تقدمت الإشارة إلى نماذج من أحاديث الوعيد في الآخرة لمن ارتكب بعض الكبائر، في بعضها لعنه ووعيده بعدم دخول الجنة، وفي البعض الآخر وعيده بدخول النار، وقد سلك أهل العلم فيها مذهب الجمع فجاءت توجيهاتهم لها كالتالي:
١ - أن المراد بقوله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا يدخل الجنة" أي: بعض الجنان التي هي أعلى وأشرف وأنبل وأكثر نعيمًا وسرورًا وبَهجة، لا أنه أراد أنه لا يدخل شيئًا من تلك الجنان التي هي في الجنة (^٦٤).
٢ - وقيل المراد: لا يدخل الجنة في الوقت الذي يدخلها من لم يرتكب هذا الذنب، لأنَّه يحبس عن دخول الجنة إما للمحاسبة على الذنب أو لإدخاله النار ليعذب بقدر ذلك الذنب ثم يخرج منها ويدخل الجنة (^٦٥).
وهذا معني قول بعضهم: "إن المنفى هو الدخول المطلق الذي لا يكون
_________________
(١) انظر الإيمان (٤٣).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٩٤). المستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ١٢٩).
(٣) انظر الإيمان لأبي عبيد (٤٣).
(٤) انظر التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٨٦٨، ٨٧١) معارج القبول (١/ ٢٧٩).
(٥) انظر التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٨٧٧) معارج القبول (١/ ٢٨٠).
[ ٣٦١ ]
معه عذاب، لا الدخول المقيد الذي يحصل لمن دخل النار ثم دخل الجنة" (^٦٦).
٣ - وقيل: إن في الكلام شرطًا أو استثناءً مقدرًا، والتقدير: لا يدخل الجنة إن عذبه، أو لا يدخل الجنة إلا أن يغفر له (^٦٧).
٤ - وأما الأحاديث التي ورد فيها الوعيد بالنار لمن ارتكب بعض المعاصى فقد قال فيها النووي ﵀: "سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر فكلها يُقال فيها: هذا جزاؤه، وقد يُجازى وقد يعفى عنه، ثم إن جُوزي وأدخل النار فلا يُخلد فيها بل لا بد من خروجه منها بفضل الله ورحمته، ولا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة" (^٦٨).
* * *
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٨) فتح البارى (١٠/ ٤٧٣).
(٢) انظر التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٨٦٩) مدارج السالكين (١/ ٤٢٧) لوامع الأنوار (١/ ٣٧٠).
(٣) مسلم بشرح النووى (١/ ١٨٤).
[ ٣٦٢ ]
المطلب الثالث الترجيح
الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول بإطلاق هذه الأحاديث كما جاءت -سواءً أحاديث الوعد أو أحاديث الوعيد المتعلقة بأحكام الآخرة- وحملها على ظاهرها واعتقاد أن هذه الأعمال سبب وموجب لتحقق الوعد أو الوعيد المرتب عليها، لكن لا يُحكم على معيّن بتحقق الوعد أو الوعيد فيه حتي تتوفر فيه الشروط، وتنتفي عنه الموانع، وقد نصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وقرره في مواضع كثيرة من كتبه.
ويدل على صحة هذا القول في أحاديث الوعد:
١ - أنه -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة -مع الإيمان وعدم الشرك- في كثير من الأحاديث، ولم يقتصر فيها على مجرد الإتيان بالشهادتين، ومن هذه الأحاديث:
أ - حديث أبي أيوب ﵁ أن رجلًا قال للنبي -ﷺ-: أخبرني بعملٍ يدخلنى الجنة، فقال النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم" (^١).
ب - حديث أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًّا أتى النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان" (^٢).
_________________
(١) متفق عليه: البخارى: كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة. (٢/ ٥٠٥) ح (١٣٣٢). ومسلم: كتاب الإيمان، باب: الإيمان الذي يدخل به الجنة (١/ ٢٨٦) ح (١٣).
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة. (٢/ ٥٠٦) ح (١٣٣٣). ومسلم، كتاب الإيمان، باب: الإيمان الذي يدخل به الجنة (١/ ٢٨٨) ح (١٤).
[ ٣٦٣ ]
٢ - أن الروايات المطلقة -والتي فيها أن من جاء بالشهادة أو الشهادتين دخل الجنة أو حرمه الله على النار- جاءت مقيدة في روايات أخرى (^٣)، فوجب حمل المطلق على المقيد.
فالروايات المطلقة ليس فيها إلا أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن لا بد لحصول المسبب والمُقتضى من توفر الشروط وانتفاء الموانع، أما إذا تخلف شرط أو وجد مانع فلا ريب أنه قد يتخلف المسبب أو المقتضى.
ولذلك لما قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، قال: "من قال لا إله إلا الله فأدَّ حقها وفرضها دخل الجنة" (^٤).
وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: "بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك" (^٥).
وقد ذكر أهل العلم شروطًا سبعة لا بد من تحققها فيمن قال لا إله إلا الله حتي تنفعه وقد جُمعت في هذا البيت:
علم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها (^٦)
قال ابن القيم معلقًا على حديث: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" (^٧)، قال ﵀: "والشارع صلوات
_________________
(١) وقد تقدم ذكر شىء منها ص (٣٤٠).
(٢) انظر التوحيد لابن رجب (٤٠).
