وجه التعارض يتضح بالنظر إلى الأحاديث السابقة ففى حديث السبعين ألفًا قال -ﷺ-: "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربِّهم يتوكلون" فظاهره أن الرقى وما ذكر معها تنافي التوكل حيث جعلها النبي -ﷺ- في مقابل التوكل، فكأنه قال: إن هؤلاء لا يفعلون هذه الأشياء لتوكلهم على الله تعالى.
وبالنظر إلى الأحاديث الأخرى نجد أنه -ﷺ- عمل بالرقى قولًا وفعلًا:
أما قولًا: فإنه -ﷺ- أَذِنَ في الرقى بل أمر بِها.
وأما فعلًا: فإنه -ﷺ- رقى نفسه ورقى غيره ورُقىَ من قِبَلِ جبريل ﵇ وعائشة ﵂، مع أنه -ﷺ- سيد المتوكلين، ولا يمكن لأحدٍ أن
_________________
(١) هامَّة: الهامَّة: كل ذات سم يقتل، والجمع: الهوام، فأما ما يَسُمُّ ولا يقتل فهو السامة كالعقرب والزنبور، وقد يقع الهوام على ما يدبُّ من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات" النهاية (٥/ ٢٧٥) وانظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٤٤)، تفسير غريب ما في الصحيحين (٣١١)، لسان العرب (١٢/ ٦٢١).
(٢) لامَّة: أى ذات لمم وهي كل داءٍ وآفة تُلمُّ بالإنسان من خبل وجنون ونحوهما، وقيل: العين اللامَّة: التي تصيب بسوء. انظر: النهاية (٤/ ٢٧٢)، أعلام الحديث (٣/ ١٥٤٤)، لسان العرب (١٢/ ٥٥١).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء، باب: ﴿يَزِفُّونَ﴾ (٣/ ١٢٣٣) ح (٣١٩١).
[ ١٥٢ ]
يقدح في توكله -ﷺ-.
إذًا فكيف نوفق بين هذه الأحاديث؟
هذا ما سوف يتضح في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى.
* * *
[ ١٥٣ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
اختلف أهل العلم في هذه المسألة (^١) وسلكوا فيها عدة مسالك لا تخرج كلها عن مذهبين.
أحدهما: مذهب الجمع.
ثانيهما: مذهب النسخ، وإليك بيان ذلك.
أولًا: مذهب الجمع:
سلك هذا المذهب أكثر أهل العلم، ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع على ثلاثة أقوال وهى كالتالي:
القول الأول: -
هو أن الرقى والكى مكروهان مطلقًا وأَنَّهما قادحان في التوكل بخلاف سائر أنواع الطب ومن أبرز أدلتهم على ذلك ما يلى:
١ - حديث السبعين ألفًا، فإنه -ﷺ- لمَّا سُئِلَ عنهم قال: "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربِّهم يتوكلون".
قال الطحاوي: "وقد كره قوم الرقى واحتجوا في ذلك بحديث عمران ابن حصين" (^٢).
_________________
(١) الخلاف المذكور إنما هو في الرقى الشرعية، أما الرقى الشركية فلا خلاف في تحريمها.
(٢) شرح معاني الآثار (٤/ ٣٢٦).
[ ١٥٤ ]
وقال الحافظ ابن حجر: "فتمسك بِهذا الحديث من كره الرقى والكى من بين سائر الأدوية، وزعم أنَّهما قادحان في التوكل دون غيرهما" (^٣).
٢ - قوله -ﷺ-: "من اكتوى أو استرقى فهو بريء من التوكل" (^٤).
فقالوا: إن هذه الأحاديث تدل على كراهة الرقى ومنافاتها للتوكل، وأما فعله -ﷺ- وأمره بِها وإقراره لها إنما هو لبيان الجواز.
٣ - التفريق بين الرقى والكي وبين سائر أنواع الطب وذلك أن الرقى والكى البرءُ فيهما أمر موهوم، وما عداهما محقق عادة كالأكل والشرب فلا يقدح (^٥).
وقد نسب ابن عبد البر هذا القول إلى داود بن علي وجماعة من أهل الفقه والأثر (^٦).
_________________
(١) فتح الباري. (١٠/ ٢١١) وانظر (١١/ ٤٠٩).
(٢) أخرجه من حديث المغيرة بن شعبة: الترمذي (تحفة ٦/ ٢١٤) ح (٢١٣١) وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه (٢/ ١١٥٤) ح (٣٤٨٩) وأحمد في المسند (٥/ ٣٠٣) ح (١٧٧١٥) وأيضًا في (٥/ ٣٠٧) ح (١٧٧٣٥) وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٥٢) ح (٦٠٧٨) وابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٥٣) ح (٨) والحاكم في مستدركه (٤/ ٤٦١) ح (٨٢٧٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبى. وأخرجه ابن أبي الدنيا في التوكل (٨٩) ح (٤٣) وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٧٢) والبغوي في شرح السنة (١٢/ ١٦٠) ح (٣٢٤١) وقال: هذا حديث حسن، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٤٣٥) ح (٢٤٤) وشعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان.
(٣) انظر المفهم للقرطبى (١/ ٤٦٤).
(٤) انظر التمهيد (٥/ ٢٦٨).
[ ١٥٥ ]
القول الثاني: -
أن الرقى جائزة غير مكروهة ولا قادحة في التوكل، وإلى هذا صار أكثر أهل العلم واستدلوا بما سبق ذكره من الأحاديث في جواز الرقى ومشروعيتها، حيث رَقى -ﷺ- ورُقىَ وأمر بالرقى وأقرها.
وأما حديث السبعين ألفًا فقد أجابوا عنه بعدة أجوبة منها:
١ - ما قاله الطبري والمازري وغيرهما من أنه "يحمل ما في الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطباعها كما يقول بعض الطبائعيين، لا أنَّهم يفوضون الأمر لله سبحانه وحده" (^٧).
وقال المازري في موضع آخر: " .. وينهى عنها بالكلام الأعجمى ومالا (^٨) يُعرف معناه لجواز أن يكون فيه كفر أو إشراك" (^٩).
وقريب منه ما ذهب إليه ابن قتيبة فإنه قال: "الرقى يكره منها ما كان بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله تعالى وذكره وكلامه في كتبه، وأن يعتقد أنها نافعة لا محالة وإياها أراد بقوله: "ما توكل من استرقى" ولا يكره ما كان من التعوذ بالقرآن وبأسماء الله ﷿" (^١٠).
٢ - ما قاله الداوودي وطائفة من أن "المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما من استعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا" (^١١).
_________________
(١) المعلم بفوائد مسلم للمازري (١/ ٢٣١)، وانظر فتح الباري (١٠/ ٢١١).
(٢) في الأصل "مالًا" ولا تستقيم العبارة إلا بما أثبته، والله أعلم.
(٣) المعلم (٣/ ٩٥).
(٤) تأويل مختلف الحديث، ص ٣١١.
(٥) الفتح (١٠/ ٢١١).
[ ١٥٦ ]
واختار هذا القول ابن عبد البر ﵀ حيث قال: "لا أعلم خلافًا بين العلماء في جواز الرقية من العين والحمة -وهي لدغة العقرب- وما كان مثلها إذا كانت الرقية بأسماء الله ﷿ وبما يجوز الرَّقْي به، وكان ذلك بعد نزول الوجع والبلاء به" (^١٢).
وكذا اختار هذا القول البيهقى (^١٣).
٣ - ما قاله الحليمى من أنه: يحتمل أن يكون المراد بِهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعدة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله والرضا بقضائه، فهم غافلون عن طب الأطباء ورقي الرقاة ولا يحسنون من ذلك شيئًا، والله أعلم" (^١٤).
٤ - وقال الخطابي: "فأمَّا قوله: "هم الذين لا يسترقون" فليس في ثنائه على هؤلاء ما يُبطل جواز الرقية التي قد أباحها، ووجه ذلك أن يكون تركها من ناحية التوكل على الله والرضا بما يقضيه من قضاء وينْزله من بلاء، وهذا من أرفع درجات المؤمنين المتحققين بالإيمان، وقد ذهب هذا المذهب من صالحي السلف: أبو الدرداء وغيره من الصحابة" (^١٥).
واختار هذا القول ابن الأثير والقاضى عياض والنووي عليهم رحمة الله.
قال ابن الأثير: "فهذا من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها" (^١٦).
_________________
(١) الاستذكار (٢٧/ ١٨).
(٢) كما نقل عنه ذلك ابن حجر في الفتح (١٠/ ١٩٦).
(٣) انظر: المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ٩) فتح الباري (١٠/ ٢١١، ٢١٢).
(٤) أعلام الحديث (٣/ ٢١١٦) وانظر الفتح (١٠/ ٢١٢).
(٥) النهاية (٢/ ٢٥٥).
[ ١٥٧ ]
وقال القاضي عياض بعد ذكره لكلام الخطابي: "وهذا هو ظاهر الحديث" (^١٧):
وقال النووي: "والظاهر من معني الحديث ما اختاره الخطابي ومن وافقه كما تقدم .. وأما تطبب النبي -ﷺ- ففعله ليبين لنا الجواز والله أعلم" (^١٨).
قال ابن حجر: "ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي -ﷺ- فعلًا وأمرًا لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله لأنه كان كامل التوكل يقينًا فلا يؤثر فيه تعاطى الأسباب شيئًا، بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل" (^١٩).
القول الثالث: -
ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم واختاره ونصره الشيخ سليمان بن عبد الله، وهو التفريق بين فعل الرقية وبين طلبها، ففعل الرقية سواء بنفسه أو بغيره فضل وإحسان، وطلبها مكروه قادح في التوكل.
واستدل ﵀ بما يلى:
١ - ما ورد في حديث السبعين ألفًا حيث جاء بلفظ "ولا يسترقون" وذلك لأن هذه الصيغة فيها معني الطلب، أي لا يطلبون من أحد أن يرقيهم لأن وزن "استفعل بمعني طلب الفعل مثل: استغفر أي طلب المغفرة" (^٢٠).
_________________
(١) كتاب الإيمان من إكمال المعلم (٢/ ٨٩٩).
(٢) مسلم بشرح النووي (٣/ ٩٢). وقارن بينه وبين كلامه في (١٤/ ٤١٩).
(٣) الفتح (١٠/ ٢١٢).
(٤) القول المفيد على كتاب التوحيد لفضيلة الشيخ محمد العثيمين (١/ ٩٧)، وانظر بدائع الفوائد (٢/ ١٧٢).
[ ١٥٨ ]
٢ - أنه ثبت عن النبي -ﷺ- أنه رقى نفسه وغيره ولم يثبت عنه أنه كان يسترقى، وحاله -ﷺ- أكمل الأحوال.
٣ - أن هناك فرقًا بين الراقى والمسترقي: فالمسترقي سائل مستعطٍ ملتفت إلى غير الله بقلبه والراقي محسن نافع وقد قال -ﷺ- وقد سُئِل عن الرقى: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" (^٢١).
وأما ما ورد في صحيح مسلم من رواية سعيد بن منصور: "ولا يرقون" فقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّها وهم وغلط من الراوي فقال ﵀: "وقد رُوي فيه "ولا يرقون" وهو غلط، فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة، وكان النبي -ﷺ- يرقى نفسه وغيره ولم يكن يسترقى، فإن رقيته نفسه وغيره من جنس الدعاء لنفسه ولغيره، وهذا مأمور به فإن الأنبياء كلهم سألوا الله ودعوه كما ذكر الله ذلك في قصة آدم وإبراهيم وموسى، وغيرهم" (^٢٢).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "والنبي -ﷺ- لا يجعل ترك الإحسان المأذون فيه سببًا للسبق إلى الجنان، وهذا بخلاف ترك الاسترقاء فإنه توكلٌ على الله ورغبة عن سؤال غيره ورضاءٌ بما قضاه، وهذا شىء وهذا شىء" (^٢٣).
وقال الألباني عن رواية "لا يرقون": "شاذة تفرد بِها شيخ مسلم سعيد بن منصور" (^٢٤).
_________________
(١) انظر مفتاح دار السعادة (٣/ ٢٧٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٨٢) وانظر (١/ ٣٢٨).
(٣) مفتاح دار السعادة (٣/ ٢٧٩) وانظر حادي الأرواح ص (١٧٦).
(٤) مختصر صحيح مسلم ص (٣٧) حاشية (١) وانظر السلسلة الصحيحة (١/ ٤٣٥) وكذا حكم عليها بالشذوذ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لرياض الصالحين ص (٧٧) حاشية (٢).
[ ١٥٩ ]
ثانيًا: مذهب النسخ:
ذهب الطحاوي إلى أن ما جاء في حديث عمران منسوخ بما جاء من الأحاديث في إباحة الرقى واستدل على ذلك بما يلي:
١ - الأحاديث التي فيها لفظة "رخص" فإنه لمَّا ذكر حديث "رخص رسول الله -ﷺ- في الرقية من كل ذي حمة" قال: "فهذا فيه دليل على أنه كان بعد النهى لأن الرخصة لا تكون إلا من شيء محظور" (^٢٥).
٢ - الأحاديث التي فيها أنه -ﷺ- كان ينهى عن الرقى ثم أجازها ومن ذلك:
حديث جابر ﵁ قال: كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله -ﷺ- عن الرقى قال: فأتاه فقال: يا رسول الله إنك نَهيت عن الرقى وأنا أرقي من العقرب، فقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " (^٢٦).
- وفي طريق آخر قال: نَهى رسول الله -ﷺ- عن الرقى، فجاء آل عمرو ابن حزم إلى رسول الله -ﷺ- فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقى بِها من العقرب فقالوا: وإنك نَهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: "ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" (^٢٧).
قال الطحاوي بعد سياقه لهذه الأحاديث وغيرها: "فثبت بما ذكرنا أن ما رُوي في إباحة الرقى ناسخ لما رُوي في النهى عنها" (^٢٨).
* * *
_________________
(١) شرح معاني الآثار (٤/ ٣٢٨).
(٢) سبق تخريجه ص (١٤٧).
(٣) سبق تخريجه ص (١٤٧).
(٤) شرح معاني الآثار (٤/ ٣٢٨).
[ ١٦٠ ]
المطلب الثالث الترجيح
الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم بالصواب- هو القول الثالث من مذهب الجمع وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من التفريق بين فعل الرقية وبين طلبها، فطلبها مكروه قادح في كمال التوكل، وفعلها جائز مشروع ويشهد لهذا ما يلى:
١ - قوله -ﷺ-: "من اكتوى أو استرقى فهو بريء من التوكل" (^١) فجعل -ﷺ- الاسترقاء هو المنافي للتوكل.
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي -ﷺ- بِها لمم (^٢) فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني قال: "إن شئت دعوت الله أن يشفيك وإن شئتِ صبرتِ ولا حساب عليكِ" -زاد الحاكم: "ولا عذاب"- قالت: بل أصبر ولا حساب عليّ (^٣).
"فهذا الحديث يوافق حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب والذي فيه أنَّهم لا يسترقون، فأرشدها -ﷺ- إلى الأفضل وهو ترك
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (١٥٥).
(٢) لمم: "اللمم: طرف من الجنون يلم بالإنسان. أي: يقرب منه ويعتريه" النهاية (٤/ ٢٧٢) لسان العرب (١٢/ ٥٥١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد (١٩/ ٣) ح (٩٦٨٧) وابن حبان في صحيحه (٧/ ١٦٩) ح (٢٩٠٩) والحاكم في مستدركه (٤/ ٢٤٣) ح (٧٥١١) وقال: هذا حديث على شرط مسلم ولم يخرحاه، ووافقه الذهبى. وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح خلا محمد بن عمرو وهو ثقة وفيه ضعف، مجمع الزوائد (٥/ ١١٦). وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند وحسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان.
[ ١٦١ ]
الاسترقاء حتي تدخل الجنة بغير حساب، ولعل الرسول -ﷺ- قد علم من حالها قوة صبرها واحتمالها حيث إنه -ﷺ- لم يقل هذا القول لكل من طلب منه الرقية" (^٤).
وأما رواية "ولا يرقون" فهى غلط من الراوي لا سيما وأنَّها لم ترد إلا من طريق سعيد بن منصور عند مسلم مع أن البخاري روى هذا الحديث من طريق آخر -كما تقدم- ولم ترد هذه اللفظة فيه، ورواه أيضًا مسلم من حديث عمران بن حصين -كما تقدم- ولم ترد هذه اللفظة فيه مما يدل على أَنها شاذة، والله أعلم.
وقد اعتُرِض على هذا القول بعدة اعتراضات ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ وهى كالتالي:
١ - "أن الزيادة من الثقة مقبولة، وسعيد بن منصور حافظ، وقد اعتمده البخاري ومسلم واعتمد مسلم على روايته هذه.
٢ - وبأن تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه.
٣ - أن المعني الذي حمله على التغليط موجود في المرقى (^٥)، لأنه اعتل بأن الذي لا يطلب من غيره أن يرقيه تام التوكل، فكذا يقال له: والذي يفعل غيره به ذلك ينبغى أن لا يمكنه منه لأجل تمام التوكل.
٤ - وليس في وقوع ذلك من جبريل دلالة على المدعى، ولا في فعل النبي -ﷺ- له أيضًا دلالة لأنه في مقام التشريع وتبيين الأحكام" (^٦).
_________________
(١) الرقى للشيخ على العلياني ص (٣٢) بتصرف يسير.
(٢) في الأصل "المسترقي" ولا تستقيم العبارة إلا بما أثبته، ثم وجدت صاحب تيسير العزيز الحميد نقل هذا الكلام وضبطها هكذا "المرقى" انظر ص (١٠٨).
(٣) فتح الباري (١١/ ٤٠٩) بتصرف يسير.
[ ١٦٢ ]
ولكن هذه الاعتراضات تصدى لها الشيخ سليمان بن عبد الله وأجاب عنها فقال بعدما ساق هذه الاعتراضات: "كذا قال هذا القائل وهو خطأ من وجوه:
الأول: أن هذه الزيادة لا يمكن تصحيحها إلا بحملها على وجوه لا يصح حملها عليه، كقول بعضهم: المراد لا يرقون بما كان شركًا أو احتمله، فإنه ليس في الحديث ما يدل على هذا أصلًا، وأيضًا فعلى هذا لا يكون للسبعين مزية على غيرهم، فإن جملة المؤمنين لا يرقون بما كان شركًا.
الثاني: قوله: فكذا يقال .. إلخ لا يصح هذا القياس، فإنه من أفسد القياس، وكيف يقاس من سأل وطلب على من لم يسأل؟ ! مع أنه قياس مع وجود الفارق الشرعي، فهو فاسد الاعتبار، لأنه تسوية بين ما فرق الشارع بينهما بقوله -ﷺ-: "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل " .. وكيف يجعل ترك الإحسان إلى الخلق سببًا للسبق إلى الجنان؟ ! وهذا بخلاف من رَقى أو رُقىَ من غير سؤال، فقد رقى جبريل النبي -ﷺ-، ولا يجوز أن يقال: إنه ﵇ لم يكن متوكلًا في تلك الحال.
الثالث: قوله: ليس في وقوع ذلك من جبريل ﵇ .. إلخ، كلام غير صحيح بل هما سيدا المتوكلين، فإذا وقع ذلك منهما دلّ على أنه لا ينافي التوكل، فاعلم ذلك" (^٧).
وأما ما ورد عنه -ﷺ- من أمره بالاسترقاء كما في حديث عائشة ﵂ قالت: "أمرني رسول الله -ﷺ- أو أمر أن يُسترقى من العين".
وكما في حديث أم سلمة ﵂: أن النبي -ﷺ- رأى في بيتها
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (١٠٨، ١٠٩).
[ ١٦٣ ]
جارية في وجهها سفعة فقال: "استرقوا لها فإن بِها النظرة".
فعنه جوابان:
أحدهما: أن "هذا مخصوص من العموم بقول الرسول -ﷺ-: "لا رقية إلا من عين أو حمة" أي لا رقية أنفع، فلأجل عظم الرقية بإذن الله في العين والحمة رخص رسول الله -ﷺ- في طلب الرقية فيهما، ولا ينافي هذا تمام التوكل" (^٨).
ثانيهما: حمل حديث "ولا يسترقون" على كراهية طلب الرقية وأن طلبها ينافي كمال التوكل كما تقدم.
وحمل أحاديث الأمر بالاسترقاء على الرخصة في ذلك وبيان الجواز (^٩).
وقد نص بعض أهل العلم على استحباب الرقية وسنيتها إذا كانت بكتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- كالخطابي (^١٠) والنووي (^١١) والبغوي (^١٢) وابن مفلح (^١٣) والعراقي (^١٤) والمناوي (^١٥) وحافظ الحكمي (^١٦).
وفصَّل السعدي ﵀ الحكم فيها فقال: "أما الرقى ففيها تفصيل:
- فإن كانت من القرآن أو السنة أو الكلام الحسن فإنَّها مندوبة في حق الراقي لأنَّها من باب الإحسان ولما فيها من النفع، وهي جائزة في حق المرقي إلا أنه لا ينبغى له أن يبتدئ بطلبها، فإن من كمال توكل العبد وقوة يقينه أن لا
_________________
(١) الرقى للشيخ علي العلياني ص (٣٣) بتصرف يسير.
(٢) انظر التوكل للشيخ عبد الله الدميجى ص (٢٠٩).
(٣) في معالم السنن (٤/ ٢٠٩).
(٤) في شرحه لصحيح مسلم (١٤/ ٤١٩).
(٥) في شرح السنة (١٢/ ١٥٩).
(٦) في الآداب الشرعية (٣/ ٥٢).
(٧) في طرح التثريب (٨/ ١٩٣).
(٨) في فيض القدير (٥/ ١٠٢).
(٩) في معارج القبول (١/ ٣٣٤).
[ ١٦٤ ]
يسأل أحدًا من الخلق لا رقيةً ولا غيرها ..
- وإن كانت الرقية يُدعى بها غير الله ويطلب الشفاء من غيره فهذا هو الشرك الأكبر لأنه دعاء واستغاثة بغير الله.
فافهم هذا التفصيل وإياك أن تحكم على الرقى بحكم واحد مع تفاوتِها في أسبابِها وغايتها" (^١٧).
وهذا التفصيل من السعدي ﵀ هو فحوى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
مناقشة الأقوال المرجوحة:
أولًا: مناقشة مذهب الجمع:
- أما ما استدل به أصحاب القول الأول فمتعقب بما يلى:
١ - أن ما استدلوا به من الأحاديث إنما هو في الاسترقاء، وفرق بين فعل الرقية وبين الاسترقاء الذي هو طلب الرقية -كما تقدم-.
٢ - وأما التفريق بين الرقى والكي وبين سائر الأدوية، فقد ردَّ عليه القرطبي فقال: "وهذ فاسد من وجهين:
أحدهما: أن أكثر أبواب الطب موهومة كالكى فلا معني لتخصيصه بالكى والرقى.
وثانيهما: أن الرقى بأسماء الله تعالى هو غاية التوكل على الله تعالى فإنه التجاءٌ إليه، ويتضمن ذلك رغبته له، وتبركًا بأسمائه، والتعويل عليه في كشف الضر والبلاء، فإن كان هذا قادحًا في التوكل فليكن الدعاء والأذكار قادحًا في التوكل، ولا قائل به، وكيف يكون ذلك؟ ! وقد رقى النبى -ﷺ- واسترقى ورقاه
_________________
(١) القول السديد (٤٢).
[ ١٦٥ ]
جبريل وغيره، ورقته عائشة وفعل ذلك الخلفاء والسلف، فإن كانت الرقى قادحة في التوكل ومانعةً من اللحوق بالسبعين ألفًا، فالتوكل لم يتم للنبي -ﷺ- ولا لأحدٍ من الخلفاء، ولا يكون أحدٌ منهم في السبعين ألفًا، مع أنهم أفضل من وافى القيامة بعد الأنبياء ولا يتخيَّل هذا عاقل" (^١٨).
- وأما ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني فإنه ليس فيه إعمال لجميع الأدلة، وإجاباتُهم على حديث السبعين ألفًا يمكن الإيراد عليها كما يلى: -
- أما ما ذهب إليه المازري والطبري وابن قتيبة وغيرهم في تأويل حديث "ولا يسترقون" فإنه متعقب بما قاله القاضى عياض عنه: "ولا يستقيم هذا التأويل على مساق الحديث لأن النبي -ﷺ- لم يذمّ هنا من قال بالكى والرقى ولا كفرهم كما جاء في حديث الاستمطار بالنجوم .. وإنما أخبر أن هؤلاء لهم مزية وفضيلة بدخولهم الجنة بغير حساب .. وأخبر أن لهؤلاء مزيد خصوص على سائر المؤمنين وصفات تميَّزوا بِها ولو كان على ما تأوّله قبلُ لما اختص هؤلاء بِهذه المزية لأن تلك عقيدة جميع المؤمنين ومن اعتقد خلاف ذلك كفر" (^١٩).
كما لا يستقيم القول بأن المكروه منها ما كان بغير أسماء الله تعالى لأن هذا محرم وليس مكروهًا فقط، وقد شذ القرطبي ﵀ عندما قال: "المقصود: اجتناب رقى خارج عن القسمين: كالرقى بأسماء الملائكة والنبيين والصالحين، أو بالعرش والكرسى والسماوات والجنة والنار وما شاكل ذلك مما يعظم كما قد يفعله كثير ممن يتعاطى الرقى.
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٦٤).
(٢) كتاب الإيمان من إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ٨٩٨) بتصرف يسير، وانظر: المفهم (١/ ٤٦٣)، فتح الباري (١٠/ ٢١١).
[ ١٦٦ ]
فهذا القسم ليس من قبيل الرقي المحظور الذي يعم اجتنابه، وليس من قبيل الرقى الذي هو التجاء إلى الله تعالى وتبرك بأسمائه، وكأن هذا القسم المتوسط يُلحق بما يجوز فعله، غير أن تركه أولى" (^٢٠).
كما لا يستقيم أيضًا القول: بأن المكروه منها ما صَاحَبَه اعتقاد نفعها لا محالة لأن هذا فيه التفات إلى السبب، والالتفات إلى السبب شرك أصغر وقد يغلظ حسب اعتقاد صاحبه.
- وكذلك ما ذهب إليه الداوودي وابن عبد البر وغيرهما مِنْ حمل حديث: "ولا يسترقون" على ما كان في حال الصحة قبل نزول البلاء، متعقب بما سبق بيانه في كون الرقى منها ما يكون قبل نزول البلاء ومنها ما يكون بعد نزوله وسبقت الإشارة إلى أدلة ذلك.
ولذلك قال الحافظ ابن حجر: وهذا "معترض بما قدمته من ثبوت الاستعاذة قبل وقوع الداء" (^٢١).
وقال النووي: "قال كثيرون أو الأكثرون: يجوز الاسترقاء للصحيح لما يُخاف أن يغشاه من المكروهات والهوام" (^٢٢)، ثم استدل ﵀ ببعض الأحاديث التي سبق ذكرها.
- وكذلك ما ذهب إليه الحليمى من حمل الحديث على قوم غفلوا عن أحوال الدنيا فهم لا يعرفون الاكتواء أو الاسترقاء ..
فإنه يَرِدُ عليه أن قوله "ولا يسترقون" يدل على أنَّهم يعرفون الرقى
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٦٦).
(٢) الفتح (١٠/ ٢١١).
(٣) مسلم بشرح النووى (١٤/ ٤٢٠).
[ ١٦٧ ]
لكنهم لا يطلبونَها.
وعلى فرض أنَّهم لا يعرفونَها فإنَّهم لا يثابون على تركها لأن من شرط الثواب على الأعمال: الإرادة والقصد، فترك الشىء لعدم العلم به أو القدرة عليه ليس فيه فضل ومزيَّة بخلاف ترك الشيء احتسابًا للأجر وطلبًا للثواب فإنه يثاب عليه، ومثل ذلك من ترك المعصية لعدم العلم بِها أو القدرة عليها فإنه ليس بمنْزلة من تركها خوفًا من الله وطمعًا في ثوابه، والله أعلم.
- وأما ما ذهب إليه الخطابي وغيره من أن المراد من قوله "ولا يسترقون": ترك الرقى توكلًا على الله .. فإنه متعقب بأن فعل الأسباب -والتي من بينها الرقى- لا ينافي التوكل.
ثانيًا: مناقشة مذهب النسخ:
- وأما مذهب النسخ فيُجاب عنه بما يلى:
١ - أن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع وهو هنا غير متعذر وقد سبق بيان أوجه الجمع.
٢ - وأما ما ورد في بعض الأحاديث بلفظ "رخص" فليس معناه أن هذه الرقية التي رُخص فيها كان منهيًّا عنها ثم أُجيزت، وإنما معناه أنه -ﷺ- سُئل عنها فأذن بِها ولو سُئل عن غيرها لأذن فيه، قال النووي ﵀ عند حديث "رخص في الرقية من العين والحمة والنملة": "ليس معناه تخصيص جوازها بِهذه الثلاثة، وإنما معناه: سُئل عن هذه الثلاثة فأذن فيها ولو سُئل عن غيرها لأذن فيه وقد أذن لغير هؤلاء، وقد رقى هو -ﷺ- في غير هذه الثلاثة، والله أعلم" (^٢٣).
٣ - وأما ما ورد من كونه -ﷺ- نَهى عن الرقى ثم أجازها فليس المنهى عنه
_________________
(١) مسلم بشرح النووي (١٤/ ٤٣٥).
