ويكون الردّ على الزعم السابق بوجهين:
أولًا: إن انقطاع الوحي لن يكون أبدًا بسبب بلوغ النوع الإنساني أو العقل البشري أشده، لأن الوحي السماوي لمَّا انقطع بوفاة رسول الله ﷺ ما زالت معظم الدنيا في جاهلية ووثنية.
فعملًا بقول الرسول ﷺ "ليبلغ الشاهد الغائب" (^٢) حمل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين هذه الأمانة إلى كل أفق من آفاق الدنيا، فانتشر نور الإسلام حتى لم يبق في الدنيا بيت مدر ولا وبر إلّا دخله هدى الإسلام، ثم عادت البشرية إلى جاهلية عمياء بسب غربة الإسلام مصداقا بقول الرسول صلى الله
_________________
(١) منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لـ د. فهد بن عبد الرحمن الرومي ص: ٤٩٢.
(٢) ينظر صحيح البخاري مع الفتح ١/ ١٥٧ - ١٥٨ (٦٧).
[ ٤٥٦ ]
عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء" اهـ (^١) وقوله ﷺ: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" اهـ (^٢).
فكلما اهتدت البشرية بنور الإسلام تطورت وارتقت، وكلما خفي نور الإسلام عادت إلى جهلة جهلاء، وإذا كان الأمر هكذا فكيف يسد العقل الاستقرائي مسد النبوات والرسالات؟
ثانيًا: إن ختم الرسالة والنبوة ثابت في الكتاب والسنة وفيهما كفاية لكل مؤمن يؤمن بالله ورسوله، ولا يحتاج إلى التكلف بإتيان أدلة عقلية، وإذا لزم المقام إلى إتيان الأدلة العقلية فهناك أدلة عقلية، وهى أكثر دلالة من أدلة إقبال المشتبهة، وقد لخصها الأستاذ الدكتور محمود ماضي في كتابه "نبوة محمد" ﷺ (^٣).
وخلاصته كما يلي:
إن الله تعالى لا يرسل نبيا بعد نبي إلّا لأحد الأسباب الآتية (^٤):
١ - أن لا يكون قد جاء في أمةٍ رسولٌ لهدايتها وتعليمها وكانت الحجة تقتضي مجيئه بموجب عموم القاعدة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (^٥).
وقد ارتفع هذا السبب بنبوة محمد ﷺ لأن نبوته ﷺ لم تكن منحصرة في أمة دون أمة، أو زمن دون زمن، وإنما "أرسل إلى العالم كافة، بينما كانت رسالات غيره محدودة، كل رسول (أرسل) لأمة واحدة خاصة، وهكذا كانت كتبهم المنزلة، كل كتاب لشعب معين، أما النبي محمد صلى
_________________
(١) صحيح مسلم مع الشرح: ١ - ٢/ ٥٣٦ (٢٣٢).
(٢) صحيح البخاري مع الفتح: ٤/ ٩٣ (١٨٧٦).
(٣) ينظر ص: ١٤٤ - ١٤٧.
(٤) الإيمان بالله والملائكة للشيخ المودودي دار الخلافة للطبع - ودار الأنصار بالقاهرة، ص: ١٩٠ - ١٩٨ نقلا من كتاب "نبوة محمد" ص: ١٤٤ - ١٤٥، وينظر ختم نبوت (ختم النبوة) للمودودي ص: ٩.
(٥) سورة الرعد: ٧.
[ ٤٥٧ ]
الله عليه وسلم فكانت رسالته عالمية" اهـ (^١) مصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (^٢).
٢ - أن يكون قد جاءها رسول ولكن اندثرت آثار رسالته ووقع التحريف والتبديل في تعليمه وكتابه المنزل عليه من الله وانمحت معالم سيرته وأعماله حتى لم يعد بوسع الناس أن يتبعوه ويتأسوا بحياته ويقتدوا بهداه.
وقد ارتفع هذا السبب بحفظ الله تعالى لشريعة محمد ﷺ فإن تعاليم محمد ﷺ حية باقية مصداقا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٣)، ونعلم أي هداية وأي شرع جاء به من عند الله، وما هي السبل التي جاهد بها ليدفع عن هديه وشرعه. فإذا كان هذا كله حيًا في متناول الأيدي والفكر، فلا حاجة إلى نبي آخر يجددها ويعرضها مرة أخرى على الناس إذ كل رسالة بعد ذلك قول معاد ليس فيه جديد يستفاد" اهـ (^٤).
٣ - أن يكون تعاليم الرسول السابق أو الرسل السابقين ناقصة أو بحاجة إلى التكميل والزيادة.
