين الرحمن" المراد به المنزلة الرفيعة، والمحل العظيم، قيل: هذا غلط؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: المقسطون في يمين الرحمن، ولأنه قال: "وكلتا يديه يمين" فلو كان المراد به المنزلة لم يكن لذكر اليد معنى. فإن قيل: حمله على ظاهره يستحيل على الله سبحانه؛ لأنه يؤدي إلى وصفه بالحد والجهة، قيل: لا يفضي إلى ذلك كما أن قوله: "ترون ربكم كما ترون القمر" حملناه على ظاهره، وإن كنا نعلم أن رؤية القمر في جهة محدودة والله تعالى لا في جهة (^٢) ولا محدود" (^٣).
ولا شك أن المذهب الحق هو ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات اليمين لله ﷾.
قال الشيخ ابن باز - ﵀ - رده على هذه التأويلات الباطلة المنكرة لوصف يد الله تعالى باليمين والتي ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند قوله - ﷺ -: "ما تصدق أحد بصدقة إلَّا أخذها الرحمن
_________________
(١) المعلم (٢/ ١٤).
(٢) نفي الجهة عن الله من الألفاظ المحدثة التي تحتمل الحق والباطل وسيأتي التفصيل في ذلك.
(٣) ابطال التأويلات (١/ ١٨١، ١٨٢) بتصرف.
[ ٥٣٣ ]
بيمينه" (^١): "هذه التأويلات ليس لها وجه، والصواب إجراء الحديث على ظاهره، وليس في ذلك بحمد الله محذور عند أهل السنة والجماعة؛ لأن عقيدتهم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة من أسماء الله سبحانه وصفاته وإثبات ذلك لله على وجه الكمال مع تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقات، وهذا هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه. وفي هذا الحديث دلالة على إثبات اليمين لله سبحانه، وعلى أنه يقبل الصدقة عن الكسب الطيب ويضاعفها" (^٢).
وأما إثبات الشمال أو اليسار لله تعالى فقد وقع الخلاف فيه بين أهل السنة: فذهب البعض إلى جواز ذلك للحديث الذي أخرجه مسلم وهو قوله - ﷺ -: "يطوي الله ﷿ السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أين الجبَّارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله " (^٣)، وقالوا: إن وصف إحدى اليدين باليمين كما جاءت في الأحاديث يقتضي أن الأخرى ليست يمينًا، فتكون شمالًا، وفي بعض الأحاديث تذكر اليمين ويذكر مقابلها: "بيده الأخرى" وهذا يعني أن الأخرى ليست اليمين فتكون الشمال، فيكون موافقًا لما جاء في هذا الحديث. وممن قال بهذا الدارمي وأبو يعلى، وصديق خان (^٤)،
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٣١).
(٢) فتح الباري (٣٢٩) هامش (١).
(٣) سبق تخريجه ص (٥٣١).
(٤) محمد صديق بن حسن الحسيني البخاري القنوجي المعروف بصديق حسن خان من العلماء الأمراء الذين سلكوا منهج السلف ودافعوا عنه في القرن الثالث عشر الهجري وساهم في نشره ما تولاه من مناصب رفيعة في حكومة بهوفال بالهند. مكثر من التأليف من مصنفاته: "فتح البيان في مقاصد القرآن"، "الدين الخالص"، "الروضة الندية شرح الدرة البهية" وغيرها توفي سنة (١٣٠٧ هـ) معجم المؤلفين (٣/ ٣٥٨)، الأعلام (٦/ ١٦٧).
[ ٥٣٤ ]
والهراس، والغنيمان وغيرهم (^١).
وقالوا: إن قوله - ﷺ -: "كلتا يديه يمين" لبيان تنزيهه تعالى عن النقص والضعف كما في أيدينا، الشمال من النقص وعدم البطش، فهو من إجلال الله وتعظيمه (^٢).
وقال آخرون: منهم: ابن خزيمة، والبيهقي، والألباني (^٣)، وغيرهم (^٤) بأن كلتا يدي الله يمين لا شمال ولا يسار فيهما.
_________________
(١) قال الشيخ محمد خليل هراس: يظهر أن المنع من إطلاق اليسار على الله ﷿ إنما هو على جهة التأدب فقط فإن إثبات اليمين وإسناد بعض الشؤون إليها كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وكما في قوله ﵇: "إن يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار" يدل على أن اليد الأخرى المقابلة لها ليست يمينًا انظر تعليقه على كتاب التوحيد، وانظر أقوال الآخرين في رد الدارمي على المريسي (٢/ ٦٩٨) وإبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٧٨) وقطف الثمر لصديق خان ص (٦٦) وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٣٠٦).
(٢) انظر رد الدارمي على المريسي (٢/ ٦٩٨).
(٣) هو الشيخ العلم العلامة محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني ولد سنة (١٣٣٢ هـ) في ألبانيا ثم نزح إلى سوريا وتلقى العلم هناك حتى برز خصوصًا في علم الحديث جاء إلى المملكة مدرسًا في الجامعة الإسلامية سنة (١٣٨١ هـ) في أول تأسيسها ثم رجع إلى سوريا ثم استقر في الأردن له العديد من المؤلفات منها"سلسلة الأحاديث الصحيحة" "سلسلة الأحاديث الضعفية" "التوسل أنواعه وأحكامه" "جلباب المرأة المسلمة" وغيرها، توفي ﵀ في "عمَّان" بالأردن يوم السبت (٢٢/ ٦/ ١٤٢٠ هـ).
(٤) سئل الشيخ الألباني ﵀: كيف نوفق بين رواية "بشماله" الواردة في حديث ابن عمر ﵄ وبين قوله - ﷺ - "وكلتا يديه يمين". فقال لا تعارض بين الحديثين بادئ بدء فقوله - ﷺ - "وكلتا يديه يمين" تأكيد لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ فهذا الوصف الذي أخبر به رسول الله - ﷺ - تأكيد للتنزيه فيد الله ليست كيد البشر: شمال ويمين ولكن كلتا يديه سبحانه يمين. وأمر أخر أن رواية "بشماله" شاذة كما بينتها في تخريج المصطلحات الأربعة الواردة في القرآن"، (رقم ١) للمودودي.
[ ٥٣٥ ]
قال القرطبي في وصف يد الله تعالى بالشمال: "قوله: "ثم يطوي الأرض بشماله" كذا جاء في الرواية بإطلاق لفظ الشمال على يد الله تعالى، ولا يكاد يوجد في غير هذه الرواية، وإنما الذي اشتهر في الأحاديث "وبيده الأخرى" كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري، وقد تحرز النبي - ﷺ - من إطلاق لفظ الشمال على الله تعالى، فقال: "وكلتا يديه يمين" لئلا يتوهم نقص في صفة الله تعالى، فإن الشمال في حقنا أضعف من اليمين وأنقص، فنفى النبي - ﷺ - عن الله ذلك، لكنه جاء في هذا الحديث كما ترى على المقابلة المتعارفة في حقوقنا والله تعالى أعلم" (^١).
وقال المازري عند شرحه للحديث الذي فيه إثبات الشمال: "لما علم سبحانه أنا نحن نتناول ما نكرم باليمين، وما دونه بالشمال، وأنا نقوى بأيماننا على أشياء لا نقوى عليها بشمائلنا، وكانت السموات أعظم بما لا يتقارب ولا يتدانى من الأرضين، أضاف فعله فيها إلي اليمين وفعله في الأرض إلى الشمال على حسب ما قلناه، من أنا نحاول الأصعب باليمين، والأخف بالشمال، وإن كان الله سبحانه ليس شيء عليه أخف من شيء، ولا شيء أصعب من شيء، ولكنه تعالى خاطبنا بما نفهم، ولما ذكر اليد تمثيلًا أتم المعنى على التمثيل بعينه، ولا يبعد أن يكون في السموات ما هو أفضل من الأرض وكل ما فيها، لاسيَّما إذا قلنا بتفضيل الملائكة، أو يكون الباري سبحانه يفضل السموات لأمور تخفى عنا، فيكون أضافها إلى اليمين لما قلنا من اختصاص اليمين بالأشرف،
_________________
(١) = ويؤكد هذا أن أبا داود رواه وقال: "بيده الأخرى" بدل "بشماله" وهو الموافق لقوله - ﷺ - "وكلتا يديه يمين" والله أعلم. مجلة الأصالة العدد الرابع ص (٦٨). وانظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ١٥٩) والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ١٣٨).
(٢) المفهم (٧/ ٣٩٢).
[ ٥٣٦ ]
والشمال بما هو دونها، وجرى في ذلك على حكم التمثيل الذي به افتتح فختم عليه، وهذا الذي ظهر إليَّ في هذا الحديث" (^١).
صفة الأصابع:
الأصابع ثابتة لله ﷿ بالسنة الصحيحة، فقد جاء من حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: "جاء رجلٌ من أهل الكتاب إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا أبا القاسم إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على أصبع، والشجر والثرى على أصبع، ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك. قال: فرأيت رسول الله - ﷺ - يضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^٢) " (^٣).
وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء" (^٤). قال ابن خزيمة - ﵀ -: "باب إثبات الأصابع لله ﷿" (^٥) ثم ذكر بالأسانيد ما يثبت ذلك (^٦).
وقال الآجري: "باب الإيمان بأن قلوب الخلائق بين إصبعين من
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٩٦).
(٢) سورة الزمر، آية: ٦٧.
(٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قوله تعالى: "لما خلقت بيدي" ح (٧٤١٥) (١٣/ ٤٠٤) ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار ح (٢٧٨٦) (١٧/ ١٣٥).
(٤) رواه مسلم في كتاب القدر باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء ح (٢٦٥٤) (١٦/ ٤٤٣).
(٥) كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ١٨٧).
(٦) المرجع السابق (١/ ١٨٧ - ١٩٢).
[ ٥٣٧ ]
أصابع الرب ﷿ بلا كيف" (^١).
وقال البغوي: "والإصبع المذكور في الحديث صفة من صفات الله ﷿، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل من صفات الله ﷿ كالنفس والوجه والعين واليد والرجل " (^٢).
ومع هذه النصوص الصريحة في إثبات الأصابع لله تعالى على الوجه الذي يليق به سبحانه من غير تشبيه كما هو مذهب أهل السنة، إلَّا أن القرطبي والمازري سارا على المذهب المخالف لمذهب السلف في تأويل هذه الصفات، وصرف هذه النصوص عن ظواهرها بتأويلات بعيدة لا تحتملها ألفاظ النصوص الواردة.
قال القرطبي في شرحه للحديث الأول: "قول اليهودي: إن الله يمسك السموات على إصبع الحديث إلى آخره" هذا كله قول اليهودي لا قول النبي - ﷺ -، والغالب على اليهود أنهم يعتقدون الجسمية، وأن الله تعالى شخص، ذو جوارح، كما تعتقده غلاة الحشويَّة في هذه الملة، وضحك النبي - ﷺ - إنما هو تعجب من جهله، ألا ترى أنه قرأ عند ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^٣) أي: ما عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه، وهذه الرواية هي الرواية الصحيحة المحققة، فأما رواية من زاد في هذا اللفظ تصديقًا له، فليست بشيء؛ لأنها من قول الراوي، وهي باطلة؛ لأن النبي - ﷺ - لا يصدق الكاذب، ولا المحال، وهذه الأوصاف في حق الله تعالى محال بدليل ما قدمناه غير مرة، وحاصله: أنه لو كان ذا يد وأصابع وجوارح على نحو ما هو المعروف
_________________
(١) الشريعة للآجري (٣/ ١١٥٦).
(٢) شرح السنة للبغوي (١/ ١٦٦).
(٣) سورة الزمر، آية: ٦٧.
[ ٥٣٨ ]
عندنا لكان كواحدٍ منا، ويجب له من الافتقار والحدث والنقص والعجز ما يجب لنا، وحينئذ تستحيل عليه الإلهية، ولو جازت الإلهية لمن كان على هذه الأوصاف لجاز أن يكون كل واحد منا إلهًا ولصحت الإلهية للدجال، ولصدق في دعواه إياها، وكل ذلك كذب ومحال، والمفضي إليه كذب ومحال، فقول اليهودي كذب ومحال، ولذلك أنزل الله تعالى في الرد عليه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وإنما تعجب النبي - ﷺ - من جهله فوهم الراوي، وظن أن ذلك التعجب تصديق وليس كذلك، فإن قيل: فقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن" (^١) فقد أخبر بأن له أصابع، فالجواب: أنه إذا جاءنا مثل هذا في كلام الصادق تأولناه، أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره لضرورة صدق من دلت المعجزة على صدقه، فأما إذا جاءنا مثل هذا على لسان من يجوز عليه الكذب بل من أخبرنا الصادق عن نوعه بالكذب والتحريف، كذبناه وقبحناه، ثم لو سلمنا أن النبي - ﷺ - صدقه وقال له: صدقت، لما كان تصديقًا له في المعنى، بل: في النقل أي: في نقل ذلك عن كتابه أو عن نبيه، وحينئذ نقطع بأن ظاهره غير مراد، ثم هل نتوقف في تعيين تأويل ونسلِّم، أو نبدي تأويلًا له وجه في اللسان وصحة في العقل، على الرأيين اللذين لأئمتنا، وقد تقدما، وقد قلنا: إن الإصبع يصح أن يراد به القدرة على الشيء ويسارة تقليبه، كما يقول من استسهل شيئًا واستخفه مخاطبًا لمن استثقله: أنا أحمله على إصبعي، أو أرفعه بإصبعي، وأمسكه بخنصري، وكما يقول من طاعَ بحمل شيء: أنا أحمله على عيني، وأرفعه على رأسي يعني به: الطواعية وما أشبه ذلك مما في معناه، وهو كثير، ولما كان ذلك معروفًا عند العقلاء متداولًا بينهم
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٣٧).
[ ٥٣٩ ]
خوطبوا بذلك جريًا على منهاجهم، وتوسعًا معلومًا عندهم، وعلى هذا فيمكن حمل الحديث وما في معناه على نحو من هذا، وبيان ذلك: أن السموات والأرض وهذه الموجودات عظيمة أقدارها في إدراكنا، وكبير خلقها في حقنا، فقد يسبق الوهم الغالب على الإنسان أن خلقها وإمساكها على الله كبير، وتكلفها عسير، فنفى النبي - ﷺ - هذا الوهم بهذا الحديث، وبيَّنه على طريق التمثيل بما تعارفناه، فكأنه قال: خلق بيده المذكورات العظيمة، وإمساكها في قدرة الله تعالى كالشيء الحقير الذي تجعلونه بين أصابعكم وتهزُّونه بين أيديكم، وتتصرفون فيه كيف شئتم، ولهذا أشار بقوله: "ثم يقبض أصابعه ويبسطها" (^١)، وبقوله: "ثم يهزهن" أي: هن في قدرته كالحبة مثلًا في حق أحدنا، أي: لا يبالي بإمساكها ولا بهزها، ولا تحريكها، ولا القبض والبسط عليها، ولا يجد في ذلك صعوبة ولا مشقة، ومن لا يقنعه هذا التفهيم فليس له إلَّا سلامة التسليم، والله بحقائق الأمور عليم" (^٢).
وفي شرحه للحديث الثاني بين أن إثبات الإصبع لله محال، ثم ذكر تأويلات لهذا الحديث، وهي: أن هذا الإصبع يراد به بيان التمكن منه، والتصرف فيه، أو إن الإصبع في الحديث يراد به النعمة والتثنية لأجل نعمة النفع، ونعمة الدفع، فيصرفُ اللهُ عن القلوب ضرًّا ويوصل إليها نفعًا، ثم رد هذا بأنه نفع ودفع يختص بقلوب الصالحين، فتشكل قلوب الفساق والكفار، فرجح تأويله بالنعمة وختمه بقوله: التسليم هو الطريق السليم" (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٣٧).
(٢) المفهم (٧/ ٣٨٩).
(٣) انظر: المفهم (٦/ ٦٧٢).
[ ٥٤٠ ]
وقال المازري في شرح الحديث الأول: "الإصبع قد يراد به معنى الاقتدار، وقد يراد به معنى النعمة، وهذا الحديث، قد يراد به أن الله خلق السموات على عظمها مقتدرًا عليها، من غير أن يمسه تعب ولغوب، كما أن الإنسان منا لا يشق عليه ولا يتعبه ما يصرفه على إصبعه، والناس يذكرون الإصبع في مثل هذه المعاني احتقارًا، ويقولون: بإصبع واحدة أقتلك، أو أفعل كذا أوكذا، فقد يراد هَهُنا هذا المعنى أن الله سبحانه لم يتعبه خلق ما ذكر ولا شق عليه على عظم مخلوقاته هذه، وقد قال بعض الناس: قد يكون بعض المخلوقات اسمه إصبع، فأخبر بخلق هذه الأشياء عليه، وقال بعضهم: يحتمل أن يُراد إصبع بعض خلقه، وهذا غير مستنكر في قدرة الله سبحانه، والغرض المنع أن يكون لله سبحانه إصبع الجارحة لإحالة العقل له، ثم بعد هذا يتأول على ما يجوز، وقد أرينا طرقًا من التأويل" (^١).
وقال عند شرحه للحديث الثاني: "هذا تجوز وتوسع كما يقول القائل: فلان في قبضتي، وبكفي، ولا يريد أنه حال بكفه، وإنما المراد أنه تحت قدرتي، وكذلك يقال: ما أفعل هذا إلَّا بإصبعي، أو فلان بين إصبعي أصرفه كيف شئت، ولا يريد أنه حالٌّ بين الإصبعين، وإنما يريد: أنه هين عليه القهر له، والغلبة، وتصريفه كيف شاء، فكذلك المراد بقوله: "إصبعين من أصابع الرحمن" أي: أنه متصرف بحسب قدرته ومشيئته ﷾ لا يعتاص عليه، ولا يفوته ما أراد منه، كما لا يعتاص على الإنسان ما كان بين إصبعيه، ولا يفوته وخاطب العرب من حيث تفهم، ومثَّل بالمعاني المحسوسة تأكيدًا للمعاني في نفوسها، فإن
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٩٥).
[ ٥٤١ ]
قيل: فإن قدرة الله سبحانه واحدة، والإصبعان ههنا اثنان، قيل: قد أخبرنا أن ذلك مجاز واستعارة وتمثيل، فوقع الكلام على حسب ما اعتادوه في هذا الخطاب غير مقصود منه إلى تثنية أو جمع، ويحتمل أن يُراد بالإصبع ههنا النعمة ويقال: عندي لفلان إصبع حسنة، أي يد جميلة، ولكن يقال على هذا: فلم ثنَّى النعمة؟ ونعم الله لا تحصى، قيل: لا تحصى آحادها، والأجناس قد تحصى، فيكون المراد بالنعمتين اللتين عبر عنهما بالإصبعين نعمة النفع ونعمة الدفع، فنعمة النفع هي الظاهرة، ونعمة الدفع هي الباطنة، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (^١): إن الظاهرة نعمة النفع والباطنة نعمة الدفع، وقلب العبد للباري سبحانه عليه نعمة نفع ونعمة دفع، فلا يبعد أن يراد بالنعمتين هاتان أو غيرهما من الأجناس التي تليق بهذا" (^٢).
وكلام القرطبي والمازري في هذه الصفة يدل على التكلف الشديد والحرص الأكيد على صرف النص عن ظاهره لزعمهم أن إثباته يستلزم أن يكون من جنس أصابع المخلوقين، وهذا ظنٌّ سيء بالله تعالى، وبكلامه، وكلام رسوله - ﷺ -، وقعوا فيه بسبب تأثرهم بالمنهج الكلامي الفاسد المتناقض.
وأهل السنة ينفون التشبيه عن الله تعالى مع إيمانهم بالنصوص وتسليمهم بمقتضاها.
ونرى القرطبي قد صرف الحديث الأول عن الاستدلال به على هذه الصفة إذ جعل هذا من كلام اليهودي الذي أنكره الرسول - ﷺ - بضحك
_________________
(١) سورة لقمان، آية: ٢٠.
(٢) المعلم (٣/ ١٧٩).
[ ٥٤٢ ]
المعجب من جهله، وإن في تلاوته ﵊ للآية ردٌّ عليه، ووهَّم الراوي في قوله ضحك "تصديقًا له".
ولا شك أن طعنه في الراوي مما لا يسلَّم له، إذ في هذا طعن بالثقات الأثبات من الرواة، وردٌّ للأخبار الثابتة حرصًا على أصولهم الفاسدة، ولو كان الأمر على خلاف ما ظن الراوي لكان الرسول - ﷺ - مُقرًّا له على الباطل، وحاشاه - ﷺ - من ذلك.
قال الإمام ابن خزيمة في رد هذا الرأي، وبيان فساده: "قد أجل الله قدر نبيه - ﷺ - عن أن يوصف الخالق البارئ بحضرته بما ليس من صفاته، فيسمعه فيضحك عنده ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضحكًا تبدو نواجذه تصديقًا وتعجبًا لقائله. لا يصف النبي - ﷺ - بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته" (^١).
ونعلم من وصفه - ﷺ - أنه كان شديد الغضب لله تعالى ومواقف إنكاره وغضبه - ﷺ - إذا انتهكت محارم الله لا تخفى على مُطَّلع على سنته وسيرته.