(٣) أخرجه البخاري تعليقًا (١/ ٤١٧).
(٤) انظر تفصيل هذه الشروط وأدلتها في معارج القبول للحكمي (١/ ٢٧٣ - ٢٧٩).
(٥) تقدم تخريجه ص (٣٤١).
[ ٣٦٤ ]
الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن المنافقين يقولونَها بألسنتهم وهم مع ذلك في الدرك الأسفل من النار، فلا بد من قول القلب وقول اللسان.
وقول القلب يتضمن من معرفتها والتصديق بِها ومعرفة حقيقة ما تضمنته -من النفى والإثبات- ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله المختصة به التي يستحيل ثبوتُها لغيره، وقيام هذا المعني بالقلب علمًا ومعرفة ويقينًا وحالًا: ما يوجب تحريم قائلها على النار، وكل قول رتب الشارع ما رتب عليه من الثواب فإنما هو القول التام" (^٨).
وقال سليمان بن عبد الله: "أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالاجماع" (^٩).
٣ - أن أبا بكر ﵁ لما أراد قتال مانعى الزكاة احتج عليه عمر ابن الخطاب ﵁ بقوله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" (^١٠) حيث فهم منه عمر ﵁ وجماعة من الصحابة: أن من أتى بالشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك فتوقفوا في قتال مانعي الزكاة.
وفهم الصديق أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله -ﷺ-: "فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه" قال: والزكاة حق المال.
ولما قرر أبو بكر ﵁ هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صوابًا.
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٣٥٩) بتصرف يسير، وانظر كلامًا جميلًا له في نفس الموضوع (١/ ٣٥٤، ٣٥٨).
(٢) تيسير العزيز الحميد (٧٢).
(٣) متفق عليه: البخارى، كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة (٢/ ٥٠٧) ح (١٣٣٥). ومسلم، كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتي يقولوا لا إله إلا الله (١/ ٣١٤) ح (٢٠).
[ ٣٦٥ ]
مع أن هذا الفهم الذي فهمه الصديق ﵁ جاء ما يؤيده مرفوعًا إلى النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابُهم على الله" (^١١) " (^١٢).
فإذا عُلم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدَّى الشهادتين مطلقًا بل قد يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام فكذلك عقوبة الآخرة (^١٣).
وبِهذا القول يُعلم الجمع -أيضًا- بين الأحاديث التى فيها تحريم النار على من قال لا إله إلا الله والأحاديث التي فيها خروجه من النار بالشفاعة، وذلك بأن يكون المراد بتحريم النار على من قال لا إله إلا الله: من قالها مستوفيًا لشروطها منتفية عنه موانعها.
-وأما ما ذهب إليه أصحاب المسلك الثاني من التأويلات لأحاديث الوعد فإنَّها -وإن كانت محتملة- إلا أنَّها بعيدة عن ظاهر هذه الأحاديث ولذلك عدها ابن القيم ﵀ من التأويلات المستكرهة (^١٤).
- وأما ما ذهب إليه القائلون بأن أحاديث الوعد كانت قبل نزول الفرائض ثم نزلت نصوص الفرائض والحدود فنسختها فإنه بعيد جدًّا -سواء كان مرادهم
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ (١/ ١٧) ح (٢٥). ومسلم، كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتي يقولوا: لا إله إلا الله .. (١/ ٣٢٥) ح (٢٢).
(٢) قال النووى ﵀: "وفي استدلال أبى بكر واعتراض عمر ﵄ دليل على أنَّهما لم يحفظا عن رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما رواه ابن عمر فإن عمر ﵁ لو سمع ذلك لما خالف ولما كان احتج بالحديث فإنه بِهذه الزيادة حجة عليه، ولو سمع أبو بكر ﵁ هذه الزيادة لاحتج بِها ولما احتج بالقياس والعموم والله أعلم" مسلم بشرح النووي (١/ ٣٢٠).
(٣) انظر التوحيد لابن رجب (٤٣ - ٤٥).
(٤) انظر مدارج السالكين (١/ ٣٥٩).
[ ٣٦٦ ]
حقيقة النسخ أم كان مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح -لأن كثيرًا من نصوص الوعد كان بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك وهى في آخر حياة النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (^١٥) كما أن أبا هريرة ﵁ من رواة أحاديث الوعد وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مستقرة وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة، وكانت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الأحكام قد تقرر فرضها (^١٦).
تنبيه:
قد يشكل على هذا القول الذي تقدم ترجيحه ما جاء في حديث الشفاعة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه -ﷺ- قال: " .. فيقول الله ﷿ شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حممًا فيلقيهم في نَهر في أفواه الجنة يقال له نَهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل .. " قال: "فيخرجون كاللؤلؤ في رقابِهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه" (^١٧).
ووجه الإشكال أن هذا الحديث فيه التصريح بخروج قوم من النار وإدخالهم الجنة مع أنَّهم لم يعملوا خيرًا قط.
والجواب عن هذا الإشكال في هذا الحديث وما في معناه: هو أنه محمول على أحد أمرين:
أحدهما: ما ذكره ابن خزيمة رحمه الله تعالى من أنّ "هذه اللفظة" لم
_________________
(١) انظر التوحيد لابن رجب (٤٥، ٤٦).
(٢) انظر مسلم بشرح النووي (١/ ٣٣٤) فتح البارى (١/ ٢٢٦).
