أولًا: إن إنكار السيد الوجود المتحيز المستقل للملائكة الكرام هو انحراف عن جادة الطريق الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو اتباع لما كان عليه محي الدين ابن عربي وإخوان الصفا وأتباعهم، وكفى به ضلالة أن يكون من أتباع أولئك الضلال.
ثانيًا: إن هذا القرآن العظيم أنزله الله بلسان عربي مبين هدى للناس ورحمة لهم، ولم ينزل بالإشارات والرموز والإيحاءات، ثم بينه الرسول بيانًا واضحًا لكل من أراد الهداية وأخلص النية، وهذا الطريق الذي سلكه السيد ومن معه من إنكار الأحاديث وتفسير الآيات بتسليط التأويل على كل ما يصعب فهمه على بعض العقول، واستبعاد ظاهر المعنى إلى ضرب من التمثيل أو القول بالاستعارات هو الذي يخشى أن ينفذ منه إلى تحريف الكلم عن مواضعها ابتغاء فتنة لجماهير من عامة الناس.
ثالثًا: لو نظرنا إلى صفة الملائكة التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة فلا يسع لهم هذا المكان الضيق، فلهم مكان عند الله على سعة وصفهم، يقول ابن حزم ﵀:
_________________
(١) رسائل إخوان الصفا: ١/ ١٤٥، وذكرها مهدي علي في تهذيب الأخلاق: ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠.
[ ٤٨٤ ]
"قد ثبت بضرورة المشاهدة أن محل الحياة وعنصرها، ومعدنها وموضعها إنما هو هنالك من حيث جاءت النفوس الحية الناقصة بما في طبعها من محاورة هذه الأجساد، والتثبت بها عن كمال ما خُصَّ بالحياة الدائمة ولم يشن ولا نقص فضلُه وصفاؤه بمجاورة الأجساد الكدرة المملؤة آفاتٍ ودرنًا وعيوبًا، فصح أن العلو الصافي في محل الأحياء الفاضلين السالمين من كل رذيلة ومن كل نقص، ومن كل مزاج فاسد، المحبُوِّين بكل فضيلة في الخلق.
وهذه صفة الملائكة ﵈، وصح بهذا أن على قدر سعة ذلك المكان يكون كثرة من فيه من أهله وعُمَّاره، وأنه لا نسبة لما في هذا المحل الضيق والنطفة الكدرة (الكدراء) مما هنالك، كما لا نسبة بمقدار هذا المكان من ذلك، بهذا أصبحت النبوة، وهكذا أخبر الرسول ﷺ عن كثرة الملائكة في الأخبار المسندة الثابتة عنه ﷺ، وبهذا وجب أن يكونوا هم الرسل والوسائط بين الأول تعالى الذي خصهم بالنبوة والرسالة وتعليم العلوم، وبين إنقاذ النفوس من هلكة" اهـ (^١).
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ١/ ١٤٧.
[ ٤٨٥ ]
المطلب الثاني: الجن والشياطين
وفيه:
* تعريف الجن والشياطين.
* صفاتهم الخلقية.
* أعمالهم في إيذاء الإنسان.
* أقوال المتأثرين بالاستشراق في الجن والشياطين:
* تفنيد شبهة إنكار عالم الجن والشياطين.
[ ٤٨٦ ]
تعريف الجن والشياطين، وصفاتهم، وأعمالهم
تعريف الجن لغةً:
" الجن غلاف الإنس، والواحد جنيٌ، يقال: سميت بذلك لأنها تُتَّقى ولا ترى والجنة: الجن ومنه قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (^١) والجانُّ أبو الجن الجمع جِنَّانٌ" اهـ (^٢).
تعريف الشيطان لغة:
" الشيطان: النون فيه أصلية وهو من شطن أي تباعد ومنه بئر شطون، وشطنت الدار وغُربة شطون، وقيل بل النون فيه زائدة من شاط يشيط احترق غضبًا، فالشيطان مخلوق من النار كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (^٣) قال أبو عبيدة "الشيطان اسم لكل عازم من الجن والإنس والحيوانات قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (^٤).
تعريف الجن والشياطين في الشرع:
عالم الجن والشيطان عالم من عوالم الغيب، غير عالم الإنسان وعالم الملائكة، بينهم وبين الإنسان قدر مشترك من حيث القدرة على اختيار الخير والشر، يخالفون الإنسان في أمور، أهمها: أن أصل الجان مخالف لأصل الإنسان قد ورد في النصوص كلمة الجن مقابل الإنس قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^٥)
_________________
(١) سورة هود: ١١٩.