ثم صرف القرطبي والمازري لهذا الحديث وللحديث الآخر بتأويلات باطلة بعيدة، كقولهم: إن هذا من المجاز والاستعارة الجارية مجرى المثل، أو إن المقصود بالإصبع: القدرة، أو النعمة، أو المقصود: خلق من خلق الله اسمه "إصبع" أو إصبع بعض خلقه، وغيرها من التأويلات التي يغني عرضها عن نقدها.
وهما قد ترددا في ذلك، وبحثا عن كل مخرج إلَّا الإثبات الذي عليه سلف الأمة وأتباعهم من الخلف.
_________________
(١) التوحيد لابن خزيمة (١/ ١٧٨).
[ ٥٤٣ ]
وقد رد عليهم ابن قتيبة - ﵀ - هذه التأويلات بعد ذكره لقوله - ﷺ -: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن" حيث قال: "ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح، وأن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث؛ لأنه ﵇ قال في دعائه: "يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك" فقالت له إحدى أزواجه: أَوَتَخَاف يا رسول الله على نفسك؟ فقال: "إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله ﷿" (^١) فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى فهو محفوظ بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت؟ ولم احتج على المرأة التي قالت له: "أتخاف على نفسك؟ " بما يؤكد قولها؟ وكان ينبغي أن لا يخاف إذا كان القلب محروسًا بنعمتين. فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ههُنا؟ قلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر: "ويحمل الأرض على إصبع"، وكذا "على إصبعين" ولا يجوز أن تكون الإصبع ههنا نعمة، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^٢) ولم يجز لك ولا نقول: إصبع كأصابعنا، ولا يد كأيدينا، ولا قبضة كقبضاتنا؛ لأن كل شيء منه ﷿ لا يشبه شيئًا منا" (^٣).
وقال أبو يعلى في إبطال هذه التأويلات: "فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد بالأصابع: الملك والقدرة، ويكون فائدته أن قلوبهم في قبضته جارية على قدرته، وذكر هذا ﵇ عن طريق المثل.
_________________
(١) رواه الترمذي في أبواب الدعوات باب (٩٠) وقال: حديث حسن وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٧١).
(٢) سورة الزمر، آية: ٦٧.
(٣) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص (٢٠٩).
[ ٥٤٤ ]
قيل: هذا غلطٌ؛ لأن حمله على الملك والقدرة والنعم، يسقط فائدة التخصيص بالقلب؛ لأن جميع الأشياء هذا حكمها، وأنها في ملكه وبنعمه. ولأنه لو أراد النعمتين، لكان القلب محفوظًا بها، ولم يحتج إلى الدعاء بالتثبيت، ولما دعا بالتثبيت، لم يصح حمله على النعمتين، وهذا جواب ابن قتيبة. وأما القول بالمجاز، فلا يصح في صفات الله تعالى؛ لأنه لا حقيقة للمجاز. وأما القول بأن المراد بقوله ﵇: "يمسك السموات على إصبع " أي: على إصبع بعض خلق يخلقه، فلا يصح هذا؛ لأنه جاء في الحديث: "وسائر الخلق على إصبع" فاقتضى ذلك أنه لم يبق مخلوق إلَّا وهو على الإصبع فلو كان المراد به إصبع بعض خلقه لخرج بعض الخلق عن أن يكون على الإصبع وهذا خلاف الخبر.
ثم إن المفسرين قالوا: إن هذا يكون عند فناء الخلق وإماتتهم، فلا يكون له مجيب غير نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ (^١) فدل هذا على أنه لم يبق هناك خلق يضع السموات على إصبعه. فإن قيل: في الخبر ما يدل على القدرة، وهو قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^٢) قيل: معناه ما عرفوا الله حق معرفته، وإذا كان هذا معناه لم يكن المراد به القدرة" (^٣).
والصواب في هذا ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات الصفة لله تعالى بهذه النصوص مع نفي المشابهة والتمثيل والابتعاد عن التكييف أو التعطيل والله الهادي إلى سواء السبيل.
صفة الرِّجْل والقَدَم:
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله تعالى بالأحاديث الصحيحة، منها قوله - ﷺ -:
_________________
(١) سورة غافر، آية: ١٦.
(٢) سورة الزمر، آية: ٦٧.
(٣) إبطال التأويلات لأبي يعلى (٢/ ٣١٧، ٣٢٤) بتصرف.
[ ٥٤٥ ]
"فأما النار فلا تمتليء حتى يضع الله ﵎ رجله - وعند مسلم: قدمه - فتقول قط قط" (^١)، وقوله - ﷺ -: "يُقال لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب ﵎ قدمه عليها، فتقول: قط قط" (^٢)، هذا سوى الآثار الموقوفة على الصحابة في إثبات القدمين لله تعالى (^٣)، فأهل السنة يثبتون لله تعالى هذه الصفة على ما جاءت بها النصوص كما يليق به سبحانه من غير مشابهة لخلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٤).
قال القرطبي: "حتى يضع رب العزة فيها قدمه"، وفي اللفظ الآخر: "حتى يضع الله رجله" ولم يذكر لا فيها ولا عليها، وقد ضل بظاهر هذا اللفظ من أذهب الله عقله، وأعدم فهمه، وهم المجسمة المشبهة، فاعتقدوا: أن لله تعالى رجلًا من لحم وعصب تشبه أرجلنا كما اعتقدوا في الله تعالى أنه جسم يشبه أجسامنا، ذو وجه وعينين، وجنب، ويد، ورجل، وهكذا، وهذا ارتكاب جهالة، خالفوا بها العقول وأدلة الشرع المنقول، وما كان سلف هذه الأمة عليه من التنزيه عن المماثلة والتشبيه، وكيف يستقر هذا المذهب في قلب من له أدنى فكرة، ومن العقل أقل مسكة، فإن الأجسام من حيث هي كذلك متساوية في الأحكام
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب التفسير باب "وتقول هل من مزيد"ح (٤٨٥٠) (٨/ ٤٦٠) ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ح (٢٨٤٦) (١٧/ ١٨٨).
(٢) رواه البخاري في كتاب التفسير باب، "وتقول هل من مزيد" ح (٤٨٤٩) (٨/ ٤٦٠) ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ح (٢٨٤٨) (١٧/ ١٨٩).
(٣) انظر: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٠٢) والدارمي في الرد على المريسي (١/ ٣٩٤).
(٤) سورة الشورى، آية: ١١.
[ ٥٤٦ ]
العقلية، وما ثبت للشيء ثبت لمثله (^١)، وقد ثبت لهذه الأجسام الحدوث، فيلزم عليه أن يكون الله تعالى حادثًا، وهو محال باتفاق العقلاء والشرائع، ثم انظر غفلتهم وجهلهم بكلام الله تعالى وبمعانيه، فكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٤) ويلزم على قولهم: أن يكون كل واحد منا مثلًا له تعالى من جهة الجسمية والحيوانية والجوارح وغير ذلك من الأعضاء والأعصاب واللحم والجلود والشعور (^٢) وغير ذلك وكل ذلك جهالات وضلالات ولله سرٌّ في إبعاد بعض العباد ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ (^٣) وقد تأول علماؤنا ذلك الحديث تأويلات وأشبه ما فيها تأويلان:
أحدهما: أن النار تتغيظ وتتهيج حنقًا على الكفار والمتكبرين والعصاة، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (^٤) وكما قال: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ (^٥) وكما قال في هذا الحديث: "لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ " وكما قال: "تخرج عنق من النار فتقول وكلت بالجبارين والمتكبرين" (^٦) فكأنها تعلو وتطغى حتى كأنها تجاوز الحد وفي بعض الحديث أنها تكاد أن تلتقم أهل المحشر فيكسر الله سورتها وحدتها وبردها ويذللها ذل متكبر وطيء بالقدم
_________________
(١) سبق الرد على هذه الشبهة الفاسدة التي ينفون بسببها عامة الصفات الذاتية.
(٢) حتى المجسمة لم يقولوا بهذا ولكنه من باب التهويل.
(٣) سورة الرعد، آية: ٣٣.
(٤) سورة الملك، آية: ٨.
(٥) سورة ق، الآية: ٣٠.
(٦) رواه الترمذي في أبواب صفة جهنم باب صفة النار وهو بلفظ "يخرج عُنُقُ من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبَّار عنيدٍ وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين" والحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٣٢٠).
[ ٥٤٧ ]
والرجل، فعبر عن تذليلها بذلك ويشهد لذلك قوله - ﷺ -: "فيضع قدمه عليها" وعلى هذا فيكون "فيها" في الرواية الأخرى بمعنى عليها كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^١) أي: على جذوع النخل.
وثانيهما: أن القدم والرجل عبارة عمن تأخر دخوله في النار من أهلها وهم جماعات كثيرة؛ لأن أهل النار يلقون فيها فوجًا بعد فوج كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ (^٢) ويؤيده قوله في الحديث: "لا يزال يلقى فيها" فالخزنة تنتظر أولئك المتأخرين؛ إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم كما قد روي عن ابن مسعود أنه قال: ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلَّا وعليه اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد. قالت الخزنة: قط قط، إي: حسبنا حسبنا اكتفينا اكتفينا فحينئذ تنزوي جهنم على من فيها أي: تجتمع وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر فعبَّر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم كما عبرت العرب عن جماعة الجراد بالرجل فتقول: جاء رجلُ من جراد، أي: جماعة منها ويشهد بصحة هذا التأويل قوله في آخر الحديث: "ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة" والله بمراد رسوله أعلم والتسليم في المشكلات أسلم" (^٣).
قلت: عفا الله عن القرطبي، ما أشدَّ هذا التكلف! وما أبعد هذا التأويل! لقد أقر الباطل بقوله هذا ودفع الحق، ونسب إلى السلف ما لم يقولوه، وألزمهم بما لم يعتقدوه مع رميه لهم با لتجسيم ووصفهم بالتشبيه.
_________________
(١) سورة طه، آية: ٧١.
(٢) سورة الملك، آية: ٨.
(٣) المفهم (٧/ ١٩٣ - ١٩٦).
[ ٥٤٨ ]
لقد أجهد القرطبي نفسه في جمع ما استطاع لتأييد ما ذهب إليه من التأويل مع وضوح النصوص وجلاء دلالتها، وكان يسعه ما وسع السلف الماضين من الأئمة المرضيين، فقوله هذا من تحميل الصفة ما لا تحتمل، وقد جاءت هذه الألفاظ عن أفصح الخلق - ﷺ - وأنصحهم للأمة، وبمقتضى هذه النصوص الظاهرة الجلية آمن السلف بإثبات هذه الصفة لله ﵎، واعتقدوا ذلك دون تأويل أو تفويض كحال هؤلاء، لكنها المناهج الفاسدة والآراء المبتدعة، والقواعد الباطلة التي هي سمة مذهبهم في الصفات، حيث عطلوا الله تعالى عن صفاته، ورموا من أثبتها بتشبيه ذاته بمخلوقاته، تعالى الله عن ذلك، وختم - عفا الله عنه - حديثه بقوله: "والتسليم أسلم" وليته سلَّم فسلم، والسلامة لا يعدلها شيء. وكذلك المازري سلك هذا المسلك، فالتزم التأويل وصرف النص عن ظاهره من غير دليل، حيث قال: "هذا الحديث من مشاهير الأحاديث التي وقعت موهمة للتشبيه. ولمَّا نقله الأثبات، واشتهر عند الرواة، تكلف العلماء قديمًا وحديثًا الكلام عليه، والنظر في تأويله، فمنهم من حمل القدم على السابق المتقدم، ويقال: للمتقدم قدم، فيكون تقدير الكلام حتى يضع الجبار فيها من قدم لها من أهل العذاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^١) معناه: التقدم والسبق، لا قدم الرجل، فإذا وقع مثل ذلك في القرآن حملنا ما وقع في السنة عليه، وإلى هذا التأويل مال النضر بن شميل (^٢)، وقد أشار ابن الأعرابي (^٣) إلى أن
_________________
(١) سورة يونس، آية: ٢.
(٢) النضر بن شميل بن خرشة المازني البصري إمام حافظ عالم بالحديث واللغة تولى القضاء بمرو توفي سنة (٢٠٣ هـ). تهذيب التهذيب (٤/ ٢٢)، تذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٣١٤).
(٣) محمد بن زياد بن الأعرابي الهاشمي إمام في اللغة له عدة مصنفات ورع زاهد صاحب سنة =
[ ٥٤٩ ]
القدم يعبر به عن هذا المعنى، ولكن في الشرف والجلالة، ويحتمل أن يكون المراد ههُنا بالحديث قدم بعض خلقه، وتكون الإضافة ههُنا إلى الله سبحانه إضافة فعل لا إضافة جارحة، وقد قال بعضهم: يحتمل أن يريد أن الله سبحانه يخلق في الآخرة خلقًا يسمى بهذه التسمية فلا تمتليء النار إلَّا به.
ويحتمل وجه آخر على رواية من رواه "حتى يضع الجبار" أن يريد به الشيطان؛ لأنه أصل الجبارين أو يريد به أحد الكفرة من الجبابرة، فيكون المعنى: لا تمتليء حتى يضع إبليس فيها قدمه، أو هذا المشار إليه، وأما ما خرجه مسلم في بعض طرقه حتى يضع الله رجله، فقد أنكر هذه اللفظة بعض أهل العلم وزعم ابن فورك أنها غير ثابتة عند أهل النقل، ولكن لابد من تأويلها لأجل تخريج مسلم لها، وهو كما وصفناه في كتابنا هذا أولًا ووصفنا أحاديثه، فيصح أن يكون المراد ههنا رجل بعض خليقته وأضاف ذلك إليه ﷿ إضافة فعل لا إضافة جارحة كما قدمناه في القدم، ويصح فيه تأويل آخر أيضًا، وهو أن يكون المراد بالرجل ههُنا الجماعة من الناس كما يقال: رجل من جراد أي جماعة من جراد، وقد وقع ذلك في أشعار كثيرة، وإذا أمكن حمل الحديث على هذه التأويلات الصحيحة الجائزة على الله سبحانه لم يصح حمله على ما تقوله المجسمة من إفادته إثبات الجارحة لله، تعالى عن قولهم، وقد قام الدليل القاطع العقلي على استحالة ذلك عليه جل وعلا، وهذا واضح فتأمله" (^١).
وكل هذا التخبط لا يغني من الحق شيئًا فأهل السنة يثبتون القدم صفة لله ﷿ من غير تشبيه، ويردون هذه التأويلات الباطلة على
_________________
(١) = واتباع، توفي سنة (٢٣١ هـ). سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٨٧).
(٢) المعلم (٣/ ٢٠٠).
[ ٥٥٠ ]
أصحابها.
قال ابن خزيمة: "باب: ذكر إثبات الرِّجل لله ﷿، وإن رغمت أنوف المعطلة الجهمية الذين يكفرون بصفات خالقنا -﷿- التي أثبتها لنفسه في محكم تنزيله على لسان نبيه المصطفى -ﷺ- (^١).
وقال أبو يعلى مفندًا تأويلات المبتدعة لصفة القدم: فإن قيل: معنى القدم ههنا المتقدم من المشركين يضعه في النار؛ لأن العرب تقول للشيء المتقدم: قدم وعلى هذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٢) أي: سابقة صدق .. قيل: هذا غلط لوجهين:
أحدهما: أن قوله: "يضع قدمه" هاء كناية وهاء الكناية ترجع إلى المذكور، والمذكور في الخبر الله سبحانه، وفي لفظ آخر: "الجبار" وفي لفظ آخر: "رب العزة" فوجب أن يرجع إليه، فأما المتقدم من الكفار فلم يتقدم ذكرهم فلا يجب رجوع الهاء إليهم.
الثاني: أن هذا يسقط فائدة التخصيص بالنار؛ لأن المتقدم بفعل الخير يضعه في الجنة، فلو كان المراد بالقدم المتقدم لم يكن لتخصيصه بالنار فائدة، فوجب حمله على ظاهره ليفيد فائدة.
فإن قيل: المراد بالقدم ههنا: خلق من خلق الله تعالى يخلقه الله تعالى يوم القيامة فيسميه: قدمًا ويضعه الله من طريق الفعل، والملك يضعه في النار. قيل هذا غلط لما تقدم من الوجهين.
فإن قيل: المقصود جنس الجبابرة وهم الكفرة المعاندون بقوله: "يضع الجبار" قيل هذا غلط؛ لأنه جاء في الحديث: "رب العزة" و"يضع
_________________
(١) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٠٢).
(٢) سورة يونس، آية: ٢.
[ ٥٥١ ]
الله قدمه" (^١).
وقال ابن تيمية: "قد غلط في هذا الحديث المعطلة الذين أوَّلوا "قدمه" بنوع من الخلق كما قالوا: الذين تقدم في علمه أنهم أهل النار حتى قالوا في قوله: "رجله" كما يقال: رِجل من جرادٍ وغلطهم من وجوه:
فإن النبي -ﷺ- قال: "حتى يضع" ولم يقل حتى يلقى كما قال في قوله: "لا يزال يلقي فيها".
الثاني: أن قوله "قدمه" لا يفهم منه هذا لا حقيقة ولا مجازًا كما تدل عليه الإضافة.
الثالث: أن أولئك المؤخرين إن كانوا من أصاغر المعذبين فلا وجه لانزوائها وانكفائها بهم، فإن ذلك إنما يكون بأمر عظيم وإن كانوا من أكابر المجرمين فهم في الدرك الأسفل، وفي أول المعذبين لا في أواخرهم.
الرابع: إن قوله: "فينزوي بعضها إلى بعض" دليل على أنها تنضم على من فيها فتضيق بهم من غير أن يلقى فيها شيء.
الخامس: أن قوله: "لا يزال يلقي فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع فيها قدمه" جعل الوضع الغاية التي إليها ينتهي الإلقاء ويكون عندها الانزواء فيقتضي ذلك أن تكون الغاية أعظم مما قبلها.
وليس في قول المعطلة معنى للفظ "قدمه" إلَّا وقد اشترك فيه الأول والآخر والأول أحق به من الآخر" (^٢).
وبهذه النقول السلفية الصحيحة الصافية، المبنية على النصوص
_________________
(١) إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٩٧، ٢٠٠) بتصرف يسير.
(٢) مختصر الفتاوى المصرية ص (٨٢٩).
[ ٥٥٢ ]
الشرعية، يتبين بطلان ما ذهب إليه المتأولون، وصحة ما ذهب إليه السلف الصالحون، من إثبات هذه الصفة على الوجه اللائق به سبحانه، إيمانًا واعتقادًا وتسليمًا، والسلامة في اتباع منهج السلف السالمين من التعطيل والتمثيل.
صفة السَّاق:
صفة من صفات الله تعالى الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ (^١)، وقال -ﷺ- في حديث الشفاعة الطويل: " فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن" (^٢).
وإن كان في الآية خلاف من ناحية دلالتها على هذه الصفة فالحديث نص صريح في إثباتها ولذا فمذهب أهل السنة والجماعة إثبات هذه الصفة لله تعالى على الوجه الذي يليق به سبحانه.
وقد ذكر شيخ الإسلام هذا فقال عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾: الصحابة قد تنازعوا في تفسير هذه الآية، هل المراد به الكشف عن الشدة، أو المراد أنه يكشف الرب عن ساقه؟ ولم تتنازع الصحابة والتابعون فيما ذكر من آيات الصفات إلَّا في هذه الآية، بخلاف قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٣)، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (^٤) ونحو ذلك فإنه لم يتنازع فيها الصحابة والتابعون، وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك صفة لله
_________________
(١) سورة القلم، آية: ٤٢.
(٢) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح (٧٤٣٩) (١٣/ ٤٣١) ومسلم في كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤية ح (١٨٣) (٣/ ٣٠).
(٣) سورة ص، الآية: ٧٥.
(٤) سورة الرحمن، الآية: ٢٧.
[ ٥٥٣ ]
تعالى؛ لأنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ولم يقل: عن ساق الله ولا قال: يكشف الرب عن ساقه وإنما ذكر ساقًا نكرة غير معرفة، ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في "الصحيحين" الذي قال فيه: "فيكشف الرب عن ساقه"، وقد يقال: إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود والسجود لا يصلح إلَّا لله فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه، وأيضًا فحمل ذلك على الشدة لا يصح؛ لأن المستعمل في الشدة أن يقال: كشف الله الشدة أي: أزالها، كما قال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾ (^١) وقال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ (^٢) وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ (^٣) وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أن يقال: كشف الشدة، أي: أزالها، فلفظ الآية: ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ وهذا يراد به الإظهار والإبانة، كما قال: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمُ﴾ وأيضًا فهناك تحدث الشدة لا يزيلها فلا يكشف الشدة يوم القيامة لكن هذا الظاهر ليس ظاهرًا من مجرد لفظة "ساق" بل با لتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود (^٤).
والقرطبي عفا الله عنه أوَّل هذه الصفة وصرفها عن ظاهرها بشرحه
_________________
(١) سورة الزخرف، آية: ٥٠.
(٢) سورة الأعراف، آية: ١٣٥.
(٣) سورة المؤمنون، آية: ٧٥.
(٤) نقض أساس التقديس لابن تيمية ورقة نقلًا عن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف ص (١٣٧) ووجدت كلامًا له قريبًا من هذا في دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية للدكتور محمد السيد الجليند (٣/ ٤٨٢) ولابن القيم أيضًا كلامًا مشابهًا لهذا في الصواعق المرسلة (١/ ٢٥٢).
