وتحته فصلان:
* الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في أشراط الساعة.
* الفصل الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في المعاد.
[ ٥٥٥ ]
الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في أشراط الساعة
وفيه خمسة مباحث:
* المبحث الأول: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين )، مع قوله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق).
* المبحث الثاني: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها).
* المبحث الثالث: ما جاء في طواف الدجال بالبيت، مع ما ورد من أنه لا يدخل مكة ولا المدينة.
* المبحث الرابع: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان).
* المبحث الخامس: (إذا ولدت الأمة ربها).
[ ٥٥٧ ]
المبحث الأول: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين. . .)، مع قوله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٥٥٩ ]
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال
عن المغيرة بن شعبة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)، متفق عليه (^١).
وعن معاوية -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)، متفق عليه (^٢).
وعن جابر بن عبد الله -﵁- أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)، رواه مسلم (^٣).
_________________
(١) البخاري في مواضع: في كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين) (٦/ ٢٦٦٧) ح (٦٨٨١)، وفي كتاب: المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي -ﷺ- آية (٣/ ١٣٣١) ح (٣٤٤١)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ (٦/ ٢٧١٤) ح (٧٠٢١)، ومسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله -ﷺ-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧٠) ح (١٩٢١) ..
(٢) البخاري في مواضع: في كتاب: المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي -ﷺ- آية (٣/ ١٣٣١) ح (٣٤٤٢)، وفي كتاب العلم، باب: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين (١/ ٣٩) ح (٧١)، وفي كتاب: الخمس، باب: قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٣/ ١١٣٤) ح (٢٩٤٨)، وفي كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين) (٦/ ٢٦٦٧) ح (٦٨٨٢)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾: (٦/ ٢٧١٤) ح (٧٠٢٢)، ومسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله -ﷺ-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧١) ح (١٠٣٧).
(٣) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة =
[ ٥٦٠ ]
وعن ثوبان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)، رواه مسلم (^١).
وعن جابر بن سمرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- أنه قال: (لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة)، رواه مسلم (^٢).
وعن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا يزال أهل الغرب (^٣) ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)،
_________________
(١) = نبينا محمد -ﷺ- (٢/ ٥٥٢) ح (١٥٦)، وأخرجه أيضًا في كتاب: الإمارة، باب: قوله -ﷺ-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧١) ح (١٩٢٣).
(٢) صحيح مسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله -ﷺ-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧٠) ح (١٩٢٠).
(٣) صحيح مسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله -ﷺ-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧١) ح (١٩٢٢).
(٤) اختُلف في المراد بالغرب في هذا الحديث: - فقيل: المراد به الدلو الكبيرة، وهو إشارة إلى العرب لاختصاصهم بها غالبًا، وهذا منقول عن علي بن المديني. - وقيل: المراد بأهل الغرب: أهل الشدة والجلد، وغرب كل شيء حده، يُقال: في لسانه غَرْب، أي: حدة، ذكر هذا القاضي عياض. [انظر: إكمال المعلم (٦/ ٣٤٨)، وشرح النووي على مسلم (١٣/ ٧٢، ٧٣)، والفتح (١٣/ ٢٩٥)]. - وقيل: المراد بهم أهل الشام، لأن الشام يقع غرب المدينة، قالوا: ويؤيده ما جاء عند الإمام أحمد وغيره من حديث أبي أمامة الباهلي أنهم يكونون ببيت المقدس. [سنده ضعيف، وسيأتي تخريجه ص ٥٦٧ - ٥٦٨]. وهذا القول مروي عن معاذ بن جبل -﵁-، كما في صحيح البخاري (٣/ ١٣٣١)، و(٦/ ٢٧١٤)، وذكره ابن تيمية عن الإمام أحمد، ثم انتصر له فقال: "وهو كما قال، فإن هذه لغة أهل المدينة النبوية في ذاك الزمان، كانوا يسمون أهل نجد والعراق: أهل المشرق، ويسمون أهل الشام: أهل المغرب، لأن التشريق =
[ ٥٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والتغريب من الأمور النسبية، فكل مكان له غرب وشرق، فالنبي -ﷺ- تكلم بذلك في المدينة النبوية، فما تغرب عنها فهو غربه، وما تشرق عنها فهو شرقه". [مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤١ - ٤٢)، وانظر: (٢٧/ ٥٠٧)، والنبوات (١/ ٥٦٨)، ومنهاج السنة (٤/ ٤٦١ - ٤٦٢)]. ورجح هذا -أيضًا- الألباني حيث قال: "اعلم أن المراد بأهل الغرب في هذا الحديث: أهل الشام، لأنهم يقعون في الجهة الغربية الشمالية بالنسبة للمدينة المنورة، التي فيها نطق ﵊ بهذا الحديث الشريف". [السلسلة الصحيحة (٢/ ٦٩٠)]. قال ابن حجر في الفتح (١٣/ ٢٩٥) بعد ذكره لهذه الأقوال: "قلت: ويمكن الجمع بين الأخبار: بأن المراد قوم يكونون ببيت المقدس، وهي شامية، ويسقون بالدلو، وتكون لهم قوة في جهاد العدو وحدة وجد". وذكر القول الأخير -وهو أن المراد بهم أهل الشام- سليمان بن عبد الله عن أكثر الشارحين، ثم ذكر عن الطبري ما يدل على أن هذه الطائفة لا يجب أن تكون بالشام أو ببيت المقدس دائمًا إلى أن يقاتلوا الدجال، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة، ثم قال: وهذا هو الحق، ويشهد له الواقع، فإن حال أهل الشام منذ أزمنة طويلة لا يعرف فيهم من قام بهذا الأمر، وعلى هذا فقوله في الحديث: (هم ببيت المقدس)، وقول معاذ: "هم بالشام" المراد به أنهم يكونون كذلك في بعض الأزمان دون بعض. [انظر: التيسير (٣٨١)]. وتابعه على هذا عبد الرحمن بن حسن، كما في فتح المجيد (٣١٣)، وقال: "فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق، وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره"، ومثله ابن عثيمين كما في القول المفيد (١/ ٤٩٥)، وشرح العقيدة الواسطية (٢/ ٣٧٨). وهو ما ذهب إليه النووي حيث قال في شرحه على مسلم (١٣/ ٧١): "ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض". قلت: ويؤيده أن أكثر الروايات جاءت مطلقة، ليس فيها تحديد مكان معيَّن لهذه الطائفة، وقد يكون المراد بذكر الشام في بعض الأحاديث، الإشارة إلى مكانها في آخر الزمان، حيث يقاتلون الدجال هناك مع عيسى ﵇، فقد روى عمران بن حصين -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال) [أخرجه أبو داود =
[ ٥٦٢ ]
رواه مسلم (^١).
وعن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله الله)، رواه مسلم (^٢).
وعن عبد الله بن مسعود -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، متفق عليه (^٣).
بيان وجه الإشكال
أن حديث: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) (^٤)، يدل على بقاء من يقوم بالحق إلى قيام الساعة، بينما نجد الظاهر من حديث ابن مسعود: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) وما في معناه: أنه لا يبقى
_________________
(١) = (٧/ ١١٧) ح (٢٤٨١)، والحاكم (٤/ ٤٩٧) ح (٨٣٩١)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي]. وقد جاء ما يدل على أن هذه الطائفة تكون في الشام في آخر الزمان عند نزول عيسى ﵇ فعن جابر -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم -﵇-، فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة) رواه مسلم -وقد تقدم تخريجه عند ذكر أوله- فهذا نص صريح في نزول عيسى ﵇ عليهم، ومعلوم أنه ينزل في دمشق بالشام، والله أعلم.
(٢) صحيح مسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله -ﷺ-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧٢) ح (١٩٢٥).
(٣) صحيح مسلم: كتاب: الإيمان، باب: ذهاب الإيمان آخر الزمان (٢/ ٥٣٧) ح (١٤٨).
(٤) صحيح البخاري: كتاب الفتن، باب: ظهور الفتن (٦/ ٢٥٩٠) ح (٦٦٥٦)، ومسلم واللفظ له: كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قرب الساعة (١٨/ ٣٠٠) ح (٢٩٤٩).
(٥) وهو حديث متواتر. [انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٦٩)].
[ ٥٦٣ ]
عند قيام الساعة أحد من المؤمنين، فضلًا عن القائم بالحق (^١).
ولذا قال الطبري: "إن أنت قلت: بتصحيح جميع ذلك، قلنا لك: ما وجه صحته وبعضه يبطل معنى بعض، وبعضه يحيل صحة بعض، لتدافع معانيه، وتناقض مخارجه؟ " (^٢).
والحق أن جميع ما تقدم من الأحاديث صحيح ثابت، لا مطعن في صحته وثبوته، وليس في بعض هذه الأحاديث ما يبطل معنى بعض، وسبيل الجمع بينها واضح بيِّن بحمد الله، كما سيأتي بيانه في المطلبين التاليين إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) انظر: الفتح (١٣/ ٨٥)، والإشاعة لأشراط الساعة للبرزنجي (٣٦٩).
(٢) تهذيب الآثار (٢/ ٨٣٣).
[ ٥٦٤ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن هذه الطائفة المذكورة في الحديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين )، تستمر على هذه الصفة التي وصفت بها في الحديث إلى أن يقبض الله أرواحهم بالريح اللينة التي تكون قرب قيام الساعة -كما ثبت ذلك في حديث عبد الله بن عمرو وغيره- ثم بعد ذلك يبقى شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.
وعلى هذا يكون المراد بقوله -ﷺ-: (حتى يأتيهم أمر الله) أي: هبوب تلك الريح اللينة التي لا تدع مؤمنًا إلا قبضته.
وأما رواية: (إلى يوم القيامة)، و(حتى تقوم الساعة)، فالمراد بها: قربها، وظهور أشراطها.
وإلى هذا ذهب القاضي عياض (^١)، وأبو العباس القرطبي (^٢)، وأبو عبد الله القرطبي (^٣)، والنووي، وابن حجر (^٤)، والبرزنجي (^٥)،
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم (١/ ٤٥٩)، و(٦/ ٣٤٩).
(٢) انظر: المفهم (١/ ٣٦٥).
(٣) انظر: التذكرة (٢/ ٥٩٥ - ٥٩٦).
(٤) إلا أنه جعل المراد بقوله -ﷺ-: (حتى تقوم الساعة): ساعتهم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح. [انظر: الفتح (١٣/ ٧٧، ٢٩٤)].
(٥) انظر: الإشاعة لأشراط الساعة (٣٦٩، ٣٦٦)، والبرزنجي هو: محمد بن عبد الرسول بن عبد السيد الحسني البرزنجي، من فقهاء الشافعية، له علم بالتفسير =
[ ٥٦٥ ]
والسفاريني (^١)، وسليمان بن عبد الله (^٢)، وغيرهم (^٣)، وذكره ابن الجوزي وجهًا من أوجه الجمع (^٤).
قال النووي بعد ذكره لحديث أنس -﵁-: (لا تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله الله)، وحديث ابن مسعود -﵁-: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) قال: "وأما الحديث الآخر: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة) فليس مخالفًا لهذه الأحاديث، لأن معنى هذا: أنهم لا يزالون على الحق حتى تقبضهم هذه الريح اللينة قرب القيامة، وعند تظاهر أشراطها، فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها ودنوها المتناهي في القرب، والله أعلم" (^٥).
وقال ابن حجر بعد ذكره لحديث أنس المتقدم: "والجمع بينه وبين حديث: (لا تزال طائفة): حمل الغاية في حديث: (لا تزال طائفة) على وقت هبوب الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن ومسلم، فلا يبقى إلا الشرار، فتهجم الساعة عليهم بغتة" (^٦).
القول الثاني: أن الساعة كما أنها تقوم على الأشرار فهي تقوم أيضًا على الأخيار، بدليل قوله -ﷺ-: (لا تزال طائفة من أمتي )، وأما التنصيص
_________________
(١) = والأدب، برزنجي الأصل، ولد وتعلم بشهرزور ورحل إلى عدة بلدان ثم استقر بالمدينة فتصدَّر للتدريس، توفي ﵀ سنة (١١٠٣ هـ) له كتب منها: الإشاعة لأشراط الساعة، وأنهار السلسبيل في شرح تفسير البيضاوي. [انظر: الأعلام (٦/ ٢٠٣)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٢٩٢)].
(٢) انظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٣) انظر: تيسير العزيز الحميد (٣٨٠).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٩٦)، وفتح المجيد (٣١٢)، وشرح العقيدة الواسطية (٢/ ٣٧٩)، والقول المفيد (١/ ٤١٣، ٤٩٥) كلاهما للعثيمين.
(٥) انظر: كشف المشكل (٤/ ١٤٢).
(٦) شرح النووي على مسلم (٢/ ٤٩٢)، وانظر: (١٣/ ٧٠).
(٧) الفتح (١٣/ ١٩)، وانظر: (١٣/ ٧٧، ٨٥، ٢٩٤).
[ ٥٦٦ ]
على الأشرار في قوله -ﷺ-: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء) (^١)، فلكون الساعة تقوم في الأكثر والأغلب عليهم.
وإلى هذا ذهب ابن بطال، وذكره ابن الجوزي وجهًا آخر في الجمع (^٢).
قال ابن بطال: "قوله ﵇: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء)، فإنه وإن كان لفظه العموم فالمراد به الخصوص، ومعناه: أن الساعة تقوم في الأكثر والأغلب على شرار الناس، بدليل قوله ﵇: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرها من ناوأها حتى تقوم الساعة)، فدلَّ هذا الخبر أن الساعة تقوم أيضًا على قوم فضلاء، وأنهم في صبرهم على دينهم كالقابض على الجمر" (^٣).
القول الثالث: أن هذه الأحاديث خرجت مخرج العموم، والمراد بها الخصوص، وذلك أن شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة يكونون بموضع مخصوص، والطائفة التي تقاتل على الحق لا يضرهم من خالفهم يكونون بموضع آخر، فتنزل هذه الأحاديث على أنها في موضع دون موضع.
وإلى هذا ذهب الطبري ﵀ حيث قال: لا معارضة بينهما بحمد الله، بل يحقق بعضها بعضًا، وذلك أن هذه الأحاديث خرج لفظها على العموم والمراد منها الخصوص، ومعناه: لا تقوم الساعة على أحد يوحد الله إلا بموضع كذا فإن به طائفة على الحق، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس بموضع كذا (^٤)، ثم استدل بما رواه بسنده عن أبي أُمامة الباهلي أن النبي -ﷺ-
_________________
(١) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه من حيث عبد الله بن مسعود -﵁-، وهذا لفظ البخاري.
(٢) انظر: كشف المشكل (٤/ ١٤٢).
(٣) شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٣ - ١٤)، وانظر: (١٠/ ٦٠)، والفتح (١٣/ ١٩، ٧٦ - ٧٧).
(٤) انظر: تهذيب الآثار (٢/ ٨٣٣ - ٨٣٥)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال =
[ ٥٦٧ ]
قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوِّهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك)، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: (ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس) (^١).
قال: "فبيَّن -ﷺ- في هذا الخبر خصوصه (^٢) سائر الأخبار التي وصفناها أنها خرجت مخرج العموم، بوصفه الطائفة التي أخبر عنها أنها على الحق مقيمة إلى قيام الساعة: أنها ببيت المقدس وأكنافه دون سائر البقاع غيرها" (^٣).
* * *
_________________
(١) = (١/ ١٥٦)، و(١٠/ ٣٥٩)، وإكمال المعلم (٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، والفتح (١٣/ ٢٩٤).
(٢) تهذيب الآثار (٢/ ٨٢٣) ح (١١٥٨)، وأخرجه أحمد، واللفظ له (٣٦/ ٦٥٦) ح (٢٢٣٢٠)، وحكم المحقق على إسناده بالضعف.
(٣) هكذا في المطبوع.
(٤) تهذيب الآثار (٢/ ٨٣٤ - ٨٣٥).
[ ٥٦٨ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الحق أن الجمع بين هذه النصوص قد جاء صريحًا في المحاورة التي جرت بين عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر -﵄- -وهو ما قال به: أصحاب القول الأول- فعن عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم)، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)، فقال عبد الله: (أجل، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة)، رواه مسلم (^١).
فهذا الحديث قاطع للنزاع، مزيل للإشكال، وذلك أن الطائفة التي لا تزال على الحق ظاهرة، تستمر كذلك إلى حين قرب قيام الساعة عندما يرسل الله تعالى تلك الريح الباردة الطيبة التي لا تدع مؤمنًا إلا قبضته، حتى إذا خلت الأرض من الأخيار ولم يبقَ فيها إلا الأشرار قامت عليهم الساعة.
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله -ﷺ-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧٢) ح (١٩٢٤).
[ ٥٦٩ ]
قال ابن حجر بعد سياقه هذه القصة: "هذا أولى ما يتمسك به في الجمع بين الحديثين المذكورين" (^١).
وقال البرزنجي: "قول ابن عمرو هذا في مقابلة ما رواه عقبة كالصريح فيما قلناه" (^٢).
وعلى هذا، يكون المراد بقوله: (ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)، و(على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) أي: قرب ذلك.
قال القاضي عياض: "لا تزال هذه الطائفة على الصفة التي وصفها به إلى أن يقبضهم الله فيمن يقبض من المؤمنين قرب الساعة، وإذ أُظهرت أشراطها فقد حان يومها وقرب وقتها" (^٣).
وأما قوله: (حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)، فالمراد: حكمه وقضاؤه بهبوب الريح الطيبة كما تقدم.
ومما يؤيد هذا ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: فذكر خروج الدجال وقَتْلَ عيسى ﵇ له، ثم قال في آخره: (ثم يرسل الله ريحًا باردة من قِبَلِ الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه، قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌ رزقُهم حسنٌ عيشُهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا (^٤) ورفع ليتًا) (^٥).
_________________
(١) الفتح (١٣/ ٢٩٤).
(٢) الإشاعة (٣٦٩)
(٣) إكمال المعلم (١/ ٤٩٥)، وانظر: الإشاعة (٣٦٩).
(٤) الليت: صفحة العنق، والمعنى: إلا أمال صفحة عنقه. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٤٠٥)، والمجموع المغيث (٣/ ١٦٧)، والنهاية (٤/ ٢٨٤)].
(٥) صحيح مسلم: كتاب الفتن، باب: في خروج الدجال ومكثه في الأرض (١٨/ ٢٨٧) ح (٢٩٤٠).
[ ٥٧٠ ]
وعن النواس بن سمعان -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: فذكر حديثًا طويلًا في ذكر الدجال وصفته، وقَتْلِ عيسى ﵇ له، وخروج يأجوج ومأجوج، وحصول البركة للناس في زمن عيسى ﵇، ثم قال: (فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون (^١) تهارج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة)، رواه مسلم (^٢).
وعن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى)، فقلت: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣] أن ذلك تامًا، قال: (إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، فتَوَفَّى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم)، رواه مسلم (^٣).
قال القرطبي: "هذا غاية في البيان في كيفية انقراض هذا الخلق وهذه الأزمان، فلا تقوم الساعة وفي الأرض من يعرف الله، ولا من يقول: الله الله" (^٤).
وأما القول الثاني -وهو ما ذهب إليه ابن بطال-: وهو أن الساعة تقوم على الأشرار والأخيار، وأن حديث: (إن من شرار الناس من تدركهم
_________________
(١) قال النووي: "أي: يجامع الرجال النساء بحضرة الناس، كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك". [شرح النووي على مسلم (١٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وانظر: المجموع المغيث (٣/ ٤٩١)، والنهاية (٥/ ٢٥٧)].
(٢) صحيح مسلم: كتاب الفتن، باب: ذكر الدجال وصفته وما معه (١٨/ ٢٧٧) ح (٢٩٣٧).
(٣) صحيح مسلم (١٨/ ٢٥٠) ح (٢٩٠٧).
(٤) التذكرة (٢/ ٥٩٦).
[ ٥٧١ ]
الساعة وهم أحياء) من قبيل العموم الذي يراد به الخصوص، ومعناه: أن الساعة تقوم في الأكثر والأغلب على شرار الناس.
فالجواب عنه: أن هذا العموم قد جاء ما يؤيده، كما في رواية مسلم: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) (^١)، فواضح في هذه الرواية حصر قيام الساعة على الأشرار.
ومما يؤيد هذا ما تقدم ذكره قريبًا من الأحاديث التي فيها أن الله تعالى يرسل في آخر الزمان ريحًا باردة طيبة، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، ويبقى بعدهم شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة.
وأما القول الثالث -وهو ما ذهب إليه الطبري- من أن هذه الأحاديث خرجت مخرج العموم، والمراد بها الخصوص، فتنزل على أنها في موضع دون موضع.
فالجواب عنه كالجواب عن القول السابق، فلا حاجة إلى إخراج العموم عن مدلوله، وقد جاءت النصوص صريحة بكون الريح التي يرسلها الله بين يدي الساعة تأخذ كل مؤمن ومؤمنة، فلا يبقى بعدهم إلا شرار الناس وعليهم تقوم الساعة، فقد تقدم في حديث النواس بن سمعان أن النبي -ﷺ- قال عن المؤمنين الذين يكونون مع عيسى -﵇- في آخر الزمان: (فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة).
وقد جاء النص صريحًا في دفع هذا القول ورده، كما عند مسلم من حديث أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله الله)، فقوله: (الأرض) لفظ عام يشمل جميع الأرض، لا يخص موضعًا دون موضع، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: التذكرة (٢/ ٥٩٥)، والفتح (١٣/ ١٩)، والإشاعة (٣٦٩).
[ ٥٧٢ ]
المبحث الثاني: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس. . .)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٥٧٣ ]
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال
عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: حفظت من رسول الله -ﷺ- حديثًا لم أنسَه بعد، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا)، رواه مسلم.
وفي رواية له: عن أبي زرعة قال: جلس إلى مروان بن الحكم بالمدينة ثلاثة نفر من المسلمين، فسمعوه وهو يحدث عن الآيات أن أولها خروجًا الدجال، فقال عبد الله بن عمرو: لم يقل مروان شيئًا، قد حفظت من رسول الله -ﷺ- حديثًا لم أنسَه بعد، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول .. فذكر بمثله (^١).
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا) متفق عليه (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب: الفتن، باب: في خروج الدجال ومكثه في الأرض (١٨/ ٢٩٠) ح (٢٩٤١).
(٢) البخاري في موضعين: في كتاب: التفسير، باب: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (٤/ ١٦٩٧) ح (٤٣٦٠، ٤٣٥٩)، وفي كتاب: الرقاق، باب: طلوع الشمس من مغربها (٥/ ٢٣٨٦) ح (٦١٤١). ومسلم -واللفظ له-: كتاب: الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (٢/ ٥٥٣) ح (١٥٧).
[ ٥٧٤ ]
وعن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب)، رواه البخاري (^١).
بيان وجه الإشكال
لما كان طلوع الشمس من مغربها مؤذنًا بإغلاق باب التوبة وعدم قبول الإيمان، فلا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، كان هذا الحديث -وهو قوله -ﷺ-: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها) - مشكلًا لأن عيسى ﵇ حين ينزل في آخر الزمان يدعو الناس إلى الإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام أو القتل، وهذا يدل على أن الإيمان في زمنه نافع ومقبول، فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (والذي نفسي بيده لَيُوْشِكَنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حَكَمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) متفق عليه (^٢).
فلو كان طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات لم يحصل هذا في زمن عيسى ﵇ لأن الإيمان غير نافع حينئذ، وباب التوبة مغلق، كما تقدم.
قال الحَلِيْمي (^٣): "فأما أول الآيات: ظهور الدجال، ثم نزول عيسى
_________________
(١) هو جزء من حديث رواه البخاري في عدة مواضع: فرواه في كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٣/ ١٢١١) ح (٣١٥١)، وفي كتاب: فضائل الصحابة، باب: كيف آخى النبي -ﷺ- بين أصحابه (٣/ ١٤٣٢) ح (٣٧٢٣)، وفي كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ (٤/ ١٦٢٨) ح (٤٢١٠)، وأخرجه معلقًا في كتاب: الفتن، باب: خروج النار (٦/ ٢٦٠٥).
(٢) البخاري: (٢/ ٧٧٤) ح (٢١٠٩)، ومسلم (٢/ ٥٤٨) ح (١٥٥).