[ ١٦٨ ]
هو الرقى الشرعية وإنما المنهي عنه ما كان شركًا أو فيه شرك أو كان غير مفهوم المعني ويدل على ذلك ما يلي:
أ - أنه -ﷺ- قال: في آخر الحديث الذي فيه: "إنك نَهيت عن الرقى" وفي طريق آخر: "نَهى رسول الله -ﷺ- عن الرقى" قال في آخره: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" وفي رواية "فلينفعه".
ففى هذا بيان منه -ﷺ- إلى أن المنهى عنه من الرقى ليس هو الرقى الشرعية التي فيها نفع وإحسان إلى الغير، وإنما المنهى عنه نوع آخر من الرقى وهو الرقى الشركية كما يدل على ذلك الحديث الآتي.
ب - قوله -ﷺ- كما في حديث عوف بن مالك الأشجعى ﵁: "اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" (^٢٤).
وعلى هذا يُحمل حديث: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" (^٢٥).
قال الخطابي: "فأما الرقى المنهى عنه هو ما كان منها بغير لسان العرب فلا يُدرى ما هو ولعله قد يُدخله سحرًا أو كفرًا، وأما إذا كان مفهوم المعني وكان فيه ذكر الله تعالى فإنه مستحب متبرك به، والله أعلم" (^٢٦).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا نَهى العلماء عن التعازيم والأقسام الى يستعملها بعض الناس في حق المصروع وغره التى تتضمن الشرك
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٤٧).
(٢) أخرجه عن عبد الله بن مسعود: أبو داود (عون ١٠/ ٢٦٢) ح (٣٨٧٧) وابن ماجه (٢/ ١١٦٦) ح (٣٥٣٠) وأحمد في مسنده (٥/ ٢١٩) ح (٣٦١٥) والحاكم في مستدركه (٤/ ٤٦٣) ح (٨٢٩٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبى. وأخرجه البغوى في شرح السنة (١٢/ ١٥٦) ح (٣٢٤٠) وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٥٦) ح (٦٠٩٠) وحسَّن إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند.
(٣) معالم السنن (٤/ ٢٠٩).
[ ١٦٩ ]
بل نَهوا عن كل ما لا يُعرف معناه من ذلك خشية أن يكون فيه شرك بخلاف ما كان من الرقى المشروعة فإنه جائز" (^٢٧).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "الرقى: هى التي تسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك" (^٢٨).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "الرقى الموصوفة بكونِها شركًا هي الرقى التي منها شرك من دعاء غير الله والاستغاثة والاستعاذة به كالرقى بأسْماء الملائكة والأنبياء والجن ونحو ذلك، أما الرقى بالقرآن وأسماء الله تعالى وصفاته ودعائه والاستعاذة به وحده لا شريك له فليست شركًا بل ولا ممنوعة، بل مستحبة أو جائزة" (^٢٩).
شروط الرقية:
قد وضع أهل العلم للرقية ضوابطَ وشروطًا متي توفرت أبيحت الرقية فإذا تخلف منها شرط حَرُمت ومنعت، وهى كالتالي:
١ - أن تكون بكلام الله تعالى وبأسمائه وصفاته.
٢ - أن تكون باللسان العربي أو بما يُعرف معناه من غيره.
٣ - أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتِها بل بذات الله تعالى.
وهذه الشروط حكى الحافظ ابن حجر -﵀- الإجماع على جواز الرقية عند اجتماعها (^٣٠).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٣٦).
(٢) كتاب التوحيد ص (٢٣).
(٣) تيسير العزيز الحميد ص (١٦٥).
(٤) انظر الفتح (١٠/ ١٩٥). وقد ذكر هذه الضوابط بالتفصيل الشيخ علي العلياني حفظه الله وجعلها سبعة ضوابط وهي: =
[ ١٧٠ ]
الخلاصة في حكم الرقى:
تبيَّن مما سبق أن حكم الرقية يختلف باختلاف حال الراقى والمرقى والمرقى به:
١ - فإذا كانت الرقية بكتاب الله تعالى أو سنة رسوله -ﷺ- أو الكلام الحسن:
أ - فهى مندوبة في حق الراقى، لأنَّها نفع وإحسان وقد قال -ﷺ-: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه".
ب - وجائزة في حق المرقى حيث رَقى -ﷺ- ورُقيَ وأذن في الرقية وأمر بِها.
ج - ومكروهة في حق المسترقى لقوله -ﷺ- في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: "ولا يسترقون" ولقوله -ﷺ- أيضًا: "من اكتوى أو استرقى فهو بريء من التوكل".
٢ - وإذا كانت الرقية بغير الكتاب والسنة أو تخلف شرط من شروطها التي سبق ذكرها فهى محرمة وقد تصل إلى الشرك والكفر. والله أعلم.
* * *
_________________
(١) = ١ - أن لا تكون الرقية رقية شركية.
(٢) أن لا تكون سحرية.
(٣) أن لا تكون من عرَّاف أو كاهن.
(٤) أن تكون بعبارات ومعاني مفهومة.
(٥) أن لا تكون الرقية بهيئة محرمة.
(٦) أن لا تكون الرقية بعبارات محرمة كالسب والشتم واللعن.
(٧) أن لا يظن الراقى والمرقى بأن الرقية وحدها تستقل بالشفاء أو دفع المكروه. انظر: الرقى على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة ص (٥٩).
[ ١٧١ ]
المبحث الرابع الكَيّ
وفيه ثلانة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ١٧٣ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديت التى قد يوهم ظاهرها التعارض
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع:
أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على تركه، والرابع: النهى عنه" (^١).
وكل هذه الأنواع جاءت أحاديث الصحيحين بِها: -
أولًا: ما ورد من فعله (^٢):
الحديث الأول:
ما جاء في حديث جابر ﵁ قال: رُمى سعد بن معاذ في أكحله (^٣) قال: "فحسمه (^٤) النبي -ﷺ- بيده في مشقص (^٥) ثم ورمت فحسمه الثانية" (^٦).
الحديث الثاني:
عن جابر ﵁ أيضًا قال: "بعث رسول الله -ﷺ- إلى أُبَيِّ بن كعب طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه".
- وفي طريق آخر قال جابر بن عبد الله: "رُمي أبي يوم الأحزاب على
_________________
(١) زاد المعاد (٤/ ٦٥).
(٢) يدخل في ذلك ما فعله النبى -ﷺ- في غيره، وكذا ما فعله أصحابه في حياته ولم ينكره -ﷺ-.
(٣) "الأكحل عرق في وسط الذراع يكثر فصده" النهاية (٤/ ١٥٤) وانظر لسان العرب (١١/ ٥٨٦).
(٤) أي قطع الدم عنه بالكى" النهاية (١/ ٣٨٦) وانظر لسان العرب (١٢/ ١٣٤).
(٥) المشقص: نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض، فإذا كان عريضًا فهو المِعْبَلة" النهاية (٢/ ٤٩٠) وانظر لسان العرب (٧/ ٤٨).
(٦) أخرجه مسلم: كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي (١٤/ ٤٤٥) ح (٢٢٠٨).
[ ١٧٤ ]
أكحله، فكواه رسول الله -ﷺ-" (^٧).
الحديث الثالث:
عن أنس ﵁ قال: "كويت من ذات الجنب (^٨) ورسول الله -ﷺ- حيٌّ" (^٩).
ثانيًا: ما ورد من عدم محبته له:
ما جاء فى حديث جابر ﵁ قال: سمعت النبى -ﷺ- يقول: "إن كان في شيء من أدويتكم -أو يكون في شيء من أدويتكم- خيرٌ ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء، وما أُحب أن أكتوي" (^١٠).
ثالثًا: ما ورد في الثناء علي تركه:
ما جاء في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب وهم: "الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربِّهم يتوكلون" (^١١).
ويعضده حديث عمران ﵁ قال: "وقد كان يُسلم عليَّ حتى اكتويت فتُرِكت ثم تَرَكت الكيَّ فعاد" (^١٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوى (١٤/ ٤٤٣) ح (٢٢٠٧).
(٢) "ذات الجنب: هى الدُّبَيلَة والدُّمّل الكبيرة التي تظهر في باطن الجنب وتنفجر إلى داخل، وقلَّما يسلم صاحبها" النهاية (١/ ٣٠٣) وانظر لسان العرب (١/ ٢٨١).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الطب، باب ذات الجنب (٥/ ٢١٦٢) ح (٥٣٨٩).
(٤) متفق عليه: البخاري: كتاب الطب، باب الدواء بالعسل (٥/ ٢١٥٢) ح (٥٣٥٩)، وأخرجه أيضًا في باب الحجم من الشقيقة والصداع (٥/ ٢١٥٧) ح (٥٣٧٥)، وفي باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو (٥/ ٢١٥٧) ح (٥٣٧٧). ومسلم: كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي (١٤/ ٤٤٢) ح (٢٢٠٥).
(٥) وقد سبق تخريجه ص (١٤٣).
(٦) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب جواز التمتع (٨/ ٤٥٥) ح (١٢٢٦). والذي كان يُسلّم عليه هم الملائكة. انظر مسلم بشرح النووي (٨/ ٤٥٦). سنن أبي داود (عون ١٠/ ٢٤٧).
[ ١٧٥ ]
رابعًا: ما ورد من النهي عن الكي:
ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم أو شربة عسل أو كيَّة بنار، وأنا أنْهى أمتي عن الكي" (^١٣).
بيان وجه التعارض
وجه التعارض في أحاديث الكي هو عدم اتفاقها على حكم واحد في الكي، فمن الأحاديث ما يفيد جواز الكي كما في فعله -ﷺ-، ومن الأحاديث ما يفيد كراهته كما في عدم محبته -ﷺ- له ونَهيه عنه والثناء على تركه.
وبالتالي فهل نأخذ بأحاديث الجواز ونطرح أحاديث النهى، أم نعكس الحكم فنأخذ بأحاديث النهى ونطرح أحاديث الجواز، أم نُعمل الأحاديث كلها فنحمل كل نوع من الأحاديث على معني صحيح وموضع مناسب لا يتعارض مع بقية الأحاديث؟
هذا ما سوف يفصح عنه المطلب الثاني.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخارى: كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث (٥/ ٢١٥٢) ح (٥٣٥٧).
[ ١٧٦ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
جاءت أقوال أهل العلم في هذه المسألة تمثل عدة مسالك لا تخرج كلها عن مذهب الجمع، وقبل الخوض في هذه المسالك لابد من بيان أن جميع أصحاب هذه المسالك قالوا بجواز الكى في أصله.
واستندوا في ذلك إلى أدلة الجواز كما في فعله -ﷺ- له، ونسبة الشفاء إليه.
كما استدلوا بعموم الأدلة المبيحة للتداوي كقوله -ﷺ-: "لكل داء دواء فإذا أُصيب دواءُ الداءِ برأ بإذن الله ﷿" (^١).
وقوله -ﷺ-: "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء" (^٢).
وقوله -ﷺ-: " .. تداووا فإن الله تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواء غير داءٍ واحد: الهرم" (^٣).
ويبقى الخلاف بينهم في أحاديث النهي والكراهة على ماذا تحمل؟
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث جابر في كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي (١٤/ ٤٤١) ح (٢٢٠٤).
(٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء (٥/ ٢١٥١) ح (٥٣٥٤).
(٣) أخرجه عن أسامة بن شريك -﵁- أبو داود (عون ١٠/ ٢٣٩) ح (٣٨٤٩) والترمذي (تحفة ٦/ ١٩٠) ح (٢١٠٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٢/ ١١٣٧) ح (٣٤٣٦) وأحمد (٥/ ٣٥٠) خ (١٧٩٨٦، ١٧٩٨٧، ١٧٩٨٨) وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٢٦) ح (٦٠٦١) والحاكم في مستدركه (٤/ ٢٢١) ح (٧٤٣٠) والبغوي في شرح السنة (١٢/ ١٣٨) وقال: هذا حديث حسن، وصحح إسناده الألباني في مشكاة المصابيح (٢/ ١٢٨١) ح (٤٥٣٢) وشعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان.
[ ١٧٧ ]
فبعضهم حملها على وضع معيّن ينهى عن الكى فيه، وبعضهم وضع شروطًا وضوابط متي توفرت جاز الكى وإلا كُره، وفيما يلى ذكرُ مسالكهم في ذلك بالتفصيل:
المسلك الأول:
ما ذهب إليه ابن قتيبة ﵀ وهو التفريق بين جنسين من الكى:
أحدهما: كى الصحيح لئلا يعتل، وهذا هو المنهى عنه.
وثانيهما: كى الجرح إذا فسد، والعضو إذا قُطع، وهذا هو الجائز الذي فيه الشفاء.
قال ﵀: "والكى جنسان:
أحدهما: كى الصحيح لئلا يعتل، كما يفعل كثير من أمم العجم، فإنَّهم يكوون ولدانَهم وشبانَهم من غير علة بهم، يرون أن ذلك الكى يحفظ لهم الصحة ويدفع عنهم الأسقام .. وكانت العرب تذهب هذا المذهب في جاهليتها، وتفعل شبيهًا بذلك في الإبل إذا وقعت النقبة فيها وهو جرب أو العُرّ وهو قروح تكون في وجوهها ومشافرها، فتعمد إلى بعير منها صحيح فتكويه ليبرأ منها ما به العُرّ أو النقبة.
وقد ذكر ذلك النابغة في قوله للنعمان:
فحملتني ذنب امرئ وتركته كذي العُرِّ يكوى غيره وهو راتع
وهذا هو الأمر الذي أبطله رسول الله -ﷺ- ..
وأما الجنس الآخر: فكيُّ الجرح إذا نَغِل (^٤) وإذا سال دمه فلم ينقطع،
_________________
(١) النَّغَلُ -بالتحريك-: الفساد، ونَغِل الجرح نَغَلًا: فسد. انظر النهاية (٥/ ٨٨) لسان العرب (١١/ ٦٧٠).
[ ١٧٨ ]
وكىُّ العضو إذا قُطع .. وهذا هو الكي الذي قال النبي -ﷺ-: "إن فيه الشفاء" (^٥).
وإلى هذا المسلك ذهب الطحاوي أيضًا، واستدل عليه بقوله -ﷺ- في حديث جابر: " .. أو لذعة نار توافق الداء" فقال: "فإذا كان في هذا الحديث أن لذعة النار التي توافق الداء مباحة -والكى مكروه، وكانت اللذعة بالنار كيَّة- ثبت أن الكى الذي يوافق الداء مباح، وأن الكي الذي لا يوافق الداء مكروه" (^٦).
المسلك الثاني:
ما ذهب إليه ابن عبد البر وهو أن الكي مباح، وأما أحاديث النهي فتُحمل على أفضلية ترك الكي ثقة بالله وتوكلًا عليه ويقينًا بما عنده.
قال ﵀: "فمن ترك الكي ثقة بالله وتوكلًا عليه كان أفضل، لأن هذه منْزلة يقين صحيح وتلك منزلة رخصة وإباحة" (^٧).
المسلك الثالث:
ما ذهب إليه الخطابي من أن الكي داخل في جملة العلاج والتداوي المأذون فيه، وأما أحاديث النهى فقد أورد ثلاث احتمالات لها.
فقال ﵀: "وأما حديث عمران بن حصين في النهي عن الكى (^٨)
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث ص (٣٠٦).
(٢) شرح معاني الآثار (٤/ ٣٢٢).
(٣) التمهيد (٢٤/ ٦٥) وانظر (٢٤/ ٦٣).
(٤) ونصه: "نَهى النبى -ﷺ- عن الكى، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا" أخرجه أبو داود (عون ١٠/ ٢٤٦) ح (٣٨٥٩)، والترمذي (تحفة ٦/ ٢٠٤) ح (٢١٢٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في مسنده (٥/ ٥٨٩) ح (١٩٣٣٠). والحاكم في مستدركه (٤/ ٢٣٨) ح (٧٤٩١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى. وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٤٥) ح (٦٠٨١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٧٣٣) ح (٣٢٧٤) وشعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان.
[ ١٧٩ ]
فقد يحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون من أجل أنَّهم كانوا يعظمون أمره، ويقولون آخر الدواء الكى، ويرون أنه يحسم الداء ويبرئه، وإذا لم يفعل ذلك عطب صاحبه وهلك، فنهاهم عن ذلك إذا كان على هذا الوجه، وأباح لهم استعماله على معني التوكل على الله سبحانه وطلب الشفاء ..
وثانيها: أن يكون معني نهيه عن الكي هو أن يفعله احترازًا من الداء قبل وقوع الضرورة ونزول البلية وذلك مكروه وإنما أُبيح العلاج والتداوي عند وقوع الحاجة ودُعاء الضرورة إليه، ألا ترى أنه إنما كوى سعدًا حين خاف عليه الهلاك من الترف.
وثالثها: أن يكون إنما نَهى عمران خاصة عن الكى في علة بعينها لعلمه أنه لا ينجع، ألا تراه يقول: "فما أفلحنا ولا أنجحنا" وقد كان به الناصور (^٩)، فلعله إنما نهاه عن استعمال الكى في موضعه من البدن، والعلاج إذا كان فيه الخطر العظيم كان محظورًا والكى في بعض الأعضاء يعظم خطره وليس كذلك في بعض الأعضاء، فيشبه أن يكون النهى منصرفًا إلى النوع المخوف منه، والله أعلم" (^١٠).
وقال بِهذه الوجوه مجتمعة ابن رسلان كما نقل ذلك عنه الشوكاني (^١١) عليهما رحمة الله.
_________________
(١) بالسين والصاد عِلّة تحدث في مأقى العين، تسقى فلا تنقطع، وقد تحدث أيضًا في حوالي المقعدة وفي اللثة وهو معرَّب" مختار الصحاح (٦٥٧) وانظر لسان العرب (٥/ ٢٠٥).
(٢) معالم السنن (٤/ ٢٠٢) بتصرف يسير.
(٣) انظر نيل الأوطار (٨/ ٢٣٧).
[ ١٨٠ ]
المسلك الرابع:
أن الكي جائز غير مكروه بشرطين هما:
١ - إذا دعت الحاجة إليه، ولا يمكن الاستغناء عنه بغيره بل تعيَّن كونه طريقًا للعلاج.
٢ - وإذا اعتقد أن الشفاء بيد الله تعالى وأن الكي مجرد سبب فقط.
فإذا استعمله مع إمكان الاستغناء عنه بغيره من الأدوية كُره.
وعلى هذا تُحمل أحاديث النهي، وعضدوا قولهم بالكراهة في هذه الحالة بقوله -ﷺ-: "لا تعذبوا بعذاب الله" (^١٢).
وإلى هذا ذهب القرطبي والمناوي والشوكاني عليهم رحمة الله.
قال القرطبي: "وكى النبي -ﷺ- لأُبيّ وسعد دليل على جواز الكي والعمل به إذا ظنَّ الإنسان منفعته، ودعت الحاجة إليه، فيُحمل نَهيه -ﷺ- عن الكي على ما إذا أمكن أن يُستغني عنه بغيره من الأدوية، فمن فعله في محلِّه وعلى شرطه لم يكن ذلك مكروهًا في حقه ولا منقِّصًا له في فضله، ويجوز أن يكون من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب كيف لا وقد كوى النبي -ﷺ- سعد بن معاذ ﵁ الذي اهتز له عرش الرحمن، وأُبي بن كعب ﵁ المخصوص بأنه أقرأ الأمة للقرآن؟ ! وقد اكتوى عمران بن حصين، فمن اعتقد أن هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا من السبعين ألفًا ففساد كلامه لا يخفى، وعلى هذا البحث: فيكون قوله -ﷺ- في السبعين ألفًا: أنَّهم هم الذين لا يكتوون، إنما يعني به: الذي يكتوي وهو يجد عنه غني، والله أعلم" (^١٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ١٠٩٨) ح (٢٨٥٤) عن ابن عباس ﵄.
(٢) المفهم (٥/ ٥٩٧) وانظر (١/ ٤٦٥).
[ ١٨١ ]
وقال المناوي: "الكى لا يُترك مطلقًا ولا يُستعمل مطلقًا، بل عند تعيُّنه طريقًا للشفاء، وعدم قيام غيره مقامه، مع مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى والتوكل عليه" (^١٤).
وقال أيضًا: "نهى عن الكي" نَهى تنْزيه حيث أمكن الاستغناء عنه بغيره لأنه يشبه التعذيب بعذاب الله الذي نَهى عنه، ولما فيه من الألم الذي ربما زاد على ألم المرض، أما عند تعينه طريقًا فلا يكره فقد كوى النبي -ﷺ- .. " (^١٥).
وقال الشوكاني: "وقد جاء النهي عن الكى وجاءت الرخصة فيه، والرخصة لسعد لبيان جوازه حين لا يقدر الرجل أن يداوي العلة بدواءٍ آخر، وإنما ورد النهي حيث يقدر الرجل على أن يداوي العلة بدواءٍ آخر لأن الكي فيه تعذيب بالنار ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا رب النار وهو الله تعالى ولأن الكي يبقى منه أثر فاحش" (^١٦).
المسلك الخامس:
ما ذهب إليه ابن القيم وابن حجر عليهما رحمة الله وهو أن أحاديث الكي تضمنت أربعة أنواع، أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على تركه، والرابع النهى عنه.
- ففعله ونسبة الشفاء إليه يدل على الجواز.
- وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، بل هو من جنس تركه أكل الضب مع تقريره أكله على مائدته واعتذاره بأنه يعافه (^١٧).
_________________
(١) فيض القدير (٦/ ٨٢).
(٢) فيض القدير (٦/ ٣٢٠).
(٣) نيل الأوطار (٨/ ٢٣٥، ٢٣٦).
(٤) جاء ذلك في مسلم: من حديث ابن عباس -﵁- (١٣/ ١٠٥) ح (١٩٤٥). قال رسول الله -ﷺ- -وقد سأله خالد بن الوليد: أحرام هو يا رسول الله؟ - قال: "لا، ولكنه لم يكن بأرض قومى فأجدني أعافه" قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله -ﷺ- ينظر.
[ ١٨٢ ]
- وأما الثناء على تركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل.
- وأما النهى عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يُحتاج إليه، بل يُفعل خوفًا من حدوث الداء أو عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء (^١٨).
وهذا المسلك قريبٌ جدًّا من سابقه إلا أن فيه زيادة تفصيل وذلك بتوجيه كل نوع من الأحاديث على حدة، والله أعلم.
المسلك السادس:
وهو أن الكى والرقى مكروهان مطلقًا وأنَّهما قادحان في التوكل بخلاف سائر أنواع الطب.
وقد سبقت الإشارة إلى هذا القول وأدلته والرد عليه في المبحث السابق بما يغني عن إعادته.
* * *
_________________
(١) انظر: زاد المعاد (٤/ ٦٦) فتح الباري (١٠/ ١٥٥، ١٣٩).
[ ١٨٣ ]
المطلب الثالث الترجيح
لا شك أن لكل مسلك من المسالك السابقة وجهته ووجاهته وكلها مسالك مُحتملة، وبعضها متقاربة.
والذي يظهر -والله تعالى أعلم بالصواب- أن الكى لا يمكن أن يُحكم عليه بحكم واحد، بل هو كما قال ابن حجر والمناوي عليهما رحمة الله بأنه "لا يترك مطلقًا ولا يستعمل مطلقًا (^١) وبالتالي يمكننا القول بأن الكي يعتريه ثلاثة أحكام، فتارة يكون جائزًا بدون كراهة وتارة يكون مكروهًا، وتارة ثالثة يكون محرمًا، وإليك تفصيل ذلك:
أ - فهو جائز إذا توفرت فيه الشروط التالية:
١ - إذا دعت الحاجة إليه، قال ابن عبد البر: "ما أعلم بينهم خلافًا أنهم لا يرون بأسًا بالكي عند الحاجة إليه" (^٢).
٢ - وإذا لم يمكن الاستغناء عنه بغيره، بل تعيَّن كونه طريقًا للعلاج كما لو نزف الدم منه بشدة ولم يمكن إيقافه إلا بالكى وإلا مات، وقد يقال بوجوبه في هذه الحالة لأن عدم فعله فيه تعريض النفس للهلاك ولذلك كوى النبي -ﷺ- سعد بن معاذ عندما نزف الدم منه وخشى عليه الهلاك.
٣ - وإذا اعتقد أن الشفاء بيد الله تعالى وأن الكى مجرد سبب فقط.
ب - وهو مكروه في الحالات التالية:
_________________
(١) الفتح (١٠/ ١٣٩) فيض القدير (٦/ ٨٢).
(٢) التمهيد (٢٤/ ٦٥).
[ ١٨٤ ]
١ - إذا أمكن الاستغناء عنه بغيره، لما فيه من شدة الألم التي قد تفوق أحيانًا ألم المرض.
٢ - إذا كان قبل نزول البلاء والمرض وذلك لحفظ الصحة ودفع البلاء قبل وقوعه، وكُره في هذه الحالة لما فيه من ضعف التوكل على الله تعالى واستعجال الألم لشيء لم يقع، وإنما يُخشى وقوعه، وقد يُقال بتحريمه في هذه الحالة لما فيه من التعذيب بعذاب الله المنهى عنه.
ج - وهو محرم إذا صَاحَبَه غلوٌّ في نسبة الشفاء إليه مما يترتب عليه نسيان المسبب الحقيقي -الذي هو الله تعالى- والالتفات إلى السبب المخلوق، والالتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد، والله أعلم.
وبِهذا نكون قد أعملنا جميع الأدلة على وجه لا تناقض فيه ولا اختلاف، فعلى الحكم الأول تحمل أحاديث الجواز وعلى الحكمين الآخرين -الكراهة والتحريم- تحمل أحاديث النهي. والله أعلم.
وأما ما ذهب إليه ابن عبد البر ﵀ من حمل أحاديث النهي على أفضلية ترك الكى ثقة بالله وتوكلًا عليه .. إلخ.
فيُجاب عنه بأن فعل الأسباب لا ينافي اليقين والتوكل على الله تعالى بل إن التوكل على الله تعالى يعتبر أعظم الأسباب نفعًا فكيف ينافيها.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتِها قدرًا وشرعًا.
وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة،
[ ١٨٥ ]
ويضعفه من حيث يظن معطِّلها أن تركه أقوى في التوكل، فإن تركها عجزٌ ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بدَّ مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا" (^٣).
* * *
_________________
(١) زاد المعاد (٤/ ١٥).
[ ١٨٦ ]
المبحث الخامس ما جاء في الحلف بغير الله تعالى
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ١٨٧ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
جاء النهى منه -ﷺ- صريحًا عن الحلف بغير الله تعالى في عدة أحاديث كما جاء عنه -ﷺ- -أيضًا- ما ظاهره حلفه بغير الله تعالى.
* أما أحاديث النهي فهي كالتالى:
الحديث الأول:
حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" قال عمر: فوالله ما حلفت بِها منذ سمعت النبي -ﷺ- ذاكرًا ولا آثرًا (^١).
الحديث الثاني:
حديث ابن عمر ﵄. وقد جاء من ثلاثة طرق هي كالتالي:
الطريق الأول: من رواية نافع عن ابن عمر. ولفظه: أن رسول الله -ﷺ- أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو فليصمت" (^٢).
الطريق الثاني: من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ ولفظه: قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله"
_________________
(١) متفق عليه: البخارى: كتاب الأيمان والنذور. باب: لا تحلفوا بآبائكم (٦/ ٢٤٤٩) ح (٦٢٧١). ومسلم: كتاب الأيمان. باب: النهي عن الحلف بغير الله (١١/ ١١٥) ح (١٦٤٦).
(٢) متفق عليه: البخاري في موضعين: في كتاب الأيمان. باب: لا تحلفوا بآبائكم (٦/ ٢٤٤٩) ح (٦٢٧٠). وفي كتاب الأدب. باب: من لم يرَ إكفار من قال ذلك متأوّلًا أو جاهلًا (٥/ ٢٢٦٥) ح (٥٧٥٧). ومسلم: كتاب الأيمان. باب: النهي عن الحلف بغير الله (١١/ ١١٦) ح (١٦٤٦).
[ ١٨٨ ]
وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: "لا تحلفوا بآبائكم" (^٣).
الطريق الثالث: من رواية سالم عن ابن عمر عن أبيه ﵄، وهو حديث عمر بن الخطاب السابق ذكره.
الحديث الثالث:
حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم" (^٤).
الحديث الرابع:
حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق" (^٥).
* وأما الأحاديث التى ظاهرها حلف النبي -ﷺ- بغير الله تعالى فهي كالتالي:
الحديث الأول:
حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتي دنا من
_________________
(١) متفق عليه: البخاري في مواضع: في كتاب فضائل الصحابة. باب: أَيَّام الجاهلية (٣/ ١٣٩٤) ح (٣٦٢٤) وفي كتاب الأيمان مختصرًا. باب: لا تحلفوا بآبائكم (٦/ ٢٤٥٠) ح (٦٢٧٢). وفي كتاب التوحيد. باب: السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها. (٦/ ٢٦٩٣) ح (٦٩٦٦). ومسلم واللفظ له: كتاب الأيمان. باب النهى عن الحلف بغير الله (١١/ ١١٧) ح (١٦٤٦).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الأيمان. باب: من حلف باللات والعزى. . . (١١/ ١١٨) ح (١٦٤٨).
