الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين؛ أما بعد
يعاني الكثير من المسلمين من كثرة الشكوك والوساوس في وجود الله ﷿، مع كثرة المشككين في وجود الله ﷿، وانتشارهم في وسائل الإعلام المختلفة؛ لا سيما في الشبكة العنكبوتية، ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يعني ضرورة بيان حكم الشك والوسواس في وجود الله ﷿، فإن ذلك يتعلق بالله ﷿، وشرف العلم بشرف المعلوم، ولا سيما هذا العلم المتعلق بأعظم أصول الإيمان، وهو الإيمان بالله ﷿. فإن البحث في مسألة وجود الله ﷿ هو أهم البحوث وأعلاها فإن الإيمان بوجوده ﷾ بالنسبة لبقية الأصول والفروع؛ كأصل الشجرة بالنسبة للسوق والفروع، فهو أصل الأصول، وقاعدة الدين، وكلما كان حظ المرء من الإيمان بالله عظيما كان حظه في الإسلام كبيرًا، وإن تشكيك المسلم في وجود الله ﷿ جعل كفر النّاس أعظم، حتى قال أحد المتخصصين في العقيدة " كان حريًّا بنا ألا نقف عند أدلة وجود الله كثيرًا، لأنّ الفطرة الإنسانية تشهد بذلك، ولا يكاد يعرف منكر لوجود الخالق في الماضي إلا النزر اليسير، وهم لا يمثلون في البشرية نسبة تذكر. إلا أن الانحراف اليوم وصل الدّرك الأسفل، فأصبحنا نرى أقوامًا يزعمون أن لا خالق، ويجعلون هذه المقولة مذهبًا يقيمون عليه حياتهم، وقد قامت دول على هذا المذهب تعدّ بمئات الملايين من البشر. وانتشرت هذه المقولة في كل مكان، وألفت فيها كتب، وأصبح لها فلسفة تدرس، وحاول أصحابها أن يسموها بالمنهج العلمي، ويدللوا عليها ". (^١)
ومع انتشار الوسوسة عند كثير من الناس كان هناك ضرورة كبيرة لبيان حكم الوسوسة في وجود الله ﷿، ومعرفة مدى تأثيرها على عقيدة المسلم، وماهي الأحكام التي تترتب على تلك الوسوسة، وكيف يتعامل المسلم معها.
_________________
(١) العقيدة في الله، عمر بن سليمان الأشقر، دار النفائس، ط ٢، ١٤١٩ هـ، الأردن، (٧٢).
[ ٤ ]
ب - الأثر اصطلاحا
التعريف بالمصطلحات العلمية:
١ - أولًا: تعريف الأثر لغة واصطلاحًا:
أ - الأثر لغة:
يطلق على عدة معني. قال ابن فارس (ت ٣٩٥ هـ): (أثر) له ثلاثة أصول: تقديم الشيء. ذكر الشيء، ورسم الشيء الباقي. (^١)
وقال ابن منظور (ت ٧١١ هـ): الأثر بالتحريك - ما بقي من رسم الشيء، والتأثر إبقاء الأثر في الشيء، وأثر في الشيء ترك فيه أثرا. (^٢)
ب - الأثر اصطلاحا: لا يخرج استعمال لفظ ال (أثر) عن المعاني اللغوية، ويستعمل للدلالة على ثلاث معاني: الأول بمعنى النتيجة، وهو الحاصل من الشيء، والثاني العلامة، والثالث بمعنى الجزء، أو ما يترتب على الشيء. (^٣) ولذلك فإن السلف ﵏ يرون أن الأثر يراد به العلم، أو خاصة العلم، أو علم يستخرج، أو نتيجة للشيء. قال ابن جرير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤] أي: " البقية من علم لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب ". (^٤)
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الكتب العلمية، كتاب الهمزة -باب الهمزة والتاء وما يثلثهما، (١/ ٥٣).
(٢) لسان العرب، مادة (أثر) (١/ ٥٢).
(٣) كتاب التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، تحقيق إبراهيم، دار الكتاب العربي، الطبعة الرابعة، ١٤١٨ هـ، بيروت (٢٣)، مجلة البحوث الإسلامية، عدد ٦٦، لعام ١٤٢٣ هـ، (٦٦/ ٢٥٩).