(٣) هو العلامة أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، صاحب وجوه حسان في المذهب، كان من أذكياء زمانه ومن فرسان النظر، له يد طولى في العلم والأدب أخذ عن الحاكم وغيره توفي ﵀ سنة (٤٠٣ هـ)، =
[ ٥٧٥ ]
صلوات الله عليه، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ويبين ذلك أن الكفار في وقت عيسى ﵇ يفنون، لأن منهم من يُقتل، ومنهم من يسلم، وتضع الحرب أوزارها، فيُستغنى عن القتال على الدين، بذلك أخبر رسول الله -ﷺ-، فلو كانت الشمس طلعت قبل ذلك من مغربها لم ينفع اليهود إيمانهم أمام عيسى ﵇، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدًا بإسلام من يسلم منهم" (^١).
وبنحو هذا القول قال القرطبي (^٢).
وقال ابن كثير: ينزل عيسى ﵇ فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل الجزية، ولكن من أسلم قبل منه إسلامه وإلا قتل، وكذلك حكم سائر كفار الأرض يومئذ (^٣).
وقال السفاريني: "في حديث مسلم أن أول الآيات: طلوع الشمس من مغربها، وقد استُشكل بأنه لو كان كذلك لم ينفع الكفار إيمانهم بعد نزول عيسى ﵇، ولا الفساق توبتهم، لانغلاق باب التوبة، وقد جاء النص بأنه ينفعهم ذلك جزمًا، وإلا لما صار الدين واحدًا، ولا كان في نزوله كبير فائدة". (^٤).
وإضافة إلى ما تقدم فإن هذا الحديث مشكل من وجه آخر، وهو أنه
_________________
(١) = وله تصانيف عديدة أشهرها: المنهاج في شعب الإيمان. [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ١١٦)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣٠)، والعبر (٢/ ٢٠٥)، وشذرات الذهب (٣/ ١٦٧)].
(٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٤٢٨)، وانظر: عون المعبود (١١/ ٢٨٦)، وتحفة الأحوذي (٦/ ٤١٦).
(٣) انظر: التذكرة (٢/ ٥٨٨).
(٤) انظر: النهاية في الفتن (١٩٣).
(٥) لوامع الأنوار (٢/ ١٤١)، وانظر: بهجة الناظرين وآيات المستدلين لمرعي بن يوسف الكرمي (٣٩٥) تحقيق خليل إبراهيم أحمد، رسالة دكتوراة -غير مطبوعة- في الجامعة الإسلامية.
[ ٥٧٦ ]
قد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب).
وثمة إشكال آخر وهو أنه جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد -﵁-: أن النبي -ﷺ- ذكر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة فقال في آخرها: (وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم) (^١)، فهذا الحديث في ظاهره يعارض الحديث المتقدم، وسيأتي الجواب عنه في نهاية المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب: الفتن، باب: في الآيات التي تكون قبل الساعة (١٨/ ٢٤٣) ح (٢٩٠١).
[ ٥٧٧ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على عدة أقوال، وقبل ذكرها أشير إلى أن هذه الأقوال تتجه إلى الجواب عن حديث: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها)، ومحاولة توجيهه، وأما حديث: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب) فلم أجد من وجهه وأجاب عنه غير الحافظ بن حجر ﵀، كما سيأتي، وإليك الآن هذه الأقوال:
القول الأول: أن طلوع الشمس من مغربها أول الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة، لأن ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة.
وإلى هذا ذهب القرطبي، وأشار إلى أن طلوع الشمس من مغربها هو أول تغير في العالم العلوي الذي لم يُشاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى (^١).
القول الثاني: أن طلوع الشمس من مغربها أول الآيات الدالة على قيام الساعة ووجودها، وذلك أن الآيات إما أمارات دالة على قرب القيامة، أو على وجودها، ومن الأول الدجال ونحوه، ومن الثاني طلوع الشمس ونحوه، فأولية طلوع الشمس إنما هي بالنسبة إلى القسم الثاني.
وإلى هذا ذهب الطيبي (^٢) (^٣).
_________________
(١) انظر: المفهم (٧/ ٢٤٢)، وطرح التثريب (٨/ ٢٥٩).
(٢) هو العلامة الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي، كان من علماء التفسير والحديث، وكان آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن، وكان في أول عمره صاحب ثروة كثيرة، فلم يزل ينفقها في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخر عمره فقيرًا، توفي ﵀ سنة (٧٤٣ هـ) له مؤلفات منها: شرح مشكاة المصابيح، وكتاب الخلاصة في معرفة الحديث. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ١٣٧)، والبدر الطالع (١/ ٢٢٩)، والأعلام (٢/ ٢٥٦)].
(٣) انظر: شرح الطيبي (١٠/ ١٠٧)، والفتح (١١/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، وعون المعبود =
[ ٥٧٨ ]
القول الثالث: أن طلوع الشمس من مغربها أول الآيات السماوية التي ليست مألوفة.
وإلى هذا ذهب ابن كثير (^١) وابن أبي العز (^٢).
القول الرابع: ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ حيث قال: "الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس كما تقدم في حديث أنس" (^٣).
قال مرعي بن يوسف (^٤): "هذا كلام في غاية التحقيق، جدير بأن يتلقى بالقبول، لما فيه من التدقيق، وقد قرره الحفاظ الأعلام وعلماء الإسلام" (^٥).
واستحسن هذا الجمع البرزنجي، لكنه قال: "لو قال: وينتهي ذلك بخروج الدابة، بدل قوله: بموت عيسى ﵇، لكان أولى وأوضح" (^٦).
_________________
(١) = (١١/ ٢٨٦).
(٢) انظر: النهاية في الفتن (٢١٤، ٢١٨).
(٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٧٥٨).
(٤) الفتح (١١/ ٣٥٣).
(٥) هو مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد الكرمي المقدسي الحنبلي، مؤرخ أديب، من كبار الفقهاء، ولد في طوركرم بفلسطين ثم انتقل إلى القاهرة وبها توفي سنة (١٠٣٣ هـ) له نحو سبعين كتابًا منها: غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى في فقه الحنابلة، ومسبوك الذهب في فضل العرب، وإرشاد ذوي العرفان لما للعمر من الزيادة والنقصان. [انظر: الأعلام (٧/ ٢٠٣)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٨٤٢)].
(٦) بهجة الناظرين وآيات المستدلين (٣٩٦).
(٧) الإشاعة (٣٥٠)، وانظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٤١ - ١٤٢)، والإذاعة لمحمد صديق حسن (١٦٩ - ١٧٠).
[ ٥٧٩ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الناظر في الأقوال المتقدمة في توجيه حديث: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها) يلاحظ أنها كلها تذهب إلى أن طلوع الشمس من مغربها ليس أول الآيات على الإطلاق، وأن وصفها بالأولية إنما هو نسبي إضافي، أي: بالنسبة إلى آيات معينة، وهذا هو الحق الذي لا مِرْيَة فيه، لأنه بعد طلوعها من المغرب لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولازم هذا أن يكون نزول عيسى ﵇ سابقًا لخروجها من مغربها لأن الإيمان في زمنه نافع ومقبول، وباب التوبة مفتوح، ومعلوم أن خروج الدجال سابق لنزوله، وأن ظهور يأجوج ومأجوج ثم هلاكهم، يكون في زمنه، كما دلَّ على ذلك حديث النواس بن سمعان عند مسلم (^١)، فهذه الآيات كلها متقدمة على طلوع الشمس من مغربها، والله أعلم.
قال البيهقي: إن كان في علم الله أن طلوع الشمس سابق على خروج الدجال ونزول عيسى ﵇، احتمل أن يكون المراد نفي النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك، فإذا انقرضوا، وتطاول الزمان، وعاد بعضهم إلى الكفر، عاد تكليف الإيمان بالغيب.
وإن كان في علم الله تعالى أن طلوع الشمس بعد نزول عيسى ﵇، احتمل أن يكون المراد بالآيات في هذا الحديث آيات أخرى غير الدجال ونزول عيسى، إذ ليس في الخبر نص على أنه يتقدم
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٥٧١).
[ ٥٨٠ ]
عيسى ﵇ (^١).
قال ابن حجر: "وهذا الثاني هو المعتمد، والأخبار الصحيحة لا تخالفه، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه) (^٢)، فمفهومه أن من تاب بعد ذلك لم تقبل" (^٣).
وقال محمد صديق حسن القنوجي: "والحاصل أن الأولية إضافية لا حقيقية" (^٤).
وما ذكر من الأقوال في توجيه الحديث فكل ذلك محتمل، ولا تعارض بينها، إذ يمكن القول: بمجموعها، فيقال: طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات السماوية التي ليست مألوفة، وذلك مؤذن بتغير العالم العلوي، وانقطاع التوبة، وقيام الساعة، والله أعلم.
قال ابن حجر: "قال الحاكم أبو عبد الله: الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم، أو الذي يقرب منه.
قلت: والحكمة من ذلك أنه عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر، تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة" (^٥).
* * *
_________________
(١) انظر: البعث والنشور، تحقيق عبد العزيز الصاعدي (١/ ٣٤٥) رسالة دكتوراة -غير مطبوعة- في الجامعة الإسلامية، والفتح (١١/ ٣٥٤)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٤١).
(٢) صحيح مسلم (١٧/ ٢٨) ح (٢٧٠٣).
(٣) الفتح (١١/ ٣٥٤) بتصرف يسير.
(٤) الإذاعة (١٧٠).
(٥) الفتح (١١/ ٣٥٣).
[ ٥٨١ ]
وأما حديث أنس -﵁-: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس )، فقد أجاب عنه ابن حجر -كما تقدم- بأن المراد: أن النار أول الآيات المؤذنة بقيام الساعة.
وأولى من هذا الجواب ما دلَّ النص عليه حيث أخرج الإمام أحمد هذا الحديث بلفظ: (وأما أول شيء يحشر الناس فنار تخرج ) (^١)، وهذا يؤيد ما تقدم من كون الأولية هنا نسبية لا مطلقة.
وقد أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أسيد -﵁- أن النبي -ﷺ- ذكر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة فقال في آخرها: (وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم).
قال ابن حجر: "وهذا في الظاهر يعارض حديث أنس"، ثم قال: "ويجمع بينهما: بأن آخريتها باعتبار ما ذكر معها من الآيات، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلًا، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها، فإنه يبقى بعد كل آية أشياء من أمور الدنيا" (^٢).
ولكن الذي يظهر أن المراد بأوليتها ما تقدم في رواية الإمام أحمد: أنها أول ما يحشر الناس، وأما آخريتها فالمتعين ما ذكره الحافظ بن حجر، والله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) المسند (٢١/ ٣٤٩) ح (١٣٨٦٨)، وقال المحقق: "إسناده صحيح على شرط مسلم".
(٢) الفتح (١٣/ ٨٢).
[ ٥٨٢ ]
المبحث الثالث: ما جاء في طواف الدجال بالبيت، مع ما ورد من أنه لا يدخل مكة ولا المدينة
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٥٨٣ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن عبد الله بن عمر -﵄- قال: ذكر النبي -ﷺ- يومًا بين ظَهْرَي الناس المسيح الدجال فقال: (إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، وأَراني الليلة عند الكعبة في المنام، فإذا رجل آدم (^١) كأحسن ما يُرى من أُدْمِ الرجال، تضرب لمته (^٢) بين منكبيه، رَجِلُ (^٣)
_________________
(١) الآدم: الأسمر. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١٨٢)، وكشف المشكل (٢/ ٤٩١)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ٣٢)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٨٨)، والفتح (٦/ ٤٨٥ - ٤٨٦)]. تنبيه: جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁-[البخاري (٣/ ١٢٦٩) ح (٣٢٥٤)، ومسلم (٢/ ٥٨٩) ح (١٦٨)، وصف عيسى ﵇ بأنه أحمر، وطريق الجمع بينهما: أنه كانت فيه أدمة خفيفة، يميل معها إلى الحمرة والبياض، أي: لم يكن أحمر تمامًا، ولا آدم تمامًا، فربما وصفه بهذا وربما وصفه بذاك، ويؤيد هذا الجمع أن النبي -ﷺ- وصفه في حديث ابن عباس بقوله: (ورأيت عيسى رجلًا مربوعًا، مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض) -[متفق عليه: البخاري: (٣/ ١١٨٢) ح (٣٠٦٧)، ومسلم (٢/ ٥٨٥) ح (١٦٥)]- انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٨٨)، ومنة المنعم (١/ ١٥٠).
(٢) أي: شعر رأسه، يقال له إذا جاوز شحمة الأذنين وألم بالمنكبين: لمة، وإذا جاوزت المنكبين فهي جمة، وإذا قصرت عنهما فهي وفرة. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١٨٢)، وكشف المشكل (٢/ ٤٩٣)، والنهاية (٤/ ٢٧٣)، والفتح (٦/ ٤٨٦)].
(٣) أي قد سرحه، فهو مسترسل. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١٠٨)، وكشف المشكل (٢/ ٤٩٣)، والمجموع المغيث (١/ ٧٤٢)، والنهاية (٢/ ٢٠٣)، والفتح (٦/ ٤٨٦)].
[ ٥٨٤ ]
الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح ابن مريم، ثم رأيت رجلًا وراءه جَعْدًا قَطَطًا (^١)، أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن (^٢)، واضعًا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال)، متفق عليه (^٣).
بيان وجه الإشكال
أن هذا الحديث ينص على طواف الدجال بالبيت، وهذا يعني: دخوله مكة، وقد ثبت عن النبي -ﷺ- أن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة، كما في الصحيحين من حديث أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس لها من نقابها نَقْبٌ إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها) (^٤).
قال ابن حجر: "رؤيته إياه بمكة مشكلة مع ثبوت أنه لا يدخل مكة ولا المدينة" (^٥).
_________________
(١) الجعد القطط هو: الشعر الذي زادت جعودته، أي تثنيه وتكسره. [انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٩٢)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (٢٦٤، ١٨٢)، والنهاية (١/ ٢٧٥)، و(٤/ ٨١)، والفتح (٦/ ٤٧٦)].
(٢) ذكر الزهري أنه رجل من خزاعة، هلك في الجاهلية [انظر: صحيح البخاري (٣/ ١٢٧٠)، و(٦/ ٢٥٧٧)، والفتح (٦/ ٤٨٨)، وتنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم (٨٤)].
(٣) البخاري في مواضع: في كتاب: الأنبياء، باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣/ ١٢٦٩ - ١٢٧٠) ح (٣٢٥٧، ٣٢٥٦)، وفي كتاب: اللباس، باب: الجعد (٥/ ٢٢١١) ح (٥٥٦٢)، وفي كتاب: التعبير، باب: رؤيا الليل (٦/ ٢٥٦٩) ح (٦٥٩٨)، وباب: الطواف بالكعبة في المنام (٦/ ٢٥٧٧) ح (٦٦٢٣)، وفي كتاب: الفتن، باب: ذكر الدجال (٦/ ٢٦٠٧) ح (٦٧٠٩). ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال (٢/ ٥٩٠، ٥٩٣) ح (١٦٩، ١٧١).
(٤) البخاري (٢/ ٦٦٥) ح (١٧٨٢)، ومسلم (١٨/ ٢٩٦) ح (٢٩٤٣).
(٥) الفتح (١٣/ ٩٨)، وانظر: عون الباري (٤/ ١٥٤).
[ ٥٨٥ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن طواف الدجال بالبيت إنما هو رؤيا منام، كما هو صريح الحديث، ورؤيا الأنبياء وإن كانت وحيًا إلا أن فيها ما يقبل التعبير.
ذكر هذا القول القاضي عياض بصيغة الاحتمال (^١).
القول الثاني: أن تحريم دخول مكة والمدينة عليه إنما هو في زمن فتنته وخروجه، لا في الزمن السابق لذلك.
جوَّز هذا القاضي عياض (^٢)، وإليه ذهب ابن حجر وغيره (^٣).
قال ابن حجر: "ويؤيده ما دار بين أبي سعيد وابن صياد، فيما أخرجه مسلم، وأن ابن صياد قال له: ألم يقل النبي -ﷺ-: (إنه لا يدخل مكة ولا المدينة)، وقد خرجت من المدينة أريد مكة (^٤)، فتأوله من جزم بأن ابن صياد هو الدجال، على أن المنع إنما هو حيث يخرج" (^٥).
القول الثالث: ترجيح الرواية التي لم يُذكر فيها طواف الدجال في البيت الحرام، وهي رواية مالك عن نافع عن ابن عمر -﵄-، وعليه فلا
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم (١/ ٥٢٢)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٨٩)، وإكمال إكمال المعلم (١/ ٥٣٤)، والفتح (١٣/ ٩٨).
(٢) انظر: إكمال المعلم (١/ ٥٢٣)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٨٩ - ٥٩٠)، وإكمال إكمال المعلم (١/ ٥٣٤).
(٣) انظر: عون الباري (٤/ ١٥٤).
(٤) صحيح مسلم (١٨/ ٢٦٣) ح (٢٩٢٧).
(٥) الفتح (١٣/ ٩٩)، وانظر: (٦/ ٤٨٨ - ٤٨٩).
[ ٥٨٦ ]
تعارض بين هذا الحديث وما ثبت من تحريم دخول مكة والمدينة عليه، ونص هذه الرواية: أن رسول الله -ﷺ- قال: (أَراني الليلة عند الكعبة، فرأيت رجلًا آدم، كأحسن ما أنت راءٍ من أدم الرجال، له لمة كأحسن ما أنت راءٍ من اللمم، قد رجَّلها فهي تقطر ماءً، متكئًا على رجلين، أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت: من هذا؟ فقيل: المسيح ابن مريم، وإذا أنا برجل جعد قطط، أعور العين اليمنى، كأنها عنبة طافية، فسألت: من هذا؟ فقيل: المسيح الدجال)، متفق عليه (^١).
أشار إلى هذا القول القاضي عياض، حيث قال: "في رواية مالك لم يذكر طواف الدجال، وهو أثبت ممن رووا طوافه" (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: تخريج الحديث ص (٥٨٥)، وهي عند البخاري في كتاب اللباس، وكتاب التعبير، باب: رؤيا الليل.
(٢) إكمال المعلم (١/ ٥٢٣).
[ ٥٨٧ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- القول الأول، وهو: أن رؤيا النبي -ﷺ- للدجال وهو يطوف بالبيت، لا ينافي ما ثبت من تحريم دخول مكة والمدينة عليه، لأنها رؤيا منام، ورؤيا المنام لا يلزم وقوعها في الخارج كما كانت في الرؤيا، بل قد يكون لها تعبير وتأويل يخالف الظاهر منها، كما ثبت ذلك في عدد من الأحاديث الصحيحة عن النبي -ﷺ-، ومن ذلك:
حديث عبد الله بن عمر -﵄-، أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: (بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الريَّ يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب)، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: (العلم)، متفق عليه (^١).
وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (بينا أنا نائم، رأيت الناس يُعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره)، قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: (الدين)، متفق عليه (^٢).
وأما القول الثاني، وهو: أن تحريم دخوله مكة والمدينة إنما يكون في زمن فتنته وخروجه، وأما قبل ذلك فغير ممتنع، فهو قول محتمل، لكن القول الأول أظهر وأوضح، والله أعلم.
_________________
(١) البخاري (١/ ٤٣) ح (٨٢)، ومسلم (١٥/ ١٦٩) ح (٢٣٩١).
(٢) البخاري (١/ ١٧) ح (٢٣)، ومسلم (١٥/ ١٦٨) ح (٢٣٩٠).
[ ٥٨٨ ]
وأما القول الثالث وهو ترجيح رواية مالك، لعدم ذكر طواف الدجال فيها، فقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر حيث قال: "وتُعقب بأن الترجيح مع إمكان الجمع مردود، لأن سكوت مالك عن نافع عن ذكر الطواف، لا يرد رواية الزهري عن سالم" (^١).
قلت: ورواية الزهري عن سالم متفق عليها (^٢)، كما أن ذكر طواف الدجال بالبيت مصرح به في رواية موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، وقد أخرجها البخاري ومسلم، وهي المذكورة في المطلب الأول من هذا المبحث.
وأيضًا فإن في رواية مالك ما يشعر بموافقتها لبقية الروايات حيث جاء في صدر روايته: (أَراني الليلة عند الكعبة )، والله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) الفتح (١٣/ ٩٨).
(٢) انظر: تخريج الحديث ص (٥٨٥)، وهي عند البخاري في كتاب الأنبياء، وكتاب الفتن، وكتاب التعبير، باب: الطواف بالكعبة في المنام.
[ ٥٨٩ ]
المبحث الرابع: (لا تقوم الساعة حتى. . . يتقارب الزمان)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٥٩١ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض)، رواه البخاري (^١).
وعنه -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج)، قالوا: يا رسول الله، أيُّما هو؟ قال: (القتل القتل)، متفق عليه (^٢).
بيان وجه الإشكال
استُشكل تقارب الزمان الوارد في هذا الحديث لأن فيه إخبارًا عما يخالف الواقع والسُنَّة الجارية المعتادة، والتكوين الذي به قامت الخليقة (^٣)، فالزمان عبارة عن مجموعة من الأيام والأسابيع والشهور والسنين، وكلها
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب: الاستسقاء، باب: ما قيل في الزلازل والآيات (١/ ٣٥٠) ح (٩٨٩)، ورواه في سياق أطول من هذا، في جملة من الأشراط، في كتاب: الفتن، باب: خروج النار (٦/ ٢٦٠٥) ح (٦٧٠٤).
(٢) البخاري في مواضع: في كتاب الأدب، باب: حسن الخلق والسخاء (٥/ ٢٢٤٥) ح (٥٦٩٠)، وفي كتاب: الفتن، باب: ظهور الفتن (٦/ ٢٥٩٠) ح (٦٦٥٢)، ومسلم: كتاب العلم: باب: رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (١٦/ ٤٦٢).
(٣) انظر: عارضة الأحوذي (٩/ ٦٤).
[ ٥٩٢ ]
أوقات محددة، معلومة البداية والنهاية، وعلى هذا، فكيف يمكن أن يُتصور تقارب الزمان؟
* * *
[ ٥٩٣ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث على أقوال:
القول الأول: حمل الحديث، على ظاهره، فيكون المراد: أن الزمان نفسه يتقارب حقيقة، وذلك بنقص أيامه ولياليه (^١).
نقل هذا الشيخ مرعي بن يوسف عن أهل الحديث (^٢) واحتمله الخطابي حيث قال: "ويحتمل أن يكون أراد به قصر مدة الأزمنة ونقصها عمَّا جرت به العادة فيها، وذلك من علامات الساعة إذا طلعت الشمس من مغربها، وهو معنى الحديث الآخر: (يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السَّعْفَة) (^٣) " (^٤).
القول الثاني: أن المراد بتقارب الزمان: قربه من الساعة ويوم
_________________
(١) انظر: معالم السنن (٤/ ٣١٣)، ومختصر سنن أبي داود للمنذري (٦/ ١٤٢)، والتذكرة (٢/ ٣٦٤).
(٢) انظر: بهجة الناظرين (٣٩٧).
(٣) أول هذا الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر )، وقد أخرجه من حديث أبي هريرة -﵁-: أحمد (١٦/ ٥٥٠) ح (١٠٩٤٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ٤٣٥) ح (٦٧٩٥)، وابن حبان (١٥/ ٢٥٢) ح (٦٨٤٢)، وقال ابن كثير في النهاية (١/ ٢٣٥): "هذا الإسناد على شرط مسلم"، وأورده الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٣١)، وقال: "رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح"، وأخرج الحديث من طريق أنس -﵁-: الترمذي (تحفة ٦/ ٦٢٤) ح (٢٤٣٤).
(٤) أعلام الحديث (٣/ ٢١٨٢).
[ ٥٩٤ ]
القيامة (^١).
وإلى هذا ذهب القاضي عياض (^٢) والنووي (^٣).
القول الثالث: أن المراد بتقارب الزمان: نزع البركة منه، بحيث يصير الانتفاع من اليوم مثلًا بقدر الانتفاع من الساعة الواحدة.
وإلى هذا ذهب الخطابي (^٤)، وابن الأثير (^٥)، والعراقي (^٦)، وابن حجر، وهو ظاهر صنيع ابن كثير حيث عنون لهذا الحديث بقوله: "إشارة نبوية إلى نزع البركة من الوقت قبل قيام الساعة" (^٧).
وقال ابن حجر: "والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء، حتى من الزمان، وذلك من علامات قرب الساعة"، وقال: "الذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا، فإنا نجد من سرعة مرِّ الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا" (^٨).
القول الرابع: أن المراد بذلك استقصار مدته لِما يحصل من استلذاذ العيش.
