اختلف فى حال ابن صياد بعد كبره فقيل إنه تاب ومات مسلمًا وقيل غير ذلك.
فقد ذكر ابن الأثير في أسد الغابة في معرفة الصحابة أنه توفي مسلمًا ثم قال: "فإن كان إسلام ابن صياد في حياة النبي -ﷺ- فله صحبة لأنه رآه وخاطبه، وإن كان أسلم بعد النبي -ﷺ- فلا صحبة له، والأصح أنه أسلم بعد النبي -ﷺ- " (^١٤).
وترجم له الذهبى في تجريد أسماء الصحابة وذكر أنه أسلم وأنه تابعى له رؤية (^١٥).
قال ابن حجر: "وفي الجملة لا معني لذكر ابن صياد في الصحابة، لأنه إن كان الدجال فليس بصحابي قطعًا لأنه يموت كافرًا، وإن كان غيره فهو حال لقيه النبي -ﷺ- لم يكن مسلمًا" (^١٦).
وذهب البرزنجى إلى القول بكفره وعدم إسلامه حتي بعد ادِّعائه الإسلام قال ﵀: "فإن قيل كيف يُحكم بكفر ابن صياد فضلًا عن كونه دجالًا بعد أن ثبت إسلامه وحجه وجهاده، والأصل بقاؤه على الإسلام إلى الموت؟ قلت: قوله في حديث أبي سعيد لا يكره أنه يكون دجالًا ولو عرض عليه ذلك لقبله دلَّ على عدم إسلامه في الباطن، إذ كيف يرضى المسلم أن يدَّعي الربوبية أو النبوة؟ فهذا الذي جوَّز الحكم بذلك والله أعلم" (^١٧).
_________________
(١) أسد الغابة (٣/ ٢٨٣).
(٢) انظر تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣١٩)
(٣) الإصابة في تمييز الصحابة -القسم الرابع ممن اسمه عبد الله- (٥/ ١٤٩).
(٤) الإشاعة لأشراط الساعة (٢١٦).
[ ٤١٢ ]
ولعل أولى الأقوال في إسلامه ما قاله ابن كثير ﵀ في النهاية: "الصحيح أن الدجال غير ابن صياد وأن ابن صياد كان دجالًا من الدجاجلة ثم تاب بعد ذلك وأظهر الإسلام، والله أعلم بضميره وسيرته" (^١٨).
وأما الحكم على باطنه فليس أمره إلينا خاصة وأن آخر حياته غامضة مختلف فيها واحتمال حسن إسلامه عند وفاته وارد.
وأما قصته مع أبي سعيد فلا شك أنها تدل على عدم حسن سريرته ولكن ما المانع من أن يكون حَسُنَ إسلامه بعد ذلك؟
وبناء على هذا فإننا نكل باطنه وسريرته إلى الله تعالى والله أعلم.
* * *
_________________
(١) النهاية في الفتن (١/ ١٧٣).
[ ٤١٣ ]
المبحث الثاني ما جاء في الدخان هل مضى أم لم يأت بعد؟
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٤١٥ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
أولًا: الأحاديث التي تفيد أن الدخان لم يأت بعد:
- عن حُذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي -ﷺ- علينا ونحن نتذاكر فقال: "ما تذاكرون؟ " قالوا: نذكر الساعة، قال: "إنَّها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربِها ونزول عيسى بن مريم ﵇ ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم" (^١).
- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: "بادروا بالأعمال ستًّا طلوع الشمس من مغربِها أو الدخان أو الدجال أو الدابة أو خاصة أحدكم (^٢) أو أمر العامة (^٣) " (^٤).
ثانيًا: الأحاديث التي تفيد أن الدخان قد مضى:
- عن مسروق قال: قال عبد الله: "خمس قد مضين: الدخان والقمر (^٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: في الآيات التى تكون قبل الساعة (١٨/ ٢٤٣) ح (٢٩٠١).
(٢) أي الموت. انظر: النهاية. لابن الأثير (٢/ ٣٧). مسلم بشرح النووي (١٨/ ٢٩٨).
(٣) أي القيامة. انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٠٢). مسلم بشرح النووي (١٨/ ٢٩٨).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة. باب: في بقية من أحاديث الدجال (١٨/ ٢٩٨) ح (٢٩٤٧).
(٥) هو ما حدث في عهد النبي -ﷺ- من انشقاق القمر وهو الوارد في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ سورة القمر آية (١) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٤٠٧).
[ ٤١٦ ]
والروم (^٦) والبطشة (^٧) واللزام (^٨) " (^٩).
وعن مسروق قال: "كنا عند عبد الله جلوسًا وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصًّا عند أبواب كندة يقصُّ ويزعم أن آية الدخان تجىء فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقال عبد الله -وجلس وهو غضبان-: يا أيها الناس اتقوا الله، من علم منكم شيئًا فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم فإن الله ﷿ قال لنبيه -ﷺ-: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (^١٠) إن رسول الله -ﷺ- لما رأى من الناس إدبارًا فقال: "اللهم سبع كسبع يوسف" فأخذتْهم سنة حصَّت (^١١) كل شيء حتي أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، قال الله ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (^١٢)
_________________
(١) هو ظهور الروم على فارس يوم بدر وهو الذى أخبر الله تعالى عنه بقوله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ سورة الروم الآيات (١ - ٣). انظر سنن الترمذى (تحفة ٩/ ٥٠).
(٢) سيأتي الكلام عنها إن شاء الله تعالى ص (٤١٨، ٤٢٢).
(٣) اللزام: هو الوارد في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ سورة الفرقان آية (٧٧) أي يكون عذابُهم لازمًا وهو ما وقع لكفار قريش يوم بدر من القتل والأسر. انظر: النهاية لابن الأثير (٤/ ٢٤٨) ومسلم بشرح النووي (١٧/ ١٤٨) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٢٨).
(٤) متفق عليه: البخارى فى مواضع من كتاب التفسير، باب: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ (٤/ ١٧٨٥) ح (٤٤٨٩). وفي باب: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. (٤/ ١٨٢٣) ح (٤٥٤٣). وفى باب: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ (٤/ ١٨٢٥) ح (٤٥٤٨). ومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: الدخان (١٧/ ١٤٨) ح (٢٧٩٨).
(٥) سورة ص آية (٨٦).
(٦) أى أذهبته واستأصلته. انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٣٩٦) مسلم بشرح النووى (١٧/ ١٤٦).
(٧) سورة الدخان. الآيات (١٠ - ١٥).
[ ٤١٧ ]
قال: أفيُكشف عذاب الآخرة: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ (^١٣) فالبطشة يوم بدر، وقد مضت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم" (^١٤).
وفي طريق آخر عند مسلم: قال: "إنما كان هذا أن قريشًا لما استعصت على النبي -ﷺ- دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابَهم قحط وجهد حتي جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، وحتى أكلوا العظام، فأتى النبي -ﷺ- رجل فقال: يا رسول الله استغفر الله لمضر، فإنَّهم قد هلكوا فقال: "لمضر؟ إنك لجريء" قال: فدعا الله لهم فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ قال: فمطروا فلما أصابتهم الرفاهية، قال: عادوا إلى ما كانوا عليه، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال يعني يوم بدر" (^١٥).
بيان وجه التعارض
بالنظر إلى النصوص السابقة نجد أن في حديث حذيفة وأبي هريرة ﵄ ما يفيد أن الدخان من علامات الساعة وأماراتِها وأنه لم يأت بعد، وفي المقابل نجد أن ابن مسعود ﵁ يصرح بأن الدخان قد مضى وانتهى وهو ما حصل لقريش من الجهد والجوع عندما دعا عليهم النبي -ﷺ- حتي أصبح أحدهم ينظر إلى السماء فيرى كهيئة الدخان، ولا يكتفي ابن مسعود ﵁ بالتصريح بأن الدخان قد مضى بل يغضب ويشتد نكيره على من خالف ذلك.
_________________
(١) سورة الدخان، آية (١٦).
(٢) متفق عليه: البخاري في مواضع من كتاب التفسير. باب تفسير سورة ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾. (٤/ ١٧٩١) ح (٤٤٩٦). وفي باب: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. (٤/ ١٨٠٩) ح (٤٥٣١). ومسلم واللفظ له في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: الدخان. (١٧/ ١٤٦) ح (٢٧٩٨).
(٣) أخرجه مسلم في الموضع السابق.
[ ٤١٨ ]
المطلب الثانى مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
سلك أهل العلم في هذه المسألة مذهبين: أحدهما مذهب الجمع والآخر مذهب الترجيح وإليك بيان ذلك:
أولًا: مذهب الجمع:
وإليه ذهب الطحاوي وأبو الخطاب بن دحية وأشار إليه الطبري واحتمله النووي وهو حمل ما جاء في النصوص على أنَّهما دخانان:
أحدهما: ما أصاب قريش عندما دعا عليهم النبي -ﷺ- كما جاء ذلك عن ابن مسعود ﵁ وهذا قد مضى وانتهى.
