ويشتمل على:
١ - بيان معنى العتاب وحقيقته.
٢ - بيان معنى الذنب. وتحليل الآيات القرآنية الكريمة التي ورد فيها ذكر الذنب مضافًا إلى ضمير خطاب رسول الله - ﷺ -.
٣ - بيان معنى التوبة واختلافها باختلاف التائبين.
٤ - بيان أنواع العتاب في الآيات التي وقع فيها البحث.
* * * *
[ ١٠٩ ]
معنى العتاب
نظر المعنيون بدراسة البيان العربي وآدابه إلى مناهج التعبير وأساليب التخاطب التي ينقل بها المتكلم ما يروم التحدث به إلى غيره، فوجدوا أن هناك دوافع ومحرضات تحمل المتكلم على إظهار ما لديه من معان في نظم من القول تختلف أساليبه وفنونه بحسب اختلاف الموضوع الذي يراد فهمه وإفهامه طبقًا لمقتضى الحال، فليس مقام أداء الحقائق العلمية كأداء المعاني الأدبية، وليس أداء الحقائق التعبدية كأداء حقائق الترغيب والترهيب، وليس القول في المعاتبة كالقول في التغضب والهجران وهكذا في سائر مقامات الكلام إذ لكل مقام مقال كما يقول أرباب البلاغة.
* * *
تباين أسلوب الآيات المكية والمدنية في تربية الله للنبي - ﷺ -
وقد عالج القرآن الكريم مقامات الكلام وأساليبه بحسب موضوعاتها فنرى اختلاف الأساليب المكية التي جاءت لإثبات العقيدة والبرهنة عليها ومجادلة المخالفين لها -في الأعم الأغلب- عن أساليبه في السور المدنية التي جاءت -في أكثر أحوالها ومناسباتها- لبيان الأحكام الشرعية والآداب الاجتماعية، والصفات الخلقية، وأحوال المجتمع السياسية، وأصول الحكم وغير ذلك.
ففي السور المكية نلمح شدة الأسلوب وقوة الأسر في العبارات وقصر الفقر والآيات، ونزولها على نحو من الاتساق النظمي ليكون مدخلًا لها إلى القلوب.
ونرى في السور المدنية هدوءًا في التعبير، وتفصيلًا في بيان الأحكام والشرائع.
[ ١١٠ ]
ومن ثم نرى هذا الاختلاف في أسلوب آيات التربية الإلهية للنبي - ﷺ -، فهي في الآيات المكية تحمل في طياتها قوة صارمة وتوجيهًا بليغًا، وذلك لحفز عزيمة النبي - ﷺ -، وتقوية إرادته أمام مصادمة العناد الكافر ومجادلة الشرك والوثنية.
وفي الآيات المدنية تأتي آيات التربية للنبي - ﷺ - وادعة هادئة موجهة كأنما هي سلاسل من العطف، والحنو الدافع إلى الامتثال.
وعلى هذا الأساس نجد أن آيات التربية والعتاب للنبي - ﷺ - وما يجري مجراها مما جاء للنضح عن النبي - ﷺ - والدفاع عنه تجري في هذا المجرى فنجد مثلًا في سورة الحاقة وهي مكية قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦». وفي سورة الإسراء وهي مكية أيضًا نجد قوله تعالى: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥). ونجد في مفتتح سورة عبس هذا اللون التربوي بأجلى صورة.
بينما نجد في سورة التوبة -وهي مدنية- قوله تعالى (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) وفي مفتتح سورة التحريم -وهي مدنية أيضًا- نجد قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١).
[ ١١١ ]
فافتتاح الآية بهذا الاستفهام المتلطف في التقرير وختمها بقوله (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) غاية في التلطف بالنبي - ﷺ -.
وهذا يدل دلالة قاطعة على أن أسلوب الآيات التربوية يجري في نسق الآيات المكية بما فيها من القوه والشدة، ونجد أسلوب آيات التربية والعتاب يجري في نسق السور المدنية بما فيها من لين الجانب ووداعة الأسلوب والتوجيه.
* * *
ما يلمح من شدة العتاب فيراد به تربية المجتمع
وما قد يلمح من شدة في بعض آيات العتاب المدنية مثل قوله تعالى (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨». فإنما القصد فيه إلى نوع من تربية المجتمع الإسلامى في أشخاص أصحاب النبي - ﷺ - لتكون أسسًا للتربية العامة في جميع مراحل الحياة، ولهذا عدل عن توجيه الكلام بطريق الإفراد في أول الكلام في قوله (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ ) الذي أخرج مخرج الغيبة مع أن المقصود به هو النبي - ﷺ - إلى الجمع في قوله (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) الذي قصد به تربية جماعة المؤمنين.
ولما كان موضوع رسالتنا البحث في آيات عتاب النبي - ﷺ - كان من اللازم أن نبين المعاني التي استعمل فيها العتاب ونستطرد إلى بيان معنى الذنب كذلك، ثم نبين معنى التوبة مما أسند للنبي - ﷺ - في بعض الآيات لينصرف الكلام بعد ذلك إلى الحديث عن آيات العتاب التي وقفنا عليها
[ ١١٢ ]
في سور القرآن الكريم.
* * *
العتاب في اللغة
ونبدأ بالعتاب فنقول: مادة (عتب) في اللغة تستعمل لمعان كثيرة منها: أن العتاب مخاطبة الإدلال والإشفاق. قال الخليل: " وحقيقة العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموحدة ".
وقد بسط الأزهري في التهذيب عبارة الخليل فقال: ". . والعتاب مخاطبة الإدلال وكلام المدلين أخِلاءَهم طالبين حسن مراجعتهم ومذاكرة بعضهم بعضًا ما كرهوه مما كسبهم الموحدة ".
وهذا المعنى هو أنسب معاني العتاب وأمسها بموضوعنا.
وعلى ضوئه نفهم أن عتاب الله تعالى لنبيه - ﷺ - معناه: تذكيره - ﷺ - في تلطف وإشفاق- لما يقع من الخطأ في اجتهاده توصلًا إلى تصحيح هذا الخطأ الذي يعود به الرسول - ﷺ - إلى موافقة مراد الله تعالى، وتحقيق المطلوب منه ﵊ فينال كامل الرضا.
* * *
منهجي في التعرف على آيات العتاب
بعد أن وفقني الله تعالى لاختيار آيات عتاب النبي - ﷺ - موضوعًا لبحثي عدت إلى القرآن الكريم أتلوه وأتتبع آياته وأقف عند كلماته، أقضي في تلاوته -والحمد لله- ساعات طويلة ليل نهار منفردًا بنفسي منعمًا الفكر فيما يوجه فيه الخطاب إلى رسول الله - ﷺ - محاولًا أن أستخلص آيات عتابه ﵊ من غيرها.
[ ١١٣ ]
فلما غلب على ظني مواطن العتاب في آيات، وأصبحت ماثلة في ذهني عدت ثانية أعمل الفكر في ترتيبها وأبحث عن نهج يمكنني أن أضبط به أنواع العتاب فيها مستهديًا الله تعالى في أن يكون هذا النهج منسجمًا مع المقصود من آيات عتاب سيد الخلق سيدنا رسول الله - ﷺ -، فوجدت -بحسب ما وصل إليه علمي- أن العتاب في هذه الآيات لا يخرج عن ثلاثة أنواع رئيسية هي:
أنواع عتاب الله تعالى لنبيه ﵊:
١ - النوع الأول: -
عتاب التوجيه:
القسم الأول من هذه الأنواع هو ما أطلقنا عليه (عتاب التوجيه) وهو ما يقصد به توجيه الرسول - ﷺفي مطلع الرسالة والدعوة إليها- إلى ما يراد منه في تبليغ ما أنزله الله عليه من آيات رسالته وتبليغ ذلك إلى الأمة مهما لاقى في سبيل ذلك من إعنات وعناد وعقبات وإيذاء، ووقوفه بعزيمة صارمة وقوة إرادة ماضية أمام طغيان الشرك وعناد المشركين وشدة تمسكهم بما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم من وثنية ملحدة وكفر عنيد، فلا يبالي بما يلقاه منهم من تكذيب ورد لرسالته، وسخرية به واستهزاء بما يلقيه إليهم من آيات الله حتى يخرجهم من ظلمات هذه الجهالة البليدة إلى نور المعرفة والعلم فيعرفوا الحق ويتقلبوه ويهتدوا بهديه.
وهذا النوع ينقسم إلى قسمين فرعيين:
[ ١١٤ ]
أولهما: عتاب الدفع وتقوية العزيمة لينهض الرسول - ﷺ - بأبلغ الطاقة البشرية في تبليغ الرسالة ونشر الدعوة وألا يبالي بشيء يقف معوقًا لرسالته وتبليغ دعوته.
ثانيهما: عتاب الإقصار والمقصود منه تخفيف اندفاع النبي - ﷺ - في التبليغ عما يشق على نفسه من الجهد، وبذل فوق ما يستطع من طاقته البشرية حتى كاد يبخع نفسه ويضعف قوته لعظم ما كان يكابد مما كاد -لو استمر فيه- أن يؤخر نشر الدعوة.
وهذا القسم كالثمرة للقسم الأول لأن ما جاء في قوة الدفع والإغراء وشدة الخطاب جعل رسول الله - ﷺ - يندفع بقوة إلى تبليغ ما أنزل عليه ربه من آيات تخاطب الكفار وتجبه المشركين تجبيها يغمزهم من جميع جوانبهم العقدية والعقلية والاجتماعية حتى كان - ﷺ - يبلغ في ذلك كل مبلغ مما كاد يمس نهوضه بتبليغ رسالته ونشر دعوته كما عبر عنه القرآن الكريم فيما سنسوقه من آيات.
فجاء هذا للرجوع به - ﷺ - إلى الطريق الوسط السوي الذي يؤدي به إلى تبليغ رسالته تبليغًا بينًا دون أن يلحقه في ذلك إرهاق ربما أخر من سير الرسالة وقوفًا " مع ما أمر به مما هو تسبب والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ".
[ ١١٥ ]
٢ - النوع الثاني:
عتاب التنبيه:
القسم الثاني من أقسام العتاب الرئيسية ما سميناه (عتاب التنبيه) والمقصود منه تنبيه الرسول - ﷺ - إلى ما يحتمل وقوعه منه لو لم ينبه إلى ذلك لوقع مثل ذلك الفعل منه مرة أخرى.
٣ - النوع الثالث:
عتاب التحذير:
النوع الثالث من أنواع العتاب الرئيسبة هو ما سميناه (عتاب التحذير) والمقصود منه تحذير رسول الله - ﷺ - من عاقبة أمر وقع فيه خطأ في اجتهاد يترتب عليه لو لم يحذر منه - ضرر في التشريع والأحكام وسير الأمة على مقتضى رسالة رسول الله - ﷺ - ودعوته التي جاء بها من عند الله تعالى.
* * *
[ ١١٦ ]
الذنب
ترجع حقيقة الذنب في اللغة إلى الفعل الذي تستوخم عاقبته كما فسره الراغب في مفرداته.
وشرعًا يرجع الذنب إلى مخالفة أمر الله أو نهيه.
* * *
اختلاف نسبة الذنب باختلاف الفعل والفاعل وقصد الفاعل
وهو أمر نسبي يختلف باختلاف الفعل والفاعل وقصد الفاعل فليست المخالفة من العالم كالمخالفة من الجاهل، وليست المخالفة الواقعة عن اجتهاد كالمخالفة التي لا تقع عن اجتهاد، وليست المخالفة الواقعة بالقصد والتعمد كالمخالفة الواقعة بالنسيان.
* * *
إسناد الذنب إلى ضمير خطاب رسول الله في القرآن الكريم
ومن هنا تختلف الذنوب ومسئولياتها بالنسبة للفاعل، والحوادث.
وعلى ضوء ذلك نفهم معاني الآيات التي ورد فيها إسناد الذنب إلى رسول الله - ﷺ - مضافا إلى ضمير خطابه - ﷺ -.
وهي في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم:
الموضع الأول: جاء في سورة غافر وهو قوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥».
الموضع الثاني: جاء فِي سورة القتال - سوره محمد - وهو قوله تعالى:
(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).
[ ١١٧ ]
الموضع الثالث: جاء في أول سورة الفتح وهو قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣».
* * *
دلالة أمره تعالى لنبيه - ﷺ - بالصبر
أما الآية الأولى وهي آية سورة غافر فقد جاءت بعد أن بين الله تعالى لرسوله - ﷺ - أنه تعالى ينصر رسله وعباده المؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثم ذكر أن اليوم الآخر لا تنفع الظالمين فيه معذرتهم، ووصمهم بأن لهم اللعنة ولهم سوء الدار، ثم ذكر أنه تعالى آتى موسى الهدى وأورث بني إسرائيل الكتاب وجعله هدى وذكرى لأولي الألباب للتأسي بموسى - ﷺ - في صبره على أذى قومه.
ثم وجه الخطاب لنبيه محمد - ﷺ - فقال له (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) الآية.
وهذا السياق مشعر بأن المعاندين من الكفرة المشركين كانوا في موقف مع النبي - ﷺ - يشعر بالشدة وسوء اللقاء فأخبره الله تعالى بأنه سبحانه ناصر رسله وناصر المؤمنين، وأن هؤلاء المعاندين سيلقون جزاءهم في الدار الآخرة، وذكر له بعد ذلك أنه أنزل على عبده موسى التوراة وجعلها هدى وذكرى لأولى الألباب.
وهذا السياق تضمن أن النبي - ﷺ - كان في حالة من ضيق الصدر والضجر لما يلقاه من أعداء دعوته المعاندين المستكبرين من إعراض ومعوقات يقيمونها أمام نشر دعوته وتبليغ رسالته، فكان ما سبق آية
[ ١١٨ ]
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) فيه تنبيه إلى التأسي بما كان لأنبياء الله ورسله، وذكر منهم كليمه موسى ﵊ ووعده إياهم بالنصر.
ففي هذا تسلية للنبي - ﷺ - وأمر له بالتأسي بإخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال له: (فَاصْبِرْ) ثم عقب ذلك بأن وعد الله المتضمن لنصر الرسل والمؤمنين في الدنيا والآخرة حق ثابت لا ريب فيه آت لا يتخلف.
ثم أمر الله رسوله - ﷺ - بالاستغفار لما كان منه من الضجر وضيق الصدر.
ثم عقب ﷾ الأمر بالاستغفار بطلب التسبيح والتحميد استغراقًا لسائر أوقاته العبر عنها " بالعشي والإبكار " حتى لا يفرغ لحظة من اللحظات يضيق فيها صدره ويضجر لما كان يلقاه وهو دائب على تبليغ رسالته ونشر دعوته وتحمل ما يلقى في سبيلها " فإن من كان لله كان الله له ".
* * *
دلالة أمره - ﷺ - بالاستغفار في سورة محمد
أما الآية الثانية -وهي آية سورة محمد- فقد جاءت عقب بيان حال المنافقين الذين يستمعون إلى الرسول - ﷺ - فإذا خرجوا من عنده تجاهلوا ما سهوا، وتغافلوا عنه قالوا مستهزئين: " ماذا قال آنفًا؟ ".
وبعد بيان أن هؤلاء المنافقين طبع الله على قلوبهم وسد منها منافذ الهداية أن تدخل إليها، بين أن المؤمنين المهتدين يزيدهم ما يسمعون منه - ﷺ - هدى وتقوى.
[ ١١٩ ]
ثم ذكر عن هؤلاء المنافقين أنَّهم في حالهم هذا لا ينتظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وقد جاءتهم أشراطها وعلاماتها فلن تنفعهم ذكراهم.
ثم قال لرسول الله - ﷺ (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) الآية، وهذا السياق مؤذن بأن المنافقين كانوا في نفاقهم معوقين للرسالة مستهزئين بالرسول - ﷺ - وبما جاء به من الهدى -شأنهم في ذلك شأن المشركين المعاندين المستكبرين الذين ذكروا في آية سورة غافر- وأن المؤمنين هم المستعدون لقبول الهداية، وهم الذين تنفعهم الذكرى إذا ذكروا.
فأمر الله تعالى رسوله ﵊ بعلم ما يعلمه من توحيده وانفراده تعالى بالربوبية، ووجوب تفريده بالعبودبة تيئيس له - ﷺ - من هؤلاء المنافقين الذين طبع الله على قلوبهم وأمر له بالتطهر من أن يسمع لقولهم أو يصغى إلى استهزائهم وسخريتهم.
ولذلك أمر بالاستغفار لما سمى ذنبًا مسندًا إليه باعتبار ما يشغل قلبه الطاهر لو لم ينصرف عنهم وييأس منهم.
وطلب منه الاستغفار للمؤمنين المهتدين الذين يزيدهم الهدى هدى وتقوى تشريكًا معه - ﷺ - في استغفاره لنفسه تشريفًا لهم وتنويهًا بمقامهم من الإيمان.
* * *
دلالته في آية سورة الفتح
أما الآية الثالثة -وهي آية سورة الفتح- فقد افتتحت بها أعظم نعمة مَنَّ الله تعالى بها على نبيه - ﷺ -، تلك النعمة هي البشرى بالفتح المبين، والبشرى بالتطهير الدائم للنبي - ﷺ - من كل ما كان يعتريه من الضيق والضجر في سبيل تبليغ رسالته لأن هذا الفتح المبين كان أساسًا لإتمام النعمة عليه - ﷺ -، وهدايته الدائمة إلى الصراط المستقيم، ونصر الله له نصرًا
[ ١٢٠ ]
عزيزًا أعزه الله به وأعز به دينه وأعز به أصحابه المؤمنين فكان ذلك أعظم نعمة على رسول الله - ﷺ -، إذ بعد فتح مكة -المبشر به- صارت الدعوة الإسلامية ظاهرة غالبة "، وأقبلت وفود العرب إلى رسول الله - ﷺ - من كل وجه يدخلون في دين الله أفواجًا، فزال عن رسول الله - ﷺ - ما كان يضيق به صدره ويضجره من صد وصدود المشركين من دعوته وتحقق له النصر المؤزر والظفر القاهر لأعدائه، وفتح أمام دعوته الطريق فانتشرت في العالم وخفق لواؤها على ربوع المعمور من الأرض.
وبهذا تمت نعمة الله على رسوله وعباده المؤمنين، وتتابع النصر في الجهاد وتبليغ الرسالة، فكان نصرًا عزيزًا قويًا غالبًا ثم يتحقق مثله لدعوة من دعوات الأنبياء والمرسلين.
* * *
تهنئة وتطلع
وقد فهم الصحابة - ﵃ - من هذه البشرى قدر ما أنعم الله به على رسوله - ﷺ - فهنّأَوه على هذا الفتح المبين والتطهير العظيم، وإتمام النعمة وتحقق النصر فقالوا له - ﷺ - فيما رواه البخاري: " هنيئًا مريئًا فما لنا؟ " فأنزل الله تعالى: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥».
* * *
[ ١٢١ ]
التوبة
التوبة لغة
ترجع مادة التوبة ومثلها مادة (الإنابة) وما تصرف منهما في الاستعمال اللغوي إلى الرجوع، يقال: " تاب وناب وأناب إذا رجع ".
* * *
اختلاف التوبة باختلاف التائبين
وعلى ذلك تكون التوبة في الاصطلاح الشرعي مختلفة المعنى باختلاف التائبين، فإن كان التائبون ممن يجوز وقوع الذنوب والمخالفات منهم فمعنى التوبة بالنسبة لهم رجوعهم عما وقع منهم بالندم على فعله والعزم على عدم العودة إليه.
وإن كان التائب ممن لا يجوز أن يقع منه ذنب بمخالفة أمر أو نهي كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالتوبة منه الرجوع عن حالة في مقام العبودية إلى حالة أرفع منها.
وعلى هذا الأساس تُنَزَّل معاني الآيات التي أسندت فيها التوبة إخبارًا عن النبي - ﷺ -.
* * *
١ - بينا في باب العصمة أن الاتفاق واقع بين سائر الطوائف على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من وقوع الذنوب منهم بعد النبوة عمدًا صغائر وكبائر.
٢ - اختلف الناس في جواز وقوع الذنوب منهم عليهم الصلاة والسلام بعد النبوة سهوًا أو نسيانًا.
[ ١٢٢ ]
ومذهب جمهور أهل السنة أن هذا لاحق بالقسم الأول لا يجوز عليهم وقوعه منهم.
٣ - ذهب فريق من العلماء إلى عدم جواز وقوع الذنوب منهم عمدًا قبل النبوة وهي جائزة منهم سهوًا أو نسيانًا قبلها.
وجمهور العلماء على جواز وقوع الذنوب منهم قبل النبوة عمدًا أو نسيانًا وهذا في الذنوب التي لا تخدش المروءة ولا تلحق بصاحبها ذلًا أو مهانة أو نقصًا.
على أساس هذا البيان رجحنا مذهب جمهور أهل السنة من أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام في مقدمتهم سيدنا محمد رسول الله - ﷺ - خاتم النبيين والمرسلين- معصومون من وقوع الذنب منهم عمدًا أو نسيانًا بعد النبوة باتفاق، وقبلها ترجيحًا.
ثم ذكرنا فصلًا مسهبًا في اجتهاد النبي - ﷺ - بينا فيه حقه ﵊ في الاجتهاد وأنه مأذون له فيه من الله تعالى فيما لم ينزل عليه به وحي.
وهذا الإذن يقتضي جواز اجتهاد النبي - ﷺ - في كل حادثة تعرض له أو للمسلمين، ولم ينزل عليه فيها وحي أن يبذل جهده وتفكيره فيما يحقق صالح الإسلام والمسلمين.
وعلى هذا جرى رسول الله - ﷺ - في حياته الكريمة ينزل عليه الوحى
فيتبع أمر ربه بما جاءه به، وتعرض الحادثة من حوادث المجتمع الإسلامي ويتأخر الوحي قليلًا أو كثيرًا وتتطلب المصلحة الكشف عن حكم هذه الحادثة فيجتهد النبي - ﷺ - فيها، ويخبر بالحكم الذي أداه إليه فيها اجتهاده.
[ ١٢٣ ]
وقد يكون هذا الاجتهاد صوابًا فيقره الله تعالى عليه فيصبح وحيًا، وقد يكون هذا الاجتهاد خطأ فينزل علية الوحي بتصويب ما أخطأ فيه ﵊ فيثبت الحكم بالوحي، ويصدق في كلا الحالين أنه - ﷺ - اتبع ما يوحى إليه من ربه، وما نطق عن الهوى.
* * *
[ ١٢٤ ]
آيات عتاب المصطفى - ﷺ -
بينا -فيما سبق- أن العتاب لرسول الله - ﷺ - في آيات القرآن -التي غلب على ظني أنها موضع عتاب له ﵊- لا يخرج عن ثلاثة أنواع رئيسية، وقد بينت حقيقة هذه الأنواع والمقصود منها.
وآتي الآن إلى تفصيلها، وعرض الآيات التي تمثل كل نوع منها كل على حدة آملًا من الله تعالى التوفيق والهداية إلى ما فيه السداد وحسن الأدب في بيان المراد.
النوع الأول
من أنواع عتاب الرسول - ﷺ - هو ما سميناه (عتاب التوجيه) -كما سبق أن أوضحنا ذلك- وهو يشمل حالين من أحوال رسول الله - ﷺ - في دعوته إلى الله.
* * *
الحال الأول من عتاب التوجيه
الحال الأول: حينما فجأه الوحي بالرسالة والأمر بتبليغها إلى الخلق في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢». وهي أول آية نزلت بالإنذار العام، وقد وجد رسول الله - ﷺ - نفسه وحيدًا في هذا الشأن، وليس معه أحد على مثل ما طلب منه فاستعظم على نفسه إخراج الناس مما هم فيه من كفر وضلال إلى الهدى والنور، فضاق صدره الشريف الطاهر ذرعًا، وتهيب أن يواجه الناس بالتبليغ خشية أن يكذبوه، ويردوا عليه رسالته، فصمت، ولم يسارع إلى أمر الله بالإنذار، فإن ما كلف به من
[ ١٢٥ ]
مواجهة الناس بأن يعبدوا الله إلهًا واحدًا ويتركوا ما ألفوه هم وآباؤهم من عبادة الآلهة المتعددة لأمر جلل في معيارهم الفكري، وعرفهم الجاهلي تنخلع له قلوبهم، يهبون لرده عن بكرة أبيهم ذودًا عن كيانهم، وإبقاء على معتقدهم القديم.
فليس من اليسير إذن مواجهتهم حالًا بما يكرهون، إذ الإقدام على ذلك -دون تريث وأعمال فكر في أنجع السبل التي تكفل ولو في ظاهر الحال حسن استجابتهم- قد يكون سببًا لصدودهم عنه وعدم قبولهم منه وذلك معناه الاستهداف لسهامه، والتعرض لغضبهم، والوقوع في نقمتهم.
في ظل هذا الموقف تريث رسول الله - ﷺ - في إبلاغ قومه، وصمت، ولعله في ذلك كان يتلمس أفضل السبل التي يمكنه بها إبلاغ ما أمره الله به إليهم بسبيل تكون أقرب إلى الاستجابة فنزل عليه جبريل - ﵇ - فأمره أن يسرع إلى تبليغ أمر ربه، وإلا تعرض لعذابه، روى الإمام البخاري -في كتاب " خلق أفعال العباد "-. عن أبي الأحوص عن أبيه قال: " أتيت النبي - ﷺ -، فصعد في النظر وصوب، قلت: إلى م تدعو؟ وعم تنهى؟ قال: " لا شيء إلا الله والرحم " قال: " أتتني رسالة من ربي فضقت بها ذرعًا، ورأيت أن الناس سيكذبونني فقيل لي: لتفعلن أو ليفعلن بك ".
[ ١٢٦ ]
قال الحافظ ابن حجر -في الفتح-: " وأصله في السنن، وصححه ابن حبان والحاكم ".
وفي صحيح مسلم أن رسول الله - ﷺ - قال: " رب إذًا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ".
وأخرج ابن راهويه في مسنده - كما ذكره الآلوسى في روح المعاني من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: " بعثني الله تعالى بالرسالة فضقت بها ذرعًا، فأوحى الله تعالى إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة فقويت ".
قال القرطبي في تفسيره: ": قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعًا، وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية " أي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
قال السيوطي: " وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي في الدلائل من طرق عن علي - ﵁ - قال:
[ ١٢٧ ]
" لما نزلت هذه الآية على رسول الله - ﷺ - (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله - ﷺ - فقال: " يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعًا، وعرفت أني مهما أبادئهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليها حتى جاء جبريل فقال: يا محمد إنك إن لم ْتفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ".
وروى البيهقي في الدلائل عن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - أن الله
تعالى لما أمر نبيه - ﷺ - بأن يعلم الناس نزول الوحي عليه ويدعوهم إلى الإيمان
به كبر عليه ذلك وخاف التكذيب، وأنْ يتناول، فنزل عليه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعًا، وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني " فأنزلت (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)
[ ١٢٨ ]
وزاد الآلوسي -في روح المعاني- إسناده إلى ابن حبان في تفسيره.
قال السيوطي: " وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد " قال: لما نزلت (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) قال رسول الله - ﷺ -: " يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع على الناس " فنزلت (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ).
كان نزول هذه الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) باعثًا قويًا في تجديد عزيمة رسول الله - ﷺ - وتقوية إرادته على تبليغ رسالته، ودافعًا قويًا على الامتثال مهما لاقى في سبيل ذلك من شدائد وأزمات لما في الأمر من وجوب التبليغ ولما في خطاب الآية من الشدة عليه.
* * *
من تَلَطُّف الله برسوله - ﷺ - في الخطاب
وقد علم الله تعالى ذلك من رسوله - ﷺ - فتلطف به لتخفيف ما وقع على قلبه الرحيم الطاهر من شدة الخطاب فأنزل عليه بعد ذلك قوله تعالى (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ليلفت نظره إلى أنه هو في رسالته قوة قاهرة لا تغلبها قوة ولكنه ﷾ قد جعل له سببلًا من الأسباب الظاهرة التي تخفف عنه - ﷺ - شدائد الخطاب، وتبعث في قلبه الطمأنينة فقال له: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ).
[ ١٢٩ ]
الحال الأولى
فإن الأمر بإنذار عشيرته الأقربين -وهو أمر بالإنذار الخاص بعد تقدم درس التربية بخطاب «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. . .) الآية له حكمته الخاصة، وهو أن يأنس الرسول - ﷺ - بطبيعته البشرية إلى أنه سيجد بجانبه من يقف معه إيمانًا أو حمية فيزيده ذلك إسراعًا في امتثال أمر الله تعالى إلى التبليغ، ولذلك جاء في حديث علي - ﵁ - الذي قدمنا صدره ومن خرجه- أن رسول الله - ﷺ - لما نزلت عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دعا عليًا فقال له: " اصنع لي صاعًا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واجعل لنا عسًا من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم، وأبلّغ ما أُمرت به " قال علي: ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلًا يزيدون رجلًا أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول النبي - ﷺ - بضعة من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال: " كلوا بسم الله " فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما ترى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم ثم قال: " اسق القوم يا علي " فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعًا وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد النبي - ﷺ - أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لقد سحركم صاحبكم. فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي - ﷺ -. فلما كان الغد قال: " يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق
[ ١٣٠ ]
القوم قبل أن أكلمهم فعد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ثم اجمعهم لي " ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا حتى نهلوا، ثم تكلم النبي - ﷺ - فقال: " يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم أحدًا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه. . ".
وحديث علي هذا مروي مجزأ بطرق ليس فيها طعن فقوله " ضقت بها ذرعًا " موجود في حديث أبي الأحوص، وحديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس، وفي مرسل الحسن السابقة، وقصة صنع الطعام ومبادرة أبي لهب لرسول الله - ﷺ - بما يكره موجودة في حديث البراء عند ابن مردويه.
وقصة اجتماع القوم لدعوتهم إلى الله تعالى موجودة في صحيح البخاري، وجمع ناس من أهله - ﷺ - في مسند الإمام أحمد.
واعتبر الحافظ ابن كثير -في البداية والنهاية- أن في طريق ابن أبي حاتم شاهدًا لحديث علي الذي سقناه آنفًا ثم قال فيها أيضًا: " وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عباد بن عبد الله الأسدي، وربيعة ابن
[ ١٣١ ]
ناجذ عن علي أيضًا نحو ما تقدم أو كالشاهد له.
وذكر الحافظ ابن حجر -في الفتح- قطعتين من حديث علي هذا وأسند إخراجه إلى ابن إسحاق والطبري والبيهقي في الدلائل ولم يذكر فيه طعنًا، وأشار إلى أن حديث علي هذا هو عند ابن أبي حاتم من وجه آخر " وذكر في إحدى القطعتين ما بين الروايتين من اختلاف في عدد من حضر الطعام الذي دعا رسول الله - ﷺ - إليه القوم من عشيرته لما نزلت الآية.
* * *
الحال الثانية
بعد أن أنذر رسول الله - ﷺ - عشيرته الأقربين في اجتماعه بهم وبلغهم أنه جاءهم بخير الدنيا والآخرة، وأن الله تعالى أمره أن يدعوهم إليه فبدره أبو لهب بما بدره به من الإعراض عن الهداية وعدم قبول الإيمان وقام القوم، وتفرقوا عنه، وبلغ هذا الموقف ملأ قريش وطواغيتهم فاشتدت عداوة قريش لرسول الله - ﷺ -، واشتد إيذاؤهم له ولأصحابه، فاشتدت عزيمة رسول الله - ﷺ - وتعالت في مواجهة التحدي، ومضى قدمًا في تبليغ رسالته والدعوة إليها لا يبالي من قريش غضبهم أو سخطهم إذا أسمعهم ما أنزل إليه في شأن آلهتهم، وتسفيه أحلامهم فكان أبو طالب يحرسه ويرسل معه -إذا خرج- بعض بني هاشم ليحرسوه فأنزل الله تعالى عليه قوله عز شأنه (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فترك رسول الله - ﷺ - الحرس.
[ ١٣٢ ]
حراسة فتيان بني هاشم لرسول الله - ﷺ -
روى ابن كثير عن ابن مردويه والطبراني، وأخرج السيوطي عنهما أيضًا وعن أبي الشيخ وأبي نعيم في الدلائل وابن عساكر وكذلك الآلوسي في تفسيره عمن تقدم ما عدا الطبراني عن ابن عباس - ﵄ - قال: " كان رسول الله - ﷺ - يحرس فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالًا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه كعادته فقال رسول الله - ﷺ -: " إن الله قد عصمني من الجن والإنس ".
وروى ابن كثير والسيوطي في تفسيريهما عن ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: " كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فذهب ليبعث معه فقال: " يا عم إن الله قد عصمني لا حاجة إلى من تبعث ".
ومعنى الآية يقتضي أنها نزلت بمكة أيام الشدائد والأزمات التي كانت تعترض رسول الله - ﷺ - وهو يدعو قومه ويبلغهم ما أنزل إليه من ربه، وفيه عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم فكانوا ينفرون منه لذلك.
[ ١٣٣ ]
فحوى الخطاب بهذه الآية
وأسلوبها بما فيه من قوة وتحذير يقتضى أنَّهَا واردة على أمر اقتضاه حفزًا لعزيمة رسول الله - ﷺ - وتقوية لإرادته على التبليغ رغم ما فيه مما ينفرهم فكأنه قيل له: بلغ ما أنزل إليك من ربك غير مبال بهم ولا خائفًا شيئا من قبلهم أو من غيرهم فقد تكفل الله بعصمتك منهم ومنعهم من أن يقتلوك أو يكفوك عن أداء رسالة ربك فأنت الظاهر عليهم ولك العقبى.
* * *
العباس أحد حراس رسول الله - ﷺ -
روى ابن كثير عن ابن مردويه، والسيوطي في الدر عنه وعن الطبراني عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: " كان العباس عم رسول الله - ﷺ - فيمن يحرسه فلما نزلت هذه الآية (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ترك رسول الله - ﷺ - الحرس ".
والعباس في حراسته هذه لرسول الله - ﷺ - هو -بلا شك- أحد فتيان بني هاشم الذين كان يبعثهم أبو طالب كل يوم لحراسة رسول الله - ﷺ -.
وذهاب الحافظ لبن حجر -في الفتح- إلى أن ملازمة العباس لرسول الله - ﷺ - إنما كانت بعد فتح مكة عدول منه - رحمه الله تعالى - عما تلهمه الآية ويقتضيه حال الدعوة في مستهلها من حاجة الرسول - ﷺ - إلى العصمة من الناس ليتمكن من إبلاغهم ما أمره الله بتبليغهم إياه.
واستدلاله على ما ذهب إليه بما ورد في الأخبار من أن رسول الله - ﷺ - حرس في بدر وفي أحد وفي الخندق وفي رجوعه من خيبر وفي وادي القرى وفي عمرة القضية وفي حنين،: هذا يقتضى عنده نزول الآية متراخية عن
[ ١٣٤ ]
وقعة حنين غير مسلم من وجهين:
* * *
(ملازمة العباس لرسول الله - ﷺ)
الوجه الأول: أن ملازمة العباس للرسول - ﷺ - ومداومته عليها كانت معلومة للناس بمكة قبل الهجرة، فقد كان من لا يعرف شخص رسول الله - ﷺ - من العرب، ولم يسبق له أن رآه، ويعرف عمه العباس فإنه يدل على رسول الله - ﷺ - بأنه الرجل الذي يجلس مع العباس بن عبد المطلب.
* * *
(قدوم البراء وكعب ابن مالك على رسول الله - ﷺ)
ومن أمثلة ذلك ما روى ابن سيد الناس في عيون الأثر، وابن كثير في البداية والنهاية من أن البراء بن معرور، وكعب بن مالك الأنصاريين ﵄ قدما مكة عام بيعة العقبة الكبرى - وكانا قد أسلما في المدينة على يد مصعب ابن عمير - ﵁ - فذهبا يسألان أهل مكة عن رسول الله - ﷺ - ولم يكونا يعرفانه ولا سبق لهما أن رأياه فأخبرهما رجل من أهل مكة بأنه الرجل الذي يجلس مع العباس بن عبد المطلب في المسجد، قال البراء: " خرجنا في حجاج قومنا من المشركين. . حتى قدمنا مكة. . فخرجنا نسأل عن رسول الله - ﷺ - وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك - فلقينا رجلًا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله - ﷺ - فقال: هل تعرفانه؟ قلنا: لا. فقال: هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قال:
[ ١٣٥ ]
قلنا: نعم -وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا- قال: فإذا دخلت المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس، قال: فدخلنا المسجد وإذا العباس جالس ورسول الله - ﷺ - جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله - ﷺ - للعباس: " هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ " قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك، قال: " كعب بن مالك " فوالله ما أنسى قول رسول الله - ﷺ - " الشاعر؟ " قال: نعم ".