(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ..﴾ (٦/ ٢٧٠٦) ح (٧٠٠١). ومسلم واللفظ له، كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية. (٣/ ٣٠) ح (١٨٣).
[ ٣٦٧ ]
يعملوا خيرًا قط" (^١٨) من الجنس الذي يقول العرب بنفى الاسم عن الشىء لنقصه عن الكمال والتمام فمعني هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرًا قط على التمام والكمال لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعني في مواضع من كتبى" (^١٩).
ويشهد لهذا التوجيه حديث المسيء صلاته حيث قال له النبي -ﷺ-: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فإن النبى -ﷺ- لم يُرد في هذا الحديث نفى مطلق الصلاة لأنَّه قد رآه يصلي وإنما أراد نفى حقيقة الصلاة وكمالها الواجب (^٢٠).
وثانيهما: أن يقال أنه محمول على حالات خاصة يكون فيها تارك جنس العمل غير مخلد في النار، وقد لا يدخلها أصلًا. ومن هذه الحالات التي يمكن تطبيق هذا الحديث عليها ما يلى:
١ - سكان الأطراف البعيدة والجزر النائية ممن لم يصلهم من الإسلام إلّا اسمه وينتشر فيهم الشرك والجهل في الدين فهم غافلون عنه أو معرضون عمن تعلمه ولا يعرفون من أحكامه شيئًا، فهؤلاء لا شك أن فيهم المعذور وفيهم المؤاخذ.
والمؤاخذون درجات، فقد يخرج بعضهم عن حكم الإسلام بمرة، وقد يكون لا يخلد في النار .. وهكذا مما لا يعلم حقيقته إلا علام الغيوب.
٢ - بعض شرار الناس آخر الزمان حين يفشو الجهل ويندرس الدين، وعلى هذا جاء حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يُدرى ما صيام ولا صدقة ولا نسك، ويُسْرى على
_________________
(١) وردت هذه الجملة في بعض ألفاظ الحديث.
(٢) التوحيد (٢/ ٧٣٢).
(٣) انظر كتاب الإيمان لأبي عبيد (٤١ - ٤٢)، ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامى للدكتور سفر الحوالي (٢/ ٧٥٢) وانظر أيضًا ص (٣٥٩) من هذا البحث.
[ ٣٦٨ ]
كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ويبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها" قال صلة بن زفر لحذيفة: فما تغنى عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صيام ولا صدقة ولا نسك؟ فأعرض عنه حذيفة، فرددها عليه ثلاثًا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار (^٢١).
فهؤلاء الذين يكونون في هذا الزمن -نسأل الله العافية- نقول فيهم كما قال حذيفة ﵁: إن لا إله إلا الله تنجيهم من النار، إذ لا يعلمون غيرها في ذلك الزمان الذي هو أسوأ زمان (^٢٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوات حتي لا يبقى من يُبلغ ما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتي يعرف ما جاء به الرسول -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (^٢٣)، ثم ذكر حديث حذيفة السابق.
وأما الدلالة على صحة هذا القول في أحاديث الوعيد المتعلقة بأحكام الآخرة فظاهرة:
_________________
(١) أخرحه ابن ماجه (٢/ ١٣٤٤) ح (٤٠٤٩)، والحاكم واللفظ له (٤/ ٥٢٠) ح (٨٤٦٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال البوصيرى في مصباح الزجاجة (٤/ ١٩٤): هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات.
(٢) انظر ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي للدكتور سفر الحوالي (٢/ ٧٥٧ - ٧٥٨).
(٣) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٧). بتصرف يسير.
[ ٣٦٩ ]
وذلك أنه -ﷺ- فرَّق بين إطلاق هذه الأحاديث وبين الحكم بِها على المعيَّن، وذلك كما في حديث أنس ﵁ قال: "لعن رسول الله -ﷺ- في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربَها وحاملها .. " (^٢٤).
ففى هذا الحديث أطلق رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اللعن على شارب الخمر على وجه العموم.
وثبت في صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب: أن رجلًا على عهد النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكان النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمر به فجُلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به، فقال النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله" (^٢٥) ففى هذا الحديث نَهى رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن لعن هذا الرجل الذي يشرب الخمر مع إصراره على شربه وفي الحديث الأول لعن شارب الخمر، وذلك لأن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعيَّن الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له (^٢٦).
وهذا التفريق بين إطلاق نصوص الوعيد وبين الحكم بِها على معين يجب تطبيقه في جميع نصوص الوعيد المتعلقة بأحكام الآخرة، فمثلًا قوله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" (^٢٧) يجب العمل به في تحريم اقتتال المؤمنين بغير حق، واعتقاد أن فاعل ذلك متوعد بِهذا الوعيد، ومع
_________________
(١) أخرجه الترمذى (تحفة ٤/ ٥١٦) ح (١٣١٣) وقال: هذا حديث غريب من حديث أنس، وقد رُوي نحو هذا عن ابن عبَّاس وابن مسعود وابن عمر عن النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأخرجه ابن ماجه (٢/ ١١٢٢) ح (٣٣٨١) وقال الألباني عن إسناد الترمذي: حسن صحيح، انظر صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٧) ح (١٠٤١).
(٢) أخرجه البخارى (٦/ ٢٤٨٩) ح (٦٣٩٨).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٢٩)، (٤/ ٤٧٤، ٤٨٤).