وقد ارتفع هذا السبب بشرع محمد ﷺ إذ جاء شرعه ﷺ كاملا مكتملا شاملا لجميع احتياجات الإنسان إلى قيام الساعة، وليس في شرع محمد ﷺ نقص أو قصور ينبغي أن يأتي نبي آخر لتلافيه، مصداقا لقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٥).
_________________
(١) دائرة المعارف البريطانية: ٥/ ١١.
(٢) سورة سبإ: ٢٨.
(٣) سورة الحجر: ١٥.
(٤) محمد الرسالة والرسول لـ د. نظمي لوقا ص: ١٠١ نقلا من كتاب "نبوة محمد) ص: ١٤٥.
(٥) سورة المائدة: ٣.
[ ٤٥٨ ]
وهكذا قد ارتفعت الأسباب الثلاثة برسالة محمد ﷺ وانتهت النبوات إلى قيام الساعة مصداقا لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (^١)، فلا يزال -وسيظل- بأيدينا من الوسائل ما نعلم به في كل وقت وفي أي وقت، والحمد لله.
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٤٠.
[ ٤٥٩ ]
الفصل الثالث: أثره في مسائل الغيب
فيه ثلاث مباحث:
* المبحث الأول: مفهوم الغيب وأنواعه.
* المبحث الثاني: الملائكة والجن والشياطين.
* المبحث الثالث: الحياة البرزخية وما بعدها.
[ ٤٦٠ ]
المبحث الأول: مفهوم الغيب وأنواعه
وفيه:
* مفهوم الغيب وأنواعه.
* أقوال المتأثرين بالاستشراق في الغيب.
* تحليل العبارة وتعيين الشبهة.
* تفنيد شبهة كون عالم الغيب خيالا غير حسي.
[ ٤٦١ ]
مفهوم الغيب وأنواعه
أولًا: مفهوم الغيب
الغيب لغة:
" كل ما غاب عنك، تقول غاب عنه غيبةً وغيبًا وغيابًا وغيوبًا ومغيبًا" اهـ (^١). وقال الأصفهاني: "الغيب مصدرُ غابت الشمس وغيرها إذا استترت عن العين، يقال: غاب عني كذا، قال تعالى: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ (^٢) واستعمل في كل غائب عن الحاسة وعما يغيب عن علم الإنسان بمعنى الغائب، قال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٣) ويقال للشيء غيب وغائب باعتباره بالناس لا بالله تعالى فإنه لا يغيب عنه شيء كما قال الله ﷿: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٤) وقوله ﷿: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (^٥) أي ما يغيب عنكم وما تشهدونه، والغيب في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (^٦) ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بداهة العقول، وإنما يعلم بخبر الأنبياء ﵈ وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد (^٧).
_________________
(١) الصحاح للجوهري مادة "غ ي ب".
(٢) سورة النمل: ٢٠.
(٣) سورة النمل: ٧٥.
(٤) سورة يونس: ٦١.
(٥) سورة الرعد: ٩.
(٦) سورة البقرة: ٣.
(٧) معجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني مادة "غ ي ب" ص: ٣٨٠.
[ ٤٦٢ ]
والغيب اصطلاحًا:
قال الإمام القرطبي ﵀: "كل ما أخبر به الرسول ﷺ مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار هذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل ﵇ حين قال للنبي ﷺ فأخبرني عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: "صدقت" وذكر الحديث" اهـ (^١).
ثانيًا: أنواع الغيب
قال الإمام الرازي ﵀: "الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل وإلى ما ليس عليه دليل، فالمراد من هذه الآية (^٢) مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه دليل بأن يتفكروا ويستدلوا، فيؤمنون به، وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله تعالى وبصفاته والعلم بالآخرة والعلم بالنبوة والعلم بالأحكام وبالشرائع (^٣).
وقد قسم بعض العلماء المعاصرين تقسيما آخر للغيب، وهو أنه ينقسم إلى قسمين: غيب مغيَّب وغيب محضَّر، والغيب المحضَّر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عام وخاص وأخص (^٤). وهذا تقسيم جيد في ضوء الكتاب والسنة، لأنه يتضح فيه أنواع الغيب جلية لمن أراد أن يعرف حقيقة الغيب، فنذكر هنا كل نوع من هذه الأنواع مع ذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبيوية التي تؤيد لكل نوع من هذه الأنواع:
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١/ ١٦٣.
(٢) وهي: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (سورة البقرة: ٣).
(٣) التفسير الكبير للرازي ص: ٢ - ١/ ٢٦.
