حقيقة وجود الله ﷿ هي حقيقة ثابتة عند السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فالأصل عندهم اليقين بوجود الله ﷿ بخلاف الفرق المنحرفة من أهل الكلام؛ ومن وافقهم قديما؛ وفي عصرنا الحاضر، فإن الأصل عندهم الشك وليس اليقين، خلافًا للسلف الصالح أهل السنة والجماعة " وقد وجد الانحراف في تقرير وجود الله تعالى عند الجهمية والمبتدعة، نتيجة عن التأثر بالزنادقة والهنود السمنية، اتسع انحراف المتكلمين من المعتزلة (^١) وغيرهم، فاشترطوا النظر والاستدلال، والشك لحصول العلم بالصانع بزعمهم، وقد فند شيخ الإسلام
_________________
(١) المعتزلة هي فرقة ضالة خالفوا قول الأمة في مرتكب الكبيرة بزعامة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد في زمن الحسن البصري، ويعتقد المعتزلة بأصول خمسة يخالفون فيها أهل السنة والجماعة، وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يرون من خلالها الخروج على الحاكم وقتاله. (فرق معاصرة تنتسب للإسلام وبيان موقف الإسلام منها، دكتور غالب بن علي عواجي، المكتبة العصرية الذهبية، ط ٥، ١٤٢٦ هـ، جدة، ٣/ ١١٦٣ -، ١١٩٨، آراء المعتزلة الأصولية دراسة وتقويمًا، الدكتور علي بن سعد بن صالح الضويحي، مكتبة الرشد، ط ٢، ١٤١٧ هـ، الرياض، ص: ٤٥ وما بعدها).
[ ١١ ]
هذا الزعم الباطل، فقال: ليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين، ولا هو قول المتكلمين، ولا غالبهم، بل هذا قول محدث في الإسلام، ابتدعه متكلمو المعتزلة، ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم، وقد نازعهم في ذلك طوائف من المتكلمين من المرجئة، والشيعة، وغيرهم، وقالوا: بل الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي، لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال؛ بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله، والإقرار به لا يقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل النظر" (^١)، فالمعتزلة ومن وافقهم يرون أن أول واجب على المكلف هو النظر المؤدي للمعرفة ولذلك قالوا بوجوب الشك بينما أول واجب عند السلف هو التوحيد لأن الله تعالى أمر به، فالمعرفة تؤدي إلى التوحيد، وقد فطر الله تعالى الناس على معرفته، ونص على ذلك رسول الله ﷺ في وصيته لمعاذ عندما بعثه إلى اليمن، فقال: (وليكن أول ما تدعوهم له أن يوحدوا الله) وفي رواية: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ) (^٢). (^٣)
_________________
(١) نقض تأسيس الجهمية، شيخ الإسلام ابن تيمية، (٥/ ٤٧٣)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية، تحقيق: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ (٦/ ٣٥٠)، العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها والدفاع عنها حتى نهاية العصر الأموي، عطا الله بخيت حماد المعايطة، دار الآفاق الفكرية، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ، مصر (١٣).
(٢) البخاري، كِتَاب التَّوْحِيدِ، بَاب مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ، حديث رقم (٦٨٤٨) ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، حديث رقم (١٦).
(٣) يرى الماتريدية أن معرفة الله لا تتم بالمعرفة الضرورية الفطرية بل لا تكون إلا بالاكتساب العقلي فلذا كان من الأصول التي تنبني عليها عقيدتهم (وجوب معرفة الله بالعقل) ورتبوا على ذلك إيجاب النظر والاستدلال وجعلوه أول واجب على العبد. واختلفت الأشاعرة عباراتهم في أول واجب على المكلف بعد أن اتفقوا على أن الأمر بعبادته ليس أول واجب. فحكى الأشاعرة عن الأشعري القول بأن أول واجب على المكلف هو المعرفة. والمعرفة عندهم معناها معرفة وجود الله وتفرده بخلق العالم. وعند الباقلاني أول واجب: النظر فقال: أول ما فرض الله ﷿ على جميع العباد النظر في آياته. والثاني من فرائض الله ﷿ على جميع العباد الإيمان به والإقرار بكتبه ورسله، والمراد بالنظر عندهم: ترتيب أمرين معلومين ليتوصل بترتيبهما على علم مجهول. (مجموع الفتاوى، (٢/ ٣٧٠٣٨)، درء تعارض العقل والنقل، (٨/ ٨).
