وللرد على هذه الشبهة نقول:
أولا: قول السيد "يسمع النبي كلامه النفسي بأذنيه" يرده قول النبي ﷺوهو الصادق والمصدوق- حيث سئل كيف يأتيك الوحي فأجاب: "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّ عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول " اهـ (^١).
ومن ذلك قوله تعالى -ومن أصدق من الله قيلا-: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٢).
ثانيا: أما قول السيد: "إن النبي (ﷺ) يرى أمامه شخصا خياليا عند نزول الوحي كفاقد العقل" اهـ يرده قول النبي ﷺ في حديث روته أم المؤمنين عائشة ﵂: " حتى جاءه الحق وهو في غار
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح: ١/ ١٨ (٢).
(٢) سورة النساء: ١٦٤.
[ ٣٤٩ ]
حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق " اهـ (^١).
ومن ذلك قوله تعالى -وهو أصدق القائلين-: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (^٢).
ثالثا: ولا ندري كيف ساغ للسيد أن يشبه النبي ﷺ بفاقد العقل، وحالته ﷺ عند نزول الوحي كحالة المجنون، فكيف تجرأ لهذه الفرية وهو السيد الذي يقول عن نفسه: "إنني لما رأيت اتهامات "وليم ميور" على جدي ﷺ احترق قلبي من شدة الحزن" اهـ (^٣).
ومن المعروف أن فاقد العقل إذا رأى شيئا خياليا، يرى هو وحده دون غيره، ولكن النبي ﷺ عندما كان يرى جبريل قد يراه أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين كما جاء في حديث جبريل:
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرف منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه (حتى قال:) قال النبي ﷺ: أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" اهـ (^٤).
رابعا: أما قول إقبال: "فإذا تقوّى هذا الوجدان يصل بنا إلى حقائق ما وراء الحواس، وإفاداته لا تخطئ أبدا" اهـ فنرد عليه ونقول: لو كان تربية الوجدان وسيلة إلى معرفة حقائق ما وراء الحواس لصار كل منا نبيا، ولتعطلت رسالات الله من
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح: ١/ ٢٣ (٣).
(٢) سورة النجم: ١٢ - ١٥.
(٣) ينظر خطوط سير سيد للسيد ص: ٣٨.
(٤) صحيح مسلم مع الشرح: ١ - ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤ (٨).
[ ٣٥٠ ]
السماء، ولم تعد لها فائدة على البشر، إذ أن بعض النفوس قد تستيقن ما تجد من عرفان بأنه من عند الله، وما هو من عند الله بل هو من الشيطان، فما الوسواس الذي يجده الموسوسون في نفوسهم في الأمر الديني إلّا اعتقادا منهم بأنه تنبيه إلهي لهم، بتقصيرهم في الوضوء مثلا، فيعيدونه مرات ومرات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وما ذلكم الوسواس إلّا من الشيطان، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (^١) (^٢).
قال ابن تيمية ﵀: "كل من خالف الرسول لا يخرج من الظن، وما تهوى الأنفس، فإن كان ممن يعتقد ما قاله، وله فيه حجة يستدل بها كان غايته الظن الذي لا يغني من الحق شيئا كاحتجاجهم بقياس فاسد، أو نقل كاذب أو خطاب ألقي إليهم اعتقدوا أنه من الله، وكان من إلقاء الشياطين" اهـ (^٣).
خامسا: قد أورد إقبال قصة ابن صياد وقال قد اهتم النبي ﷺ مكاشفاته واختبره فالسؤال هنا: لماذا اهتم النبي ﷺ بهذه الواردات عند ابن صياد؟ وفي الجواب إذا ذهبنا إلى ما ذهب إليه علماء الإسلام بأن النبي ﷺ اختبره لإزالة الظن التي ظنه بعض الناس بأنه الدجال الذي حذر عنه كل نبي مرسل لأنه كان ممسوحة عينه والأخرى طالعة ناتئة، فأشفق النبي ﷺ أن يكون هو الدجال، فذهب إليه وحقق أمره وبين أنه ليس بالدجال المحذر منه (^٤)، يقول إقبال: هذا فهم قاصر، وإذا كان فهم المحدثين قاصرا، فهل فهم أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم كامل؟
_________________
(١) سورة الناس: ١ - ٦.
(٢) ينظر منهج المدرسة العقلية لفهد الرومي ص: ٤٨٧.
(٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية: ١٣/ ٦٧ - ٦٨.
(٤) ينظر فتح الباري لابن حجر: ٦/ ١٧٢ - ١٧٥.
[ ٣٥١ ]
المبحث الثاني: الأنبياء والمعجزات.
فيه مطلبان:
* المطلب الأول: الأنبياء.
* المطلب الثاني: المعجزات.
[ ٣٥٢ ]
المطلب الأول: الأنبياء.
وفيه:
* تعريف النبي.
