الإيمان بالله تعالى هو أحد أركان الإيمان، ويدخل في الإيمان بالله تعالى الإيمان بوجوده ﷾؛ وهو أمر من أمور الغيب الواجب الإيمان بها، ومن أنكر شيئًا من أمور الغيب فهو خارج من الإسلام، فإن من اركان الإيمان: الإيمان بالله تعالى بمعرفته والتيقن بوجوده والإيمان بربويته وأسمائه وصفاته (^١)، ويرى السلف ﵏ أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، ويقولون: هو قول وعمل ومعرفة، أي: اعتقاد ونية (^٢).
والشك في وجود الله تعالى مخالف للفطر السليمة كما تقدم؛ لكن نظرًا لانتشاره في السنوات الأخيرة بشكل مخيف في البلاد الإسلامية (^٣)، كان لزامًا بيان أثره على عقيدة المسلم، فإن الشك في وجود الله ﷿ هو في الحقيقة شك في ربوبيته ﷾، فمن شك أنه لا يوجد رب خالق مالك متصرف في هذا الكون فقد وقع في الكفر، ومن أنكر ربوبية الله ﷿ فإنه سينكر ألوهيته من باب أولى؛ إذ لا يمكن أن يتعبد الإنسان معدومًا؛ ونظرًا لأن الشك في ربوبية الله تعالى يؤدي إلى الكفر؛ لتعلقه بالاعتقاد الذي يجب على المسلم اعتقاده (^٤)؛ فسأبين في هذا المبحث؛ حكم الشك في وجود الله تعالى، وما يترتب على الشك في وجوده ﷾؛ فيما يلي:
_________________
(١) اعتقاد أهل السنة والجماعة، الإمام عدي من مسافر (٤٦٧ - ٥٥٨ هـ)، تحقيق: أحمد فريد المزيد، مطبوع مع كتاب أصول السنة للإمام أحمد، دار الكتب العلمية، ١٤٢٧ هـ، بيروت، ص: (٢٨٣).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، هبة الله بن الحسن اللالكائي، دار ابن حزم، ط ١، ١٤٢٦ هـ، بيروت، (٢/ ٩٥)، (٤/ ٤٠٣ - ٤١٥)، كتاب اعتقاد أهل السنة، الاسماعيلي، ص: (٤٣)، كتاب الإيمان، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تحقيق: ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط ٢، ١٤٠٣ هـ، بيروت، ص: (٥٠)،.
(٣) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، مانع بن حماد الجهني، الطبعة الخامسة، ١٤٢٤ هـ، دار الندوة العالمية، الرياض (٢/ ٨٠٣ - ٨٠٤).
(٤) الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي، دار الكتب العلمية، ط ٢، ١٤٠٦ هـ، لبنان، ص: (٩٥)، كتاب الإيمان، الحافظ محمد بن إسحاق بن يحي بن مندة، تحقيق: أ. د. علي بن محمد الفقيهي، دار الفضيلة، ط ٤، ١٤٢١ هـ، الرياض، (١/ ١٢٣)، كتاب اعتقاد أهل السنة، الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الاسماعيلي (٢٧٧ - ٣٧١)، ط ١، دار المنهاج، ١٤٣٠ هـ، الرياض، ص: (٣٥).
[ ٢١ ]
أولًا: حكم الشك في وجود الله تعالى
لكي يتضح حكم الشك في وجود الله تعالى؛ فلا بد من بيان اعتقاد السلف في حكم من شك في وجود الله تعالى، وإيضاح الرد على من احتج بشك الأنبياء، وأن الشك في وجود الله تعالى يؤدي إلى الكفر فيما يلي:
١ - اعتقاد السلف في حكم من شك في وجود الله تعالى
يعتقد السلف ﵏ أن الله تعالى موجود؛ وأنه رب العباد وخالقهم ومُوجدهم من العدم، وأنه خالق كل شيء (^١)، وأن الله تعالى ممستوي على عرشه بائن من خلقه أحاط بكل شيء علمًا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (^٢). ولهذا يقول السلف ﵏: " إثبات الله ﷿ إثبات وجود لا إثبات كيفية " (^٣).