(٤) متفق عليه من حديث أبى بكرة: البخارى (١/ ٢٠) ح (٣١). ومسلم (١٨/ ٢٢٦) ح (٢٨٨٨).
[ ٣٧٠ ]
ذلك فإننا لا نحكم على أهل الجمل وصفين بالنار، لأن لهم عذرًا وتأويلًا في القتال، وحسنات منعت المقتضى أن يعمل عمله (^٢٨).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فثبت أن الأحاديث المتضمنة للوعيد يجب العمل بِها في مقتضاها باعتقاد أن فاعل ذلك الفعل متوعد بذلك الوعيد، لكن لحوق الوعيد به متوقف على شروط وله موانع" (^٢٩).
وقال أيضًا: "وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله ﷾ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (^٣٠) فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعيَّن لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع" (^٣١).
وقد ذكر أهل العلم أحد عشر سببًا تُسقط العقوبة على الذنب، وتمنع من إنفاذ الوعيد وهى كالتالي:
١ - التوحيد.
٢ - التوبة: وهى مانعة من إنفاذ الوعيد بالاتفاق.
٣ - الاستغفار.
٤ - الحسنات الماحية.
٥ - دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتِهم على جنازته.
٦ - ما يُعمل للميت من أعمال البر كالصدقة ونحوها.
_________________
(١) انظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص (٦٩)، وانظر مزيدًا من الأمثلة (٦٥ - ٧١).
(٢) رفع الملام ص (٦٥).
(٣) سورة النساء، آية (١٠).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٤٥) وانظر (٣٥/ ١٦٥).
[ ٣٧١ ]
٧ - شفاعة النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة.
٨ - المصائب الدنيوية التى يُكفر الله بِها الخطايا.
٩ - ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما يكفر به الخطايا.
١٠ - أهوال يوم القيامة وكربِها وشدائدها.
١١ - رحمة الله وعفوه ومغفرته من غير شفاعة (^٣٢).
وأما أحاديث الوعيد المتعلقة بأحكام الدنيا، كالتي فيها إطلاق الكفر على من ارتكب بعض الكبائر أو نفى الإيمان عنه أو البراءة منه، فإنه لا يصح حملها على الكفر المخرج من الملَّة، لأن الإجماع منعقد -كما تقدم- على عدم كفر مرتكب الكبيرة ما لم تكن شركًا أو يكون مستحلًّا لها.
- وعلى هذا فإن الصحيح في الأحاديث التى ورد فيها إطلاق الكفر على من ارتكب بعض الكبائر: أن المراد بِها الكفر الأصغر والذي عبر عنه بعض السلف بقولهم كفر دون كفر، وضابط هذا الكفر: أنه كل ما ثبت بنص أنه كفر، لكن دلت الدلائل على أنه ليس كفرًا مخرجًا من الملَّة، مثال ذلك: قوله -ﷺ-: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (^٣٣) مع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^٣٤) فالكفر المراد في الحديث ليس
_________________
(١) انظر تفصيل هذه الموانع وأدلتها في مجموع الفتاوى (٧/ ٤٨٧ - ٥٠١). شرح العقيدة الطحاوية (٤٥١ - ٤٥٥) موانع إنفاذ الوعيد رسالة ماجستير للدكتور عيسى السعدي، مخطوط.
(٢) تقدم تخريجه ص (٣٤٢).
(٣) سورة الحجرات، آية (٩).
[ ٣٧٢ ]
الكفر المخرج من الملَّة، وإلا لما أثبت الله لمن تقاتلوا وصف الإيمان الذي هو في الآية الإسلام الظاهر (^٣٥).
- وأما الأحاديث التى ورد فيها نفى الإيمان عمَّن ارتكب بعض الكبائر فإن المراد بالمنفى فيها كمال الإيمان الواجب وليس المراد نفى مطلق الإيمان، ولا نفى كمال الإيمان المستحب وهذا هو الذي ذهب إليه جمع من أهل العلم، كما تقدم.
- وكذلك أحاديث البراءة من أصحاب الكبائر فإنَّها محمولة على هذا فيكون المعني فيها: ليس من المؤمنين الإيمان الواجب الذي به يستحقون الثواب بلا عقاب.
وهذا القول والذي قبله في نصوص الكفر مبنى على أصل عظيم عند أهل السنة والجماعة وهو أن الشخص الواحد يمكن أن يجتمع فيه كفر وإيمان ونفاق وإيمان، وليس مرادهم بالكفر، أصل الكفر المُخرج من الملَّة، فإنه لا يجتمع مع الإيمان، وإنما مرادهم شعبة من شعب الكفر إذ المعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات من شعب الإيمان، وكذلك ليس مرادهم بالنفاق: النفاق الاعتقادي المخرج من الملَّة، وإنما مرادهم النفاق العملي، قال ابن القيم ﵀: "الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، وهذا من أعظم أصول أهل السنة، وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع، كالخوارج (^٣٦) والمعتزلة والقدرية، ومسألة خروج أهل الكبائر من
_________________
(١) انظر: ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله القرني.