* * *
(حضور العباس بيعة العقبة الكبرى)
ومما يؤيد ملازمة العباس لرسول الله - ﷺ - بمكة قبل الهجرة أيضًا -وهي بلا ريب ذات هدف سام أهم ما فيها حراسة رسول الله - ﷺ - من أعدائه- أن العباس لم يترك رسول الله ﵊ وحده حتى في هجوع الليل، وسكون الأرواح فيه فقد حضر العباس مع رسول الله - ﷺ - بيعة العقبة الكبرى التي تمت بين رسول الله - ﷺ - وبين الأنصار بعد أن مضى ثلث الليل كما جاءت الروايات بذلك، فقد كان العباس بن عبد الطلب أول متكلم في اجتماع الأنصار برسول الله - ﷺ - في تلك الليلة فقال: " يا معشر
الخزرج. . إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عزة من قومه، ومنعة في بلده. . فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما عملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. . "
[ ١٣٦ ]
(أسباب حراسته - ﷺ - بمكة)
فحراسات رسول الله - ﷺ - بمكة من قبل أهله وعشيرته كانت لأسباب عامة، الغرض منها حماية محمد - ﷺ - وهو منهم في الذروة لرد اعتداء قريش عنه ومنع طغيانها عليه.
* * *
(أسباب حراسته - ﷺ - بالمدينة)
الوجه الثاني: إن حراسته - ﷺ - بعد الهجرة كانت جميعها لأسباب خاصة. وباستقصاء الأسباب الخاصة لحراسة رسول الله - ﷺ - في المدينة نراها إما في أول مقدمه المدينة كما في حديث عائشة ﵂ عند البخاري أنها قالت: " أرق النبي - ﷺ - ذات ليلة فقال: " ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة " إذ سمعنا صوت السلاح قال؟ " من هذا؟ " قال سعد: يا رسول الله جئت أحرسك، فنام النبي - ﷺ - حتى سمعنا غطيطه " وهو في مسلم عنها بلفظ " سهر رسول الله - ﷺ - مقدمه المدينة ليلة فقال: " فذكره.
وهو عند الترمذي عنها أيضًا قالت: " كان النبي - ﷺ - يحرس حتى نزلت هذه الآية (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فأخرج رسول الله - ﷺ - رأسه من القبة فقال لهم: " يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ".
* * *
(حراسة أبي أيوب رسول الله - ﷺ - ليلة بنائه بصفية)
أو أن تكون أسباب حراسته - ﷺ - أمورًا داخلية. خاصة به كما في حراسة أبي أيوب - ﵁ - لرسول الله - ﷺ - ليلة بنائه ﵊ بصفية وهو عائد من خيبر فقد بَيَّنَ أبو أيوب سبب حراسته لرسول الله - ﷺ - حين
[ ١٣٧ ]
سأله رسول الله - ﷺ - عن حراسته له فقال أبو أيوب: " خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك " فقال رسول الله - ﷺ -: " اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني ".
أو أن تكون وقائع حربية كما في حراسته - ﷺ - في بدر وأحد والخندق وحنين وغيرها من المشاهد الحربية.
* * *
(مشروعية حراسة ولي الأمر)
وهذه جميعها أمور يجب أن يحرس فيها الإمام والقائد، ورسول الله - ﷺ - كان يعلم قطعًا في هذه الحراسات الخاصة أنه معصوم ولكنه طلبها أو أقرها تشريعًا لأمته وحماية لكيان الجيش من التفرق وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر نفسه: " وإنما عانى النبي - ﷺ - ذلك مع قوة توكله للاستنان به في ذلك، وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتد البأس كان أمام الكل وأيضًا فالتوكل لا ينافي تعاطى الأسباب لأن التوكل عمل القلب وهي عمل البدن. . وقد قال ﵊: " اعقلها وتوكل ". . قال: وقال القرطبي: ليس في الآية ما ينافي الحراسة كما أنه ليس في إعلام الله نصر دينه وإظهاره ما يمنع الأمر بالقتال وإعداد العدد ".
أما حديث عاثشة السابق فاختلاف ألفاظ الروايات فيه تشير إلى أنها حدثت أولًا كل أمر سمعته من غيرها كما في حديث الترمذي - وهذا هو ما ذكرت فيه نزول الآية وهو محتمل احتمالا قويًا أن يكون في مكة
[ ١٣٨ ]
فلا حجة فيه لمن يتمسك بمدنية الآية لأنه كما " لا يخفى ليس بنص في المقصود كما قال الألوسي في تفسيره.
وهي ﵂ تحدثت مرة أخرى عما رأته وشاهدته وكانت فيه مع رسول الله - ﷺ - بدليل رواية الإمام أحمد " وهي إلى جنبه ".
* * *
(وثوق الرسول - ﷺ - بعصمة الله له)
ومما يؤيد القول بمكيتها ما كان يجابه الرسول - ﷺ - به المشركين من شديد القول ومؤلم الزجر والإنذار، وبروزه وتعرفه لهم في ساعات استطارة الشر واستعار الغضب غير هائب ولا خائف منهم ذلًا ولا غلبة، فقد قال - ﷺ - لابنته زينب - ﵂ - لما بكت عليه حين رأت إطباق المشركين على أذاه وتطاولهم عليه في مجمع من الناس بمكة في موسم حج من مواسمها فجاءته مذعورة تحمل إليه ماء وقد بدا نحرها من شدة الخوف عليه - مطمئنًا إياها: " يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلًا " وفي عيون الأثر وسيرة ابن هشام " يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك ".
فهذا يدل بما لا مجال للريب فيه أنه - ﷺ - كان على يقين من عصمة الله تعالى له من جميع ما يكيدون ويدبرون.
* * *
ظهور القول بمكية (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)
وأيضًا فإن القول بمدنية هذه الآية مع ما في أسلوبها من شدة الأمر بالتبليغ والتحريض عليه والتوعد على التقصير فيه يتنافى مع ما كان عليه
[ ١٣٩ ]
رسول الله - ﷺ - في المدينة من عزة ومنعة مكنته من الوفور على التبليغ ونشر الدعوة بقوة ونقلها إلى خارج المدينة التي هو فيها سيد الموقف وبيده المبادأة متى أرادها. بل كيف يتأتى القول أن تترك عليه آية العصمة من الناس في المدينة وهو للعصمة أحوج في مطلع الرسالة منه إليها في آخرها وسورة " المائدة من آخر القرآن تنزيلًا ".
وتأييده - ﷺ - في المدينة بالمؤمنين ظاهر في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) فلا معنى لإخباره -على القول بمدنية آية العصمة من الناس- بعصمته من الناس وقد عرفه قبلًا أنه مؤيد بنصره وبالمؤمنين.
وتعليل ابن كثير نكارة حديث جابر بن عبد الله - في بعث أبي طالب حراسًا مع رسول الله - ﷺ - - بأن " هذه الآية مدنية وهذا الحديث يقتضي أنها مكية " غير مسلم لأن دعواه مدنية هذه الآية لم يقم عليها دليلًا سوى ما يظهر من أنها موجودة في نظم التلاوة في سورة مدنية.
ووجود الآية في سورة مدنية لا يستلزم كونها مدنية، لأن كثيرًا من الآيات المكية وضعت توقيفًا منه - ﷺ - في سور مدنية وكثيرًا من الآيات المدنية وضعت توقيفًا في سور مكية.
[ ١٤٠ ]
وبهذا أيضًا يرد على القرطبي فيما ذهب إليه من أن حديث ابن عباس - ﵄ - -الذي سبق أن سقناه- يقتضي مكية هذه الآية والسورة مدنية بإجماع. فمدنية السورة لا يمنع من وجود آية أو آيات مكيات فيها.
ودعوى أبي حبان في البحر أن مكية هذه الآية يجعلها أجنبية بالنسبة لما قبلها وما بعدها لأنه في قصة اليهود والنصارى - في مسلمة أيضًا لأن وجود آية بين آيات منسجمة معها في المعنى متسقة في الربط والتناسب لا يلزمه اتحاد زمن نزول هذه الآيات إذ كثيرًا ما تكون الآية مكية لكنها مناسبة لمعاني آيات مدنية اقتضت وضعها بينها توقيفًا من رسول الله - ﷺ -.
وبهذا البيان الذي صور حالة الرسول - ﷺ - في مطلع رسالته وموقف أعدائه المشركين منه ومن دعوته وانتصابهم لإيذائه وإيذاء أصحابه وإقامة العوائق أمامه في دعوته وما كان يضيق به صدره الشريف -بما ينزل عليه من آيات تعيب المشركين وتسفه أحلامهم، وأحلام آبائهم وتعيب آلهتهم- من أمره بتبليغ رسالته مهما يكن فيها من شدة على المشركين يفهم ما جاء في آيات وصفت ضيق صدره - ﷺ - بما أنزل إليه من ربه ونهيه عن هذا الضيق وهي التي أطلقنا عليها آيات عتاب التوجيه.
[ ١٤١ ]
القسم الأول من عتاب التوجيه
بينا -فيما سبق- أن المقصود من الحالة الأولى من حالتي عتاب التوجيه لسيدنا رسول الله - ﷺ - هي إشعاره - ﷺبتحميله أمانة القيام بتبليغ رسالته، وتقوية عزيمته في تبليغ ما ينزل عليه من آيات القرآن الكريم مهما بلغ ما فيها من شدة الإنذار والزجر والتهديد وعيب الشرك ومعتنقيه، ومن مات عليه.
وبالنظر في آيات القرآن الكريم ومطابقتها لوقائع سير الرسالة وتبليغها -مع عدم الجزم بترتيب نزول الآيات- رأينا أن نقف في هذا الترتيب مع وقائع التبليغ التي وردت بها الأحاديث الثابتة في بيان اختلاف مواطن التبليغ، ونشر الدعوة.
فكانت الآيات التي تعبر عن ضيق صدر النبي - ﷺ - في مطلع الرسالة ومباديها، هي المقصودة بالحديث عن توضيح هذه الحالة، وما جاء فيها من عتاب.
وأبين موضع يمثل هذ الحالة -في نظرنا- صدر سورة الأعراف: وهو قوله تعالى: (المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢».
فالكتاب في أسلوب الآية الكريمة هو القرآن الكريم، لأن المخاطب هو المنزل إليه الكتاب، وهو سيدنا رسول الله - ﷺ - خاتم النبيين والمرسلين.
[ ١٤٢ ]
فالكتاب بنص الآية هو القرآن الكريم، وعلى ذلك أجمع المفسرون وتفريع النهي عن أن يحرج صدر رسول الله - ﷺ - بهذا المنزل إليه هو موضع إفادة عتاب التوجيه للرسول - ﷺ - في الآية الكريمة.
* * *
(الحرج لغة)
والحرج في اللغة هو الضيق الشديد الذي لا يوجد معه في الصدر منفسح، مأخوذ من قولهم " حرجة للشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها الآكلة " قال أبو زيد: " سميت بذلك لالتفافها وضيق المسلك فيها ".
قال الزجاج في معاني القرآن: " الحرج في اللغة أضيق الضيق " وقال ابن الأثير -في النهاية-: " الحرج في الأصل الضيق ".
وقد اختلف المفسرون في المراد بالحرج في الآية الكريمة، فذهب كثير منهم إلى أن المراد بالحرج في الآية الكريمة معناه اللغوي: وهو الضيق الشديد.
[ ١٤٣ ]
وذهب غيرهم إلى أن الحرج في الآية معناه الشك. وهذا معنى مجازي للحرج. ثم بيّن القائلون بأن الحرج معناه الشك -لأن الشاك ضيق الصدر حرجه كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه- وجهتهم بيد أن عباراتهم اختلفت في المشكوك فيه فقال فريق: " لا تشك في أنه منزل من الله ". وقال فريق: " لا تشك في لزوم الإنذار به ". وقال آخرون: " لا تشك في عدم القدرة على القيام بأدائه وتبليغه ".
ولا وجه للصيرورة إلى المعنى المجازي في الآية مع إمكان المعنى اللغوي الحقيقي فيها، إذ الأخذ بالمعنى الحقيقى للكلمة هو الأصل ولا يعدل عنه إلا لقرينة مانعة من الأخذ به، فما بالك والمعنى في هذه الآية يحتم الأخذ بالحقيقة، لأن الرسول - ﷺ - معصوم من الشك على أي من الوجهين المذكورين في أن القرآن من عند الله أو في عدم لزوم الإنذار به.
ولعل هذا هو مراد أبي حيان في البحر من قوله -بعد أن أورد القول بتفسير الحرج بالشك-: " وهو تفسير قلق " وهو بلا ريب أحرى بهذا الوصف وأكثر منه.
[ ١٤٤ ]
وليس معنى هذا امتناع أن يراد معنى مجازي للحرج يليق بمقام الآية كتفسير من فسر الحرج بالخوف من التكذيب، لأن هذا الخوف مع متعلقاته لازم من لوازم ضيق الصدر الطبعي ولا تمنع منه العصمة.
وليس في روايات ترتيب السور، ولا في أسباب النزول ما يقطع بوقت نزول سورة الأعراف في مكة، والمعهود أن السورة ولا سيما الطول من القرآن لا تنزل آياتها دفعة واحدة، ولم يقل ذلك إلا في الأنعام، فالاحتمال قائم على أن مطلع سورة الأعراف -ومنه الآية التي هي موضع البحث هنا- من أوائل ما نزل من القرآن الكريم بعد الآيات التي قطعت الروايات الصحيحة بأنها أول ما نزل من القرآن العظيم كآيات أوائل سورة " اقرأ " وأوائل سورة " المدثر ".
والنظر في الآية التي معنا يفيد -بما احتف به من قرائن كثيرة وما جاء من روايات قدمنا ذكرها وتحقيق ما فيها من ضيق صدر رسول الله - ﷺ - في مطلع هذا البحث - أن هذه الآية مما نزل في أوائل الأمر بالإنذار العام- أي في الوقت الذي كان يعتري رسول الله - ﷺ - فيه ضيق صدره من تبليغ ما أنزل إليه، لأن النهي عن الحرج في الآية يقتضي أن يكون واردًا على سبب اقتضاه.
والذي دلت عليه الروايات التي يمكن أن تكون تفسيرًا هذه الآية هو أن رسول الله - ﷺ - لما أعلم أنه رسول الله إلى الناس وأن عليه أن يبلّغ رسالة الله إلى خلقه منذرًا بها، وداعيًا إليها، وهاديًا إلى أحكامها وشرائعها ضاق بها ذرعًا، وتهيب مواجهة الناس بما أنزل إليه فصمت ولم يسرع إلى التبليغ، فنزل عليه جبريل - ﷺ -، وأخبره أنه إن لم يبلغ أمر ربه عرّض نفسه لعذابه.
[ ١٤٥ ]
وسبق أن أوردنا من الأدلة على هذا ما فيه الكفاية.
وليس بدعًا أن يخاف رسول الله - ﷺ - قومه، وإعراضهم عن دعوة الحق التي بعثه الله بما، وفيهم من المكر والخديعة ما وصفهم الله تعالى به بقوله (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) وقد كان من الرسل من أولى العزم قبله من كان يخاف تكذيب قومه لشدة ما كان يتوقعه منهم من تكذيب وأذى، كما حكى الله تعالى ذلك عن سيدنا موسى ﵊ بقوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ).
* * *
(الغرض من النهي عن الحرج من الإنذار بالقرآن)
فالنهي عن الحرج في آية الأعراف هذه بيان لما يجب أن يكون عليه رسول الله - ﷺ - من المسارعة في تبليغ ما أنزل الله إليه مهما بلغ ما فيه من تنفير الكافرين وتباعدهم عنه، وما فيه من شدة عليهم لما اشتمل عليه من تسفيه أحلامهم الضالة عن هدى الله تعالى، وعيب آلهتهم وانتقاص آبائهم بما ارتكبوه من جريمة الشرك والإعراض عن توحيد الله.
كما أن النهي هنا يتضمن أمرًا برفع الحرج من الصدر لأنه إذا لم يحرج صدره منهم استطاع تبليغهم ما أراده الله منه.
وتهيُّبه - ﷺ - منهم مخالف لهذا الإيجاب، فلذلك نهاه الله تعالى نهيًا متضمنًا لسرعة الإقدام على التبليغ، والتذرُّع بالصبر والاحتمال لما يلقى من شدة الكافرين.
[ ١٤٦ ]
هذا جرْيٌ على تعلق قوله تعالى (لِتُنْذِرَ بِهِ) بالفعل المنهي عنه في قوله (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ).
وجملة المعنى على هذا هو أن الله تعالى ينهى رسول الله - ﷺ - أن يضيق صدره بالقرآن ليتحقق ما أنزل من أجله وهو الإنذار للمعاندين - الجاحدين والذكرى للمؤمنين الذي يستتبع بصد الكافرين وصدودهم عَنه تننفيرهم وابتعادهم عنه وترغيب المؤمنين وتذكيرهم بنعم الله عليهم ليستديموا موجبات الإيمان والشكر والثبات على الحق.
وفيه وجه آخر: وهو تعليق قوله (لِتُنْذِرَ بِهِ) بقوله (أُنْزِلَ إِلَيْكَ) وجاءت جملة النهي (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) متوسطة بين السبب وهو " الإنذار " به والمسبب وهو " المنزل إليه " تقريرًا لما قبله (وهو الإنزال إليه المقتضى عدم ضيق صدره منه)، وتمهيدًا لما بعده وهو (لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).
وجملة المعنى على هذا الوجه هو أن الله تعالى يخبر رسوله - ﷺ - بأنه أنزل إليه الكتاب لينذر به، وهذا مقتض للإلزام بالإنذار به فكأنه قيل لرسول الله - ﷺ -: كتاب أنزل إليك لتنذر به فأنت بمقتضى رسالتك المعنونة بإنزال الكتاب إليك ملزم بالإنذار به مهما بلغت آياته من الشدة في تنفير الكافرين عنك.
[ ١٤٧ ]
(من جميل التلطف في الخطاب برسول الله - ﷺ)
ولما كان في هذا الخطاب شيء من الشدة على رسول الله - ﷺ - تلطف الله به وجعل إلى جانب الإنذار للمعاندين الجاحدين من الكافرين ذكرى للمؤمنين المستجيبين، فقال تعالى: (وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) فكأن إنزال الكتاب اشتمل على أمرين عظيمين:
الأمر الأول: دفع رسول الله - ﷺ - بقوة إلى إنذار الكافرين بما ينزل إليه من الآيات.
والثاني تسليته - ﷺ - في مقام إقدامه على التبليغ بأن الكتاب المنزل إليه ذكرى للمؤمنين يذكرهم بفضل الله وإنعامه وإحسانه إليهم بما هداهم إلى الإيمان.
أما أن هذا العتاب من قبيل (عتاب التوجيه) فلأنه قصد به نقله ﵊ من حالة التهيب والتأني في التبليغ إلى حالة الدفع والإقدام على تبليغ ما أنزل إليه تقوية لعزيمته وحفزًا لإرادته على التحمل فكأن الله ْتعالى يقول لرسوله - ﷺ - ليكن لك من قوة الإرادة وصلابة العزيمة ما يجعلك لا تبالي بهؤلاء المشركين وإيذائهم وسفاهتهم، وما يجعلك فسيح الصدر لا يضيق صدرك بما يضربونه لك من أمثال ولا بما يقولون من تكذيبك وصد عن سبيل دعوتك، وما عليك إلا أن تنذرهم بطشتنا وبأسنا لعلهم يثوبون فيزدجروا مرتدعين عن ضلالهم وكذلك لتنذر به المؤمنين الذين فتح الله قلوبهم للهداية وقبول الإيمان.
* * *
(ثانية آيات العتاب التوجيهي)
وثانية آيات العتاب التوجيهي لسيدنا رسول الله - ﷺ - بحسب ما وصل إليه بحثي -هي قوله تعالى- في سورة هود - (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا
[ ١٤٨ ]
أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) فقد جاءت هذه الآية الكريمة بعد أن بيّن الله تعالى حال الإنسان الذي تبطره النعمة ويضجره سلبها، بأنه إذا نزعت منه نعمة -من صحة وأمن ومال وجاه وولد وغيرها مما كان يتمتع بها- بسبب كفره بها وعدم شكره الله عليها، فإنه ييأس من روح الله تعالى، ويقطع رجاءه منه، لعتوه في كفره، وأنه إن ذاق نعماء بعد ضراء مسته نسي ما كان فيه من شدة وبؤس، فبطر وأشر بما أنعم الله عليه، فهو بذلك فخور على الناس منشغل به عن أن يقوم بحقه.
ولم ينج من هذه الصفات السيئة إلا الصابرون على الضراء متى حلت بهم إيمانًا بالله واحتسابًا لثوابه واستسلامًا لقضائه العاملون الصالحات فهؤلاء هم المبشرون بمغفرة من الله لذنوبهم وأجر كبير، وسيد هؤلاء سيدنا محمد - ﷺ - فقد كان المثل الأعلى في الصبر الجميل والصفح العظيم.
فإقامة الوصف - (صبروا) - في المستثى -وهو صلة الموصول مقام الموصوف وأصله (آمنوا) بدلًا من صبروا- ترغيب لرسول الله - ﷺ - في استدامة ما هو عليه من التذرع بجميل الصبر وقوة الاحتمال في سبيل تبليغ رسالته ونشر دعوته.
فكان ما سبق قوله تعالى (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) الآية إعدادًا وتهيئة لقبول ما جاء فيها بصدر رحب وقوة لا تقادر للنهض بتبليغ جميع ما أنزل الله إليه، ولذلك " صدرت بالفاء تفريعًا على ما سبق من الرد عليه، والاستهزاء به، تنبيهًا على سببية ذلك " في الإشفاق عليه وتحذيره
[ ١٤٩ ]
مما يلحقه، بما تضمنه الاستثناء الذي يقضي بمطالبة الرسول - ﷺ - أن يكون صبره فوق كل صبر كما يشير إلى ذلك وضع " صبروا " مكان " آمنوا ".
* * *
ما يدل عليه التعبير بـ (لعل) في هذه الآية
كما صدرت بـ (لعل) الدالة على الإشفاق المتضمن لمحبة المشفِق -بكسر الفاء- للمشفَق عليه وتحذيره مما يلحقه من الرد عليه والاستهزاء به والإعراض عن دعوته، تلطفًا برسول الله - ﷺ - في (أنه بلغ من حاله في بذل الجهد في تبليغهم مثل حال من يرجون منه أن ييأس منهم فيترك بعض ما يوحى إليه) مما فيه تسفيه لأحلامهم، وسب لآلهتهم وعيب لآبائهم.
وهذه الآية تجري في شوط آية الأعراف -التي قدمنا الحديث فيها- من جهة أن فيها ذكرًا لضيق صدر رسول الله - ﷺ - ضيقًا بلغ من شدته أن يكون في حالة من يتوقع منه أعداؤه أن يترك بعض ما أنزل إليه لشدة ما بذل من جهد في الأداء دون أن يثمر فيهم.
وقد استروح ناصر الدين ابن المنير في انتصافه على الكشاف بآية هود هذه على تفسير الحرج بالضيق في آية الأعراف.
كما استروح إليه الألوسي -في روح المعاني فقال- بعد أن فسر الحرج بالضيق: " ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ. . .) الآية ".
[ ١٥٠ ]
وهذا المعنى العام يجمع بين هاتين الآيتين آية سورة الأعراف وآية سورة هود هذه.
وهذا يقتضي مكية آية سورة هود هذه خلافًا لمن زعم أنها مدنية مخالفًا بذلك رأي الجمهور، وهو الذي يتمشى مع مبنى هذه السورة كلها في أنها من قبيل إرشاد الله تعالى نبيه - ﷺ - إلى كيفية الدعوة من مفتتح السورة إلى مختتمها كما صرح بذلك صاحب الكشف فيما نقله عنه الألوسي فِي روح المعاني.
وقد بينا ما اختصت به آية سورة الأعراف من تعليل النهي عن ضيق الصدر بالإنذار والتذكير، أما هنا في آية سورة هود هذه فنرى ضيق الصدر معللًا بأن المشركين أرادوا من رسول الله - ﷺ - أن يتطلع إلى زخارف الدنيا ليجذب بها قلوب المدعوين إلى الله، فكانوا يقولون لولا أنزل عليه كتر ينفق منه على دعوته ويجتذب به القلوب ويستغني به هو وأصحابه في كسب الأنصار، ويشتري به النفوس، ويستهوي به القلوب.
فإلم يكن معه كنز فليكن معه ملك يشهد برسالته وصدقه في دعوته.
وقد جاءهم الرد من الله تعالى على هذا التعنت، والعناد والمكابرة بالباطل ببيان مهمة الرسول - ﷺ -، وأنه في دعوته ورسالته ما هو إلا نذير الكافرين يخوفهم بطش الله تعالى وانتقامه، ويلفت نظرهم إلى ما وقع على أمثالهم من الأمم السابقة الذين أخذهم الله بذنوبهم فلم يترك لهم من باقية.
[ ١٥١ ]
وهذا الرد شبيه بالرد عليهم فيما تعنتوا به من مقترحات عنادية وطلب آيات لمحض التعنت والعناد، كما جاء في سورة الإسراء -بعد أن حكى الله تعالى ما طلبوه متعنتين- لقوله تعالى: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا).
ثم بيّن لهم أن ما اقترحوه من آيات لم يقصدوا به الإيمان ولو قصدوه لكان في آية واحدة منه غنية عن جميع الآيات المقترحة وقد نزل عليهم القرآن، وتحداهم به، وقال الله تعالى في شأنهم: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) وإن إجابة هذه المقترحات ليس من شأن الرسول - ﷺ - ولا من مهمته وإنما هي من شأن الله تعالى الوكيل على النفوس، الحفيظ عليها، المحصي لأعمالها لمجازاتها في يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت.
ومن هنا جاء ختم هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) حاملًا رفع مسئولية إدخالهم في الهداية عن رسول الله - ﷺ - وتهديدًا قويًا، ووعيدًا شديدًا للكافرين الجاحدين لتوحيد الله الخارجين عن طاعة رسول الله - ﷺ.
* * *
(موطن العتاب في هذه الآية الكريمة)
فموطن العتاب في آية هود هو التشابه الذي بينها وبين آية سورة الأعراف كما بيناه مفصلًا فيما سبق ودليله في أسلوب الآية الكريمة التفريع بالفاء الداخلة على " لعل " التي أريد منها التلطف بالنبي - ﷺ - والإشفاق
[ ١٥٢ ]
عليه وتحريك عزيمته وتهييج مشاعره على الثبات أمام ما يلقاه من فوادح الإيذاء والتقول المفترى والتعنت بالمقترحات الباطلة التي رد عليها بما أنزله الله عليه لبيان مهمته بقوله (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ) وقوله (إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ).
وأما أن هذا العتاب من قبيل عتاب التوجيه فهذا ظاهر حيث لم يعقب بما يشعر بلوم أو مؤاخذة وإنما هو محض إرشاد وتوجيه وتبيان لمعالم الطريق التي ينبغي لرسول الله - ﷺ - سلوكها في تبليغ رسالته.
* * *
(الآية الثالثة)
ومن نحو آية سورة هود قوله تعالى -في سورة الحجر- (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧» في أنها تصف النبي - ﷺ - بضيق الصدر مما يقولون.
وقد جاءت هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن أعداء رسول الله - ﷺ -، وأعداء دعوته المستهزئين المتربصين برسالته الدوائر بعد أن أمره الله تعالى بالصدع بأمر الدعوة، وأن يعرض عن المشركين.
وعقب آية أمره بالصدع بالدعوة بتبشيره - ﷺ - بأنه تعالى قد أزال من طريقه أولئك المستهزئين الماكرين الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر، فكفاه إياهم، ففسح بذلك أمره، ورفع من سبيله ما كان يراه عسرًا فلا يضيق
[ ١٥٣ ]
صدرك أيها الرسول بما يقولون من هجْر القول والتكذيب والاستهزاء والسخرية بك، وبدعوتك التي أرسلك الله بها لتخرجهم من ظلمات جهالة الشرك، والوثنية إلى نور الإيمان والتوحيد، ولا يشغل قلبك أمرهم، فيدخل عليه همًا أو غمًا، ويقتطع شيئًا من وقتك فاصرف قلبك من ذلك، وتوجه إلى الله تعالى بكثرة التسبيح له والسجود لجلاله يكفك ويكشف عنك كل ما يعترض سبيلك من معوقات، ويرفع عنك كل ما تجده من ضيق وحزن لمجرد ما تسمع من مقالات كاذبة تصدر عن أعدائك المشركين.
وتختلف هذه الآية الكريمة عن الآيتين السابقين في أن ضيق الصدر فيها جاء معللًا " بما يقولون " وبيّن في آية سورة هود بعض قولهم، كما بيّن في سور أخرى، وجعل التعليل في آية سورة الأعراف بالإنذار بالكتاب المنزل عليه، والتذكير به.
وما يقولون محتمل أن يكون من قبيل قولهم في آية سورة هود، وما جاء في مثيلاتها في السور الأخرى.
والإبهام هنا -بعدم ذكر ما يقولون- مخفف لوطأة الخطاب، بل يجعل فيه تلطفًا برسول الله - ﷺ - يقتصر على التذكير بما كان فِي صدر رسول الله - ﷺ -، وإنه يراد لهذا الضيق أن يزول فلا يبقى له أثر في صدره الشريف بدليل التفريع بعده في قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩».
[ ١٥٤ ]
(موطن العتاب فيها)
وموطن العتاب في هذه الآية الكريمة أنَّهَا كآية سورة هود وآية سورة الأعراف ذكر فيها ضيق صدر رسول الله - ﷺ - بقول المشركين المستهزئين، وتكذيبهم إياه، وتطلبهم منه -في آية سورة هود- أن يتجه إلى زخارف الدنيا ليكون له منها ما يجتذب به القلوب ويشتري العقول.
وأما كونه من قبيل عتاب التوجيه فلأنه عقب بطلب التسبيح والتقديس والاستغراق في الفكر في جلال الله تعالى وعظمته ليذهب عنه ما يجد من ضيق الصدر، ولم يعقب بما يدل -من قريب أو بعيد- على ملامة -وحاشاه منها- أو مؤاخذة.
* * *
(عتاب الدفع وتقوية العزيمة)
ومما يلحق بآيات عتاب التوجيه -في نوعه الأول (عتاب الدفع وتقوية العزيمة) - ما ورد عن آيات فيها النهي عن الحزن، وعن ضيق الصدر بسبب مكر الماكرين من المشركين.
وذلك في آيتين:
الأولى: في آخر سورة النحل - وهي مكية إلا أن هذه الآية وهي قوله تعالى: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) والتي قبلها والتي بعدها، فإنها كما تقول روايات أسباب النزول نزلت في قصة استشهاد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله - ﷺ - في غزوة أُحد.
[ ١٥٥ ]
وقد ضعَّف علماء الحديث ما جاء في قصص السيرة وأسباب النزول من أن رسول الله - ﷺ - أراد التمثيل بأحد من المشركين الذين مثلوا بسيدنا حمزة - ﵁ - إذا ما ظفر بهم يومًا.
والثانية: قوله تعالى -في سورة النمل- (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) وهذه مع وحدة الأسباب والألفاظ التي تجعلها في وحدة مع آية سورة النحل جاءت في سياق إنكار المشركين للبعث، وتوعد الله تعالى إياهم بأنه سيوقع بهم ما أوقع بمن قبلهم ممن كانوا على مثل قولهم في إنكار البعث والشرك بالله تعالى والمكابرة.
ولذلك سبقها قول الله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩».
وهاتان الآيتان إنما ألحقتا بآيات عتاب التوجيه -في نوعه الأول- لما فيهما من النهي عن الحزن وضيق الصدر تقوية لعزيمة رسول الله - ﷺ -: تثبيتًا لإقدامه في تبليغ رسالته دون أن يعتريه ما يكون سببًا في تعويق الدعوة إلى ْالله تعالى ونشرها بين الكافة والخاصة.
[ ١٥٦ ]
القسم الثاني من عتاب التوجيه
وهو الذي سميناه عتاب الإقصار والكف عن بعض ما يبذله رسول الله - ﷺ - من المكابدة في التبليغ إبقاء عليه أن يبخع نفسه الشريفة ويقتلها.
كان ما نزل من الآيات في عتاب الدفع وتقوية العزيمة لرسول الله - ﷺ - مشاعل من النور وقوة في دفع رسول الله - ﷺ - في تبليغ دعوته، وعدم المبالاة بما يلقى في سبيلها من تكذيب، وإيذاء وبلاء، كان يتخطاه رسول الله - ﷺ - بقوة عزيمته، وصارم إرادته، لا يبالي بما يكون، ولا بما يناله من آثار ذلك، ولا يوئسه منهم إعراضهم وصدفهم عن قبول دعوته، وصدودهم عن الاستماع إلى ما ينزل إليه من آيات ربه، بل كان دؤوبًا صادق العزم، قوي الإرادة حتى بلغ من شدة حرصه عليهم ما كفه الله تعالى عن بعضه وأمره بالتخفيف منه قليلًا ليكون دائمًا على أهبة التبليغ، ونشر الدعوة، فلا يؤخره صد منهم عن سبيل الله، ولا إعراض عنه.
وكان ذلك جهدًا فوق طاقته - ﷺ - ولكنه مهد السبيل لسير الدعوة، وتبليغها رغم ما كان فيه من إجهاد لطاقة رسول الله - ﷺ -، فتلطف الله به وأنزل عليه آيات للإقصار والكف عن المبالغة في الجهد حتى لا يصيبه - ﷺ - من المشاق والمتاعب، والنصب ما يعوق الرسالة عن سيرها، فكان ذلك ما قصدناه من عتاب الإقصار والكف.
* * *
(آيات عتاب الإقصار)
وقد تمثل هذا القسم في ثلاث آيات من القرآن الكريم حسب ما وصلنا إليه في البحث.
[ ١٥٧ ]
الآية الأولى -في أول سوره الكهف- هي قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦».
الآية الثانية في -أول سورة الشعراء- هى قوله تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣».
الآية الثالثة -في سورة فاطر- هى قوله تعالى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨».
أما الآية الأولى -آية سورة الكهف- فوردت في سياق آيات بينت أن الحمد لله الذي أنزل الكتاب المستقيم الذي لا التواء في نظمه، ولا تهافت في معانيه وأحكامه، ولا اختلاف في حقائقه قيمًا بمصالح العباد الدينية والدنيوية، وافيًا بها، مصدقًا لما قبله من الكتب شاهدًا بصحتها.
* * *
(تضمُّن القرآن وجوه الخير)
أنزله على عبده ورسوله سيدنا محمد - ﷺ -، فهو يوجهه به لما فيه خيره وخير دعوته، والمدعوين إليها، مرة بدفعه وشد عزيمته في سبيل التبليغ، وأخرى بإقصاره فيه للوقوف به عندما أمره به من تبيين أسباب الهداية، وفائدتها في العاجلة والآجلة، وترك ما وراء ذلك لله تعالى الذي يحاسب كل نفس بما كسبت.
[ ١٥٨ ]
ثم بينت هذه الآيات الكريمة أن الغرض من إنزال الكتاب هو إنذار الكافرين، وتحذيرهم من عذاب شديد ينزل بهم من عند الله تعالى إن لم يؤمنوا بوحدانيته ويتبعوا رسوله محمدًا - ﷺ -، وتبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بما أعده الله تعالى لهم من أجر حسن في الآخرة، وديمومة لهذا الأجر العظيم.
ثم تعود الآيات الكريمة لتذكر نوعًا خاصًا ممن عمهم الإنذار السابق من " مستحقي البأس الشديد إيذانًا بفظاعة، وشناعة كفرهم بالله " في تقولهم عليه تعالى بما ليس لهم ولا لآبائهم علم به في افترائهم على أن لله ولدًا سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.
وهنا يوجه الخطاب لسيدنا رسول الله - ﷺ - فيقول (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦). تفريعًا على ما سبق من إنزال الكتاب إليه، وجعله منذرًا، ومبشرًا به، وهذه مهمة أداء لا مهمة إرهاق وأحزان، وتوجيهًا له - ﷺ - إلى أن هولاء الكفار عطلوا عقولهم بكفرهم، وحجبوها عن أن تعرف خالقها حقه من وجوب الإيمان به والإتباع لرسوله - ﷺ - يستحقون أن يؤبه بهم، ولا أن يحزن عليهم ويؤسف.
* * *
(التلطف والإشفاق برسول الله - ﷺ - في توجيه الخطاب إليه)
لذلك خوطب رسول الله - ﷺ - بـ " لعل " لما فيها من الإشفاق على المخاطب، والتلطف به للعود به إلى ما ينبغي له من الوقوف عنده في التبليغ، وجاء الخبر بعدها " باخع نفسك " لبيان ما وصل إليه رسول الله - ﷺ - من جهد في تبليغ قومه، وحرصه على هدايتهم، لأن بخع النفس معناه
[ ١٥٩ ]
في اللغة قتلها وإهلاكها غمًا أو إضعافها فهو لشدة حرصه على إيمانهم، وإشفاقه عليهم، وصل إلى حال من يقتل نفسه وجدًا عليهم أو يضعفها بما يبذل من جهد فوق طاقته طلبًا أن يتحقق له ما يريد من هدايتهم ودخولهم في حظيرة الإيمان.
وفي التعبير -في الآية الكريمة- بقوله " على آثارهم " مزيد بيان لملاحقته - ﷺ - لهم، وسعيه في دعوتهم، وهم عنه معرضون وإكمال للصورة التي رسمها قوله (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ).
أما قول (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) فبيان لسبب البخع، إذ أن عدم إيمانهم بما جاءهم به هو الذي زادهم بُعدًا عنه، وزاده حرصًا عليهم، وأحزنه وأثار الأسف في نفسه خوفًا عليهم انتقام الله تعالى.