[ ٥٥٤ ]
للحديث الصحيح الذي أجمع السلف على أن فيه إثباتًا لصفة "الساق" لله تعالى.
قال القرطبي: "فيكشف عن ساق، أي: يوضح الحق، ويتجلى لهم الأمر، فيرونه حقيقة معاينة، وكشف الساق: مثل تستعمله العرب في الأمر إذا حق ووضح، واستقر، تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها، إذا زالت مخارقها وحقت حقائقها وقال:
وكُنتُ إذا جاري دعا لمَضُوفَةٍ (^١) أُشمِّر حتى ينصُفَ الساقَ مِئزَري (^٢) (^٣)
وأما العلماء الذين عدوا الآية من آيات الصفات فبين ابن القيم وجهتهم بقوله: "والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه: "فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجَّدًا" ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ مطابق لقوله -ﷺ-: "فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدًا" وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلَّت عظمتها، وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل، أو شبيه قالوا: وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾ (^٤) وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ (^٥) فالعذاب والشدة هو المكشوف، لا المكشوف عنه، وأيضًا فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تزال إلَّا بدخول الجنة، وهناك
_________________
(١) أي: أمر شديد ضافه ونزل به وشق عليه.
(٢) البيت لأبي جندب الهذلي من شعراء الجاهلية. انظر: ديوان الهذليين (١/ ٣٥٨).
(٣) المفهم (١/ ٤١٧).
(٤) سورة الزخرف، آية: ٥٠.
(٥) سورة المؤمنون، آية: ٧٥.
[ ٥٥٥ ]
لا يدعون إلى السجود، وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة" (^١).
قال الشوكاني: "وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله -ﷺ- كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيمًا ولا تشبيهًا فليس كمثله شيء" (^٢).
صفة الاستواء:
من صفات الله تعالى الفعلية، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٤)، وقال -ﷺ-: "لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه" (^٥)، وقد أجمع الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين ومن تبعهم ولم يخالف فيه إلَّا من هو متهم على الإسلام (^٦)، أو مغرور بالتقليد لمن يحسن به الظن (^٧). على أنَّ الاستواء من الصفات المعلومة بالسمع لا بالعقل، أما العلو فهو معلوم بالسمع والعقل (^٨).
وقد بيَّن السلف أن الاستواء صفة ثابتة لله تعالى، وأنه استواء حقيقي يليق بجلاله وعظمته.
_________________
(١) الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ٢٥٢، ٢٥٣).
(٢) فتح القدير للشوكاني (٥/ ٢٧٨).
(٣) سورة طه، آية: ٥.
(٤) سورة يونس، آية: ٣.
(٥) الحديث ذكره الذهبي في "العلو" وقال: رواته ثقات العلوص (٦٣) وقال ابن القيم: اسناده صحيح على شرط البخاري اجتماع الجيوش ص (٥٤).
(٦) قال شيخ الإسلام: القول "بأن الله تعالى ليس فوق العرش" أول من ابتدعه في الإسلام الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وشيعتهما وهم عند الأمة من شرار أهل الأهواء. نقض أساس التقديس (١/ ١٢٧).
(٧) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٤٠١).
(٨) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٥/ ٢٢٧).
[ ٥٥٦ ]
وقد روى الدارمي أن رجلًا جاء إلى الإمام مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ كيف استوى؟ قال الر اوي: فما رأينا مالكًا وَجَدَ من شيء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء (^١) وأطرق، وجعلنا ننتظر ما يأمر به فيه، قال: ثم. سري عن مالك فقال: الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالًّا ثم أمر به فأُخرج (^٢).
قال الإمام ابن خزيمة: "فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا أن خالقنا مستوٍ على عرشه، لا نبدل كلام الله، ولا نقول غير الذي قيل لنا كما قالت المعطلة والجهمية: أنه استولى على عرشه، لا استوى، فبدلوا قولًا غير الذي قيل لهم" (^٣).
وقال أبو الحسن الأشعري: نقول إن الله ﷿ يستوي على عرشه، استواءً يليق به" (^٤).
وقال ابن تيمية: "فإن القول بأن الله فوق العرش هو مما اتفقت عليه الأنبياء كلهم، وذكر في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، وقد اتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها من جميع الطوائف" (^٥).
وكما أنكر القرطبي العلو فكذلك أنكر الاستواء حيث قال: "إضافته إلى الله -أي العرش- على جهة الملك أو التشريف، لا لأن الله استقر عليه، أو استظل به، كما قد توهمه بعض الجهال في الاستقرار
_________________
(١) الرحضاء يعني العرق وهو علامة على شدة وقع السؤال عليه وجزعه منه.
(٢) الرد على الجهمية للدارمي ص (٦٦).
(٣) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٣٣).
(٤) الإبانة للأشعري ص (٩٧).
(٥) نقض التأسيس (٢/ ٩).
[ ٥٥٧ ]
وذلك على الله محال، إذ يستحيل عليه الجسمية ولواحقها" (^١).
وقال في موضع آخر: "ومما يعلم استحالته: كون العرش حاملًا لله تعالى، وأن الله تعالى مستقرٌّ عليه، كاستقرار الأجسام، إذ لو كان محمولًا لكان محتاجًا فقيرًا لما يحمله، وذلك ينافي وصف الإلهية، إذ أخص أوصافه الاستغناء المطلق، ولو كان ذلك للزم كونه جسمًا مقدرًا، ويلزم كونه حادثًا على ما سبق، فإن قيل ما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (^٢) قيل: له محامل واضحة وتأويلات صحيحة غير أن الشرع لم يعين لنا محملًا من تلك المحامل، فيتوقف في التعيين ويسلك مسلك السلف الصالح في التسليم" (^٣).
وقال أيضا: "ولقد أحسن من قال: لو كان الباري تعالى في شيء لكان محصورًا ولو كان على شيء لكان محمولًا، ولو كان من شيء لكان محدثًا" (^٤).
وكلام القرطبي واضح في نفي استواء الله تعالى على العرش بزعم أن هذا من صفات الأجسام والمحدثات، وأنه لو كان مستويًا على العرش، لكان محتاجًا إليه، وهذا لا شك من اللوازم الباطلة إذ أهل السنة والجماعة أثبتوا لله تعالى الاستواء اللائق به تعالى ونزَّهوه سبحانه أن يحتاج لشيء أو يفتقر إلى مخلوق.
قال الطحاوي: "والعرش والكرسي حق، وهو مستغني عن العرش، وما دونه، محيط بكل شيء، وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة به خلقه".
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٣٦).
(٢) سورة طه، آية: ٥.
(٣) المفهم (٦/ ٦٧٠).
(٤) المفهم (٦/ ٤٥١).
[ ٥٥٨ ]
قال ابن أبي العز الحنفي في شرحه لهذا الكلام: "إنما قال الشيخ -﵀- هذا الكلام لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش، وما دون العرش ليبين أن خلقه للعرش، واستواءه عليه، ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون العالي فوق السافل، لا يلزم أن يكون السافل حاويًا للعالي محيطًا به حاملًا له، ولا أن يكون الأعلى مفتقرًا إليه، فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض، وليست مفتقرة إليها؟ فالرب تعالى أعظم شأنًا وأجل من أن يلزم علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو سبحانه عن السافل، وإحاطته ﷿ به، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته العرش، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق، ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل" (^١).
وقال ابن تيمية: "من كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله -إلى العرش أو غيره- فهو مبتدع ضال، وكذلك إن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين، فيقول: اسعتواء الله كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال، فإن الكتاب والسنة مع العقل دلَّت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء، ودلَّت على أن الله غني عن كل شيء، ودلَّت على أن الله مباين للمخلوقات عالٍ عليها. وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق
_________________
(١) شرح الطحاوية (٢/ ٣٧٢).
[ ٥٥٩ ]
سمواته على عرشه، بائن من مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن الله غني عن العرش، وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش، وحملة العرش بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين، بل يثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفي عنه مماثلة المخلوقات ويعلم أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف الأمة، وأئمتها، فإن مذهبهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله -ﷺ- من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيعلمون أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش" (^١).
فضلال هؤلاء في هذا الجانب بسبب قياسهم الخالق بالمخلوق فهم شبهوا أولًا وعطَّلوا ثانيًا، ولو قدروا الله حق قدره لما ظنوا هذه الظنون.
فأهل السنة يثبتون استواء الله تعالى على العرش، ولكنهم لا يسألون عن الكيفية كما سبق إنكار الإمام مالك -رحمه الله تعالى- على من سأل عن كيفية الاستواء.
قال الذهبي بعد نقله لإجابة مالك لمن سأل عن كيفية الاستواء: "وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه وأنه كما يليق به، ولا نتعمق ولا نتحذلق ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًّا ولا إثباتًا بل نسكت ونقف كما وقف السلف.
ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون ولما
_________________
(١) الفتاوى لابن تيمية (٥/ ٢٦٢) وانظر (٥/ ٢٧، ٢٩، ٢٨٤، ٢٨٦).
[ ٥٦٠ ]
وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه.
ونعلم يقينًا مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في صفاته ولا في استوائه، ولا في نزوله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا" (^١).
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وينبغي للمؤولين أن يتأملوا آية من سورة الفرقان، وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ (^٢) ويتأملوا معها قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ (^٣) فإن قوله في الفرقان: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ يدل دلالة واضحة أن الله الذي وصف نفسه بالاستواء خبير بما يصف به نفسه لا يخفى عليه الصفة اللائقة من غيرها ويفهم منه أن الذي ينفي عنه صفة الاستواء ليس بخبير نعم والله ليس بخبير (^٤).
فالصواب في هذه المسألة ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات استواء الله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختص به" (^٥).
صفة النزول:
النزول صفة فعلية جاءت عن الرسول -ﷺ- في أحاديث صحيحة، حيث قال -ﷺ-: "ينزل ربُّنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين
_________________
(١) العلو للذهبي ص (١٣٩).
(٢) سورة الفرقان، آية: ٥٩.
(٣) سورة فاطر، آية: ١٤.
(٤) الأسماء والصفات نقلًا وعقلًا للشنقيطي ص (١١٤).
(٥) الفتوى الحموية الكبرى ص (٢٧٥).
[ ٥٦١ ]
يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له" (^١).
وقد آمن بها أهل السنة كما جاءت من غير تكييف لها، ولا تحريف، أو تأويل لمعناها.
قال الإمام الدارمي بعد أن ذكر ما يثبت النزول من أحاديث الرسول -ﷺ-: "فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب -﵎- في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا لا ينكرها منهم أحد، ولا يمتنع من روايتها" (^٢).
وقال إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد: "باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي -ﷺ- في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة: نشهد شهادة مقرٍّ بلسانه، مصدقٍ بقلبه مستيقنٍ بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية، لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا؛ وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه ﵇ بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم.
فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية إذ النبي -ﷺ- لم يصف لنا كيفية النزول" (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ح (١١٤٥) (٣/ ٣٥) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه ح (٧٥٨) (٦/ ٢٨٢).
(٢) الرد على الجهمية، للدارمي ص (٩٣).
(٣) كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٨٩).
[ ٥٦٢ ]
وقال أبو عثمان الصابوني: "ويثبت أهل الحديث نزول الرب ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله -ﷺ-، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه (^١) إلى الله" (^٢).
وقال ابن عبد البر: "والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله -ﷺ- ويصدقون بهذا الحديث ولا يكيفون" (^٣).
هذا هو اعتقاد أهل السنة من السلف والخلف، لكن القرطبي والمازري خالفا في هذه المسألة كما خالفا في المسائل الأخرى، خصوصًا ما يتعلق بصفات الله تعالى الفعلية، فصرفوا هذه الصفة عن ظاهرها بتأويلات لا تليق حسب قواعدهم الفاسدة التي قعدوها لنفي صفات الله تعالى الفعلية كما سبق ذكره.
قال القرطبي عند شرحه للحديث السابق: "قوله: "ينزل ربنا" كذا صحت الرواية هنا، وهي ظاهرة في النزول المعنوي، وإليها يرد ينزل على أحد التأويلات، ومعنى ذلك: أن مقتضى عظمة الله تعالى وجلاله
_________________
(١) أي علم كيفيته قال الشيخ الغنيمان: "يكلون علمه إلى الله" يعني: علم الكيفية لا يبحث فيها لأن الكيفية تتوقف على المشاهدة والله تعالى لا يرى في الدنيا "كذا قول إسحاق بن راهوية "إنما ينزل بلا كيف" يعني بلا كيف يعلمه العباد وإلَّا ففي حقيقة الأمر له كيف يعلمه الله تعالى. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (٢/ ٢٥٢).
(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ع (١٩١).
(٣) التمهيد (٧/ ١٤٣).
[ ٥٦٣ ]
واستغنائه ألا يعبأ بحقير ذليل فقير (^١)، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولطفه؛ لأن يقول: "من يقرضُ غير عدوم ولا ظلوم" (^٢) ويكون قوله "إلى السماء الدنيا" عبارة عن الحاجة القريبة إلينا، والدنيا بمعنى: القربى، والله أعلم. وقد قيَّده بعض الناس "يُنزلُ" بضم الياء من: أنزل فيكون معدى إلى مفعول محذوف أي: يُنزل اللهُ ملكًا فيقول: كذا، وأما رواية "ينزل" ثلاثيًا من نزل فهي صحيحة أيضا، وهي من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٣) وقد دلَّ على صحة هذا التأويل ما رواه النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله -ﷺ-: "إن الله ﷿ يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟ " (^٤) وهذا صحيح، وهو نصٌّ وبه يرتفع الإشكال" (^٥)
وقال المازري: "معناه ينزل ملك ربنا وهو تقدير حذف المضاف كما يقال فعل السلطان كذا، وإن كان الفعل وقع من أتباعه ويضاف الفعل إليه لما كان عن أمره ويحتمل أن يكون عبر بالنزول عن تقريب الباري تعالى للداعين حينئذ واستجابته لهم، وخاطبهم -ﷺ- بما جرت به عادتهم ليفهموا عنه، وكأن المتقرب منا إذا كان في بساط واحد مع من يريد الدنو منه عبر عن ذلك بأن يقال: جاء وأتى، وإذا كان في علو قيل: نزل
_________________
(١) هذا وصف لجميع بني آدم.
(٢) هو جزء من حديث النزول الذي سبق تخريجه وهذه الزيادة عند مسلم.
(٣) سورة يوسف، آية: ٨٢.
(٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى كتاب عمل اليوم والليلة (٦/ ١٢٤) من رواية الأعمش عن أبي إسحاق السبيعي وأبو إسحاق ثقة لكنه اختلط في آخر عمره، انظر تهذيب التهذيب (٣/ ٢٨٤) ولا يدرى أكانت رواية الأعمش عنه قبل إختلاطه أم بعده.
(٥) المفهم (٢/ ٣٨٦).
[ ٥٦٤ ]
وتجلى، وقد ورد في الكتاب والسنة: جاء وأتى ونزل وتجلى" (^١).
يتبين من كلامهما في هذه المسألة مخالفة مذهب السلف وحيث أن الرواية صحيحة لا مجال للطعن فيها، فقد ذهب القرطبي إلى البحث عن رواية أخرى توافق مذهبه في التأويل، أو تساعده على ذلك ليحمل الروايات الصحيحة عليها، ولا شك أن هذا تكلف مخالف للأصول، وقد جعل القرطبي تلك الرواية التي جاء فيها: "إن الله يأمر مناديًا ينادي" هي الأصل وحمل الروايات الأخرى الصحيحة عليها مع أن في ثبوتها نظرًا، وظاهرها مخالف للروايات المستفيضة عن النبي -ﷺ- أن المنادي هو رب العالمين مع أنه يجوز أن الله تعالى مع قوله ذلك يأمر من ينادي ولكن الملك إذا نادى عن الله تعالى لا يتكلم بصيغة المخاطب بل يقول: إن الله أمر بكذا، أوقال كذا، ولا إشكال في هذه الرواية مع الروايات الأخرى كما زعم القرطبي، إنما الإشكال جاء من تأويل النصوص وصرفها عما يراد بها (^٢).
وأما ضبط "يُنزل" بضم أوله، فهذا من تحريف المبتدعة للفظ الحديث ليتفق مع مذهبهم في نفي نزول الله تعالى، ولم يرد ذلك في شيء من روايات الحديث الصحيحة.
وأما القول بأن هذا النزول نزول معنوي، فهو صرف للفظ عن ظاهره من غير دليل، ولا مبرر، بل الأدلة بضده فهي صريحة في نزول الله
_________________
(١) المعلم (١/ ٣٠٣).
(٢) قال الشيخ الغنيمان عن قول القرطبي هذا: زعم القرطبي أنَّ هذا يزيل الإشكال ونحن نقول لهؤلاء: إن الإشكال لازم لمذهبكم، ولن ينفك عنه، ولن تجدوا ما يؤيده وإن أجهدتم أنفسكم، فهذه الرواية لا تخالف اللفظ الصريح الواضح الذي ضيق خناقكم. انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (٢/ ٢٥٩).
[ ٥٦٥ ]
تعالى كما يليق به سبحانه.
ومن العجب تأويل قوله: "إلى السماء الدنيا" مع وضوحها بأن هذا عبارة عن الحاجة القريبة، ولم يأت بدليل على ما ذهب إليه سوى أن الدنيا بمعنى: القربى، وهذا معلوم إذ السماء الدنيا سميت بذلك لأنها أقرب السموات السبع إلينا، فليس في هذا دليل على ما ذهب إليه.
وأما قولهم: أن "ينزلُ الله" من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وقول المازري أن هذا ملك ربنا واستدلاله على ذلك بقولهم فعل السلطان كذا وقد فعل أتباعه (^١).
والحاصل أن هذا تأول بنزول ملك وهو المنادي أو قولهم كذلك: إن هذا استعارة بمعنى التلطف بالداعين والاستجابة لهم، وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا التأويل فقال: "نزول الملائكة إلى الأرض في كل وقت وهذا خص النزول بجوف الليل وجعل منتهاه سماء الدنيا والملائكة لا يختص نزولهم لا بهذا الزمان ولا بهذا المكان، وإن أريد صفات وأعراض مثل ما يحصل في قلوب العابدين وقت السحر من الرقة والتضرع وحلاوة العبادة ونحو ذلك، فهذا حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا.
وأيضًا في الحديث الصحيح أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول: "لا أسأل عن عبادي غيري" (^٢) ومعلوم أن هذا كلام الله الذي لا يقوله غيره، وكذلك قال: "ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: من ذا الذي يدعوني
_________________
(١) قال أبو الفراء الحنبلي: لا يصح حمله على الملائكة كما إذا قيل: نزل الملك ببلد كذا لا يعقل منه نزول أصحابه، إبطال التأويلات (١/ ٢٦٤).
(٢) رواه أحمد في المسند (٤/ ١٦) وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ٢٢٩).
[ ٥٦٦ ]
فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر" (^١) ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطي كل سائل سؤاله إلَّا الله (^٢).
وهذا يبطل هذه التأويلات المذكورة ويثبت مذهب السلف في ذلك الذي هو الإيمان بالنزول تصديقًا للنصوص وترك الكيفية التي لا يعلمها الله ﷾.
قال الإمام أبو يعلى عن هذا الحديث: "اعلم أن هذا حديث صحيح يجب الأخذ بظاهره من غير تأويل ولا يجب أن يستوحش من إطلاق مثل ذلك" (^٣).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: "قد اتفق سلف الأمة وأئمتها في كل زمان على الإيمان بهذا الحديثما وتلقيه بالقبول كما أراد رسول الله -ﷺ- فإنه قاله علانية وبلغه الأمة تبليغًا عامًّا لم يخص به واحدًا دون الآخرين، وكان الصحابة وأتباعهم يذكرونه ويروونه ويبلغونه تبليغًا عامًّا ولهذا ثبت في عامة كتب الإسلام، فمن أنكره أو زعم أنه لا يجوز ذكره عند عامة الناس، أو تأوله على غير ظاهره فهو ضال سالك غير سبيل المؤمنين في ذلك، ومن زعم أنه يدل على ما يجب أن ينزه الله عنه من النقص المنافي لكماله، فقد أُتى من فهمه الخاطئ وسوء ظنه بالله العظيم، فإن وصف الله تعالى بالنزول كوصفه بغيره من الصفات ومن قال: إن الذين حملوه على ظاهره وحقيقته هم المشبهة، يقال له: بل الذين حملوه على ظاهره وحقيقته هم الصحابة عمومًا وأتباعهم إلى يوم الدين، ولا تستطيع أن تأتي
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٦٢).
(٢) الفتاوى (٥/ ٤١٥، ٤١٦). بتصرف.
(٣) إبطال التأويلات (١/ ٢٥٩).
[ ٥٦٧ ]
بكلمة واحدة عن الرسول أو عن أصحابه تؤيد قول أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم أهل السنة" (^١).
صفتا الإتيان والمجيء:
وهما صفتان فعليتان ثابتتان لله تعالى بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (^٢)، وقال تعالي: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (^٤). ومن السنة قوله -ﷺ- في حديث الرؤية: "فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة" (^٥).
قال الشيخ محمد خليل هرالس بعد ذكر الآيات السابقة الدالة على هاتين الصفتين: "في هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل، وهما صفتا الإتيان والمجيء والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بذلك على حقيقته، والابتعاد عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل" (^٦).