(٣) متفق عليه: البخاري في مواضع: في كتاب الأدب. باب: من لم يرَ إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا (٥/ ٢٢٦٤) ح (٥٧٥٦). وفي كتاب الاستئذان. باب: كل لهوٍ باطل .. (٥/ ٢٣٢١) ح (٥٩٤٢). وفي كتاب الأيمان. باب: لا يُحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت. (٦/ ٢٤٥٠) ح (٦٢٧٤). وفي كتاب التفسير. باب: "أفرأيتم اللات والعزى" (٤/ ١٨٤١) ح (٤٥٧٩). ومسلم: كتاب الأيمان. باب: من حلف باللات والعزى. . . (١١/ ١١٧) ح (١٦٤٧).
[ ١٨٩ ]
رسول الله -ﷺ- فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله -ﷺ-: "خمس صلوات في اليوم والليلة" فقال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطَّوع، وصيام شهر رمضان" فقال: هل عليَّ غيره؟ فقال: "لا إلا أن تطَّوع" وذكر له رسول الله -ﷺ- الزكاة فقال: هل علىَّ غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطَّوع" قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله -ﷺ-: "أفلح وأبيه إن صدق، أو دخل الجنة وأبيه إن صدق" (^٦).
الحديث الثاني:
حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمُّك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك".
وفي طريق آخر فقال -يعني رسول الله -ﷺ--: "نعم وأبيك لتنبأن" (^٧).
الحديث الثالث:
حديث أبي هريرة ﵁أيضًا- قال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله: أي الصدقة أعظم أجرًا؟ فقال: "أما وأبيك لتنبأنَّه، أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان" (^٨).
بيان وجه التعارض
وجه التعارض في هذه الأحاديث أن في بعضها النهي عن الحلف بغير الله
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الأيمان: باب: بيان الصلوات التى هي أحد أركان الإسلام (١/ ٢٨٢) ح (١١).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب: البر والصلة. باب: بر الوالدين. (١٦/ ٣٣٧) ح (٢٥٤٨).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الزكاة. باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح (٧/ ١٢٩) ح (١٠٣٢).
[ ١٩٠ ]
تعالى وفي البعض الآخر ما ظاهره حلف النبي -ﷺ- بغير الله تعالى كما في قوله: "أفلح وأبيه إن صدق" مما قد يفهم منه جواز الحلف بغير الله تعالى.
ولذلك اختلف أهل العلم في توجيه هذه النصوص كما سيأتي بيانه في المطلب التالي إن شاء الله تعالى.
* * *
[ ١٩١ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
بناءً على ما سبق من الأحاديث اختلف أهل العلم في حكم الحلف بغير الله تعالى على قولين:
أ - الكراهة.
ب - والتحريم (^١).
ومحل الخلاف في غير الصورتين التاليتين:
١ - إذا اعتقد الحالف في المحلوف به تعظيمًا مثل تعظيم الله تعالى فهذا محرم بالاتفاق بل هو كفر وردة عند جميع المذاهب.
٢ - إذا كان المحلوف به مذمومًا في الشرع، كما إذا كان مما يُعبد من دون الله تعالى كاللات والعزى وغيرهما فهذا أيضًا محرم بالاتفاق، وبعضهم أطلق الكفر على الحالف بذلك وبعضهم قيده بقصد التعظيم (^٢).
فهاتان الصورتان محرمتان بالإحماع، ويبقى الخلاف حينئذٍ فيما عداهما، ويمكن حصره في صورتين أيضًا هما:
١ - إذا اعتقد في المحلوف به تعظيمًا لا يصل إلى درجة تعظيم الله تعالى وكان هذا المحلوف به معظمًا في الشرع كالملائكة والأنبياء والكعبة ونحوها.
٢ - إذا اعتقد في المحلوف به تعظيمًا لا يصل إلى درجة تعظيم الله تعالى
_________________
(١) وهناك من قال بالجواز بدون كراهة كبعض الأحناف المتأخرين وأدلتهم على ذلك هى أدلة من قال بالكراهة. انظر حاشية ابن عابدين (٣/ ٧٠٥) ولا شك أن هذا خلاف ضعيف لا يُعتد به.
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٣/ ٨، ٩). المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ٤٠٦، ٤٠٧). أحكام الأحكام لابن دقيق العيد (٤/ ١٤٤). روضة الطالبين للنووي (١١/ ٦، ٧). كشاف القناع للبهوتي (٦/ ٢٣٤). عقيدة ابن عبد البر للغصن (٢٠١/ ٢٠٢).
[ ١٩٢ ]
وكان هذا المحلوف به ليس بمعظم ولا مذموم.
ففى هاتين الصورتين وقع الخلاف بين أهل العلم على قولين:
القول الأول: أن الحلف بغير الله تعالى مكروه، وهذا هو المشهور عند المالكية (^٣) وقولُ جمهور الشافعية (^٤) وقولٌ عند الحنفية (^٥) والحنابلة (^٦).
واستدل هؤلاء بما يلى:
١ - الأحاديث التي ظاهرها حلف النبي -ﷺ- بغير الله تعالى كما في قوله -ﷺ-: "أفلح وأبيه إن صدق" وقوله: "أما وأبيك لتنبأن".
٢ - إقسام الله تعالى في كتابه ببعض مخلوقاته كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (^٧) وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (^٨) إلى غير ذلك من الآيات.
فكأن هؤلاء القائلين بالكراهة حملوا أحاديث النهي عن الحلف بغير الله تعالى على الكراهة والتنْزيه، وحملوا ما استدلوا به من الأدلة على بيان الجواز.
القول الثاني: أن الحلف بغير الله تعالى محرم.
وهذا هو المشهور عند الحنفية (^٩) والحنابلة (^١٠) وجزم به
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ٤٠٦، ٤٠٧). أحكام الأحكام (٤/ ١٤٤). طرح التثريب (٧/ ١٤٢). فتح الباري (١١/ ٥٣١). سبل السلام (٤/ ١٩٦).
(٢) انظر: الأم للشافعى (٧/ ٦٤). روضة الطالبين للنووي (١١/ ٦، ٧) فتح الباري (١١/ ٥٣١) سبل السلام (٤/ ١٩٦).
(٣) انظر: حاشية ابن عابدين (٣/ ٧٠٥).
(٤) انظر: المغنى لابن قدامة (١١/ ١٦٣). الفروع لابن مفلح (٦/ ٣٤٠). فتح الباري (١١/ ٥٣١).
(٥) سورة الشمس. آية (١، ٢).
(٦) سورة الطارق. آية (١).
(٧) انظر: بدائع الصنائع (٣/ ٨، ٩). المبسوط للسرخسى (٨/ ١٤٣). مجموع الفتاوى (١/ ٢٠٤).
(٨) انظر: المغنى (١١/ ١٦٢). الفروع لابن مفلح (٦/ ٣٤٠). مجموع الفتاوى (١/ ٢٠٤). طرح التثريب (٧/ ١٤٢). فتح الباري (١١/ ٥٣١). سبل السلام (٤/ ١٩٦).
[ ١٩٣ ]
الظاهرية (^١١)، وهو قولٌ عند المالكية (^١٢) والشافعية (^١٣).
واستدل هؤلاء بما يلى:
١ - الأحاديث التي سبق ذكرها والتى فيها النهى عن الحلف بغير الله تعالى كقوله -ﷺ-: "لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم" وقوله ﵊: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" وغيرها من الأحاديث. والأصل في النهي التحريم ما لم يصرفه صارف، ولا صارف هنا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية "والصحيح أنه نَهى تحريم" (^١٤).
وقال الصنعاني بعد ذكره لبعض الأحاديث التي سبقت: "الحديثان دليل على النهى عن الحلف بغير الله تعالى، وهو للتحريم كما هو أصله" (^١٥).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن النهى عن الحلف بغير الله تعالى لا يختص بالآباء كما هو ظاهر الأحاديث السابقة، بل يتعدى إلى كل مخلوق، وإنما خُص الآباء بالذكر في الحديث لأمرين: -
أ - وروده على سبب، وهو سماعه ﵊ عمر بن الخطاب -﵁- يحلف بأبيه.
ب - خروجه مخرج الغالب لأنه لم يكن يقع منهم الحلف بغير الله تعالى -غالبًا- إلا بالآباء ويدل على ذلك قوله في بعض روايات حديث ابن عمر: وكانت قريش تحلف بآبائها، فقال: "لا تحلفوا بآبائكم".
_________________
(١) انظر: المحلى (٦/ ٢٨١، ٢٨٤). فتح الباري (١١/ ٥٣١). سبل السلام (٤/ ١٩٦).
(٢) انظر: أحكام الأحكام (٤/ ١٤٤). فتح البارى (١١/ ٥٣١).
(٣) انظر: روضة الطالبين (١١/ ٦، ٧). مجموع الفتاوى (١/ ٢٠٤). فتح الباري (١١/ ٥٣١).
(٤) مجموع الفتاوى (١/ ٣٣٥).
(٥) سبل السلام (٤/ ١٩٦).
[ ١٩٤ ]
ويدل على أن النهي عام في الآباء وغيرهم قوله -ﷺ- في حديث ابن عمر: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو فليصمت" وفي رواية: "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله" (^١٦).
٢ - الأحاديث التي فيها وصف الحلف بغير الله تعالى بالشرك والكفر ومن ذلك:
أ - حديث ابن عمر -ﷺ- أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يُحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (^١٧).
ب - حديث قُتيلة بنت صيفى -امرأة من جهينة-: أن يهوديًّا أتى النبي -ﷺ- فقال: إنكم تُنَدِّدون وإنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي -ﷺ- إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت (^١٨).
وقد أجاب أصحاب هذا القول عن أدلة القائلين بالكراهة بما يلي:
أ - أما الأحاديث التي ظاهرها حلف النبي -ﷺ- بغير الله تعالى كقوله -ﷺ-:
_________________
(١) انظر: طرح التثريب (٧/ ١٤٢). المفهم (٤/ ٦٢١). فتح الباري (١١/ ٥٣٣).
(٢) أخرجه الترمذي (تحفة ٥/ ١٣٥) ح (١٥٧٤) وقال: هذا حديث حسن. وأبو داود (عون ٩/ ٥٦) ح (٣٢٤٩) وأحمد (٨/ ٢٢١) ح (٦٠٧٢). والحاكم (٤/ ٣٣٠) ح (٧٨١٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه (١٠/ ١٩٩) ح (٤٣٥٨) وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند. والألباني في الإرواء (٨/ ١٨٩) ح (٢٥٦١).
(٣) أخرجه النسائى (٧/ ٦) وأحمد (٧/ ٥١٥) ح (٢٦٥٥٣) والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٢٤٤) ح (٨٣٨) والحاكم (٤/ ٣٣١) ح (٧٨١٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبى. وصحح الألباني إسناد النسائى كما في السلسلة الصحيحة (٣/ ١٥٤، ١٥٥) ح (١١٦٦).
[ ١٩٥ ]
"أفلح وأبيه إن صدق" فقد تعرض له أهل العلم بالبيان والتحقيق وأجابوا عنه بعدة أجوبة، فمنهم من حاول الجمع بينه وبين أحاديث النهي، ومنهم من ذهب إلى أنه منسوخ ومنهم من سلك سبيل الترجيح والتضعيف لروايات الحلف بغير الله تعالى وإليك تفصيل ذلك:
أولًا: مذهب الجمع:
ذكر القائلون بالجمع عدة مسالك يمكن الجمع بِها بين حديث "أفلح وأبيه إن صدق" وبين أحاديث النهي عن الحلف بغير الله تعالى، وكل هذه المسالك تجنح إلى تأويل حديث "أفلح وأبيه إن صدق" وحمله على غير ظاهره، وإليك بيان هذه المسالك:
المسلك الأول:
أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير قصد الحلف كما جرى على لسانِهم عقرى (^١٩) وحلقى (^٢٠) وتربت يمينك (^٢١) وما أشبه ذلك. وكلغو اليمين المعفو عنه في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (^٢٢) قالت عائشة ﵂: هو قول الرجل: لا والله وبلى والله (^٢٣) ونحو ذلك.
_________________
(١) يقال للمرأة عقرى: أي عقرها الله، وأصابَها بِعَقْر في جسدها. وظاهره الدعاء عليها وليس بدعاءٍ في الحقيقة. انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٧٢)، لسان العرب (٤/ ٥٩٤).
(٢) يقال للمرأة حلقى: أي حَلَقها الله يعني صابَها وجع في حلقها خاصة. انظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٤٢٨)، لسان العرب (١٠/ ٦٠).
(٣) تربت يمينك: أي التصقت يمينك بالتراب من الفقر. وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المُخَاطَب ولا وقوع الأمر به. انظر: النهاية (١/ ١٨٤)، لسان المعرب (١/ ٢٢٩).
(٤) سورة المائدة. آية (٨٩).
(٥) أخرجه البخاري (٤/ ١٦٨٦) ح (٤٣٣٧).
[ ١٩٦ ]
والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف. وإلى هذا جنح البغوي (^٢٤) والمازري (^٢٥) واحتمله الخطابي (^٢٦) والبيهقي (^٢٧) والقرطبي (^٢٨) وقال عنه النووي: إنه الجواب المرضى (^٢٩) وقوَّاه الحافظ ابن حجر (^٣٠).
المسلك الثاني:
أنه ﵊ أضمر فيه اسم الله كأنه قال: أفلح ورب أبيه. والنهي إنما ورد فيمن لم يضمر ذلك بل قصد تعظيم أبيه على عادة العرب (^٣١). ذكره الخطابىِ (^٣٢) واحتمله البيهقي (^٣٣).
المسلك الثالث:
أنه -ﷺ- قال ذلك على سبيل التوكيد للكلام لا على سبيل القسم، والعرب تطلق هذا اللفظ فى كلامها على ضربين:
أحدهما: على وجه التعظيم.
والآخر: على سبيل تأكيد الكلام وتقويته دون القسم.
والنهى إنما وقع عنه إذا كان على سبيل التعظيم.
ومن أمثلة ما وقع فِى كلامهم على سبيل التأكيد دون التعظيم قول الشاعر:
_________________
(١) انظر: شرح السنة (١٠/ ٦).
(٢) انظر: المعلم (٢/ ٢٤٠).
(٣) انظر: معالم السنن (١/ ١٠٥).
(٤) انظر: السنن الكبرى (١٠/ ٢٩).
(٥) انظر: المفهم (١/ ١٦٠)، (٤/ ٦٢٢).
(٦) انظر: مسلم بشرح النووي (١/ ٢٨٢).
(٧) انظر: الفتح (١/ ١٠٨).
(٨) انظر: شرح السنة (١٠/ ٧) طرح التثريب (٧/ ١٤٤) فتح الباري (١/ ١٠٧) (١١/ ٥٣٤).
(٩) انظر: معالم السنن (١/ ١٠٥).
(١٠) انظر: السنن الكبرى (١٠/ ٢٩).
[ ١٩٧ ]
لعمر أبي الواشين إني أُحبها . . . . . . . . . . . .
وقول الآخر:
فإن ليلى استودعتني أمانةً فلا وأبي أعدائها لا أُذيعها.
فلا يُظن أن قائل ذلك قصد تعظيم والد أعدائها، كما لم يقصد الآخر تعظيم والد من وشى به، فدل على أن القصد بذلك تأكيد الكلام لا التعظيم (^٣٤).
وهذا المسلك قد احتمله الخطابي (^٣٥) والبيهقى (^٣٦).
المسلك الرابع:
" أن ذلك خاص بالشارع دون غيره من أمته" (^٣٧).
المسلك الخامس:
أن قوله "وأبيه" تصحيف من بعض الرواة، وأن الأصل هكذا: "والله" فقُصرت اللامان، حكى هذا المسلك السهيلى عن بعض مشايخه (^٣٨).
المسلك السادس:
أن قوله "أفلح وأبيه" للتعجب، ويدل عليه أنه لم يرد بلفظ "أبي" وإنما ورد بلفظ "وأبيه" أو "وأبيك" بالإضافة إلى ضمير المخاطب حاضرًا أو غائبًا. ذكر هذا المسلك الحافظ ابن حجر ونسبه للسهيلى (^٣٩).
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١١/ ٥٣٤)، معالم السنن (١/ ١٠٥)، طرح التثريب (٧/ ١٤٥).
(٢) انظر: معالم السنن (١/ ١٠٥).
(٣) انظر: السنن الكبرى (١٠/ ٢٩).
(٤) فتح الباري (١١/ ٥٣٤) وانظر (١/ ١٠٧).
(٥) انظر: طرح التثريب (٧/ ١٤٤) فتح الباري (١/ ١٠٨).
(٦) انظر: فتح الباري (١١/ ٥٣٤).
[ ١٩٨ ]
هذه ستة مسالك قيلت في توجيه حديث "أفلح وأبيه إن صدق" حتي لا يتعارض مع أحاديث النهي عن الحلف بغير الله تعالى، وجميع هذه المسالك تقال أيضًا في حديث "وأبيك لتنبأن" سواءً بسواء باستثناء المسلك الخامس لأن هذا الحديث لا يحتمله.
ثانيًا: مذهب النسخ:
ذهب جمع من أهل العلم إلى أن ما ورد عن النبي -ﷺ- مما ظاهره الحلف بغير الله تعالى منسوخ وأنه قبل النهى، وممن رجح هذا الطحاوي (^٤٠) وقاله الماوردي، وقال السبكى: أكثر الشراح عليه (^٤١). وقوَّاه الحافظ ابن حجر (^٤٢)، ونصره الشيخ سليمان بن عبد الله (^٤٣) واحتمله الخطابي (^٤٤) والبيهقي (^٤٥) والقرطبي (^٤٦). وقال ابن عبد البر: "وهذه لفظة إن صحت فهى منسوخة" (^٤٧) وقال ابن قدامة: "ثم لو ثبت -يعني حديث أفلح وأبيه- فالظاهر أن النهى بعده" (^٤٨).
واستدل هؤلاء بما يلي:
١ - حديث قتيلة بنت صيفي: أن يهوديًّا أتى النبي -ﷺ- فقال: إنكم تندّدون وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة،
_________________
(١) انظر: مشكل الآثار (١/ ٢٤٤).
(٢) نقل ذلك عنهما الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٥٣٤).
(٣) انظر: الفتح (١/ ١٠٨).
(٤) انظر: تيسير العزيز الحميد (٥٩٢).
(٥) انظر: معالم السنن (١/ ١٠٤، ١٠٥).
(٦) انظر: السنن الكبرى (١٠/ ٢٩).
(٧) انظر المفهم (١/ ١٦٠) (٤/ ٦٢٢).
(٨) التمهيد (١٦/ ١٥٨).
(٩) انظر: المغنى (١١/ ١٦٣).
[ ١٩٩ ]
فأمرهم النبي -ﷺ- إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت (^٤٩).
قال الطحاوي: "فكان في هذا الحديث ذكر سبب النهى من رسول الله -ﷺ- عن الحلف بغير الله تعالى. وكان في ذلك ما قد دل على أن المتأخر .. هو النهى عن الحلف بغير الله لا الإباحة" (^٥٠).
٢ - قول عمر ﵁وهو يروي الحديث بعد موت النبي -ﷺ--: "فوالله ما حلفت بِها منذ سمعت النبي -ﷺ- ذاكرًا ولا آثرًا" مما يدل على أن آخر الأمرين منه -ﷺ- النهي لا الإباحة (^٥١).
٣ - أن من عادة العرب الحلف بالآباء كما جاء في رواية ابن عمر ﵄: "وكانت قريش تحلف بآبائها" فالأصل عندهم هو الحلف بالآباء. وقد جاء قوله -ﷺ-: "أفلح وأبيه" وقوله: "وأبيك لتنبأن" مبقيًا لهذا الأصل، وجاء نَهيه -ﷺ- ناقلًا عن هذا الأصل وعند أهل العلم: الناقل عن الأصل مقدم على المبقى عليه، لأن الناقل فيه إثبات حكم جديد، ففيه زيادة ليست موجودة في الخبر المبقى، وغاية ما يفيده الخبر المبقي التأكيد والتقرير، بينما الخبر الناقل يفيد التأسيس، والتأسيس أولى من التأكيد (^٥٢) والله أعلم.
ثالثًا: مذهب الترجيح:
وهو ترجيح أحاديث النهى وتضعيف روايات الحلف بغير الله تعالى وإلى
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٩٥).
(٢) مشكل الآثار (١/ ٢٤٤).
(٣) انظر: المغنى (١١/ ١٦٣).
(٤) انظر: التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية للبرزنجي (٢/ ٢٢٣). تيسير العزيز الحميد (٥٩٣) الشرك الأصغر حقيقته وأحكامه وأنواعه لعبد الله السليم (١٦٣) مخطوط.
[ ٢٠٠ ]
هذا ذهب ابن عبد البر رحمه الله تعالى فقال عن رواية "أفلح وأبيه إن صدق": "هذه لفظة غير محفوظة في هذا الحديث في حديث من يحتج به. وقد روى هذا الحديث مالك وغيره عن أبي سهيل لم يقولوا ذلك فيه. وقد رُوي عن إسماعيل ابن جعفر هذا الحديث وفيه: "أفلح والله إن صدق أو دخل الجنة والله إن صدق". وهذا أولى من رواية من روى: "وأبيه" لأنَّها لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح. وبالله التوفيق" (^٥٣).
ويمكن توضيح هذا القول بما يلي:
١ - أما حديث "أفلح وأبيه إن صدق" فإن إسناده يتفرع إلى فرعين بعد أبي سهيل عن أبيه عن طلحة ﵁: -
الأول: برواية مالك عن أبي سهيل، وقد رواه عن الإمام مالك عشرة من الرواة كلهم بلفظ "أفلح إن صدق" أي بدون الحلف بغير الله تعالى، وهؤلاء الرواة هم:
١ - قتيبة بن سعد.
٢ - إسماعيل بن عبد الله.
٣ - عبد الله بن سلمة.
٤ - عبد الرحمن بن القاسم.
٥ - عبد الله بن نافع.
٦ - الإمام الشافعى.
٧ - مطرف بن عبد الله.
٨ - عبد الرحمن بن مهدي.
_________________
(١) التمهيد (١٤/ ٣٦٧).
[ ٢٠١ ]
٩ - أحمد بن أبي بكر الزهري.
١٠ - معن بن عيسى.
والفرع الثاني: برواية إسماعيل بن جعفر عن أبى سهيل، وإسماعيل بن جعفر مرةً يرويه بلفظ "أفلح إن صدق" -كما عند البخاري (^٥٤) - أي بدون الحلف بغير الله تعالى كما رواه مالك.
والمرة الأخرى يرويه بلفظ "أفلح وأبيه إن صدق" كما عند مسلم.
وأما رواية مالك فقد أخرجها البخاري ومسلم بلفظ "أفلح إن صدق" (^٥٥) ولم يخرجاها بغير هذا اللفظ، ولها شاهد من حديث أنس ﵁ عند مسلم (^٥٦). وبهذا يتبين أن لفظ الحلف بغير الله تعالى يدور على إسماعيل بن جعفر فلعل الوهم منه لا سيما وأن مالكًا يرويه عن عمه أبي سهل.
٢ - وأما حديث أبي هريرة ﵁ في بر الوالدين وفيه "نعم وأبيك لتنبأن" فقد جاء بلفظين:
الأول: بدون الحلف بغير الله تعالى.
والثاني: بلفظ الحلف بغير الله تعالى.
أما الأول: فقد رواه عن أبي هريرة أبو زرعة.
ورواه عن أبي زرعة ثلاثة من الرواة هم: عمارة بن القعقاع وعبد الله ابن شبرمة ويحيى بن أيوب.
ورواه عن عمارة ثلاثة هم: جرير بن عبد الحميد وفضيل بن غزوان
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري (٢/ ٦٦٩) ح (١٧٩٢)، (٦/ ٢٥٥١) ح (٦٥٥٦) وكذا أخرج هذه الرواية عن اسماعيل بن جعفر بِهذا اللفظ النسائي (٤/ ١٢٠).
(٢) البخاري (١/ ٢٥) ح (٤٦) مسلم (١/ ٢٨٠) ح (١١).
(٣) انظر صحيح مسلم (١/ ٢٨٣) ح (١٢).
[ ٢٠٢ ]
وسفيان بن عيينة.
ورواه عن عبد الله بن شبرمة اثنان هما: محمد بن طلحة ووهيب بن خالد.
ورواه عن يحيى بن أيوب: عبد الله بن المبارك.
وأما اللفظ الثاني: وهو لفظ الحلف بغير الله تعالى، فقد جاء من طريق شريك بن عبد الله عن عمارة بن القعقاع وابن شبرمة عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁.
فالحديث بِهذا اللفظ "وأبيك لتنبأن" يدور على شريك بن عبد الله، وقد رواه شريك أيضًا بلفظ "والله لتنبأن" أي: بدون الحلف بغير الله كما عند ابن ماجه وأحمد والبغوي.
فشريك في إحدى روايتيه قد خالف ستة من الثقات وهم: سفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك ووهيب بن خالد ومحمد بن طلحة وجرير بن عبد الحميد وفضيل بن غزوان!
فأي الروايتين تقبل: رواية هؤلاء الستة الذين فيهم ابن المبارك وابن عيينة أم إحدى روايتي شريك بن عبد الله الذي قال فيه ابن معين: "شريك: صدوق ثقة إلا أنه إذا خالف فغيره أحب إلينا منه" (^٥٧)؟ ! .
وقال الحافظ ابن حجر فيه: "صدوق يخطئ كثيرًا (^٥٨)!
٣ - وأما حديث أبي هريرة ﵁ في الصدقة وفيه: "أما وأبيك لتنبأنَّه" فقد رواه عنه أبو زرعة.
_________________
(١) تَهذيب الكمال (١٢/ ٤٦٩).
(٢) تقريب التهذيب (١/ ٤١٧).
[ ٢٠٣ ]
ورواه عن أبي زرعة: عمارة بن القعقاع.
ورواه عن عمارة بن القعقاع خمسة من الرواة هم: عبد الواحد وجرير وسفيان بن عيينة وشريك بن عبد الله ومحمد بن فضيل.
أما عبد الواحد وجرير وسفيان بن عيينة وشريك في إحدى روايتيه فقد رووه بدون الحلف مطلقًا، وفي الرواية الأخرى لشريك رواه بالحلف بالله تعالى.
وأما محمد بن فضيل فقد رواه بلفظين:
أحدهما: موافق للأربعة السابقين أي: بدون الحلف مطلقًا.
والآخر: بلفظ الحلف بغير الله تعالى.
فالحاصل أن رواية الحلف بغير الله تعالى تدور على محمد بن فضيل.
وعليه فمن نقبل: رواية سفيان وعبد الواحد وجرير وشريك ومحمد بن فضيل في إحدى روايتيه والذين رووه بدون الحلف مطلقًا.
أما إحدى روايتي محمد بن فضيل والتي فيها الحلف بغير الله تعالى (^٥٩)؟ !
هذه إجابات أهل العلم عن الدليل الأول الذي استدل به القائلون بالكراهة وهو: حلف النبي -ﷺ- بغير الله تعالى.
ب) وأما ما استدل به القائلون بالكراهة من قسم الله تعالى ببعض مخلوقاته فعنه جوابان:
الأول: أن في الكلام حذفًا وإضمارًا أي أن المُقسم به مقدر فقوله: ﴿وَالضُّحَى﴾ (^٦٠) أي: ورب الضحى وهكذا .. ويدل على ذلك أنه صرح
_________________
(١) هذا ملخص ما ذكره د/ باسم بن فيصل الجوابرة في رسالة له -صغيرة- بعنوان: المرويات الواردة في الحلف بالله أو بغيره (٥٤ - ٧٩). وقد أفاد فيها وأجاد فمن أراد الاستزادة فليرجع إليها.
(٢) سورة الضحى. آية: (١).
[ ٢٠٤ ]
بِهذا المضمر فى مواضع أخرى من كتابه كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (^٦١).
وقوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (^٦٢)، (^٦٣).
والثاني: أن ذلك يختص بالله ﵎ فلا يقاس المخلوق بالخالق، لأن الخالق له أن يقسم بما شاء من خلقه تنبيهًا لشرفه، ولما فيه من الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته وإلهيته وعلمه وحكمته وغير ذلك من صفات كماله، وأما المخلوق فلا يُقسم إلا بالخالق تعالى.
قال الشعبي: الخالق يُقسم بما شاء من خلقه والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق.
وقال مطرف بن عبد الله: إنما أقسم الله بِهذه الأشياء ليعجب بِها المخلوقين ويعرفهم قدرته لعظم شأنِها عندهم ولدلالتها على خالقها (^٦٤).
* * * *
_________________
(١) سورة المعارج. آية (٤٠).
(٢) سورة الذاريات. (٢٣).
(٣) انظر: شرح السنة للبغوى (١٠/ ٦). المعلم للمازري (٢/ ٢٤). المفهم للقرطبى (٤/ ٦٢٢). المغنى لابن قدامة (١١/ ١٦٣). فتح البارى (١١/ ٥٣٣). فيض القدير (٦/ ٢٠٧)
(٤) انظر: المعلم (٢/ ٢٤٠). المفهم للقرطبى (٤/ ٦٢٢). المغنى (١١/ ١٦٣). طرح التثريب (٧/ ١٤٥). فتح الباري (١١/ ٥٣٣، ٥٣٥) تيسير العزيز الحميد (٥٩٠).
[ ٢٠٥ ]
المطلب الثالث الترجيح
بعد عرض الأقوال في هذه المسألة وأدلتها يظهر جليًّا أن القول بالتحريم هو المتعيِّن لا سيَّما وقد أطلق عليه النبي -ﷺ- وصف الشرك والكفر. ولذلك قال القرطبي: "وظاهر النهي التحريم. ولا ينبغي أن يُختلف في تحريمه" (^١).