ويعتقد السلف بأن الإيمان بالله تعالى هو أحد أركان الإيمان الستة لقول النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: (الإِيمَان أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (^٤).
وبناء على ذلك فإن أول أركان من ركن الإيمان هو الإيمان بالله ﷿، ويتضمن الإيمان بالله ﷿ الإيمان بما يلي (^٥):
_________________
(١) الاعتقاد على مذهب السلف، البيهقي، ص: (٨ - ١٠)، بيان المعاني في شرح مقدمة أبي زيد القيرواني، صالح بن فوزان الفوزان، دار ابن الجوزي، ط ١، ١٤٣٥ هـ، الدمام، ص: (٥٠).
(٢) أصول السنة واعتقاد الدين، الإمام عبد الرحمن بن حاتم الرازي، (ت ٣٢٧ هـ)، تحقيق: أحمد فريد، طبع مع كتاب أصول السنة للإمام أحمد، دار الكتب العلمية، ١٤٢٧ هـ، بيروت، ص: (١٣٣).
(٣) جواب أبي بكر الخطيب البغدادي عن سؤال بعض أهل دمشق في الصفات، طبع بذيل كتاب اعتقاد أهل السنة للاسماعيلي، تقريظ: حماد الأنصاري، ط ٢، دار المنهاج، ١٤٣٠ هـ، الرياض، ص: (٧٢).
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان رقم (٨).
(٥) شرح أصول الإيمان، محمد بن صالح العثيمين، دار الوطن، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، الرياض، ص: ١٥ - ٢٣
[ ٢٢ ]
أ - الإيمان بوجوده، أي: أنه موجود ﷾.
ب - الإيمان بربوبيته، أي: أنه سبحانه هو الرب لا شريك له ولا معين.
ت - الإيمان بألوهيته، أي: أنه الإله الحق لا شريك له.
ث - الإيمان بأسمائه وصفاته، أي: إثبات ما أثبتع الله تعالى في كتابه، أو أثبته رسوله ﷺ في سنته من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
وأما الشك في وجود الله تعالى فيرى السلف أنه كفر بالله ﷾، وهو ما يسمونه كفر الشك، (^١) وهو التردد، وعدم الجزم بصدق الرسل، ويقال له كفر الظن، وهو ضد الجزم
_________________
(١) قسم العلماء الكفر إلى عدة أقسام تندرج تحتها كثير من صور الشرك وأنواعه وهي: ١) كفر الجحود والتكذيب: وهذا الكفر تارة يكون تكذيبًا بالقلب ــ وتارة يكون تكذيبا باللسان أو الجوارح وذلك بكتمان الحق وعدم الانقياد له ظاهرا مع العلم به ومعرفته باطنًا، ككفر اليهود بمحمد ﷺ فقد قال الله تعالى عنهم: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) [البقرة: ٨٩] وقال سبحانه أيضا: (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) (البقرة: ١٤٦) وذلك أن التكذيب لا يتحقق إلا ممن علمَ الحقَّ فرده ولهذا نفى الله أن يكون تكذيب الكفار للرسول ﷺ على الحقيقة والباطن وإنما باللسان فقط؛ فقال تعالى: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) الأنعام/ ٣٣ وقال عن فرعون وقومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) [النمل/ ١٤]، ويلحق بهذا الكفر كفر الاستحلال فمن استحل ما عَلِم من الشرع حرمته فقد كذَّب الرسول ﷺ فيما جاء به، وكذلك من حَرَّم ما عَلِم من الشرع حِله. [(أعلام السنة المنشورة ١٧٧) و(نواقض الإيمان القولية والعملية، عبد العزيز آل عبد اللطيف (٣٦ – ٤٦)، ضوابط التكفير، عبد الله القرني (١٨٣ – ١٩٦)] ٢) كفر الإعراض والاستكبار: ككفر إبليس إذ يقول الله تعالى فيه: (إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة/ ٣٤]. وكما قال تعالى: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) النور/ ٤٧ فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن كان أتى بالقول. فتبين أن كفر الإعراض هو: ترك الحق لا يتعلمه ولا يعمل به سواء كان قولا أو عملا أو اعتقادا. يقول تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) [الأحقاف/ ٣] فمن أعرض عما جاء به الرسول ﷺ بالقول كمن قال لا أتبعه، أو بالفعل كمن أعرض وهرب من سماع الحق الذي جاء به أو وضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع، أو سمعه لكنه أعرض بقلبه عن الإيمان به، وبجوارحه عن العمل فقد كفرَ كُفْر إعراض. ٣) كفر النفاق: وهو ما كان بعدم تصديق القلب وعمله، مع الانقياد ظاهرا رئاء الناس ككفر ابن سلول وسائر المنافقين الذين قال الله تعالى عنهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ .. الخ الآيات) البقرة/ ٨–٢٠ ٤) كفر الشك والريبة: وهو التردد في اتباع الحق أو التردد في كونه حقًا، لأن المطلوب هو اليقين بأن ما جاء به الرسول حق لا مرية فيه، فمن جوَّز أن يكون ما جاء به ليس حقا ًفقد كفر؛ كفر الشك أو الظن كما قال تعالى: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا. قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا. لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) [الكهف: ٣٥ - ٣٨].
