وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: أشراط الساعة
الفصل الثاني: فتنة القبر وعذابه ونعيمه
الفصل الثالث: البعث والحشر
الفصل الرابع: الجنة والنار
[ ٧٥٩ ]
الفصل الأول أشراط الساعة
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف أشراط الساعة وأقسامها
المبحث الثاني: أشراط الساعة الصغرى
المبحث الثالث: أشراط الساعة الكبرى
[ ٧٦١ ]
تمهيد
لقد أخفى الله تعالى عن عباده وقت وقوع الساعة فلا يعلم أحد متى تقوم الساعة، إلَّا هو -﷾- كما قال -جل وعلا-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ١٨٧﴾ (^١).
وعندما سأل جبريل -﵇- الرسول -ﷺ- عن الساعة قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأحدثك عن أشراطها" (^٢).
قال القرطبي: "قوله: "متى تقوم الساعة" مقصود هذا السؤال امتناع السامعين من السؤال عنها إذ قد كانوا أكثروا السؤال عن تعيين وقتها، كما قال تعالي: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢)﴾ (^٣) و﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ (^٤) وهو كثير في الكتاب والسنة، فلما أجابه النبي -ﷺ- بأنه إلَّا يعلمها إلَّا الله يئس السائلون من معرفتها، فانكفوا عن السؤال عنها، وهذا بخلاف، الأسئلة الأُخر، فإن مقصودها استخراج الأجوبة عنها ليستعملها السامعون ويعمل بها العاملون" (^٥).
فعلم الساعة، مما استأثر الله تعالى بعلمه، ولكن الله تعالى جعل لها أشراطًا، وهي الآيات والعلامات الدالة على قربها.
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.
(٢) سبق تخريجه ص (١٣٧).
(٣) سورة النازعات، الآية: ٤٢.
(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٦٣.
(٥) المفهم (١/ ١٥٤).
[ ٧٦٣ ]
المبحث الأول تعريف أشراط الساعة وأقسامها
أولًا: تعريف أشراط الساعة:
قال القرطبي: "الأشراط: هي الأمارات والعلامات، ومنه قوله تعالى: ﴿جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (^١) وبها سُمِّي الشُّرط لأنهم يَعَلِّمون أنفسهم بعلامات يعرفون بها" (^٢).
وقال المازري: "أشراط الساعة بمعنى علاماتها ومنها سُمُّوا أصحاب الشرط؛ لأنه كان لهم في القديم علامات يعرفون بها ومنه: الشرط في كذا بمعنى أنه عَلَمٌ عليه" (^٣).
وفي معنى الساعة قال القرطبي: "الساعة في أصل الوضع: مقدار ما من الزمان غير معين ولا محدود لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (^٤).
وفي عرف أهل الشرع: "عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف المعدلين (^٥) جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار" (^٦).
ثانيا: أقسامها:
بين القرطبي أن أشراط الساعة تنقسم إلى قسمين، فقال عند شرحه لحديث جبريل: "اقتصر في هذا الحديث على ذكر بعض الأشراط التي
_________________
(١) سورة محمد، الآية: ١٨.
(٢) المفهم (١/ ١٤٧).
(٣) المعلم (٢/ ١٤٨).
(٤) سورة الروم، الآية: ٥٥.
(٥) المعدِّلون: "المشتغلون بالحساب وتقدير الزمن".
(٦) المفهم (١/ ١٤٧).
[ ٧٦٤ ]
يكون وقوعها قريبًا من زمانه وإلَّا فالشروط كثيرة، وهي أكثر مما ذكر هنا كما دل عليه الكتاب والسنة، ثم إنها منقسمة إلى ما يكون المعتاد، كهذه الأشراط المذكورة في هذا الحديث، وكرفع العلم وظهور الجهل، وكثرة الزنى، وشرب الخمر، إلى غير ذلك، وأما التي ليست من النوع المعتاد: كخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها والدخان، والنار التي تسوق الناس وتحشرهم" (^١).
والتي تكون من النوع المعتاد هي أشراط الساعة الصغرى وقد يظهر بعضها مصاحبًا للأشراط الكبرى أو بعدها. والتي تكون من النوع غير المعتاد هي أشراط الساعة الكبرى، والتي تظهر قرب قيام الساعة (^٢).
_________________
(١) المفهم (١/ ١٥٥).
(٢) انظر: أشراط الساعة ليوسف بن عبد الله الوابل ص (٧٧).
[ ٧٦٥ ]
المبحث الثاني أشراط الساعة الصغرى
أشراط الساعة الصغرى كثيرة جدًّا، وقد تحدث القرطبي عن كثير منها يصعب عرضها جميعًا فأكتفي بذكر بعضها طلبًا للاختصار، فمنها:
١ - بعثة النبي -ﷺ-:
قال -ﷺ-: "بعثت أنا والساعة كهاتين" قال أنس -﵁: "وضم السبابة والوسطى" (^١).
قال القرطبي "كهاتين: حال أي: مقترنين وحاصله تقريب أمر الساعة التي هي القيامة وسرعة مجيئها، وهذا كما قال: ﴿جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (^٢) قال الحسن: أول أشراطها محمد -ﷺ-" (^٣).
٢ - ظهور نار الحجاز:
قال -ﷺ-: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيءُ أعناق الإبل ببصرى (^٤) " (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب قول النبي -ﷺ-: "بعثت أنا والساعة كهاتين" ح ٦٥٠٤ (١١/ ٣٥٥)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة باب قرب الساعة ح ٢٩٥١ (١٨/ ٣٠٠).
(٢) سورة محمد، الآية: ١٨.
(٣) المفهم (٧/ ٣٠٥).
(٤) بُصرى: بضم الباء آخرها ألف مقصورة: مدينة معروفة بالشام ويقال: لها حوران بينها وبين دمشق ثلاث مراحل. معجم البلدان (١/ ٤٤١).
(٥) رواه البخاري في كتاب الفتن باب خروج النار ح ٧١١٨ (١٣/ ٨٤)، ومسلم في كتاب الفتن، وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ح ٢٩٠٢ (١٨/ ٢٤٦).
[ ٧٦٦ ]
وقد ظهرت هذه النار سنة (٦٥٤ هـ)، وكانت نارًا عظيمة أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها، ومن بعدهم في وصفها، قال النووي: "خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وست مئة، وكانت نارًا عظيمة جدًّا من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة" (^١).
لكن القرطبي -﵀- في شرحه لهذا الحدث لم يذكر هذا الحديث، وإن كان عاصره في آخر عمره، إذ خرجت هذه النار قبل وفاته بسنتين وخمسة أشهر، ويبعد أن لا يسمع بها طوال هذه المدة، لكن الذي يظهر أنه قد فرغ من تأليف المفهم قبل خروجها، لذا جعل هذه النار هي النار التي تسوق الناس إلى المحشر. حيث قال: "قوله: "تضيء أعناق الإبل ببصرى" أي: تكشف بضوئها أعناق الإبل ببصرى، وهي بالشام، فيضيء -والله تعالى أعلم- أن هذه النار الخارجة من قعر عدن تمر بأرض الحجاز مقبلة على الشام، فإذا قاربت الشام أضاءت ما بينها وبين بصرى، حتى ترى بسبب ضوئها أعناق الإبل" (^٢).
وقد ذكر هذه النار وأفاض في وصفها تلميذه القرطبي في كتابه "التذكرة" (¬٣).
٣ - رفع العلم وظهور الجهل:
قال -ﷺ-: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل " (^٤).
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٨/ ٢٤٢).
(٢) المفهم (٧/ ٢٤١).
(٣) التذكرة ص (٧٢١).
(٤) رواه البخاري في كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل ح ٨٠ (١/ ٢١٣)، ومسلم في=
[ ٧٦٧ ]
قال القرطبي: "وقد بيَّن كيفية رفع العلم وظهور الجهل في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال فيه: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء " الحديث (^١). وهو نصٌّ في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل: بموت العلماء وبقاء الجهال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم يفتون بالجهل ويعلمونه فينتشر الجهل ويظهر، وقد ظهر ذلك ووجد على نحو ما أخبر به -ﷺ- فكان ذلك دليلًا من أدلة نبوته، وخصوصًا في هذه الأزمان، إذ قد ولي المدارس والفتيا كثير من الجهال والصبيان وحرمها أهل ذلك الشأن" (^٢).
٤ - أن تلد الأمة ربَّتها:
قال -ﷺ- في أمارتها: "أن تلد الأمة ربتها" (^٣). قال القرطبي: "الأمة - هنا- هي: الجارية المستولَدة، وربها: سيدها واختلف في معنى قوله: "أن تلد الأمة ربتها" على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد به أن يستولي المسلمون على بلاد الكفر فيكثر التسرّي فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين على المشركين وكثرة الفتوح والتسرّي.
وثانيها: أن يبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك، فتتداول الأمهات المستولدة، فربما يشتريها ولدها أو ابنتها ولا يشعر بذلك، فيصير ولدها ربَّها، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل
_________________
(١) = كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان ح ٢٦٧١ (١٦/ ٤٦٢).
(٢) رواه البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم ح ١٠٠ (١/ ٢٣٤)، ومسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان ح ٢٦٧٣ (١٦/ ٤٦٥).
(٣) المفهم (٦/ ٧٠٥).
(٤) سبق تخريجه ص (١٣٧).
[ ٧٦٨ ]
بتحريم بيع أمهات الأرلاد والاستهانة بالأحكام الشرعية، وهذا على قول من يرى تحريم بيع أمهات الأولاد، وهم الجمهور، ويصح أن يحمل ذلك على بيعهن في حال حملهن وهو محرم بالإجماع.
وثالثها: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب، ويشهد لهذا قوله في حديث أبي هريرة "المرأة" مكان "الأمة" وقوله -ﷺ-: "لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظًا" (^١) " (^٢).
٥ - التطاول في البنيان:
وقد بيَّن -ﷺ- أنه من علامات الساعة، فقال: "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان" (^٣) قال القرطبي: "هذه الأوصاف هي غالبة على أهل البادية ومقصود هذا الحديث الإخبار عن تبدل الحال وتغيره، بأن يستولي أهل البادية الذين هذه صفاتهم على أهل الحاضرة، ويتملكوا بالقهر والغلبة فتكثر أموالهم، وتتسع في حطام الدنيا آمالهم فتنصرف همهم إلى تشييد المباني، وهدم الدين، وشريف المعاني، وأن ذلك إذ وجد كان من أشراط الساعة، ويؤيد هذا ما ذكر عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع" (^٤) وقد شوهد هذا كله عيانًا فكان ذلك على صدق رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط (٦/ ٢٨٥) وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٣٨)، والحويني في كتابه النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة ص (١٩٧).
(٢) المفهم (١/ ١٤٨).
(٣) سبق تخريجه ص (١٣٧).
(٤) رواه أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٩)، والترمذي في أبواب الفتن، باب ما جاء في أشراط الساعة، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٤٢).
[ ٧٦٩ ]
وعلى قرب الساعة حجة وبرهانًا" (^١).
٦ - عبادة الأوثان:
قال -ﷺ-: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس جول ذي الخلصة" وكان صنمًا تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة (^٢). قال القرطبي: "معنى الحديث أن دوسًا يظهر فيها الارتداد عن دين الإسلام، ويرجعون إلى ما كانوا عليه من عبادة الأوثان كما قال في حديث عائشة -﵂-: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" (^٣) " (^٤).
قال الشيخ حمود التويجري (^٥) -﵀-: "وقد وقع الأمر طبق ما أخبر به رسول الله -ﷺ- في هذا الحديث الصحيح وعظم افتتان أهل تبالة ومن حولهم من القبائل بذي الخلصة وأعادوا سيرتها الأولى في زمن الجاهلية حتى ظهر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -﵀
_________________
(١) المفهم (١/ ١٤٩).
(٢) رواه البخاري في كتاب الفتن، باب تغير الزمان، حتى تعبد الأوثان ح ٧١١٦ (١٣/ ٨٢)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة ح ٢٩٠٦ (١٨/ ٢٥٠).
(٣) رواه مسلم في كتاب الفتن، وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة ح ٢٩٠٧ (١٨/ ٢٥٠).
(٤) المفهم (٧/ ٢٤٤).
(٥) الشيخ حمود بن عبد الله التويجري من العلماء المعاصرين له العديد من المؤلفات غالبها في الردود ولد في المجمعة بنجد سنة (١٣٣٤ هـ) طلب العلم على علماء بلده وجدَّ واجتهد حتى فاق الأقران، تولى القضاء في المنطقة الشرقية والزلفى، ثم طلب الإعفاء فأعفي وآثر التفرغ للعلم والبحث والتأليف، ولذا بلغت مؤلفاته أكثر من خمسين مؤلفًا منها: "الرد القويم على المجرم الأثيم" "عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن" وغيرها، توفي ﵀ سنة (١٤١٣ هـ). إتحاف النبلاء بسير العلماء ص (١٨٩) من أعلام القرن الرابع عشر والخامس عشر (١/ ٤١).
[ ٧٧٠ ]
تعالى- (^١) فدعا إلى التوحيد وجدد ما اندرس من معالم الدين، وسعى في محو الشرك ووساق له، وما يدعو إليه ويرغب فيه فبعث إمام المسلمين في ذلك الزمان -وهو عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمه الله تعالى (^٢) عليه وعلى من كان السبب في إمامته- جماعة من المسلمين إلى ذي الخلصة فخربوها وهدموا بعض بنائها، وبقي بعضه قائمًا، وزال الافتتان بها في زمن ولاية النجديين على الحجاز، ولما زالت ولا يتهم عن الحجاز عاد الجهال إلى ما كانوا عليه من الافتتان بها حتى ولي الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود (^٣) على الحجاز، وما حوله فبعث عامله على تلك النواحي جماعة من المسلمين فهدموا ما بقي من بنائها ورموا بأنقاضها في الوادي فعفى بعد ذلك رسمها وانقطع أثرها ولله الحمد والمنة (^٤).
_________________
(١) محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي الإمام المجدد ولد سنة (١١١٥ هـ) وطلب العلم على يد والده وعلماء بلده ورحل لطلب العلم في الحجاز والعراق ثم تصدى للدعوة إلى صفاء العقيدة ومحاربته البدع والخرافات ووجد التأييد من الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية في زمنه وتعاهدا على نشر الدعوة ومواجهة خصومها حتى نفع الله تعالى بهذه الدعوة وأعاد البلاد نجد وعامة الجزيرة ما اندرس من معالم الدين توفي سنة (١٢٠٦ هـ). الأعلام (٦/ ٢٥٧)، علماء نجد خلال ثمانية قرون (١/ ١٢٥).
(٢) الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود، تولى الملك بعد والده فهو ثاني ملوك الدولة السعودية الأولى زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب توسعت الدولة في عهده كثيرًا، حتى شملت كافة أنحاء الجزيرة اغتيل على يد أحد الأشرار وهو في مسجده في الدرعية سنة (١٢١٨ هـ). الأعلام (٤/ ٢٧).