(٢) الصحاح للجوهري مادة "ج ن ن".
(٣) سورة الرحمن: ١٥.
(٤) معجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني مادة "شطن" ص: ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٥) سورة الذاريات ٥٦.
[ ٤٨٧ ]
والجِنَّةُ بمقابل الناس قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (^١) ووردت كلمة الجان بمقابل الإنسان قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (^٢).
وأما كلمة الشيطان فقد وردت في القرآن الكريم أريد بها إبليس، وكان من عالم الجن يعبد الله في بداية أمره وسكن السماء مع الملائكة، ودخل الجنة ثم عصى ربه عند ما أمره أن يسجد لآدم استكبارًا وعلوًا، فطرده الله من رحمته.
والشياطين جمع شيطان أطلق على العارمين من الإنس والجن، إلا أن استخدامه غلب على شياطين الجن قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (^٣).
من صفاتهم الخلقية:
للجن قلوب وأعين وآذان قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (^٤).
ولهم قوة لا توجد في الإنسان، قال الله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ (^٥).
ولهم قدرة على التشكل بأشكال الإنسان والحيوان، فقد جاء الشيطان المشركين يوم بدر في صورة سراقة بن مالك ووعد المشركين بالنصر (^٦) وقد تشكل لأبي هريرة
_________________
(١) سورة الناس: ٦.
(٢) سورة الحجر: ٢٦ - ٢٧.
(٣) سورة الأنعام: ١٢.
(٤) سورة الأعراف: ١٧٩.
(٥) سورة النمل: ٣٩.
(٦) سورة الأنفال: ٤٨.
[ ٤٨٨ ]
في صورة إنسان محتاج صاحب عيال (^١) وقد يتشكل بصورة الكلب الأسود (^٢) وقد يتشكل بصورة الحية (^٣).
ومن الشيطان من له صورة قبيحة (^٤) وله قرنان، (^٥) والشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، (^٦) وللجن قدرة على سرعة الحركة والانتقال فقد أتى بعرش ملكة سبأ إلى سليمان ﵇ في طرفة عين (^٧). ومنذ القدم كانوا يصعدون إلى السماء، فيسترقون أخبار السماء (^٨). طعامهم الروث والعظام (^٩).
الجن يسكنون على هذه الأرض التي نعيش عليها ويكثر جمعهم في الخراب والفلوات، والشيطان منهم من يسكن في مواضع النجاسات كالحمامات والحشوش والمزابل وأماكن الفساد في الأسواق (^١٠).
ومن أعمالهم في إيذاء الإنسان:
إيقاع العباد في الشرك والكفر (^١١). إيقاعهم في الذنوب والمعاصي (^١٢). صدهم عن طاعة الله ﷿ (^١٣). إفساد الطاعات لهم (^١٤). إيذاء الوليد عند الولادة (^١٥). مس الشيطان للإنسان (^١٦).
_________________
(١) ينظر صحيح البخاري مع الفتح: ٤/ ٤٨٦ (٢٣١١).
(٢) ينظر صحيح مسلم مع الشرح: ٣ - ٤/ ٤٧٣ (٥١٠).
(٣) ينظر صحيح مسلم مع الشرح: ١٣ - ١٤/ ٥٨٤ (٢٢٣٦).
(٤) ينظر سورة الصافات: ٦٤ - ٦٥.
(٥) ينظر صحيح البخاري مع الفتح: ٦/ ٣٣٥ (٣٢٧٣).
(٦) ينظر صحيح البخاري الفتح: ٦/ ٣٣٦ (٣٢٨١).
(٧) ينظر سورة النمل: ٣٩ - ٤٠.
(٨) ينظر سورة الجن: ٨ - ٩.
(٩) ينظر صحيح البخاري مع الفتح: ٧/ ١٧١ (٣٨٦).
(١٠) ينظر صحيح البخاري مع الفتح: ١/ ٢٤٢ (١٤٢).
(١١) ينظر سورة الحشر: ١٦.
(١٢) ينظر صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٣٠ (١٧٥٣).
(١٣) ينظر سورة الأعراف: ١٦ - ١٧، وصحيح سنن النسائي ٢/ ٦٥٧ (٢٩٣٧).
(١٤) ينظر صحيح مسلم مع الشرح: ١٣ - ١٤/ ٤٤٠ (٢٢٠٣).
(١٥) ينظر صحيح مسلم مع الشرح: ٤/ ١٨٣٤ (٢٣٦٦).