[ ٢٣ ]
واليقين. وقد يعبر عنه السلف بالنية؛ قال ابن مندة ﵀ (^١): " ذكر وجوب النية للإسلام والإيمان بالله وحده لا شريك له " (^٢).
والدليل على كفر الشك قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ الساعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَواكَ رَجُلًا لَكِنا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٨]. قال ابن جرير الطبري ﵀: " ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وظلمه نفسه: كفره بالبعث، وشكه في قيام الساعة، ونسيانه المعاد إلى الله تعالى، فأوجب لها بذلك سخط الله وأليم عقابه، وقوله: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ يقول جلّ ثناؤه: قال لما عاين جنته، ورآها وما فيها من الأشجار والثمار والزروع والأنهار المطردة شكًا في المعاد إلى الله: ما أظنّ أن تبيد هذه الجنة أبدا، ولا تفنى ولا تَخْرب، وما أظنّ الساعة التي وعد الله خلقه الحشر فيها
_________________
(١) هو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يحي بن مندة، ولد في سنة عشر وثلاثمائة أو إحدى عشر وثلاثمائة بأصبهان، ونشأ نشأة علمية فوالده وجده أئمة، رحل في طلب العلم إلى نيسابور والعراق والمدينة وغيرها، توفي سنة ٣٩٥ هـ، (مقدمة كتاب الإيمان، ابن مندة، مرجع سابق، (١/ ٢٢ - ٥١).
(٢) كتاب الإيمان، ابن مندة، (١/ ١٥٤).
[ ٢٤ ]
تقوم فتحدث، ثم تمنى أمنية أخرى على شكّ منه، فقال: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي) فرجعت إليه، وهو غير موقن أنه راجع إليه " (^١)
ومن الأدلة الواضحة كذلك على كفر من شك في وجود الله ﷿ قول الله ﷾: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ١٠]، قال ابن كثير: أفي الله شك؟ وهذا يحتمل شيئين؛ أحدهما؛ أفي وجوده شك، إن الفطر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده; ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه (فاطر السماوات والأرض) الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه.
والمعنى الثاني في قولهم: (أفي الله شك) أي: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو، وحده لا شريك له; فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى " (^٢).
والسلف ﵏ لا يفرقون بين من شك في الله، أو في الملائكة، أو في الرسل، أو في البعث، أو في الجنة، أو في النار، أو في شيء مما بلغه عن خبر الله وخبر رسوله ﷺ: فيقولون هو كافر، ويستدلون على ذلك بما رواه أبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القران، محمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد عبد الرزاق البكري وآخرون، دار السلام، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ، القاهرة (٧/ ٥٣٥٠).
(٢) تفسير القران العظيم، ابن كثير، (٢/ ٦٩١).
