ويكون الرد على الزعم من وجوه:
أولا: إننا لسنا بحاجة إلى اختراع قاعدة "الشهرة" في الرد أو القبول لما ورد عن أهل الكتاب من أقوال منسوبة إلى كتبهم المحرفة، بل تكفل الله ورسوله ببيان قاعدة القبول والرد، حيث تضمن بحفظ القرآن وفوض أمر كتبهم إلى علمائهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٦) وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا
_________________
(١) سورة هود: ١١٨.
(٢) سورة البقرة: ٢٥١.
(٣) سورة المائدة: ٤٤.
(٤) سورة المائدة: ٤٨.
(٥) ينظر الإسلام والحضارة الغربية لمحمد حسين: في الهامش ص: ١٦٥.
(٦) سورة الحجر: ٩.
[ ٤٠٣ ]
هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (^١).
وبين الله من صفات علماء أهل الكتاب التحريف والكذب، قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (^٣).
ولما كانت هذه الكتب غير معصومة عن التحريف والتبديل، ولما كان من صفة علمائهم التحريف والكذب، فقد بين الرسول ﷺ المنهج الواضح وقال: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ ﴾ الآية (^٤).
قال ابن حجر ﵀: "أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملا لئلًا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه" اهـ (^٥).
أما أن تكون الشهرة ميزانا، بها يعرف الحق من الباطل، فلم نعرف أحدا قال به إلّا السيد، ويبدو أنه متأثر بفلاسفة مذهب المنفعة الذين جعلوا الرأي العام هو المعيار على القيم الأخلاقية.
ثانيا: بين العلماء في ضوء ما سبق من الآيات والأحاديث المنهج الصحيح لقبول روايات أهل الكتاب وردها، فقسموا رواياتهم كلها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: مقبول، والثاني: مسكوت عنه، والثالث: مرفوض (^٦).
_________________
(١) سورة المائدة: ٤٤.
(٢) سورة النساء: ٤٦.
(٣) سورة البقرة: ٧٩.
(٤) صحيح البخاري: ٨/ ١٧٠ (٤٤٨٥).
(٥) فتح الباري لابن حجر: ٨/ ١٧٠.
(٦) ينظر مقدمة تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ١٩ كما سبق ذلك بالتفصيل في المبحث السالف.
[ ٤٠٤ ]
فهذا هو المنهج السني السليم في قبول روايات أهل الكتاب وكتبهم أو ردها، فأين منهج السيد -الذي يقول بقبول جميع الكتب المشهورة- من هذا المنهج الصحيح الذي فيه التوازن والعدل.
ثالثا: وقد ثبت تحريف التوراة بأدلة قاطعة، وقد بين ابن حزم ﵀ كيف تم هذا التحريف تاريخيا بسبب رِدَّاتِهم، وبعد أن سرد هذا التاريخ قال: "فاعلموا الآن أنه كان منذ دخلوا (أي اليهود) الأرض المقدسة إثر موت موسى ﵇ إلى ولاية أول ملك لهم وهو "شاول"، المذكور سبع ردّات، فارقوا فيها الإيمان وأعلنوا عبادة الأصنام، فأولها: بقوا فيها ثمانية أعوام، والثانية: ثماني عشرة عاما، والثالثة: عشرين عاما، والرابعة: سبعة أعوام، والخامسة: ثلاثة أعوام وربما أكثر، والسادسة: ثماني عشرة عاما، والسابعة: أربعين عاما.
فتأملوا! ! أي كتاب يبقى مع تمادي الكفر ورفض الإيمان هذه المدد الطوال في بلد صغير مقدار ثلاثة أيام في مثلها فقط، ليس علي دينهم واتباع كتابهم أحد على ظهر الأرض غيرهم" اهـ (^١).
رابعا: إن علماء بني إسرائيل بدلوا التوراة والزبور فزادوا ونقصوا، وأبقى الله بعضها حجة عليهم كما شاء، وبدل علماء النصارى الإنجيل كذلك فزادوا ونقصوا، وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (^٢) (^٣).
خامسًا: وإن قيل إن عيسى كانت عنده التوراة كما نزلت وكان عنده الإنجيل كما نزل، نعم إن المسيح بلا شك كانت عنده التوراة المنزلة كما أنزلها الله تعالى، وكان عنده الإنجيل المنزل، قال الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (^٤) إلّا أنه عرض في النقل عنه بعد رفعه عارض
_________________
(١) الفصل في الملل لابن حزم: ١/ ٢٩٠.