(٣) عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس الدولة السعودية الثالثة والتي أطلق عليها المملكة العربية السعودية سنة (١٣٥١ هـ) استولى على الرياض وهو شاب في مقتبل عمره حتى دخلت تحت لاويته بلاد نجد والحجاز وعسير والأحساء وغيرها من البلاد حتى توحدت هذه البلاد تحت مسمى "المملكة العربية السعودية" توفي سنة (١٣٧٣ هـ) الأعلام (٤/ ١٩).
(٤) إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة للشيخ حمود الويجري =
[ ٧٧١ ]
٧ - حسر الفرات عن جبل من ذهب:
قال -ﷺ-: "لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيُقتلُ من كل مئة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو" (^١).
قال القرطبي: "قوله: "يحسر الفرات عن جبل من ذهب" أي: يكشف، ومنه حسرت المرأة عن وجهها، أي: كشفت، والحاسر: الذي لا سلاح عليه، وكأن هذا إنما يكون إذا أخذت الأرض تقيء ما في جوفها كما تقدم في كتاب الزكاة (^٢) " (^٣).
٨ - عودة أرض العرب مروجًا وأنهارًا:
قال -ﷺ-: "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا" (^٤).
_________________
(١) = (٢/ ٢٢٥).
(٢) رواه البخاري في كتاب الفتن، باب خروج ح ٧١١٩ (١٣/ ٨٤)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب ح ٢٨٩٤ (١٨/ ٢٣٥).
(٣) قال في كتاب الزكاة، جاء في الحديث: "تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب" رواه مسلم في كتاب الزكاة باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها ح ١٠١٣ (١٠٢/ ٧). وهذا عبارة عما تخرج الأرض من الكنوز والندرات -وهي القطعة من الذهب- وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ الزلزلة: ٢، أي: كنوزها على أحد التفسيرين وقيل: موتاها. المفهم (٣/ ٥٦).
(٤) المفهم (٧/ ٢٢٨).
(٥) رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها ح ١٠١٢ (٧/ ١٠١).
[ ٧٧٢ ]
قال القرطبي: "أي تنصرف دواعي العرب عن مقتضى عاداتهم من انتجاع الغيث والارتحال في المواطن للحروب والغارات، ومن نخوة النفوس العربية الكريمة الأبية إلى أن يتقاعدوا عن ذلك فينشغلوا بغراسة الأرض وعمارتها، وإجراء مياهها، كما قد شوهد في كثير من بلادهم وأحوالهم" (^١).
وقد تحدث عن كثير من هذه الأشراط سوى المذكورة كظهور الفتن (^٢)، وصدق رؤيا المؤمن (^٣)، وكثرة المال (^٤)، وظهور الكذابين (^٥)، وتمني الموت من شدة البلاء (^٦)، وقتال اليهود (^٧) وغيرها (^٨).
_________________
(١) المفهم (٣/ ٥٧).
(٢) انظر: المفهم (٧/ ٢١١، ٢١٥).
(٣) انظر: المفهم (٦/ ١٠).
(٤) انظر: المفهم (٣/ ٥٧، ٧/ ٢٥٣).
(٥) انظر: المفهم (٤/ ١٠).
(٦) انظر: المفهم (٧/ ٢٤٥).
(٧) انظر: (٧/ ٢٥١).
(٨) انظر: المفهم (١/ ٣٦٤، ٧/ ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨).
[ ٧٧٣ ]
المبحث الثالث أشراط الساعة الكبرى
١ - المهدي:
وهو عبدٌ صالح من أهل البيت يخرج في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا. "في زمانه تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدو راغم، والخير في أيامه دائم" (^١).
والقرطبي -﵀- أثبت خروج المهدي كما جاءت به النصوص وذلك عند شرحه لقوله -ﷺ-: "يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا ولا يعده عددًا" (^٢). حيث قال: روى الترمذي وأبو داود أحاديث صحيحة في هذا الخليفة وسمياه المهدي فروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي" قال: حديث حسن صحيح (^٣).
وخرجه أبو داود وزاد فيه: "يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا" (^٤) ومن حديث أبي هريرة -﵁- "لو لم يبق من الدنيا إلَّا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه
_________________
(١) النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (١/ ٣١).
(٢) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء ح ٢٩١٣ (١٨/ ٢٥٤).
(٣) رواه الترمذي في أبواب الفتن، باب ما جاء في المهدي، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٤٧).
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب المهدي وحسنه الألباني انظر: صحيح سنن أبي داود (٣/ ٨٠٨).
[ ٧٧٤ ]
اسمي" قال: حديث حسن صحيح (^١)، ومن حديث أبي سعيد قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث فسألناه فقال: "إن في أمتي المهدي يخرج يعيش خمسًا أو سبعًا أو تسعًا" زيد الشاك. قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: "سنين. قال: فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني يا مهدي أعطني قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله" (^١) قال: هذا حديث حسن وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: "المهدي في أمتي: أجلى الجبهة أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت جورًا وظلمًا يملك سبع سنين" (^٢).
وروى أيضًا أبو داود عن أم سلمة -﵂- عن رسول الله -ﷺ- قال: "يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة، فيأيته ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من أهل الشام، فيخسف بهم بالبيداء، بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك آتاه أبدال أهل الشام، وعصائب أهل العراق، فيبايعونه ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثًا فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون" (^٣) وفي رواية "تسع سنين" فهذه أخبار صحيحة ومشهورة عن النبي -ﷺ- تدل على خروج هذا الخليفة الصالح في آخر الزمان، وهو ينتظر إذ لم يسمع كملت
_________________
(١) رواه الترمذي في أبواب الفتن، باب ما جاء في المهدي وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٤٧).
(٢) رواه أبو داود في كتاب المهدي وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٨٠٨).
(٣) رواه أحمد في مسنده (٦/ ٣١٦)، وأبو داود في كتاب المهدي وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٤/ ٤٣٥) حديث ١٩٦٥.
[ ٧٧٥ ]
له جميع تلك الأوصاف التي تضمنتها تلك الأخبار والله تعالى أعلم" (^١).
فالقرطبي -﵀- أثبت خروج المهدي كما هو معتقد أهل السنة والجماعة، وحشد الأدلة في الرد على من خالفهم فيه، قال السفاريني -﵀-: "قد كثرت الأقوال في المهدي حتى قيل لا مهدي إلَّا عيسى، والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عدَّ من معتقداتهم" (¬٢).
٢ - المسيح الدجال:
خروج الدجال يكون في آخر الزمان، وهو من أشراط الساعة الكبرى، وقد حذَّر الرسول -ﷺ- منه وبين أن جميع الأنبياء قد حذروا أممهم منه لعظم فتنته، وشدة الابتلاء به، فقال -ﷺ-: "إني لأنذركموه ما من نبي إلَّا وأنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه، إنه أعور، وإن الله ﵎ ليس بأعور إنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه من كره عمله أو يقرؤه كل مؤمن وتعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت" (^٣).
وقد بيَّن القرطبي أن تحذير الأنبياء -﵈- منه بسبب عظم فتنته، وأن فائدة هذا التحذير الإيمان بوجوده، كما جاءت بذلك
_________________
(١) المفهم (٧/ ٣٥٢ - ٣٥٤).
(٢) لوامع الأنوار للسفاريني (٢/ ٨٤).
(٣) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب كيف يعرض الإسلام على الصبي ح ٣٠٥٧ (٦/ ١٩٩)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صياد ح ٢٩٣٠ (١٨/ ٢٦٨).
[ ٧٧٦ ]
الآثار، وهو مذهب، أهل السنة، ورد على منكري الدجال من المبتدعة، وذلك عند شرحه لهذا الحديث حيث قال: "إنما كان هذا من الأنبياء لما علموا من عظيم فتنته، وشدة محنته، ولأنهم لما لم يعين لواحد منهم زمان خروجه توقع كل واحد منهم خروجه في زمان أمته فبالغ في التحذير، وفائدة هذا الإنذار الإيمان بوجوده، والعزم على معاداته، ومخالفته، وإظهار تكذيبه، وصدق الالتجاء إلى الله تعالى في التعوذ من فتنته، وهذا مذهب أهل السنة وعامة أهل الفقه والحديث خلافًا لمن أنكر أمره وأبطله، من الخوارج وبعض المعتزلة" (^١).
"وسمي الدجال مسيحًا لأنه ممسوح العين اليمنى، أو لأنه مسح الأرض أي: قطعها بالذهاب ومن سماه المسيخ بالخاء فهو من المسخ (^٢).
وشدة الابتلاء به لِمَا أظهر الله تعالى على يديه من خوارق العادات من إنزال المطر والخصب على من يصدقه والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار، ومياه تجري، كل ذلك محنة من الله واختبار ليهلك المرتاب، وينجو المتيقن، وكل هذا أمر مخوف (^٣).
وما مع الدجال من هذه حقيقة لا خيال، كما زعم ذلك الجهمية، وبعض المعتزلة. ق ال ابن كثير: "إن الدجال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق إلى مشاهدة في زمانه، ثم ذكر الخوارق التي معه ثم قال: وهذا كله ليس بمخرقة بل له حقيقة امتحن الله بها عباده في آخر الزمان، فَيُضلُّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا يكفر المرتابون ويزداد الذين آمنوا
_________________
(١) المفهم (٧/ ٢٦٧).
(٢) المفهم (١/ ٣٩٨)، والمعلم (١/ ٢٢٢).
(٣) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ١١١).
[ ٧٧٧ ]
إيمانًا" (^١).
وقد رد القرطبي على هؤلاء الذين زعموا أن ما معه من باب الخيال فقال: "الجبائي من المعتزلة ومن وافقنا على إثباته من الجهمية وغيرهم زعموا أن ما عنده مخارق وحيل قال: لأنها لو كانت أمورًا صحيحة لكان ذلك إلباسًا للكاذب بالصادق، وحينئذ لا يكون فرق بين النبي والمتنبيء وهذا هذيان لا يلتفت إليه، فإن هذا إنما كان يلزم لو أن الدجال يدعي النبوة، وليس كذلك، فإنه إنما ادعى الإلهية، وكذبُه في هذه الدعوى واضح للعقول، إذ أدلة حدثه ونقصه وفقره مُدرَكٌ بأول الفطرة، بحيث لا يجهله من له أدنى فكرة، وقد زاد النبي -ﷺ- هذا المعنى إيضاحًا في هذه الحديث من ثلاثة أوجه:
أحدها: بقوله: "ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لأمته، إنه أعور وإن الله ليس بأعور" وهذا تنبيه للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصًا في ذاته عاجزًا عن إزالة نقصه، لم يصلح لأن يكون إلهًا لعجزه وضعفه، ومن كان عاجزًا عن إزالة نقصه، كان أعجز عن نفع غيره، وعن مضرته.
وثانيها: قوله: "أنه مكتوب بين عينيه "كافر" يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب" وهذا أمرٌ مشاهد للحس يشهد بكذبه وكفره.
وثالثها: قوله: "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" وهذا نصٌّ جليٌّ في أن الله تعالى لا يُرى في هذه الدار وحاصل هذا: أن الصادق قد أخبر أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا، والدجال يراه الناس، فليس بإله، وهذا منه -ﷺ- نزول إلى غاية البيان بحيث لا يبقى معه
_________________
(١) النهاية في الفتن والملاحم (١/ ١٢١).
[ ٧٧٨ ]
ريبة لإنسان" (^١).
وقد رد القرطبي له سائر تأويلاتهم وشبهاتهم المتعلقة بهذه المسألة (^٢).
هل ابن صياد هو الدجال؟:
ويقال له: ابن صائد، واسمه صاف، ذكر أن نسبه في بني النجار،
وقيل: من اليهود، وكانوا حلفاء بني النجار، وكانت حاله في صغره حالة
الكهان يصدق مرة ويكذب مرارًا، ثم إنه أسلم لما كبر وظهرت منه علامة
الخير من الحج والجهاد مع المسلمين، ثم ظهرت منه أحوال وسمعت
منه أقوال له تشعر بأنه الدجال، وبأنه كافر، وقيل: إنه تاب ومات
بالمدينة، وقيل: فقد يوم الحرة ولم يوقف عليه (^٣).
قال القرطبي: "اختلف بابن صياد، هل هو الدجال أم لا؟ وقد ذكره
ابن جرير وغيره في الصحابة غير أنه قد ظهرت منه أمور بعضها كفر
وبعضها يشعر بأنه الدجال، وهي أمور تقارب النص أنه هو، وأما ما ورد
من إسلامه وحجه وغير ذلك من أعمال تنافي حال الدجال، فقد يكون
أسلم ثم كفر أو يكون هذا منه من باب النفاق.
وأما كون الدجال، لا يولد له ولا يدخل مكة ولا المدينة وابن صياد
ولد له ودخل مكة والمدينة، فربما يكون هذا من الدجال إذا خرج على
الناس، وقد اجتمعت قرائن كثيرة تفيد أن ابن صياد هو الدجال، ولذلك
كان ابن عمر -﵄- قد اعتقد ذلك، وصمم عليه، بحيث كان
يحلف على ذلك، وكذلك جابر بن عبد الله -﵄- وعلى
الجملة فأمره كله مشكلة على الأمة، وهو فتنة ومحنة والله أعلم
_________________
(١) المفهم (٧/ ٢٦٧).
(٢) انظر: المفهم (٧/ ٢٦٨، ٢٦٩).
(٣) المفهم (٧/ ٢٦٢).
[ ٧٧٩ ]
بحقيقته" (^١).
والرسول -ﷺ- لم يَعْلَم بحقيقة ابن صياد هل هو الدجال أم لا؟ .
ولذا قال: -ﷺ- لعمر حينما استأذنه في قتل ابن صياد: "إن يكنه فلن
تسلط عليه، وإن لم يكنه فلاخير لك في قتله" (^٢).
قال القرطبي: "هذا يدل على أن النبي -ﷺ- لم يتضح له شيء من أمر
كونه هو الدجال أم لا؟ وليس هذا نقصًا في حق النبي -ﷺ-؛ لأنه لم يكن
يعلم إلَّا ما علمه الله، وهذا مما لم يعلمه الله تعالى به، ولا هو مما تُرهِق
إلى علمه حاجة لا شرعية ولا عادية ولا مصلحية، ولعل الله تعالى قد علم
في إخفائه مصلحة فأخفاه، والذي يجب الإيمان به: أنه لابد من خروج
الدجال يدعى الإلهية، وأنه كذاب أعور كما جاء في الأحاديث الصحيحة
الكثيرة التي قد حصلت لمن عاناها العلم القطعي بذلك (^٣).
من ينجو من فتنته:
الذي ينجو من فتنة الدجال هو الذي صدق في إيمانه وتوكله على
الله سبحانه، قال القرطبي: "لا شك في أن من صح إسلامه في ذلك
الوقت أنه يكفى تلك الفتن قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٤) أي: كافيه مشقة ما توكل عليه فيه، وموصله إلى ما يصلحه منه، ومع هذا فقد أرشد النبي -ﷺ- إلى ما يقرؤه على الدجال فيؤمن من
فتنته وذلك عشر آيات من أول سورة الكهف أو آخرها على اختلاف في
ذلك، والاحتياط والحزم يقتضي أن يقرأ عشرًا من أولها، وعشرًا من
_________________
(١) انظر: المفهم (٧/ ٢٦٢، ٢٧٠، ٢٧٢).