(٢) الخوارج: سموا بذلك لخروجهم على علي بن أبى طالب ﵁ ويسمون أيضًا بـ (المحكمة والحرورية والشراة والمارقة). أما تسميتهم بالمحكمة فلأنَّهم أنكروا الحكمين وقالوا: لا حكم إلا الله. وأما تسميتهم بالحرورية فلأنَّهم نزلوا بحروراء في أول أمرهم. وأما تسميتهم بالشراة فلقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله، أى بعناها بالجنة وأما تسميتهم بالمارقة فأخذًا من قوله -ﷺ-: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، وهم يرضون هذه الأسماء=
[ ٣٧٣ ]
النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل، وقد دل عليه القرآن والسنة، والفطرة وإجماع الصحابة" (^٣٧) ثم ساق الأدلة على هذا الأصل.
فإذا قام بالشخص شىء من شعب الكفر فإنه ينتفى عنه الإيمان المطلق فلا يوصف به، وإنما يوصف بالإسلام -لأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا- ولذلك قال بعض السلف في قوله -ﷺ-: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن .. " قال: هذا الإسلام ودوَّر دائرة واسعة، وهذا الإيمان ودور دائرة صغيرة في وسط الكبيرة، فإذا زني أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر بالله (^٣٨).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب النفاق، وقد يكون مسلمًا وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال الصحابة، ابن عبَّاس وغيره: كفر دون كفر، وهذا قول عامة السلف وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيه النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إنه ليس بمؤمن" إنه يُقال لهم: مسلمون لا مؤمنون، واستدلوا بالقرآن والسنة على نفى الإيمان مع إثبات اسم الإسلام، وبأن الرجل قد يكون مسلمًا ومعه كفر لا ينقل عن الملَّة بل كفر دون كفر" (^٣٩).
فالإيمان من حيث العموم له مرتبتان:
_________________
(١) = كلها إلا (المارقة) فإنَّهم ينكرون أن يكونوا مارقة من الدين، والخوارج فرق شتي تزيد على العشرين فرقة، ولكن الذي يجمعها: تكفير علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما والخروج على السلطان الجائر. كما أن الخوارج مجمعون على تكفير مرتكب الكبيرة وأنه خالد مخلد في النار إلا (النجدات) فإنَّهم خالفوهم في ذلك (انظر مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٧، ٢٠٦) الفرق بين الفرق (٧٨) أصول الدين (٣٣٢) الملل والنحل (١/ ١١٤).).
(٢) الصلاة وحكم تاركها، ص (٣٧) وانظر الجهل بمسائل الاعتقاد لعبد الرزاق بن طاهر (١٤٨ - ١٥٨).
(٣) انظر: السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ٣٤٢) ح (٧٢٥)، مجموع الفتاوى (٧/ ٣١٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥٠).
[ ٣٧٤ ]
الأولى: وهى الإسلام الذي هو أصل الدين.
والثانية: وهى الإيمان الخاص.
ونفى المرتبة الأولى يتضمن نفى المرتبة الثانية، لكن نفى المرتبة الثانية لا يتضمن نفى المرتبة الأولى.
وكذلك فإن الكفر مرتبتان هما:
الكفر المخرج من الملَّة المقابل للإيمان الذي هو الإسلام على الحقيقة.
والكفر الذي لا يخرج من الملَّة ويقابل الإيمان الواجب الذي هو زائد على مرتبة الإسلام على الحقيقة.
وبناءً على هذا فإنه لا يلزم من إطلاق وصف الكفر أن يكون المراد به الكفر المخرج من الملَّة، بل قد يراد به الكفر الأصغر، كما أنه لا يلزم من نفي الإيمان نفيه بالكلية، بل قد يكون المراد نفى الإيمان الواجب مع بقاء وصف الإسلام (^٤٠).
مناقشة الأقوال والتوجيهات المرجوحة لأحاديث الوعيد:
قبل المناقشة لا بد من التنبيه على أن بعض التوجيهات السابقة لأحاديث الوعيد متداخلة أو على أقل الأحوال ليست متعارضة، ولذلك قال ابن حجر ﵀: "بعض الأقوال المنسوبة لأهل السنة يمكن رد بعضها إلى بعض" (^٤١).
كما أنه من الملاحظ أن جميع التوجيهات -سواءً في أحاديث الوعد أو الوعيد- تشترك في شيء معين، من أجله قال أهل العلم بِهذه التوجيهات:
ففي أحاديث الوعد نجد أن جميع الأقوال تشترك في كون مرتكب الكبيرة
_________________
(١) انظر: ضوابط التكفير، للقرني (١٩٠).
(٢) فتح الباري (١٢/ ٦٢).
[ ٣٧٥ ]
مستحقًّا للعقاب وهذا بلا شك أمر متفق عليه عند أهل السنة.
وفي أحاديث الوعيد نجد أن جميع الأقوال تشترك في عدم كفر مرتكب الكبيرة كفرًا مخرجًا من الملَّة، إذا لم يكن مستحلًّا لها، وعدم خلوده في النار إن دخلها، وهذا أمر متفق عليه كما تقدم.
وفيما يلى مناقشة التوجيهات المرجوحة التي يمكن أن يُقال باطِّرادها في جميع أحاديث الوعيد، لأنَّها هى التي تتكرر كثيرًا ويُقال بِها في جميع أحاديث الوعيد (^٤٢).
- أما ما ذهب إليه بعضهم من حمل هذه النصوص على المستحل لها (^٤٣) فقد أنكره الإمام أحمد وقال: "لو استحل ذلك ولم يفعله كان كافرًا، والنبي -ﷺ- قال: "من فعل كذا وكذا .. "" (^٤٤).
وقال الحافظ في الفتح بعد ما استبعد هذا القول: "لو كان مرادًا لم يحصل التفريق بين السباب والقتال (^٤٥) فإن مستحل لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضًا" (^٤٦).