* * *
(موطن العتاب في الآية)
وموطن العتاب في هذه الآية الكريمة في استعمال أداة الإشفاق وهي " لعل " فيما وصل إليه حال رسول الله - ﷺ - من شدة حرصه ومبالغته في دعوتهم تطلبًا لإيمانهم حتى كاد يهلك نفسه أسفًا على عدم إيمانهم بالله واتباع رسوله.
وهذا الإشفاق نظير قوله -في سورة هود- (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ).
[ ١٦٠ ]
وأما أنه من عتاب التوجيه -في قسمه الثاني- فلأنه أريد به إقصاره وكفه - ﷺ - عن بعض ما يبذله مما هو فوق طاقته من الجهد في قوم لا يلوح فيهم رجاء.
* * *
(ثانية عتاب الإقصار)
أما الآية الثانية من آيات كتاب التوجيه الإقصاري لكف رسول الله - ﷺ - عن بعض جهده في تبليغ دعوته إبقاء عليه ورحمة به فهي قوله تعالى -في أول سورة الشعراء- (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).
وهذه الآية نظيرة لآية سورة الكهف السابقة فهي في لفظها وأسلوبها مماثلة لها.
وكما وردت آية سورة الكهف في سياق خاص أبرز التمهيد للعتاب في الآية هناك، كذلك هنا جاءت الآية في مفتتح سورة الشعراء إثر آية واحدة هي قوله تعالى (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) وهذه الآية تحمل في طياتها من السياق المضمر ما يحمله سياق آية سورة الكهف في التمهيد لإبراز العتاب في صورته التي جاء بها.
وذلك أن قوله تعالى (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) معناه في مضمونه الذي انطوى عليه أننا أنزلنا عليك الكتاب -وهو القرآن الحكيم- كتابًا مبينًا فاصلًا بين الحق والباطل، وفارقًا بين الخير والشر، وقد أعَرض عنه هؤلاء المشركون فلم يتدبروا آياته، ولم يتعرفوا منازل أحكامه، واستمرؤا العكوف على الشرك والضلال، وحرصت أنت على إيمانهم حرصًا بلغت فيه مبلغ من يشفق عليه، ويرحم أن يبذل نفسه هذا البذل الذي يبخعها
[ ١٦١ ]
ويهلكها ويضعفها، وذلك تعويق للرسالة لا تبليغ لها.
وقوله تعالى «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) إشفاق من الله تعالى على نبيه - ﷺ -، له قوة التعليل الضمني في بلوغ رسول الله - ﷺ - من الجهد ما هو فوق طاقته، وتبليغ الرسالة يقتضى أن يقصر من هذا الجهد ويكف عن بعضه حتى يقوم بواجب تبليغ رسالته على الوجه الأكمل دون أن يلحقه ما يضر بصحته.
وقوله (أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) مفعول لأجله معمول لـ (باخع)، والمعنى: لعلك في هذا الجهد الشديد قاتل نفسك حرصًا على إيمانهم لعدم وجود هذا الإيمان منهم رغم ما تبذل من كل جهد وطاقة.
* * *
(موضع العتاب من هذه الآية)
وموطن العتاب فيها هو موطنه في نظيرتها آية سورة الكهف باستعمال أداة الإشفاق " لعل " وصيغة باخع نفسك والتعليل بعدم إيمانهم رغم ما يبذل من حرص على إيمانهم.
وأما كونه عتاب توجيه فلأنه لم يعقب بتنبيه على شىء يجب تركه وإن لم يترك وقع ما يخاف منه، كما لم يعقب بتحذير وإنما أريد به نقله من حالة بذله غاية الجهد إلى التوسط فيما يبذله من ذلك وقوفًا مع ما أمر به.
ويزيد هذا القسم من العتاب أنه عتاب إقصار وكف عن بعض ما يبذل من جهد في التبليغ على خلاف سابقه -عتاب الدفع- في أن المطلوب فيه كان قوة العزيمة، وبذل كل الجهد في تبليغ الرسالة مع عدم المبالاه بما يلقى من الأذى والبلاء في سبيل تبليغ رسالته.
[ ١٦٢ ]
الآية الثالثة من آيات عتاب الإقصار
أما الموضع الثالث من العتاب التوجيهي لإقصار وكف بعض جهد رسول الله - ﷺ - في التبليغ إبقاء على نفسه وطاقته فجاء في آية من سورة فاطر وهو قوله تعالى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).
والمتأمل في هذه الجملة يجدها جاءت في قوله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨». في سياق سبقت فيه بنداء عام إلى جميع الناس يذكرهم ربهم ﵎ فيه بنعمه عليهم وأجل هذه النعم خلقه تعالى لهم إبداعًا من العدم وتوليهم برحمته ورزقهم من السماء والأرض، وكان من حق هذا الإله المنعم المتفضل بالإحسان ألا يتخذ إله غيره، ولكن هؤلاء الكافرين عدلوا عنه إلى غيره، وانصرفوا عن عبادته إلى آلهة أصنام وأوثان عبدوها من دونه وكذبوا رسله، فحاكاهم هؤلاء المشركون الذين كذبوا رسول الله محمدًا - ﷺ -، وسخروا من دعوته، واغتروا بما في أيديهم من زخرف الدنيا ومتاعها مما حملهم عليه الشيطان لعداوته لكل إنسان كما أخبر الله تعالى في قوله (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) ثم توعدهم بشديد العذاب إن ظلوا على كفرهم
[ ١٦٣ ]
وشركهم وإنكارهم فضل الله عليهم وإحسانه إليهم، وعقب ذلك بوعد منه تعالى للمؤمنين العاملين الصالحات فأبان أن لهم جزاء إيمانهم وصالح عملهم مغفرة وأجرًا كبيرًا.
ثم جاءت الآية موضع البحث (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) الآية، والاستفهام في هذا إنكاري ينطوي على تنديد وتقريع لأولئك المشركين الذين اتبعوا ما زين لهم الشيطان من سوء عملهم فرأوه عملًا حسنًا وهم لا يعقلون أن مرد الهدى والضلال إلى الله تعالى (فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) بعدله لسوء استعداد المكلف وخبث فطرته (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) بفضله ورحمته وتوفيقه لما جبله عليه الخير والاستعداد لتقبل الحق والإيمان به.
ولما كان رسول الله - ﷺ - شديد الحرص على إيمان قومه من أولئك المشركين إرادة استنقاذهم من عذاب الله تعالي، وخلودهم في دار الجحيم بالغ - ﷺ - في ذلك الجهد، وبذل ما هو فوق طاقته ليهديهم، فأراد الله تعالى من نبيه الكريم - ﷺ - أن يقصر من هذا الجهد، ويكف عن بعضه إبقاء على نفسه وقوته حتى يستطيع أداء رسالته وتبليغها في حدود مهمته التي أخبر الله عنها بقوله تعالى (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) وقوله (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) فقال له ناهيًا مشفقًا رحيمًا به (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).
[ ١٦٤ ]
ومعنى ذلك: أنك أيها الرسول تعلم علم اليقين أن الهداية والضلال بيد الله تعالى ومشيئته فهو الذي يخلق الضلال في قلب الضال فلا تجد الهداية منفذًا إليه، وهو الذي يخلق الهداية في قلب المؤمن فينشرح لها صدره وينفسح لها قلبه فتتطابق أعمال جوارحه مع أعمال قلبه ليكون حقيقًا بوعد الله الذي قال فيه في سياق الآية المتقدم (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ).
* * *
(موضع العتاب منها)
أما موضع العتاب في هذه الآية ففي النهي عن إذهاب نفسه - ﷺ - على عدم إيمانهم متحسرًا آسفًا حزينًا حتى كاد يبخع نفسه كما في آية سورة الكهف، وآية سورة الشعراء المتقدمتين.
* * *
(محصلة هذا النوع من العتاب التلطف به)
وأما أنه عتاب إقصار وكف يراد بهما التوجيه فلأنه لم يعقب بشيء ويطلب من رسول الله - ﷺ - تحصيله ولا بشىء من التحذير وإنما يراد له ﵊ الانكفاف عن بعض ما يبذله من جهد في دعوته لقوم لا يلوح فيهم رجاء.
[ ١٦٥ ]
النوع الثاني عتاب التنبيه
أما النوع الثاني من العتاب الإلهي لسيدنا محمد - ﷺ - فهو ما أطلقنا عليه (عتاب التنبيه) لأنه يختلف عن عتاب التوجيه في أن عتاب التنبيه يقصد به تنبيه المعاتب إلى عدم العود إلى الذي عوتب عليه لأنه لو لم ينبه لتكرر منه ذلك الأمر، وقد يؤدي به حال التكرار وعدم التنبيه عليه إلى ما هو فوقه.
* * *
(الغرض من هذا النوع)
أما عتاب التوجيه فيقصد به نقل المعاتب من حالة كان عليها إلى حالة أخرى، يراد له المصير إليها.
وفي حق رسول الله - ﷺ - كانت الحالة الأولى في طريق تبليغ الدعوة التهيب وضيق الذرع، فأريد نقله منها إلى حالة الدفع وقوة العزيمة في تبليغ الرسالة، أو نقله من حالة الدفع وشدة الحرص على هدايتهم إلى حالة الاعتدال والإقصار، والكف عن بعض ما يبلغه من جهد فوق طاقته تخفيفًا على نفسه الطاهرة مما يتحمله من شدة المشاق في تبليغ الرسالة مما قد يؤدي به -لو استمر فيه- إلى الإضرار بنفسه فيعوق الاستمرار في تبليغ الرسالة الخاتمة.
* * *
(حصر آيات هذا النوع من العتاب)
والآيات التي تدخل تحت هذا النوع الضابط -بحسب ما وصل إليه بحثنا- هي الآيات التالية:
[ ١٦٦ ]
١ - قوله تعالى: -في سورة براءة- (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣».
٢ - قوله تعالى: -في سورة براءة أيضًا- (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠».
٣ - قوله تعالى: -في سورة براءة أيضًا- (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤».
٤ - قوله تعالى: -في سورة براءة أيضًا- (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣».
٥ - قوله تعالى: -في سورة الكهف- (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤».
[ ١٦٧ ]
وكما هو نهجنا فيما تناولناه من الآيات الكريمة بالبحث -أن ننظر للآية في سياقها من السورة التي هي فيها ليكون ذلك السياق مفتاحًا لفهم الآية وكشف المراد بها- نعرض آيات هذا النوع من العتاب.
* * *
(أولى آيات هذا النوع من العتاب)
وأولى هذا النوع قوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣».
والحديث عن هذه الآية يستدعي التقدمة لها بعرض ما يدل عليه سياقها ليتضح المراد بها خطابًا لسيدنا محمد رسول الله - ﷺ -.
وقد بدأ سباق هذه الآية بنداء المؤمنين بأشرف أوصافهم وهو (الإيمان) الذي يبعث الطمأنينة والرجاء في نفوسهم، ويدفعهم إلى تقبل ما يأتي بعده من شدة في الخطاب تذكيرًا لهم بمكانهم من الإيمان، ولفتًا لأنظارهم لما يوجه إليهم من خطاب يذكرون فيه بمقتضيات الإيمان -وأهمها المسارعة إلى الجهاد لإعلاء كلمة الله بصيغة الاستفهام الإنكاري مرتين في آية واحدة " مشوبًا الثاني منهما بنوع من التعجب "- بأن ما اعتراهم من تثاقلهم إلى الأرض حين دعاهم رسول الله - ﷺ - إلى النفر للجهاد في سبيل الله -في غزوة تبوك وفي آخر غزوة غزاها رسول الله - ﷺ - بنفسه وهي أشق غزوة وأقساها وقتًا واستعدادًا- إخلاد منهم إلى الأرض ورضى بما عليها من زخرف زائل، وتقديم لراحة الحياة الدنيا الفانية، وطلب للذتها الناقصة مما لا يرضاه عاقل بديلًا، من الآخرة لأن ذلك نزول
[ ١٦٨ ]
بأنفسهم من عز الإيمان وعلاه، وتضييع لما أعده الله للمؤمنين المجاهدين من عظيم الثواب القيم.
ويشتد الخطاب عليهم بسبب تثاقلهم إلى الأرض عن الخروج للجهاد في سبيل الله إلى أن يكون تهديدًا بأنَّهم إلا ينفروا مع رسول الله - ﷺ - يعذبهم الله عذابًا أليمًا موجعًا، وذلك بسبب تركهم النفر مع رسول الله - ﷺ -، ويستبدل بهم قومًا غيرهم يطيعون الله ورسوله، فينفرون إذا استنفروا، ويجيبون إذا دعوا، ثم لا يكونوا أمثالهم.
* * *
(تهديد المتقاعسين عن الخروج إلى غزوة تبوك)
ولما كان عدم النفر تقاعسًا عن نصرة رسول الله - ﷺوقد رد الله عليهم بأن أبى اعتذارهم بما احتف بهم من شدة الحر وقلة الزاد، وندرة المركب، ونضج الثمر، وبُعد السفر - بيّن السياق القرآني أنه تعالى لا حاجة به إليهم لأنه هو الغني عنهم، وهم الفقراء إليه، كما لا حاجة لدينه ولا لرسوله - ﷺ - بهم أيضًا. فهم إن تخلفوا اليوم عن نصرة رسول الله - ﷺ - بعدم الإستجابة للنفر في غزوة تبوك إذ استنفرهم رسول الله - ﷺ - فقد نصر الله دينه ونصر رسوله - ﷺ - إذ كان وحده من أول بعثته إلى هجرته التي ظهر فيها آثار نصر الله له بإنزال السكينة عليه هو وصاحبه وليس معهما أحد، وهما متبوعان مطلوبان، إذ رأى حزن صاحبه وخوفه عليه، إذ كان الطلب قد وصل إلى مكان لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآهما فقال لصاحبه يثبته ويطمئنه (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا) فهذا نصر مؤزر لم يكونوا فيه، ولا كان أحد فيه معه سوى صاحبه، إذ أيده الله بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفررا السفلى إذ خيبهم، وخذلهم بنصره لرسوله وتأييده له وذلك إعلاء لكلمة الله والله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأمور في مواضعها.
[ ١٦٩ ]
وهذا كله بيان إجمالي لمعنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠».
ويقفي السياق القرآني على ذلك بالأمر بالنفر العام الذي يوجب الجهاد في سبيل الله على كل فرد من أفراد المسلمين إذ لا يعذر فيه أحد بشيخوخة، ولا فقر، ولا مرض فقال الله تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١» فكأنه فتح لباب التوبة لهم، وترغيب لمراجعة قوة الإيمان، وصدق العزيمة في متابعة رسول الله - ﷺ - في جهاده، وتحملهم المشاق ورضائهم بما ينالهم من متاعب الدنيا إيمانا بالله وطاعة لرسوله - ﷺ - وجهادًا في سبيله، وإعلامًا لهم بما ينتظرهم من جهد ومشقة في هذه الغزوة التي خالف فيها رسول الله - ﷺ - عادته الشريفة، إذ كان إذا أراد أن يغزو قومًا وَرَّى عنهم، ولم يصرح، ولكنه في هذه الغزوة بيّن وجهته، وأعلن قصده
[ ١٧٠ ]
لما يعلمه من بركاتها، وما فيها من مشاق ومتاعب تستدعي أكمل الاستعداد، وأخذ الأهبة لسفر بعيد ومشقات قاسية، إذ ختمت بها غزوات رسول الله - ﷺ -، وبها أخرج أمته من ضيق مجال الدعوة في داخل الجزيرة العربية إلى عموم مجالاتها في أقطار الأرض.
* * *
(إظهار نوايا المنافقين للتحذير منهم)
ولما كان المنافقون مندسين في مجتمع المؤمنين بما يظهرونه من شعائر الإسلام، وكانوا على عزيمة ألا يخرجوا مع رسول الله - ﷺ - في هذه الغزرة جبنًا وخورًا وفرقًا من ملاقاة العدو -وهذا على خلاف ما كان عليه خلص المؤمنين رغم تثاقلهم إلى الأرض، لما احتف بهم من الشدة، ولكنهم كانوا قد راجعوا أنفسهم، وصمموا عزائمهم على الخروج مع رسول الله - ﷺ - مهما لاقوا من الشدة والأزمات- بيّن الله حال المنافقين بأنهم إنما يريدرن الدنيا وغنائمها وأنهم أوهن من أن يتحملوا مشقات الجهاد وأسفاره، فلو كان ما دعوا إليه عرضًا من أعراض الدنيا ينالونه من قريب، وغنيمة حاضرة يحصلون عليها دون مشقة في سفر قريب، وموضع سهل لاتبعوا الرسول - ﷺ - وهم مضمرون للتخلف عنه، ولكنهم لا يتخلفون عن عرض من أعراض الدنيا وغنائمها فقال الله تعالى فيهم يفضحهم ويكشف سترهم (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢».
[ ١٧١ ]
وقد أكد ذلك إخبارًا بالغيب ومعجزة لرسول الله - ﷺ - بأنهم سيحلفون لو استطاعوا لخرجوا معه وهم بهذا الحلف يهلكون أنفسهم، كاذبين مفترين.
ولقد كان المنافقون على عزيمة استئذان رسول الله - ﷺ - في التخلف والقعود بأعذار زائفة وهم مضمرون للقعود سواء أذن لهم أم لم يأذن لهم فيه فقد قالوا: " استأذنوا رسول الله - ﷺ - فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا ".
وكان رسول الله - ﷺ - على يقين من العلم بأن المنافقين المندسين في مجتمعه مفسدون جبناء يرتعدون فرقًا من ملاقاة العدو، يحاولون أن يخذلوا الجيش الإسلامي، ويفسدوا أمره بإحداث الفتن والقلاقل والاضطرابات والتخويف فأسرع رسول الله - ﷺ - بالإذن لهم بالقعود دون أن يتلبث بهم حتى ينكشف سترهم وينفضح أمرهم، ويظهر الصادق من الكاذب.
ولما كانت هذه الغزوة من أعظم غزوات الإسلام عددًا وعدة، ونهاية خاتمة لغزوات رسول الله - ﷺ - بنفسه أراد الله تعالى أن يجعلها امتحانًا يكشف به أمر المنافقين ويفضح خبايا ضمائرهم ليتميز الصادق من الكاذب، ويخلص المجتمع الإسلامي من الجبناء الرعاديد ولا يبقى فيه إلا ْكل شجاع صنديد، قال لرسوله - ﷺ - (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣».
[ ١٧٢ ]
ومعناه: لم أسرعت بالإذن لهم، ولم تتأن بهم وتتلبث لينكشف حالهم بقعودهم عن الخروج معك دون إذن منك فتعلم أنت وأصحابك الصادقين من الكاذبين منهم.
* * *
(موضع العتاب من الآية)
فالعتاب - إنما كان على المسارعة بالإذن لهم بالقعود لا على نفس الإذن لهم بالتخلف والقعود خلافًا لما توهمه عبارات بعض المفسرين، أخذًا بظاهر أسلوب الآية الذي وجه فيه الإنكار للإذن مباشرة، لأن الإذن لهم بالقعود إنما كان عن اجتهاد من رسول الله - ﷺ -، قررت الآيات الآتية صوابه بمقتضى ما يأتي من الوجوه التي سنذكرها في معاني هذه الآيات.
وقد حمل استفتاح هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ) القائلين بأن في الآية عتابًا لرسول الله - ﷺ - على الجري بأن الآية تقتضي أن رسول الله - ﷺ - خالف ما هو أولى بالحزم في حق هؤلاء المنافقين ".
وظاهر عبارات كثير من المفسرين أن العتاب كان على نفس الإذن لهم بالقعود، وهذا الظاهر ليس بمسلم، لأن العتاب إنما كان على الإسراع لهم بالإذن بالقعود عن الخروج إلى غزاة تبوك، وعدم التلبث والتأني بهم حتى ينكشف أمرهم، ويظهر نفاقهم لكل أحد لينقطع ما بأيديهم من سبب يضللون به المؤمنين أنهم منهم وما هم منهم في شىء، فنفس الإذن لهم بالقعود عنه صواب في موضعه، لأن الآيات التالية لهذه الآية بينت أنَّهم لو خرجوا معه - ﷺ - لأحدثوا الفتن في الجيش الإسلامي بيد أن المسارعة
[ ١٧٣ ]
بإجابتهم إلى الأذن بالقعود حين طلبوه نجم عنه ألا يعلم الصادق في عذره من الكاذب فيه، فكان ذلك موطنًا للعتاب في الآية الكريمة.
وهذا الذي قررناه من أن العتاب كان على المسارعة بالإذن لهم لا على نفس الإذن هو ما ذهب إليه المحققون من المفسرين، وقد صرح به الزمخشري في الكشاف فقال: " ومعناه: ما لك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك، واعتلوا لك بعللهم، وهلا استأنيت بالأذن " حتى يتبين لك " من صدق في عذره ممن كذب فيه ".
وقال أبو السعود: ". . كلمة (حتى) سواء كانت بمعنى اللام أو بمعى إلى لا يمكن تعلقها بقوله تعالى: (لِمَ أَذِنْتَ) لاستلزامه أن يكون إذنه ﵊ لهم معللًا أو مغيًا بالتبين والعلم ويكون توجيه الاستفهام إليه من تلك الحيثية، وذلك بين الفساد بل بما يدل عليه ذلك، كأنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم وهلا تأنيت حتى ينجلي الأمر كما هو قضية الحزم " ونهج صاحب تفسر المنار نهجهما فقال: " .. كان مقتضى الحزم أن تتلبث في الإذن أو تمسك عنه اختبارًا لهم ".
* * *
(بيان وجه الصواب في الإذن لهم بالقعود)
أما بيان الآيات التالية لهذه الآية الكريمة من أن الأذن لهم بالقعود عن الخروج إلى غزوة تبوك صواب في موضعه لما يترتب على خروج المنافقين من الإفساد في الجيش، وإحداث الفتن بين المجاهدين وتثبيط عزائمهم فقد
[ ١٧٤ ]
تمثل فيما يلي:
(نفي الإيمان عن المستأذنين)
أولًا - في أن الله تعالى نفى الإيمان بالله واليوم الآخر عن المستأذنين في التخلف والقعود عن الجهاد في سبيك الله بأموالهم وأنفسهم ووصمهم بارتياب القلوب، وأنهم متحيرون في أمرهم يوافقون المسلمين فيما يسهل عليهم من العبادات تغطية لما في قلوبهم من نفاق، ويلتمسون لأنفسهم الأعذار مما فيه مشقة عليهم أو إنفاق لأموالهم، قال تعالى (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥».
* * *
(ظهور عداوة المنافقين توجب منعهم من الخروج مع جيش المؤمنين)
ومن كان كذلك فلا يؤتمن على السير مع عباد الله المجاهدين في سبيله ولا يمكن السماح له بالخروج مع جيش المسلمين لأنه عدو لله تعالى ولدينه ولرسوله - ﷺ -.
ثانيًا - قال تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦».
* * *
(وجوه صواب إذن رسول الله - ﷺ - للمنافقين بالقعود عن الخروج معه)
وهذه الآية الكريمة دليل على أن نفس إذن رسول الله - ﷺ - لهم بالقعود صواب من وجوه:
الوجه الأول: أنه تعالى سجل عليهم ما كانوا يتسترون عليه من عدم عزيمتهم على الخروج بأنهم لم يعدوا العدة لهذا الخروج، وهو خروج لازم بمقتضى تصريح رسول الله - ﷺ - بالغزوة، ذلك التصريح الذي يصور مشقات
[ ١٧٥ ]
السفر، وشدائد الرحلة مما يتطلب أهبة واستعدادًا كبيرًا.
الوجه الثاني: قوله تعالى: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ) وكَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ معناه عدم إرادته لخروجهم مع المؤمنين لئلا يفسدوا عليهم حالهم في تصميمهم على الجهاد في سبيل الله، وترحيبهم بالاستشهاد أملًا في رضا الله تعالى، ونشرًا لدينه، ونصرًا لرسوله - ﷺ -.
الوجه الثالث: قوله (فَثَبَّطَهُمْ) وهذا تصوير لعدم إرادة الله خروجهم بعدم أخذهم الأهبة والاستعداد للخروج فقذف في قلوبهم الوهن والتكاسل دون إعداد العدة للخروج، ثم ختم ذلك بقوله (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) وهذا القول من رسول الله - ﷺ - بالإذن لهم بالقعود، فكأنه قول الله تعالى، وهو مؤكد في المعنى لقوله (فَثَبَّطَهُمْ).
* * *
(خطر اندساس المنافقين في المجتمع الإسلامي)
ثالثًا - قال تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩».
وهذه الآيات كسابقتها تظهر أن الإذن لهؤلاء المنافقين بالقعود كان صحيحًا من وجوه أيضًا:
[ ١٧٦ ]
الوجه الأول: قوله تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) وهذه جملة شرطية صريحة في بيان ما انطوت عليه أنفسهم من العمل المفسد للمجتمع الإسلامي، وإيقاع الخبال فيه، والفتن التي تذهب بقوة الجيش وتوهن عزائمه.
والتعبير بقوله (مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) المقتضي لوجود أصل الخبال في جمهرة المسلمين إنما يقصد إلى بعض ضعفاء الإيمان الذين يسمعون إلى قول المنافقين، ويتأثرون به في ضعف عزائمهم، ورعب قلوبهم، وخوفهم من ملاقاة العدو، وهم المقصودون بقوله (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ).
الوجه الثاني: قوله (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) ومعنى هذا أن الله تعالى يصف هؤلاء المنافقين بأنهم سراع الحركة والتوثب بين جماعات المسلمين لإلقاء الأكاذيب والمفتريات تخذيلًا لهم، وفتنة لأنفسهم لصرفهم عن معالي أمور الجهاد، ثم أكد هذا الأمر بقوله (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) أي أن هذه المجتمعات الكبيرة المتعددة الأفراد والطوائف، المتعرضة لأشق ما يتعرض له المجاهدون لا تخلو عن ضعاف النفوس الذين يفرقرن بمجرد سماع الإشاعات والأكاذيب، فإذا سمعوا من المنافقين أكاذيبهم فى افتراءاتهم تخاذلوا عن جهادهم ومواقفتهم للعدو في صفوف المؤمنين.
ثم ختم الله تعالى بما يسجل أظلم الظلم على هؤلاء المنافقين، وقد تضمن ذلك وعيدًا شديدًا لهم على ما أضمروا في أنفسهم من إحداث الفتن بين المؤمنين، والإبهام في الوعيد أشد من التصريح به.
[ ١٧٧ ]
الوجه الثالث: قوله (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨». وهذا بيان لما جبل عليه هؤلاء المنافقون من إحداث الفتن، وإشاعة المخاوف بين المجتمع الإسلامى، فذكر الله تعالى أن هذا ديدنهم وعادتهم من قبل، ففد أحدثوا قبل ذلك عظائم الفتن في المجتمع الإسلامى، كالذي كان منهم في غزوة بني المصطلق وأمثالها، ولكن الله تعالى أوبقهم في موبقاتهم، وأوقعهم فيما دبروه لإفساد مجتمع المؤمنين.
وهذا هو المراد بقوله (حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ) أي نصر الله رسوله - ﷺ - وأصحابه من خلص المؤمنين، وكان المنافقون أكره الناس لهذا النصر، وأبغضهم لا يرون بين المؤمنين من توافق وألفة ومحبة وإخاء.
الوجه الرابع: قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩».وهذا تسجيل عليهم بأنهم مردوا على الكذب، ومرنوا على الفتن، ولما أخبروا بأن الرسول - ﷺ - متوجه إلى تبوك لغزو الروم وفي الروم جمال لنسائهم، وثروات في بلادهم لعلها تطمعهم فِي الخروج مع رسول الله - ﷺ - كما هي عادتهم في حب الدنيا - تعللوا في ترك الخروج مع رسول الله - ﷺ - بما ليس لهم فيه عذر. فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر ابن عبد الله - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لجد بن قيس: " يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟ " قال جد: أتأذن لي يا رسول الله فإني رجل أحب النساء وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن. فقال رسول الله - ﷺ - - وهو معرض عنه -
[ ١٧٨ ]
" قد أذنت لك " فأنزل الله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي. . . . . . .) الآية ونحوه عند الطبري من طريق أخرى.
فرد الله تعالى على هذا المنافق وأمثاله بأنهم سقطوا في الفتنة بما مرنوا عليه من الكذب والبهتان، ثم أوعدهم بأشد العذاب فقال: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) تسجيلًا للكفر عليهم وتكذيبًا لما يتظاهرون به من شعائر الإسلام.
وفي قوله (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) دليل على أنَّهم منغمسون فيها وفي صنوف عذابها لا يغيبون عنها، ولا هم منه بمخرجين.
* * *
(جفوة التعبير دليل ضعف في التفكير)
وقد أساء الزمخشري الأدب في التعبير عن بيان العتاب -في زعمه- فقال إن قوله تعالى (عَفَا اللهُ عَنْكَ).: " كناية عن الجناية لأن العفو رادف لها ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت ".
وقد استغواه في هذا التعبير السيئ سلفه الجبائى الذي يرى أن إذن رسول الله - ﷺ - للمستأذنين من المنافقين بالقعود عن الخروج معه إلى غزوة تبوك " كان قبيحًا ووقع صغيرًا " فالزمخشري مقلد في سوء الأدب لشيخ شيوخ المعتزلة، وقد تابع البيضاويُّ الزمخشري في جفوة التعبير في هذا الموضع من تفسيره.
[ ١٧٩ ]
وقد علق أبو حيان - رحمه الله تعالى - في البحر على هذا المسلك من التفكير والتعبير فقال: " وكلام الزمخشري في تفسر قوله (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) مما يجب إطراحه فضلًا عن أن يذكر فيرد عليه ".
قال الآلوسي: " وكم لهذه السقطة في الكشاف من نظائر ".
* * *
(تلطف في التعبير لا عتابًا له)
ومن العلماء من لم ير في هذه الآية عتابًا، وإنما هي -عندهم- من باب التلطف في الكلام، والدعاء للمخاطب الجاري على الأسلوب العربي في مخاطبة الكرام، ومراسلة الأحباء والأصدقاء على نحو قولهم: " عفا الله عنك هلا أعطيتني كذا، وأصلحك الله، ووفقك الله كان الأمر كذا وكذا. . " فابن الأنباري يقول: " لم يخاطب رسول الله - ﷺ - بذلك لجرم أجرمه، ولكن الله وقره ورفع من شأنه حين افتتح الكلام بقوله: " عفا الله عنك " كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان كريمًا: " عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي؟ ورضي الله عنك هلا زرتني؟ ".
وممن قال بذلك أيضًا القاضي عياض في الشفا، والقسطلاني في المواهب ونقلا فيهما عن الداودي، ومكي والقشيري ونفطويه، ونسبه القرطبي إلى مكي والمهدوي والنحاس، ونقله الزرقاني عن
[ ١٨٠ ]
ابن المنير.
فالقشيري قال: " وإنما يقول: العفو لا يكون إلا عن ذنب من لم يعرف كلام العرب " وقال نفطويه فيما أورده عنه أبي حيان في البحر: " ذهب ناس إلى أن النبي - ﷺ - معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك بل كان له أن يفعل وألا يفعل حتى ينزل عليه الوحي، كما قال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ". لأنه كان له أن يفعل وأن لا يفعل، وقد قال الله تعالى (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) لأنه كان له أن يفعل ما يشاء مما لم ينزل عليه فيه وحي، واستأذنه المتخلفون في التخلف واعتذروا، اختار أيسر الأمرين تكرمًا وتفضلًا منه - ﷺ -، فأبان الله تعالى أنه لو لم يأذن هم لأقاموا للنفاق الذي في قلوبهم وأنَّهم كاذبون في إظهار الطاعة والمشاورة، فـ (عَفَا اللهُ عَنْكَ) عنده افتتاح كلام أعلمه به أنه لا حرج عليه فيما فعله من الإذن وليس هو عفوًا عن ذنب إنما هو أنه تعالى أعلمه أنه لا يلزمه ترك الإذن لهم كما قال - ﷺ -: " عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق، وما وجبتا قط " ومعناه: ترك أن يلزمكم ذلك.
قال أبو حيان -بعد أن أورد كلام نفطويه-: " ووافقه عليه قوم فقالوا: ذِكْرُ العفو هنا لم يكن عن تقدم ذنب، وإنما هو استفتاح كلام جرت عادة العرب بأن تخاطب بمثله لمن تعظمه وترفع من قدره، يقصدون بذلك الدعاء
[ ١٨١ ]
له فيقولون: أصلح الله الأمير كان كذا وكذا، فعلى هذا صيغته صيغة الخبر ومعناه الدعاء ".
* * *
(إجراء الخطاب على وجهه خير من تأويله)
والذي يظهر من أسلوب هذه الآية الكريمة أن ذكر العفو في افتتاحها وإن لم يكن عن تقدم ذنب إلا أنه يحتمل أنه كان عن خطأ في الاجتهاد فات رسول الله - ﷺ - أن يبذل فيه جهده وهو الإسراع لهم بالإذن بالقعود والتخلف وجعل اجتهاده في خروجهم معه وما يتسبب عليه من إفساد وبلبلة وفتنة وتثبيط للجيش بإشاعات كاذبة ماكرة.
فقوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ) معقبًا بالاستفهام الإنكاري يبعده عن إرادة الدعاء به ومجرد التلطف لأن الاستفهام الإنكاري يقتضي منكرًا والمنكر هنا إسراع رسول الله - ﷺ - بالإذن لهم -وهو لازم للإذن مدخول أداة الإنكار- دون أن يتلبث بهم ليتبين له ولأصحابه المؤمنين حقيقة حال المستأذنين من الصدق أو الكذب.
وما ذكروه من أمثلة جرت على لسان بعض الأدباء واللغويين ليس فيه شيء من قبيل الآية لأنَّهم لم يذكروا مثالًا عقب باستفهام إنكاري.
* * *
(موضع العتاب في هذه الآية)
فالآية عتاب متلطف برسول الله - ﷺ - إذ سبق بالأخبار بالعفو، وهذا يكفى في بيان ما فيها من التلطف والحفاوة برسول الله - ﷺ - ويجعلها من قبيل عتاب التنبيه، إذ لم تعقب بشىء يحذر في المستقبل، أو يخاف وقوعه.
[ ١٨٢ ]
(ثانية آيات هذا النوع من العتاب)
وثانية آيات هذا النوع من العتاب: -بحسب ما وصل إليه بحثنا- هى قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠».
وقد وردت هذه الآية الكريمة إثر أن بيّن الله تعالى حال المنافقين مع المؤمنين، وكشف الستر عنهم فإن أولئك المنافقين لم يكتفوا بما هم غارقون فيه من بخل بما أوجبه الله عليهم في أموالهم أو ندبهم إليه فيها، ولم يخجلهم شحهم بمال الله تعالى، بل تعدوا ذلك كله إلى إيذاء المؤمنين المتصدقين أغنياء وفقراء استجابة لدعوة رسول الله - ﷺ - لهم بقوله: " تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثًا " فلمزوهم بما هم برآء منه وعابوهم على ما يبذلونه في سبيل الله تطوعًا، فتوعدهم الله تعالى بالسخرية منهم في الدنيا بأن " جعلهم سخرية للمؤمنين، والناس أجمعين بفضيحته لهم في هذه السورة " الفاضحة لأحوالهم، الحافرة عما في قلوبهم من دغل، وتوعدهم بالعذاب الأليم الذي سينزله بهم فِي الدنيا والآخرة.
قال ابن كثير في تفسيره: " هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين، لأن الجزاء من جنس العمل فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصارًا للمؤمنين في الدنيا وأعد للمنافقين في الآخرة عذابًا أليمًا لأن الجزاء من جنس العمل ".
[ ١٨٣ ]
وقد أفزعهم هذا الوعيد الشديد، وعلموا أن رسول الله - ﷺ - قد أخبر بحالهم ولمزهم للمتصدقين من المؤمنين فجاءوا إليه يعتذرون، ويطلبون أن يستعفر لهم فأنزل الله تعالى هذه الآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) الآية التي هي موضع البحث هنا.
وهي في سياقها -الموحي بأنها تسجيل لكفر المنافقين، وبيان لفسقهم- كشف لحال المنافقين، وإعلان لخاتمتهم الخائبة، وإيعاز لرسول الله - ﷺ - بأن لا جدوى من الاستغفار لهم، ولو كثر منه ذلك لهم، فلن ينفعهم، ولن يتقبل في حقهم فيما لو استغفر لهم، وسبب ذلك كفرهم بالله ورسوله وفسقهم عن جادة الإيمان.
فالآية إخبار للرسول - ﷺ - بحكم الله في المنافقين ليصرف النظر عنهم، وتوجيه للمؤمنين لئلا يبقى لهم تعلق بهم، وإبعادًا لأولئك المنافقين عن صفوف المؤمنين.
وضمير الجمع الغائب في قوله (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ) عائد على اللامزين الذين جاءوا إلى رسول الله - ﷺ - يسألونه أن يستغفر لهم بعد أن فضحهم الله وتوعدهم بقوله (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وهذا هو قول ابن عباس والحسن - ﵄ - من أنا المنافقين اللامزين حين نزل قوله تعالى: (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سألوا رسول الله - ﷺ - أن يستغفر لهم فنزلت هذه الآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) الآية.