والثاني: يكون من علامات الساعة قبل قيامها كما جاء ذلك في حديث حذيفة وأبي هريرة ﵄.
قال الطحاوي: "الدخان المذكور في أحاديث ابن مسعود ﵁ غير الدخان المذكور في حديثي حذيفة وأبي هريرة" (^١).
وقال أبو الخطاب بن دحية: "والذي يقتضيه النظر الصحيح حمل ذلك على قضيتين إحداهما وقعت وكانت الأخرى ستقع وستكون، فأما التي كانت فالتى كانوا يرون فيها كهيئة دخان وهي الدخان غير الدخان الحقيقى الذي يكون عند ظهور الآيات التى هي من الأشراط والعلامات" (^٢).
وقال الطبري ﵀: "وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحل بالكفار
_________________
(١) مشكل الآثار (١/ ٢٨٧).
(٢) نقل ذلك عنه القرطبى في التذكرة (٢/ ٥١٦).
[ ٤١٩ ]
الذين توعدهم بِهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون محلًّا فيما يستأنف بعد بآخرين دخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله -ﷺ- " (^٣).
وقال النووي: "ويُحتمل أنَّهما دخانان للجمع بين هذه الآثار" (^٤).
ثانيًا: مذهب الترجيح:
وقد سلكه فريقان من الناس (^٥) وإليك بيان ذلك:
الفريق الأول: ذهب إلى أن الدخان قد مضى وانتهى وهو ما أصاب مشركي مكة من الجهد والجوع حتي أصبح أحدهم إذا نظر إلى السماء يرى كهيئة الدخان.
وعلى رأس القائلين بِهذا ابن مسعود ﵁ وتبعه على ذلك جماعة من السلف منهم أبو العالية وإبراهيم النخعي ومجاهد والضحاك وعطية العوفي (^٦) وهو اختيار ابن جرير الطبري (^٧).
أدلة هذا الفريق:
ليس لهؤلاء ما يستدلون به سوى الآيات في سورة الدخان فقالوا: إن سياق الآيات يدل على أن المراد بِها ما أصاب مشركى مكة عندما دعا عليهم الرسول -ﷺ-، وبِهذا جزم ابن مسعود ﵁ وغضب واشتد نكيره على من قال بخلاف هذا، وقال ﵁ مستنكرًا: أفيُكشف عذاب الآخرة. أي إن
_________________
(١) تفسير الطبري (١١/ ٢٢٨).
(٢) مسلم بشرح النووى (١٨/ ٢٤١).
(٣) وهناك فريق ثالث أو قول ثالث نقله القرطبى في تفسيره (١٦/ ١٣١) عن عبد الرحمن الأعرج وهو: أن المراد بالدخان ما حصل يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة. ولا شك أن هذا بعيد جدًّا، ولذلك رده ابن كثير وقال: "هذا القول غريب جدًّا بل منكر" تفسير ابن كثير (٤/ ٢١١).
(٤) انظر: تفسير الطبرى (١١/ ٢٢٦) وتفسير ابن كثير (٤/ ٢١١).
(٥) انظر: تفسير الطبرى (١/ ٢٢٨).
[ ٤٢٠ ]
كشف العذاب ثم عودهم لما هم عليه لا يكون في الآخرة وإنما يكون في الدنيا.
قال ابن جرير الطبري: "قوله تعالى لنبيه محمد -ﷺ-: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم لشركهم بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ثم أتبع ذلك بقوله لنبيه -ﷺ-: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتَهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحله بِهم أشبه من أن يكون أخَّره عنهم لغيرهم" (^٨).
وقال الطحاوي مؤيدًا كون هذه الآيات إنما هى في ما أصاب مشركي مكة من الجهد والجوع، قال ﵀: "إن الله تعالى قال في كتابه في سورة الدخان: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ وأتبع ذلك قوله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أي عقوبة لما هم عليه من الشك واللعب، ومحال أن يكون هاتان العقوبتان لغيرهم أو يؤتى بِهما بعد خروجهم من الدنيا وسلامتهم من ذلك الدخان" (^٩).
وعلى هذا القول يكون معني قوله تعالى حكاية عن المشركين: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ أن الكافرين الذين أصابَهم ذلك الْجهد والجوع يدعون ربِّهم أن يكشفه عنهم ويقولون: إنك إن كشفته عنا آمنا بك وعبدناك، فيرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ أي إنكم أيها المشركون إذا كشفت عنكم ما بكم من ضر عدتم إلى ضلالكم وغيِّكم (^١٠).
_________________
(١) تفسير الطبرى (١١/ ٢٢٨).
(٢) مشكل الآثار (١/ ٨٧).
(٣) انظر تفسير الطبري (١/ ٢٢٨، ٢٢٩).
[ ٤٢١ ]
كما أنه على هذا القول يكون المراد بالبطشة الكبرى في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ بطشة الله تعالى بمشركى قريش يوم بدر كما ذهب إلى ذلك ابن مسعود ﵁ (^١١)، وهو قول جماعة من السلف كابن عباس وأبي بن كعب ﵃ ومسروق ومجاهد وأبي العالية والضحاك وغيرهم (^١٢).
وقبل أن أنتقل إلى الفريق الثاني يحسن ذكر آيات سورة الدخان -المتعلقة بِهذه المسألة- مجتمعة حتي يفهم القول السابق ويتضح الربط بينها على ما قالوه.
قال الله تعالى في سورة الدخان: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾.
والفريق الثانى: ذهب إلى أن الدخان آية وأمارة من أمارات الساعة لم تأت بعد، وهذا مروي عن ابن عباس (^١٣) وابن عمر (^١٤) وعلي بن أبى طالب (^١٥) وأبي هريرة وحذيفة ﵃ والحسن (^١٦) وابن أبي مليكة (^١٧) ورجح هذا القول
_________________
(١) انظر ص (٤١٨).
(٢) انظر: تفسير الطبرى (١١/ ٢٣٠) تفسير القرطبى (١٦/ ١٣٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٢١٤).
(٣) أخرجه الطبرى فى تفسيره (١١/ ٢٢٧) وقال ابن كثير فى تفسيره (٤/ ٢١٣): "وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس".
(٤) أخرجه الطبرى في تفسيره (١١/ ٢٢٧).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٨٨).
(٦) أخرجه الطبرى في تفسيره (١١/ ٢٢٧).
(٧) انظر في نسبة هذا القول إلى هؤلاء: كشف المشكل لابن الجوزى (١/ ٢٧٩) المفهم للقرطبي (٧/ ٢٣٩) مسلم بشرح النووى (١٨/ ٢٤٠) التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة لصلاح الدين العلائى (٦٣) لوامع الأنوار (٢/ ١٢٩).
[ ٤٢٢ ]
القرطبي (^١٨) وابن القيم (^١٩) وانتصر له ابن كثير (^٢٠)، كما ذهب إليه صلاح الدين العلائى (^٢١) وجمعٌ من أهل العلم عليهم رحمة الله.
أدلة هذا الفريق:
استدل أصحاب هذا القول بما يلى:
١ - حديث حذيفة بن أسيد أن رسول الله -ﷺ- قال: "إنَّها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال .. " (^٢٢).
قال النووي: "هذا الحديث يؤيد قول من قال إن الدخان: دخان يأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام وأنه لم يأت بعد وإنما يكون قريبًا من قيام الساعة" (^٢٣).
وقال العلائى: "هذا نص صريح في أن الدخان لم يأت بعد" (^٢٤).
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربِها أو الدخان أو الدجال .. " (^٢٥).
قالوا: فهذان الحديثان مرفوعان، والمرفوع مقدم على الموقوف (^٢٦).
وقال ابن كثير بعدما ساق أثر ابن عباس والذي مفاده أن الدخان لم يأت بعد، قال: "هذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ﵄ حبر الأمة
_________________
(١) انظر المفهم (٧/ ٢٣٩).
(٢) انظر: مختصر الصواعق (٢/ ٤٥٣).
(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢١٣)، والنهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٢٤).
(٤) انظر التنبيهات المجملة عن المواضع المشكلة (٦٣).
(٥) تقدم تخريجه ص (٤١٦).
(٦) مسلم بشرح النووي (١٨/ ٢٤٠).
(٧) التنبيهات المجملة (٦٣).
(٨) تقدم تخريجه ص (٤١٦).
(٩) انظر النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (١/ ٢٢٤).
[ ٤٢٣ ]
وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما التي أوردوها مما فيه مقنع، ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة" (^٢٧).
٣ - استدل ابن كثير بقصة الرسول -ﷺ- مع ابن صياد وأنه خبأ له قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٢٨) فقال ابن كثير: "هذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب" (^٢٩).
