وتحته فصلان
• الفصل الأول: القدر
• الفصل الثاني: مسائل تتعلق بالنبوة
* * *
[ ٤٦١ ]
الفصل الأول القدر
وفيه ستة مباحث
• المبحث الأول: زيادة العمر بصلة الرحم
• المبحث الثاني: ما جاء في أن الشقي من شقي في بطن أمه مع ورود ما يدل على أن كل مولود يولد على الفطرة
• المبحث الثالث: "والشر ليس إليك"
• المبحث الرابع: حكم أولاد المشركين في الآخرة
• المبحث الخامس: ما جاء في (اللو)
• المبحث السادس: وقت كتابة الملَك ما قُدِّر للعبد في بطن أمه
* * *
[ ٤٦٣ ]
المبحث الأول زيادة العمر بصلة الرحم
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٤٦٥ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
أولًا: الأحاديث التي فيها أن الأجل مكتوب مقدر لا يزيد ولا ينقص:
- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم يُنفخ فيه الروح" (^١).
- وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "إن الله ﷿ وكَّل بالرحم ملَكًا يقول: يا ربِّ نطفة، يا ربِّ علقة، يا رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلْقه قال: ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيُكتب في بطن أمِّه" (^٢).
- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قالت أم حبيبة زوج النبي -ﷺ-: اللهم أمتعنى بزوجي رسول الله -ﷺ- وبأبى أبي سفيان وبأخي معاوية، قال: فقال النبي -ﷺ-: "قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حلِّه أو يؤخر شيئًا عن حلِّه، ولو كنت سألت
_________________
(١) متفق عليه: البخارى: كتاب بدء الخلق. باب: ذكر الملائكة (٣/ ١١٧٤) ح (٣٠٣٦). ومسلم: كتاب القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي (١٦/ ٤٢٩) ح (٢٦٤٣).
(٢) متفق عليه: البخاري: كتاب الحيض، كتاب: مخلقة وغير مخلَّقة (١/ ١٢١) ح (٣١٢). ومسلم: كتاب القدر، باب: كيفية الخلق الآدمى (١٦/ ٤٣٣) ح (٢٦٤٦).
[ ٤٦٦ ]
الله أن يُعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرًا وأفضل" (^٣).
- وعن حذيفة بن أَسِيْد يبلغ به النبي -ﷺ- قال: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي ربّ أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تُطوى الصحف فلا يُزاد فيها ولا ينقص" (^٤).
ثانيًا: الأحاديث التي فيها أن العمر يزيد بصلة الرحم:
- عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من سرَّه أن يبسط له في رزقه أو يُنسأَ له في أثره فليصل رحمه" (^٥).
- وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من سرَّه أن يُبسط له في رزقه وأن يُنسأَ له في أثره فليصل رحمه" (^٦).
بيان وجه التعارض
أن في الأحاديث الأولى التصريح بأن الأجل مكتوب مُقدر لا يُزاد فيه ولا ينقص، وفي المقابل نجد في حديث أنس وأبي هريرة ﵄ التصريح بأن الأجل يُؤَخر وأن العمر يُزاد بصلة الرحم؟ ! .
* * *
_________________
(١) أخرحه مسلم في كتاب القدر، باب: بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص (١٦/ ٤٥٢) ح (٢٦٦٣).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب القدر. باب: كيفية الخلق الآدمي (١٦/ ٤٣٠) ح (٢٦٤٤).
(٣) متفق عليه: البخارى: كتاب البيوع، باب: من أحب البسط في الرزق (٢/ ٧٢٨) ح (١٩٦١). ومسلم: كتاب البر والصلة، باب: صلة الرحم وتحرم قطيعتها (١٦/ ٣٥٠) ح (٢٥٥٧).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب: من بسط له الرزق بصلة الرحم (٥/ ٢٢٣٢) ح (٥٦٣٩).
[ ٤٦٧ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
لم يتجاوز أهل العلم في هذه المسألة مذهب الجمع، ولكنهم اختلفوا في
طريقة الجمع على عدة أقوال يمكن حصرها في مسلكين:
المسلك الأول: أن العمر يزيد وينقص:
والقائلون بِهذا حملوا الزيادة في العمر الواردة في النصوص على الحقيقة.
وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وكعب وأبو وائل ﵃ (^١) وجمع كثير من أهل العلم كالطحاوي وابن حزم (^٢) وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن أبي العز وابن حجر والشوكاني وغيرهم عليهم رحمة الله.
وقال هؤلاء إن الله تعالى قدر السبب والمسبب، فقدر أن هذا يصل رحمه فيزيد عمره بهذا السبب، ولو لم يصل رحمه لما زاد عمره، فبهذا كانت صلة الرحم سبب في زيادة العمر، فمن علم الله منه صلة الرحم زاد في عمره ومن علم منه خلاف ذلك نقص في عمره.
وقال بعضهم: إن الزيادة والنقصان تكون في الصحف التي في أيدي الملائكة وذلك أن الله تعالى يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب.
_________________
(١) انظر تفسير الطبرى (٧/ ٤٠٠ - ٤٠١) إرشاد ذوى العرفان لما للعمر من الزيادة والنقصان لمرعي ابن يوسف (٥٤)
(٢) انظر الفصل فى الملل والأهواء والنحل (٢/ ١١٤).
[ ٤٦٨ ]
قالوا: والمكتوب غير المعلوم، فما علمه الله تعالى من نِهاية العمر لا يتغيَّر، وما كتبه قد يمحى ويثبت، وعلى هذا يُحمل قول عمر ﵁ وغيره: "اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذنب والشِّقوة فامحُني وأثبتني في أهل السعادة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب" (^٣).
قال الطحاوي ﵀ بعدما ذكر شيئًا من النصوص السابقة: "هذا مما لا اختلاف فيه إذ كان يحتمل أن يكون الله ﷿ إذا أراد أن يخلق النسمة جعل أجلها إن برت كذا وكذا وإن لم تبر كذا وكذا لما هو دون ذلك .. ويكون ذلك مما يُثبت في الصحيفة الى لا يُزاد على ما فيها ولا ينقص منه" (^٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب .. والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونِها وبعد كونِها، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإِثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به فلا محو فيه ولا إثبات" (^٥).
وقال أيضًا: "والأجل أجلان: (أجل مطلق) يعلمه الله، (^٦) (وأجل مقيد) وبِهذا يتبين معنى قوله -ﷺ-: "من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبرى في التفسير (٧/ ٤٠١).
(٢) مشكل الآثار (٤/ ١١٨).
(٣) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٠، ٤٩١، ٤٩٢).
(٤) أى يعلمه الله وحده.
[ ٤٦٩ ]
في أثره فليصل رحمه" فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلًا وقال: إن وصل رحمه زده كذا وكذا، والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر" (^٧).
وقال ابن أبي العز تعليقًا على كون صلة الرحم تزيد في العمر: "أي: هى سبب طول العمر، وقد قدَّر الله أن هذا يصل رحمه، فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية، ولكن قدَّر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدَّر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا" (^٨).
وقال ابن حجر ﵀: "والحق .. أن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمى فيقع فيه المحو والإثبات كالزيادة في العمر والنقص وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله" (^٩).
وقال الشوكاني ﵀: "وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة لسبق القضاء، وأنه فرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنَّها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير، وكذلك الدعاء، فتحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشر، وتحمل الأحاديث الأخرى: على أنه قد وقع من العبد التسبب بأسباب الخير من الدعاء والعمل الصالح وصلة الرحم، أو التسبب
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٧) وانظر (٨/ ٥٤٠).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (١٢٩) وانظر (١٣١).
(٣) فتح البارى (١١/ ٤٨٨) وانظر (١١/ ٤٨٩) (١٠/ ٤١٦).
[ ٤٧٠ ]
بأسباب الشر" (^١٠).
وقال أيضًا: "نقول إن الله سبحانه قد علم في سابق علمه أن فلانًا يطول عمره إذا وصل رحمه وأن فلانًا يحصل له من الخير كذا أو يقع عنه من الشر كذا إذا دعا ربه، وأن هذه المسببات مترتبة على حصول أسبابها وهذه المشروطات مقيدة بحصول شروطها" (^١١).
واستدل أصحاب هذا المسلك بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿.. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^١٢).
حيث حملوا الآية على العموم فقالوا: إنَّها عامة في كل شىء يقتضيه ظاهر هذا اللفظ (^١٣).
وقالوا: (المراد بالمحو والإثبات هنا إنما هو في الصحف التي في أيدي الملائكة وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ المراد به اللوح المحفوظ كما يدل عليه سياق الآية وهو قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ثم قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي من ذلك الكتاب ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ" (^١٤).
قال السعدي ﵀: " ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من الأقدار
_________________
(١) تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل (٢٩).
(٢) المرجع السابق (٤١) وانظر لزامًا: منهج الإمام الشوكاني في العقيدة (٢٣٢) وما بعدها للدكتور عبد الله نومسوك.
(٣) سورة الرعد. آية: (٣٨، ٣٩).
(٤) انظر إرشاد ذوى العرفان (٥٥) تنبيه الأفاضل للشوكاني (٢٠) تفسير القرطبي (٩/ ٣٢٩) تفسير الطبري (٧/ ٤٠٠) وفيه ذكر الطبرى ﵀ خمسة أقوال في معنى الآية زيادة على هذا القول.
(٥) انظر شرح العقيدة الطحاوية (١٣١).
[ ٤٧١ ]
﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء منها وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ (^١٥) الذي ترجع إليه سائر الأشياء فهو أصلها وهى فروع وشعب، فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتِها أسبابًا، ولمحوها أسبابًا، لا تتعدى تلك الأسباب ما رُسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإِحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصى سببًا لمحق بركة الرزق والعمر.
فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يُخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ" (^١٦).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (^١٧).
أي: لا يطول عمر إنسان ولا ينقص إلا وهو في كتاب أي في اللوح المحفوظ (^١٨).
واستشهدوا على ذلك بما رواه سعيد بن المسيب قال: "لما طعن عمر بن الخطاب قال كعب: لو دعا الله عمر لأخر في أجله، فقال الناس: سبحان الله؟ !
_________________
(١) ذكر الطبرى ﵀ في تفسيره (٧/ ٤٠٤ - ٤٠٥) أربعة أقوال في المراد بأم الكتاب هنا.
(٢) تفسير السعدى (٤/ ١١٦).
(٣) سورة فاطر آية (١١).
(٤) انظر إرشاد ذوى العرفان (٥٦) تنبيه الأفاضل (٢٠). تنبيه: هل ما في اللوح المحفوظ يقع فيه المحو والإثبات أم لا؟ في هذا اختلف أصحاب هذا المسلك على قولين والذى عليه الأكثر أنه لا يقع فيه المحو والإثبات. انظر تفسير الطبري (٧/ ٤٠٥) فتح البارى (١٠/ ٤١٦) إرشاد ذوى العرفان (٥٦، ٧٠) تنبيه الأفاضل (٢٠) تفسير السعدي (٤/ ١١٦، ١١٧).
[ ٤٧٢ ]
أليس قد قال الله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (^١٩)؟ ! قال كعب: وقد قال: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ قال الزهري -الراوي عن سعيد-: فنُرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، وما لم يحضر أجله فإن الله يؤخر ما شاء ويقدم ما شاء، وليس من أحد إلا وله عمر مكتوب" (^٢٠).
٣ - قوله -ﷺ-: "من سرَّه أن يُبسط له في رزقه أو يُنسأ له في أثره فليصل رحمه" (^٢١).
٤ - قوله -ﷺ- فِى حديث ثوبان ﵁: "لا يزيد في العمر إلا البر ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه" (^٢٢).
٥ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن رجح هذا المسلك: "ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبي -ﷺ-: "أن آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراهم إياهم، فرأى فيهم رجلًا له بصيص (^٢٣)، فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود، قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنة، قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنة، قال: فقد وهبت له من عمري ستين سنة، فكتب عليه كتاب، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقي
_________________
(١) سورة الأعراف. آية (٣٤).
(٢) أخرجه الفريابي في كتاب القدر (٢٤٧) ح (٤٤٢).
(٣) تقدم تخريجه ص (٤٦٧).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٣٣٤) ح (٤٠٢٢) والإمام أحمد في مسنده (٦/ ٣٧٣) ح (٢١٨٨١) والحاكم في مستدركه (١/ ٦٧٠) ح (١٨١٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبى وابن حبان في صحيحه (٣/ ١٥٣) ح (٨٧٢) والطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ١١٧) ح (٣٣٤٠) والبغوي في شرح السنة (١٣/ ٦) وراجع سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٣٦) ح (١٥٤) وصحيح سنن ابن ماجه (٣/ ٣١٧) ح (٣٢٦٤).
(٥) أي بريقًا ولمعانًا انظر النهاية لابن الأثير (١/ ١٣٢) لسان العرب (٧/ ٦) مادة (بصص).
[ ٤٧٣ ]
من عمري ستون سنة، قالوا: وهبتها لابنك داود، فأنكر ذلك، فأخرجوا الكتاب، قال النبي -ﷺ-: فنسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته" (^٢٤) وروي أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره (^٢٥).
فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين (^٢٦)، وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: "اللهم إن كنت كتبتني شقيًّا فامحني واكتبني سعيدًا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت" (^٢٧) " (^٢٨).
وأجاب أصحاب هذا المسلك عن الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (^٢٩) وقوله ﷿: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (^٣٠) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ (^٣١)، أجابوا عن هذه الآيات وما في معناها: بأنَّها مختصة بالأجل إذا حضر فإنه لا يتقدم ولا يتأخر عند حضوره.
قالوا: ويؤيد هذا أنَّها جاءت مقيدة بذلك كما في الآيات السابقة فإنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ ﴿.. إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ﴾.
وعلى هذا فيمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فإذا حضر
_________________
(١) أخرجه الترمذى من حديث أبي هريرة (تحفة ٨/ ٤٥٧) ح (٥٠٧٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحاكم في مستدركه (٢/ ٣٥٥) ح (٣٢٥٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وأخرجه الفريابي في كتاب القدر (٤٠، ٤١) ح (١٩، ٢٠).
(٢) انظر كتاب القدر للفريابي (٣٢) ح (٤).
(٣) هكذا في مجموع الفتاوى، ولعل مراده ﵀ أنه زاده ستين سنة والله أعلم.
(٤) تقدم تخريجه ص (٤٦٩).
(٥) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩١).
(٦) سورة النحل. آية (٦١).
(٧) سورة المنافقون. آية (١١).
(٨) سورة نوح. آية (٤).
[ ٤٧٤ ]
الأجل لم يتقدم ولم يتأخر، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخره الله بالدعاء أو بصلة الرحم أو بفعل الخير، ويجوز أن يقدمه لمن عمل شرًّا أو قطع ما أمر الله به أن يوصل وانتهك محارم الله سبحانه (^٣٢).
- وأما قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (^٣٣).
وكذلك الأحاديث التى فيها أنه فُرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة فأجابوا عنها: بأنها محمولة على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشر فإنه إذا لم يتسبب بأسباب الخير أو الشر فإنه يقع عليه الأجل المقدر كما في حديث ابن مسعود وغيره.
وأما إذا تسبب العبد بأسباب الخير كصلة الرحم وغيرها فإنه قد يُزاد في عمره كما في حديث أنس وغيره (^٣٤).
المسلك الثاني: أن العمر لا يزيد ولا ينقص.
والقائلون بِهذا حملوا الزيادة في العمر الواردة في النصوص على المجاز.
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء كما نقل ذلك الإمام مرعى بن يوسف (^٣٥) والشوكاني (^٣٦) عليهما رحمة الله وحكى ابن عطية في تفسيره أنه مذهب أهل السنة (^٣٧).
واستدل هولاء بما يلى:
_________________
(١) انظر تنبيه الأفاضل للشوكاني (٢٧).
(٢) سورة الحديد. آية (٢٢).
(٣) انظر تنبيه الأفاضل للشوكاني (٢٨، ٢٩).
(٤) انظر إرشاد ذوى العرفان (٥٤).
(٥) انظر تنبيه الأفاضل (١٢).
(٦) انظر المحرر الوجيز (٢/ ٣٩٦) مع ملاحظة أن ابن عطية أشعري العقيدة.
[ ٤٧٥ ]
١ - عموم الآيات التي فيها أن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (^٣٨) وقوله ﷿: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ (^٣٩) وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (^٤٠).
٢ - قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (^٤١).
٣ - الأحاديث التي فيها أنه قد فُرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة، ومن ذلك:
- حديث ابن مسعود ﵁ وفيه: "ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقى أو سعيد" (^٤٢).
- حديث ابن مسعود ﵁أيضًا- أن أم حبيبة زوج النبي -ﷺ- قالت: اللهم متعنى بزوجي رسول الله -ﷺ- وبأبي أبي سفيان وبأخى معاوية، فقال النبي -ﷺ-: "قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حِلِّه أو يؤخر شيئًا عن حِلِّه" (^٤٣).
- وذكر أصحاب هذا المسلك عدة تأويلات للزيادة في العمر الواردة في النصوص، ومن هذه التأويلات ما يلى:
١ - "أن زيادة الأجل تكون بالبركة فيه وتوفيق صاحبه لفعل الخير
_________________
(١) سورة النحل. آية (٦١).
(٢) سورة نوح. آية (٤).
(٣) سورة المنافقون. آية (١١).
(٤) سورة الحديد. آية (٢٢).
(٥) تقدم تخريجه ص (٤٦٦).
(٦) تقدم تخريجه ص (٤٦٦).
[ ٤٧٦ ]
وبلوغ الأغراض، فينال في قصير العمر ما يناله غيره في طويله" (^٤٤)، وإلى هذا ذهب النووي (^٤٥) واستظهره الطيبي (^٤٦).
٢ - أن المراد بالتأخير في الأجل: أن يبقى بعده ثناء جميل وذكر حميد وأجرٌ متكرر فكأنه لم يمت، حكى هذا القاضي عياض (^٤٧) وذهب إليه القرطبي (^٤٨).
٣ - أن المراد بالزيادة هنا: السعة في الرزق وعافية البدن فإن الغنى يُسمى حياةً والفقر يُسمى موتًا، ذكره ابن قتيبة (^٤٩).
٤ - أن المراد بالزيادة: نفي الآفات عن صاحب البر والصلة والزيادة في فهمه وعقله. وبهذا جزم ابن فورك (^٥٠).
٥ - أن المعنى: أن الله تعالى يكتب أجل عبده عنده مائة سنة، ويجعل بنيته وتركيبه وهيئته لتعمير ثمانين سنة، فإذا وصل رحمه زاد الله تعالى في ذلك التركيب وفي تلك البنية ووصل ذلك النقص، فعاش عشرين أخرى حتى يبلغ المائة، وهي الأجل الذي لا مُستأخر عنه ولا متقدم، ذكره ابن قتيبة (^٥١).
وأجاب أصحاب هذا المسلك عن قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ بعدم حملها على العموم، وذكروا عدة تخصيصات للآية كقولهم: إن الْمعنى: يمحو ما يشاء من الشرائع والفرائض والأحكام فينسخه ويبدله
_________________
(١) كشف المشكل لابن الجوزى (٣/ ١٨٧).
(٢) انظر مسلم بشرح النووى (١٦/ ٣٤٩).
(٣) انظر فتح البارى (١٠/ ٤١٦).
(٤) انظر إكمال المعلم (٨/ ٢١) ومسلم بشرح النووى (١٦/ ٣٥٠).
(٥) انظر المفهم (٦/ ٥٢٨).
(٦) انظر تأويل مختلف الحديث (١٨٩) كشف المشكل (٣/ ١٨٥) إرشاد ذوي العرفان (٦٥).
(٧) انظر فتح البارى (١٠/ ٤١٦) إرشاد ذوى العرفان (٦٥) مشكل الحديث لابن فورك (٣٢٦).
(٨) انظر تأويل مختلف الحديث (١٨٩) كشف المشكل (٣/ ١٨٦) إرشاد ذوي العرفان (٦٦).
[ ٤٧٧ ]
ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب (^٥٢).
كما أجابوا عن قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ بأن المراد بالمعمر الطويل العمر والمراد بالناقص قصير العمر.
والمعنى: كل من طال عمره أو نقص فهو مكتوب في الكتاب (^٥٣)
* * *
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (٧/ ٤٠٢) شرح العقيدة الطحاوية (١٣٢). إرشاد ذوى العرفان (٦١، ٦٢). تنبيه الأفاضل (١٣). وانظر بقية التخصيصات التي خصصوا بِها الآية في تفسير الطبرى (٧/ ٣٩٩ - ٤٠٣). إرشاد ذوى العرفان (٦٢ - ٦٣) تنبيه الأفاضل (١٤ - ١٦).
(٢) انظر إرشاد ذوى العرفان (٦٣) تنبيه الأفاضل (١٧).
[ ٤٧٨ ]
المطلب الثالث الترجيح
الذي يظهر -والله تعالى أعلم- هو القول بأن صلة الرحم سبب في زيادة العمر، والله تعالى قدَّر السبب والمسبب فمن علم الله أنه سيصل رحمه زاد في أجله ومن علم منه خلاف ذلك نقص في أجله.
ومثل هذا ما علمه الله تعالى من أن فلانًا من الناس يعيش بهذه الصحة وهذه العافية، ويتنفس بِهذا الهواء ويسلم من الآفات القاتلة مدة معلومة، فإن هذه أسبابٌ علمها الله وقدرها لابد منها حتى يصل إلى هذه المدة المعينة فالأسباب والمسببات كلها قد سبق علم الله ﷿ بِها (^١).
وعلم الله تعالى لا يُبدل ولا يتغيَّر -كما صرح بذلك حتى أصحاب المسلك الأول-
قال ابن حزم: "علم الله ﷿ لا يتغير .. ولكن معلوماته تتغيَّر، ولم نقل إن علمه يتغير ومعاذ الله من هذا، ولم يزل علمه تعالى واحدًا يعلم كل شىء على تصرفه في جميع حالاته، فلم يزل يعلم أن زيدًا سيكون صغيرًا ثم شابًّا ثم كهلًا ثم شيخًا ثم ميتًا ثم مبعوثًا ثم في الجنة أو في النار، ولم يزل يعلم أنه سيؤمن ثم يكفر أو أنه يكفر ثم يؤمن .. " (^٢).
وقال الشوكاني: "إن الله تعالى كما علم أن العبد يكون له في العمر كذا، ومن الرزق كذا، وهو من أهل السعادة والشقاوة، قد علم أنه إذا وصل رحمه
_________________
(١) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٢/ ١١٤).