(٤) جامع البيان عن تأويل القرآن، محمد بن جرير الطبري، دار السلام، ط ١، ١٤٢٥ هـ (٩/ ٧٣٩٢ - ٧٣٩٣).
[ ٥ ]
الشك لغة:
يطلق الشك ويراد به عدة أمور من أهمها:
١ - التداخل فيقال: شككته بالرمح أي طعنته به؛ فدخل سنانه في جسمه. (^١)
٢ - الشك بمعنى عدم اليقين؛ فقوله: شككت في الأمر أو تشككت فيه أي ذهب يقيني، لأن الشاك كأنه شُك له الأمران في مشك واحد؛ وهو لا يتيقن واحد منهما، ولذلك يقال: شككت بين ورقتين، أذا أنت غرزت العود فيهما فاجتمعا. (^٢)
٣ - التردد: أي التردد بين شيئين؛ دون ترجيح لأحدهما. (^٣) ومنه قوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [يونس: ٩٤].
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، (٣/ ١٧٣).
(٢) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، (٣/ ١٧٣).
(٣) المصباح المنير، أحمد المغربي، طبعة دار الكتب العلمية، (د. ت)، (١٦٧).
[ ٦ ]
الشك اصطلاحًا
تعريف الشك في الاصطلاح لا يبعد عن التعريف اللغوي، فيعرف الشك بأنه: "ما يناقض اليقين، ويتردد صاحبه بين شيئين " (^١)، وعلى هذا يدل أحد تفسيري قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ١٠].
قال الحافظ ابن كثير ﵀: " أفي وجوده شك، فإن الفطر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده; ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه (فاطر السماوات والأرض) الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه ". (^٢)
فالشك في وجود الله ﷿ هو التردد في وجوده سبحانه؛ وعدم اليقين في وجوده ﷾. (^٣)
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، الحافظ ابن كثير، (٢/ ٦٩١ - ٦٩٢).
(٢) تفسير القرآن العظيم، الحافظ ابن كثير، (قال ﵀: " والمعنى الثاني في قولهم: (أفي الله شك) أي: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو، وحده لا شريك له; فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى ". (المرجع السابق، ٢/ ٦٩٢).
(٣) تجريد التوحيد الفيد، العلامة أحمد بن علي المقريزي، (٧٦٦ - ٨٤٥ هـ)، طبع ونشر الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، ط ٢، ١٤٣٢ هـ، الرياض، ص: ٤٨
[ ٧ ]
الوسواس لغة
الوسواس: " الشيطان، وهمس الصائد والكلاب، وصوت الحَلْي، والوسوسة؛ حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه:. (^١)
الوسواس اصطلاحًا الوسواس والوسوسة هي: ما يلقى في القلب، ويخفى على الخلق فلا يطلعون عليه، إما حديث النفس أو بفعل الشيطان، وهي مجرد خاطر لم يساكن القلب فضلًا عن أن يعقد القلب عليه، بل يكرهه. (^٢)
وقيل الوسوسة هي: "الخواطر التي ليست بمستقرة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت، ولا أصل لها " (^٣)
الفرق بين الشك والوسواس
نظرًا لوجود خلط لدى كثير من المسلمين بين الشك والوسواس؛ فلا بد من بيان الفرق بينهما، فإن الفرق بينهما له أثر على حكم كل منهما كما سيتبين في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى، فإن السلف ﵏ يرون أن الشك يناقض اليقين؛ ولا يجتمع شك ويقين، وأما الوسواس فهو الخواطر والأفكار فقط إما بما توسوس به النفس أو بما يوسوس به الشيطان؛ مع بقاء اليقين في القلب بوجود الله ﷿، (^٤) بدليل قول الله ﷿: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]. فهو ليس له تسلط على المؤمنين لاطمئنان قلوبهم بالإيمان.
_________________
(١) القاموس المحيط، محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، ١٤٢٨ هـ، بيروت (٦٠٣) تحت (الوس).
(٢) الفتاوى، شيخ الإسلام ابن تيمية، (٧/ ٢٨١)، الرد على المنطقيين، الطبعة القيمة، بومباي، ١٣٦٨ هـ، (٥٠٨).