قال القرطبي: "الإتيان والمجيء المضاف إلى الله تعالى هو عبارة عن تَجَلِّيه لهم، فكأنه كان بعيدًا فقرب، أو غائبًا فحضر، وكل ذلك خطابات مستعارة جارية على المتعارف من توسعات العرب، فإنهم يسمون الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو قاربه، أو كان منه بسبب" (^٧).
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (٢/ ٢٤٩، ٢٥١).
(٢) سورة البقرة، آية: ٢١٠.
(٣) سورة الأنعام، آية: ١٥٨.
(٤) سورة الفجر، آية: ٢٢.
(٥) سبق تخريجه ص (٥٠٨).
(٦) شرح الواسطية ص (١١٢).
(٧) المفهم (١/ ٤١٨).
[ ٥٦٨ ]
وقال عند شرحه للحديث السابق: "إتيان الله تعالى هنا: هو عبارة عن إقباله عليهم (^١) وتكليمه إياهم" (^٢).
وقال المازري في شرحه للحديث السابق: "الإتيان ههنا عبارة عن رؤيتهم الله تعالى، وقد جرت العادة في المحدثين أن من كان غائبًا عن غيره فلا يمكنه التوصل إلى رؤيته إلَّا بإتيان أو مجيء، فعبر بالإتيان ههنا والمجيء عن الرؤية على سبيل المجاز" (^٣).
أما أهل السنة والجماعة فآمنوا بما جاء عن الله وعن رسوله -ﷺ- في هاتين الصفتين من غير صرف لهما عن ظاهرهما ومن غير تشبيه لله سبحانه بخلقه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ونزوله فهذا أمر ضروري متفق عليه بين علماء السنة، ومن له عقل فإن الصفات والأفعال تتبعان الذات المتصفة الفاعلة، فإذا كانت ذاته مباينة لسائر الذوات ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته، ولا ريب أنه العلي الأعلى العظيم فهو أعلى من كل شيء وأعظم من كل شيء فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر هذا ممتنع" (^٤).
وجعل القرطي والمازري إتيان الله تعالى عبارة عن التجلي أو الرؤية أو الإقبال والتكليم وأن هذا من التوسع والمجاز.
_________________
(١) أراد بالإقبال هنا ضد الإعراض لا من الإقبال الذي هو الإتيان.
(٢) المفهم (١/ ٤٤٦).
(٣) المعلم (١/ ٢٢٦).
(٤) الفتاوى (١٦/ ٤٢٢).
[ ٥٦٩ ]
فهذا من التأويل المذموم الذي ليس عليه دليل ولا برهان، وقد قال الشيخ الغنيمان في رد هذه التأويلات وأشباهها: هذه التأويلات مخالفة لكتاب الله تعالى ولأحاديث رسول الله -ﷺ- مخالفة صريحة بحيث يجوز أن نقول إنها تكذيب لكلام الله وكلام رسوله ورد له وفتح لباب الزندقة والكفر؛ لأن النصوص في ذلك جلية واضحة، فإذا صح تأويلها بما ذكر أمكن كل مبطل أن يؤول ما شاء من التأويل قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (^٢) فبين تعالى أن إتيانه غير إتيان الملائكة وغير إتيان الآيات، وقال جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (^٣) وغير ذلك من الآيات وأما الأحاديث فكثيرة جدًّا" (^٤).
وقال أيضًا: "القول بأن الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه من التحريف الجلي فالناس كلهم يفرقون بين الإتيان والرؤية، فإن الإتيان المذكور في الحديث فعل لله تعالي يفعله إذا شاء وأما الرؤية فهي تقع من الخلق، فهذا التأويل بطلانه ظاهر، وليعلم أن هذا الحديث وغيره جاء موافقًا للكتاب في إثبات صفتي الإتيان والمجيء لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته من غير أن يكون في ذلك مشابهًا لخلقه ﷾ عن أن يكون له شبيه أو مثيل" (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ٢١٠.
(٢) سورة الأنعام، آية: ١٥٨.
(٣) سورة الفجر، آية: ٢٢.
(٤) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٥١٦).
(٥) المرجع السابق بتصرف.
[ ٥٧٠ ]
صفة القرب والدنو:
لقد جاء وصف الله ﷾ بالقرب في كتابه العزيز، إذ قال جل وعلا عن نفسه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ (^٢) وجاء وصفه سبحانه بالدنو على لسان رسوله -ﷺ- في عدة أحاديث منها قوله -ﷺ-: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة" (^٣).
ومذهب أهل السنة والجماعة اعتقاد قرب الله تعالى من عباده حقيقة، كما يليق بجلاله وعظمته، وهو مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، وهو يتقرب إليهم حقيقة، ويدنو إليهم حقيقة، ولكنهم لا يفسرون كل قرب ورد لفظه في القرآن أو السنة بالقرب الحقيقي.
قال ابن تيمية: "وأما دنوه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه ومجيئه يوم القيامة، ونزوله واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر" (^٤).
وقال في موضع آخر: "ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يُراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دل على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ١٨٦.
(٢) سورة هود، آية: ٦١.
(٣) رواه مسلم في كتاب الحج باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ح (١٣٤٨) (٩/ ١٢٥).
(٤) الفتاوى (٥/ ٤٦٦).
[ ٥٧١ ]
حمل عليه" (^١).
قال القرطبي في شرحه للحديث السابق: "وإنه ليدنو" هذا الضمير عائد إلى الله تعالى، والدنو: دنو إفضال وإكرام، لا دنو انتقال ومكان، إذ يتعالى عنه ويتقدس" (^٢).
وعند شرحه لقوله -ﷺ-: "يُدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه" (^٣) قال: "هذا إدناء تقريب وإكرام، لا إدناء مسافة ومكان، ويحتمل أن يكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٤) أي: أهلها" (^٥).
وقال المازري في شرحه لهذا الحديث: "الدنو ههنا دنو كرامة لا دنو مسافة، لأن الباري سبحانه في غير مكان (^٦)، فلا يصح منه دنو المسافة ولا بعدها" (^٧). وقال في شرحه للحديث الأول: "معناه: يدنو دنو كرامة وتقريب لا دنو مسافة ومماسة" (^٨).
وهذا تأويل مخالف لمذهب السلف الذين يثبتون هذا على حقيقته كما يليق به ﷾، فقربه ودنوه سبحانه لا ينافي علوه وفوقيته،
_________________
(١) الفتاوى (٦/ ١٤).
(٢) المفهم (٣/ ٤٦٠).
(٣) رواه البخاري في كتاب المظالم باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ ح (٢٤٤١) (٥/ ١١٦) ومسلم في كتاب التوبة باب قبول توبة القاتل ح (٢٧٦٨) (١٧/ ٩٣).
(٤) سورة يوسف، آية: ٨٢.
(٥) المفهم (٧/ ١٥٩).
(٦) هذا على مذهبه في نفي علو الله تعالى وسيأتي الرد عليه.
(٧) المعلم (٣/ ١٩١).
(٨) المعلم (٢/ ٧٥).
[ ٥٧٢ ]
فهو سبحانه العلي في دنوه القريب في علوه" (^١).
فهذه التأويلات التي ذكرها القرطبي والمازري لا حاجة لها مع مذهب السلف الذي يثبت ولا يشبه ولا يكيف.
صفة المعية:
يعتقد أهل السنة والجماعة أن الله معنا على الحقيقة وأنه فوق سمواته مستوٍ على عرشه وهذه المعية ثابتة بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (^٣) وقال تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ (^٤).
وجاء في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني" (^٥)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله والإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه عليُّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون -ثم بعد ذكر بعض الآيات- قال: وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون
_________________
(١) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٣/ ١٤٣) (٥/ ٤٤٦).
(٢) سورة الحديد، آية: ٤.
(٣) سورة المجادلة، آية: ٧.
(٤) سورة طه، آية: ٤٦.
(٥) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ح (٧٤٠٥) ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى ح (٢٦٧٥) (١٧/ ٥).
[ ٥٧٣ ]
الكاذبة" (^١).
قال القرطبي في معية الله: "قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أي: مطلع عليكم ومحيط بكم، وقد ينجز مع ذلك الحفظ والنصر كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ أي: أحفظكما ممن يريد كيدكما" (^٢).
وفي هذا النقل عن القرطبي نرى أنه وافق أهل السنة في هذه المسألة (^٣)، ذلك أن أهل السنة يقولون: المعية معيتان: معية عامة: تقتضي العلم والإحاطة. ومعية خاصة: تقتضي النصر والتأييد.
فالأولى: كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٤).
والثانية: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (^٥)، فالته تعالى مع الخلق كلهم بالعلم والقدرة، والسلطان ويخص بعضهم وهم: أنبياؤه وأولياؤه بالإعانة والنصر والتأييد (^٦).
قال ابن تيمية وهو يبين مذهب السلف: "فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم وأثبتوا أن الله تعالى فوق سمواته وأنه على عرشه بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وهو أيضًا
_________________
(١) الواسطية لابن تيمية انظرها مع شرحها للهراس ص (١٩٣، ١٩٤).
(٢) المفهم (٧/ ٦).
(٣) وهو بهذه الموافقة لم يخرج عن مذهب الأشاعرة في الصفات إذ الأشاعرة يوافقون أهل السنة في هذه الصفة.
(٤) سورة الحديد، آية: ٤.
(٥) سورة النحل، آية: ١٢٨.
(٦) انظر الفتاوى لابن تيمية (٥/ ٢٢٧، ٤٩٧)، وعلو الله على خلقه للدكتور موسى الدويش ص (٢٥٢ - ٢٧٧).
[ ٥٧٤ ]
مع العباد عمومًا بعلمه ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية" (^١).
صفتا الرضا والغضب:
والرضا والغضب من صفات الله تعالى الفعلية الثابتة له بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (^٣) ولذا فأهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى رضا وغضبًا يليقان به سبحانه، لا كرضا أو غضب المخلوقين.
والقرطبي والمازري صرفا هاتين الصفتين عن ظاهرهما إلى إرادة الثواب أو إرادة الانتقام والعقاب.
قال القرطبي: "غضب الله تعالى ورضاه محمول إما على إرادة عقاب المغضوب عليه وإبعاده وإرادة إكرام المرضي عنه أو على ثواب تلك الإرادة وهو الإكرام أو الانتقام" (^٤).
وقال أيضًا: "تقدم القول في غضب الله ورضاه، وأن ذينك يرجعان إلى إرادته وإلى متعلقها من إيصال المنافع والألطاف إلى المرحوم أو إيصال المضار والانتقام للمغضوب عليه فيرجع غضبه إذًا ورحمته إلى الأفعال (^٥).
وقال: "رضا الله من صفات الأفعال، ويصح أن يعبر بالرضا في حق الله تعالى عن إرادة الإكرام والإحسان فيكون من صفات
_________________
(١) الفتاوى (٥/ ٢٣١).
(٢) سورة الفتح، آية: ١٨.
(٣) سورة الممتحنة، آية: ١٣.
(٤) المفهم (١/ ٣٥٠).
(٥) المفهم (٧/ ٨٢).
[ ٥٧٥ ]
الذات" (^١).
وقال المازري: "غضب الله ﷿ ورضاه يرجعان إلى إرادته لإثابة المطيع ومنفعة العبد أو عقاب العاصي" (^٢).
وقولهما في هاتين الصفتين من التأويلات الباطلة البعيدة عن المعاني التي أراد منا الشرع أن نفهمها ونعتقدها من النصوص الشرعية.
وتفسير الرضا بالإكرام والغضب بالعقوبة هو تفسير للصفة ببعض آثارها المخلوقة، وهو غير الصفة وتفسير الرضا بإرادة الثواب والغضب بإرادة العقاب أو الانتقام إلغاء لهذه الصفة ومعناها وجعل معاني صفات عدة في معنى صفة واحدة.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من ينفي هذه الصفات وغيرها: "القول في بعض الصفات كالقول في بعض فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة وينازع في محبته ورضاه وغضبه، وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.
قيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين. فكذلك محبته ورضاه وغضبه وهذا هو التمثيل. وإن قلت له إرادة تليق به، كما إن للمخلوق إرادة تليق به. قيل لك: وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق
_________________
(١) المفهم (٣/ ٧٤١).
(٢) المعلم (٣/ ١٨٩).
[ ٥٧٦ ]
به. وإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق. قيل لك: وهذا غضب المخلوق" (^١).
وقال ابن أبي العز الحنفي (^٢) في صفتي الرضا والغضب: "ولا يقال إن الرضا إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه، وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله، وإن كان قد شاءه وأراده، فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده ويكره ويسخط ويغضب لما أراده.
ويقال لمن تأول الغضب والرضا بإرادة الانتقام أو بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلابد أن يقول: إن الغضب غليان دم القلب والرضى الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى. فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب لا أنه الغضب" (^٣).
وقال أيضًا: "ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بها" (^٤).
_________________
(١) التدمرية لابن تيمية ص (٣١).
(٢) هو علي بن علي بن محمد الأذرعي الدمشقي الحنفي المعروف بابن أبي العز تولى قضاء الحنفية بدمشق وكان إمامًا داعية إلى أتباع المنهج السلفي ناله على ذلك أذى فصبر واحتسب توفي سنة (٧٩٢ هـ). الدرر الكامنة (٣/ ٨٧). معجم المؤلفين (٢/ ٤٨٠)
(٣) شرح الطحاوية (٢/ ٦٨٥، ٦٨٦).
(٤) المرجع السابق.
[ ٥٧٧ ]
صفة الفرح:
الفرح صفة فعلية اختيارية ثابتة لله تعالى، يقول الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلَّا وحيٌ يوحى: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامُه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده لموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده" (^١).
قال الشيخ محمد خليل هراس في شرحه لهذا الحديث: "في هذا الحديث إثبات صفة الفرح لله ﷿ والكلام فيه كالكلام في غيره من الصفات أنه صفة حقيقية لله ﷿ على ما يليق به وهو من صفات الفعل التابعة لمشيئته تعالى وقدرته، فيحدث له هذا المعنى المعبر عنه بالفرح عندما يُحدثُ عبدُهُ التوبة والإنابة إليه، وهو مستلزم لرضاه عن عبده التائب وقبوله توبته" (^٢).
قال القرطبي في هذه الصفة عند شرحه للحديمث: "هذا مثل قصد به بيان سرعة قبول الله تعالى لتوبة عبده التائب، فإنه يقبل عليه بمغفرته ورحمته، ويعامله معاملة من يفرح به، ووجه هذا المثل: أن العاصي حصل بسبب معصيته (وقوعه) (^٣) في قبضة الشيطان وأسره، وقد أشرف على الهلاك، فإذا لطف الله تعالى به وأرشده للتوبة خرج من شؤم تلك
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الدعوات باب التوبة ح (٦٣٠٨) (١١/ ١٠٥) ومسلم في كتاب التوبة باب في الحض على التوبة والفرح بها ح (٢٧٤٤) (١٧/ ٦٧).
(٢) شرح العقيدة الواسطية ص (١٦٦).
(٣) لا توجد في الأصل وأثبتها هنا ليستقيم المعنى.
[ ٥٧٨ ]
المعصية، وتخلص من أسر الشيطان، ومن المهلكة التي أشرف عليها، فأقبل الله تعالى عليه برحمته ومغفرته، وبادر إلى ذلك مبادرة هذا الذي قد انتهى به الفرح واستفزَّه السرور إلى أن نطق بالمحال ولم يشعر به لشدة سروره وفرحه، وإلَّا فالفرح الذي هو من صفاتنا محال على الله تعالى؛ لأنه اهتزاز وطرب يجده الإنسان من نفسه عند ظفره بغرض يستكمل به الإنسان نقصه، ويسد به خلته، أو يدفع عن نفسه ضررًا أو نقصًا، وكل ذلك محال على الله تعالى، فإنه الكامل بذاته الغني بوجوده الذي لا يلحقه نقص، ولا قصوره، لكن هذا الفرح عندنا له ثمرة وفائدة، وهو الإقبال على الشيء المفروح به، وإحلاله المحل الأعلى، وهذا هو الذي يصح في حقه تعالى فعبر عن ثمرة الفرح على طريقة العرب في تسميتها الشيء باسم ما جاوره، أو كان منه بسبب" (^١).
وهذا الذي ذكر أنه محال على الله هو تشبيه صفات الله تعالى بصفات المخلوقين، ولا يلزم من إثبات الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة لله تعالى مشابهة لخلقه، كما قال ذلك علماء السنة، فهو سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٢).
قال الشيخ محمد خليل هراس: "وإذا كان الفرح في المخلوق على أنواع، فقد يكون فرح خفة وسرور وطرب، وقد يكون فرح أشرٍ وبطرٍ، فالله ﷿ منزه عن ذلك كله، ففرحه لا يشبه فرح أحد من خلقه، لا في ذاته ولا في أسبابه، ولا في غاياته، فسببه كمال رحمته وإحسانه التي يحب من عباده أن يتعرضوا لها، وغايته إتمام نعمته على التائبين
_________________
(١) المفهم (٧/ ٧١).
(٢) سورة الشورى، آية: ١١.
[ ٥٧٩ ]
المنيبين" (^١).
وكذلك المازري صرف هذا النص عن ظاهره فلم يثبت هذه الصفة حيث قال في شرحه للحديث: "الفرح يتصرف إلى معانٍ منها: أن يراد به السرور، ولكن السرور يقارنه الرضا بالمسرور به، فالمراد ههنا أن الله سبحانه يرضى (^٢) توبة العبد أشد مما يرضى الواجد لناقته بالفلاة، فعبَّر عن الرضا بالفرح تأكيدًا لمعنى الرضا في نفس السامع، ومبالغة في معنا" (^٣).
"وتفسير الفرح بلازمه، وهو الرضى، وتفسير الرضى بإرادة الثواب فكل ذلك نفي وتعطيل لفرحه ورضاه سبحانه أوجبه سوء ظن هؤلاء المعطلة بربهم حيث توهموا أن هذه المعاني تكون فيه كما هي في المخلوق تعالى الله عن تشبيههم وتعطيلهم" (^٤).
"فنحن نؤمن بأن الله تعالى له فرح كما أثبت ذلك أعلم الخلق به -ﷺ-، وأنصح الخلق للخلق، وأفصح الخلق فيما نطق به -ﷺ- ونقول المراد بالفرح: الفرح حقيقة مثلما أن المراد بالله ﷿ نفسه حقيقة، ولكننا لا نمثل صفاتنا بصفات الله أبدًا" (^٥).
صفة الضحك:
الضحك من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية التي وردت في السنة الصحيحة، لذا أثبتها أهل السنة والجماعة صفة لله تعالى على
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية ص (١٦٦).
(٢) وهو يأول الرضا بإرادة الثواب أيضًا.
(٣) المعلم (٣/ ١٨٧).
(٤) شرح الواسطية للهراس ص (١٦٦).
(٥) شرح الواسطية للشيخ محمد بن عثيمين (٢/ ٢٠).
[ ٥٨٠ ]
المعنى الذي يليق به سبحانه من غير تشبيه لها بصفة المخلوقين، ولا تأويل لها على خلاف ظاهرها (^١).
قال ابن خزيمة: "باب: ذكر إثبات ضحك ربنا ﷿: بلا صفة تصف ضحكه جل ثناؤه لا ولا يشبَّه ضحكه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبي -ﷺ- ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله ﷿ استأثر بصفة ضحكه لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي -ﷺ- مصدقون بذلك بقلوبنا، منصتون عما لم يبين لنا مما استأثر الله بعلمه" (^٢).
وقال الآجري: "باب الإيمان بأن الله ﷿ يضحك: اعلموا -وفَّقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل- أن أهل الحق يصفون الله ﷿ بما وصف به نفسه ﷿ وبما وصفه به رسوله -ﷺ- وبما وصفه به الصحابة -﵃- وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له والإيمان به أن الله ﷿ يضحك كذا روي عن النبي -ﷺ- وعن صحابته -﵃- فلا ينكر هذا إلَّا من لا يحمد حاله عند أهل الحق" (^٣).
وقد سار القرطبي والمازري على منهج الأشاعرة في تأويل هذه الصفة، فقال القرطبي: "الضحك من خواص البشر، وهو: تغير أوجبه سرور القلب بحصول كمال لم يكن حاصلًا من قبل فتثور من القلب حرارة ينبسط لها الوجه ويضيق عنها الفم فينفتح وهو التبسم، فإذا زاد ولم يضبط الإنسان نفسه قهقه، وذلك كله على الله تعالى محال، لكن لما كان دلالة
_________________
(١) انظر: شرح الواسطية لابن عثيمين (٢/ ٢٥) بتصرف.
(٢) التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٦٣).
(٣) الشريعة للآجري (٢/ ١٠٥١).
[ ٥٨١ ]
عندنا على الرضا ومظهرًا له غالبًا عبر عن سببه به، وقد قالوا: تضحك الأرض من بكاء السماء، أي: يظهر خيرها، وفي بعض الحديث: "فيبعث الله سحابًا يضحك أحسن الضحك" (^١) يعني السحاب، ومنه قولهم:
ضحك المشيب برأسه فبكى (^٢)
وقال:
في طعنة تضحك عن نجيع (^٣)
فالضحك في هذه المواضع بمعنى: الظهور فيكون معناه في الحديث: أن الله تعالى رضي عن هذا العبد، وأظهر عليه رحمته وفضله ونعمته، ولهذا حمله قوم هنا: على أنه تجلى للعبد وظهر له" (^٤).