(٢) المرجع السابق (٢/ ٣٥٩).
[ ٤٧٩ ]
زاد له في الأجل كذا، وبسط له من الرزق كذا وصار في أهل السعادة بعد أن كان في أهل الشقاوة، أو صار في أهل الشقاوة بعد أن كان في أهل السعادة، وهكذا قد علم ما ينقصه للعبد، كما علم أنه إذا دعاه واستغاث به والتجأ إليه صرف عنه الشر ودفع عنه المكروه، وليس في ذلك خلف ولا مخالفة لسبق العلم، بل فيه تقييد المسببات بأسبابها كما قدر الشبع والرَّوي بالأكل والشرب وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر، فهل يقول عاقل بأن ربط هذه المسببات بأسبابِها يقتضي خلاف العلم السابق أو يُنافيه بوجه من الوجوه؟ " (^٣).
فزيادة العمر بصلة الرحم أمر مفروغ منه قد سبق به علم الله تعالى، فإذا كان ذلك كذلك فليس في هذا القول مخالفة للنصوص التى فيها أن الأجل قد فُرغ من تقديره، لأننا نقول: إن الأجل قد فُرغ من تقديره بهذه الزيادة وذلك النقص، لأن الزيادة والنقص مقدران أيضًا، كما أن الصحة والعافية -وكونهما من أسباب بلوغه هذه الغاية من العمر- مقدران أيضًا.
وعلى هذا فلا حاجة لنفى الزيادة والنقصان، والله تعالى أعلم.
وهذا القول لعله لا يُخالف فيه حتى أصحاب المسلك الثاني لأنَّهم إنما نفوا الزيادة والنقصان لتوهمهم أن القول بذلك يعارض النصوص القاضية بكتابة الأجل والفراغ منه، ولكنه بِهذا القول وهذا التقرير يزول هذا الوهم.
ولذلك قال الإمام مرعي بن يوسف بعد ذكره لهذا القول: "ولعله مُراد كلٍّ من الفريقين والخلاف بينهما لفظى إذ لا يسع من له أدنى تأمل أن يخالف في أن علم الله تعالى لا يتغير ولا يتبدل" (^٤).
_________________
(١) تنبيه الأفاضل (٣١).
(٢) إرشاد ذوى العرفان (٦٩، ٧٠).
[ ٤٨٠ ]
وممن صرَّح بأن الخلاف لفظي الحافظ ابن حجر ﵀ حيث قال: "والحق أن النِّزاع لفظي وأن الذي سبق في علم الله لا يتغيَّر ولا يتبدل" (^٥).
- وأما التأويلات التي أوَّل بها أصحاب المسلك الثاني الزيادة في العمر -كقولهم: إن المراد بالزيادة البركة في العمر، أو قولهم: إن المراد السعة في الرزق، أو نفى الآفات عن صاحب البر، والزيادة فى فهمه وعقله، وغير ذلك- فتأويلات ضعيفة مرجوحة لأن هذه الأشياء مقدرة أيضًا قد فُرغ من تقديرها في الأزل، وعلى هذا فهم لم يتخلصوا مما فروا منه (^٦).
وأما ما أجابوا به عن قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ وذلك بتخصيصها وعدم حملها على العموم، فقد ردَّه أصحاب المسلك الأول لعدم وجود الدليل على التخصيص.
قال الشوكاني بعد ذكره للتخصيص الذى خصصوا به الآية -والذي تقدم ذكره (^٧) - قال: "ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية لغير مخصص، وأيضًا يقال لهم: إن القلم قد جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة كما فى الأحاديث الصحيحة، ومن جملة ذلك في الشرائع والفرائض، فهى مثل العمر إذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات" (^٨).
وقال أيضًا بعد ذكره لجملة من التخصيصات التي خصصوا بِها الآية: "وكل هذه الأقوال دعاوى مجردة، ولا شك أن آية المحو والإثبات عامة لكل ما يشاؤه الله سبحانه، فلا يجوز تخصيصها إلا لمخصص، وإلا كان من التقوّل على
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٤٨٨).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٠) إرشاد ذوى العرفان (٦٥).
(٣) انظر ص (٤٧٧ - ٤٧٨).
(٤) تنبيه الأفاضل (١٣) وانظر إرشاد ذوى العرفان (٦٢).
[ ٤٨١ ]
الله بما لم يقل" (^٩).
وقال أبو عبد الله القرطبي: "مثل هذا لا يدرك بالرأي والاجتهاد، وإنَّما يؤخذ توقيفًا، فإن صح فالقول به يجب ويوقف عنده، وإلَّا فتكون الآية عامّة في جميع الأشياء وهو الأظهر واللهُ أعلم" (^١٠).
وأمَّا ما أجابوا به عن قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ بأن المراد بالمعمر طويل العمر، والمراد بالناقص قصير العمر، فقد ردَّه الشوكاني فقال: "في هذا نظر لأنَّ الضَّمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ يعود إلى قوله: ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ والمعنى على هذا: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمر ذلك المعمر إلَّا في كتاب، هذا ظاهر النظم القرآني، وأمَّا التَّأويل المذكور فإنَّما يتم على إرجاع الضَّمير المذكور إلى غير ما هو المرجع في الآية، وذلك لا وجود له في النظم" (^١١).
إشكال وجوابه:
قد يستشكل بعض النَّاس صرف النَّبِيّ -ﷺ- لأم حبيبة عن الدعاء بطول الأجل وحضِّه لها على التعوذ من عذاب القبر مع أن كلًّا منهما مقدر؟ !
والجواب عن هذا الإشكال: هو أنَّه لا شكَّ أن الجميع مفروغ منه مقدر، لكن الدعاء بالنجاة من عذاب النار ومن عذاب القبر ونحوهما عبادة والعبادة قال فيها -ﷺ- -لما قيل له: أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ - قال: "اعملوا فكل ميسر، أمَّا أهل السعادة فيُيسرون لعمل أهل السعادة، وأمَّا أهل الشقاوة
_________________
(١) تنبيه الأفاضل (١٦) وانظر إرشاد ذوي العرفان (٦٣).
(٢) تفسير القرطبي (٩/ ٣٢٩).
(٣) تنبيه الأفاضل (١٧).
[ ٤٨٢ ]
فيُيسرون لعمل أهل الشقاوة" (^١٢).
وليس معنى كونه عبادة: أنه لا تأثير للدعاء وإنما هو مجرد عبادة محضة يُثاب عليها الداعي فقط. بل المقصود أن الدعاء بالنجاة من النار ونحوه عبادة مشروعة ولذلك فإن له تأثيرًا في حصول المطلوب لأن الله تعالى جعله سببًا في حصول المقدور فالله تعالى قدَّر السبب وقدَّر المسبب، وقدَّر أن المسبب لا يحصل بدون السبب كما في الحديث السابق فإنه -ﷺ- أمر بالعمل مع أن الشقاوة والسعادة قد قدرتا وذلك لأنَّهما قدرتا بالسبب والذي هو العمل، وكما أن الله تعالى قدر الشبع والري بالأكل والشرب وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر، قدر أيضًا حصول المطلوب بالدعاء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الله جعل الدعاء والسؤال من الأسباب التي يُنال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره ورزقه، وإذا قدر للعبد خيرًا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء، وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره الله بأسباب يسوق المقادير إلى المواقيت، فليس في الدنيا والآخرة شىء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات" (^١٣).
وأما الدعاء بطول الأجل فليس عبادة ولذلك فإنه لا يشرع لأنه من التعدي في الدعاء، وقد أثر عن الإمام أحمد أنه كان يكره أن يُدعى له بطول الأجل ويقول: "هذا أمر قد فرغ منه".
ومما يؤيد هذا الجواب أن الدعاء بطول العمر إذا تضمن النفع الأخروي فإنه مشروع كما جاء ذلك عن النبي -ﷺ- في حديث عمار بن ياسر أنه كان يدعو
_________________
(١) متفق عليه من حديث علي بن أبي طالب: البخاري (١/ ٤٥٨) ح (١٢٩٦) ومسلم واللفظ له (١٦/ ٤٣٤) ح (٢٦٤٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٦٩ - ٧٠).
[ ٤٨٣ ]
بِهذا الدعاء: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينى ما علمت الحياة خيرًا لى وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي .. " (^١٤) " (^١٥).
وخلاصة هذا الجواب: أنه -ﷺ- صرف أم حبيبة عن الدعاء بطول الأجل لأنه دعاء غير مشروع وأرشدها -ﷺ- إلى التعوذ من عذاب القبر لأنه دعاء مشروع نافع مؤثر، والله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) أخرجه النسائي (٣/ ٦٢) ح (١٣٠٤) والحاكم (١/ ٧٠٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبى، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (١/ ٢٨٠) ح (١٢٣٧).
(٢) انظر مسلم بشرح النووى (١٦/ ٤٥٤) المستدرك على الفتاوى (١/ ١٣٧) الداء والدواء لابن القيم (٣٧) شرح العقيدة الطحاوية (١٢٩) المفهم (٦/ ٦٨١).
[ ٤٨٤ ]
المبحث الثاني ما جاء في أن الشقي من شقي في بطن أمه مع ورود ما يدل على أن كل مولود يولد على الفطرة
وفيه مطلبان
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
* * *
[ ٤٨٥ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
جاءت الأحاديث بما يُفيد أن الإنسان قد كتبت عليه الشقاوة أو السعادة قبل أن يولد ومن هذه الأحاديث ما يلي:
- حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح" (^١).
- وعنه ﵁ قال: "الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وُعظ بغيره" (^٢).
- حديث أنس ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "إن الله -﷿- وكّل بالرحم ملكًا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد" (^٣).
- حديث حذيفة بن أسيد ﵁ يبلغ به النبي -ﷺ- أنه قال: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أم سعيد، فيكتبان .. " (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٤٦٦).
(٢) أخرحه مسلم في كتاب القدر، باب: كيفية الخلق الآدمى (١٦/ ٤٣١) ح (٢٦٤٥).
(٣) تقدم تخريجه ص (٤٦٦).
(٤) تقدم تخريجه ص (٤٦٧).
[ ٤٨٦ ]
- حديث على بن أبي طالب ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كُتب شقية أو سعيدة" (^٥).
- حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا" (^٦).
هذه الأحاديث -كما أسلفنا- تفيد أن الشقاوة والسعادة قد كُتبتا قبل أن يخرج المولود من بطن أمه.
ولكن جاء في الأحاديث أيضًا ما يفيد أن كل مولود يولد على الفطرة وهي الإسلام على القول الراجح كما سيأتي، ومن هذه الأحاديث: -
- حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بَهمية جمعاء (^٧)، هل تحسون فيها من جدعاء" (^٨) ثم يقول أبو هريرة -ﷺ-: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (^٩)، (^١٠).
وفي رواية لمسلم: "ما من مولود يولد إلا وهو على الملَّة".
_________________
(١) متفق عليه: البخاري: كتاب الجنائز، باب: موعظة المحدث عند القبر (١/ ٤٥٨) ح (١٢٩٦). ومسلم: كتاب القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي (١٦/ ٤٣٤) ح (٢٦٤٧)
(٢) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (١٦/ ٤٥٠) ح (٢٦٦١).
(٣) أى سالمة من العيوب، مجتمعة الأعضاء كاملتها فلا جدع بها ولا كي. انظر النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٩٦) لسان العرب (٨/ ٥٩) مادة جمع.
(٤) الجدع: قطع الأنف والأذن والشفة وهو بالأنف أخص فإذا أطلق غلب عليه، والجدعاء: مقطوعة الأطراف أو واحدها. النهاية (١/ ٢٤٦) لسان العرب (٨/ ٤١) مادة (حدع).
(٥) سورة الروم. آية (٣٠).
(٦) متفق عليه: البخاري: كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبى فمات (١/ ٤٥٦) ح (١٢٩٢) ومسلم: كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (١٦/ ٤٤٦) ح (٢٦٥٨).
[ ٤٨٧ ]
وفي رواية له أيضًا "ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة حتى يعبِّر عنه لسانه".
بيان وجه التعارض
على القول بأن المراد بالفطرة في الحديث الإسلام (^١١) -والذي هو القول
_________________
(١) وهناك أقوال كثيرة في المراد بالفطرة أوسع من ذكرها ابن عبد البر ﵀ في التمهيد وإليك مجمل هذه الأقوال: القول الأول: أن المراد بالفطرة الإسلام كما تقدم. القول الثانى: أن المراد بالفطرة: الخلقة التي خلق عليها المولود من المعرفة بربه فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه -إذا بلغ مبلغ المعرفة- يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التى لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك. القول الثالث: أن معنى الفطرة: البدأة التي ابتدأهم عليها، أي على ما فطر الله عليه خلقه، من أنَّهم ابتدأهم للحياة والموت والشفاء والسعادة وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من ميولهم عن آبائهم واعتقادهم، وذلك ما فطرهم الله عليه مما لابُدَّ من مصيرهم إليه. القول الرابع: أن معنى الفطرة: أن الله قد فطرهم على الإنكار والمعرفة وعلى الكفر والإيمان فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ قالوا جميعًا: بلى، فأما أهل السعادة فقالوا: بلى طوعًا من قلوبهم وأما أهل الشقاوة فقالوا بلى كرهًا لا طوعًا. القول الخامس: أن المراد بالفطرة: ما أخذه الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخراج ذرية آدم من ظهره فخاطبهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فأقروا جميعًا له بالربوبية عن معرفة منهم به، ثم أخرجهم من أصلاب آبائهم مخلوقين مطبوعين على تلك المعرفة وذلك بالإقرار. وهذا القول لا يختلف كثيرًا عن القول بأن المراد بها الإسلام. القول السادس: أن المراد بالفطرة هى ما يُقلب الله قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء، فقد يكفر العبد ثم يؤمن فيموت مؤمنًا، وقد يحدث العكس، وذلك كله تقدير الله وفطرته لهم. انظر هذه الأقوال ومناقشتها: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ٦٨ - ٩٥) درء التعارض (٨/ ٣٦٧) وما بعدها، شفاء العليل (٢/ ٢٩٧) وما بعدها، طرح التثريب (٧/ ٢٢٥ - ٢٢٩) فتح البارى (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩) فطرية المعرفة للدكتور أحمد بن سعد الحمدان. تنبيه: قال ابن القيم ﵀: سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنَّهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية لأن قوله: "فأبواه يهودانه .. إلخ" محمول على أن ذلك بتقدير الله تعالى، ومن ثم احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث "الله أعلم بما كانوا عاملين" فتح البارى (٣/ ٢٥٠) وانظر شفاء العليل (٢/ ٣٠٦) درء التعارض (٨/ ٤١٧).
[ ٤٨٨ ]
الراجح والمعروف عند عامة السلف (^١٢)، وإليه ذهب أبو هريرة ﵁ والزهري (^١٣) والإمام أحمد (^١٤) في إحدى الروايتين عنه والبخاري (^١٥) والنووي (^١٦) والقرطبي (^١٧) وشيخ الإسلام ابن تيمية (^١٨) وابن القيم (^١٩) وابن كثير (^٢٠) وغيرهم عليهم رحمة الله، واستدلوا على ذلك بما يلى:
١ - تفسير أبي هريرة ﵁ حيث فسر الفطرة الواردة في الحديث بالإسلام كما يدل عليه استشهاده بالآية فقال: اقرءوا -إن شئتم- ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.
وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن المراد بالفطرة في الآية: الإسلام (^٢١)، وهو مأثور عن جمع من السلف كمجاهد وعكرمة وقتادة وسعيد ابن جبير والضحاك وإبراهيم النخعى والحسن البصري (^٢٢) عليهم رحمة الله.
فهذا تفسير الصحابي الراوي للحديث وهو أعلم بما سمع (^٢٣).
_________________
(١) انظر التمهيد (١٨/ ٧٢).
(٢) انظر التمهيد (١٨/ ٧٦).
(٣) انظر درء التعارض (٨/ ٣٦١) شفاء العليل (٢/ ٢٩٩) فتح البارى (٣/ ٢٤٨) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (١/ ١٨١).
(٤) انظر صحيح البخاري (٤/ ١٧٩٢).
(٥) انظر مسلم بشرح النووي (١٦/ ٤٤٩).
(٦) انظر المفهم (٦/ ٦٧٦).
(٧) انظر مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٥).
(٨) انظر شفاء العليل (٢/ ٣٠٢)
(٩) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٦٨٨).
(١٠) انظر التمهيد (١٨/ ٧٢).
(١١) انظر تفسير الطبرى (١٠/ ١٨٣ - ١٨٤) التمهيد (١٨/ ٧٢).
(١٢) انظر درء التعارض (٨/ ٣٧١).
[ ٤٨٩ ]
٢ - أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث "ما من مولود يولد إلا وهو على الملَّة".
قال ابن القيم: "فهذا صريح بأنه يُولد على ملة الإِسلام" (^٢٤).
٣ - حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله -ﷺ- قال فيما يرويه عن ربه تعالى: "إنِّي خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنَّهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" (^٢٥).
قالوا: فهذا الحديث صريح في كون المولود يولد على الإسلام لأن معنى الحنيفية: الإسلام (^٢٦).
٤ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: "خمس من الفطرة .. " (^٢٧) فذكر منهن قص الشارب والاختتان وهي من سنن الإسلام (^٢٨).
- على هذا القول قد يتوهم بعض الناس أن هذا الحديث يخالف الأحاديث الأخرى والتى فيها سبق تقدير الشقاوة والسعادة، لأنه إذا كان بعض الناس قد كُتب عليه أن يكون شقيًّا فكيف يولد على الإسلام؟
* * *
_________________
(١) شفاء العليل (٢/ ٣٠٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٧/ ٢٠٢) ح (٢٨٦٥).
(٣) انظر درء التعارض (٨/ ٣٧٠ - ٣٧١، ٤٣٢) التمهيد (١٨/ ٧٦) مسلم بشرح النووى (١٧/ ٢٠٣).
(٤) متفق عليه: البخارى (٥/ ٢٢٠٩) ح (٥٥٥٠) ومسلم (٣/ ١٤٨) ح (٢٥٧).
(٥) انظر التمهيد (١٨/ ٧٦) درء التعارض (٨/ ٣٧١) ومسلم (٣/ ١٤٨) ح (٢٥٧).
[ ٤٩٠ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
لم أجد غير قول واحد في الجمع بين هذه النصوص ولعلَّه هو المتعيِّن وذلك إذا فسرنا الفطرة بالإسلام (^١) كما تقدم.
وأما إذا فسرنا الفطرة بغير الإسلام -كما هو الحال في الأقوال الأخرى- فإنه قد ينتفى هذا الإشكال، لكن يبقى تفسير الفطرة بغير الإسلام قولًا مرجوحًا.
والتحقيق أنه حتى على القول بأن المراد بالفطرة الإسلام فإنه لا إشكال ولا تناقض ولا تعارض بين هذه النصوص بحمد الله.
وبيان ذلك أن نقول: إن كتابة الشقاوة والسعادة على الإنسان قبل أن يولد حق لا مرية فيه، ولكن ليس في ذلك ما ينافي كون المولود يولد على الإسلام، لأن المراد بكتابة الشقاوة والسعادة إنما هو باعتبار المآل والخاتمة، وهذا لا يمنع من أن يكون قبل ذلك مولودًا على الإسلام.
وعلى هذا فمن كُتب شقيًّا فإنه لابد أن يصير إلى ما في علم الله فيعرض له ما يُغيِّر فطرته كما تولد البهيمة جمعاء وقد علم الله أنَّها ستجدع.
_________________
(١) وليس المراد من تفسير الفطرة بالإسلام أن يكون المولود حين يخرج من بطن أمه يخرج وهو يعلم هذا الدين ويعتقده بالفعل ويريده لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ سورة النحل. آية (٧٨) ولكن المراد أن فطرته مقتضية وموجبة لدين الإسلام لمعرفته ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئًا بعد شىء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت من المعارض. انظر درء التعارض (٨/ ٣٨٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٧) شفاء العليل (٢/ ٣٠٨).
[ ٤٩١ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود هنا تفسير "كل مولود يولد على الفطرة" وأن من قال بإثبات القدر وأن الله كتب الشقى والسعيد لم يمنع ذلك أن يكون وُلد على الإسلام ثم تغيَّر بعد ذلك كما تولد البهيمة جمعاء ثم تُغيَّر بعد ذلك، فإن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هى عليه، فيعلم أنه يولد سليمًا ثم يتغير.
والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول الذي رجحناه وهو أنهم ولدوا على الفطرة ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله فيهم من سعادة وشقاوة، لا تدل على أنه حين الولادة لم يكن على فطرة سليمة مقتضية للإيمان مستلزمة له لولا المعارض" (^٢).
وقال أيضًا: "من ابتدأه على الضلالة أي كتبه أنه يموت ضالًّا، فقد يكون قبل ذلك عاملًا بعمل أهل الهدى وحينئذ من وُلد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى لا يمتنع أن يعرض لها ما يغيرها فيصير إلى ما سبق به القدر لها، كما في الحديث الصحيح: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة" (^٣) " (^٤).
وأما قوله -ﷺ-: "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا" فإن معناه لا يختلف عن المعنى السابق وذلك أن معناه أن هذا الغلام قُدِّر له أنه ستتغير فطرته فيكفر وهذا ليس فيه ما يمنع أن
_________________
(١) درء التعارض (٨/ ٤١٠) وانظر شفاء العليل (٢/ ٢٩٩، ٣١٢).
(٢) هذا قطعة من حديث تقدم تخريجه ص (٤٦٦) أوله "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه .. ".
(٣) درء التعارض (٨/ ٤١٢) وانظر مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٦).
[ ٤٩٢ ]
يكون وُلد على الفطرة السليمة.
قال شيخ الإسلام: "طُبع: أي طُبع في الكتاب أي: قُدِّر وقضي، لا أنه كان كفره موجودًا قبل أن يولد، فهو مولود على الفطرة السليمة وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر كما طُبع كتابه يوم طُبع" (^٥).
* * *
_________________
(١) درء التعارض (٨/ ٣٦٣) وانظر (٨/ ٤٢٧) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٦) شفاء العليل (٢/ ٣٠٠، ٣٢٢).