- وأما حمل هذه الأحاديث على أن المراد بها الزجر والترهيب والتحذير، فقد رده أبو عبيد القاسم بن سلام فقال: هذا "أفظع تأوُّل على رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
_________________
(١) أما التوجيهات الخاصة المتعلقة بكل نوع من أنواع نصوص الوعيد فانظر في الرد عليها: الإيمان لأبى عبيد (٣٩ - ٤٠) السنة للخلال (٣/ ٥٧٦ - ٥٧٧) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٢٥، ٦٧٤). فتح البارى (١/ ١١٣).
(٢) ومرادهم بالمستحل لها: المستحل لها من غير تأويل سائغ، ومن غير جهل، لأنَّ مَنْ هذا حاله فإنه كافر بالإجماع وأما إن كان متأولًا تأوُّلًا سائغًا أو كان جاهلًا فإنه لا يكفر والله أعلم. انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٤٣٣). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر.
(٣) مدارج السالكين (١/ ٤٢٧).
(٤) يعنى في قوله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" وقد تقدم تخريجه ص (٣٤٢).
(٥) فتح البارى (١/ ١١٣).
[ ٣٧٦ ]
وأصحابه، أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيدًا لا حقيقة له، وهذا يئول إلى إبطال العقاب" (^٤٧) وقد عدَّ شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول من التأويلات المستكرهة (^٤٨).
- وأما قول بعضهم في توجيه هذه الأحاديث: إن هذا وعيد وإخلاف الوعيد جائز بخلاف إخلاف الوعد، فقول صحيح لكنه داخل ضمن القول الذي سبق ترجيحه، فإخلاف الله لوعيده معناه: عفوه ورحمته ومغفرته، وهذا مانع واحد من عدة موانع للوعيد تقدم ذكرها.
وأما تضعيف شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا القول ففيه نظر حيث قال ﵀ تعليقًا على قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (^٤٩).
قال ﵀: "وهذه الآية تضعف جواب من يقول: إن إخلاف الوعيد جائز، فإن قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ بعد قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ دليل على أن وعيده لا يبدل كما لا يبدل وعده" (^٥٠).
_________________
(١) الإيمان (٣٩).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٤).
(٣) سورة ق، آية (٢٨، ٢٩).
(٤) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٨). تنبيه: لا يعنى هذا النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه يرى أن إخلاف الوعيد في حق المؤمنين غير جائز لأن هذا مذهب المعتزلة كما قد صرح بذلك شيخ الإسلام نفسه، وعدَّ هذا من أصولهم فقال في مقدمة أصول التفسير (٧٥): "ومن أصول المعتزلة مع الخوارج: إنفاذ الوعيد في الآخرة وأن الله لا يقبل في أهل الكبائر شفاعة ولا يخرج منهم أحدًا من النار". ومما يدل على أنه ﵀ لم يرد هذا المعني أنه قال في نفس الموضع (١٤/ ٤٩٨): "وهذا مما احتج به القائلون بأن فساق الملَّة لا يخرجون من النار وقد تكلمنا عليهم في غير هذا الموضع" وقال أيضًا في نفس الموضع السابق: "لكن التحقيق الجمع بين نصوص الوعد والوعيد وتفسير بعضها=
[ ٣٧٧ ]
والصحيح أن إخلاف الوعيد جائز في حق المؤمنين، ولا يجوز في حق الكافرين، وسياق هذه الآيات التي استدل بِها شيخ الإسلام يدل على أنَّها واردة في الكفار.
والذي يدل على أن إخلاف الوعيد جائز في حق المسلمين ما جاء في أحاديث الشفاعة وإخراج الله تعالى لأقوام من النار، وكذلك تعلق المغفرة بالمشيئة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ (^٥١)، (^٥٢).
- وأما القول بالتوقف في هذه الأحاديث فليس المراد به: التوقف في كفر مرتكب الكبيرة أو خروجه من الإسلام، أو عدم دخوله الجنة مطلقًا أو خلوده في النار، لأن هذه الأمور قد تقدم نقل الإجماع على أنه لا يحكم بِها على مرتكب الكبيرة بسبب كبيرته ما لم يكن مستحلًّا لها، فلم يبق إلا أن يكون مرادهم بِهذا التوقف: التوقف في توجيه هذه الأحاديث أو بعضها، وعلى أي التوجيهات يمكن أن تحمل، وهذا بابه واسع كما تقدم والله أعلم.
الخلاصة
أن القول الصحيح في أحاديث الوعد وكذلك أحاديث الوعيد المتعلقة بأحكام الآخرة، هو إطلاق القول بِها كما جاءت واعتقاد أن هذا العمل سبب لاستحقاق الوعد أو الوعيد المرتب عليه، لكن لا يحكم على معين بدخوله في هذا الوعد أو ذاك الوعيد حتي تتوفر فيه الشروط، وتنتفى عنه الموانع.
_________________
(١) = ببعض من غير تبديل شيء منها". فغاية ما في كلام شيخ الإسلام ﵀ أنه يري أن الآيات في سورة (ق) تضعف قول من يقول: إن إخلاف الوعيد جائز، وهذا غير مسلم كما تقدم.
(٢) سورة النساء، آية (٤٨).
(٣) انظر: منهج ابن تيمية في مسألة التكفير، للدكتور عبد المجيد المشعبى، (١/ ١٨٤).