وهذا مروي عن أبي سنان (^٩) حيث سُئل عن معنى الحديث فقال:
_________________
(١) انظر: أعلام الحديث (٣/ ٢١٨١)، ومعالم السنن (٤/ ٣١٣)، والتذكرة (٢/ ٣٦٤)، وطرح التثريب (٤/ ٢٨)، والفتح (٢/ ٥٢٢).
(٢) انظر: إكمال المعلم (٨/ ١٦٦).
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٦٣).
(٤) انظر: معالم السنن (٤/ ٣١٣).
(٥) انظر: جامع الأصول (١٠/ ٤٠٩).
(٦) انظر: طرح التثريب (٤/ ٢٨).
(٧) النهاية (١/ ٢٣٤).
(٨) الفتح (١٣/ ١٦)، وانظر: (١٣/ ١٧).
(٩) هو عيسى بن سنان الحنفي، أبو سنان القسملي الفلسطيني، روى عن وهب بن منبه ويعلى بن شداد والضحاك بن عبد الرحمن وغيرهم، وعنه حماد بن سلمة وحماد بن زيد وعيسى بن يونس وآخرون، وهو من أهل العلم، لكنه في رواية =
[ ٥٩٥ ]
ذلك من استلذاذ العيش (^١)، قال الخطابي معقبًا على كلامه: "يريد -والله أعلم- زمان خروج المهدي ووقوع الأَمَنَة في الأرض بما يبسطه من العدل فيها، فيُستلذ العيش عند ذلك، وتُستقصر مدته، ولا يزال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت وامتدت، ويستطيلون أيام المكروه وإن قصرت وقلَّت" (^٢).
القول الخامس: أن المراد: تقارب أحوال أهله في قلة الدين، حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، لغلبة الفسق وظهور أهله.
وإلى هذا ذهب ابن بطال (^٣)، والقرطبي (^٤)، وغيرهما (^٥)، وذكر ابن حجر أنه اختيار الطحاوي (^٦).
القول السادس: ما ذهب إليه بعض العلماء المعاصرين من أن المراد بتقارب الزمان ما هو حاصل في هذا العصر من تقارب ما بين المدن
_________________
(١) = الحديث قد حكم عليه أكثر أئمة الجرح والتعديل بالضعف، فقد ضعفه الإمام أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: ضُعف ولم يُترك، وقال ابن حجر: لين الحديث. [انظر: التاريخ الكبير للبخاري (٦/ ٣٩٦)، وشرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ٤٣٥)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٦/ ٢٧٧)، والثقات لابن حبان (٧/ ٢٣٥)، والكاشف للذهبي (٢/ ٣٠٥)، وتهذيب التهذيب (٨/ ١٨٣)، وتقريب التهذيب (١/ ٧٧٠)].
(٢) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، وغريب الحديث للخطابي (١/ ٩٤)، وكشف المشكل (٤/ ٢٠٣)، والتذكرة (٢/ ٣٦٤).
(٣) غريب الحديث (١/ ٩٤)، وانظر: مختصر سنن أبي داود (٦/ ١٤٢).
(٤) انظر: شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٣).
(٥) انظر: التذكرة (٢/ ٤٨١).
(٦) انظر: أعلام الحديث (٣/ ٢١٨٢)، والكواكب الدراري المشهور بشرح الكرماني (٦/ ١٢٣)، والفتح (٢/ ٥٢٢).
(٧) انظر: الفتح (١٣/ ١٧)، وقارن بين هذا وبين ما في شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ٤٣٥ - ٤٣٦).
[ ٥٩٦ ]
والأقاليم، وقصر زمن المسافة بينها بسبب اختراع وسائل المواصلات المتنوعة -البرية والبحرية والجوية- حيث تُقطع المسافات البعيدة في الزمن القصير، ومثلها وسائل الاتصال الصوتية كالهاتف والإذاعة وغيرهما فإنها قربت البعيد.
وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ ابن باز، والشيخ حمود التويجري، والشيخ محمد رشيد رضا (^١)، وغيرهم (^٢)، عليهم رحمة الله.
قال الشيخ ابن باز في تعليقه على الفتح: "الأقرب تفسير التقارب المذكور في الحديث بما وقع في هذا العصر من تقارب ما بين المدن والأقاليم، وقصر زمان المسافة بينها، بسبب اختراع الطائرات والسيارات والإذاعة وما إلى ذلك، والله أعلم" (^٣).
وقال الشيخ حمود التويجري: "والظاهر -والله أعلم بمراد رسوله -ﷺ-- أن ذلك إشارة إلى ما حدث في زماننا من المراكب الأرضية والجوية والآلات الكهربائية التي قربت كل بعيد، والمعنى على هذا: يتقارب أهل الزمان"، إلى أن قال بعد حديثه عن وسائل المواصلات: "وأعظم من ذلك الآلات الكهربائية التي تنقل الأصوات، كالإذاعات والتلفونات الهوائية، فإنها قد بهرت العقول في تقريب الأبعاد، بحيث كان الذي في أقصى المشرق يخاطب مَن في أقصى المغرب كما يخاطب الرجل جليسه، وبحيث كان الجالس عند الراديو يسمع كلام مَن في أقصى المشرق، ومَن في أقصى المغرب، ومَن في أقصى الجنوب، ومَن في أقصى الشمال، وغير ذلك من
_________________
(١) هو محمد رشيد بن علي رضا بن محمد القلموني -نسبة إلى قلمون من أعمال الشام- البغدادي الأصل، الحسيني النسب، صاحب مجلة المنار، وأحد رجال الدعوة والإصلاح، له عناية بالحديث والتفسير والأدب والتاريخ، لازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ عليه، له مؤلفات منها: تفسير المنار، والوحي المحمدي، توفي سنة (١٣٥٤). [انظر: الأعلام (٦/ ١٢٦)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٢٩٣)].
(٢) انظر: منة المنعم (٤/ ٢٢٩).
(٣) الفتح (٢/ ٥٢٢).
[ ٥٩٧ ]
أرجاء الأرض في دقيقة واحدة، كأن الجميع حاضرون عنده في مجلسه، فالمراكب الأرضية والجوية قربت الأبعاد من ناحية السير، والآلات الكهربائية قربت الأبعاد من ناحية التخاطب وسماع الأصوات، فسبحان من علَّم الإنسان ما لم يعلم" (^١).
وقال الشيخ محمد رشيد رضا: "ويرى بعض أهل هذا الزمان أن المراد قد يكون ما هو حاصل من تقارب المواصلات وقطع المسافات البعيدة في الزمن القصير برًا وبحرًا وجوًا، وهذا أظهر من كل ما قالوه، وأليق بكونه إخبارًا عن غيب لا مجال للرأي فيه، ولا يعرف إلا بوحي من الله تعالى" (^٢).
* * *
_________________
(١) إتحاف الجماعة (٢/ ١٩٥).
(٢) تفسير القرآن الحكيم، المشهور بتفسير المنار (٩/ ٤٨٥ - ٤٨٦).
[ ٥٩٨ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- أن الزمان نفسه يتقارب حقيقة تقاربًا حسيًا، وذلك بنقصه وقصره عمَّا هو معتاد -على ما جاء في القول الأول- وذلك في آخر الزمان، لكن لا يصح الجزم بأن ذلك إنما يكون إذا طلعت الشمس من مغربها.
ومما يدل على هذا القول ما يلي:
١ - أن هذا هو ظاهر الحديث، وقد جاء ما يؤيده ويبين مراده، كما عند الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة) (^١).
فهذا الحديث صريح في بيان المراد، ولذا قال الكرماني: "تقارب الزمان مجمل، وبيانه أنه -ﷺ- قال: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة ) " (^٢).
وقال ابن أبي جمرة: "يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان: قصره على ما وقع في حديث: (لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر)، وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسيًا ويحتمل أن يكون معنويًا، فأما الحسي فلم يظهر بعد، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة، وأما المعنوي
_________________
(١) حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه ص (٥٩٤).
(٢) الكواكب الدراري (٦/ ١٢٢).
[ ٥٩٩ ]
فله مدة منذ ظهر، يعرف ذلك أهل العلم الديني، ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي" (^١).
٢ - ما أخرجه مسلم من حديث النواس بن سمعان -﵁-: أن النبي -ﷺ- ذكر الدجال، قال النواس: قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: (أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم)، قلنا: يا رسول الله: فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: (لا، اقدروا له قدره) (^٢).
ففي هذا الحديث أن الأيام تطول حقيقةً، وإذا كان ذلك كذلك فما المانع من كونها تقصر حقيقةً كما في حديث تقارب الزمان، وذلك لاختلال نظام العالم وقرب زوال الدنيا (^٣).
وكون الطول في أيام الدجال حقيقيًا ظاهر، يدل عليه قوله -ﷺ-: (وسائر أيامه كأيامكم)، وكذا سؤال الصحابة للرسول -ﷺ- عن الصلاة في اليوم الذي كسنة يدل على أنهم فهموا كون الطول في الأيام حقيقيًا، وجوابه لهم بقوله: (اقدروا له قدره) يدل على موافقته لهم على هذا الفهم.
قال القاضي عياض: "قوله: (يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة): ما جاء بعدُ يفسر أنه على ظاهره غير متأول" (^٤).
وقال النووي: "قوله -ﷺ-: (يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم)، قال العلماء: هذا الحديث على ظاهره، وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث، يدل عليه قوله -ﷺ-: (وسائر أيامه كأيامكم) " (^٥).
_________________
(١) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١٣/ ١٧).
(٢) صحيح مسلم (١٨/ ٢٧٧) ح (٢١٣٧).
(٣) انظر: أشراط الساعة للدكتور يوسف الوابل (١٢١).
(٤) إكمال المعلم (٨/ ٤٨٣).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٨/ ٢٧٩).
[ ٦٠٠ ]
وقال القرطبي: "ظاهر هذا: أن الله تعالى يخرق العادة في تلك الأيام، فيبطئ بالشمس عن حركتها المعتادة في أول يوم من تلك الأيام، حتى يكون أوَّل يوم كمقدار سنة معتادة، ويبطئ بالشمس حتى يكون كمقدار شهر، والثالث حتى يكون كمقدار جمعة، وهذا ممكن، لا سيما وذلك الزمان تنخرق فيه العوائد كثيرًا" (^١).
٣ - أن آخر الزمان يختل فيه نظام العالم، وتكثر فيه خوارق العادات: فالدابة تتكلم والشمس تطلع من مغربها وعلى هذا فما المانع من أن يكون من جملة ذلك أيضًا تقارب الزمان وقصره، والله تعالى مصرف الكون ومدبره، وهو سبحانه على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فكما انشأ الأيام والليالي على هذا النظام الذي نعرفه فهو قادر على تغيير ذلك، والله تعالى أعلم.
قال ابن العربي: "فإن قيل: في هذا الحديث إبطال للهيئة، وإفساد للطبيعة، وتغيير للتكوين الذي به قامت الخليقة قلنا: اتئدوا، فإنكم نظرتم إلى جريان اليوم في المخلوقات، وأغفلتم النظر في قدرة الخالق وما له من الحكم في المصنوعات، والإشكال الذي أشرتم إليه ينحل عنكم بالنظر في معاني:
الأول: قد تقرر عقلًا وشرعًا، وثبت دليلًا أن الباري تعالى خالق كل شيء، لا يشذ ذرة عن خلقه، فما كان من سبب أو مسبب، أو علة ومعلول فإنه فطره وأنشأه، وكون ذلك كله على هذا النظام المشاهد ليس بواجب لا يمكن سواه، بل هو على مجرى الإرادة وبعض العادة.
الثاني: أن عاقبة الشمس والقمر التكوير، وآخر السموات والأرض الانفطار والتدمير، وكما يعدمها خالقها فلا تسير، يجوز أن يبطئها عن سرعتها وينقص من حركاتها، فما كانت تقطعه في يوم تقطعه في جمعة، ثم
_________________
(١) المفهم (٧/ ٢٧٩).
[ ٦٠١ ]
في شهر، ثم في سنة، أو بعكسه، وهذا قريب ممن وفقه الله لعلمه" (^١).
* * *
وبهذا يتبين ضعف بقية الأقوال وبعدها عن ظاهر الحديث، لأنها: إما أن تجعل التقارب الوارد في الحديث تقاربًا معنويًا لا حقيقيًا، كالقول: بأن المراد من ذلك نزع البركة -وهو القول الثالث- وكذا القول: بأن المراد من ذلك ما يحصل من استقصار الزمان بسب استلذاذ العيش، وهو القول الرابع.
وإما أن تجعل التقارب المذكور ليس للزمان نفسه وإنما لأهل الزمان، كالقول بأن المراد: تقارب أحوال أهله في قلة الدين -وهو القول الخامس- وكذا القول السادس -وإن كان أظهر وجاهة من غيره- وهو أن المراد: ما حصل من تقارب أهل هذا الزمان بسبب ما استجد من مخترعات حديثة.
وأما القول الثاني: وهو أن المراد بتقارب الزمان: قربه من الساعة، فقول غريب، لأنه وإن احتمله الحديث الذي أول لفظه: (يتقارب الزمان )، فإنه لا يحتمله اللفظ الآخر -كما عند البخاري-: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان)؛ لأن المعنى سيكون حينئذٍ: لا تقوم الساعة حتى تقرب الساعة؟ ! وهذا ليس فيه فائدة، بل هو تحصيل حاصل، ولهذا قال الكرماني بعد أن ذكر هذا القول عن النووي: "حاصل تفسيره: أنه لا تكون القيامة حتى تقرب القيامة، وهذا كلام مهمل، لا طائل تحته" (^٢).
* * *
_________________
(١) عارضة الأحوذي (٩/ ٦٤) بتصرف.
(٢) الكواكب الدراري (٦/ ١٢٣)، وانظر: الفتح (٢/ ٥٢٢).
[ ٦٠٢ ]
المبحث الخامس: (إذا ولدت الأمة ربها)
وفيه ثلاثة مطالب:
• المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
• المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
• المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٦٠٣ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة -﵁- قال: كان النبي -ﷺ- بارزًا يومًا للناس، فأتاه جبريل -فذكر أنه سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، فأجابه النبي -ﷺ-، ثم- قال: متى الساعة؟ قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأَمَة ربها (^١)، وإذا تطاول رعاة الإبل البُهْم في البنيان )، متفق عليه (^٢).
وفي رواية للبخاري: (إذا ولدت الأمة ربتها).
وفي رواية لمسلم: (إذا ولدت الأمة بعلها) (^٣).
_________________
(١) قال ابن الأثير في النهاية (٢/ ١٧٩): "الرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيِّم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى". [وانظر: تهذيب اللغة (١٥/ ١٢٨) مادة: (رب)، والصحاح (١/ ١١٧) مادة: (ربب)، والمجموع المغيث (١/ ٧٢١)].
(٢) البخاري في موضعين: كتاب الإيمان، باب: سؤال جبريل -﵇- النبي -ﷺ- عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة (١/ ٢٧) ح (٥٠)، وفي كتاب التفسير، باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٤/ ١٧٩٣) ح (٤٤٩٩). ومسلم: كتاب الإيمان، باب: الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ٢٧٥) ح (٩)، و(١/ ٢٧٨) ح (١٠).
(٣) قال النووي في شرحه على مسلم (١/ ٢٧٣): "الصحيح في معناه أن البعل هو المالك أو السيد، فيكون بمعنى: ربها، قال أهل اللغة: بعل الشيء: ربه ومالكه، وقال ابن عباس -﵄- والمفسرون في قوله -سبحانه الله وتعالى-: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أي: ربًا، وقيل: المراد بالبعل في الحديث الزوج إلا أن الأول أظهر، لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى، والله أعلم". =
[ ٦٠٤ ]
وعن عمر بن الخطاب -﵁-، فذكر نحو الحديث المتقدم، وفيه: (أن تلد الأمة ربتها)، رواه مسلم (^١).
بيان وجه الإشكال
استُشكل معنى هذا الحديث، وهو قوله -ﷺ-: (إذا ولدت الأمة ربها) أو (ربتها)، إذ كيف يتصور أن تلد الأمة ربها أو ربتها، بحيث تكون الأم مربوبة ومملوكة لولدها أو ابنتها؟ ! .
* * *
_________________
(١) = وقال ابن حجر في الفتح (١/ ١٢٢): "قيل: المراد بالبعل: المالك، وهو أولى لتتفق الروايات". وإلى هذا ذهب أكثر الشراح، كالقاضي عياض وابن الجوزي وابن الأثير وابن الصلاح والقرطبي وغيرهم [انظر على الترتيب: إكمال المعلم (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، وكشف المشكل (١/ ١٣١)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ١٤١)، وصيانة صحيح مسلم (١٣٨)، والمفهم (١/ ١٤٨)]. وقد نص أهل اللغة وغيرهم على أن البعل يأتي بمعنى السيد أو المالك. [انظر: تهذيب اللغة (٢/ ٢٥٠)، والصحاح (٤/ ١٣٤٢) كلاهما مادة: (بعل)، وجامع البيان للطبري (١٠/ ٥٢٠ - ٥٢١)، والمجموع المغيث (١/ ١٧٦)].
(٢) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب: الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ٢٥٩) ح (٨).
[ ٦٠٥ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث على عدة أقوال، أهمها:
القول الأول: أن تلد الأمة لسيدها، فيكون الولد لها بمنزلة ربها وسيدها، لأنه ولد سيدها، وهو كأبيه في الحسب.
وعلى هذا، يكون الذي من أشراط الساعة: كثرة السراري وأولادهن، وذلك لاتساع رقعة الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الكفر.
وإلى هذا ذهب أبو عبيد (^١)، والخطابي، وابن الجوزي (^٢)، وابن الصلاح (^٣)، وابن الأثير (^٤)، والنووي (^٥)، وابن رجب، وابن باز (^٦)، وغيرهم (^٧)، وقال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين (^٨).
قال الخطابي: "قوله: (إذا ولدت الأمة ربتها) معناه: اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الكفر، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية منهم فاستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها، لأنه ولد سيدها" (^٩).
_________________
(١) انظر: غريب الحديث (٢/ ٢٢٤).
(٢) انظر: كشف المشكل (١/ ١٣١).
(٣) انظر: صيانة صحيح مسلم (١٣٥ - ١٣٦).
(٤) انظر: النهاية (٢/ ١٧٩).
(٥) انظر: رياض الصالحين (٦٩).
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٩٦).
(٧) انظر: المعلم (١/ ١٨٧)، وإكمال المعلم (١/ ٢٠٥)، والمفهم (١/ ١٤٨).
(٨) انظر: شرح النووي على مسلم (١/ ٢٧٣)، والتذكرة (٢/ ٤٩٨)، والفتح (١/ ١٢٢).
(٩) أعلام الحديث (١/ ١٨٢).
[ ٦٠٦ ]
وقال النووي: "قال الأكثرون من العلماء: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها، لأن مال الإنسان صائر إلى ولده" (^١).
وقال ابن رجب: "المراد بربتها: سيدتها ومالكتها، وفي حديث أبي هريرة: (ربها)، وهذا إشارة إلى فتح البلاد، وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري، ويكثر أولادهن، فتكون الأم رقيقةً لسيدها، وأولاده منها بمنزلته، فإن ولد السيد بمنزلة السيد، فيصير ولد الأَمَة بمنزلة ربها وسيدها" (^٢).
وهناك أقوال تؤول في النهاية إلى هذا القول وتندرج تحته، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر (^٣) ومنها:
- ما ذهب إليه إبراهيم الحربي من أن المعنى: أن تلد الإماء الملوك، فتكون أُمُّه من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته (^٤).
- وذهب وكيع بن الجراح إلى أن المراد: أن تلد العجمُ العربَ (^٥).
قال ابن حجر: "وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه بأخص من الأول، قال: أن تلد العجم العرب" (^٦).
القول الثاني: أن المراد: الإخبار عن كثرة بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان، فربما اشترى الولد أُمَّهُ وهو لا يعلم، لكثرة تداول المُلَّاك لها،
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١/ ٢٧٣).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٣٦).
(٣) انظر: الفتح (١/ ١٢٢)، والفتح لابن رجب (١/ ٢١٧).
(٤) انظر: إكمال المعلم (١/ ٢٠٦)، وصيانة صحيح مسلم (١٣٦)، وشرح النووي على مسلم (١/ ٢٧٣)، وفتح الباري لابن رجب (١/ ٢١٧)، وجامع العلوم والحكم (١/ ١٣٧)، والفتح (١/ ١٢٢).
(٥) انظر: سنن ابن ماجه (١/ ٢٤ - ٢٥)، والتذكرة (٢/ ٤٩٨)، والفتح لابن رجب (١/ ٢١٧)، وجامع العلوم والحكم (١/ ١٣٧).
(٦) الفتح (١/ ١٢٢).
[ ٦٠٧ ]
فيكون حينئذٍ ربها وسيدها (^١).
قال القرطبي: "وهذا على قول من يرى تحريم بيع أمهات الأولاد، وهم الجمهور، ويصح أن يُحمل ذلك على بيعهن في حال حملهن، وهو محرَّم بالإجماع" (^٢).
القول الثالث: أن المراد: كثرة العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أُمَّه معاملة السيد أَمَتَهُ من الاستخدام، والإهانة بالسب والضرب وغيرهما (^٣).
وقد رجح هذا القول الحافظ ابن حجر فقال: "هذا أوجه الأجوبة عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد: حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، ومحصله: الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المُربَّى مربِّيًا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: أن تصير الحفاة ملوك الأرض" (^٤).
وعلى هذا القول والذي قبله: الذي يكون من أشراط الساعة: غلبة الجهل وقلة العلم وفساد الأعمال، والاستهانة بالأحكام الشرعية (^٥).
* * *
_________________
(١) انظر: المعلم (١/ ١٨٧)، وإكمال المعلم (١/ ٢٠٥)، والمفهم (١/ ١٤٨)، والتذكرة (٢/ ٤٩٨)، وشرح النووي على مسلم (١/ ٢٧٣)، والفتح لابن رجب (١/ ٢١٩)، والفتح لابن حجر (١/ ١٢٢)، وبهجة الناظرين (٣٩١).
(٢) المفهم (١/ ١٤٨)، وانظر: الفتح (١/ ١٢٢).
(٣) انظر: إكمال المعلم (١/ ٢٠٥)، والمفهم (١/ ٢٤٨)، والتذكرة (٢/ ٤٩٩)، والفتح لابن رجب (١/ ٢١٨)، والفتح لابن حجر (١/ ١٢٢)، وبهجة الناظرين (٣٩١).
(٤) الفتح (١/ ١٢٢).
(٥) انظر: المفهم (١/ ١٤٨)، والتذكرة (٢/ ٤٩٨)، والفتح لابن رجب (١/ ٢١٩)، والفتح (١/ ١٢٢).
[ ٦٠٨ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم بالصواب- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو أن معنى قوله -ﷺ-: (إذا ولدت الأمة ربها) أي: سيدها، وصورة ذلك: أن يستولد السيد أمته ومملوكته، فيكون ولده منها بمنزلة ربها وسيدها، لأنه كأبيه في الحسب، وولد السيد بمنزلة السيد.
وفي هذه العلامة إشارة إلى كثرة الفتوحات الإسلامية ووقوع السبي وفشو النعمة وظهورها في الناس حيث تكثر السراري.
وقد وجه الحافظ ابن حجر اعتراضًا على هذا القول فقال: "لكن في كونه المراد نظر، لأن استيلاد الإماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة" (^١).
والجواب عن هذا الاعتراض: أنه وإن تقدم وقوع هذا فإنه لا يخرج عن كونه علامة من علامات الساعة، فإن بداية الأشراط متقدمة، لا سيما وأن بعثة النبي -ﷺ- تعتبر منها فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، قال: وضم السبابة والوسطى (^٢).
قال القرطبي: "أولها النبي -ﷺ-، لأنه نبي آخر الزمان، وقد بعث
_________________
(١) الفتح (١/ ١٢٢).
(٢) البخاري (٥/ ٢٣٨٥) ح (٦١٣٩)، ومسلم واللفظ له (١٨/ ٣٠٠) ح (٢٩٥١).
[ ٦٠٩ ]
وليس بينه وبين القيامة نبي، ثم بَيَّنَ -ﷺ- ما يليه من الأشراط فقال: (أن تلد الأمة ربتها) " (^١).
وكذا موته ﵊ من أشراط الساعة، فقد أخرج البخاري من حديث عوف بن مالك -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي ) (^٢).
فكون ما جاء بعده بزمن يسير من أشراط الساعة من باب أولى.