- قالوا: ظاهر القرآن -وهو قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ - يدل على أنه لم يأت بعد وأنه دخان من السماء واضح جلي يراه كل أحد يغشى الناس، وهذا أمر محقق عام، وليس كما رُوي عن ابن مسعود ﵁ أنه خيال في أعين قريش من شدة الجوع إذ لو كان كذلك لما قال: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ (^٣٠).
قال السفاريني: "قال العلماء: آية الدخان ثابتة بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله ﷾: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ " (^٣١).
وأما تفسير ابن مسعود هذه الآية بما حصل لقريش فقد قال عنه ابن كثير: "هذا التفسير غريب جدًّا، ولم يُنقل مثله عن أحد من الصحابة غيره" (^٣٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢١٣).
(٢) تقدم تخريجه ص (٣٩٥).
(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٢١٢).
(٤) انظر: النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٢٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٢١٣).
(٥) لوامع الأنوار (٢/ ١٢٩).
(٦) النهاية في الفتن (١/ ٢٢٤).
[ ٤٢٤ ]
وعلى هذا القول تكون البطشة الكبرى -في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ - يوم القيامة كما هو مروي عن ابن عباس والحسن البصري وعكرمة (^٣٣) واختاره الزجاج (^٣٤) وابن كثير (^٣٥) عليهم رحمة الله.
* * *
_________________
(١) أخرج ذلك عنهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٣٣١) وانظر تفسير القرطبي (٦/ ١٣٤) وتفسير ابن كثير (٤/ ٢١٤) وكشف المشكل لابن الجوزي (١/ ٢٧٩).
(٢) انظر: تفسير القرطبى (١٦/ ١٣٤).
(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢١٤).
[ ٤٢٥ ]
المطلب الثالث الترجيح
الذي يظهر -والله تعالى أعلم- هو القول بمذهب الجمع إذ ليس فيما أثبته ابن مسعود مما أصاب قريشًا من الجهد والجوع حتي أصبح أحدهم إذا نظر إلى السماء يرى كهيئة الدخان ليس فيه ما يخالف حديثي حذيفة وأبي هريرة ﵄ والذي فيهما أن الدخان من علامات الساعة وأنه لم يأت بعد، لا سيما وأن أبا هريرة أحد الرواة وهو لم يُسلم إلا في السنة السابعة بينما ما حدث لقريش كما في رواية ابن مسعود كان قبل وقعة بدر.
وعلى هذا نقول: إنَّهما دخانان:
أحدهما: ما أصاب قريش من الجهد والجوع عندما دعا عليهم النبي -ﷺ- حتي أصبح الواحد منهم ينظر إلى السماء فيرى كهيئة الدخان، وهذا الدخان قد مضى وانتهى كما قال ابن مسعود ﵁.
والثاني: دخان يكون قرب قيام الساعة وهو من علاماتِها وأماراتِها كما في حديث حذيفة وأبي هريرة ﵄.
وقد ذكر القرطبي في التذكرة أنه رُوي عن ابن مسعود ﵁ أنَّهما دخانان فقال: "قال مجاهد: كان ابن مسعود يقول: هما دخانان قد مضى أحدهما، والذي بقى يملأ ما بين السماء والأرض ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر فتثقب مسامعه" (^١) فإن ثبت هذا عن ابن مسعود فهو قاطع في المسألة.
_________________
(١) التذكرة (٢/ ٥١٦).
[ ٤٢٦ ]
إذا تبين هذا فعلى أي الدخانين تُحمل الآيات التى في سورة الدخان؟ هل نحملها على ما أصاب قريشًا كما فعل ابن مسعود ﵁؟ أم نحملها على أنه الدخان الذي يكون من علامات الساعة قرب قيامها؟ !
في ظني أن هذا هو موطن النزاع وسبب الخلاف، والحقيقة أن الآية وهي قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ تحتمل كلا القولين فإننا إذا نظرنا إلى سياق الآية وما قبلها وما بعدها وجدنا أنَّها تؤيد ما ذهب إليه ابن مسعود ﵁، ولذلك فإنه حتي الذين خالفوه: منهم من فسَّر بعض تلك الآيات بما حصل لقريش كالبطشة الكبرى فإن منهم من فسرها بوقعة بدر، وإذا نظرنا إلى لفظ الآية وأن الأصل أن يحمل الدخان على الحقيقة والذي في حديث ابن مسعود ليس دخانًا حقيقة وإنما هو شىء تتوهمه قريش أنه دخان، إذا نظرنا إلى هذا وجدنا أن الآية تؤيد ما ذهب إليه غير ابن مسعود ﵁، وإن كان الطحاوي ﵀ قد أجاب عن هذا بأن المذكور في حديث ابن مسعود سمى دخانًا على المجاز لتوهم قريش أنه دخان على الحقيقة (^٢)، ولكن هذا الجواب غير مقنع.
وعلى كل حال فإنه حتي لو قلنا إن الآية تؤيد ما ذهب إليه ابن مسعود فإنه لا يُعارض كون الدخان من علامات الساعة وأنه لم يأت بعد، وذلك بحمل ما جاء في النصوص والآثار على أنَّهما دخانان كما تقدم، ويكون الدخان الذي هو من علامات الساعة ثابتًا في السنة فقط كما ذهب إلى هذا الشيخ مرعي فيما نقل عنه السفارينى (^٣) والله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) انظر مشكل الآثار (١/ ٢٨٧).
(٢) انظر لوامع الأنوار (٢/ ١٣١).
[ ٤٢٧ ]
الفصل الثاني مسائل تتعلق باليوم الآخر
وفيه مبحثان
• المبحث الأول: ما جاء في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه.
• المبحث الثاني: ما جاء في قلة النساء وكثرتهن في الجنة.
* * *
[ ٤٢٩ ]
المبحث الأول ما جاء في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٤٣١ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
أولًا: الأحاديث التي تفيد أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه:
- عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" (^١).
وفي رواية أنه لما أصيب عمر ﵁ جعل صهيب يقول: واأخاه، فقال عمر: أما علمت أن النبي قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي" (^٢).
وفي رواية أخرى قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن الميت يُعذب ببعض بكاء أهله عليه" (^٣).
وفي رواية لمسلم: أن عمر لما طُعن عوَّلت عليه حفصة، فقال: يا حفصة أما سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "المعول عليه يُعذب" وعوَّل عليه صهيب فقال عمر: يا صهيب أما علمت أن المعول عليه يعذب.
-وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" (^٤).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري. كتاب الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت (١/ ٤٣٤) ح (١٢٣٠) ومسلم: كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٦/ ٤٨٣) ح (٩٢٧).
(٢) متفق عليه: البخارى: كتاب الجنائز، باب: قول النبي -ﷺ-: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" (١/ ٤٣٣) ح (١٢٢٨). ومسلم: كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٦/ ٤٨٤) ح (٩٢٧).
(٣) متفق عليه: البخارى: كتاب الجنائز، باب: قول النبي -ﷺ-: "يُعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" (١/ ٤٣٢) ح (١٢٢٦). ومسلم: كتاب الجنائز، باب: الميت يُعذب ببكاء أهله عليه (٦/ ٤٨٥) ح (٩٢٨).
(٤) متفق عليه: البخاري: كتاب الجنائز، باب: قول النبي -ﷺ-: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه". (١/ ٤٣٢) ح (١٢٢٦). ومسلم: كتاب الجنائز. باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٦/ ٤٨٥) ح (٩٢٨) (٦/ ٤٨٧) ح (٩٣٠).
[ ٤٣٢ ]
- وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من نيح عليه يُعذب بما نيح عليه" (^٥).
ثانيًا: الأحاديث التي تنفي ذلك:
- عن ابن عباس ﵄ قال: لما مات عمر ﵁ ذكرت ذلك (^٦) لعائشة ﵂ فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله -ﷺ- إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله -ﷺ- قال: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" وقالت حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٧)، قال ابن عباس ﵄ عند ذلك: والله هو أضحك وأبكى (^٨).
وفي رواية لمسلم: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر ﵃ قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ (^٩).
وفي رواية أنه ذُكِر عند عائشة ﵂ أن ابن عمر ﵁ رفع إلى النبي -ﷺ-: "إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله" فقالت: وَهِلَ ابن عمر ﵀ إنما قال رسول الله -ﷺ-: "إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن" (^١٠).
_________________
(١) متفق عليه: البخارى: كتاب الجنائز، باب: ما يكره من النياحة. (١/ ٤٣٤) ح (١٢٢٩). ومسلم: كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه. (٦/ ٤٨٩) ح (٩٣٣).
(٢) أى ذكر أن عمر وابنه ﵁ يحدثون أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
(٣) سورة الأنعام، آية (١٦٤).