[ ٤٩٣ ]
المبحث الثالث "والشر ليس إليك"
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٤٩٥ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
أولًا: الأحاديث التي تفيد أن الشر من الله تعالى وأنه واقع بتقديره:
جاءت عدة أحاديث تفيد أن الخير والشر كلاهما واقع بتقدير الله تعالى ومن هذه الأحاديث ما يلي:
١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن جبريل ﵇ سأل رسول الله -ﷺ- عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (^١).
٢ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله -ﷺ- قال: "كل شيء بقدر حتى العجز (^٢) والكيس (^٣) " (^٤).
قال ابن عبد البر ﵀: "وفي هذا الحديث أدل الدلائل وأوضحها على أن الشر والخير كل من عند الله، وهو خالقهما لا شريك له ولا إله غيره، لأن العجز شر ولو كان خيرًا ما استعاذ منه رسول الله -ﷺ-، ألا ترى أن رسول الله -ﷺ- قد استعاذ من الكسل والعجز والجبن والدين، ومحال أن يستعيذ من الخير" (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ٢٥٩) ح (٨).
(٢) العَجز: عدم القدرة، وقيل: ترك ما يجب فعله بالتسويف. انظر النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٨٦). مسلم بشرح النووى (١٦/ ٤٤٤).
(٣) الكيس: العقل والحذق بالأمور. انظر النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢١٧) مسلم بشرح النووى (١٦/ ٤٤٤).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب: كل شيء بقدر (١٦/ ٤٤٤) ح (٢٦٥٥).
(٥) التمهيد (٦/ ٦٣).
[ ٤٩٦ ]
ثانيًا: الأحاديث التي تفيد عدم إضافة الشر إلى الله تعالى:
جاء في ذلك حديث على بن أبي طالب ﵁ في دعاء الاستفتاح للصلاة، وفيه أن النبي -ﷺ- قال: "لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك" (^٦).
بيان وجه التعارض
مما لا شك فيه عند أهل السنة والجماعة أن الخير والشر من الله ﷿ وأنه تعالى مُقدر كل منهما، وخالق كل منهما كما يدل عليه عموم قوله تعالى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (^٧) وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٨).
قال أبو عثمان الصابوني: "ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره، لا مرد لها ولا محيص ولا محيد عنها، ولا يصيب المرءَ إلا ما كتبه له ربه" (^٩).
وقال النووي ﵀: "مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه سواءً خيرها وشرها" (^١٠).
وقال ابن حجر ﵀: "ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى" (^١١).
_________________
(١) أخرحه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه (٦/ ٣٠٣) ح (٧٧١).
(٢) سورة القمر. آية (٤٩).
(٣) سورة الزمر. آية (٦٢).
(٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٢٨٤).
(٥) مسلم بشرح النووى (٦/ ٣٠٦).
(٦) فتح البارى (١١/ ٤٧٨)
[ ٤٩٧ ]
وقال أيضًا معلقًا على حديث ابن مسعود ﵁: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه" (^١٢): "وفيه أن جميع الخير والشر بتقدير الله تعالى وإيجاده" (^١٣).
إذا تبيَّن هذا فما هو الجواب عن حديث: "والشر ليس إليك"؟ ! هذا ما سوف يتضح في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٤٦٦).
(٢) فتح الباري (١١/ ٤٩٠).
[ ٤٩٨ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
تقدم لنا أنه لا إشكال عند أهل السنة والجماعة في كون الشر إنما يقع بتقدير الله تعالى وقضاءه، وبالتالي فإن الإشكال ينحصر في حديث "والشر ليس إليك"، وقد سلك أهل العلم في توجيهه عدة مسالك كلها تنحى منحى الجمع، وإليك بيان ذلك:
المسلك الأول:
أن المعنى والشر لا يُتقرب به إليك، وإلى هذا ذهب الخليل بن أحمد والنضر بن شميل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وأبو بكر بن خزيمة والأزهري (^١) والطحاوي (^٢) عليهم رحمة الله.
المسلك الثاني:
أن المعنى والشر لا يضاف إليك على انفراده فلا يُقال: يا خالق الشر ويا مقدر الشر ويا خالق القردة والخنازير ونحوها، وإلى هذا ذهب أبو عثمان الصابوني (^٣) وحُكى عن المزني وغيره (^٤).
المسلك الثالث:
أن المعنى والشر لا يصعد إليك إنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح (^٥).
_________________
(١) انظر مسلم بشرح النووى (٦/ ٣٠٦) عون المعبود (٢/ ٣٢٩) معالم السنن (١/ ١٧٠) الاعتقاد للبيهقي (٧٦).
(٢) انظر مشكل الآثار (١/ ٣٣٥)
(٣) انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٢٨٥).
(٤) انظر مسلم بشرح النووى (٦/ ٣٠٦) عون المعبود (٢/ ٣٢٩).
(٥) انظر مسلم بشرح النووى (٦/ ٣٠٦) عون المعبود (٢/ ٣٢٩).
[ ٤٩٩ ]
المسلك الرابع:
أن المعنى أن الله تعالى لا يخلق شرًّا محضًا وأن الشر الذي يخلقه تعالى ليس شرًّا بالنسبة إليه، لأنه صادر عن حكمة بالغة، فقضاء الله وقدره كله خير لا شر فيه بوجه من الوجوه، وإنما يكون الشر في المقضي الذي هو مفعوله ومخلوقه.
ففرق بين فعل الله الذي هو فعله فإنه كله خير وبين مفعولاته ومخلوقاته فإن فيها الخير والشر.
وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن أبي العز وسليمان بن عبد الله عليهم رحمة الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ""والشر ليس إليك" فإنه لا يخلق شرًّا محضًا بل كل ما يخلقه ففيه حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس وهو شر جزئى إضافي، فأما شر كلى أو شر مطلق فالرب منزه عنه وهذا هو الشر الذي ليس إليه" (^٦).
وقال ابن القيم عليه رحمة الله تعليقًا على قوله -ﷺ-: "والشر ليس إليك": "فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه، بل كل ما نسب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرًّا لانقطاع نسبته وإضافته إليه، فلو أُضيف إليه لم يكن شرًّا، وهو سبحانه خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٦٦) وانظر (١٧/ ٩٤) شرح العقيدة الطحاوية (٥١٧) مسلم بشرح النووى (٦/ ٣٠٦) عون المعبود (٢/ ٣٢٩) تيسر العزيز الحميد (٦٩١ - ٦٩٢) إزالة الستار عن الجواب المختار لابن عثيمين (٣٨).
[ ٥٠٠ ]
ولهذا تنَزَّه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته: وضع الشيء في غير موضعه، فلا يضع الأشياء إلَّا في مواضعها اللائقة بِها، وذلك خير كله، والشر وضع الشىء في غير محله، فإذا وُضع في محله لم يكن شرًّا، فعُلم أن الشر ليس إليه وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك" (^٧).
وقال أيضًا: "القدر لا شر فيه بوجه من الوجوه فإنه علم الله وقدرته وكتابه ومشيئته، وذلك خير محض وكمال من كل وجه، فالشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئى الاضافي في المقضي المقدَّر، ويكون شرًّا بالنسبة إلى محلٍّ وخيرًا بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيرًا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه كما هو شر له من وجه بل هذا هو الغالب، وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه، بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض" (^٨).
* * *
_________________
(١) شفاء العليل (٢/ ٦٤).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٢٥٧) وانظر (٢/ ٢٦١) حادى الأرواح (٤٥٨).
[ ٥٠١ ]
المطلب الثالث الترجيح
في الحقيقة أن جميع المعاني السابقة للحديث معاني صحيحة يمكن أن يحمل الحديث عليها وإن كان المعنى الأخير أعم وأشمل في تنزيه الله تعالى عن الشر، كما أنَّه الأقرب لظاهر الحديث والله تعالى أعلم.
قال ابن القيم ﵀: ""والشر ليس إليك" معناه أجل وأعظم من قول من قال والشر لا يتقرب به إليك، وقول من قال: والشر لا يصعد إليك، وأن هذا الذي قالوه وإن تضمن تنْزيهه عن صعود الشر إليه والتقرب به إليه فلا يتضمن تنْزيهه في ذاته وصفاته وأفعاله عن الشر بخلاف لفظ المعصوم الصادق المصدق فإنه يتضمن تنْزيهه في ذاته ﵎ عن نسبة الشر إليه بوجه ما، لا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه، وإن دخل في مخلوقاته" (^١).
تنبيه:
ذكر أهل العلم أنَّه لم يأت قط إضافة الشر إلى الله تعالى مفردًا وأنه لم
ياتِ إلَّا على أحد وجوه ثلاثة:
الوجه الأول:
أن يدخل في عموم المخلوقات، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٢).
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ١٨٢) بتصرف يسير.
(٢) سورة الزمر آية (٦٢).
[ ٥٠٢ ]
الوجه الثاني:
أن يضاف إلى السبب المخلوق، كقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (^٣).
الوجه الثالث:
أن يحذف فاعله كقوله تعالى حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (^٤)، (^٥).
مسألة: هل يقال إن الله مريد للشر؟
الجواب عن ذلك:
أنه لا يمكن إطلاق القول بإرادة الله للشر لا نفيًا ولا إثباتًا لأن أهل السنة والجماعة يُفَصلون في ذلك ويقسمون الإرادة إلى قسمين:
أحدهما: الإرادة الكونية والتي بمعنى المشيئة ومن أمثلتها: -
قوله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ (^٦).
ثانيهما: الإرادة الشرعية والتي بمعنى المحبة ومن أمثلتها: -
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٧)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ..﴾ (^٨).
_________________
(١) سورة الفلق. آية (٢).
(٢) سورة الجن. آية (١٠).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٦٦) (١٧/ ٩٤) شفاء العليل (٢/ ٢٦١) شرح العقيدة الطحاوية (٥١٧) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٢٨٥) الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية لابن فياض (٣٥٤).
(٤) سورة هود. آية (٣٤).
(٥) سورة البقرة. آية (١٨٥).
(٦) سورة النساء. آية (٢٧).
[ ٥٠٣ ]
والفرق بين الإرادتين:
١ - أن الإرادة الكونية تتعلق فيما وقع، سواءً أحبه الله أم كرهه، وأما الإرادة الشرعية فتتعلق فيما أحبه الله سواءً وقع أم لم يقع.
٢ - الإرادة الكونية يتعين فيها وقوع المراد، وأما الإرادة الشرعية فلا يتعين فيها وقوع المراد (^٩).
وبناءً على هذا التفصيل نقول: إن الله تعالى أراد الشر والكفر والمعاصي كونًا وقدرًا، لكنه لم يردها شرعًا لأنه تعالى لا يحبها ولا يرضاها كما قال ﷿: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (^١٠).
قال ابن القيم ﵀: "وتحقيق القول في ذلك: أنَّه يمتنع إطلاق إرادة الشر عليه وفعله، نفيًا وإثباتًا لما في إطلاق لفظ الإرادة والفعل من إيهام المعنى الباطل، ونفى المعنى الصحيح، فإن الإرادة تطلق بمعنى المشيئة وبمعنى المحبة والرضا" (^١١).
وقال أيضًا: "فإذا قيل هو مريد للشر أوهم أنَّه محب له راض به، وإذا قيل إنه لم يرده أوهم أنه لم يخلقه ولا كوَّنه وكلاهما باطل" (^١٢).
وقد ضل في هذه المسألة فريقان من الناس:
أحدهما: المعتزلة القدرية.
وثانيهما: المجبرة الجهمية.
أما الأولى فقالت: إن الشر والكفر والمعاصي لا يحبها الله ولا يرضاها
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٨/ ١٥٩، ٤٧٦، ٤٤٠) شفاء العليل (١/ ١٤٢) شرح العقيدة الطحاوية (٧٩).
(٢) سورة الزمر. آية (٧).
(٣) شفاء العليل (٢/ ٢٦٠).
(٤) شفاء العليل (٢/ ٢٦٠).
[ ٥٠٤ ]
فهى واقعة بغير مشيئته تعالى وإرادته.
وقالت الجبرية: بل هى واقعة بمشيئة الله تعالى وإرادته وعلى هذا فهو يحبها ويرضاها.
ومنشأ ضلال هاتين الفرقتين هو: التسوية بين المشيئة وبين المحبة والرضا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضاء الله وقدره فيكون محبوبًا مرضيًّا، وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصى محبوبة لله ولا مرضية له فليست مقدرة ولا مقضية فهى خارجة عن مشيئته وخلقه (^١٣).
قال القاضي عبد الجبار: "المحبة والرضا والإرادة من باب واحد بدلالة أنَّه لا فرق بين أن يقول القائل: أحببت أو رضيت، وبين أن يقول: أردت، حتى لو أثبت أحدهما ونفى الآخر لعد متناقضًا" (^١٤).
وقال شيخ الإسلام: "وجهم ومن وافقه من المعتزلة اشتركوا في أن مشيئة الله ومحبته ورضاه بمعنى واحد، ثم قالت المعتزلة: وهو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان فلا يشاءه فقالوا إنه يكون بلا مشيئة.
وقالت الجهمية: بل هو يشاء ذلك فهو يحبه ويرضاه" (^١٥).
والحق في ذلك هو التفريق بين المشيئة وبين المحبة والرضا كما قد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة والعقل والفطرة الصحيحة وإجماع المسلمين (^١٦).
* * *
_________________
(١) انظر شرح العقيدة الطحاوية (٣٢٤).
(٢) شرح الأصول الخمسة (٤٦٤).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧٤).
(٤) انظر هذه الأدلة في مدارج السالكين (١/ ٢٧٧) شرح العقيدة الطحاوية (٣٢٤).
[ ٥٠٥ ]
المبحث الرابع حكم أولاد المشركين في الآخرة
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٥٠٧ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
جاءت الأحاديث في هذه المسألة بدلالات شتي، فمنها ما يُفيد أن أطفال المشركين في الجنة، ومنها ما يُفيد أن حكمهم التوقف، ومنها ما يُفيد أنَّهم في النار كما فهم ذلك منها بعض أهل العلم، وإليك سياق هذه الأحاديث على هذا الترتيب:
- حديث سمرة بن جندب في قصة رؤيا النبى -ﷺ-، وفيها أنه قال: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵇، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة" قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله -ﷺ-: "وأولاد المشركين" (^١).
- حديث أبي هريرة ﵁ أن النبى -ﷺ- قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بَهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (^٢) متفق عليه" (^٣).
وفي رواية: قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (^٤).
_________________
(١) أخرحه البخارى في كتاب التعبير. باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح (٦/ ٢٥٨٣) ح (٦٦٤٠). وأخرج مسلم قطعة من أوله في كتاب الرؤيا. باب: رؤيا النبى -ﷺ- (١٥/ ٤٠) ح (٢٢٧٥).
(٢) سورة الروم. آية (٣٠).
(٣) تقدم تخريجه ص (٤٨٧).
(٤) متفق عليها: البخارى: كتاب القدر، باب: الله أعلم بما كانوا عاملين (٦/ ٢٤٣٤) ح (٦٢٢٦) ومسلم: كتاب القدر. باب: معني كل مولود يولد على الفطرة (١٦/ ٤٤٩) ح (٢٦٥٨).
[ ٥٠٨ ]
- حديث ابن عباس ﵄ قال: سُئل رسول الله -ﷺ- عن أولاد المشركين، فقال: "الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين" (^٥).
- حديث أبي هريرة ﵁ قال: سُئل النبي -ﷺ- عن ذراري المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (^٦).
- حديث عائشة ﵂ قالت: دُعى رسول الله -ﷺ- إلى جنازة صبى من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: "أوَ غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" (^٧).
- حديث الصعب بن جثامة ﵁: أن النبي -ﷺ- سُئل عن أهل الدار يُبيَّتون من المشركين فيُصاب من نسائهم وذراريهم، قال: "هم منهم" (^٨).
وفي رواية لمسلم أن النبى -ﷺ- قيل له: إن خيلًا أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين قال: "هم من آبائهم".
_________________
(١) متفق عليه: البخارى: كتاب الجنائز، باب: ما قيل في أولاد المشركين (١/ ٤٦٥) ح (١٣١٧) ومسلم: كتاب القدر، باب: معني كل مولود يولد على الفطرة (١٦/ ٤٥٠) ح (٢٦٦٠).
(٢) متفق عليه: البخارى: كتاب الجنائز. باب: ما قيل في أولاد المشركين (١/ ٤٦٥) ح (١٣١٨) ومسلم كتاب القدر، باب: معني كل مولود يولد على الفطرة (١٦/ ٤٤٩) ح (٢٦٥٩).
(٣) أخرجه مسلم فى كتاب القدر، باب: معني كل مولود يولد على الفطرة (١٦/ ٤٥١) ح (٢٦٦٢).
(٤) متفق عليه: البخارى: كتاب الجهاد، باب: أهل الدار يُبيَّتون فيصاب الولدان والذرارى (٣/ ١٠٩٧) ح (٢٨٥٠) ومسلم: كتاب الجهاد، باب: جواز قتل النساء والصبيان (١٢/ ٢٩٣) ح (١٧٤٥).
[ ٥٠٩ ]
بيان وجه التعارض
هذه المسألة أشكلت على كثير من أهل العلم لأن الأحاديث فيها مختلفة، وفهم منها أهل العلم دلالات متباينة فمثلًا: أخذ بعضهم بحديث سمرة بن جندب ﵁ فقال: إن أطفال المشركين في الجنة، وأخذ آخرون بعموم حديث الصعب بن جثامة ﵁: -"هم منهم"- فحكموا عليهم بالنار، وتوقف فريق ثالث متمسكًا بقوله -ﷺ-: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
قال الشوكاني ﵀: "والحاصل أن مسألة أطفال الكفار باعتبار أمر الآخرة من المعارك الشديدة لاختلاف الأحاديث فيها ولها ذيول مطولة" (^٩).
وسيأتي في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى تفصيل الأقوال وبيان أدلتها.
* * *
_________________
(١) نيل الأوطار (٧/ ٢٣٧).
[ ٥١٠ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
سلك أهل العلم في هذه المسألة (^١) ثلاثة مذاهب: -
أحدها: مذهب الجمع، والثاني: مذهب الترجيح، والثالث: التوقف، وإليك بيان ذلك:
أولًا: مذهب الجمع:
وربما عبروا عنه بالوقف (^٢) وحاصله أنَّهم يمتحنون في عرصات القيامة فيرسل إليهم رسول فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، أو ترفع لهم نار ويؤمرون باقتحامها فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن أبى أدخل النار.
قالوا: وبناءً على هذا يكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار على حسب طاعتهم وعصيانِهم.
كما أنه بناءً على هذا فإنه لا يُحكم لمعين منهم بجنة ولا نار بل يُقال فيهم كما قال المصطفى -ﷺ-: "الله أعلم بما كانوا عاملين" فإذا كان الامتحان في عرصات القيامة ظهر علم الله تعالى فيهم.
وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأشعري ﵀ وحكاه عن أهل السنة والجماعة (^٣).
_________________
(١) جدير بالتنبيه هنا أن الخلاف في أطفال المشركين إنما هو باعتبار حكمهم في الآخرة، وأما في الدنيا فلا إشكال أن حكمهم حكم آبائهم كما هو صريح حديث الصعب بن جثامة.
(٢) وليس المراد به هنا: التوقف المعروف في اصطلاح الأصوليين وهو الذى يكون عند تعذر الجمع والنسخ والترجيح فيتوقف المجتهد عن العمل بأحد النصين حتى يتبين له الحق، وإنما المراد به التوقف المبني على الدليل وهو قوله -ﷺ- "الله أعلم بما كانوا عاملين" وسيأتي مزيد إيضاح له إن شاء الله تعالى في ثنايا الكلام.
(٣) انظر الإبانة عن أصول الديانة (٥٥) وانظر مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٨، ٢٨١، ٣٠٣) (٢٤/ ٣٧٣).
[ ٥١١ ]
وهو ظاهر كلام البيهقى (^٤) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥) وقال: "هذا القول منقول عن غير واحد من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم " (^٦).
وانتصر له ابن القيم (^٧) وكذا ابن كثير (^٨)، وذهب إليه الشنقيطي (^٩) وغيره من أهل العلم عليهم رحمة الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعدما ذكر هذا القول: "وهذا أجود ما قيل في أطفال المشركين وعليه تتنَزل جميع الأحاديث" (^١٠).
وقال أيضًا: "والصواب أن يُقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ولا نحكم لمعين منهم بجنة ولا نار، وقد جاء في عدة أحاديث أنَّهم يوم القيامة في عرصات القيامة يؤمرون ويُنهون، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وهذا هو الذي ذكره أبو الحسن الأشعرى عن أهل السنة والجماعة" (^١١).
وقال أيضًا: "ودلت الأحاديث الصحيحة أن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار" (^١٢).
_________________
(١) انظر الاعتقاد للبيهقي (٩١، ٩٢) وانظر تفسير ابن كثير (٣/ ٥١) وفتح الباري (٣/ ٢٤٦) فقد جزم ابن كثير وابن حجر عليهما رحمة الله بنسبة هذا القول للبيهقى ﵀.
(٢) انظر مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٦، ٣٠٣، ٣١٢) (٢٤/ ٣٧٢) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤٠١، ٤٣٥، ٤٣٧).
(٣) درء التعارض (٨/ ٤٣٧).
(٤) انظر طريق الهجرتين (٧٠٢، ٧٠٦) التهذيب لابن القيم بهامش عون المعبود (١٢/ ٣٢٣) وهو شرح لمختصر سنن أبى داود للمنذري.
(٥) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٥١).
(٦) انظر أضواء البيان (٣/ ٤٤٠).
(٧) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٦، ٢٤٧).
(٨) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٣).
(٩) مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٢).
[ ٥١٢ ]
وقال ابن القيم بعد ذكره لهذا القول: "وهذا أعدل الأقوال وبه يجتمع شمل الأدلة وتتفق الأحاديث في هذا الباب، وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة كما في حديث سمرة وبعضهم في النار كما دلَّ عليه حديث عائشة (^١٣)، وجواب النبي -ﷺ- يدل على هذا فإنه قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم" ومعلوم أن الله لا يعذبُهم بعلمه ما لم يقع معلومه، فهو إنما يعذب من يستحق العذاب على معلومه وهو متعلق علمه السابق فيه .. وهذا العلم يظهر معلومه في الدار الآخرة" (^١٤).
وقال ابن كثير بعد ذكره لهذا القول: "وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها" (^١٥).