(٣) شرح النووي على مسلم، يحيي بن شرف أبو زكريا النووي، دار الخير، ١٤١٦ هـ، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، (٣/ ٣١٨).
(٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، تحقيق: الدكتور ناصر بن عبد الرحمن الجديع، دار العاصمة، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ، الرياض (٢٩٦).
[ ٨ ]
وقد يأتي الشك بمعنى الوسواس، ويتضح ذلك من السياق؛ كما في قول النبي ﷺ: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) (^١)، قال ابن عباس ﵄: " هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم ﵇ بأن قال: بلى ". (^٢) " فالمراد بالشك هنا الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك المصطلح وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحدهما عن الآخر؛ فهو منفي عن الخليل قطعًا لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ مرتبة النبوة ". (^٣)
_________________
(١) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله ﷿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم، حديث رقم (٣٣٧٢)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب، حديث رقم (١٥١).
(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار السلام، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ، الرياض (٦/ ٤٩٨).
(٣) فتح الباري، ابن حجر (٦/ ٥٠٠)، العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، محمد بن إبراهيم بن الوزير اليماني، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط ٢، بيروت، (١/ ٢١٢).
[ ٩ ]
أ - العقيدة لغة
رابعًا: تعريف العقيدة لغة واصطلاحًا
أ - العقيدة لغة: مأخوذة من العقد وعَقَدَ الحبلَ يَعقِده أي شدًّه (^١)، والعَقْد الرَبْط بشدّة ومنه الإحكام، والإبرام، والتماسك، والمُراصّة، والإثبات، والتَّوثّق، (^٢) وتطلق على مافي القلب فيقال اعتقد كذا بقلبه (^٣). قال الله ﵎: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. "وهي: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، فالعقيدة في الدين ما يقصد به الاعتقاد دون العمل؛ كعقيدة وجود الله وبعث الرسل. والجمع: عقائد وخلاصة ما عقد الإنسان عليه قلبه جازمًا به؛ فهو عقيدة، سواء كان حقًا، أم باطلًا " (^٤).
ب - العقيدة اصطلاحًا:
العقيدة في الاصطلاح العام هي: "الأمور التي يجب أن يصدق بها القلب، وتطمئن إليها النفس؛ حتى تكون يقينًا ثابتًا لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك. أي: الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتقده، ويجب
أن يكون مطابقًا للواقع، لا يقبل شكًا ولا ظنا؛ فإن لم يصل العلم إلى درجة اليقين الجازم لا يسمى عقيدة ". (^٥)
العقيدة الإسلامية: هي " الإيمان الجازم بالله وما يجب له في ألوهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة من أصول الدين، وأمور الغيب وأخباره، وما أجمع عليه السلف، والتسليم لله تعالى في الحكم والأمر، والقدر والشرع، ولرسوله ﷺ بالطاعة والتحكيم والاتباع ". (^٦)
والعقيدة من حيث كونها علمًا بمفهوم أهل السنة والجماعة فإنها تشمل الموضوعات التالية: التوحيد - توحيد الألوهية؛ وتوحيد الربوبية؛ وتوحيد الأسماء والصفات -، والإيمان، والإسلام، والغيبيات، والنبوات، والقدر، والأخبار، وأصول الأحكام القطعية، وسائر أصول الدين والاعتقاد، ويتبعه الرد على أهل الأهواء والبدع وسائر الملل والنحل الضالة، والموقف منهم (^٧)
_________________
(١) - القاموس المحيط، الفيروز أبادي، تحت: (عقد)، (٣٢٤).
(٢) - لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين ابن منظور، دار صادر، بيروت، ج ٣، ص: ٢٩٥ - ٣٠٠، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بمصر، دار احياء التراث الإسلامي، ج ٢، ص: ٦٢٠ - ٦٢١
(٣) - مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي، ط ١١، ١٤٢٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ص: ٣٩٠
(٤) الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة، عبد الله بن عبد الحميد الأثري، الطبعة الثالثة، ١٤٢٥ هـ، دار الراية، الرياض، ص: ٢٩
(٥) الوجيز في عقيدة السلف الصالح، الأثري، ص: ٣٠
(٦) مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة، العقل ناصر بن عبدالكريم، ص: ٩
(٧) المرجع السابق، (٦).
[ ١٠ ]