[ ٢٥ ]
فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ (^١). وبما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه ِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ، وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) (^٢). فسبب الكفر هنا هو الشك فالحديث الأول دل على أن من شروط لا إله إلا الله؛ اليقين المنافي للشك (^٣)، وأما الحديث الثاني فيدل على يقين المؤمن بشهادة أن محمدًا رسول الله، إذا يقال له: (قد علمنا إن كنت لموقنًا به، وأما المنافق فهو شاك محتار؛ ولذلك يقول: (سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته). ويدل على ذلك أيضًا حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أن النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ عن الميت: (وَيُجْلَسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ، فَزِعًا مَشْعُوفًا، فَيُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا، فَقُلْتُهُ، … إلى أن قال ﵊: فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مُتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى). (^٤)
ومن الأدلة كذلك على كفر من شك بالله تعالى، هو عدم اليقين بما جاء في كتاب الله تعالى، فإن ذلك تكذيب للقرآن الكريم الذي هو كلام الله تعالى، ومن كذب الله تعالى فلا شك في كفره. (^٥) والنبي ﷺ هو المبلغ عن ربه ﷿ فمن شك في
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب مَنْ لَقِي اللَّهَ بِالْإِيمَانِ وَهُو غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَحُرِّمَ عَلَى النَّارِ (٢٧).
(٢) رواه البخاري في كتاب العلم، باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، حديث رقم (٨٦)، ورواه مسلم في كِتَاب الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، حديث رقم (٩٦٣).
(٣) ذكر أهل العلم أن ل لاإله إلا الله سبعة شروط وهي: (العلم - اليقين – الإخلاص – الصدق – المحبة – الانقياد – القبول (معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، حافظ بن أحمد حكمي، الطبعة الثالثة، دار ابن القيم، ١٤١٥ هـ، الدمام، ١/ ٣٢).
(٤) رواه ابن ماجة (٤٢٦٨) وصححه الألباني في " صحيح ابن ماجة ".
(٥) شرح السنة، حسن بن علي بن خلف البربهاري، ط ١، دار الآثار، ١٤٢٩ هـ، القاهرة، ص: (٤٥٥).
[ ٢٦ ]
صدقه؛ فهو مكذب به، قال القاضي عياض ﵀ بعد أن ذكر بعض المكفرات -: " وكذلك من أضاف إلى نبينا ﷺ تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به، أو شك في صدقه، أو سبه، فهو كافر بإجماع " (^١).
ولذلك يرى السلف ﵏ أن من قال: لا إله إلا الله لا يدخل الجنة إلا إذا قالها غير شاك بها، وإنما متيقنًا معتقدًا بقلبه. (^٢) والشك في وجود الله من المسلم ردة عن الإسلام، فإن "الردة قد تكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، فمن اعتقد عدم وجود الله ﷿ أو شك في ذلك فإنه مرتد خارج من الإسلام" (^٣).
٢ - جواب السلف على من احتج بشك الأنبياء
فيما تقدم تبين اعتقاد السلف في حكم من شك في وجود الله تعالى، ونظرًا لأن هناك من يحتج بما حصل من بعض الأنبياء من شك كما ذكره الله تعالى عنهم كإبراهيم، ولوط، ويوسف ﵈ (^٤)، فإن هذه الحجة ليست صحيحة وهي داحضة ولا يلتفت إليها، وذلك لأن جميع الأنبياء قد زكاهم الله تعالى في كتابه الكريم في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [٥٨]، وأما قول إبراهيم ﵇ كما أخبر الله تعالى عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فقد ذكر أهل
_________________
(١) الشفا، القاضي عياض، (٢/ ٦٠٨).
(٢) كتاب الإيمان، ابن مندة، (١/ ٢١٢ - ٢٢٧).
(٣) العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي، مدحت بن الحسن ال فراج، مكتبة الرشد، ط ٦، ١٤٢٨ هـ، الرياض، ص: (٢٠٦).
(٤) كتاب الإيمان، ابن مندة، مرجع سابق (١/ ٤٨٨ - ٤٨٩).