وقد أخبر النبى -ﷺ- عن عدد من أشراط الساعة فوقعت بعد موته بزمن يسير، كقوله -ﷺ- -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁--: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة) (^٣)، فقد ذكر بعض أهل العلم، كالبيهقي (^٤)، وابن حجر (^٥)، وغيرهما (^٦)، أن المراد بذلك ما حصل بين علي ومعاوية -﵄- في موقعة صفين، والله أعلم.
وأما القول الثاني وهو أن المراد: الإخبار عن كثرة بيع أمهات الأولاد، حتى إن بعض ولدها ربما اشتراها واستخدمها جاهلًا بأنها أمه، فيشكل عليه أن المفهوم من ظاهر الحديث أن ولدها يكون ربها وسيدها حال ولادتها له، بل وقبل ذلك، ولهذا استبعد هذا القول الحافظ ابن رجب حيث قال: "في هذا القول نظر وبعد" (^٧).
وأما القول الثالث وهو أن المراد: الإخبار عن كثرة العقوق في
_________________
(١) التذكرة (٢/ ٤٧٤)، ونقل نحوًا منه عن الضحاك والحسن عليهما رحمة الله.
(٢) صحيح البخاري (٣/ ١١٥٩) ح (٣٠٠٥).
(٣) متفق عليه: البخاري (٦/ ٢٦٠٥) ح (٦٧٠٤)، ومسلم (١٨/ ٢٢٨) ح (٢٨٨٨).
(٤) انظر: دلائل النبوة (٦/ ٤١٨).
(٥) انظر: الفتح (١٣/ ٨٥).
(٦) انظر: شرح النووي على مسلم (١٨/ ٢٣٠).
(٧) فتح الباري (١/ ٢١٩).
[ ٦١٠ ]
الأولاد، حتى إن الولد يعامل أمه معاملة السيد أمته، فهو تأويل بعيد عن ظاهر الحديث، ثم إن العقوق لا يختص بأولاد الإماء، ولذا قال القاضي عياض -معقبًا على هذا القول-: "لكن لا معنى إذًا لتخصيص أولاد الإماء بهذا، إلا أن يقال: إن سبب نسبه الأموية أقرب إلى استدعاء العقوق والاستحقار" (^١).
* * *
_________________
(١) إكمال المعلم (٢٠٥ - ٢٠٦).
[ ٦١١ ]
الفصل الثاني: الأحايث المتوهم إشكالها في المعاد
وفيه ستة مباحث:
* المبحث الأول: أحاديث الميزان، في بيان ما الذي يوزن؟ .
* المبحث الثاني: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون).
* المبحث الثالث: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة).
* المبحث الرابع: (وإن ناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم).
* المبحث الخامس: شفاعته -ﷺ- لعمه أبي طالب.
* المبحث السادس: ما جاء في سماع الأموات.
[ ٦١٣ ]
المبحث الأول: أحاديث الميزان، في ما الذي يوزن؟
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٦١٥ ]
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الاشكال
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، متفق عليه (^١).
وعن أبي مالك الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان )، رواه مسلم (^٢).
وعن أبي هريرة -﵁-، عن رسول الله -ﷺ- قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، متفق عليه" (^٣).
بيان وجه الإشكال
قبل ذكر وجه الإشكال يحسن التنبيه على أن الميزان ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:
_________________
(١) البخاري في مواضع: في كتاب الدعوات، باب: فضل التسبيح (٥/ ٢٣٥٢) ح (٦٠٤٣)، وفي كتاب الأيمان والنذور، باب: إذا قال: والله لا أتكلم اليوم (٦/ ٢٤٥٩) ح (٦٣٠٤)، وفي كتاب التوحيد، باب: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ (٦/ ٢٧٤٩) ح (٧١٢٤). ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء (١٧/ ٢٠) ح (٢٦٩٤).
(٢) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب: (١) (٣/ ١٠١) ح (٢٢٣).
(٣) البخاري: كتاب التفسير، باب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ (٤/ ١٧٥٩) ح (٤٤٥٢)، ومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، الحديث الأول (١٧/ ١٣٥) ح (٢٧٨٥).
[ ٦١٦ ]
أما الكتاب فمنه: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وقوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨، ٩].
وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣].
وأما السنة: فتقدم ذكر بعض الأحاديث في ذلك، وقد نص بعض أهل العلم على أن أحاديث الميزان قد بلغت حد التواتر (^١).
وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من أهل العلم (^٢).
وقد ذكره أئمة السلف في عقائدهم، ونصوا على أنه حق، والإيمان به واجب (^٣).
_________________
(١) انظر: النهاية لابن كثير (٢/ ٣٦)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٥)، والتنبيهات السنية (٢٢٨).
(٢) انظر: الشرح والإبانة لابن بطة (٢٢٣)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ٥٥٩)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥)، والفتح (١٣/ ٥٣٨)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٥).
(٣) انظر: الفقه الأكبر لأبي حنيفة بشرح الملا علي القاري (١٩٨)، والعقيدة الطحاوية بشرح ابن أبي العز (٥٨٨ - ٥٨٩، ٦٠٨)، والشريعة للآجري (٣/ ١٣٢٨)، والشرح والإبانة لابن بطة (٢٢٢)، وعقيدة السلف للصابوني (٢٥٨)، والاعتقاد لابن أبي يعلى (٣٣)، والحجة في بيان المحجة (١/ ٥٠٢)، والدرة فيما يجب اعتقاده (٢٨٧)، والمحلى (١/ ٣٦) كلاهما لابن حزم، وعقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (٨٩)، ولمعة الاعتقاد بشرح العثيمين (١١٩)، والعقيدة الواسطية بشرح الهراس (٢٠٤)، والكافية الشافية لابن القيم، بشرح ابن عيسى (٢/ ٥٩٣)، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة للدكتور عبد الإله الأحمدي (٢/ ٢٠٣).
[ ٦١٧ ]
وأما وجه الإشكال في الأحاديث السابقة فهو: أن الحديثين الأولين يدلان على وزن الأعمال، بينما الحديث الثالث يدل على وزن العامل، وجاء في غير الصحيحين (^١) ما يدل على وزن صحائف الأعمال، وبناءً على اختلاف هذه الروايات اختلف أهل العلم في تعيين الموزون، كما ستراه في المطلب التالي إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) سيأتي ذكره قريبًا إن شاء الله تعالى.
[ ٦١٨ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في تعيين الموزون على عدة أقوال، أهمها:
القول الأول: أن الذي يوزن الأعمال نفسها.
وإلى هذا ذهب ابن حزم، والطيبي (^١)، وابن حجر، وغيرهم (^٢)، وعزاه بعضهم إلى أهل الحديث (^٣).
قال ابن حزم: "وموازين الآخرة لا يوزن فيها إلا الأفعال والأقوال ونيات النفوس" (^٤).
وقال ابن حجر: "والصحيح أن الأعمال هي التي توزن" (^٥).
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:
١ - حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، متفق عليه.
_________________
(١) انظر: الفتح (١٣/ ٥٣٩).
(٢) انظر: المنهاج للحليمي (١/ ٣٩٥)، والجامع لشعب الإيمان للبيهقي (٢/ ٦٩)، ومعالم التنزيل (٢/ ١٤٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٢٤)، وبهجة الناظرين (٥٢٩)، وتحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان (٥٨) كلاهما لمرعي بن يوسف، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٧)، ومعارج القبول (٢/ ١٨٣ - ١٨٤)، والروضة الندية شرح العقيدة الواسطية لابن فياض (٣٢٥)، والتنبيهات السنية على العقيدة الواسطية للرشيد (٢٢٨، ٢٢٩)، وشرح العثيمين على لمعة الاعتقاد (١٢١).
(٣) انظر: التنبيهات السنية (٢٢٩).
(٤) الدرة فيما يجب اعتقاده (٢٨٨)، وانظر: المحلى (١/ ٣٦).
(٥) الفتح (١٣/ ٥٣٩).
[ ٦١٩ ]
٢ - حديث أبي مالك الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان )، رواه مسلم.
فقالوا: هذان الحديثان صريحان في وزن الأعمال أنفسها (^١).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].
فقالوا: إن ظاهر هذه الآية يدل على أن العمل هو الذي يوزن (^٢).
القول الثاني: أن الذي يوزن العامل، أي: صاحب العمل، (^٣) وقال بعضهم: العامل مع عمله (^٤).
واستدل هؤلاء بما يلي:
حديث أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾)، متفق عليه.
حديث عبد الله بن مسعود -﵁-: أنه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله -ﷺ-: (مِمَّ تضحكون؟) قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: (والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحُد) (^٥).
_________________
(١) انظر: النهاية في الفتن (٢/ ٢٥، ٢٦)، وشرح العقيدة الطحاوية (٦١١).
(٢) انظر: المنهاج للحليمي (١/ ٣٨٧)، وتوضيح المقاصد -شرح نونية ابن القيم- لابن عيسى (٢/ ٥٩٣)، وشرح العثيمين على لمعة الاعتقاد (١٢١).
(٣) انظر: معالم التنزيل (٢/ ١٤٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٢٤)، ومعارج القبول (٢/ ١٨٤)، والتنبيهات السنية (٢٢٩)، وشرح الشيخ ابن عثيمين على لمعة الاعتقاد (١٢١).
(٤) انظر: بهجة الناظرين (٥٢٩)، وتحقيق البرهان (٥٨)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٧).
(٥) أخرجه أحمد (٦/ ٣٦) ح (٣٩٩١)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٧٨) =
[ ٦٢٠ ]
القول الثالث: أن الذي يوزن صحائف الأعمال (^١).
وإلى هذا ذهب ابن عبد البر (^٢)، والقرطبي، ونقله عن ابن عمر (^٣)، ومرعي بن يوسف (^٤)، والسفاريني (^٥) -وذكراه عن جمهور المفسرين - والشوكاني (^٦).
وعمدة هؤلاء حديث البطاقة، وهو ما رواه الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا، أظلمك كتبتي الحافظون؟ يقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنةً، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول:
_________________
(١) = ح (٨٤٥٢)، وقال ابن كثير في النهاية (٢/ ٢٩): "إسناده جيد قوي"، وأورده الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٨٩)، وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني من طرق وأمثل طرقها فيه عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح"، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
(٢) انظر: المنهاج للحليمي (١/ ٣٩٤)، والاعتقاد (١١٨ - ١١٩)، والجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٩) كلاهما للبيهقي، ومعالم التنزيل (٢/ ١٤٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٤)، والنهاية في الفتن (٢/ ٣٥)، والفتح (١٣/ ٥٣٩)، و(١/ ٧٣)، ومعارج القبول (٢/ ١٨٤)، والتنبيهات السنية (٢٢٩)، وشرح الشيخ ابن عثيمين على لمعة الاعتقاد (١٢١).
(٣) انظر: بهجة الناظرين (٥٢٩)، وتحقيق البرهان (٥٨)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٧)، والتنبيهات السنية (٢٢٩).
(٤) انظر: التذكرة (٢/ ١٦، ١٧)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥).
(٥) انظر: بهجة الناظرين (٥٢٩)، وتحقيق البرهان (٥٨).
(٦) انظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٨٧).
(٧) انظر: فتح القدير (٢/ ١٩٠).
[ ٦٢١ ]
احْضُرْ وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: فإنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء) (^١).
قال القرطبي: "قوله: (فيخرج له بطاقة)، وذلك يدل على الميزان الحقيقي، وأن الموزون صحف الأعمال" (^٢).
وقال مرعي بن يوسف: "فثبت بهذا الحديث الصحيح أن الموزون إنما هو صحائف الأعمال" (^٣).
ومما أيدوا به قولهم هذا -أيضًا- أن قالوا: إن وزن الأعمال قد استُشكل، لأنها أعراض، والأعراض لا توصف بثقل ولا خفة، ولا تقبل الوزن، والقول: بأن الموزون هو الصحائف التي تكتب فيها الأعمال يرفع هذا الإشكال، لأن الصحائف أجسام (^٤).
قال الشيخ ابن عثيمين: "وجمع بعض العلماء بين هذه النصوص بأن الوزن حقيقة للصحائف، وحيث إنها تثقل وتخف بحسب الأعمال المكتوبة صار الوزن كأنه للأعمال، وأما وزن صاحب العمل فالمراد به قدره وحرمته، وهذا جمع حسن، والله أعلم" (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (تحفة ٧/ ٣٩٥) ح (٢٧٧٦)، وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وابن ماجه (٢/ ١٤٣٧) ح (٤٣٠٠)، وأحمد (١١/ ١٧٥) ح (٦٩٩٤)، والحاكم (١/ ٤٦) ح (٩)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي، قال الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٢١٢): "وهو كما قالا"، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند، ولأبي القاسم حمزة الكناني جزء حديثي لطيف سماه: (جزء البطاقة) أورد فيه بإسناده أحد عشر حديثًا في مواضيع مختلفه، كان هذا الحديث هو الحديث الثاني منها، وقال عنه: "هو من أحسن الحديث" [انظر: مقدمته (٥) بتحقيق الدكتور عبد الرزاق البدر].
(٢) التذكرة (٢/ ١٧).
(٣) بهجة الناظرين (٥٢٩)، وانظر: تحقيق البرهان (٥٩)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٧).
(٤) انظر: التذكرة (٢/ ١٦)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥)، والفتح (١٣/ ٥٣٩).
(٥) شرح لمعة الاعتقاد (١٢١).
[ ٦٢٢ ]
وأجابوا عن حديث: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) بأن المراد به ضرب مثل لبيان قدره وحرمته، وليس المراد حقيقة الوزن (^١).
وأما حديث ابن مسعود فأجاب عنه بعضهم بالخصوصية (^٢).
القول الرابع: أن الجميع يوزن فتوزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وإلى هذا ذهب ابن كثير (^٣)، وابن أبي العز، وحافظ الحكمي، وابن باز وغيرهم (^٤).
قال ابن أبي العز بعدما ساق بعض النصوص الواردة في ذلك: "فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال" (^٥).
وقال حافظ الحكمي: "الذي استظهر من النصوص -والله أعلم- أن العامل وعمله وصحيفة عمله كل ذلك يوزن، لأن الأحاديث التي في بيان القرآن قد وردت بكل ذلك ولا منافاة بينها" (^٦).
وقال الشيخ ابن باز: "الجمع بين النصوص الواردة في وزن الأعمال، والعاملين، والصحائف أنه لا منافاة بينها فالجميع يوزن، ولكن الاعتبار في الثقل والخفة يكون بالعمل نفسه لا بذات العامل، ولا بالصحيفة" (^٧).
_________________
(١) انظر: التذكرة (٢/ ١١)، والفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية للجمل (٢/ ١٢٢)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٧ - ١٨٨).
(٢) انظر: المجموع الثمين (١٤٧)، وشرح العقيدة الواسطية (٢/ ١٤٣) كلاهما للشيخ ابن عثيمين.
(٣) انظر: النهاية في الفتن (٢٩، ٣٥)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٢٥).
(٤) انظر: شرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح الفوزان (١٤٨).
(٥) شرح العقيدة الطحاوية (٦١٣).
(٦) معارج القبول (٢/ ١٨٥).
(٧) التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية للسعدي، بتعليق الشيخ ابن باز (٧١).
[ ٦٢٣ ]
المطلب الثالث: الترجيح
المتأمل للأقوال الثلاثة الأولى يجد أن كل واحد منها نظر إلى نوع واحد من النصوص الواردة في ذلك، ثم قال: بمدلوله، وبعضهم حاول الإجابة عن بعض النصوص الدالة على وجود موزونات أخرى غير ما ذهب إليه، كتأويل بعضهم لحديث وزن العامل بما يخالف ظاهره ومقتضاه، حيث قالوا: إنه مجرد ضرب مثل، فلا يؤخذ منه إثبات وزن العامل حقيقة.
والحق هو القول الجاري على الجمع بين النصوص الواردة في ذلك، والأخذ بمدلولها، فحيث ثبت وزن الأعمال، كما في أدلة القول الأول، وثبت وزن العامل، كما في أدلة القول الثاني، وثبت وزن الصحائف كما في حديث البطاقة، فإن المتعين هو القول: بأن جميع ذلك يوزن -على ما جاء في القول الرابع- وإن كان الاعتبار في الثقل والخفة إنما يكون بالعمل نفسه، لا بذات العامل ولا بالصحيفة، وهذا مقتضى الأدلة كلها، أما أحاديث وزن الأعمال فواضح، وأما أحاديث وزن العامل فهي ظاهرة الدلالة على أن العمل هو المؤثر في خفة العامل وثقله في الميزان، وحديث البطاقة دالٌّ على ذلك كذلك، فإن البطاقة إنما ثقلت بسبب ما كتب فيها من العمل وهو الشهادتان.
وقد جاء عند الإمام أحمد وغيره ما يدل صراحة على هذا الجمع، وهو أن جميع ذلك يوزن، حيث روى حديث البطاقة عن عبد الله بن عمرو -﵄- مرفوعًا بلفظٍ يجمع ما تفرق من هذه النصوص، وهو: (توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة، فيوضع ما أحصي عليه، فتمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أُدْبِرَ به إذا
[ ٦٢٤ ]
صائح يصيح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان) (^١).
قال ابن كثير: "وفي رواية الإمام أحمد بن حنبل من طريق ابن لهيعة في حديث البطاقة أنه يوزن مع عمله في الكتاب، وهذه الرواية تجمع الأقوال كلها بتقدير صحتها، والله تعالى أعلم" (^٢).
وقال حافظ الحكمي بعد استدلاله بهذه الرواية: "وهذا غاية الجمع بين ما تفرق ذكره في سائر أحاديث الوزن، ولله الحمد والمنة" (^٣).
تنبيه:
نص بعض أهل العلم -كالبخاري (^٤)، والنووي (^٥)، وابن تيمية (^٦)، وابن القيم (^٧)، وغيرهم (^٨) - على وزن الأعمال، ولكن لا يعني هذا نفيهم وزن العامل أو الصحائف، إلا إذا ورد عنهم ما يدل على حصر الموزون في الأعمال، ولم أقف -بعد البحث- على شيء من هذا، ولعلهم ذكروا الأعمال دون غيرها لوجود مناسبة معينة، كدلالة آية أو حديث على ذلك، أو باعتبار أنها هي المؤثر الحقيقي في الميزان، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (١٢/ ٢٣) ح (٧٠٦٦)، والترمذي (تحفة ٧/ ٣٩٧) ح (٢٧٧٧) لكن لم يذكر متنه وأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٢)، وقال: "رواه أحمد وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وباقي رجاله رجال الصحيح"، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
(٢) النهاية (٢/ ٢٩)، وانظر: (٢/ ٢٤)، وشرح الطحاوية (٦١٠، ٦١٣).
(٣) معارج القبول (٢/ ١٨٥).
(٤) انظر: صحيح البخاري (٦/ ٢٧٤٩).
(٥) انظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٣).
(٦) انظر: العقيدة الواسطية بشرح الهراس (٢٠٤)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٢).
(٧) انظر: الكافية الشافية بشرح ابن عيسى (٢٥٩٣).
(٨) انظر: الشريعة للآجري (٣/ ١٣٢٨).
[ ٦٢٥ ]
إشكال وجوابه:
استُشكل وزن الأعمال من حيث إنها أعراض فكيف توزن، والوزن إنما يكون للأجسام؟ (^١).
وقد أجاب بعضهم عن هذا الإشكال: بأن الله تعالى يقلب الأعراض يوم القيامة أجسامًا ثم توزن (^٢).
قال ابن كثير: "قوله: (والحمد لله تملأ الميزان) فيه دلالة على أن العمل نفسه وإن كان عرضًا قد قام بالفاعل، يحيله الله يوم القيامة فيجعله ذاتًا يوضع في الميزان" (^٣).
وقال ابن أبي العز: "فلا يلتفت إلى قول ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزنَ الأجسامُ، فإن الله يقلب الأعراض أجسامًا" (^٤).
وقال ابن حجر نقلًا عن الطيبي: "والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذٍ تجسد أو تجعل في أجسام، فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ثم توزن" (^٥).
وأيدوا قولهم هذا بأنه قد جاء في السنة ما يدل على أن الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا يوم القيامة، ومن ذلك:
_________________
(١) انظر: المنهاج للحليمي (١/ ٣٩٣)، وشرح العقيدة الطحاوية (٦١٢)، وشرح العقيدة الواسطية للعثيمين (٢/ ١٤٠).
(٢) انظر: معالم التنزيل (٢/ ١٤٩)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥)، والكافية الشافية لابن القيم بشرح ابن عيسى (٢/ ٥٣٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٢٤)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ١٦)، والفتح (١/ ٧٣)، وبهجة الناظرين (٥٢٩)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٧)، ومعارج القبول (٢/ ١٨٣ - ١٨٤).
(٣) النهاية (٢/ ٢٦).
(٤) شرح العقيدة الطحاوية (٦١٢).
(٥) الفتح (١٣/ ٥٣٩).
[ ٦٢٦ ]
ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيَشْرَئِبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ [مريم: ٣٩]) (^١).
وعن أبي أمامة الباهلي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كانهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة)، رواه مسلم (^٢).
ولا ريب أن تجسيد الأعمال يوم القيامة ثم وزنها أمر محتمل، لكن لا ينبغي الجزم به لعدم الدليل عليه (^٣)، فكيفية وزن الأعمال يوم القيامة من أمور الغيب، والذي يجب فيها: أن نقف عند حدود ما ورد به النص، فنؤمن بها كما جاءت، ولا نكلف أنفسنا عناء الخوض في كيفيتها وأمورها التفصيلية إلا على ضوء ما ورد به الشرع، والله أعلم.
قال ابن تيمية: "وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أُخبرنا به من الغيب" (^٤).
وقال ابن أبي العز: "فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال،
_________________
(١) صحيح البخاري (٤/ ١٧٦٠) ح (٤٤٥٣)، وصحيح مسلم (١٧/ ١٩٠) ح (٢٨٤٩).
(٢) صحيح مسلم (٦/ ٣٣٧) ح (٨٠٤).
(٣) انظر: الحياة الآخرة للدكتور غالب العواجي (٣/ ١١٤٠).
(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٢).
[ ٦٢٧ ]
وثبت أن الميزان له كفتان (^١)، والله أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات، فعلينا الإيمان بالغيب، كما أخبرنا الصادق -ﷺ- من غير زيادة ولا نقصان" (^٢).
* * *
_________________
(١) كما في حديث البطاقة: (فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (٦١٣).
[ ٦٢٨ ]
المبحث الثاني: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصوَّرون)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٦٢٩ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصوِّرون)، متفق عليه (^١).
وفي رواية لمسلم: (إن من أشد أهل النار يوم القيامة عذابًا المصوِّرون).
وعن عائشة -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون (^٢) بخلق الله)، متفق عليه (^٣).
وفي رواية لمسلم: (إن من أشد الناس ).
بيان وجه الإشكال
استُشكل هذا الحديث لأنه يقتضي كون المصور أشد الناس عذابًا، ومعلوم أن المؤمن المذنب لا يكون أشد عذابًا من الكافر، لا سيما وقد قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
_________________
(١) البخاري: كتاب اللباس، باب: عذاب المصوِّرين يوم القيامة (٥/ ٢٢٢٠) ح (٥٦٠٦)، ومسلم: كتاب اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان (١٤/ ٣٣٧) ح (٢١٠٩).
(٢) قال ابن الأثير (٣/ ١٠٦): "المضاهاة: المشابهة، وقد تهمز، وقُرئ بهما"، وانظر: الفتح (١٠/ ٣٨٧).
(٣) البخاري: كتاب اللباس، باب: ما وُطئَ من التصاوير (٥/ ٢٢٢١) ح (٥٦١٠)، ومسلم: كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان (١٤/ ٣٣٤) ح (٢١٠٧).
[ ٦٣٠ ]
قال الطبري: "إن قال قائل: ما أنت قائل فيمن صور صورة وهو لله موحد، ولنبيه -﵇- مصدق، أهو أشد عذابًا أم فرعون وآله؟ فإن قلت: من صور صورة، قيل: قد قال الله خلاف ذلك: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ " (^١)، ثم أجاب عن الحديث، كما سيأتي في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى.
وقال ابن حجر: "وقد استُشكل كون المصور أشد الناس عذابًا مع قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فإنه يقتضي أن يكون المصور أشد عذابًا من آل فرعون" (^٢).
* * *
_________________
(١) نقل ذلك عنه ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري (٩/ ١٧٤ - ١٧٥)، وانظر: المفهم (٥/ ٤٣٠).
