ويكون الرد على هذه الشبهة من وجوه:
أولًا: إن الثابت عند جميع الفرق الإسلامية التمييز بين ما قال الله ﷿ وبين ما قال الرسول ﷺ. فالقرآن هو كلام الله يختلف عن كلام الرسول، والأحاديث النبوية هي الأخرى وحي من الله ولكنها مضافة إلى الرسول ﷺ، فما ثبت في القرآن نُسب إلى الله ﷿ تشريفًا وتعظيما وتفريقًا بين قول الله وقول الرسول ﷺ.
ثانيًا: لم يكن للرسول ﷺ من خيار في تشريع الأحكام وما كان يتّبع إلا ما يوحى إليه، وقد حذر الله ﷿ نبيه من أن يأتي من عنده بشيء: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١).
أمر الله ﷿ نبيه أن يتبع الوحي ولا يستعجل في الحكم حتى يأتي أمر الله قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (^٢).
_________________
(١) سورة التحريم: ١.
(٢) سورة يونس: ١٠٩.
[ ٤٢٠ ]
ثالثًا: أما قول أمير علي: "أراد النبي ﷺ أن تظل ذكرى المكان الذي شهد مولد الإسلام فيه " اهـ فنرد عليه ونقول: قد أخطأ أمير علي حيث جعل مولد الإسلام مكة مكانًا والعهد المكي زمانا قياسا على الأديان الباطلة إذ أن لكل ديانة منها مولدا، ولكن الإسلام ليس له مولد في الدنيا لا مكانًا ولا زمانًا، لأن الدين عند الله الإسلام، وهو دين جميع أهل السماء وأهل الأرض وهو دين جميع الأنبياء والرسل، فقد جاء الإسلام إلى هذه المعمورة مع أبي البشر وأول الرسل أبينا آدم ﵇، وهو أول إنسان على وجه الأرض.
رابعًا: أما قول جراغ علي: "أمرهم النبي ﷺ في القرآن خلاف هذه العادة، واتباع القرآن كان فرضًا عليهم" اهـ فيقصد به الأمر بعدم التعدد وتحديد الزواج بواحدة.
وإذا كان هذا هو المقصود بالآية وكان اتباع القرآن فرضًا علي كل المسلمين، فلماذا لم يتبع هذا الحكم الخلفاء الراشدون والصحابة أجمعون؟ فلماذا أجازوا لأنفسهم التعدد؟ بل الأصل في الزواج هو التعدد لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ وعند الخوف من الجور فواحدة قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، وهذا وذاك كل من عند الله ﷿ وليس من عند محمد ﷺ.
وبالجملة قد أخطأ أمير علي وجراغ علي في نسبة هذه الأحكام إلى النبي ﷺ بعد أن عرفا أنها من عند الله ﷿، وصرحا ببشرية القرآن وفتحا المجال للمستشرقين المتشككين والمستغربين للظن بأن القرآن من عند محمد ﷺ.
[ ٤٢١ ]
الثالث: أقوال المتأثرين بالاستشراق في التفسير الجديد للقرآن:
قال أحمد خان: "إنه لم ينزل القرآن دفعة واحدة إنما نزل منجّمًا وقال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (^١) فنزل القرآن حسب النوازل والأحداث ولذلك توجه العلماء إلى معرفة الأسباب لفهم مقتضى الآيات القرآنية، وظهرت لهم أسباب وُضِعَ أساسها على الروايات الضعيفة، ولكن الطريقة المأمونة لفهم مقتضى الآيات النظر في سباق الآيات وسياقها والنظر في الأمور المستنبطة منها" اهـ (^٢).
قال مهدي علي: "إنه ليس من النهي التدبر في كتاب الله والتحقيق في ألفاظه حتى نصل إلى معانٍ ومطالب جديدة، فلا نقف عند تقليد المفسرين السابقين، بل نختبر العلوم الجديدة في ضوء ألفاظ القرآن، ولا يُسمى هذا التفسير تفسيرًا بالرأي، وكيف يكون منه وألفاظ القرآن تدل على هذه المعاني، بل هذا التفسير الذي نحن بصدده أحسن سندًا من تفسير السلف، لأنه مبني على حقائق محققة، ولا دخل فيه للعقل والقياس، ولا يمكن أن يكون هذا من التفسير بالرأي المنهي عنه، بل هو حقيقة القرآن والله نسأل أن يهدي الجميع إلى مثل هذا التفسير" اهـ (^٣).