[ ٣٧٨ ]
قال في شرح الطحاوية: "لكنا نقف في الشخص المعيَّن فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا من علم، لأن حقيقة باطنه وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسىء" (^٥٣).
وقال ابن عبد البر معلقًا على أحاديث الوعيد: "والآثار في هذا الباب كثيرة جدًّا لا يمكن أن يحيط بِها كتاب، فالأحاديث اللينة ترجى والشديدة تخشى، والمؤمن بين الخوف والرجاء، والمذنب -إن لم يتب- في مشيئة الله" (^٥٤).
- وأما الفاسق الملِّى والذي تدور حوله هذه الأحاديث فحكمه في الدنيا: أنه لا يُنفى عنه مطلق الإيمان ولا يوصف بالإيمان التام، ولكن يُقال: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يُعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم.
وأما حكمه في الآخرة: فإنه تحت المشيئة، إن شاء الله تعالى عذبه ثم أدخله الجنة، وإن شاء أدخله الجنة ابتداءً مع اعتقاد أنه إن عُذب فإنه لا يخلد في النار (^٥٥).
وبِهذا القول تتبين وسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق، حيث أخذوا بمجموع النصوص ونظروا إليها كلها ولم يكونوا كالخوارج والمعتزلة ولا المرجئة (^٥٦) الذين نظروا بعين واحدة، وإلى جانب واحد من النصوص.
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (٥٣٧). وانظر عقيدة السلف ولأصحاب الحديث للصابوني (٢٨٦). المستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ١٠٩).
(٢) التمهيد (١٧/ ٢٦).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (٧/ ٢٤٠، ٢٤١، ٦٧٣، ٦٧٩). معارج القبول (٢/ ٢٨٦).
(٤) المرجئة: المراد بالمرجئة هنا: المرجئة الخالصة وهم الذين يقولون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة وهو قول الجهمية الذين يقولون إن الإيمان هو المعرفة فقط، وأنه لا ينقسم إلى عقد وعمل، والمرجئة فرق كثيرة ذكر أبو الحسن الأشعرى أنَّهم اثنتي عشرة فرقة. (انظر الملل والنحل (١/ ١٣٩، ٨٨) مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٣).)
[ ٣٧٩ ]
وذلك أن الخوارج والمعتزلة أخذوا بنصوص الوعيد ومن ثَمَّ حكموا على مرتكب الكبيرة في الآخرة بالخلود في النار.
وأخرجته الخوارج في الدنيا من الإسلام، وجعلته المعتزلة في منْزلة بين المنْزلتين.
وعلى النقيض من ذلك ذهبت المرجئة الخالصة إلى أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، فأخذت بنصوص الوعد وأغفلت نصوص الوعيد.
* * *
[ ٣٨٠ ]
المبحث الثالث ما جاء في مكان سدرة المنتهى
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
[ ٣٨١ ]
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
جاء في بعض أحاديث المعراج أن سدرة المنتهى (^١) في السماء السابعة أو فوقها كما في حديث مالك بن صعصعة وأنس ﵄.
- ففى حديث مالك بن صعصعة قال -ﷺ-: " .. فأتينا السماء السابعة، قيل: من هذا؟ قيل جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه، مرحبًا به ونعم المجيء جاء، فأتيت على إبراهيم فسلمت عليه فقال: مرحبًا بك من ابنٍ ونبي، فرُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم، ورُفعت لي سدرة المنتهى .. " (^٢).
- وفي حديث أنس ﵁: " .. ثم عُرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد -ﷺ-. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﵇ مسندًا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى .. " (^٣).
_________________
(١) قال ابن الأثير في النهاية (٢/ ٣٥٣): "السدر: شجر النبق، وسدرة المنتهى: شجرة في أقصى الجنة إليها ينتهى علم الأولين والآخرين ولا يتعدَّاها". وقد بيَّن ابن مسعود -﵁- سبب تسميتها بالمنتهى بقوله: "إليها ينتهى ما يُعرج به من الأرض فيُقبض منها، وإليها ينتهى ما يُهبط به من فوقها فيقبض منها".
(٢) متفق عليه: البخاري: كتاب بدء الخلق. باب: ذكر الملائكة (٣/ ١١٧٣) ح (٣٠٣٥) وفي كتاب فضائل الصحابة. باب: المعراج (٣/ ١٤١٠) ح (٣٦٧٤). ومسلم: في كتاب الإيمان. باب: الإسراء برسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (٢/ ٥٨١) ح (١٦٤).
(٣) أخرجه مسلم. في كتاب الإيمان. باب: الإسراء برسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (٢/ ٥٦٧) ح (١٦٢).
[ ٣٨٢ ]
- وجاء في حديث عبد الله بن مسعود -عند مسلم- أنها في السماء السادسة قال ﵁: "لمَّا أُسري برسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض فيُقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبط به من فوقها فيُقبض منها" (^٤).
بيان وجه التعارض
بالنظر إلى الأحاديث السابقة نجد أن في الحديثين الأولين ما يفيد أن سدرة المنتهى في السماء السابعة أو فوقها.
وفي المقابل نجد في حديث ابن مسعود ﵁ ما يفيد أنَّها في السماء السادسة.
ولذلك قال القرطبى ﵀: "هذا تعارض لا شك فيه" (^٥).
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان. باب: في ذكر سدرة المنتهى (٣/ ٥) ح (١٧٣).