(٢) الفتح (١٠/ ٣٨٣)، وانظر: عمدة القاري (٢٢/ ٧٠)، والقول المفيد للشيخ ابن عثيمين (٣/ ٢٠٩).
[ ٦٣١ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث على عدة أقوال، وهي كالتالي:
القول الأول: أن هذا الوعيد فيمن قصد مضاهاة خلق الله تعالى، لأن من كان هذا قصده فهو كافر، بخلاف ما لو صوَّر بدون قصد المضاهاة فإنه لا يكفر، لكنه اقترف ذنبًا كبيرًا (^١).
وإلى هذا ذهب الطبري وابن بطال، واستدلا برواية عائشة -﵂-: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)، متفق عليه.
قال الطبري: "ليس في خبر ابن مسعود خلاف للتنزيل (^٢)، بل هو له مصدق، وذلك أن المصوِّر الذي أخبر النبي -﵇- أنه له أشد العذاب هو الذي وصفه النبي -﵇- في حديث عائشة بقوله: (الذين يضاهون خلق الله) " (^٣).
وقال ابن بطال معقبًا على كلام الطبري: "المتكلف من ذلك مضاهاة ما صوره ربه في خلقه أعظم جرمًا من فرعون وآله، لأن فرعون كان كفره بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] من غير ادعاءٍ منه أنه يخلق، ولا
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم (٦/ ٦٣٨)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٣٩)، وكشف المشكل (١/ ٢٨٠).
(٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
(٣) نقل ذلك عنه ابن بطال (٩/ ١٧٥)، وانظر: الفتح (١٠/ ٣٨٣)، وعمدة القاري (٢٢/ ٧٠).
[ ٦٣٢ ]
محالة (^١) منه أن ينشئ خلقًا يكون كخلقه تعالى شبيهًا ونظيرًا، والمصوِّر المضاهي بتصويره ذلك منطوٍ على تمثيله نفسه بخالقه، فلا خلق أعظم كفرًا منه، فهو بذلك أشدهم عذابًا وأعظم عقابًا، وأما من صور صورة غير مضاه ما خلق ربه، وإن كان بفعله مخطئًا، فغير داخل في معنى من ضاهى ربه بتصويره" (^٢).
القول الثاني: أن هذا الوعيد فيمن صور الصور لكي تعبد، كحال صانعي الأصنام، فمن فعل هذا فهو كافر، والكفار أشد الناس عذابًا (^٣).
اختار هذا الكرماني (^٤) والقسطلاني (^٥).
قال الكرماني: "فإن قلتَ: لِمَ كانوا أشد الناس عذابًا؟ قلتُ: لأنهم يصورون الأصنام للعبادة لها، فهم كفرة، والكفرة أشدهم عذابًا" (^٦).
القول الثالث: أن الناس الذين أُضيف إليهم: (أشد) لا يراد بهم كل الناس، بل بعضهم، وهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعَّد عليه بالعذاب، ففرعون أشد الناس الذين ادَّعوا الإلهية عذابًا، ومن صوَّر ذوات الأرواح للعبادة، أشد عذابًا ممن يصورها لا للعبادة.
_________________
(١) هكذا في الأصل، ولعلها: (محاولة)، والله أعلم.
(٢) شرح صحيح البخاري (٩/ ١٧٥)، وانظر: (٩/ ١٧٨).
(٣) انظر: إكمال المعلم (٦/ ٦٣٨)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
(٤) هو شمس الدين محمد بن يوسف بن علي بن عبد الكريم الكرماني الشافعي، نزيل بغداد، طاف في البلاد لطلب العلم، ودخل مصر والشام والحجاز والعراق وبها استوطن، تصدى لنشر العلم في بغداد ثلاثين سنة، وكان علَّامة بالحديث، توفي -﵀- سنة (٧٨٦ هـ) له مؤلفات من أشهرها: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ٢٩٤)، والأعلام (٧/ ١٥٣)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٧٨٤)].
(٥) انظر: إرشاد الساري (١٢/ ٦٢٢).
(٦) الكواكب الدراري (٢١/ ١٣٤).
[ ٦٣٣ ]
وإلى هذا ذهب القرطبي (^١).
القول الرابع: حمل الحديث على رواية: (إن من أشد ) أي: بإثبات (من) فيكون المصور من أشد الناس عذابًا، وليس هو أشدهم، وكونه كذلك لا يمنع مشاركة غيره له في ذلك، لأن هذا اللفظ لا يوجب اختصاص المصور بالوعيد المذكور.
وإلى هذا ذهب الطحاوي -وغيره (^٢) - إلا أنه خص هذا الوصف بثلاثة أصناف ورد ذكرهم في الحديث الذي أخرجه هو وغيره عن عبد الله بن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة: رجل قتل نبيًا أو قتله نبي، وإمام ضلالة، ومُمَثِّل من الممثلين) (^٣).
وقال: "المشبه بخلق الله هو الممثل بخلق الله" (^٤) أي: أن المصور داخل في الصنف الثالث الوارد في هذا الحديث.
القول الخامس: أن الأشدية نسبية، يعني: أن المصورين أشد الناس عذابًا بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر، لا بالنسبة لجميع الناس.
قال الشيخ محمد العثيمين: "وهذا أقرب الوجوه، والله أعلم" (^٥).
* * *
_________________
(١) انظر: المفهم (٥/ ٤٣١)، والفتح (١٠/ ٣٨٤)، وعمدة القاري (٢٢/ ٧٠).
(٢) انظر: الفتح (١٠/ ٣٨٣)، وعمدة القاري (٢٢/ ٧٠)، والقول المفيد (٣/ ٢٠٩)، ومجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٢/ ٢٨٢).
(٣) أخرجه بالإضافة إلى الطحاوي: الإمام أحمد (٥/ ٣٣٢) ح (٣٨٦٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢١١) ح (١٠٤٩٧)، وأورده الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٣٦)، وقال: "رواه البزار ورجاله ثقات، وكذلك أحمد"، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
(٤) شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ٤٤٥).
(٥) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٨٢)، وانظر: القول المفيد (٣/ ٢٠٩).
[ ٦٣٤ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- القول الخامس، وهو أن الأشدية نسبية، أي: أن المصورين أشد الناس عذابًا بالنسبة للعصاة، لا بالنسبة لجميع الناس -أي: أشد العصاة عذابًا- لأن النصوص يفسر بعضها بعضًا، وقد دلت نصوص الشريعة على أن المذنب لا يكون أشد عذابًا من الكافر، وأن المعصية مهما عظمت فإنها لا تكون أعظم من الشرك والكفر بالله تعالى.
قال الله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]، فهذه الآية -ونظائرها- تدل على أن سائر الذنوب التي هي دون الكفر والشرك -والتي من جملتها التصوير- تكون تحت المشيئة، بخلاف الشرك والكفر، فإن الله تعالى لا يغفره، مما يدل على أنه أعظم ذنبًا وأشد عذابًا.
وقد روى الطبري في تفسيره عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة: من كفر من أصحاب المائدة، والمنافقون، وآل فرعون" (^١).
قال القرطبي: "تصديق ذلك في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال تعالى في أصحاب المائدة: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، وقال
_________________
(١) جامع البيان (٥/ ١٣٦)، وانظر: معالم التنزيل (٢/ ٧٨)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ١٨٧).
[ ٦٣٥ ]
في آل فرعون: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] " (^١).
لكن مما لا شك فيه أن هذا الوعيد في حق المصور يدل على عظم هذه المعصية، وأنها من كبائر الذنوب، مما يوجب له تركها والبعد عنها، والحذر منها.
مناقشة الأقوال المرجوحة:
أما القول الأول، وهو حمل الحديث على من قصد المضاهاة، دون من صور ولم يقصدها، فيشكل عليه: أن المضاهاة حاصلة بمجرد التصوير، سواءً قصدها أم لم يقصدها.
قال الشيخ ابن عثيمين: "قوله: (يضاهئون) هل الفعل يشعر بالنية، أو نقول: المضاهاة حاصلة، سواء كانت بنية أو بغير نية؟ الجواب: الثاني، لأن المضاهاة حصلت سواء نوى أم لم ينوِ، لأن العلة هي المشابهة، وليست العلة قصد المشابهة" (^٢).
وأما القول الثاني: وهو حمل الحديث على من صور الصورة لكي تعبد، فقد استبعده الشيخ ابن عثيمين، حيث قال: "وليست الحكمة كما يدعيه كثير من الناس أنهم يصنعونها لتعبد من دون الله، فذلك شيء آخر، فمن صنع شيئًا ليعبد من دون الله، فإنه حتى ولو لم يصور-كما لو أتى بخشبة وقال: اعبدوها- دخل في التحريم" (^٣).
وأما القول الثالث: وهو قصر الناس في قوله: (إن أشد الناس عذابًا ) على المصورين فقط، فيرده عموم الحديث، لا سيما وأنه لا دليل على هذا التخصيص.
وأما القول الرابع: وهو حمل الحديث على رواية: (إن من أشد )
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٤٢٥).
(٢) القول المفيد (٣/ ٢٠٨)، وانظر: عمدة القاري (٢٢/ ٧٠).
(٣) القول المفيد (٣/ ٢٠٨).
[ ٦٣٦ ]
أي: بإثبات (من)، فإنه ليس فيه ما يرفع الإشكال، لأنه يقتضي مساواة المصور -الذي فعل كبيرة فقط- بالكافر المستكبر، الذي يقع عليه أشد العذاب (^١).
والحاصل: أن الوعيد بهذه الصيغة (أشد الناس عذابًا) إن ورد في حق كافر-كقوله: (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة: رجل قتل نبيًا أو قتله نبي) - فلا إشكال فيه، لأنه يكون مشتركًا في ذلك مع آل فرعون، ويكون فيه دلالة على عظم كفر المذكور، وإن ورد في حق عاصٍ -كقوله: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصَّورون) -فيكون أشد عذابًا من غيره من العصاة، ويكون ذلك دالًا على عظم المعصية المذكورة (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: القول المفيد (٣/ ٢٠٩)، ومجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٢/ ٢٨٢).
(٢) انظر: المعتصر من المختصر من مشكل الآثار لأبي الوليد بن وشد (٢/ ٢٣٧)، والفتح (١٠/ ٣٨٤)، وعمدة القاري (٢٢/ ٧٠).
[ ٦٣٧ ]
المبحث الثالث: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٦٣٩ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن عائشة -﵂- قالت: دُعي رسول الله -ﷺ- إلى جنازة صبي من الأنصار،، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)، رواه مسلم (^١).
وفي رواية له: قالت عائشة -﵂-: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله -ﷺ-: (أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلا).
بيان وجه الإشكال
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن أطفال المؤمنين في الجنة (^٢)، بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك، ولم يخالف فيه إلا طائفة قليلة من أهل العلم قالوا: بالوقف، كما سيأتي.
قال الإمام أحمد، وقد سُئل عن أطفال المسلمين: "ليس فيه خلاف أنهم في الجنة" (^٣).
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (١٦/ ٤٥١) ح (٢٦٦٢).
(٢) انظر: التمهيد (٦/ ٣٤٩)، والاستذكار (٨/ ٣٩٥)، والمعلم (٣/ ١٧٤، ١٨٠)، وإكمال المعلم (٨/ ١١٤، ١٤٨)، والمفهم (٦/ ٦٤٢)، والتذكرة (٢/ ٣١٧، ٣٢٨)، والفتح (٣/ ١٢٤).
(٣) أهل الملل لأبي بكر الخلال (١/ ٦٦)، وانظر: المنتخب من العلل (٥٣)، =
[ ٦٤٠ ]
وقال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن أطفال المسلمين في الجنة، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافًا، إلا فرقة شذت من المجبرة، فجعلتهم في المشيئة، وهو قول شاذ مهجور، مردود بإجماع الجماعة، وهم الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم الغلط في مثل هذا" (^١).
وقال النووي: "أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة" (^٢).
ولعل من حكى الإجماع أراد: إجماع الجمهور، وهو ما عبر به ابن عبد البر في أحد المواضع، حيث قال بعد ذكر الحجج والأدلة على أنهم في الجنة: "وفي هذه الآثار مع إجماع الجمهور " (^٣).
وقال في موضع آخر: "وقال آخرون: -وهم الأكثر-: أطفال المؤمنين في الجنة، وأطفال الكفار في المشيئة" (^٤).
وإلى هذا أشار النووي في النقل المتقدم، حيث قال: "أجمع من يعتد به ".
وهو أيضًا ما وجه به ابن حجر قول من حكى الإجماع، حيث قال: "لعله أراد إجماع من يعتد به" (^٥).
ولعل أدق من حكى هذا القول ونسبه إلى القائلين به الإمام المازري -﵀-، حيث قال: "أما أطفال المؤمنين الذين لم يبلغوا الحلم، فأولاد الأنبياء صلوات الله عليهم منهم، قد تقرر الإجماع على أنهم في
_________________
(١) = وأحكام أهل الذمة لابن القيم (٢/ ١٠٧٥)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٥٤).
(٢) التمهيد (٦/ ٣٤٨)، وانظر: (٦/ ٣٥٠)، و(١٨/ ٩٠)، والتذكرة (٢/ ٣٢٩).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٤٧)، وانظر: (١٦/ ٤٢١).
(٤) التمهيد (٦/ ٣٤٩).
(٥) الاستذكار (٨/ ٣٩٥).
(٦) الفتح (٣/ ٢٤٥).
[ ٦٤١ ]
الجنة، وكذلك جمهور العلماء على أن أولاد من سواهم من المؤمنين في الجنة، وبعضهم ينكر الخلاف في ذلك، ويتعلقون بظاهر القرآن، وما ورد في بعض الأخبار" (^١).
وقال أيضًا: "الإجماع على أن الصغار من أولاد النبيين في الجنة، وجمهور العلماء على أن أطفال المؤمنين في الجنة أيضًا، وبعض العلماء وقف فيهم" (^٢).
وقد يكون من نُقل عنهم الوقف في ذلك لم يثبت ذلك عنهم، أو عن بعضهم، فإن إسحاق بن راهويه وهو ممن نُقل عنه ذلك، قد رُوي عنه أنه قال: "أما أولاد المسلمين فإنهم من أهل الجنة" (^٣).
والحاصل أن نسبة هذا القول -وهو أن أولاد المسلمين في الجنة- إلى الجمهور أدق من حكاية الإجماع عليه، والله تعالى أعلم.
واستدل الجمهور على هذا القول بأدلة كثيرة، منها:
١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١].
قال أبو عمرو الداني (^٤): "قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٧٤)، وانظر: إكمال المعلم (٨/ ١١٤)، والمفهم (٦/ ٦٤٢)، والتذكرة (٢/ ٣٢٨)، والرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات لأبي عمرو الداني (١٢١).
(٢) المعلم (٣/ ١٨٠) بتصرف يسير، وانظر: إكمال المعلم (٨/ ١٤٧ - ١٤٨).
(٣) أهل الملل (١/ ٦٧)، وانظر: أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٥).
(٤) هو الإمام الحافظ المجود المقري عالم الأندلس أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد الأموي مولاهم، الأندلسي القرطبي ثم الداني، إليه المنتهى في علم القراءات، مع البراعة في علم الحديث والتفسير والنحو، له مائة وعشرون مؤلفًا منها: جامع البيان في السبع، وإيجاز البيان في قراءة ورش، والسنن الواردة في الفتن، توفي -﵀- سنة أربع وأربعين وأربعمائة (٤٤٤). [انظر: السير (١٨/ ٧٧)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٢٠)، والعبر (٢/ ٢٨٦)، =
[ ٦٤٢ ]
بِإِيمَانٍ﴾ يعني: الكبار الذين بلغوا التكليف، ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يعني: الصغار الذين لم يبلغوا التكليف، قاله ابن عباس (^١) والضحاك (^٢) " (^٣).
٢ - قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر: ٣٨، ٣٩]، فقد جاء عن علي بن أبي طالب أن أصحاب اليمين هم: أطفال المسلمين (^٤)، قال ابن عبد البر: "ولا مخالف له في ذلك من الصحابة" (^٥).
٣ - ما أخرجه مسلم عن أبي حسان أنه قال: قلت لأبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله -ﷺ- بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا، قال: قال: نعم (صغارهم دعاميص (^٦) الجنة، يتلقى أحدهم أباه -أو قال: أبويه- فيأخذ بثوبه -أو قال: بيده- كما آخذ أنا
_________________
(١) = وشذرات الذهب (٣/ ٢٧٢)].
(٢) انظر: جامع البيان (١١/ ٤٨٨)، ومعالم التنزيل (٤/ ٢٣٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٦٧)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٧٤).
(٣) انظر: جامع البيان (١١/ ٤٨٨)، ومعالم التنزيل (٢٣٩).
(٤) الرسالة الوافية (١٢١)، وانظر: الاعتقاد للبيهقي (٩٠)، والمعلم (٣/ ١٧٤)، والمفهم (٦/ ٦٤٢)، والتذكرة (٢/ ٣١٨، ٣٢٨)، والفتح (٣/ ٢٤٥)، والمجموع الثمين لابن عثيمين (٨١).
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣١٨)، والحاكم (٢/ ٥٥١)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضًا ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٥١ - ٣٥٢)، و(١٨/ ١١٥).
(٦) التمهيد (٦/ ٣٥١)، وانظر: الاستذكار (٨/ ٣٩٦)، والرسالة الوافية (١٢١)، ومعالم التنزيل (٤/ ٤١٨)، والتذكرة (٢/ ٣١٧).
(٧) الدعاميص: جمع دعموص، وهي: دويبة تكون في الماء لا تفارقه، أي: أن هذا الصغير في الجنة لا يفارقها، والدعموص أيضًا: الدَّخَّال في الأمور، ويكون المعنى على هذا: أنهم سياحون في الجنة، دخَّالون في منازلها لا يمنعون من موضع. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٨٣)، والمجموع المغيث (١/ ٦٥٩)، والنهاية (٢/ ١٢٠)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٢٠)، والتذكرة (٢/ ٣٢٨)].
[ ٦٤٣ ]
بصنفة (^١) ثوبك هذا، فلا يتناهى -أو قال: فلا ينتهي- حتى يدخله الله وأباه الجنة) (^٢).
قال القرطبي: "في هذا الحديث ما يدل على أن صغار أولاد المؤمنين في الجنة، وهو قول أكثر أهل العلم، وهو الذي تدل عليه أخبار صحيحة، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ " (^٣).
٤ - حديث سمرة بن جندب في قصة رؤيا النبي -ﷺ-، وفيها أنه قال: (وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم -﵇-، وأما الوِلْدَان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة)، رواه البخاري (^٤).
فقالوا: هذا الحديث نص صحيح صريح في أنهم في الجنة، ورؤيا الأنبياء وحي (^٥).
قال ابن عبد البر: "هذا يقتضي ظاهره وعمومه جميع الناس" (^٦).
٥ - حديث معاوية بن قرَّة عن أبيه: أن رجلًا كان يأتي النبي -ﷺ- ومعه ابن له، فقال له النبي -ﷺ-: (أتحبه؟) فقال: يا رسول الله، أحبَّك الله كما أُحِبُّه، ففقده النبي -ﷺ- فقال: (ما فعل ابن فلان؟) قالوا: يا رسول الله، مات، فقال النبي -ﷺ- لأبيه: (أما تحب أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟) فقال رجل: يا رسول الله، أله خاصة أم لكلنا؟ قال: (بل لكلكم) (^٧).
_________________
(١) أي: طرفه وحاشيته [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٨٣)، والنهاية (٣/ ٥٦)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٢٠)].
(٢) صحيح مسلم (١٦/ ٤٢١) ح (٢٦٣٥).
(٣) المفهم (٦/ ٦٤٢)، وانظر: الاعتقاد للبيهقي (٩٠)، والتمهيد (١٨/ ١١٤)، والاستذكار (٨/ ٣٩٦)، والتذكرة (٢/ ٣٢٧)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٨٢).
(٤) صحيح البخاري (٦/ ٢٥٨٣) ح (٦٦٤٠).
(٥) انظر: الفصل (٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، وطريق الهجرتين (٦٩٣).
(٦) التمهيد (١٨/ ١١٨).
(٧) أخرجه أحمد (٢٤/ ٣٦١) ح (١٥٥٩٥)، والنسائي (٤/ ٣٢٢) ح (١٨٦٩)، =
[ ٦٤٤ ]
قال البيهقي: "ذلك فيمن وافى أبواه يوم القيامة مؤمنين أو أحدهما، فيُلحق بالمؤمن ذريته، كما جاء به الكتاب، ويُستفتح له، كما جاءت به السنة، ويحكم لها بأنها كانت ممن جرى له القلم بالسعادة" (^١).
٦ - جملة من الأحاديث الواردة في فضل من يموت له ولد أو أكثر فيحتسبه، ومنها:
حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال لنسوة من الأنصار: (ما منكنَّ امرأةٌ تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابًا من النار)، فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: (واثنين)، متفق عليه (^٢).
وعن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: (لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تَحِلَّة القسم)، متفق عليه (^٣).
وعن أنس -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: (ما من الناس من مسلم يُتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحِنْثَ إلا أدخله الله الجنة، بفضل رحمته إياهم)، رواه البخاري (^٤).
قال ابن عبد البر: "في هذه الأحاديث دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة لا محالة -والله أعلم- لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم من أجلهم، استحال أن يُرحموا من أجل من ليس بمرحوم، ألا ترى إلى قوله -ﷺ-:
_________________
(١) = والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٦) ح (٥٤)، وابن حبان (٧/ ٢٠٩) ح (٢٩٤٧)، والحاكم (١/ ٥٤١) ح (١٤١٧)، وقال: "هذا حديث صحيح"، ووافقه الذهبي، وقال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٤٩): "هذا حديث ثابت صحيح"، وانظر: (٦/ ٣٥١)، وحكم ابن حجر كما في الفتح (٣/ ١٢١): على إسناده بالصحة.
(٢) الاعتقاد (٩١)، وانظر: التمهيد (٦/ ٣٤٩، ٣٥١)، و(١٨/ ١١٣)، والاستذكار (٨/ ٣٩٥)، والتذكرة (٢/ ٣٢٧)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٨٢).
(٣) البخاري (١/ ٥٠) ح (١٠١)، ومسلم (١٦/ ٤٢٠) ح (٢٦٣٣).
(٤) البخاري (١/ ٤٢١) ح (١١٩٣)، ومسلم (١٦/ ٤١٩) ح (٢٦٣٢).
(٥) صحيح البخاري (١/ ٤٢١) ح (١١٩١).
[ ٦٤٥ ]
(بفضل رحمته إياهم) " (^١).
وهذا معنى قول الإمام أحمد: "هو يُرجى لأبويه، كيف يُشك فيه؟ " (^٢).
وقال النووي: "هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة" (^٣).
وقال ابن القيم: "هذه الأحاديث أكثرها في الصحيح، وكلها صحيحة، وهذا القول في أطفال المسلمين هو المعروف من قواعد الشرع، حتى إن الإمام أحمد أنكر الخلاف فيه، وأثبت بعضهم الخلاف، وقال: إنما الإجماع على أولاد الأنبياء خاصة" (^٤).
من خلال ما تقدم، يتضح وجه إشكال حديث المسألة، حيث استشكله أهل العلم لكون النبي -ﷺ- أنكر على عائشة حكمها على ذلك الصبي بالجنة فقال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)، فظاهر هذا الإنكار يخالف ما ذهب إليه الجمهور، وحُكي الإجماع عليه، وهو مقتضى الأدلة المتقدمة من أن أطفال المؤمنين في الجنة!
* * *
_________________
(١) التمهيد (٦/ ٣٤٨)، وانظر: (١٨/ ١١٣)، والاستذكار (٨/ ٣٩٥)، والتذكرة (٢/ ٣٢٩)، والفتح (٣/ ١٢٤، ٢٤٤).
(٢) أهلل الملل (١/ ٦٨)، وانظر: المنتخب من العلل (٥٣)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٥).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٢١).
(٤) أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٨٣).
[ ٦٤٦ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
سلك أهل العلم في هذا الحديث مسلكين:
المسلك الأول: ردُّ الحديث وتضعيفه، لضعف أحد رواته، وهو طلحة بن يحيى.
وإلى هذا ذهب الإمام أحمد وابن عبد البر.
قال الإمام أحمد -وقد ذكر له حديث عائشة-: "هذا حديث ضعيف" (^١)، ثم ذكر ضعف طلحة بن يحيى.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: "سمعت أبي يقول: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُرَيْد بن أبي بردة: بريد يروي أحاديث مناكير، وطلحة حدَّث بحديث: عصفور من عصافير الجنة" (^٢).