(٤) ينظر قاموس الخواطر للشيخ سيف الرحمن الدهلوي رسالة غير مطبوعة: ١٢٠ - ١٢١.
[ ٤٦٣ ]
١ - الغيب المحضَّر العام: يشمل جميع الإيمانيات والمسلمات والإخباريات الشرعية، وهو صفة المؤمنين في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (^١).
٢ - الغيب المحضَّر الخاص: وهو قد يسمى العلم اللّدني، وهذا العلم يهدي الله إليه من يشاء من عباده كما قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (^٢).
٣ - الغيب المحضَّر الأخص: وقد أوتي به خاتم النبيين نبينا محمد ﷺ، مثل ما رآه ﷺ من أحوال الغيب يوم أسري به وعرج إلى السماء، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (^٣).
٤ - الغيب المغيَّب فقد استأثره الله به في علم الغيب عنده كما ورد في الدعاء عند الهم والحزن من قول الرسول ﷺ: أو استأثرت به في علم الغيب عندك (^٤).
ومن هذا الغيب مفاتيح الغيب الخمسة (^٥) قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٦).
منه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (^٧) وقال
_________________
(١) سورة البقرة: ٣.
(٢) سورة الكهف: ٦٥ - ٦٦.
(٣) سورة النجم: ١٨.
(٤) مسند أحمد: ١/ ٣٩١، صححه الألباني.
(٥) راجع شرح الواسطة لابن العثيمين ١/ ١٩٤.
(٦) سورة الأنعام: ٥٩.
(٧) سورة لقمان: ٣٤.
[ ٤٦٤ ]
تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (^١).
وقد تبين مما سبق من تعريف الغيب وأنواع الغيب أن الإيمان بالغيب شامل لكل ما أخبر به النبي ﷺ في القرآن أو في السنة الثابتة الصحيحة، ومن أهم أركانه التي أمرنا بالإيمان بها: الإيمان بالله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بالملائكة وأعمالهم، والإيمان بالكتب وما فيها من الهداية، والإيمان بالرسل وأخبارهم، والإيمان باليوم الآخر وأهواله والجنة ونعيمها والنار وعذابها.
هذا وقد سبق أن بينا أن المنهج السليم في كل مسألة من مسائل العقيدة النظر إلى جميع النصوص الواردة في الموضوع ليتضح الحق جليا، والاقتصار على بعض النصوص دون البعض الآخر هو من مناهج الفرق الضالة (^٢).
يقول الدكتور عبد الرحمن الزنيدي: "إن المنهج السليم لفهم صحيح للنصوص في ميدان العقيدة أن يكون نظر المرء فيها ودراسته لمسائل الإيمان منطلقًا من النظرية الشاملة -الموضوعية والمنهجية-، ليقع كل عنصر من عناصر الإيمان في مقامه الصحيح، ويفهمه حسب وضعه في البنية الإيمانية المتكاملة.
إن يقين المسلم بأن في الوجود عالمين -وليس عالمًا واحدًا- هما عالم الغيب وعالم الشهادة، وأن لكل منهما حقائقه ونظامه الخاص.
ويقينه بأن قدرة الله ﷾ لا تقف عند حدود العادة البشرية ولا تخضع للقوانين السببية.
ويقينه بأن النصوص الشرعية هي مصدر العقيدة الإسلامية لأنها من علم الله المحيط الحق.
ويقينه بأن البشر لا يمكن أن يحيطوا بذات الله ولا بصفاته علما، مهما أوغلوا في بحوثهم، وأن الصفات المتعلقة بالذات فالقول فيها كالقول في الذات.
_________________
(١) سورة الأعراف: ١٨٧.
(٢) ينظر ص: ٣٩ في هذا البحث.
[ ٤٦٥ ]
ويقينه بأنه لا يملك حق التشريع لحياة الإنسان إلا الذي خلقه بيده مقاليد السماوات والأرض.
ويقينه بأنه تعالى ما أشهد خلقه على خلق السماوات ولا خلق أنفسهم إلخ، اليقينيات الضابطة لفكر الإنسان في دراسته للعقيدة.
مثل هذه اليقينيات إذا هيمنت على فكر الإنسان وقلبه، فإنها تحوطه عن جو النصوص الشرعية والكليات الإيمانية إلى تلك الجزئية ليدرسها لا العكس.
لقد كان السلف ابتداء بالصحابة ﵃ يعيشون في جو هذه الشمولية وبالتالي لم تكن الجزئيات الإيمانية مثار قلق وتقليب لديهم، سواء فهموا النصوص المتعلقة بها تماما أو وقف بعضهم عن الفهم التفصيلي لها، لأن تلك الشمولية تضفي عليها معنى عاما" اهـ (^١).