[ ٢٧ ]
العلم أن ذلك من الوساوس التي تأتي الإنسان وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لا يؤثر على اليقين، وعلى هذا بوب ابن مندة ﵀ في كتاب الإيمان بقوله: ذكر درجات الأنبياء في الوساوس مع اليقين، قال ابن حجر ﵀: " واختلف السلف في المراد بالشك هنا، فحمله بعضهم على ظاهره وقال: كان ذلك قبل النبوة، وحمله أيضا الطبري على ظاهره وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان، لكنها لم تستقر ولا زلزلت الإيمان الثابت. عن ابن عباس ﵄ قال: أرجى آية في القرآن هذه الآية وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى الآية، قال ابن عباس: هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم ﵇ بأن قال: بلى. وذهب آخرون إلى تأويل ذلك، قال " لما اتخذ الله إبراهيم خليلا استأذنه ملك الموت أن يبشره فأذن له " فذكر قصة معه في كيفية قبض روح الكافر والمؤمن، قال " فقام إبراهيم يدعو ربه: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أني خليلك " وفي رواية قال " ليطمئن قلبي بالخلة " وعن سعيد بن جبير قال: ليطمئن قلبي أني خليلك " وعن ابن عباس " لأعلم أنك أجبت دعائي، ثم اختلفوا في معنى قوله ﷺ نحن أحق بالشك فقال بعضهم: معناه نحن أشد اشتياقا إلى رؤية ذلك من إبراهيم، وقيل معناه إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى أن لا يشك، أي لو كان الشك متطرقا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به منهم، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنه لم يشك. وإنما قال ذلك تواضعا منه، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم، وقيل: معناه هذا الذي ترون أنه شك أنا أولى به لأنه ليس بشك إنما هو طلب لمزيد البيان، وله: (قال أولم تؤمن) الاستفهام للتقرير، ووجهه أنه طلب الكيفية وهو مشعر بالتصديق بالإحياء. قوله: (بلى ولكن ليطمئن قلبي) أي ليزيد سكونا بالمشاهدة المنضمة إلى اعتقاد القلب، لأن
[ ٢٨ ]
تظاهر الأدلة أسكن للقلوب، وكأنه قال أنا مصدق، ولكن للعيان لطيف معنى. وقال عياض: لم يشك إبراهيم بأن الله يحيي الموتى، ولكن أراد طمأنينة القلب وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء فحصل له العلم الأول بوقوعه، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته، ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين وإن لم يكن في الأول شك لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين والله أعلم. " (^١). وأما ما قيل عن شك لوط ﵇ في قدرة الله ﷿؛ فقال ابن حجر ﵀ مفندًا ذلك: "قوله: (يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد) (^٢) أي إلى الله ﷾، ويشير ﷺ إلى قوله تعالى: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ويقال إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه لأنهم من سدوم وهي من الشام وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام هاجر معه لوط، فبعث الله لوطا إلى أهل سدوم فقال: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة لكنت أستنصر بهم عليكم ليدفعوا عن ضيفاني" (^٣). قال ﵀: " وله: (ولو لبثت في السجن طول ما لبث، يوسف لأجبت الداعي) (^٤) أي أسرعت الإجابة في الخروج من السجن ولما قدمت طلب البراءة، فوصفه بشدة الصبر حيث لم يبادر بالخروج وإنما قاله ﷺ تواضعا، والتواضع لا يحط مرتبة الكبير بل يزيده رفعة وجلالا، وقيل هو من جنس قوله لا تفضلوني على يونس وقد قيل إنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل من الجميع ". (^٥)
_________________
(١) فتح الباري، ابن حجر، (٦/ ٤٩٨ - ٥٠٠).
(٢) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ولوطا إذ قال لقومه، حديث رقم (٣٣٣٧٥).
(٣) فتح الباري، ابن حجر، (٦/ ٥٠٣ - ٥٠٤).
(٤) رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب ونبئهم عن ضيف إبراهيم، برقم (٣٣٧٢) ورواه مسلم في كتاب الفضائل في باب من فضائل إبراهيم الخليل ﵇، حديث رقم (٢٣٦٩).
(٥) فتح الباري، ابن حجر (٦/ ٥٠٠).