[ ١٢ ]
ولذلك يعبر عنه السلف بالمعرفة أي معرفة الله ﷿ ولهذا يقول السفاريني (^١) في الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية:
أول واجب على العبيد معرفة الإله بالتسديد (^٢)
قال الشيخ محمد العثيمين ﵀ معلقًا على ذلك: " فالصحيح ما قاله المؤلف ﵀ أن أول واجب معرفة الله، أما النظر فلا نقول إنه واجب، ولكن لو فرض أن الإنسان احتاج للنظر فحينئذ يجب عليه النظر ". (^٣)
ولقد دلت الأدلة الكثيرة جدًا على ما ذهب إليه السلف وأن الله تعالى موجود، سواء كان الدليل من الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، أو كان الدليل من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه ﵊، أو كان الدليل دليلًا عقليًا، أو كان دليلًا حسيًا، والأصل في ذلك عند السلف رحمهم الله تعالى هو الدليل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، ثم تأتي بقية الأدلة للاستئناس بها، ويمكن إيضاح ذلك فيما يلي:
_________________
(١) هو الإمام الحبر الهمام العلامة محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني، النابلسي الحنبلي، صاحب التصانيف المشهورة، ولد بقرية سفّارين من قرى نابلس سنة ١١١٤ هـ، وتلا القرآن العظيم ثم رحل إلى دمشق لطلب العلم فأخذ العلم عن العديد من المشايخ، وله العديد من المؤلفات ومنها: شرح ثلاثيات مسند أحمد، وشرح نونية الصرصيري، وتحبير الوفاء في سيرة المصطفى، وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، وغيرها، توفي ﵀ عام ١١٨٨ هـ وهو على معتقد أهل السنة والجماعة لكن عليه بعض المآخذ لتأثره ببعض عبارات أهل الكلام مثل قوله: (القرآن كلام الله القديم) وقوله: وسائر صفاته الفعلية من الاستواء والنزول والإتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة لله تعالى ليس شيء منها محدث) ومثل حديثه حول تفويض الكلام وهذا لا يقدح في علمه رحمه الله تعالى فهو على عقيدة السلف الصالح. (عبد الرحمن بن قاسم، مقدمة حاشية الدرة المضية للسفاريني، ٥ - ٦، لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السُنّيّة شرح قصيدة أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية، محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، تحقيق: الدكتور عبد الله بن محمد بن سليمان البصيري، مكتبة الرشد، ط ١، ١٤٢١ هـ، الرياض، ١/ ٥٠ - ٥٣).
(٢) شرح العقيدة السفارينية ٠ الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية)، محمد بن صالح العثيمين، مدار الوطن، ط ٢، ١٤٣٤ هـ، الرياض، ص: ١٤٧.