(١٦) ينظر سورة البقرة: ٢٧٥.
[ ٤٨٩ ]
هذا ملخص ما عرفنا من عالم الجن والشياطين في ضوء الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة فيؤمن أهل السنة والجماعة أن الجن أمة كأمة الإنسان خلقوا من نار وكلفوا بالشرائع ومنهم المؤمن والكافر (^١).
والإبليس من شياطينهم بل هو من قاد المعركة في الصراع الدائر بين عالم الشياطين وعالم البشر، ومن قاعدته يرسل البعوث والسرايا في الاتجاهات المختلفة، ويعقد مجالس ويناقش جنوده فيما صنعته، ويثني على الذين أحسنوا وأجادوا في الإضلال وفتنة الناس.
عن جابر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظم فتنة، يجئ أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئا قال: ثم يجئ أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت. قال الأعمش أراه قال فيلتزمه" اهـ (^٢).
هو لم يزل حيًا يضل الناس منذ وجد الإنسان إلى اليوم وإلى أن تقوم الساعة قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (^٣).
_________________
(١) ينظر سورة الجن: ١٢ - ١٥.
(٢) صحيح مسلم مع الشرح ١٧ - ١٨/ ١٦٢ (٢٨١٣).
(٣) سورة الحجر: ٣٦ - ٣٨.
[ ٤٩٠ ]
أقوال المتأثرين بالاستشراق في عالم الجن والشياطين
قال سيد أحمد خان: "نرجو أننا قد أثبتنا بأحسن وجه بأن لفظة الجن في الجاهلية كانت تطلق على أقوام متوحشين سكنوا الجبال مع تطور الحضارة بالتدريج تحضروا، وتحالفوا الحضريين وكانوا كلهم من الإنس، وأما الوجود الخيالي الموهوم الذي كان العرب يعتقدونه ويسمونه جنًا بسبب اختفائهم، فهو مجرد الخيال، ليس في القرآن دليل على وجود مثل هذا المخلوق الذي يتخيله حمقاء من الناس، فإذا لم يثبت بالقرآن شيء يدل على مثل هذا المخلوق، فلا يصح أن يراد به مخلوقًا في الواقع، فلفظ الجن الذي جاء ذكره في القرآن إطلاقه على وجود وهمي وخيالي غلط محض، ونذكر هنا آيات. تدل على قوم وحشي وبري من الإنس وبالله نستعين:
الآية الأولى: يقول الله ﷿ في سورة الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^١) ومعناه الواضح أننا خلقنا جميع الإنس حضريين ووحشيين ليعبدوا الله (^٢).
وقال السيد أيضًا: "إن في هذه القصة (قصة آدم) أربعة فرقاء: الفريق الأول "الله" والثاني "الملائكة" يعني القوى الملكوتية، الثالث "الإبليس" أو "الشيطان" يعني القوى البهيمية، والفريق الرابع الأخير "آدم" يعني الإنسان، وهو جامع للقوى الملكوتية والقوى البهيمية، وشامل للذكر والأنثى، فالمقصود من القصة بيان فطرة الإنسان بلسانه الحالي، والله الذي خلقهم جميعًا خاطب القوى الملكوتية وقال: إني خالق بشرًا بمادة كثيفة وهو خليفتي، فإذا خلقته فاسجدوا له يعني أطيعوه، ولما أن
_________________
(١) سورة الذاريات: ٥٦.
(٢) تفسير الجن والجان على ما في القرآن لسيد أحمد خان مطبع مفيد عام آغرة في الهند ١٣٠٩ هـ ص: ٢٠ - ٢١.
[ ٤٩١ ]
القوى الملكوتية علمت أن في الإنسان قوى بهيمية قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (^١).
وقال إقبال: " (قال الشيطان لجبريل): يا جبريل إذا خلصت لك خلوة مع الله فاسأله: بدَمِ مَنْ صُبغت به قصةُ آدم؟ فأنا شوكة تنغرس في قلب الرب (العياذ بالله) وأنت أيها الإنسان في ذكر الله تقول فقط الله هو الله هو الله هو (^٢).
وقال أيضا وهو يحكي عن الشيطان: "ليس ابن آدم إلا قبضة من تراب، وقبضة من التراب تكفيها في جمرة من النار (^٣).
وقال أيضا: أن الشيطان لديه قوى متحركة، وهو في سعي مستمر وينبغي للإنسان أن يكسب حظًا ونصيبًا من هذا السعي المستمر (^٤).