(٤) متفق عليه: البخارى: كتاب الجنائز، باب: قول النبي -ﷺ-: "يُعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه". (١/ ٤٣٢) ح (١٢٢٦). ومسلم: كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه. (٦/ ٤٨٦) ح (٩٢٨).
(٥) مسلم: كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٦/ ٤٨٥) ح (٩٢٩).
(٦) متفق عليه: البخارى: كتاب المغازى، باب: قتل أبي جهل (٤/ ١٤٦٢) ح (٣٧٥٩). ومسلم: كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٦/ ٤٨٨) ح (٩٣٢).
[ ٤٣٣ ]
وفي رواية أخرى أنه ذُكر لعائشة أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي، فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مرَّ رسول الله -ﷺ- على يهودية يُبكى عليها فقال: "إنَّهم ليبكون عليها وإنَّها لتعذب في قبرها" (^١١).
وفي رواية لمسلم أنَّها قالت: رحم الله أبا عبد الرحمن شيئًا فلم يحفظه (^١٢)، ثم ذكرت الحديث السابق.
بيان وجه التعارض
بالنظر إلى الأحاديث السابقة نجد أن عمر وابنه والمغيرة بن شعبة ﵃ يروون عن النبى -ﷺ- أن الميت يعذب ببكاء الحى عليه.
وفي المقابل نجد أن عائشة ﵂ تنكر هذه الرواية وترى أنَّها معارضة للقرآن، وتتهم الراوي لها بالخطأ والنسيان، وتروي أن النبي -ﷺ- قال ذلك في الكافر، وفي بعض الأحيان تروي ما يفيد أن النبي -ﷺ- أراد بقوله ذلك أن الميت يعذب حال بكاء أهله عليه كما في قوله -ﷺ-: "إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن"؟ ! .
* * *
_________________
(١) متفق عليه: البخارى: كتاب الجنائز، باب: قول النبي -ﷺ-: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" (١/ ٤٣٣) ح (١٢٢٧). ومسلم واللفظ له: كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٦/ ٤٨٨) ح (٢٧).
(٢) مسلم: كتاب الجنائز، باب: الميت يُعذب ببكاء أهله عليه (٦/ ٤٨٧) ح (٩٣١).
[ ٤٣٤ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
الخلاف في هذه المسألة قديم منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وبناءً على اختلافهم اختلف أهل العلم من بعدهم على عدة أقوال ومذاهب، ولكن قبل ذكر مذاهب أهل العلم تجاه هذه الأحاديث لا بد من تحرير محل النِّزاع كما يلى:
- أجمع أهل العلم على أنه لا يعذب أحد بذنب غيره كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة (^١).
- كما أجمع أهل العلم على تحريم النياحة (^٢)، قال النووي ﵀ تعليقًا على حديث أبي مالك الأشعري أن النبي -ﷺ- قال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتِها تقام يوم القيامة وعليها سربال (^٣) من قطران (^٤) ودرع من جرب" (^٥). قال: "فيه دليل على تحريم النياحة وهو مجمع عليه" (^٦).
وقال القرطبى بعد أن ذكر شيئًا من صور النياحة: "فكل ذلك محرم من
_________________
(١) انظر عارضة الأحوذى (٤/ ١٨٠) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧٢، ٣٧٣).
(٢) النياحة هي: اجتماع النساء وضربُهن خدودهن وخمشهنَّ ورمي التراب على رءوسهن وحلق شعورهن كل ذلك تحزنًا على ميتهن، وهي من أعمال الجاهلية ولها صور وأشكال تختلف باختلاف الأزمان، والله المستعان. انظر عارضة الأحوذى (٤/ ١٧٧) لسان العرب (٢/ ٦٢٧) مادة (نوح).
(٣) السربال: القميص، وقد يطلق على الدرع. انظر النهاية في غريب الحديث (٢/ ٣٥٧).
(٤) القطران: عصارة الأبْهل والأرز ونحوهما يطبخ فيتحلب ويُطلى به الإبل. والمعنى: أنَّهن يُلطخن بالقطران فيصير لهن كالقمص، حتي يكون اشتعال النار والتصاقها بأجسادهن أعظم، ورائحته أنتن وألمها بسبب الحر أشد. انظر لسان العرب (٥/ ١٠٥) مادة (قطر) مختار الصحاح (٥٤١، ٥٤٢) مادة (قطر) المفهم (٢/ ٥٨٨).
(٥) أخرجه مسلم (٦/ ٤٨٩) ح (٩٣٤).
(٦) مسلم بشرح النووى (٦/ ٤٨٩) وانظر (٦/ ٤٩٢).
[ ٤٣٥ ]
أعمال الجاهلية ولا يختلف فيه" (^٧).
-وأجمع أهل العلم أيضًا على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا: البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين (^٨)، لأن مجرد دمع العين قد ثبت عنه -ﷺ- من قوله وفعله كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي -ﷺ- يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: "قد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي -ﷺ-، فلما رأى القوم بكاء النبي -ﷺ- بكوا فقال: "ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بِهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم" (^٩).
من خلال هذا التحرير يتضح لنا أن الإشكال هنا إنما هو في حديث تعذيب الميت ببكاء الحى، لأن ظاهره مخالف للقرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^١٠) ولذلك أنكرته عائشة ﵂ ومن تبعها، وذهب جمهور أهل العلم إلى تأويله حتي لا يخالف ما ثبت بالنص والإجماع من أن الميت لا يعذب بذنب غيره، قال الشوكاني: "وذهب جمهور العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث لِمخالفتها للعمومات القرآنية وإثباتِها لتعذيب من لا ذنب له" (^١١).
والحاصل أن أهل العلم سلكوا في هذه المسألة أو بالأحرى في هذا الحديث ثلاثة مذاهب هى كالتالي:
_________________
(١) المفهم (٢/ ٥٧٧). وانظر: نيل الأوطار للشوكاني (٤/ ١٢٩).
(٢) انظر مسلم بشرح النووي (٦/ ٤٨٤، ٤٨٥) شرح معاني الآثار للطحاوى (٤/ ٢٩٣، ٢٩٤) كشف المشكل لابن الجوزى (١/ ٥٥) المفهم (٢/ ٥٧٦).
(٣) متفق عليه: البخارى (١/ ٤٣٩) ح (١٢٤٢) ومسلم (٦/ ٤٧٩) ح (٩٢٣).
(٤) سورة الأنعام، آية (١٦٤).
(٥) نيل الأوطار (٤/ ١٢٥، ١٢٦).
[ ٤٣٦ ]
أولًا: مذهب الجمع:
وإليه ذهب جمهور أهل العلم ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع على عدة مسالك إليك بيانُها:
المسلك الأول:
أن هذا الحديث -وهو حديث تعذيب الميت ببكاء الحى- محمول على من أوصى بأن يُبكى عليه ويُناح عليه بعد موته كما كان أهل الجاهلية يفعلون، قال أحدهم:
فإن مت فانعيني بما أنا أهله وشُقى عليَّ الجيب يا ابنة معبدِ (^١٢)
قالوا: فإذا عُذب على ذلك فإنما عُذب بذنبه لأنه هو المتسبب في ذلك، وإلى هذا المسلك ذهب المزني وإبراهيم الحربي وبعض الشافعية (^١٣) والنووي ونسبه للجمهور (^١٤).
المسلك الثاني:
أن الحديث محمول على من أهمل نَهى أهله عن ذلك مع علمه أن لهم في ذلك عادة أو ظن أنَّهم يفعلون ذلك.
وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بترك النياحة إذا علم أو ظن منهم ذلك (^١٥).
قالوا: وإذا عُذب على ذلك فإنما عُذب بفعل نفسه لأنه فرط في نهيهم.
قال ابن المرابط: "إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النوح وعرف أن
_________________
(١) القائل هو: طرفة بن العبد. انظر ديوان طرفة (٣٩).
(٢) انظر فتح الباري (٣/ ١٥٤) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧٠).
(٣) انظر مسلم بشرح النووى (٦/ ٤٨٢، ٤٨٣، ٤٨٤) وانظر هذا القول في معالم السنن (١/ ٢٦٤) كشف المشكل (١/ ٥٧) المفهم (٢/ ٥٨٢) التذكرة للقرطبي (١٦٧) شرح الصدور بشرح حال الموتى في القبور للسيوطى (٣٨٥) نيل الأوطار (٤/ ١٢٦).
(٤) انظر مسلم بشرح النووي (٦/ ٤٨٣) شرح الصدور (٣٨٥).
[ ٤٣٧ ]
أهله من شأنهم يفعلون ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده" (^١٦).
وإلى هذا المسلك ذهب داود وأبو البركات ابن تيمية وطائفة من أهل العلم (^١٧).