وكذلك قد أثبتنا سابقا أن من المنهج السني السليم التسليم لما جاء به الوحي مع إعطاء العقل دوره الحقيقي وعدم الخوض في الأمور الغيبية مما لا مجال للعقل فيه (^٢).
فيقول الدكتور الزنيدي أيضا: "هذا بين الوحي والعقل المجردين -افتراضًا- فإذا حددنا ميدان العقيدة وهو الغيب الذي يتجاوز حدود طاقة العقل البشري المحدود بعالم الكون المحيط بالإنسان -عالم الشهادة فإن أدلة الوحي تكون أصدق وأرسخ، أما بالنسبة- لنا نحن المسلمين فإن الأمر لا يقف عند حد افتراض وحي إلهي صادق إذ هو واقع حي بين أيدينا، وحي إلهي موثوق النسبة إلى الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ألا يحتم المنطق السليم الذي ذكرناه أن لا يعدو هذا الوحي إلى المصادر البشرية فيما قرره- في ميدان العقيدة بالذات بصفته موضوع حديثنا -ألا يعني تعويل المسلم على غير الوحي من المصادر البشرية- في أمور قررها الوحي -الشك في صحته، أو في وفائه بكل مطالب الإنسان العقدية؟ ذلك هدم لإيمانه بهذا الوحي-
_________________
(١) مناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحاضر. لـ د. عبد الرحمن الزنيدي، مركز الدراسات والإعلام، دار أشبيليا، الرياض ط / ١ - ١٩٩٨ م / ١٤١٨ هـ ص: ٤٢٧ - ٤٢٨.
(٢) ينظر ص: ٤٧ في هذا البحث.
[ ٤٦٦ ]
العياذ بالله -وليس المقصود هنا- أن مقتضى إيمان المسلم بالوحي اقتصاره في الاستمداد من الوحي لنفسه فقط بحكم هذا الإيمان، بل وأن يقتصر عليه في دعوة الآخرين إلى العقيدة الإسلامية من الضلال والكفار، لأنه يعلم أن الوحي أصلح لهؤلاء من التصورات المنحوتة في ظل الرؤى الفكرية أيا كان مستوى هذه الرؤى ولأن الوحي نزل أول ما نزل مخاطبًا للكفار بالإيمان بالعقيدة الإسلامية" اهـ (^١).
أقوال المتأثرين بالاستشراق
قال سيد أحمد خان: "الغيب يطلق على حقيقة خارجية عن إدراك الإنسان، أو هو شيء لا يعلمه الإنسان قبل وقوعه مثلًا: ذات الله وصفاته، كيفية خلق العالم والروح وحقيقته وماهية الموجودات. وهناك آلاف من الأشياء في هذه الدنيا إذا التقى الاثنان منها يخرج منهما ثالثهما فلا تعرف حقيقة كل واحد منهما ولا تعرف كيفية خروج ثالثهما، فهذه القوى الأعلى والأدنى الضعيفة والقوية مع كل أقسامها تعتبر عالم الغيب" اهـ (^٢).
وقال أمير علي: "المغيبات قد سماها المتقدمون بالملائكة والجن والجنة والنار وما هي إلا قوى ونحن نسميها أصول الفطرة" اهـ (^٣).
وقال إقبال: تعاليم القرآن تتحدث عن الآخرة وتقول: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (^٤) ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ (^٥).
_________________
(١) مناهج البحث في العقيدة الاسلامية لـ د. الزنيدي: ص: ٣١٤.
(٢) مقالات سرسيد ترتب: إسماعيل باني بتي ص: ١٢٨ - ١٢٩.
(٣) ينظر روح الإسلام لأمير علي: ٢/ ٥٧.
(٤) سورة ق: ٢٢.
(٥) سورة الإسراء: ١٣.
[ ٤٦٧ ]
والجنة والنار أحوال ليست مواضع، ووصفها في القرآن يدل على ذلك بأن المراد به قوى داخلية يراها الإنسان في عينيه كما جاء عن النار: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ (^١).
ومعنى هذا أن الإنسان يشعر حزن الخسران وهمه في قلبه، والمقصود بالجنة هي شعور مسرة النجاح والغلبة على الفناء والهلاك" اهـ (^٢).
وقال مهدي علي: "على كل من اعتقد اعتقادًا أن يعرض معتقده على وسيلة صادقة أو يختبره بآلة مفيدة ويحلل عناصرها بتحليل جيد حتى يتبين له الصدق من الكذب ويصل إلى علم اليقين ويتجنب من الأوهام والتخيلات الباطلة" اهـ (^٣).