[ ١٨٤ ]
فلما كان مجيئهم إلى رسول الله - ﷺ -، وطلبهم إليه الاستغفار لهم بعد ذلك ليس عن رغبة منهم في الإيمان، ولا ندمًا على ما دنسوا به أنفسهم من أوضار النفاق، والهزء بالمؤمنين، وإنما هو استمرار منهم فيما هم فيه غارقون من النفاق، وإيغال في أوحاله، ومحاولة لخديعة رسول الله - ﷺ -، وتضليل للمؤمنين عما تكنه قلوبهم من كفر بالله ورسوله، وفسوق عن الهدى، أخبر الله تعالى رسوله - ﷺ - بحالهم كشفًا لما كانوا يتسترون عليه من النفاق، وربأ به - ﷺ - عن أن يستغفر لمن ليس بأهل للاستغفار وكشف الله تعالى حالهم للناس أجمعين، فقطع بذلك من نفوس المؤمنين رجاء الخير لهم حتى لا ينخدعوا بما يموهون به عليهم.
والذي دفع البحث إلى ضم هذه الآية إليه مع أن لا عتاب فيها لسيدنا رسول الله - ﷺ - كما هو ظاهر من سياقها ولحاقها - ما وجد من روايات حديثية بأسانيد صحيحة من روايات الشيخين وغيرهما تذكر أن رسول الله - ﷺ - استغفر لابن أبي فهمًا منه - ﷺ - من الآية التخيير بين الاستغفار وعدمه للمنافقين، وأن العدد المذكور فيها للتحديد لا للتكثير والمبالغة بدليل قوله - ﷺ - كما تقول رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر - عندما أراد عمر منعه من الصلاة على ابن أبي بقوله: " يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلى عليه "، وفي رواية أخرى عند البخاري أيضًا عن ابن عمر أيضًا أن عمر قال: " تصلي عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر لهم "، قال رسول الله - ﷺ -: " إنما خيرني الله أو أخبرني "
[ ١٨٥ ]
فقال: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم " فقال: " سأزيده سبعين ".
وحديث ابن عمر الذي أوردنا المطلوب منه وما جرى مجراه من سائر الروايات التي تنسب إلى رسول الله - ﷺ - فهم التخيير من الآية الكريمة وأن العدد فيها للتحديد قد توقف في قبوله بعض الأكابر من الأئمة والنظار من أهل العلم كالقاضي أبي بكر الباقلاني الذي قال: " هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها "، وإمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي والداودي أحد شراح صحيح البخاري.
* * *
(نفي التخيير عن دلالة هذه الآية)
وحجتهم في التوقف عن قبوله أن فهم التخيير في الآية يتنافى مع ما جرت عليه أساليب اللغة من أن هذا الأسلوب يجري مجرى الإخبار المقتضي للتسوية بين الاستغفار وعدمه في عدم حصول أية فائدة للمنافقين بدليل قوله في الآية (بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) والإشارة تعني التعليل للإخبار المفهوم من التسوية في الآية فكأن عدم الغفران لهم -وهو الخبر المقصود من الآية- معلل بكفرهم وعدم توفيقهم إلى الحق وموتهم على الفسق والخروج عن جادة الإيمان.
* * *
(إفادة العدد سبعة)
والمعروف أيضًا أن الأعداد -ولا سيما عدد سبعة وعدد سبعين- إنما تذكر لإفادة التكثير والمبالغة لا لإفادة التحديد الذي لو زيد عليه تغير المقصود.
[ ١٨٦ ]
قال ابن الأثير في النهاية: " وقد تكرر ذكر السبعين والسبعة والسبعمائة فِى القرآن والحديث والعرب تضعها موضع التضعيف والتكثير كقوله (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) وكقوله (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ).
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: " وقد قيل إن السبعين إنما ذكرت حسمًا لمادة الاستغفار لهم، لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها ".
وقال الشوكاني في تفسيره فتح القدير: ". . . وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولًا. . بل المراد بهذا هو المبالغة في عدم القبول، فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير، والمعنى: أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم استغفارًا بالغًا في الكثرة غاية المبالغ ".
فنسبة فهم التخيير من الآية الكريمة للنبي - ﷺ - وأن العدد فيها للتحديد لا للتكثير مستبعدة جدًا بل هي إلى المحال أقرب لأن رسول الله - ﷺ - هو أفصح من نطق بالضاد، وهو أعرف الناس بالبيان القرآني وأساليبه لأنه القيم على فهمه وإفهامه كما أريد من معانيه وحقائقه ولا يمكن أن يفهم
[ ١٨٧ ]
جميع البلغاء من أهل العناية بالبيان القرآني التسرية في الآية وينسب إلى رسول الله - ﷺ - ما يخالف ذلك من فهم التخيير، وتحديد العدد ويقول: " إنما خيرني الله، وسأزيد على السبعين ".
ويزيد في بيان وجه توقف بعض النظار من أهل العلم عن قبول حديث عبد الله بن عمر ما ذكره صاحب تفسير المنار من أن " حديث معارضة عمر بطريقيه " مشكل ومضطرب من وجوه:
١ - جعل الصلاة على ابن أبي سببًا لنزول آية النهي وسياق القرآن صريح في أنها نزلت في سفر وغزوة تبوك سنة ثمان، وإنما مات ابن أبي في السنة التي بعدها.
٢ - قول عمر للنبي - ﷺ - وقد نهاك ربك أن تصلي عليه " يدل على أن النهي عن هذه الصلاة سابق لموت ابن أبي - وقوله بعده فصلى عليه رسول الله - ﷺ - فأنزل الله تعالى (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. . .). الخ، صريح في أنه نزل بعد موته والصلاة عليه.
٣ - قوله أنه - ﷺ - قال إن الله تعالى خيّره في الاستغفار لهم وعدمه إنما يظهر التخيير لو كانت الآية كما ذكر في الحديث ولم يكن فيها بقيتها أي التصريح بأنه لن يغفر الله لهم بسبب كفرهم وأن الله لا يهدي القوم الفاسقين، ومن ثم كان المتبادر من " أو " فيها أنها للتسوية بين ما بعدها وما قبلها لا للتخيير وبه فسرها المحققون كما فهمها عمر واستشكلوا الحديث إذ لا يعقل أن يكون فهم عمر أو
[ ١٨٨ ]
غيره أصح من فهم رسول الله - ﷺ - لخطاب الله له ولذلك أنكر بعضهم صحته.
٤ - التعارض بين رواية " فلو أعلم أنني لو زدت على السبعين غفر له لزدت له " ورواية " وسأزيد على السبعين ".
٥ - التعارض بين إعطائه - ﷺ - قميصه لابنه لتكفينه فيه وحديث جابر إخراجه - ﷺ - لابن أبي من قبره وإلباسه قميصه.
٦ - إذا أمكن أن تكون الصلاة على ابن أبي قبل نزول النهي عن الصلاة عليهم فلا شك في أنها كانت بعد آية (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) وآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) والجزم في كل منهما بأن الله لن يغفر لهم.
ثم أورد صاحب تفسير المنار كلام الحافظ ابن حجر في الفتح فيما يتعلق بالآيات رروايات الأحاديث فيها وعلق عليه فقال: " أقول حاصل ما لخصه الحافظ من أقوال العلماء في هذه المسألة وهو من أوسع حفاظ الملة إطلاعًا أنه لا يمكن الجمع بين القرآن والحديث فيها على وجه مقبول إلا إذا فرضنا أن آية النهي عن الصلاة عليهم قد نزلت بعد الصلاة على ابن أبي وهو وإن كان خلاف ظاهر السياق لا مانع منه عقلًا، ولكن يبعد جدًا أن تكون آية الاستغفار للمنافقين قد نزل صدرها أولًا ثم نزل باقيها متراخيًا بعد سنة أو أكثر أي بعد الصلاة على ابن أبي، وكذا تأويل قول
[ ١٨٩ ]
عمر: " وقد نهاك الله عن الصلاة على المنافقين " بأنه يعني بالصلاة الاستغفار، وإذا سلمنا نزول صدر آية من سياق طويل كآية براءة في سنة، ونزول باقيها في سنة أخرى على بعده، فماذا نقول في آية سورة المنافقين، وقد نزلت قبل آية براءة بأربع سنين في غزوة بني المصطلق وكانت سنة خمس من الهجرة، وهى أصرح في التسرية بين الاستغفار وعدمه؟.
الحق أن هذا الحديث معارض للآيتين فالذين يعنون بأصول الدين ودلائله القطعية أكثر من الروايات والدلائل الظنية لم يجدوا ما يجيبون به عن هذا التعارض إلا الحكم بعدم صحة الحديث ولو من جهة متنه، وفي مقدمتهم أكبر أساطين النظار كالقاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين والغزالي، ووافقهم على ذلك الداودي من شراح البخاري. وأما الذين يعنون بالأسانيد أكثر من عنايتهم بالمتون، والفروع أكثر من الأصول فقد تكلفوا ما بينا خلاصته عن أحفظ حفاظهم. ومن الأصول المتفق عليها أنه ما كل ما صح سنده يكون متنه صحيحًا، وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه غير صحيح، وإنما يعول على صحة السند إذا لم يعارض المتن ما هو قطعي في الواقع أو في النصوص، وإن القرآن مقدم على الأحاديث عند التعارض وعدم إمكان الجمع، فمن اطمئن قلبه لما ذكررا من الجمع أو لوجه آخر ظهر له فهو خير له من رد الحديث ومن لم يظهر له ذلك فلا مندوحة له عن الجزم بترجيح القرآن، والتماس عذر لرواة الحديث بنحو مما ذكرناه في تعارض أحاديث الدجال ". أ. هـ
[ ١٩٠ ]
(تقديم منطوق حديث ابن عباس على منطوق حديث ابن عمر)
على أن هذا الحديث وهو من رواية ابن عمر - ﵄ - يعارضه بعض المعارضة حديث من رواية ابن عباس عن عمر بن الخطاب - ﵁ - في نفس الموضوع أورده البخاري في صحيحه عقيب حديث ابن عمر هذا من غير فاصل بينهما، وفيه أن النبي - ﷺ - قال: " لو أعلم أني إن زدت على السبعين، يغفر له لزدت عليها ".
وهذا دليل قاطع على أن رسول الله - ﷺ - لم يحمل العدد على التحديد بخلاف ما جاء في حديث ابن عمر، ويؤكد هذا أن حديث ابن عباس رواه عن عمر وهو الذي وقف أمام الرسول - ﷺ - وحاوره في الصلاة على ابن أبي والاستغفار له، فلو كانت الآية للتخيير - والعدد للتحديد ما وقف عمر هذا الموقف من رسول الله - ﷺ -، وعمر من أساطين العربية الذين يحتج بقولهم فيها وفِي فهم أساليبها.
ونبه الآلوسي -ككثير من العلماء- في روح المعاني على هذا التعارض بين الروايات فقال: " والأخبار فيما كان منه ﵊ مع ابن أبي من الصلاة عليه وغيرها لا تخلو عن التعارض ".
وقد فسر الطبري -وهو شيخ المفسرين وإمامهم- الآية على عدم التخيير، وأن المقصود بها الإخبار بعدم المغفرة فقال: " يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: ادع الله لهؤلاء المنافقين الذين وصف صفاتهم في هذه الآيات بالمغفرة أو لا تدع لهم بها، وهذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعناه: إن استغفرت لهم يا محمد أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. وقوله (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) يقول إن تسأل لهم
[ ١٩١ ]
أن تستر عليهم ذنوبهم بالعفو منه لهم عنها، وترك فضحهم بها، فلن يستر الله عليهم ولن يعفو لهم عنها، ولكنه يفضحهم بها على رؤرس الأشهاد يوم القيامة (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) يقول جل ثناؤه: هذا الفعل من الله بهم، وهو ترك عفوه لهم عن ذنوبهم من أجل أنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله - ﷺ - (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) يقول: والله لا يوفق للإيمان به وبرسوله من آثر الكفر به، والخروج عن طاعته على الإيمان به وبرسوله - ﷺ - ". أ. هـ
ثم قال بعد ذلك -على خلاف عادته فيما يتصل بالروايات التي يستأنس بها من أقوال السلف- " وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل "، أو " وبنحو هذا القول كان يقول. . " ويعدد القائلين بقوله قال: " ويروي " وساق أخبارًا وآثارًا مسندة ومرسلة لا تتصل بما فسر الآية به، وهذا يدل على عدم ارتضائه هذه الروايات تفسيرًا للآية.
وقد غلط الزمخشري ومن تابعه من المفسرين -بعد أن فهم الآية على وجهها الصحيح- فأقر فهمًا فاسدًا مدخولًا فقال: " فإن قلت: كيف خفي على رسول الله - ﷺ - وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار كيف: قد تلاه بقوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ) الآية فبين الصارف عن المغفرة لهم حتى
[ ١٩٢ ]
قال: قد رخص لي ربي فسأزيد على السبعين؟ قلت: لم يخف عليه ذلك ولكنه خيل بما قال إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه ".
* * *
(الرد على الزمخشري)
وقد رد عليه أبو حيان في البحر هذا الفهم السقيم فقال: " وفي هذا السؤال والجواب غض من منصب النبوة وسوء أدب على الأنبياء ونسبته إليه مما لا يليق بهم، وإذا كان - ﷺ - يقول: " لم يكن لنبي خائنة الأعين " أو كما قال وهي الإشارة فكيف يكون له النطق بشيء على سبيل التخييل حاشا منصب الأنبياء عن ذلك ولكن هذا الرجل مسرح الألفاظ في حق الأنبياء بما لا يليق بحالهم ".
ومما يتصل بهذا البحث في قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) الآية، البحث في قوله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤».
وذلك أن المراد بها المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله - ﷺ - للجهاد الذين أشير إليهم بقوله: تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ
[ ١٩٣ ]
وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣».
وهذا كما قال الإمام الطبري في تفسيره: " ولا تصل يا محمَد على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك أبدًا ".
وهذا السياق يقتضي أن هذه الآية نزلت في جماعة من المنافقين لم يعينوا ولم يذكر فيهم ابن أبي غير أن بعض الروايات التي وردت في بعض الصحاح بأسانيد صحيحة جعلت سبب نزولها تهيؤ رسول الله - ﷺ - للصلاة عليه حين طلب ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي منه ذلك، وكان ابنه عبد الله من صالحي الصحابة - ﵃ -، أو حين طلب عبد الله بن أبي نفسه ذلك من رسول الله - ﷺ - حين عاده رسول الله - ﷺ - في مرض موته بطلب من ابنه أن يمن عليه فيعطيه قميصه ليكفن فيه ويصلى عليه.
* * *
(التماس وجه القول لصلاة رسول الله - ﷺ - على عبد الله ابن أبي)
ويمكن تخريج هذه الروايات على حملها على أن عبد الله بن أبي أحد من نهى رسول الله - ﷺ - عن الصلاة عليه في ضمن العموم الذي يدل عليه قوله (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) وعند ذلك يمكن حمل تهيؤ رسول الله - ﷺ - للصلاة عليه أو الصلاة عليه فعلًا والقيام على قبره على ما ظهر منه في مرض موته مما يمكن أن يؤخذ منه أنه راجع الإسلام، وتاب من النفاق،
[ ١٩٤ ]
فقد أخرج الطبري عن قتادة قال: " أرسل عبد الله بن أبي ابن سلول وهو مريض إلى النبي - ﷺ - فلما دخل عليه قال له النبي - ﷺ -: " أهلكك حب يهود " قال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنبني، ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه أن يكفن فيه فأعطاه إياه وصلى عليه وقام على قبره فأنزل الله تعالى ذكره (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) ونقله الحافظ ابن حجر في الفتح عنه وعن عبد الرزاق عن معمر من طريق سعيد كلاهما عن قتادة " وقال " وهذا مرسل مع ثقة رجاله ويعضده ما أخرجه الطبراني من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس قال: " لما مرض عبد الله بن أبي جاءه النبي - ﷺ - فكلمه فقال: قد فهمت ما تقول فأمنن عليَّ فكفني في قميصك وصلِّ عليَّ ففعل ". فلعل رسول الله - ﷺ - تهيأ للصلاة عليه أو صلى عليه فعلًا أخذًا بظاهر حاله. وقد استحسن الحافظ ابن حجر هذا فقال: " ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك. . وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلق بهذه القصة.
* * *
[ ١٩٥ ]
(النهي عن الاستغفار للمشركين)
ومما يدخل في هذا النوع من العتاب قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣».
قبل أن ندخل في الحديث عن هذه الآية الكريمة بيانًا لما فيها من بحثنا نرى أنه ورد في أسلوبها جملة " ما كان للنبي " وهذا الأسلوب المكون من " كان " المنفية بـ " ما " الآتي بعدها لام الجحود تأكيدًا لتقوية النفى فيها قد ورد في القرآن الكريم، وكلام العرب على وجهين، كما قال المفسرون وأهل المعاني:
الوجه الأول: النفي كما هو ظاهر أسلوبها كقوله تعالى (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا) وقوله (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)، وهذا هو الأصل في معنى هذا الأسلوب، لأن توكيد فعل الكون بلام الجحود هو " أبلغ لفظ يستعمل في النفي " ومعناه انصباب النفى على ما قبل اللام وما بعدها نفيًا مطلقًا " يشمل جميع الحالات المعنوية التي يتضمنها الكلام ".
[ ١٩٦ ]
(نفي التهيؤ للفعل أبلغ من نفي الفعل)
ويفيد هذا التركيب معنى زائدًا على نفى مجرد الفعل وهو نفي التهيؤ للفعل المنفي عنه وإرادته والصلاحية له، بمعنى أن النفي عنه ما في الجملة من معنى منفي عنه أيضًا إرادة ذلك الفعل والتهيؤ والاستعداد والصلاحية له كما أوضح ذلك أبو حيان في البحر، وابن هشام في المغني، وصاحب النحو الوافي وغيرهم.
ولا شك أن " نفي التهيئة والإرادة للفعل أبلغ من نفي الفعل، لأن نفي الفعل لا يستلزم نفي إرادته، ونفي التهيئة والصلاح والإرادة للفعل تستلزم نفي الفعل، فلذلك كان النفي مع لام الجحود أبلغ.
وعلى هذا يكون معنى الآية الكريمة: ما كان من شَأن النبي - ﷺ - من حيث هو نبي، وما كان شأن المؤمنين من حيث هم مؤمنون أن يدعوا للمشركين بالمغفرة، ولا أن يطلبوا من الله لهم الرحمة (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) لأن النبوة تنافي العطف على الشرك، والإيمان من حيث هو إيمان يمنع المؤمنين من ذلك، ولو دعتهم رقة القرابة وشفقة الرحم، ووشائج الدم إلى العطف والحنو عليهم، وحب المغفرة لهم.
فالآية على هذا الوجه لا تدل على وقوع الاستغفار بل تدل على نفيه، فهي تبرئة وتنزيه للنبي - ﷺ - والمؤمنين عن أن يقع منه أو منهم ذلك حسبما يدل عليه هذا الأسلوب.
[ ١٩٧ ]
وتذييل الآية الكريمة بقوله (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) تعليل لنفى الاستغفار للمشركين، وبيان لسبب عدم صدوره من النبي - ﷺ - والمؤمنين، لأنَّهم يعلمون أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به فلا يسألون " ربهم ما قد علموا أنه لا يفعله ".
ويؤيد هذا الفهم قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. . . .).
ولا يعكر على هذا الفهم ما ورد من استغفار إبراهيم لأبيه في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ) لأن استغفاره له كان قبل التبين، فلما تبين له أنه من أصحاب الجحيم أمسك عنه لأنه ليس من شأن النبي أن يستغفر للمشركين الذين هم من أصحاب الجحيم.
وتبين أصحاب الجحيم يكون إما بموتهم على شركهم وكفرهم بالله وإما بنزول الوحي فيهم يدمغهم بأنهم من أصحاب النار خالدين فيها كما نزل في أبي لهب وغيره، أو بإخباره تعالى بأنهم طبع على قلوبهم.
.
[ ١٩٨ ]
أما الوجه الثاني من وجهي استعمال هذا الأسلوب في القرآن الكريم فهو متضمن لمعنى النهي كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ).
وقد جعل منه بعض العلماء آية بحثنا هذا وأمثالها من نحو قوله تعالى (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى).
وعلى هذا الوجه يكون معناها: النهي عن الاستغفار للمشركين، أي: لا تستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لكم أنهم من أصحاب الجحيم.
فالآية على هذا الوجه واردة على أمر اقتضاها، وهي من آيات العتاب.
والذي دعا هؤلاء العلماء إلى حمل هذه الآية الكريمة على هذا الوجه -دون الوجه الأول، وبه كانت من آيات العتاب- ورود أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم تذكر أن سبب نزولها عرض رسول الله - ﷺ - الإيمان على عمه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه إذ دخل عليه رسول الله - ﷺ - وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية المغيرة فقال: " أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله " فقال أبو جهل وعبد الله
[ ١٩٩ ]
ابن أبي أمية: " أترغب عن ملة عبد المطلب؟ " فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: " على ملة عبد المطلب ". وأبى أن يقول لا إله إلا الله. قال: قال رسول الله - ﷺ - " والله لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك " فأنزل الله - ﷿ - (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ).
فهل يدل قول النبي - ﷺ -: " لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك " على وقوع الاستغفار منه لأبي طالب فعلا؟ أو يدل على وعد منه بالاستغفار له فنزلت الآية نهيًا عن الاستغفار أو الوعد به؟.
فالآية على هذا مكية نزلت عند موت أبي طالب كما يدل عليه أصل استعمال الفاء في التعقيب والترتيب بغير مهملة، ولهذا لا وجه للقول " بتقدم السبب وتأخير النزول " إلى أواخر العهد بالمدينة حملًا للفاء على السببية كما ذهب إلبه بعض من أهل العلم، لما بينا من أصل استعمال الفاء، ولأن الرابط بين السبب والمسبب أمر عقلي لا يمكن أن يتأخر المسبب فيه عن السبب زمنًا طويلًا كما يقولون، وقد يكون الربط عاديًا فيتخلف المسبب عن السبب.
فعلى حمل معنى الآية على الوجه الأول من معنيي هذا الأسلوب- وهو النفى والتبرئة والتنزيه لرسول الله - ﷺ - أن يكون وقع منه استغفار لأبي طالب- فلا عتاب فيها لسيدنا رسول الله - ﷺ -، ويكون قوله " لأستغفرن
[ ٢٠٠ ]
لك ما لم أنْهَ عنك "، " تطييبًا لنفس أبي طالب لعله يدخل الرجاء إلى قلبه فيتوب، ويراجع الإيمان في آخر عهده بالدنيا قبل المعاينة، أو هو من قبل الدعاء له بالهداية كما ورد عنه - ﷺ - أنه دعا لكفار أحد فقال: " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " وقد أوضحت الرواية الأخرى -وهي قوله - ﷺ - " اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون "- أن الدعاء بالمغفرة هنا أريد به الدعاء بالهداية لهم ليؤمنوا. وهذا لا يعاتب عليه رسول الله - ﷺ - فكان أن نزلت الآية عند مناسبتها في ذلك الوقت قطعًا لرجاء رسول الله - ﷺ - في إيمانه وزجرًا لبعض المؤمنين الذين وقع منهم الاستغفار لذوي قرباهم من المشركين، وقد تبين له - ﷺ - بصريح قوله أنه باقٍ على كفره، وهذا معنى قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ).
أما حمل معنى الآية على الوجه الثاني من معنيي هذا التركيب -وهو الذي يدل على تضمنها للنهي- فالعتاب وارد على احتمال وقوع الاستغفار من النبي - ﷺ - لعمه وفاء بوعده " لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك " أو على مجرد الوعد بذلك كما يدل عليه تذييل الآية الكريمة، لأن من مات على الكفر لا يستغفر له، ولا يوعد بالاستغفار له.
* * *
(موقع العتاب من هذه الآية)
وموقع العتاب في هذا جاء على شدة رجاء وإلحاح رسول الله - ﷺ - على إيمان أبي طالب مع تمسكه بملة الأشياخ وقوله لرسول الله - ﷺ - " لولا
[ ٢٠١ ]
أن تعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع. لأقررت بها عينك ".
وذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية نزلت في نهي المؤمنين عن استغفارهم لآبائهم المشركين، واستدلوا لذلك بما رواه الترمذي وحسنه والإمام أحمد في مسنده -ونقله ابن كثير في تفسيره في المسند، ولم يعقب عليه بشيء- عن علي - ﵁ - قال: " سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أو ليس استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فنزلت (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ).
فهذا الحديث صريح في أن هذه الآية نزلت لنهي المؤمنين عن الاستغفار لآبائهم المشركين، وإنما ذكر النبي - ﷺ - في صدر الآية باعتباره - ﷺ - المتلقي للوحي المبين لأحكامه.
* * *
(إيجاب تعليق عموم الأعمال على مشيئة الله)
ومما ينتظم في هذا النوع من العتاب قوله تعالى (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤».
[ ٢٠٢ ]
وقد نزلت هاتان الآيتان في قصة تقول: إن النبي - ﷺ - قد سئل من بعض شياطين قريش بإيعاز من أحبار اليهود بالمدينة عن ثلاثة أشياء: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب. وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وعن الروح ما هو؟ فقال هم رسول الله - ﷺ - " أخبركم غدًا بما سألتم عنه " ولم يستثن فاحتبس عنه الوحي أيامًا قيل إنها أربعون يومًا، وقيل إنها خمسة عشر يومًا، وقيل إنها ثلاثة أيام.
وهذا الأخير هو الأقرب إلى المعقول، فحزن رسول الله - ﷺ - لإبطاء الوحي عليه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة.
" فأتاه جبرائيل فقال: اشتد عليك احتباسنا عنك، وتكلم في ذلك المشركون، وإنما أنا عبد الله ورسوله، إذا أمرني بأمر أطعته (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ).
قال بعض المفسرين: في الآيتين عتاب لرسول الله - ﷺ - على ترك الاستثناء أي لتركه قول " إن شاء الله ".
[ ٢٠٣ ]
وعبر بعضهم عن العتاب بالتأديب، ولفظ العتاب أحسن وأليق بموضعه، وقد أبدع الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في التعبير عن هذا فقال: " هذا إرشاد من الله تعالى لرسول الله - ﷺ - إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله - ﷿ - علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ".
وكيفما يكن الأمر من العتاب أو التأديب أو التعليم والإرشاد، فإن النظر في الآيتين يكون أولًا في تركيبهما، وموضع الاستثناء من الآية الأولى وبأي ألفاظها يرتبط، وثانيًا في بيان ما فيها من عتاب ووجهه، وثالثًا في بيان كون هذا العتاب من عتاب التنبيه وهو النوع الثاني من أنواع العتاب فيما ذهبنا إليه من تنويع.
وقد اختلف في تعلق الاستثناء في الآية الثانية وارتباطه بالآية الأولى.
فقيل إن الاستثناء مرتبط بالنهي لا بقوله " إني فاعل ذلك " لأن تعلقه بقوله " إني فاعل " يجعل المعنى: إني فاعل كذا إلا أن تمنعني مشيئة الله من الفعل.
وهذا المعنى لا مدخل له في النهي، والنهي هو المقصود في الآية لورردها من أجله.
وارتباط الاستثناء بالنهي محتمل لوجهين:
[ ٢٠٤ ]
الوجه الأول: يصير المعنى به: " ولا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقول بأن يأذن لك فيه ".
وهذا معنى صحيح في ذاته ولكنه غير مراد هنا، لأن المراد هنا النهي عن القول إلا مرتبطًا بقوله " إن شاء الله " وهو الوجه الثاني في الاحتمال، إذ المراد في هذا الوجه الثاني: ولا تقولن قولًا تعد فيه أحدًا بوعد أو تعزم على فعل شيء في المستقبل إلا أن تربط وعدك أو عزمك على الفعل بقولك " إن شاء الله ".
هذا ملخص كلام الزمخشري في المراد بتركيب الآيتين، وقد أوضح الوجه المراد هنا فيهما الناصر ابن المنير في انتصافه على الكشاف فقال: " .. إنما الغرض النهي عن هذا القول إلا مقرونًا بقول المشيئة " أي بقول " إن شاء الله ".
وعبارة القاسمي -في تفسيره- أوضح هنا في بيان المراد من عبارة ابن المنير حيث قال: " ولا تقولن لما عزمت عليه من فعل إني فاعل ذلك غدًا إلا قائلًا معه: إن شاء الله ".
وقد نهي ﵊ عن أن يقول قولًا إلا مقرنًا بقوله (إن شاء الله " تعليمًا له - ﷺ - وتشريعًا لأمته كلها في مستقبل حياتها حتى يتحقق كل قائل لقول أو فاعل لفعل يفعله في مستقبل الأيام بأن قوله أو فعله
[ ٢٠٥ ]
لا يقع إلا بمشيئة الله تعالى على حد قوله - ﷿ - (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ).
فالآيتان على هذا تعليم لرسول الله - ﷺ - -ولأمته عامة- لما ينبغي له التزامه حين يسأل عن أمر، يعلمه ألا يعد بالجواب أحدًا وألا يقول بأنه سيفعل كذا غدًا " إلا أن يصله بمشيئة الله تعالى لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته " ابتعادًا عما يظن بذلك من لزوم التحكم على الله تعالى وتبرؤا مما يشعر أنه قام بالفعل بإرادته ".
قال ابن كثير في اعتراض هاتين الآيتين وسط قصة أصحاب الكهف " واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء تحقيقًا لا تعليقًا ".
وهذا هو الأوجه بمعنى الآيتين الكريمتين، لأنه رد للمشيئة إلى الله تعالى وحده، وإبعاد للمسلم عن الكذب فيما لو لم يتمكن من الوفاء بوعده أو القيام بما عزم عليه من فعل لعارض من عوارض الدنيا اعترضه أو لموت أصابه، لأنه (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا).
[ ٢٠٦ ]
وإذا بدر منه قول ناسيًا الاستثناء فيه فليذكر ربه ليتذكر ما فاته من ذكر المشيئة تداركًا لنسيانه إياها امتثالًا لما أمره ربه به في ذلك.
وختمت الآية الثانية بإرشاده - ﷺ - إلى أن يرجو ربه أن يمنحه من الآيات البينات والدلائل الواضحات الدالة على صحة نبوته ﵊، وصدقه فيها ما عساه أن يكون أظهر مما سألوه عنه وأكثر خيرًا ومنفعة فقال (وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا).
والظاهر من قوله - ﷺ - " أخبركم غدًا " أنه وكل الأمر إلى الوحي فأعطى لنفسه فرصة الانتظار إلى الغد اعتمادًا على ما في قلبه الطاهر من اطمئنان بالجواب منه تعالى، وليس استقلالًا منه بالتفكير والإخبار، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل هذه الأمور، ولعل العتاب حينئذ كان من أجل التقييد بالغد.
ويظهر مما قلناه أن الآيتين فيهما تلطف في عتاب سيدنا رسول الله - ﷺ - على تركه الاستثناء في قوله " أخبركم غدًا ".
ولا شك أن في هذا العتاب من لطف الإرشاد والتعليم لسيدنا رسول الله - ﷺ - ما يجعله مثلًا في الأسوة به لاقتداء أمته - ﷺ - به في ربط قولها وفعلها بمشيئة الله تعالى.
* * *
(وجه كون الخطاب بهذه الآية عتابًا)
وأما وجه كون هذا العتاب من سبيل عتاب التنبيه فلأنه إرشاد لسيدنا رسول الله - ﷺ - لم يقترن بشيء من شدة الخطاب أو التحذير مما يخشى وقوعه لو لم ينبه وهو توجيه لأمته - ﷺ - أن ترتبط في قولها وفعلها بمشيئة الله وأن تنهج من بعده - ﷺ - هذا النهج الذي يجعلها خير أمة أخرجت للناس.
[ ٢٠٧ ]
النوع الثالث عتاب التحذير
أما النوع الثالث من أنواع العتاب لسيدنا رسول الله - ﷺ - فهو ما أطلقنا عليه عتاب التحذير.
ويقصد به التخويف من عاقبة فعل يتوقع ضرره في أسلوب يحمل شيئًا من الشدة يختلف باختلاف مواقف العتاب دون أن يذكر في النص شىء من عقوبة أو وعيد.
ويشترك عتاب التحذير مع عتاب التنبيه في أن كلا منهما فيه تخويف من عاقبة مثل هذا الفعل لو تكرر، وينفرد عتاب التحذير عن عتاب التنبيه في أن أسلوب عتاب التحذير لا يخلو من شدة تُقرِّبُه من الإنذار.
* * *
(آيات عتاب التحذير)
والآيات التي تدخل تحت هذا الضابط بحسب ما وصل إليه بحثنا هي الآيات التالية:
١ - قوله تعالى من سورة النساء (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧».
٢ - قوله تعالى من سورة الأنعام (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ
[ ٢٠٨ ]
وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥».
٣ - وقوله تعالى من سورة الأنعام أيضًا (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢».
٤ - وقوله تعالى من سورة الكهف (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨».
٥ - وقوله تعالى من سورة الأنفال (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨».
٦ - وقوله تعالى من سورة الأحزاب (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ
[ ٢٠٩ ]
فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧».
٧ - قوله تعالى من سورة التحريم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١».
٨ - قوله تعالى من سورة عبس (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠».
* * *
(تفصيل القول في الموضع الأول من هذه الآيات)
أما الموضع الأول من هذا النوع من العتاب فهو قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧».
وقد جاءت هذه الآيات الثلاث -في سياقها من سورة النساء- إثر تحريض الله تعالى المؤمنين، وتقوية عزائمهم في قوله (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ
[ ٢١٠ ]
وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤» ليواصلوا الجهاد، وملاحقة الكافرين الذين ناصبوهم العداء كسرًا لشوكة الكفر والكافرين، وخضدًا لقوة أعداء الإسلام والمسلمين الذين يحاولون القضاء على الدين الإسلامى وإهلاك أهله المنتمين إليه المخلصين في الدعوة إلى سبيله إعلاء لشأنه وترسيخًا لأركانه.
ولتذكيرهم بألا يجعلوا من آلامهم الجسمية التي أصابتهم في جهادهم لأعداء الله ورسوله مانعًا من ابتغاء الكافرين ومطاردتهم، فإن أعداءهم أصيبوا بمثل ما أصيبوا به من الآلام وأوجاع الجراح والقتل، ومع ذلك فهم يصبرون على آلامهم، وينازلون المسلمين للقضاء عليهم، وعلى دينهم، فلا ينبغى لكم أيها المؤمنون أن تكونوا أقل صبرًا من أعدائكم ولا أن تضعفوا عن مواقفتهم وملاحقتهم وأنتم تزيدون عليهم برفعة الإيمان والرجاء من الله نصره وتأييده وإظهار دينه وهو ما لا يرجوه أعداؤكم لأن الله مولاكم ولا مولى لهم.
ولتحذير المؤمنين ألا يضعفوا عن ملاحقة أعدائهم وألا يغفلوا عن الاستعداد لهم كسرًا لشوكتهم في كل آن.
* * *
(الأمر بالتزام الحق والعدل في معاملة جميع الناس)
وقد جاء صدر الآية الأولى من هذه الآيات الثلاث -موضع البحث- بعثًا لرسول الله - ﷺ - على التزام الحق والعدل في معاملة جميع الناس أعداء كانوا أم أصدقاء، كفارًا أم مؤمنين -كما هو ديدنه - ﷺ - في جميع الأحوال والأوقات والملابسات ومع جميع الناس من حيث هم ناس دون نظر إلى ما هم عليه من عقيدة ليكون ذلك نهجًا واجب السلوك على أمته من بعده في مقام انتصارها على أعدائها والظهور عليهم والتمكن منهم ألا يجانبوا الحق
[ ٢١١ ]
والعدل في معاملتهم لأن العداوة لا تبيح مجانبة الحق والعدل، ولأن الكفر لا يبيح معاملة الكافر بما لم يعاملنا به، فلا يعتدى عليهم في مال أو عرض بغير حق ثابث وعدل قائم القواعد ولا يمثل بهم.
وجاء قوله (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ) مقررًا لقاعدة عامة هامة، وهي أن الله تعالى قد جعل الحكم بين جميع الناس قائمًا على الحق والعدل سواء كان الناس كفارًا أم مؤمنين، أصدقاء أم أعداء، لا يُحَابي قريبًا لقرابته ولا صديقًا لصداقته ولا يتحيف على عدو لعداوته، بل الناس بجميع أجناسهم وألوانهم وأديانهم وأحوالهم أمام الحكم بالحق والعدل سواء.
وهذا رد إلى ما تقدم في هذه السورة الكريمة من الأمر بالحكم بين الناس بالعدل في قوله (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) فهو من باب التأكيد المعنوي، فقوله هنا في هذه الآية -موضع البحث- (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ) في مقابلة قوله في تلك (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).
ولعل هذا هو وجه من جعل ربط هذه الآيات الثلاث بالآية المتقدمة الآمرة بالحكم بين الناس بالعدل.
والذي أراه الله إياه اختلف فيه العلماء فقال فريق: هو ما يراه - ﷺ - بالرأي والاجتهاد، وقال فريق آخر هو ما ينزل عليه به
[ ٢١٢ ]
الوحي.
وأيًا ما كان فمرجع ما أراه الله إياه سواء أكان عن رأي واجتهاد منه - ﷺ - أم عن وحي منزل فإن مرجعه إلى الوحي إذ لو كان ما أراه الله رأيًا واجتهادًا فإما أن يصوب إن كان خطأ وإما أن يقر إن كان صوابًا فرجع في صورتيه إلى الوحي.