(٢) سورة الأنبياء: ٢٣.
(٣) ينظر الفص في الملل لابن حزم: ١/ ٣١٤ - ٣١٥.
(٤) سورة آل عمران: ٤٨، ٤٩.
[ ٤٠٥ ]
أشد وأفحش من العارض في النقل إلى موسى ﵇، فلا كافة في العالم متصلة إلى المسيح ﵇ أصلا، والنقل إليه راجع إلى خمسة فقط وهم: "متى" (Matthew) و"باطرة بن نونا" و"يوحنا بن سبذاي" و"يعقوب" و"يهوذا" و"أبناء يوسف" فقط.
ثم لم ينقل عن هؤلاء إلّا ثلاثة فقط، وهم: "لوقا الطبيب" (Doctor Luke) الأنطاكي و"مرقس الهاروني" (Mark Antony) و"بولس البنياميني" (Benjamin Pauls)، وهؤلاء كلهم كذّابون وكل هؤلاء مع ما صح من كذبهم وتدليسهم في الدين، فإنما كانوا مستترين بإظهار دين اليهود، ولزوم السبت بنص كتبهم، ويدعون إلى التثليث سرًّا، وكانوا مع ذلك مطلوبين حيث ما ظفروا بواحد منهم ظاهرا قتل، فبطل الإنجيل والتوراة لرفع المسيح ﵇ بطلانا كليا" اهـ (^١).
سادسًا: أما استشهاد رسول الله ﷺ بالتوراة في أمر رجم الزاني المحصن وضرب ابن سلام ﵁ يد "ابن صوريا" إذ جعلها على آية الرجم فحق وهو مما قلنا آنفا: إن الله تعالى أبقاه خزيا لهم وحجة عليهم .. أما قول الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٢) فحق لا مرية فيه، وهكذا نقول ولا سبيل لهم إلى إقامتهما أبدا لرفع ما أسقطوا منهما، فليسوا على شيء إلا بالإيمان بمحمد (ﷺ) فيكونون حينئذ مقيمين للتوراة والإنجيل
وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٣) فنَعَمْ إنما هو في كذب كذبوه ونسبوه إلى التوراة على جاري عادتهم زائدا على الكذب الذي وصفه أسلافهم في توراتهم فبكّتهم ﵇ في ذلك الكذب المحدث بإحضار التوراة إن كانوا صادقين فظهر كذبهم" اهـ (^٤).
_________________
(١) الفصل في الملل لابن حزم: ١/ ٣١٢ - ٣١٣.
(٢) سورة المائدة: ٦٨.
(٣) سورة آل عمران: ٩٣.
(٤) الفصل في الملل لابن حزم: ١/ ٣١٥ - ٣١٦.
[ ٤٠٦ ]
المطلب الثاني: القرآن الكريم.
وفيه:
* تعريف القرآن وخصائصه.
* أقوال المتأثرين بالاستشراق في القرآن الكريم.
* تفنيد شبهة عدم شمول القرآن.
* تفنيد شبهة بشرية القرآن.
* تفنيد شبهة حول إيجاد تفسير جديد.
[ ٤٠٧ ]
تعريف القرآن:
القرآن معنى القراءة يقال قَرَأَ يَقْرَأُ قرآنا وهو مصدر ككفران ورجحان، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (^١) ثم نقل هذا المعنى المصدري، وجعل اسما للكلام المعجز المنزل على النبي ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته (^٢).
خصائص القرآن الكريم:
من خصائص القرآن أنه كلام الله غير مخلوق لا كلام غيره وأن الله تعالى تكلم به حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد، منه المسموع تسمعه الملائكة ويسمعه جبرئيل وقد سمعه موسى ﵇ وسيسمعه الخلائق يوم القيامة، ومنه المسموع من وراء حجاب بدون واسطة، ومنه ما يسمعه الرسول الملكي، ويأمره بتبليغه منه إلى الرسول النبي كما قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٤) (^٥).
_________________
(١) سورة القيامة: ١٧ - ١٨.
(٢) ينظر معجم مفردات القرآن للأصفهاني: ص ٤١٤، ومناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبد العظيم الزرقاني: دار إحياء الكتب العربية القاهرة: ١/ ١٤ - ١٩.
(٣) سورة الشورى: ١٥٠.
(٤) سورة النساء: ١٦٤.
(٥) معارج القبول للحكمي: ٢/ ٧٥.