وقال الشنقيطي: "ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول: بالعذر والامتحان، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أُمر به عند ذلك الامتحان، ويتفق بذلك جمع الأدلة، والعلم عند الله تعالى" (^١٦).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - قوله -ﷺ- عندما سُئل عن أطفال المشركين -كما في حديث أبي هريرة وابن عباس ﵄ (^١٧) -: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
قال ابن القيم: "وفي قوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين" إشارة إلى أنه سبحانه كان يعلم ما كانوا عاملين لو عاشوا وأن من يطيعه وقت الامتحان
_________________
(١) وقد تقدم قريبًا ص (٥٠٩).
(٢) التهذيب لابن القيم هامش عون المعبود (١٢/ ٣٢٣) وانظر طريق الهجرتين (٧٠٢).
(٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٥١).
(٤) أضواء البيان (٣/ ٤٤٠).
(٥) تقدم تخريجهما ص (٥٠٨، ٥٠٩).
[ ٥١٣ ]
كان ممن يطيعه لو عاش في الدنيا، ومن يعصيه حينئذ كان ممن يعصيه لو عاش في الدنيا" (^١٨).
٢ - حديث الأسود بن سريع عن النبى -ﷺ- قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في الفترة، فأما الأصم فيقول: يا رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: ربّ قد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليُطيعنَّه فيرسل إليهم رسولًا أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلامًا" (^١٩).
٣ - حديث أبي هريرة ﵁ بمعنى الحديث السابق (^٢٠).
٤ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يؤتى بأربعةٍ يوم القيامة: بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة وبالشيخ
_________________
(١) التهذيب لابن القيم بهامش عون المعبود (٢/ ٣٢٣) وانظر طريق الهجرتين (٦٨٧، ٦٨٨) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/ ٢٤٦).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٦٠٢) ح (١٥٨٦٦) وابن حبان في صحيحه واللفظ له (١٦/ ٣٥٦) ح (٧٣٥٧) والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ٣٣) ح (٢١٧٤) والبيهقى في الاعتقاد ص (٩٢). وحكم على إسناده بالصحة، كما صححه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٣٠) لكن قال: ليس فيه ذكر المولود، وصححه أيضًا عبد الحق الإشبيلى كما أفاده ابن القيم في طريق الهجرتين (٧٠٣) والسبكى كما في فتاويه (٢/ ٣٦٣) وصحح إسناده ابن القيم في طريق الهجرتين (٧٠٢) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢١٦): ورجال أحمد رجال الصحيح وكذا البزار. وصححه الألباني كما في صحيح الجامع (١/ ٢١٣) ح (٨٨١).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٦٠٢) ح (١٥٨٦٧) والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ٣٣) ح (٢١٧٥) والبيهقى في الاعتقاد ص (٩٢) وحكم على إسناده بالصحة وكذا ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٣٠) لكن قال: ليس فيه ذكر المولود، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢١٦): رجال أحمد رجال الصحيح وكذا البزار. وصححه الألباني كما في صحيح الجامع (١/ ٢١٣) ح (٨٨١).
[ ٥١٤ ]
الفانى، كلهم يتكلم بحجته فيقول الله ﵎ لِعُنق من جهنم -أحسبه قال-: ابرزي، فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم، فإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه، فيقول من كُتب عليه الشقاء: يا رب أتدخلناها ومنها كنا نفرق؟ ومن كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعًا، قال: فيقول الله: قد عصيتمونى وأنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، قال: فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار" (^٢١).
٥ - حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي -ﷺ- -أحسبه- قال: "يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول، ويقول المعتوه: أي ربّ لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًّا، ويقول المولود: لم أُدرك العمل، قال: فترفع لهم نار فيُقال لهم: رِدُوها، أو قال: ادخلوها، فيدخلها من كان في علم الله سعيدًا إن لو أدرك العمل، قال: ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًّا إن لو أدرك العمل، فيقول ﵎: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب" (^٢٢).
٦ - حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "يؤتى يوم القيامة بالممسوح عقلًا، وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوح عقلًا: يا ربِّ لو آتيتنى عقلًا ما كان من آتيته عقلًا بأسعد بعقله مني،
_________________
(١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٣/ ٣٤) ح (٢١٧٧) وأبو يعلى في مسنده (٧/ ٢٢٥) ح (٤٢٢٤) وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٢٨) وأورده الهيثمى في المجمع (٧/ ٢١٦) وقال: رواه أبو يعلى والبزار بنحوه وفيه ليث ابن أبى سُليم وهو مدلس وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح.
(٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٣/ ٣٤) ح (٢١٧٦) وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٢٧) وقال: من الناس من يوقف هذا الحديث على أبي سعيد ولا يرفعه، منهم أبو نعيم الملاى، وأورد هذا الحديث الهيثمى في المجمع (٧/ ٢١٦) وقال: رواه البزار وفيه عطية وهو ضعيف.
[ ٥١٥ ]
ويقول الهالك صغيرًا: يا ربِّ لو آتيتنى عمرًا ما كان من آتيته عمرًا بأسعد من عمره منى، ويقول الهالك في الفترة: يا ربِّ لو جاءني منك رسول ما كان بشر أتاه منك عهد بأسعد بعهدك منى، فيقول الرب تعالى: فإنى آمركم بأمر أفتطيعوني؟ فيقولون: نعم وعزتك يا رب، فيقول: اذهبوا فادخلوا جهنم، ولو دخلوها لم تضرهم شيئًا، فيخرج عليهم فرائض من النار يظنون أنَّها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك، فيقول الرب ﷿: خلقتكم بعلمي وإلى علمي تصيرون فتأخذهم النار" (^٢٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره لبعض الأحاديث السابقة: "وقد جاءت بذلك عدة آثار مرفوعة إلى النبى -ﷺ- وعن الصحابة والتابعين بأنه في الآخرة يمتحن أطفال المشركين وغيرهم ممن لم تبلغه الرسالة في الدنيا، وهذا تفسير قوله "الله أعلم بما كانوا عاملين"" (^٢٤)
وقال أيضًا: "وقد رُوي به آثار متعددة عن النبى -ﷺ- حِسان يصدِّق بعضها بعضًا" (^٢٥).
وقال ابن القيم بعد استعراضه للأحاديث السابقة: "فهذه الأحاديث يشدُّ بعضها بعضًا وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونِها هو مذهب السلف والسنة" (^٢٦).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٨٣) ح (١٥٨) وكذا في المعجم الأوسط (٨/ ٥٧) ح (٧٩٥٥) وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٢٩) وأورده الهيثمى في المجمع (٧/ ٢١٦، ٢١٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه عمرو بن واقد وهو متروك عند البخارى وغيره ورُمي بالكذب وبقية رجال الكبير رجال الصحيح، وقال ابن القيم في طريق الهجرتين (٧٠٤): فهذا وإن كان عمرو ابن واقد لا يحتج به فله أصل وشواهد، والأصول تشهد له، وفي الباب أحاديث غير هذا.
(٢) درء التعارض (٨/ ٤٠١).
(٣) درء التعارض (٨/ ٤٣٧).
(٤) طريق الهجرتين (٧٠٦).
[ ٥١٦ ]
وقال ابن كثير: "أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها" (^٢٧).
٧ - قالوا: دلت الأحاديث الصحيحة أن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار وهذا إنما يكون لأَنهم يُمتحنون في الآخرة فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، وعلى هذا فإن الأطفال منقسمون إلى شقي وسعيد كالبالغين ولذلك فإنه لا يحكم لمعين من الأطفال بجنة ولا نار.
قالوا: والدليل على أن بعضهم في الجنة ما جاء في حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبى -ﷺ- أطفال المشركين والمسلمين حول إبراهيم ﵇ في الروضة (^٢٨).
وأما الدليل على أن بعضهم في النار فهو ما جاء في حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا" (^٢٩).
وكذلك حديث عائشة ﵂ قالت: دعى رسول الله -ﷺ- إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٥١).
(٢) رواه البخارى وقد تقدم تخريجه ص (٥٠٨).
(٣) رواه مسلم وقد تقدم تخريجه ص (٤٨٧).
[ ٥١٧ ]
وهم في أصلاب آبائهم" (^٣٠)، (^٣١).
٨ - قالوا: وهذا القول هو الموافق لأصول الشرع وقواعده وللنصوص العامة الدالة على أن الله تعالى لا يعذب أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٣٢).
قال شيخ الإسلام: "وعلى هذا القول تدل الأصول المعلومة من الكتاب والسنة من أن الله لا يُعذب أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا" (^٣٣).
وقال الطبري في بيان معني الآية السابقة: "يقول تعالى ذكره: وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم" (^٣٤).
ثم أخرج عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا عليه أنه قال: "إذا كان يوم القيامة جمع الله ﵎ نسم الذين ماتوا في الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا، ثم أرسل رسولًا أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم يأتنا رسول؟ وايم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا، ثم يرسل إليهم، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قبل "قال أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٣٥).
قال شيخ الإسلام تعليقًا على هذا الأثر: "فبيَّن أبو هريرة ﵁ أن الله لا يُعذِّب أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا، وأنه في الآخرة يمتحن من لم تبلغه
_________________
(١) رواه مسلم وقد تقدم تخريجه ص (٥٠٩).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٢، ٢٨١) شفاء العليل (١/ ٦٦).
(٣) سورة الإسراء آية (١٥).
(٤) درء التعارض (٨/ ٤٣٧) بتصرف يسير وانظر طريق الهجرتين لابن القيم (٧٠٦).
(٥) جامع البيان في تأويل القرآن (٨/ ٥٠).
(٦) جامع البيان (٨/ ٥٠) وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره (٧/ ٢٣٢١).
[ ٥١٨ ]
الرسالة في الدنيا" (^٣٦).
ثانيًا: مذهب الترجيح:
وقد افترق القائلون به على ستة أقوال (^٣٧)، هي كالتالي:
القول الأول:
أن أولاد المشركين في الجنة وبِهذا جزم البخاري (^٣٨) وابن حزم ونسبه إلى جمهور الناس (^٣٩)، واختاره ابن الجوزي (^٤٠) والنووي (^٤١) وأبو عبد الله القرطبي (^٤٢) والسبكى (^٤٣) والسخاوي (^٤٤) وطائفة من المفسرين والمتكلمين وغيرهم (^٤٥).
واستدل هؤلاء بما يلي:
١ - ظاهر القرآن وذكروا عدة آيات أذكر شيئًا منها (^٤٦): -
- قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ والمولود لا يتوجه عليه التكليف ولا يلزمه قول الرسول حتى يَبْلُغ (^٤٧).
_________________
(١) درء التعارض (٨/ ٤٠٠)
(٢) وهناك قول سابع لكنه ليس لأحد من أهل السنة وليس عليه دليل وهو قول لثمامة بن أشرس النميري المعتزلي، وحاصله: أن الأطفال يصيرون يوم القيامة ترابًا. انظر الفرق بين الفرق للبغدادي (١٦١) طريق الهجرتين (٧١٠) فتح الباري (٣/ ٢٤٦).
(٣) انظر فتح البارى (٣/ ٢٤٦).
(٤) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ١٥٦، ٣٨٠، ٣٨٦).
(٥) انظر مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٣) (٢٤/ ٣٧٢) درء التعارض (٨/ ٤٣٥).
(٦) انظر مسلم بشرح النووي (١٦/ ٤٤٨).
(٧) انظر التذكرة (٢/ ٣٢٣).
(٨) انظر فتاوى السبكي (٢/ ٣٦٢).
(٩) انظر الأجوبة المرضية فيما سُئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية (٢/ ٤٤٨).
(١٠) انظر طريق الهجرتين لابن القيم (٦٩٣).
(١١) وانظر بقية الآيات في الفصل لابن حزم (٢/ ١٥٦، ٣٨٦، ٣٨٧) طريق الهجرتين (٦٩٤ - ٦٩٥).
(١٢) انظر مسلم بشرح النووي (١٦/ ٤٤٨).
[ ٥١٩ ]
- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (^٤٨).
فأولاد المشركين ماتوا على هذا الميثاق وهذا يعني أنَّهم ماتوا على الإسلام فهم من أهل الجنة (^٤٩).
- قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^٥٠) وإذا امتلأت جهنم بإبليس وأتباعه لم يبق فيها موضع لغيرهم، فإذا لم يدخلوا النار فهم بلا شك في الجنة (^٥١).
٢ - قوله -ﷺ-: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .. " (^٥٢).
وقوله -ﷺ- فيما يرويه عن ربه تعالى: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم .. " (^٥٣).
قالوا: إن من مات قبل التهويد والتنصير فقد مات على الفطرة، وكذلك من مات قبل أن تجتاله الشياطين عن دينه فقد مات حنيفًا، ومن كان كذلك فقد مات مسلمًا فيكون في الجنة (^٥٤).
٣ - حديث سمرة بن جندب ﵁ في قصة رؤيا النبى -ﷺ- وفيها أنه
_________________
(١) سورة الأعراف. آية (١٧٢).
(٢) انظر الفصل لابن حزم (٢/ ١٥٦، ٣٨٦) التذكرة للقرطبى (٢/ ٣٢٥).
(٣) سورة ص. آية (٨٥).
(٤) انظر طريق الهجرتين (٦٩٥) والتهذيب لابن القيم بِهامش عون المعبود (١٢/ ٣٢٢) الفصل (٢/ ٣٨٧).
(٥) متفق عليه وتقدم تخريجه ص (٤٨٧).
(٦) أخرجه مسلم وتقدم تخريجه ص (٤٩٠).
(٧) انظر الفصل (٢/ ١٥٦، ٣٨٧) طريق الهجرتين (٦٩٥).
[ ٥٢٠ ]
قال: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵇، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة" قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله -ﷺ-: "وأولاد المشركين (^٥٥).
فقالوا هذا الحديث نص صحيح صريح في أنَّهم في الجنة ورؤيا الأنبياء وحي (^٥٦).
٤ - حديث حسناء بنت معاوية قالت: حدثنا عمى قال: قلت للنبي -ﷺ- من في الجنة؟ قال: "النبى في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة" (^٥٧).
٥ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله: "سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر ألا يعذبَهم، فأعطانيهم" (^٥٨).
والمراد باللاهين: الأطفال، قال ابن عبد البر: "إنما قيل للأطفال اللاهين: لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقد ولا عزم، من قولهم: لهيت عن الشىء أي لم أعتمده" (^٥٩).
٦ - حديث عائشة ﵂ قالت: سألت خديجة النبى -ﷺ- عن
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٥٠٨).
(٢) انظر الفصل (٢/ ٣٨٨) طريق الهجرتين (٦٩٣) فتح البارى (١٢/ ٤٤٥).
(٣) أخرجه أبو داود (عون ٧/ ١٤١) ح (٢٥١٨) وأحمد في مسنده (٦/ ٤٧، ٥٦٨) ح (٢٠٠٦٠، ٢٢٩٦٥) وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١١٦) وحسن الحافظ إسناد أحمد في الفتح (٣/ ٢٤٦) وصححه الألباني في صحيح سنن أبى داود (٢/ ٤٧٩) ح (٢٢٠٠).
(٤) أخرجه أبو يعلى (٦/ ٢٦٧) ح (٣٥٧٠) وأيضًا في (٧/ ١٣٨) ح (٤١٠١، ٤١٠٢) وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١١٧) وحسن الحافظ في الفتح (٣/ ٢٤٦) إسناد أبى يعلى، وقال الهيثمى في المجمع (٧/ ٢١٩): رواه أبو يعلى من طرق ورجال أحدها رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن المتوكل وهو ثقة.
(٥) التمهيد (١٨/ ١١٧) وانظر الفتح (٣/ ٢٤٦).
[ ٥٢١ ]
أولاد المشركين، فقال: "هم مع آبائهم" ثم سألته بعد ذلك فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ثم سألته بعدما استحكم الإسلام فنزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٦٠) وقال: "هم على الفطرة، أو قال: في الجنة" (^٦١).
قال ابن القيم بعدما ساق أدلة هذا القول: "وهذه حجج كما ترى قوة وكثرة ولا سبيل إلى دفعها" (^٦٢).
القول الثانى:
أن أولاد المشركين خدم أهل الجنة (^٦٣) وهذا منسوب إلى سلمان ﵁ (^٦٤)، وعزاه الخطابي إلى بعض أهل التفسير (^٦٥).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أطفال المشركين خدم أهل الجنة" (^٦٦).
_________________
(١) سورة الأنعام. آية (١٦٤).
(٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١١٧) وقال الحافظ ابن حجر: فيه أبو معاذ سليمان بن أرقم وهو ضعيف، ولو صح هذا لكان قاطعًا للنِّزاع رافعًا لكثير من الإشكال. انظر فتح الباري (٣/ ٢٤٧).
(٣) طريق الهجرتين (٦٩٧).
(٤) انظر أعلام الحديث للخطابي (٤/ ٢٣٢٤ - ٢٣٢٥) التمهيد (١٨/ ٩٧) الفصل (٢/ ٣٨٨) شرح السنة (١/ ١٥٧) كشف المشكل (٢/ ٣٦٧) التذكرة (٢/ ٣٢٤) درء التعارض (٨/ ٤٣٥) طريق الهجرتين (٦٩٨).
(٥) انظر مصنف عبد الرزاق (١١/ ١١٧) وشرح السنة (١/ ١٥٧) ولم أقف على تسمية من ذهب إلى هذا القول غير سلمان ﵁.
(٦) انظر أعلام الحديث (٤/ ٢٣٢٤).
(٧) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٩٤) ح (٥٣٥٥) وأيضًا في (٣/ ٢٢٠) ح (٢٩٧٢). والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ٣١) ح (٢١٧٠) وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١١٨) وقال القرطبى في التذكرة (٢/ ٣٢٤) إسناد هذا الحديث ليس بالقوي وضعفه الحافظ في الفتح (٣/ ٢٤٦) وانظر: ضعيف الجامع للألباني (٤٧٣) ح (٣٢٢٥).
[ ٥٢٢ ]
٢ - حديث سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله -ﷺ- سُئل عن أطفال المشركين، فقال: "هم خدم أهل الجنة" (^٦٧).
القول الثالث:
أنَّهم أهل الأعراف فيكونون في برزخ بين الجنة والنار لأنَّهم لم يعملوا حسنات يدخلون بِها الجنة ولا سيئات يدخلون بِها النار (^٦٨).
وهذا القول لم أقف على تسمية من ذهب إليه.
القول الرابع:
أنَّهم في النار وإليه ذهب ابن بطة (^٦٩) واختاره القاضى أبو يعلى (^٧٠). وذكر أنه منصوص عن أحمد (^٧١)، وهو قول جماعة من أهل الحديث والمفسرين
_________________
(١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٣/ ٣١) ح (٢١٧٢) والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٢٩٥) ح (٦٩٩٣) وكذا في الأوسط (٢/ ٣٠٢) ح (٢٠٤٥) وقال الحافظ في الفتح (٣/ ٢٤٦): "إسناده ضعيف". وقال الهيثمى في المجمع (٧/ ٢١٩): "فيه عباد بن منصور، وثقه يحيى القطان وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات".
(٢) انظر: كشف المشكل (٢/ ٣٦٧) درء التعارض (٨/ ٤٣٥) التهذيب لابن القيم بهامش عون المعبود (١٢/ ٣٢٣) طريق الهجرتين (٦٩٧) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣) طرح التثريب (٧/ ٢٣١) فتح الباري (٣/ ٢٤٦). تنبيه: بعض أهل العلم يجعل هذا القول والذي قبله داخلان في القول الأول، وهو أن أولاد المشركين في الجنة. انظر: درء التعارض (٨/ ٤٣٥) وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٣) بعدما ذكر القول بأنَّهم أهل الأعراف: "وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنَّهم من أهل الجنة، لأن الأعراف ليس دار قرار، ومآل أهلها إلى الجنة" وانظر: (٣/ ٥٢). وأكثر أهل العلم يجعلون كل واحد من الأقوال الثلاثة قولًا مستقلًّا، والخطب في هذا يسير، لأن النتيحة واحدة.
(٣) انظر الإبانة الكبرى (٢/ ٧٥) تحقيق د. عثمان الأثيوبى.
(٤) انظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧٢) درء التعارض (٨/ ٤٣٥).
(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا غلط على أحمد، وهو مما نسبه إليه بعض أصحابه وهمًا" انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٣) (٢٤/ ٣٧٢) درء التعارض (٨/ ٣٩٨، ٤٣٥).
[ ٥٢٣ ]
والمتكلمين وطائفة من أصحاب أحمد (^٧٢) وغيرهم، ونسبه النووي إلى الأكثرين (^٧٣).
واستدل هؤلاء بما يلي:
١ - حديث الصعب بن جثَّامة أن النبي -ﷺ- سُئل عن أولاد المشركين فقال: "هم منهم" وفي رواية "هم من آبائهم" (^٧٤).
٢ - حديث سلمة بن زيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله -ﷺ-، قال: قلنا: يا رسول الله إن أُمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل وتفعل، هلكت في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: "لا"، قال: قلنا: فإنَّها كانت وأدت أختًا لنا في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: "الوائدة والموءودة في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فيعفو الله عنها" (^٧٥).
٣ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبى -ﷺ- قال: "الوائدة والموءودة في النار" (^٧٦).
٤ - حديث عائشة ﵂ أنَّها ذكرت لرسول الله -ﷺ- أطفال
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٣) (٢٤/ ٣٧٢) درء التعارض (٨/ ٤٣٥) طريق الهجرتين (٦٨٩).
(٢) انظر مسلم بشرح النووى (١٦/ ٤٤٨) قال السبكى: "وفي هذه النسبة نظر"، انظر: فتاوى السبكى (٢/ ٣٦٢، ٣٦٣).
(٣) تقدم تخريجه ص (٥٠٩).
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٥٢٥) ح (١٥٤٩٣) وأبو داود الطيالسي (١٨٥) ح (١٣٠٦) والبخارى فى التاريخ الكبير (٤/ ٧٢ - ٧٣) والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٣٩، ٤٠) ح (٦٣١٩) (٦٣٢٠) وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١١٩) وقال: "وهو حديث صحيح من جهة الإسناد" وقال ابن القيم في طريق الهجرتين (٦٩١): "هذا إسناد لا بأس به" وحكم السبكى كما في فتاويه (٢/ ٣٦٣) على إسناده بالصحة. وحسن إسناده ابن كثير في التفسير (٣/ ٥٣).
(٥) أخرجه أبو داود في سننه (عون ١٢/ ٣٢٢) ح (٤٧٠٢) وصححه الألباني كما في صحيح سنن أبى داود (٣/ ٨٩٤) ح (٣٩٤٨).