(٢) المفهم (١/ ٣٩٤).
[ ٣٨٣ ]
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض
سلك أهل العلم في هذه المسألة مذهبين:
الأول: مذهب الجمع.
والثاني: مذهب الترجيح. وإليك بيان ذلك:
أولًا: مذهب الجمع:
وإليه ذهب النووي وابن حجر عليهما رحمة الله فقالا: إن أصلها في السماء السادسة ومعظمها كأغصانها وفروعها في السماء السابعة.
قال النووي ﵀: "ويمكن أن يجمع بينهما فيكون أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة فقد عُلم أنها في نهاية من العِظَم" (^١).
وقال ابن حجر ﵀: "ولا يعارض قوله: إنَّها في السادسة ما دلت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السابعة لأنه يحمل على أن أصلها في السماء السادسة وأغصانُها وفروعها في السابعة. وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها" (^٢).
ثانيًا: مذهب الترجيح:
وإليه ذهب ابن العربي (^٣) والقاضى عياض (^٤) والقرطبى (^٥) -عليهم رحمة الله- وقال: إنه قول الأكثر فرجحوا كونَها في السابعة، واستدلوا على ذلك بما يلي:
_________________
(١) مسلم بشرح النووي (٣/ ٥، ٦).
(٢) فتح الباري (٧/ ٢١٣).
(٣) انظر: عارضة الأحوذي (١٢/ ١١٩).
(٤) انظر: كتاب الإيمان من إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ٧٣٢) مسلم بشرح النووي (٣/ ٥) فتح الباري (٧/ ٢١٣).
(٥) انظر: المفهم (١/ ٣٩٤).
[ ٣٨٤ ]
١ - أن رواة كونِها في السابعة أكثر قال ابن العربي: "وفي الصحيح من الأحاديث أنها في السابعة ولا شك فيه فرواة ذلك أكثر" (^٦).
٢ - قالوا: إن الأحاديث الدالة على أنَّها في السابعة مرفوعة، وأما حديث عبد الله بن مسعود -والذي فيه أنَّها في السادسة- فهو موقوف عليه من قوله.
والمرفوع مقدم على الموقوف (^٧).
٣ - وقالوا: إن كونَها في السابعة هو الذي يقتضيه وصفها وتسميتها بالمنتهى (^٨).
* * *
_________________
(١) عارضة الأحوذي (١٢/ ١١٩).
(٢) انظر: المفهم (١/ ٣٩٤). تنبيه: قال الحافظ عن حديث ابن مسعود إنه: صحيح مرفوع. انظر فتح الباري (٧/ ٢١٣) فإن أراد أنه مرفوع حكمًا فظاهر لأن هذا أمر غيبى لا يمكن أن يقوله ابن مسعود -﵁- من عنده. وإن أراد الحافظ بقوله مرفوع: أنه ورد مرفوعًا إلى النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ففيه نظر لأن الحديث عند مسلم غير مرفوع -كما تقدم- وهو كذلك عند النسائى (١/ ٢٤٣) ح (٤٥٠) والترمذي (تحفة ٩/ ١٦٣) ح (٣٣٣) وأحمد (٥/ ٢٤٣) ح (٣٦٦٥) -وصحح إسناده أحمد شاكر- وأبي يعلى (٩/ ٢١٤) ح (٥٣٠٣).
(٣) انظر مسلم بشرح النووي (٣/ ٥) المفهم (١/ ٣٩٤).
[ ٣٨٥ ]
المطلب الثالث الترجيح
لا شك أن الجمع بين الأحاديث وإعمالها كلها أولى من إهمال شيء منها وذلك إذا كان الجمع ممكنًا ومحتملًا، وهو الذي يلجأ إليه أهل العلم عند وجود ما يُوهم التعارض، فإن عسر عليهم ذلك، أو كان الجمع بعيدًا لا تحتمله الأحاديث لجئوا إلى مسلك آخر.
وهذا المنهج يمكن تطبيقه هنا في هذه المسألة فإن الجمع ممكن كما تقدم، خاصة وأن الأدلة التي ذكرها القائلون بمذهب الترجيح لا تقدح في الجمع، لأن كون رواة السابعة أكثر وأحاديثها مرفوعة ووصفها بالمنتهى يدل على ذلك، لا يمنع من الجمع، كما أن القول بالجمع لا يعارض شيئًا من هذه الأدلة، والله أعلم.
* * *
[ ٣٨٦ ]
سلسلَة الرّسائل الجامِعِيّة (١)
أَحَادِيثُ العَقِيدَة التي يُوهِمُ ظاهِرهَا التّعَارض في الصّحِيحيْن
درَاسَة وترْجيح
تَأليف
سُليمان بن محمّد الدّبيْخي
المحاضر بكليّة المعَلّمين بحَائل
الجزء الثانى
مَكْتَبَة دَار البَيَان الحَدِيثَة
[ ٣٨٧ ]
جَميع حُقُوق الطّبْع محْفُوظة للنَّاشِرْ
الطّبعَة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
النَّاشِر مَكْتَبَة دَار البَيَان الحَدِيثَة
المملكَة العَرَبيّة السعوديّة - الطّائف - هَاتف: ٧٤٥١٤١٤ - فاكس: ٧٤٥١٤١٤
هاتف: ٧٤٥٤٦٧١ - ٧٤٦٣٧٣٤
[ ٣٨٨ ]