(٣) المرجع السابق، ص: ١٤٩
[ ١٣ ]
أولًا: دليل الفطرة
أهل الفطر كلهم متفقون على الإقرار بالله ﷿. (^١) "فإن الإقرار بالخالق سبحانه، وكماله، أمر فطري ضروري في حق من سلمت فطرته " (^٢)، "فالفطرة السليمة تشهد بوجود الله من غير دليل:، ولم يُطل القرآن في الاستدلال على وجود الله تعالى، لأنّ القرآن يقرّر أنّ الفطر السليمة، والنفوس التي لم تتقذر بأقذار الشرك، مفطورة على الاقرار بوجوده سبحانه وتعالي، بل إنّ توحيده - سبحانه - أمر فطري بدهي؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. وقد نصّ الرسول ﷺ على فطرة الإقرار بالخالق، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء؛ هل تحسون فيها من جدعاء) ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إن شئتم (فطرة الله التي فطر الناس عليها) (^٣). ولم يقل ﷺ في الحديث ويُسلمانِه، لأنّ الإسلام مُوافقٌ للفطرة ". (^٤)
ولذلك لم يكثر السلف ﵏ الخوض في إثبات وجود الله تعالى، وحشد الأدلة لتقريره، لأنه من القضايا المسلمة المستقرة في الفطرة البشرية ". (^٥)
_________________
(١) مجموع الفتاوى، شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٣٨٦).
(٢) المرجع السابق، (٦/ ٧٣).
(٣) رواه البخاري برقم كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، برقم (١٣٨٥)، ورواه مسلم في كتاب القدر، باب كل مولود يولد على الفطرة، برقم (٢٦٥٨).
(٤) العقيدة في الله، عمر سليمان الأشقر، دار النفائس، ١٤١٩ هـ، الأردن، (٦٩ - ٧٠).
(٥) المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع، خالد بن مسعود الجعيد وآخرون ' دار الهدي النبوي؛ دار الفضيلة، مصر - السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ، (٢٣٩).
[ ١٤ ]
ثانيًا: دلالة الشرع
عند النظر في الأدلة الشرعية من الوحي المعصوم نجد أنها تدل على وجود الله ﷿ من خلال إثبات صفاته ﷿ التي تدل على حياته وقيوميّته وعلوه وعلمه وسائر صفاته الدالة على وجوده ﷿، سواء كان ذلك في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه ﷺ، ففي كتاب الله تعالى يقول جل وعلا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ .. الآية﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال الحافظ ابن كثير ﵀: " ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا القيم لغيره ". (^١)
ويقول النبي الكريم ﵊ مبينًا أن الله ﷿ موجود، وأنه الخالق لجميع المخلوقات، بما فيها السماوات والأرض: (كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء). (^٢) وفي رواية: (كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض). (^٣)
ولذلك فالسلف ﵏ يرون أن الإيمان بالله تعالى لا يكون إلا بالإيمان بوجوده، وربوبيته، وأسمائه وصفاته ﷾، وأن العبد لا يكون مؤمنًا حتى يؤمن بأركان الإيمان الستة؛ وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والإيمان باليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره" (^٤)، "وأن الإيمان بالله تعالى هو التصديق بما قال به وأمر به وافترضه ونهى عنه؛ من كل ماجاءت به الرسل ونزلت فيه الكتب " (^٥).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، الحافظ اسماعيل بن كثير الالقرشي الدمشقي، دار الفيحاء - دمشق- دار السلام - الرياض، ط ١، ١٤١٤ هـ، (١/ ٤١٣)
(٢) أخرجه البخاري ﵀ في كتاب التوحيد (ص ٤٠٣ ج ١٣).
(٣) خرجه البخاري ﵀ في كتاب بدء الخلق (ص ٢٨٦ ج ٦).
(٤) كتاب الإيمان، ابن مندة، (١/ ١٢٤ - ١٢٨).