ومما يعضد القول بالتحريم -بالإضافة إلى ما سبق ذكره من الأدلة- قول ابن مسعود ﵁: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليَّ من أحلف بغيره وأنا صادق" (^٢).
قال شيخ الإسلام تعليقًا على قول ابن مسعود: "وذلك لأن الحلف بغير الله شرك والشرك أعظم من الكذب" (^٣).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: " ولا اعتبار بمن قال من المتأخرين: إن ذلك على سبيل كراهة التنْزيه، فإن هذا قول باطل، وكيف يُقال ذلك على ما أطلق عليه الرسول -ﷺ- أنه كفر أو شرك، بل ذلك محرم، ولهذا اختار ابن مسعود ﵁ أن يحلف بالله كاذبًا ولا يحلف بغيره صادقًا، فهذا يدل على أن الحلف بغير الله أكبر من الكذب، مع أن الكذب من المحرمات في جميع
_________________
(١) المفهم (٤/ ٦٢١).
(٢) رواه الطبراني في الكبر (٩/ ١٨٣) ح (٨٩٠٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧٧) ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في الإرواء (٨/ ١٩١) ح (٢٥٦٢): وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
(٣) مجموع الفتاوى (١/ ٢٠٤) وانظر (٢٧/ ٣٥٠).
[ ٢٠٦ ]
الملل فدلَّ ذلك: أن الحلف بغير الله من أكبر المحرمات" (^٤).
وقال الشوكاني: "أقل ما تقتضيه الأحاديث الكثيرة في النهي عن الحلف بغير الله والوعيد الشديد عليه أن يكون الفاعل لذلك آثمًا وقال أيضًا: "كيف تُهمل المناهى والزواجر التي وردت موردًا يقرب من التواتر بمثل هذا الحديث الذي تعرض العلماء لتأويله" (^٥).
بقى أن نعلم: هل المراد بالشرك والكفر الوارد في قوله -ﷺ-: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" الشركُ والكفرُ المخرج من الملَّة أم المراد بذلك الشرك الأصغر؟
الذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن المراد بذلك الشرك الأصغر قال الطحاوي ﵀: "لم يُرَد به الشرك الذي يخرج من الإسلام حتي يكون به صاحبه خارجًا من الإسلام، ولكنه أُريد أنه لا ينبغي أن يحلف بغير الله تعالى، وكان من حلف بغير الله تعالى فقد جعل ما حلف به محلوفًا به كما جعل الله تعالى محلوفًا به" (^٦).
وقال ابن العربي: "أراد بقوله: "فقد كفر أو أشرك" شرك الأعمال وكفرها وليس المراد شرك الاعتقاد ولا كفره .. " (^٧).
وقال سليمان بن عبد الله: "قال الجمهور: لا يكفر كفرًا ينقله عن الملَّة ولكنه من الشرك الأصغر كما نص على ذلك ابن عباس وغيره. وأما كونه أمر من حلف باللات والعزى أن يقول: لا إله إلا الله، فلأن هذا كفارة له مع
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (٥٩٠).
(٢) السيل الجرار (٤/ ١٦).
(٣) مشكل الآثار (١/ ٢٤٤).
(٤) عارضة الأحوذي (٧/ ١٩).
[ ٢٠٧ ]
استغفاره. كما قال في الحديث الصحيح: "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله"، وفي رواية "فليستغفر" فهذا كفارة له في كونه تعاطى صورة تعظيم الصنم حيث حلف به، لا أنه لتجديد إسلامه، ولو قدِّر ذلك فهو تجديدٌ لإسلامه لنقصه بذلك لا لكفره.
لكن الذي يفعله عبَّاد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا. فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته ونحو ذلك لم يُقدم على اليمين به إن كان كاذبًا، فهذا شرك أكبر بلا ريب لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله" (^٨).
وأما ما استدل به من قال بالكراهة من قسم الله تعالى بالمخلوقات فقد سبقت الإجابة عنه.
وكذلك ما استدلوا به مما ظاهره حلف النبي -ﷺ- بغير الله تعالى سبقت الإجابة عنه بعدة أجوبة لعلَّ أظهرها -والله تعالى أعلم- مذهب الترجيح ويليه مذهب النسخ وذلك لقوَّة أدلتهما ووضوح مأخذهما وسلامتهما من الاعتراض الصحيح المبني على الدليل، علمًا أن نتيجتهما واحدة وهي: تحريم الحلف بغير الله تعالى إما لأن ما ورد فيه من الروايات المبيحة له ضعيفة وإما لأنَّها منسوخة.
مناقشة مسالك الجمع:
وأما مسالك الجمع فضعيفة ويمكن الإجابة عنها بما يلي:
- أما المسلك الأول:
وهو: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير قصد القسم به فقد
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (٥٩٣).
[ ٢٠٨ ]
أجاب عنه الشيخ سليمان بن عبد الله بقوله: "هذا جواب فاسد بل أحاديث النهي عامة مطلقة ليس فيها تفريق بين من قصد القسم وبين من لم يقصد وغاية ما يُقال: أن من جرى ذلك على لسانه من غير قصد كل معفو عنه، أمَّا أن يكون ذلك أمرًا جائزًا للمسلم أن يعتاده فكلا، وأيضًا فهذا يحتاج إلى نقل -أن (^٩) - ذلك كان يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم، وأن النهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف، وأنَّى يوجد ذلك؟ " (^١٠).
كما أن العبرة بالألفاظ الشركية بمجرد الألفاظ لا بالمقاصد. فإذا أردنا الحكم على المتلفظ هل يأثم بذلك أم لا؟ وإلى الشرك الأصغر هل يصل إلى درجة الشرك الأكبر أم لا؟ رجعنا إلى قصد المتلفظ ونيته، والله أعلم.
- وأما المسلك الثاني:
وهو: أنه ﵊ أضمر فيه اسم الله. والنهى إنما ورد فيمن لم يضمر ذلك، فلا يخفى ما فيه من البعد لأن معناه جواز الحلف بغير الله تعالى مع الإضمار وهذا كاف في بيان ضعفه، كما أن هذا المسلك عار من الدليل القائم على أن الرسول -ﷺ- أراد الإضمار وأن النهي في حق من لم يضمر اسم الله تعالى.
- وأما المسلك الثالث:
وهو: أنه -ﷺ- قال ذلك على سبيل التوكيد. والنهي إنما وقع لما كان على سبيل التعظيم فقد أجاب عنه سليمان بن عبد الله بقوله: "وهذا أفسد من الذي قبله (^١١) وكأن من قال ذلك لم يتصور ما قال، فهل يراد بالحلف إلا
_________________
(١) ما بين الشرطتين زيادة منى حتي يستقيم الكلام.
(٢) تيسير العزيز الحميد (٥٩١).
(٣) يقصد القول بأن ذلك يجري على ألسنتهم من غير قصد. وهو المسلك الأول هنا.
[ ٢٠٩ ]
تأكيد المحلوف عليه بذكر من يعظمه الحالف والمحلوف له؟ فتأكيد المحلوف عليه بذكر المحلوف به مستلزم لتعظيمه، وأيضًا فالأحاديث مطلقة ليس فيها تفريق، وأيضًا فهذا يحتاج إلى نقل أن ذلك جائز للتأكيد دون التعظيم وذلك معلوم" (^١٢).
- وأما المسلك الرابع:
وهو: القول بالخصوصية فإنه يحتاج إلي دليل لأن الأصل في فعله -ﷺ- عدم الخصوصية إلا ما قام الدليل على أن ذلك خاص به -ﷺ- ولذلك قال ابن حجر ﵀: "وتُعقب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال" (^١٣).
- وأما المسلك الخامس:
وهو: دعوى التصحيف فبعيد جدًّا كما أنه لا دليل عليه ولذلك قال القرطبي: "وهذا لا يُلتفت إليه لأنه يخرمُ الثقةَ برواية الثقات الأثبات" (^١٤).
وعلى فرض صحة هذا المسلك فإنه جواب على حديث "أفلح وأبيه" فقط، وأما حديث "أما وأبيك لتنبأن" فإنه لا يستقيم فيه هذا المسلك لأنه لا يحتمله.
- وأما المسلك السادس:
وهو: أن قوله -ﷺ-: "أفلح وأبيه" للتعجب .. إلخ فإنه على فرض صحته لم يخرج عن كونه قسمًا بغير الله تعالى (^١٥) فالإشكال لم يزل قائمًا، إلا إذا أدُّعى جواز القسم بغير الله تعالى إذا كان فيه معني التعجب؟ ! ! .
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (٥٩٢).
(٢) فتح الباري (١١/ ٣٥٤).
(٣) المفهم (١/ ١٦٠) وانظر: عارضة الأحوذى (٧/ ٢١).
(٤) لأن الواو لا تأتي للتعجب مجردة عن القسم. انظر مثلًا: مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام (٤٦٣) رصف المباني في شرح حروف المعاني للمالقي (٤٠٩).
[ ٢١٠ ]
المبحث السادس ما جاء في بعض الألفاظ الموهمة للتشريك في الربوبية
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٢١١ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
جاء في الصحيحين النهي منه -ﷺ- عن خمسة ألفاظ هى:
- إطلاق لفظ (الرب) و(المولى) على السيد.
- وقول السيد لمملوكه (عبدي) و(أمتي).
- الجمع بين الله تعالى ورسوله -ﷺ- في ضمير واحد.
وجاء في الصحيحين أيضًا ما ظاهره جواز إطلاق هذه الألفاظ، حيث وردت على لسان رسول الله -ﷺ-، وإليك بيان ذلك:
* أولًا: ما ورد في النهي عن هذه الألفاظ:
- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك اسق ربك. وليقل: سيدي مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي" (^١).
وفي رواية لمسلم: "ولا يقولنَّ أحدكم عبدي فكلكم عبيد الله، ولكن ليقل: فتاي ولا يقل العبد: ربي، ولكن ليقل: سيدي".
وفي رواية لمسلم أيضًا: "لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي". وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: "ولا يقل العبد لسيده مولاي فإن مولاكم الله ﷿".
_________________
(١) متفق عليه: البخارى: كتاب العتق، باب: كراهية التطاول على الرقيق وقوله عبدي أو أمتي (٢/ ٩٠١) ح (٢٤١٤). مسلم: كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها (١٥/ ١٠) ح (٢٢٤٩).
[ ٢١٢ ]
- عن عدي بن حاتم ﵁: أن رجلًا خطب عند النبي -ﷺ- فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله -ﷺ-: " بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" (^٢).
* ثانيًا: الأحاديث التي يُفهم منها جواز إطلاق هذه الألفاظ:
جاء إطلاق هذه الألفاظ -سواءً ما كان منها يُطلق على السيد أو ما كان منها يطلق على المملوك أو ما كان فيه الجمع بين الله تعالى ورسوله -ﷺ- في ضمير واحد- على لسان رسول الله -ﷺ- في عدة أحاديث، بل إن بعضها جاء في كتاب الله تعالى، وإليك بيان ذلك:
أ - فمِن ورود لفظ الرب في كتاب الله تعالى قول يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (^٣) أي عند سيدك.
- ومن وروده على لسان رسول الله -ﷺ-:
١ - ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ في أشراط الساعة، وفيه قوله -ﷺ-: "إذا ولدت الأمة ربَّها" وفي رواية "ربتها" (^٤).
٢ - ما جاء في حديث زيد بن خالد ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال عندما سُئل عن ضالة الإبل "مالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطة (٦/ ٤٠٧) ح (٨٧٠).
(٢) سورة يوسف، آية (٤٢).
(٣) متفق عليه. البخاري في موضعين: كتاب الإيمان، باب: سؤال جبريل ﵇ النبي -ﷺ- عن الإسلام والإيمان والإحسان وعلم الساعة (١/ ٢٧) ح (٥٠). وفي كتاب التفسير، باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٤/ ١٧٩٣) ح (٤٤٩٩). ومسلم: كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ٢٧٨) ح (١٠). ورواه مسلم أيضًا عن عمر بن الخطاب -﵁- في كتاب الإيمان في الباب نفسه (١/ ٢٦٨) ح (٨).
[ ٢١٣ ]
وتأكل الشجر حتي يلقاها ربُّها" (^٥).
ب - ومن ورود لفظ (المولى) ما سبق من قوله -ﷺ-: "وليقل سيدي ومولاي".
ج - ومن ورود لفظ (العبد) و(الأمة) في كتاب الله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (^٦).
- ومن ورودهما في السنة قوله -ﷺ- كما في حديث ابن عمر ﵄: "العبد إذا نصح سيّده، وأحسن عبادة ربه كان له أجره مرتين" (^٧).
- وقوله -ﷺ- في حديث أبي هريرة ﵁: "إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها .. " (^٨).
د - ومن ورود اللفظ الجامع بين الله ورسوله -ﷺ- في ضمير واحد قوله -ﷺ- -كما في حديث أنس بن مالك ﵁-: "ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" (^٩).
_________________
(١) متفق عليه. البخاري: كتاب المساقاة، باب: شرب الناس والدواب من الأنْهار (٢/ ٨٣٦) ح (٢٢٤٣). ومسلم: كتاب اللقطة (١٢/ ٢٦٣) ح (١٧٢٢).
(٢) سورة النور، آية (٣١).
(٣) متفق عليه: البخاري: كتاب العتق، باب: العبد إذا أحسن عبادة ربه (٢/ ٨٩٩) ح (٢٤٠٨). ومسلم: كتاب الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمدﷺ- (٢/ ٥٤٦) ح (١٥٤).
(٤) متفق عليه: البخاري: كتاب العتق، باب: كراهية التطاول على الرقيق (٢/ ٩٠١) ح (٢٤١٧). ومسلم: كتاب الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنى (١١/ ٢٢٤) ح (١٧٠٣).
(٥) متفق عليه: البخاري: كتاب الإيمان، باب: حلاوة الإيمان (١/ ١٤) ح (١٦). ومسلم: كتاب الإيمان، باب: بيان خصال من اتصف بِهن وجد حلاوة الإيمان (٢/ ٣٧٢) ح (٤٣).
[ ٢١٤ ]
بيان وجه التعارض
تضمنت الأحاديث السابقة النهي عن خمسة ألفاظ، وهي:
- إطلاق لفظ "الرب" و"المولى" على السيد.
- قول السيد لمملوكه: "عبدي"، "أمتي".
- الجمع بين الله تعالى ورسوله -ﷺ- في ضمير واحد.
وهذا النهي يُشكل عليه ورود هذه الألفاظ على لسان رسول الله -ﷺ- وبعضها في كتاب الله تعالى -كما تقدم- مما قد يُفهم منه جواز إطلاق هذه الألفاظ! ولذلك اختلف أهل العلم في الإجابة عن هذا الإشكال كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
* * *
[ ٢١٥ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
أولًا: ما يتعلق بلفظة "رَبّ":
اختلف أهل العلم في حكم إطلاق هذا اللفظ -رب- على السيد على ثلاثة أقوال لا تخرج كلها عن مذهب الجمع. وإليك هذه الأقوال:
القول الأول: أن إطلاق هذا اللفظ على السيد محرم. وإليه ذهب ابن بطال وابن مفلح عليهما رحمة الله. قال ابن بطال: "لا يجوز أن يقال لأحد غير الله "رب" كما لا يجوز أن يقال له إله" (^١).
وقال ابن مفلح: ""وظاهر النهي التحريم .. " (^٢).
القول الثاني: أن إطلاق هذا اللفظ على السيد مكروه كراهة تنْزيه وليس بمحرم وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم. بل نقل الحافظ ابن حجر اتفاق العلماء على أن النهي الوارد في الحديث إنما هو للتنْزيه. حتي أهل الظاهر. ولم يستثن من هذا الاتفاق إلا ابن بطال في لفظة: "رب" (^٣).
وممن صرح بالكراهة من أهل العلم القاضى عياض والقرطبي والنووي عليهم رحمة الله.
قال القاضي عياض: "وليس النهي للتحريم وإنما هو للأدب" (^٤).
_________________
(١) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتع (٥/ ١٧٩).
(٢) نقل ذلك عنه سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد ص (٦٥٣). ويقصد بالنهى: النهي الوارد في حديث "لا يقل أحدكم: أطعم ربك .. ".
(٣) انظر فتح الباري (٥/ ١٧٨) وهذا الاتفاق الذي ذكره الحافظ يشمل أيضًا لفظ: العبد والأمة.
(٤) نقل ذلك عنه الأبي في شرحه لمسلم (٧/ ٤٦٤).
[ ٢١٦ ]
وقال القرطبي عن النهي الوارد في الحديث: "هذا كله من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، فكان محل النهي في هذا الباب ألا تُتخذ هذه الأسماء عادة فيُترك الأولى والأحسن" (^٥).
وقال النووي: "يكره أن يقول المملوك لمالكه ربي" (^٦).
والقول بالكراهة هو ظاهر صنيع البخاري في صحيحه حيث بوَّب لحديث "لا يقل أحدكم أطعم ربك" بقوله: "باب كراهة التطاول على الرقيق .. " (^٧) ثم ذكر شيئًا من أدلة الجواز التي سبق ذكرها.
فأصحاب هذا القول جعلوا النهي الوارد في الحديث للتنزيه وما ورد من ذلك -في الآيات والأحاديث- لبيان الجواز.
القول الثالث: التفصيل وهو ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ حيث حمل النهي على: إطلاق لفظ "الرب" بلا إضافة، وأما مع الإضافة فيجوز إطلاقه، قال ﵀: "الذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه كما في قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ .. " (^٨).
أجوبة أهل العلم عن أدلة الجواز:
لمَّا كانت الروايات في النهي واضحة وصريحة أخذ بِها أهل العلم -كما سبق- فمنهم من حمل النهي على التحريم، ومنهم من حمله على الكراهة ومنهم من فصَّل في ذلك.
وأما أدلة الجواز -التي تقدم ذكرها- فقد أجاب عنها أهل العلم بأجوبة
_________________
(١) المفهم (٢/ ٥٥٢).
(٢) الأذكار (٥١٩).
(٣) صحيح البخاري (٢/ ٩٠٠).
(٤) فتح البارى (٥/ ١٧٩).
[ ٢١٧ ]
خاصة عن كل دليل بعينه، وأجوبة عامة تطَّرد في جميع الأدلة، وإليك بيان ذلك: -
أ - ذكر الأجوبة الخاصة عن كل دليل بعينه:
- أما الآية وهي:
* قوله تعالى عن يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: فعنها جوابان:
أحدهما: أن هذا جائز في شرع يوسف ﵇، منهى عنه في شرعنا.
وإلى هذا ذهب ابن العربي وشيخ الإسلام ابن تيمية واستظهره سليمان ابن عبدالله (^٩).
قال ابن العربي: "يحتمل أن يكون ذلك جائزًا في شرع يوسف ﵇" (^١٠).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا ريب أن يوسف ﵇ سمّي السيد ربًّا في قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ و﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ ونحو ذلك، وهذا كان جائزًا في شرعه، كما جاز في شرعه أن يسجد له أبواه وإخوته، وكما جاز في شرعه أن يؤخذ السارق عبدًا .. " (^١١).
والجواب الثاني: أن يوسف ﵇ "خاطبه على المتعارف عندهم وعلى ما كانوا يسمونَهم به، ومثله قول موسى ﵇ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أي الذي اتخذته إلهًا" (^١٢).
_________________
(١) انظر تيسير العزيز الحميد ص (٦٥٤).
(٢) نقل عنه ذلك القرطبى في تفسيره (٩/ ١٩٥).
(٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ١١٨)، وانظر الأذكار للنووي (٥٢٠).
(٤) النهاية لابن الأثير (٢/ ١٧٩).
[ ٢١٨ ]
وإلى هذا ذهب الطحاوي (^١٣) وابن الأثير.
* وأما قوله -ﷺ- في أشراط الساعة: "حتى تلد الأمة ربتها":
فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن الحديث ورد بالتأنيث، فيحمل النهي على أنه موجه للذكر فلا يقال ذلك له لما فيه من إيهام المشاركة لله تعالى، أما الأنثى فإن إيهام المشاركة فيها معدوم.
وثانيها: أن يقال إن إطلاق لفظ "الرب" على الذكر محرم للنهي الوارد في الحديث -"لا يقل أحدكم أطعم ربك "- وأما الأنثى فيكره لورود الحديث بذلك - "أن تلد الأمة ربتها".
وثالثها: ما استظهره الشيخ سليمان بن عبد الله وهو أن يقال: إن هذا الحديث ليس فيه إلا وصفها بذلك لا دعاؤها به وتسميتها به، وفرق بين الدعاء والتسمية وبين الوصف، كما تقول: زيد فاضل وتصفه بذلك ولا تسميه به ولا تدعوه به (^١٤).
* وأما قوله -ﷺ- في ضالة الإبل: "حتى يلقاها ربُّها".
فيجاب عنه: بأن ما لا تعبد عليه من سائر الحيوان والجماد يجوز إطلاق هذا الاسم عليه عند الإضافة كقولك: رب الدار ورب الدابة ورب الثوب ونحوها (^١٥)
_________________
(١) في مشكل الآثار (١/ ٣٣٨)، وانظر الأذكار للنووي (٥٢٠).
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد ص (٦٥٤).
(٣) انظر: مشكل الآثار (١/ ٣٣٩)، أعلام الحديث (٢/ ١٢٧١)، النهاية في غريب الحديث (٢/ ١٧٩) الأذكار للنووي (٥٢٠)، فتح الباري (٥/ ١٧٩).
[ ٢١٩ ]
ب - ذكر الأجوبة العامة التي تطَّرد في الأدلة السابقة كلها (^١٦):
الجواب الأول: أن النهي للتنْزيه وما ورد من ذلك فلبيان الجواز (^١٧)، وهذا ما تمسك به من قال بالكراهة.
الجواب الثاني: ما ذهب إليه القاضي عياض والقرطبي عليهما رحمة الله من أن محل النهي هو ألا تتخذ هذه الأسماء عادة فيترك الأولى والأحسن، وليس المراد النهي عن ذكرها في الجملة أو في نادر الأحوال (^١٨).
الجواب الثالث: ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من التفريق بين إطلاق هذا اللفظ -رب- مع الإضافة وبين إطلاقه مجردًا من الإضافة، فالأول جائز والثاني محرم.
الجواب الرابع: هو جعل النهي خاصًّا بغير النبي -ﷺ- (^١٩).
ثانيًا: ما يتعلق بلفظة "مولاي":
سلك فيها أهل العلم مذهبين:
أحدهما: مذهب الجمع: وإليه ذهب سليمان بن عبد الله فحمل النهي على الكراهة أو على خلاف الأولي، وما ورد فيه من الإباحة فلبيان الجواز (^٢٠).
ثانيهما: مذهب الترجيح: وهو الأخذ برواية الجواز وأما رواية النهي -"ولا يقل أحدكم مولاي"- فقد رجح القاضى عياض والنووي والقرطبي حذفها وقال الأخير: "إنما صرنا إلى الترجيح للتعارض بين الحديثين، فإن
_________________
(١) أعني الآية والحديثين السابقين.
(٢) انظر: مسلم بشرح النووي (١٥/ ٩)، فتح الباري (٥/ ١٧٩) تيسير العزيز الحميد ص (٦٥٤).
(٣) انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٧/ ١٨٨)، شرح الأُبي على صحيح مسلم (٥/ ٤٦٥)، المفهم (٥/ ٥٥٢)، مسلم بشرح النووي (١٥/ ٩)، الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١٩٥).
(٤) انظر: فتح الباري (٥/ ١٧٩).
(٥) انظر تيسير العزيز الحميد ص (٦٥٥).
[ ٢٢٠ ]
الأول يقتضي إباحة قول العبد: مولاي، والثاني يقتضي منعه من ذلك، والجمع متعذر والعلم بالتاريخ مفقود فلم يبق إلا الترجيح" (^٢١).
ومما أيدوا به ترجيحهم: أن المولى كثير التصرف، فقد ذكر النووي وابن الأثير أنه يقع على ستة عشر معني منها: الناصر والمالك والسيد والمنعم والمعتق وابن العم والحليف وغير ذلك (^٢٢).
قال ابن حجر: "المولى يطلق على أوجه متعددة منها الأسفل والأعلى، فكان إطلاقه أسهل وأقرب إلى عدم الكراهة" (^٢٣).
ثالثًا: ما يتعلق بلفظ (العبد) و(الأمة):
سلك أهل العلم فيهما مسلك الجمع فذهبوا إلى أن النهي متوجه إلى السيد فيكره له أن يقول: عبدي وأمتي لأنه مظنة الاستطالة والتعاظم.
وأما استعمال هذه الألفاظ من الغير للتعريف والإخبار والوصف فجائز كقولك: هذا عبد زيد وهذه أمة خالد.
قال بِهذا الطحاوي (^٢٤) والخطابي (^٢٥) واستظهره النووي (^٢٦) واستحسنه سليمان بن عبدالله (^٢٧).
قال الخطابي: "والمعني في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكبر والتزام
_________________
(١) المفهم (٥/ ٥٥٤) وانظر مسلم بشرح النووي (١٥/ ١٠) فتح البارى (٥/ ١٨٠).
(٢) انظر: مسلم بشرح النووي (١٥/ ٩) النهاية (٥/ ٢٢٨) أعلام الحديث (٢/ ١٢٧٢) المجموع المغيث للأصفهاني (٣/ ٤٥٦).
(٣) فتح الباري (٥/ ١٨٠) بتصرف يسير.
(٤) في مشكل الآثار (١/ ٣٣٨).
(٥) في أعلام الحديث (٢/ ١٢٧٢).
(٦) في شرحه لمسلم (١٥/ ١٠).
(٧) في تيسير العزيز الحميد ص (٦٥٦).
[ ٢٢١ ]
الخشوع وهذا الذي يليق بسمة العبد وبصفات المربوبين ولا يحسن بعبد أن يقول: فلان عبدي وإن كان قد ملك قيادَه في الاستخدام له .. " (^٢٨).
رابعًا: ما يتعلق بالجمع بين الله تعالي وسوله -ﷺ- في ضمير واحد:
سلك أهل العلم في هذه المسألة مذهبين:
أحدهما: مذهب الجمع.
والآخر: مذهب الترجيح، وإليك بيان ذلك:
أولًا: مذهب الجمع:
وإليه ذهب أكثر أهل العلم، واختلفوا فيه على عدة أقوال كما يلي:
القول الأول: أن تثنية الضمير في قوله -ﷺ-: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنَّها وحدها لا غية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلًا ولا يحب رسوله -ﷺ- لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^٢٩) فأوقع محبته ﵊ مكتنفة بين قطري محبة العباد لله ومحبة الله تعالى للعباد.
وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، وإلى هذا ذهب البيضاوي (^٣٠) والطيبي وقال: "هذا كلام حسن متين" (^٣١).
_________________
(١) أعلام الحديث (٢/ ١٢٧٢).
(٢) سورة آل عمران، آية (٣١).
(٣) انظر تيسير العزيز الحميد ص (٤٧٨).
(٤) شرح الطيبي (١/ ١٢١).
[ ٢٢٢ ]
ووصفه ابن حجر بأنه: "من محاسن الأجوبة في الجمع" (^٣٢).
وحسنه سليمان بن عبد الله وقال عنه: "هذا جواب بليغ جدًّا" (^٣٣).
القول الثاني: أن سبب إنكار النبي -ﷺ- على الخطيب إنما هو لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا لله تعالى وتأدبًا معه، وذلك بتقديم اسمه كما في قوله -ﷺ-: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" (^٣٤)، وإلى هذا القول ذهب القاضي عياض (^٣٥) ﵀.
وقريب من هذا القول ما ذكره أبو العباس القرطبي من أنه يحتمل أن يكون هناك من يتوهَّم التسوية من جمعهما في الضمير الواحد، فمنع ذلك لأجله، وحيث عدم ذلك جاز الإطلاق (^٣٦).
القول الثالث: أن سبب النهي هو أن الخطب شأنُها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله -ﷺ- كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتُفهم.
وأما تثنية الضمير في حديث أنس "أحب إليه مما سواهما" فلأن الأمر هنا ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلَّما قلَّ لفظه كان أقرب إلى حفظه، بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظها، وإنما المراد الاتعاظ بِها.
وإلى هذا القول ذهب النووي (^٣٧) عليه رحمة الله.
القول الرابع: حمل حديث الخطيب على الأدب والأولى، وحمل حديث
_________________
(١) فتح الباري (١/ ٦٢).
(٢) تيسير العزيز الحميد (٤٧٨).
(٣) أخرجه من حديث حذيفة أبو داود (عون ١٣/ ٢٢٢) ح (٤٩٧٠) وأحمد (٥/ ٣٨٤).
(٤) انظر إكمال المعلم (٣/ ٢٧٥).
(٥) انظر المفهم (٢/ ٥١١).
(٦) شرح النووي على مسلم (٦/ ٤٠٩).
[ ٢٢٣ ]
أنس ﵁ على بيان الجواز (^٣٨).
القول الخامس: أن سبب إنكار النبي -ﷺ- على الخطيب هو أنه وقف على قوله: ""ومن يعصهما" (^٣٩).
القول السادس: دعوى الخصوصية فيمتنع من غير النبي -ﷺ- ولا يمتنع منه، لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا ذهب العز ابن عبد السلام (^٤٠).