المسلك الثالث:
أن الحديث محمول على من كانت النياحة من سنته وطريقته، وإلى هذا ذهب البخاري ﵀ حيث بوب على ذلك في صحيحه بقوله: "باب قول النبي -ﷺ-: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" إذا كان النوح من سنته لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (^١٨) وقال النبي -ﷺ-: "كلكم راع ومسئول عن رعيته"" (^١٩).
فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة ﵂: " ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ".
ثم ذكر رحمه الله تعالى حديث ابن مسعود -مستشهدًا به على ما ذهب إليه- أن النبي -ﷺ- قال: "لا تُقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل (^٢٠) " (^٢١).
قال الحافظ: "وحاصل ما بحثه المصنف في هذه الترجمة أن الشخص لا
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ١٥٤).
(٢) انظر المفهم (٢/ ٥٨٣) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧٠) فتح البارى (٣/ ١٥٤) نيل الأوطار (٤/ ١٢٦).
(٣) سورة التحريم. آية (٦).
(٤) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر: البخارى: (١/ ٣٠٤) ح (٨٥٣) ومسلم (١٢/ ٤٥٤) ح (١٨٢٩).
(٥) متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود: البخاري (٣/ ١٢١٣) ح (٣١٥٧) ومسلم (١١/ ١٧٨) ح (١٦٧٧).
(٦) انظر صحيح البخارى (١/ ٤٣١).
[ ٤٣٨ ]
يُعذب بفعل غيره إلا إذا كان له فيه تسبب" (^٢٢).
المسلك الرابع:
أنه يُعذب بما يمدح به في النياحة مما هو قبيح محرم في الشرع كما كان أهل الجاهلية يفعلون فإنَّهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يُعذب بِها، كما كانوا يقولون: يا مرمل النسوان وميتم الولدان ومخرب العمران ومفرق الأخدان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرًا وهو حرام شرعًا (^٢٣).
وإلى هذا المسلك ذهب ابن حزم والإسماعيلي وطائفة من أهل العلم (^٢٤).
واستدل أصحاب هذا المسلك بما يلى:
١ - حديث أبي موسى الأشعري أن النبي -ﷺ- قال: "الميت يعذب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة: واعضداه واناصراه واكاسباه جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسبها؟ " (^٢٥).
٢ - حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: أُغمي على عبد الله ابن رواحة فجعلت أخته عَمرة تبكي: واجبلاه واكذا واكذا، تعدِّد عليه، فقال
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ١٥٣) وانظر هذا القول في شرح الصدور (٣٨٥) وبعض أهل العلم يجعل هذا القول مع القولين السابقين قولًا واحدًا.
(٢) انظر: مسلم بشرح النووى (٦/ ٤٨٣، ٤٨٤) عارضة الأحوذى (٤/ ١٧٩) كشف المشكل (١/ ٥٨) المفهم (٢/ ٥٨٢) فتح الباري (٣/ ١٥٥) شرح الصدور (٣٨٥) نيل الأوطار (٤/ ١٢٦).
(٣) انظر: فتح الباري (٣/ ١٥٥) نيل الأوطار (٤/ ١٢٦).
(٤) أخرحه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٥٦٧) ح (١٩٢١٧) والترمذى بلفظ مقارب (تحفة ٤/ ٨٤) ح (١٠٠٨) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه (١/ ٥٠٨) ح (١٥٩٤) وحسنه الألباني: انظر صحيح سنن الترمذى (١/ ٢٩٤) ح (٨٠١)، صحيح سنن ابن ماجه (٢/ ٤٣) ح (١٣٠٥).
[ ٤٣٩ ]
حين أفاق: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك (^٢٦).
٣ - حديث ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: "ولكن يعذب بِهذا" (^٢٧) وأشار إلى لسانه.
قال ابن حزم تعليقًا على هذا الحديث: "فصح أن البكاء الذي يُعذب به الإنسان ما كان منه باللسان إذ يندبونه برياسته التي جار فيها وشجاعته التي صرفها في غير طاعة الله وجوده الذي لم يضعه في الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر وهو يعذب بذلك" (^٢٨).
٤ - قالوا: وعلى هذا تحمل رواية: "ببعض بكاء أهله" إذ ليس كل ما يُعدِّدونه من خصاله يكون مذمومًا، فقد يكون من خصاله كرم وإعتاق رقاب وكشف كرب وغير ذلك مما هو ممدوح (^٢٩).
المسلك الخامس:
أن معني التعذيب الوارد في الحديث: توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به، فكلما ذُكر له ما نيح به عليه كان ذلك عذابًا له، قالوا: ورب توبيخ زاد على التعذيب (^٣٠).
-واستدل أصحاب هذا المسلك بما سبق من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ حيث رواه الترمذي بلفظ: "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم
_________________
(١) أخرحه البخارى (٤/ ١٥٥٥) ح (٤٠١٩).
(٢) سبق تخريجه ص (٤٣٦).
(٣) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (٣/ ١٥٥).
(٤) انظر: المفهم (٢/ ٥٨٣).
(٥) انظر: كشف المشكل (١/ ٦٠)، فتح الباري (٣/ ١٥٥)، شرح الصدور (٣٨٥)، نيل الأوطار (٤/ ١٢٧).
[ ٤٤٠ ]
فيقول: واجبلاه واسيداه أو نحو ذلك إلا وُكِّل به ملكان يلهزانه (^٣١) أهكذا كنت؟ " (^٣٢).
وكذلك استدلوا بحديث النعمان بن بشير الذي تقدم ذكره.
المسلك السادس:
أن المراد بالتعذيب في الحديث: تألم الميت وتأذيه بما يقع من أهله ورقته لهم وشفقته عليهم.
وإلى هذا المسلك ذهب الطبري ورجحه ابن المرابط والقاضي عياض (^٣٣) والقرطبي (^٣٤) ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣٥).
واستدل هؤلاء بما يلى:
١ - حديث قيلة بنت مخرمة أنَّها ذكرت عند رسول الله -ﷺ- ولدًا لها مات ثم بكت فقال رسول الله -ﷺ-: "أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفًا، فإذا مات استرجع، فوالذي نفس محمد بيده، إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم" (^٣٦).
٢ - حديث أبي موسى الأشعري والنعمان بن بشير الذَيْن تقدم ذكرهما لما
_________________
(١) أي يدفعانه ويضربانه، واللهز: الضرب بجمع الكف في الصدر، ولهزه بالرمح إذا طعنه به. النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٨١).
(٢) تقدم تخريجه ص (٤٣٩).
(٣) انظر: إكمال المعلم للقاضى عياض (٣/ ٣٧١ - ٣٧٢) مسلم بشرح النووي (٦/ ٤٨٤) فتح الباري (٣/ ١٥٥) شرح الصدور (٣٨٦، ٣٨٧) نيل الأوطار (٤/ ١٢٧).
(٤) انظر المفهم (٢/ ٥٨٣).
(٥) انظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٩ - ٣٧٥).
(٦) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ١٥٥): "هذا طرف من حديث حسن الإسناد أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبى شيبة والطبراني وغيرهم، وأخرج أبو داود والترمذي أطرافًا منه" وقال القرطبي في التذكرة (١٦٨): "هو حديث معروف إسناده لا بأس به".
[ ٤٤١ ]
فيهما من أن ذلك يبلغ الميت (^٣٧).
٣ - قالوا: إن رسول الله -ﷺ- لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال: "يعذب" والعذاب أعم من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقابًا له على ذلك السبب فإن النبي -ﷺ- قال: "السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه" (^٣٨) فسمى السفر عذابًا وليس هو عقابًا على ذنب (^٣٩).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بِها، مثل الأصوات الهائلة والأرواح الخبيثة والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملًا له عوقب عليه، فكيف يُنكر أن يعذب الميت بالنياحة وإن لم تكن النياحة عملًا له يعاقب عليه؟ والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس ويتألم برؤية بعضهم وبسماع كلامه" (^٤٠)، ثم قال ﵀: "وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه، فقد يكون في الميت من قوة الكرامة ما يدفع عنه من العذاب كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة والأرواح والصور القبيحة" (^٤١).
المسلك السابع:
أن ذلك خاص بالكافر دون المؤمن على ما ذهبت إليه عائشة ﵂ (^٤٢).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٣/ ١٥٥) نيل الأوطار (٤/ ١٢٧).
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة: البخارى (٢/ ٦٣٩) ح (١٧١٠) ومسلم (١٣/ ٧٤) ح (١١٢٧).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧٤).
(٤) المرجع السابق. الجزء والصفحة.
(٥) المرجع السابق (٢٤/ ٣٧٥).
(٦) انظر فتح الباري (٣/ ١٥٤) شرح الصدور (٣٨٥) نيل الأوطار (٤/ ١٢٦).
[ ٤٤٢ ]
واستدلوا بحديث عائشة ﵂ أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" (^٤٣).