(٢) هو جزء من الحديث الذي سبق تخريجه في تحذير النبي -ﷺ- من الدجال ص (٧٧٦).
(٣) المفهم (٧/ ٢٦٥).
(٤) سورة الطلاق، الآية: ٣.
[ ٧٨٠ ]
آخرها، على أنه قد روى أبو داود من حديث النواس: "فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنها جوار لكم من فتنته" (^١) " (^٢).
٣ - نزول عيسى ﵇:
عيسى -﵇- أحد الأنبياء الكرام الذين فضلهم الله تعالى على العالمين، وقد كذبه اليهود وآذوه، وحاولوا قتله، لكن الله تعالى حفظه منهم: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (^٣) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (^٤).
قال -ﷺ-: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويقبض المال، حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها" ثم يقول أبو هريرة: "واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) (^٥)﴾ (^٦) ".
وتقدم حديث خذيفة بن أسيد في ذكر الآيات العشر وفيه: "ونزول عيسى ابن مريم".
_________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الملاحم باب خروج الدجال والحديث أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل سورة الكهف، وآية الكرسي ح ٨٠٩ (٦/ ٣٤٠)، بلفظ: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال".
(٢) المفهم (٧/ ٢٧٧).
(٣) سورة النساء، الآية: ١٥٧.
(٤) سورة النساء، الآية: ١٥٨.
(٥) سورة النساء، الآية: ١٥٩.
(٦) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم ﵇ ح ٣٤٤٨ (٦/ ٥٦٦)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد -ﷺ- ح ١٥٥ (٢/ ٥٤٨).
[ ٧٨١ ]
فالأدلة قد تضافرت على إثبات نزوله ﵇ في آخر الزمان، ونزوله من علامات الساعة الكبرى.
قال ابن كثير: "تواترت الأحاديث عن رسول الله -ﷺ- أنه أخبر "بنزول عيسى -﵇- قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا" (^١).
قال الطحاوي: "ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم -﵇- من السماء" (^٢).
قال ابن تيمية: "والمسيح (^٣) - ﷺ- وعلى سائر النبيين لابد أن ينزل إلى الأرض كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السماء الثانية مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون؛ لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره" (^٤).
هذا هو قول أهل السنة وهو الذي نصره القرطبي -﵀- وأيَّده إذ قال بعد ذكره للأحاديث المثبتة لنزول عيسى -﵇-: "تضمنت تلك الأحاديث المتقدمة أن عيسى ﵇ ينزل ويقتل
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ١٣٣).
(٢) الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (٢/ ٧٥٤).
(٣) قال القرطبي في سبب تسميته -﵇- بالمسيح: "اختلف في المسيح ابن مريم ممَّاذا أخذ؟ فقيل: لأنه مسح الأرض، أي: ذهب فيها فلم يسكن بكنّ (هو كل ما يردُّ البرد والحر يستتر به الإنسان من الأبنية ونحوها. انظر: معجم مقاييس اللغة ٥/ ١٢٣) - وقيل: لأنه ممسوح بدهن البركة، وقيل: لأنه كان ممسوح الأخمصين، وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلَّا برأ، وقيل: لأنه الجمال مسحه أي: أصابه وظهر عليه، وقال ابن الأعرابي: المسيح: الصديق وبه سمي عيسى، وقيل: هو اسم سماه الله تعالى به أي: أنه غير مشتق". المفهم (١/ ٣٩٨)، وانظر: المعلم (١/ ٢٢٢).
(٤) الفتاوى (٤/ ٣٢٩).
[ ٧٨٢ ]
الدجال، وهو مذهب أهل السنة، والذي دل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (^١) والأحاديث الكثيرة الصحيحة المنتشرة، وليس في العقل ما يحيل ذلك ولا يرده، فيجب الإيمان به والتصديق بكل ذلك، ولا يبالى بمن خالف ذلك من المبتدعة، ولا حجة لهم في اعتمادهم في نفي ذلك على التمسك بقول،: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (^٢) وبما ورد في السنة من أنه لا نبي بعده ولا رسول (^٣)، ولا بإجماع المسلمين علي ذلك، ولا على أن شرعنا لا ينسخ، وهذا ثابت إلى يوم القيامة، لأنا نقول بموجب ذلك كله؛ لأن عيسى ﵇ إنما ينزل لقتل الدجال، ولإحياء شريعة محمد -ﷺ-، وليعمل بأحكامها، وليقيم العدل على مقتضاها، وليقهر الكفار، وليظهر للنصارى ضلالتهم، ويتبرأ من إفكهم، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويأتم بإمام هذه الأمة. والحاصل: أنه لم يأت برسالة مستأنفة ولا شريعة مبتدأة، وإنما يأتي عاضدًا لهذه الشريعة، وملتزمًا بأحكامها، غير مغير لشيء منها، والمنفي بالأدلة السابقة: إنما هو رسول يزعم أنه قد جاء بشرع مبتدأ، أو برسالة مستأنفة، فمن ادعى ذلك كان كاذبًا كافرًا قطعًا" (¬٤).
٤ - يأجوج ومأجوج
قال القرطبي: "يأجوج ومأجوج: يهمزان ولا يهمزان: لغتان وقرئ بهما فمن همزهما جعلهما من أجيج النار، وهو ضوءها وحرارتها وسمُّوا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأُجاج، وهو الماء الشديد
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٥٨.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.
(٣) سبق تخريجه ص (٦٨٨).
(٤) المفهم (٧/ ٢٩٢).
[ ٧٨٣ ]
الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين" (^١).
أصلهم:
قال القرطبي: "قال مقاتل (^٢): هم من ولد يافث بن نوح ﵇. وقال الضحاك (^٣): من الترك. وقال كعب: احتلم آدم ﵇ فاختلط ماؤه بالتراب فأسف فخلقوا من ذلك. وفيه نظر؛ لأن الأنبياء لا يحتلمون" (^٤).
قال القرطبي: "قال الغزنوي (^٥) في كتابه المسمى بـ "عيون المعاني": أن النبي -ﷺ- قال: "يأجوج أمة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده، صنف منهم كالأرز طولهم مئة وعشرون ذراعًا، وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا خنزير إلَّا أكلوه، ويأكلون من مات منهم، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية، فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس" (^٦) وقال علي
_________________
(١) المفهم (٧/ ٢٠٧).
(٢) مقاتل بن سليمان الأزدي البلخي من التابعين، وهو إمام في التفسير، رمي بالتشيبه، وقدح فيه عدد كبير من العلماء، توفي سنة (١٥٠ هـ). تهذيب التهذيب (٤/ ١٤٣)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٠١).
(٣) أبو القاسم الضحاك بن مزاحم الهلالي، صدوق كثير الإرسال، توفي بعد المائة. تهذيب التهذيب (٢/ ٢٢٦)، صفة الصفوة (٤/ ٥٠).
(٤) المفهم (٧/ ٢٠٧).
(٥) محمد بن طيفور الغزنوي مفسر مقرئ نحوي، من مؤلفاته "علل القراءات" توفي سنة (٥٦٠ هـ). طبقات المفسرين للأدنه وي ص (٢٧٤)، معجم المؤلفين (٣/ ٣٧٤).
(٦) هذا وما بعده نقله القرطبي عن الغزنوي ولم أجدها في شيء من كتب الحديث، وقد ذكرهما الطريري -في دراسته حول المفهم- في الأحاديث الواهية التي ذكرها القرطبي في كتابه. انظر: القرطبي ومنهجه في كتابه المفهم للطريري (١/ ١٧٥).
[ ٧٨٤ ]
-﵁-: وصنف منهم في طول شبر، لهم مخالب وأنياب السباع، وتداعي الحمام وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعور، تقيهم الحر والبرد، وآذان عظام إحداها وبرة يُشتُّون فيها، والأخرى جلدة يصيِّفون فيها، يحفرون السد حتى كادوا ينقبونه، فيعيده الله كما كان حتى يقولوا: ننقبه غدًا إن شاء الله، فينقبون ويخرجون، ويتحصن الناس بالحصون، فيرمون. إلى السماء فيُردُّ إليهم السهم ملطخًا بالدم، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم يعني الدود" (^١).
قلت: أي القرطبي وسيأتي من أخبارهم الصحيحة ما يشهد بالصحة لأكثر هذين الحديثين (^٢).
خروجهم من السد:
خروج يأجوج ومأجوج من السد يكون في آخر الزمان، وهو من أشراط الساعة الكبرى، وقد دلَّ على خروجهم أدلة من الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾ (^٣)، وجاء في صحيح مسلم قوله -ﷺ-: "إذ أوحى الله إلى عيسى: أني قد أخرجت عبادًا لي لا يَدَان لأحدٍ بقتالهم، فحَرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج -وهم من كل حدبٍ ينسلون- فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماءٌ ويُحْصَرُ نبيُّ الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار
_________________
(١) نفس الحديث الذي قبله.
(٢) المفهم (٧/ ٢٠٧).
(٣) سورة الأنبياء، الآيه: ٩٦، ٩٧.
[ ٧٨٥ ]
لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيُرسلُ الله عليهم النَّغَفَ في رقابهم فيصبحون فرس كموت نفس واحدة " (^١).
وقد بيَّن القرطبي في شرح هذا الحديث أن يأجوج ومأجوج لا قدرة لأحد على قتالهم، لذا يهلكهم الله تعالى بالنغف وهي دودة محتقرة تكون في أنوف الإبل والغنم إتلافها شديد (^٢).
٥ - الخسوفات الثلاثة:
عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: قال -ﷺ-: "إن الساعة لن تقوم حتى تروا عشر آيات" فذكر الدخان وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب" (^٣).
قال القرطبي: الخسوفات الثلاثة وقع بعضها، ذكر أبو الفرج الجوزي: "أنها وقعت بعراق العجم زلازل وخسوفات هائلة هلك بسببها خلق كثير، وقد سمعنا ونحن بالأندلس: أن بلدًا بشرقها خسف به وهلك كثير من أهله" (^٤).
والصحيح أنه لم يحدث شيء منها إلى الآن، وإنما وقع بعض الخسوفات في أماكن متفرقة وفي أزمان متباعدة، وذلك من أشراط الساعة الصغرى، كما قال -ﷺ-: "يكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف" قالت عائشة -﵂-: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال ح ٢٩٣٧ (١٨/ ٢٧٧).
(٢) المفهم (٧/ ٢٨٥، ٢٨٦).
(٣) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة ح ٢٩٠١ (١٨/ ٢٤٣).
(٤) المفهم (٧/ ٢٣٩).
[ ٧٨٦ ]
الصالحون؟ قال: "نعم، إذا ظهر الخبث" (^١).
وهذه الخسوفات قد وجد منها في مواضع من الأرض في الشرق والغرب قبل هذا الزمن (^٢).
أما الخسوفات الثلاثة المذكورة في العشر آيات العظام فتكون خسوفات عظيمة.
قال ابن حجر: "وقد وجد الخسف في مواضع ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرًا زائدًا على ما وجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا وقدرًا" (^٣).
٦ - الدخان:
قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ (^٤).
والمعنى: انظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين واضح يغشى الناس ويعمهم، وعند ذلك يقال لهم: هذا عذاب أليم، تقريعًا لهم، وتوببخًا، أو يقول بعضهم لبعض ذلك (^٥).
وذهب ابن مسعود -﵁- وجماعة من السلف إلى أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشًا من الشدة والجوع، عندما دعا عليهم النبي -ﷺ-
_________________
(١) رواه الترمذي في أبواب الفتن، باب ما جاء في الخسف وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٣٥٥) ح/ ٨١٥٦١.
(٢) انظر: أشراط الساعة للوابل ص (١٧٤، ٣٨٢).
(٣) فتح الباري (١٣/ ٩٠).
(٤) سورة الدخان، الآية: ١٠، ١١.
(٥) انظر: تفسير الطبري (١١/ ٢٢٨)، وتفسير القرطبي (١٦/ ٨٧).
[ ٧٨٧ ]
حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون في السماء كهيئة الدخان (^١).
والقرطبي رجَّح أن الدخان يأتي في آخر الزمان، ويكون من علامات الساعة حيث قال: "وأما الدخان فهو الذي دلَّ عليه قوله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ على ما ذهب إليه غير ابن مسعود، وهم جماعة من السلف، وهو مروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة، وابن عباس، والحسن، وابن أبي مليكة، وروى حذيفة عن النبي -ﷺ- أن من أشراط الساعة دخانًا يمكث في الأرض أربعين يومًا" (^٢).
"قلت -أي القرطبي-: ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾، وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ وهذا يبعد قول من قال: إنه الدخان الذي يعذب به الكفار يوم القيامة، وهو مروي عن زيد بن علي (^٣).
وفي رده للقول الآخر المخالف لهذا القول الذي عليه ابن مسعود
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ح ٤٨٢١ (٨/ ٤٣٤)، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الدخان ح ٢٧٩٨ (١٧/ ١٤٦).
(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٢٢٨) وقال: "حدثني عصام بن رواد قال: حدثني أبي قال: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري قال: حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول -ثم ساق الحديث وقال بعده: أنا لم أشهد لهذا الحديث بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أن سأل روادًا عن هذا الحديث هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا، فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا، فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا، فقلت: فمن أين جئت به، قال: جاءني به قوم فعرضوه عليَّ وقالوا لي: اسمعه منَّا فقرأوه على ثم ذهبوا فحدثوا به عني. وقال ابن كثير بعد نقله لكلام ابن جرير السابق: وقد أجاد ابن جرير في هذا الحديث هاهنا فإنه موضوع بهذا السند. تفسير ابن كثير (٤/ ١٤٠). وقال ابن حجر: إسناده ضعيف. فتح الباري (٨/ ٤٣٦).
(٣) المفهم (٧/ ٢٣٩).
[ ٧٨٨ ]
﵁ ومن وافقه قال: "الذي حمل عبد الله بن مسعود ﵁ على إنكار ما ذهبنا إليه قوله تعالي: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (^١) وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (^٢) ولذلك قال: أفيكشف عذاب الآخرة؟ وهذا لا دليل فيه على نفي ما قاله ذلك القائل؛ لأن حديث أبي سعيد إنما دل على أن ذلك الدخان يكون من أشراط الساعة قبل أن تقوم القيامة، في جوف انكشافه كما تنكشف فتن الدجال ويأجوج ومأجوج، وأمَّا الذي لا ينكشف فعذاب الكافر بعد الموت فلا معارضة بين الآية والحديث (^٣).
وجمع من العلماء ذهب إلى الجمع بين هذه النصوص بأنهما دخانان ظهرت إحداهما وبقيت الأخرى، وهي التي ستقع في آخر الزمان، فأما التي ظهرت فهي ما كانت تراه قريش كهيئة الدخان، وهذا الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من أشراط الساعة (^٤).