وخطابه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) يشعر بأنه - ﷺ - هجس في نفسه الشريفة شىء أو حدث نفسه بشيء أخذًا بظاهر الحال قبل أن يبين الله له جلية الأمر، ولا يلزم هذا النهي وقوع المنهي عنه.
وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن اللام في قوله (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) لام التعليل بمعنى أنه - ﷺ - نهي عن مخاصمة البرآء لأجل الخائنين.
ومن المفسرين من ذهب إلى أنها بمعنى " عن " أي أنه - ﷺ - نهي عن أن يكون مخاصمًا عن الخائنين.
[ ٢١٣ ]
وفي كلا الحالين ينتهي المعنى إلى أمر واحد، وهو أنه - ﷺ - نهي عن أن يكون خصيمًا للبرآء لأجل الخائنين.
وعطف هذه الجملة، وهى قوله (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) -وهي جملة إنشائية لفظًا ومعنى- على الجملة التي قبلها من هذه الآية -وهي خبرية لفظًا ومعنى- إنما صح لكون المعطوف عليه ليس هو الجملة الخبرية، وإنما هو " ما ينسحب عليه النظم الكريم " من تضمن أمر محذوف تقديره: فاحكم بين الناس به ولا تكن للخائنين خصيمًا.
ثم عطف على جملة النهي الأولى وهي (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) جملة النهي الثانية وهي (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) من باب عطف الأثر على المؤثر، والمسبب على السبب لأن الجدل عن الخائنين أثر من آثار الكون خصيمًا للبرآء لأجل الخائنين وهو -أي الجدل- مسبب عن الكون خصيمًا للبرآء.
* * *
(ما يدل عليه توسيط الأمر بالاستغفار بين النهيين)
وتوسيط الأمر بالاستغفار بين النهيين لمحو بها عسى أن يكون هجس في نفس النبي - ﷺ - من شيء أخذًا بظاهر الحال قبل أن يبين الله له جلية الأمر.
والنهي وإن كان لا يدل على وقوع المنهي عنه من المنهي إلا أنه لا ينفي أن يكون قد دار في النفس من متضمن النهي شيء فجاء الأمر بالاستغفار ليمحو ذلك الأثر.
[ ٢١٤ ]
(تصوير حال المختانين أنفسهم)
وفي قوله (الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) تصوير بالغ لحال أولئك المختانين، فإن خيانتهم ومعصيتهم قد بلغت مبلغًا من الشناعة والفظاعة تجاوزت فيه الذين خانوهم وغدروا بهم إلى حد أنهم من شدة خيانتهم قد انعكست الخيانة عليهم فخانوا أنفسهم وظلموها وأوردوها موارد الهلاك والعذاب الشديد من الله تعالى.
وفي التعبير بالاختيان عن الخيانة إشعار بالتدسس النفسي وشدة إخفاء معالم الخيانة التي كانوا عليها إظهارًا للنفاق الذي في أنفسهم.
وجاء قوله (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) بيانًا لقاعدة عامة -جريًا على سنة القرآن الكريم- من أنه إذا تحدث القرآن الكريم عن موضوع في وعد أو وعيد أو تحذير أو زجر عن حادث وقع من فرد أو طائفة فإنه يختم آيات ذلك الموضوع بقاعدة عامة لتكون تشريعًا أبديًا للأمة يحميها من الوقوع فيما وقع فيه أصحاب ذلك الحادث.
وفِي التعبير بصيغتي المبالغة (خَوَّانًا أَثِيمًا) بيان لمدى ما وصل إليه أولئك المختانون أنفسهم من خبث في الخيانة، وأنها ثابتة في طبائعهم، مستقرة في نفوسهم، فقد خانوا الله بمعصيته وخانوا الناس بالاعتداء على حقوقهم التي ائتمنوهم عليها، وخانوا أنفسهم بظلمها وإيرادها موارد العذاب، وخانوا الرسول - ﷺ - بالكذب عليه وإخفاء الحقيقة عنه طمعًا منهم في حمله على تبرئتهم بتظاهرهم بالصلاح في الإسلام وبما زكى به بعضهم بعضًا.
[ ٢١٥ ]
(وصفهم بسوء ما بيتوا للتحذير من الاغترار بمثل ما تجمعوا عليه)
فكشف الله خيانتهم، ووصمهم بسوء ما بيتوا فقال (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨».
وقوله تعالى -في خطاب رسول الله - ﷺ - (ولا تجادل) نهي للتحذير وليس عن أمر واقع لأن الرسول - ﷺ - لا يجادل عن خائن، ويعصمه الله تعالى عن أن يدلسوا عليه الحقيقة.
والتحذير إنما كان لما احتف بالحادثة من تجمع المنافقين المتظاهرين بالصلاح في الإسلام وشهادتهم ببراءة صاحبهم والطعن على من ألقيت عليه الدِّرْع وهو زيد بن السمين اليهودي أو غيره ممن ذكرت الروايات، وقصدهم خدع رسول الله - ﷺ - بإكثارهم الطعن على من ألقيت عليه الدرع ولا سيما إذا كان هو اليهودي، ولذلك جاء الخطاب لهؤلاء المنافقين تبكيتًا لهم وتقريعًا على ما فعلوه من الخيانة وشهادة الزور والطعن على البراء فقال تعالى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩».
وهو خطاب يدل على وقوع الجدل الكاذب الخؤون من هؤلاء المنافقين المتجمعين الذين كانوا ألحن بحجتهم من خصومهم البرآء، والله يعلم أنه جدل زائف باطل نبه رسوله - ﷺ - على بطلانه وزيفه فلم ينخدع به رسول الله - ﷺ - في ترتيب شيء عليه من القضاء أو الحكم.
[ ٢١٦ ]
(التمويه بالجدل الكاذب في الدنيا لا ينجي من عذاب الآخرة)
ولما كان الجدل في لدنيا يمكن أن يقع به التمويه والخداع، وكان الجدل في الآخرة مكشوف السوأة لا يخدع به أحد نبه الله تعالى على أن جدلهم في الدنيا وإن كان خادعًا لم ينفعهم بشيء لأن الله تعالى أعلم رسوله - ﷺ - ونبهه على ما فيه من خيانة وخداع، ولكن جدل الآخرة لا يمكن أن يقع بسببه خداع ولا خيانة لأن الحاكم إذ ذاك هو الله وحده علام الغيوب فقال لهم منكرًا مقرعًا (فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يوم تنكشف الحقائق فلا يغطيها خداع أو لحن بحجة.
ثم قال لهم (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) أي من يكون كفيلًا لهم يوم القيامة ينجيهم من عذاب الله حيث لا خداع ولا خيانة.
* * *
(فتح باب التوبة للتائبين)
ثم فتح الله تعالى للتائبين باب التوبة رحمة منه وتفضلًا على عباده فقرر قاعدة عامة يدخل فيها كل تائب مستغفر فقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠».
ثم بيّن أن من يكسب إثمًا ومعصية من خيانة أو خداع عن الحق فإنما كسبه لها راجع علي نفسه يضرها ولا يضر غيرها فقال: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١» وفي هذه الفاصلة تهديد ووعيد لهؤلاء المنافقين بأن الله لا يخفى عليه خداعهم، وأن رسوله - ﷺ - في عصمة وحماية منه تعالى لا يتركه لخداعهم وخيانتهم، وأنه تعالى حكيم يضع الأمور في مواضعها.
[ ٢١٧ ]
ثم أخبر تعالى عن القائمين بالباطل والخيانة في هذه الحادثة بأنهم إذ كسبوا الإثم ورموا به البريء فقد احتملوا جريمة البهتان والإثم المبين فقال تعالى (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢».
* * *
(قطع أطماع المنافقين في حجب الحقيقة عن رسول الله - ﷺ)
ثم عقب الله تعالى هذه الآيات بما امتن به على رسوله - ﷺ - من عصمته أن ينالوا بخداعهم ومكرهم منه شيئًا أو يضروه بشيء مما هموا به من الضلال والإفساد فقطع بذلك -إلى الأبد- أطماع الذين يظنون أن في استطاعتهم حجب الحقيقة عن رسول الله - ﷺ - كما يحجبونها عن غيره من الناس، كما عقب ذلك بمنة أخرى وهي إظهار فضل الله عليه وتعليمه ما لم يكن يعلم، وكان ذلك من عظيم فضل الله على رسوله وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣».
قال السيد محمد رشيد رضا في تفسير المنار: " وهذه الآية ناطقة بأنه - ﷺ - لم يجادل عنهم ولا أطمعهم في التحيز لهم قبل نزول الوحي ولا بعده بالأولى ".
[ ٢١٨ ]
ثم نقل عن أستاذه الشيخ محمد عبده في تعقيب هذه الآيات قوله: " كان الكلام في المختانين أنفسهم ومحاولتهم زحزحة الرسول - ﷺ - عن الحق، وقد أراد الله تعالى بعد بيان تلك الأوامر والنواهي وتوجيهها إلى نبيه - ﷺ - أن يبين فضله ونعمته عليه، قال الأستاذ: ولا يصح تفسير الآية بما ورد من قصة طعمة لأنه على ما روي قد هم هو وأصحابه بإضلال النبي - ﷺ - عن الحق الذي أنزله الله عليه، وهو تعالى يقول إنه بفضله ورحمته عليه قد صرف نفوس الأشرار عن الطمع في إضلاله والهم بذلك، وذلك أن الأشرار إذا توجهت إرادتهم وهممهم إلى التلبيس على شخص ومخادعته ومحاولة صرفه عن الحق فلابد له أن يشغل طائفة من وقته لمقاومتهم وكشف حيلهم وتمييز تلبيسهم وذلك يشغل المرء عن تقرير الحقائق وصرف وقت المقاومة إلى عمل آخر صالح نافع ولذلك تفضل الله على نبيه - ﷺ - ورحمه بصرف كيد الأشرار عنه حتى بِالهمِّ بغشه وزحزحته عن صراط الله الذي أقامه عليه ". أ. هـ.
وهذا إيجاز لما فصلناه فيما سبق من تفسير الآيات.
والذي نفاه الأستاذ محمد عبده من عدم صحة تفسير الآيات بقصة طعمة يقصد به ما أورده جمهور المفسرين والمحدثين من قصة ذكروها في أسباب النزول تنسب إلى رجل من بني أبرق يقال له بشر واشتهر بطعمة وهو متهم بالنفاق وكان يقول الشعر يهجو به المسلمين وينسبه إلى بعض شعراء العرب، وجملة القصة -في إيجاز كما أوردها الترمذي.
[ ٢١٩ ]
والطبري وغيرهما- أن هذا الرجل نقب مشربة لرفاعة بن زيد وسرق منها أدرعًا له وطعامًا فذهب قتادة ابن أخي رفاعة إلى النبي - ﷺ - يشكو إليه بني أبيرق، ويخبره بما وقع من السرقة. قالت الرواية " فقال له رسول الله - ﷺ -: " سأنظر في ذلك " فلما أحس بنو أبيرق بأن الأمر وصل إلى رسول الله - ﷺ - قالوا له: " يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينه ولا ثبت قالت الرواية: " فقال رسول الله - ﷺ - لقتادة بن النعمان: " عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينه " ولم يلبث أن نزل القرآن بهذه الآيات.
وقد علق الترمذي على هذه القصة بعد أن أوردها بقوله: " هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني وذكر أن سائر رواياتها الأخرى مرسلة ".
[ ٢٢٠ ]
ولعل الأستاذ محمد عبده في نفيه لتفسير الآيات بهذه القصة نظر إلى إرسال أسانيدها فيما عدا رواية محمد بن سلمة الحراني وهو ثقة.
* * *
(موضع العتاب في هذه الآية)
وموطن العتاب في هذه الآيات في توجيه النهي إلى رسول الله - ﷺ - أولًا: ألا يكون خصيمًا للبرآء لأجل الخائنين.
وهذا الأسلوب وإن كان لم يستلزم وقوع المنهي عنه من رسول الله - ﷺ - إلا أنه قد يشعر بحديث هجس في نفس الرسول - ﷺ - قبل أن يبين الله له جلية الأمر فيهم - أخذًا بظاهر الحال من الذين تجمعوا وشهدوا عنده - ﷺ - ببراءة هذا الرجل، مع ما في أسلوب الآية من شدة في الخطاب وتصوير هذه الشدة بألفاظ تؤكد هذه الشدة مما يشعر لأول وهلة وقبل التأمل أنه قد وقع من النبي - ﷺ - ما يبرر هذا النهي بهذا الأسلوب.
وثانيًا: نهيه - ﷺ - عن المجادلة عن الخائنين التي هي أثر من آثار ما تضمنه النهي في الجملة الأولى مع ما فيها -كالنهي الأول- من شدة في الأسلوب والألفاظ.
أما أنه من عتاب التحذير فلاشتماله -في موضعيه- على شدة الأسلوب الذي خرج مخرج التحذير مما يخشى في ظاهر الحال أثر وقوعه لو تكرر.
* * *
[ ٢٢١ ]
(ثانية آيات هذا النوع من العتاب)
وثانية آيات هذا النوع من العتاب قوله تعالى -من سورة الأنعام-: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥).
وهذه الآية تدخل في ظاهر أمرها ومجمل موضوعها تحت عتاب التوجيه لأنها عتاب على شدة حرص رسول الله - ﷺ - على إيمان قومه الذي بلغ فيه مبلغًا ليس وراءه مطلب لحرص حريص، فهي بحسب هذا الظاهر من قبيل (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ).
غير أنَّهَا لما اشتملت على تحذير وشيء من الشدة في الخطاب بلغ مبلغ التيئيس من إيمانهم الذي أشعر بأن الرسول - ﷺ - لم يترك طريقًا من طرائق جذبهم إلى الإيمان إلا وقد سلكه معهم، حتى كأنه - ﷺ - رغب في أن لا يأتيه الله بشيء ينفرهم منه وأن ينزل عليه ما يقربهم منه فمن هنا كانت أنسب بوضعها في عتاب التحذير.
ْوقد جاءت هذه الآية إثر بيان الله تعالى مبلغ ما وصل إليه حزنه - ﷺ - على عدم إيمان قومه وأنه بلغ في هذا الحزن مبلغًا جعله كالمتطلع إلى أن يأتيه الله تعالى في وحيه بما يقربهم منه ويرغبهم في الاستجابة إليه بتحقيق ما اقترحوا من آيات.
[ ٢٢٢ ]
فقدم الله تعالى إلى رسوله الكريم التعزية والتسلية على حزنه البالغ الذي لم يبق في نفس النبي - ﷺ - أثرًا في الأمل فيهم والرجاء في إيمانهم فقال له (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤».
وهاتان الآيتان تضمنتا أمورًا:
أولًا - إخبار الله تعالى لنبيه - ﷺ - أنه علم ما يحزنه علمًا أكده بحرف التحقيق الذي يفيد أن هذا العلم محقق ثابت وبدخول اللام على خبر إن المؤكدة، وإبهام ما يحزنه في الإتيان بصلة الموصول مبهمة غير مفسرة (يقولون).
* * *
(تسلية رسول الله - ﷺ - عما يلقاه من أذى المشركين)
ثانيًا - إخباره ﷾ رسوله بأن تكذيب هؤلاء المشركين لم يكن قط موجهًا لذاته الشريفة - ﷺ - بقوله (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) وفِى هذا تلطف برسول الله - ﷺ - وتلميح إلا ما كان عليه - ﷺ - من الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق ورفيع الشمائل التي يعترف بها هؤلاء المشركون رغم ما يكنونه لدعوته من عداء فهذا تنزيه لذاته - ﷺ - وتبرئة لساحته أن يتوجه إليها الكذب.
[ ٢٢٣ ]
وقد روى الترمذي والحاكم والطبري عن علي - ﵁ -: " أن أبا جهل قال للنبي - ﷺ -: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به " فأنزل الله تعالى (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ).
ثالثًا - بيان أن سبب عناد هؤلاء المشركين وتعنتهم بطلب الآيات من رسول الله - ﷺ - إنما هو جحدهم آيات الله، وهذا كأنه موجه إلى الله ﷾ فكأن الله تعالى قال له: إن هذا التكذيب موجه إليَّ في آياتي ولم يوجه إليك في دعوتك وصدق رسالتك.
ثم سلك الله تعالى بنبيه - ﷺ - مسلكًاْ آخر في التلطف والتعزية ليستل من قلبه الطاهر كل أثر للحزن على عدم إيمان هؤلاء المشركين وهو مسلك التأسي بإخوانه الأنبياء والمرسلين وبيان أن ذلك العناد والتعنت من الكفرة والمشركين سبيل الأمم قبله وقبل أمته، وأن التذرع بالصبر والاحتمال سبيل حملة رسالات الله تعالى فقال له (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤». وهو بأسلوب التأكيد المفتتح بلام القسم وحرف التحقيق ليبين له أن شأن الرسل من جميع من تقدمك منهم أن يكذبوا وشأن الأمم عامة أن تقابل رسالات الله بالكفر والجحود وإيذاء حملة رسالات الله الذين يدعونهم إلى الجنة وهم لا يريدون إلا النار إلا من عصم الله، وأن عاقبة هذا الصبر والاحتمال على التكذيب والجحود هي تنزل
[ ٢٢٤ ]
نصر الله تعالى على أنبيائه ورسله وأخذ الظالمين الجاحدين بانتقامه وبطشه الشديد.
وفي إبهام الفاعل في قوله (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) والتصريح بالمكذَّبين -بفتح الذال المشددة- من الرسل إعظام لرسل الله ورسالاته وتحقير لمن كذبهم وجحد آيات الله التي جاءوا بها لهدايتهم.
وقد بيّن الله ﷾ أن هذا سنة من سننه التي لا تتبدل ولا تتغير وأن نصره آتٍ لا يتخلف فقال (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ) وكلمات الله هي الآيات التي أنزلها على رسله ووعدهم النصر فيها كقوله تعالى: (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي). وقوله تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣». وقوله (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١». وهذا سنة من سنن الله تعالى في خلقه.
ثم أخبر الله رسوله - ﷺ - بأسلوب التأكيد الموثق بأن هذا مما أخبره الله به فقال له (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ).
فلما بلغت التسلية لرسول الله - ﷺ - مبلغها -وكان ما طبع عليه رسول الله - ﷺ - من الرأفة والرحمة وحب إيمان قومه وحرصه الشديد عليهم أن يجنبهم انتقام الله وبأس عذابه- وجه الله تعالى الخطاب إلى رسوله عليه
[ ٢٢٥ ]
الصلاة والسلام في نوع من الحسم ليفصم عرى هذا الحرص ويقطع رجاء رسوله في هؤلاء المتعنتين وبيانه: أنه لا أمل في إيمانهم لأن الإيمان إنما يتعلق بمشيئة الله تعالى وإرادته ولو شاء الله هدايتهم لهداهم أجمعين - فقال (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥». أي أنك قد استنفدت كل طرائق موجبات دلائل الإيمان وآتيتهم من الآيات ما فية الغنية عن طلب المزيد وتحقق لهم أنك صادق فيما جئتهم به من عند ربك ومع ذلك لم يؤمنوا مكابرة وإعناتًا واستهزاء ولم يبق إلا أن تأتيهم بالمستحيلات وما ليس فِي استطاعتك الإتيان به فقد شق عليك إعراضهم وعظم عليك صدودهم عن الإيمان وبلغ بك الحرص على إيمانهم إلى أن لو استطعت أن تدخل سربًا في الأرض أو ترقى سلمًا في السماء فتأتيهم بما اقترحوا من الآيات توصلًا إلى إيمانهم وتطلعًا إلى نجاتهم من عذاب الله بدخولهم حظيرة الإيمان لفعلت ذلك.
ولكنهم بما طبعوا عليه من سوء الاستعداد لقبول الإيمان لن يؤمنوا ولو فعلت معهم ما تستطيع وما لا تستطيع، فتخفف من الحزن عليهم إذ لو شاء الله هدايتهم واستقامتهم على الدين لوفقهم لذلك بلطفه ورحمته ولكنه لم يشأ لهم ذلك بعدله وسابق علمه بحالهم فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولا تكن في رجائك إيمانهم -بعد ما تضافرت لك البراهين على عتوهم وإصرارهم على الكفر- ممن يغفل عن واقعهم ويطمع في إيمانهم لأن هذا شأن الجاهلين الذين ينساقون مع عواطف الرحمة والشفقة فيطمعون في غير مطمع، وهذا ليس من شأنك ولا مما يتعلق برسالتك.
[ ٢٢٦ ]
ثم عقب هذه الآية (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ. . .) الآية بما هو كالبيان لها فقال (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦». أي أنك في حرصك الشديد على إيمانهم لا تستطيع منعهم عن هذا الإعراض الذي أحزنك ولا أن تحصل على آية تجذبهم إلى الإيمان بدعوتك لأن الاستجابة لا تكون إلا ممن يسمعون ما يلقى عليهم سماع تدبر وانتفاع وهؤلاء المعرضون عن الإيمان بما جئتهم به وإن كانوا في ظاهر الحال في صور الأحياء إلا أنهم بمنزلة الموتى " فآيس من هؤلاء أن يستجيبوا لك ".
وقد سبق أن أشرنا إلى وجه العتاب في هذه الآية، وبينا أنها من عتاب التحذير باعتبار أن فيها شيئًا من شدة الأسلوب وصرامته وإن كانت فيما عوتب عليه النبي من من شدة حرصه على إيمانهم أقرب إلى عتاب التوجيه منها إلا عتاب التحذير.
* * *
(الرد على المستهينين بالفقراء من المؤمنين)
ومما يدخل في هذا النوع من العتاب أيضًا قوله تعالى في سورة الأنعام (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢».
[ ٢٢٧ ]
وقد جاءت هذه الآية الكريمة في سياق بيّن الله تعالى فيه مهمة الرسل، وأنها تبشير عباد الله المؤمنين بالخير، وإنذار الكافرين بالله النقمات والعقوبات الدنيوية والأخروية، وأن الناس أمام مهمة الرسل إما مؤمن موعود بالأمن والأجر العظيم، وإما مكذبون بآيات الله ينالهم العذاب الشديد بكفرهم بالله وما جاءتهم به الرسل من الله تعالى، وفسوقهم عن أوامر الله وخروجهم عن طاعته وارتكاب محارمه.
وبعد أن بيّن الله تعالى أن مقترحاهم المتعنتة إنما كانت على سبيل العناد والصلف والاستهزاء والمكابرة، بيّن لرسوله - ﷺ - مهمته إزاء هذه الآيات، وأنه لا يستطيعها ولا يملكها، شأنه في ذلك شأن إخوانه الرسل من قبله، ومثل لذلك بثلاثة أمور نفاها عن رسول الله - ﷺ - ليخبر بها هؤلاء الجاحدين وهى:
أولًا - أن خزائن الله تعالى التي يطلبون الثراء منها ليست عنده ولا في ملكه ولا في استطاعته.
ِثانيًا - أنه نفى علم الغيب عنه فهو لا يعلم منه إلا ما أطلعه الله عليه.
ثالثًا - أنه لا يقول لهم إنه ليس بشرًا، ولا يدعي الملكية فيقدر على ما لا يقدر عليه البشر، وإنما شرفه الله بالوحي إليه وأنعم به عليه فهو متبع لما أوحي إليه ولا يخرج عنه.
ثم بيّن أنَّهم إن اتبعوا هدايته كانوا مبصرين للحق، وإن تولوا وأعرضوا كانوا عميًا عن الحق وهدايته، ووبخهم على عدم تفكرهم ونظرهم فيما جاءهم به من الآيات فقال (أَفلَا تَتفَكَّرُونَ).
[ ٢٢٨ ]
ثم بيّن أن الإنذار بالقرآن وبما جاء به رسول الله - ﷺ - إنما يفيد الذين يُقرّون بالبعث ويخافون أن يحشروا إلى ربهم وهؤلاء هم المؤمنون، ولا يضرهم فقرهم ولا ضعف منزلتهم في الدنيا، لأنهم سموا بأنفسهم فآمنوا واهتدوا وانقطعوا إلى الله تعالى متبتلين في محاريب دعائه غدوة وعشية لا يريدون بذلك إلا وجهه ولا يتطلعون إلى شيء من الدنيا وزخارفها، وهذا هو قول الله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) ثم قال تعالى: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ).
أي أن هؤلاء الصفوة لم يُحمِّلوك شيئًا من أمرهم فلا أنت ترزقهم ولا أنت تحصي عليهم أعمالهم فتجازيهم عليها وإنما أمرهم إلى الله.
فهؤلاء الصفوة لم يطلبوا من رسول الله - ﷺ - شيئًا يشق عليه وهم أخلص الناس في مودته وأسعدهم بعلو دعوته وهو بهم رءوف رحيم.
(وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) أي أن هؤلاء الصفوة لا يتحملون شيئًا من أمرك وتصرفاتك ونشر دعوتك، وتبليغ رسالتك، لأنهم متبعون لأمرك وهديك.
ثم فرع على ذلك تأكيدًا لتأسي الأمة به - ﷺ - ووجوب إتباعها له ووقوفها عند أمره فقال (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) أي إن فعلت ذلك اقتدت بك أمتك وتابعتك عليه، وهو ظلم أنت أبعد الناس عنه، ولتكن قدوة أمتك بك أن تكون على منهجك وحالك فلا يطرد الضعفاء والمساكين من المؤمنين من أجل تقريب الكبراء المترفين من غير المؤمنين
[ ٢٢٩ ]
طمعًا في إيمانهم، لأن شأن الإيمان مرتبط بالقلوب لا بالمظاهر والثراء والترف وزخرف الدنيا.
* * *
(ما فتن به المستكبرون عن قبول الإيمان)
ثم بيّن الله تعالى أن هؤلاء الكفرة المستكبرين فتنوا في أنفسهم بالإعراض عن النظر في آيات الله تعالى ومعجزات رسوله - ﷺ - وقبول هديه، وأن مثل هذا الإفتتان وقع لهم بافتتانهم بإيمان هؤلاء الصفوة من ضعفاء المؤمنين حسدًا لهم وتحقيرًا لشأنَّهم لما يرون عليهم من سمات الفقر والضعف، ونيلهم المنزلة العظمى بإيمانهم وقبول هدى الله وانقطاعهم له ﷾ بالدعاء والتضرع آناء الليل والنهار لا يبتغون بذلك شيئًا من رغائب الدنيا وزخارفها وإنما يريدون وجه الله تعالى.
وهذا كناية عن كمال الإخلاص والعبودية لله تعالى، فالمشبه به في قوله (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) فتنة رؤوس الكفر بإعراضهم عن النظر في آيات الله وبراهينه ودلائله على توحيده واستقامة هديه، والمشبه فتنتهم بإيمان هؤلاء الصفوة الذين أثنى الله عليهم أعظم الثناء، ولم يكن لهم من الدنيا شيء، وإنما هم منقطعون إلى الله تعالى بدعائه والتضرع له والتعبد لذاته المقدسة.
ثم أظهر الله تعالى مدار فتنتهم بهم وأنَّهم حقروهم عن أن تكون لهم هذه المنزلة العظمى عند رسول الله - ﷺ - من التقريب والاحتفاء بهم فقالوا: (أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) أي أهؤلاء الفقراء الذين لا يملكون من الدنيا شيئًا وليس لهم ثراء مثل ثرائنا ولا هم مستطيعون أن يترفوا بالنعم ويتمتعوا بنعم الدنيا كما نترف ونتمتع، فالاستفهام إنكاري مشعر بالاستهزاء والتحقير.
[ ٢٣٠ ]
ثم رد الله تعالى عليهم باطلهم بأسلوب استفهامي يتلاقى في الإنكار والتوبيخ مع أسلوب استفهامهم في الإنكار والتحقير. فقال تعالى: (أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)؟.
* * *
(ما يكون به علو المنزلة عند الله ورسوله)
ومعناه: أن علو المنزلة عند الله تعالى والتقرب من رسول الله - ﷺ - وأخذ الصدارة في مجالس الإيمان ليس بكثرة عرض الدنيا ولا بمظاهر الترف والزخرف ورغائب الشهوات، وإنما هو بما وقر في القلب من قوة الإيمان واستدامة الشكر لله تعالى، وأنتم محرومون من هذا بسوء استعدادكم وإعراضكم عن هدى الله تعالى، ولكن هؤلاء الضعفاء هم صفوة الله من خلقه، وهم أهل الشكر الذين علم الله أن قلوبهم عامرة بحبه وذكره فخصهم بما خصهم به من علو المنزلة عنده تعالى وعند رسوله - ﷺ -.
ثم زاد الله تعالى في حفاوته بهؤلاء الصفوة فأمر رسوله ﵊ أن يكون بهم حفيًا وأن يقربهم منه وأن يبدأهم بالتحية تلطفًا بهم أو أن يبلغهم تحية الله لهم، وهذا معنى قوله تعالى (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ).
ثم بيّن أن هذا من غمرات رحمة الله الشاملة التي كتبها على نفسه لعباده المؤمنين، ثم فتح باب التوبة لسائر الخلق مبينًا شأنه تعالى مع التائبين
[ ٢٣١ ]
وأنه غفور رحيم لما يبدر منهم من الذنوب والآثام إذا رجعوا نادمين تائبين إليه مما اقترفوا من أسواء ارتكبوها بجهالتهم لجلال الله تعالى وعظمته فقال تعالى (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
* * *
(موضع العتاب من هذه الآية)
والعتاب في هذه الآية موضع البحث على هذا التفسير الذي نهجناه في فهم الآية إنما هو في أسلوب الآية:
أولًا - بتسليط النهي على الطرد، والطرد إبعاد مشعر بالنفرة.
وثانيًا - توجيه الخطاب في جواب النهي في قوله (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) مباشرة إلى النبي - ﷺ - بالكون من الظالمين إن وقع منه ذلك -وحاشاه أن يقع منه- -ﷺ- فيه شدة تتناسب مع صدر الآية في توجيه النهي إلى الطرد فكانت الآية بصدرها وفاصلتها مشعرة بالشدة التي تحمل العتاب.
وكأن الله تعالى يحذر نبيه - ﷺ - أن يقع منه ذلك لئلا يكون منهحًا لأمته من بعده بتقريب أهل الدنيا وإبعاد صفوة الله الذين انقطعوا إلى الله تعالى تضرعًا وتعبدًا لا يبتغون إلا وجهه وذلك على الضد من مقاصد هدايات الله.
ومن هنا كان العتاب فيها من عتاب التحذير.
وقد ذكر المفسرون والذين يُعنَون بأسباب نزول الآيات الكريمة روايات مذكورة في بعض الصحاح تشعر بأن قوله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). . .) الآية إنما نزلت بسبب أن
[ ٢٣٢ ]
المشركين طلبوا من النبي - ﷺ - إبعاد فقراء المؤمنين عن مجلسه وإخلاص مجلسه لهم لعل ذلك يكون أطوع إلى قبول هدايته والإيمان به فوقع في نفس النبي - ﷺ - ما شاء الله أن يقع وحدَّث نفسه.
وهذا مشعر بأن النبي - ﷺ - هَمَّ بإبعاد هؤلاء الفقراء عن مجلسه فنزلت الآية الكريمة تنهاه وتعاتبه على ما هَمَّ به.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: " كنا مع النبي - ﷺ - ستة نفر فقال المشركون للنبي - ﷺ -: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما. فوقع في نفس رسول الله - ﷺ - ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه فأنزل الله - ﷿ - (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .).
وهذا أصح ما رُوي في سبب نزولها، وعند الحاكم في مستدركه جاء هذا الحديث عن سعد أيضًا من طريق سفيان ولم يذكر فيه ما جاء في رواية مسلم من قول سعد " فوقع في نفس النبي - ﷺ - ما شاء الله أن يقع فحدَّث نفسه فنزلت الآية "، وإنما الذي جاء في حديث الحاكم أن سعدًا قال: " نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي - ﷺ - منهم ابن مسعود قال: كنا نستبق إلى رسول الله - ﷺ - وندنو منه ونسمع منه فقالت قريش: تدني هؤلاء دوننا فنزلت (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ).
[ ٢٣٣ ]
ولا يخلو هذا من الإشعار الذي أشعر به حديث مسلم في كلام سعد، وإن كان حديث مسلم أصرح في الإشعار من حديث الحاكم.
ولعل حديث الحاكم دخله شىء من الاختصار، أو أن حديث مسلم روي بالمعنى فدخله شىء من التفصيل.
وحديث سعد -عند مسلم- صريح في أن العتاب في الآية وقع على ما حدَّث به النبي - ﷺ - نفسه إن كان قد حدَّث نفسه بما قال سعد. والله ًاعلم.
بيد أن حديث النفس أمر داخلي في النفس الإنسانية محجوب عن غير صاحبه، لا يطّلع عليه أحد من الخلق سوى من حدّث نفسه بما حدّثها به إن كان قد حدّثها فعلًا.
وهذا النظر يجعلنا نطمئن تمامًا إلى ترجيح القول بأن رواية مسلم لحديث سعد هذا قد رويت بالمعنى، فدخلها تفصيل أخرجها من نسقها الصحيح الذي قاله سعد، إذ ما كان لسعد ولا لغيره من الناس كائنًا من كان أن يطلع على ما دار بخلد رسول الله - ﷺ - آنذاك، ولا أن يتجرّأ بالقول عليه، وهو لم يخبر عن نفسه بشيء في هذا إن كان قد حدث من المشركين ما عُدَّ سببًا لنزول هذه الآية الكريمة.
وأيضًا لم يرد لرسول الله - ﷺ - في سياق قول سعد في هذا الحديث قول ولا تقرير حتى يمكن أن يستأنس بشيء منه لما زُعم في ما نسب لسعد من قول في هذه الرواية.
[ ٢٣٤ ]
وظاهر حال رسول الله - ﷺ - في إخلاصه التام في الدعوة إلى عبادة الله وحده، وحبه للمؤمنين، وتفرغه الكامل للجلوس معهم، وانقطاعه لتعليمهم، وتفقيههم في الدين مما هو معلوم عنه بالاستفاضة يرد كل ما زُعم في هذا الشأن.
وسياق قول سعد الذي رواه الحاكم -كما مر آنفًا- هو اللائق بحال رسول الله - ﷺ - مع المؤمنين، لأنه - ﷺ - ما كان يلقي بالًا لما كان يتعنت به المشركون من أقوال وأعمال ومطالب يأملون بها إبعاد المؤمنين بها عنه.
ويؤيد قولي هذا، ويعززه ما أخرجه أبو داود في سننه بإسناده عن علي أبي أبي طالب - ﵁ - أقرب الناس إلى رسول الله - ﷺ - حالًا، وأتمهم به معرفة وأخبرهم به تصرفًا في دعوته، وجميع شؤون حياته حيث قال علي - ﵁ -: " خرج عِبْدَانٌ إلى رسول الله - ﷺ - -يعني يوم الحديبية- قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربًا من الرق، فقال ناسٌ: صدقوا يا رسول الله ردَّهم إليهم، فغضب رسول الله - ﷺ - وقال: " ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا " وأبى أن يردهم، وقال:
" هم عتقاء الله - ﷿ ".
ورواه -أيضًا- الترمذي في جامعه بإسناده من طريق رِبْعي بن حِراشٍ -أيضًا- بتفصيل أتم وأوضح عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال:
[ ٢٣٥ ]
" لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو، وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا، وليس لهم فقهٌ في الدين، وإنما خرجوا فرارًا من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا. قال: فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم، فقال النبي - ﷺ -: " يا معشر قريش لتنْتهُنّ أو ليبعثنّ الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف علي الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان ".
وهذا الحديث بسياقيه صريح في عدم رضى رسول الله - ﷺ - بقولهم ذلك، وردٌّ وصد، ورفض صريح لطلبهم وبيان لغضبه - ﷺ - عليهم، وعلى من آزرهم بالقول منهم، وتهديد ووعيد شديدين لهم جميعًا، مما يدل على أن ما صدر منه من تهديد ووعيد وتوعد لهم في الحديبية قد صدر منه - ﷺ - مثله قبل ذلك حين صدر منهم شبيه بطلبهم ذلك في سابق أيامهم يوم أن كان بمكة، لأن حال رسول الله - ﷺ - حال واحدة في جميع ما يُعترض به على دعوته إلى إخلاص العبادة لله وحده في أول أمره، وآخره لا يتغير.
وقد أمره الله - ﷿ - بإبلاغ ما أنزل إليه، وأنه - ﷿ - يعصمه من الناس، ويمنعهم من قتله واستئصاله فقال (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
[ ٢٣٦ ]
وأمره بجهاد الكافرين بالقرآن جهادًا كبيرًا، والتشديد عليهم به حتى يؤمنوا بالله وحده. قال تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا).
وقد ضمن الله له حفظه منهم، ووعده بأن يكفيه منهم. قال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥». وقال (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧».
وكل هذا تثبيت من الله - ﷿ - لرسول الله - ﷺ -، ووعد له بالحفظ والعصمة من أعدائه مما يدل بحق ويقين على أن حال رسول الله - ﷺ - من أعدائه حال واحدة لا تتغير بتغير أعدائه، ولا بتغير أنواعهم، وأصنافهم، وقوة مواقفهم منه، فالله هو الحافظ له، وناصره على أعدائه ومؤيد دينه ما بقيت السماوات والأرض مؤيدًا بالطائفة المنصورة التي أخبر رسول الله - ﷺ - عنها بأنَّهَا ستبقى على الحق ظاهرة حتى يأتي أمر الله لا يضرهم من خالفهم.