[ ٥٢٤ ]
المشركين، فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" (^٧٧).
هذه هى أشهر أدلتهم التى يستدلون بِها على أن لهم أدلة أخرى غير هذه لكنها إما موضوعة وإما ضعيفة لا تقوم بِها حجة (^٧٨).
القول الخامس:
أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة فلا يُفردون عنهم بحكم في الدارين، فهم مؤمنون بإيمان آبائهم وكافرون بكفر آبائهم، فأطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار في النار (^٧٩).
وهذا القول هو ظاهر كلام الخطابي ونسبه إلى عامة أهل السنة (^٨٠).
وفرَّق ابن القيم بين هذا القول والقول السابق فقال: "والفرق بين هذا المذهب ومذهب من يقول: هم في النار، أن صاحب هذا المذهب يجعلهم معهم تبعًا لهم حتى لو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما لم يحكم لأفراطهما بالنار، وصاحب القول الآخر يقول: هم في النار لكونِهم ليسوا بمسلمين لم يدخلوها تبعًا" (^٨١).
وأدلة هذا القول هي أدلة القول السابق.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٧/ ٢٩٨) ح (٢٥٢١٥) وأبو داود الطيالسي في مسنده (٢٢٠) ح (١٥٧٦) وابن عبد البر في التمهيد بأطول من هذا السياق (١٨/ ١٢٢) وفي إسناده أبو عقيل يحيى بن المتوكل، قال فيه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٢٢): "لا يحتج بمثله عند أهل العلم بالنقل" وقال ابن القيم في طريق الهجرتين (٦٩٠) "لا يحتج بمثله، فإنه في غاية الضعف" وقال الحافظ في الفتح (٣/ ٢٤٦) عن هذا الحديث: "ضعيف جدًّا، لأن في إسناده أبا عقيل مولى بُهية وهو متروك" وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢١٧): "رواه أحمد وفيه أبو عقيل يحيي بن المتوكل ضعفه جمهور الأئمة أحمد وغيره".
(٢) انظرها في الفصل (٢/ ٣٨٠) التذكرة (٩/ ٣١٢ - ٣٢١) طريق الهجرتين (٦٨٩ - ٦٩٣).
(٣) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ٩٦) طريق الهجرتين لابن القيم (٦٩٨) فتح البارى (٣/ ٢٤٦).
(٤) انظر: أعلام الحديث (٤/ ٢٣٢٤) معالم السنن (٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩).
(٥) طريق الهجرتين (٦٩٩).
[ ٥٢٥ ]
القول السادس:
التوقف (^٨٢) وتوكيل علمهم إلى الله تعالى فلا يشهد لهم بجنة ولا نار، وربما عبر بعضهم عن ذلك بقوله: إنَّهم في المشيئة.
وإلى هذا ذهب جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهوية وأكثر أصحاب مالك (^٨٣)، واختاره أبو بكر بن الأثرم (^٨٤) والبغوي (^٨٥) وهو ظاهر كلام الشوكاني (^٨٦).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - حديث أبي هريرة وابن عباس أنه -ﷺ- سُئل عن أولاد المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (^٨٧).
٢ - حديث ابن عباس ﵄ قال: أتى علىَّ زمان وأنا أقول أولاد المسلمين مع المسلمين وأولاد المشركين مع المشركين، حتى حدثنى فلان عن فلان أن رسول الله -ﷺ- سُئل عنهم فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" قال: فلقيت الرجل فأخبرني فأمسكت عن قولي (^٨٨).
٣ - عموم قول النبي -ﷺ- كما في حديث أنس ﵁: "إن الله ﷿ وكل بالرحم ملكًا يقول: يا ربِّ نطفة، يا ربِّ علقة، يا ربِّ مضغة،
_________________
(١) وليس المراد بالتوقف هنا: التوقف في اصطلاح الأصوليين، انظر: التعليق ص (٥١١).
(٢) انظر التمهيد (١٨/ ١١١، ١١٢).
(٣) انظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٢/ ٣٦٦).
(٤) انظر شرح السنة (١/ ١٥٥).
(٥) انظر: نيل الأوطار (٧/ ٢٣٧).
(٦) تقدم تخريجهما ص (٥٠٩).
(٧) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٧٠) ح (٢٠١٧٤) وابن أبي عاصم في السنة (٩٥) ح (٢١٤) وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٠٥) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢١٨): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح" وقال الألباني في تخريج السنة: "إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم".
[ ٥٢٦ ]
فإذا أراد أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد" (^٨٩).
وورد معناه من حديث ابن مسعود وحذيفة بن أسِيد ﵄ (^٩٠).
٤ - حديث عائشة ﵂ قالت: دُعي رسول الله -ﷺ- إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" (^٩١).
قال ابن عبد البر بعدما ساق الأدلة على هذا القول: "أحاديث هذا الباب من جهة الإسناد صحاح ثابتة عند جميع أهل العلم بالنقل" (^٩٢).
ثالثًا: مذهب التوقف:
وهو الإمساك عن الخوض في هذه المسألة لعدم العلم بحكمهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الوقف قد يُفسر بثلاثة أمور: أحدها: أنه لا يُعلم حكمهم فلا يُتكلم فيهم بشىء، وهذا قول طائفة من المنتسبين إلى السنة" (^٩٣).
وهو منقول عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية والقاسم بن محمد (^٩٤)، وهو
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٤٦٦).
(٢) تقدم تخريجهما ص (٤٦٦).
(٣) تقدم تخريجه ص (٥٠٩).
(٤) التمهيد (١٨/ ١٢٦).
(٥) درء التعارض (٨/ ٤٣٦). وأما الأمر الثاني والثالث اللذين يفسر بهما الوقف فقد تقدم ذكرهما في مذهب الجمع ومذهب الترجيح.
(٦) انظر: التمهيد (١٨/ ١٣١ - ١٣٢) طريق الهجرتين (٧١٠) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٤).
[ ٥٢٧ ]
الظاهر من إحدى الروايتين عن الإمام أحمد فقد قال ﵀: "ونحن نمر هذه الأحاديث على ما جاءت ونسكت ولا نقول شيئًا" (^٩٥).
وقد جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يزال أمر هذه الأمة موائمًا أو مقاربًا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر" (^٩٦).
قال أبو حاتم: الولدان أراد به أطفال المشركين.
* * *
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٣٦، ٣٩٧) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة للأحمدى (١/ ١٧٤ - ١٧٥).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٥/ ١١٨) ح (٦٧٢٤) والحاكم في المستدرك (١/ ٨٨) ح (٩٣) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبى، والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ٣٥) ح (٢١٨٠) والطبراني في الكبير (١٢/ ١٦٢) ح (١٢٧٦٤) وكذا في الأوسط (٤/ ٢٤١) ح (٤٠٨٦) وقال الهيثمى في المجمع (٧/ ٢٠٢): "رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجال البزار رجال الصحيح". وأخرجه عن ابن عباس موقوفًا عليه: عبد الله بن الإمام أحمد في السنة (٢/ ٤٠٠) ح (٨٧٠) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٦٩٧) ح (١١٢٧) وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٣١).
[ ٥٢٨ ]
المطلب الثالث الترجيح
أقوى الأقوال -والله تعالى أعلم- هو مذهب الجمع وهو القول بالامتحان، لأنه هو الذي تجتمع فيه الأدلة وتأتلف فيه النصوص، ويليه في القوة: القول بأنهم في الجنة، وأما بقية الأقوال فضعيفة.
وقد أورد ابن عبد البر على القول بالامتحان وأحاديثه اعتراضًا فقال: "وجملة القول في أحاديث هذا الباب كلها ما ذكرت منها وما لم أذكر، أنَّها من أحاديث الشيوخ وفيها علل وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء، وهو أصل عظيم، والقطع فيه بمثل هذه الأحاديث ضعف في العلم والنظر، مع أنه عارضها ما هو أقوى منها" (^١).
وقال أيضًا: "أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء وكيف يُكلفون دخول النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين؟ والله لا يُكلف نفسًا إلا وسعها" (^٢).
وأورد أبو عبد الله القرطبي حديث الامتحان ثم قال: "ويضعفه من جهة المعنى أن الآخرة ليست بدار تكليف وإنما هي دار جزاء: ثواب وعقاب" (^٣).
والجواب عن هذا الاعتراض من وجوه (^٤):
_________________
(١) التمهيد (١٨/ ١٣٠)
(٢) نقل ذلك عنه ابن القيم في طريق الهجرتين (٧٠٦) وابن كثير في تفسيره (٣/ ٥١).
(٣) التذكرة (٢/ ٣٢٢).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨١، ٣٠٣) (٢٤/ ٣٧٣) طريق الهجرتين (٧٠٦ - ٧١٠) تفسير ابن كثير (٣/ ٥١ - ٥٢) العواصم والقواصم لابن الوزير (٧/ ٢٥٧) فتح البارى (٣/ ٢٤٦).
[ ٥٢٩ ]
الوجه الأول: أنه لا يُشترط في الرواة أن يكونوا أئمة فقهاء، وأهل العلم لم يتفقوا على إنكارها بل ولا أكثرهم، وإن أنكرها بعضهم فقد صححها أو بعضها غيرهم (^٥)، ثم إن حديث الأسود بن سريع أجود من كثير من الأحاديث التي يُحتج بِها في الأحكام ولهذا رواه الأئمة كأحمد وإسحاق وعلي ابن المديني، كما أن أبا الحسن الأشعري حكى عن أهل السنة والحديث القول بالامتحان مما يدل على أنَّهم أخذوا بموجب هذه الأحاديث.
الوجه الثاني: أن قوله: "وهو أصل عظيم والقطع فيه .. " يُجاب عنه بأن القطع كذلك بتكذيب هذه الأحاديث ورواتِها عقلًا وسمعًا فيه ضعف لا يخفى، وقد نَهى النبى -ﷺ- عن تكذيب أهل الكتاب لئلا يكون ما رووه حقًّا، وهو هنا من باب أولى (^٦).
الوجه الثالث: أن قوله إن أحاديث الامتحان قد عارضها ما هو أقوى مجيئًا منها إشارة منه إلى قوله -ﷺ-: "الله أعلم بما كانوا عاملين" وهذا غير مسلَّم فإن أحاديث الامتحان ليست معارضة لِهذا الحديث وإنما هي زيادة عليه وبيان وتفسير له، وفرق بين المعارضة والزيادة والبيان.
وكذلك القول في حديث سمرة بن جندب في رؤية أولاد المشركين حول إبراهيم ﵇ في الجنة فإنه غير معارض لأحاديث الامتحان لأن أولئك الأطفال ممن علم الله سعادتَهم ونجاتَهم في ذلك الامتحان.
الوجه الرابع: أن التكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء والقرار وهي الجنة أو النار وأما قبل ذلك فلا ينقطع كما في عرصات القيامة وكما في البرزخ
_________________
(١) انظر لزامًا ص (٥١٦، ٥١٧) من هذا البحث.
(٢) وهذا بطبيعة الحال إذا لم يكن هناك حجة قوية على القطع برد الخبر، أما إن وجدت فلا إشكال.
[ ٥٣٠ ]
وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بسؤال الملكين في البرزخ فيُقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وهذا تكليف.
وأما في عرصات القيامة فإن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (^٧) صريح في وقوع التكليف في الآخرة لأن الله تعالى يدعو الخلائق إلى السجود فيسجد المؤمنون ويُحال بين الكفار وبين السجود لأَئهم كُلِّفوا به في الدنيا وهم قادرون عليه فامتنعوا، وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (^٨)، (^٩).
الوجه الخامس: أن قول ابن عبد البر: وكيف يُكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، جوابه من أربعة وجوه:
أحدها: أن ذلك ليس تكليفًا بما ليس في الوسع، وإنما هو تكليف بما فيه مشقة شديدة، وهو كتكليف بنى إسرائيل قتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا العجل، وكتكليف المؤمنين إذا رأوا الدجال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا في الذي يرونه نارًا، وكذلك فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم فمنهم الناجي، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس في وقوع الامتحان بالنار بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم.
والثاني: أنَّهم لو أطاعوه ودخلوها لم تضرهم وكانت بردًا وسلامًا، فلم يُكلفوا بممتنع ولا بما لا يُستطاع.
_________________
(١) سورة القلم، آية (٤٢).
(٢) سورة القلم، آية (٤٣).
(٣) انظر للاستزادة من الأدلة على هذا: الإبانة لأبى الحسن الأشعري (١٣٨) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧٣) طريق الهجرتين (٧٠٨ - ٧٠٩) تفسير ابن كثير (٣/ ٥١ - ٥٢).
[ ٥٣١ ]
الثالث: أنه قد ثبت أن الله تعالى يأمر الناس يوم القيامة بالسجود ويحول بين المنافقين وبينه وهذا تكليف لهم بما ليس في الوسع قطعًا، فكيف يُنكر التكليف بدخول النار، التى هي نار في رأى العين وأما في الحقيقة فليست كذلك.
الرابع: أن استبعاد هذا إنما هو استبعاد مجرد لا ينبغي أن تُرد بمثله الأحاديث.
مناقشة الأقوال الأخرى:
- أما القول بأنَّهم في الجنة فإنه يُشكل عليه قوله -ﷺ-: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (^١٠) وكذلك قوله -ﷺ-: "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا ولو عاش لأرهق أبويه طُغيانًا وكفرًا".
ولهذا قال النووي -وهو ممن يذهب إلى هذا القول كما تقدم-: "وأما غلام الخضر فيجب تأويله قطعًا" (^١١).
- وأما القول بأنَّهم خدم أهل الجنة فلا أصل له وهو مبنى على أحاديث ضعيفة لا تقوم بِها حجة (^١٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الولدان الذين يطوفون على أهل الجنة خلق من خلق الجنة ليسوا بأبناء أهل الدنيا، بل أبناء أهل الدنيا إذا دخلوا الجنة يُكمل خلقهم كأهل الجنة على صورة آدم أبناء ثلاث وثلاثين سنة في طول
_________________
(١) وقد أجابوا عنه بأجوبة ضعيفة كادِّعاء النسخ مثلًا، انظر: الفصل (٢/ ٣٨٥) التهذيب لابن القيم بِهامش عون المعبود (١٢/ ٣٢٣) مسلم بشرح النووى (١٦/ ٤٥٠).
(٢) مسلم بشرح النووي (١٦/ ٤٥٠).
(٣) انظر: الاعتقاد للبيهقي (٨٩) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٩).
[ ٥٣٢ ]
ستين ذراعًا" (^١٣).
- وأما القول بأنَّهم أهل الأعراف فليس بشىء، قال السبكي: "وأما القول بأنَّهم في الأعراف فلا أعرفه ولا أعلم حديثًا ورد به، ولا قاله أحدٌ من العلماء فيما علمت" (^١٤).
- وأما القول بأنَّهم في النار أو أن حكمهم حكم آبائهم فقول مردود، وأدلتهم يُجاب عنها بما يلى:
أما قوله -ﷺ- في أولاد المشركين: "هم منهم" أو "هم من آبائهم" فليس هذا في حكم الآخرة وإنما هو في حكم الدنيا كما هو صريح الحديث أنَّهم إذا أُصيبوا في الجهاد والبيات، وقد نقل ابن بطة وابن عبد البر الإجماع على ذلك (^١٥).
وقال ابن عبد البر: "معني هذا الحديث عند أهل العلم: في أحكام الدنيا .. هم من آبائهم، وعلى ذلك مخرج الحديث، فليس على من قتلهم قود ولا دية لأنهم أولاد من لا دية في قتله ولا قود، لمحاربته وكفره، وليس هذا الحديث في أحكام الآخرة وإنما هو في أحكام الدنيا، فلا حجة فيه" (^١٦).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قد عُلم بالاضطرار من شرع الرسول أن أولاد الكفار يكونون تبعًا لآبائهم في أحكام الدنيا" (^١٧).
ومما يدل على أن الأطفال لا يُعذبون بعذاب آبائهم قوله تعالى: ﴿وَلَا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٣١١) وانظر: (٤/ ٢٧٩).
(٢) فتاوى السبكي (٢/ ٣٦٤) وانظر التهذيب لابن القيم بهامش عون المعبود (١٢/ ٣٢٣).
(٣) انظر: الإبانة الكبرى (٢/ ٧٣) تحقيق د. عثمان الأثيوبي، التمهيد (١٨/ ١٣٣، ١٣٤).
(٤) التمهيد (١٨/ ١٢١) وانظر الاعتقاد للبيهقى (٨٩) طريق الهجرتين (٦٩٩، ٧٠٠) نيل الأوطار (٧/ ٢٣٧).
(٥) درء التعارض (٨/ ٤٣٣).
[ ٥٣٣ ]
تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^١٨)، (^١٩).
- وأما قوله -ﷺ-: "الوائدة والموءودة في النار" فقد اختلف أهل العلم في تأويله ومنهم من أنكر متنه (^٢٠)، وأحسن ما قيل فيه هو قول ابن القيم ﵀: الموءودة" في النار ما لم يوجد سبب يمنع من دخولها النار. . . ففرق بين أن تكون جهة كونِها موءودة هى التى استحقت بِها دخول النار، وبين كونِها غير مانعة من دخول النار بسبب آخر، وإذا كان تعالى يسأل عن وأد ولدها بغير استحقاق ويعذبُها على وأدها كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (^٢١) فكيف يُعذب الموءودة بغير ذنب" (^٢٢).
- وأما بقية الأحاديث التى يستدل بِها أصحاب هذا القول فضعيفة لا يُحتج بِها.
قال ابن الوزير: "ليس في تعذيب الأطفال حديث صحيح صريح" (^٢٣).
- وأما القول بالوقف فإن أدلة القائلين به ليس فيها ما يخالف القول بالامتحان، ولذلك فإن القائلين بالامتحان يأخذون بمدلول أدلة هذا القول غير أنَّهم يزيدون على ذلك القول بالامتحان لدلالة النصوص على ذلك (^٢٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأما جواب النبى -ﷺ- .. وهو قوله: "الله
_________________
(١) سورة الأنعام، آية (١٦٤).
(٢) انظر: الفصل (٢/ ٣٨٦).
(٣) انظر: الفصل (٢/ ٣٨٢) التمهيد (١٨/ ١٢٠) العواصم والقواصم (٧/ ٢٤٩ - ٢٥٠) فتاوى السبكى (٢/ ٣٦٣).
(٤) سورة التكوير، آية (٨).
(٥) طريق الهجرتين (٧٠٠) وانظر: روح المعاني للألوسى (٣٠/ ٥٣).
(٦) العواصم والقواصم (٧/ ٢٥١) وانظر: (٧/ ٢٥٧).
(٧) انظر ص (٥٣٠) من هذا البحث، الوجه الثالث.
[ ٥٣٤ ]
أعلم بما كانوا عاملين" فإنه فصل الخطاب في هذا الباب، وهذا العلم يظهر حكمه في الآخرة" (^٢٥).
وقال ابن القيم: "النبى -ﷺ- لم يجب فيهم بالوقف وإنما وكل علم ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى الله، والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا، فهو سبحانه يعلم القابل منهم للهدى العامل به لو عاش، والقابل منهم للكفر المؤثر له لو عاش، لكن لا يدل هذا على أنه سبحانه يجزيهم بمجرد علمه فيهم بلا عمل يعملونه، وإنما يدل على أنه يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتِهم" (^٢٦).
- وأما حديث عائشة ﵂ لما شهدت لصبى من الأنصار بالجنة قال لها رسول الله -ﷺ-: "أوَ غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" فقد قال فيه البيهقي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم: هذا الحديث إنما يدل على أنه لا يُشهد ولا يُقطع لكل واحد من أطفال المؤمنين بعينه بالجنة، وإن أُطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة، لكن الشهادة للمعين ممتنعة (^٢٧).
_________________
(١) درء التعارض (٨/ ٤٠٢).
(٢) طريق الهجرتين (٦٨٧ - ٦٨٨).
(٣) انظر: الاعتقاد للبيهقي (٩١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨١) طريق الهجرتين (٧٠١). تنبيه: هذا أحسن ما قيل في معني الحديث وقد تأوله بعضهم تأويلات بعيدة. انظر: التذكرة (٢/ ٣١٨) مسلم بشرح النووى (١٦/ ٤٤٧) طريق الهجرتين (٧٠١) وردَّ هذا الحديث الإمام أحمد كما في طريق الهجرتين (٧٠١) وضعفه آخرون كابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٥٠) وقال: "فيه طلحة بن يحيى وهو ضعيف لا يحتج به وهذا الحديث مما انفرد به فلا يعرج عليه" والحق أنه لم ينفرد به طلحة بل تابعه عليه فضيل بن عمرو كما عند مسلم (١٦/ ٤٥١) وهو ثقة، انظر: تقريب التهذيب (٢/ ١٥).
[ ٥٣٥ ]
- وأما مذهب التوقف والذي هو الإمساك عن الخوض في هذه المسألة فقد تكرر كثيرًا -فيما تقدم- أن بابه واسع "فمن اشتبهت عليه الأمور فتوقف لئلا يتكلم بلا علم، أو لئلا يتكلم بكلام يضر ولا ينفع فقد أحسن، ومن علم الحق فبيَّنه لمن يحتاج إليه وينتفع به فهو أحسن وأحسن" (^٢٨).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعدما رجح القول بالامتحان: "وهذا التفصيل يُذهب الخصومات التي كره الخوض فيه لأجلها من كره، فإن من قطع لهم بالنار كلهم جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنة كلهم جاءت نصوص تدفع قوله، ثم إذا قيل: هم مع آبائهم لزم تعذيب من لم يذنب، وانفتح باب الخوض في الأمر والنهي والوعد والوعيد والقدر والشرع .. " (^٢٩).
- وأما ما ورد عن ابن عباس ﵄ أن النبى -ﷺ- قال: "لا يزال أمر هذه الأمة موائمًا، أو مقاربًا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر" فمحمول على ذمِّ من تكلم فيهم بغير علم، أو ضرب النصوص بعضها ببعض فيهم، كما ذمَّ من تكلم في القدر بمثل ذلك، وأما من تكلم فيهم بالعلم الذي بينه الله ورسوله فإنه لا يُذم بل هو مأمور به، وهو الذي ينبغى للإنسان طلبه (^٣٠)، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) مقتبس من كلام ابن تيمية في درء التعارض (٨/ ٤٠٧).
(٢) درء التعارض (٨/ ٤٠١).