وفي معني هذا القول: قول بعضهم في الجواب عن حديث الخطيب: إن المتكلم لا يدخل تحت خطاب نفسه إذا وجهه لغيره، فقوله -ﷺ-: "بئس الخطيب أنت" منصرف لغير النبي -ﷺ- لفظًا ومعني (^٤١).
ثانيًا: مذهب الترجيح:
وذلك بترجيح حديث المنع على حديث الجواز لأسباب منها:
١ - أن حديث المنع ناقل عن الأصل، وحديث الجواز مبقٍ عليه، والناقل أولى بالاعتبار من المُبقى.
٢ - أن حديث المنع قول، وحديث الجواز فعل، والقول مقدم على الفعل (^٤٢).
* * *
_________________
(١) انظر تيسير العزيز الحميد (٤٧٨).
(٢) انظر إكمال المعلم (٣/ ٢٧٥) المفهم (٢/ ٥١٠).
(٣) انظر فتح الباري (١/ ٦١).
(٤) انظر المفهم (٢/ ٥١١).
(٥) انظر المفهم (٢/ ٥١١ - ٥١٢) الفتح (١/ ٦١) تيسير العزيز الحميد (٤٧٨).
[ ٢٢٤ ]
المطلب الثالث الترجيح
أ: أما ما يتعلق بلفظة "رَبّ":
فالراجح -والله أعلم- هو القول بالتحريم، سواءً كان إطلاقها مع الإضافة أو بدونِها إلا ما لا تعبد عليه من سائر الحيوان والجماد فإنه لا بأس بإطلاق هذا الاسم عليه عند الإضافة كقولك: رب الدابة ورب الدار ونحو ذلك.
وكذلك ما كان على سبيل الوصف والإخبار من الغير فإنه لا بأس به كما في قوله -ﷺ-: "أن تلد الأمة ربتها".
سبب الترجيح:
١ - أن الأصل في النهي التحريم إلا إذا صرفه صارف ولا صارف هنا وأما ما استُدل به للجواز فيمكن الإجابة عنه كما تقدم.
٢ - أن النبي -ﷺ- علل النهي بما يقتضي التحريم فقال: "ولا يقولنَّ المملوك ربِّي وربَّتي وليقل المالك فتاي وفتاتي وليقل المملوك سيدي وسيدتي فإنكم المملكون والرب الله تعالى" (^١).
قال الخطابي في سبب النهي: "لأن الإنسان مربوب متعبَّد بإخلاص التوحيد لله ﷿ وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة بالاسم لئلا يدخل
_________________
(١) أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة (عون ١٣/ ٢١٨) ح (٤٩٦٥). وأحمد (٣/ ١٥٤) ح (٩١٨٨) وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٤٥٦): سنده صحيح على شرط مسلم.
[ ٢٢٥ ]
في معني الشرك، والحر والعبد في هذا بمنْزلة واحدة" (^٢).
٣ - أن الأدلة التي استُدل بِها للجواز يمكن الإجابة عنها كما تقدم، وأرجح هذه الأجوبة -والله تعالى أعلم- ما يلى:
- أما الآية وهى قوله تعالى عن يوسف: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ فالذي يترجح فيها هو ما ذهب إليه ابن العربي وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما من أن هذا جائز في شرع يوسف -ﷺ- ومنهى عنه في شرعنا.
- وأما ما أجاب به الطحاوي وابن الأثير عن الآية وهو أن يوسف ﵇ خاطبهم على المتعارف عندهم وعلى ما كانوا يسمونَهم به فإنه يشكل عليه قول الله تعالى عن يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ لأن أكثر المفسرين أرجعوا الضمير في قوله ﴿رَبِّي﴾ إلى سيده وهو العزيز (^٣).
- وأما قوله -ﷺ- في أشراط الساعة "حتى تلد الأمة ربَّها" فأرجح الأجوبة فيها -والله تعالى أعلم- ما ذهب إليه سليمان بن عبد الله من التفريق بين الدعاء والتسمية وبين الوصف فالأول محرم والثاني جائز وهو الذي يُحمل عليه الحديث.
- وأما الأجوبة الأخرى عن الحديث فضعيفة لأنَّها مبنية على رواية التأنيث - "ربتها" والحديث كما أنه ورد بالتأنيث فإنه قد ورد أيضًا بالتذكير "ربَّها".
_________________
(١) أعلام الحديث (٢/ ١٢٧١). وانظر: المفهم (٥/ ٥٥٣)، مسلم بشرح النووي (١٥/ ٩). النهاية (٢/ ١٧٩). فتح الباري (٥/ ١٧٩).
(٢) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري (٧/ ١٨٢). الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٩/ ١٦٥). تفسير ابن كثير (٢/ ٧٣٢).
[ ٢٢٦ ]
* وأما الأجوبة العامة عن أدلة الجواز فيُجاب عنها بما يلي:
- أما الجواب الأول وهو: حمل النهي على الكراهة وما ورد لبيان الجواز فيرده ما تقدم من توجيه أدلة الجواز.
- وأما الجواب الثاني وهو: أن محل النهي هو أن لا تُتخذ هذه الأسماء عادة، فيحتاج إلى دليل ولا دليل لديهم وليس في الحديث ما يشير إلى ذلك.
- وأما الجواب الثالث وهو: التفريق بين ما كان بدون إضافة فيحرم وما كان مع الإضافة فيجوز فلا يخفى ما فيه من الضعف لأن حديث النهي ورد بالإضافة "لا يقل أحدكم أطعم ربك".
كما أنه بدون الإضافة يكاد يكون محل إجماع أنه محرم وعلى هذا فلا جديد في هذا القول قال النووي ﵀: "قال العلماء: لا يطلق الرب بالألف واللام إلا على الله تعالى خاصة" (^٤).
- وأما الجواب الرابع وهو: دعوى الخصوصية فيحتاج إلى دليل لأن الأصل في فعله -ﷺ- عدم الخصوصية إلا ما قام الدليل على أنه خاص به -ﷺ- والله أعلم.
ب- وأما ما يتعلق بلفظة "مولاي":
فإن الراجح -والله تعالى أعلم- مذهب الجمع وهو حمل النهي على الكراهة أو على خلاف الأولى وما ورد من قوله -ﷺ-: "وليقل: سيدي مولاي" فلبيان الجواز.
- وأما ما ذهب إليه القائلون بالترجيح (^٥) ودعواهم بأن الجمع متعذر
_________________
(١) الأذكار (٥٢٠).
(٢) أي ترجيح رواية الجواز على رواية النهي.
[ ٢٢٧ ]
فمتعقب بأن الجمع ممكن -كما تقدم- والترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع، ولذلك قال سليمان بن عبد الله رادًّا على مذهب الترجيح: "قلت: الجمع ممكن بحمل النهي على الكراهة أو على خلاف الأولى" (^٦).
وقال أبو جعفر النحاس: "لا نعلم اختلافًا بين العلماء أنه لا ينبغي لأحد أن يقول لأحد من المخلوقين مولاي" (^٧).
ج - وأما ما يتعلق بلفظ العبد والأمة فالراجح هو: ما تقدم بيانه من أن النهي متوجه إلى السيد لأنه مظنة الاستطالة والتعاظم، وأما استعمال هذين اللفظين من الغير للتعريف والإخبار والوصف فجائز.
د- وأما ما يتعلق بمسألة الجمع بين الله تعالى وسوله -ﷺ- في ضمير واحد فالذي يظهر والله تعالى أعلم هو كراهة ذلك لما قد يوهم من التسوية بين الله تعالى ورسوله -ﷺ-، ولعل أمر النبي -ﷺ- الخطيب بالعطف من هذا الباب، ومن باب -أيضًا- تعظيم الله تعالى وتوقيره والتأدب معه، ولذلك فإن النبي -ﷺ- في حديث عمر المشهور "إنما الأعمال بالنيات .. " قال: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله .. " ولم "يقل في الجزاء: فهجرته إليهما، وإن كان أخصر، بل أتى بالظاهر فقال: فهجرته إلى الله ورسوله، وذلك من آدابه في تعظيم اسم الله أن يُجمع مع ضمير غيره" (^٨).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (٦٥٥).
(٢) نقل ذلك عنه النووي في الأذكار ص (٥٢١).
(٣) طرح التثريب (٢/ ٢٤).
[ ٢٢٨ ]
وأما حديث أنس ﵁ والذي فيه "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" فإنه محتمل لجميع الأقوال السابقة في مذهب الجمع عدا القول الخامس والسادس فإن فيهما بعدًا لا يخفى.
أما الخامس وهو دعوى أن الخطيب قد وقف على قوله: "ومن يعصهما" فإن الرواية ترده لأن آخر كلامه "فقد غوى"، ولذلك قال القرطبي عن هذا القول: "هذا تأويل لم تساعده الرواية الصحيحة: أنه أتي باللفظين في مساق واحد، وأن آخر كلامه إنما هو: "فقد غوى"، ثم إن النبي -ﷺ- ردَّ عليه وعلَّمه صواب ما أخل به، فقال: "قل: ومن يعص، الله ورسوله فقد غوى" فظهر أن ذمَّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير" (^٩).
وأما القول السادس: وهو دعوى الخصوصية فيحتاج إلى دليل وليس ثمة دليل يدل عليها.
- وأما مذهب الترجيح فإنه لا يُلجأ إليه إلا عند تعذر الجمع، والجمع هنا غير متعذر كما تقدم.
الخلاصة:
١ - أنه يحرم إطلاق لفظ الرب على السيد بدون إضافة وأما مع الإضافة فيجوز في حالتين ويحرم فيما عداهما، وهاتان الحالتان هما:
أ - إذا كانت الإضافة إلى ما لا تعبد عليه من سائر الحيوان والجماد.
ب - إذا كان إطلاقها على سبيل الوصف والإخبار من الغير.
٢ - أنه يكره أن يقول العبد لسيده: مولاي.
_________________
(١) المفهم (٢/ ٥١١).
[ ٢٢٩ ]
٣ - أنه يكره أن يقول السيد لعبده وأمته: عبدي وأمتي، وأما استعمال هذه الألفاظ من الغير للتعريف والإخبار والوصف فجائز.
٤ - أنه يكره أن يجمع الإنسان بين الله تعالى ورسوله -ﷺ- في ضمير واحد، لما قد يوهم من التسوية بين الله تعالى ورسوله -ﷺ-، والله تعالى أعلم.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: "هذه الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة فالنبي -ﷺ- نَهى عنها تحقيقًا للتوحيد وسدًّا لذرائع الشرك لما فيها من التشريك في اللفظ، لأن الله تعالى هو رب العباد جميعهم، فإذا أُطلق على غيره شاركه في الاسم فيُنهى عنه لذلك، وإن لم يقصد بذلك التشريك في الربوبية التي هي وصف الله تعالى، وإنما المعني أن هذا مالك له فيُطلق عليه هذا اللفظ بِهذا الاعتبار فالنهي عنه حسمًا لمادة التشريك بين الخالق والمخلوق، وتحقيقًا للتوحيد؛ وبعدًا عن الشرك حتي في اللفظ وهذا من أحسن مقاصد الشريعة، لما فيه من تعظيم الرب تعالى وبعده عن مشابَهة المخلوقين، فأرشدهم -ﷺ- إلى ما يقوم مقام هذه الألفاظ، وهذا من باب حماية المصطفى -ﷺ- جناب التوحيد" (^١٠).
* * *
_________________
(١) فتح المجيد ص (٥٤٨).
[ ٢٣٠ ]
المبحث السابع في قوله -ﷺ-: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب"
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٢٣١ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
* أولًا: ما جاء في إياس الشيطان من أن يعبد في جزيرة العرب:
- عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" (^١).
* ثانيًا: ما جاء في وقوع الشرك والكفر وعبادة غير الله تعالى:
- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة (^٢) " (^٣).
- وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" (^٤).
بيان وجه التعارض
في الحديث الأول ما ظاهره أن الشيطان قد أيس من وقوع الشرك والكفر وعبادة غير الله تعالى من الأصنام والأوثان وغيرهما.
وفي المقابل نجد أن النبي -ﷺ- يخبر -كما في الحديثين الأخيرين- بوقوع الشرك والكفر وعبادة الأصنام والأوثان.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: تحريش الشيطان (١٧/ ١٦٢) ح (٢٨١٢).
(٢) ذو الخلصة: صنم كانت دوس تعبده في الجاهلية. انظر: مسلم بشرح النووي (١٨/ ٢٥٠).
(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الفتن، باب: تغير الزمان حتي تعبد الأوثان (٦/ ٢٦٠٤) ح (٦٦٩٩). ومسلم: كتاب الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتي تعبد دوس ذا الخلصة (١٨/ ٢٤٩) ح (٢٩٠٦).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتي تعبد دوس ذا الخلصة (١٨/ ٢٥٠) ح (٢٩٠٧).
[ ٢٣٢ ]
وأيضًا فإن الواقع يؤيد ذلك فنحن نرى تعدد القبور والأضرحة التي تزار ويُطاف عليها وتعبد من دون الله تعالى .. والله المستعان.
فإذا كان الأمر كذلك فما هو المخرج من هذا التعارض الظاهري؟
هذا ما سوف يتضح في المطالب التالية.
تنبيه:
المراد بعبادة الشيطان في حديث جابر: عبادة الصنم وغيره بدليل قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ وإنما جعل عبادة الصنم عبادة الشيطان لأنه الآمر به والداعي إليه (^٥).
قال الشيخ عبد الله أبا بطين: "ومن أطاع الشيطان في نوع من أنواع الكفر فقد عبده، لا تختص عبادة الشيطان بنوع الشرك لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (^٦) أي: لا تطيعوه فعبادته طاعته" (^٧).
* * *
_________________
(١) انظر: شرح الطيبي (١/ ٢٠٨).
(٢) سورة يس. آية: (٦٠).
(٣) الدرر السنية (١٢/ ١١٨).
[ ٢٣٣ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
لم يتجاوز أهل العلم في هذه المسألة مذهب الجمع، وكلامهم يدور على حديث جابر ﵁: "إن الشيطان قد أيس .. ".
وأما الأحاديث التى فيها إخبار المصطفى -ﷺ- بوقوع الشرك وعبادة الأوثان والأصنام، فإن أهل العلم لم يختلفوا في وقوع ما دلت عليه.
ولذلك بوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد بابًا بعنوان: "ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان" قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرح هذه الترجمة: "أراد المصنف بِهذه الترجمة الرد على عبّاد القبور الذين يفعلون الشرك ويقولون: إنه لا يقع في هذه الأمة المحمدية وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبيَّن في هذا الباب من كلام الله وكلام رسوله -ﷺ- ما يدل على تنوع الشرك في هذه الأمة، ورجوع كثير منها إلى عبادة الأوثان وإن كانت طائفة منها لا تزال على الحق، ولا يضرهم من خذلهم حتي يأتي أمر الله ﵎" (^١).
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين عن حديث: "إن الشيطان قد أيس .. ": "لا دلالة في الحديث على استحالة وقوع الشرك في جزيرة العرب، ويوضح ذلك: أن أكثر العرب ارتدوا بعد وفاة النبي -ﷺ-، فكثير منهم رجعوا إلى الكفر وعبادة الأوثان، وكثير منهم صدقوا من ادعى النبوة كمسيلمة وغيره" (^٢).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (٣٦٢).
(٢) الدرر السنية (١٢/ ١١٨).
[ ٢٣٤ ]
وقد اختلف أهل العلم- في الجواب على حديث جابر: "إن الشيطان قد أيس" على عدة أقوال وهي كالتالي:
القول الأول: أن المراد أن الشيطان قد أيس أن يجتمعوا كلهم على الكفر، وإلى هذا ذهب ابن رجب وعبد الله أبا بطين وغيرهما (^٣).
القول الثاني: أن النبي -ﷺ- أخبر عمَّا وقع في نفس الشيطان من اليأس عندما رأى الفتوح ودخول الناس في دين الله أفواجًا، ولكن لا يلزم من هذا عدم وقوع الشرك وعبادة سوى الله تعالى، لأن الأمر يقع على خلاف ما ظنه الشيطان، كما دلت على ذلك الأحاديث الأخرى التي فيها إخبار النبي -ﷺ- بوقوع الشرك.
قالوا: ويدل على هذا القول أن النبي -ﷺ- نسب الإياس في الحديث إلى الشيطان مبنيًّا للفاعل، فلم يقل: أُيس بالبناء للمفعول، بمعني أن الله أيسه، فالإياس الصائر من الشيطان لا يلزم تحقيقه واستمراره، ذكر هذا الجواب الشيخ عبد الله أبا بطين (^٤)، وإليه ذهب الشيخ محمد العثيمين (^٥).
القول الثالث: أن المراد أن الشيطان لا يطمع أن يعبده المؤمنون في جزيرة العرب، وهم المصدقون بما جاء به الرسول -ﷺ- من عند ربه المذعنون له، الممتثلون لأوامره، إذ أن من كان على هذه الصفة فهو على بصيرة ونور من ربه، فلا يطمع الشيطان أن يعبده، ذكر هذا الجواب الألوسى (^٦).
_________________
(١) الدرر السنية (١٢/ ١١٦، ١٣٢) دعاوى المناوئين (٢٢٣).
(٢) انظر الدرر السنية (١٢/ ١١٧، ١٣١) دعاوى المناوئين (٢٢٣) شرح الأبي (٩/ ٢٦١).
(٣) انظر القول المفيد (١/ ٢١١، ٤٦٧).
(٤) نقل ذلك عنه صاحب دعاوى المناوئين (٢٢٤).
[ ٢٣٥ ]
القول الرابع: ذكره الألوسى أيضًا فقال: "يحتمل أن يراد بالمصلين أناس معلومون، بناءً على أن تكون (أل) للعهد، وأن يراد بِهم الكاملون فيها .. وهم خير القرون، يؤيد ذلك قول النبي -ﷺ- في آخر الحديث "ولكن في التحريش بينهم" .. يقول الطيبى: لعل المصطفى -ﷺ- أخبر بما يكون بعده من التحريش الواقع بين صحبه رضوان الله عليهم أجمعين، أي: أيس أن يعبد فيها، ولكن يطمع في التحريش (^٧) " (^٨).
القول الخامس: ما ذهب إليه أبو العباس القرطبي من أن المعني: "أن المسلمين في جزيرة العرب ما أقاموا الصلاة فيها وأظهروها، لم يظهر فيها طائفة يرتدون عن الإسلام إلى عبادة الطواغيت والأوثان، فإذا تركوا الصلاة وذهب عنهم اسم المصلين فإذ ذلك يكونون شرار الخلق وهذا إنما يتم إذا قبض الله المؤمنين بالريح الباردة .. وحينئذٍ تضطرب أليات دوس حول ذي الخلصة وتُعبد اللات والعزى" (^٩).
القول السادس: أنّ معني الحديث: أنّ الشيطان قد أيس أن يعبد هو نفسه كما هو ظاهر الحديث، لا أنّه أيس من أن يعبد غيره من المخلوقات كالأنبياء والملائكة والصالحين والأحجار والأشجار، ولم يزعم أحد أن الشيطان قد عبد هو نفسه كفاحًا مباشرة، وإنما أُطيع في عبادة بعض المخلوقات وأضيفت العبادة إليه لأنه هو الآمر بِها الداعي إليها (^١٠).
* * *
_________________
(١) انظر شرح الطيبي (١/ ٢٠٩).
(٢) نقل ذلك عنه صاحب دعاوي المناوئين (٢٢٤)
(٣) المفهم (٧/ ٣١٠).
(٤) انظر الصراع بين الإسلام والوثنية لعبد الله بن علي القصيمي (٢/ ١٢٢).
[ ٢٣٦ ]
المطلب الثالث الترجيح
في الحقيقة أن جميع الأقوال السابقة محتملة وأقواها القول الثاني ثمّ الأوّل، وأضعفها القول الخامس والسادس.
أمّا القول الخامس فلأن فيه أن عبادة الأصنام والأوثان لا تكون إلا في آخر الزمان عند قبض الله تعالى المؤمنين بالريح الباردة، وهذا يرده الواقع، إذ أن عبادة غير الله تعالى من الأصنام والأوثان وُجدت بعد وفاته -ﷺ- ولا تزال موجودة حتي الآن والله المستعان.
"ولا يمكن أن يدعى أنه لن يعبد غير الله في بلاد العرب في وقت من الأوقات، فإن هذا باطل بالإجماع والضرورة والنصوص المتواترة، وقد كان في بلاد العرب يهود ونصارى وهم يعبدون غير الله حينما قال الرسول -ﷺ- هذا الحديث" (^١).
وأما القول السادس فيشكل عليه أمران:
أحدهما: "أنه لم يعهد أنّ العرب المشركين في جاهليتهم كانوا يعبدون الشيطان نفسه، وإنما عهد أنهم أطاعوه في عبادة الأصنام والأوثان التي عبدوها في الجاهلية، وفي دولة الشرك والضلال، والحديث يجب أن يوجه معناه نفيًا وإثباتًا إلى ما عهد وعلم، لا إلى ما لم يعهد وما لم يعلم، فيجب أن يقال: إنّ هذه العبادة التي أيس الشيطان منها هى العبادة التي كان أهل الجاهلية
_________________
(١) الصراع بين الإسلام والوثنية (٢/ ١٢٦) بتصرف يسير.
[ ٢٣٧ ]
يقدمونَها إليه وهى طاعته في عبادة غيره من المخلوقات ناطقها وصامتها" (^٢).
وقد أجيب عن هذا الإشكال -أو الاعتراض- بأنه لا مانع من أنّ الشيطان كان يسعى جهده لإيقاع المشركين عبدة الأصنام والأوثان في عبادته نفسه، وأنه كان يأمل أن يعبدوه حقيقة مباشرة كما كانوا يعبدون الأحجار والأشجار والإنسان والحيوان وغير ذلك من أصناف المعبودات، وأنه كان عظيم الرجاء في أن يصل إلى هذه الغاية الشيطانية العظيمة، فلما انتشر الإسلام واتسعت رقعته وعلا شأنه وارتفع، انقطع على الشيطان رجاءه هذا، وأفسد عليه أمنيته هذه ورأى أنّه قد ظنّ باطلًا، ورجا ما لن يكون أبدًا، فانقلب ذلك الرجاء يأسًا، والأمل قنوطًا، والسعي خيبة، فأعلن يأسه وباح بإفلاسه، ونادى بويله وثبوره، فأعلن رسول الله -ﷺ- هذه الحقيقة وقال: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" (^٣).
فإن توجه هذا الجواب كان الإشكال الثاني قائمًا وهو:
الأمر الثاني الذي يشكل على هذا القول: أنّ الحديث قد ورد برواية لا يستقيم معها هذا القول وهى: (إن إبليس يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ولكنه سيرضى بدون ذلك منكم ..) (^٤).
* * *
_________________
(١) المرجع السابق (٢/ ١٢٣).
(٢) انظر المرجع السابق (٢/ ١٢٣، ١٢٤).
(٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٢) ح (٢٢٢١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبى، وأخرجه أيضًا أبو يعلى في مسنده (٦/ ٥٧) ح (٥١٢٢).
[ ٢٣٨ ]
الفصل الثاني ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات
وفيه أربعة مباحث:
* المبحث الأول: ما جاء في قوله -ﷺ- "كلتا يديه يمين"
* المبحث الثاني: ما جاء في صفة الرحمة لله ﷿
* المبحث الثالث: ما جاء في علو الله تعالى وفوقيته مع ورود نصوص المعية والقرب
* المبحث الرابع: ما جاء في رؤية النبي -ﷺ- لربه ﷿
* * *
[ ٢٣٩ ]
المبحث الأول ما جاء في قوله -ﷺ-: "كلتا يديه يمين"
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٢٤١ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
جاءت الأحاديث في هذه المسألة بأمرين:
أحدهما: وصف كلتا يدي الله تعالى باليمين، كما جاء ذلك في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" (^١).
وثانيهما: وصف إحدى يدي الله تعالى بالشمال، كما جاء ذلك في حديث عبد الله ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يطوي الله ﷿ السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " (^٢).
بيان وجه التعارض
وجه التعارض بين هذين الحديثين هو أنَّ أحدهما ينص على أن كلتا يدي الله تعالى يمين.
والآخر فيه وصف إحدى يدي الله تعالى بالشمال.
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل. (١٢/ ٤٥٢) ح (١٨٢٧).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم. (١٧/ ١٣٨) ح (٢٧٨٨).
[ ٢٤٢ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض (*)
قبل ذكر مذاهب أهل العلم في هذه المسألة لا بدَّ من بيان أن أهل السنة والجماعة مجمعون على أن لله تعالى يدين وأن إحدى يديه توصف باليمين كما دلت على ذلك النصوص الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^١).
وأما السنة فالأحاديث فيها كثيرة أذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " (^٢).
٢ - حديث أبي هريرة ﵁أيضًا- عن النبي -ﷺ- قال: "إنَّ يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة .. " (^٣).
ويبقى الخلاف بين أهل العلم فى اليد الأخرى لله تعالى، هل توصف بالشمال أم لا؟
_________________
(١) (*) انظر في هذه المسألة: صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة، لعلوى السقاف. فقد أفاد وأجاد.
(٢) سورة الزمر، آية (٦٧).
(٣) متفق عليه: البخاري: كتاب الرقاق، باب: يقبض الله الأرض يوم القيامة. (٥/ ٢٣٨٩) ح (٦١٥٤). ومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم. (١٧/ ١٣٧) ح (٢٧٨٧).
(٤) متفق عليه: البخارى: كتاب التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. (٦/ ٢٦٩٩) ح (٦٩٨٣). ومسلم: كتاب الزكاة، باب: الحث على النفقة. (٧/ ٨٣) ح (٩٩٣).
[ ٢٤٣ ]
فذهب بعضهم إلى وصف اليد الأخرى بالشمال، وذهب الآخرون إلى المنع من ذلك، فالفريق الأول سلك مذهب الجمع، والفريق الثاني سلك مذهب الترجيح، وإليك بيان ذلك:
أولًا: مذهب الجمع:
سلك هذا المذهب من أثبت الشمال واليسار ليد الله تعالى، فأخذوا بالأحاديث التي فيها وصف يد الله تعالى بالشمال، وحملوا قوله -ﷺ-: "كلتا يديه يمين"، على أنه قاله على جهة التأدب، وذلك أنه لما كانت اليسار في حقِّنا أنقص من اليمين وأقل رتبةً منها بيَّن النبي -ﷺ- أنَّ كلتا يدي الله تعالى يمين مباركة، ليس فيها نقص ولا عيب بوجه من الوجوه، فليست الشمال بالنسبة له كالشمال بالنسبة لنا.
وإلى هذا ذهب الإمام عثمان بن سعيد الدارمى وأبو يعلى الفراء ومحمد ابن عبد الوهاب وصديق حسن خان (^٤)، وإليك أقوالهم وأدلتهم:
قال الإمام الدارمى: "ولكن تأويله: "وكلتا يديه يمين" أي: منَزه عن النقص والضعف كما في أيدينا الشمال من النقص وعدم البطش، فقال: "كلتا يديه يمين" إجلالًا وتعظيمًا أن يوصف بالشمال، وكذلك لو لم يجز إطلاق الشمال واليسار لما أطلق رسول الله -ﷺ-، ولو لم يجز أن يُقال: كلتا يدي الرحمن يمين لم يقله رسول الله -ﷺ-" (^٥).
_________________
(١) وكذلك الشيخ عبد العزيز بن باز. انظر مذكرة شرح كتاب التوحيد له ص (١٠٥). والشيخ محمد خليل الهراس. انظر تعليقه على كتاب التوحيد لابن خزيمة (٦٦) حاشية (٤). والشيخ عبد الله الدويش. انظر التوضيح المفيد لمسائل كتاب التوحيد (٢٥٩) مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ عبد الله الدويش رقم (١). والشيخ عبد الله الغنيمان. انظر شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٣١١، ٣١٤، ٣١٨، ٣١٩).
(٢) رد الإمام الدارمي على المريسى ص (٥١٣) مطبوع ضمن كتاب عقائد السلف.
[ ٢٤٤ ]
وقال أبو يعلى الفراء بعد أن ذكر حديث أيى الدرداء (^٦) ﵁: "واعلم أن هذا الخبر يفيد جواز إطلاق القبضة عليه واليمين واليسار والمسح، وذلك غير ممتنع" (^٧).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في آخر باب من كتاب التوحيد في المسألة السادسة: "التصريح بتسميتها الشمال" (^٨) يعني ما جاء في حديث ابن عمر ﵄ وقد تقدم ذكره.
وقال صديق حسن خان: "ومن صفاته سبحانه: اليد، واليمين، والكف، والإصبع، والشمال .. " (^٩).
أدلة هذا القول:
استدل أصحاب هذا القول بما يلى:
١ - حديث عبد الله بن عمر ﵄، وفيه: "ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول .. " (^١٠) رواه مسلم.
٢ - حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "خلق الله ﷿ آدم ﵇ حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذريته سوداء كأنهم الحمم فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي وقال للذي في يساره: إلى النار ولا أبالي" (^١١).
_________________
(١) سيأتي قريبًا.
(٢) إبطال التأويلات ص (١٧٦).
(٣) كتاب التوحيد ص (١٠٧).
(٤) قطف الثمر ص (٦٦). ومراده ﵀ بيان أن الله تعالى يوصف بأن له يد وكف وإصبع.
(٥) تقدم تخريجه ص (٢٤٢).
(٦) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة. (٢/ ٤٦٦) ح (١٠٥٩). والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ٢١) ح (٢١٤٤) وقال: إسناده حسن.