٧ - طلوع الشمس من مغربها:
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ (^٥)، وجاءت الأحاديث الصحيحة موضحة بأن المراد ببعض الآيات المذكورة في هذه الآية هي
_________________
(١) سورة الدخان، الآية: ١٢.
(٢) سورة الدخان، الآية: ١٥.
(٣) المفهم (٧/ ٣٩٦).
(٤) أشراط الساعة للوابل ص (٣٨٧)، وانظر: تفسير الطبري (١١/ ٢٢٨)، إتحاف الجماعة للتويجري (٣/ ١٨٨).
(٥) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.
[ ٧٨٩ ]
طلوع الشمس من مغربها (^١). قال -ﷺ-: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا" (^٢)، وقال -ﷺ-: "بادروا بالأعمال ستًّا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم" (^٣).
والقرطبي عند شرحه لقوله -ﷺ-: "إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبًا" (^٤). قال: "يعني -والله أعلم- أول الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة والطبع على كل قلب بما فيه؛ لأن ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة، وإيمان الكافر يصح فيه بدليل ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا" (^٥) ومعنى قوله: "إذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها" أي: حصل لجميع من على الأرض التصديق الضروري بأمور القيامة الذي لا يكلف به ولا ينفع صاحبه لكون أمور الآخرة معاينة، وإنما
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٥/ ٤٠٤)، وتفسير ابن كثير (٢/ ١٨٤)، وفتح القدير للشوكاني (٢/ ١٨٢).
(٢) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب طلوع الشمس من مغربها ح ٦٥٠٦ (١١/ ٣٦٠)، ومسلم في كتاب الإيمان باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان ح ١٥٧ (٢/ ٥٥٣).
(٣) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في بقية من أحاديث الدجال ح ٢٩٤٧ (١٨/ ٢٩٩).
(٤) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في خروج الدجال ومكثه في الأرض ونزول عيسى وقتله إياه ح ٢٩٤١ (١٨/ ٢٩٠).
(٥) سبق تخريجه ص (٧٩٠).
[ ٧٩٠ ]
كان طلوع الشمس، مخصوصًا بذلك لأنه أول تغيير هذا العالم العلوي الذي لم يشاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى، وإلى ذلك الوقت، وأما ما قبله من الآيات فقد شوهد ما يقرب من نوعه، فإذا كان ذلك، وطبع على كل قلب بما فيه من كفر وإيمان أخرج الله الدابة مُعَرِّفة لما في بواطن الناس من إيمان وكفر فتكلمهم بذلك" (^١).
وقال في رده على المبتدعة الذين يؤولون عامة هذه الآيات بمحض عقولهم: "مذهب أهل السنة حمل طلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات على ظاهرها إذ لا إحالة فيها وهي أمور ممكنة في أنفسها، وقد تضافرت الأخبار الصحيحة بها مع كثرتها وشهرتها، فيجب التصديق بها، ولا يلتفت لشيء من تأويلات المبتدعة لها" (^٢).
٨ - الدابة:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ (^٣) أي: مع تمادي الناس بالعصيان وإعراضهم عن آيات الرحمن وترك النزول على حكمها بحيث لا تنفع فيهم الموعظة، ولا تردعهم التذكرة، يقول تعالى: إذا صاروا كذلك أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أي: دابة تعقل وتنطق ليعلم الناس أن ذلك آية من عند الله (^٤). قال -ﷺ-: "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من
_________________
(١) المفهم (٧/ ٢٤٢).
(٢) المفهم (١/ ٣٧٣).
(٣) سورة النمل، الآيه: ٨٢.
(٤) انظر: التذكرة للقرطبي ص (٧٨٥).
[ ٧٩١ ]
مغربها، والدجال، ودابة الأرض" (^١).
قال القرطبي عن هذه الآية: "أما الدابة فهي التي قال الله فيها: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ذكر أهل التفسير: أنها خلق عظيم تخرج من صدع الصفا، لا يفوتها أحد تسِمُ المؤمن فينير وجهه، ويكتب بين عينيه مؤمن، وتسم الكافر فيسود وجهه، ويكتب بين عينيه كافر، وعن عبد الله بن عمرو -﵄- أن هذه الدابة هي الجسَّاسة المذكورة في الحديث، وعن ابن عباس: أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة فاختطفته العقاب (^٢)، وقد اختلف في صورتها، وفي أي موضع تخرج منه على أقوالٍ كثيرة، وليس في شيء من ذلك خبر صحيح مرفوع، قال بعض المتأخرين من المفسرين: الأقرب أن تكون هذه الدابة: إنسانًا متكلمًا يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة.
قلت -أي القرطبي-: وإنما كان هذا عند القائل الأقرب لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من جملة العشر الآيات المذكورة في الحديث (^٣)؛ لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير فلا آية خاصة، فلا ينبغي أن تذكر مع العشر وترتفع خصوصية وجودها، فإذا وقع القول ثم: فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي يحتج على أهل الأرض باسم الإنسان أو بالعالم، أو بالإمام، إلى أن يسمى
_________________
(١) رواه مسلم في كتب الإيمان، باب بيان الزمان الذي لا يقبل فيه الإيمان ح ١٥٧ (٢/ ٥٥٣).
(٢) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ١٩٣)، والتذكرة للقرطبي ص (٧٨٧)، وفتح القدير للشوكاني (٤/ ١٥١).
(٣) سبق تخريجه ص (٧٨٦).
[ ٧٩٢ ]
بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء (^١)، وليس ذلك دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير، وأما كيفية صفتها وخلقتها، وبماذا تكلمهم فالله أعلم بذلك" (^٢).
وأحسن القرطبي في رده للأقوال التي لا دليل عليها إذ أمور الغيب لا تحكم فيها العقول.
٩ - النار التي تحشر الناس:
وهي آخر أشراط الساعة وهي نار تخرج من اليمن من "قعر عدن" تسوق الناس إلى محشرهم. قال -ﷺ-: في بيان الآيات العشر التي تكون قبل الساعة: "وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم".
قال القرطبي "قوله: "آخر ذلك النار تخرج من اليمن" وقال فيما تقدم: "من قعر عدن" (^٣) وقال في رواية: "من أرض الحجاز" قال القاضي: فلعلهما ناران تجتمعان لحشر الناس، أو يكون ابتداء خروجها من اليمن وظهورها من الحجاز" (^٤).
وأما كيفية حشرها للناس فقد قال -ﷺ-: "يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشُر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل
_________________
(١) وقد نقل القرطبي المفسر هذا الكلام عن شيخه ولم ينسبه إليه (التذكرة ص ٧٨٦)، ولذا نقله المتأخرون عنه ونسبوه إليه، ورأيت من هذا شيئًا كثيرًا في مسائل العقيدة، فلشهرة القرطبي المفسر التي فاق بها شيخه وانتشار تفسيره خصوصًا عند المتأخرين وبقاء تراث شيخه العلمي رهن الحبس طوال هذه القرون أدَّى إلى نسبة كثير من أقوال أبي العباس إلى تلميذه أبي عبد الله، والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
(٢) المفهم (٧/ ٢٤٠)، وانظر: (٧/ ٢٤٢).
(٣) وهو من بعض ألفاظ الحديث السابق.
(٤) المفهم (٧/ ٢٤١).
[ ٧٩٣ ]
معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا" (^١).
قال القرطبي: "الطرائق الأحوال المختلفة، والفرق المتفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾ (^٢) أي: فرقًا مختلفة قال القاضي: هذا الحشر هو في الدنيا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها ويدل على أنها قبل يوم القيامة قوله: "فتقيل معهم حيث قالوا، وتمسي معهم حيث أمسوا وتصبح معهم حيث أصبحوا" وعلى هذا فيكون معنى راغبين في لقاء الله وفي ثوابه وهؤلاء هم المؤمنون الذين وسموا باسم الإيمان، وراهبين: أي خائفين يعني بهم الكفار الذين وسموا باسم الكفر، وذلك إذا طبع على كل قلبٍ بما فيه عند طلوع الشمس من مغربها، وإذا خرجت دابة الأرض فنفخت في وجوه الناس ما تسم في وجه المؤمن مؤمن، وفي وجه الكافر كافر" (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب الحشر ح ٦٥٢٢ (١١/ ٣٨٤)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة ح ٢٨٦١ (١٧/ ٢٠٠).
(٢) سورة الجن، الآية: ١١.
(٣) المفهم (٧/ ١٥٣).
[ ٧٩٤ ]
الفصل الثاني فتنة القبر وعذابه ونعيمه
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الروح
المبحث الثاني: فتنة القبر
المبحث الثالث: عذاب القبر ونعيمه
المبحث الرابع: سماع الموتى
[ ٧٩٥ ]
المبحث الأول الروح
تباينت الأقوال في الروح ما هي، وهل هي النفس أم لا؟ ثم تعلق هذه الروح بالجسد ومستقر الأرواح بعد الموت إلى غير ذلك من المباحث المتعلقة بهذه المسألة. وقد بيَّن شارح الطحاوية أن النفس تطلق على أمور، وكذلك الروح فيتحد مدلولها تارة ويختلف تارة. فالنفس تطلق على الروح، ولكن غالب ما تسمى نفسًا إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها" (^١).
وقد تعرض القرطبي لهذه المسألة، وبيَّن الاختلاف الواقع فيها، حيث قال: "اختلف الناس في الأرواح قديمًا وحديثًا ما هي؟ وعلى أي حال هي؟ اختلافًا كثيرًا، واضطربوا فيها اضطرابًا شديدًا، الواقف عليه يتحقق أن الكل منهم على غير بصيرة منها، وإنما هي أقوال صادرة عن ظنون متقاربة، ولا يشك في أنه مما انفرد الله تعالى بعلم حقيقته، وعلى هذا المعنى حمل أكثر المفسرين قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (^٢) فليقطع العاقل طمعه من علم حقيقته، ولينظر هل ورد في الأقوال الصادقة ما يدل على شيء من صفته؟ وعند تصفح ذلك واستقراء ما هنالك يحصل للباحث: أن الروح أمر ينفخ في الجسد ويقبض منه ويتوفى بالنوم والموت ويؤمن ويكفر ويعلم ويجهل ويفرح ويحزن ويتنعم، ويتألم، ويخرج، ويدخل، والإنسان يجد من ذاته بضرورته قابلًا للعلوم وأضدادها وللفكر وأضدادها، ولغير ذلك من
_________________
(١) شرح الطحاوية (٢/ ٥٦٧).
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٨٥.
[ ٧٩٧ ]
المعاني فيحصل من مجموع تلك الأمور على القطع: أن الروح ليس من قبيل الأعراض لاستحالة كل ما ذكر عليها، فيلزم أن تكون الروح من قبيل ما يقوم بنفسه، وأنه قابل للأعراض.
وهل هو متحيز أو ليس بمتحيز؟ ذهبت طوائف من الأوائل، ومن نحا نحوهم من الإسلاميين، إلى أنه قائم بنفسه غير متحيز، وذهب أكثر أهل الإسلام إلى أن ذلك من أوصاف الحق ﷾ الخاصة به، وأنه لا تصح مشاركته في ذلك لأدلة تذكر في علم الكلام، وأن الروح قائم بنفسه متحيز، فهو من قبيل الجواهر.
ثم اختلف هل هو يقبل الانقسام فيكون جسمًا، أو لا يقبله فيكون جوهرًا فردًا؟ فذهبت طائفة من جلة علماء أهل السنة إلى أنه جسم لطيف مشابك لجميع أجزاء البدن أجرى الله العادة ببقائه في الجسم ما دام حيًّا، فإذا أراد الله إماتة الحيوان نزعه منه وأزل اتصاله بالحياة، وأعقبها بالموت، وأطبق معظم المتكلمين من أهل السنة على أنه جزء فرد من أجزاء القلب أو غيره، مما يكون في الإنسان أجرى الله العادة بحياة ذلك الجسم ما دام ذلك الجزء متصلًا به، والله تعالى أعلم وأحكم والتسليم أولى وأسلم" (^١).
وقال المازري: "الكلام في الروح والنفس مما يغمض ويدق، ولكنه مع هذا أكثر الناس الكلام فيه حتى ألف بعضهم فيه التواليف، ولكن مشاهير المقالات في الروح قول أبي الحسن الأشعري إنه النفس الداخل والخارج، والقاضي أبو بكر بن الطيب يراه مما يتردد بين هذا الذي قاله أبو الحسن الأشعري، وبين الحياة، وبعض الناس يرى أنه جسم مشابك
_________________
(١) المفهم (٣/ ٧١٧).
[ ٧٩٨ ]
للأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة، ومال بعض المتكلمين من أئمتنا إلى أنه الأظهر فيه أنه جسم لطيف خلقه الباري تعالى وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده، وإذا شاء موت إنسان أعدم هذا الجسم منه إعدام الحياة، وهذا الجسم إن كان حيًّا فلا يحيى إلَّا بحياة تختص به أيضًا، وهو مما يصح صرف القبض إليه والبلوغ إلى مكان ما من الجسم وكونه في مكان في العالم أو حواصل طير إلى ذلك، مما وقع في الظواهر، ويصح في العقل صرف ما أشرنا إليه من الظواهر إلى غيره من جواهر القلب أو الجسم الحية، والمسألة تحتمل الاتساع الكثير، وإنما ذكرنا في هذا الموضع ما يليق به" (^١).
هذا هو منهج المتكلمين في هذه المسألة والأصل في ذلك أن هذه المسائل من الأمور الغيبية التي يوقف فيها عند النصوص الشرعية إذ هو مما استأثر الله تعالي بعلمه كما ذكره القرطبي -﵀- ضمن الأقوال، فنكتفي بهذا في هذه المسألة ونكل العلم لله ﷾.
مستقر الأرواح بعد مفارقة الأبدان:
مذهب أهل السنة بقاء الأرواح بعد فراق الأجساد بمعنى أنها لا تفنى، قال شيخ السلام: "الأرواح مخلوقة بلا شك، وهي لا تعدم، ولا تفنى، ولكن موتها مفارقة الأبدان، وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان" (^٢).
وأما من قال بانتقال الأرواح بعد فراقها للأبدان إلى أبدان أخرى فهو معلوم البطلان هو القول بالتناسخ، وقد رد عليه القرطبي وبين فساده وكفره حيث قال: "لا يلتفت لقول التناسخية القائلين بأن الأرواح
_________________
(١) المعلم (٣/ ٢٠٢).
(٢) الفتاوى (٤/ ٢٧٩).
[ ٧٩٩ ]
تنتقل إلى أجساد أُخر، فأهل السعادة ينقلون إلى أجساد حسنة مشرقة مرفهة، فتتنعم بها، وأهل الشقاء تنقل أرواحهم إلى أجسام خسيسة قبيحة فتعذب فيها، حتى إذا استوفت أمد عقابها رجعت إلى أحسن بنية وهكذا أبدًا، وهذا معنى الإعادة والثواب والعقاب عندهم، وهو مناقض لما جاءت به الشريعة، ولما أجمعت الأمة عليه، ومعتقده يكفر قطعًا، فإنه أنكر ما علم قطعًا من إخبار الله تعالى وإخبار نبيه -ﷺ- عن أمور الآخرة، وعن تفاصيل أحوالها، وأن الأمر ليس على شيء مما قالوه فالتناسخ والقول به باطل محال عقلًا" (^١).