المسلك الثامن:
أن (الباء) في قوله: "ببكاء أهله" للحال أي بمعني (عند) كقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (^٤٤) والمعني: أنه يعذب عند وقت النياحة أو حال بكاء أهله عليه، لأن غالب النياحة يقع عند قرب العهد، ومعظم عذاب المعذَّب في القبر يكون عند نزول اللحد، ثم يدوم منه ما يدوم، فيكون العذاب واقعًا حال النوح لا بسبب النوح وهذا المسلك كالذي قبله قالت به عائشة ﵂ وبعض أهل العلم (^٤٥).
واستدلوا بحديث عائشة ﵂ أن رسول الله -ﷺ- قال: "إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن" (^٤٦).
ثانيًا: مذهب الترجيح:
وقد سلكه فريقان من الناس:
فالفريق الأول: حمل حديث: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" على ظاهره وهو أن الميت يُعذب ببكاء أهله عليه، وعلى رأس القائلين بِهذا عمر ابن الخطاب وابنه عبد الله ﵄ (^٤٧)، وقد تقدمت قصة عمر
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٤٣٣).
(٢) سورة آل عمران. آية (١٧).
(٣) انظر معالم السنن (١/ ٢٦٤) كشف المشكل (١/ ٥٨) مسلم بشرح النووى (٦/ ٤٨٤) شرح الصدور (٣٨٥) نيل الأوطار (٤/ ١٢٦).
(٤) تقدم تخريجه ص (٤٣٣).
(٥) انظر فتح الباري (٣/ ١٥٣) شرح الصدور (٣٨٥) نيل الأوطار (٤/ ١٢٥) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧١).
[ ٤٤٣ ]
مع صهيب وابنته حفصة (^٤٨) ﵃.
وأخرج عبد الرزاق من طريقه أن ابن عمر شهد جنازة رافع بن خديج فقال لأهله: "إن رافعًا شيخ كبير لا طاقة له بالعذاب، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" (^٤٩).
والفريق الثاني: ردَّ حديث تعذيب الميت ببكاء الحي واحتج عليه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٥٠).
وعلى رأس القائلين بِهذا عائشة ﵂كما تقدم- وأبو هريرة (^٥١) وهو ظاهر استدلال ابن عباس -كما تقدم- بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ (^٥٢) كما ذهب إلى هذا الشافعى رحمه الله تعالى وجماعة من أصحابه كأبي حامد ﵀ (^٥٣) وجزم الباقلاني وغيره بأن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه (^٥٤) واستدل بقول عائشة ﵂: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسى أو أخطأ إنما مر رسول الله -ﷺ- على يهودية يُبكى عليها فقال: "إنَّهم ليبكون عليها وإنَّها لتعذب في قبرها" (^٥٥).
_________________
(١) انظر ص (٤٣٢).
(٢) أخرحه عبد الرزاق في مصنفه (٣/ ٥٥٦) ح (٦٦٧٨) وانظر الفتح (٣/ ١٥٤).
(٣) سورة الأنعام. آية (١٦٤).
(٤) انظر فتح الباري (٣/ ١٥٤) نيل الأوطار (٤/ ١٢٥).
(٥) سورة النجم. آية (٤٣) ووجه الاستدلال هو: أن العَبرة لا يملكها ابن آدم ولا تسبب له فيها فكيف يعاقب عليها فضلًا عن الميت. انظر فتح الباري (٣/ ١٥٩، ١٦٠).
(٦) انظر: اختلاف الحديث للشافعى (١٦٣) وسنن الترمذى (تحفة ٤/ ٨٧) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧٠) فتح الباري (٣/ ١٥٤) نيل الأوطار (٤/ ١٢٥) شرح الصدور (٣٨٥).
(٧) انظر: فتح الباري (٣/ ١٥٤) نيل الأوطار (٤/ ١٢٦).
(٨) تقدم تخريجه ص (٤٣٤)
[ ٤٤٤ ]
وربما قال بعض أصحاب هذا القول: إن حديث عمر وابنه ﵄ مجمل وحديث عائشة ﵂ مفسر، والمفسر أولى من المجمل (^٥٦).
وحاصل هذا القول هو عدم الأخذ بحديث تعذيب الميت ببكاء الحى، واتِّهام الراوي له إما بالخطأ أو النسيان أو عدم الحفظ أو أنه سَمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه.
ثالثًا: مذهب التوقف:
وإليه ذهب الشوكاني ﵀ فقال: "نقول ثبت عن رسول الله -ﷺ- أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فسمعنا وأطعنا ولا نزيد على هذا" (^٥٧).
* * *
_________________
(١) انظر معالم السنن (١/ ٢٦٤) كشف المشكل (١/ ٥٦).
(٢) نيل الأوطار (٤/ ١٢٨).
[ ٤٤٥ ]
المطلب الثالث الترجيح
في الحقيقة أنه ليس بين مسالك الجمع السابقة تعارض لأنه يمكن القول بِها كلها وتنْزيلها على أشخاص أو حالات مختلفة، وأما القول بأحدها وجعله هو المراد في الحديث فهو تحكم فيه نظر، إذ أنه لم يرد نص صريح في اختصاص العذاب بنوع أو سبب معين، مع ما ذكرنا -سابقًا- من أن الإجماع منعقد على أنه لا يعذب أحد بذنب غيره.
"وأما ما روته عائشة عن النبي -ﷺ- أنه قال ذلك في الكافر أو يهودية معينة فهو غير مناف لرواية غيرها من الصحابة، لأن روايتهم مشتملة على زيادة، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يوجب نفى الحكم عن بقية الأفراد لما تقرر في الأصول من عدم صحة التخصيص بموافق العام.
والأحاديث التي ذُكر فيها تعذيب مختص بالبرزخ أو بالتألم أو بالاستعبار كما في حديث قيلة لا تدل على اختصاص التعذيب الْمطلق في الأحاديث بنوع منها، لأن التنصيص على ثبوت الحكم لشىء بدون مشعر بالاختصاص به لا ينافي ثبوته لغيره (^١).
- وبناءً على هذا نقول: إذا أوصى الإنسان أهله بالنياحة أو كانت النياحة من سنته أو عرف من أهله ذلك ولم ينههم أو ندبه أهله بالقبيح المحرم من أفعاله فوُبِّخ على ذلك، فإنه لا شك أن هذه أسباب يستحق عليها العذاب، فإن عُذب بِها أو ببعضها فإنه إنما يُعذب بسبب فعل نفسه.
_________________
(١) نيل الأوطار (٤/ ١٢٨).
[ ٤٤٦ ]
- فإن لم يتلَبَّس بشىء مما سبق كان عذابه -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- ألمه وتأذيه بما يراه من أهله، إما لمخالفتهم أمر رسوله -ﷺ- بالنياحة، وإما لرقته لهم وشفقته عليهم بسبب حزنهم وبكائهم عليه، وهذا لا إشكال فيه لأن الإنسان -كما قال ابن تيمية ﵀- يُعذب ويتأذى بالأمور المكروهة التي يشعر بها كالأصوات المزعجة والروائح الكريهة وإن كان ذلك ليس عملًا له عُوقب عليه.
- وإن كان الميت كافرًا زاده الله عذابًا ببكاء أهله عليه، كما دلَّ على ذلك حديث عائشة ﵂: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه".
- فإن عُذب الميت بسبب من الأسباب السابقة وبكى عليه أهله كان الأمر كما في حديث عائشة ﵂: "إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن" أي أنه يُعذب حال بكاء أهله عليه والله أعلم.
قال ابن حجر ﵀ بعد أن ذكر توجيهات أهل العلم لهذا الحديث: "ويُحتمل أن يُجمع بين هذه التوجيهات فيُنزل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ فأوصاهم بذلك عُذِّب بصنعه، ومن كان ظالمًا فنُدب بأفعاله الجائرة عُذِّب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نَهيهم عنها فإن كان راضيًا بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عُذِّب بالتوبيخ كيف أهمل النهى، ومن سَلِم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربِّهم" (^٢).
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ١٥٥).
[ ٤٤٧ ]
مناقشة الأقوال المرجوحة:
- أما حمل الحديث على أنه يُعاقب بسبب بكاء أهله عليه وليس له في ذلك أدني سبب فبعيد جدًّا، وهو مخالف للإجماع السابق ذكره المبنى على ما ثبت بالكتاب والسنة من أنه لا يُعذب أحد بذنب غيره.
وأما ما ورد في قصة عمر مع صهيب وابنته حفصة وكذلك ما ورد عن ابن عمر ﵄ فغير صريح في أنهما أرادا أن الميت يعاقب بذنب غيره دون أن يكون له فيه أدني سبب، بل يبقى من الأمور المحتملة، ولذلك قال الحافظ ابن حجر: "ويحتمل أن يكون عمر كان يرى أن المؤاخذة تقع على الميت إذا كان قادرًا على النهى ولم يقع منه، فلذلك بادر إلى نَهي صهيب وكذلك نَهي حفصة" (^٣).