[ ٢٩ ]
ثانيًا: ما يترتب على الشك في وجود الله ﷿
تبين لنا فيما سبق أن من شك في وجود الله ﷿ فقد كفر بالله وخرج من الإسلام، وبالتالي فيحكم بردته ويترتب على ذلك ما يترتب على الردة من أحكام، ويمكن بيان ذلك فيما يلي:
١ - يستتاب إذا أظهر ما يدل على ذلك فإن تاب وإلا قتل: فإن المرتد لا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لأَنَّ الرِّدَّةَ إنَّمَا تَكُونُ لِشُبْهَةٍ، وَلا تَزُولُ فِي الْحَالِ، فَوَجَبَ أَنْ يُنْتَظَرَ مُدَّةً يَرْتَئِي فِيهَا، وَأَوْلَى ذَلِكَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ " (^١). وقد دلت السنة الصحيحة على وجوب قتل المرتد، فعن ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) (^٢). وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) (^٣).
٢ - حبوط عمله لردته: لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. (^٤)
_________________
(١) المغني، ابن قدامة (٩/ ١٨). أحكام المرتد في الشريعة الإسلامية، الدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي، دار العلوم، الطبعة الثانية، ١٣٠٣ هـ، الرياض، (١٦٤ - ١٧١).
(٢) رواه البخاري برقم (٦٩٢٢).
(٣) رواه البخاري برقم (٦٤٨٤)، ومسلم برقم (١٦٧٦).
(٤) أحكام الردة، السامرائي، (٢٦٥).
[ ٣٠ ]
٣ - خروجه من الإسلام لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦]. (^١)
والخروج من الإسلام هنا هو ردة كما تقدم، قال الحافظ ابن كثير ﵀: " قوله تعالى هاهنا: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه) أي: يرجع عن الحق إلى الباطل ". (^٢)
٤ - ينفسخ نكاحه، ويفرق بينه وبين زوجته. (^٣) وعلى ذلك يدل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وهذا عام لا تخصيص فيه، سواء كان كافرًا كفرًا أصليًا، أو مرتدًا عن الإسلام. (^٤)
٥ - لا يغسل، ولا يكفن، ولا يرث ولا يورث، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين. (^٥) لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فحبوط العمل هنا لفقد شرط الإسلام؛ واستمرار المرتد على ردته. (^٦)
٦ - يُمنَع من التصرُّف في ماله في مدة استتابته، فإن أسلَم فهو له، وإلا صار لبيت المال، من حين قتله، أو موتِه على الردة، وقيل: من حين ارتداده يُصرَف في مصالح المسلمين. (^٧)
_________________
(١) أحكام الردة، السامرائي، (٦١).
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٩٧
(٣) أحكام الردة، السامرائي (٢١٧).
(٤) تيسير الكريم المنان، ابن سعدي، (٩٩)
(٥) أحكام الردة، السامرائي، (٢٣٣).
(٦) تيسير الكريم المنان، ابن سعدي، (٩٧).
(٧) أحكام الردة، السامرائي، (١٩٨).
[ ٣١ ]
يعرض للمسلم وسواس في وجود الله ﷿، وقد يقع المسلم في حرج من هذه الوسواس، لا سيما وهذه الوسواس يتعلق بالله ﷾، وفيما يلي بيان لهذا الوسواس وحكمه:
١ - الوسواس في وجود الله ﷿
هناك فرق واضح بين الشك والوسواس؛ فالشك كما سبق بيانه هو عدم اليقين، ولا يجتمع الشك مع اليقين مطلقًا، بينما الوسواس هو أمر طارئ مع وجود اليقين في القلب، والشك يكون باختيار الإنسان؛ أما الوسوسة فبغير اختياره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ " هناك فرق بين الشك والوسوسة، فالوسوسة هي مما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان، فإذا كرهه العبد ونفاه كانت كراهته صريح الإيمان " (^١).
ويعتقد السلف أن الله سبحانه خلق الشياطين؛ وأنهم يوسوسون للآدميين، ويقصدون استزلالهم، والترصد لهم، لقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وأن الله تعالى يسلطهم على من يشاء ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ
_________________
(١) مجموع الفتاوي (١٤/ ١٨) وانظر: الضياء الشارق، سليمان بن سحمان، عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم، رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الطبعة الخامسة، ١٤١٤ هـ، (٣٧٤).
[ ٣٢ ]
لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨، ١٠٠]. (^١) وقد أعطي الشيطان القدرة على أن يصل إلى قلب الإنسان، كما في الحديث الصحيح (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا) أو قال: (شيئًا) (^٢).