فالسؤال أين تكون هذه الأرواح بعد مفارقتها للأبدان؟
هذا مما وقع فيه الخلاف، وتعددت فيه الأقوال:
فقيل: إن الأرواح تكون على أفنية القبور، وقد تفارقها، وقيل: تسرح حيث شاءت، وقيل: تجتمع في موضع من الأرض، والقول الصحيح في هذه المسألة التفصيل:
فأرواح الأنبياء ﵈ في أعلى عليين، وقد ثبت في الصحيح أن آخر كلمة قالها -ﷺ- عند موته: "اللهم الرفيق الأعلى" (^٢) أما أرواح الشهداء فالصحيح أنها في الجنة، كما جاء عنه -ﷺ- عندما سئل عن حياة الشهداء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^٣) حيث قال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك
_________________
(١) المفهم (٣/ ٧١٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ح ٦٥٠٩ (١١/ ٣٦٥).
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.
[ ٨٠٠ ]
القناديل" (^١).
وأما غير الشهداء من المؤمن فقد جاء في الحديث أن "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" (^٢). فالبعض فهم من هذا الحديث أن أرواح المؤمنين في الجنة كالشهداء والقرطبي جعل المقصود بهذا الحديث المؤمن الشهيد كما سيأتي بيانه.
وأما أرواح الكافرين ففي النار قال شيخ الإسلام: "أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكافرين في النار، تنعم أرواح المؤمنين وتعذب أرواح الكافرين إلى أن تعاد إلى الأبدان" (^٣).
وقد بيَّن الحافظ ابن رجب الفرق بين أرواح الشهداء وأرواح عامة المؤمنين من غير الشهداء، مع أنهما جميعًا في الجنة (^٤).
ومع كون الروح في مستقرها، فإن لها تعلقًا بالبدن في أوقات وعلى كيفيات الله أعلم بحقيقتها (^٥).
وقد قال القرطبي في هذه المسألة عند شرحه للحديث الذي فيه أن أرواح الشهداء في جوف طير خضر في الجنة، حيث قال: "تضمن هذا الحديث معنى قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^٦).
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب أرواح الشهداء في الجنة ح ١٨٨٧ (١٣/ ٣٤).
(٢) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٣٥٥)، وابن ماجة في كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٦٩٤) حديث ٩٩٥.
(٣) الفتاوى (١٤/ ٣١١).
(٤) أهوال القبور لابن رجب ص (١٢٥، ١٢٦).
(٥) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٥٧٨).
(٦) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.
[ ٨٠١ ]
وأن معنى حياة الشهداء أن لأرواحهم من خصوص الكرامة ما ليس لغيرهم بأن جعلت في جوف طير كما في هذا الحديث، أو في حواصل طير خضر، كما في الحديث الآخر، صيانة لتلك الأرواح، ومبالغة في إكرامها لاطلاعها على ما في الجنة من المحاسن والنعم وأما اللذات الجسمانية، فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعد الله تعالى لها، وهذا مخصوص بالشهداء" (^١).
ورجَّح القرطبي تخصيص هذا بالشهيد، وأما المؤمن غير الشهيد، فلا تكون روحه في الجنة، بل يطَلِع على منزلته في الجنة دون أن يباشر هذا أو يشاهده، وروح الكافر كذلك تشاهد ما أُعد لها من العذاب، وتتألم بذلك حيث قال: "قوله - ﷺ -: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في ثمر الجنة" فالمراد بالمؤمن هنا: الشهيد وقد دلَّ على صحة هذا قوله في الحديث الآخر: "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده غدوةً وعشيًا: إمالنار وإما الجنة فيقال: هذا مقعدك حتى تبعث إليه" (^٢) فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يعرض عليه مقعده من الجنة، وهو في موضعه من القبر أو الصُّور أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة، ولا داخل فيها، وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد، فإنه يباشر ذلك ويشاهده، وهو فيها على ما تقدم، وكذلك أرواح الكفار تشاهد ما أعد الله لها من العذاب عند عرضِ ذلك عليها، كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (^٣) وعند هذا العرض تدرك روح الكافر من الألم والتخويف والحزن والعذاب بالانتظار
_________________
(١) المفهم (٣/ ٧١٥).
(٢) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب سكرات الموت ح ٦٥١٥ (١١/ ٣٦٩).
(٣) سورة غافر، الآية: ٤٦.
[ ٨٠٢ ]
ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فنسأل الله العافية، كما أنه يحصل للمؤمن عند عرض الجنة من الفرح والسرور والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فإذا أُعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث وتتفق، والله الموفق" (^١).
_________________
(١) المفهم (٣/ ٧١٦).
[ ٨٠٣ ]
المبحث الثاني فتنة القبر
المقصود بفتنة القبر سؤال الملكين للعبد في قبره كما ورد بذلك الحديث الصحيح الذي قال فيه - ﷺ -: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه - وإنه ليسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد - ﷺ -، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين" (^١).
ولذا كان - ﷺ - يتعوذ بالله من فتنة القبر (^٢).
قال القرطبي: "فتنة القبر: هي الضلال عن صواب إجابة الملكين فيه وهما: منكر ونكير" (^٣).
فالمؤمن يوفق للجواب، والكافر يضل عن ذلك، كما قال تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال ح ١٣٣٨ (٣/ ٢٤٤)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه ح ٢٨٧٠ (١٧/ ٢٠٨).
(٢) رواه البخاري في كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام ح ٨٣٢ (٢/ ٣٦٩)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة ح ٥٨٩ (٥/ ٩١).
(٣) المفهم (٧/ ٣٣).
[ ٨٠٤ ]
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (^١).
وعن البراء بن عازب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد - ﷺ -، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ (^٢)﴾ (^٣).
قال القرطبي: "أي يثبتهم في هذه الدار على التوحيد والإيمان بالنبي - ﷺ - ثم يميتهم عليه، وفي الآخرة عند المساءلة في القبر كما فسرها النبي - ﷺ - فإن كان النبي - ﷺ - قاله فهو المقصود، وإن كان من قول البراء، فهذا لا يقوله أحدًا بن قبل نفسه ورأيه، فهو محمول على أن النبي - ﷺ - قاله وسكت البراء عن رفعه لعلم المخاطب بذلك، والله تعالى أعلم، وقد قيل عن البراء أنه قال: هما سؤال القبر وسؤال القيامة يعني: فيرشد المؤمن فيهما إلى الصواب ويصرف الكافر عن الجواب" (^٤).
وذهب القرطبي - ﵀ - إلى مشروعية تلقين الميت عند وضعه في قبره، وقد استدل بوصية عمرو بن العاص - ﵁ - حيث قال: "فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنًّا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها، حتى استأنس بكم، وانظر ماذا أراجع به رسل ربي" (^٥).
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.
(٣) رواه البخاري في كتاب الجنائز باب ماجاء في عذاب القبرح (١٣٦٩) (٣/ ٢٧٤) ورواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه ح (٢٨٧١) (١٧/ ٢٠٩).
(٤) المفهم (٧/ ١٤٨).
(٥) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله ح ١٢١ (٢/ ٤٩٦).
[ ٨٠٥ ]
قال القرطبي: "الميت ترد عليه روحه ويسمع حس من هو على قبره، وكلامهم، والملائكة تسأله في ذلك الوقت، وهذا كله إنما قاله عمرو عن النبي - ﷺ -؛ لأن مثله لا يدرك إلَّا من جهة النبي - ﷺ -، وعلى هذا فينبغي أن يرشد الميت في قبره حين وضعه فيه إلى جواب السؤال، ويذكر بذلك، فيقال له: قل: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد رسولي، فإنه عن ذلك يسأل كما جاءت به الأحاديث، وقد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك" (^١).
وقد ذهب إلى هذا القول بعض العلماء، منهم: الشنقيطي في أضواء البيان (^٢).
وهذا فيه نظر لأنه لم يرد دليل صحيح صريح في المسألة والأصل فيها التوقف حتى يأتي دليل، وقد أرشد - ﷺ - عند دفن الميت إلى الاستغفار له وسؤال التثبيت ولم يثبت أنه ﵊ لقَّن ميتًا أو أمر بذلك.
وقد سُئِلَ شيخ الإسلام عن هذا التلقين فقال: "هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة من الصحابة أنهم أمروا به كأبي أُمامة الباهلي وغيره، وروي فيه حديث عن النبي - ﷺ - لكنه مما لا يحكم بصحته، ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك" (^٣).
_________________
(١) المفهم (١/ ٣٣٢).
(٢) أضواء البيان (٦/ ١٣٨).
(٣) الفتاوى (٢٤/ ٢٩٦).
[ ٨٠٦ ]
المبحث الثالث عذاب القبر ونعيمه
أجمع أهل السنة على إثبات عذاب القبر ونعيمه، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة منها: قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (^٢).
ومن السنة: قوله - ﷺ - عندما مر على قبرين: "إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير" (^٣) وقوله - ﷺ -: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه" (^٤) والأحاديث الدالة عليه كثيرة.
قال شارح الطحاوية: "قد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا وسؤال الملكين فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عهد له به في هذه الدار" (^٥).
_________________
(١) سورة غافر، الآية: ٤٥، ٤٦.
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.
(٣) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب عذاب القبر من الغيبة والبول ح ١٣٧٨ (٣/ ٢٨٦)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ح ٢٩٢ (٣/ ٢٠٤).
(٤) رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار، وإثبات عذاب القبر ح ٢٨٦٧ (١٧/ ٢٠٧).
(٥) شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (٢/ ٥٧٨).
[ ٨٠٧ ]
فمذهب أهل السنة والجماعة إثبات عذاب القبر ونعيمه، كما جاءت به الأدلة الصحيحة الصريحة، قال القرطبي: "عذاب القبر مما يجب الإيمان به، وقد صحَّ الإخبار عنه في الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولا يلتفت لاستبعاد المبتدعة، فإن الإمكانات متسعة والقدرة صالحة (^١).
وقال عند شرحه لحديث الاستعاذة من عذاب القبر: هذا الحديث وما في معناه يدل على صحة اعتقاد أهل السنة في عذاب القبر، وأنه حق ويرد على المبتدعة المخالفين في ذلك" (^٢).
وقال المازري في إثبات عذاب القبر: "عذاب القبر ثابت عند أهلِ السنة، وقد وردت به الآثار، وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) (^٣)﴾ (^٤).
_________________
(١) المفهم (٧/ ١٤٥).
(٢) المفهم (٢/ ٢٠٧). وانظر: (١/ ٣٢١، ٤/ ٥٧٥، ٦/ ٦٨٢، ٧/ ١٤٧، ٣٨٨)
(٣) سورة غافر، الآية: ٤٦.
(٤) المعلم (٣/ ٢٠٧).
[ ٨٠٨ ]
المبحث الرابع سماع الموتى
هذه المسألة هي مما وقع فيها الاختلاف بين العلماء، إذ قال بعض العلماء بإثبات سماع الموتى، واستدلوا على ذلك بتكليم الرسول - ﷺ - للقتلى من المشركين الذين رموا في القليب يوم بدر، وقوله - ﷺ - لأصحابه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" (^١)، وبقوله - ﷺ - عن الميت بعد دفنه: "إنه ليسمع قرع نعالهم" (^٢) وبأمثالهما من الأحاديث المثبتة لذلك.
قال الشنقيطي - ﵀ -: "النصوص الصحيحة عنه - ﷺ - في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها" (^٣). وقد ذهب إلى هذا القول عدد من العلماء منهم ابن عبد البر، وابن كثير، وابن القيم، وابن رجب وغيرهم (^٤).
وذهب آخرون منهم عائشة - ﵂ - إلى إنكار ذلك والاعتراض عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (^٥) وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (^٦).
والقرطبي - ﵀ - أخذ بالقول الأول، وأثبت أنه لا تعارض
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر ح ١٣٧٠ (٣/ ٢٧٤)، ومسلم في كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه ح ٩٣٢ (٦/ ٤٨٨).
(٢) سبق تخريجه ص (٨٠٤).
(٣) أضواء البيان (٦/ ١٢٩).
(٤) انظر: زاد المعاد لابن القيم (٣/ ٦٨٥). وأضواء البيان للشنقيطي (٦/ ١٢٤ - ١٤٢)، وأهوال القبور لابن رجب ص (٨٦).
(٥) سورة النمل، الآية: ٨٠.
(٦) سورة فاطر، الآية: ٢٢.
[ ٨٠٩ ]
بين الآيات والأحاديث في هذه المسألة، فقال بعد تقريره لسماع الموتى: "ولا يعارض هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾، ولا بقوله ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لأن النبي - ﷺ - قد نادى أهل القليب وأسمعهم، وقال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابًا" وقال في الميت: "إنه ليسمع قرع نعالهم" وإن هذا يكون في حال دون حال ووقت دون وقت. وقال في الجمع بين هذه النصوص: إنكار عائشة على ابن عمر سماع أهل القليب إنكار لما رواه الثقة الحافظ لأجل أنها ظنت أن ذلك مُعَارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ وبقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ولا تعارض بينهما لوجهين:
أحدهما: أن الموتى في الآية إنما يراد بهم الكفار، فكأنهم موتى في قبورهم والسماع يراد به الفهم والإجابة هنا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ (^١) وهذا كما سماهم صم وبكم وعمي مع سلامة هذه الحواس منهم.
وثانيهما: أنا لو سلمنا أن الموتى في الآية على حقيقتهم فلا تعارض بينها وبين أن بعض الموتى يسمعون في وقت ما أو في حال ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصص وقد وجد هنا بدليل هذا الحديث (^٢)، وحديث أبي طلحة الذي قال فيه النبي - ﷺ - في أهل
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٣.
(٢) وهو حديث ابن عمر ﵄ الذي قال فيه قال الرسول - ﷺ -: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، فقالت عائشة - ﵂ -: وَهَلَ إنما قال رسول الله - ﷺ -: "إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن". وذلك مثل قوله: إن رسول الله - ﷺ - قام على القليب يوم بدر وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال: "إنهم ليسمعون ما أقول" وقد وَهَلَ إنما قال: "إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق" ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ رواه مسلم في كتاب الجنائز باب الميت يعذب =
[ ٨١٠ ]
بدر: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" وهو متفق عليه، وبما في معناه مثل قوله في الميت: "إنه ليسمع قرع النعال" وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما إلى غير ذلك مما لا ينكر، فحديث ابن عمر صحيح النقل، وما تضمنه يقبله العقل، فلا طريق لتخطئته والله تعالى أعلم" (^١).
وهذا القول هو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "والنص الصحيح عن النبي - ﷺ - مقدم على تأويل من تأول من أصحابه وغيرهم، وليس في القرآن ما ينفي ذلك، فإن قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (^٢) إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه، فإن هذا مثلٌ ضُرِبَ للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع سماع قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ (^٣) فهكذا الموتى الذين ضرب لهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع السماع المعتاد أنواع السماع كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلم ينف عنهم وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن الميت يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين، فهذا موافق لهذا، فكيف يدفع ذلك؟ " (^٤).
