مما يدل على كمال سياسة الصديق وأنه أفضل من كل من ولي الأمة، بل وممن ولي غيرها من الأمم بعد الأنبياء، وإنه معلوم أن رسول الله - ﷺ - أفضل الأولين والآخرين، أفضل من جميع الخلق من جميع العالمين. وقد ثبت في الصحيحين أنه قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون. قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا. قال: فوا ببيعة الأول فالأول» (٣)، ومن المعلوم أن من تولى بعد الفاضل إذا كان فيه نقص كثير عن سياسة الأول ظهر لك النقص ظهورًا بينًا، وهذا معلوم من حال الولاة إذا تولى ملك بعد ملك أو قاض بعد قاض أو شيخ بعد شيخ أو غير ذلك فإن الثاني إذا كان ناقص الولاية نقصًا بينًا ظهر ذلك فيه، وتغيرت الأمور التي كان الأول قد نظمها وألفها.
ثم الصديق تولى بعد أكمل الخلق سياسة فلم يظهر في الإسلام نقص بوجه من الوجوه؛ بل قاتل المرتدين حتى عاد الأمر إلى ما كان
_________________
(١) منهاج جـ٤/١٢٤، جـ٣/ ٢١٤، ١٦٣، ١٦٤، ٢٦٨.
(٢) وتقدم قول عائشة «فسد ثلمه بنظيره في الرحمة، وشقيقه في السيرة والمعدلة، ذاك ابن الخطاب، لله أم حفلت له، ودرت عليه، لقد أوحدت به، فنفخ الكفرة، وديخها، وشرد الشرك شذر مذر، وبعج الأرض، وبخعها» وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر لما مات ارتجت مكة. فقال أبو قحافة: ما هذا؟ قالوا: مات ابنك. قال: رزء جليل، من قام بالأمر بعده؟ قالوا: عمر. قال: صاحبه. (تأريخ الخلفاء ص٨٥) .
(٣) البخاري ك ٦٠ ب ٥٠. مسلم ١٨٤٢.
[ ١٣٢ ]
عليه، وأدخل الناس في الباب الذي خرجوا منه، ثم شرع في قتال الكفار من أهل الكتاب، وعلم الأمة ما خفي عليهم، وقواهم لما ضعفوا، وشجعهم لما جبنوا، وسار فيهم سيرة توجب صلاح دينهم، وكان ذلك مما حفظ الله به على الأمة دينها. وهذا مما يحقق أنه أحق الناس بخلافة رسول الله - ﷺ -، ولم تعظم الأمة بعد نبيها أحدًا كما عظمت الصديق، ولا أطاعت أحدًا كما أطاعته من غير رغبة أعطاها ولا رهبة أخافهم بها. وهذه من خصائصه (١) .
من كمال الصديق استعانته بالشديد
ومن كمال عمر استعانته باللين
كان نبينا - ﷺ - مبعوثًا بأعدل الأمور وأكملها - فهو الضحوك، القتال، وهو نبي الرحمة، ونبي الملحمة، بل أمته موصوفون بذلك في مثل قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣) فكان النبي - ﷺ - يجمع بين شدة هذا ولين هذا، فيأمر بما هو العدل وهما يطيعان فتكون أفعالهما على تمام الاستقامة. فلما قبض الله نبيه وكان كل منهما خليفة على المسلمين خلافة نبوة، كان من كمال أبي بكر أن يولي الشديد ويستعين به ليعتدل أمره، ويخلط الشدة باللين - فإن مجرد اللين يفسد، ومجرد الشدة يفسد - ويكون قد قام مقام النبي - ﷺ -، فكان يقوم باستشارة عمر وباستنابة خالد ونحو ذلك، وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله - ﷺ -؛ ولهذا اشتد في قتال أهل الردة شدة برز بها على عمر وغيره، فجعل الله فيه من الشدة ما لم يكن فيه قبل ذلك
_________________
(١) منهاج جـ٣/١٢٥، جـ٤/٢١٦، ٢٥٢، ٢٩٧.
(٢) سورة الفتح: ٢٩.
(٣) سورة المائدة: ٥٤.
[ ١٣٣ ]
وأما عمر ﵁ فكان شديدًا في نفسه، فكان من كماله استعانته باللين ليعتدل أمره - فكان يستعين بأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيد الثقفي، والنعمان بن مقرن، وسعيد بن عامر، وأمثال هؤلاء من أهل الصلاح والزهد الذين هم أعظم زهدًا وعبادة من خالد بن الوليد وأمثاله. وقد جعل الله في عمر من الرأفة ما لم يكن فيه قبل ذلك، تكميلًا له، حتى صار أمير المؤمنين (١) .
كمال الخلفاء الراشدين
وعمر بن عبد العزيز
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) قد فسر (أولي الأمر) بذوي القدرة كأمراء الحرب. وفسر بأهل العلم والدين، وكلاهما حق. وهذان الوصفان كانا كاملين في الخلفاء الراشدين فإنهم كانوا كاملين في العلم والعدل، والسياسة والسلطان، وإن كان بعضهم أكمل في ذلك من بعض - فأبو بكر وعمر أكمل في ذلك من عثمان وعلي - وبعدهم لم يكمل أحد في هذه الأمور إلا عمر بن عبد العزيز (٣) .
من يطعن على أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة
أبو بكر، وعمر لا تقوم حجة بأنهما تركا واجبًا أو فعلًا محرمًا أصلًا (٤) ولا يطعن على أبي بكر وعمر إلا أحد رجلين: إما رجل منافق
_________________
(١) منهاج جـ٤/١٥٨، ١٣١، ٢٣٩ جـ٣/١١٢. وانظر مجموع الفتاوى جـ٤/٤٥٧.
(٢) سورة النساء: ٥٩.
(٣) منهاج جـ٢/١٦٩.
(٤) وتقدمت هذه العبارة في موضوع (فدك) .
[ ١٣٤ ]