والقرآن وصف الشيطان المطلوب الاستعاذة منه بأنّه ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥]، وقد صح أيضًا أنّ لكل إنسان قرينًا من الجنّ يأمره بالشرّ، ويحثه عليه، وفي القرآن (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) [ق: ٢٧].
ولا يتخلص المرء من هذا إلا بالالتجاء إلى الله (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *) [الناس: ١ - ٦].
وشياطين الجنّ يقومون بدور كبير في إفساد الفطرة وتدنيسها، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حمار ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم، فكان مما جاء في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كلّ مال نحلته عبادي حَلالٌ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا) (^٣) (^٤).
والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق ففي صحيح البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)
_________________
(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، الصابوني، ص: (٢٩٦).
(٢) رواه البخاري في كتاب الأحكام، حديث رقم (٦٧٥٠)، ورواه مسلم برقم (٢١٧٥).
(٣) رواه مسلم برقم، (٢٧٦٥).
(٤) العقيدة في الله، الأشقر، (٧١).
[ ٣٣ ]
(^١). (^٢) وهذا يجعل خطورته أشد؛ حتى يصل بالمسلم إلى تشكيكه في خالقه قائلًا من خلق الله، ففي الصحيحين قال: قال رسول الله ﷺ: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا، حتى يقول له: من خلق ربك؟، وفي رواية أخرى: قال: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: فمن خلق الله؟) (^٣).
وقد أخبرنا ربنا ﷾ في كتابه أن للشيطان خطوات؛ لا يرضى ولا يتوقف حتى يوقع الإنسان في الكفر؛ فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]. قال ابن جرير ﵀: " اعملوا أيها المؤمنون بشرائع الإسلام كلها، وادخلوا في التصديق به قولا وعملا ودعوا طرائق الشيطان وآثاره أن تتبعوها فإنه لكم عدو مبين لكم عداوته. (^٤)
وكما أن الشيطان يوسوس فكذلك، فإن النفس توسوس بالسوء، والنفس أمّارة بالسوء إلا من رحم الله كما قال الله سبحانه في سورة يوسف ﵇: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) [يوسف: ٥٣]. قال السعدي ﵀: " ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، أي: الفاحشة، وسائر الذنوب، فإنها مركب الشيطان، ومنها يُدْخَلُ على الإنسان ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ فنجَّاه من نفسه الأمارة، حتى صارت نفسه مطمئنة إلى ربها، منقادة لداعي الهدى، متعاصِيّةٌ عن داعي الردى، فذلك ليس من النفس، بل من فضل الله ورحمته بعبده. (^٥)
_________________
(١) سبق تخريجه، ص: ٢٤
(٢) عالم الجن والشياطين، عمر بن سليمان الأشقر، مكتبة الفلاح، الكويت، الطبعة الثانية، ١٤٠١ هـ (٢٢).
(٣) رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، برقم (٦٣٦٦)، ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، برقم (١٣٤).
(٤) جامع البيان عن تآويل آي القرآن، ابن جرير الطبري، (٢/ ١١٢٢).
(٥) تيسير الكريم المنان، السعدي، ص: (٤٠٠).
[ ٣٤ ]
٢ - تأثير الوسواس على عقيدة المسلم
قد يخشى كثير من المسلمين من أن الوسواس له تأثير على عقيدة المسلم، ولكن يرى علماء السلف أن الوسواس ليس له تأثير فيما إذا عالجه المسلم ولم يسترسل معه ويفعل بسببه ما يؤثر من مؤثرات أخرى تقدح في عقيدته (^١)، وقد بين لنا رسول الله ﷺ عدم تأثير الوسواس على العقيدة فقال: (الحمد لله الذي رد كيده للوسوسة) (^٢)، وقال: (فإذا عرض لأحدكم فلينته) (^٣) عن ابي هريرة "فإذا بلغه فاليستعذ بالله ولينتهي ".