وأما المازري فذهب إلى إنكار سماع الموتى، وجعل حديث الرسول - ﷺ - لأهل القليب وإثباته لسماعهم إنما هو إحياء لهم ليسمعوا
_________________
(١) = ببكاء أهله عليه ح ٩٣٢ (٦٦/ ٤٨٨).
(٢) المفهم (٢/ ٥٨٥).
(٣) سورة النمل، الآية: ٨٠.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٧١.
(٥) الفتاوى (٤/ ٢٩٨).
[ ٨١١ ]
كلام الرسول - ﷺ - توبيخًا لهم حيث قال عند شرح هذا الحديث: "ذهب بعض الناس إلى أن الميت يسمع أخذًا بظاهر هذا الحديث، والذي عليه المحصلون من العلماء أن الله تعالى خرق العادة. بأن أعاد الحياة إلى هؤلاء الموتى ليقرعهم؛ - ﷺ - وإلى هذا ذهب قتادة، وقد ذكر الحديث لعائشة فقالت: إنما قال النبي - ﷺ -: "إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم الحق" ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فأنت ترى عائشة كيف أنكرت ظاهر الحديث وحولته إلى لفظ آخر، والتشكك في سماع سائر الموتى وحسهم يخرم الثقة بالعلوم الضرورية" (^١). وقال في موضع آخر: "اغتر بعض الناس بحديث القليب، فقال: إن الميت يسمع، وهذا غير صحيح عند أهل الأصول؛ لأن الحياة شرط في السمع فلا يسمع غير حي، وحمل بعض الناس ذلك على أنهم أعيدت لهم الحياة حتى سمعوا تقريعه ﵇ لهم" (^٢).
_________________
(١) المعلم (٣/ ٢٠٧).
(٢) المعلم (١/ ٣٢٤).
[ ٨١٢ ]
الفصل الثالث البعث والنشور
وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: النفخ في الصور
المبحث الثاني: البعث والنشور
المبحث الثالث: الحشر
المبحث الرابع: الميزان
المبحث الخامس: الشفاعة
المبحث السادس: الحوض
المبحث السابع: الصراط
البحث الثامن: ذبح الموت
[ ٨١٣ ]
المبحث الأول النفخ في الصور
النفخ في الصور هو المؤذن بقيام الساعة وعنه ينشأ الصعق والبعث، وقد عرف القرطبي الصور، فقال: الصور قيل: إنه جمع صورة. والصحيح ما صح عن النبي - ﷺ - أنه قال "الصور قرن ينفخ فيه" (^١).
وأمَّا الصعق الذي ينشأ عن النفخ في الصور فقال القرطبي في تعريفه: "أصل الصعق والصعقة: الصوت الشديد المنكر كصوت الرعد وصوت الحمار، وقد يكون معه موت لشدته، وهو المراد بقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢) وقد تكون معه غشية، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (^٣) فإن كان معه نار فهو الصاعقة" (^٤).
عدد النفخات في الصور:
اختلف العلماء في عدد النفخات فقيل: ينفخ في الصور نفختان وقيل: ثلاث نفخات وقيل: أربع.
ومفهوم كلام القرطبي ميله إلى أنه ينفخ في الصور نفختان حيث قال: اختلف في عدد النفخات فقيل: ثلاثة: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث، وقيل: هما نفختان: نفخة الفزع، هي نفخة
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده (٢/ ١٢٦)، والترمذي في أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في الصور وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٦٨) حديث ١٠٨٠.
(٢) سورة الزمر، الآية ١: ٦٨.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٤٣.
(٤) المفهم (٦/ ٢٣٢).
[ ٨١٥ ]
الصعق، لأن الأمرين لا زمان لها والله أعلم (^١).
وعند شرحه لقوله - ﷺ -: "بين النفختين أربعون" (^٢) قال: "يعني: نفختي الصعق والبعث يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^٣) " (^٤).
والقول الراجح الذي تؤيده الأدلة أن النفخ في الصور نفختان فقط: الأولى: نفخة إماتة يموت فيها كل من كان حيًّا إلَّا من استثنى الله تعالى وهي نفخة الصعق.
والثانية: نفخة إحياء يحيى بها من مات، وهي نفخة البعث.
ولكن الإشكال مع هذا ما جاء من قوله - ﷺ - في بيان فضل موسى ﵇، إذ قال: "لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلَّا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من يبعث - وفي رواية -: أول من يفيق فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي" (^٥).
وقد بيَّن القرطبي هذا الإشكال ووجه الانفصال عنه فقال: هذا مشكل بالمعلوم من الأحاديث الدالة على أن موسى - ﵇ - قد
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢٣٢).
(٢) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ ح ٤٨١٤ (٨/ ٤١٤)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين ح ٢٩٥٥ (١٨/ ٣٠٣).
(٣) سورة الزمر، الآية: ٦٨.
(٤) المفهم (٧/ ٣٠٦).
(٥) سبق تخريجه ص (٦٤٨).
[ ٨١٦ ]
توفي، وأن النبي - ﷺ - قد رآه في قبره، وبأن المعلوم المتواتر: أنه توفي بعد أن ظهر دينه وكثرت أمته ودفن بالأرض ووجه الإشكال: أن نفخة الصعق إنما يموت بها من كان حيًّا في هذه الدار فأما من مات فيستحيل أن يموت مرة أخرى؛ لأن الحاصل لا يستحصل ولا يبتغى، وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث وموسى قد مات، فلا يصح أن يموت مرة أخرى، ولا يصح أن يكون مستثنى ممن صعق؛ لأن المستثنين أحياء لم يموتوا، ولا يموتون، فلا، يصح استثناؤهم من الموتى، وقد رام بعضهم الانفصال عن هذا الإشكال فقال: يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا قول باطل بمما ذكرناه، قال القاضي عياض: "يحتمل أن المراد بهذه الصعقة صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السموات والأرضون قال: فتستقل الأحاديث والآيات. قلت: وهذه غفلة عن مساق الحديث، فإنه يدل على بطلان ما ذُكر دلالة واضحة فإن النبي - ﷺ -، قال: إنه حين يخرج من القبر فيلقى موسى وهو متعلق، بالعرش وهذا كان عند نفخة البعث ثم إنَّ النبي - ﷺ - عندما يرى موسى يقع له تردد في موسى على ظاهر هذا الحديث هل مات عند نفخة الصعق المتقدمة على نفخة البعث فيكون قد بعث قبله، أو لم يمت عند نفخة الصعق لأجل الصعقة التي صعقها على الطور جعلت له تلك عوضًا من هذه، وعلى هذا فكان حيًّا حالة نفخة الصور، ولم يصعق، ولم يمت وحينئذ يبقى الإشكال إذا لم يحصل عنه انفصال.
قلت: والذي يزيحه إن شاء الله تعالى أن يقال: إن الموت ليس بعدم، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين فهذه صفات الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق، صعق كل من في السموات
[ ٨١٧ ]
والأرض إلَّا من شاء الله، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشية فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حيي ومن غشي عليه أفاق فهذا الذي يظهر لي والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله" (^١).
قال الشيخ الغنيمان بعد نقله لكلام القرطبي السابق: "قلت: وحاصل هذا الجواب أن الصعقة المذكورة في الحديث هي الصعقة الأولى، وأن الصعق يكون للأرواح، وكل ذلك باطل؛ لأن الحديث ينص على أنها نفخة البعث، ومعلوم أن الأرواح لا تموت، فكيف يكون صعق غير الأنبياء موتًا مع أنه زعم أن الصعق للأرواح وكل ذلك يفتقر إلى دليل، والأدلة بخلافه.
ولهذا قال ابن القيم: وحمل الحديث على هذا لا يصح لأنه - ﷺ - تردد هل أفاق موسى قبله، أو لم يصعق بل جوزي بصعقة الطور. فالمعنى لا أدري أصعق أم لم يصعق؟ .
وقال في الحديث: "فأكون أول من يفيق" وهذا يدل على أنه - ﷺ - يصعق فيمن يصعق وأن التردد حصل في موسى هل صعق وأفاق قبله من صعقته أو لم يصعق؟ ولو كان المراد به الصعقة الأولى، وهي صعقة الموت، لكان - ﷺ - قد جزم بموته وتردد هل مات موسى أو لم يمت وهذا باطل فالأقرب في هذه المسألة ما قاله الحليمي: "أن المعنى إذا نفخ في الصور مرة أخرى كنت أول من بعث فأجد موسى مبعوثًا قبلي، فلا أدري أفضل بذلك على سائر الخلق، أو أن ذلك جزاء له بصعقه الطور، وهذا بناء على أن النفخ في الصور مرتان وهو الذي تؤيده الأدلة
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢٣٢، ٢٣٤).
[ ٨١٨ ]
الصحيحة" (^١).
واختلف في المستثنى من النفخ من هو؟ فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: الشهداء، والصحيح: أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل، والله أعلم (^٢).
قال شيخ الإسلام: وأما الاستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناول لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل من استثنى الله، فإن الله أطلق في كتابه وتوقف النبي - ﷺ -، فصار هذا مثل العلم بوقت الساعة لا ينال إلَّا بالخبر والله أعلم (^٣).
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٤٢٤، ٤٢٥، ٤٢٨).
(٢) المفهم (٧/ ٣٠٦).
(٣) الفتاوى (٤/ ٢٦١) بتصرف.
[ ٨١٩ ]
المبحث الثاني البعث والنشور
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ (^٢)، وقال - ﷺ - في حديث جبريل: "وتؤمن بالبعث الآخر" (^٣).
قال القرطبي: "وصف البعث بالآخر يحتمل أن يكون على جهة التأكيد، كما قالوا: أمس الدابر، وأمس الذاهب، ويحتمل أن يقال: إن البعث إحياء بعد إماتة، وقد فعل الله ذلك مرتين فأحيانا بعد أن كنا نطفًا وعلقًا ومضغًا، وهي أموات، ثم يحيينا ليوم القيامة، وهو البعث الآخر، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ (^٤) " (^٥).
صفة البعث والنشور:
جاء في صفة البعث والنشور، قوله - ﷺ -: "ثم يُنْزِلُ اللهُ من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلَّا يبلى إلَّا عظمًا واحدًا لا تأكله الأرض أبدًا هو عجبُ الذنب، ومنه يركب الخلق يوم
_________________
(١) سورة الحج، الآيتان: ٦، ٧.
(٢) سورة التغابن، الآية: ٧.
(٣) سبق تخريجه ص (١٣٧).
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨.
(٥) المفهم (١/ ١٥١).
[ ٨٢٠ ]
القيامة" (^١).
قال القرطبي: "قوله: "ثم ينزل الله من السماء ماء" يعني به بعد نفخة الصعق ينزل هذا الماء هو كمني الرجال، فتتكون فيه الأجسام بقدرة الله تعالى، وعن ذالك عبَّر بقوله: "فينبتون كما ينبت البقل، فإذا تهيأت الأجسام وكمُلَت نفخ في الصور نفخة البعث فخرجت الأرواح من المحال التي هي فيها، قال بعضهم: فتأتي كل روح إلى جسده فيحييها الله تعالى كل ذلك في لحظة، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^٢) " (^٣).
وقال عن "عجب الذنب" الذي يركب منه الخلق يوم القيامة: "عجب الذنب" يقال بالباء والميم، وهو جزء لطيف في أسفل الصلب، وقيل هو رأس العصعص وهو أول ما خلق منه الإنسان، ثم الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى" (^٤).
وبيَّن القرطبي أن الأرض تأكل لحوم بني آدم، كما جاء في هذا الحديث، وهو عام، لكن النبي والشهيد والمؤذن المحتسب مستثنى من هذا العموم" (^٥).
_________________
(١) هو حديث "بين النفختين أربعون" سبق تخريجه ص (٨١٦).
(٢) سورة الزمر، الآية: ٦٨.
(٣) المفهم (٧/ ٣٠٦).
(٤) المفهم (٧/ ٣٠٧).
(٥) انظر: المفهم (٧/ ٣٠٧).
[ ٨٢١ ]
المبحث الثالث الحشر
قال القرطبي: "الحشر: الجمع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (^١) " (^٢).
وقد جاء في الحشر قوله - ﷺ -: "يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين" (^٣).
وقد اختلف العلماء في هذا الحديث، فمنهم من حمله على الحشر في الدنيا، ومنهم من حمله على الحشر في الآخرة، وقد ذهب القرطبي إلى القول الأول (^٤).
والحديث الذي اتفق العلماء على وروده في الحشر هو قوله - ﷺ -: "يا أيها الناس إنبهم تحشرون إلى الله حفاة غرلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ (^٥) ألا وإن أول الناس يكسى يوم القيامة إبراهيم" (^٦).
قال القرطبي: "قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أي: يعيده
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ٤٧.
(٢) المفهم (٧/ ١٥٢).
(٣) سبق تخريجه ص (٧٩٤).
(٤) انظر: المفهم (٧/ ١٥٣).
(٥) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٤.
(٦) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ ح ٤٦٢٥ (٨/ ١٣٥)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ح ٢٨٦٠ (١٧/ ٢٠٠).
[ ٨٢٢ ]
على خلقته الأولى لا ينقص منها شيء. وقوله: "ألا إن أول الناس يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇" هذا يدل على أن الناس كلهم - الأنبياء وغيرهم - يحشروان عراة كما قال في الحديث، وأن أهل السعادة يكسون من ثياب الجنة، لا شك في أن من كسي من ثياب الجنة فقد لبس جبة تقيه مكاره الحشر وعرقه وحرَّ الشمس والنار وغير ذلك" (^١).
أرض المحشر:
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ (^٢).
اختلف العلماء في المراد بالتبديل في هذه الآية هل هو بتغيير ذاتها وصفاتها أو بتغيير صفاتها فقط؟
قال القرطبي، عن هذه الآية مبينًا رأيه في هذه المسألة: "هذا يدل على أن معنى التبديل: إزالة هذه الأرض والإتيان بأرض أخرى لا كما قاله كثير من الناس: أنها تبدل صفاتها وأحوالها فتسوى آكامها وتغير صفاتها وتمد مد الأديم. ولو كان هذا لما أشكل كون الناس فيها عند تبديلها ولما جمعوا على الصراط حينئذ، وقد دل على صحة الظاهر المتقدم حديث عائشة إذ سألت عن هذا رسول الله - ﷺ - فقال مجيبًا لها: "على الصراط" (^٣) والأرض المبدلة هي الأرض التي ذكرها في حديث سهل بن سعد حيث قال: "يحشر الناس على أرض بيضاء عفراء، ليس فيها علم لأحد" (^٤) وهذا
_________________
(١) المفهم (٧/ ١٥٢).
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٤٨.
(٣) رواه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة ح ٢٧٩١ (١٧/ ١٤٠).
(٤) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة ح ٦٥٢١ (١١/ ٣٧٩)، =
[ ٨٢٣ ]
الحشر هو جمعهم فيها بعد أن كانوا على الصراط والله أعلم (^١).