* تعريف الرسول.
* الإيمان بالأنبياء والرسل.
* آدم ﵇ أبو البشر وأول الرسل.
* ولادة عيسى بدون أب كانت آية من آيات الله.
* رفع عيسى إلى السماء بالجسد والروح حيا مذهب أهل السنة والجماعة.
* أقوال المتأثرين بالاستشراق وهي على ثلاثة أقسام:
* تفنيد شبهة أن شخصية آدم لم تكن حقيقة إنما هو خيال تخيله البشر.
* تفنيد شبهة أن ولادة عيسى لم تكن آية من آيات الله.
* تفنيد شبهة أن عيسى ﵇ لم يرفع حيا إلى السماء.
[ ٣٥٣ ]
المطلب الأول: الأنبياء
١ - تعريف النبي:
النبي مشتق من النَبَأِ.
قال الجوهري: "والنَبَأُ، الخبر يقول: نَبَأَ ونبّأَ أي أخبر، ومنه أُخذ النبي لأنه أنبأ الخبر عن الله تعالى، وهو فعيل بمعنى فاعل" اهـ (^١).
أي هو مخبر عن الله تعالى أَمره ووحيه قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ (^٣).
أو أُخذ النبي من النبأ لأن الله أنبأه وأخبره فهو مخبَر، فهو فعيل بمعنى مفعول، والله ﷿ أوحى إليه أمره ووحيه، قال تعالى: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (^٤).
فالأنبياء مُخْبَرون ومُخْبِرون، وهم أشرف الخلق وأولو قدر عظيم في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (^٥) وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (^٦).
_________________
(١) الصحاح للجوهري مادة "ن ب أ".
(٢) سورة الحجر: ٤١.
(٣) سورة الحجر: ٥١.
(٤) سورة التحريم: ٣.
(٥) سورة مريم: ٥٧
(٦) سورة الأنعام: ٨٣.
[ ٣٥٤ ]
٢ - تعريف الرسول:
قال الزَّبِيدي: "الإرسال التوجيه، وبه فسر إرسال الله ﷿ أنبياءه ﵈ كأنه وجَّه إليهم أن أنذروا عبادي .. (والرسول أيضا المرسَل) وقال ابن الأنباري في قول المؤذن "أشهد أن محمدا رسول الله" أعلم وأبين أن محمدا تتابع الأخبار عن الله ﷿، والرسول معناه في اللغة: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذا من قولهم جاءت الإبل رسلا متتابعة" اهـ (^١).
فالرسل موَجَّهودن ومرسلون متتابعون، قال تعالى حاكيا قول ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (^٣).
الفرق بين النبي والرسول كما ذكر ابن تيمية: النبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله فهو رسول اهـ (^٤) وعلى ذلك كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.
٣ - الإيمان بالأنبياء والرسل:
معنى الإيمان بالأنبياء والرسل هو التصديق الجازم بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دونه وأن جميعهم صادقون مصَدقَّون بارون راشدون، كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الظاهرة والآيات القاهرة من ربهم مؤيدون، وأنهم بلّغوا جميع ما أرسلهم الله به، لم يكتموا منه حرفا، ولم يغيروه، ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفا ولم
_________________
(١) تاج العروس للسيد محمد مرتضى الزبيدي مطابع دار صادر بيروت ١٣٨٦/ ١٩٦٦: ٧/ ٣٤٤.
(٢) سورة النمل: ٣٥.
(٣) سورة المؤمنون: ٤٤.
(٤) كتاب النبوات لابن تيمية مكتبة الرياض الحديثة ص: ١٧٢، وينظر هذا المعنى نفسه تفسير الآلوسي طبعة المطبعة المنبرية: ١٧/ ١٥٧.
[ ٣٥٥ ]
ينقصوه، فهل على الرسل إلّا البلاغ المبين وأنهم كلهم كانوا على الحق المبين والهدى المستبين.
وأن الله اتخذ إبراهيم خليلا، واتخذ محمدا ﷺ خليلا، وكلم موسى تكليما، ورفع إدريس مكانا عليا، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمة ألقاها إلى مريم وروح منه" اهـ (^١).
آدم ﵇ أبو البشر وأول الرسل:
ومن الإيمان بالرسل أن نؤمن بأن الله تعالى خلق آدم بيديه حيث قبض قبضة من كل أرض، فخلقه ونفخ من روحه، وكان طوله ستون ذراعا (^٢)، وأسجد له الملائكة، وخلق زوجته حواء ﵉، وأسكنهما في الجنة، ثم أنزلهما إلى الأرض لحكمة يعلمها الله، وبث منهما رجالا ونساء، واصطفى من بينهم آدم نبيا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (^٣) فكان أول الرسل قبل الاختلاف، وكان الناس كلهم متبعون له، وكانوا على التوحيد الخالص عشرة قرون ثم حدث الشرك والاختلاف، فأرسل نوحا أول رسول بعد الاختلاف (^٤).