وقال ابن عبد البر: "هذا حديث ساقط ضعيف مردود وطلحة بن يحيى ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به، فلا يُعرج عليه" (^٣).
وقال الذهبي عن هذا الحديث: "رواه جماعة عن طلحة، وهو مما
_________________
(١) أهل الملل (١/ ٦٧)، وانظر: المنتخب من العلل (٥٣)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٣، ١٠٧٥)، وطريق الهجرتين (٧٠١)، وتهذيب السنن (عون ١٢/ ٣١٢) ثلاثتها لابن القيم.
(٢) العلل للإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله (٢/ ١١ - ١٢)، وانظر: الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٦).
(٣) التمهيد (٦/ ٣٥٠ - ٣٥١)، وانظر: (١٨/ ٩٠)، والاستذكار (٨/ ٣٩٣)، والتذكرة (٢/ ٣٢٩)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٤).
[ ٦٤٧ ]
يُنْكَر من حديثه" (^١).
قلت: وطلحة هذا هو: طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبد الله التيمي القرشي:
قال فيه يحيى بن سعيد القطان: لم يكن بالقوي.
وقال أحمد: صالح الحديث (^٢).
وقال ابن معين: ثقة، وفي رواية قال: ليس بالقوي.
وقال يعقوب بن شيبة (^٣) والعجلي (^٤) والدارقطني: ثقة.
وقال النسائي وأبو زرعة: صالح.
وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطئ.
وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة.
وقال ابن حجر: وطلحة إنما أنكر عليه: عصفور من عصافير الجنة (^٥).
_________________
(١) السير (١٤/ ٤٦٢).
(٢) هذا القول من الإمام أحمد يشعر أن تضعيفه لطلحة ليس على إطلاقه، وإنما هو من أجل تفرده بهذا الحديث، ويدل عليه أيضًا ما تقدم في رواية ابنه عبد الله، والله أعلم.
(٣) هو أبو يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت بن عصفور البصري ثم البغدادي، صاحب المسند، علامة حافظ ثقة معلل، توفي سنة اثنتين وستين ومائتين (٢٦٢). [انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٢٨٢)، والسير (١٢/ ٤٧٦)، والعبر (١/ ٣٧٧)، وشذرات الذهب (٢/ ١٤٦)].
(٤) هو الإمام الحافظ الزاهد أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي الكوفي، نزيل مدينة طرابلس الغرب، له مصنف مفيد في الجرح والتعديل يدل على تبحره بالصنعة وسعة حفظه، توفي سنة إحدى وستين ومائتين (٢٦١)]. [انظر: تاريخ بغداد (٤/ ٤٣٦)، والسير (١٢/ ٥٠٥)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٦٠)، والشذرات (٢/ ١٤١)].
(٥) انظر: الثقات لابن حبان (٦/ ٤٨٧)، والكامل لابن عدي (٤/ ١١٢)، وتهذيب الكمال (١٣/ ٤٤١)، وميزان الاعتدال (٣/ ٤٦٩)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٦ - ٢٧).
[ ٦٤٨ ]
وقال في التقريب: "صدوق يخطئ" (^١).
المسلك الثاني: قبول الحديث وتصحيحه، وعلى هذا أكثر أهل العلم، لكنهم اختلفوا في معناه وما يدل عليه، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن النبي -ﷺ- قال ذلك لعائشة -﵂- قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة.
وإلى هذا ذهب ابن حزم (^٢)، وذكره الحليمي (^٣)، والبيهقي (^٤)، والنووي (^٥) بصيغة الاحتمال، وهو أحد قولي ابن القيم (^٦).
قال ابن القيم عن هذا الحديث: "وقد أجبت عنه بعد التزام صحته، بأن هذا القول كان من النبي -ﷺ- قبل أن يعلمه الله بأن أطفال المؤمنين في الجنة، وهذا جواب ابن حزم وغيره" (^٧).
القول الثاني: الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التوقف (^٨) فيهم، وفي أطفال المشركين، وتوكيل علمهم إلى الله تعالى، فلا يشهد لهم بجنة ولا نار، وربما عبر بعضهم عن ذلك بقوله: إنهم في المشيئة (^٩).
_________________
(١) تقريب التهذيب (١/ ٤٥٢).
(٢) انظر: الفصل (٢/ ٣٨٥).
(٣) انظر: التذكرة للقرطبي (٢/ ٣١٨).
(٤) انظر: الاعتقاد (٩٠).
(٥) انظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٤٨).
(٦) ولعله أقدم القولين، كما يشعر بذلك ظاهر كلامه، وأما قوله الآخر فسيأتي قريبًا في القول الثالث.
(٧) أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٦).
(٨) جدير بالتنبيه هنا: أن هذا التوقف لا يُراد به: التوقف المعروف في اصطلاح الأصوليين، وهو الذي يكون عند تعذر الجمع والنسخ والترجيح، فيتوقف المجتهد عن العمل بأحد النصين حتى يتبين له الحق، وإنما يُراد به التوقف المبني على الدليل، أي: أن هذا التوقف ليس لعدم العلم بأي الأقوال أرجح، وإنما لدلالة الأدلة على وجوبه، على حد قولهم.
(٩) انظر: التمهيد (١٨/ ٩٦، ٩٨)، والاستذكار (٨/ ٣٩٠)، والفصل (٢/ ٣٨٤)، =
[ ٦٤٩ ]
قال ابن عبد البر: "ذهب إلى القول: بالوقف جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث، منهم: حماد بن زيد (^١)، وحماد بن سلمة (^٢)، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه (^٣)، وغيرهم، وهو يشبه ما رسمه مالك في أبواب القدر في موطئه، وما أورد في ذلك من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار -خاصة- في المشيئة لآثار وردت في ذلك" (^٤).
_________________
(١) = والمعلم (٣/ ١٧٤، ١٨٠)، والتذكرة (٢/ ٣١٧)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧١)، والفتح (٣/ ١٢٤).
(٢) هو حماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل الأزدي مولاهم البصري الضرير، الإمام الحافظ المجوِّد، كان من أئمة السلف، ومن أتقن الحفاظ وأعدلهم وأعدمهم غلطًا، توفي -﵀- سنة (١٧٩ هـ). [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٢٢٨)، والسير (٧/ ٤٥٦)، وتقريب التهذيب (١/ ٢٣٨)، وشذرات الذهب (١/ ٢٩٢)].
(٣) هو حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري، الإمام الحافظ النحوي عالم أهل البصرة، كان فقيهًا مفوهًا، إمامًا بالعربية، صاحب سنة، له تصانيف في الحديث، وكان ثقة عابدًا، وكان أثبت الناس في ثابت، توفي -﵀- سنة (١٦٧ هـ). [انظر: السير (٧/ ٤٤٤)، والعبر (١/ ١٩٠)، وتقريب التهذيب (١/ ٢٣٨)، وشذرات الذهب (١/ ٢٦٢)].
(٤) في هذه النسبة نظر، حيث روى عنه أبو بكر الخلال أنه قال: "أما أولاد المسلمين فإنهم من أهل الجنة" أهل الملل (١/ ٦٧).
(٥) التمهيد (١٨/ ١١١ - ١١٢) بتصرف يسير، وانظر: الاستذكار (٨/ ٣٩٠)، والتذكرة (٢/ ٣١٧ - ٣١٨). تنبيه: حكاية ابن عبد البر لهذا القول يخالف ما نقله من الإجماع -كما تقدم- على أن أولاد المؤمنين في الجنة، وهذا يؤيد ما تقدم من توجيه حكايته الإجماع باحتمال إرادته: إجماع الجمهور، وقد أشار ابن القيم إلى هذا الاختلاف عند ابن عبد البر، فقال: إنه قد اضطرب في النقل، ثم نقل كلامه في حكاية الإجماع، ثم قال: "فتأمل كيف ذكر الإجماع على أن أطفال المسلمين في الجنة، وأنه لا يعلم =
[ ٦٥٠ ]
وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة (^١) منها:
١ - حديث عائشة -﵂- وهو حديث المسألة -قالت: دُعي رسول الله -ﷺ- إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم).
فقالوا: هذا الحديث صحيح صريح في التوقف فيهم، فإن الصبي كان من أولاد المسلمين (^٢).
٢ - حديث ابن مسعود -﵁- وما في معناه -في كتابة ما قدر للعبد وهو في بطن أمه، حيث قال -ﷺ- في آخره: (ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح)، متفق عليه (^٣).
"وجه الدلالة من ذلك: أن جميع من يولد من بني آدم، إذا كُتب السعداء منهم والأشقياء قبل أن يخلقوا، وجب علينا التوقف في جميعهم، لأنا لا نعلم هذا الذي توفي منهم هل هو ممن كتب سعيدًا في بطن أمه أو كتب شقيًا" (^٤).
٣ - حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قيل له: يا رسول الله،
_________________
(١) = في ذلك نزاعًا، وجعل القول بالمشيئة فيهم قولًا شاذًا مهجورًا، ونسبه في الباب الآخر إلى الحمادين وابن المبارك وإسحاق بن راهويه، وأكثر أصحاب مالك، وهذا من السهو الذي هو عرضة للإنسان، ورب العالمين هو الذي لا يضل ولا ينسى" أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٨٣ - ١٠٨٥).
(٢) انظر: التمهيد (١٨/ ٩٨ - ١١١)، والاستذكار (٨/ ٣٩٠ - ٣٩٣)، والفصل (٢/ ٣٨٤)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧١ - ١٠٧٨، ١٠٧٢).
(٣) انظر: أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٢).
(٤) البخاري (٣/ ١١٧٤) ح (٣٠٣٦)، ومسلم (١٦/ ٤٢٩) ح (٢٦٤٣).
(٥) أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٢).
[ ٦٥١ ]
أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، متفق عليه (^١).
قالوا في وجه الدلالة من هذا الحديث: إنهم لم يخصوا بالسؤال طفلًا من طفل، كما أن النبي -ﷺ- لم يخص بالجواب، بل أطلق الجواب كما أطلقوا السؤال، ولو افترق الحال في الأطفال لفصَّل وفرق بينهم في الجواب (^٢).
القول الثالث: أن النبي -ﷺ- أنكر على عائشة -﵂-، لأنها قطعت لطفل معين بالجنة، دون أن يكون عندها على ذلك دليل قاطع، فأطفال المؤمنين وإن كان حكمهم من حيث الجملة أنهم في الجنة، لكن لا يُشهد لمعين منهم بذلك، لأنه غيب، والطفل المؤمن تبع لأبويه، فالقطع له بذلك قطع بإيمان أبويه، وهذا ليس إليه سبيل، لأنه غيب، فكم من مظهر للإسلام وهو منافق (^٣).
وإلى هذا ذهب البيهقي، والمازري (^٤)، وابن الجوزي (^٥)، وابن تيمية (^٦)، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب (^٧)، وابن باز، عليهم رحمة الله جميعًا.
قال البيهقي بعدما قرر أنه لا يجوز القطع لمعين من المؤمنين أنه في الجنة، وإن كنا نحكم عليهم من حيث العموم أنهم في الجنة قال: "فكذلك قطع القول به في واحد من المولودين غير ممكن، لعدم علمنا بما يؤول إليه
_________________
(١) البخاري (٦/ ٢٤٣٤) ح (٦٢٢٦)، ومسلم (١٦/ ٤٤٩) ح (٢٦٥٨).
(٢) انظر: التمهيد (١٨/ ٩٩)، والتذكرة (٢/ ٣١٨)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٨).
(٣) انظر: التذكرة (٢/ ٣١٨)، وشرح النووي على مسلم (١٦٤٤٧)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٧)، وتهذيب السنن (عون ١٢/ ٣١٩)، والفتح (٣/ ٢٤٤).
(٤) انظر: المعلم (٣/ ١٨٠ - ١٨١).
(٥) انظر: كشف المشكل (٤/ ٤١٩).
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨١).
(٧) انظر: مجموع مؤلفاته، المجلد الثاني، هذه مسائل (٥).
[ ٦٥٢ ]
حال متبوعه، وبما جرى له به القلم في الأزل من السعادة أو الشقاوة، وكان إنكار النبي -ﷺ- القطع به في حديث عائشة -﵂- وعن أبيها، لهذا المعنى، فنقول بما ورد في الكتاب والسنة في جملة المؤمنين وذرياتهم، ولا نقطع القول: به في آحادهم لما ذكرنا، وفي هذا جمع بين جميع ما ورد في هذا الباب، والله أعلم" (^١).
وقال ابن القيم: "هذا الحديث يدل على أنه لا يُشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أُطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة، لكن الشهادة للمعين ممتنعة، كما يُشهد للمؤمنين مطلقًا أنهم في الجنة، ولا يشهد لمعين بذلك، إلا من شهد له النبي -ﷺ-، فهذا وجه الحديث الذي يُشكل على كثير من الناس" (^٢).
وقال الشيخ ابن باز بعدما قرر صحة الحديث: "المقصود من هذا منعها أن تشهد لأحد معين بالجنة أو النار، ولو كان طفلًا، لأن الطفل تابع لوالديه، وقد يكونان ليسا على الإسلام وإن أظهراه، فالإنسان قد يظهر الإسلام نفاقًا، ومن مات على الصغر وليس ولدًا للمسلمين، وإنما لغيرهم من الكفار، فإنه يمتحن يوم القيامة على الصحيح.
والحاصل أنه لا يشهد لمعين بجنة ولا نار، إلا من شهد له الرسول -ﷺ-، هذه قاعدة أهل السنة والجماعة، فإنكار النبي -ﷺ- على عائشة لأنها شهدت بالتعيين، هذا هو الصواب، وهذا وجه الحديث" (^٣).
* * *
_________________
(١) الاعتقاد (٩١).
(٢) طريق الهجرتين (٧٠١)، وانظر: بدائع الفوائد (٣/ ١٢٣)، وشفاء العليل (١/ ٦٦).
(٣) فتاوى نور على الدرب، من أجوبة سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز (١/ ١٢٣ - ١٢٤) بشيء من التلخيص.
[ ٦٥٣ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يترجح -والله تعالى أعلم- بناءً على القول بصحة الحديث: القول الثالث، وهو أن الحديث إنما يدل على أنه لا يُشهد ولا يقطع لأحد من أطفال المؤمنين بعينه في الجنة، لأنه من علم الغيب، كما أن الطفل المسلم تابع لأبويه، والقطع له بذلك، قطع لأبويه بالإيمان، مع أنهما قد يكونان ممن يظهر الإسلام وهما على خلافه (^١).
وقد قال النبي -ﷺ- لسعد بن أبي وقاص، حينما قال له: أعط فلانًا فإنه مؤمن، قال: (أوْ مسلم)، متفق عليه (^٢). فأنكر عليه الشهادة له بالإيمان، لأنه غيب، دون الإسلام لأنه ظاهر.
وهذا لا يخالف إطلاق القول: بأن أطفال المؤمنين في الجنة، لأن هناك فرقًا بين الإطلاق والتعيين، فكما أنه لا يلزم من الشهادة لعموم المؤمنين في الجنة الشهادة لمعين منهم بذلك، فكذلك أطفال المؤمنين.
وقد جاء عند البخاري من حديث أم العلاء -﵂-: أنها شهدت لعثمان بن مظعون -﵁- لما مات، فقالت: شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فأنكر عليها النبي -ﷺ- وقال: (وما يدريك أن الله أكرمه؟) فقلت: بأبي أنت يا رسول الله،
_________________
(١) ولعل هذا مستند -ما تقدم من حكاية- الإجماع على أن أطفال الأنبياء في الجنة، لأن الأنبياء -﵈- معصومون من الوقوع في الكفر أو الشرك، فاحتمال موتهم عليه ممتنع، وقد قال النبي -ﷺ- لما توفي ابنه إبراهيم: (إن له مرضعًا في الجنة)، وإن كانت هذه شهادة من الرسول -ﷺ-، فلا يقاس غيره عليه، لكنها تؤيد حكاية الإجماع، والله أعلم. [الحديث: أخرجه البخاري (١/ ٤٦٥) ح (١٣١٥)].
(٢) صحيح البخاري (١/ ١٨) ح (٢٧)، ومسلم واللفظ له (٢/ ٥٣٩) ح (١٥٠).
[ ٦٥٤ ]
فمن يكرمه الله؟ فقال: (أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي)، قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا (^١).
قال ابن القيم: "وسر المسألة: الفرق بين المعين والمطلق في الأطفال والبالغين، والله أعلم" (^٢).
وأما المسلك الأول: وهو تضعيف الحديث، لأنه مما انفرد به طلحة بن يحيى، وهو ضعيف، فالجواب عنه: أن طلحة لم ينفرد به، بل تابعه عليه فضيل بن عمرو -وهو ثقة (^٣) - كما عند مسلم (^٤)، وهو ما أشار إليه ابن عبد البر نفسه حيث قال: "ورواه عن طلحة بن يحيى جماعة بإسناده ومعناه، وزعم قوم أن طلحة بن يحيى انفرد بهذا الحديث، وليس كما زعموا، وقد رواه فضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة، كما رواه طلحة بن يحيى سواء" (^٥).
ولكن جاء عن الإمام أحمد أنه قال عن هذا الطريق: "ما أراه إلا سمعه من طلحة" (^٦)، فرد الحديث إلى طلحة بن يحيى، فإن ثبت هذا صحَّ القول: بالتفرد.
وجاء للحديث متابعة ثالثة عند أبي داود الطيالسي، من طريق قيس بن الربيع عن يحيى بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة -﵂- (^٧)، لكنها لا تصح (^٨).
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٤١٩) ح (١١٨٦).
(٢) بدائع الفوائد (٣/ ١٢٣).
(٣) انظر: التقريب (٢/ ١٥).
(٤) وهي الرواية الثانية التي تقدم ذكرها في المطلب الأول.
(٥) التمهيد (١٨/ ١٠٥)، وانظر: الاستذكار (٨/ ٣٩٣)، وقوله هذا يخالف ما قاله أولًا من أن طلحة تفرد به.
(٦) العلل للإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله (٢/ ١٢)، وانظر: الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٢٦).
(٧) المسند (٣/ ١٥٢) ح (١٦٧٩).
(٨) ففي سندها قيس بن الربيع الأسدي، وهو ضعيف، قال فيه ابن حجر في التقريب (٢/ ٣٣): "صدوق تغيَّر لما كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به"، =
[ ٦٥٥ ]
والمتأمل لكلام الإمام أحمد وغيره يجد أنه يضعف الحديث من وجهين:
الأول: نكارة أوله، وهو التصريح بإنكار النبي -ﷺ- واستدراكه على عائشة، حيث قال: (أو غير ذلك يا عائشة؟) بعد قولها: طوبى له عصفور من عصافير الجنة.
ولهذا قال الإمام أحمد: "هو يرجى لأبويه كيف يشك فيه؟ إنما اختلفوا في أولاد المشركين" (^١)، فيرى الإمام أحمد أن هذا الحديث يعارض ما حكي الإجماع عليه، واقتضته الأدلة الكثيرة من كون أطفال المؤمنين في الجنة.
ويلاحظ أن موضع النكارة هذه ليس موجودًا في رواية فضيل بن عمرو (^٢)، حيث رواه بلفظ: قالت عائشة -﵂-: توفي صبي، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله -ﷺ-: (أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا).
ولعل هذا هو ما أشار إليه العقيلي (^٣) حين قال تعليقًا على رواية طلحة: "آخر الحديث فيه رواية من حديث الناس، وأوله لا يحفظ إلا من هذا الوجه" (^٤).
_________________
(١) = وفي السند أيضًا: يحيى بن إسحاق، لم أجد له -بعد البحث- ترجمة، وقد قال محقق مسند أبي داود الطيالسي الدكتور محمد التركي في تعليقه على هذا الحديث: "ويحيى بن إسحاق لم أعرفه، وقد يكون مقلوبًا من إسحاق بن يحيى بن طلحة، وقد روى عن عمته عائشة بنت طلحة، وهو متكلم فيه".
(٢) أهل الملل (١/ ٦٨)، وقد تقدم ص (٦٤٦).
(٣) قال محقق كتاب المنتخب من العلل: طارق بن عوض الله: "الفقيمي ثقة -يعني: فضيل بن عمرو- وليس في روايته ما يُستنكر، بل فيه ما يفيد إقرار النبي -ﷺ- لعائشة على قولها، ولعله لذلك قدم مسلم روايته على رواية طلحة في الباب، وجعل رواية طلحة في آخر الباب" المنتخب (٥٥).
(٤) هو الحافظ الناقد أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي الحجازي، مصنف كتاب الضعفاء، ثقة جليل القدر، عالم بالحديث، مقدم في الحفظ، توفي سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة (٣٢٢). [نظر: السير (١٥/ ٢٣٦)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٣٣)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٩٥)].
(٥) الضعفاء الكبير (٢/ ٢٢٧).
[ ٦٥٦ ]
وصرح به الذهبي حيث قال: "انفرد طلحة بأوله، وأما آخره فجاء من غير وجه" (^١).
الوجه الثاني: تضعيفه من جهة سنده، حيث قالوا: تفرد به طلحة بن يحيى، وهو متكلم فيه، فمثله لا يحتمل منه التفرد.
والحاصل: أن الحديث إن ثبت ضعفه فلا إشكال، وإن قيل بصحته فتوجيهه ما تقدم، والله تعالى أعلم.
وأما القول الأول: وهو أن النبي -ﷺ- قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المؤمنين في الجنة، فالجواب عنه: أن هذا يحتاج إلى دليل يدل عليه، ولا سبيل إليه. والله أعلم.
وأما القول الثاني: وهو القول بوجوب التوقف فيهم، فهو معارض بما تقدم ذكره من الأدلة الكثيرة على أن أطفال المؤمنين في الجنة، ولهذا قال ابن كثير عن هذا القول: إنه غريب جدًا (^٢).
وأما أدلتهم فالجواب عنها كما يلي:
أما حديث عائشة -﵂- في وفاة صبي من الأنصار، فقد تقدم الجواب عنه.
وأما استدلالهم بحديث ابن مسعود -وما في معناه- على أن السعادة والشقاوة أمران مقدران على العباد وهم في بطون أمهاتهم، ولا سبيل إلى العلم بذلك، فوجب التوقف، فالجواب عنه: أن هذا حق لا شك فيه، لكن موتهم في حال الصغر يدل على أنهم لم يكتبوا في بطون أمهاتهم أشقياء، وإنما هم ممن جرى القلم بسعادتهم (^٣).
قال ابن عبد البر بعد أن ساق الأدلة على أن أطفال المؤمنين في
_________________
(١) ميزان الاعتدال (٣/ ٤٧٠).
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٥٤).
(٣) انظر: الاعتقاد للبيهقي (٩٠، ٩١)، والتذكرة (٢/ ٣٢٩)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٢ - ١٠٧٣).
[ ٦٥٧ ]
الجنة: "وفي هذه الآثار مع إجماع الجمهور دليل على أن قوله -ﷺ-: (الشقي من شقي في بطن أمه) (^١)، وأن الملك ينزل فيكتب أجله، ورزقه، ويكتب شقيًا أو سعيدًا في بطن أمه: مخصوص مجمل، وأن من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب، فهو ممن سعد في بطن أمه، ولم يشقَ، بدليل ما ذكرنا من الأحاديث والإجماع" (^٢).
وأما استدلالهم بحديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- سُئل فقيل له: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين). فقالوا: إن هذا الجواب يعم جميع الصغار: أولاد المسلمين وأولاد الكافرين، فالجواب عنه: ما ذكره القرطبي وابن القيم:
قال القرطبي: "هذا السؤال إنما كان عن أولاد المشركين، كما جاء مُفَسَّرًا من حديث ابن عباس (^٣) " (^٤).
وقال ابن القيم بعد ذكر استدلالهم بهذا الحديث: "هؤلاء لو تأملوا ألفاظه وطرقه لأمسكوا عن هذا الاحتجاج، فإن هذا الحديث رُوي من طرق متعددة كلها صحاح تبين أن السؤال إنما وقع عن أولاد المشركين" (^٥).
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود (١٦/ ٤٣١) ح (٢٦٤٥).
(٢) التمهيد (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
(٣) ولفظه: سُئل رسول الله -ﷺ- عن أولاد المشركين، فقال: (الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين) متفق عليه: البخاري (١/ ٤٦٥) ح (١٣١٧)، ومسلم (١٦/ ٤٥٠) ح (٢٦٦٠).
(٤) المفهم (٦/ ٦٧٧).
(٥) أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٨ - ١٠٨١).