فدل الحديث الأول على أن الوسواس من فعل الشيطان؛ الذي من طبيعته الوسوسة، ولذلك أمرنا الله تعالى بالاستعاذة منه فقال سبحانه في سورة الناس: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ) ثم ذكر المستعاذ منه فقال: (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) [الناس: ١ - ٦]. وأما الحديث الثاني فيدل على الأمر بعدم الاسترسال حتى لا يؤدي بالمسترسل إلى أمور محرمة، وهذا يدل على عدم تأثير الوسوسة على العقيدة؛ ما دام القلب مطمئن بالإيمان، قال ابن القيم ﵀: " وهذه الوسوسة قوة للقلب الحي ". (^٤)
وعندما اشتكى الصحابة ﵃ للنبي صلى الله عليه ووسلم ما كانوا يجدونه من الوسوسة؛ فقالوا: (إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) قال: أوجدتموه؟ قالوا: نعم. قال لهم) ذاك صريح الإيمان) وفي رواية: محض
_________________
(١) السنة، ابن أبي عاصم، (١/ ٤٥٥ - ٤٥٩).
(٢) رواه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة برقم (٦٦٧)، من طريق إسحاق بن يوسف به، وسنده حسن رجاله رجال الصحيح. رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٢٧٦) ومعلم رقم (١٣٤)
(٣) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، حديث رقم (٣١٠٢)، ومسلم في الإيمان باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها رقم (١٣٦).
(٤) إغاثة اللهفان، ابن القيم، (١٠/ ١٠)، كتاب الإيمان، ابن مندة، (١/ ٤٧١)
[ ٣٥ ]
الإيمان (^١). وفي رواية: (سألنا رسول الله ﷺ عن الرجل يجد الشيء لو خرّ من السماء؛ فتخطفه الطير كان أحب إليه مما يتكلم به؛ قال: ذاك محض الإيمان، أو صريح الإيمان). (^٢)
قال النووي ﵀: " (ذلك صريح الإيمان، ومحض الإيمان) معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا وانتفت عنه الريبة والشكوك ". (^٣)
وقال ابن القيم ﵀: " فهذا دليل صريح على الإيمان، بل هذا عمل قلبي قد زاد إيمان العبد ". (^٤) " وقال البيضاوي (^٥) قوله صلى الله الله عليه وسلم: (ذاك) إشارة إلى ما دل عليه قولهم (يتعاظم) أي: يتعاظم علمكم بفساد تلك الوساوس، وامتناع نفوسكم والتجافي عن التفوه به؛ صريح الإيمان ". (^٦)
ومما يدل على أن الوسواس لا أثر له عند أهل السنة والجماعة؛ مالم يعمل العبد أو يتكلم (^٧)؛ هو قول النبي الكريم ﷺ: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها؛ مالم يتكلموا أو يعملوا به) (^٨).
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها برقم (١٣٢).
(٢) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها برقم (١٣٢).
(٣) شرح مسلم، النووي، (١/ ٣١٨).
(٤) زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة- مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط ٣، ١٤٠٢ هـ، (٣/ ١٩)، الإيمان معالمه وسننه واستكمال درجاته، أبو عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، دار الأرقم، ط ٢، الكويت، (٦٤).
(٥) القاضي عبد الله بن عمر البيضاوي، ولد في مدينة الدار البيضاء بفارس، وإليها نسبته، قرب شيراز، ولا تعلم سنة ولادته، وهو شافعي المذهب أشعري العقيدة، من مؤلفاته: أنوار التنزيل وأسرار التأويل - منهاج الأصول لعلم الأصول - شرح المحصول في أصول الفقه - منتهى المنى في شرح أسماء الله الحسنى - وغيرها، توفي ببلاد فارس سنة ٦٨٥ هـ (تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، عبد الله بن عمر البيضاوي، تحقيق: أ. د. محمد بن إسحاق بن محمد إبراهيم، ط ١، ١٤٢٠ هـ، الرياض (١٢ - ٢١).
(٦) تحفة الأبرار، البيضاوي، (١٣٧).
(٧) كتاب الإيمان، ابن مندة، (١/ ٤٧٥ - ٤٧٧).
(٨) رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيا في الأيمان، حديث رقم (٦٢٨٧) ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، حديث رقم (١٢٧).
[ ٣٦ ]