وبيَّن أنه قد يكون التبديل هو قلب الأسفل أعلى، كما قال - ﷺ -: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر" (^٢)
قال القرطبي في شرح هذا الحديث ظاهره أنَّ هذه الأرض تقلب فيعاد ما كان أسفلها أعلاها كما يفعل بالخبزة وهو تبديل صحيح لأن الوجه الذي كان أسفل هو أرض أخرى غير الوجه الذي كان أعلى فهو تبديل محقق فيجوز أن يكون هذا هو التبديل الذي أراد الله تعالى في الآية (^٣).
_________________
(١) = ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة ح ٢٧٩٠ (١٧/ ١٤٠).
(٢) المفهم (١/ ٥٧٣). وانظر: (٧/ ٣٥١).
(٣) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب نفخ الصور ح ٦٥٢٠ (١١/ ٣٧٩)، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار باب نزل أهل الجنة ح ٢٧٩٢ (١٧/ ١٤١).
(٤) المفهم (٧/ ٣٥٢).
[ ٨٢٤ ]
المبحث الرابع الميزان
قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ (^١)، وقال - ﷺ -: "يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعت" (^٢).
قال الحافظ ابن حجر: "أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة؛ لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين" (^٣).
وقد قال بعض أهل السنة أن الميزان بمعنى العدل والقضاء (^٤).
والصحيح ما عليه جمهور أهل السنة وهو الذي ذهب إليه القرطبي.
ما الذي يوزن في الميزان:
اختلف أهل العلم في الذي يوزن في الميزان هل هو الأعمال أم
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٤٧.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الأهوال، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٦١٩) حديث ٩٤١.
(٣) فتح الباري (١٣/ ٥٤٨)، وقد نقله عن الزجاج.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٩/ ٣٣)، وتفسير القرطبي (١١/ ١٩٤)، وزاد المسير لابن الجوزي (٣/ ١٣٠).
[ ٨٢٥ ]
صحائف الأعمال أم العامل نفسه؟ (^١).
والقرطبي قد رجَّح أن الذي يوزن هي الأعمال، ونفى وزن الأشخاص، وذلك عند شرحه لقوله - ﷺ -: "ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة، اقرؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (^٢) " (^٣).
حيث قال: "أي: لا قيمة له ولا قدر إذ لا عمل له يوزن فإن الأعمال هي التي توزن أي: صحتها لا أشخاص العاملين، وقد قال - ﷺ - في عبد الله بن مسعود - ﵁ -: "أتعجبون من حموشة ساقيه؟ لهيَ أثقل في الميزان من أُحد" (^٤) أو كما قال. أي: الأعمال التي عمل بها أثقل في الميزان، لا أن ساقيه توضعان في الميزان، ولا شخصه، كما قد ذهب إليه بعض المتكلمين على هذه الآية، فقال: إن الأشخاص توزن" (^٥).
وما نسبه القرطبي إلى المتكلمين قد قال به بعض أهل السنة، فالمسألة خلافية بينهم.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٩/ ٣٣)، والتذكرة للقرطبي ص (٣٦٠)، ومعارج القبول للحكمي (٢/ ٨٤٤).
(٢) سورة الكهف، الآية: ١٠٥.
(٣) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ح ٤٧٢٩ (٨/ ٢٧٩)، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار ح ٢٧٨٥ (١٧/ ١٣٥).
(٤) رواه أحمد في المسند (١/ ١١٤)، وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الفضائل، باب ما ذكر في عبد الله بن مسعود (٦/ ٣٨٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني من طرق، وأمثل طرقها فيه عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح (٩/ ٢٨٩).
(٥) المفهم (٧/ ٣٥٩).
[ ٨٢٦ ]
والذي يترجح جمعًا بين الأقوال، وإعمالًا لجميع النصوص الواردة في ذلك ما ذهب إليه الشيخ حافظ الحكمي (^١) - ﵀ -: حيث قال: "والذي استظهر من النصوص - والله أعلم - أن العامل وعفله وصحيفة عمله - كل ذلك يوزن؛ لأن الأحاديث التي في بيان القرآن قد وردت بكل ذلك ولا منافاة بينها" (^٢).
_________________
(١) حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، ولد ونشأ وتعلم في جيزان جنوب المملكة، برز من صغره وكان آية في الذكاء والحفظ حتى فاق أقرانه، ودرَّس زملاءه، تولى إدارة المعهد العلمي بصامطة حتى توفي وذلك بمكة بعد موسم الحج سنة (١٣٧٧ هـ) وعمره ٣٥ سنة رحمه الله تعالى. العلماء الذين لم يتجاوزوا سن الأشد ص (٢١٥)، معجم المؤلفين (١/ ٥١٩).
(٢) معارج القبول للحكمي (٢/ ٨٤٨).
[ ٨٢٧ ]
المبحث الخامس الشفاعة
قال القرطبي في تعريف الشفاعة: "الشفاعة أصلها؛ الضم والجمع، ومنه ناقة شفوع، إذا جمعت بين حلبتين في حلبة واحدة، وناقة شافع، إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها والشفع ضم واحد إلى واحد، والشفعة: ضم ملك الشريك إلى ملكك. فالشفاعة إذن: ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق: إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعة إلى المشفوع" (^١).
وقد دلَّ الكتاب والسنة على وقوع الشفاعة يوم القيامة بشرطين:
الأول: أن تكون بعد إذن الله تعالى للشافع.
الثاني: أن يرضى الله تعالى عن المشفوع له.
قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (^٣).
والأحاديث فيها كثيرة، منها حديث الشفاعة العامة الطويل الذي سبق تخريجه عند الحديث عن خصائص الرسول - ﷺ -، ومنها قوله - ﷺ -: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع" (^٤).
ولم ينكرها إلَّا الخوارج والمعتزلة بناء على مذهبهم في مرتكب
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٢٨).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٨.
(٤) سبق تخريجه ص (٦٤٥).
[ ٨٢٨ ]
الكبيرة، ويرد عليهم قوله - ﷺ -: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (^١).
أنواع الشفاعة:
ذكر القرطبي عن القاضي عياض أن شفاعات النبي - ﷺ - يوم القيامة أربع، وهي:
الأولى: شفاعته العامة لأهل الموقف ليعجل حسابهم ويراحوا من هول موقفهم، وهي الخاصة به - ﷺ -.
الثانية: في إدخال قوم الجنة دون حساب.
الثالثة: في قوم من موحدي أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيخرجون من النار ويدخلون الجنة بشفاعته، وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة: الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح العقليين، وتلك الأصول قد استأصلها أئمتنا في كتبهم لأنها مصادمة لأدلة الكتاب والسنة الدالة على وقوع الشفاعة في الآخرة، ومن تصفح الشريعة والكتاب والسنة وأقوال الصحابة وابتهالهم إلى الله تعالى في الشفاعة علم على الضرورة صحة ذلك وفساد من خالف في ذلك.
الرابعة: في زيادة الدرجات في الجنة وترفيعها (^٢).
وبيَّن شفاعات غير النبي - ﷺ - في يوم القيامة عند شرحه لقوله - ﷺ -: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأوَّل من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول
_________________
(١) رواه أبو داود في كتاب السنة، باب في الشفاعة والترمذي في أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٦٩١) حديث ٣٧١٤.
(٢) المفهم (١/ ٤٣٧).
[ ٨٢٩ ]
مشفع" (^١) حيث قال: "مقصود هذا الحديث أن يبين أنه لا يتقدمه شافع، لا من الملائكة ولا من النبيين، ولا من المؤمنين في جميع أقسام الشفاعات، على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف لا تكون لغيره" (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٦٤٥).
(٢) المفهم (٦/ ٤٩).
[ ٨٣٠ ]
المبحث السادس الحوض
لقد أكرم الله تعالى نبيه - ﷺ - بخصائص كثيرة، منها هذا الحوض الذي جاءت الأحاديث في إثباته ووصفه وبيان من يَرِدُ عليه ممن يذاد عنه.
وجوب الإيمان به والرد على من أنكره:
قال القرطبي: "ومما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به: أن الله تعالى قد خصَّ نبيه محمدًا - ﷺ - بالكوثر، الذي هو الحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة، التي يحصل بمجموعها العلم القطعي واليقين التواتري، إذ قد روى ذلك عن النبي - ﷺ - من الصحابة نيِّفٌ على الثلاثين، في الصحيحين منهم نيِّفُ على العشرين، وباقيهم في غيرهما، مما صح نقله واشتهرت روايته، ثم قد رواها عن الصحابة من التابعين أمثالهم ثم لم تزل تلك الأحاديث مع توالي الأعصار وكثرة الرواة لها في جميع الأقطار تتوفر همم الناقلين لها على روايتها وتخليدها في الأمهات، وتدوينها إلى أن انتهى ذلك إلينا، وقامت به حجة الله علينا، فلزمنا الإيمان بذلك، والتصديق به كما أجمع عليه السلف وأهل السنة من الخلف، وقد أنكرته طائفة من المبتدعة، وأحالوه عن ظاهره، وغلوا في تأويله من غير إحالة عقلية، ولا عادية تلزم من إقراره على ظاهره، ولا منازعة سمعية ولا نقلية تدعو إلى تأويله، فتأويله تحريفٌ صدر عن عقل سخيف خرق به إجماع السلف، وفارق به
[ ٨٣١ ]
مذهب أئمة الخلف" (^١).
موضع الحوض:
وقع الاختلاف بين العلماء في موضع الحوض: أهو قبل الصراط أم بعده؟
والقرطبي - ﵀ - يرى أن الحوض بعد الصراط، واستدل بقوله - ﷺ - عن الحوض: "من شرب منه لم يظمأ أبدًا" (^٢) حيث قال: "ظاهر هذا وغيره من الأحاديث: أن الورود على هذا الحوض والشرب منه إنما يكون بعد النجاة من النار، وأهوال القيامة؛ لأن الوصول إلى ذلك المحل الشريف والشرب منه والوصول إلى موضع يكون فيه النبي - ﷺ -، ولا يمنع عنه من أعظم الإكرام، وأجل الإنعام، ومن انتهى إلى مثل هذا كيف يعاد إلى حساب أو يذوق بعد ذلك تنكيل خزي وعذاب؟ ! فالقول بذلك أوهى من السراب" (^٣).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر الخلاف في هذا، وبيَّن استدلال كل فريق بما ذهب إليه، واستظهر أن مذهب البخاري أن الحوض بعد الصراط؛ لأن البخاري أورد أحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة وأحاديث الصراط (^٤).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٩٠).
(٢) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب في الحوض، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ح ٦٥٧٩ (١١/ ٤٧٢)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته ح ٢٢٩٢ (١٥/ ٦٠).
(٣) المفهم (٦/ ٩١).
(٤) فتح الباري (١/ ٤٧٤).
[ ٨٣٢ ]
وقد حاول الشيخ زيد بن عبد العزيز الفياض (^١) الجمع بين القولين، فقال بعد أن أورد الأحاديث المبينة لعظم الحوض وطوله: "فإذا كان بهذا الطول والسعة فما الذي يحيل امتداده إلى ما وراء الجسر، فيرده المؤمنون قبل الصراط وبعده، فهذا في حيز الإمكان، ووقوعه موقوف على خبر الصادق والله أعلم" (^٢).
عظم الحوض ودفع دعوى الاضطراب في أحاديث تحديده:
لقد جاءت أحاديث كثيرة في بيان صفة هذا الحوض، وقع فيها بعض الاختلاف في تقدير مسافة الحوض، مما جعل بعض العلماء يحكمون على تلك الأحاديث بالاضطراب، فقال القرطبي في الرد عليهم: "قد اختلفت الألفاظ الدالة على مقدار الحوض، كما هو مبين في الروايات المذكورة في الأصل، وقد ظنَّ بعض القاصرين أن ذلك اضطراب وليس كذلك، وإنما تحدث النبي - ﷺ - بحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة إشعارًا بأن ذلك تقدير لا تحقيق، وكلها تفيد أنه كبير متسع متباعد الجوانب والزوايا، ولعل سبب ذكره للجهات المختلفة في تقدير الحوض أن ذلك إنما يكون بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها والله أعلم" (^٣).
_________________
(١) زيد بن عبد العزيز بن زيد بن فياض أحد العلماء المعاصرين المكثرين من التأليف درَّس في جامعة الإمام، وتولى قبلها عدة أعمال في الافتاء ورئاسة القضاء له العديد من المؤلفات منها: "نظرات في الشريعة" و"واجب المسلمين في نشر الإسلام" وغيرها. توفي ﵀ في (٢١/ ١١/ ١٤١٦ هـ) علماء نجد للبسام (٢/ ٢٠٣) موسوعة الأدباء والكتاب السعوديين لأحمد سعيد بن مسلم (٣/ ٧٠).
(٢) الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية لزيد الفياض ص (٣٣٩).
(٣) المفهم (٦/ ٩٢)، وانظر: (٦/ ٩٥)، وقد قرر الحافظ ابن حجر ما قرره القرطبي وحاول =
[ ٨٣٣ ]
من يَرِدُ الحوضَ ومن يُرَدُّ عنه:
قال - ﷺ -: "إني لبعُقْرِ حوضي أذود الناس لأهل اليمن" (^١) قال القرطبي في شرح هذا الحديث: "يعني السابقين من أهل اليمن الذين نصره الله بهم في حياته وأظهر الدين بهم بعد وفاته، وقد تقدم أن المدينة من اليمن، وأنهم أحق بهذا الإكرام من غيرهم، لما ثبت لهم من النُّصرة والأثرة، ولذلك قال للأنصار: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" (^٢) وأذود: أدفع، فكأنه يطرِّق لهم مبالغة في إكرامهم حتى يكونوا أول شارب كما يفعل بفقراء المهاجرين إذ ينطلق بهم إلى الجنة، فيدخلهم إلى الجنة قبل الناس كلهم" (^٣).
وقد جاء في حديث آخر: دفع أناس عنه، حيث قال - ﷺ -: "ألا ليُذَادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم: ألا هَلُمَّ ألا هلُمَّ فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا" (^٤)، قال القرطبي: "اختلف العلماء في تأويله فالذي صار إليه الباجي (^٥) وغيره وهو الأشبه
_________________
(١) = الجمع بين هذه الألفاظ فقال في توجيه هذا الاختلاف: "وإذا تقرر ذلك رجع جميع المختلف إلى أنه لاختلاف السير البطيء والسريع" فتح الباري (١١/ ٤٨٠).
(٢) رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا محمد - ﷺ - وصفاته ح ٢٣٠١ (١٥/ ٦٨).
(٣) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي ﵇ للأنصار: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" ح ٣٧٩٢ (٧/ ١٤٦)، ومسلم في كتاب الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام ح ١٠٥٩ (٧/ ١٥٧).
(٤) المفهم (٦/ ٩٦).
(٥) رواه مسلم في كتاب الطهارة باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء ح ٢٤٩ (٣/ ١٤٠).