_________________
(١) معارج القبول للحكمي: ٢/ ٧٩.
(٢) ينظر صحيح البخاري مع الفتح: ٦/ ٣٦٢ (٣٣٢٦).
(٣) سورة آل عمران: ٣٣.
(٤) ينظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٥٧، وينظر صحيح البخاري مع الفتح: ٨/ ٦٦٧ (٤٩٢٠).
[ ٣٥٦ ]
ولادة عيسى بدون أب كانت آية من آيات الله:
ومن الإيمان بالرسل أن نؤمن بأن ولادة عيسى كانت آية من آيات الله، ولد بدون أب، وتكلم في المهد صبيا، وخاطب اليهود بقوله كما قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (^١).
فرد بقوله ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ على النصارى في قولهم ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾، ورد على اليهود بقوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ في قولهم إنه ولد الزنا، لأن الثابت عند بني إسرائيل أن ولد الزنا لم يكن نبيا إلى عشرة أجيال (^٢).
قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (^٣).
وعن عبادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" اهـ (^٤).
رفع عيسى إلى السماء بالجسد والروح حيا مذهب أهل السنة والجماعة:
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (^٥).
_________________
(١) سورة مريم: ٣٠.
(٢) ينظر سفر الاستثناء الإصحاح رقم: ٢.
(٣) سورة النساء: ١٧١.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح: ٢/ ٤٧٤ (٣٤٣٥).
(٥) سورة آل عمران: ٥٥.
[ ٣٥٧ ]
إن الله ﷿ ذكر في بداية الآية ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ اختلف المفسرون في معنى الوفاة التي ذكرها الله في هذه الآية قال بعضهم: هي وفاة نوم، كأن معنى الكلام إني قابض من الأرض فرافعك إليّ.
وقال الآخرون: هي وفاة موت، معنى ذلك إني متوفيك وفاة موت.
وقال الآخرون: معنى ذلك إذ قال الله يا عيسى إني رافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا أي فيه تقديم وتأخير (^١).
وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال معنى ذلك إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ في ذلك ومن ذلك ما روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، يقبض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها» ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (^٢) (^٣).
ولأن بقية المعاني تنضم إلى هذا المعنى بحيث إن وفاة نوم ليس بموت والتقديم والتأخير هو تجنب عن الموت عند الرفع، وأما المعنى الثالث: وفاة موت فيمكن أن يؤول أنه مات ثلاث ساعات أو سبع ساعات من النهار كما وردت في ذلك آثار عن السلف (^٤).
_________________
(١) جامع البيان لابن جرير الطبري: ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٢) سورة النساء: ١٥٩.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح: ٦/ ٤٩٠ - ٤٩١.
(٤) ينظر جامع البيان: ٣/ ٢٩١.
[ ٣٥٨ ]
ومن الإيمان بالرسل الإيمان بأن الله تعالى ختم الرسالة بنبينا محمد ﷺ، فلا نبي بعده قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (^١).
فهذا ملخص اعتقاد أهل السنة والجماعة تجاه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وبعد هذا التأصيل نأتي إلى أقوال المتأثرين بالاستشراق.
أقوال المتأثرين بالاستشراق
وهي على ثلاثة أقسام:
أولا: أقوالهم في حقيقة آدم ﵇:
قال سيد أحمد خان عند تفسير الآية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (^٢).
ليس المراد بلفظة "آدم" ذلك الشخص الذي يسميه عوام الناس ومشايخ المساجد بالأب "آدم" بل المراد به جنس الإنسان.
وقال إقبال: "وكان الهدف من ذكر آدم في التوراة إثبات قدرة النيابة في الإنسان، أما القرآن فقد حذف جميع الأسماء من قصة آدم وحواء والتي قد ذكرت في العهد القديم، لأن لا يكون هناك خطأ في الفهم والنظر إلى الحقيقة المقصودة، ومما لا شك فيه أن اسم آدم لم يحذف من هذه القصة، ولكن ليس المقصود به إشارة إلى شخص معين خلق أبا للبشر، وأسكن في جنات النعيم، وإنما هو تصور عام للحياة البشرية الساذجة، كما أن المراد بالجنة ليست تلك الجنة التي أعدت بصفة لم تدركها الحواس، بل إنما المقصود بها الإشارة إلى بداية الحياة الإنسانية تمهيدا للحياة المدنية والثقافية، وكذلك لا يراد بالهبوط، الهبوط الحسي أو الخلقي إنما يراد به الإشارة إلى
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٤٠.
(٢) سورة البقرة: ٣٢.
[ ٣٥٩ ]
الشعور الساذج، وهو لمعان للشعور الذاتي، ومن هنا استيقظ الإنسان، وشعر بأنه سبب وعلة، ويمكن له الخلق" اهـ (^١).