[ ٦٥٨ ]
المبحث الرابع: (وإن ناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٦٥٩ ]
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال
عن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: (إنكم محشورون حفاة عراة غرلًا (^١)، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أُناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧، ١١٨]، متفق عليه (^٢).
وفي لفظ آخر: عن ابن عباس -﵄- قال: خطب رسول الله -ﷺ- فقال: (يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا، ثم قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال:
_________________
(١) جمع أغرل، وهو الأقلف، أي: الذي لم يختن. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١٥٩، ٥٠٤)، والمجموع المغيث (٢/ ٥٥٦)، والنهاية (٣/ ٣٦٢)].
(٢) البخاري في مواضع: في كتاب الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣/ ١٢٢٢) ح (٣١٧١)، وفي باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣/ ١٢٧١) ح (٣٢٦٢)، وفي كتاب التفسير، باب: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٤/ ١٦٩١) ح (٤٣٤٩)، وفي باب: قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (٤/ ١٦٩١) ح (٤٣٥٠)، وفي باب: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ (٤/ ١٧٦٦) ح (٤٤٦٣)، وفي كتاب الرقاق، باب: كيف الحشر؟ (٥/ ٢٣٩١) ح (٦١٦١)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة (١٧/ ١٩٩) ح (٢٨٦٠).
[ ٦٦٠ ]
ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أُصَيْحَابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم).
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (تَرِدُ عليَّ أمتي الحوضَ، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله)، قالوا: يا نبي الله أتعرفنا؟ قال: (نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون عليَّ غرًا (^١) محجلين (^٢) من آثار الوضوء، ولَيُصَدَّنَّ عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟)، رواه مسلم (^٣).
وعنه -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا)، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: (أنتم أصحابي وإخواننا، الذين لم يأتوا بعد)، فقالوا: كيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: (أرأيت لو أن رجلًا له خيل غرٌّ محجلة بين ظهري خيل دُهْمٍ بُهْمٍ، ألا يعرف خيله؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنهم يأتون غرًا محجلين من
_________________
(١) الغُرَّة: بياض الوجه، يريد بياض وجوههم [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٧٩، ٣٢٧)، والمجموع المغيث (٢/ ٥٥١)، والنهاية (٣/ ٣٥٤)].
(٢) أي: بيض مواضع الوضوء من الأيدي والوجه والأقدام، والتحجيل في الأصل: بياض في يدي الفرس ورجليها. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٣٢٧)، والمجموع المغيث (١/ ٤٠٦)، والنهاية (١/ ٣٤٦)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٣٧ - ١٣٨)].
(٣) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء (٣/ ١٣٩) ح (٢٤٧)، وانظر: صحيح البخاري: (٥/ ٢٤٠٧) ح (٦٢١٣)، (٦٢١٥).
[ ٦٦١ ]
الوضوء، وأنا فرطهم (^١) على الحوض، ألا لَيُذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هَلُمَّ، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا)، رواه مسلم (^٢).
وعن أنس بن مالك -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الحوضَ رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورُفِعُوا إليَّ اخْتُلِجُوا (^٣) دوني فلأقولن: أي رب أُصَيْحَابي أُصيْحَابي، فلَيُقَالَنَّ لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، متفق عليه (^٤).
وعن أبي حازم عن سهل بن سعد -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: (إني فرطكم على الحوض، من مَرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعتَ من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: (فأقول: إنهم منِّي، فَيُقَال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غَيَّرَ بعدي)، متفق عليه (^٥).
وعن ابن أبي مُلَيْكة عن أسماء بنت أبي بكر -﵄- قالت: قال
_________________
(١) أي: متقدمهم إليه. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٦٦، ٣٢٧)، والمجموع المغيث (٢/ ٦٠٩)، والنهاية (٣/ ٤٣٤)].
(٢) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء (٣/ ١٤٠) ح (٢٤٩).
(٣) أي: اقتُطِعوا واجتذبوا [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٦٦، ٢٥٥)، والمجموع المغيث (١/ ٦٠٤)، والنهاية (٢/ ٥٩)].
(٤) البخاري: كتاب الرقاق، باب: في الحوض (٥/ ٢٤٠٦) ح (٦٢١١)، ومسلم واللفظ له: كتاب الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته (١٥/ ٧٠) ح (٢٣٠٤).
(٥) البخاري: كتاب الرقاق، باب: في الحوض (٥/ ٢٤٠٦) ح (٦٢١٢)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته (١٥/ ٥٩) ح (٢٢٩٠، ٢٢٩١).
[ ٦٦٢ ]
النبي -ﷺ-: (إني على الحوض حتى أنظر من يَرِدُ عَلَيَّ منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم)، فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا. متفق عليه (^١).
وورد هذا المعنى أيضًا من حديث ابن مسعود (^٢)، وعائشة (^٣)، وأم سلمة (^٤)، وحذيفة (^٥) -﵃-.
بيان وجه الإشكال
محبة الصحابة وتوقيرهم والدعاء لهم، والتحذير من سبهم والطعن فيهم أصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة، دوَّنوه في كتبهم، وضمنوه عقائدهم، وتواصوا به فيما بينهم، كيف لا وهم حملة الدين وأصحاب الرسول -ﷺ- الذين رأوه وآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، فمحبتهم والذبُّ عن أعراضهم دين وإيمان، والطعن فيهم والنيل منهم كفر ونفاق، بل هو طعن في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، لأنهم هم الناقلون لهما، فالقدح فيهم يؤدي إلى إبطال الكتاب والسنة.
وقد تظافرت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة
_________________
(١) البخاري في موضعين: في كتاب الرقاق، باب: في الحوض (٥/ ٢٤٠٩) ح (٦٢٢٠)، وفي كتاب الفتن باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٦/ ٢٥٨٧) ح (٦٦٤١)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته (١٥/ ٦١) ح (٢٢٩٣).
(٢) متفق عليه: البخاري: (٥/ ٢٤٠٤) ح (٦٢٠٥)، و(٦/ ٢٥٨٨) ح (٦٦٤٢)، ومسلم: (١٥/ ٦٤) ح (٢٢٩٧).
(٣) أخرجه مسلم: (١٥/ ٦١) ح (٢٢٩٤).
(٤) أخرجه مسلم (١٥/ ٦٢) ح (٢٢٩٥).
(٥) أخرجه مسلم: (٣/ ١٣٩) ح (٢٤٨).
[ ٦٦٣ ]
على مدح الصحابة، والثناء عليهم، والتزكية لهم، وبيان عظيم منزلتهم وسابقتهم في الإسلام، وإليك شيئًا من ذلك:
قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال -﷿-: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].
وقال جل شأنه: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨].
وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨، ٩]- إلى غير ذلك من الآيات (^١).
وأما السنة فهي مليئة بمدحهم والثناء عليهم والتحذير من سبهم والنيل منهم، ومن ذلك ما يلي:
عن عبد الله بن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: (خير الناس قرني، ثم
_________________
(١) انظر للاستزادة: الشريعة للآجري (٤/ ١٦٣٤ - ١٦٣٧).
[ ٦٦٤ ]
الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم )، متفق عليه (^١).
وعن أبي موسى الأشعري -﵁- أن النبي -ﷺ- رفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: (النجوم أَمَنة (^٢) للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)، رواه مسلم (^٣).
وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)، متفق عليه (^٤).
وأما أقوال أهل العلم في بيان فضل الصحابة والتحذير من الوقيعة فيهم فكثيرة جدًا، يصعب حصرها، ويعسر نقلها، وإليك نماذج يسيرة منها:
عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد -ﷺ- خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه" (^٥).
وقال الإمام أحمد: "من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ- فلا
_________________
(١) البخاري: (٢/ ٩٣٨) ح (٢٥٠٩)، ومسلم: (١٦/ ٣١٨) ح (٢٥٣٣).
(٢) الأمنة هنا: جمع أمين، وهو الحافظ. [انظر: النهاية (١/ ٧١)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٣١٦)].
(٣) صحيح مسلم (١٦/ ٣١٦) ح (٢٥٣١).
(٤) البخاري: (٣/ ١٣٤٣) ح (٣٤٧٠)، ومسلم: (١٦/ ٣٢٦) ح (٢٥٤١).
(٥) أخرجه أحمد (٥/ ٢١١) ح (٣٦٠٠)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ١٩٩) ح (٢٤٣)، والطبراني في الكبير (٩/ ١١٢) ح (٨٥٨٢)، والآجري في الشريعة (٤/ ١٦٧٥) ح (١١٤٤)، وأورده الهيثمي في المجمع (١/ ١٧٧)، وقال: "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثوقون"، وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند: "إسناده صحيح".
[ ٦٦٥ ]
ينطوي إلا على بلية، وله خبيئة سوء، إذا قصد إلى خير الناس، وهم أصحاب رسول الله -ﷺ- حسبك" (^١).
وقال أبو زرعة الرازي: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ- فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول -ﷺ- عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله -ﷺ-، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة" (^٢).
وقال الطحاوي: "ونحب أصحاب رسول الله -ﷺ-، ولا نُفْرِط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" (^٣).
وقال ابن الصلاح: "للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي: أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه، لكونهم على الإطلاق معدَّلِين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة" (^٤).
وقال ابن تيمية: "من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله -ﷺ- ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم" (^٥).
وقال ابن حجر: "اتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من حروب ولو عُرِف المحق منهم، لأنهم
_________________
(١) السنة للخلال (٢/ ٤٧٧).
(٢) الكفاية للخطيب البغدادي (٩٧).
(٣) العقيدة الطحاوية بشرح ابن أبي العز (٦٨٩).
(٤) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث (١٧٦).
(٥) العقيدة الواسطية بشرح الهراس (٢٣٦ - ٢٣٧).
[ ٦٦٦ ]
لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرًا واحدًا، وأن المصيب يؤجر أجرين" (^١).
وقال ابن حجر الهيتمي (^٢): "اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة: أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم، والكف عن الطعن فيهم، والثناء عليهم، فقد أثنى الله -سبحانه الله وتعالى- عليهم في آيات من كتابه" (^٣).
إذا تبين هذا وهو دلالة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة (^٤) على تفضيل الصحابة والشهادة لهم بأنهم خير القرون، فما الجواب عن هذه الأحاديث الكثيرة التي تنص على ارتداد بعض الصحابة على أعقابهم؟ خاصة وأن بعض أهل البدع كالرافضة (^٥) ومن سلك سبيلهم قد تمسكوا بهذه
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٣٤).
(٢) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري الشافعي، عالم فقيه، تلقى العلم في جامع الأزهر، وبرع في علوم كثيرة كالفقه والأصول والفرائض والحساب والنحو والكلام، له مؤلفات كثيرة منها: الصواعق المحرقة، والزواجر عن اقتراف الكبائر، توفي بمكة سنة (٩٧٣). [انظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٧٠)، والبدر الطالع (١/ ١٠٩)، والأعلام (١/ ٢٣٤)].
(٣) الصواعق المحرقة (٦٠٣).
(٤) انظر للاستزادة من أقوال أهل العلم في تفضيل الصحابة وتوقيرهم: الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم الأصبهاني (٣٧٣)، وعقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني (٢٩٤)، والتمهيد لابن عبد البر (٢٢/ ٤٧)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٦/ ٢٩٩)، والروض الباسم لابن الوزير (١/ ١٠٣)، وقطر الولي للشوكاني (٢٩٢)، والانتصار للصحابة الأخيار للشيخ عبد المحسن العباد البدر (١٣٣ - ١٣٩)، وعقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام -﵃- للدكتور ناصر بن علي عائض حسن الشيخ (١/ ٩٦ - ١١١)، وفيهما نقول كثيرة عن أهل العلم.
(٥) الرافضة: اسم يطلق على كل من رفض إمامة الشيخين أبي بكر وعمر -﵄-، وكان =
[ ٦٦٧ ]
الأحاديث، محتجين بها على مذهبهم الفاسد في تكفير الصحابة والنيل منهم.
وقد عنون ابن قتيبة لهذا الحديث بقوله: "حديث يحتج به الروافض في إكفار أصحاب محمد -ﷺ-" (^١).
* * *
_________________
(١) = سبب هذه التسمية وأول ظهورها: أنه لما خرج زيد بن علي بن الحسين في أوائل المائة الثانية في خلافة هشام بن عبد الملك اتبعه الشيعة، فسألوه عن أبي بكر وعمر -﵄-، فتولاهما وترحم عليهما، فرفضه قوم منهم فقال: رفضتموني رفضتموني، فسموا الرافضة، وقد افترقت الرافضة بعد ذلك إلى أربع فرق: زيدية وإمامية وكيسانية وغلاة، وافترقت هذه الفرق إلى فرق أخرى كثيرة. ومن عقائد الرافضة: أن النبي -ﷺ- قد نص على استخلاف علي بن أبي طالب -﵁- باسمه وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي -ﷺ-، وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيف إلخ. [انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٨٩)، والفرق بين الفرق (٢٩)، ومجموع الفتاوى (١٣/ ٣٥)].
(٢) تاويل مختلف الحديث (٢١٧)، وانظر: (١٣) من الكتاب نفسه.
[ ٦٦٨ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
يمكن إرجاع أهم الأقوال في معنى هذه الأحاديث إلى قولين، هما:
القول الأول: أن المراد بالردة في هذه الأحاديث: الردة عن الإسلام، وعلى هذا يكون المراد بالمُذَادِين عن الحوض: أهل الردة الذين قاتلهم أبو بكر -﵁-، وكذا من أظهر الإسلام في عهده -ﷺ- وصحبه وهو من المنافقين، فيجوز أن يحشر هؤلاء المرتدون والمنافقون بالغرة والتحجيل، لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم النبي -ﷺ- من أجل السيما التي عليهم، أو لمعرفته إياهم بأعيانهم وإن لم يكن لهم غرة وتحجيل، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، أي: لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه من الإسلام.
وإلى هذا ذهب قبيصة بن عقبة (^١) (^٢)، وابن قتيبة (^٣)، والباجي (^٤) (^٥)،
_________________
(١) هو أبو عامر قبيصة بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عقبة السوائي الكوفي، إمام حافظ ثقة عابد، رووا له في الكتب الستة، توفي سنة خمس عشرة ومائتين على الصحيح (٢١٥). [انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٤٦٩)، والسير (١٠/ ١٣٠)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٧٣)، والتقريب (٢/ ٢٦)].
(٢) انظر: صحيح البخاري (٣/ ١٢٧٢)، والفتح (٦/ ٤٩٠)، و(١١/ ٣٨٥، ٣٨٦).
(٣) انظر: تاويل مختلف الحديث (٢١٧ - ٢١٨).
(٤) هو القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب الأندلسي الباجي المالكي، علامة فقيه متكلم، أديب شاعر، له مصنفات منها: الإيماء في الفقه، وشرح المنهاج، توفي سنة (٤٧٤). [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ٣٤٠)، والسير (١٨/ ٥٤٤)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٤٤)].
(٥) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥١)، والمفهم (١/ ٥٠٤)، والفتح (١١/ ٣٨٦).
[ ٦٦٩ ]
والقاضي عياض (^١)، والقرطبي، وغيرهم (^٢)، وعزاه ابن بطال لبعض السلف (^٣).
قال القرطبي: "وقوله: (فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك) اختلف العلماء في تأويله، فالذي صار إليه الباجي وغيره، وهو الأشبه بمساق الأحاديث: أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناس نافقوا وارتدوا من الصحابة وغيرهم، فيحشرون في أمة النبي -ﷺ-، كما تقدم من قوله: (وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها) (^٤) وعليهم سيما هذه الأمة، من الغرة والتحجيل، فإذا رآهم النبي -ﷺ- عرفهم بالسيما، ومن كان من أصحابه بأعيانهم، فيناديهم: (ألا هَلُمَّ)، فإذا انطلقوا نحوه حيل بينهم وبينه، وأُخِذَ بهم ذات الشمال، فيقول النبي -ﷺ-: (يا رب أمتي ومن أمتي)، وفي لفظ آخر: (أصحابي)، فيقال له إذ ذاك: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم) " (^٥).
واستدل أصحاب هذا القول بظاهر الأحاديث المتقدمة (^٦).
القول الثاني: أن المراد بالردة في هذه الأحاديث: الردة عن الاستقامة، وذلك باقتراف السيئات وترك الواجبات، والإحداث في الدين، وعلى هذا يكون المُذَادُون عن الحوض: أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥١).
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ١٣٨ - ١٣٩)، و(١٧/ ٢٠٠)، والاعتصام (١/ ١٠٨)، والفتح (١١/ ٣٨٦)، ومختصر التحفة الاثني عشرية (٢٧٣)، والانتصار للصحابة الأخيار (١٣٠).
(٣) انظر: شرح صحيح البخاري (١٠/ ٧).
(٤) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وقد تقدم تخريجه ص (١٦٥).
(٥) المفهم (١/ ٥٠٤)، وانظر: إكمال المعلم (٢/ ٥١).
(٦) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ٧)، وإكمال المعلم (٢/ ٥٢)، و(٧/ ٢٦٩)، و(٨/ ٣٩١)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٠٠).
[ ٦٧٠ ]
الإسلام، وبناءً عليه فلا يقطع لهؤلاء الذين يُذَادُون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبةً لهم ثم يرحمهم الله تعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب.
وإلى هذا ذهب الخطابي وابن بطال (^١)، وابن عبد البر وغيرهم (^٢).
قال الخطابي: "وقوله: (ما زالوا مرتدين على أعقابهم) لم يُرِدْ به الردة عن الإسلام، ولذلك قيده بقوله: على أعقابهم -وإنما يعقل من الارتداد: الكفر، إذا أُطلق من غير تقييد- ومعناه: التخلف عن بعض الحقوق الواجبة والتأخر عنها، كقولك: نكص فلان على عقبيه، وقولك: ارتد على عقبيه، إذا تراجع إلى وراء، ولم يرتد بحمد الله ومنِّه أحد من أصحاب رسول الله -ﷺ-، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب الذين كانوا دخلوا في الإسلام رغبةً ورهبةً، كعيينة بن حصن جيء به أبا بكر أسيرًا، وبالأشعث بن قيس، فلم يقتلهما ولم يسترقَّهما، فعاودا الإسلام بعد" (^٣).
وقال ابن عبد البر: "كل من أحدث في الدين ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه -والله أعلم- وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، مثل: الخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم يبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجَور والظلم، وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المُسْتَخِفُّون بالمعاصي، وجميع أهل الزيغ والبدع، كل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا عُنُوا بهذا الخبر" (^٤).
_________________
(١) انظر: شرح صحيح البخاري (١٠/ ٦).
(٢) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥٢)، والتذكرة (١/ ٤٦٤)، والجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٦٨)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٣٩)، والاعتصام (١/ ١٠٦ - ١٠٨)، والفتح (١١/ ٣٨٥، ٣٨٦)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٩٧، ٢٠٠).
(٣) أعلام الحديث (٣/ ١٥٣٦).
(٤) التمهيد (٢٠/ ٢٦٢).
[ ٦٧١ ]
وأما قول النبي -ﷺ- كما في بعض الروايات: (أصحابي أصحابي)، فقد أجاب عنه بعضهم بأن المراد: مطلق المؤمنين به -ﷺ- المتبعين له، وليس المراد ما هو معروف شرعًا من هذا اللفظ، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة: أصحاب أبي حنيفة، ولمقلدي الشافعي: أصحاب الشافعي، وهكذا، وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في المذهب: أصحابنا، مع أن بينه وبينهم عدة من السنين.
ومعرفته -ﷺ- لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم، وجذبهم إلى ذات الشمال تأديبًا لهم وعقابًا لهم على معاصيهم (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية لمحمود شكري الألوسي (٢٧٢)، والروض الباسم لابن الوزير (١/ ١١٥ - ١١٩).
[ ٦٧٢ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يدل عليه ظاهر الروايات المتقدمة أن المراد بالردة: الردة عن الإسلام، وأن المذادين عن الحوض هم نفر قليل ممن صحب النبي -ﷺ- ثم ارتد بعد موته، وهم الذين قاتلهم أبو بكر -﵁-، وليس فيهم أحد من مشاهير الصحابة الذين رسخت أقدامهم في الإسلام، وإنما غالبهم من الأعراب وحديثي العهد في الإسلام، ممن لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، وقد يكون منهم من لم يرَ النبي -ﷺ- إلا المرة والمرتين.
قال البغدادي (^١): "أجمع أهل السنة على إيمان المهاجرين والأنصار من الصحابة وأجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي -ﷺ- -من كندة وحنيفة وفزارة وبني أسد وبني بكر بن وائل- لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين قبل فتح مكة، وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي -ﷺ- قبل فتح مكة، وأولئك بحمد الله ومَنِّهِ دَرَجوا على الدين القويم والصراط المستقيم" (^٢).
وقال العلامة محمد أمين السويدي (^٣): "لم يقل أحد من أهل السنة:
_________________
(١) هو أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الفقيه الشافعي، نزيل خراسان، وأحد أعلام الشافعية، كان علامة ماهرًا في فنون كثيرة، وله مصنفات في النظر والعقليات، ومن مصنفاته: أصول الدين، والفرق بين الفرق، توفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة (٤٢٩). [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٧٤)، والسير (١٧/ ٥٧٢)، والبداية والنهاية (١٢/ ٤٨)].
(٢) الفرق بين الفرق (٣١٨).
(٣) هو أبو الفوز محمد أمين بن علي بن محمد بن سعيد السويدي العباسي البغدادي، =
[ ٦٧٣ ]
إنهم صحابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين كانوا معه، نعم، يصدق ذلك على أكثر بني حنيفة وبني تميم الذين تشرفوا بزيارة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما جاؤوا إليه وفودًا، فإنهم ابتلوا بهذا البلاء فخابوا وخسروا" (^١).
وقال أيضًا: "وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الروايات (أصحابي) فقد ثبت لهم الصحبة، لأنهم اجتمعوا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مؤمنين به، فظن أنهم بقوا على إيمانهم، فقال: (أصحابي) فرد الله عليه بأن هؤلاء انسلخ عنهم اسم الصحبة، لأنهم ارتدوا بعد ذلك في زمن خلافة أبي بكر، وأنت لا تدري بذلك، إذ الصحابي هو: من اجتمعِ بك مؤمنًا بك ومات على الإيمان، فلما علم النبي ذلك قال: (سحقًا سحقًا) أي: لأنهم ليسوا من صحابته" (^٢).
ولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضًا من كان في زمن النبي -ﷺ- من المنافقين، فإنهم يحشرون مع المؤمنين يوم القيامة، كما في الحديث المتفق عليه: (وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها)، فيناديهم النبي -ﷺ- مستصحبًا لحالهم التي فارقهم عليها في الدنيا.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١].
_________________
(١) = علامة نسابة متكلم، من علماء العراق، ولد ببغداد وتوفي في بريدة (بنجد) عائدًا من الحج سنة (١٢٤٦) له مؤلفات منها: سبائك الذهب في معرفة أنساب العرب، والصارم الحديد. [انظر: الأعلام (٦/ ٤٢)، ومعجم المؤلفين (٣/ ١٤٤)].
(٢) الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد (٨٨٨) تحقيق الدكتور جازي الجهني، رسالة دكتوراه في الجامعة الإسلامية، لم تطبع بعد.
(٣) الصارم الحديد (٨٩٥ - ٨٩٦).
[ ٦٧٤ ]
والدليل على أن هؤلاء المرتدين قلَّة: قوله -ﷺ- كما في بعض روايات الحديث: (فأقول: يا رب أُصَيْحَابي) بالتصغير، أراد بذلك تقليل العدد.
قال الخطابي: "إنما صغَّر ليدل بذلك على قلة عدد من هذا وصفه" (^١).
وأما الدليل على أن المذادين عن الحوض بعض من صحب النبي -ﷺ-، وأن الردة المذكورة هي الردة عن الإسلام: فظاهر الروايات المتقدمة، والتي منها:
- قوله -ﷺ-، كما في حديث أبي هريرة -﵁-: (وإن أُناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾، -إلى قوله- ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧، ١١٨،]، متفق عليه.
قال النووي: "هذه الرواية تؤيد قول من قال المراد به الذين ارتدوا عن الإسلام" (^٢).
- وكذا تلاوته الآية في الحديث المتقدم دليل على دخول بعض من رآه النبي -ﷺ- في الوعيد.
قال القاضي عياض: "وفيها حجة على صحة تأويل من ذهب إلى أن الحديث فيمن ارتد بعد النبي -﵇- ممن رآه، لتلاوته هذه الآية، ولقوله: (لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم) " (^٣).