وعند قوله -ﷺ-: "يضحك الله ﷿ إلى رجلين يقتل أحدُهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، قال: يقاتل هذا في سبيل الله فيستشهد، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيقاتل في سبيل الله فيستشهد" (^٥).
قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "الضحك المنسوب إلى الله
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده (٥/ ٤٣٥) قال عنه الهيثمي: رجاله رجال الصحيح انظر: مجمع الزوائد (٢/ ٢١٦)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٢٢٨) ح (١٦٦٥).
(٢) هو لدعبل بن علي الخزاعي المتوفى سنة (٢٤٦ هـ) وهذا عجز البيت، وصدره: * لا تعجبي يا سلْمَ من رجلٍ * انظر: شعر دعبل بن علي الخزاعي ص (٢٠٤).
(٣) لم أقف عليه.
(٤) المفهم (١/ ٤٢٤).
(٥) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب الكافر يقتل المسلم ثم يُسلِمُ فيسدِّدُ بعدُ ويقتل ح (٢٨٢٦) (٦/ ٤٧) ومسلم في كتاب الإمارة باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ح (١٨٩٠) (١٣/ ٣٩).
[ ٥٨٢ ]
تعالى عبارة عن الرضا بالمضحوك منه وإكرامه والإقبال عليه، ويحتمل أن يكون من باب حذف المضاف أي: يضحك رسول الله وملائكته ممن ذكر عند قبض أرواحهم، والله تعالى أعلم" (^١).
ؤقال المازري: الضحك من الله محمول على إظهار الرضا والقبول؛ إذ الضحك في البشر علامة على ذلك، ويقال: ضحكت الأرض إذا ظهر نباتها، وفي بعض الحديث: "فيبعث الله سحابًا فيضحك أحسن الضحك" (^٢) فجعل انجلاءه عن البرق ضحكًا على الاستعارة، كأنه تعالى لما أظهر له رحمته استعير له اسم الضحك مجازًا" (^٣).
وعند شرحه لقوله -ﷺ-: "يقول الله تعالى للرجل: اذهب فادخل الجنة، فتتخيل له أنها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، فيقول: أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك" (^٤).
قال: "إن قيل: ما معنى قوله: "تسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك؟ " وهب أنكم تأولتم الضحك على ماذ كرتم من الرضا وغيره، وهذا غير متأت ههنا، فيقال: من عادة المستهزئ من المخلوقين والساخر أن يضحك فوضع ههنا "تضحك" موضع: تستهزئ وتسخر لما كانت حالة للساخر" (^٥).
وعند قوله -ﷺ-: "فتجلى لهم يضحك" (^٦)، قال: "التجلي في لسان
_________________
(١) المفهم (٣/ ٧٢٤).
(٢) سبق تخريجه ص (٥٨٢).
(٣) المعلم (١/ ٢٢٧).
(٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب آخر أهل النار خروجًا ح (١٨٦) (٣/ ٤١).
(٥) المعلم (١/ ٢٢٧).
(٦) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة ح (١٩١) (٣/ ٥٠).
[ ٥٨٣ ]
العرب معناه: الظهور فيكون المعنى ههنا: يظهر لهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (^١) معناه: ظهر، والضحك ذكرنا أنه يعبر به عن الرضا وإظهار الرحمة، فيكون المعنى على هذا: يظهر لهم وهو راضٍ، ويكون ذلك مجازًا خاطب ﵇ به العرب على ما اعتادت من لغتها" (^٢).
وهذا الذي أقرَّاه ونصراه من التأويل المذموم، وصرفِ للفظ عن ظاهره، وتعطيل لصفة الرب ﷿ التي جاءت في الأحاديث الصحيحة، وتلقاها السلف بالإيمان والتسليم.
وأما جعل الضحك عبارة عن الرضا أو الإكرام، أو من باب حذف المضاف، وجعل المضاف إليه مكانه وادعاء أن هذا الذي جاء في الحديث من باب المجاز، فقد رد العلماء هذه التأويلات.
قال أبو يعلى: "اعلم أنه غير ممتنع حمل هذه الأحاديث على ظاهرها من غير تأويل، وقد نصَّ أحمد على ذلك وقال المروذي (^٣): سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي، فقال: صدوق، وقد كتبت عنه من الرقائق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع الضحك وهذا كلام الجهمية" (^٤).
وقد ردَّ الدارمي على من أوَّل الضحك في كلام يطول ذكره قال فيه: قال المعارض في تفسير الضحك أن ضحك الرب رضاه ورحمته،
_________________
(١) سورة الأعراف، آية: ١٤٣.
(٢) المعلم (١/ ٢٢٨).
(٣) أحمد بن محمد المروذي أبو بكر الإمام القدوة صاحب الإمام أحمد كان إمامًا في السنة شديد الاتباع توفي سنة (٢٧٥ هـ) سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٧٣)، تاريخ بغداد (٤/ ٤٢٣).
(٤) إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ٢١٧).
[ ٥٨٤ ]
وصفحه عن الذنوب، ألا ترى أنك تقول: رأيت زرعًا يضحك. وهذا كذب إذ ضحك الزرع ليس بضحك، إنما هو خضرته ونضارته، فهو أبدًا -ما دام أخضر- ضاحك لكل أحد للولي والعدو، ولمن يسقيه ولمن يحصده، لا يقصد بضحكه إلى شيء، والله يقصد بضحكه إلى أوليائه عندما يعجبه فعالهم، ويصرفه عن أعدائه فيما يسخطه من أفعالهم، فضحك الله أصل وحقيقة للضحك، ويضحك كما يشاء، وأما قولك إن ضحكه رضاه ورحمته، فقد صدقت في بعض؛ لأنه لا يضحك إلى أحد إلَّا عن رضى، فيجتمع منه الضحك والرضى. ثم ذكر عددًا من الأحاديث التي لا مجال لتأويلها، ومنها قول أبي رزين ﵁ للرسول -ﷺ-: "أيضحك ربنا؟ قال -ﷺ-: "نعم"، قال: لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا" (^١) - ثم قال: لو كان تفسير الضحك الرضى والرحمة والصفح من الذنوب فقط، كان أبو رزين جاهلًا لا يعلم أن ربه يرحم ويرضى ويغفر الذنوب" (^٢).
قال الأصبهاني: "وأنكر قوم في الصفات الضحك، وإذا صح الحديث لم يحل لمسلم رده، وخيف على من يرده الكفر، قال بعض العلماء: من أنكر الضحك فقد جهل جهلًا شديدًا، والحق أن الحديث إذا صح عن النبي -ﷺ- وجب الإيمان به، ولا توصف صفته بكيفية ولكن نسلم إثباتًا له وتصديقًا به" (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٤/ ١١) وابن ماجه في سننه باب فيما أنكرت الجهمية وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه ص (١٣).
(٢) انظر نقض الدارمي (٢/ ٧٦٩، ٨٠٠) بتصرف.
(٣) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٩١) بتصرف.
[ ٥٨٥ ]
صفة المحبة:
وهي صفة من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية الثابتة بالكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (^٢). وقال -ﷺ- في حديث سهل بن سعد: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" (^٣) وغيرها من النصوص الكثيرة المثبتة لهذه الصفة.
ولذا فأهل السنة والجماعة يثبتون المحبة صفة حقيقية لله ﷿ على ما يليق به، فلا تقتضي عندهم نقصًا ولا تشبيهًا كما يثبتون لازم تلك المحبة، وهي إرادته سبحانه إكرام من يحبه وإثابته، وقد جاء في صحيح مسلم أحاديث كثيرة فيها إثبات صفة المحبة لله ﷿ كما يليق بجلاله، وقد شرح القرطبي والمازري هذه الأحاديث في أكثر من موضع نهجا فيها منهج أهل التأويل. قال القرطبي عند قوله -ﷺ-: "من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" (^٤).: "دليل على جواز إضافة المحبة لله تعالى، وإطلاقها عليه، ولا خلاف في أن إطلاق ذلك عليه، صحيح محبًا ومحبوبًا، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (^٥) وهو في السنة كثير ولا يختلف النظَّار من أهل السنة وغيرهم أنها مؤولة في حق الله
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ١٩٥.
(٢) سورة المائدة، آية: ٥٤.
(٣) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب فضل من أسلم على يديه رجل ح (٣٠٠٩) (٦/ ١٦٨) ومسلم في كتاب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ ح (٢٤٠٦) (١٥/ ١٨٦).
(٤) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب حلاوة الإيمان ح (١٦) (١/ ٧٧) ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان ح (٤٣) (٢/ ٣٧٢).
(٥) سورة المائدة، آية: ٥٤.
[ ٥٨٦ ]
تعالى؛ لأن المحبة المتعارفة في حقنا إنما هي ميل لما فيه غرض يستكمل به الإنسان ما نقصه وسكون لما تلتذ به النفس، وتكمل بحصوله والله تعالى منزه عن ذلك. وقد اختلف أئمتنا في تأويلها في حق الله تعالى، فمنهم من صرفها إلى إرادته تعالى إنعامًا مخصوصًا على من أخبر أنه يحبه من عباده، وعلى هذا ترجع إلى صفة ذاته، ومنهم من صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام، وعلى هذا فتكون من صفات الفعل" (^١).
وقال في موضع آخر: "محبة الله للعبد: إرادة إكرامه وإثابته، ولأعمال العباد: إثابتهم عليها، ومحبة الله تعالى منزهة عن أن تكون ميلًا للمحبوب، أو شهوة، إذ كل ذلك من صفاتنا، وهي دليل حدوثنا، والله تعالى منزه عن كل ذلك" (^٢).
وقال المازري: "الباري لا يوصف بالمحبة المعهودة فينا؛ لأنه يتقدس عن أن يميل أو يمال إليه، وليس بذي جنس، أو طبع، فيتصف بالشوق الذي تقتضيه الجنسية والطبيعة البشرية، وإنما معنى محبته سبحانه للخلق إرادته لثوابهم وتنعيمهم على رأي بعض أهل العلم، وعلى رأي بعضهم أن المحبة راجعة إلى نفس الإثابة والتنعيم لا للإرادة" (^٣).
ومن خلال هذه النقول يتبين أن القرطبي والمازري لم يثبتا هذه الصفة لله تعالى، وإنما فسَّرا المحبة ببعض علاماتها وثمارها، وهذا خلاف مذهب السلف، حيث يثبتون صفة المحبة لله تعالى من غير تمثيل ولا تكييف ومن غير تحريف ولا تعطيل، وقد توافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الله تعالى يحب المؤمنين والمتقين، ويحب التوابين
_________________
(١) المفهم (١/ ٢١٢).
(٢) المفهم (٦/ ٦٤٣) وانظر أيضًا (٦/ ٥٤٣).
(٣) المعلم (١/ ٣٠٨).
[ ٥٨٧ ]
والمتطهرين، ومحبته سبحانه لعبده المؤمن شيء فوق إنعامه وإحسانه وإثابته، فإن هذا أثر المحبة وموجبها، أما هي فأعظم من ذلك، وأشرف، وهي التي يتسابق إليها الموفقون من عباد الله الصالحين" (^١).
قال ابن تيمية: "قد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇" (^٢).
وقد رد الشيخ ابن باز -﵀- على من يفسر المحبة بإرادة الثواب فقال: "هذا من التأويل الباطل والحق ما عليه أهل السنة أن معنى المحبة غير معنى الإرادة، والله سبحانه موصوف بها على الوجه الذي يليق بجلاله، ومحبته لا تشابه محبة خلقه، كما أن إرادته لا تشابه إرادة خلقه، وهكذا سائر صفاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٣) " (^٤).
وتأويلهم هذا بزعم التنزيه لاعتقادهم أن في إثباتها تشبيهًا لله تعالى بخلقه، وهذا باطل؛ لأننا إذا أثبتناها فنحن نقول محبة تليق به سبحانه لا تشبه محبة المخلوقين.
وأما نفي هذه الصفة بزعم أن العقل لا يثبتها فقد رد هذا الشيخ ابن عثيمين فقال: "أما أهل البدع الذين أنكروها فليس عندهم إلَّا حجة واهية، فهم يقولون: إن العقل لا يدل عليها، ولو سلمنا أن العقل لا يدل على المحبة، فالسمع دل عليها، وهو دليل قائم بنفسه، ونحن يجب أن
_________________
(١) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٦٥).
(٢) الفتاوى (٢/ ٣٥٤).
(٣) سورة الشورى، آية: ١١.
(٤) فتح الباري (١/ ١٢٦) الهامش.
[ ٥٨٨ ]
يكون اعتمادنا في الأمور الغيبية على الأدلة السمعية، لكن لا مانع من أن نستدل بأدلة عقلية لإلزام من أنكر أن تكون المحبة ثابتة بالأدلة العقلية، مثل الأشاعرة الذين يقولون: لا يمكن أن نثبت المحبة بين الله وبين العبد؛ لأن العقل لا يدل عليه، وكل ما لا يدل عليه العقل فإنه يجب أن ننزه الله عنه.
فنحن نقول: نثبت المحبة بالأدلة العقلية كما هي ثابتة عندنا بالأدلة السمعية احتجاجًا على من أنكر ثبوتها بالعقل، فإثابة الطائعين بالجنات، والنصر والتأييد، وغير ذلك، هذا يدل بلا شك على المحبة، ونحن نشاهد بأعيننا ونسمع بآذاننا عمن سبق وعمن لحق أن الله ﷿ أيَّد من أيَّد من عباده ونصرهم وأثابهم، وهذا من الأدلة على محبته لمن أيَّدهم ونصرهم وأثابهم ﷿" (^١).
صفة الخلة:
الخلة هي كمال المحبة المستغرقة لله حب وهي أخص من مطلق المحبة، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ (^٢)، وقال -ﷺ-: "إن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (^٣). ففي هذين الدليلين إثبات الخلة لله تعالى، وخلَّته سبحانه كصحبته، من صفاته المتعلقة بمشيئته، نثبتها له سبحانه على الوجه الذي يليق به، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة (^٤).
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية (١/ ٢٤٠، ٢٤٦) بتصرف.
(٢) سورة النساء، آية: ١٢٥.
(٣) رواه مسلم في كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور ح (٥٣٢) (٥/ ١٧).
(٤) انظر: الفتاوى لابن تيمية (٥/ ٨٠) وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (٢/ ٣٩٦).
[ ٥٨٩ ]
والخلة لم تثبت لأحد من البشر إلَّا لإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهذه الخلة من صفات الله ﷿؛ لأنها أعلى أنواع المحبة، وهي توقيفية، فلا يجوز أن نثبت لأحد من البشر أنه خليل إلَّا بدليل (^١).
وقد أوَّل القرطبي هذه الصفة كما أوَّل صفة المحبة فقال: "الخُلَّة: بضم الخاء "الصداقة" و"المودة"، ويقال فيها أيضًا: خلالة -بالضم والفتح والكسر- والخَلة بفتح الخاء: الفقر والحاجة، والخِلة بكسرها: واحدة خلل السيوف وهي بطائن أغشيتها، والخلل: الفرجة بين الشيئين، والجمع: الخلال، واختلف في الخليل -اسم إبراهيم ﵇- من أي هذه المعاني والألفاظ أخذ؟ فقيل: إنه مأخوذ من "الخلة" بمعنى "الصداقة"، وذلك أنه صدق في محبة الله تعالى، وأخلص فيها، حتى آثر محبته على كل محبوباته، فبذل ماله للضيفان وولده للقربان وجسده للنيران. وقيل: من الخلة التي بمعنى الفقر والحاجة، وذلك أنه افتقر إلى الله في حوائجه، ولجأ إليه في فاقته، حتى لم يلتفت إلى غيره بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل وهو في الهواء حين رمي في المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليك فلا. وقيل: من الخلل بمعنى الفرجة بين الشيئين، ذلك لما تخلل قلبه من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته، حتى كأنه مزجت أجزاء قلبه بذلك، وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
قد تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوح منّي ولذا سُمِّي الخليلُ خليلا (^٢)
ولقد جمع هذه المعاني وأحسن من قال في الخلة: إنها صفاء
_________________
(١) شرح الواسطية لابن عثيمين (١/ ٢٣٩).
(٢) البيت لبشار بن برد المتوفى سنة (١٦٧ هـ) وفي ديوانه: وبه سمي الخليل خليلًا، انظر: ديوان بشار بن برد ص (١٨٢).
[ ٥٩٠ ]
المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار والغنى عن الأغيار" (^١).
وهذه المعاني التي ذكرها القرطبي صحيحة فإبراهيم ﵊ صدق في محبة الله تعالى، وافتقر ولجأ إلى الله تعالى مع ما امتلأ به قلبه من محبة الله ومعرفته ومراقبته، ولكن كل هذا لا يبرر تأويل هذه الصفة التي هي من صفات الله تعالى كالمحبة، فنعلم أن الخليل كان شديد المحبة لله تعالى والله سبحانه كان شديد الص حبة له، والقرطبي أوَّل صفة المحبة وصرفها عن ظاهرها والخلة تابعة لها.
قال ابن كثير: إنما سمي خليل الله لمض مدة محبة ربه ﷿ له لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها" (^٢).
صفة الغيرة:
الغيرة صفة من صفات الله تعالى الثابتة بالأحاديث الصحيحة التي جاءت عن رسول الله -ﷺ-، ومنها قوله: "أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن غيرة الله حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن" (^٣).
وهي صفة كمال، إذ من لا غيرة له ناقص مذموم، وهو المسمى بالديوث، لذا وصف الرسول -ﷺ- ربه بالغيرة؛ لأنها صفة كمال. وغيرة الله من جنس صفاته التي يختص بها، فهي ليست مماثلة لغيرة المخلوق، بل هي صفة تليق بعظمته مثل الغضب والرضا ونحو ذلك من خصائصه
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٢٩).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٥٣٠).
(٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قول النبي -ﷺ-"لا شخص أغير من الله" ح (٧٤١٦) (١٣/ ٤١١) ومسلم في كتاب اللعان ح (١٤٩٩) (١٠/ ٣٨٥).
[ ٥٩١ ]
التي لا يشاركه الخلق فيها (^١).
وقد ذكر القرطبي صفة الغيرة في موضعين من المفهم، سلك فيهما طريق التأويل حيث قال: "الغيرة في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان يلحقان الغيران عندما ينال شيء من حرمه أو محبوباته فعمل على صيانتهم ومنعهم، وهذا التغير على الله محال، وهو منزه عن كل تغير ونقص، لكن لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر القاصد إليهم، أُطلق ذلك على الله تعالى، إذ قد زجر وذم ونصب الحدود، وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء من محارمه، وهذا من التجوز ومن باب: تسمية الشيء باسم ما يترتب عليه" (^٢).
وقال في موضع آخر: "الغيرة في حقنا: هيجان وانزعاج يجده الإنسان من نفسه، يحمل على صيانة الحرم ومنعهم من الفواحش ومقدماتها، والله تعالى منزه عن مثل ذلك الهيجان، فإنه تغير يدل على الحدوث، فإذا أطلقت لفظ الغيرة على الله، فإنما معناه: أنه تعالى منع من الإقدام على الفواحش بما توعد عليها من العقاب والزجر والذم وبما نصب عليها من الحدود، وقد دلَّ على صحة هذا قوله في حديث آخر: "وغيرة الله ألا يأتي المؤمن ما حرمه الله عليه" (^٣) " (^٤).
وكذلك المازري أوَّل هذه الصفة فقال: "معناه ما أحد أمنع
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٣٣٠).
(٢) المفهم (٢/ ٥٥٧).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب المتشبع لما لم ينل. ح (٥٢٢٣) (٩/ ٢٣٠) ومسلم في كتاب التوبة باب غيرة الله تعالى وتحريم الواحش ح (٢٧٦١) (١٧/ ٨٤) وهو بلفظ "وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرَّم عله" وليس كما ذكر القرطبي.
(٤) المفهم (٤/ ٣٠٤).
[ ٥٩٢ ]
للفواحش من الله تعالى، والغيور منعه حريمه، وكلما زادت غيرته زاد منعه، فاستعير لمنع الباري سبحانه عن معاصيه اسم الغيرة مجازًا واتساعًا، وخاطبهم النبي -ﷺ- بما يفهمونه" (^١).
وهذه التأويلات التي تكلفوها خشية أن يؤدي وصفه سبحانه بهذه الصفة مشابهة الخلق بزعمهم ولا شك أن، صفات الباري سبحانه كذاته، لا تشابه صفات المخلوقين، كما أن ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين.
وتأويل الغيرة بلوازمها من المنع وا احماية والغضب لا يصح، إذ هي غير الغيرة، بل هي من آثارها، والاستد. لال بالحديث الذي فيه تفسير الغيرة ليس معهم بل هو ضدهم، إذ الحدة بث بيان مقتضى الغيرة، وهو تحريم الفواحش .. وجعلهم سبب رد هذه الصفة دليل الحدوث باطل كما سبق بيانه.