(٥) كتاب الاعتقاد، محمد بن القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي، تحقيق: الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس، مكتبة المعارف، ط ٥، ١٤٢٦ هـ، الرياض، ص: ٢٤
[ ١٥ ]
ثالثًا: دلالة العقل على وجود الله ﷿
دل العقل السليم عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى، ووافق نصوص الشرع في ذلك ويتضح ذلك جليًا فيما يلي:
١ - دليل الخلق والإيجاد: إن هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ سَابِقُهَا وَلَاحِقُهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ خَالِقٍ أَوْجَدَهَا؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجِدَ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ صُدْفَةً. فَهِيَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجِدَ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَخْلُقُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ وُجُودِهِ كَانَ عَدَمًا؛ فَكَيْفَ يَكُونُ خَالِقًا؟! وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ صُدْفَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ حَادِثٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَلِأَنَّ وُجُودَهَا عَلَى هَذَا النِّظَامِ الْبَدِيعِ المُحْكَمِ، وَالتَّنَاسُقِ الْمُتَآلِفِ، وَالِارْتِبَاطِ الْمُلْتَحِمِ بَيْنَ الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا، وَبَيْنَ الْكَائِنَاتِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ يَمْنَعُ مَنْعًا بَاتًّا أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا صُدْفَةً. وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تُوجِدَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا، وَلَا أَنْ تُوجَدَ صُدْفَةً، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لَهَا مُوجِدٌ؛ وَهُوَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ وَالْبُرْهَانَ الْقَطْعِيَّ فِي سُورَةِ الطُّورِ؛ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]؛ يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمْ يُخْلَقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ، وَلَا هُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا أَنْفُسَهُمْ؛ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ خَالِقُهُمْ هُوَ اللهُ ﵎؛ وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ سُورَةَ الطُّورِ فَبَلَغَ هَذِهِ
[ ١٦ ]
الْآيَاتِ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧]، وَكَانَ جُبَيْرٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا، قَال: (كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ، وَذَلِكَ أَوْلَ مَا وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي) (^١). (^٢) فالله ﷿ خلق المخلوقات، ومن أهمها الإنسان، الذي أوجده الله تعالى من العدم، يقول الله جل وعلا مبينا ذلك: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧] " والاستدلال على الخالق بخلق الانسان في غاية الحسن والاستقامة، وهو طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية؛ دل القرآن عليها وهدى الناس إليها، وبينها وأرشد إليها " (^٣).
ولذلك دل القرآن الكريم على خلق الخلق وأن الله تعالى هو خالقهم في آيات كَثِيرَة؛ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣].
ويقول ﷾ مبينًا أنه الخالق وما سواه مخلوق، ومادام أنه خالق سبحانه لكل شيء فإنه موجود جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣].
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب تفسير سورة (والطور) حديث رقم (٤٣٧٥).
(٢) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، (٥/ ١٠٧)
(٣) النبوات، شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق الدكتور عبد العزيز الطويان، أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ، (١/ ٢٩٢).
[ ١٧ ]
٢ - دليل العناية والاتقان: عناية الله تعالى بعباده بإرسال الرسل دليل على وجوده سبحانه، فإن ما جاءت به الرسل من شرائع الله تعالى المتضمنة لجميع ما يصلح الخلق يدل على أن الذي أرسلهم بها رب رحيم حكيم، ولا سيما هذا القرآن المجيد الذي أعجز البشر والجن أن يأتوا بمثله. (^١) يقول الله ﷾ مبينًا إرساله الرسل إلى عباده: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر: ٢٤]. قال ابن كثير ﵀: وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل ". (^٢)
ولا شك أن النظر والتدبر في السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات، وما فيها من فعل معجز وتدبير محكم وعناية واتقان؛ يدل بوضوح على وجود الرب الخالق الحكيم؛ الذي أتقن كل شيء خلقه، يقول الله جل وعلا مبينًا هذا الاتقان: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].
وقد وردت آيات كثيرة تشير إلى هذا المعنى؛ ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: ٦ - ٨]، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ([الغاشية: ١٧ - ١٩]. " وهذه الآيات تدل على الحث على التفكر في مخلوقات الله تعالى الدالة على توحيده سبحانه، فإذا تم توحيده، لزم الإقرار بوجوده سبحانه. (^٣)
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية، محمد العثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة السادسة، ١٤٢١ هـ، الدمام (٣٢ - ٣٣).
(٢) تفسير القرآن العظيم، اسماعيل بن كثير الدمشقي، دار الفيحاء- دمشق، دار السلام- الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، (٣/ ٧٢٩).