(٦) أبو الوليد سليمان بن خلف التجيبي القرطبي الشهير بالباجي رحل كثيرًا في طلب العلم حتى برز له تصانيف كثيرة مشهورة توفي سنة (٤٧٤ هـ). سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٣٥)، الديباج =
[ ٨٣٤ ]
بمساق الأحاديث، أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناس نافقوا وارتدوا من الصحابة وغيرهم فيحشرون في أمة النبي - ﷺ - وعليهم سيماء هذه الأمة من الغرة والتحجيل، فإذا رآهم النبي - ﷺ - عرفهم بالسيماء، ومن كان من أصحابه بأعيانهم فيناديهم؛ "ألا هلم" فإذا انطلقوا نحوه حيل بينهم ودينه وأُخذ بهم ذات الشمال، فيقول النبي - ﷺ -: "يارب أمتي ومن أمتي" وفي لفظ آخر: "أصحابي" فيقال له إذ ذاك: "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم" فإذ ذاك تذهب عنهم الغرة والتحجيل ويطفأ نورهم فيبقون في الظلمات فينقطع بهم عن الورود وعن جواز الصراط، فحينئذ يقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ فيقال لهم: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (^١) مكرًا وتنكيلًا ليتحققوا مقدار ما فاتهم فيعظم أسفهم وحسرتهم أعاذنا الله من أحوال المنافقين، وألحقنا بعباده المخلصين، وقال الداودي وغيره: يحتمل أن يكون هذا في أهل الكبائر والبدع الذين لم يخرجوا عن الإيمان ببدعتهم، وبعد ذلك يتلافاهم الله برحمته ويشفع لهم النبي - ﷺ - قال القاضي عياض: والأول أظهر" (^٢).
_________________
(١) = المذهب ص (١٩٧).
(٢) سورة الحديد، الآية: ١٣.
(٣) المفهم (١/ ٥٠٤، ٥٠٥).
[ ٨٣٥ ]
المبحث السابع الصراط
قال القرطبي في تعريف الصراط: "الصراط في اللغة: هو الطريق، وفيه لغات: الصاد والسين والزاي، وهو هنا: الطريق من أرض المحشر إلى الجنة، وهو منصوب على متن جهنم، أدقُّ من الشعر، وأحدُّ من السيف، وهو المسمى بالجسر في الحديث الآخر" (^١).
"فجهنم - أعاذنا الله منها - محيطة بأرض المحشر وحائلة بين الناس وبين الجنة، ولا طريق للجنة إلَّا الصراط الذي هو جسر ممدود على متن جهنم، فلابد لكل من ضمه المحشر من العبور عليه فناج مُسَلَّمٌ، ومخدوش مرسل، ومُكَردسٌ في نار جهنم" (^٢).
وأول من يجتاز هذا الصراط هذه الأمة إكرامًا لها، كما قال - ﷺ -: "فأكون أنا وأمتي أول من يجيز" (^٣).
وصفة مرور الناس على الصراط على قدر أعمالهم كما قال - ﷺ -: "وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلَّا زحفًا، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج،
_________________
(١) المفهم (١/ ٤١٩).
(٢) المفهم (٦/ ٤٤٤).
(٣) سبق تخريجه ص (٦٢٥).
[ ٨٣٦ ]
ومكردس في جهنم" (^١).
قال القرطبي: "قوله: "تجري بهم أعمالهم" يعني: أن سرعة مرهم على الصراط بقدر أعمالهم ألا تراه كيف قال: "حتى تعجز أعمال العباد" وشد الرجال: جريهم الشديد والزحف: مشي الضعيف والموبق بعمله: المهلك بعمله السيء" (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة ح ١٩٥ (٣/ ٧٠).
(٢) انظر: المفهم (١/ ٤٢٠، ٤٤٨).
[ ٨٣٧ ]
المبحث الثامن ذبح الموت
لقد جاء في الحديث أن الموت يذبح يوم القيامة بين الجنة والنار إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ليكون زيادة في سعادة أهل الجنة وإكمالًا لنعيمهم وأمنًا لهم وعذابًا لأهل النار وزيادة لأحزانهم قال - ﷺ -: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون من هذا؟ فيشرئبون فينظرون فيقولون: نعم هذا الموت! قال: ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون من هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح قال: ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت ويا أهل النار! خلود فلا موت" ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ (^١) وأشار بيده إلى الدنيا" (^٢).
وقد استشكل هذا الحديث على البعض إذ قالوا: إن الموت عرض والعرض لا ينقلب جسمًا فكيف يذبح؟ فزعموا أن هذا يخالف صريح العقل (^٣).
لذا ذهب بعضهم إلى الطعن في صحة الحديث ومن سلم بالحديث صرفه عن ظاهره حيث جعلوا هذا من باب التمثيل لا الحقيقية، وقال
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٣٩.
(٢) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ ح ٤٧٣٠ (٨/ ٢٨٢)، ومسلم في كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها ح ٢٨٤٩ (١٧/ ١٩٠).
(٣) قال شيخ الإسلام: "الأنبياء جاءوا بما تعجز العقول عن معرفته ولم يجيئوا بما تعلم العقول بطلانه فهم يخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول" الفتاوى (٢/ ٣١٢)، وانظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (٢/ ٥٧٨).
[ ٨٣٨ ]
آخرون: أن هذا الذبح لمتولي الموت لا للموت نفسه.
والقرطبي - ﵀ - ممن استشكل عليه هذا الحديث فالتمس له التأويل حيث قال في شرحه: "ظاهر هذا الحديث مستحيل وذلك أن العقلاء اتفقوا على أن الموت: إما عرض مخصوص، وإما نفي الحياة، ولم يذهب أحد إلى أنه من قبيل الجواهر وأيضًا: فإن المدرك من الموت والحياة إنما هما أمران متضادان متعاقبان على الجواهر كالحركة وكالسكون، وقد دل على ذلك من جهة السمع قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (^١) فهذا يبطل قول من قال من المعتزلة: إن الموت عدم الحياة لأن العدم لا يخلق ولا يوجب اختصاصًا للجواهر واستيفاء المباحث العقلية في علم الكلام وإذا تقرر ذلك استحال أن ينقلب الموت كبشًا لأن ذلك انقلاب الحقائق وهو محال وقد تأول الناس ذلك الخبر على وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى خلق صورة كبش خلق فيها الموت فلما رآه أهل الجنة وأهل النار وعرفوه فعل الله فيه فعلًا يشبه الذبح أعدمه عند ذلك الفعل حتى يأمنه أهل الجنة فيزدادوا سرورًا إلى سرورهم وييأس منه أهل النار فيزدادوا حزنًا إلى حزنهم وعلى هذا يدل باقي الحديث، ولا إحالة في شيء من ذلك ولا بُعد.
والوجه الثاني: أن المراد بالحديث تمثيل عدم الموت على جهة التشبيه والاستعارة ووجهه: أن الموت لما عدم في حق هؤلاء صار بمثابة الكبش الذي يذبح فينعدم فعبَّر عنه بذلك وهذا فيه بُعْدُ وتحميل للكلام على ما لا يصلح له والوجه المعنى: الأول والله أعلم" (^٢).
_________________
(١) سورة الملك، الآية: ٢.
(٢) المفهم (٧/ ١٩٠).
[ ٨٣٩ ]
وكذا المازري أوَّل هذا الحديث فقال: الموت عرض من الأعراض عندنا يضادُّ الحياة وقال بعض المعتزلة: ليس بمعنى وهو يرجع إلى عدم الحياة وعلى المذهبين وإن كان الثاني منهما خطأ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ فأثبت الموت مخلوقًا ولغير ذلك من الأدلة لا يصح أن يكون الموت كبشًا ولا جسمًا من الأجسام وإنما المراد التشبيه والتمثيل وقد يخلق الباري سبحانه هذا الجسم ثم يذبح ويجعل هذا مثالًا؛ لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة" (^١).
والصحيح أن ما أنكروه ليس بمحال إذ لا مانع أن ينشيء الله من الأعراض أجسادًا يجعلها مادة لها كما ثبت في صحيح مسلم في حديث: "أن البقرة وآل عمران يجيئان كأنهما غمامتان" (^٢) ونحو ذلك من الأحاديث (^٣).
وهذا الحديث وأمثاله ينبغي أن نؤمن به ونترك الخوض في حقيقته ونعلم "أن الله تعالى على كل شيء قدير" "وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون" فالعقول لا تحكم بمثل هذه المسائل وهي مسائل الغيب، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) المعلم (٣/ ٢٠٣).
(٢) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة ح ٨٠٤ (٦/ ٣٣٧).
(٣) فتح الباري (١١/ ٤٢٩).
[ ٨٤٠ ]
الفصل الرابع الجنة والنار
الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين الذين عملوا بطاعته في الدنيا، وابتعدوا عن معصيته، وقد أعد ﷾ لهم فيها من أنواع النعيم ومن الحور والقصور ما لا يعلمه إلَّا الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ (^١).
وقد قال - ﷺ - في بيان ما أعد الله تعالى في الجنة من النعيم، قال الله ﷿: "أعددت العبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (^٢)، وأما النار فهي دار أعدها الله تعالى لمن عصاه، وخالف أمره، في هذه الدنيا، فهي دار الذل والهوان والعذاب، ولذا جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله - ﷺ - في بيان عذاب أهلها وشدة نكالهم ما فيه رادع لمن له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، قال تعالى محذرًا منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢)
_________________
(١) سورة الدخان، الآيات: ٥١ - ٥٧.
(٢) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة ح ٣٢٤٤ (٦/ ٣٦٦)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ح ٢٨٢٤ (١٧/ ١٧١).
(٣) سورة التحريم، الآية: ٦.
[ ٨٤١ ]
لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ (^١).
فنحن نؤمن بالجنة وما أعد الله فيها من النعيم، ويكون هذا الإيمان دافعًا للعمل الصالح المقرب إلى الله تعالى الموصل إلى دار كرامته (^٢).
ونؤمن بالنار، وما أعد الله تعالى فيها لمن عصاه ويكون هذا الإيمان مانعًا من اقتراف المعاصي والذنوب لأنها هي الطريق إلى هذا العذاب الأليم والنكال والجحيم (^٣).
فالإيمان بالجنة والنار ينحصر في ثلاثة أمور:
الأول: اعتقاد كونهما حقًّا لا ريب فيه.
الثاني: اعتقاد وجودهما الآن.
الثالث: اعتقاد دوامهما وبقائهما بإبقاء الله تعالى لهما وأنهما لا تفنيان أبدًا ولا يفنى من فيهما.
قال الصابوني: ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدًا وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدًا وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها (^٤) لا يخرجون أبدًا" (^٥).
خلق الجنة والنار:
الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن فالجنة معدة للمتقين والنار
_________________
(١) سورة النبأ، الآيات: ٢١ - ٢٦.
(٢) انظر: المفهم (١/ ٤٢٣، ٤٣٨، ٢/ ٣٣، ٥/ ٢٧١، ٦/ ٥٣٠. ٧/ ١٦٦١).
(٣) انظر: المفهم (١/ ٤٢٢، ٤٩٥، ٢/ ٢٤٤، ٥٥٤، ٧/ ١٨٦، ١٨٧).
(٤) وهم الكفار وأما من يدخل النار من الموحدين فلم يخلق لها.
(٥) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص (١٠٣).
[ ٨٤٢ ]
معدة للكافرين قال تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (^١) وقال تعالى عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (^٢) والأدلة من السنة كثيرة: منها قوله - ﷺ - عندما قال الصحابة: فلان شهيد، قال: "كلا إني أريته في النار في بردة غلها أو عباءة" (^٣).
قال القرطبي؛ "قوله: "إني أريته في النار" ظاهره أنها رؤية عيان ومشاهدة لا رؤية منام فهو حجة لأهل السنة على قولهم: إن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا" (^٤).
وقوله - ﷺ - في حديث خسوف الشمس: "رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت ورأيت فيها ابن لحي (^٥) " (^٦).
قال القرطبي: "هذه الرؤية رؤية عيان حقيقة لا رؤية علم بدليل: أنه رأى في الجنة والنار أقوامًا بأعيانهم ونعيمًا وقطفًا من عنب وتناوله وغير ذلك ولا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها لاسيما على مذاهب أهل السنة: في أن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا كما دل عليه الكتاب والسنة" (^٧).
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٤.
(٣) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب تحريم الغلول ح ١١٤ (٢/ ٤٨٧).
(٤) المفهم (١/ ٣٢١).
(٥) عمرو بن لحي الخزاعي وهو أول من غير دين إبراهيم وأدخل عبادة الأثان في مكة.
(٦) رواه البخاري في كتاب الكسوف باب صلاة الكسوف جماعة ح ١٠٥٢ (٢/ ٦٢٧)، ومسلم في كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف ح ٩٠١ (٦/ ٤٥٣).
(٧) المفهم (٢/ ٥٥٣).
[ ٨٤٣ ]
وقال في موضع آخر: "أهل السنة يقولون: أن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا خلافًا للمبتدعة الذين قالوا: إنهما لم تخلقا بعد وستخلقان" (^١).
وهذا هو القول الصواب؛ إذ أهل السنة والجماعة قد اتققوا على ذلك.
قال الآجري: اعلموا - رحمنا الله وإياكم - أنَّ القرآن شاهد أن الله خلق الجنة والنار قبل أن يخلق آدم - ﵇ - وخلق للجنة أهلًا قبل أن يخرجهم إلى الدنيا لا يختلف في هذا من شمله الإسلام وذاق حلاوة طعم الإيمان دل على ذلك القرآن والسنة فنعوذ بالله ممن كذب بهذا" (^٢).
خلود الجنة والنار:
الجنة والنار باقيتان لا تفنيان قال تعالى عن أهل الجنة:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ (^٣) وقال تعالىِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ (^٤)، وقال - ﷺ -: "يدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يؤذن مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه" (^٥).
قال القرطبي: "من مات على الشرك لا يدخل الجنة ولا يناله من الله
_________________
(١) المفهم (٦/ ٥٤٠). وانظر: (٧/ ١٨٨).
(٢) الشريعة للآجري (٣/ ١٣٤٣)، وانظر: شرح الطحاوية (٢/ ٦١٤).
(٣) سورة التوبة، الآية: ٢٢.
(٤) سورة الأحزاب، الآيتان: ٦٤، ٦٥.
(٥) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ح ٦٥٤٤ (١١/ ٤١٤)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ح ٢٨٥٠ (١٧/ ١٩٢).
[ ٨٤٤ ]
تعالى رحمة ولي خلد في النار أبد الآباد من غير انقطاع عذاب ولا تصرم آباد وهذا معلوم ضروري من الدين مجمع عليه من المسلمين" (^١).
وقال في موضع آخر: "أما نشأة الآخرة فهي للبقاء، إما في نعيم أو في عذاب إذ لا موت كما قال في حق الكفار: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] (^٢) " (^٣).
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا لمن خالفهم فيها قال ابن تيمية - ﵀ -: "وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرش وغير ذلك ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلَّا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وإجماع سلف الأمة وأئمتها" (^٤).
_________________
(١) المفهم (١/ ٢٩٠).
(٢) سورة النساء، الآية: ٥٠٦.
(٣) المفهم (٧/ ٣٢).
(٤) الفتاوى (١٨/ ٣٠٧)، وانظر: شرح الطحاوية (٢/ ٦٢٠).
[ ٨٤٥ ]