[ ٤٠٨ ]
ومنها أنه معجز: معنى المعجز هو الذي لا يستطيع البشر تقليده أو الإتيان بشيء يشبهه، خاصة أن الله ﷾ تحدى به العرب الذين هم أهل فصاحة وبلاغة وبيان للإتيان، ولو بسورة منه فما قدروا قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^١).
ومنها أنه منزل على النبي ﷺ: قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (^٢).
ومنها أنه مكتوب في المصاحف: إن الصحابة بالغوا في الاحتياط في نقله، ولم ينقلوا آية إلا بشهادتين من الكتابة والحفظ، فهو المنقول بالتواتر حيث تلقى التواتر على نوعين: التواتر القلبي والتواتر الكتابي، ولم يلق مثل هذا التواتر غيره من الكتب السماوية.
ومنها أنه متعبد بتلاوته: إن قراءته وتدبر أحكامه والامتثال بأوامره والامتناع عن نواهيه من الأمور الاعتقادية التي يثاب عليها المسلم ويعاقب عليها طبقًا لتصرفاته تجاه تلك الأحكام (^٣).
ومن خصائص القرآن أنه نزل منجمًا أي مفرقًا لتثبيت فؤاد النبي صلي الله عليه وسلم أولًا، والتدرج في تربية الأمة الناشئة علمًا وعملًا ثانيًا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (^٤).
_________________
(١) سورة البقرة: ٢٣.
(٢) سورة الشورى: ١٩٢ - ١٩٥.
(٣) ينظر الظاهرة الاستشراقية وأثرها على الدراسات الإسلامية: لـ د. ساسي سالم الحاج: ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤.
(٤) سورة الفرقان: ٣٢.
[ ٤٠٩ ]
ومنها أن بعضه نزل بمكة وبعض الآخر نزل بالمدينة، ويمتاز كل نوع بخصائص فنية ولفظية وعلمية، وكان هذا الاختلاف مثار انتقاد المستشرقين والمتأثرين بالاستشراق.
أقوال المتأثرين بالاستشراق في القرآن الكريم
وهى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - أقوال المتأثرين في شمولية القرآن.
٢ - أقوالهم في مصدرية القرآن.
٣ - أقولهم في إخراج تفسير جديد.
الأول: أقوال المتأثرين بالاستشراق في شمولية القرآن:
قال أمير علي: "والقول بأن الرجل نادى بأن الوجود يخضع لحكم القانون والنظام، وأن قانون الفطرة معناه التقدم إلى الإمام بأنه ﵊ أراد أن تكون صورة المجتمع التي دعت إليها ظروف الحياة في شبه الجزيرة العربية ضربة لازب إلى يوم يبعثون، قول فيه ظلم لنبي الإسلام ﵊، ولم يكن أحد أشد منه ﷺ إدراكا لمطالب هذا العلم الدائب التقدم بكل ما يشمل عليه من الظواهر الاجتماعية والأدبية المستمرة التغير، ولأن ما نزل عليه من الكتاب لا يشمل على جميع تفصيلات الأحكام التي تناسب كل ما يعرض من الحوادث والنوازل" اهـ (^١).
وقال جراغ علي: "لا يعلمنا القرآن قوانين المدنية والسياسة بل كان هدفه إحياء قوم العرب ودفعهم إلى قمة التقدم، وتغييرهم تغييرا كليا، ولم يكن المقصود من القرآن والسنة تقديم القوانين المدنية مثل: قوانين ديوانية وقوانين جندية وقوانين
_________________
(١) روح الإسلام لأمير علي: ٢/ ٥٦.
[ ٤١٠ ]
اقتصادية ولا بيان أصول الفقه وشرحها، ومما لا شك فيه أنه قد جاء فيها بعض الأمور المدنية والسياسية، ولكنها تتعلق بأمور قد ساء استخدامها في ذاك الزمن، مثلا تعدد الزوجات، والطلاق، واستعباد الرجال والنساء، فجاء القرآن وأنكر هذه المنكرات وغيرها من العادات القبيحة" اهـ (^١).
وقال جراغ علي أيضا: "إن الرسول ﷺ لم يترك لنا ضابطا قانونيا ولا دينيا، ولم يأمر أحدا من أتباعه بترتيب ذلك، وهذا الأمر يدل على أنه خَيَّر أمته في ترتيب نظام من عندهم مطابقا للمقتضيات السياسية والاجتماعية التي تحيط بهم في كل زمان ومكان" اهـ (^٢).