(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، (٩٠٦، ٩٢٢).
[ ١٨ ]
رابعًا: دلالة الحس على وجود الله ﷿
دل الحس على وجود الله، فإن الإنسان يدعو الله ﷿، يقول: يا رب! ويدعو بالشيء، ثم يستجاب له فيه، وهذه دلالة حسية، هو نفسه لم يدع إلا الله، واستجاب الله له، رأى ذلك رأي العين. وكذلك نحن نسمع عمن سبق وعمن في عصرنا، أن الله استجاب لهم. فالأعرابي الذي دخل والرسول ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة قال: هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا قال أنس: والله، ما في السماء من سحاب ولا قزعة (أي: قطعة سحاب) وما بيننا وبين سلع (جبل في المدينة تأتي من جهته السحب) من بيت ولا دار. وبعد دعاء الرسول ﷺ فورًا خرجت سحابة مثل الترس، وارتفعت في السماء وانتشرت ورعدت، وبرقت، ونزل المطر، فما نزل الرسول ﷺ إلا والمطر يتحادر من لحيته ﵊). (^١) وهذا أمر واقع يدل على وجود الخالق دلالة حسية. وفي القرآن الكثير من الأدلة على ذلك منها قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَه .. ا﴾ لآية [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]. (^٢)
ومن الادلة الحسية كذلك على وجود الله ﷿ هو مشاهدة معجزات الأنبياء، فإنها تدل على أن مرسلهم موجود ﷾، وفي القرآن الكريم ما يؤيد دلالة المعجزة على إثبات وجود الخالق ﷾، وذلك في المحاورة التي وقعت بين موسى ﵇ وفرعون الجاحد لرب العالمين حيث قال الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ*قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ*قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ*قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ*قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ*قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ*قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ*قَالَ فَأْتِ بِهِ
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٩٣٣)، ومسلم برقم (٨٩٧)
(٢) شرح العقيدة الواسطية، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ الدمام، (١/ ٥٦).
[ ١٩ ]
إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ*فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ*وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِين ([الشعراء: ٢٣ - ٣٣].
فهذه الآيات تبين أن فرعون أنكر الرب تعالى، وأن موسى ﵇ أقام عليه الحجة التي تعتبر دليلًا على صدق كونه رسولًا من رب العالمين، والآيات هي اليد والعصى، كما أن هناك آيات أخرى وهي، نقض الثمرات، والسنين والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وهي تسع آيات بينات (^١). وأما معجزات عيسى ﵇ فكانت متعددة يبينها قول الله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ﴾ [ال عمران: ٤٩] (^٢). وأما معجزات النبي الكريم محمد ﷺ فكثيرة؛ ولكن أعظمها معجزة القرآن الكريم. وذلك لأنها معجزة باقية على مر الزمن، ناطقة بنبوته ﵊ في كل زمان ومكان، بينما سائر المعجزات الأخرى التي أيد الله تعالى بها سائر أنبيائه قد انتهت وذهبت وأصبحت تاريخًا يُذكر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأما الذين سلكوا طريق الحكمة، فلهم أيضًا مسالك؛ مثل أن يقال: إن الله ﷾ إذا بعث رسولًا أمر الناس بتصديقه وطاعته، فلا بد أن ينصب لهم دليلًا يدل على صدقه، فإن إرسال رسولًا بدون علامة وآية تعرف المرسل إليهم أنه رسول: قبحٌ، وسفه في صرائح العقول، وهو نقص في جميع الفطر ". (^٣)
_________________
(١) الرسل والرسالات، عمر بن سليمان الأشقر، مكتبة الفلاح، الطبعة الأولى، الكويت، ١٤٠١ هـ (١٢٨).
(٢) الرسل والرسالات، الأشقر، (١٣٠).
(٣) النبوات، ابن تيمية، (٢/ ٨٨٩).
[ ٢٠ ]