وغاية ما في حديث عمر وابنه ﵄ أنهما أطلقا الحديث في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ولم يقيداه بيهودي ولا كافر كما روت عائشة ﵂، كما لم يُقيداه بوصية ولا غيرها كما فعل آخرون والله أعلم.
- وأما ما ورد عن عائشة ﵂ من معارضتها لحديث تعذيب الميت ببكاء أهله عليه واتِّهامها الراوي له بالخطأ والنسيان وعدم الحفظ فعنه ثلاثة أجوبة:
الجواب الأول: أن ما روته عائشة ﵂ حديث وهذا حديث ولا تناقض بينهما ولا تعارض، بل لكل واحدٍ منهما حكمه، وكل واحد من الرواة أخبر عمَّا سمع وشاهد (^٤).
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ١٥٣).
(٢) انظر كشف المشكل (١/ ٥٦) المفهم (٢/ ٥٨٢).
[ ٤٤٨ ]
الجواب الثاني: أن عائشة ﵂ أنكرت برأيها وقالت بظنها، وقول الرسول -ﷺ- إذا صح لا يلتفت معه إلى رأي أحد (^٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وعائشة أم المؤمنين ﵂ لها مثل هذا نظائر، ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه، ولا يكون الأمر كذلك، ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا إن كان مخطئًا" (^٦).
وقال ابن حجر: "وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه إشعارٌ بأنها لم تَرُدّ الحديث بحديث آخر بل بما استشعرته من معارضة القرآن" (^٧).
الجواب الثالث: "أن الرواة لهذا المعني كثير: عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة ﵃ وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم، وإذا أُقدم على ردِّ خبر جماعة مثل هولاء مع إمكان حمله على محمل الصحيح فلأن يُرَدَّ خبر راوٍ واحد أولى، فرد خبرها أولى، على أن الصحيح: ألا يردَّ واحدٌ من تلك الأخبار، وينظر في معانيها" (^٨).
- وأما مذهب التوقف فبابه واسع كما تقدم.
* * *
_________________
(١) انظر كشف المشكل (١/ ٥٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧١).
(٣) فتح الباري (٣/ ١٥٤).
(٤) المفهم (٢/ ٥٨١) وانظر: كشف المشكل (١/ ٥٦).
[ ٤٤٩ ]
المبحث الثاني ما جاء في قلة النساء وكثرتهنَّ فى الجنة
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٤٥١ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التى قد يوهم ظاهرها التعارض
أولًا: الأحاديث التى تفيد أن النساء في الجنة أقل من الرجال:
- عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن أقل ساكنى الجنة النساء" (^١).
- وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله -ﷺ- قال: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" (^٢).
- وعن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي -ﷺ- قال: "وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء" (^٣).
- وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي -ﷺ-: "رأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن" قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء. (١٧/ ٥٨) ح (٢٧٣٨).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء. (١٧/ ٥٨) ح (٢٧٣٧).
(٣) متفق عليه: البخارى: كتاب النكاح، باب: لا تأذن المرأة في بيت زوحها (٥/ ١٩٩٤) ح (٤٩٠٠). ومسلم: كتاب الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء (١٧/ ٥٧) ح (٢٧٣٦).
(٤) متفق عليه: البخارى: كتاب الإِيمان، باب: كفران العشير وكفر بعد كفر (١/ ١٩) ح (٢٩). ومسلم: كتاب الكسوف، باب: ما عُرض على النبي -ﷺ- صلاة الكسوف (٦/ ٤٦٥) ح (٩٠٧).
[ ٤٥٢ ]
- وعن جابر ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال للنساء: "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم .. " (^٥).
ثانيًا: الأحاديث التي تفيد أن النساء في الجنة أكثر:
عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء فقال أبو هريرة ﵁: لو لم يقل أبو القاسم -ﷺ-: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتى تليها على أضواء كوكب دُري في السماء لكل امرئٍ منهم زوجتان اثنتان يُرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب" (^٦).
وفي لفظ للبخاري: "لكل امرئٍ زوجتان من الحور العين .. " (^٧).
بيان وجه التعارض
أنه في الأحاديث الأولى ما يفيد أن النساء أقل ساكني الجنة وأكثر ساكني النار.
وفي المقابل نجد في حديث أبي هريرة ما يفيد أن النساء في الجنة أكثر من الرجال لأنه إذا كان لكل واحد من الرجال زوجتان وليس في الجنة أعزب كانت النساء ضعفى عدد الرجال.
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في أول كتاب صلاة العيدين (٦/ ٤٢٤) ح (٨٨٥).
(٢) متفق عليه: البخارى: كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنَّها مخلوقة (٣/ ١١٨٦) ح (٣٠٧٤) ومسلم واللفظ له: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: أول زمرة تدخل الجنة (١٧/ ١٧٧) ح (٢٨٣٤).
(٣) الكتاب والباب السابقين (٣/ ١١٨٧) ح (٣٠٨١).
[ ٤٥٣ ]
المطلب الثاني مذهب العلماء تجاه هذا التعارض
سلك أهل العلم في هذه المسألة مذهبين: أحدهما مذهب الجمع، والثاني: مذهب الترجيح وإليك بيان ذلك:
أولًا: مذهب الجمع:
فقالوا إن النساء من بني آدم في الجنة أقل من الرجال، وأما إذا انضم إليهن الحور العين فإنَّهن بلا شك أكثر من الرجال، وإلى هذا ذهب القرطبي (^١) وابن القيم (^٢) عليهما رحمة الله.
واستدلوا بما تقدم من حديث عمران بن حصين أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن أقل ساكنى الجنة النساء" (^٣).
وكذلك استدلوا بالأحاديث التي فيها أن النساء أكثر أهل النار (^٤).
وأجابوا عن قوله -ﷺ-: "لكل امرئٍ منهم زوجتان" بأن المراد بالزوجتين: أي من الحور العين، واستدلوا على ذلك. مما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "للرجل من أهل الجنة زوجتان من حور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب" (^٥).
وأما ما ورد من الزيادة على الزوجتين -كما في بعض الأحاديث- فأجابوا
_________________
(١) انظر: المفهم (٧/ ١٨١).
(٢) انظر: حادى الأرواح (١٧١).
(٣) تقدم تخريجه ص (٤٥٢).
(٤) انظر ص (٤٥٢).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ١٨) ح (٨٣٣٧).
[ ٤٥٤ ]
عنه بأن ذلك بحسب منازلهم ودرجاتِهم، وأما الزوجتين الواردة في الحديث السابق فهى لأدنى أهل الجنة.
قال القرطبي: "أدنى من في الجنة درجة له زوجتان، إذ ليس في الجنة أعزب كما قال، وأما غير هؤلاء: فمن ارتفعت منْزلته فزوجاتُهم على قدر درجاتِهم" (^٦).
وقال ابن القيم: "ولا ريب أن للمؤمن في الجنة أكثر من اثنتين لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن قيس أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن للعبد المؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلًا، للعبد المؤمن فيها أهلون، فيطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضًا" (^٧) " (^٨).
وقال الحافظ ابن حجر: "والذي يظهر أن المراد أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان" (^٩).
وأما حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال وهو في طائفة من أصحابه فذكر حديثًا طويلًا وفيه: "فيدخل الرجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله تعالى وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتِهما في الدنيا .. " (^١٠).
_________________
(١) المفهم (٧/ ١٨٠).
(٢) متفق عليه: البخارى (٣/ ١١٨٥) ح (٣٠٧١) ومسلم (١٧/ ١٨١) ح (٢٨٣٨).
(٣) حادى الأرواح (٣٠١).
(٤) فتح البارى (٦/ ٣٢٥).
(٥) أخرجه الطبراني في الأحاديث الطوال برقم (٣٦) ملحق بكتاب المعجم الكبير للطبراني (٢٥/ ٢٦٦) والبيهقي في كتاب البعث والنشور (٣٣٥) برقم (٦٠٩)، وعزاه ابن القيم في حادى الأرواح (١٧٢، ٢٩٢) وابن كثير في النهاية (١/ ٢٧٠) وابن حجر في الفتح (٦/ ٣٢٥) لأبي يعلى لكني لم أجده في المطبوع، فلعله رواه في المسند الكبير والذى هو في عداد المفقودات الآن. =
[ ٤٥٥ ]
فقال عنه ابن القيم ﵀: "هذا قطعة من حديث الصور الطويل ولا يُعرف إلا من حديث إسماعيل بن رافع، وقد ضعفه أحمد ويحيى وجماعة، وقال الدارقطني وغيره: متروك الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها مما فيه نظر (^١١).
وأما البخاري فقال فيه ما حكاه الترمذي عنه قال: سمعت محمدًا يقول فيه: هو ثقة مقارب الحديث.