ولا يصح بيانهم لغيرة المخلوق، ثم قياس غيرة الله تعالى عليها، ليكون هذا سببًا لردها تنزيهًا لله كما زعموا، بل نقول: إن هذه الغيرة التي وصف الله سبحانه بها ليست كغيرة المخلوق، بل هي غيرة تليق بالله ﷾، ولذا فليس وصف الله تعالى بها محالًا، كما قال القرطبي. قال الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: "المحال عليه ﷾ وصفه بالغيرة المشابهة لغيرة المخلوق، وأما الغيرة اللائقة بجلاله ﷾، فلا يستحيل وصفه بها كما دل عليه هذا الحديث، وما جاء في معناه فهو سبحانه يوصف بالغيرة عند أهل السنة على وجه لا يماثل فيه صفة المخلوقين، ولا يعلم كنهها وكيفيتها إلَّا هو سبحانه، كالقول في الاستواء والنزول والرضا والغضب، وغير ذلك من
_________________
(١) المعلم (١/ ٣٢١).
[ ٥٩٣ ]
صفاته سبحانه" (^١).
صفة الاستحياء:
وهي صفة ثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (^٢)، وقال -ﷺ-: "وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه" (^٣).
قال ابن القيم في هذه الصفة:
وهو الحييُّ فليس يفضح عبده عند التجاهر منه بالعصيان
لكنه يلقي عليه ستره فهو الستير وصاحب الغفران (^٤)
قال الهراس في شرح النونية: "حياؤه تعالى وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته، وكمال جوده وكرمه، وعظيم عفوه وحلمه، فالعبد يجاهره بالمعصية مع أنه أفقر شيء إليه، وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الرب سبحانه مع كمال غناه وتمام قدرته عليه يستحيي من هتك ستره وفضيحته، فيستره بما يهيؤه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو ويغفر" (^٥).
والقرطبي ﵀ أوَّل هذه الصفة فقال عند شرحه للحديث السابق: "كأن هذا الثالث كان متمكنًا من المزاحمة، إذ لو شرع فيها لفسح
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٦١٧) هامش (١).
(٢) سورة البقرة، آية: ٢٦.
(٣) رواه البخاري في كتاب العلم باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها ح (٦٦) (١/ ١٨٨) ومسلم في كتاب السلام باب من أتى مجلسًا فوجد فرجة فجلس فيها وإلا وراءهم ح (٢١٧٦) (١٣/ ٤٠٨).
(٤) القصيدة النونية مع شرحها للهراس (٢/ ٨٠).
(٥) المرجع السابق.
[ ٥٩٤ ]
له لأن التفسح في المجلس مأمور به مندوب إليه، لكن منعه من ذلك الحياء، فجلس خلف الصف الأول، ففاتته تضيلة التقدم، لكن جازاه الله على إصغائه واستحيائه بأن لا يعذبه، وبأن يكرمه واستحياء الله تعالى معناه في حقه: أنه يعامل عبيده بما يعامل بها من يستحيي منه من المغفرة والكرامة" (^١).
وقال في موضع آخر: "أصل الحياء: انقباض واحتشام يجده الإنسان عندما يُطلع منه على مستقبح وهو في حق الله تعالى عبارة عن الامتناع عن مثل ذلك الفعل المستحيا منه" (^٢).
وقد ردَّ الشيخ ابن باز -﵀- على من أوَّل هذه الصفة فقال: "الصواب أنه لا حاجة إلى التأويل مطلقًا، فإن الله يوصف بالحياء الذي يليق به، ولا يشابه فيه خلقه، كسائر صفاته، وقد ورد وصفه بذلك في نصوص كثيرة فوجب إثباته له على الوجه الذي يليق به. وهذا قول أهل السنة في جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة وهو طريق النجاة فتنبه واحذر والله أعلم" (^٣).
صفة الإعراض:
الإعراض من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية التي جاءت على لسان رسوله -ﷺ- في قصة الثلاثة الذين أقبلوا عليه وهو جالسٌ مع أصحابه، فأقبل اثنان إلى رسول الله -ﷺ-، وذهب واحد، فقال -ﷺ-: " وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه" (^٤)، وقوله -ﷺ-: "أيُّكم يحب أن
_________________
(١) المفهم (٥/ ٥٠٨).
(٢) المفهم (١/ ٥٦٨).
(٣) فتح الباري (١/ ٤٦٣) الهامش.
(٤) سبق تخريجه ص (٥٩٤).
[ ٥٩٥ ]
يعرض الله عنه" (^١). وأهل السنة يثبتون هذه صفة لله تعالى كما جاءت من غير صرف لها عن ظاهرها، بل نقول كما يليق بالله ﷾.
وقد أوَّل القرطبي هذه الصفة وصرفها عن ظاهرها فقال عند شرحه للحديث الأول: "إن كان هذا المعرض منافقًا فإعراض الله عنه تعذيبه في نار جهنم وتخليده فيها في الدرك الأسفل منها، وأما إن كان مسلمًا -وإنما انصرف عن الحلقة لعارض عرض له فآثره- فإعراض الله تعالى عنه: منع ثوابه عنه وحرمانه مجالسة النبي -ﷺ- والاستفادة منه، والخير الذي حصل لصاحبيه" (^٢).
وقال في شرحه للحديث الآخر: "أي يعامله معاملة المعرض عنه فلا يثيبه" (^٣).
وهذا تأويل للصفة سار فيه القرطبي على مذهب الأشاعرة في التأويل. والحق إثبات هذه الصفة لله تعالى كما وردت على لسان رسوله -ﷺ- على الوجه اللائق به سبحانه الذي لا يشابه صفات المخلوقين.
صفة السخرية والاستهزاء والمكر:
والاستهزاء والسخرية والمكر من صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسرح (٣٠٠٦) (١٨/ ٣٤٣).
(٢) المفهم (٥/ ٥٠٩).
(٣) المفهم (٦/ ٧٤).
(٤) سورة البقرة، آية: ١٥.
[ ٥٩٦ ]
اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (^١).
وجاء في الحديث عن آخر أهل النار خروجًا منها وأخر أهل الجنة دخولًا فيها، وفيه أنه قال يخاطب الله ﷿: "أتسخر بي؟ أوتضحك بي وأنت الملك؟ " (^٢).
قال ابن جرير الطبري بعد أن ذكر الاختلاف في صفة الاستهزاء: والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزِئ للمستهزَإ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهرًا وهو بذلك من قيله وفعله مورثه مساءة باطنًا وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر (^٣).
وقال قوام السنة الأصبهاني: "وتولى الذب عنهم -أي المؤمنين- حين قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ فقال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقال: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ وأجاب عنهم فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ فأجل أقدارهم أن يوصفوا بصفة عيب وتولى المجازاة لهم فقال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ لأن هاتين الصفتين إذا كانتا من الله لم تكن سفهًا لأن الله حكيم والحكيم لا يفعل السفه، بل ما يكون منه يكون صوابًا وحكمة" (^٤).
قال القرطبي عن هاتين الصفتين عند شرحه للحديث السابق: "قد أكثر الناس في تأويله ومن أشبه ما قيل فيه: إن هذا الرجل استخفه الفرح وأدهشه فقال ذلك غير ضابط لما يقول كما جاء في الحديث الآخر في
_________________
(١) سورة التوبة، آية: ٧٩.
(٢) سبق تخريجه ص (٥٨٣).
(٣) تفسير الطبري (١/ ١٦٦).
(٤) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨١).
[ ٥٩٧ ]
الذين وجد راحلته وقد أشرف على الهلاك من العطش والجوع: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" (^١) قال رسول الله -ﷺ-: "أخطأ من شدة الفرح" وقيل: إنما قال هذا الرجل ذلك على جهة: أنه خاف أن يقابله على ما كان منه في الدنيا من التساهل في الطاعات والتشبه بأحوال الساخرين والمستهزئين فكأنه قال: أتجازيني على ما كان مني؟ وهذا كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ و﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: يجازيهم جزاء استهزائهم وسخريتهم على أحد التأويلات" (^٢).
واعتبر القرطبي إطلاق المكر على الله تعالى على وجه المقابلة من باب المجاز فقال عند تأويله لملل الله تعالى الثابت بالحديث: "هو على الله محال، وإنما أطلق هنا على الله تعالى على جهة المقابلة اللفظية مجازًا، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (^٣) " (^٤).
وقال المازري في شرحه للحديث السابق: "قد يقال: كيف يقال للباري سبحانه: أتسخر مني؟ وإنما ساغ ذلك في الشرع على وجه المقابلة كقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾، و﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ والجواب: أن هذا لم يقع إلَّا على جهة المقابلة، وهي وإن لم تكن موجودة في اللفظ فهي موجودة في معنى الحديث؛ لأنه ذكر فيه أنه عاهد الله مرارًا أن لا يسأل الله تعالى غير ما سأله ثم غدر، وحل غدره محل الاستهزاء والسخرية، فقدر أن قوله تعالى له: "ادخل الجنة" وتردده إليها وتخيله أنها ملأى ضرب من الإطماع له والسخرية به جزاء
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٧٨).
(٢) المفهم (١/ ٤٢٥).
(٣) سورة آل عمران، آية: ٥٤.
(٤) المفهم (٢/ ٤١٤).
[ ٥٩٨ ]
على ما تقدم من غدره وعقوبة له فسمي الجزاء على السخرية سخرية فقال: أتسخر مني أي تعاقبني بالإطماع" (^١).
قال ابن تيمية في الرد على الذين يقولون بالمجاز: "وكذلك ما ادعو أنه مجاز في القرآن كلفظ المكر والاستهزاء والسخرية المضاف إلى الله تعالى وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلمًا له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلًا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (^٢)، ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلًا يستحق هذا الاسم وقال بعضهم: استهزاؤه: استدراجه لهم، وقيل: إيقاع استهزائهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم. وقيل: إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة. وقيل: هو تجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه، وهذا كله حق وهو استهزاء بهم" (^٣).
وقال ابن القيم: "إن الله لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع، والاستهزاء مطلقًا، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقًا بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقًا فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد؛ لأنه تعالى لم يصف نفسه بهذا إلَّا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه فإطلاق ذلك عليه
_________________
(١) المعلم (١/ ٢٢٨).
(٢) سورة التوبة، آية: ٧٩.
(٣) الفتاوى (٧/ ١١١، ١١٢).
[ ٥٩٩ ]
سبحانه على حقيقته دون مجاز" (^١).
صفة الرحمة:
الرحمة صفة من صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة، فالنصوص الواردة في إثباتها أكثر من أن تحصى، ولذا فلا مجال لعرض هذه الأدلة المثبتة لهذه الصفة، ومن أسماء الله تعالى الحسنى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وهما مشتقان من "الرحمة".
وقد أوَّل القرطبي والمازري هذه الصفة وصرفاها عن ظاهرها، فقال القرطبي: "الرحمة في حقنا: هي رقة وحنو يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى أو ضعيف، أو صغير، يحمله على الإحسان إليه واللطف به، والرفق والسعي في كشف ما به، وقد جعل الله هذه الرحمة في الحيوان كله -عاقله وغير عاقله- فيها تعطف الحيوانات على نوعها، وأولادها، فتحنو عليها، وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها، وحكمة هذه الرحمة تسخير القوي للضعيف، والكبير للصغير، حتى ينحفظ نوعه، وتتم مصلحته، وذلك تدبير اللطيف الخبير، وهذه الرحمة التي جعلها الله في القلوب في هذه الدار، وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة هي رحمة واحدة من مائة رحمة، ادخرها الله ليوم القيامة، فيرحم بها عباده المؤمنين، وقت أهوالها وشدائدها، حتى يخلصهم منها، ويدخلهم في جنته وكرامته، ولا يفهم من هذا أن: الرحمة التي وصف الحق بها نفسه هي: رقة وحنو كما هي في حقنا؛ لأن ذلك تغير يوجب للمتصف به الحدوث والله تعالى منزه ومقدس عن ذلك، وعن نقيضه الذي هو القسوة والغلظ، وإنما ذلك راجع في حقنا إلى ثمرة تلك الرأفة
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (٢/ ٣٠ - ٣٢) بتصرف.
[ ٦٠٠ ]
وفائدتها، وهي: اللطف بالمبتلي والضعيف، والإحسان إليه، وكشف ما هو فيه من البلاء، فإذًا هي في حقه ﷾ من صفات الفعل لا من صفات الذات، وهذا كما تقدم في غضبه تعالى ورضاه" (^١).
وقال المازري: "غضب الله ﷿ ورضاه يرجعان إلى إرادته لإثابة المطيع ومنفعة العبد أو عقاب العاصي، فالأولى منهما يسمى رحمة، والثاني يسمى غضبًا" (^٢).
ويتبين من قولهم هذا مخالفة مذهب السلف في إثبات هذه الصفة التي وردت فيها النصوص على الوجه اللائق به سبحانه من غير تشبيه لها بصفة المخلوق، وهي ولا شك من صفات الكمال، ولذا تكون غالبًا من القوي للضعيف، ومن الكبير للصغير، ومن القادر للعاجز، وأما هذا التأويل فهو على مذهب الأشاعرة، ومن سلك سبيلهم لتنزيه الرب بزعمهم عن مشابهة المخلوق لقولهم: إن الرحمة رقة في القلب، وهذه رحمة المخلوق لا رحمة الخالق، فالرحمة صفة الرحيم، وهي في كل موصوف بحسبه، فإذا اتصف أرحم الراحمين بالرحمة حقيقة لم يلزم أن تكون رحمته من جنس رحمة المخلوق. وإن ظهور آثار صفة الرحمة في الوجود، كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة، فإن ما لله على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "الرحمة صفة الله التي اشتق لنفسه منها اسمه "الرحمن"، واسمه "الرحيم"، وهي صفة تظهر آثارها في خلقه الذين يرحمهم. وصيغة التفضيل في قوله: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ
_________________
(١) المفهم (٦/ ١٠٨).
(٢) المعلم (٣/ ١٨٩).
[ ٦٠١ ]
الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾ (^١) لأن المخلوقين قد يرحم بعضهم بعضًا، ولا شك أن رحمة الله تخالف رحمة خلقه، كمخالفة ذاته وسائر صفاته لذاواتهم وصفاتهم" (^٢).
صفة الصبر:
جاء وصف الله تعالى بالصبر في الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: "ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم" (^٣).
قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "الصبر في اللغة: حبس النفس على ما تكرهه أو يشق عليها، وذلك على الله تعالى محال، لكنه قد يكون معه الصفح عن الجاني، والحلم عليه، والرفق به، وكل ذلك موجود من الله تعالى، فحسن أن يطلق الله تعالى ذلك على نفسه" (^٤).
وقال المازري في شرحه لهذا الحديث: "المراد بهذا أن الله سبحانه واسع الحلم عن الكافر الذي يضيف إليه الولد، والصبر: منع النفس من التشفي والانتقام، أو منعها من غير ذلك، فلما كان الامتناع نتيجة الصبر عبر عن ترك الباري سبحانه الانتقام بهذه العبارة وجرى الأمر في ذلك على حسب ما قلناه مرارًا فيما تقدم من مثل هذا" (^٥).
_________________
(١) سورة الأعراف، آية: ١٥١.
(٢) أضواء البيان (٥/ ٣٦٥).
(٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ح (٧٣٧٨) (١٣/ ٣٧٢) ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم باب لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله ح (٢٨٠٤) (١٧/ ١٥١).
(٤) المفهم (٧/ ٨٠).
(٥) المعلم (٣/ ١٩٧).
[ ٦٠٢ ]
والصبر الذي ذكراه هو صبر المخلوق والله ﷾ إذا وُصِفَ بصفة فلا تكون هذه الصفة كصفة المخلوق قطعًا بل تكون لائقة بجلال الله تعالى وعظمته.
قال الشيخ الغنيمان في تعليقه على كلام المازري السابق الذي نقله الحافظ ابن حجر عن المازري في فتح الباري: "قلت: قول المازري: فأطلق اسم الصبر على الامتناع في حق الله تعالى. فيه نظر، وذلك أن رسول الله - ﷺ - "أطلق على ربه الصبر، وأنه ما أحد أصبر منه، وهو - ﷺ - أعلم الخلق بالله تعالى وأخشاهم له، وأقدرهم على البيان عن الحق، وأنصحهم للخلق، فلا استدارك عليه، فيجب أن يبقى ما أطلقه - ﷺ - على الله تعالى بدون تأويل، إلَّا إذا كان يريد بذلك تفسير معنى الصبر، ولكن الأولى أن يبقى كما قال لأنه واضح ليس بحاجة إلى تفسير" (^١).
صفة الكنف:
صفة ثابتة لله ﷿ بالحديث الصحيح، قال - ﷺ -: "يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه" (^٢). والكنف في اللغة: الستر والحرز والجانب والناحية (^٣).
قال القرطبي في شرحه للحديث السابق: "أي: ستره وجناح إكرامه ولطفه" (^٤).
وقال المازري: "المراد بقوله: "حتى يضع كنفه عليه" أي: ستره
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٩٢).
(٢) سبق تخريجه ص (٥٧٢).
(٣) القاموس المحيط ص (١٠٩٩).
(٤) المفهم (٧/ ١٦٠).
[ ٦٠٣ ]
وعفوه" (^١).
قال الإمام البخاري: "قال عبد الله بن المبارك: كنفه: يعني ستره" (^٢).
وقال الشيخ الغنيمان: "قوله: "حتى يضع كنفه عليه" جاء الكنف مفسرًا في الحديث بأنه الستر والمعنى: أنه تعالى يستر عبده عن رؤية الخلق له لئلا يفتضح أمامهم فيخزى" (^٣).
ونرى بهذا أن القرطبي والمازري في هذه الصفة لم يخرجا عن القول المذكور عن السلف في أن الكنف هو الستر.
صفة العتب:
صفة فعلية اختيارية لله تعالى جاءت في الأحاديث الصحيحة قال - ﷺ -: "قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. فعتب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه" (^٤). وفي قصة هجر الرسول - ﷺ - لنسائه، قال عمر عن ذلك: "وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله" (^٥).
قال أبو موسى المديني (^٦): "وفي حديث أبيّ في ذكر موسى حين
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٩١).
(٢) خلق أفعال العباد للبخاري ص (٧٨).
(٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (٢/ ٣١٦).
(٤) رواه البخاري في كتاب العلم، باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فيكل العلم إلى الله ح (١٢٢) (١/ ٢٦٣) ومسلم في كتاب الفضائل باب من فضائل الخضر ﵇ ح (٢٣٨٠) (١٥/ ١٤٤).
(٥) رواه البخاري في كتاب المظالم، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح ح (٢٤٦٨) (٥/ ١٣٧).
(٦) محمد بن عمر بن محمد الأصبهاني الموسوي المديني أحد المحدثين الحفاظ له عدة =
[ ٦٠٤ ]
سئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه العتب: أدنى الغضب" (^١). وهذا إثبات لهذه الصفة بمعناها وهو أدنى الغضب.
والمازري ذكر هذه الصفة لكنه أوَّلها على منهجه في ذلك حيث قال: "قوله: "عتب الله عليه" فيشبه أن يراد به أنه لم يرض قوله شرعًا ودينًا وأما العتب بمعنى الموجدة وتغير النفس فلا يجوز على الله سبحانه" (^٢).
وهذا عتب المخلوق وأما الخالق سبحانه فلا يشبه بخلقه إنما يثبت له من الصفات ما جاءت به النصوص دون تشبيه كما هو مذهب السلف.
صفة الملل:
وقد جاء وصف الله تعالى بهذا في الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: "عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل حتى تملوا" (^٣).
قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "ظاهره محال على الله تعالى، فإن الملال: فتور عن تعب وألم عن مشقة وكل ذلك على الله تعالى محال، وإنما أطلق هنا على الله تعالى على جهة المقابلة اللفظية مجازًا، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (^٤) و﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (^٥) ووجه مجازه: أنه تعالى لما كان يقطع ثواب عمل من ملَّ
_________________
(١) = مصنفات منها "نتائج الأفكار" "الإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام" توفي سنة (٥٨١ هـ)، البداية والنهاية (١٢/ ٣٣٩)، سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٥٢).
(٢) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث للمديني (٢/ ٤٠٠).
(٣) المعلم (٣/ ١٣٦).
(٤) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب أحب الدين إلى الله أدومه ح (٤٣) (١/ ١٢٤). ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أن يرقد ح (٧٨٥) (٦/ ٣٢٠).
(٥) سورة آل عمران، آية: ٥٤.
(٦) سورة البقرة، آية: ١٩٤.
[ ٦٠٥ ]
من العمل وقطعه. عبر عن ذلك بالملل من باب تسمية الشيء باسم سببه" (^١).
وقال المازري: "الملالة التي بمعنى السآمة لا تجوز على الله تعالى، وقد اختلف في تأويل هذا الحديث فقيل: إنما ذلك على معنى المقابلة أي لا يدع الجزاء حتى تدعو العمل، وقيل: "حتى" ههنا بمعنى الواو فيكون قد نفى عنه جلت قدرته الملل، فيكون التقدير لا يمل وتملون وقيل: حتى بمعنى حين" (^٢).
ونحن نقول: الملال الذي هو فتور عن تعب وألم عن مشقة محال على الله تعالى كما قال القرطبي، ولكن هذا لا يقوله أهل السنة فإثباتهم لملل الله تعالى كما جاء به النص لا يستلزم تشبيهه بملل المخلوق، الذي هو صفة نقص تقتضيه طبيعته والله سبحانه منزه عن النقص إنما إذ أطلق ذلك على الله تعالى فهو صفة كمال لا نقص فيها.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم (^٣): "فإن الله لا يمل حتى تملو" من نصوص الصفات وهذا على وجه يليق بالباري لا نقص فيه كنصوص
_________________
(١) المفهم (٤١٣).