[ ٢٤٥ ]
٣ - وصف إحدى اليدين باليمين كما في الأحاديث السابقة، وهذا يقتضى أن الأخرى ليست يمينًا فتكون شمالًا، وفي بعض الأحاديث تذكر اليمين ويذكر مقابلها: "بيده الأخرى" (^١٢)، وهذا يعني أن الأخرى ليست اليمين فتكون الشمال (^١٣).
ثانيًا: مذهب الترجيح:
سلك هذا المذهب بعض أهل العلم الذين منعوا من إطلاق الشمال واليسار على يد الله تعالى وقالوا: إن كلتا يدي الله تعالى يمين لا شمال ولا يسار فيهما، وضعفوا الرواية التي ورد فيها لفظ الشمال.
وممن سلك هذا المذهب ابن خزيمة والبيهقى والألباني، وإليك أقوالهم وأدلتهم:
قال ابن خزيمة: "إن لخالقنا -جل وعلا- يدين كلتاهما يمينان لا يسار لخالقنا ﷿، إذ اليسار من صفة المخلوقين (^١٤)، فجل ربنا عن أن يكون له يسار" (^١٥).
وقال أيضًا: " .. بل الأرض جميعًا قبضة ربنا جل وعلا، بإحدى يديه يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه وهي: اليد الأخرى، وكلتا يدي ربنا
_________________
(١) كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة .. وبيده الأخرى الفيض أو القبض يرفع ويخفض" تقدم تخريجه ص (٢٤٣).
(٢) انظر: كتاب صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة، ص (٢٧٧).
(٣) التعليل بِهذا فيه نظر، إذ أنه ليس كل ما كان صفة للمخلوق فهو منفي عن الله تعالى، وإلا لنفينا -جريًا على هذه القاعدة- أشياء كثيرة من صفات الله تعالى، كاليد والسمع والبصر وغيرها بحجة أنَّها من صفات المخلوقين، وإنما الحق أن تثبت هذه الصفات -لورود النص بِها- لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم من ذلك أن تكون مماثلة لصفات المخلوقين. والله أعلم.
(٤) كتاب التوحيد (١/ ١٥٩).
[ ٢٤٦ ]
يمين لا شمال فيهما جل ربنا وعز عن أن يكون له يسار، إذ كون إحدى اليدين يسار إنما يكون من علامات المخلوقين (^١٦)، جل ربنا وعز عن شبه خلقه" (^١٧).
وقال البيهقي عن رواية بشماله: "ذكر الشمال فيه تفرد به عمر بن حمزة (^١٨) عن سالم وقد روى هذا الحديث نافع (^١٩) وعبيد الله بن مقسم (^٢٠) عن ابن عمر، لم يذكروا فيه الشمال، ورواه أبو هريرة ﵁ وغيره عن النبي -ﷺ- فلم يذكر فيه أحدٌ منهم الشمال.
ورُوي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة، إلا أنه ضعيف بمرة، تفرد بأحدهما جعفر بن الزبير، وبالآخر يزيد الرقاشى وهما متروكان، وكيف يصح ذلك؟ وصحيح عن النبي -ﷺ- أنه سمى كلتي يديه يمينًا (^٢١) " (^٢٢).
وقال الألباني ﵀ وقد سُئل: كيف نوفق بين رواية: "بشماله" الواردة في حديث ابن عمر ﵄ في صحيح مسلم، وقوله -ﷺ-: "وكلتا يديه يمين"؟
قال: "لا تعارض بين الحديثين بادئ بدء فقوله -ﷺ-: " .. وكلتا يديه
_________________
(١) انظر التعليق على كلامه السابق ص (٢٤٦).
(٢) كتاب التوحيد (١/ ١٩٧).
(٣) وهو ضعيف. انظر تقريب التهذيب (١/ ٧١٥).
(٤) كما في صحيح البخاري (٦/ ٢٦٩٧) ح (٦٩٧٧)
(٥) كما في صحيح مسلم (١٧/ ١٣٨) ح (٢٧٨٨).
(٦) لا يعني هذا أن البيهقي رحمه الله تعالى يثبت اليمين لله تعالى حقيقة، بل هو يُؤولها، فإنه لما ساق أخبارًا كثرة في اليمين قال: "واليمين المذكور في الأخبار التى ذكرناها محمول في بعضها على القوة والقدرة .. وفي بعضها على حسن القبول لأن في عرف الناس أن أيمانَهم تكون مرصدة لما عزَّ من الأمور، وشمائلهم لما هان منها، والعرب تقول: فلان عندنا باليمين أى بالمحل الجليل الأسماء والصفات (٢/ ١٦٠) وانظر: البيهقي وموقفه من الإلهيات ص (٢٥٦) للدكتور أحمد بن عطية الغامدي.
(٧) الأسماء والصفات (٢/ ١٣٩).
[ ٢٤٧ ]
يمين" تأكيد لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢٣) فهذا الوصف الذي أخبر به رسول الله -ﷺ- تأكيد للتنْزيه، فيد الله ليست كيد البشر: شمال ويمين، ولكن كلتا يديه يمين، وأمر آخر أن رواية: "بشماله": شاذة.
ويؤكد هذا أن أبا داود رواه وقال: "بيده الأخرى" بدل "بشماله" وهو الموافق لقوله -ﷺ-: "وكلتا يديه يمين "والله أعلم" (^٢٤).
أدلة هذا القول:
استدل أصحاب هذا القول لما ذهبوا إليه بما يلى:
١ - ما سبق من قوله -ﷺ- في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين .. " (^٢٥).
٢ - حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "أول ما خلق الله تعالى القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين .. " (^٢٦).
٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه قال بيده وهما مقبوضتان: خذ أيهما شئت يا آدم فقال: يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة .. " (^٢٧).
_________________
(١) سورة الشورى، آية (١١).
(٢) انظر مجلة الأصالة: العدد الرابع ص (٦٨).
(٣) تقدم تخريجه ص (٢٤٢).
(٤) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٤٩) ح (١٠٦)، والآجري في الشريعة (٢/ ١٢٤) ح (٧٩٠) وحسَّن إسناده الألباني في تخريجه للسنة.
(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٩) ح (٢٠٦) وابن حبان في صحيحه (١٤/ ٤٠) ح (٦١٦٧) والحاكم في مستدركه (١/ ١٣٢) ح (٢١٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٤٠) ح (٧٠٨) وحسَّن إسناده الألباني في تخريجه للسنة.
[ ٢٤٨ ]
المطلب الثالث الترجيح
الذي يظهر -والله تعالى أعلم- عدم وصف يد الله تعالى بالشمال إذ أن إثبات شىء لله تعالى لابد أن يكون من طريق صحيح يمكن الاستناد إليه، لاسيما وقد ورد النص الصحيح الصريح بأن كلتا يديه يمين.
وأما الأدلة التى استدل بِها من أثبت وصف الشمال ليد الله تعالى فإنَّها لا تنهض لأن تكون حجة في ذلك:
١ - أما حديث "يطوي الأرض بشماله .. " فلأن فيه عمر بن حمزة وهو ضعيف قال فيه الإمام أحمد: أحاديثه مناكير. وقال فيه النسائي: ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان ممن يخطئ (^١). وقال فيه ابن حجر: ضعيف (^٢).
٢ - وأما حديث أبي الدرداء فقد رواه عبد الله بن الإمام أحمد مختصرًا وتمامه كما عند أحمد بنفس السند: "خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنَّهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنَّهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي" (^٣).
_________________
(١) انظر تَهذيب الكمال (٢١/ ٣١١) تَهذيب التهذيب (٧/ ٤٣٧).
(٢) تقريب التهذيب (١/ ٧١٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٧/ ٥٩٤) ح (٢٦٩٤٢) ومن طريقه رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٣٩٧) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٨٥): رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٧٧) ح (٤٩): إسناده صحيح، وأخرجه الفريابي في كتاب القدر (٥٢) ح (٣٦) وابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٠٩) ح (١٣٢٩) تحقيق عثمان الأثيوبى.=
[ ٢٤٩ ]
وبِهذا يتضح أن الضمير في قوله: "وقال للذي في يساره .. " -في رواية عبد الله بن الإمام أحمد- يعود إلى آدم ﵇، وعليه فليس في هذا الحديث حجة لمن أثبت صفة الشمال ليد الله تعالى.
٣ - وأما قولهم: إن وصف إحدى يدي الله تعالى باليمين يدل على أن الأخرى ليست يمينًا فتكون شمالًا فقول صحيح لو لم يرد في النصوص ما يدل على أن كلتا يدي الله تعالى يمين (^٤).
ولكن مما ينبغى التنبيه عليه هنا -مما له علاقة بِهذه المسألة- أن صفات الله تعالى تتفاضل فبعضها أفضل من بعض، ولا يلزم من ذلك أن تكون الصفة المفضولة ناقصة أو معيبة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنصوص والآثار في تفضيل كلام الله، بل وتفضيل بعض صفاته على بعض متعددة، وقول القائل: (صفات الله كلها فاضلة في غاية التمام والكمال ليس فيها نقص) كلام صحيح ولكن توهمه أنه إذا كان بعضها أفضل من بعض كان المفضول معيبًا منقوصًا خطأ منه، فإن النصوص تدل على أن بعض أسمائه أفضل من بعض، ولهذا يُقال: دعا الله باسمه الأعظم، وتدل على أن بعض صفاته أفضل من بعض، وبعض أفعاله أفضل من
_________________
(١) = وجدير بالتنبيه هنا: أن الذرية السوداء في هذه الرواية من نصيب الكتف اليسرى. بينما في رواية عبد الله بن الإمام أحمد -التى سبق ذكرها- من نصيب الكتف اليمني، والذي يظهر هو أَنَّها من نصيب الكتف اليسرى كما في رواية الإمام أحمد والتي فيها سياق الحديث بتمامه لأنَّها يشهد لها النصوص الكثيرة التي فيها أن أهل السعادة من نصيب اليمين وأهل الشقاوة من نصيب الشمال، ثم هى الأشبه والموافق للنصوص الكثيرة التي فيها تكريم اليمين على الشمال والله أعلم.
(٢) انظر: صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف (٢٨٢).
[ ٢٥٠ ]
بعض" (^٥).
وقال أيضًا: "وإذا عُلم ما دل عليه الشرع مع العقل واتفاق السلف من أن بعض القرآن أفضل من بعض، وكذلك بعض صفاته أفضل من بعض .. " (^٦).
وعلى هذا فلا يلزم من قوله: "كلتا يديه يمين" تساويهما في الفضل، فإن اليد اليمنى أفضل من اليد الأخرى، وإلا لما كان للمقسطين مزية في كونهم عن يمين الرحمن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي الصحيحين عن أبي موسى ﵁ عن النبى -ﷺ- قال: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض" (^٧)، فبين -ﷺ- أن الفضل بيده اليمنى، والعدل بيده الأخرى، ومعلوم أنه مع أن كلتا يديه يمين فالفضل أعلى من العدل، وهو سبحانه كلُّ رحمة منه فضل، وكلُّ نقمة منه عدل، ورحمته أفضل من نقمته، ولهذا كان المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن ولم يكونوا عن يده الأخرى وجَعْلُهم عن يمين الرحمن تفضيل لهم، كما فضل في القرآن أهل اليمين وأهل الميمنة على أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة، وإن
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٨٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٠٣).
(٣) تقدم تخريجه عن أبى هريرة ص (٢٤٣)، وفيه بدل "القسط": "الميزان"، ولم أجده في الصحيحين عن أبى موسى؟ ! !
[ ٢٥١ ]
كانوا إنما عذبَهم بعدله، وكذلك الأحاديث والآثار جاءت بأن أهل قبضة اليمين هم أهل السعادة، وأهل القبضة الأخرى هم أهل الشقاوة" (^٨).
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٩٣).
[ ٢٥٢ ]
المبحث الثاني ما جاء في صفة الرحمة لله ﷿
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٢٥٣ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
صفة الرحمة لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل:
أما الكتاب فقد "كرر الله تعالى التمدح بالرحمة مرارًا جمة، أكثر من خمسمائة مرة من كتابه الكريم، منها باسمه الرحمن أكثر من مائة وستين مرة، وباسمه الرحيم أكثر من مائتي مرة، وجمعهما للتأكيد مائة وست عشرة مرة .. " (^١).
وأما السنة فالأحاديث في إثبات هذه الصفة لله تعالى لا تكاد تحصى كثرة، ومنها على سبيل المثال:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي غلبت غضبي" (^٢).
٢ - حديث أبي بكر الصديق ﵁: أنه قال لرسول الله -ﷺ-: علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (^٣).
_________________
(١) مقتبس من كلام ابن الوزير في كتابه: إيثار الحق على الخلق، ص (٣٣٠) تنبيه: ذكر الشيخ محمد ابن حمود النجدي في النهج الأسمى (١/ ٧٧) أن اسم (الرحمن) إنما ورد في القرآن سبعًا وخمسين مرة، وأما اسم (الرحيم) فقد ورد مائة وأربع عشرة مرة. قلت: وهو الموافق لما في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فوًاد عبد الباقي، على فرق يسير في اسم (الرحيم) انظر المعجم (٣٨٩ - ٣٩٢).
(٢) متفق عليه: البخاري: كتاب بدء الخلق، باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ..﴾ (٣/ ١١٦٦) ح (٣٠٢٢). ومسلم: كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى وأنَّها سبقت غضبه. (١٧/ ٧٤) ح (٢٧٥١).
(٣) متفق عليه: البخاري: كتاب صفة الصلاة، باب: الدعاء قبل السلام. (١/ ٢٨٦) ح (٧٩٩). ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر. (١٧/ ٣١) ح (٢٧٠٥).
[ ٢٥٤ ]
٣ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قدم على النبي -ﷺ- سَبْىٌ، فإذا امرأة من السبي قد تحلُبُ ثديها تسقى، إذا وجدت صبيًّا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي -ﷺ-: "أترون هذه طارحةً ولدها في النار؟ " قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: "الله أرحم بعباده من هذه بولدها" (^٤).
وأما الإجماع فإنه منعقد على إثبات هذه الصفة لله تعالى، قال ابن الوزير: "وقد أجمع المسلمون على حسن إطلاق الرحمة على الله تعالى" (^٥).
وأما العقل: فإن ظهور آثار هذه الصفة من الإحسان إلى الخلق والإنعام
عليهم، ودفع النقم عنهم شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء (^٦).
ولكن مع دلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل على ثبوت صفة الرحمة لله تعالى فإن هناك أحاديث قد يفهم منها بعض الناس أن هذه الصفة لله تعالى مخلوقة، وإليك هذه الأحاديث:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة" (^٧).
وفي رواية: "جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الحلق، حتى
_________________
(١) متفق عليه: البخاري: كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله. (٥/ ٢٢٣٥) ح (٥٦٥٣). ومسلم: كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى. (١٧/ ٧٧) ح (٢٧٥٤).
(٢) إيثار الحق على الخلق، ص (٣٣٣).
(٣) انظر: مختصر الصواعق (٢/ ٣٤٨)، شرح العقيدة الواسطية للعثيمين (١/ ٢٥٦).
(٤) متفق عليه: البخاري: كتاب الرقاق، باب: الرجاء مع الخوف. (٥/ ٢٣٧٤) ح (٦١٠٤). ومسلم: كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى (١٧/ ٧٥) ح (٢٧٥٢).
[ ٢٥٥ ]
ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" (^٨).
وفي رواية لمسلم: "إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة، بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبِها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بِها عباده يوم القيامة".
٢ - حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن لله مائة رحمة فمنها رحمة بِها يتراحم الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة".
وفي رواية أخرى: "إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بِهذه الرحمة" (^٩).
بيان وجه التعارض
أهل السنة والجماعة مجمعون على ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات صفة الرحمة لله تعالى، ومعلوم أن صفات الله تعالى غير مخلوقة، ولكن لما كان حديث "إن الله خلق الرحمة .. " قد يوهم معنًى فاسدًا عند بعض الناس، وهو كون صفة الرحمة لله تعالى مخلوقة، وذلك بسبب قوله في أول الحديث: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة" ثم قوله عن المتبقى من هذه المائة: "يرحم بِها عباده يوم القيامة" وجب التنبيه وإزالة ما قد يرد على الأذهان من اللبس والإيهام، أو توهم التعارض.
_________________
(١) متفق عليه: البخاري: كتاب الأدب، باب: جعل الله الرحمة في مائة جزء. (٥/ ٢٢٣٦) ح (٥٦٥٤). ومسلم: كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى. (١٧/ ٧٥) ح (٢٧٥٢).
(٢) أخرج كلا الروايتين مسلم في صحيحه: كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى. (١٧/ ٧٦) ح (٢٧٥٣).
[ ٢٥٦ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
لم يتعد أهل العلم في هذه المسألة مذهب الجمع، فسلكوا فيها مسلكين هما:
المسلك الأول:
أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان:
أحدهما: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها كقوله تعالى:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (^١)، وقوله حكاية عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (^٢).
وهذه الرحمة صفة ذاتية لازمة لله تعالى بالنظر إلى أصلها، وهي صفة فعلية بالنظر إلى أفرادها وآحادها، لأن الله تعالى يرحم بِها من يشاء من عباده، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهى صفة فعلية، وكلها صفات قائمة به سبحانه.
ثانيهما: مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله، ومخلوق إلى خالقه، وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى وإنما هى أثر من آثار رحمته التي هى صفته الذاتية الفعلية، ومن أمثلة هذه الرحمة قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (^٣) وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ (^٤).
_________________
(١) سورة الأعراف. آية (١٥٦).
(٢) سورة غافر. آية (٧).
(٣) سورة الفرقان. آية (٤٨).
(٤) سورة هود. آية (٩).
[ ٢٥٧ ]
وقوله -ﷺ- حكايةً عن الله أنه قال للجنة: "أنت رحمتى أرحم بك من أشاء" (^٥)، وقوله -ﷺ-: "إن الله خلق الرحمة .. " (^٦).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "اعلم أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان:
أحدهما: مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله.
والثاني: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بِها.
فمن الأول قوله في الحديث الصحيح: "احتجت الجنة والنار .. " فذكر الحديث وفيه "فقال للجنة: إنما أنت رحمتى أرحم بك من أشاء".
فهذه رحمة مخلوقة مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى الخالق تعالى، وسَماها رحمة لأنَّها خلقت بالرحمة وللرحمة وخص بِها أهل الرحمة وإنَّما يدخلها الرحماء.
ومنه قوله -ﷺ-: "خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة .. " ..
وأما قوله تعالى حكاية عن ملائكته: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ فهذه رحمة الصفة التي وسعت كل شيء" (^٧).
المسلك الثاني:
ما ذهب إليه القرطبي من أنَّ: "خلق في قوله -ﷺ-: "إن الله خلق يوم
_________________
(١) متفق عليه: البخاري: كتاب التفسير، باب: قوله ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. (٤/ ١٨٣٦) ح (٤٥٦٩). ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء. (١٧/ ١٨٧) ح (٢٨٤٦).
(٢) انظر شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (٢/ ١٨٥)، منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري لمحمد إسحاق كندو (٢/ ٩٣٩ - ٩٤٠).
(٣) بدائع الفوائد (٢/ ١٥٧، ١٥٨).
[ ٢٥٨ ]
خلق السموات والأرض مئة رحمة". بمعنى قدَّر، واستشهد بقول زهير:
ولأنت تفري ما خلقتَ وبعـ ـض القوم يخلقُ ثم لا يفري
أى: يقدِّر، ويكون معناه: إن الله أظهر تقديره لتلك الرحمات (^٨)
* * *
_________________
(١) انظر: المفهم (٧/ ٨٣، ٨٤). ولا يعنى هذا أن القرطبى ﵀ يثبت صفة الرحمة لله تعالى، بل هو يذهب كما يذهب الأشاعرة وغيرهم إلى تأويل صفة الرحمة لله تعالى، وإنما ذكرت قوله هنا لأنه لحظ معنًى لغويًّا، وهو أن الخلق يأتي بمعنى التقدير، قال ابن فارس: "الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء والآخر ملاسة الشيء" معجم مقاييس اللغة (٢/ ٢١٣) مادة (خلق)، وانظر: تَهذيب اللغة للأزهرى (٧/ ٢٦) مادة: خلق.
[ ٢٥٩ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم- هو المسلك الأول وهو التفريق بين نوعين من الرحمة المضافة إلى الله تعالى:
إحداهما: المضافة إلى الله تعالى إضافة صفة إلى الموصوف بِها.
والثانية: المضافة إلى الله تعالى إضافة مفعول إلى فاعله.
وفي يوم القيامة يرحم الله عباده بكلا الرحمتين: الرحمة التي هى صفته تعالى، والرحمة التي هي مخلوقة له تعالى.
قال المهلب: "يجوز أن يستعمل الله تلك الرحمة فيهم فيرحمهم بِها سوى رحمته التي وسعت كل شىء، وهى التي من صفة ذاته، ولم يزل موصوفًا بِها، فهى التي يرحمهم بِها زائدًا على الرحمة التي خلقها لهم" (^١).
وأما المسلك الثاني، والذي ذهب إليه القرطبي وهو أن: خلق بمعنى قدَّر، فإنه يُشكل عليه أن الحديث جاء أيضًا بلفظ "جعل الله الرحمة في مائة جزء" وليس من معاني جعل التقدير، بينما جاء من معانيها: الخلق (^٢) كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (^٤) وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (^٥) أي خلقنا.
_________________
(١) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١٠/ ٤٣٢).
(٢) انظر: تَهذيب اللغة (١/ ٣٧٣)، معجم مقاييس اللغة (١/ ٤٦٠)، لسان العرب (١١/ ١١١) كلها في مادة: (جعل).
(٣) سورة الأنعام. آية (١).
(٤) سورة الأعراف. آية (١٨٩).
(٥) سورة الأنبياء. آية (٣٠).
[ ٢٦٠ ]
المبحث الثالث ما جاء في علوّ الله وفوقيته مع ورود نصوص المعية والقرب
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التى قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض
• المطلب الثالث: شبهات والجواب عنها
* * *
[ ٢٦١ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
الأحاديث في هذه المسألة تتناول ثلاثة أشياء وهى كالتالي:
الأول: علو الله تعالى: والأحاديث في إثبات هذه الصفة لله تعالى كثيرة متنوعة:
أ - فمنها التصريح بلفظ العلو المطلق، كما في حديث عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: لما مرض النبي -ﷺ- المرض الذي مات فيه جعل يقول: "في الرفيق الأعلى" (^١)، فهذا اللفظ يتناول جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا وقهرًا (^٢).
ب - التصريح بالفوقية وأنه تعالى ليس فوقه شىء، كما في قوله -ﷺ-: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء" (^٣).
ج - التصريح بكونه تعالى في السماء، كما في حديث أيي سعيد الخدري ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخارى: كتاب المغازي، باب: مرض النبى -ﷺ- ووفاته. (٤/ ١٦١٣) ح (٤١٧٢).
(٢) وقد جاء هذا اللفظ -أعني العلو- في عدة أحاديث، انظر مثلًا: البخاري: كتاب التفسير، باب: قوله ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ (٤/ ١٧٣٦) ح (٤٤٢٤). وكتاب الجهاد، باب: ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب. (٣/ ١١٠٥) ح (٢٨٧٤).
(٣) أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة في كتاب الذكر والدعاء، باب: ما يقول عند النوم. (١٧/ ٣٩) ح (٢٧١٣).
(٤) متفق عليه: البخارى: كتاب المغازى، باب: بعثُ علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن. (٤/ ١٥٨١) ح (٤٠٩٤). ومسلم: كتاب الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتِهم. (٧/ ١٦٨) ح (١٠٦٤).
[ ٢٦٢ ]
وكما في إقراره -ﷺ- للجارية حين سألها بقوله: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "من أنا؟ " قالت: رسول الله. قال: "أعتقها فإنَّها مؤمنة" (^٥).
والسماء تطلق لغة على العلو والارتفاع كما تطلق على السماء المعروفة -والتي هى سقف الأرض- فإن حملنا الحديث على المعنى الأول فالأمر ظاهر، وإن حملناه على المعنى الثاني كانت "في" بمعنى "على" وهذا جائز في اللغة، ونظيره قوله تعالى حكاية عن فرعون ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^٦) أي على جذوع النخل.
د - التصريح بنزوله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: "ينْزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (^٧)، والنُّزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل.
هـ - إخباره -ﷺ- بعروج الأشياء وصعودها وارتفاعها إلى الله تعالى، لأن العروج والصعود والارتفاع لا يكون إلا لمن كان في العلو.
- فمن إخباره -ﷺ- بعروج الأشياء إليه: ما جاء في حديث أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار
_________________
(١) أخرجه مسلم: من حديث معاوية بن الحكم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة. (٥/ ٢٣) ح (٥٣٧).
(٢) سورة طه، آية (٧١).
(٣) متفق عليه: البخاري: كتاب التهجد، باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل. (١/ ٣٨٤) ح (١٠٩٤). ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل. (٦/ ٢٨٢) ح (٧٥٨).
[ ٢٦٣ ]
ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بِهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" (^٨).
- ومن إخباره -ﷺ- بصعود الأشياء إليه، ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁أيضًا- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل" (^٩).
- ومن إخباره -ﷺ- بارتفاع الأشياء إليه: ما جاء في حديث أبي موسى ﵁ قال: قام فينا رسول الله -ﷺ- بخمس كلمات فقال: "إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (^١٠).
و- الإشارة الحسية إلى الله تعالى في العلو كما جاء ذلك في حديث جابر ﵁ أنه -ﷺ- قال في حجة الوداع: "وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون" قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس "اللهم اشهد، اللهم اشهد" ثلاث مرات (^١١).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر. (١/ ٢٠٣) ح (٥٣٠). ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر. (٥/ ١٣٨) ح (٦٣٢).
(٢) متفق عليه: البخاري: كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾. (٦/ ٢٧٠٢) ح (٦٩٩٢). ومسلم: كتاب الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب. (٧/ ١٠٢) ح (١٠١٤).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب: قوله ﵇: "إن الله لا ينام". (٣/ ١٦) ح (١٧٩).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب: حجة النبى -ﷺ-. (٨/ ٤٢٠) ح (١٢١٨).
[ ٢٦٤ ]
والثاني -مما تناولته أحاديث هذه المسألة-: معيته تعالى لخلقه كما في قوله -ﷺ- في حديث أبي موسى الأشعري ﵁: "ارْبَعُوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم" (^١٢).
والثالث: قربه تعالى ودنوه من عباده: ومن أمثلة ذلك:
- ما جاء في حديث أيى موسى ﵁السابق-: "إنكم تدعون سميعًا قريبًا" وفي رواية لمسلم: "والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم".
- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي -ﷺ-: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" (^١٣).
- وعن أبي هريرة ﵁أيضًا - أن رسول الله -ﷺ- قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء" (^١٤).
- وعن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله -ﷺ- قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بِهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء" (^١٥)
_________________
(١) متفق عليه: البخاري: كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر. (٤/ ١٥٤١) ح (٣٩٦٨). ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر. (١٧/ ٢٩) ح (٢٧٠٤).
(٢) متفق عليه: البخاري: كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. (٦/ ٢٦٩٤) ح (٦٩٧٠). ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب: الحث على ذكر الله تعالى. (١٧/ ٥) ح (٢٦٧٥).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسحود. (٤/ ٤٤٥) ح (٤٨٢).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب: فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (٩/ ١٢٥) ح (١٣٤٨).
[ ٢٦٥ ]
بيان وجه التعارض
لما أخبر الله تعالى أنه في العلو وأنه قريب من عباده، وأنه مع خلقه أينما
كانوا: أشكل ذلك على بعض الناس فافترقوا على أربع فرق:
١) فزعمت طائفة -وهم معطلة الجهمية (^١٦) - أن الله تعالى لا هو داخل العالم ولا خارج العالم ولا فوق ولا تحت ..
فهم بِهذا يخالفون النصوص كلها ولا يأخذون بشيء منها، وإنما يصفون الله تعالى بالعدم المحض، ولذلك قال ابن المبارك فيهم: "الجهمية خارجون عن الثلاث والسبعين فرقة" (^١٧).
٢) وزعمت طائفة أخرى -كالنجارية (^١٨) وحلولية الجهمية من عبادهم وصوفيتهم- أن الله تعالى في كل مكان بذاته (^١٩)، ويستدلون على ذلك
_________________
(١) الجهمية: هم أتباع جهم بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة حيث زعم أنه لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على سبيل المجاز، وزعم أيضًا أن الايمان هو المعرفة بالله تعالى فقط وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وقال كما قالت المعتزلة بنفى الصفات الأزلية لله تعالى وزاد عليهم بأشياء. ظهرت بدعته بترمذ وقتله مسلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بنى أمية (انظر مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (١/ ٢١٤، ٣٣٨) الفرق بين الفرق للبغدادي (١٩٤) أصول الدين للبغدادى أيضًا (٣٣٣) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٦).
(٢) انظر السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ١٠٩) الإبانة لابن بطة (٢/ ٥٦) تحقيق د/ يوسف الوابل ففيهما تصريح ابن المبارك بتكفير الجهمية.