قلت: ولكن إذا روى مثل هذا ما يخالف الأحاديث الصحيحة لم يلتفت إلى روايته" (^١٢).
ثانيًا: مذهب الترجيح:
وذلك بترجيح كون النساء في الجنة أكثر من الرجال، وممن ذهب إلى هذا أبو هريرة (^١٣) ﵁ والقاضى عياض (^١٤) والعراقى (^١٥) عليهما رحمة الله، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "لكل امرئٍ منهم زوجتان" فقالوا: إن المراد بالزوجتين: أي من نساء الدنيا.
قال القاضى عياض: ظاهر هذا الحديث أن النساء أكثر أهل الجنة، وفي
_________________
(١) = وقال البخارى في التاريخ الكبير (١/ ٢٦٠): حديث الصور مرسل ولم يصح، وانظر الكامل لابن عدى (١/ ٢٨١) وقال ابن كثير في النهاية (١/ ٢٧٨): وهو حديث مشهور .. وفي بعض سياقه نكارة واختلاف. وانظر تفسير ابن كثير (٢/ ٢٣٩) وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٦٨): "واضطرب في سنده مع ضعفه .. وقد صحح الحديث من طريق إسماعيل بن رافع: القاضى أبو بكر ابن العربى وتبعه القرطبى في التذكرة، وقول عبد الحق في تضعيفه أولى وضعفه قبله البيهقي".
(٢) انظر الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدى (١/ ٢٨٠، ٢٨١) تَهذيب التهذيب (١/ ٢٩٤).
(٣) حادى الأرواح (١٧٣) وانظر (٢٩٨) وقال النسائى عن هذا الرجل: متروك الحديث، انظر: الضعفاء والمتروكين للنسائي (٥٠) مطبوع ضمن كتاب: المجموع في الضعفاء والمتروكين تحقيق عبد العزيز السيروان، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب (١/ ٩٤): ضعيف الحفظ.
(٤) انظر طرح التثريب (٨/ ٢٦٩ - ٢٧٠) فتح البارى (٦/ ٣٢٥).
(٥) انظر مسلم بشرح النووى (١٧/ ١٧٨) طرح التثريب (٨/ ٢٧٠).
(٦) انظر طرح التثريب (٨/ ٢٧٠).
[ ٤٥٦ ]
الحديث الآخر أنَّهن أكثر أهل النار، فيخرج من مجموع هذا أن النساء أكثر ولد آدم، وهذا كله في الآدميات، وإلا فقد جاء للواحد من أهل الجنة من الحور العين العدد الكثير (^١٦).
وقال العراقى: "الزوجتان من نساء الدنيا والزيادة على ذلك من الحور العين" (^١٧).
واستدلوا على كون المراد بالزوجتين في الحديث السابق من نساء الدنيا بالأحاديث التي ورد فيها أن المؤمن يكون له في الجنة العدد الكثير من الحور العين، كقوله -ﷺ-: "للشهيد عند ربه ست خصال .. " ثم ذكر منها "ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين .. " (^١٨).
فقالوا: إن هذا الحديث وما في معناه يدل على أن المؤمن له في الجنة أكثر من زوجتين من الحور العين وعلى هذا تكون الزوجتان -في حديث أبي هريرة- منَ نساء الدنيا (^١٩).
وأجاب أصحاب هذا القول عن قوله -ﷺ-: "إن أقل ساكني الجنة النساء" بجوابين:
أحدهما: أن قلتهن هذه إنما هى في أول الأمر عندما تكون أكثر النساء في النار، وأما بعد خروجهن بالشفاعة ورحمة الله تعالى فإنهن يكن أكثر من الرجال
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم (٨/ ٣٦٦) مسلم بشرح النووي (١٧/ ١٧٨).
(٢) طرح التثريب (٨/ ٢٧٠) وانظر: التذكرة للقرطبى (٢/ ٢٧٣) فتح الباري (٦/ ٣٢٥).
(٣) أخرجه الترمذي (تحفة ٥/ ٣٠٢) ح (١٧١٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وأخرجه ابن ماجه (٢/ ٩٣٥) ح (٢٧٩٩) وأحمد في مسنده (٥/ ١١٧) ح (١٦٧٣٠) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٢/ ٣٩٢) ح (٢٢٧٥).
(٤) انظر: التذكرة للقرطبى (٢/ ٢٧٣) فتح الباري (٦/ ٣٢٥).
[ ٤٥٧ ]
في الجنة (^٢٠).
والجواب الثاني: قالوا: يحتمل أن يكون الراوي له رواه بالمعنى الذي فهمه من كونِهن أكثر ساكني النار، ففهم أنه يلزم من ذلك أن يكنَّ أقل ساكني الجنة، وهذا ليس بلازم (^٢١).
* وأما قوله -ﷺ-: "واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" (^٢٢) فأجابوا عنه: بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار نفى أكثريتهن في الجنة (^٢٣).
* * *
_________________
(١) انظر: التذكرة (٢/ ٢٦٩) فتح الباري (٦/ ٣٢٥).
(٢) انظر: طرح التثريب (٨/ ٢٧٠) فتح الباري (٦/ ٣٢٥).
(٣) تقدم تخريجه ص (٤٥٢).
(٤) انظر فتح البارى (٦/ ٣٢٥) مسلم بشرح النووى (١٧/ ١٧٨) طرح التثريب (٨/ ٢٧٠).
[ ٤٥٨ ]
المطلب الثالث الترجيح
الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم- هو مذهب الجمع وهو أن النساء من بنى آدم في الجنة أقل من الرجال كما هو صريح حديث عمران بن حصين ﵄: "إن أقل ساكني الجنة النساء".
وأما إذا انضم إليهن الحور العين فإنه على كلا القولين تكون النساء في الجنة أكثر من الرجال.
قال القرطبي ﵀: "وبِهذا يُعلم أنَّ نوع النساء المشتمل على الحور والآدميات في الجنة "أكثر من نوع رجال بني آدم، ورجال بني آدم أكثر من نسائهم" (^١).
وأما استدلال أصحاب القول الثاني بحديث أبي هريرة: "لكل امرئٍ منهم زوجتان" وقولهم إن المراد بالزوجتين في هذا الحديث: أي من نساء الدنيا فغير مسلَّم، لأن الحديث جاء صريحًا في أن الزوجتين هاتين من الحور العين كما في روايةٍ للبخاري: "لكل امرئٍ زوجتان من الحور العين" (^٢) وكما في حديث أبي هريرة الذي رواه الإِمام أحمد وقد تقدم ذكره (^٣).
_________________
(١) المفهم (٧/ ١٨١).
(٢) تقدم تخريجها ص (٤٥٣) والعجيب أن ابن القيم ﵀ استدل برواية الإمام أحمد -على أن الزوجتين من الحور العين- ولم يستدل برواية البخارى هذه؟ ! والأعجب من ذلك أن ابن حجر ﵀وهو الشارح والخبير بصحيح البخارى- جعل هاتين الزوجتين من نساء الدنيا في الموضع الذى وردت فيه هذه الرواية؟ ! ! على أنه ﵀ له قول آخر -تقدم ذكره- لكنه لم يستدل له بِهذه الرواية؟ ! ولعل سبب ذلك -والله تعالى أعلم- أن هذه الرواية ليست موجودة في النسخة التى اعتمد عليها الحافظ في الفتح.
(٣) انظر ص (٤٥٤).
[ ٤٥٩ ]
وأما ما ورد في بعضى الأحاديث أن للمؤمن أكثر من زوجتين من الحور العين -كما تقدم- فالجواب عنه: أنه لا يلزم من ذكر الزوجتين عدم الزيادة عليهن لأن حديث: "لكل امرئٍ منهم زوجتان" ليس فيه أنه ليس له إلا زوجتان؟ وقد تكون هاتان الزوجتان من الحور العين لأدنى أهل الجنة منْزلة كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدرى ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: "إنَّ أدنى أهل الجنة منْزلةً: رجل صرف الله وجهه عن النار قِبل الجنة ومُثِّلَ له شجرة ذات ظل .. " إلى أن قال: "ثم يدخل بيته فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك" (^٤).
وأما تشكيك أصحاب القول الثاني بحديث: "إن أقل ساكني الجنة النساء" وقولهم: يحتمل أن الراوي لهذا الحديث رواه بالمعنى الذي فهمه فغريب جدًّا، وليس لهم عليه مستند إلا ما توهموه من معارضته لحديث: "لكل امرئٍ منهم زوجتان" والحق أنه ليس بينهما تعارضٌ البتة لأن الزوجتين هاتين من الحور العين كما تقدم، ثم إن الأحاديث الصحيحة لا تُردُّ بمثل هذا الاحتمال. والله أعلم.
* * *
_________________
(١) أخرحه مسلم (٣/ ٤٥) ح (١٨٨).
[ ٤٦٠ ]