ومما يكمل قصة الصفوة الواردة في سورة الأنعام في قوله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ. .) الآية ما جاء في سورة
[ ٢٣٧ ]
الكهف في قوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨».
فالقصة واحدة تتعلق بطلب فجار الكفرة من المشركين إبعاد الصفوة الفقراء من المؤمنين عن مجلس رسول الله - ﷺ -، ليستأثررا به استكبارًا وعلوًا واحتقارًا لضعفاء المؤمنين.
* * *
(الربط بين آية سورة الأنعام وآية سورة الكهف الناهيتين عن طرد الذين يدعون ربهم)
فآية الأنعام كانت بدءًا للقصة بالنهي عن طرد الصفوة وإبعادهم عن مجلسه - ﷺ -، وآية الكهف كانت ختامًا للقصة بازدياد حفاوة الله تعالى وحفاوة رسوله - ﷺ - بالصفوة الضعفاء من المؤمنين، أن يحبس رسول الله - ﷺ - نفسه معهم حتى يشبعوا رغباتهم من حديثه والأخذ عن منهجه في التربية والسلوك.
* * *
(اختصاص الله بعلم الغيب وانفراده بالحكم في خلقه)
وقد رردت هذه الآية الكريمة في موضعها من سورة الكهف بين آيتين من آيات هذه السورة تأمر الآية السابقة لها - وهي قوله تعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) - رسول الله - ﷺ - بتلاوة مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّه في هذا الكتاب تلاوة تبليغ وتعبد واستمساك به، واتباع له وإعلان له على الدنيا كلها دون حذر ولا مبالاة بأحد من الناس، لأن هذا الكتاب هو آخر كتاب ينزله الله على بشر، فلا مبدل لكلماته ولا مغير لشيء منها
[ ٢٣٨ ]
ولن يتبع الحق أهواءهم في قولهم (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) إذ كلمات هذا الكتاب هي السبيل والملجأ لهداية البشر أجمعين.
وفي قوله تعالى: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) إخبار لرسول الله - ﷺ - أنه لو ترك -وحاشاه من ذلك- كلمات هذا الكتاب فلن يجد غيره من الكلمات هاديًا ومرشدًا يلجأ إليه " في البيان والإرشاد "، إذ لا بيان لمصالح العباد كبيان الله تعالى العليم الخبير، ولا إرشاد لهم كإرشاده تعالى وهدايته وهو الرءوف الرحيم بهم.
وهذا الذي قاله في هذه الآية (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ) الآية، هو مضمون ما ختمت به آخر آية من آيات قصة أهل الكهف وهي قوله تعالى: (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦».
المفيد لاختصاص الله تعالى بعلم غيب السماوات والأرض الذي يدخل فيه علم ما جرى لأهل الكهف، وترك التماري في أمرهم لأنه مما اختص الله تعالى بعلمه، وانفراده بالحكم في خلقه فلا يشركه في ذلك أحد من خلقه.
وهذا فيه إفراد لله تعالى بإحاطة علمه وإفراده بوحدة الحكم بين عباده.
وهذا هو ما تضمنه الكتاب الكريم المنزل على خاتم النبيين الذي أمره الله فيه بتلاوته تبليغًا واتباعًا له وتعبدًا واستمساكًا به، وعدم تركه لأنه
[ ٢٣٩ ]
لا يوجد كتاب غيره يجمع ما جمع من الهدى والنور والخير.
ومن هنا كان آخر كتاب ينزل من السماء لا مبدل لكلماته ولا مغير لمحكماته.
ولما كان أمر رسول الله - ﷺ - بتلاوه الكتاب الذي أوحى إليه، والاستمساك به الذي لا مبدل لكلماته مقتضيًا للحفاوة بالمؤمنين به ولا سيما الذين تبتلوا في محاريب الإيمان منقطعين إلى الله تعالى يبتغون وجهه لا يريدون شيئًا من زينة الحياة الدنيا وزخارفها ومقتضيًا لإبعاد الظالمين المستغرقين في الدنيا وزخارفها المحقرين لصفوة المؤمنين، وهذه الحفاوة بهؤلاء الصفوة من عباد الله المخلصين تتمثل في أن يصبر النبي - ﷺ - نفسه على الجلوس معهم وفي إعراضه عن الظالمين المستكبرين من المستغرقين في الدنيا وزينتها.
وقد جاء الأمر بطريق الاستئناف المشعر بأن هؤلاء الصفوة أحقاء بالقرب والتقريب فقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .) الآية، أمرًا لرسول الله - ﷺ - أن يحبس نفسه ويقصرها على مجالستهم وتعليمهم إعلاء لمنزلتهم عند الله تعالى ولمكانتهم من الإيمان بالرسالة وإخلاص العبودية لله تعالى ابتغاء وجهه لا يريدون زينة الحياة الدنيا ولا يحبون أن يكونوا من أهلها.
وقد أكّد الله تعالى ذلك بنهيه - ﷺ - أن تتجاوز عيناه النظر إلى أولئك الصفوة من المؤمنين طلبًا لإسلام الكبراء من العظماء والأعيان والأغنياء من أئمة الكفر ورؤوس الباطل طمعًا في إيمانهم وإيمان أتباعهم ومن يسيرون في ركبهم وظلهم من عامة الناس الذين يتبعون كل ناعق لا يريدون من الحياة
[ ٢٤٠ ]
إلا ملء بطونهم وتحقيق رغائبهم الدنيوية لضعف عقولهم عن إدراك الهدى في رسالة الله وعن النظر في آياته ودلائله وبراهينه التي تنهى عن المتابعة دون تعقل أو تدبر.
وهذا كناية عن تقدير فضل أولئك الصفوة من المؤمنين، وحبهم وإيثارهم في نفس رسول الله - ﷺ - على غيرهم من أهل الدنيا المستغرقين في زخارفها وترفها تطلعًا إلى أن يكونوا جندًا للرسالة ليتبعهم غيرهم من أتباعهم الذين يقلدونهم ويأخذون بأقوالهم، فالمراد بإرادة زينة الحياة الدنيا إرادة " أهلها وأشرافها " -كما قال ابن زيد فيما نقله عنه الطبري- ليكونوا ذرائع لإيمان غيرهم ممن يتبعهم من عامة الناس.
* * *
(تيئيس رسول الله - ﷺ - من رجاء إيمان المستكبرين)
وفي قوله تعالى (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطً) دمغ للظالمين الجاحدين لآيات الله تعالى بأن الغفلة مستولية على قلوبهم فلا يفيقون من سكرتها ولا يصحون من رقدتها لينظروا في آيات الله ودلائله لأن الله تعالى ختم بالغفلة على قلوبهم وعقولهم فكان أمرهم إلى التبار والضياع.
وهذا يتضمن تيئيس رسول الله - ﷺ - من رجاء إيمانهم، وفيه تعريض بأن هؤلاء المستكبرين لا تنفع فيهم دعوة إلى الله تعالى ولا إقامة حجة أو برهان على صدق رسالة رسول الله - ﷺ - عندهم، وفيه إشارة إلى أن أمر هؤلاء الصفوة من عباد الله المؤمنين في ثبات وعلو وارتفاع على عكس أمر أولئك الغافلين.
[ ٢٤١ ]
(تهديدهم بالعذاب الشديد)
ثم عقب آية (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .) الآية، بتهديد موجع ووعيد شديد يبين أن هؤلاء الجاحدين واقفون على شفا نار جهنم بما اختاروه لأنفسهم من الكفر والجحود والاستهزاء بصفوة المؤمنين والسخرية بهم. فقال تعالى (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر).
ثم أتبع الله تعالى ذلك التهديد بالإخبار عما أعده للظالمين من سوء العذاب في أسلوب تنخلع له القلوب، وتذهب منه العقول وتجف من هوله الجلود. قال تعالى (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩».
* * *
(وجه العتاب في الآية)
ووجه العتاب في هذه الآية الكريمة أولًا في أمر رسول الله - ﷺ - بحبس نفسه مع الصفوة من المؤمنين، وثانيًا ما في قوله (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) من المبالغة التي تفيد في ظاهرها إلزام رسول الله - ﷺ - أن يغض بصره عن كل من عداهم كما يشعر به منطوق النهي ومتعلقه.
وما في قوله (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) من إفادته بظاهره أن مجاوزة نظر رسول الله - ﷺ - للصفوة الفقراء من المؤمنين إلى غيرهم إرادة لزينة الحياة الدنيا.
ثم عقب ذلك بما هو كالمقابل لطرد الصفوة عن مجلس رسول الله - ﷺ - وعدم حبس نفسه عليهم بما هو سمة الفجرة من الكفار الذين طلبوا من رسول الله - ﷺ - ذلك فنهاه الله عن إطاعتهم ووصفهم بغفلة قلوبهم عن ذكر الله واتباعهم للهوى والشهوات حتى كان أمرهم صائرًا إلى البوار والهلاك
[ ٢٤٢ ]
في قوله تعالى (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).
وأما أنَّهَا من عتاب التحذير فلأن ما فيها من شدة النهي يتضمن تحذير النبي - ﷺ - أن يكون منه ما لم يكن خشية أن يقع ما هو أكثر منه.
وفي هذا التحذير عناية برسول الله - ﷺ - في توجيه رسالته وإظهار منهجه في تبليغها ولبيان أن رفعة الشأن عند الله ونيل شرف القرب من رسول الله - ﷺ - إنما ينالهما الناس باستجابتهم لله تعالى بإخلاص العبادة له وبإتباع رسوله - ﷺ -، وليس بما يتمتعون به في هذه الحياة الدنيا من مال وجاه وسلطان.
ولما كان رسول الله من أسوة لأمته في الدعوة إلى الحق كان ذلك تحذيرًا للأمة وإقامة لوجهها على المنهج الذي مضى عليه رسول الله - ﷺ - بتعليم الله وتوفيقه وتسديده.
* * *
(النهي عن استبقاء الأسرى)
ومن آيات هذا النوع من العتاب أيضًا قوله تعالى من سورة الأنفال (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨».
[ ٢٤٣ ]
وقد جاءت هاتان الآيتان في سياقهما من سورة الأنفال بعد أن أمر الله تعالى رسوله - ﷺ - بتحريض المؤمنين على القتال وحثهم على الاستبسال، والصبر فيه تقوية لعزائمهم على خوض المعركة والثبات في ميدانها لمواقفة المشركين والانتصار عليهم، وبشَّرهم أن العشرين الصابرين منهم يغلبون مائتين من أعدائهم، وأن مائة منهم يغلبون ألفًا من الذين كفروا، وذلك لأن المؤمنين يقاتلون متوكلين على الله تعالى طالبين نصره ورضاه، هدفهم إعلاء كلمته ونصرة دينه وإقامة شريعته بين جميع البشر، فهدفهم من القتال واضح، أما الكافرون فيقاتلون المؤمنين تعاليًا وإفسادًا فى الأرض وطمسًا لمعالم الحق والهدى فيها، فلذلك فإنهم لا يفقهون للقتال غاية في معرفة الحق والاهتداء إليه، ولا يعرفون له هدفًا في إصلاح الحياة وإقامتها على الإحسان والعدل، لأنَّهم يقاتلون لرغائبهم الشخصية وإشباع شهواتهم من زينة الحياة الدنيا ومتاعها، وهذا هدف لا يقوم على دعائم ثابتة، وسرعان ما تعصف به رياح الحق، ولذا وصفهم الله تعالى (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) وهذا وصف لهم بالغباء والجهالة وتقديم شهوات الحياة الدنيا الفانية على الآخرة الباقية.
ولما لم يكن جميع المؤمنين في الصبر واحتمال فوادح الكفاح والنضال على غرار أولئك المتقدمين من أهل بدر -وهم الرعيل الأول الذين لم يلحق بهم أحد ممن جاء بعدهم في أجر ولا فضل- أعلمهم الله تعالى أنه خفف عنهم فجعل على الواحد منهم مقابلة اثنين من الكافرين، وأنه تعالى مع الصابرين.
[ ٢٤٤ ]
ولما كان الأمر بالتحريض على القتال، وبيان قدرة المؤمنين على غلبة عدوهم في مقابلة المؤمنين لأكثر من عددهم مقتضيًا ألا يبقوا على عدو جاء ساحة القتال. قال تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ. . .) الآية.
أما بحث تركيب (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ) فقد استوفيناه عند الحديث على قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) من سورة التوبة.
وإجمال ذلك أن هذا التركيب المؤلف من (ما) النافية الداخلة على (كان) المقرون خبرها بلام الجحود يحتمل معنيين:
الأول: التبرئة والتنزيه، وعدم الوقوع.
الثاني: النهي الضمني عن أن يقع متعلق الخبر.
ومعنى الآية على الوجه الأول: أن الله يبرئ نبيه - ﷺ - وينزه ساحته عن أن يكون له قصد في أخذ الأسرى وإنهاء المعركة قبل الإثخان في الأرض.
ويجوز -على الوجه الثاني- أن يكون المراد نهيه - ﷺ - عن أن يكون له أسرى قبل الإثخان في الأرض والمبالغة في إضعاف قوة العدو، وإن كان النهي لا يستلزم وقوع المنهي عنه من المخاطب لجواز أن يكون وقوع المنهى عنه كان ممن له صلة تبعية بالمخاطب، ويؤيد هذا " أن في التنكير -أي تنكير نبي في قوله (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ) - إبهامًا في كون النفي لم يتوجه عليه معينًا تلطفًا به - ﷺ - وإشارة إلى أن هذا سنة من سنن الله تعالى مع
[ ٢٤٥ ]
أنبيائه وبيانًا لأنه لم يكن - ﷺ - متوجه القصد إلى أن يكون له أسرى قبل الإثخان في العدو، وإكثار القتل والجراح فيه.
* * *
(توجيه وجه الخطاب بالآية الكريمة)
وعلى ذلك يكون الخطاب -في ظاهره- موجهًا لرسول الله - ﷺ - مع هذا التلطف الذي يبرئ ساحته ﵊ مما يوجب العتاب، ويكون الخطاب في حقيقته موجهًا إلى الذين أسرعوا في إنهاء المعركة وأخذ الغنائم والأسرى بمجرد ظهرر طلائع النصر، ولم يصبروا حتى يكثروا القتل والجراح في العدو كسرًا لشوكته وتوهينًا لقوته ولا سيما أن هذه هي المعركة الأولى في الإسلام وقد نصر الله تعالى فيها نبيه - ﷺ - وأصحابه مع قلة عددهم وضعف عدتهم في مقابل كثرة عدد العدو وقوة عدته.
وقد امتن الله تعالى عليهم بهذا النصر بقوله تعالى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ).
* * *
(تنزيه رسول الله - ﷺ - عن إرادة شيء من الدنيا)
وقد نزه الله تعالى نبيه - ﷺ - عن إرادة شيء من الدنيا بنقل توجيه الخطاب من رسول الله - ﷺ - في هذه الآية الكريمة إلى أصحابه في قوله (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) وهذا يدل على أن النبي - ﷺ - لم يدر بخلده أن ينهي المعركة قبل الإثخان في العدو ليأخذ الأسرى ويغنم أصحابه المغانم ويؤكده ما رواه ابن إسحاق في سيرته قال: " ولما وضع القوم أيديهم يأسرون رأى رسول الله - ﷺ - في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له: " كأني بك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ " قال: أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك
[ ٢٤٦ ]
فكان الإثخان في القتل أحب إليَّ من استبقاء الرجال ".
وهذا يدل على أن النبي - ﷺ - لم ينكر على سعد بن معاذ ما رأى في وجهه من كراهية ما يصنع القوم فاستفسره عن ذلك فقال له: " كأني بك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ " فقال سعد: أجل يا رسول الله، وعلل سعد ذلك بأن هذه أول وقعة في الإسلام نصر الله فيها المسلمين على أعدائهم من المشركين فكان الإثخان في القتل أحب إليه من استبقاء الرجال.
* * *
(موضع العتاب من الآية)
وفيه دلالة على أن المعاتب عليه عدم الإثخان في القتل والإسراع إلى الغنيمة لا أخذ الفداء لأن سعدًا أبان عن رأيه قبل الاستشارة في أخذ الفداء.
وقد جاء في الروايات الأخرى أن العذاب لو نزل ما نجا منه غير سعد وعمر ﵄.
* * *
(المعاتبون بالآية)
وهذا كالصريح في أن أخذ الفداء من الأسرى لا عتاب عليه، وقد بيّن الله تعالى هذا بقوله (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فإنه تعالى لعظيم فضله وبالغ رحمه منع عذابه العظيم عن المؤمنين المجاهدين يوم بدر الذي استحقوه بما مالت إليه أنفسهم من الإسراع في جمع الغنائم والاشتغال بها وترك الإثخان في القتل وحس المشركين حين ظهروا عليهم في أول وقعة تلتقي فيها الفئة المؤمنة من صفوة أصحاب
[ ٢٤٧ ]
رسول الله - ﷺ - على قلة في العدد وضعف في العدة بجحافل الشرك ورءوس الطغيان الذين يفوقونهم أضعافًا عددًا وعدة.
وهذه الآية الكريمة (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) -كما هو ظاهر منها- لا تمنع الأسر وأخذ الفداء نهائيًا ولكنها تقرر أنهما لا يكونان إلا بعد الإثخان في الأرض بظهور المسلمين على أعدائهم، وهى لا تتنافى مع آية سورة محمد -كما يقول الفخر الرازي- لأنه لا زيادة في حكم آية سورة محمد (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) - على حكم هذه الآية لأن كلتا الآيتين متوافقتان " فإن كلتيهما تدلان على أنه لابد من تقديم الإثخان ثم بعد أخذ الفداء فلا نسخ إذن كما يزعم بعضهم.
ولكن بعض الصحابة - ﵃ - حين اشتغلوا بجمع الغنائم قدموا عرض الدنيا على الآخرة فخالفوا ما أراده الله تعالى لهم من عظيم الظهور وقوة الشوكة وشدة الرهبة في قلوب أعدائهم فيما لو سددوا إليهم الضربة القاصمة استئصالًا لشأفة الكفر والكافرين، إرهابًا لقلوب أعداء الله ورسوله وإظهارًا لقوة المؤمنين وتمكنهم من القضاء على أعدائهم في أول لقاء لهم معهم.
[ ٢٤٨ ]
(إشارة إلى اختلاف العلماء في بيان الإبهام بالمراد بالكتاب الذي سبق)
أما الكتاب المذكور في قوله تعالى: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فقد أدى إبهامه إلى اختلاف العلماء فيه على أقوال كثيرة أوصلها الشوكاني -في فتح القدير- إلى ستة أقوال، لعل أرجحها وأقربها إلى العقول وأولاها بالقبول هو: ألا يعذب الله أحدًا إلا بعد أن يقدم إليه أمرًا أو نهيًا فيخالف ما قدمه الله إليه.
وهذا مروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ وعن مجاهد رحمه الله تعالى.
ثم بيّن الله تعالى ما كان مسطورًا في غيبه من إحلال الغنيمة وتطييبها لعباده المؤمنين من هذه الأمة -وهذا كان من خصائص النبي - ﷺ - على الأنبياء كما ورد في الحديث الصحيح فيما رواه الإمامان البخاري ومسلم من قوله - ﷺ - " وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي " فقال تعالى: تطيبًا لنفوس أؤلئك المجاهدين (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩».
[ ٢٤٩ ]
وهذا يدل على أن أخذ الغنائم وأكلها كان حلالًا طيبًا لا شبهة فيه ولا عتاب عليه وإنما كان العتاب على الإسراع في إنهاء الوقعة قبل الإثخان في العدو وكسر شوكته وإضعاف قوته وهو نظير ما ذكرناه في قوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) في أن الإذن للمنافقين بالتخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك كان صوابًا بالأوجه التي ذكرناها وإنما كان العتاب على الإسراع بالإذن لهم دون التلبث الذي يكشف عن حقيقة المنافقين ليعرفهم الناس ويفضحهم الله تعالى على رءوس الأشهاد.
وتذكر بعض روايات الأحاديث وأسباب النزول أن هذه الآيات نزلت بعد مشاورة رسول الله - ﷺ - أصحابه في أمر أسرى بدر واختيار رسول الله - ﷺ - لرأي أبي بكر ومن معه القائلين بقبول الفداء من الأسرى تقوية لجيش المسلمين على الكفار بالفداء ورجاء أن يهديهم الله تعالى للإسلام أو أن يخرج من أصلابهم بعد وقعة بدر من يؤمن بالله ويهتدي بهداه.
ومن أصح هذه الروايات ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ فيما يرويه عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، قال ابن عباس: " فلما أسروا الأسارى قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر: " ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ "، فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: " ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قلت: لا، والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه وتمكنني من فلان (نسيبًا لعمر) فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوى رسول الله - ﷺ -
[ ٢٥٠ ]
ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر قاعدان يبكيان قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله - ﷺ -: " أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة " شجرة قريبة من نبي الله - ﷺ -، وأنزل الله - ﷿ - (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) إلى قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) فأحل الله الغنيمة لهم ".
وحديث مسلم هذا ظاهر في سياقه أن النبي - ﷺ - بدأ أصحابه بمشاورتهم في شأن الأسرى فأشار أبو بكر بأخذ الفداء منهم للأسباب التي ذكرها أيضًا، فهوى رسول الله - ﷺ - ما رأى أبو بكر ولم يهو ما رأى عمر.
وهو أيضًا صريح في أن النبي - ﷺ - بكى هو وأبو بكر من أجل ما عرض عليه من عذاب أصحابه فِي أخذ الفداء.
وصريح أيضًا في أن بكاء النبي - ﷺ - وصاحبه أبي بكر إنما كان شفقة منه لأجل ما عرض عليه من عذاب أصحابه لأخذهم الفداء.
* * *
(قرار الصحابة بأخذ الفداء)
ومن ثم فالحديث لا يفيد أصلًا أن النبي - ﷺ - أشار بأخذ الفداء وإنما شاور أصحابه فأشارت الكثرة منهم بأخذ الفداء وهم الذين عوتبوا بقول الله تعالى (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) فلما خرج إليهم بعد
[ ٢٥١ ]
المشاورة قال لهم " أنتم عالة فلا يبقين أحد إلا بفداء أو ضربة عنق ".
وهذا ما يدل عليه حديث مسلم دلالة قاطعة فالنبي - ﷺ - لم يكن مختارًا لأخذ الفداء وإنما كان مشاورًا لأصحابه.
وهذه المشاورة مأمور بها النبي - ﷺ - كما يدل على ذلك صريح حديث جبريل الذي رواد الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم -قال الحافظ ابن حجر وقد عزاه إلى من ذكرنا: (بإسناد صحيح) - عن علي - ﵁ - قال: " جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - يوم بدر فقال: خيِّر أصحابك في الأسرى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عامًا مقبلًا مثلهم قالوا: الفداء ويقتل منا ".
وفي طبقات ابن سعد وعيون الأثر من مرسل عبيدة لهذا الحديث أن النبي - ﷺ - -حين أخبره جبريل بذلك- " نادى في أصحابه فجاءوا أو من جاء منهم فقال: " هذا جبريل يخيركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم وبين أن تفادوهم ويستشهد قابل منكم بعدتهم " فقالوا: بل نفاديهم فنتقوى به عليهم ويدخل قابل منا الجنة سبعون. . . ففادوهم.
[ ٢٥٢ ]
وكما يدل عليه ما أورده السيوطي في الدر من إخراج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة عن أبي عبيدة - ﵁ - قال: " نزل جبريل - ﵇ - على النبي - ﷺ - يوم بدر فقال: إن ربك يخيرك إن شئت تقتل هؤلاء الأسارى وإن شئت أن تفادي بهم ويقتل من أصحابك مثلهم. فاستشار أصحابه فقالوا: ْنفاديهم فنتقوى بهم ويكرم الله بالشهادة من يشاء ".
ومن هذا يظهر جليًا أن النبي - ﷺ - لم يختر أخذ الفداء ولا حبَّذه.
" وأن حديث مسلم لم يتعرض قط لتخيير جبريل، وإنما ذكر أن النبي - ﷺ - بدأ بمشاورة أصحابه في شأن الأسرى.
وأحاديث جبريل -في التخيير في أسرى بدر- جعلت المشاورة بعد الإخبار بالتخيير، ولم يذكر فيها مشاورة النبي - ﷺ - لأصحابه التي ذكرها حديث مسلم وجاء فيها أنه - ﷺ - هوى ما قال أبو بكر ولم يهو ما قاله عمر.
وكذلك ليس في أحاديث التخيير في قتل الأسرى إشارة قط إلى بكاء النبي - ﷺ - وصاحبه وتعليل ذلك بعرض العذاب للذين أخذوا الفداء.
وهذا الاختلاف بين حديث مسلم في مشاورة رسول الله - ﷺ - لأصحابه في أمر أسرى بدر وبين أحاديث جبريل في أمر رسول الله - ﷺ - بتخيير أصحابه في هؤلاء الأسرى يجعل المرء بين واحد من ثلاثة احتمالات: فإما أن يحتمل حديث مسلم اختصار ما جاء من التخيير في أحاديت جبريل -عند من ذكرنا- اكتفاء بالمشاورة، وإما أن النبي - ﷺ -
[ ٢٥٣ ]
لم يذكر تخيير جبريل لأصحابه واكتفى بمشاورتهم تأنيْسًا لهم بما يشمل جانبي التخيير لأن المشاورة لا تخرج عنهما، إذ هي لا تنتهى إلا بأحدهما القتل أو الفداء.
ْوإما أن رسول الله - ﷺ - بدأهم بالمشاورة فلما اختلفوا فيما يفعلون بالأسرى دخل رسول الله - ﷺ - منزله فجاءه جبريل بالأمر بالتخيير.
* * *
(لا عتاب على الفداء ولا على أخذ الغنيمة)
ومما قدمنا يظهر أن أخذ الفداء لا عتاب عليه لرسول الله - ﷺ - بدليل أحاديث تخيير جبريل في أمر الأسرى، إذ لو كان أخذ الفداء موضع مؤاخذة ما جاء جبريل بالتخيير بينه وبين القتل، لأنه لا يخيّر بين جائز مطلق وبين مؤاخذ عليه، ولما صح التفريع على الآيتين بالأمر بالأكل مما غنموه حلالًا طيبًا بقوله (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) لأن الفداء ليس من الغنيمة، إذ الغنيمة هى ما يؤخذ من المحاربين بالقوة والقهر فالذي أخذوه في قوله (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨».
هو الغنائم التي شغلوا بجمعها عن الإثخان في القتل الذي كان الأولى والأجدر بهم أن يفعلوه.
والذي أحل الله لهم وأمروا بالأكل منه حلالًا طيبًا هو الغنيمة بدليل قوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) فلا ذكر للفداء في المؤاخذة في الآية الكريمة حتى يجعل محلًا للعتاب، ويؤيد هذا ما رواه البخاري من أن النبي - ﷺ - قال في أسارى بدر: " لو كان المطعم بن عدي حيًا وكلمني
[ ٢٥٤ ]
ْفي هؤلاء النتني لتركتهم له ".
وهذا يدل على أن لا عتاب على أخذ الفداء لعزم رسول الله - ﷺ - على ترك الأسرى وإطلاقهم بدون فداء فيمالو كان المطعم بن عدي حيًا وكلم رسول الله - ﷺ - فيهم.
ويؤيده أيضًا أنه سبق أن فادى رسول الله - ﷺ - ابن كيسان مولى هشام ابن المغيرة وعثمان بن عبد الله بن المغيرة اللذين أسرتهما سرية عبد الله بن جحش الأسدي - ﵁ - حين أرسله رسول الله - ﷺ - -ومعه ثمانية من المهاجرين- إلى وادي نخلة بين مكة والطائف لرصد عير لقريش -وذلك قبل غزوة بدر الكبرى بأكثر من شهرين- فالتقوا بهم (في آخر يوم من رجب) من السنة الثانية من الهجرة فغنموا العير واقتادوا معهم الأسيرين إلى المدينة فوقف رسول الله - ﷺ - العير والأسيرين وقال أهل الكفر:
استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وأكثروا في ذلك فرد الله عليهم قولهم فأنزل (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ
[ ٢٥٥ ]
سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧».
فقبض رسول الله من العير والأسيرين وأخذ الغنيمة وهي (أول غنيمة غنمها أصحاب رسول الله - ﷺ - في الإسلام) ولم يعاتب الله تعالى أحدًا على شىء من ذلك.
وممن قال إن أخذ الفداء من أسرى بدر لا عتاب عليه لسبق أخذه في سرية عبد الله بن جحش ولم يعاتبوا عليه -القاضي عياض ونقله- في الشفاء - عن القاضي بكر بن العلاء.
وعلى ذلك فلا عتاب لسيدنا رسول الله - ﷺ - في فداء الأسرى يوم بدر لعدم العتاب على أخذه وأخذ الغنيمة فيما سبق هذه الغزوة أولًا، ولأن اختيار أخذ الفداء يوم بدر من الصحابة - ﵃ - كما في أحاديث تخيير جبريل.
[ ٢٥٦ ]
(توجيه العتاب إلى من تعجلوا أخذ الغنيمة ولم يثخنوا في العدو)
وما في هذه الآيات -موضع البحث- من عتاب موجه لمن تعجلوا أخذ الغنيمة واشتغلوا بجمعها وليس على مجرد أخذها، وإنما لكون الاشتغال بجمعها كان سببًا في ترك الإثخان في العدو الذي قد يعطيه اشتغال المجاهدين من المسلمين بجمع عرض الدنيا فرصة التجمع ولم الشمل واستعادة الهجوم على المسلمين مرة ثانية فيضيع النصر من أيديهم ويبغتوا بما لم يحسبوا له حسابًا.
والذي دعانا لضم هذه الآية إلى آيات العتاب مع أنه لا عتاب فيها لسيدنا رسول الله - ﷺ - كما أوضحناه فيما سبق ما درج عليه المفسرون وغيرهم من ذكرها مثالًا للعتاب لرسول الله - ﷺ - وما ورد من روايات وأسباب للنزول يؤيدون بها ما يقولون وقد بينا -فيما سبق- وجهة نظرنا في أقوى وأصح ما استدلوا به.
* * *
(وجه القول بأن في الآية عتابًا)
على أن بعض الأئمة -من الذين يرون أن في الآية عتابًا أخذا بظاهر رواية مسلم- رجحوا مسلك النبي - ﷺ -، واستدلوا له بأدلة قوية، ومن هؤلاء العلامة ابن قيم الجوزية -في كتابه زاد المعاد- إذ يقول: " وقد تكلم الناس في أي الرأيين أصوب، فرجحت طائفة قول عمر لهذا الحديث، ورجحت طائفة قول أبي بكر لاستقرار الأمر عليه، وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب ولتشبيه النبي - ﷺ - له في ذلك بإبراهيم وعيسى وتشبيهه لعمر بنوح وموسى، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أؤلئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء ولموافقة رسول الله - ﷺ - لأبي بكر أولًا لموافقة الله له
[ ٢٥٧ ]
آخرًا حيث استقر الأمر على رأيه، ولكمال نظر الصديق فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرًا وغلبة جانب الرحمة على جانب العقوبة قالوا: وأما بكاء النبي - ﷺ - فإنما كان رحمة لنزول العذاب بمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله - ﷺ - ولا أبو بكر ".
وقال الحافظ ابن حجر -في الفتح-: " وقد اختلف السلف في أي الرأيين كان أصوب؟ فقال بعضهم: كان رأي أبي بكر لأنه وافق ما قدر الله في نفس الأمر، ولما استقر الأمر عليه، ولدخول كثير منهم في الإسلام إما بنفسه، وإما بذريته التي ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب كما ثبت ذلك عن الله في حق من كتب له الرحمة ".
وهؤلاء المختلفون إنما نظروا لحديث مسلم ولم ينظروا لحديث تخيير جبريل وهو ليس دون حديث مسلم في الصحة كما سبق أن ذكرنا حكم الحافظ ابن حجر عليه بالصحة عند الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وحديث تخيير جبريل ينفى نفيًا قاطعًا ما جاء في حديث مسلم من البدء بمشاورة الصحابة قبل إخبارهم بالتخيير، وأن النبي - ﷺ - هوى ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر.
وهذا إنما يعني ميل النبي - ﷺ - إلى رأي أبي بكر لغلبة الرحمة عليه - ﷺ - ويمنع قتل الأسرى لو أراده الصحابة، بل في بعض الروايات ما يدل على أكثر من ذلك في حق ما كان يسمع به النبي - ﷺ - في الأسارى من المن عليهم
[ ٢٥٨ ]
وعدم قتل أحد منهم كما في حديث البخاري الذي قدمناه في قصة المطعم ابن عدي الذي يدل على أن النبي - ﷺ - ما كان في نفسه عزيمة أخذ الفداء.
* * *
(إبطال عادة التبني على يدي رسول الله - ﷺ -)
ومن آيات هذا النوع من العتاب أيضًا قوله تعالى من سورة الأحزاب (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧».
وهذه الآية في قصتها من أظهر آيات العتاب وأشدها ورودًا فيما يتعلق بشخص سيدنا رسول الله - ﷺ -.
وقد وردت هذه الآية الكريمة بعد أن ذكر الله تعالى -في قوله عز شأنه- (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦» أنه ليس لأحد من المؤمنين والمؤمنات خيرة وراء خيرة الله ورسوله - ﷺ - له، وما على المؤمن والمؤمنة إلا الرضا والتسليم لحكم الله تعالى فيه وحكم رسوله - ﷺ -، وهذا كما قال تعالى في سورة النساء (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
[ ٢٥٩ ]
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥».
وقوله تعالى في سورة النور (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) لأن (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) إذ أنه بعث هاديًا وأسوة لهم ومن كان أحق بأنفسهم منهم فله -بلا شك- كامل التصرف والحكم فيهم بما قضى الله تعالى، وما عليهم إلا الانقياد له والامتثال لأمره لما فيه من ضمان السعادة لهم لأن أمره من أمر الله تعالى، وقضاءه من قضائه، ولذلك جعل قضاء الله ورسوله -في هذه الآية الكريمة- أمرًا واحدًا فمن لم يرض بذلك فقد عصى الله ورسوله وخرج عن سبيل الهدى والرشاد.
فكان قوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . .) الآية توطئة وتمهيد لما ستقرره الآيات التالية لها من حكم شرعي يجب على المؤمنين الانصياع له وامتثاله والعمل به وتقبله بنفس راضية وقلب مطمئن وتسليم كامل.
روى الطبري في تفسيره عن ابن عباس ﵄ قال: " خطب رسول الله - ﷺ - زينب بنت جحش لزيد بن حارثة فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسبًا، وكانت امرأة فيها حدة فأنزل الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . .) الآية كلها
[ ٢٦٠ ]
وروى نحوه عن مجاهد ونحوه عن قتادة.
وقال السيوطي في لباب النقول: " أخرج الطبراني -بسند صحيح- عن قتادة قال: خطب النبي - ﷺ - زينب -وهو يريدها لزيد- فظنت أنه يريدها لنفسه فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت فأنزل الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ. . .) الآية فرضيت وسلمت ".
ومن ثم زوّج رسول الله - ﷺ - زينب بنت جحش الأسدية القرشية -بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب- هاشمية الرحم قرشية العصبية بزيد ابن حارثة مولاه، وهي في شرفها النسبي لم تر في هذا الزواج كفاءة نسبية ولكنها سلمت ورضيت بزيد بعلًا خضوعًا لأمر رسول الله من اتباعًا لقوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . . .) الآية، ولم يكن هذا الخضوع بمزيل من نفسها تعاليها بنسبها على زيد بن حارثة، وذلك التعالي بالحسب كان أكبر سبب في جعل حياة البيت بين الزوجين -زيد وزينب- حياة منغصة فقد فيها الود والسكون والتراحم وهي من الحكمة الكبرى في الزواج. فصبر زيد - ﵁ - قدر ما واتته الطبيعة البشرية، لكن ذلك استمر ولم تنفع فيه وداعة زيد ومسالمته وتلطفه بزوجه فرأى أن لا سبيل إلي الاستمرار في هذه الحياة الزوجية القلقة المنغصة التي تتعالى فيها الزوجة عليه بحسبها ونسبها فتثير بينه وبينها نار المساءة والتنافر والعداء.
[ ٢٦١ ]
فشكا زيد إلى رسول الله - ﷺ - ما يلقى من زوجته وما يسود حياتهما من تباعد وتنافر فلقى رسول الله - ﷺ - شكوى زيد بما جبل عليه - ﷺ - من الرحمة وأدب المعاشرة " واختبارًا لما عند زيد مما لم يعلمه الله به من رغبته فيها أو رغبته عنها " فقال له: " امسك عليك زوجك واتق الله ".
ورجع زيد إلى بيته ووجد من زوجته أشد مما كان يجد، ففي خبر طويل ذكره البيهقي في سننه في قصة زواجها بزيد بن حارثة وفراقه إياها قالت زينب ﵂: ". . فأخذته بلساني فشكاني إلى النبي - ﷺ - فقال له النبي من: " أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ " ثم أخذته بلساني فشكاني إلى النبي - ﷺ -.