(٢) المعلم (١/ ٣٠٥).
(٣) هو الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب فهو من أحفاد المجدد محمد بن عبد الوهاب ولد في الرياض سنة (١٣١١ هـ) وقرأ على والده وعلى علماء نجد في زمنه حتى برز وفاق أقرانه وقد فقد بصره قبل البلوغ لكن لم يثنه ذلك عن طلب العلم حتى أصبح من أكبر علماء الأمة في عصره تولى العديد من الأعمال الكبيرة فهو رئيس القضاة والمشرف على تعليم البنات مع رئاسة المعاهد العلمية والجامعة الإسلامية والإشراف على الأئمة والدعاة والمرشدين إلى غيرها من الأعمال الكثيرة من مصنفاته: "رسالة في تحكيم القوانين" وغيرها، توفي ﵀ سنة (١٣٨٩ هـ). علماء نجد خلال ثمانية قرون للبسام (١/ ٢٤٢) إتحاف النبلاء بسير العلماء لراشد الزهراني ص (٧٧).
[ ٦٠٦ ]
الاستهزاء والخداع فيما يتبادر" (^١).
وقال الشيخ ابن عثيمين وقد سئل عن هذا الحديث: "من العلماء من قال: إن هذا دليل على إثبات الملل لله لكن ملل الله ليس كملل المخلوق، إذ أن ملل المخلوق نقص؛ لأنه يدل على سآمه وضجره من هذا الشيء أما ملل الله فهو كمال وليس فيه نقص ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال، وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا، ومن العلماء من يقول: إن قوله: "لا يمل حتى تملوا" يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل، فإن الله يجازيك عليه، فاعمل ما بدا لك فإن الله لا يمل من ثوابك، حتى تمل من العمل، وعلى هذا فيكون المراد بالملل لازم الملل. ومنهم من قال: إن هذا لا يدل على صفة الملل دته إطلاقًا؛ لأن قول القائل: لا أقوم حتى تقوم، لا يستلزم قيام الثاني، وهذا أيضًا: "لا يمل حتى تملوا" لا يستلزم ثبوت الملل لله ﷿. وعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أن الله تعالى منزه عن كل صفة نقص من الملل وغيره، وإذا ثبت أن هذا الحديث دل على الملل فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق" (^٢).
صفة النظر:
صفة فعلية ثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٣). وقال - ﷺ -: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (^٤).
_________________
(١) الفتاوى والرسائل لابن إبراهيم (١/ ٢٠٩).
(٢) مجموع دروس وفتاوى ابن عثيمين (١/ ١٥٢).
(٣) سورة آل عمر ان، آية: ٧٧.
(٤) رواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله ح (٢٥٦٤) =
[ ٦٠٧ ]
قال ابن منده في كتابه "التوحيد": "ذكر ما امتدح الله ﷿ من الرؤية والنظر إلى خلقه ودعا عباده الصالحين إلى مدحه لذلك" (^١).
"فالله ﷾ ينظر إلى ما يشاء ويعرض عما يشاء فلا ينظر إليه كما دلت النصوص عليه" (^٢).
قال القرطبي في شرحه للحديث السابق: "نظر الله تعالى إلى عباده: رحمته لهم وعطفه عليهم وإحسانه إليهم وهذا النظر هو المنفي في هذا الحديث" (^٣).
قلت: هذا من التأويل المذموم المخالف لمنهج السلف في إثبات هذه الصفة لله تعالى على حقيقتها كما جاءت بذلك النصوص على ما يليق بالله ﷾.
قال شارح الطحاوية: "النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه، فإن عدي بنفسه، فمعناه التوقف والانتظار ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (^٤) وإن عدي بـ"في" فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٥) وإن عدي بـ"إلى" فمعناه: المعاينة بالإبصار كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (^٦) (^٧) والأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات صفة "النظر" لله تعالى كلها من
_________________
(١) = (١٦/ ٣٥٧).
(٢) كتاب التوحيد لابن منده (٣/ ٥٦).
(٣) المرجع السابق (٣/ ٦٠، ٦٤).
(٤) المفهم (١/ ٣٠٤) وانظر: المفهم (٦/ ٥٣٨).
(٥) سورة الحديد، آية: ١٣.
(٦) سورة الأعراف، آية: ١٨٥.
(٧) سورة الأنعام، آية: ٩٩.
(٨) شرح الطحاوية (١/ ٢٠٩).
[ ٦٠٨ ]
المتعدي بـ"إلى".
صفة الأذن "بمعنى الاستماع":
وهي صفة ثابتة لله ﷿ كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: "ما أَذِنَ اللهُ لشيء ما أَذِنَ لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به" (^١).
الأذَن - بالتحريك - الاستماع يقال: أذِن إليه، وله يأذن أذنًا. قال القاسم بن سلَّام: "كأذَنه" يعني: ما استمع الله الشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾ (^٢) قال: سمعت أو قال: استمعت شك أبو عبيد يقال: أذنتُ للشيءآذن له أذنًا: إذا استمعته" (^٣).
وقال البغوي: "قوله: "ما أذن الله لشيء كإذنه" يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه والله لا يشغله سمع عن سمع يقال: أذنت للشيء آذن أذنًا بفتح الذال: إذا سمعت له" (^٤).
والقرطبي قد أوَّل هذه الصفة الثابتة لله تعالى وصرفها عن ظاهرها، فقال في شرحه لهذا الحديث: قوله: "ما أذن الله" أي: ما استمع الله وأصغى وأصله: أن المستمِعَ يميل بأذنه إلى جهة المستمَع تقول العرب: أَذِن بكسر الذال يأذن بفتحها في المستقبل أذنًا بفتح الهمزة والذال في
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب الوصاة بكتاب الله ﷿ ح (٥٠٢٤) (٨/ ٦٨٥) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن ح (٢/ ٧٩) (٦/ ٣٢٥).
(٢) سورة الانشقاق، آية: ٢.
(٣) غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ٢٨٢). والقاموس المحيط (١٥١٦).
(٤) شرح السنة للبغوي (٣/ ٢٦٥).
[ ٦٠٩ ]
المصدر: إذا أصغى واستمع وهذا المعنى في حق الله تعالى محال، وإنما هو من باب التوسع، على ما جرى به عرف التخاطب، وهو منصرف في حق الله تعالى لإكرام القارئ، وإجزال ثوابه، ووجه هذا التوسع: أن الإصغاء إلى الشيء قبول له، واعتناء به ويترتب على ذلك إكرام المُصغَى إليه فعبر عن الإكرام بالإصغاء إذ هو عنه" (^١).
وقال المازري عن هذه الصفة: أذن في اللغة بمعنى استمع فأما الاستماع الذي هو الإصغاء فلا يجوز على الله سبحانه فهو مجاز ههنا فكأنه عبر عن تقريبه للقاري وإجزال ثوابه بالاستماع والقبول وكذلك سماع الباري تعالى للأشياء لا يختلف وإنما المراد ههنا أنه يقرب الحسن القراءة أكثر من تقريب غيره، والتفاضل في التقريب، وزيادة الأجور يختلف فتعبيره عن ذلك بما يؤدي إلى التفاضل في الاستماع مجاز" (^٢).
وقد نقل الحافظ ابن حجر قول القرطبي السابق في الفتح وارتضاه. قال الشيخ عبد الله الدويش (^٣) - ﵀ - معلقًا على تأويل القرطبي لهذه الصفة: هذا تأويل مردود، والصواب إثبات هذه الصفة لله حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته، من غير أن يشبه ذلك باستماع المخلوقين، وهذا
_________________
(١) المفهم (٢/ ٤٢١).
(٢) المعلم (١/ ٣٠٦).
(٣) هو الشيخ عبد الله بن محمد بن أحمد الدويش المحدث الحافظ ولد في مدينة الزلفى سنة (١٣٧٣ هـ) ورحل إلى بريدة وتلقى العلم فيها حتى برز في سائر العلوم خصوصًا في علم الحديث وقد أثنى عليه العلامة الألباني في حفظه لكنه كان يكره الشهرة ويؤثر الخمول له عدة مؤلفات منها: "تنبيه القاريء على تقوية ما ضعفه الألباني" و"التوضيح المفيد لشرح مسائل كتاب التوحيد" وغيرهما توفي شابًا سنة (١٤٠٨ هـ) أعلام القرن الرابع عشر والخامس عشر، لإبراهيم الحازمي (١/ ١٢٠) العلماء الذين لم يتجاوزوا سن الأشُد لعلي بن محمد العمران ص (٢١٧).
[ ٦١٠ ]
قول أهل السنة والجماعة، خلافًا لأهل البدع من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم" (^١).
نسبة استطابة الروائح إلى الله تعالى:
وثبتت نسبة ذلك إليه في الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: "والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (^٢).
قال القرطبي في شرح هذا الحديث: "لا يتوهم أن الله تعالى يستطيب الروائح ويستلذها كما يقع لنا من اللذة والاستطابة، إذ ذاك من صفات افتقارنا واستكمال نقصنا وهو الغني بذاته الكامل بجلاله وتقدسه على أنَّا نقول: إن الله تعالى يدرك المدركات ويبصر المبصرات ويسمع المسموعات على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه المخلوقات، وإنما معنى هذه الأطيبية، عند الله راجعة إلى أن الله تعالى يثيب على خلوف فم الصائم ثوابًا أكثر مما يثيب على استعمال روائح المسك، حيث ندب الشرع إلى استعماله فيها كالجمع والأعياد وغير ذلك ويحتمل أن يكون ذلك في حق الملائكة فيستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك" (^٣).
ولا أبعد من هذا التأويل ولا أشد من هذا التكلف الذي لا تساعده فيه النصوص، وما أجمل كلامَه السابق حينما قال: "يدرك المدركات ويبصر المبصرات ويسمع المسموعات" فليته أكمل فقال: ويستطيب الروائح على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه المخلوقات،
_________________
(١) التعليق على فتح الباري للدويش ص (١٨).
(٢) رواه البخاري في كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم ح (١٩٠٤) (٤/ ١٤١) ومسلم في كتاب الصيام باب فضل الصيام ح (١١٥١) (٨/ ٢٧٧).
(٣) المفهم (٣/ ٢١٥).
[ ٦١١ ]
فهذا مذهب أهل السنة في إثبات صفاته تعالى وتنزيهه عن مشابهة مخلوقاته.
وقال المازري: "قوله: "أطيب عند الله من ريح المسك" مجاز واستعارة؛ لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى الشيء فتستطيبه وتنفر عن آخر فتستقذره، والله تعالى يتقدس عن ذلك، ولكن جرت العادة فينا بتقريب الروائح الطيبة منا، واستعير ذلك في الصوم لتقريبه من الله سبحانه" (^١).
قال الشيخ عبد الله الدويش - ﵀ - في رده على الحافظ ابن حجر - ﵀ - في تأويل هذه الصفة: "كل هذا تأويل لا حاجة إليه، وإخراج للفظ عن حقيقته، والصواب أن نسبة الاستطابة إليه سبحانه كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه، فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه، وغضبه، وفرحه، وكراهته، وحبه، وبغضه، لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته وسبحانه وتعالى لا تشبه ذوات المخلوقين، وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعاله لا تشبه أفعالهم، قاله العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في الوابل الصيب، والله أعلم" (^٢).
وصف الله تعالى بأنه شخص:
جاء إطلاق لفظ "شخص" على الله تعالى في الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: "لا شخص أغيَرُ من الله ولا شخص أحب إليه العذر من الله" (^٣).
قال ابن أبي عاصم في السنة: "باب: ذكر الكلام والصوت
_________________
(١) المعلم (٢/ ٤١).
(٢) التعليق على فتح الباري ص (٥).
(٣) سبق تخريجه ص (٥٩١).
[ ٦١٢ ]
والشخص وغير ذلك" (^١).
وقال أبو يعلى: "وأما لفظ الشخص فرأيت بعض أصحاب الحديث يذهب إلى جواز إطلاقه ووجه أن قوله: "لا شخص" نفي من إثبات وذلك يقتضي الجنس كقولك: "لا رجل أكرم من زيد" يقتضي أن زيدًا يقع عليه اسم رجل كذلك قوله: "لا شخص أغير من الله" يقتضي أنه سبحانه يقع عليه هذا الاسم" (^٢).
قلت: "قوله ذهب بعض أصحاب الحديث إلى جواز إطلاقه" عبارة فيها إشكال لأنه قد جاء النص بإطلاقه عن المعصوم فوجب العمل به وإبطال ما سواه.
قال الشيخ عبد الله الغنيمان: "ثبت هذا اللفظ عن رسول الله - ﷺ - بطرق صحيحة لا مطعن فيها، وإذا صح الحديث عن رسول الله - ﷺ - وجب العمل به، والقول بموجبه، سواء كان في مسائل الاعتقاد أو في العمليات، وقد صح عنه - ﷺ - إطلاق الاسم - أعني: الشخص - على الله تعالى فيجب اتباع في ذلك على من يؤمن بأنه رسول الله، وهو - ﷺ - أعلم بربه وبما يجب له، وما يمتنع عليه تعالى من غيره من سائر البشر" (^٣).
وقد قال القرطبي عند شرحه للحديث السابق: "أصل وضع الشخص لجرم الإنسان وجسمه، يقال: شخص الإنسان وجثمانه وطلله وآله كلها بمعنى واحد على ما نقل أهل اللغة، وشَخَصَ الشيءُ يشخصُ: إذا ظهر شخصه وهذا المعنى على الله تعالى محال بالعقل والنقل على ما
_________________
(١) السنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٢٥).
(٢) إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٦٦).
(٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٣٣٣).
[ ٦١٣ ]
قدمناه في غير موضع، فتعين تأويله هنا، وقد قيل فيه: لا مرتفع لأن الشخص: ما شخص وظهر وارتفع، وفيه بعد، وقيل فيه: لا شيء، وهذا أشبه من الأول، وأوضح منه، أي: لا موجود أولا أحد، وهو أحسنها، وقد جاء في رواية أخرى: "لا أحد" منصوصًا وأطلق الشخص مبالغة في تثبيت إيمان من يتعذر على فهمه موجود لا يشبه شيئًا من الموجودات لئلا يقع في النفي والتعطيل (^١).
وقول القرطبي هذا مبني على أن لفظ "الشخص" إذا أطلق على الله تعالى يستلزم تشبيهه سبحانه بأشخاص المخلوقين، وهذا أصل فاسد، واعتقاد باطل، فإن لفظ الشخص هو ما شخص وارتفع وظهر، والله ﷾ من المعلوم أنه أظهر من كل شيء، وأعظم فليس في إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى محذور، وقد جاء على لسان الصادق - ﷺ - فوجب قبوله، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة.
قال الشيخ الغنيمان: "الشخص: هو ما شخص وبان عن غيره، ومقصد البخاري أن هذين الاسمين يطلقان على الله تعالى وصفًا له؛ لأن الرسول - ﷺ - ثبتهما لله وهو أعلم الخلق بالله تعالى قال في اللسان: "الشخص كل جسم له ارتفاع وظهور" والله تعالى أظهر من كل شيء وأعظم وأكبر، وليس في إطلاق الشخص عليه محذور على أصل أهل السنة الذين يتقيدون بما قاله الله ورسوله" (^٢).
إطلاق لفظ "الذات" على الله تعالى:
يصح إطلاق لفظة "الذات" على الله تعالى كقولنا: ذات الله، أو:
_________________
(١) المفهم (٤/ ٣٠٥).
(٢) شرح كتاب التوحيد (١/ ٣٣٠، ٣٣٤).
[ ٦١٤ ]
الذات الإلهية لكن لا على أن "ذات" صفة له بل ذات الشيء بمعنى نفسه أو حقيقته.
وقد جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: "إن إبراهيم لم يكذب إلَّا ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله" (^١).
وما جاء عند البخاري في قصة مقتل خبيب بن عدي ﵁ حيث قال عند قتله هذه الأبيات:
وَلَسْتُ أُبالي حين أُقْتلُ مسلمًا علي أيِّ شقِّ كان في الله مصرعي
وذلك في ذاتِ الإله وإن يشأ يُبارك على أوصال شلو مُمَزَّع (^٢)
قال الأصبهاني: "فصل في بيان ذكر الذات" ثم قال: "قال قوم من أهل العلم: "ذات الله حقيقته وقال بعضهم: انقطع العلم دونها وقيل: استغرقت العقول والأوهام في معرفة ذاته، وقيل: ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالإبصار في دار الدنيا، وهو موجود بحقائق الإيمان على الإيقان بلا إحاطة إدراك بل هو أعلم بذاته" (^٣).
وقال ابن تيمية: ويفرق بين دعائه والإخبار عنه فلا يدعى إلَّا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيِّء لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيء وإن لم يحكم بحسنه مثل اسم: شيء وذات وموجود .. " (^٤)
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ ح (٣٣٥٨) (٦/ ٤٤٧) ومسلم في كتاب الفضائل باب من فضائل إبراهيم الخليل - ﷺ - ح (٢٣٧١) (١٥/ ١٣٣).
(٢) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر ومن ركع ركعتين عند القتل ح (٣٠٤٥) (٦/ ١٩١).
(٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٥).
(٤) الفتاوى (٦/ ١٤٢).
[ ٦١٥ ]
وقد بين القرطبي جواز إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى، خلافًا لمن منعه وليس معه دليل، حيث قال: "قوله: "ذات الله" .. دليل على جواز إطلاق لفظ "الذات" على وجود الله تعالى فلا يلتفت لإنكار من أنكر إطلاقه من المتكلمين" (^١).
وبعض الناس يظن أن إطلاق "الذات" على الله تعالى كإطلاق الصفات أي أنه وصف له فينكر ذلك بناء على هذا الظن ويقول: هذا ما ورد وليس الأمر كذلك، وإنما المراد التفرقة بين الصفة والموصوف، وقد تبين مراد الذين يطلقون هذا اللفظ أنهم يريدون نفس الموصوف وحقيقته فلا إنكار عليهم في ذلك كما وضحه كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم (^٢).
إطلاق النفس على الله تعالى:
وقد جاء إثبات النفس لله تعالى بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (^٤) وقال - ﷺ -: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي" (^٥) وغيرها من النصوص، وعقد الإمام البخاري - ﵀ - في كتاب التوحيد من صحيحه بابًا في إثبات النفس لله تعالى (^٦).
وعند شرح القرطبي لقوله - ﷺ -: "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي،
_________________
(١) المفهم (٦/ ١٨٥).
(٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٢٤٢).
(٣) سورة المائدة، آية: ١١٦.
(٤) سورة الأنعام، آية: ٥٤.
(٥) سبق تخريجه ص (٢٠٦).
(٦) صحيح البخاري مع الفتح (١٣/ ٣٩٥).
[ ٦١٦ ]
وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" (^١)، قال: "النفس" اسم مشترك يطلق على نفس الحيوان، وهي المتوفاة بالموت والنوم، ويطلق ويراد به: الدم، والله تعالى منزه عن ذينك المعنيين ويطلق ويراد به ذات الشيء وحقيقته، كما يقال: رأيت زيدًا نفسه عينه، أي: ذاته، وقد يطلق ويراد به الغيب كما قد قيل في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ما في غيبك، والأليق بهذا الحديث: أن يكون معناه: أن من ذكر الله تعالى خاليًا منفردًا بحيث لا يطلع أحد من الخليقة على ذكره جازاه الله على ذلك بأن يذكره بما أعد له من كرامته التي أخفاها عن خليقته حتى لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون، وقد قلنا: إن التسليم هو الطريق المستقيم" (^٢).
والمازري قد ذكر في هذه المسألة كلامًا قريبًا من كلام القرطبي السابق، ولعل القرطبي قد نقل عنه (^٣).
وقد ذكر القرطبي المازري القول الصحيح في هذه المسألة عرضًا دون اختيار، وهو: أن يراد بالنفس ذاته تعالى، وهذا الذي عليه عامة علماء السنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "نفسه هي ذاته المقدسة" (^٤). وقال أيضًا: "يراد بنفس الشيء ذاته وعينه، كما يقال: رأيت زيدًا نفسه عينه، وقد قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (^٥)، وقال: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٧٣).
(٢) المفهم (٧/ ٧).
(٣) المعلم (٣/ ١٨٣).
(٤) الفتاوى (١٤/ ١٩٦).
(٥) سورة المائدة، آية: ١١٦.
(٦) سورة الأنعام، آية: ٥٤.
[ ٦١٧ ]
نَفْسَهُ﴾ (^١)، وفي الحديث الصحيح أنه قال لأم المؤمنين: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن. سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته" (^٢) وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي - ﷺ -: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إذا ذكرني في نفسه ذكلرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" (^٣) فهذه المواضع المراد فيها بلفظ "النفس" عند جمهور العلماء: الله نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات (^٤)، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ" (^٥).
_________________
(١) سورة آل عمران، آية: ٢٨.
(٢) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والإستغفار، باب التسبيح أول النهار وعند النوم ح (٢٧٢٦) (١٧/ ٤٧).
(٣) سبق تخريجه ص (٥٧٣).
(٤) منهم: ابن خزيمة وعبد الغني المقدسي والبغوي وصديق حسن خان، انظر صفات الله الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف ص (٢٥٥).
(٥) الفتاوى (٢/ ٢٩٢).