(٣) النجارية: هم أتباع الحسين بن محمد النجار المتوفى سنة (٢٣٠)، وهم فرق شتى أشهرها البرغوثية والزعفرانية والمستدركة من الزعفرانية ويجمع هذه الفرق ثلاثة أشياء: القول بحدوث كلام الله تعالى ونفى صفاته الأزلية وإحالة رؤيته بالأبصار، فهم بِهذا يوافقون المعتزلة في هذه الأصول الثلاثة. وأما في الإيمان فيجمعهم القول بأن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى وبرسله وفرائضه التي أجمع عليها المسلمون، والخضوع له والإقرار باللسان فمن جهل شيئًا من ذلك بعد قيام الححة به عليه أو عرفه ولم يقر به فقد كفر (انظر مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٦، ٣٤٠) الفرق بين الفرق (١٩١ - ١٩٢) أصول الدين (٣٣٤) الملل والنحل (١/ ٨٨ - ٩٠).
(٤) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٠). وأيضًا مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٢).
[ ٢٦٦ ]
بنصوص المعية والقرب، ويتأولون نصوص العلو والاستواء.
فهؤلاء تركوا النصوص الكثيرة المحكمة المبينة، وتعلقوا بنصوص قليلة اشتبهت عليهم معانيها.
وكما قيل: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئًا، ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء، وذلك لأن الحلول أغلب على عباد الجهمية وصوفيتهم وعامتهم، والنفى والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم.
٣) وزعمت طائفة ثالثة من أهل الكلام والتصوف: كأبي معاذ التومني (^٢٠) أن الله تعالى فوق العرش وهو في كل مكان بذاته.
فهؤلاء يدعون التمسك بالنصوص كلها، ولكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من قال: إن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة" (^٢١).
٤) وذهبت طائفة رابعة -وهم سلف الأمة وأئمتها- إلى الإيمان بجميع ما جاء به الكتاب والسنة من غير تحريف للكلم عن مواضعه، فأثبتوا أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، وهم بائنون منه، وهو أيضًا مع العباد عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضًا قريب مجيب.
وكان النبي -ﷺ- يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل" (^٢٢) فهو مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٥١).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٥).
(٣) أخرجه مسلم من حديث ابن عمر في كتاب الحج، (٩/ ١١٨) ح (١٣٤٢).
[ ٢٦٧ ]
تكون ذاته مختلطة بذواتِهم كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (^٢٣)
أي على الإيمان لا أن ذاته في ذاتِهم بل هم مصاحبون له (^٢٤).
وسنَزيد هذا القول تفصيلًا وبيانًا فيما يأتي إن شاء الله تعالى
* * *
_________________
(١) سورة الفتح. آية (٢٩).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧) (٥/ ١٢٢، ٢٢٧، ٢٧٢).
[ ٢٦٨ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض
أجمع أهل السنة والجماعة على مذهب واحد فِى هذه النصوص -أعني نصوص العلو والفوقية ونصوص القرب والمعية- وهو مذهب الجمع فلا تعارض عندهم بين هذه النصوص وإنما أتى هذا الوهم من أتى بسبب قياسه الخالق بالمخلوق، وهذا أمر باطل لأن الله تعالى لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته.
فأهل السنة والجماعة يُثبتون لله تعالى العلو والفوقية، وكذلك القرب والمعية، ولا يرون في إثبات هذه الصفات مجتمعة لله تعالى أدنى تناقض فإن الله تعالى ليس كمثله شىء وهو السميع البصير.
وفيما يلي الكلام على كل صفة من هذه الصفات على حدة:
أولًا: صفة العلو والفوقية: دلَّ على إثبات هذه الصفة لله تعالى الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
- أما الكتاب فهو ملىء بالآيات المتنوعة الدلالة على علو الله تعالى وفوقيته حتى نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن بعض أكابر أصحاب الشافعى قوله: "في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده" (^١).
وإليك نماذج من أنواع الأدلة الدالة على علو الله تعالى:
الأول: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا وشرفًا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢).
(٢) سورة البقرة. آية (٢٥٥).
[ ٢٦٩ ]
الثاني: التصريح بالفوقية مقرونًا بأداة "من" المعينة للفوقية بالذات كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (^٣).
الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (^٤).
الرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (^٥).
الخامس: التصريح بالاستواء مقرونًا بأداة "على" مُختصًّا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٦).
السادس: التصريح بتنْزيل الكتاب منه كقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (^٧).
- وأما دلالة السنة على علو الله تعالى فقد سبقت الإشارة إلى نماذج كثيرة في ذلك، مما يغني عن إعادتِها، وقد جاءت تلك النصوص دالة على علو الله تعالى بالقول والفعل والإقرار:
أما القول: فكما في قوله -ﷺ-: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء".
وأما الفعل: فكما في إشارته -ﷺ- بإصبعه السبابة إلى الله تعالى في العلو.
وأما الإقرار: فكما في إقراره -ﷺ- للجارية حين سألها: "أين الله؟ " قالت: في السماء.
- وأما دلالة الإجماع على علو الله تعالى: فقد نقل عدد كبير من أهل
_________________
(١) سورة النحل. آية (٥٠).
(٢) سورة المعارج. آية (٤).
(٣) سورة فاطر. آية (١٠).
(٤) سورة الأعراف. آية (٥٤).
(٥) سورة الزمر. آية (١). ولمزيد الاطلاع انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٣٨١ - ٣٨٦).
[ ٢٧٠ ]
العلم الإجماع على علو الله تعالى وإليك أقوالهم في ذلك:
قال الأوزاعى: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا" (^٨).
وقال سعيد بن عامر الضبعي، وقد ذُكر عنده الجهمية قال: "هم شر قولًا من اليهود والنصارى، وقد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شىء" (^٩).
وقال إسحاق بن راهويه: "قال الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^١٠) إجماع أهل السنة أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شىء أسفل الأرض السابعة .. " (^١١).
وقال قتيبة بن سعيد: "هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة نعرف ربنا سبحانه بأنه في السماء السابعة على عرشه كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ " (^١٢).
وقال عثمان بن سعيد الدارمى: "قد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء" (^١٣).
_________________
(١) أخرجه البيهقي: في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٤)، والذهبي في "العلو" ص (١٣٦)، وصحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوى (٥/ ٣٩) وابن القيم: كما في اجتماع الجيوش الإسلامية ص (١٣١)، وقال في مختصر الصواعق (٢/ ٤١٤): "ورواته كلهم أئمة ثقات".
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢)، اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٢٦)، العلو للذهبى (١٧٩).
(٣) سورة طه. آية (٥).
(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦٠). اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٢٦)، العلو للذهبى (١٧٩).
(٥) انظر: درء التعارض (٦/ ٢٦٠)، اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٣١) العلو للذهبى (١٧٤).
(٦) نقض الإمام أبي سعيد على المريسى الجهمي العنيد (١/ ٢٢٨).
[ ٢٧١ ]
وقال ابن بطة: "وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين، أن الله ﵎ على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه" (^١٤).
وقال أبو عمر الطلمنكي: "أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته" وقال أيضًا: "أجمع أهل السنة على أن الله على العرش على حقيقته لا على المجاز" (^١٥).
وقال أبو عثمان الصابوني: "وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه، وعرشه فوق سماواته" (^١٦).
وقال ابن عبد البر معلقًا على حديث النُّزول: "فيه دليل على أن الله ﷿ في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة" (^١٧).
وقال سعد بن على الزنجاني: "وقد أجمع المسلمون على أن الله هو العلى الأعلى ونطق بذلك القرآن بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (^١٨)، وأن لله علو الغلبة والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو، لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن لله علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة، وجماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله جل ثناؤه من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، فاتفاقهم بأجمعهم على الإشارة إلى الله سبحانه من جهة الفوق حجة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة
_________________
(١) المختار من الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية (١٣٦).
(٢) انظر: درء التعارض (٦/ ٢٥٠)، اجتماع الجيوش (١٤٢) العلو للذهبى (٢٤٦).
(٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (١٧٦).
(٤) التمهيد (٧/ ١٢٩).
(٥) سورة الأعلى. آية (١).
[ ٢٧٢ ]
الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق" (^١٩).
وقال الإمام إسماعيل بن محمد التيمي: "وقد أجمع المسلمون أن الله سبحانه العلى الأعلى ونطق بذلك القرآن .. وعند المسلمين أن لله ﷿ علو الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو لأن العلو صفة مدح فثبت أن لله تعالى علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة" (^٢٠).
وقال ابن قدامة بعد ما ساق شيئًا من أدلة العلو: "فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله" (^٢١).
وقال أيضًا: "أما بعد: فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو فِى السماء ووصفه بذلك رسوله محمد خاتم الأنبياء، وأجمع القول على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله تعالى عليه قلوب المسلمين وجعله مغروزًا في طباع الخلق أجمعين" (^٢٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: "وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله -ﷺ- وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه عليٌّ على خلقه" (^٢٣).
_________________
(١) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية (١٩٧).
(٢) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية (١٨٢).
(٣) لمعة الاعتقاد بشرح العثيمين (٦٥).
(٤) صفة العلو. لابن قدامة ص (١٢).
(٥) العقيد الواسطة بشرح الهراس (١٩٣).
[ ٢٧٣ ]
وقال الذهبي: "مقالة السلف وأئمة السنة بل والصحابة والله ورسوله والمؤمنون: أن الله ﷿ في السماء، وأن الله على العرش، وأن الله فوق سماواته، وأنه ينْزل إلى السماء الدنيا، وحجتهم على ذلك النصوص والآثار" (^٢٤).
وأما المأثور عن سلف هذه الأمة في إثبات هذه الصفة لله تعالى، فلا يكاد يحصى كثرة، ولكن فيما ذكرته من الإجماعات غنية وكفاية.
- وأما دلالة العقل على علو الله تعالى فمن وجهين:
"الوجه الأول: أن العلو صفة كمال والله تعالى قد ثبت له كل صفات الكمال فوجب إثبات العلو له سبحانه.
الوجه الثاني: إذا لم يكن عاليًا فإما أن يكون تحت أو مساويًا، وهذا صفة نقص، لأنه يستلزم أن تكون الأشياء فوقه أو مثله، فلزم ثبوت العلو له.
- وأما الفطرة: فلا أحد ينكرها، إلا من انحرفت فطرته، فكل إنسان يقول: يا الله! يتجه قلبه إلى السماء لا ينصرف عنه يمنة ولا يسرة لأن الله تعالى في السماء" (^٢٥).
يُذكر أن أبا جعفر الهمذاني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول: "كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان! فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ فلطم أبو المعالي على
_________________
(١) العلو (١٤٣).
(٢) شرح العقيدة الواسطة للعثيمين (٢/ ٧٨).
[ ٢٧٤ ]
رأسه ونزل وقال: "حيرني الهمذاني، حيرني الهمذاني" (^٢٦)
قال ابن قتيبة: "والأمم كلها -عربيها وعجميها- تقول: إن الله تعالى فى السماء ما تُركت على فطرها، ولم تُنقل عن ذلك بالتعليم" (^٢٧).
وقال أبو الحسن الأشعري: "ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله ﷿ مستو على العريق الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله ﷿ على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش" (^٢٨).
وقال ابن عبد البر: "ومن الحجة أيضًا في أنه ﷿ على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربَهم أمر ونزلت بِهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربَّهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة، من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم" (^٢٩).
وأخيرًا مما ينبغى التنبيه عليه أن صفة العلو لله تعالى لا يحتاج إثباتُها إلى كثير أدلة لأن إثبات هذه الصفة لله تعالى فطرة وعقيدة مغروزة في النفوس -كما تقدم- لا يجادل فيها إلا مكابر أو منحرف الفطرة ولا عبرة بِهما، ولكن لما كثر التلبيس على الناس ممن زين لهم الشيطان سوء أعمالهم احتاج أهل العلم إلى حشد النصوص الكثيرة فى هذه المسألة -من الكتاب والسنة وما أثر عن سلف هذه الأمة- فصنفوا المصنفات العديدة المفردة في إثبات هذه الصفة لله تعالى (^٣٠) والله المستعان.
_________________
(١) انظر شرح العقيدة الطحاوية (٣٩٠)، مجموع الفتاوى (٤/ ٦١).
(٢) تأويل مختلف الحديث (٢٥٢).
(٣) الإبانة عن أصول الديانة (٩٧).
(٤) التمهيد (٧/ ١٣٤).
(٥) انظر مثلًا: العلو لابن قدامة، العلو للذهبى، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم.
[ ٢٧٥ ]
ثانيًا: صفة المعية: دل على إثبات هذه الصفة لله تعالى الكتاب والسنة:
أما الكتاب: ففى مثل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (^٣١) وقوله ﷿: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٣٢).
وأما السنة: ففى مثل قوله -ﷺ-: "اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا، وهو معكم" (^٣٣).
وهذه المعية لا توجب حلولًا ولا اختلاطًا، ولا تنافي علو الله تعالى، لأن معناها بإجماع أهل العلم (^٣٤): العلم والإحاطة، أي: أن الله تعالى معنا بعلمه وإحاطته، وهي عند أهل السنة والجماعة على نوعين:
أحدهما: معية عامة أي: مع الخلق كلهم، ومثالها ما سبق من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ومقتضى هذه المعية: العلم والإحاطة والقدرة والسلطان.
ثانيهما: معية خاصة بأنبيائه وأوليائه، ومثالها قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (^٣٥) وقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (^٣٦) ومقتضى هذه المعية: النصرة والإعانة والتأييد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لفظ المعية -في اللغة- وإن اقتضى المجامعة
_________________
(١) سورة المجادلة. آية (٧).
(٢) سورة الحديد. آية (٤).
(٣) سبق تخريجه ص (٢٦٥).
(٤) سيأتي قريبًا ذكر من حكى الإجماع ص (٢٨٩).
(٥) سورة التوبة. آية (٤٠).
(٦) سورة النحل. آية (١٢٨).
[ ٢٧٦ ]
والمصاحبة والمقارنة (^٣٧): فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه، فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد" (^٣٨)، وهذه المعاني للمعية هي قول أهل اللغة أيضًا (^٣٩).
ثالثًا: قرب الله تعالى من عباده: دل على إثبات هذا القرب لله تعالى الكتاب والسنة:
أما الكتاب ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٤٠).
وأما السنة: ففى مثل قوله -ﷺ-: "والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم" (^٤١)، وقوله -ﷺ- فيما يرويه عن ربه: "وإن تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا" (^٤٢).
وهذا القرب الذي وصف الله تعالى به نفسه ووصفه به رسوله -ﷺ- لا ينافي علو الله تعالى بل هو تعالى بإجماع السلف قريب في علوه عالٍ في قربه، لأنه تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
_________________
(١) انظر: تَهذيب اللغة للأزهري (٣/ ٢٤٨) مادة (معا)، تاج العروس (٢٢/ ٢١٠) مادة (مع)، لسان العرب (٨/ ٣٤٠) مادة (معع).
(٢) شرح حديث النُّزول (٣٦٠) وانظر: مجموع الفتاوى له (٥/ ١٢٢) ومختصر الصواعق (٢/ ٤٥٦) والرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (٩٥ - ٩٧) مطبوع ضمن كتاب عقائد السلف للنشار.
(٣) انظر تَهذيب اللغة (٣/ ٢٤٨، ٢٤٩) مادة (معا)، تاج العروس (٢٢/ ٢١٠، ٢١١) مادة (مع)
(٤) سورة البقرة. آية (١٨٦).
(٥) سبق تخريجه ص (٢٦٥).
(٦) سبق تخريجه ص (٢٦٥).
[ ٢٧٧ ]
قال ابن القيم: "وإن عسر على فهمك اجتماع الأمرين فإنه يوضح ذلك معرفة إحاطة الرب وسعته وأنه أكبر من كل شىء وأن السموات السبع والأرضين في يده كخردلة في كف العبد، وأنه يقبض سمواته السبع بيده والأرضين باليد الأخرى ثم يهزهن، فمَن هذا شأنه كيف يعسر عليه الدنو ممن يريد الدنو منه وهو على عرشه، وهو يوجب لك فهم اسمه الظاهر والباطن وتعلم أن التفسير الذي فسر رسول الله -ﷺ- به هذين الاسمين هو تفسير الحق المطابق لكونه بكل شيء محيط وكونه فوق كل شىء" (^٤٣).
بقي أن نعلم هل قرب الله تعالى الوارد في الكتاب والسنة:
- يكون بتقريب العبد إليه فكلما قرب منه العبد كان الله تعالى قريبًا منه بالضرورة كمن قرب إلى مكة فإنها تكون قريبة منه بالضرورة دون أن يلزم منها حركة.
- أم أن المراد بقرب الله تعالى: قربه بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه.
- أم أن المراد بقربه تعالى: قربه بنفسه.
* أما الأول: فمحل إجماع بين أهل السنة بل هو قول كل من يثبت أن الله تعالى فوق العرش حتى من غير أهل السنة، قال الإمام الدارمي: "من آمن بأن الله فوق عرشه فوق سمواته علم يقينًا أن رأس الجبل أقرب إلى الله من أسفله، وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله تعالى من السادسة، والسادسة أقرب إليه من الخامسة ثم كذلك إلى الأرض.
وقرب الله إلى جميع خلقه أقصاهم وأدناهم واحد لا يبعد عنه شىء من
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/ ٤٢٨) وانظر (٢/ ٤٦٠).
[ ٢٧٨ ]
خلقه، وبعض الخلق أقرب من بعض على نحو ما فسرنا من أمر السموات والأرض، وكذلك قرب الملائكة من الله، فحملة العرش أقرب إليه من جميع الملائكة الذين في السموات، والعرش أقرب إليه من السماء السابعة، وقرب الله إلى جميع ذلك واحد، هذا معقول مفهوم إلا عند من لا يؤمن أن فوق العرش إلهًا" (^٤٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقربه من قلب الداعى: له معنى متفق عليه بين أهل الإثبات الذين يقولون: إن الله فوق العرش، ومعنى آخر فيه نزاع (^٤٥) فالمعنى المتفق عليه عندهم: يكون بتقريبه قلب الداعي إليه، كما يقرب إليه قلب الساجد كما ثبت في الصحيح: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (^٤٦)، فالساجد يقرب الرب إليه فيدنو قلبه من ربه، وإن كان بدنه فى الأرض، ومتى قرب أحد الشيئين من الآخر صار الآخر إليه قريبًا بالضرورة، وإن قدر أنه لم يصدر من الآخر تحرك بذاته، كما أن من قرب من مكة، قربت مكة منه" (^٤٧).
وقال أيضًا: "أهل السنة والجماعة يثبتون أن الله على العرش وأن حملة العرش أقرب إليه ممن دونَهم، وأن ملائكة السماء العليا أقرب إلى الله من ملائكة السماء الثانية، وأن النبي -ﷺ- لما عُرج به إلى السماء صار يزداد قربًا إلى ربه بعروجه وصعوده، وكان عروجه إلى الله لا إلى مجرد خلق من خلقه، وأن روح المصلي تقرب إلى الله في السجود وإن كان بدنه متواضعًا، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب" (^٤٨).
وقال أيضًا: "فقرب الرب من قلوب المؤمنين وقرب قلوبِهم منه: أمر
_________________
(١) النقض على المريسى (١/ ٥٠٤).
(٢) وهو الثالث الآتي قريبًا.
(٣) سبق تخريجه ص (٢٦٥).
(٤) شرح حديث النُّزول (٣٧٦).
(٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٧) بتصرف يسير.
[ ٢٧٩ ]
معروف لا يُجهل فإن القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الإيمان والمعرفة والذكر والخشية والتوكل، وهذا متفق عليه بين الناس كلهم" (^٤٩).
وأما المعنى الثاني: وهو أن المراد بقرب الله تعالى: قربه بعلمه وقدرته فمحل إجماع أيضًا من أهل السنة والجماعة وغيرهم من الطوائف إلا من ينكر علمه القديم من القدرية الأولى (^٥٠) وغيرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قربه الذي هو من لوازم ذاته مثل العلم والقدرة، فلا ريب أنه قريب بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه لم يزل بِهم عالمًا ولم يزل عليهم قادرًا.
هذا مذهب جميع أهل السنة وعامة الطوائف إلا من ينكر علمه القديم من القدرية والرافضة (^٥١)، ونحوهم، أو ينكر قدرته على الشيء قبل كونه من
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٣٣).
(٢) القدرية: تنقسم القدرية النفاة إلى فرقتين:
(٣) القدرية الأولى أو الغلاة: وهم الذين ينكرون سبق علم الله بالأشياء قبل وجودها ويزعمون أن الله لم يقدر الأمور أزلًا ولم يتقدم علمه بها وإنما يأتنفها علمًا حال وقوعها.
(٤) الفرقة الثانية: وهم الذين يقرون بتقدم علم الله تعالى لأفعال العباد قبل وقوعها لكنهم خالفوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى ولا مقدورة له وأن العباد هم الموجدون والخالقون لأعمالهم وأفعالهم على جهة الاستقلال. وهذا المذهب هو الغالب عليهم الآن. وأول من أظهر بدعة القدر -كما يرجحه كثير من المحققين- معبد الجهنى ثم بعد ذلك ظهرت المعتزلة فتبنت هذه البدعة ونشرتْها، وإن كانت لم تأخذ هذه البدعة بكاملها لأَنَّها آمنت بعلم الله المتقدم وكتابته السابقة (انظر مسلم بشرح النووي (١/ ٢٥٩، ٢٦٩) الفرق بين الفرق (٢٥) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٠، ٤٢٩) لوامع الأنوار (١/ ٣٠٠ - ٣٠١).).
(٥) الرافضة: اسم يطلق على كل من رفض إمامة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وكان سبب هذه التسمية وأول ظهورها أنه لما خرج زيد بن علي بن الحسين في أوائل المائة الثانية في خلافة هشام بن عبد الملك اتبعه الشيعة فسئلوه عن أبي بكر وعمر ﵄ فتولاهما وترحم عليهما فرفضه قوم منهم فقال: رفضتموني رفضتموني فسموا الرافضة. وقد افترقت الرافضة بعد ذلك إلى أربع فرق: زيدية وإمامية وكيسانية وغلاة. وافترقت هذه الفرق إلى فرق أخرى كثيرة.
[ ٢٨٠ ]
الرافضة والمعتزلة (^٥٢) وغيرهم" (^٥٣).
وأما المعنى الثالث: وهو كون المراد بقربه: قربه بنفسه ففيه قولان لأهل السنة حكاهما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه قال بعدما ذكر أن أهل السنة والجماعة يثبتون قرب الله تعالى إلى العباد بتقريبهم إليه قال: "ثم قرب الرب من عبده هل هو من لوازم هذا القرب كما أن المتقرب إلى الشيء الساكن كالبيت المحجوج والجدار والجبل كلما قربت منه قرب منك؟ أو هو قرب آخر يفعله الرب كما أنك إذا قربت إلى الشىء المتحرك إليك تحرك أيضًا إليك، فمنك فعل ومنه فعل آخر، هذا فيه قولان لأهل السنة" (^٥٤).
وقال أيضًا: "وأما أهل السنة فعندهم مع التجلى (^٥٥) والظهور تقرب
_________________
(١) = ومن عقائد الرافضة: أن النبي -ﷺ- قد نص على استخلاف على بن أبي طالب باسمه وأظهر ذلك وأعلنه وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي -ﷺ-، وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيف .. الخ "انظر مقالات الإسلاميين (١/ ٨٩) الفرق بين الفرق (٢٩) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٥) ".
(٢) المعتزلة: فرقة من الفرق الضالة من رؤوسها ومؤسسيها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد تعتقد نفى صفات الله تعالى الأزلية وعدم إثباتِها، وأن صاحب الكبيرة في الدنيا في منْزلة بين المنْزلتين وفي الآخرة خالد مخلد في النار، وفي باب القدر تعتقد مذهب القدرية النفاة أى أن الله غير خالق لأفعال العباد وأن العباد هم الخالقون لها على جهة الاستقلال. قيل في سبب تسميتهم بالمعتزلة أن واصل بن عطاء كان من منتابي مجلس الحسن البصري فلما قال بالمنْزلة بين المنْزلتين علم بذلك الحسن البصري فطرده عن مجلسه فاعتزل عند سارية من سواري المسجد وانضم إليه قرينه في الضلالة عمرو بن عبيد، فقال الناس يومئذ فيهما: إنَّهما قد اعتزلا قول الأمة وسمى أتباعهما من يومئذ: معتزلة (انظر مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥، ٢٩٨) الفرق بين الفرق (١١٢ - ١١٦) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للحوبني (٧٩) الملل والنحل (١/ ٤٣ - ٤٦»
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ١٣). وانظر شرح حديث النُّزول (٣٦٥).
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٨).
(٥) أى إثبات التحلى لله تعالى كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ سورة الأعراف. أية (١٤٣).
[ ٢٨١ ]
ذات العبد إلى ذات ربه، وفي جواز دنو ذات الله القولان" (^٥٦).
وبِهذا يتبين أن إثبات قرب الله تعالى بنفسه فيه قولان لأهل السنة:
القول الأول: أن الله تعالى يقرب بنفسه وإلى هذا مال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم عليهما رحمة الله تعالى، قال شيخ الإسلام: "وأما قرب الرب قربًا يقوم به بفعله القائم بنفسه: فهذا تنفيه الكلابية (^٥٧) ومن يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته، وأما السلف وأئمة الحديث والسنة فلا يمنعون ذلك وكذلك كثير من أهل الكلام.
فنُزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا ونزوله عشية عرفة .. ونحو ذلك: هو من هذا الباب، ولهذا حد النُّزول بأنه إلى السماء الدنيا، وكذلك تكليمه لموسى ﵇، فإنه لو أريد مجرد تقريب الحجاج وقوَّام الليل إليه لم يخص نزوله بسماء الدنيا، كما لم يخص ذلك في إجابة الداعى وقرب العابدين له، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٥٨).
وقال أيضًا: "فقرب الشيء من الشىء مستلزم لقرب الآخر منه، لكن قد يكون قرب الثاني هو اللازم من قرب الأول ويكون منه أيضًا قرب بنفسه.
فالأول: كمن تقرب إلى مكة أو حائط الكعبة، فكلما قرب منه قرب
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٨).
(٢) الكلابية: هم أتباع أبى محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، يثبتون الأسماء ويثبتون الصفات الخبرية في الجملة إذ أَنَّهم ينفون تعلق الصفات بالمشيئة -الصفات الاختيارية- ويقولون إن هذه الصفات لازمة لذاته قديمة أزلية، فلا يرضى في وقت دون وقت ..، وإثباتُهم للصفات إنما هو على طريقة أهل الكلام، ولذلك يسميهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: متكلمة أهل الإثبات، وهم يوافقون السلف في أكثر جمل مقالاتِهم ولا يطعنون فيهم. انظر مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٣) (٤/ ١٤٧، ١٥٦) (٥/ ٤١٠) (٦/ ٢١٩) مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٩) (٢/ ٢٢٥) شرح العقيدة الطحاوية (٦٨٧).
(٣) شرح حديث النُّزول (٣٧٧).
[ ٢٨٢ ]
الآخر منه من غير أن يكون منه فعل.
والثاني: كقرب الإنسان إلى من يتقرب هو إليه كما تقدم في هذا الأثر الإلهي (^٥٩)، فتقرب العبد إلى الله وتقريبه له نطقت به نصوص متعددة مثل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (^٦٠) ونحو ذلك، فهذا قرب الرب نفسه إلى عبيده وهو مثل نزوله إلى السماء الدنيا .. فإذا تبين ذلك: فالداعي والساجد يوجه روحه إلى الله تعالى، والروح لها عروج يناسبها، فتقربُ إلى الله بلا ريب بحسب تخلصها من الشوائب، فيكون الله ﷿ منها قريبًا قربًا يلزم من تقربِها.
ويكون منه قرب آخر كقربه عشية عرفة وفي جوف الليل وإلى من تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا" (^٦١).
ولكن مع إثبات شيخ الإسلام لقرب الله تعالى بنفسه فإنه لا يجعله المراد في جميع النصوص التي ورد فيها القرب وإنما ينظر إلى النص الوارد فيحمله على المعنى الذي دل عليه سواء كان المعنى الأول للقرب أو الثاني أو الثالث.
قال رحمه الله تعالى: "ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يُراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة وينظر في النص الوارد فإن دلَّ على هذا حمل عليه وإن دل على هذا حمل عليه" (^٦٢).
وقال ابن القيم: "والأصل أن الله قريب من المحسنين ورحمته قريبة منهم، فيكون قد أخبر عن قرب ذاته وقرب ثوابه من المحسنين" (^٦٣).
_________________
(١) يقصد الحديث القدسي: "من تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا .. ".
(٢) سورة الإسراء. آية (٥٧).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٩) وانظر (٥/ ٢٤٠، ٤٦٦) (٦/ ٢٣).
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤).
(٥) مختصر الصواعق (٢/ ٤٥٩).
[ ٢٨٣ ]
وقال أيضًا: "فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربًا ليس له نظير، وهو مع ذلك فوق سمواته على عرشه" (^٦٤).
القول الثاني: تفسير قرب الله تعالى الوارد في النصوص إما بالعلم وإما بتقريب عبده إليه وعدم حمله على معنى أنه يقرب بنفسه، كما أُثر ذلك عن مقاتل بن حيان أنه قال: "بلغنا -والله أعلم- في قوله ﷿: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ قبل كل شيء ﴿وَالْآخِرُ﴾ بعد كل شيء ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ فوق كل شيء ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ (^٦٥) أقرب من كل شيء وإنما نعني بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه" (^٦٦).