فلما أن ضاق زيد ذرعًا بحياته معها لتعاليها عليه وتناولها إياه بلسانها ولم يمكنه رأب الصدع بينهما صمم على طلاقها وذهب إلى رسول الله - ﷺ - يشكوها وهو عازم على طلاقها وكأنما أحسَّ زيد في هذه المرة حياء من النبي - ﷺ - منعه من الإجابة على شكواه منها فقال زيد -فيما ترويه زينب ﵂ - كما في سنن البيهقي-: " أنا أطلقها، قالت فطلقني، فبتَّ طلاقي ".
* * *
(تزويج الله - ﷿ - زينب بنت جحش رسول الله - ﷺ -)
فلما انقضت عدتها نزل قول الله تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧». فقام رسول الله - ﷺ - ودخل عليها وهي
[ ٢٦٢ ]
مكشوفة الشعر فقالت: " هذا أمر من السماء. . يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة؟ قال: " الله المزوّج وجبريل الشاهد " كما في رواية البيهقي عن مذكور مولى زينب أم المؤمنين - ﵂ -.
وفي صحيح مسلم -في قصة زواج النبي - ﷺ - أنه حين نزل القرآن بتزويجه إياها " جاء رسول الله - ﷺ - فدخل عليها بغير إذن ".
وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧».
وقد افتتحت الآية بتذكر النبي - ﷺ - بإنعام الله تعالى على مولاه زيد بن حارثة بنعمة الإسلام وإنعامه - ﷺ - عليه بنعمة الحرية والتربية والمحبة التي خصه بها دون سائر أقربائه وأصحابه زيادة من الله تعالى في الإنعام عليه وتفضيلًا له حيث لم يذكره باسمه، وإنما ذكره بوصف الإنعام عليه من الله تعالى ومن رسول الله - ﷺ -.
ويحتمل أنه ذكر بوصف الإنعام عليه ولم يذكر باسمه -في مفتتح الآية تمهيدًا لبيان إنعام الله بالإيمان وإنعام رسول الله - ﷺ - عليه بالحرية والتربية اللذين كان لهما أثر عند عرض زيد طلاق زينب التي ضاق ذرعًا بالعيش معها لشدة لسانها عليه- " لرفع استحياء النبي - ﷺ - منه في موافقته على طلاقها ".
[ ٢٦٣ ]
وتذكير الله تعالى رسوله. - ﷺ - بقوله لهذا المنعم عليه (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ) لبيان إعظام حياء رسول الله - ﷺ - حتى أنه استحيا ممن لا يستحيا من مثله في علاقته به ومكانته منه.
وفي قوله (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ) احتمالان:
الأول: أن رسول الله - ﷺ - قال ذلك وقد " أعلمه الله أنَّهَا ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها " بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها منه.
فلما عرض عليه زيد طلاقها -وعنده العلم بأنَّهَا ستكون زوجة له- أراد - ﷺ - أن يتعرف ما عند زيد من بقاء رغبة فيها وميل إليها، وأن ما وقع إنما هو ثورة غضب قد تذهب فيما بعد، أو أن إرادة طلاقها كانت عزيمة صارمة تشعر بعدم بقاء أي رغبة فيها وميل إليها.
الثاني: إنما قال رسول الله - ﷺ - ذلك - وزيد يعرض عليه طلاق زوجه زينب لتعاليها عليه بنسبها وحسبها وشدة لسانها - من باب الرأفة والرحمة اللتين جُبل عليهما رسول الله - ﷺ - والنصح لهما وتقديم الأمر بالمعروف إذ لم يحدد الله تعالى له وقت طلاق زيد لها وزواجه بها فما تزال الفرصة قائمة في اجتهاده - ﷺ -.
فكان هذا القول (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) من قبيل الاجتهاد في عدم التوقيت.
[ ٢٦٤ ]
والاحتمال الأول أرجح -عندنا- لأن تعرف ما في نفس زيد يكشف عن حقيقة ما في عزيمته، فإن كان له فيها بقية رغبة وميل إليها وأن الذي حدث فورة غضب قد تذهب بالتراضى وإحسان العشرة فعندئذ يكون -لو وافقه النبي - ﷺ - على طلاقها- كالمكره على طلاقها، ومن ثم كان هذا التعرف ضروريًا ليكون زيدًا مختارًا في الطلاق راغبًا فيه فلا تتبعها نفسه بعد ذلك، وقد يؤكد هذا إبراز زينب في هذه الجملة (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) بعنوان الزوجية المقتضي للمودة والرحمة والسكون والرغبة.
أما قوله " واتق الله " فإنما جاء لأمر زيد بعدم التجاوز في تناولها عند رسول الله - ﷺ - بنحو قوله فيها " إن زينب اشتد عليَّ لسانها: أنا أريد أن أطلقها " فيما رواه قتادة.
ثم قال تعالى (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) وهي جملة حالية من فاعل " تقول " في (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ. . .).
والذي أبداه الله تعالى إنما هو زواجه بها بعد انقضاء عدتها من زيد، وهذا لا يكون موضع عتاب إلا إذا كان قد سبقه إعلام به حتى يصلح التقييد به وقت قوله لزيد " أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ " فالذي أخفاه رسول الله - ﷺ - في الحقيقة هو إعلامه أنها ستكون زوجة له بدليل إظهار هذه الزوجية عملًا واقعًا بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها منه.
وهذا القدر -أي إخفاء الإعلام بتزويجها منه - ﷺ - وهي ما زالت تحت زيد- كافٍ في توجيه العتاب لرسول الله - ﷺ -، لكن رسول الله - ﷺ - لم يخف
[ ٢٦٥ ]
هذا الإعلام المتعلق بكونها زوجة له مخالفة لأمر من الله تعالى وإلا لكان ذنبًا تجب منه التوبة وليس في الآية الكريمة ما يشعر بشيء من ذلك.
* * *
(ما أخفاه النبي - ﷺ - في نفسه)
وإنما الذي تعطيه التلاوة الكريمة أن النبي - ﷺ - أخفى إعلام الله له بتزويجها منه بعد طلاق زيد لها اجتهادًا منه - ﷺ - في توقيت الإعلام إذ لم نر أحدًا من المفسرين والمحدثين قال بتقييد هذا الإعلام بوقت معين، فاجتهد النبي - ﷺ - في تأجيله وتلبثه به متأنيًا انتظارًا لإنجاز الله له الوعد بتزويجه إياها، وحتى يعلم حقيقة ما عند زيد بالنسبة لها من ميل إليها ورغبة فيها أو عزيمة باتة في إرادة طلاقها.
وعلى هذا القدر في الخطأ في الاجتهاد عاتب الله تعالى رسوله - ﷺ - عتابًا تحذيريًا.
وبهذا القول -الذي تعطيه التلاوة من أن الذي أخفاه النبي - ﷺ - هو إعلام الله له أنَّهَا ستكون زوجة له بعد طلاقها منْ زيد- قال جمهور السلف ومنهم علي بن الحسين -زين العابدين- والزهري والسدي والمحققون من أهل التفسير والعلماء الراسخون والقاضي بكر بن العلاء وابن العربي والقرطبي والقاضي عياض في الشفاء والقسطلاني في المواهب والزرقاني في شرحها وغيرهم ممن يعنون بفهم الآيات القرآنية وفقهها وتنزيه الرسل عما لا يليق بهم من الروايات البعيدة عن منطق الحق والواقع.
[ ٢٦٦ ]
(احتمالات ما يدل عليه الخطاب بهذه الآية الكريمة)
ثم قال تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) وهي جملة حالية جاءت لتؤكد ما تضمنته جملة الحال الأولى (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) لأن الإخفاء المعاتب عليه كأنه خشية من الناس لا تصلح أن تكون من رسول الله - ﷺ - في مقامه العظيم، فجاءت الجملة الثانية (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) لتؤكد هذا المعنى، وتبعث رسول الله - ﷺ - على المسارعة إلى الأخذ بما كان قد أعلم به أولًا حين أنجز له بقوله (زَوَّجْنَاكَهَا).
وفيها احتمال ثان وهو أن يكون عطف جملة (وَتَخْشَى النَّاسَ) على جملة (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) من باب عطف السبب على المسبب، فإن إخفاء الإعلام بتزويجها له، وعدم الإسراع إلى إعلان ما أعلمه الله به وقوله لمولاه زيد " أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ " إنما كان سببه خشية قالة الناس من المنافقين ومرضى القلوب وأعداء الإسلام من اليهود والمشركين، لما في توهم من التشهر به من صد للناس الراغبين فِي دخول الإسلام وزعزعة لقلوب حدثاء الإيمان من أهل الإسلام.
وفيها احتمال ثالث يجعلها مستقلة بمعناها، والعطف فيها من عطف جملة على جملة كل منهما تفيد معنى مستقلًا وهو حمل معنى لفظ الناس في قوله تعالى (وَتَخْشَى النَّاسَ) -كما قال بعض المفسرين- على المؤمنين خشية أن يفتتنوا بما يقع من زواج رسول الله - ﷺ - بمطلقة دعيه لأن عدم زواج مطلقة الدعي كان عادة متأصلة في النفوس عميقة الجذور، وكان في المؤمنين حدثاء الإسلام من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم فكانت خشية رسول الله - ﷺ -
[ ٢٦٧ ]
على المؤمنين رحمة بهم أن يلقي الشيطان في أنفسهم شيئًا يأثمون به ويهلكون.
وإنما أوثر تعدية فعل الخشية إلى مفعوله بنفسه على هذا الوجه -دون تعديته بلفظ على المناسب للظاهر من الكلام- تضمينًا للفظ الخشية معنى الحذر بمعنى تحذر فتنة الناس -أي المؤمنين- فترحمهم أن يقعوا في الفتنة.
ونظير هذا -في الخشية على المؤمنين أن يفتنوا- ما ورد في الحديث الصحيح مما رواه البخاري من أن صفية بنت حيي أم المؤمنين زوج النبي - ﷺ - أتت تزور رسول الله - ﷺ - في معتكفه فتحدثت إليه ساعة ثم أرادت الإنصراف فقام معها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة " مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله - ﷺ - فقال لهما النبي - ﷺ -: " على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي " فقالا: سبحان الله يا رسول الله.
وكبر عليهما، فقال النبي - ﷺ -: " إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا ".
قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: - " إنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنا به التهمة فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئًا يهلكان به ".
فهذه الخشية كانت من قبيل الرحمة والإحسان إلى المؤمنين ليحفظ - ﷺ - عليهم إيمانهم كما تضمنه كلام الإمام الشافعى.
[ ٢٦٨ ]
ولعل هذا الوجه من أحسن ما تنزل عليه الآية الكريمة لأنه اللائق بما جُبل عليه رسول الله - ﷺ - من الرأفة والرحمة، وبما كان في المسلمين من حدثاء الإسلام الذين لم تتعمق جذور الإيمان في قلوبهم بعد، فخشي رسول الله - ﷺ - عليهم ذلك.
* * *
(ما كان يخشاه من الناس)
وحمل خشيته - ﷺ - من الناس على الخوف من كلام المشركين والمنافقين
واليهود، وما يرمونه به - ﷺ - من أقوال سيئة تسيء إليه - ﷺ - برده ما تعالم
وعرف في تاريخ تبليغه الرسالة على مدى مدة الإقامة في مكة -وكان ثلاثة عشر عامًا- وما مضى من مدة قدومه - ﷺ - المدينة إلى حين وقوع قصة زيد وزينب -وهي قد وقعت في السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة- من مناهضة الكفر والشرك والوثنية وطغيان ملأ قريش وعتوهم وفجور سفهائهم من مواقف حفظها تاريخ السيرة النبوية المطهرة من صبر على البلاء ومجابهة للأعداء في أحداث ووقائع كثيرة تدل -قطعًا- على أن النبي - ﷺ - ما كان في حياته المباركة يخشى أحدًا غير الله تعالى، ولا يقيم وزنًا لأقوال الناس فيه وأفعالهم معه حتى رفع لواء العقيدة خفاقًا في آفاق الأدلة والبراهين التي جعلت من العقيدة التوحيدية بنيانًا راسخًا وطيد الدعائم لا يستطع -والحمد لله- أحد من الناس أن يخدشه بسوء.
ولم يهاجر رسول الله - ﷺ - من مكة إلى المدينة حتى كان بنيان العقيدة التوحيدية شامخًا يراه كل من ينظر إليه من قريب أو بعيد.
وفي مهاجره - ﷺ - لقي من أعداء الإسلام اليهود والمنافقين وبقايا المشركين ما لا يقل فى عنفوانه وعتوه عن فجور مشركي مكة فلم يحفل به ولا خشي أحدًا من الناس بل نصب لأعدائه الحرب حتى قضى عليهم
[ ٢٦٩ ]
جميعًا، وانفرد الإسلام عزيزًا منصورًا يمشي في تبليغ رسالته إلى أطراف الجزيرة العربية وإلى خارجها.
ولو لم يكن من صور صبره - ﷺ - على سفاهة السفهاء وقالة السوء من أعدى أعداء الإسلام المنافقين واليهود إلا صبره في قصة الإفك، ومقابلة ذلك بأرسخ اليقين، والثقة في الله تعالى، وعدم المبالاة بتقول المتقولين وافتراء المفترين لكفاه - ﷺ - ذلك في مواقف مفاخره بالاعتصام بالله وإفراده وحده بالخشية منه دون خشية أحد من خلقه.
ثم قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) وهذا تفريع على جملتي الحال السابقتين في قوله (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) وقوله (وَتَخْشَى النَّاسَ) على ما ذكرنا من الوجوه في معنييهما والمراد منهما. وهما في ارتباطهما كأنهما جملة واحدة تضمنتا أن النبي - ﷺ - أخفى في نفسه إعلام الله له أن زينب بنت جحش ستكون زوجًا له بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها منه.
ومعنى قضاء الوطر منها: هو عدم الرغبة فيها وعدم الميل إليها وبذلك حلت لك فزوجناكها.
والوطر في الآية الكريمة ما يكون بين الزوجين وهو متضمن معه انتهاء الحب والمودة والرحمة والسكون والميل إليها وتعلق نفسه بشيء منها.
وحيث انتهى ذلك كله لم يبق إلا تنفيذ ما أعلمناك به من زواجك بها.
[ ٢٧٠ ]
وهنا أبرز زيد - ﵁ - باسمه ولم يبرز بوصف الإنعام عليه من الله تعالى ورسوله - ﷺ - كما جاء في صدر الآية -لأنه حينئذ- أي بعد انقضاء الوطر منها - لم يبق للوصف ما يدعو إلى وجوده لما في التزوج بها من تأكيد رفع وإبطال البنوة المدعاة.
* * *
(التشريع المقصود بهذه الآية الكريمة)
ثم قال تعالى (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) وهذا الباب القصة وقلبها، وتشريعها المقصود الأهم منها، وكل الذي سبق كان تمهيدًا لها فكأنما قيل: زواج زيد بزينب وقضاء وطره منها، ووقوع النفرة بينهما وذهاب الرغبة منها والميل إليها من قلبه وتزويج الرسول - ﷺ - بها إنما كان تمهيدًا لهذا التشريع الذي يمتد مع الأمة في خلودها والرسالة في عمومها وتفنى الأشخاص ويبقى هذا التشريع قائمًا ينادي على عظمة الإسلام في مساواته بين الناس أجمعين، وقطع جذور أباطيل الجاهلية فيما ابتدعوه من عادات وقبائح سيئة لا تعبر عن حقيقة واقعة أبطها الله تعالى في صدر هذه السورة بقوله تعالى (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ).
وألزم الله رسول - ﷺ - في هذه الآية الكريمة - بقوله (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا. . . . .) - بالتزوج من زينب بنت جحشن مطلقة دعيه ليكون - ﷺ - حامل راية تقل إبطال هذه العادة الجاهلية لأن ذلك من أمور التشريع
[ ٢٧١ ]
والتبليغ عن الله تعالى إبقاء على التأسي به - ﷺ - لأمته إلى يوم القيامة.
وقد ختمت هذه الآية الكريمة بقوله تعالى (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) بيانًا لأن ما يريده الله تعالى ويقضي به لابد أن يقع وتشهده الحياة في أحداثها ووقائعها تطبيقًا لما شرعه الله تعالى لعباده المؤمنين.
* * *
(التنويه بزيد بن حارثة ووجه ذلك)
ويلاحظ أن زيدًا ذكر في هذه الآية الكريمة ثلاث مرات:
الأولى: بالوصف الخاص به الذي لا يكون لغيره وهو تزاوج الإنعام عليه من الله تعالى ومن رسوله - ﷺ - حتى كأنهما شيء واحد.
وقد كان الإنعام عليه من الله تعالى بالهداية للإيمان والإنعام عليه من رسول الله - ﷺ - بالعتق والحرية والمحبة وحسن التربية.
الثانية: ذكر باسمه العلم (زيد) العين له.
الثالثة: في ضمن العموم المدلول عليه بقوله تعالى (فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) إذ كان دعيًا لرسول الله - ﷺ - قبل ذلك.
وفي هذا من اللطائف -فوق العناية بزيد والخفاوة به- أن ذكره بوصف الإنعام عليه يحمل في طياته الإشارة إلى ما في القصة من نوع إنعام الله عليه بتزويجه من زينب بنت جحش في مكانها من قريش وتعززها بنسبها وحسبها وقربها من رسول الله - ﷺ - لكونها بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب.
وإن ذكره باسمه يحمل في طياته اختصاصًا له بهذا المقام لا يمكن أن يشركه فيه غيره، لأن أدنى مراتب العلمية منع المشاركة في حقيقة ما تدل عليه.
[ ٢٧٢ ]
وإن ذكره في ضمن العموم المعلل بنفي الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم يحمل في طياته أن زيدًا - ﵁ - كان سببًا في هذا التشريع العام الذي رفع عن الأمة الحرج والضيق فيما كانت الأمة تكرهه وتضيق به ذرعًا.
ولما قضى الله تعالى في غيبه زواج رسول الله - ﷺ - بزينب بنت جحش بعد قضاء زيد منها وطرًا أعلمه الله تعالى بذلك كما هو صريح في الآية (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) فأسرع رسول الله - ﷺ - إلى تنفيذ أمر ربه معلنًا له غير مبال بتقول المتقولين وأباطيل الكاذبين فدخل عليها زوجًا بتزويج الله له إياها.
* * *
(رد الله تعالى عن رسوله - ﷺ -)
وعندئذ اشرأب النفاق والخبث اليهودي والضغن الوثني فقالوا عن رسول الله - ﷺ - من قالة السوء ما أوحت به إليهم شياطينهم من كونه - ﷺ - تزوج زوجة ابنه وكان يحرمها، فضاق بذلك النبي - ﷺذرعًا وحزن لإشاعة هذه الأباطيل، فتولى الله تعالى الرد على أعدائه أكاذيبهم ومزاعمهم الباطلة فقال تعالى (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا (٣٩».
وهذا كالبيان لقوله تعالى -في أول السورة- (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) لأن قوله تعالي (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ) صريح في نفي الحرج عن النبي - ﷺ - في إتيانه ما شرع الله له وأجازه له من تزويجه بزوجة دعيه الذي ليس له من صلة البنوة
[ ٢٧٣ ]
الصلبية أي شىء من قريب أو بعيد.
* * *
(وجه تقديم نفي الحرج عن المؤمنين على نفيه عن النبي - ﷺ)
ونفى الله الحرج عن النبي - ﷺ - بقوله تعالى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ) وإن كان متأخرًا في ترتيب التلاوة عن رفع الحرج عن المؤمنين بقوله تعالى: (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) إلا أنه -أي رفع الحرج عن النبي - ﷺ - -كالمتقدم في الواقع على نفي الحرج عن المؤمنين لأن زواج النبي - ﷺ - بمطلقة دعيه كان السابق على كل زواج بمطلقة دعي فكان التطبيق العملي لرفع الحرج عن المؤمنين في التزوج بزوجات الأدعياء.
ونفى الحرج عن النبي - ﷺ - نفي للحرج عن أمته ما لم يدل دليل على الاختصاص، ولا دليل هنا على ذلك.
وإنما سبق نفي الحرج عن المؤمنين -في ترتيب التلاوة- نفي الحرج عن النبي - ﷺ - لما في نفى الحرج عن المؤمنين من الإشعار بعموم الحكم الشامل لأفراد الأمة في جميع أزمانها وأجيالها.
* * *
(رفع الحرج عن المجتمع المؤمن بإبطال عادة التبني)
وفي التعبير بالحرج في قوله (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) دليل على أن المجتمع المؤمن قد ضاق ذرعًا بهذه العادة الجاهلية وحرج من بقائها تُلْقى عليه جرانها وما يستتبعها من دخول الدعي على زوجة متبنيه وعلى بناته من كشف الحرمات بدخوله عليهن واختلاطه من اختلاط الابن والأخ فيرى منهن ما لا يراه غيره من العورات والمفاتن والمحاسن مما قد يكون سببًا لأفدح الأضرار وإذهاب الغيرة وفتح باب الفساد والإفساد في المجتمع.
[ ٢٧٤ ]
ومما يؤيد ضيق المجتمع من ذلك أن أبا حذيفة - ﵁ - كان قد تبنى سالمًا ولكنه ضاق نفسًا من دخوله على أهله لما كبر سالم وبلغ مبلغ الرجال فلما أحست زوجته سهلة بنت سهيل ﵂ منه ذلك جاءت إلى رسول الله - ﷺ - فيما يرويه الإمام مسلم عن عائشة ﵂ - فقالت: " يا رسول الله والله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم " قالت عائشة: فقال رسول الله - ﷺ -: " أرضعيه " فقالت: " إنه ذو لحية ". فقال: " أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة " فقالت: " والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة " وإرضاع الكبير كان خاصًا لسالم وليس لأحد من بعده ".
وقوله تعالى: (فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ) معناه: فيما شرع الله له و" أحله له " كما قال قتادة في رواية الطبري عنه.
وهذا الحل يشير إلى أنه كان قبله حظر ومنع. والحظر الذي كان هنا لم يكن حظرًا شرعيًا بل هو ما كان عليه أهل الجاهلية من تحريم لزوجة الدعي بزعمه ابنًا عندهم.
فالله تعالى قال لنبيه - ﷺ - هذا الحظر من الأباطيل التي لم تشرع في دينك ورسالتك والله تعالى شرع لك فيها ما أحله لك ولأمتك من التزوج بزوجة الدعي بعد فراقه إياها وانتهاء عدتها منه.
[ ٢٧٥ ]
وهذا على خلاف قوله " فرض عليك " فإنه مشعر بالإلزام والإيجاب.
ثم قال تعالى: (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) ويعني بسنة الله: طرائقه في شرائعه لأنبيائه ورسله السابقين من كل ما أحله لهم ولأممهم عمومًا، ويدخل فيه ما حظرته أباطيل الجاهلية وهو حلال في شرائع الله تعالى.
ثم بيّن تعالى أن تشريع الله وأوامره ونواهيه القضائية في قدره حق واقع لا يتخلف فقال (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا).
ثم بيّن تعالى أن (الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) -أي الرسل الذين سبقوا الرسول محمدًا - ﷺ - برسالاتهم وأنه شرع لهم في شرائعهم ما أحله الله لهم ولأممهم فكانوا يبلغونه إلى أممهم، لأنه من رسالات الله التي أوجب الله عليهم تبليغها لهم- لم يخافوا أحدًا غير الله في تبليغ ما أنزل إليهم مهما كان فيه من حرج جاهلي وشدة في التبليغ وإبطال لعادات ألفها الجاهليون وقاموا عليها حياتهم. فقال تعالى في وصفهم (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ).
وهذا معناه: أنهم القدوة في سنن الله وشرائعه وتبليغها إلى أممهم دون خوف أو خشية من أحد كما قال تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).
[ ٢٧٦ ]
فهو من قبيل الإرشاد والتربية لرسول الله - ﷺ - في أن يكون في تبليغ أوامر الله تعالى وشريعته إلى أمته على سنن إخوانه الأنبياء والمرسلين لا يخشى في التبليغ أحدًا إلا الله.
وليس في هذا إشارة من قريب أو بعيد تفيد أن النبي - ﷺ - خشي - في تبليغه رسالات الله أحدًا غير الله.
ثم قال الله لرسوله - ﷺ - إن الله تعالى هو المختص بمحاسبة الضمائر والقلوب على ما تضمر وتُكِن، والجوارح على ما تعمل فقال (وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا) ومعناه: أن الخوف والرجاء لا يكونان إلا من الله ولله تعالى وليس لأحد من الخلق دخل في رجاء أو خوف، لأنَّهم لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا.
فالذي قاله المنافقون وخبثاء اليهود، ونفايات الناس أهل الوثنية - من قالة السوء، وإشاعة الأباطيل عن رسول الله - ﷺ - في زواجه بزينب التي كانت زوجًا لزيد بن حارثة: قد تزوج زوجة ابنه وكان يحرمها - باطل.
وقد رد الله عليهم قالتهم وأكاذيبهم وجهالتهم وقولهم على الله غير الحق بقوله (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) بيانًا لأن التحريم الذي كان ينادي به رسول الله - ﷺ - وما زال، وأنزله الله عليه في شريعته إنما هو في زوجة الابن الصلبي النسبي الذي جاء في قوله تعالى: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) وليس الدعي ابنًا صلبيًا نسبيًا، وإنما كان ابنًا ادعائيًا، فالنبي - ﷺ - لم يكن أبًا
[ ٢٧٧ ]
لأحد من رجالهم أبوة صلبية نسبية حتى يحتج بها في تحريم زوجة الابن الدعي.
وفي أسلوب الآية ما يشعر بالعموم الشمولي الذي ينفي كل أبوة صلبية للنبي - ﷺ - عن أي فرد من أفرادهم، وذلك بدلالة التنكير في قوله (أبا) و(أحد) والإضافة في قوله (من رجالكم).
ثم أثبت للنبي - ﷺ - ما يثبت له أبوة التقديس والاحترام والتوقير -كإثبات الأمومة لأمهات المؤمنين في قوله تعالى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) - فقال تعالى مستدركًا على العموم السابق: " وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ " فكل رسول أب لأمته في الاحترام والتقديس والتوقير، وإلى هذا يشير قوله تعالى (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وقد قيل في بعض التفاسير وكتب الحديث إنه قرئ " وهو أبٌ لهم " وهذا محمول على أنه تفسير الأولوية في قوله (أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ).
والرسالة إذ يلزمها ذلك فهي عامة الترابط لكل مؤمن برسول الله - ﷺ -، فالاستدراك جيء به لإثبات هذه الرابطة العامة بكل مؤمن وهى في حقيقتها أعظم وأجل من رابطة الأبوة لأن الله تعالى قال في حق رسول الله - ﷺ - بالنسبة للمؤمنين (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) فخصه - ﷺ - بذلك، بعد وصفه بالرسالة في هذه الآية نفسها بقوله (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)
[ ٢٧٨ ]
ليحقق هذا الترابط الشامل للأمة في حاضرها، ومستقبلها إلى يوم القيامة، لأن النبي - ﷺ - أسوة دائمة لأمته، وقدوة لها في جميع ما تأتي به من خير أو تذر من شر، وهذا إنما كان مستمدًا من رسالته وشريعته في عمومها وخلودها.
ثم قال تعالى: (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) ليبين أن هذه الرابطة بينه - ﷺ - وبين جميع المؤمنين لا تقتضي وراثة في النبوة ليقطع جذور إدعاء أحد من أمته النبوة من بعده اعتمادًا على رابطة الأبوة بالرسالة وبيانًا لأنه - ﷺ - لا نبي بعده يستدرك عليه وعلى شريعته شيئًا من الأحكام والتشريع، لأن ختم النبوة يستلزم حتمًا ختم التشريع.
وهذا يقتضي باعتبار عموم رسالته وخلودها أن تكون كاملة في أصولها وجميع ما يتفرع عن تلك الأصول لتؤدي إلى الأمة المسلمة وإلى الحياة عامة ما تتطلبه احتياجاتها في سائر الأزمنة والأمكنة والأجيال فتشمل الحاضر والمستقبل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ثم ختم الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) بيانًا لعموم إحاطة علمه تعالى بأحوال عباده، وما يشرعه لهم من شرائع الخير والهدى وجعل رسول الله - ﷺ - هو النبراس الذي يضيء لأمته طريق السير في هدايتها.
بعد هذا العرض للقصة كما تفيدها الآيات الكريمة وسياقاتها نرى أن نعرض في إجمال وإيجاز -ما قيل فيها من اختلاف أقوال العلماء- فأقول:
[ ٢٧٩ ]
(تنزه كثير من أهل العلم عن أقوال القصاص)
ذهب فريق إلى أقوال تنزه بعض المفسرين والمحدثين عن حكايتها لما فيها من عبارات لا يحوطها أدب التعبير مع رسول الله - ﷺ -، وفيها فتح باب لأعداء الإسلام ونبي الإسلام لينفذوا منها - كما هى طرائقهم أن يتصيدوا من ساقط الروايات ومكذوبها ما يطعنون به على الإسلام ونبي الإسلام - إلى قالة السوء والطعن في رسالته - ﷺ - وسمو مقامه، ولولا أن الذين تعرضوا لهذا الاتجاه -وفي مقدمتهم الإمام الطبري في تفسيره والزمخشري ومن تابعه- لهم شهرة بين الأمة ومؤلفاتهم في التفسير وغيره مقروءة، ولها اعتبارها لما أشرنا لشيء من هذا الاتجاه في فهم القصة وآياتها.
* * *
(مذهب السلف إثبات ما أثبته القرآن الكريم)
وذهب فريق من السلف - منهم علي بن الحسين " زين العابدين " والزهري والسدي وغيرهم، وتبعهم على ذلك فريق من العلماء منهم القاضي بكر بن العلاء والقاضي عياض وابن فورك
[ ٢٨٠ ]
وجمع من المحدثين منهم الحافظ ابن حجر والقسطلاني في المواهب والزرقاني في شرحها والحذاق من المفسرين منهم ابن العربي والقرطبي وغيرهم ممن يعنون بفهم الآيات القرآنية في سياقها وطلب الهداية منها وتنزيه الرسل عما لا يليق بهم من الروايات البعيدة عن منطق الحق والواقع - إلى القول بأن ما أخفاه رسول الله - ﷺ - في نفسه وأبداه الله تعالى إنما هو إعلام الله له أنَّهَا ستكون من أزواجه بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها منه كما ذكرناه سابقًا.
وإنما كان العتاب على إخفاء الإعلام بزواجها منه وتلبثه - ﷺ - بعد أن عرض عليه زيد طلاقها - اجتهادًا منه - ﷺ - استجابة لطبيعته - ﷺ -، المجبولة على الرأفة والرحمة وأخذًا بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة والإرشاد إذ لم يعين الله له وقت تزويجه منها، وليتعرف - ﷺ - ما عند زيد بالنسبة إليها من رغبة فيها وميل إليها.
ويحتمل في فهم القصة وآياتها أن رسول الله - ﷺ - استشعر منذ نزلت عليه آية إبطال التبني في قوله تعالى (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ)
[ ٢٨١ ]
الذي يترتب على إبطاله إبطال ما ينتج عنه من أمور وآثار جاهلية.
* * *
(العمل على إبطال التعاظم بالأنساب والأحساب)
وقد نشأ بإبطال التبني أن نزل الأدعياء إلى درجة الموالي وهي أقل في نظر المجتمع مما كانوا عليه حيث أصبحوا أدنى منزلة اجتماعية ممن كانوا في مستواه، فرأى النبي - ﷺ - أنه أول من يطلب منه العمل على إبطال ومحو الفوارق الاجتماعية القائمة على غير ما أنزله الله ومن أهمها وأشدها أثرًا على المجتمع عادة التعالي والتعاظم بالأحساب والأنساب، التي يراها الجاهليون شرعة مرعية في أنكحتهم والظهور في أنديتهم - وعلم رسول الله - ﷺ - أن بقاء هذه العادة الجاهلية مدمر للمجتمع المسلم بما تنشره في النفوس من الأحقاد والضغائن وتقسيمه إلى طبقات يحتقر بعضها بعضًا ويتميز بعضها على بعض غيظًا فلما أن أرسلت زينب بنت جحش الأسدية أختها حمنة إلى النبي - ﷺ - تخبره أن كثيرًا من أصحابه خطبها وهى تشاوره وتستأذنه أن يختار لها ممن خطها من يراه أصلح لها رأى - ﷺ - أن تزويجها بزيد بن حارثة مولاه يحقق أمرين عظيمين صالحين:
أولهما: أن زيد خير ممن خطبها علمًا بكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - فتزويجها إياه يحقق لها عصمة زوجية ونفعًا دينيًا ولذلك قال لأختها: " فأين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها؟ ". قالت حمنة: من؟.
قال: " زيد بن حارثة " فغضبت وقالت: تزوج ابنة عمتك مولاك؟ وعادت إلى زينب، فأخبرتها، فاشتد غضبها وقولها بأكثر مما قالت أختها فأنزل الله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦». قالت
[ ٢٨٢ ]
زينب: فأرسلت إليه: زوجني من شئت فزوجني منه "
وثانيهما: أن تزويج زيد بها - وهي في شرفها ونسبها من قومها في قريش، وقرابتها من رسول الله - ﷺ - عمل عظيم يسديه رسول الله - ﷺ - لأمته يهدم به عادة جاهلية، ويغرس به قاعدة العدالة، والمساواة بين أفراد المجتمع المسلم، حتى لا يتفاضل بالأحساب والأنساب، وليرجع إلى ما أمر الله به من التفاضل بالتقوى والعمل الصالح تحقيقًا لقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) وقوله - ﷺ -: " ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عريى، ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى ".
فزوّجها رسول الله - ﷺ - زيدًا وأمهرها عنه ما ذكرته الروايات، وبهذا وضعت قاعدة المساواة في النكاح بين جميع المسلمين والمسلمات تحقيقًا لقوله - ﷺ -: " إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض " الذي جعل قاعدة المساواة في الدين والخلق، ولا دخل في ذلك للأنساب والأحساب مما كان يبني عليه الجاهليون اعتباراتهم.
[ ٢٨٣ ]
وكان رضاؤها بهذا الزواج لا يعبر عن رغبة قلبية وميل نفسي منها فاشتد لسانها على زيد وتعاظمت وافتخرت عليه بنسبها وحسبها مما جعل الحياة بينهما حياة لا استقرار فيها ولا سكون ولا مودة.
* * *
(بدء التنافر بين قلبي زينب وزيد بن حارثة)
قالت زينب ﵂ وهي تقص خبرها مع زيد: " فأخذته بلساني فشكاني إلى النبي - ﷺ - ققال له النبي - ﷺ -: " أمسك عليك زوجك واتق الله. . ".
وكان النبي - ﷺ - منذ بدأ في نفسه الاستشعار بإبطال ما يترتب على إبطال بنوة الدعي -وأدى هذا الاستشعار إلى إبطال عادة التعالي والمفاخرة بالأنساب والأحساب ورد المؤمنين إلى التفاضل بالدين والتقوى- لا يزال يدور في نفسه ويقوى معه استشعاره بإبطال ما هو أقوى في جذوره الجاهلية من عادة التفاخر بالأنساب والأحساب وهو إبطال عدم صحة زواج المتبنِّي بزوجة دعيه بعد فراقه إياها.
فلما جاءه زيد يشكو إليه زوجه زينب واشتداد لسانها عليه وعدم طاقته الصبر على ما يلقى منها وعرض على النبي - ﷺ - أن يطلقها فقال له النبي - ﷺ -: " أمسك عليك زوجك واتق الله " - أخذًا بما جُبل عليه - ﷺ - من الرحمة والرأفة وتلبثًا لمعرفة ما عند زيد نحوها، وهل شكايته منها فورة غضبية لعلها تزول، أو تسكن وتهدأ بإحسان العشرة منها، أو أنها عزيمة لا تردد فيها ولا محيد عنها، وأن ثورة المصاعب في هذا الزواج وتصاعد النزاع بين زيد وزينب واشتعال نار الخلاف بينهما لن تهدأ - عرف ﵊ أن عشرتهما لن يكتب لها الدوام ما احتفت بهذه المصاعب لعدم توافقهما في الحياة الزوجية لنفور زينب من زوجها زيد وكرهها
[ ٢٨٤ ]
للعيش معه وعدم استطاعة زيد على الصبر عليها لتناولها إياه بلسانها، فرأى - ﷺ - أنه إن طلقها زيد فسيتزوجها ﵊ ليهدم بزواجه منها -بوصفها مطلقة دعيه زيد- عادة الجاهلية التي تمنع تزوج المتبنِّي بمطلقة الدعي ويتحمل - ﷺ - ثقل إزالة هذه العادة رفعًا للحرج عن المؤمنين في التزوج بمطلقات الأدعياء حيث قد يسر الله تعالى بقضائه وقدره سبيل هدمها على يديه بتطليق زيد دعيه لزوجه زينب، لأن إبطال عادة التبني -قبل تزوج زيد بزينب- يستلزم إبطال جميع ما ينتج عنها من آثار وفي مقدمتها إبطال منع التزوج بمطلقة الدعي.
ولما ضاق زيد ذرعًا بالعيش مع زينب ﵄ ولم يبق له وطر فيها عاد إلى النبي - ﷺ - يشكوها إليه وققال: " أنا أطلقها " فطلقها وبتَّ طلاقها.
ولما انقضت عدتها أرسل رسول الله - ﷺ - زيدًا إليها يخطبها عليه فنزل القرآن بتزويجه - ﷺ - بها قبل أن يعود زيد من خطبتها فقام رسول الله - ﷺ - ودخل عليها زوجًا لها تنفيذًا لأمر الله تعالى فِي قوله تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧».