(٣) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٠٨) طريق الهجرتين (٦٨٩) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٤).
[ ٥٣٦ ]
المبحث الخامس ما جاء في (اللو)
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٥٣٧ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
أولًا: ما جاء من النهي عن استعمال (لو):
- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" (^١).
ثانيًا: النصوص الدالة على جواز استعمال (لو):
- حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي .. " (^٢).
وعقد البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التمنى بابًا بعنوان: ما يجوز من اللو (^٣) ثم ذكر فيه تسعة أحاديث، أذكر منها ما يلى:
- حديث ابن عباس ﵄: "لو كنت راجمًا امرأة من غير بينة .. " (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز (١٦/ ٤٥٥) ح (٢٦٦٤).
(٢) أخرجه البخارى في كتاب التمنى، باب: قول النبى -ﷺ- "لو استقبلت من أمرى ما استدبرت" (٦/ ٢٦٤٢) ح (٦٨٠٢) وأخرجه مسلم من حديث جابر في كتاب الحج، باب: حجة النبى -ﷺ- (٨/ ٤٢٠) ح (١٢١٨).
(٣) انظر صحيح البخارى (٦/ ٢٦٤٤).
(٤) أخرجه البخارى برقم (٦٨١١) وأخرجه مسلم في كتاب اللعان (١٠/ ٣٨٣) ح (١٤٩٧).
[ ٥٣٨ ]
- حديث أبي هريرة ﵁ أنَّهم لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بِهم النبى -ﷺ- حتى رأوا الهلال ثم قال: "لو تأخر لزدتكم" كالمنكِّل لهم (^٥).
- حديث عبد الله بن زيد ﵁: "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار ولو سلك الناس واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها" (^٦).
بيان وجه التعارض
بالنظر إلى الأحاديث السابقة نجد أن الحديث الأول فيه النهي عن استعمال كلمة (لو) بينما نجد في بقية الأحاديث استعمال الرسول -ﷺ- لهذه الكلمة مما يدل على جوازها.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٨١٥) وأخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب: النهى عن الوصال في الصوم (٧/ ٢١٩) ح (١١٠٣).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٦٨١٨) ومسلم في كتاب الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم (٧/ ١٦٣) ح (١٠٦١).
[ ٥٣٩ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
لا تخرج أقوال أهل العلم في هذه المسألة عن مذهب الجمع، وقد جاءت هذه الأقوال متقاربة يمكن رد بعضها إلى بعض وتقسيمها إلى ثلاثة أقوال كما يلى:
القول الأول:
ما ذهب إليه القاضى عياض ﵀ وهو التفريق بين استعمالها لما مضى وانقضى وليس في القدرة ولا في الإمكان فعله، وبين استعمالها في الخبر عما يُستقبل مما لا اعتراض فيه على قدر.
فالأول مكروه كراهة تنزيه وعليه يُحمل حديث النهى، والثاني جائز لا كراهة فيه وعليه تحمل الأحاديث التى ذكرها البخاري في باب: ما يجوز من اللو (^١).
القول الثاني:
ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أن (لو) تستعمل على وجهين:
أحدهما: على وجه الحزن على الماضى والجزع من المقدور وهذا هو المنهى عنه كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا
_________________
(١) انظر إكمال المعلم (٨/ ١٥٨).
[ ٥٤٠ ]
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (^٢).
والوجه الثاني: أن تستعمل (لو) لبيان علم نافع أو لبيان محبة الخير وإرادته، وهذا جائز فمثال الأول قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (^٣)، ومثال الثاني: ما جاء في الحديث "لو أن لى مالًا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء" (^٤)، (^٥).
قال النووي ﵀: "الظاهر أن النهى إنما هو عن إطلاق ذلك في ما لا فائدة فيه فيكون نهى تنزيه لا تحريم، فأما من قاله تأسفًا على ما فات من طاعة الله أو ما هو متعذر عليه من ذلك ونحو هذا فلا بأس به، وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث" (^٦).
وقال القرطبى: "محل النهى عن إطلاقها إنما هو فيما إذا أطلقت في معارضة القدر، أو مع اعتقاد: أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور، فأما لو أخبر بالمانع على جهة أن تتعلق به فائدة في المستقبل، فلا يختلف في
_________________
(١) سورة آل عمران. آية (١٥٦).
(٢) سورة الأنبياء. آية (٢٢).
(٣) ونص الحديث بتمامه: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقى ربه ويصل رحمه ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أنّ لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقى فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقًّا فهو بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء" أخرجه الترمذى من حديث أبى كبشة الأنمارى (تحفة ٦/ ٦١٥) ح (٢٤٢٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٢/ ١٤١٣) ح (٤٢٢٨) وأحمد في المسند (٥/ ٢٧٢) ح (١٧٥٦٣) وصححه الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجه (٣/ ٣٧٧).
(٤) انظر مجموع الفتاوى (٨/ ٣٤٧ - ٣٤٨) إعلام الموقعين لابن القيم (٣/ ١٥٧) زاد المعاد (٢/ ٣٥٧). تيسير العزيز الحميد (٦٨٨) فتح المجيد (٥٥٧) القول السديد للسعدى (١٧٢).
(٥) مسلم بشرح النووى (١٦/ ٤٥٦).
[ ٥٤١ ]
جواز إطلاقه، إذ ليس في ذلك فتح لعمل الشيطان ولا شيءٌ يُفضى إلى ممنوع ولا حرام" (^٧).
القول الثالث:
ما ذهب إليه الطبري ﵀ من أن النهي مخصوص بالجزم بالفعل الذي لم يقع، فالمعنى: لا تقل لشيء لم يقع لو أني فعلت كذا لوقع قاضيًا بتحتم ذلك غير مضمر في نفسك شرط مشيئة الله تعالى، وما ورد من قول (لو) محمول على ما إذا كان قائله موقنًا بالشرط المذكور وهو أنه لا يقع شيء إلا بمشيئة الله وإرادته (^٨).
* * *
_________________
(١) المفهم (٦/ ٦٨٣).
(٢) انظر فتح البارى (١٣/ ٢٢٨).
[ ٥٤٢ ]
المطلب الثالث الترجيح
لم يفهم أهل العلم من حديث النهي -"وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا"- النهي عن استعمال (لو) مطلقًا، فقد بوَّب البخاري في صحيحه -كما تقدم- باب ما يجوز من اللو، قال ابن حجر تعليقًا على هذه الترجمة: "فيه إشارة إلى أنَّها في الأصل لا تجوز إلا ما استثنى" (^١).
وقال الطحاوي: " (لو) ليست مكروهة في كل الأشياء" (^٢).
وقال القرطبى بعد ذكره لحديث النهي: "ولا يُفهم من هذا أنه لا يجوز النطق بـ (لو) مطلقًا، إذ قد نطق بِها النبي -ﷺ-" (^٣)، وهذا الفهم صحيح لورود الأحاديث الكثيرة التي فيها استعمال الشارع لهذه الكلمة، وحاشاه من أن تتناقض أقواله، ولهذا جاءت أقوال أهل العلم في هذه المسألة بالتفصيل -كما تقدم- وذلك للجمع بين هذه النصوص.
ولا شك أن التفصيل في هذه المسألة هو المتعيِّن، ويمكن أن نجعل لهذه المسألة ضابطًا ينتظم جميع استعمالات (لو) ويجمع بين هذه النصوص كما يلي:
الضابط في حكم استعمال (لو) هو: أنها بحسب الحال الباعث والحامل عليها (^٤)، وعلى هذا:
_________________
(١) فتح البارى (١٣/ ٢٢٧) بتصرف يسير.
(٢) مشكل الآثار (١/ ٧٢).
(٣) المفهم (٦/ ٦٨٣).
(٤) انظر القول السديد للسعدى (١٧٤).
[ ٥٤٣ ]
- فإن كان الحامل عليها الضجر والحزن، أو قالها معترضًا على القضاء والقدر أو الشرع أو متمنيًا للشر فهو مذموم محرم (^٥)، وعليه يُحمل النهى الوارد في الحديث.
- وإن كان الحامل عليها بيان محبة الخير والرغبة فيه، والإرشاد والتعليم، وبيان ما ينبغى فعله كان استعمالها جائزًا، بل قد يكون محمودًا، وعليه تُنَزل جميع النصوص التي ورد فيها استعمال الشارع لهذه الكلمة، والله تعالى أعلم.
وهذا الضابط يدخل فيه القول الثاني الذي تقدم ذكره.
- وأما القول الأول والذي فيه التفريق بين استعمال (لو) في الماضى والمستقبل، فالأول منهي عنه، والثاني جائز، فإنه يُشكل عليه حديث: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي" (^٦) ونحوه فإن فيه استعمال (لو) في الماضي (^٧).
وأيضًا فإن استعمال (لو) في تمني الشر غير جائز مع أنه استعمالٌ لها في الخبر عما يستقبل كما ورد في الحديث: "لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، فوزرهما سواء" (^٨).
- وأما ما ذهب إليه الطبري -وهو القول الثالث- فبعيد جدًّا عن ظاهر الحديث، لأنه جعل النهى مخصوصًا بالجزم بالفعل الذي لم يقع، والحديث نص على الفعل إذا وقع كما في قوله -ﷺ-: "وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا .. ".
وأختم هذه المسألة بكلام قيِّم لابن القيِّم ﵀ قال: "العبد إذا فاته
_________________
(١) انظر القول المفيد للشيخ محمد العثيمين (٣/ ١٢٢ - ١٢٣).
(٢) تقدم تخريجه ص (٥٣٨).
(٣) انظر مسلم بشرح النووى (١٦/ ٤٥٦).
(٤) تقدم تخريجه ص (٥٤١) هامش (٤).
[ ٥٤٤ ]
ما لم يقدر له، فله حالتان: حالة عجز، وهي مفتاح عمل الشيطان فيلفيه العجز إلى (لو) ولا فائدة في (لو) هاهنا، بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان فنهاه -ﷺ- عن افتتاح عمله بهذا المفتاح، وأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر له لم يفته ولم يغلبه عليه أحد، فلم يبق له هاهنا أنفع من شهود القدر ومشيئة الرب النافذة التى توجب وجود المقدور، وإذا انتفت امتنع وجوده، فلهذا قال: "وإن أصابك شيء" أي: غلبك الأمر ولم يحصل المقصود بعد بذل الجهد (^٩) والاستعانة بالله فلا تقل: "لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل" فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين: حالة حصول مطلوبه، وحالة فواته، فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدًا، بل هو أشد شيء إليه ضرورة" (^١٠).
* * *
_________________
(١) في الأصل (جهده) وزدت الألف واللام لكى يستقيم الكلام.
(٢) نقل ذلك عنه سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (٦٦٦) وانظر كلامًا له في نفس المعني في إعلام الموقعين (٣/ ١٥٧) وزاد المعاد (٢/ ٣٥٧).
[ ٥٤٥ ]
المبحث السادس وقت كتابة الملَك ما قدر للعبد في بطن أمه
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٥٤٧ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح" (^١).
- وعن أنس ﵁ عن النبى -ﷺ- قال: "إن الله ﷿ وكَّل بالرحم ملَكًا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أُمِّه" (^٢).
- وعن حذيفة بن أسيد ﵁ يبلغ به النبى -ﷺ- قال: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يُزاد فيها ولا يُنقص" (^٣).
وفي رواية قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٤٦٦).
(٢) تقدم تخريجه ص (٤٦٦).
(٣) تقدم تخريجه ص (٤٦٦).
[ ٥٤٨ ]
ولحمها وعظمها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أُمر ولا ينقص".
وفي رواية أخرى عنه ﵁ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- بأذنيَّ هاتين يقول: "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتصور عليها الملك -قال زهير: حسبته قال: الذي يخلقها- فيقول: يا رب أذكر أو أنثى؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا رب أسوي؟ فيجعله الله سويًّا أو غير سوي، ثم يقول: يا رب ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خلقه؟ ثم يجعله الله شقيًّا أو سعيدًا".
وفي رواية له أيضًا يرفعها إلى النبى -ﷺ-: "أن ملكًا موكَّلًا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة .. " (^٤) وذكر نحو الروايات السابقة.
بيان وجه التعارض
بالنظر إلى الأحاديث السابقة نجد أن حديث ابن مسعود ﵁ صريح في وقوع الكتابة بعد الأربعين الثالثة، أي بعد المضغة، وحديث أنس ﵁ موافق له لأن فيه أن الكتابة تكون بعد المضغة، بينما حديث حذيفة بن أسيد ﵁ ظاهره -كما في جميع رواياته- مخالف لحديث ابن مسعود ﵁ لأن فيه أن الكتابة إنما تكون بعد الأربعين الأولى.
* * *
_________________
(١) أخرج هذه الروايات مسلم في كتاب القدر، باب: كيفية الخلق الآدمى (١٦/ ٤٣١ - ٤٣٣) ح (٢٦٤٥).
[ ٥٤٩ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
سلك أهل العلم في نصوص هذه المسألة مذهبين -وذلك بعد اتفاقهم على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام أربعة أشهر، أي بعد الأربعين الثالثة (^١) -:
أحدهما: مذهب الجمع، والثاني: مذهب الترجيح.
وإليك بيان ذلك: -
أولًا: مذهب الجمع:
وإليه ذهب أكثر أهل العلم ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع على عدة مسالك إليك أشهرها:
المسلك الأول:
أن الكتابة تقع مرتين:
الأولى: عقيب الأربعين الأولى، أي بعد النطفة.
والثانية: بعد الأربعين الثالثة، أى بعد المضغة.
وإلى هذا ذهب القاضى عياض (^٢) وابن الصلاح (^٣) وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٤) وابن القيم (^٥)، إلا أن القاضى عياض وابن الصلاح جعلا تقدير
_________________
(١) نقل هذا الاتفاق القاضى عياض في إكمال المعلم (٨/ ١٢٣) وانظر المفهم (٦/ ٦٥١) مسلم بشرح النووى (١٦/ ٤٣٢) فتح البارى (١١/ ٤٨١، ٤٨٤).
(٢) انظر إكمال المعلم (٨/ ١٢٧) مسلم بشرح النووى (١٦/ ٤٣١).
(٣) نقل ذلك عنه الحافظ ابن ححر فى الفتح (١١/ ٤٨٤).
(٤) انظر مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤١) فإنه جعل هذا أحد أمرين لابُدَّ من القول بأحدهما، والأمر الآخر يأتي في مذهب الترجيح.
(٥) انظر شفاء العليل (١/ ٦٧) طريق الهجرتين (١٤٣) التمهيد بهامش عون المعبود (١٢/ ٣١٣).
[ ٥٥٠ ]
المسلك الثاني
المسلك الثالث
المسلك الرابع
وكتابة الذكورة والأنوثة في المرة الثانية، بينما جعلها شيخ الإسلام -وهو ظاهر كلام ابن القيم- في الكتابة الأولى.
وقال هؤلاء: إنه لا محذور في الكتابة مرتين وبهذا تجتمع الأدلة ويزول ما قد يتوهم بينها من التعارض.
المسلك الثاني: أن الكتابة تكون في الأربعين الثانية كما دل على ذلك حديث حذيفة بن أسيد ﵁، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة وإليه ذهب بعض شراح الحديث المتأخرين.
وأجابوا عن حديث ابن مسعود ﵁ بأن قالوا: إن قوله: "ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر .. " معطوف على قوله: "يجمع في بطن أمه .. " ومتعلق به، ويكون قوله: "ثم يكون علقة مثل ذلك .. " معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا جائز في كلام العرب (^٦).
المسلك الثالث: أن الكتابة تختلف باختلاف الأجنة، فبعضهم يكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة، وإلى هذا مال ابن رجب ﵀ (^٧).
المسلك الرابع: أن يُقال: إن حديث ابن مسعود صريح بأن وقوع الكتابة بعد الأربعين الثالثة عند تمام كونها مضغة، وحديث حذيفة بن أَسيد ﵁ إنما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين الأولى، ولم يوقت فيها البعدية بل أطلقها، وقد قيَّدها ووقتها في حديث ابن مسعود، والمطلق في مثل هذا يُحمل على المقيد، فأخبر بما يكون للنطفة بعد الطور الأول من تفاصيل شأنِها
_________________
(١) انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب (٥١) فتح الباري (١١/ ٤٨٥) مسلم بشرح النووي (١٦/ ٤٣٢ - ٤٣٣).
(٢) انظر جامع العلوم والحكم (٥١).
[ ٥٥١ ]
وتخليقها وما يقدر لها وعليها، وذلك يقع في أوقات متعددة وكله بعد الأربعين الأولى ولا يقتضي هذا أن يكون وقوع هذه الأشياء بعد الأربعين الأولى مباشرة من غير فصل.
وخلاصة هذا المسلك: أن النطفة بداية من كونِها علقة ومرورًا بكونِها مضغة وانتهاءً بتصويرها ونفخ الروح فيها بعد الأربعين الثالثة كل هذا يصح أن يُقال إنه واقع بعد الأربعين الأولى، ولا يلزم وقوعه بعدها مباشرة، وبِهذا يتفق حديث حذيفة بن أسيد مع حديث ابن مسعود ﵄.
أشار إلى هذا المسلك ابن القيم وقال: هذا وجه حسن جدًّا (^٨).
ثانيًا: مذهب الترجيح:
وذلك بترجيح حديث ابن مسعود على حديث حذيفة بن أسيد ﵄ لأن حديث حذيفة لم تُضبط ألفاظه ولهذا أعرض البخاري عن روايته.
قال ابن الصلاح: "أعرض البخاري عن حديث حذيفة بن أسيد إما لكونه من رواية أبي الطفيل عنه، وإما لكونه لم يره ملتئمًا مع حديث ابن مسعود، وحديث ابن مسعود لا شك في صحته" (^٩).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أحد الأمرين لازم: إما أن تكون هذه الأمور عقيب الأربعين، ثم تكون عقب المائة والعشرين، ولا محذور في الكتابة مرتين، ويكون المكتوب (أولًا) فيه كتابة الذكر والأنثى (^١٠)، أو يقال: إن ألفاظ هذا الحديث لم تضبط حق الضبط، ولهذا اختلفت رواته في ألفاظه، ولهذا أعرض البخاري عن روايته، وقد يكون أصل الحديث صحيحًا، ويقع في
_________________
(١) انظر طريق الهجرتين (١٤٧) التهذيب بهامش عون المعبود (١٢/ ٣١٢).
(٢) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٤٨٤).
(٣) وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في المسلك الأول.
[ ٥٥٢ ]
بعض ألفاظه اضطراب، فلا يصلح حينئذ أن يُعارض بِها ما ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه الذي لم تختلف ألفاظه، بل قد صدقه غيره من الحديث الصحيح، فقد تلخص الجواب أن ما عارض الحديث المتفق عليه: إما أن يكون موافقًا له في الحقيقة، وإما أن يكون غير محفوظ، فلا معارضة، ولا ريب أن ألفاظه لم تضبط" (^١١).
وقال ابن حجر: لم يضبط أبو الطفيل -الراوى عن حذيفة- القدر الزائد على الأربعين (^١٢).
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤١).
(٢) انظر فتح الباري (١١/ ٤٨١).
[ ٥٥٣ ]
المطلب الثالث الترجيح
الذي يمكن الجزم به أن الكتابة تقع بعد الأربعين الثالثة، أي بعد المضغة، كما هو صريح حديث ابن مسعود ﵁، وكما دلَّ عليه أيضًا حديث أنس ﵁، وهما متفق عليهما.
وحينئذٍ يبقى الإشكال في حديث حذيفة بن أسيد ﵁والذي فيه وقوع الكتابة بعد الأربعين الأولى- وهو من أفراد مسلم.
- فهل يُحمل ما فيه على أنه كتابة أخرى؟
- أم يحمل على أنه في بعض الأجنة دون بعض؟
وهذا رده ابن حجر وقال: "هو جيد لو كانت مخارج الحديث مختلفة، لكنها متحدة وراجعة إلى أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد، فدل على أنه لم يضبط القدر الزائد على الأربعين" (^١).
- أم يحمل على الوجه الذي استحسنه ابن القيم وهو: أنه في حديث حذيفة أطلق البعدية ولم يقيدها، وقيَّدها في حديث ابن مسعود بعد الأربعين الثالثة، فيحمل المطلق على المقيد؟
ولكن يُشكل على هذا أنه لا يكون لذكر العدد معنى في حديث حذيفة ابن أسيد، والذي يظهر أن العدد فيه مراد ومقصود لأنه حدده مرة بالأربعين أو الخمس والأربعين ومرة باثنتين وأربعين ليلة، وهذا يبعد معه صرف المراد بعد هذا العدد -وهو الكتابة- إلى ما بعد الأربعين الثالثة.
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٤٨١).
[ ٥٥٤ ]
- أم يُسلك مذهب الترجيح فيُرجح حديث ابن مسعود ﵁ لأمور منها:
١ - أنه حديث متفق عليه.
٢ - أن حديث أنس ﵁ قد وافقه وهو أيضًا حديث متفق عليه.
٣ - أنه لم تختلف ألفاظه.
بينما حديث حذيفة بن أسيد من أفراد مسلم، وألفاظه فيها اختلاف؟ في الحقيقة لم يظهر لي شىء يمكن الجزم به في حديث حذيفة ﵁ فالله أعلم بمراد رسوله -ﷺ-.
مسألة:
وقع فِى إحدى روايات حذيفة بن أسيد ﵁ ما ظاهره أن التصوير والتخليق يقع بعد الأربعين الأولى وفي أول الأربعين الثانية مع أن المعروف والمعهود أن التصوير إنما يكون في الأربعين الثالثة أى في مدة المضغة كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ..﴾ الآية (^٢).
ونص هذه الرواية -كما تقدم-: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصوَّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى.".
وقد أجاب أهل العلم عن هذه الرواية بما يلي:
- ذهب القاضي عياض وكذا ابن الصلاح وغيرهم إلى أن حمل هذا
_________________
(١) سورة المؤمنون. الآيات (١٢ - ١٤).
[ ٥٥٥ ]
الحديث على ظاهره لا يصح لأن التصوير بإثر النطفة وأول العلقة وفي الأربعين الثانية غير موجود ولا معهود، وإنما التصوير في الأربعين الثالثة في مدة المضغة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ..﴾ إلى آخر الآيات.
وعلى هذا فيكون معنى قوله: "فصورها .. إلخ" أي كتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر بدليل قوله بعد: "أذكر أم أنثى؟ " (^٣).