[ ٦١٨ ]
المبحث الثالث منهجهما في رؤية الله تعالى
رؤية الله تعالى في الآخرة من أعظم مسائل الاعتقاد وأشرفها، وأجلها، إذ هي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، فهي، أعظم نعيم وعد الله به عباده المؤمنين، فلم يعط أهل الجنة شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ﵎، كما قال - ﷺ -: "إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿" (^١).
وقد أجمع على الإيمان بها السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم على توالي القرون.
ولذا ذكرها العلماء في أبواب الترغيب، ونعيم أهل الجنة، وكذلك في أبواب الاعتقاد.
وهي ليست صفة لله ﷿؛ لأن الرؤية هنا لا تقوم بالله تعالى، بل المؤمنون هم الذين يرونه تعالى. وإنما ذكرت في مباحث الصفات لأنها محل نزاع بين السلف والخلف (^٢)، ولأن نفاة الرؤية هم من نفاة الصفات.
_________________
(١) روا مسلم في كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ ح (١٨١) (٣/ ٢٠).
(٢) انظر الصفات الإلهية لمحمد أمان الجامي ص (٣٣٧).
[ ٦١٩ ]
رؤيته في الدنيا:
اتفقت الأمة على منع رؤية الله تعالى في الدنيا، وعدم وقوعها مع جواز وقوعها عقلًا. قال - ﷺ - في تعريف الإحسان في حديث جبريل - ﵇ -: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (^١).
قال الحافظ ابن حجر: "دلَّ سياق الحديث على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة" (^٢).
وقد قال - ﷺ - مصرحًا بذلك: "اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" (^٣).
قال القرطبي: "اختلف قديمًا وحديثًا في جواز رؤية الله تعالى فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة، وأهل السلف والسنة على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة إذ رؤية الله تعالى جائزة كما دلَّت عليها الأدلة العقلية والنقلية، فأما العقلية: فتعرف في علم الكلام وأما النقلية فمنها: سؤال موسى رؤية ربه، ووجه التمسك بذلك، علم موسى بجواز ذلك، ولو علم استحالة ذلك لما سأله، ومحال أن يجهل موسى جواز ذلك، إذ يلزم منه أن يكون مع علو منصبه في النبوة وانتهائه إلى أن يصطفيه الله على الناس، وأن يسمعه كلامه بلا واسطة، جاهلًا بما يجب لله تعالى ويستحيل عليه ويجوز، ومجوز هذا كافر. ومنها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (^٤) ووجه التمسك بها امتنانه تعالى على عباده بالنظر إلى وجهه تعالى في الدار الآخرة، وإذا جاز أن يروه فيها
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٣٧).
(٢) فتح الباري (١/ ١٤٧).
(٣) رواه مسلم في كتاب الفتن باب ذكر ابن صياد ح (٢٩٣٢) (١٨/ ٢٦٨).
(٤) سورة القيامة، آية: ٢٢، ٢٣.
[ ٦٢٠ ]
جاز أن يروه في الدنيا لتساوي الوقتين بالنظر إلى الأحكام العقلية" (^١).
وقد بيَّن سبب عدم رؤيته تعالى في الدانيا فقال: "الله تعالى لو كشف عن خلقه ما منعهم به من رؤيته في الدنيا لما أطاقوا رؤيته ولهلكوا من عند آخرهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (^٢) ويفيد أن تركيب هذا الخلق وضعفهم في هذه الدار لا يحتمل رؤية الله فيها فإذا أنشأهم الله للبقاء وقواهم حملوا ذلك" (^٣).
وهذا هو الصواب الذي جاءت به الأدلة من الكتاب والسنة، وعند قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ (^٤).
قال ابن القيم: "إن الله ﷾ لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالًا لأنكره عليه، ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه ﵎ أن يريه كيف يحي الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله.
ثم إنه أجابه بقوله: لن تراني، ولم يقل لا تراني، ولا إني لست بمرئي، ولا لا تجوز رؤيتي، والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله وهذا يدل على أنه ﷾ يرى، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى فإذا كان الجبل لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف" (^٥).
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٠١، ٤٠٢).
(٢) سورة الأعراف، آية: ١٤٣.
(٣) المفهم (١/ ٤١١).
(٤) سورة الأعراف، آية: ١٤٣.
(٥) حادي الأرواح لابن القيم (١/ ١٩٧).
[ ٦٢١ ]
وقال الشنقيطي: "رؤية الله جل وعلا بالأبصار جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة، ومن أعظم الأدلة على جوازها عقلًا في دار الدنيا: قول موسى ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك﴾ (^١) لأن موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق الله تعالى، وأما شرعًا فهي جائزة وواقعة في الآخرة كما دلَّت عليه الآيات، وتواترت به الأحاديث الصحاح، وأما في الدنيا: فممنوعة شرعًا كما تدل علية آية الأعراف هذه، وحديث: "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" (^٢) " (^٣).
هل رأى الرسول - ﷺ - ربه ليلة الإسراء:
مع اتفاق أهل السنة على عدم رؤية الله تعالى في الدنيا فقد اختلفوا في الرسول - ﷺ - فقط، هل رأى ربه ليلة الإسراء أم لا؟ لمجيء الأحاديث في ذلك. ومذهب العلماء في هذه المسألة كالتالي:
الأول: الإثبات، وهو مروي عن ابن عباس، وأبي ذر وكعب الأحبار ﵃، وغيرهم من التابعين والعلماء المتأخرين. واستدلوا بالأحاديث المثبتة لرؤية الرسول - ﷺ - لربه وهي مطلقة لم تقيد الرؤية بالعين.
الثاني: النفي: أي: نفي رؤية الرسول - ﷺ - لربه في الدنيا بعيني رأسه، وهذا القول مشهور عن عائشة وابن مسعود، وهو المشهور عن أبي هريرة، وأبي ذر - ﵃ - وقال به جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. قالت عائشة - ﵂ -: "من زعم أن محمَّدًا - ﷺ - رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية" (^٤). وعندما سئل - ﷺ - هل رأى ربه؟ قال:
_________________
(١) سورة الأعراف، آية: ١٤٣.
(٢) سبق تخريجه ص (٦٢٠).
(٣) أضواء البيان (٢/ ٤٠).
(٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى ح (١٧٧) (٣/ ١٠).
[ ٦٢٢ ]
"نور أنَّى أراه" (^١) (^٢).
والمذهب الثالث في هذا هو التوقف وعدم الجزم بصحة أحد القولين، أو ترجيح واحدٍ على الآخر، وهم ما ذهب إليه القرطبي، حيث قال: اختلف في ذلك السلف والخلف، فأنكرته عائشة وأبو هريرة وجماعة من السلف، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب جماعة من المتكلمين والمحدثين، وذهبت طائفة أخرى من السلف إلى وقوعه، وأنه رأى ربه بعينه، وإليه ذهب ابن عباس وقال: اختص موسى بالكلام وإبراهيم بالخلة، ومحمد - ﷺ - بالرؤية، وأبو ذر وكعب والحسن وأحمد بن حنبل، وحكي عن ابن مسعود وأبي هريرة في قول لهما آخر، ومثل ذلك حكي عن أبي الحسن الأشعري، وجماعة من أصحابه، وذهبت طائفة من المشايخ إلى الوقف وقالوا: ليس عليه قاطع نفيًا ولا إثباتًا، ولكنه جائز عقلًا، وهذا هو الصحيح" (^٣).
وقال أيضًا: "هل وقعت رؤية الله تعالى لمحمد - ﷺ - الإسراء أو لم تقع؟ ليس في ذلك دليل قاطع، وغاية المستدل على نفي ذلك أو إثباته التمسك بظواهر متعارضة معرَّضة للتأويل، والمسألة ليست من باب العمليات فيكتفى فيها بالظنون، وإنما هي من باب المعتقدات، ولا مدخل للظنون فيها، إذ الظن من باب الشك؛ لأن حقيقته تغليب أحد المجوزين، وذلك يناقض العلم والاعتقاد" (^٤).
والقول الصحيح الراجح في هذه المسألة هو نفي الرؤية، وأن من
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب قوله ﵇ "نور أنى أراه" ح (١٧٨) (٣/ ١٥).
(٢) انظر رؤية الله وتحقيق الكلام فيها للدكتور أحمد بن ناصر الحمد ص (١٣٨، ١٧٠).
(٣) المفهم (١/ ٤٠١).
(٤) المفهم (١/ ٤٠٢).
[ ٦٢٣ ]
أثبتها إنما أراد أنه رآه بقلبه. قال شيخ الإسلام: "إن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا .. وعلى هذا دلَّت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي - ﷺ - والصحابة وأئمة المسلمين" (^١).
قال الشنقيطي: "التحقيق الذي دلَّت عليه نصوص الشرع أنه - ﷺ - لم يره بعين رأسه، وما جاء عن السلف من أنه رآه: فالمراد به الرؤية بالقلب" (^٢). وبهذا الجمع ينتفي التعارض، وتتم الموافقة بين الأدلة، ويتضح أن رسول الله - ﷺ - لم ير ربه جل وعلا بعيني رأسه، بل كانت الرؤية قلبية، وقد قال بهذا الجمع عدد غفير من أئمة السلف ﵏.
رؤيته تعالى في الآخرة:
أجمع أهل السنة والجماعة ومن وافقهم من الطوائف الأخرى على رؤية المؤمنين لربهم ﷿ في الآخرة، وأن هذا أعظم الإكرام لهم والامتنان عليهم. والأدلة على هذا كثيرة جدًّا، منها: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (^٣). قال ابن الجوزي: "روى عطاء عن ابن عباس قال: إلى الله ناظرة، قال الحسن: حق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وهذا مذهب عكرمة ورؤية الله ﷿ حق لا شك فيها، والأحاديث فيها صحاح" (^٤).
وقال السعدي في تفسير هذه الآية: "أي: ينظرون إلى ربهم على حسب مراتبهم، فمنهم من ينظر كل يوم بكرة وعشيا، ومنهم من ينظر كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم وجماله الباهر الذي
_________________
(١) الفتاوى (٢/ ٣٣٥).
(٢) أضواء البيان (٣/ ٩).
(٣) سورة القيامة، الآيتان: ٢٢، ٢٣.
(٤) زاد المسير (٨/ ١٦١).
[ ٦٢٤ ]
ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم، وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونذصرت وجوههم فازدادوا جمالًا إلى جمالهم" (^١).
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (^٢) حيث جعل الله سبحانه أعظم عقوبة للكفار كونهم محجوبين عن رؤيته. "واحتج بالآية مالك على رؤية المؤمنين له تعالى من جهة دليل الخطاب، وإلَّا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص، وقال الشافعي: لما حجب سبحانه قومًا بالسخط دلَّ على أن قومًا يرونه بالرضا، وقال أنس بن مالك: لما حجب ﷿ أعداءه سبحانه لم يروه تجلى جل شأنه لأوليائه حتى رأوه" (^٣).
قال - ﷺ -: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" (^٤)، وقال - ﷺ -: "إنكم سترون ربكم عيانًا" (^٥). قال ابن القيم: "وأما الأحاديث عن النبي - ﷺ - وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصديق، وأبوهريرة، وأبو سعيد الخدري و فهاك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن وتلقها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر، لا بالتحريف والتبديل، وضيق العطن ولا تكذب بها فمن كذب بها لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين، وكان عنه يوم القيامة من
_________________
(١) تفسير السعدي ص (٩٨٥).
(٢) سورة المطففين، آية: ١٥.
(٣) تفسير الألوسي (٣٠/ ٧٣).
(٤) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح (٧٤٣٦) (١٣/ ٤٣٠).
(٥) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح (٧٤٣٥) (١٣/ ٤٣٠).
[ ٦٢٥ ]
المحجوبين" (^١).
قال القرطبي: "أكثر المبتدعة على إنكار جوازاها في الدنيا والآخرة - أي الرؤية - وأهل السنة والسلف على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة. قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (^٢) فامتن على عباده المؤمنين بالنظر إلى وجهه تعالى في الدار الآخرة، وقد تواترت الأحاديث عنه - ﷺ - بوقوع رؤية الله تعالى في الآخرة كرامة للمؤمنين، فمذهب أهل السنة بأجمعهم أن الله تعالى ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بأبصارهم، كما نطق بذلك الكتاب وأجمع عليه سلف الأمة، ورواه بضعة عشر من الصحابة عن النبي - ﷺ -" (^٣).
وقال المازري في شرحه لحديث إنكار عائشة ﵂ على من قال: إن الرسول - ﷺ - قد رأى ربه: "وإنكارها في هذا الحديث وفي غيره على من سألها عن الرؤية محمله عند أهل العلم على أنها إنما أنكرت الرؤية في الدنيا، لا أنها ممن تحيل جواز رؤية الباري سبحانه كما قالت المعتزلة" (^٤).
الرد على منكري الرؤية:
سبق القول في بيان اتفاق أهل السنة والجماعة ومن وافقهم على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، والتي قد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على إثباتها.
وقد خالف في هذه المسألة طوائف من المبتدعة من المعتزلة
_________________
(١) حادي الأرواح (١/ ٢٠٥).
(٢) سورة القيامة آية: ٢٢، ٢٣.
(٣) انظر المفهم (١/ ٤٠١، ٤٠٢، ٤١٣، ٤١٤).
(٤) المعلم (١/ ٢٢٣).
[ ٦٢٦ ]
والجهمية ومن تبعهم من الخوارج وبعض الشيعة والمرجئة (^١).
قال القرطبي: "فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة" (^٢) وقال: "ومنع ذلك - أي الرؤية - فرق من المبتدعة منهم: المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة" (^٣).
وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه من الباطل بأدلة سمعية لا تسلم لهم منها قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (^٤)، فقالوا: نفى الله تعالى في الآية أن يدرك بالأبصار.
قال القرطبي في نقض هذا الاستدلا: "الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فيه بعد إذ يفرق بين الإدراك والإبصار، فيكون معنى ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾: لا تحيط به مع أنها تبصره، قاله سعيد بن المسيب. وقد بقي الإدراك مع وجود الرؤية في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ (^٥) أي: لا يدركونكم، وأيضًا: فإن الإبصار عموم، وهو قابل للتخصيص، فيخصص بالكافرين، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (^٦) ويكرم المؤمنون أو من شاء منهم بالرؤية، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (^٧). وبالجملة فالآية ليست نصًّا، ولا من
_________________
(١) انظر الرؤية وتحقيق الكلام فيها للحمد ص (٢٦).
(٢) المفهم (١/ ٤٠١).
(٣) المفهم (١/ ٤١٤).
(٤) سورة الأنعام، آية: ١٠٣.
(٥) سورة الشعراء، آية: ٦١، ٦٢.
(٦) سورة المطففين، آية: ١٥.
(٧) سورة القيامة، آية: ٢٢، ٢٣.
[ ٦٢٧ ]
الظواهر الجلية فلا حجة فيها" (^١).
قال ابن القيم حول قوله تعالى: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (^٢): فلم ينف موسى ﵇ الرؤية، ولم يريدوا بقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ إنا لمرئيون، فإن موسى ﵇ نفى إدراكهم إياهم بقوله: ﴿كَلَّا﴾ وأخبر الله سبحانه أنه لا يخاف دركهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ (^٣) فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من بعدهم من الآية، قال ابن عباس - ﵄ -: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا تحيط به الأبصار، وقال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار، وقال ابن عطية: ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم" (^٤).
قال الحافظ ابن حجر: "أنه لا تدركه الأبصار في الدنيا جمعًا بين دليلي الآيتين، وبأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية لإمكان رؤية الشيء من غير إحاطة بحقيقته" (^٥).
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. . .﴾ (^٦). قال القرطبي: "لا حجة
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٠٤).
(٢) سورة الشعراء، آية: ٦١.
(٣) سورة طه، آية: ٧٧.
(٤) حادي الأرواح (١/ ٢٠٢).
(٥) فتح الباري (١٣/ ٤٣٥).
(٦) سورة الشورى، آية: ٥١.
[ ٦٢٨ ]
فيها على نفي الرؤية، إذ يقال بموجبها: فإن مقتضاها نفي كلام الله على غير هذه الأحوال الثلاثة، وإنما يصلح أن يستدل بها على نفي تكليم الله تعالى لمحمد - ﷺ - على ضعف في ذلك لا يخفى على متأمل، بل قد استدل بعض المشايخ بهذه الآية على أن محمدًا رأى ربه وكلَّمه دون واسطة، فقال: هي ثلاثة أقسام: من وراء حجاب كتكليم موسى، وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء، ولم يبق من تقسيم المكالمة إلَّا كونها مع المشاهدة وهذا أيضا فيه نظر" (^١).
وفي حديث الرسول - ﷺ - الذي استدل به أهل السنة على وقوع الرؤية وهو قوله ﵇: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك" (^٢). قال المازري: "في هذا الحديث رد على المعتزلة في إحالتهم رؤية الباري ﷿" (^٣).
وقد أوَّل النفاة هذه الرؤية، وقالوا: المقصود بها العلم، فرد القرطبي عليهم في ذلك فقال: هذا تشبيه للرؤية ولحالة الرائي لا المرئي ومعناه: إنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارة، ولا مزاحمة، كما تستون في رؤية الشمس والبدر عيانًا، وقد تأولت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم، فقالوا: إن معنى رؤيته تعالى أنه يعلم في الآخرة ضرورة، وهذا خطأ لفظًا ومعنًى. أما اللفظ: فهو أن الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، وهي
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٠٥).
(٢) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح (٧٤٣٧) (١٣/ ٤٣٠) ومسلم في كتاب الإيمان باب معرفة الرؤية ح (١٨٢) (٣/ ٢١).
(٣) المعلم (١/ ٢٢٥).
[ ٦٢٩ ]
قد تعدت هنا إلى مفعول واحد، فهي للإبصار، ولا يصح أن يقال: إن الرؤية بمعنى: المعرفة؛ لأن العرب لم تستعمل رأيت بمعنى: عرفت، لكن بمعنى: علمت أو أبصرت، واستعملت علمت بمعنى: عرفت، لا رأيت بمعنى: عرفت. وأما المعنى فمن وجهين:
أحدهما: أنه ﵊ شبه رؤية الله تعالى بالشمس، وذلك التشبيه لا يصح إلَّا بالمعاينة.
وثانيهما: أن الكفار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة، فترتفع خصوصية المؤمنين بالكرامة، وبلذة النظر وذلك التأويل منهم تحريف حملهم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة" (^١).
وهذه الأصول الفاسدة التي حملتهم على نفي الرؤية هي أدلتهم العقلية التي قال عنها القرطبي: "منع فرق من المبتدعة الرؤية بناءً منهم على أن الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقليةً كاشتراط البنية المخصوصة، والمقابلة واتصال الأشعة وزوال الموانع من القرب المفرط، والبعد المفرط، والحجب الحائلة، في خبط لهم وتحكم، وأهل الحق لا يشترطون شيئًا من ذلك عقلًا، سوى وجود المرئي، وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي، فيرى المرئي، لكن يقترن بالرؤية بحكم جريان العادة أحوال يجوز في العقل شرعًا تبدلها، والله أعلم" (^٢).
وقال في موضع آخر: "أهل السنة لا يشترطون في الرؤية عقلانية مخصوصة، ولا مقابلة ولا قربًا، ولا شيئًا مما يشترطه المعتزلة وأهل البدع، وأن تلك الأمور إنما هي شروط عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة مع إحالة
_________________
(١) المفهم (١/ ٤١٥).
(٢) المفهم (١/ ٤١٤).
[ ٦٣٠ ]
تلك الأمور كلها، ولما ذهب أهل البدع إلى أن تلك الشروط عقلية، استحال عندهم رؤية الله تعالى فأنكروها وخالفوا قواطع الشريعة التي وردت بإثبات الرؤية، وخالفوا ما أجمع عليه الصحابة والتابعون" (^١).
وكلام القرطبي هذا غير مسلم على إطلاقه ولا تصح نسبته لأهل السنة، فاشتراط المقابلة وزوال الموانع أمر معقول إذ رؤية ما لا يعاين ولا يواجه غير متصور في العقل (^٢).
لكن نفي الرؤية بسبب ذلك باطل من أصله، وهو مذهب أهل البدع، والقول بأن الله يرى من غير مقابلة ولا مواجهة، هو قول الأشاعرة دون سائر طوائف الأمة، وجمهور العقلاء على أن فساد هذا معلوم بالضرورة (^٣).
قال شارح الطحاوية: "هل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله! ! فإما أن يكون مكابرًا لعقله أو في عقله شيء، وإلَّا فإذا قال: يرى لا أمام الرائي، ولا خلفه، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا فوقه، ولا تحته، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة، ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة؟ " (^٤).
ولهذا صار حذَّاق الأشاعرة إلى إنكار الرؤية "وقالوا: قولنا هو قول المعتزلة في الباطن، فإنهم فسروا الرؤية بزيادة انكشاف ونحو ذلك مما لا تنازع فيه المعتزلة" (^٥).
_________________
(١) المفهم (٢/ ٥٧).
(٢) انظر: الفتاوى لابن تيمية (١٦/ ٨٥).
(٣) المرجع السابق (١٦/ ٨٤).
(٤) شرح الطحاوية (١/ ٢١٩).
(٥) الفتاوى لابن تيمية (١٦/ ٨٥).
[ ٦٣١ ]