وقال البغوي في تفسير قوله: ﴿وَالْبَاطِنُ﴾: "العالم بكل شيء، هذا معنى قول ابن عباس" (^٦٧).
وقال شيخ الإسلام: "وطائفة من أهل السنة: تفسر القرب في الآية والحديث (^٦٨) بالعلم لكونه هو المقصود، فإنه إذا كان يعلم ويسمع دعاء الداعى حصل مقصوده، وهذا هو الذي اقتضى أن يقول من يقول: إنه قريب من كل شيء بمعنى: العلم والقدرة، فإن هذا قد قاله بعض السلف -كما تقدم عن مقاتل بن حيان- وكثير من الخلف" (^٦٩).
والذي يسعى في هذا المقام هو إثبات ما جاء في الكتاب والسنة وأجمع
_________________
(١) المرجع السابق (٢/ ٤٦٠).
(٢) سورة الحديد. آية (٣).
(٣) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٤٢) وانظر شرح حديث النزول لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣٦١) والعلو للذهبى (١٣٧).
(٤) تفسير البغوي (٤/ ٢٩٣).
(٥) يعني بالآية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ..﴾ وبالحديث: "إنكم لا تدعون أصمَّ .. ".
(٦) شرح حديث النُّزول (٣٦٥).
[ ٢٨٤ ]
عليه سلف هذه الأمة من إثبات قرب الله تعالى قربًا يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف وأنه لا يُنافي علوه لأنه تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وأختم هذه المسألة بكلام جميل للشيخ حافظ الحكمى قال ﵀: "بل نقول آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله -ﷺ- ولا نطلب إمامًا غير الكتاب والسنة، ولا نتخطاهما إلى غيرهما، ولا نتجاوز ما جاء فيهما فننطق بما نطقا به ونسكت عما سكتا عنه ونسير سيرهما حيث سارا ونقف معهما حيث وقفا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (^٧٠).
تنبيه:
إذا قلنا إن الله تعالى قريب من عبده بالإجابة أو أنه يقرب من عبده بنفسه أو أنه يقرب من عبده بتقريب عبده إليه، فمرادنا بالعبد هنا: العبد المؤمن، وعلى هذا يكون قربه تعالى بِهذا المعنى من صفاته الفعلية الاختيارية، وأما إذا فسرنا القرب بمعنى: قربه بعلمه وإحاطته وقدرته فلا شك أنه يشمل جميع العباد مؤمنهم وكافرهم، ويكون القرب على هذا المعنى صفة ذاتية لازمة له تعالى.
وبالتالي فلا يصح أن نصف الله تعالى بالقرب على وجه الإطلاق إلا إذا أردنا المعنى الثاني، كما أنه لا يصح وصف الله تعالى بالمعية على وجه الإطلاق إلا إذا أريد بِها المعية العامة والله تعالى أعلم.
وهل يقسم القرب إلى عام وخاص كما هو الحال في المعية أم لا؟
أما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فيرفضان هذا التقسيم، قال
_________________
(١) معارج القبول (١/ ١٢٩). ويُروى أول هذا الكلام عن الشافعى رحمه الله تعالى. انظر مجموع الفتاوى (٤/ ٢، ٦/ ٣٥٤).
[ ٢٨٥ ]
شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس في القرآن وصف الرب تعالى بالقرب من كل شيء أصلًا، بل قربه الذي في القرآن خاص لا عام" (^٧١).
وقال أيضًا: "ليس في الكتاب والسنة وصفه بقرب عام من كل موجود" (^٧٢).
وقال ابن القيم ﵀: "ولم يجيء القرب كما جاءت المعية خاصة وعامة، فليس في القرآن ولا في السنة أن الله قريب من كل أحد وأنه قريب من الكافر والفاجر وإنما جاء خاصًّا" (^٧٣).
والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن القرب نوعان:
أحدهما: عام يتضمن علمه بكل شىء، وقدرته على كل شىء، وعلى هذا جاء تفسير بعض السلف لقوله تعالى: ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ فقد فسروه بالقرب وفسروا القرب بالعلم والقدرة كما تقدم عن مقاتل بن حيان (^٧٤).
والثاني: خاص يتضمن دنوه وقربه ممن شاء من عباده وتقريبه لمن يشاء منهم (^٧٥).
وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم عليهما رحمة الله من أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة وصف الله تعالى بالقرب العام: فليس
_________________
(١) شرح حديث النُّزول (٣٥٤) وانظر (٣٦٢، ٣٦٣).
(٢) المرجع السابق (٣٥٥) وانظر مجموع الفتاوى (٥/ ٢٤٠، ٢٤٧).
(٣) مختصر الصواعق (٤٥٨).
(٤) انظر: ص (٢٨٤).
(٥) انظر طريق الهجرتين لابن القيم (٥١ - ٥٤) الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين للشيخ عبد الرحمن السعدي (٢٤٥)، مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن السعدي رقم (٣) التنبيهات السنية على العقيدة الواسطة لعبد العزيز الرشيد (٢٠٤) علو الله على خلقه لموسى الدويش (٢٧٦).
[ ٢٨٦ ]
مرادهم -والله أعلم- نفي ورود المعنى العام للقرب، وإنما مرادهم نفي أن يكون هذا المعنى العام ورد وجاء بلفظ (القرب) وأما أن يكون ورد بلفظ آخر يحمل معنى القرب كالباطن مثلًا فلا يخالفان فيه، ومما يدل على ذلك أنه قد ورد عنهما إثبات هذا المعنى العام للقرب قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قربه الذي هو من لوازم ذاته مثل العلم والقدرة فلا ريب أنه قريب بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه، لم يزل بهم عالمًا ولم يزل عليهم قادرًا، هذا مذهب جميع أهل السنة" (^٧٦).
وقال ابن القيم: "فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله بعده: فالأول: قِدَمُه، والآخر: دوامه وبقاؤه، والظاهر: علوه وعظمته، والباطن: قربه ودنوَّه" (^٧٧).
وقال أيضًا: "بل ظهر على كل شىء فكان فوقه، وبطن فكان أقرب إلى كل شىء من نفسه وهو محيط به حيث لا يحيط الشىء بنفسه .. فهذا أقرب للإحاطة العامة.
وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه وهو ثمرة التعبد باسمه الباطن قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٧٨) .. وفي الصحيح عن النبي -ﷺ- قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (^٧٩) .. فهذا قرب خاص غير قرب الإحاطة والبطون" (^٨٠).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ١٣).
(٢) طريق الهجرتين (٥٤).
(٣) سورة البقرة، آية (١٨٦).
(٤) تقدم تخريجه ص (٢٦٥).
(٥) طريق الهجرتين (٥١ - ٥٢).
[ ٢٨٧ ]
وبِهذا يتضح أن شيخ الإسلام وابن القيم عليهما رحمة الله يُثبتان القرب العام، لكن ليس بدلالة النصوص التي ورد فيها لفظ القرب، كما أنه بِهذا يتبيَّن أن الخلاف في هذا التقسيم لفظي، والله تعالى أعلم
* * *
[ ٢٨٨ ]
المطلب الثالث شبهات والجواب عنها
الشبهة الأولي:
١ - استدل الحلولية (^١) على قولِهم بأن الله تعالى حالٌ في جميع خلقه وأنه تعالى موجود بذاته في كل مكان بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ﴾ (^٢) وبقوله ﷿: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٣) ولا شك أن هذا الاستدلال باطل، يتبين بطلانه من عدة وجوه:
أحدها: أن الإجماع منعقد على أن المراد بِهذه المعية: العلم وإذا وجد الإجماع فلا عبرة بقول أيِّ أحدٍ كائنًا من كان، وقد حكى الإجماع على أن المراد بِهذه المعية العلم غير واحد من أهل العلم أذكر منهم ما يلى:
١ - إسحاق بن راهويه وقد سبق نقل كلامه (^٤).
٢ - ابن أبي شيبة فإنه قال: "ففسرت العلماء قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾
_________________
(١) الحلولية: هم الذين يعتقدون أن الله تعالى بذاته حل في مخلوقاته كما يحل الماء في الإناء، وأنه تعالى بذاته في كل مكان تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وهو الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث عن طائفة من الجهمية المتقدمين من عبادهم، كما أن القول بالحلول هو عقيدة غلاة الصوفية والفلاسفة كابن عربي وابن سبعين والحلاج وغيرهم. وأول من قال ببدعة الحلول في الإسلام هم الروافض حيث ادعوا الحلول في أئمتهم. (انظر مجموع الفتاوى (٢/ ١٧١، ١٧٢، ١٨٠ وما بعدها) الفرق بين الفرق (٢٢٨».
(٢) سورة المجادلة. آية (٧).
(٣) سورة الحديد. آية (٥).
(٤) انظر ص (٢٧١).
[ ٢٨٩ ]
يعني علمه" (^٥).
٣ - الآجري فإنه فسر المعية في الآيات السابقة بالعلم ثم قال بعد ذلك: "وهذا قول المسلمين" (^٦).
٤ - ابن بطه وقد سبق نقل كلامه (^٧).
٥ - الطلمنكى فإنه قال ﵀: "وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه وأن الله فوق السموات بذاته مستوٍ على عرشه كيف شاء" (^٨).
٦ - ابن عبد البر فإنه قال ﵀: "وأما احتجاجهم بقوله ﷿: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية، لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله" (^٩).
٧ - شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه قال في العقيدة الواسطية: "وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله -ﷺ- وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه علىٌّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جَمع بيْن
_________________
(١) محمد بن أبي شيبة وكتابه العرش (٢٨٨).
(٢) الشريعة (٣/ ١٠٧٦) وسيأتي قريبًا نقل كلامه هذا.
(٣) انظر ص (٢٧٢). وانظر: ص (١٤٤) من كتابه المختار من الإبانة.
(٤) درء التعارض (٦/ ٢٥٠) وانظر: اجتماع الجيوش الإسلامية (١٤٢) العلو للذهبى (٢٤٦).
(٥) التمهيد (٧/ ١٣٨).
[ ٢٩٠ ]
ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر أينما كان .. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله -من أنه فوق العرش وأنه معنا- حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة" (^١٠).
- كما أن تفسير المعية بالعلم مأثور عن عدد كبير من السلف، كابن عباس (^١١) والضحاك (^١٢) ومقاتل بن سليمان (^١٣) وسفيان الثوري (^١٤) ونعيم ابن حماد (^١٥) وأحمد بن حنبل (^١٦) عليهم رحمة الله.
الوجه الثاني: أن سياق الآية ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى﴾ يدل على أنه أراد بالمعية العلم لأنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم.
_________________
(١) العقيدة الواسطية بشرح الهراس (١٩٣).
(٢) انظر السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ٣٠٦)، شرح حديث النُّزول لابن تيمية (٣٥٦).
(٣) انظر: السنة لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (١/ ٣٠٤)، الشريعة للآجرى (٣/ ١٠٧٩)، المختار من الإبانة لابن بطة (١٥٣)، الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣٤١).
(٤) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي (٣/ ٤٤٤) الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣٤٢).
(٥) انظر: السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ٣٠٦) الشريعة للآجرى (٣/ ١٠٧٨) المختار من الإبانة (١٥٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤٥) الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣٤١).
(٦) انظر: المختار من الإبانة لابن بطة (١٤٦).
(٧) انظر: الرد على الزنادقة والجهمية له (٩٥) مطبوع ضمن كتاب عقائد السلف، وانظر: المختار من الإبانة (١٥٩، ١٦٠)، الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣٤٢).
[ ٢٩١ ]
قال الآجري: "والذي يذهب إليه أهل العلم أن الله ﷿ سبحانه على عرشه فوق سمواته وعلمه محيط بكل شىء .. فإن قال قائل: فأيش معنى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (^١٧) التي بِها يحتجون؟ قيل له: علمه ﷿، والله ﷿ على عرشه وعلمه محيط بِهم وبكل شىء من خلقه، كذا فسره أهل العلم والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم.
فإن قال قائل: كيف؟ ! قيل: قال الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى آخر الآية قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فابتدأ الله ﷿ الآية بالعلم وختمها بالعلم فعلمه ﷿ محيط بجميع خلقه وهو على عرشه، وهذا قول المسلمين" (^١٨).
الوجه الثالث: أن "لفظ المعية ليست في لغة العرب ولا شيء من القرآن يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى كما في قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (^١٩) وقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢٠) وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (^٢١) وقوله: ﴿جَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ (^٢٢) ومثل هذا كثير فامتنع أن يكون قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يدل على أن ذاته مختلطة بذوات الخلق" (^٢٣).
_________________
(١) سورة المجادلة. آية (٧).
(٢) الشريعة (٣/ ١٠٧٥) وانظر: الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (٩٥) مطبوع ضمن كتاب عقائد السلف، وانظر: المختار من الإبانة (١٤٤).
(٣) سورة الفتح. آية (٢٩).
(٤) سورة النساء. آية (١٤٦).
(٥) سورة التوبة. آية (١١٩).
(٦) سورة الأنفال. آية (٧٥).
(٧) شرح حديث النزول لابن تيمية (٣٦٠) وانظر مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٣، ١٠٤).
[ ٢٩٢ ]
قال ابن قتيبة ﵀: "ونحن نقول في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ أنه معهم بالعلم بِما هم عليه، كما تقول للرجل وجهته إلى بلد شاسع ووكلته بأمر من أمورك: احذر التقصير والإغفال لشىء مِما تقدمت فيه إليك فإني معك، تريد أنه لا يخفى عليَّ تقصيرك أو جدّك للإشراف عليك والبحث عن أمورك .. وكيف يسوغ لأحد أن يقول: إنه بكل مكان على الحلول مع قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٢٤) " (^٢٥).
وقال ابن القيم: "ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنه سبحانه مختلط بالمخلوقات ممتزج بِها ولا تدل لفظة (مع) على هذا بوجه من الوجوه فضلًا أن يكون هو حقيقة اللفظ وموضوعه فإن (مع) في كلامهم لصحبته اللائقة وهى تختلف باختلاف متعلقاتِها ومصحوبِها، فكون نفس الإنسان معه لون، وكون علمه وقدرته وقوته معه لون، وكون زوجته معه لون، وكون أميره ورئيسه معه لون، وكون ماله معه لون، فالمعية ثابتة في هذا كله مع تنوعها واختلافها، فيصح أن قال: زوجته معه وبينهما شقة بعيدة" (^٢٦).
الوجه الرابع: أن لفظ (المعية) جاء في كتاب الله عامًّا وجاء خاصًّا فلو كان المراد أنه بذاته مع كل شىء: لكان التعميم يناقض التخصيص (^٢٧).
الشبهة الثانية:
كما استدل الحلولية بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ
_________________
(١) سورة طه. آية (٥).
(٢) تأويل مختلف الحديث (٢٥١).
(٣) مختصر الصواعق (٢/ ٤٥٥).
(٤) انظر: شرح حديث النُّزول (٣٥٩)، مجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠).
[ ٢٩٣ ]
إِلَهٌ﴾ (^٢٨) فقالوا في هذه الآية دليل على أن الله تعالى في كل مكان. ولا شك أن هذا الاستدلال باطل لأن معنى الآية بالإجماع: أنه المعبود في السماء وفي الأرض، فهي كقولك: فلان حاكم في مكة والمدينة، فإن هذا لا يعنى أنه موجود فيهما معًا، وإنما هو موجود في إحداهما، وربما يكون ليس موجودًا في كلتيهما.
وهذا المعنى للآية هو الذي عليه السلف وعامة المفسرين كالطبري (^٢٩) والبغوي (^٣٠) وابن كثير (^٣١) وغيرهم، وقد أخرج الطبري والآجري والبيهقى عن قتادة قوله في معنى هذه الآية "هو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض" (^٣٢).
وقال الآجري في معنى الآية: "أنه جلَّ ذكره إله من في السموات وإله من في الأرض، إله يعبد في السموات وإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء" (^٣٣).
وقال ابن قتيبة: "وأما قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فليس في ذلك ما يدل على الحلول بِهما، وإنما أراد به: أنه إله السماء وإله من فيها، وإله الأرض وإله من فيها ومثل هذا الكلام قولك: هو بخراسان أمير وبمصر أمير، فالإمارة تجتمع له فيهما، وهو حال بإحداهما أو بغيرهما، وهذا
_________________
(١) سورة الزخرف. آية (٨٤).
(٢) انظر تفسيره المسمى: جامع البيان (١١/ ٢١٧).
(٣) انظر تفسيره المسمى معالم التنزيل (٤/ ١٤٧).
(٤) انظر تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٠٧).
(٥) انظر تفسير الطبري (١١/ ٢١٧)، الشريعة للآجرى (٣/ ١١٠٤)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣٤٣).
(٦) الشريعة (٣/ ١١٠٤).
[ ٢٩٤ ]
واضح لا يخفى" (^٣٤).
وقال ابن عبد البر: "وأما قوله في الآية الأخرى ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فالإجماع والاتفاق قد بيَّن المراد بأنه معبود من أهل الأرض فتدبر هذا فإنه قاطع إن شاء الله" (^٣٥).
الشبهة الثالثة:
استدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (^٣٦).
والجواب: أن الآية ليس معناها أن الله تعالى في كل مكان بذاته بالإجماع كما حكاه ابن كثير ﵀ فإنه قال: "اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول القائلين -تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا- بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ذلك فالأصح من الأقوال: أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ويسمونه الله ويدعونه رغبًا ورهبًا إلا من كفر من الجن والإنس" (^٣٧)، وإلى هذا المعنى ذهب أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره (^٣٨).
الشبهة الرابعة:
كما استدلت الحلولية بقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (^٣٩)
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث (٢٥٣).
(٢) التمهيد (٧/ ١٣٤).
(٣) سورة الأنعام. آية (٣).
(٤) تفسير القرآن العظيم (٢/ ١٩٩) وانظر: المختار من الإبانة لابن بطه (١٤٣).
(٥) انظر: الرد على الزنادقة والجهمية (٩٤)، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٠) مجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠)
(٦) سورة ق. آية (١٦).
[ ٢٩٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (^٤٠) فقالوا: إن معنى القرب في هاتين الآيتين قرب ذات الله تعالى فالله قريب بذاته من حبل الوريد وفي هذا دليل على أن الله تعالى في كل مكان بذاته وأنه قريب من كل شيء بذاته وأن ذات الرب في قلب كل أحد.
ولا ريب أن تفسيرهم للقرب في هاتين الآيتين بقرب الذات واستدلالهم بذلك على الحلول والاتحاد في غاية الضعف بل هو باطل يتضح بطلانه من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن الإجماع منعقد على بطلان الحلول والاتحاد وأنَّهما منفيان عن الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أن تكون ذات الرب في قلب كل أحد كافر أو مؤمن فهذا باطل، لم يقله أحد من سلف الأمة ولا نطق به كتاب ولا سنة، بل الكتاب والسنة وإجماع السلف مع العقل يناقض ذلك" (^٤١).
الوجه الثاني: أن الذين يقولون: إنه في كل مكان أو أنه قريب من كل شىء بذاته: لا يخصون بذلك شيئًا دون شيء ولا يمكن مسلمًا أن يقول: إن الله قريب من الميت دون أهله ولا أنه قريب من حبل الوريد دون سائر الأعضاء.
وكيف يصح هذا الكلام على أصلهم وهو عندهم في جميع بدن الإنسان؟ أو قريب من جميع بدن الإنسان، أو هو في أهل الميت كما هو في الميت؟ فكيف يقول: ونحن أقرب إليه منكم إذا كان معه ومعهم على وجه واحد؟ وهل يكون أقرب إلى نفسه من نفسه؟
_________________
(١) سورة الواقعة. آية (٨٥).
(٢) شرح حديث النزول (٣٧٥).
[ ٢٩٦ ]
الوجه الثالث: أن سياق الآيتين: يدل على أن المراد بِهما الملائكة فإنه قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (^٤٢).
فقيد القرب بِهذا الزمان، وهو زمان تلقى المتلقيين، قعيد عن اليمين، وقعيد عن الشمال وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب: لم يختص ذلك بهذه الحال ولم يكن لذكر القعيدين والرقيب والعتيد معنى مناسب، وكذلك قوله في الآية الأخرى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (^٤٣) فلو أراد قرب ذاته لم يخص ذلك بِهذه الحال.
الوجه الرابع: أنه قال في الآية السابقة ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ فإن هذا إنما يقال إذا كان هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال ولكن نحن لا نبصره، والرب تعالى لا يراه في هذه الحال لا الملائكة ولا البشر (^٤٤).
وكما لا يجوز أن يكون المراد بِهذا القرب: قرب ذات الرب جلَّ وعلا فكذلك لا يجوز أن يكون المراد بِهذا القرب: قرب الرب الخاص كما في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ فإن ذلك إنما هو قربه إلى من دعاه أو عبده، وهذا المحتضر قد يكون كافرًا أو فاجرًا أو مؤمنًا أو مقربًا ومعلوم أن المكذب أو الكافر لا يخصه الرب بقربه من دون من حوله، وقد يكون حوله مؤمنون (^٤٥).
_________________
(١) سورة ق. آية (١٦، ١٧، ١٨).
(٢) سورة الواقعة. آية (٨٣، ٨٤، ٨٥).
(٣) انظر شرح حديث النُّزول (٣٧٠).
(٤) انظر: شرح حديث النُّزول (٣٧٣).
[ ٢٩٧ ]
إذا تبين هذا وأن القرب في الآيتين السابقتين ليس المراد به قرب ذات الله تعالى وليس هو القرب الخاص فماذا يكون إذًا؟ للعلماء في ذلك قولان:
أحدهما: أن المراد بالقرب في الآيتين -السابقتين- قربه إليهم بالملائكة كما تقدم.
والثاني: أن المراد بالقرب هنا العلم أو العلم والقدرة، وإليه ذهب الطلمنكى (^٤٦) والبغوي (^٤٧) وغيرهما.
وأما الأول فقد رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -كما تقدم- وتلميذه ابن القيم واستدلا على ذلك بأدلة كثيرة (^٤٨).
وقال شيخ الإسلام بعد أن فسر القرب بقرب الملائكة: "وهذا هو المعروف عن المفسرين المتقدمين من السلف" (^٤٩).
وممن ذهب إلى هذا القول من المفسرين الطبري وابن كثير عليهما رحمة الله، قال الطبري في قوله تعالى: ﴿.. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾: "يقول: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون" (^٥٠).
وقال ابن كثير: "وقوله ﷿: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ يعني: ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، ومن
_________________
(١) انظر شرح حديث النُّزول (٣٦٦، ٣٦٧).
(٢) انظر تفسير البغوي (٤/ ٢٩١).
(٣) انظر: شرح حديث النزول (٣٥٥، ٣٦٦، ٣٦٧)، مجموع الفتاوى (١٥/ ١٢٨)، مختصر الصواعق (٢/ ٤٥٨)، علو الله على خلقه للدويش (٢٦٩ - ٢٧٤).
(٤) شرح حديث النُّزول (٣٥٥).
(٥) جامع البيان في تأويل القرآن (١١/ ٦٦٤).
[ ٢٩٨ ]
تأوَّله على العلم فإنَّما فر لئلا يلزم حلول أو اتِّحاد وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنَّما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كما قال في المحتضر: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ يعني ملائكته. وكما قال ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٥١) فالملائكة نزلت بالذكر وهو القرآن بإذن الله ﷿" (^٥٢).
وهذا القول -وهو أن المراد بالقرب هنا قرب الملائكة- هو الذي يظهر رجحانه لدلالة السياق عليه. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) سورة الححر. آية (٩).
(٢) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٤٥).
[ ٢٩٩ ]
المبحث الرابع ما جاء في رؤية النبي -ﷺ- لربه ﷿
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٣٠١ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
أولًا: ذكر النصوص الدالة علي عدم الرؤية:
عن مسروق قال: كنت متكئًا عند عائشة فقالت: "يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدًا -ﷺ- رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئًا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (^١) ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (^٢) فقالت: أنا أوَّل هذه الأمة سال عن ذلك رسول الله -ﷺ- فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض" فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^٣) أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (^٤) قالت: ومن زعم أن رسول الله -ﷺ- كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (^٥) قالت: ومن
_________________
(١) سورة التكوير. آية (٢٣).
(٢) سورة النجم. آية (١٣).
(٣) سورة الأنعام. آية (١٠٣).
(٤) سورة الشورى. آية (٥١).
(٥) سورة المائدة. آية (٦٧).
[ ٣٠٢ ]
زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٦) " (^٧) وفي رواية قال مسروق: قلت لعائشة ﵂: فأين قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (^٨)؟ قالت: "ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل، وإنما أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسدّ الأفق" (^٩).
- وعن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله -ﷺ-: هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنَّى أراه".
وفي طريق آخر أنه -ﷺ- قال: "رأيت نورًا" (^١٠).
- وعن أبي إسحاق الشيباني قال: سألت زر بن حبيش عن قول الله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قال: حدثنا ابن مسعود أنه رأى جبريل له ستمائة جناح (^١١).
وفي رواية لمسلم قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (^١٢) قال: رأى جبريل ﵇ له ستمائة جناح.
_________________
(١) سورة النمل. آية (٦٥).
(٢) متفق عليه: البخارى: كتاب التفسير، باب: تفسير سورة النجم. (٤/ ١٨٤٠) ح (٤٥٧٤). ومسلم واللفظ له: كتاب الإيمان، باب: معنى قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٣/ ١٠) ح (١٧٧).
(٣) سورة النجم. الآيتان (٨، ٩).
(٤) متفق عليه: البخارى: كتاب بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين. (٣/ ١١٨١) ح (٣٠٦٣). ومسلم: كتاب الإيمان، باب: معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. (٣/ ١٤) ح (١٧٧).
(٥) أخرج كلا الطريقين مسلم: في كتاب الإيمان، باب: في قوله ﵊: "نور أنى أراه". (٣/ ١٥) ح (١٧٨).
(٦) متفق عليه: البخارى: في مواضع: كتاب بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين. (٣/ ١١٨١) ح (٣٠٦٠)، وفي كتاب التفسير، باب: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. (٤/ ١٨٤٠) ح (٤٥٧٥) وباب: قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. (٤/ ١٨٤١) ح (٤٥٧٦). ومسلم: كتاب الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى. (٣/ ٦) ح (١٧٤).
(٧) سورة النجم. آية (١١).
[ ٣٠٣ ]
وفي رواية لمسلم -أيضًا- أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح.
وفي رواية للبخاري أنه قال في الآية السابقة: رأى رفرفًا أخضر سدَّ أفق السماء (^١٣) (^١٤).
- وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (^١٥): رأى جبريل (^١٦).
فهذه النصوص -كما ترى- جاءت عن أربعة من الصحابة ﵃ وهم: عائشة وأبو ذر وابن مسعود وأبو هريرة ﵃ كلها تفيد عدم رؤية النبي -ﷺ- لربه تعالى، وأن المرئي في آيات سورة النجم إنما هو جبريل -ﷺ-.
ثانيًا: ذكر النصوص الدالة على الرؤية:
لم يرد في الصحيحين ما يدل على الرؤية إلا ما أُثر عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ وَ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رآه بفؤاده مرتين وفي رواية قال: رآه بقلبه (^١٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري: في كتاب بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين. (٣/ ١١٨١) ح (٣٠٦١)، وأخرجه أيضًا في كتاب التفسير، باب: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٤/ ١٨٤١) ح (٤٥٧٧).
(٢) هذا التفسير للآية لا يعارض التفسير السابق أنه رأى جبريل ﵇، يوضح ذلك ما أخرجه الإمام أحمد (١/ ٦٥١) ح (٣٧٣٢) والحاكم (٢/ ٥٠٩) ح (٣٧٤٦) عن ابن مسعود أنه قال: "رأى رسول الله -ﷺ- جبريل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض" فيجتمع من الحديثين أن الموصوف جبريل ﵇. والصفة التي كان عليها، والمراد بالرفرف: الحلة كما جاء ذلك عند أحمد والترمذى تحفة (٩/ ١٧١) ح (٣٣٣٧). وانظر: التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٠٨) وفتح الباري (٨/ ٦١١).
(٣) سورة النجم، آية (١٣).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب: معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٧/ ٣) ح (١٧٥)
(٥) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب: معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٣/ ٧، ٨) ح (١٧٦).
[ ٣٠٤ ]
بيان وجه التعارض
بالنظر إلى النصوص السابقة نجد أن عائشة ﵂ قد نفت رؤية النبي -ﷺ- لربه ليلة المعراج ورفعت تفسير الآيتين إلى النبي -ﷺ- وأن المراد بِهما جبريل ﵇ ووافقها على هذا التفسير ابن مسعود وأبو هريرة ﵄، ثم استدلت ﵂ على نفى الرؤية بآية الأنعام وآية الشورى.
وكذلك نجد في حديث أبي ذر ﵁ -"نور أنَّى أراه"، "رأيت نورًا"- ما يفيد نفي الرؤية.
وفي المقابل نجد أن ابن عباس ﵁ قد أثبت الرؤية الفؤادية وبها فسر الآيات في سورة النجم.
وبناءً على هذا فأي القولين أولى بالقبول: قول عائشة ﵂ ومن وافقها، أم قول ابن عباس ﵄ ومن تبعه؟
في هذا اختلف أهل العلم كما سنبينه إن شاء الله تعالى في المطلب الثاني.