* * *
(الله المزوِّج وجبريل الشاهد)
قالت زينب -كما في سنن البيهقي- حين دخل عليها رسول الله - ﷺ - زوجًا لها: " هذا أمر من السماء " وقالت: " يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة؟ " فقال: " الله المزوج وجبريل الشاهد ".
[ ٢٨٥ ]
ويدل لصحة هذا ما رواه البخاري عن أنس - ﵁ - قال: " كانت زينب تفخر على أزواج النبي - ﷺ - تقول: " زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات " وما رواه مسلم من أن رسول الله - ﷺ - " دخل عليها بغير إذن " حين نزل القرآن بتزويجه إياها.
* * *
(الخير العام في كل من زواج زييد بن حارثة بزينب بنت جحش وطلاقه لها)
وهكذا كان زواج زيد بزينب خيرًا في أوله حين قضى ومحا الفوارق القائمة على التعالي بالأحساب والأنساب " وذلك أن الموالي تزوجت في قريش، وتزوج زيد بزينب، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير، وزوّج أبو حذيفة سالمًا من هند بنت عتبة بن ربيعة وهو مولى لامرأة من الأنصار ".
وكان طلاق زيد لزينب خيرًا كبيرًا أيضًا حيث كان سببًا لإبطال عادة الجاهلية التي تمنع تزوج المتبني بمطلقة دعيه، أو أرملته.
وحينئذ يكون ما أخفاه رسول الله - ﷺ - في نفسه وعوتب عليه هو استشعاره - ﷺ - من تمكنه من إبطال عادة عدم صحة تزوج المتبني بمطلقة دعيه بمجيء زيد شاكيًا زوجه زينب ويعرض طلاقها دون أن يكون له - ﷺ - دخل قلبي سوى إرادة تحقيق ما أراده الله تعالى من زواجه بزوجة دعيه -التي قضى وطره منها- لرفع الحرج عن المؤمنين في التزوج بمطلقات الأدعياء.
[ ٢٨٦ ]
فإن قيل: إذا كان رسول الله - ﷺ - قد أراد تحقيق ما أراده الله تعالى بإبطال عادة جاهلية ففيم يكون العتاب؟.
فالجواب أن العتاب كان على التأخير بقوله لزيد أمسك عليك زوجك.
* * *
(آية آخرى في عتاب التحذير)
ومن الآيات التي هي من هذا النوع من العتاب أول آية من سورة التحريم وهي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١».
والبحث في هذه الآية الكريمة يقع في موضعين منها:
الموضع الأول: في بيان المراد بهذا التحريم الذي وجه الإنكار إليه.
الموضع الثاني: فيما حرمه النبي - ﷺ - على نفسه فخاطبه الله تعالى بهذا الخطاب لذلك التحريم الذي صدر منه - ﷺ -.
أما الموضع الأول -وهو ما المراد بالتحريم في هذه الآية؟ - فإنا نقول: أن المعنى الأصلي لمادة (حرم) في اللغة " هو المنع والتشديد " كما قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة.
وقد ورد التحريم بهذا المعنى في القرآن الكريم في آيات منها قوله تعالى (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي: " منعنا موسى المراضع أن
[ ٢٨٧ ]
يرتضع منهن من قبل أمه "، وقوله تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ). أي " منعه من دخولها ".
* * *
(المنع المحرم وغير المحرم)
وعلى ذلك فمن منع نفسه من شيء كان له التمتع به فعلًا كان أو قولًا أو غير ذلك فقد حرم نفسه من ذلك الشيء أي منعها منه، ما لم يؤد هذا المنع إلى ضرر شرعى يلحق بالشخص المحرم على نفسه أو بغيره ممن له علاقة به فحينئذ يصير المنع والتحريم بذلك منعًا وتحريمًا شرعيًا، وهذا كالذي رواه البخاري عن أنس - ﵁ - أن رهطًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - منعوا أنفسهم وحرموها من التمتع بأمور كان لهم حق التمتع بها، لكن هذا المنع أدى إلى ضرر بالنفس وبالغير فإن منه المنع من إتيان النساء وهذا يضر بالزوجة بل يضر بالزوج نفسه، وهكذا في كل ما ذكر مما منعوا أنفسهم منه، ولهذا أباه رسول الله - ﷺ - وقال لهم: " أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
وهذا دليل على أن المنع والتحريم أصبح منعًا وتحريمًا شرعيًا ليس لأحد من الخلق أن يقدم عليه إلا بتشريع من الله تعالى، بل قوله - ﷺ - " إني لم أومر بالرهبانية " وقوله " إن الرهبانية لم تكتب علينا " يدل على أن
[ ٢٨٨ ]
هذا تحريم شرعى إذ منع النفس من هذه الأشياء منع لها مما كان مباحًا شرعًا.
ويرشح هذا ما ورد في بعض الروايات أنَّهم أرادوا بهذا المنع التشبه بالقسيسين والرهبان كما جاء ذلك عن ابن عباس ﵄ وعن السدي فيما أخرجه الطبري عنهما في تفسيره. ويؤيده هذا ما رواه البخاري عن أبي جحيفة عن أبيه قال: " آخى النبي - ﷺ - بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال، كُلْ، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حى تأكل، قال:. فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال له سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا. فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا. فأعطِ لكل ذي حق حقه، فأتى النبي - ﷺ -، فذكر ذلك له فقال النبي - ﷺ -: " صدق سلمان ".
أما الحرام في الشرع فإنه ما طلب الشارع من المكلف الكف عنه على وجه الحتم والإلزام كما عرفه الأصوليون بذلك.
[ ٢٨٩ ]
(التحليل والتحريم خاص بالله)
فإذا ما حرم الله تعالى شيئًا فليس لأحد من كان أن يحله، لأن التحريم حكم الله تعالى وشرعه لعباده، وهو العليم بخفايا الأشياء والأفعال ومضارها، فيحرم منها ما يشاء، ويحل منها ما يشاء، فإذا أحل الله شيئًا فلا محرم له من بعده وإذا حرم شيئًا فلا محل له من بعده.
ومن ذلك يعلم أن النبي - ﷺ - لم يحرم على نفسه شيئًا تحريمًا شرعيًا مما كان الله تعالى قد أحله له، لأنه - ﷺ - لا يملك ذلك ولا يخالف لله تعالى أمرًا ولا نهيًا لعصمة الله تعالى له من ذاك كله.
فلم يبق إلا أن يتوجه التحريم المخاطب به النبي - ﷺ - في هذه الآية إلى المعنى اللغوي -وهو الامتناع كما قال به حذاق المفسرين- إذ هو الأصل أولًا، ولامتناع صدور المعنى الشرعي منه - ﷺ - في المراد بالتحريم في هذه الآية ثانيًا.
* * *
(ما يدل عليه تصدير الآية بندائه بوصف النبوة)
فيكون معنى الآية على هذا -وقد صدرت بندائه - ﷺ -، بوصف النبوة تشريفًا لمكانه وتعظيمًا لمقامه- يا أيها النبي لم تمنع نفسك وتحرمها من الاستمتاع بما أحله الله لك مما لك فيه رغبة ومتعة ونفع بما يشق عليك من حرمان نفسك حقها مما أحللناه لك من متعة الحياة وزهرتها.
أما ما حرمه النبي - ﷺ - على نفسه فمنعها منه فجمهور المفسرين على أنه سريته مارية القبطية أم ولده إبراهيم - ﵇.
[ ٢٩٠ ]
وهو ما صدر به ابن كثير تفسيره لهذه الآية الكريمة، واستدل بما رواه النسائي عن أنس - ﵁ -: " أن رسول الله - ﷺ - كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه فأنزل الله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١».
وقد أورده الحافظ ابن حجر -في الفتح- فقال: " وقد أخرج النسائي بسند صحيح - فذكره ثم قال: وهذا أصح طرق هذا السبب وله شاهد مرسل أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي الشهير قال: أصاب رسول الله - ﷺ - أم إبراهيم ولده في بيت بعض نسائه فقالت: يا رسول الله في بيتي وعلى فراشي، فجعلها عليه حرامًا. فقالت: يا رسول الله كيف تحرم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها فنزلت (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ).
ثم ساق ابن كثير تعزيزًا لهذا الرأي قول زيد بن أسلم نقلًا عن الطبري -كما نقله عنه الحافظ ابن حجر حسبما ذكرناه آنفًا- وعزز بما أخرجه الهيثم بن كليب في مسنده بسنده إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ - لحفصة: " لا تخبري أحدًا وإن أُم إبراهيم عليَّ حرام " فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: " فوالله لا أقربها " قال:
[ ٢٩١ ]
فلم يقربها حتى أخبرت عائشة ". قال فأنزل الله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ).
قال ابن كثير تعليقًا على هذا الحديث وتعزيزًا له: " وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه المستخرج ".
وقد نقله الحافظ ابن حجر -في الفتح- عن الضياء المقدسي من المختارة وأيده بما أخرجه الطبراني -في عشرة النساء- وابن مردويه عن أبي هريرة - ﵁ - قال: " دخل رسول الله - ﷺ - بمارية بيت حفصة فجاءت فوجدتها معه فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي دون نسائك " - قال ابن حجر: " فذكر نحوه " أي نحو حديث عمر المتقدم.
ثم قال الحافظ ابن حجر في ترجيحه بين الأقوال التي قيلت فيما حرمه النبي - ﷺ - على نفسه: " والراجح - ﷺ - من الأقوال كلها قصة مارية لاختصاص عائشة وحفصة بها بخلاف العسل فإنه اجتمع فيه جماعة منهن ".
[ ٢٩٢ ]
واختيارات الضياء المقدسي -التي نقل عنها كل من الحافظين ابن كثير وابن حجر حديث عمر السابق- يقول عنها الإمام ابن تيمية: " إن أحاديث المختارة أصح وأقوى من أحاديث المستدرك ".
* * *
(ما حرمه النبي - ﷺ - على نفسه)
ثم ذكر ابن كثير حديث الطبراني - عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) قال: " حرّم رسول الله - ﷺ - سريته ".
وظاهر الآية الكريمة يعزز هذا القول لأن " ما " في قوله تعالى: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) وتعليل التحريم بقوله عز شأنه (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) يدل على أن المحرم شيء من جنس ما يُبتغَى به مرضاة الزوجات ويتوصل به إلى قلوبهن في الاستمتاع، وعدم تحريمه بالامتناع عنه يثير في أنفسهن الغيرة، وإن كان المحرم ليس بداخل في الزوجات بوصف الزوجية لكنه مشارك لهن في وجود الاستمتاع به لتحققه فيه كتحققه فيهن، وذلك يناسبه أن يكون المحرم المتنع عنه سريته مارية أم ولده إبراهيم - ﵇ - التي أحل الله له - ﷺ - الاستمتاع بها، وكانت تثير في أنفس الزوجات الطاهرات الغيرة منها، وتحريمه إياها على نفسه وامتناعه عنها أشد مرضاة لهن وأدعى لسرورهن.
ويؤيد هذا أن في لفظ " لك " من قوله تعالى: (مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) من معنى الخصوصية ما يدل على أن المحرم من تعلقت به هذه الخصوصية
[ ٢٩٣ ]
- وهي سريته - ﷺ - إذ لا خصوصية في غيرها من العسل ونحوه.
وهذا التعزيز مال إليه جمهور المفسرين الذين قالوا: إن الذي حرمه النبي - ﷺ - على نفسه هو مارية القبطية أم ولده إبراهيم.
قد ذكر هذا ابن الجوزي في تفسيره -زاد المسير- وأسنده إلى بعض أئمة السلف والأكثرين من المفسرين فقال: " وإلى هذا المعنى - أي تحريم مارية على نفسه - ﷺ - ذهب سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومسروق ومقاتل والأكثرون ".
وممن مال إلى هذا القول -أيضًا- ابن العربي في تفسيره لآيات الأحكام حين قال: " وأما ما روي أنه حرم مارية فهو. . أقرب إلى المعنى ".
ولعل ابن العريى يقصد بالأقربية إلى المعنى أن هذا التحريم قد علل في الآية الكريمة بابتغاء مرضاة الزوجات، وهذا ما صرح به الجصاص في أحكام القرآن بقوله ". . . الأظهر أنه حرم مارية، وأن الآية فيها نزلت لأنه قال (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) وليس في ترك شرب العسل رضا أزواجه، وفي ترك قرب مارية رضاهن ".
وإلى هذا الترجيح مال جمال الدين القاسمي في تفسيره -محاسن التأويل- حيث قال: " والذي يظهر لي هو ترجيح روايات تحريم الجارية في سبب نزولها وذلك لوجوه:
[ ٢٩٤ ]
منها: أن مثله يبتغى به مرضاة الضرات (١) ويهتم به لهن.
ومنها: أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه ابتغاء مرضاتهن بل فيه أنه حلف لا يشربه أنفة من ريحه. . . ".
وذهب جمهور المحدثين إلى أن المحرم الممتتع عنه هو العسل وحجتهم في ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
والروايات عندهما متفقة على أن ما حرمه النبي - ﷺ - على نفسه ومنع نفسه منه - ﷺ - هو العسل، ومختلفة في التي شرب عندها العسل من زوجاته.
وأكثرها أن التي شرب عندها العسل هي زينب بنت جحش، ويليها أن التي شرب عندها هي حفصة.
وهناك روايات صحيحة الإسناد -كما يقول السيوطي في الدر- لكنها لم ترد في الصحيحين تذكر أن التي شرب عندها العسل هي سودة بنت زمعة ﵂.
_________________
(١) وهو يقصد بالضرات الزوجات وإن كانت السرية ليست ضرة بالمعنى الشرعي وإنما هي ضرة في الواقع النفسى لهن.
[ ٢٩٥ ]
وعزا الحافظ ابن حجر -في الفتح- مثل هذا القول إلى الطبراني وابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس وقال: " ورواته موثقون ".
ودعواه بأن أبا عامر -أحد رواة هذا الحديث عند الطبراني وابن مردويه- " وهْمٌ فِي قولة سودة " دعوى لم يقم عليها دليلًا، سوى أنها نحو رواية البخاري التي تذكر أنه شرب العسل عند حفصة.
ولا معنى لتوهيمه الراوي بعد توثيقه إياه، مع أن الروايات مختلفة في التي شرب رسول الله - ﷺ - عندها العسل.
وفي رواية أسندها الحافظ ابن حجر -في الفتح- إلى السدي في تفسيره ونقلها عن الطبري تقول إن التي شرب عندها العسل هي أم سلمة ﵂ وقال: إنها مرجوحة ومرسلة.
وأسند السيوطي -في الدر- مثلها إلى ابن سعد فِي الطبقات عن عبد الله بن رافع.
فهذا الاختلاف في التي شرب النبي - ﷺ - عندها العسل من زوجاته -وهو موجود في الصحيحين في روايات أغلبها متوالية- يدل على الاضطراب مما حمل بعض حذاق العلماء على الترجيح بين هذه الروايات،
[ ٢٩٦ ]
فذهب القاضي عياض والنسائي والأصيلي -فيما نقله عنهم النووي في شرح مسلم- إلى ترجيح رواية أن التي شرب النبي - ﷺ - عندها العسل زينب. وقالوا: إنها أصح. ولم يكلموا في صحة غيرها، والأصحية لا تنافي الصحة، وحينئذ يبقى الحديث على الاحتمال فلا يصلح به القطع في الاستدلال.
ورجح الحافظ ابن حجر ما رجحه هؤلاء الأئمة بأن عائشة وحفصة كانتا متظاهرتين على النبي - ﷺ - على ما جاء عن عمر - ﵁ - فيما أخرجه البخاري في التفسير وفي الطلاق وسبق أن حمل القصة على التعدد جمعًا بين الروايات وبذلك يبقى الاحتمال قائمًا إذ لم يمكنه رفع الاحتمال عن الحديث.
وهذا مما يؤيد ترجيح ما ذهبنا إليه من أن الذي حرمه النبي - ﷺ - على نفسه هو سريته مارية أم ولده إبراهيم - ﵇ -، ويرشح ذلك تعليل التحريم المنكر عليه بقوله (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ).
ووجه الترشيح بهذا أن النبي - ﷺ - في رفعة مقامه وجلال مكانته -نبيًا ورسولًا- قدوة لأمته في جميع ما يقع منه قولًا أو فعلًا أو تقريرًا ما لم يدل دليل على اختصاصه به - ﷺ -، لأنهم مأمورون بمتابعته، وأن متابعته قد جعلها الله تعالى دليلًا على حبه سبحانه في قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ
[ ٢٩٧ ]
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) وفي قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) إذ لو لم يحذر - ﷺ - من التحريم على نفسه مما أحله الله له لكان قد أتانا به.
والمتابعة -في القدوة- قائمة دائمة خالدة مع دوام الرسالة وخلود شرائعها وأحكامها، فلا ينبغي لمن رفع الله شأنه فوق جميع خلقه، وجعله القدوة الحسنة لأمته أن يمنع نفسه مما أحله الله له تطلبًا وابتغاء لمرضاة أزواجه، لأن ذلك مما يشق على أمته في مستقبل حياتها.
وختمت هذه الآية الكريمة -موضع البحث- بقوله تعالى: (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تلطفًا به - ﷺ -، وإشعارًا له بعلو مقامه، وأنه لا ينبغي له وقد حباه الله تعالى بفضله، ورفعه مكانًا عليًا على سائر خلقه أن يكون في مستوى دون مستوى مقامه الرفيع في ترضية أزواجه.
والغفران والرحمة من باب التبشير له - ﷺ - بكمال الطهر والنقاء على حد قوله تعالى (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)، لم يقع منه - ﷺ - ذنب يقتضي الغفران وإنما الذي وقع منه - ﷺ - تنازل منه عن بعض فضله، ورفعة شأنه ترضية لزوجاته وإحسانًا لهن ورحمة بهن.
* * *
(موئل العتاب من هذه الآية)
وبناء على ما تقدم وعلى ترجيح أن الذي حرمه النبي - ﷺ - على نفسه هو سريته مارية القبطة أم ولده إبراهيم يكون العتاب على ما كان منه - ﷺ - من تقديمه رضا أزواجه على ما يختص براحته النفسية ومتعته الجسدية
[ ٢٩٨ ]
وسروره القلبي بمنعه نفسه مما أحله الله له لابتغاء مرضاة أزواجه. فالقيد " تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ " هو محط العتاب في الحقيقة، فكأنه قيل له: يا أيها النبي لم تمنع نفسك وتحرمها مما أحل الله لك من متعة وراحة وسرور تَبْتَغِي بذلك مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ؟.
وليس مجرد منعه - ﷺ - نفسه من المتعة بالمباح محلًا للعتاب لأنه - ﷺ - كثيرًا ما منع نفسه من بعض المباحات -التي ينعم بها الناس ولا سيما في مجال المتعة الجسدية- زهدًا في الدنيا وبعدًا عنها، ولم يحظر عليه ذلك، ولم يعاتبه الله تعالى على شيء من ذلك كله.
وفي ذلك تلميح إلى ما فِي طبائع النساء من قلة رضاهُنّ بما يمنحن من الفضل والعطاء والإحسان.
وفيه -أيضًا- تلميح إلى أن النبي - ﷺ - في مكانته العليا وفضله العظيم أنه ما كان ينبغي له - ﷺ - أن يتنزل -تفضلًا منه وإحسانًا إليهن- بمقامه العظيم عند ترضية أزواجه بتحريم ما أحل الله له، ومنعه نفسه الطاهرة من المتعة والسرور لمجرد إرضائهن.
وإن رضاءهن -ولا سيما فيما يختص بأسرار الزوجية ومتعتها- عزيز المنال أن رضين مرة فقد يغضبن مرات.
ومن هنا كان في ذلك درس بالغ لتربية أزواجه الطاهرات على سنن الزوجية، وكان في ذلك -أيضًا- درس للنبي - ﷺ - في معاملة أزواجه ومعاشرتهن معاشرة تبقى معها القدوة للنساء المؤمنات.
[ ٢٩٩ ]
أما قوله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) فإن حملناه على ما جاء في الروايات من أن النبي - ﷺ - حلف لحفصة ألا يصيب مارية فيكون معنى الآية: قد شرع الله لكم الكفارة لتتحللوا من أيمانكم في قوله تعالى -من سورة المائدة- (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩».
وإن حملناه على غير هذه الروايات فيكون من باب المجاز بجعل عزيمة النبي - ﷺ - المصممة على عدم إصابة سريته في قوة الحلف على ذلك.
ولا شك أن الوجه الأول أظهر لموافقته لظاهر الآية الكريمة.
وأما قوله (وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فهو بيان لإحاطة علم الله تعالى بما كان وما يكون، وأن ذاك جار على مقتضى الحكمة الإلهية التي تضع الأمور في مواضعها.
ثم قال تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ
[ ٣٠٠ ]
قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥» فهذا من الامتنان على النبي - ﷺ -، وتذكيره بنعم الله تعالى عليه لأن قوله (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ) معمول لفعل محذوف تقديره واذكر إذ أسر النبي.
وإبراز النبي - ﷺ - بالاسم الظاهر بوصف النبوة، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وإذا أسررت إلى بعض أزواجك حديثًا، من باب الحفاوة بالنبي - ﷺ - وإظهاره في هذا المقام بأشرف أوصافه وهو النبوة مما يتضمن تعريضًا بمن أفشت سره - ﷺ منهن.
وفي قوله (إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ) بصورة الإبهام تلطف بهن بعدم الكشف عن شخصيتهن.
وتنكير " حديثًا " للدلالة على عظمة هذا الحديث وأنه من الأسرار التي ما كان ينبغى أن تفشى، وتذاع ولو لأصدق الصديقات.
وهذا الحديث الذي أسره النبي - ﷺ - إلى بعض أزواجه هو تحريمه مارية ومنعه نفسه - ﷺ - من التمتع بها إرضاء للتي غضبت وتألمت مما نالها من جراء تمتع النبي - ﷺ - بسريته في بيتها.
ْويحتمل أن يكون الحديث الذي أسره النبي - ﷺ - إلى بعض أزواجه -عند من يقول بغير ما رجحنا- هو منعه نفسه - ﷺ - من شرب العسل كما ورد في بعض الروايات.
ْويحتمل أن يكون إخبار النبي - ﷺ - حفصة أن أباها عمر بن الخطاب - ﵁ - سيلي أمر أمته - ﷺ - بعد أبي بكر - ﵁.
[ ٣٠١ ]
وتحتمل الآية العموم الشامل لتحريم السرية والإنباء بالخلافة أو لتحريم العسل والإنباء بالخلافة.
ولما أفشت من أسر إليها هذا الحديث إلى صديقتها وكان النبي - ﷺ - قد أخذ عليها أن تكتمه ولا تخبر به أحدًا عرفه الله تعالى إفشاءها سره وأظهره عليه، فذهب عن الحديث وصف سريته وعرف النبي - ﷺ - بعضه وأعرض عن بعض.
والذي عرف به هو تحريم سريته - ﷺ - أو شربه العسل، والذي أعرض عنه هو الإنباء بالخلافة لما يترتب على إذاعته والتحدث فيه من أضرار وفتنة قد تؤثر على أنفس بعض المؤمنين الذين قد يكونون يتطلعون -في صمت- إلى منصب الخلافة بعد رسول الله - ﷺ -.
فلما نبأ النبي - ﷺ - صاحبة إذاعة السر وإفشائه بما أفشته من سره دهشت وقالت: " من أنبأك هذا؟ " ولعلها ظنت أن صاحبتها هي التي أخبرته فقالت له: " من أنبأك هذا؟ " فقال لها -كما حكى الله تعالى ذلك- " نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ".
ثم توجه الخطاب في قوله تعالى (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) -من باب الحفاوة بالنبي - ﷺ -، والتأديب لمن أفشت سره بهذا الأسلوب المشعر بالزجر والتهديد- إلى اللتين تظاهرتا عليه - ﷺ - بالإذاية والغيرة وإفشاء سره بأنهما إن يتوبا إلى الله تعالى مما أزعجا به النبي - ﷺ - فإن التوبة حق واجب عليكما لأن قلوبكما قد مالت عن الحق كما تدل عليه قراءة ابن مسعود - ﵁ - " زاغت قلوبكما ".
[ ٣٠٢ ]
وعلى هذا فإن قوله (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ليس جواب الشرط وإنما هو دليله وتعليله.
والمعنى على هذا: إن تتوبا إلى الله، وترجعا عن مغاضبة رسول الله - ﷺ -، وإيذائه بالتظاهر عليه وإفشاء سره فالتوبة حق واجب عليكما، لأن قلوبكما قد زاغت ومالت عن الحق في مغاضبة رسول الله - ﷺ - وإيذائه.
ويمكن أن تحمل الآية على فهم آخر يأتي من حمل قوله تعالى: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) على معنى أنها مالت " إلى الحق وهو ما وجب من مجانبة ما يسخط رسوله - ﷺ - وندمت على ما كان منها من مغاضبة النبي - ﷺ - وإيذاه.
والمعنى على هذا: إن تتوبا إلى الله وترجعا عن مغاضبة النبي - ﷺ - وتندما على ما كان منكما، فقد مالت قلوبكما إلى الحق ومصالحة النبي - ﷺ - ومراضاته، وأن ما كان منكما من مغاضبة وإيذاء لم يكن صادرًا عن قلوبكما وإنما هو فورة غضب ونار غيرة.
ويؤيد هذا قوله (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) أي استمررتما على المغاضبة والإيذاء وتعاونتما عليها فإن الله تعالى ناصر رسوله بقوته القاهرة وخواص ملائكته وعامتهم وصالح المؤمنين، وهذا كالمقابل لقوله (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا).
[ ٣٠٣ ]
ثم تلطف الله تعالى بنبيه - ﷺ - إظهارًا لحفاوته به وإعلاء لمقامه بما زاد في تأديب الزوجات الطاهرات متمشيًا مع أسلوب الزجر والتهديد فقال (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) أي جامعات للكمال في إسعاده - ﷺ - حسًا ومعنى فلا يعصين له أمرًا، ولا يخالفن له نهيًا، يعملن على إسعاده وإدخال السرور عليه بما يفرغ قلبه عن حمل أثقال الزوجية إلى القيام بواجبه الأعظم وهو تبليغ رسالته وتعليم أمته وإعطاؤها الأسوة الحسنة به لتكون كما أرادها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس.
* * *
(قصة نزول عبس وتولى)
ومن آيات هذا البحث من النوع الثالث من أنواع العتاب صدر سورة عبس وهو قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠».
وقد بدأت هذه الآيات بالإخبار عن حال رسول الله - ﷺ - إذ جاءه الأعمى -وهو ابن أم مكتوم وأشهر الأقوال في اسمه أنه عبد الله القرشي العامري وهو من سابقي المهاجرين- يطلب الهداية والعلم منه - ﷺ -،
[ ٣٠٤ ]
وهو ينادي -كما في موطأ الإمام مالك ﵀- " يا محمد استدنني " وفي رواية الترمذي " يا رسول الله أرشدني " وفي بعض الروايات " يا رسول الله علمني مما علمك الله ".
وكان رسول الله - ﷺ - مشغولًا يتحدث في شأن رسالته والدعوة إلى الله تعالى مع صناديد قريش وأعيانها الذين ذكر المفسرون منهم الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف أو أخاه أبي بن خلف وعتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب.
وكان ابن أم مكتوم ينادي رسول الله - ﷺ - بصوت جهير ويشبه أن يكون أنه لم يعرف اشتغال رسول الله - ﷺ - مع القوم بدعوتهم إلى الله تعالى.
وقد اتفق جمهور المفسرين على أن فاعل " عبس وتولى " هو رسول الله - ﷺ -، وأجمعوا على أن هذه الآيات الكريمة نزلت في ابن أم مكتوم.
وأنه لم يصرح بذكر الفاعل للفعلين الماضيين -عبس وتولى- تلطفًا برسول الله - ﷺ - عن المفاجأة بمواجهته بهذا الخطاب المشعر بالشدة.
[ ٣٠٥ ]
وإبراز ابن أم مكتوم بوصفه المشتق من العمى دون اسمه بيان لعذره فيما واجه به الرسول - ﷺ - من تكرير القول عليه، وسبب في أحقية التلطف به والعطف عليه فهو مما له مدخل في العتاب.
ثم قال تعالى مخاطبًا رسوله - ﷺ - (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) في هذه الآية تذكير له - ﷺ - بأن ما وقع منه - ﷺ - من التقطيب والإعراض -بسبب قطع الأعمى لحديثه المستمر مع من يدعوه إلى الله تعالى- ليس من سجيته الكريمة - ﷺ -، ولا مما يصلح أن يكون منه - ﷺ - لما ينبغي أن يقابل به الأعمى طالب الهداية من التلطف والرأفة والرحمة به وبكل من جاء يطلب هداية الله تعالى ويسمع آياته، ويتعلم منه - ﷺ - مما علمه الله تعالى، ولا سيما إذا كان في حال ابن أم مكتوم في عذره بالعمى الذي حجب عنه من كان يتحدث مع رسول الله - ﷺ -، ولعله لم يسمع الحديث لأن المتعارف في أحاديث هؤلاء الكبراء أن تكون أقرب إلى الهمس منها إلى الجهارة.
وإبراز تزكية الأعمى ابن أم مكتوم - في أسلوب الترجي فيه إشعار بأنه لم يكن إذ ذاك مسلمًا، ولا سيما إذا انضم إلى هذا ما ورد في موطأ الإمام مالك - رحمه الله تعالى - من قوله لرسول الله - ﷺ - " يا محمد استدنني ".
وقد ذهب السهيلي -في الروض الأنف- إلى ترجيح عدم إيمانه حين جاء إلى رسول الله - ﷺ - وعنده القوم فقال: ". . مع أنه -أي الأعمى- لم يكن آمن بعد، ألا تراه يقول (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) الآية، ولو كان قد صح إيمانه وعلم ذلك منه لم يعرض عنه رسول الله - ﷺ -. . وكذلك لم يكن ليخبر عنه ويسميه بالاسم المشتق من العمى دون الاسم المشتق من الإيمان والإسلام، ولو كان دخل في الإيمان من قبل -والله أعلم- وإنما دخل فيه
[ ٣٠٦ ]
بعد نزول الآية، ويدل على ذلك قوله - ﵁ -: " استدنني يا محمد " ولم يقل استدنني يا رسول الله، مع أن ظاهر الكلام يدل على أن الهاء في لعله يزكي عائدة على الأعمى لا على الكافر، لأنه لم يتقدم له ذكر بعد، (ولعل) تعطى الترجي والانتظار، ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجي والانتظار للتزكي والله أعلم ".
أما قوله تعالى (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فهو معطوف على قوله " يزكى " الواقع خبرًا لحرف الرجاء " لعل " فهو من مدخول الرجاء معه على معنى: أن قوله " لعله يزكى " يدل على أنه يراد منه التطهر بالإيمان وهذا قول ابن زيد حيث فسر " يزكى " بـ " يسلم " -كما نقله الطبري عنه- الذي يدل على أنه- حسب تفسيره- لم يكن قد أسلم بعد.
ولعل هذا القول هو مستقى كلام السهيلي في اختياره عدم إيمانه حين مجيئه.
وقوله " أَوْ يَذَّكَّرُ " أي بعد إيمانه يتذكر ما علم عن دلائل الإيمان وبراهينه ما عسى أن يكون قد غاب عنه أو نسيه.
أما قوله تعالى (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦» فهذا من قبيل البدء في المقابل بعد الانتهاء من طرف الحديث الأول.
[ ٣٠٧ ]
ويراد بالمستغني إما شخص، أو أشخاص على حسب ما جاء في روايات أسباب النزول، ففى بعضها أنه الوليد بن المغيرة، وفي بعضها أنه أمية بن خلف، وفي بعضها أنه عظيم من عظماء المشركين ولم يسمه، وفي بعضها ناس من وجهاء المشركين منهم أبو جهل وعتبة.
والتعبير بقوله " استغنى " فيه دلالة على الجحود استكبارًا وعنادًا وتعاليًا بما في الأيدي من نشب الدنيا.
ثم قال تعالى (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أي أن هذا المستكبر المستغي المعاند الذي عرف الحق فلم يقبل عليه ولم يقبله، وقد عرفت ذلك من سابق حاله معك فأنت تتصدى له وتتعرض لدعوته، وتحرص على إسلامه وهو- في مقابل إعراضه واستغنائه- أحق بالإعراض والتولي ممن جاءك يسعى لطلب الهداية والإيمان.
ثم قال تعالى في حق هذا المستغني عن الإيمان والهداية مع الإقرار بحقيتهما: (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) بيانًا لرسول الله - ﷺ - أن التزكي والتطهر بقبول الإيمان والهداية لا يتوقف على الأشخاص ومكانتهم في هذه الحياة الدنيا من الثراء والتفاخر بكثرة الأولاد والأموال والإعتزاز بالقبلية وكثرة الاتباع والأعوان.
ثم قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى) أي لطلب الإيمان والهداية أو لطلب الإزدياد في العلم بما أنزل الله من أحكام الشريعة، (وَهُوَ يَخْشَى) أي يخاف من الله تعالى، ومن عذابه (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أي بالحديث مع المستغني المستكبر المعاند حرصًا على دخوله الإسلام طمعًا في أن يسلم
[ ٣٠٨ ]
بإسلامه اتباعه، مع أن الإقبال على الذي جاء يسعى وهو يخشى أحق وأولى لمجيئه راغبًا، ولا سيما أن الله تعالى ذكره بوصف جعله عذرًا له في مناداته لرسول الله - ﷺ -، وطلبه الهداية وفي أحقيته بالترفق به والإحسان إليه بحسن الاستقبال.
هذا هو رأي جمهور المفسرين من السلف والخلف في فهم هذه الآيات الكريمة.
وقد حكى الحافظ ابن حجر -في الفتح- عن الداودي شارح البخاري أن فاعل (عبس) " هو الكافر " الذي كان يحدث رسول الله - ﷺ -.
ولم يرتض الحافظ هذا القول فوصفه بالغرابة لعدم اختلاف السلف -كما قال- في أن فاعل عبس هو النبي - ﷺ - ".
وقد نقل القاضي عياض هذا القول -في الشفاء- عن أبي تمام.
وقد رده شارحا الشفاء الشهاب الخفاجي وعلى القاري في شرحيهما فقال الشهاب -في رده-: " وهو قول -أي القول بأن فاعل عبس هو الكافر- في غاية الضعف بعيد عن السياق، والذي عليه المفسرون أنه النبي - ﷺ -.
[ ٣٠٩ ]
وقال علي القاري في رده هذا القول: " وهذا التأويل مخالف لظاهر التنزيل بل كاد في مقام النزاع أن يكون مخالفًا للإجماع ".
وظاهر الآيات يرد قول الداودي، لأن سياقها ظاهره الإخبار عن حال رسول الله - ﷺ -، وهو يحدّث بعض عظماء المشركين حين جاءه الأعمى يطلب الهداية والتعليم، ويؤيد هذا أن ضمير الخطاب في قوله تعالى (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) متعين لأن يكون لرسول الله - ﷺ -.
وليس أبو تمام الشاعر ممن يعرف بين علماء التفسير أو الحديث بشيء وإنما هو رجل شاعر حكيم في شعره، ولا ندري من أين استقى هذا الرأي، ولا يدخل في دائرة العقول أن يكون الداودي شارح صحيح البخاري قد أخذ هذا القول عنه ".
[ ٣١٠ ]
ثم بيّن الله تعالى أن الهداية والإيمان ليست مرتبطة بالأشخاص وحالاتهم من فقر وضر أو ثراء ومكانة في الحياة الدنيا فقال تعالى: (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢». وإنما هي تذكرة ينتفع بها من في قلوبهم استعداد لقبول الهداية، ولو كانوا من أهل الفقر والضر.
وهذا درس تربوي وتوجيه إلهي ختم الله تعالى به الآيات ليبين لرسوله - ﷺ - أنه في رسالته الخاتمة للرسالات الإلهية لا ينبغي له أن يلتفت إلى الأشخاص، ومكانتهم في الحياة الدنيا وتكثير عدد المسلمين بكثرتهم، لأنه في هدايته قدوة عامة خالدة يتأسى بها كل من تشرف بإتباعها.
ْولا شك أن أهل الفقر والضر في الناس أكثر عددًا من أهل الثراء والمعافاة.
وأهل الضر والفقر هم أحوج إلى المواساة والترفق بهم لإدخالهم فِي حظيرة الإيمان ليكون الإيمان عدتهم على تحمل شدائد الحياة والصبر على نوائبها لما في الإيمان من رضى بالله تعالى وقضائه والتسليم بشرائعه وأحكامه.
[ ٣١١ ]
وفي هذه الآية ما يشعر بأن اجتهاد رسول الله - ﷺ - في حديثه مع الكافر ليستميله إلى الإيمان رجاء أن يؤمن بإيمانه عدد ممن يتبعه كان غير متمش مع طبيعة الهداية الإلهية- التي عليه - ﷺ - أن يعرضها على الناس دون أن يبخع نفسه حرصًا على إيمانهم- فجاءت الآية الكريمة تصحح هذا الاجتهاد، وتبين الطريق للدعاة إلى الله تعالى الذين يرثون دعوة رسول الله - ﷺ - وتبليغ رسالته ونهجه - ﷺ - في إيصالها إلى جميع الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
* * *
[ ٣١٢ ]