لقد اعترف السيد وإقبال وأمير علي بأن هناك عالم غيب ولكنهم لم يفهموا حقيقة هذا العالم كفهم السلف بأنه عالم قائم بذاته في مكان يحتله كما أخبره الصادق المصدوق ﷺ من غير (تأويل) ولا زيادة ولا نقصان (^٤).
فمفهوم الغيب عند هؤلاء المستغربين تصور خيالي يجده الإنسان في ذاته ليس بخارج منه وإن كان خارجا عن إدراكه، فسماه السيد القوى المختلفة في ذات الإنسان وهي خارجة عن إدراكه، وسماه أمير علي أصول الفطرة عند الإنسان، وسماه إقبال أحوالًا معنوية وكل هذا مخالف لفهم السلف.
إن تفاصيل عالم الغيب ستأتي في المباحث القادمة وهنا نجمل القول ونقول إن العوالم التي يتصورها الإنسان ثلاثة: العالم الدنيوي والعالم الأخروي والعالم البرزخي، ومنتهي وصول الإنسان بحواسه هو عالم الدنيا قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
_________________
(١) سورة الهمزة: ٧.
(٢) تشكيل جديد لإقبال ص: ٣١.
(٣) تهذيب الأخلاق لمرتبه ملك فضل: ١/ ٣١.
(٤) ينظر شرح الطحاوية لأبي العز الحنفي: ٣٧٤.
[ ٤٦٨ ]
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (^١).
رغم كل المحاولات التي بذلها الإنسان في سبيل الاستطلاع على كل ما في هذا الكون مازال شيء كثير منه في الغيب عن إدراك الإنسان.
وأما عالم البرزخ وعالم الآخرة بجملتهما عالم الغيب فلا يعرف منه الإنسان إلا ما أخبر به الرسل، فلا سبيل إلى معرفة هذا العالم إلا بالإيمان بالنبوات، ولما أن الفكرة السائدة في الغرب عدم الاعتراف بالنبوات من كونها هبة من الله ومنَّة على الإنسان أنكر معظمهم عالم الغيب، فحاول السيد ومن سلك مسلكه تقريب عقيدة الإيمان بالغيب إلى أذهان أولئك الماديين، ولكن هذه المحاولة أخرجتهم من عقيدة السلف الصحيحة في الإيمان بعالم الغيب إلي عقيدة باطلة.
ومفهومهم لعالم الغيب كاد أن يوصلهم إلى الانكار كليًا لولا أنهم ارتكنوا إلى آراء الفلاسفة اليونانيين والمستشرقين الغربيين، فاختاروا مذهبهم ليتماشى مع ثقافة الغرب ومعطياتها.
فقد تأثر السيد برأي أفلاطون فقد قال: "اعلم أن فلاسفة اليونان المتقدمين مثل أفلاطون وغيره كانوا يقرون أن هناك أعيانا ثابتة غير مادية" اهـ.
وأما إقبال فقد نقل قول المستشرق "هوكنك" (Hocking) حيث قال: "شموليات الشعور الديني يمكن رؤيتها بالبصيرة العقلية" اهـ.
ومفهومهم هذا لعالم الغيب كان باعثًا قويًا لإنكارهم للمعاد الحسي (^٢) الذي اتفقت عليه الشرائع كلها كما قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: "والحاصل أن هذا (المعاد الحسي) أمر اتفقت عليه الشرائع ونطقت به كتب الله ﷿ سابقها ولاحقها، وتطابقت الرسل أولهم وآخرهم ولم يخالف فيه أحد منهم وهكذا اتفق على ذلك أتباع جميع الأنبياء من أهل الملل، ولم يسمع عن أحد منهم، أنه أنكر ذلك قط،
_________________
(١) سورة الرحمن: ٣٣.
(٢) وسيأتي الكلام عن إنكارهم للمعاد الحسي إن شاء لله، ينظر ص: ٥١٣ في هذا البحث.
[ ٤٦٩ ]
ولكنه ظهر رجل من اليهود زنديق يقال له موسى بن ميمون اليهودي الأندلسي، فوقع عنه كلام في إنكار المعاد، واختلف كلامه في ذلك، فتارة يثبته وتارة ينفيه، ثم هذا الزنديق لم ينكر مطلق المعاد، إنما أنكر بعد تسليمه للمعاد أن يكون فيه لذات حسية جسمانية، بل لذات عقلية روحانية. ثم تلقى ذلك عنه من هو شبيه به من أهل الإسلام كابن سيناء، فقلده ونقل عنه ما يفيد أنه لم يأت في الشرائع السابقة على الشريعة المحمدية إثبات المعاد، وتقليدًا لذلك اليهودي الملعون الزنديق مع أن اليهود أنكروا عليه هذه المقالة، ولعنوه، وسموه كافرًا" اهـ (^١).
وهكذا هؤلاء المستغربون اختلف كلامهم في ذلك فتارة يثبتونه وتارة ينفونه، ولم ينكروا مطلق المعاد إنما أنكروا بعد تسليمهم للمعاد أن يكون فيه لذات حسية جسمانية أو عذاب حسي وجسماني كما نثبت ذلك في المباحث القادمة.
إذن تكمن الشبهة في قولهم إن عالم الغيب عالم معنوي خيالي ليس حسيًا ولا جسمانيا.