- وذهب ابن رجب: إلى أن هذا قد يكون في بعض الأجنة دون بعض (^٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "غاية ما يُقال فيه إنه يقتضي أنه قد يخلق في الأربعين الثانية قبل دخوله في الأربعين الثالثة، وهذا لا يخالف الحديث الصحيح ولا نعلم أنه باطل، بل قد ذكر النساء: أن الجنين يخلق بعد الأربعين، وأن الذكر يخلق قبل الأنثى، وهذا يقدم على قول من قال من الفقهاء: إن الجنين لا يخلق في أقل من واحد وثمانين يومًا، فإن هذا إنما بنوه على أن التخليق إنما يكون إذا صار مضغة، ولا يكون مضغة إلا بعد الثمانين، والتخليق ممكن قبل ذلك، وقد أخبر من أخبر من النساء، ونفس العلقة يمكن تخليقها" (^٥).
_________________
(١) انظر إكمال المعلم (٨/ ١٢٧) مسلم بشرح النووي (١٦/ ٤٣٢) فتح الباري (١١/ ٤٨٤).
(٢) انظر جامع العلوم والحكم (٤٧).
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٢) وفي موضع آخر استثنى شيخ الإسلام اللحم والعظم فجعل خلقهما لا يكون حتى تكون مضغة فقال ﵀: "ومعلوم أنَّها لا تكون لحمًا وعظامًا حتى تكون مضغة" مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٠).
[ ٥٥٦ ]
وهذا موافق لما ذكره ابن رجب من أنه يكون في بعض الأجنة دون بعض، وحاصله: حمل الحديث على ظاهره وعدم تأويله، وأن التصوير يمكن أن يكون في الأربعين الثانية.
وقد أشار إلى هذا القول ابن حجر في الفتح ثم قال: "ولكن بقي في حديث حذيفة بن أسيد أنه ذكر العظم واللحم وذلك لا يكون إلا بعد أربعين العلقة، فيقوى ما قال عياض ومن تبعه" (^٦).
وقال أيضًا: "والراجح أن التصوير إنما يقع في الأربعين الثالثة" (^٧).
وقال ابن القيم: "لا ريب أن التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع في الأربعين الثالثة، ولا يقع عقيب الأولى، هذا أمر معلوم بالضرورة، فإما أن يكون المراد بالأربعين في هذه الألفاظ: الأربعين الثالثة وسمَّى المضغة فيها نطفة اعتبارًا بأول أحوالها وما كانت عليه.
أو يكون المراد بِها الأربعين الأولى، وسمَّى كتابة تصويره وتقديره تخليقًا اعتبارًا بما يؤول، فيكون قوله: "صورها وخلق سمعها وبصرها" أي قدَّر ذلك وكتبه وأعلم به، ثم يفعله بعد الأربعين الثالثة (^٨).
أو يكون المراد به -أي الأربعين- الأربعين الأولى وحقيقة التصوير فيها، فيتعيَّن حمله على تصوير خفي لا يدركه إحساس البشر، فإن النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة وحينئذ يكون أول مبدأ التخليق، فيكون مع هذا المبدأ: مبدأ التصوير الخفي الذي لا يناله الحس، ثم إذا مضت الأربعون الثالثة صُوِّرت التصوير المحسوس المشاهد.
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٤٨٤)
(٢) المرجع السابق (١١/ ٤٨٥)،
(٣) وهذا هو الذى ذهب إليه القاضي عياض وابن الصلاح كما تقدم ص (٥٥٠).
[ ٥٥٧ ]
فأحد التقديرات الثلاثة يتعيَّن ولابد، ولا يجوز غير هذا البتة، إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم.
وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدلُّ على القدر، والله أعلم بمراد رسوله.
غير أنَّا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم واللحم إنما يكون بعد الأربعين الثالثة" (^٩).
* * *
_________________
(١) طريق الهجرتين (١٤٦).
[ ٥٥٨ ]
الفصل الثاني مسائل متعلقة بالنبوة
وفيه مبحثان
° المبحث الأول: حكم التفضيل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
° المبحث الثاني: عدد أجزاء النبوة التي منها الرؤيا
* * *
[ ٥٥٩ ]
المبحث الأول حكم التفضيل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٥٦١ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
ثبت عن -ﷺ- النهي عن التفضيل بين الأنبياء، وثبت عنه أيضًا ما يُفهم منه جواز ذلك:
أما الأحاديث التي فيها النهي عن التفضيل بين الأنبياء فكما يلي:
- عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما يهودي يعرض سلعته، أُعطي بِها شيئًا كرهه فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه وقال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي -ﷺ- بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم إن لي ذمة وعهدًا، فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: "لم لطمت وجهه؟ " فذكره، فغضب النبي -ﷺ- حتى رُؤي في وجهه ثم قال: "لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه يُنفخ في الصور، فيُصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يُنفخ فيه أخرى، فأكون أول من بُعث، فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي ولا أقول إن أحدًا أفضل من يونس ابن متى" (^١).
وفي رواية قال -ﷺ-: "لا تخيروني على موسى" (^٢).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري. كتاب الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣/ ١٢٥٤) ح (٣٢٣٣) ومسلم كتاب الفضائل، باب: من فضائل موسى -ﷺ- (٥/ ١٣٨) ح (٢٣٧٣).
(٢) متفق عليها: البخاري. كتاب الخصومات، باب: ما يذكر في الإشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهودي (٢/ ٨٤٩) ح (٢٢٨٠) ومسلم. الكتاب والباب ورقم الحديث السابق (١٥/ ١٤٠).
[ ٥٦٢ ]
- وعن أبي سعيد الخدري ﵁فذكر معنى القصة السابقة- فقال النبي -ﷺ-: "لا تخيروا بين الأنبياء" (^٣).
- وعن أبى هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" (^٤).
- وعن ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى" (^٥).
- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "لا يقولنَّ أحدكم: إني خير من يونس بن متى" (^٦).
وأما ما ورد عنه -ﷺ- مما يُفهم منه جواز التفضيل فكما يلي:
- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع" (^٧).
- وعنه ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: "فُضِّلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأُحلت لى الغنائم، وجُعلت لى الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافَّة، وخُتم بي النبيون" (^٨).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري. كتاب الخصومات، باب: ما يُذكر في الإشخاص والملازمة (٢/ ٨٥٠) ح (٢٢٨١) ومسلم: كتاب الفضائل، باب: من فضائل موسى -ﷺ- (١٥/ ١٤٠) ح (٢٣٧٤).
(٢) متفق عليه: البخاري. كتاب الأنبياء، باب: قوله تعالى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣/ ١٢٥٥) ح (٣٢٣٤) ومسلم. كتاب الفضائل، باب: في ذكر يونس ﵇ (١٥/ ١٤٢) ح (٢٣٧٦).
(٣) متفق عليه: البخاري. كتاب الأنبياء، باب: قول الله تعالى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣/ ١٢٥٤) ح (٣٢٣٢) ومسلم. كتاب الفضائل، باب: ذكر يونس ﵇ (١٥/ ١٤٢) ح (٢٣٧٧).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣/ ١٢٥٤) ح (٣٢٣١).
(٥) أخرجه مسلم: في كتاب الفضائل، باب: تفضيل نبينا -ﷺ- على جميع الخلائق (١٥/ ٤٢) ح (٢٢٧٨).
(٦) أخرجه مسلم: في كتاب المساجد (٥/ ٨) ح (٥٢٤).
[ ٥٦٣ ]
بيان وجه التعارض
أنه جاء في الأحاديث الأولى ما يُفيد النهي عن التفضيل بين الأنبياء، وجاء في الأحاديث الأخرى ما يفيد جواز التفضيل بينهم حيث صرَّح -ﷺ- بأفضليته وسيادته على الأنبياء؟ ! .
* * *
[ ٥٦٤ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
مما لا شك فيه ولا ريب أن التفاضل بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ثابت وموجود، كما دلت على ذلك النصوص الصحيحة الصريحة، ومن ذلك:
- قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (^١).
- وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (^٢).
ففي الآية الأولى دليل على وجود المفاضلة بين الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن بعضهم أفضل من بعض (^٣)، ولذلك قال النووي ﵀: "ولا بد من اعتقاد التفضيل" (^٤) ثم ذكر هذه الآية.
وفي الآية الثانية دليل على وجود المفاضلة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأن بعضهم أفضل من بعض (^٥).
- وقد أجمع العلماء على أن الرُّسُل أفضل من الأنبياء، كما نقل ذلك ابن كثير والسفاريني عليهما رحمة الله.
_________________
(١) سورة البقرة، آية (٢٥٣).
(٢) سورة الإسراء، آية (٥٥).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٣/ ٣) تفسير ابن كثير (١/ ٤٥٤) فتح القدير للشوكاني (١/ ٢٦٨) تيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٣١٠).
(٤) مسلم بشرح النووى (١٥/ ٤٣).
(٥) انظر: تفسير البغوي (٣/ ١٢٠) تفسير ابن كثير (٣/ ٧٧) تيسير الكريم الرحمن (٤/ ٢٨٩).
[ ٥٦٥ ]
قال ابن كثير ﵀: "ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء" (^٦).
وقال السفاريني: "والرسول أفضل من النبي إجماعًا، لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة" (^٧).
- كما أجمعوا على أن أولي العزم أفضل الرُّسُل، قال ابن كثير ﵀: "ولا خلاف أن أولي العزم منهم -يعني من الرسل- أفضلهم" (^٨).
وأولوا العزم من الرسل هم: محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (^٩).
وذكرهم الله أيضًا في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (^١٠).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبياءه هم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم" (^١١).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٧٧).
(٢) لوامع الأنوار (١/ ٤٩ - ٥٠).
(٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٧٧) بتصرف يسير.
(٤) سورة الأحزاب. آية (٧).
(٥) سورة الشورى. آية (١٣).
(٦) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٨).
[ ٥٦٦ ]
- وأجمعوا أيضًا على أن نبينا ورسولنا محمد -ﷺ- أفضل الخلق بما في ذلك أولوا العزم، كما دلت على ذلك الأحاديث المتقدمة (^١٢) وغيرها.
قال ابن كثير بعد ما ذكر أن أولي العزم أفضل الرسل: "ولا خلاف أن محمدًا -ﷺ- أفضلهم" (^١٣).
وقد تواردت عبارات أهل العلم في تفضيل نبينا محمد -ﷺ- على حميع الخلائق.
فقد عقد الآجري رحمه الله تعالى في كتاب الشريعة بابًا بعنوان: "باب: ما فضل الله ﷿ به نبينا -ﷺ- في الدنيا من الكرامات على جميع الأنبياء ﵈" (^١٤).
وعقد النووي رحمه الله تعالى -في شرحه لمسلم- بابًا بعنوان: "باب: تفضيل نبينا -ﷺ- على جميع الخلائق" (^١٥).
وجاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "خيار ولد آدم خمسة: نوح وإبراهيم وعيسى وموسى ومحمد -ﷺ- وخيرهم محمد -ﷺ- وصلى عليهم أجمعين وسلم" (^١٦).
إذا تبين هذا -وهو ثبوت المفاضلة بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام- فاعلم أن خلاف أهل العلم إنما هو في توجيه أحاديث النهي عن
_________________
(١) انظر ص (٥٦٣).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٧٧).
(٣) الشريعة (٣/ ١٥٥٢).
(٤) مسلم بشرح النووي (١٥/ ٤٢).
(٥) رواه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ١١٣) ح (٢٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٥٥): رجاله رجال الصحيح، ورواه الحاكم -أيضًا- في مستدركه بمعناه (٢/ ٥٩٥) ح (٤٠٠٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وإن كان موقوفًا على أبي هريرة، ووافقه الذهبي.
[ ٥٦٧ ]
التفضيل، وقد سلك فيها أهل العلم مذهبين: أحدهما الجمع، والآخر النسخ، وإليك بيان ذلك:
أولًا: مذهب الجمع:
وإليه ذهب أكثر أهل العلم، ولكنهم اختلفوا في أوجه الجمع على أقوال:
فالقول الأول: أن المراد بالنهي عن التخيير بين الأنبياء: المنع منه إذا كان يؤدي إلى توهم النقص في المفضول أو الغض منه أو كان على وجه الإزراء به، وليس المراد به أن يعتقد التسوية بينهم في درجاتِهم لأن الله تعالى قد أخبر أنه قد فاضل بينهم، وإلى هذا القول ذهب الخطابي (^١٧) والحليمي (^١٨) وابن تيمية (^١٩) وابن أبي العز (^٢٠) وذكره النووي (^٢١) وابن حجر (^٢٢) عليهم رحمة الله.
القول الثاني: أن المراد بالنهي المنع من التفضيل حال المجادلة والمخاصمة والتشاجر والتنازع أو إذا كان التفضيل يؤدي إلى هذه الأشياء، واستدل القائلون بهذا القول بسبب ورود حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ فإن النبي -ﷺ- نَهى عن التخيير والتفضيل بين الأنبياء إثر حصول المخاصمة والمنازعة بين المسلم واليهودي (^٢٣).
القول الثالث: أن المراد بالنهي: المنع من التفضيل إذا كان على وجه
_________________
(١) انظر معالم السنن (٤/ ٢٨٦).
(٢) انظر المنهاج في شعب الإيمان له (٢/ ١١٧ - ١١٨).
(٣) انظر منهاج السنة (٧/ ٢٥٦) مجموع الفتاوي (١٤/ ٤٣٦).
(٤) انظر شرح العقيدة الطحاوية (١٥٩).
(٥) انظر مسلم بشرح النووي (١٥/ ٤٣).
(٦) انظر فتح الباري (٦/ ٤٤٦).
(٧) انظر مسلم بشرح النووي (١٥/ ٤٣) تفسير ابن كثير (١/ ٤٥٥) فتع الباري (٦/ ٤٤٦) فتح القدير (١/ ٢٦٩).
[ ٥٦٨ ]
الحمية والعصبية وهوى النفس، ومجرد الرأي، لا بمقتضى الدليل، وإلى هذا ذهب الطحاوي (^٢٤) وابن كثير (^٢٥) عليهما رحمة الله، وهو ظاهر كلام الشوكاني (^٢٦).
القول الرابع: أن نَهيه -ﷺ- عن التفضيل إنما هو على سبيل التواضع. والأدب وهضم النفس لأنه -ﷺ- يعلم أنه أفضل الأنبياء، كما يدل عليه قوله: "أنا سيد ولد آدم" وإلى هذا ذهب ابن قتيبة (^٢٧)، وهو قول آخر لابن كثير رحمه الله تعالى (^٢٨).
القول الخامس: أن المراد بالنهي: المنع من التفضيل في نفس النبوة لأنها خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وأما التفضيل بزيادة الخصوصيات والكرامات والمعجزات فغير منهي عنه، وإلى هذا ذهب أبو عبد الله القرطبي وقال: "هذا قول حسن فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ" (^٢٩).
القول السادس: أن المراد بالنهي: المنع من التفضيل الذي فيه تعيين المفضول، فلا يفضل أحد من الرسل على أحد بعينه، وأما تفضيل بعضهم على بعض في الجملة؛ دون تعيين المفضول فجائز لدلالة القرآن والسنة على
_________________
(١) انظر مشكل الآثار (١/ ٣٠٨).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٧٧) شرح العقيدة الطحاوية (١٥٩) فتح الباري (٦/ ٤٤٦).
(٣) انظر فتح القدير (١/ ٢٦٩).
(٤) انظر تأويل مختلف الحديث (١٠٩) مسلم بشرح النووي (١٥/ ٤٣) تفسير القرطبي (٣/ ٢٦٢) تفسير ابن كثير (١/ ٤٥٥) فتح الباري (٦/ ٤٥٢) فتح القدير (١/ ٢٦٩).
(٥) انظر البداية والنهاية (١/ ٢٢٢، ٢٩١).
(٦) تفسير القرطبي (٣/ ٢٦٣) وانظر مسلم بشرح النووي (١٥/ ٤٣) فتح الباري (٦/ ٤٤٦) فتح القدير (١/ ٢٦٩).
[ ٥٦٩ ]
ذلك، وإلى هذا ذهب ابن عطية (^٣٠) رحمه الله تعالى.
ثانيًا: مذهب النسخ:
ذهب قوم إلى أن النهي عن التفضيل كان قبل أن يوحى إليه -ﷺ- بالتفضيل وقبل أن يعلم أنه سيِّدُ ولد آدم، وأن القرآن قد نسخ المنع من التفضيل (^٣١).
* * *
_________________
(١) انظر المحرر الوجيز (١/ ٣٣٨) شرح معاني الآثار (٤/ ٣١٦) تفسير القرطبي (٣/ ٢٦٣) شرح العقيدة الطحاوية (١٦٠).
(٢) انظر تفسير القرطبي (٣/ ٢٦٢) مسلم بشرح النووى (٥/ ٤٣) تفسير ابن كثير (١/ ٤٥٥) فتح الباري (٦/ ٤٥٢) فتح القدير (١/ ٢٦٩).
[ ٥٧٠ ]
المطلب الثالث الترجيح
لا شك أن مذهب الجمع هو المتعين هنا، والجمع الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم- هو: أن التفاضل بين الأنبياء والرسل ثابت وموجود، وبه صرح القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^١)، وكما في قوله ﷿: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٢) فهذا التفاضل مما نقطع به ونعتقده، وعليه أجمع أهل العلم كما تقدم.
وأما المفاضلة بين رسولين أو نبيين أو تفضيل رسول أو نبي على عدد من الرسل أو عدد من الأنبياء على وجه التعيين -أي تعيين الفاضل والمفضول- فإنه أمر غيبي توقيفي لا بدَّ فيه من دليل فلا يجوز التفضيل بمجرد الرأي.
وأما تفضيل نبينا محمد -ﷺ- أو تفضيل أولي العزم من الرسل فقد دلَّ الدليل عليه كما تقدم.
وهذا القول هو الذي تجتمع به أدلة الكتاب والسنة، وهو معنى القول الثالث المتقدم ذكره.
قال الشوكاني رحمه الله تعالى: "وعندي أنه لا تعارض بين القرآن والسنة، فإن القرآن دلَّ على أن الله فضّل بين أنبيائه على بعض، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضِّل بعضهم على بعض، فإن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله لا تخفى عليه منها خافية، وليست بمعلومة عند البشر،
_________________
(١) سورة الإسراء. آية (٥٥).
(٢) سورة البقرة. آية (٢٥٣).
[ ٥٧١ ]
فقد يجهل اتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلًا عن مزايا غيره، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بحميع الأسباب التي يكون بِها هذا فاضلًا وهذا مفضولًا، لا قبل العلم ببعضها أو بأكثرها أو بأقلِّها، فإن ذلك تفضيل بالجهل، وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له، وهو ممنوع منه، فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يُفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك، وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن والسنة بوجه من الوجوه، فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده أن يُفضلوا بين أنبياءه" (^٣).
- وهذا القول وإن كان قريبًا من قول ابن عطية -وهو أن التفضيل جائز إذا كان على وجه العموم، ومنهي عنه إذا كان فيه تعيين للمفضول- إلا أنه أدقَّ منه لأن قول ابن عطية يُشكل عليه مثل قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ (^٤) حيث استدل بِها بعض أهل العلم على أن الرسول -ﷺ- أفضل من يونس ﵇ لأن الله تعالى يقول: لا تكن مثله (^٥)، وعلى هذا تكون هذه الآية ورد فيها تعيين المفضول.
- وأما بقية أقوال الجمع ففيها نظر لا يخفى (^٦) ففي بعضها تكلف ظاهر كما في القول الرابع والخامس، وأما القول الأول والثاني فيمكن أن يقال إن النهي يتأكد عندهما، لأن التفضيل الذي يؤدي إلى انتقاص المفضول أو الإزراء
_________________
(١) فتح القدير (١/ ٢٦٩).
(٢) سورة القلم. آية (٤٨).
(٣) انظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (١٠٩).
(٤) انظر فتح القدير (١/ ٢٦٩).
[ ٥٧٢ ]
به أو يؤدي إلى التشاجر والتنازع يكون منهيًّا عنه حتى عند قيام الدليل على التفضيل.
- وأما مذهب النسخ فبعيدٌ جدًّا لأن القول به يحتاج إلى معرفة التاريخ، حتى نعرف المتقدم من المتأخر علمًا أن بعض السور التي ورد فيها التفضيل مكية كسورة الإسراء والقلم.
كما أن أبا هريرة ﵁ أحد الرواة لأحاديث النهي عن التفضيل وهو لم يسلم إلا في السنة السابعة من الهحرة، فكيف يُتصور مع هذا أن يُقال إن أحاديث النهي منسوخة بآيات التفضيل؟ ! .
* * *
[ ٥٧٣ ]
المبحث الثاني عدد أجزاء النبوة التي منها الرؤيا
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٥٧٥ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
جاءت عدة أحاديث عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم في بعضها أن الرؤيا جزء من سبعين جزءًا من النبوة، وفي بعضها أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وفي بعضها أن الرؤيا جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة، وأنا أسوقها الآن على هذا الترتيب:
- عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة" (^١).
- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" (^٢).
- وعن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" (^٣).
- وعن أنس ﵁ قال: قال النبي -ﷺ-: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في أوائل كتاب الرؤيا (١٥/ ٢٩) ح (٢٢٦٥).
(٢) متفق عليه: البخاري. كتاب التعبير، باب: القيد في المنام (٦/ ٢٥٧٤) ح (٦٦١٤) ومسلم في أوائل كتاب الرؤيا (١٥/ ٢٥، ٢٧) ح (٢٢٦٣).
(٣) متفق عليه: البخاري: كتاب التعبير، باب: الرؤيا الصالحة (٦/ ٢٥٦٣) ح (٦٥٨٦) ومسلم في أوائل كتاب الرؤيا (١٥/ ٢٧) ح (٢٢٦٤).
(٤) متفق عليه: البخاري: كتاب التعبير، باب: من رأى النبي -ﷺ- في المنام (٦/ ٢٥٦٨) ح (٦٥٩٣) ومسلم في أوائل كتاب الرؤيا (١٥/ ٢٧) ح (٢٢٦٣).
[ ٥٧٦ ]
- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزعًا من النبوة" (^٥).
بيان وجه التعارض
يتضح وجه التعارض بالنظر إلى الأحاديث السابقة حيث أن بينها اختلافًا في العدد، ففي بعضها أن الرؤيا جزء من سبعين جزءًا من النبوة، وفي بعضها أنَّها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وفي بعضها أنَّها جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة؟ ! .
