٢ - هل هناك مرحلتان مر بها الإسلام مرحلة الإيمان ومرحلة العقل أو مرحلة القابلية ومرحلة الفاعلية؟ .
الشبهة الأولى: هل عقيدة التوحيد من الأمور التي يأبى قبولها العقل البشري؟
الجواب: لا، لأن عقيدة التوحيد هي أبسط عقيدة عرفها التاريخ الإنساني، وأسهل على العقل إدراكها، وقد ثبت ذلك من عدة وجوه:
١ - إن عقيدة التوحيد مما جعل في فطر البشر إدراك معناها قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^١).
٢ - إن عقيدة التوحيد هي أساس دعوة الأنبياء والرسل قاطبة من لدن آدم ﵇ إلى خاتم الرسل نبينا محمد ﷺ، ولو لم تكن هي أسهل شيء على عقول البشر لما كلف به جميع الأنبياء للتخاطب لجميع البشر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (^٢).
_________________
(١) سورة الأعراف: ١٧٢ - ١٧٤.
(٢) سورة الأنبياء: ٢٥.
[ ٢١٧ ]
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (^٣)
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (^٤) وإلى غير ذلك من الآيات قد خاطب فيها جميع الأنبياء أقوامهم بكلمة التوحيد.
٣ - إن الله قد استعجب من قوم يمرون بآيات الله الكونية ولا يستخدمون عقولهم ليعلموا أنما إلههم إله واحد. فقال تعالى: نهارًا وجعل لها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٥).
_________________
(١) سورة الأعراف: ٥٩.
(٢) سورة الأعراف: ٦٥.
(٣) سورة الأعراف: ٧٣.
(٤) سورة الأعراف: ٨٥.
(٥) سورة النمل: ٦٠ - ٦٣.
[ ٢١٨ ]
٤ - إن دعوى التوحيد قائمة، وكل آية في الكون تدل على أنه واحد ونحن أمرنا بالشهادة على دعوى قائمة بنفسها، قال الرسول ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله" اهـ (^١).
٥ - إن عقيدة التوحيد قد خاطب الله بها عقول البشر وذكر الدلائل العقلية للتمانع عن التعدد فقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ، إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (^٣).
٦ - إن عقد المقارنة بين عقيدة التثليث عند النصارى وعقيدة التوحيد الخالص في الإسلام يظهر لنا سهولة فهم عقيدة التوحيد.
يقول الدكتور سعيد إسماعيل: "عند مقارنة المفهومين اللذين يرسمهما الكتاب المقدس كما يسميه النصارى والقرآن الكريم للمعبود لا نجد صعوبة في إدراك المفهوم الإسلامي ولكن نجد صعوبة كبيرة في إدراك المفهوم المسيحي لأنه يطرح عددًا من الأسئلة:
مثلًا: هل الثالوث ليس إلا صورة من عقيدة تناسخ الأرواح ولكنها محدودة بأشكال ثلاثة؟ هل المعبود أو الإله أسرة تتألف من ثلاثة أفراد يعتمد بعضها على بعض؟ وإذا كان المخلوق قد يعصي الرب فما بال (الابن)، خاصة وأن نصفه إنسانًا ورث الخطيئة عن آدم ﵇ حسب عقيدة الثالوث؟
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح: ١/ ٧٥ كتاب الإيمان باب ١٧ (٢٥).
(٢) سورة المؤمنون: ٩١.
(٣) سورة الأنبياء: ٢٢.
[ ٢١٩ ]
ثم نتساءل أليس أفضل معيار للتمييز بين الخالق والمخلوقين هو أن الله واحد لا شريك له وهو الصمد الغني المستقل استقلالًا تامًّا بينما المخلوقات يعتمدون على الله ثم بعضهم على بعض (^١).
٧ - إن الدليل العقلي قد فهم به السلف توحيد الله ﵎، لو كان التوحيد بعيدا عن إدراك العقل البشري لما حث القرآن على ذلك، فمن نماذج الاستدلال العقلي ما قاله ابن جرير الطبري ﵀ عند قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ (^٢): "يقول الله تعالى ذكره: ما لله من ولد، ولا كان معه في القديم، ولا حين ابتدع الأشياء، من تصلح عبادته ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته ﴿مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ﴾ يقول إذن لاعتزل كل إله منهم ﴿بِمَا خَلَقَ﴾ من شيء فانفرد به، ولتطالبوا، فلعلا بعضهم على بعض، وغلب القوي منهم الضعيف لأن القوي لا يرضى يعلوه ضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهًا فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها لمن عقل وتدبر (^٣).
"إذًا لم يبق إلا الواحد المطلق الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وما قال بالتعدد إلا عن عقلية بدائية وفكرة وثنية وتصور خيالي مصطنع، بعيد عن التحقق، مصادم للعقل (^٤).
فثبت بما تقدم أن عقيدة التوحيد هي نفسها لن يأبى قبولها العقل البشري، بل هي سهلة الفهم إذا اتبعنا طريقة السلف في ذلك، ولكن جمهور المتكلمين يعتمدون على مسألة الجوهر والأعراض وهي صعبة الفهم، لأنها لم تكن معروفة على عهد النبي
_________________
(١) مبادئ العقيدة بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم لـ د. إسماعيل دار المجتمع للنشر والتوزيع جده، ط/٢، ١٤١٢ هـ ص: ١٢ - ١٣.
(٢) والآية هي ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: ١٩).
(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري، دار الفكر بيروت ١٤٠٥ هـ: ١٨/ ٤٩.
(٤) الوجود الحق لـ د. حسن هويدي، المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٤ هـ، ص: ٥٢.
[ ٢٢٠ ]
ﷺ وصحابته والتابعين لهم بإحسان، بل هي طريقة مبتدعة مأخوذة من الفلسفة اليونانية، ومقدماتها ونتائجها غير مستقيمة لأنها لا تسلم من الاعتراضات، وقد فندها شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه "تلبيس الجهمية" وكذلك ابن رشد في كتابه "منهج الأدلة" فإن طريقة المتأخرين صعبة الفهم حتى على المتخصصين، فكيف بجمهور الناس؟ فإن قيل ما هي طريقة السلف في الاستدلال على وجود الله؟ فالجواب هي طريقة القرآن الكريم وهي الاستدلال بخلق الإنسان نفسه كما كرره القرآن إذ هو الدليل وهو المستدل ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (^١) ثم ما يشاهده الإنسان ويحسه من المخلوقات العظيمة كالسموات والأرض والجبال والبحار والماء والنبات ولفت النظر إلى روعة الصنع والإتقان وحسن التدبير، فيستدل بذلك على وجود خالق مبدع مدبر لهذا الكون العظيم (^٢).