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في أوائل كتاب الرؤيا (١٥/ ٢٥) ح (٢٢٦٣).
[ ٥٧٧ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
مما لا ريب فيه أن الرؤيا جزء من النبوة، كما نطقت بذلك الأحاديث، ولكن كم عدد أجزاء النبوة التي منها هذه الرؤيا؟
في هذا اختلف أهل العلم فسلكوا ثلاثة مذاهب:
أحدها مذهب الجمع، والثاني مذهب النسخ، والثالث الترجيح، وإليك بيان ذلك:
أولًا: مذهب الجمع:
وإليه ذهب أكثر أهل العلم، ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع على عدة أقوال إليك أشهرها:
القول الأول: ما ذهب إليه الطبري (^١) وابن عبد البر (^٢) ومال إليه ابن الجوزي (^٣) وهو أن الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي، فرواية السبعين عامة في كل رؤيا صادقة من كل مسلم، ورواية الست والأربعين خاصة بالمؤمن الأدق الألح، وأما ما بين ذلك (^٤) فبالنسبة لأحوال المؤمنين.
_________________
(١) انظر المعلم للمازري (٣/ ١١٨) إكمال المعلم للقاضي عياض (٧/ ٢١٣) المفهم (٦/ ١٥) مسلم بشرح النووي (١٥/ ٢٦) فتح الباري (١٢/ ٣٦٥).
(٢) انظر التمهيد (١/ ٢٨٣).
(٣) انظر كشف المشكل (٣/ ٧٧).
(٤) ورد في غير الصحيحين عدة روايات مرفوعة، وأخرى موقوفة فيها تحديد العدد بغير ما ذكر -كالأربعين والأربع والأربعين والخمسين والست والعشرين وغير ذلك- ولكن أغلب هذه الروايات ضعيفة، انظرها في فتح الباري (١٢/ ٣٦٣) طرح التثريب (٨/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
[ ٥٧٨ ]
قال ابن عبد البر: "اختلاف آثار هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا من النبوة ليس ذلك عندى باختلاف تضاد وتدافع -والله أعلم- لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الالحة من بعض من يراها على ستة وأربعين جزءًا، أو خمسة وأربعين جزءًا، أو أربعة وأربعين جزءًا، أو خمسين جزءًا، أو سبعين جزءًا، على حسب ما يكون الذي يراها، من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد -والله أعلم- فمن خلصت له نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق حديثه، كانت رؤياه أصدق وإلى النبوة أقرب" (^٥).
القول الثاني: ما ذهب إليه ابن بطال رحمه الله تعالى وهو: أن الاختلاف في العدد يكون على حسب حال الرؤيا فقال رحمه الله تعالى: الرؤيا تنقسم إلى قسمين: أحدهما: رؤيا ظاهرة جليَّة، كمن رأى في المنام أنه يُعطى تمرًا، فأُعطي تمرًا مثله في اليقظة، فهذه الرؤيا لا إغراب في تأويلها، ولا رمز في تفسيرها.
والقسم الثاني: رؤيا مرموزة بعيدة المرام، فهذا القسم لا يقوم به حتى يعبره الأحاذق، لبعد ضرب المثل فيه، فيكون هذا القسم من السبعين، ويكون القسم الأول من الستة والأربعين، لأنه إذا قلَّت الأجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى الصدق، وأسلم من وقوع الغلط في تأويلها بخلاف ما إذا كثرت (^٦).
وعبر بعض أهل العلم عن هذا الرأي بقوله: "إن المنامات دلالات، والدلالة منها خفي ومنها جلي، فما ذكر فيه السبعون أُريد به أنه الخفي منها، وما ذكر فيه الستة والأربعون أُريد به الجلي منها" (^٧).
_________________
(١) انظر التمهيد (١/ ٢٨٣).
(٢) انظر فتح الباري (١٢/ ٣٦٥).
(٣) المعلم (٣/ ١١٨) وانظر: فتح الباري (١٢/ ٣٦٥).
[ ٥٧٩ ]
القول الثالث: ما ذكره القاضي عياض وهو أنه: يحتمل أن تكون هذه التجزئة في طُرق الوحي، إذ منه ما سُمع من الله بلا واسطة، ومنه ما جاء بواسطة الملك، ومنه ما أُلقي في القلب من الإلهام، ومنها ما جاء به الملك وهو على صورته أو على صورة آدمي معروف أو غير معروف، ومنه ما أتاه به في النوم، ومنه ما أتاه به في مثل صلصلة الجرس، ومنه ما يلقيه روح القدس في روعه، إلى غير ذلك من الأحوال التى كانت تختلف على النبي -ﷺ- في الوحي وحالاته المختلفة، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدت انتهت إلى سبعين (^٨).
القول الرابع: ما ذهب إليه بعض أهل العلم وهو أن مدة نبوته -ﷺ- كانت ثلاثًا وعشرين سنة منها ثلاث عشرة سنة بمكة وعشر سنين بالمدينة، وكان -ﷺ- قبل ذلك -في أول الأمر- يوحى إليه في منامه ستة أشهر -أي نصف سنة- فإذا نُسبت هذه المدة إلى مدة نبوته -ﷺ- صارت جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (^٩).
وممن ذهب إلى هذا القول ابن الأثير ﵀ فقال: "كان عمر رسول الله -ﷺ- في أكثر الروايات الصحيحة ثلاثًا وستين سنة، وكانت مدة نبوته منها ثلاثًا وعشرين سنة، لأنه بُعث عند استيفائه أربعين سنة، وكان -ﷺ- في أول أمره يرى الوحي في المنام، ودام كذلك نصف سنة، ثم رأى الملك في اليقظة، فإذا نسبت المدة التي أُوحي إليه فيها في النوم -وهى نصف سنة- إلى مدة نبوته -وهى ثلاث وعشرون سنة- كانت نصف جزء من ثلاثة وعشرين جزءًا، وذلك جزء من ستة وأربعين جزءًا، وقد تعاضدت الروايات في أحاديث الرؤيا
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم (٧/ ٢١٤) المفهم (٦/ ١٦) فتح الباري (١٢/ ٣٦٦).
(٢) انظر: معالم السنن (٤/ ١٢٩) المعلم (٣/ ١١٧) كشف المشكل (٢/ ٧٧).
[ ٥٨٠ ]
أنَّها جزء من ستة وأربعين جزءًا.
فأمَّا من رواه "خمسة وأربعين جزءًا" فهو قليل، على أن للخمسة والأربعين وجه مناسبة، من أن يكون عمره لم يكمل ثلاثًا وستين سنة، ومات -ﷺ- في أثناء السنة الثالثة والستين، ونسبة نصف السنة إلى اثنتين وعشرين سنة، وبعض الأخرى: نسبة جزء من خمسة وأربعين جزءًا" (^١٠).
ثانيًا: مذهب النسخ:
وإليه ذهب الطحاوي رحمه الله تعالى وحاصله: أن الله ﷿ جعل الرؤيا في أول الأمر جزءًا من سبعين جزءًا من النبوة، ثم نسخ ذلك فجعلها جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة زيادة منه وفضلًا (^١١).
ثالثًا: مذهب الترجيح:
وإليه ذهب القاضى عياض رحمه الله تعالى فرجح رواية الست والأربعين على غيرها من الروايات وعلل ذلك بأنَّها الأصح عند أهل الحديث والأكثر روايات (^١٢).
* * *
_________________
(١) جامع الأصول في أحاديث الرسول (٢/ ٥١٨).
(٢) انظر: مشكل الآثار (٣/ ٣٤).
(٣) انظر: إكمال المعلم (٧/ ٢١٢)، تنبيه: نسب القرطبي في المفهم (٦/ ١٢) القول بالترجيح للمازري وهو وهم لأني لم أقف عليه في المعلم بعد طول بحث ووجدته في إكمال المعلم للقاضي عياض -كما تقدم-، ثم وجدت صاحب طرح التثريب نبه على هذا الوهم وقال: (٨/ ٢٠٨) "وحكى أبو العباس القرطبي عن المازري أنّها الأكثر والأصح عند أهل الحديث ولم أقف على ذلك في المعلم وإنما هو في الإكمال للقاضي وكأنه اشتبه عليه".
[ ٥٨١ ]
المطلب الثالث الترجيح
الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم- هو مذهب الجمع لأن إعمال الأدلة كلها أولى من إهمال شيء منها، ثم إن أقرب الأقوال في مذهب الجمع هو القول الأول وهو أن الاختلاف في عدد الأجزاء إنما يكون على حسب حال الرائي، فكلما كان الرائي أصدق حديثًا وأعظم ديانهً وأحسن يقينًا وأخلص نية كانت رؤياه أقرب الأعداد المذكورة إلى النبوة، وقد يشهد لهذا القول: قوله -ﷺ-: "أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا" (^١).
ومما يؤيد هذا القول -أيضًا- أنه -ﷺ- أبهم العدد في بعض الروايات، كما وقع ذلك عند الترمذي من حديث أنس بن مالك أن النبي -ﷺ- قال لما سُئل عن المبشرات: "رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة" (^٢) فهذا يدل على أن العدد يختلف باختلاف حال الرائي لأنه أطلق الجزء ولم يقيده بعدد، فلو كان هناك عدد يستوي فيه جميع الناس لذكره النبي -ﷺ- والله أعلم.
- أما ما ذهب إليه ابن بطال -وهو القول الثاني- من اعتبار حال الرؤيا ظهورًا وخفاءً، فالظاهرة الجلية أقرب إلى النبوة -في عدد الأجزاء- من المرموزة الخفية فقول بعيد لأن هذا التقسيم يدخل فيه غير المسلم، والروايات الواردة أكثرها فيها تقييد ذلك بالمؤمن أو المسلم، فإذا دخل الكافر في هذا التقسيم فكيف تكون رؤياه من أجزاء النبوة؟ علمًا أن رؤياه قد تصدق، كما في رؤيا
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٥٧٧).
(٢) أخرجه الترمذي (تحفة ٦/ ٥٥١) ح (٢٣٧٤) وقال: هذا حديث صحيح غريب، وصحح إسناده الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٥٨) ح (١٨٥٣).
[ ٥٨٢ ]
الملك الذي فسرها له يوسف ﵇ (^٣)، ثم ما علاقة ظهور الرؤيا وخفائها بأجزاء النبوة؟ ! .
- وأما القول الثالث - وهو أن التجزئة باعتبار طرق الوحي ففيه تكلف لا يخفى ولذلك ردَّه أبو العباس القرطبي فقال: لا يخفى ما في هذا الوجه من البعد والتساهل، فإن تلك الأعداد إنما هى أجزاء النبوة، وأكثر الذي ذكره -من أحوال الوحي- إنما هى أحوال لغير النبوة: ككونه يعرف الملك أو لا يعرفه، أو يأتيه على صورته أو على صورة آدمي، ثم مع هذا التكلف لم يبلغ عدد ما ذكر ثلاثين، فضلًا عن سبعين (^٤).
- وأما القول الرابع -والذي ذهب إليه ابن الأثير وغيره- وهو اعتبار مدة وحي الله تعالى لنبيه -ﷺ- في منامه ونسبتها إلى مدة نبوته فمردود من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لم يثبت من طريق صحيح أن مدة رؤياه -ﷺ- قبل النبوة كانت ستة أشهر.
قال الخطابي بعد ذكره لهذا القول: "قلت: وهذا وإن كان وجهًا قد تحتمله قسمة الحساب والعدد، فإنَّ أول ما يجب فيه أن يثبت ما قاله من ذلك خبرًا ورواية، ولم نسمع فيه خبرًا، ولا ذكر قائل هذه المقالة فيما بلغني عنه في ذلك أثرًا، فهو كأنه ظن وحسبان، والظن لا يغني من الحق شيئًا، ولئن كانت هذه المدَّة محسوبة من أجزاء النبوة على ما ذُهب إليه من هذه القسمة، لقد كان يَجب أن تُلحق بِها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه في منامه في تضاعيف أيام حياته، وأن تلتقط فتُلفَّق وتزاد في أصل الحساب، وإذا صرنا إلى هذه القضية
_________________
(١) انظر التمهيد لابن عبد البر (١/ ٢٨٥).
(٢) انظر المفهم (٦/ ١٦) فتح الباري (١٢/ ٣٦٦).
[ ٥٨٣ ]
بطلت هذه القسمة وسقط هذا الحساب من أصله" (^٥).
والوجه الثاني: أنه قد اختلف في قدر المدة التى بعد بعثة النبي -ﷺ- إلى موته.
والوجه الثالث: أنه يبقى حديث السبعين جزءًا بغير معنى لأن أصحاب هذا القول لم يُجيبوا عنه (^٦).
- وأما القول بالنسخ فيُشترط له معرفة التاريخ حتى يُنسخ المتقدم بالمتأخر، وهذا غير معلوم هذا على فرض تعذر الجمع لأن الجمع إذا أمكن على وجه صحيح فالمصير إليه أولى، كما أن النسخ لا يقع في الأخبار، وهذا خبر.
- وأما ترجيح رواية الست والأربعين على غيرها من الروايات كما فعل القاضي عياض فغير صحيح لأن الروايات المتقدمة كلها صحيحة فلا سبيل إلى طرح شيء منها (^٧)، مع أن الترجيح لا يُصار إليه إلا إذا تعذر الجمع والنسخ، والجمع هنا غير متعذر كما تقدم.
مسألة:
ثبت عنه -ﷺ- أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة (^٨) كما ثبت عنه -ﷺ- أنه قال: "لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له" (^٩).
وكان مبتدأ الوحي -لنبينا -ﷺ-- الرؤيا الصادقة، ثم انتقل إلى وحي اليقظة.
_________________
(١) أعلام السنن (٤/ ٢٣١١٥).
(٢) انظر: المعلم (٣/ ١١٨) فتح الباري (١٢/ ٣٦٤).
(٣) انظر: المفهم (٦/ ١٤).
(٤) انظر: ص (٥٧٦، ٥٧٧) من هذا البحث.
(٥) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس (٤/ ٤٤٢) ح (٤٧٩).
[ ٥٨٤ ]
واتفقت الأمة على أن رؤيا الأنبياء وحي، ولهذا أقدم الخليل ﵇ على ذبح ابنه إسماعيل ﵇ بالرؤيا (^١٠).
إذا تبين هذا -وهو كون الرؤيا من النبوة- فهل يجب العمل بِها والأخذ بمدلولها دون عرض ذلك على الشرع؟
الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الرؤيا إذا كانت من غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنه يجب عرضها على الشرع فإن وافقته وإلا لم يعمل بِها، وأنَّها لا يثبت بها شيء من الأحكام الشرعية، وأن العصمة منتفية عنها، وغاية ما فيها أنَّها: تبشير وتحذير، ويصلح الاستئناس بِها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا يجوز أن يثبت بِها شىء بالاتفاق فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال: "الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه، ورؤيا من الشيطان" (^١١).
فإذا كان جنس الرؤيا تحته أنواع ثلاثة، فلا بد من تمييز كل نوع منها عن نوع" (^١٢).
وقال ابن القيم: "والرؤيا كالكشف منها رحماني، ومنها نفساني، ومنها شيطاني" (^١٣)، ثم ذكر حديث: الرؤيا ثلاثة.
وقال الشاطبي: "الرؤيا من غير الأنبياء لا يُحكم بِها شرعًا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوَّغتها عُمل بمقتضاها
_________________
(١) انظر مدارج السالكين (١/ ٦٢).
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة: البخاري (٦/ ٢٥٧٤) ح (٦٦١٤)، ومسلم (١٥/ ٢٥) ح (٢٢٦٣) وقد ذكره شيخ الإسلام بالمعنى.
(٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٥٨) وانظر (١١/ ٤٢٩).
(٤) مدارج السالكين (١/ ٦٢).
[ ٥٨٥ ]
وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتُها البشارة والنذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا" (^١٤).
وقال الشيخ عبد الرحمن المعلمي: "الرؤيا قصاراها التبشير والتحذير، وفي الصحيح أن الرؤيا قد تكون حقًّا وهى المعدودة من النبوة، وقد تكون من الشيطان، وقد تكون من حديث النفس، والتمييز مشكل، ومع ذلك فالغالب أن تكون على خلاف الظاهر حتى في رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قص من ذلك في القرآن، وثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذه الأمور اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هى تبشير وتنبيه، وتصلح للاستئناس بِها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة" (^١٥).
وخالف في هذا الصوفية (^١٦) فذهبوا إلى تعظيم شأن الرؤيا المنامية، وجعلها أصلًا في الاستدلال ومصدرًا من مصادر التلقي، بل قدموها على الكتاب والسنة خاصة عند التعارض، وفي كثير من الأحيان يعتمدون عليها في معرفة الأحكام الشرعية دون النظر إلى موافقة الشرع أو مخالفته بل إنَّهم ربما اعتمدوا عليها في معرفة صحيح الأحاديث النبوية من ضعيفها.
_________________
(١) الاعتصام (١/ ٣٣٢).
(٢) التنكيل (٢/ ٢٤٢).
(٣) لفظ الصوفية لم يكن مشهورًا في القرون الثلاثة المفضلة وإنما اشتُهر التكلم به بعد ذلك، وقد اختُلف في أصل كلمة الصوفية واشتقاقها على أقوال كثيرة، رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه نسبة إلى لبس الصوف. وقد كانت بداية التصوف عبارة عن الزهد في الدنيا والتنسك والعبادة وتفريغ القلب من غير الله، ثم انحرف مفهوم التصوف شيئًا فشيئًا حتى انتهى إلى القول بعقائد باطلة كالحلول والاتحاد وترك الواجبات وفعل المحرمات وغير ذلك. انظر تلبيس إبليس لابن الجوزي (٢٢٣) وما بعدها، مجموع الفتاوى (١١/ ٥) وما بعدها.
[ ٥٨٦ ]
وأكثر ما يصرحون بالتلقي عنه منامًا الله ﷿، والنبي -ﷺ- (^١٧).
قال الشاطبي وهو يذكر مأخذ أهل البدع بالاستدلال -: "وأضعف هؤلاء احتجاجًا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها، فيقولون: رأينا فلانًا الرجل الصالح، فقال لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا.
ويتفق مثل هذا كثيرًا للمترسمين برسم التصوف، وربما قال بعضهم: رأيت النبي -ﷺ- في النوم، فقال لي كذا، وأمرني بكذا، فيعمل بِها معرضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة" (^١٨).
ومن أمثلة ادّعاءاتهم في رؤية النبي -ﷺ-: دعوى ابن عربي أنه تلقى كتاب فصوص الحكم (^١٩) من النبي -ﷺ-، وأنه أمره أن يخرجه إلى الناس لينتفعوا به (^٢٠) فقال في أول كتاب الفصوص: "أما بعد فإني رأيت رسول الله -ﷺ- في مُبَشِّرة أُرِيتُها في العشر الأواخر من المحرم سنة (٦٢٧ هـ) بمحروسة دمشق وبيده كتاب، فقال لي: هذا كتاب "فصوص الحكم" خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة لله ورسوله وأولي الأمر منا" (^٢١).
_________________
(١) انظر المصادر العامة للتلقي عند الصوفية، لصادق سليم صادق (١٨٣، ١٩٢، ٣٠٩).
(٢) الاعتصام (١/ ٣٣١).
(٣) كتاب فصوص الحكم لابن عربي الصوفي مليء بالترهات والضلالات والخرافات كعقيدة الوحدة والاتحاد المخالفة لصريح الكتاب والسنة، فهو يزعم في هذا الكتاب صحة إيمان فرعون، وصحة عبادة قوم نوح ﵇، ويقول: إن الذين عبدوا العجل ما عبدوا غير الله، إلى غير ذلك مما يخالف أصل الدين الإسلامي، وقد نقد هذا الكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية وبيَّن ما فيه من الكفر والضلال. انظر مجموع الفتاوى (٢/ ١٢١ - ١٣٣) وقال عنه الذهبي: " إن كان لا كفر فيه، فما في الدنيا كفر" السير (٢٣/ ٤٨).
(٤) وقريب من هذه الدعوى: دعوى عبد الكريم الجيلي (ت ٨٠٥ هـ) أن الله تعالى أمره بتأليف كتابه (الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل) انظر ص (١/ ٧٠) من كتابه هذا.
(٥) فصوص الحكم ص (٤٧).
[ ٥٨٧ ]
بقي أن نعلم بعد هذا: ما معنى كون الرؤيا جزء من أجزاء النبوة؟
الجواب عن هذا هو: أن معنى كون الرؤيا الصادقة أو الصالحة جزء من أجزاء النبوة أنَّها شابَهتها أو شاركتها في الصلاح والإخبار عن أمرٍ غيبي مستقبل (^٢٢).
ولا يُفهم من هذا أن رؤيا الكافر إذا كانت صادقة -كرؤيا الملك التي فسرها له يوسف ﵇، وكذلك رؤيا صاحبيه في السجن- أنَّها تكون من أجزاء النبوة، فإن أكثر الروايات جاءت مقيدة بالمسلم أو المؤمن.
ثم إنه ليس كل من صدق في حديث عن غيب كان ذلك من أجزاء النبوة أو كان ذلك دليلًا على صلاحه واستقامته، وإلا لكان الكهان كذلك؟ !
قال أبو العباس القرطبي: "الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا وقعت من مسلم صادق صالح، وهو الذي يُناسب حاله حال النبي -ﷺ- فأُكرم بنوع مما أُكرم به الأنبياء، وهو الاطّلاع على شيء من علم الغيب، كما قال النبي -ﷺ-: "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم، يراها الرجل الصالح أو تُرى له" (^٢٣).
فإن الكافر والكاذب والمخلِّط -وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات- لا تكون من الوحي ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة، وقد قدمنا أن الكاهن يُخبر بكلمة الحق وكذلك المنجم قد يحدِس فيصدق، لكن على الندور والقلَّة" (^٢٤).
_________________
(١) انظر المعلم (٣/ ١١٨) عارضة الأحوذي (٩/ ١٩١) كشف المشكل (٢/ ٧٦). معالم السنن (٤/ ١٢٩) فتح الباري (١٢/ ٣٦٣).
(٢) تقدم تخريجه ص (٥٨٤).
(٣) المفهم (٦/ ١٣) وانظر عارضة الأحوذي (٩/ ٩٢) طرح التثريب (٨/ ٢٠٧، ٢٠٨).
[ ٥٨٨ ]