- وكذا قوله في حديث أبي هريرة -﵁- كما عند مسلم: (ولَيُصَدَّنَّ عني طائفة منكم)، فقوله: (منكم) صريح في كون المذادين عن الحوض بعض
_________________
(١) أعلام الحديث (٣/ ١٥٣٦)، وانظر: تأويل مختلف الحديث (٢١٨)، والفتح (١١/ ٣٨٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٠٠).
(٣) إكمال المعلم (٨/ ٣٩١).
[ ٦٧٥ ]
من صحب النبي -ﷺ-، لا سيما وقد قال في بقية الحديث: (فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي).
- وقوله في حديث سهل بن سعد -﵁-: (ليَرِدَنَّ علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) (^١)، متفق عليه.
- وقوله في حديث أنس -﵁- -كما عند البخاري ومسلم-: (لَيَرِدَنَّ عَليَّ الحوضَ رجال ممن صاحبني)، وهذه الرواية صريحة في المراد، ولذا قال القاضي عياض عن هذا اللفظ: إنه "يدل على صحة تأويل من تأول أنهم أهل الردة، ولذلك قال -﵇- فيهم: (سحقًا سحقًا) والنبي -﵇- لا يقول ذلك في مذنبي أمته، بل يشفع لهم ويهتم بأمرهم، ويضرع إلى الله تعالى في رحمتهم والعفو عنهم" (^٢).
ويشهد لهذا ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي بكرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (ليردنَّ عليَّ الحوض رجال ممن صحبني ورآني، حتى إذا رُفعوا إليَّ ورأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولن: رب أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (^٣).
قال ابن قتيبة ردًا على احتجاج الرافضة بهذه الأحاديث على كفر الصحابة كلهم وارتدادهم، إلا عددًا قليلًا منهم، كعلي وأبي ذَرٍّ والمقداد وسلمان وعمار بن ياسر وحذيفة، -﵃- أجمعين، قال: "إنهم لو تدبروا الحديث، وفهموا ألفاظه، لاستدلوا على أنه لم يُرِدْ بذلك إلا القليل، يدلك على ذلك قوله: (ليردن علي الحوض أقوام)، ولو كان أرادهم جميعًا إلا من ذكروا لقال: "لتردُنَّ علي الحوض، ثم لتُختلجُن دوني"، ألا ترى أن القائل إذا قال: "أتاني اليوم أقوام من بني تميم، وأقوام من أهل الكوفة" فإنما يريد قليلًا من كثير؟ ولو أراد أنهم أتوه إلا نفرًا يسيرًا قال: "أتاني بنو
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥٢).
(٢) إكمال المعلم (٧/ ٢٦٩).
(٣) المسند (٣٤/ ١٣٣) خ (٢٠٤٩٤)، و(٣٤/ ١٣٤) ح (٢٠٥٠٧).
[ ٦٧٦ ]
تميم، وأتاني أهل الكوفة"، ولم يجز أن يقول: "قوم" لأن القوم هم الذين تخلفوا.
ويدلك أيضًا قوله: (يا رب أصيحابي) بالتصغير، وإنما يريد بذلك تقليل العدد، كما تقول: "مررت بأُبيَّات متفرقة" و"مررت بجُمَيْعَة".
ونحن نعلم أنه قد كان يشهد مع رسول الله -ﷺ- المشاهد، ويحضر معه المغازي: المنافق لطلب المغنم، والرقيق الدين، والمرتاب والشاك، وقد ارتد بعده أقوام، منهم عيينة بن حصن، ارتد ولحق بطليحة بن خويلد، حين تنبأ وآمن به، فلما هزم طليحة هرب، فأسره خالد بن الوليد، وبعث به إلى أبي بكر -﵁- في وثاق فلما كلَّمه أبو بكر -﵁- رجع إلى الإسلام، فقبل منه، وكتب له آمانًا، ولم يزل بعد ذلك رقيق الدين حتى مات
ولعيينة بن حصن أشباه ارتدوا حين ارتدت العرب، فمنهم من رجع وحسن إسلامه، ومنهم من ثبت على النفاق، وقد قال الله ﵎ ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]، الآية، فهؤلاء هم الذين يختلجون دونه" (^١).
وأما القول بأنه لم يرتد أحد ممن صحب النبي -ﷺ- فغير سديد، فإن أحدًا لا يسعه إنكار أو تجاهل حادثة أهل الردة الذين قاتلهم أبو بكر -﵁-.
قال القرطبي: "وقتال أبي بكر -﵁- لأهل الردة معلوم متواتر" (^٢).
بل عدَّ بعض أهل العلم ما حصل من أهل الردة من أعلام نبوته -ﷺ- حيث أخبر بها قبل وقوعها، فوقعت كما أخبر (^٣).
ولا يمنع هذا أن يذاد غير هؤلاء عن الحوض ممن كان بعدهم،
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث (٢١٧ - ٢١٨).
(٢) المفهم (٦/ ٩٣).
(٣) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥٤).
[ ٦٧٧ ]
وصنع مثل صنيعهم، وإن لم يكن ممن صحب النبي -ﷺ-، فذكر هؤلاء والتنصيص عليهم لا يلزم منه اختصاصهم بهذا الوعيد، وخروج غيرهم منه، لا سيما وقد أشار النبي -ﷺ- إلى العلة، وهي: الردة، والإحداث، والتبديل، فمن وقع منه ذلك فهو من المتوعدين بالذود عن حوضه -ﷺ-، وقد أشار إلى هذا القرطبي (^١) وغيره (^٢).
وقد يشهد لهذا حديث أبي هريرة -﵁-، كما عند مسلم، أن النبي -ﷺ- أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا)، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: (أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد)، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: (أرأيت لو أن رجلًا له خيل غُرٌّ محجلة بين ظهري خيل دُهْمٍ بُهْمٍ، ألا يعرف خيله؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هَلُمَّ فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا).
وأما معرفة النبي -ﷺ- لهؤلاء المذادين عن الحوض، ونداؤه لهم، فيحتمل أن يكون ذلك لأجل الغرة والتحجيل التي تكون عليهم ثم تزال عنهم، كما هو الحال بالنسبة للمنافقين حين يُعطَون نورًا ثم يطفأ عنهم، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر -﵁- أنه قال: "ويعطى كل إنسان منهم منافقٍ أو مؤمنٍ نورًا، ثم يَتَّبِعُونه -أي الله تعالى- وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يُطْفَأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون" (^٣)، وهذا ما استظهره القاضي عياض وغيره (^٤).
_________________
(١) تقدم نقل كلامه ص (٦٧٠).
(٢) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥٢).
(٣) صحيح مسلم، (٣/ ٥٠) ح (١٩١).
(٤) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥١)، والمفهم (١/ ٥٠٥)، والفتح (١١/ ٣٨٦).
[ ٦٧٨ ]
ويحتمل أن يكون النبي -ﷺ- قد عرف الذين صحبوه بأعيانهم، دون أن يكون لهم غرة وتحجيل، وإلى هذا مال ابن حجر -﵀-، حيث قال: "ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما، لأنها كرامة يظهر بها عمل المسلم، والمرتد قد حبط عمله،، فقد يكون عرفهم بأعيانهم لا بصفتهم، باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم" (^١).
ويشهد لهذا قوله -ﷺ-: (أعرفهم ويعرفونني).
ويحتمل أن تكون معرفته إياهم بمجموع الأمرين، فيعرف الذين صحبوه بأعيانهم، ويعرف من أتى بعدهم من أمته بالغرة والتحجيل (^٢) والله أعلم.
وأما حمل هذه الأحاديث على أهل البدع والكبائر -على ما جاء في القول الثاني- فإنه وإن كان محتملًا -لورود لفظ الإحداث كما في بعض الروايات- إلا أن دلالة الأحاديث على القول الأول أظهر -والله تعالى أعلم- وقد تقدم قريبًا نقل كلام القاضي عياض في استبعاد هذا القول.
وقال ابن حجر: "وأما دخول أصحاب البدع في ذلك فاستُبعد، لتعبيره في الخبر بقوله: (أصحابي)، وأصحاب البدع إنما حدثوا بعده، وأُجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعم، واستُبعد أيضًا، لأنه لا يقال للمسلم ولو كان مبتدعًا: (سحقًا)، وأُجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه قُضي عليه بالتعذيب على معصية ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله: (سحقًا) تسليمًا لأمر الله مع بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر" (^٣).
وقال أيضًا: "وحاصل ما حمل عليه حال المذكورين أنهم إن كانوا ممن ارتد عن الإسلام فلا إشكال في تبري النبي -ﷺ- منهم وإبعادهم، وإن
_________________
(١) الفتح (١١/ ٣٨٦).
(٢) انظر: المفهم (١/ ٥٠٤).
(٣) الفتح (١١/ ٣٨٦).
[ ٦٧٩ ]
كانوا ممن لم يرتد، لكن أحدث معصية كبيرة من أعمال البدن، أو بدعة من أعمال القلب، فقد أجاب بعضهم بأنه يحتمل أن يكون أعرض عنهم ولم يشفع لهم اتباعًا لأمر الله فيهم، حتى يعاقبهم على جنايتهم، ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته لأهل الكبائر من أمته، فيخرجون عند إخراج الموحدين من النار، والله أعلم" (^١).
* * *
_________________
(١) الفتح (١٣/ ٤).
[ ٦٨٠ ]
المبحث الخامس: شفاعته -ﷺ- لعمه أبي طالب
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٦٨١ ]
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال
عن أبي سعيد الخدري -﵁-، أنه سمع النبي -ﷺ-، وذُكِر عنده عمُّه، فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضَحْضَاحٍ (^١) من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه)، متفق عليه (^٢).
وعن العباس بن عبد المطلب -﵁- قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: (نعم، هو في ضَحْضَاحٍ من نار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، متفق عليه (^٣).
بيان وجه الإشكال
قال الحافظ ابن حجر: "استُشكل قوله -ﷺ-: (تنفعه شفاعتي) بقوله
_________________
(١) هو في الأصل: الماء القليل يكون على وجه الأرض، يبلغ الكعبين، واستعير في النار. [انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٥٧) مادة (ضح)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (٢٣٤)، والنهاية (٣/ ٧٥)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٨٤)].
(٢) البخاري في موضعين: في كتاب: فضائل الصحابة، باب: قصة أبي طالب (٣/ ١٤٠٩) ح (٣٦٧٢)، وفي كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار (٥/ ٢٤٠٠) ح (٦١٩٦)، ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: شفاعة النبي -ﷺ- لأبي طالب (٣/ ٨٥) ح (٢١٠).
(٣) البخاري في مواضع: في كتاب: الأدب، باب: كنية المشرك (٥/ ٢٢٩٣) ح (٥٨٥٥)، وفي كتاب: فضائل الصحابة، باب: قصة أبي طالب (٣/ ١٤٠٨) ح (٣٦٧٠)، وفي كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار (٥/ ٢٤٠٢) ح (٦٢٠٣) مختصرًا، ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: شفاعة النبي -ﷺ- لأبي طالب (٣/ ٨٤) ح (٢٠٩).
[ ٦٨٢ ]
تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨] " (^١) أي: كيف نفعت شفاعة النبي -ﷺ- أبا طالب -حيث سُئل: هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فقال: (نعم) - وقد أخبر الله تعالى أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، ومعلوم أن أبا طالب قد مات على الكفر، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرَتْ أبا طالب الوفاةُ، جاءه رسول الله -ﷺ-، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: (أي عمِّ، قل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله)، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله -ﷺ- يعرضها عليه، ويُعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (والله لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك)، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله -ﷺ-: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (^٢).
قال ابن حجر عن آية القصص: "لم تختلف النقلة في أنها نزلت في أبي طالب" (^٣).
* * *
_________________
(١) الفتح (١١/ ٤٣١)، وانظر: إكمال المعلم (١/ ٥٩٦)، والمفهم (١/ ٤٥٧).
(٢) البخاري (٤/ ١٧٨٨) ح (٤٤٩٤)، ومسلم (١/ ٣٢٧) ح (٢٤).
(٣) الفتح (٨/ ٥٠٦).
[ ٦٨٣ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في الجواب على هذا الحديث على أقوال، أهمها:
القول الأول: أن هذا خاص بأبي طالب، ولذلك عدوه في خصائص النبي -ﷺ-، وأما سائر الكفار فإن حسناتهم وخيراتهم لا تنفعهم شيئًا يوم القيامة، بسبب كفرهم.
وإلى هذا ذهب البيهقي وابن كثير (^١) وغيرهما (^٢).
قال البيهقي: ووجهه عندي أن الشفاعة في الكفار إنما امتنعت لوجود الخبر الصادق في أنه لا يشفع فيهم أحد، وهو عام في حق كل كافر، فيجوز أن يخص منه من ثبت الخبر بتخصيصه (^٣).
وقال: ويصح لمن ذهب هذا المذهب في خيرات الكافر أن يقول: إن ما خُصَّ به أبو طالب من التخفيف إنما هو لأجل النبي -ﷺ-، تطييبًا لقلبه وثوابًا له في نفسه لا لأبي طالب، لأن حسناته صارت بموته على الكفر هباءً منثورًا، وقد ورد أن ثواب الكافر على إحسانه إنما يكون في الدنيا (^٤).
_________________
(١) انظر: النهاية (٢/ ٣٧).
(٢) انظر: المنهاج للحليمي (١/ ٣٩٠)، والجامع لشعب الإيمان للبيهقي (٢/ ٦١)، والتذكرة (٢/ ١٥)، وفتاوى نور على الدرب، من أجوبة سماحة الشيخ ابن باز (١/ ١١٧)، والقول المفيد (١/ ٣٣٤).
(٣) انظر: البعث والنشور (٦١)، والجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦١، ٦٦)، والفتح (١١/ ٤٣١).
(٤) انظر: الجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٦)، والبعث (٦١)، والمنهاج للحليمي (١/ ٣٩٠).
[ ٦٨٤ ]
واستدل أصحاب هذا القول على أن سائر الكفار لا تنفعهم حسناتهم في الآخرة بعدة أدلة (^١)، منها:
١ - قوله تعالى عن الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨].
٢ - وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
٣ - حديث عائشة -﵂- قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: (لا إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، رواه مسلم (^٢).
٤ - حديث أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها)، رواه مسلم (^٣).
القول الثاني: أن هذا التخفيف ليس خاصًا في أبي طالب، وإنما هو عام في سائر الكفار، فجزاء خيراتهم تخفيف العذاب عنهم، وعلى هذا يكون معنى المنفعة في الآية غير معنى المنفعة في الحديث: فالمراد بها في الآية: الإخراج من النار، والمراد بها في الحديث: التخفيف من العذاب (^٤).
_________________
(١) انظر: الجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦١ - ٦٢)، والتذكرة (٢/ ١٥)، والنهاية لابن كثير (٢/ ٣٧)، والفتح (١١/ ٤٣١).
(٢) صحيح مسلم (٣/ ٨٧) ح (٢١٤).
(٣) صحيح مسلم (١٧/ ١٥٥) ح (٢٨٠٨).
(٤) انظر: المنهاج للحليمي (١/ ٣٩٠)، والجامع لشعب الإيمان (٢/ ٥٩)، والمعلم (١/ ٢٠٧)، و(٣/ ١٩٨)، وإكمال المعلم (٨/ ٣٤١)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٨٧)، والنهاية في الفتن (٢/ ٣٧)، ومجموع الفتاوى (١/ ١٤٤)، والفتح (١١/ ٤٣١).
[ ٦٨٥ ]
وإلى هذا ذهب القرطبي وجوَّزه البيهقي (^١)، وهو ظاهر قول ابن أبي العز (^٢).
قال القرطبي: "خيرات الكافر توزن ويجزى بها، إلا أن إلله تعالى حرم عليه الجنة، فجزاؤه أن يخفف عنه، بدليل حديث أبي طالب" (^٣).
واستدل هؤلاء بما يلي (^٤):
١ - قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فقالوا: إن الآية تشمل الكافر حيث لم يفصل الله تعالى بين نفس ونفس.
٢ - حديث أبي طالب، حيث نفعه إحسانه إلى النبي -ﷺ- في تخفيف العذاب عنه، فكان كل ذي خيرات وإحسان من الكفار مثله في هذا.
٣ - ما رواه البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير أنه قال: "ثُويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي -ﷺ-، فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشرِّ حيبة (^٥)، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألقَ بعدكم غير أني سُقيت في هذه (^٦) بعتاقتي ثويبة" (^٧).
وأجابوا عن أدلة القول الأول من الآيات والأحاديث، بأن المراد: أنه لا يكون لحسنات الكافر موقع التخلص من النار والإدخال في الجنة،
_________________
(١) انظر: البعث والنشور (٦٢).
(٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢٨٩).
(٣) التذكرة (٢/ ١٥).
(٤) انظر: المنهاج (١/ ٣٩٠)، والجامع لشعب الإيمان (٢/ ٥٩)، والبعث (٦٣)، والتذكرة (٢/ ١٥).
(٥) "أي: سوء حال" الفتح (٩/ ١٤٥).
(٦) جاء في بعض الروايات: "وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع" انظر: الفتح (٩/ ١٤٥).
(٧) صحيح البخاري (٥/ ١٩٦١) ح (٤٨١٣).
[ ٦٨٦ ]
وأما التخفيف من العذاب فإنه ممكن، لهذه الأدلة (^١).
القول الثالث: إنكار الحديث في تخفيف العذاب على أبي طالب، وعدم القول بثبوته. وإلى هذا ذهب الحليمي (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: المنهاج (١/ ١٩٠)، والجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٤)، والمفهم (١/ ٤٦٠)، والتذكرة (٢/ ١٥).
(٢) انظر: المنهاج (١/ ٣٩٠)، والجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٦).
[ ٦٨٧ ]
المطلب الثالث: الترجيح
حاصل الأقوال المتقدمة كلها: الاتفاق على أن الكافر لا تنفعه أعماله الحسنة نفعًا يخلصه من النار ويدخله الجنة، حتى ولو اقترن ذلك بشفاعة شافع، وهذا مما انعقد الإجماع عليه، كما نقله القاضي عياض (^١)، والنووي (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما الشفاعة والدعاء، فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار، والاستغفار لهم، مع موتهم على الكفر لا تنفعهم، ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا، فلا شفيع أعظم من محمد -ﷺ-، ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له، كما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقد كان -ﷺ- أراد أن يستغفر لأبي طالب، اقتداءً بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٤، ١١٥] فهذا لما مات مشركًا لم
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم (١/ ٥٩٧)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٨٧).
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥٥).
[ ٦٨٨ ]
ينفعه استغفار إبراهيم، مع عظم جاهه وقدره" (^١).
ويبقى الكلام في تخفيف العذاب على الكافر بسبب حسنات عملها، هل هو خاص في أبي طالب، لورود النص به، أم أنه عام فيه وفي غيره من الكفار؟ في هذا وقع الخلاف كما تقدم.
والذي يظهر -والله تعالى أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن ذلك خاص بأبي طالب، وأما سائر الكفار فقد أخبر الله تعالى أنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وعلى هذا فلا تعارض بين شفاعة النبي -ﷺ- لأبي طالب، وقوله تعالى عن الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨] لأن الآية محكمة، والحديث ثابت، فتعين القول بهذا، وهو تخصيص الآية بالحديث، علمًا أن هذا النفع الحاصل لأبي طالب ليس نفعًا كاملًا، وإنما هو نفع ناقص، فالعذاب لم يسقط عنه بالكلية وإنما خفف، ومع هذا فهو لا يرى أن أحدًا أشد عذابًا منه.
وأما القول الثاني وهو أن التخفيف يعم كل كافر له حسنات، فليس في الحديث ما يدل عليه، فإن التخفيف عن أبي طالب إنما كان بشفاعة النبي -ﷺ- له لا بعمله، كما هو ظاهر الحديث: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة)، وشفاعة النبي -ﷺ- له مبنية على سبب معين له تعلق به -﵇-، حيث جاء في الحديث: فإنه كان يحوطك ويغضب لك، فنصرته للنبي -ﷺ- وحمايته له هي سبب الشفاعة، وليس سببها أعمال خير قدمها غير هذا، وعليه فلا وجه لإقحام أعمال الكفار الحسنة في هذا النزاع، ولا الاستدلال بهذا الحديث على نفعها لعموم الكفار في الآخرة، لا سيما وقد ورد النص الصحيح الصريح بخلافه، كما في صحيح مسلم من حديث عائشة -﵂- أنها قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: (لا إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين).
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٤٥ - ١٤٦).
[ ٦٨٩ ]
قال النووي: "معنى هذا الحديث: أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم، لا ينفعه في الآخرة لكونه كافرًا، وهو معنى قوله -ﷺ-: (لم يقل: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين) أي: لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به كافر، ولا ينفعه عمل" (^١).
وجاء في صحيح مسلم أيضًا من حديث أنس -﵁- أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها).
قال القاضي عياض: "الأصل أن الكافر لا يجزى في الآخرة على خير عمله في الدنيا، ولا يكتب له حسنة، لأن شرط الثواب والجزاء عُدِم، وهو الإيمان، لكن أخبر في هذا الحديث أنه من عدْل الله أنه قد جازاه بها في الدنيا بما أعطاه ورزقه وأطعمه، بخلاف المؤمن الذي يدخر له حسناته في الآخرة" (^٢).
وأما استدلالهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فقد أجاب عنه الحافظ ابن كثير فقال: "قصارى هذه الآية: العموم، فيخص من ذلك الكافرون" (^٣)، ثم استدل على هذا التخصيص بقول النبي -ﷺ- في ابن جدعان -وقد تقدم- وكذا قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقال ابن حجر بعد ذكر هذا القول واستدلال أصحابه بهذه الآية: "هذا البحث النظري معارض بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] وحديث أنس الذي أشرت إليه" (^٤) يعني الحديث المتقدم.
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٨٧).
(٢) إكمال المعلم (٨/ ٣٤١ - ٣٤٢)، وانظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥٥).
(٣) النهاية (٢/ ٣٧).
(٤) الفتح (١١/ ٤٣١).
[ ٦٩٠ ]
وأما حديث عروة في أبي لهب وعتاقته ثويبه فقد ذكر الجواب عنه الحافظ ابن حجر فقال: "في الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
وأُجيب:
أولًا: بأن الخبر مرسل، أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولًا فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتج به.
وثانيًا: على تقدير القبول فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي -ﷺ- مخصوصًا من ذلك، بدليل قصة أبي طالب" (^١).
تنبيه:
رُوي في معنى هذا القول -أعني القول الثاني- حديث ضعيف، وهو ما أخرجه الحاكم وغيره عن عبد الله بن مسعود -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: (ما أحسنَ محسنٌ من مسلم ولا كافر إلا أثابه الله)، قال: فقلنا: يا رسول الله ما إثابة الله الكافر؟ قال: (إن كان قد وصل رحمًا أو تصدق بصدقةٍ أو عمل حسنةً، أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك)، قال: فقلنا: ما إثابته في الآخرة؟ فقال: (عذابًا دون عذاب) قال: وقرأ رسول الله -ﷺ-: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] (^٢).
_________________
(١) الفتح (٩/ ١٤٥)، وانظر: الجامع في شعب الإيمان (٢/ ٦٦ - ٦٧)، وإكمال المعلم (١/ ٥٩٦).
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٢٧٨) ح (٣٠٠١)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي فقال: "عتبة واهٍ"، والبزار (كشف ١/ ٤٤٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٤) ح (٢٧٧)، وقال: "في إسناده من لا يحتج به"، وفي البعث (٦٢) ح (١٥)، وقال: "في إسناده نظر"، وأورده الهيثمي في المجمع (٣/ ١١١)، وقال: "رواه البزار، وفيه عتبة بن يقظان، وفيه كلام، وقد وثقه ابن حبان، =
[ ٦٩١ ]
فهذا الحديث ذكرته للتنبيه على ضعفه، وإلا فلم أقف -بعد البحث- على من احتج به، غير أن البيهقي قال بعد سياقه له: هذا إن ثبت ففيه الحجة، لكن في إسناده من لا يحتج به (^١).
وأما القول الثالث: وهو رد الحديث وإنكاره فقد قال عنه البيهقي: "حديث أبي طالب صحيح، ولا معنى لإنكار الحليمي -﵀- الحديث، ولا أدري كيف ذهب عنه صحة ذلك، فقد رُوي من أوجه عن عبد الملك بن عمير، ورُوي من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- بمعناه، وقد أخرجه صاحبا الصحيح، وغيرهما من الأئمة في كتبهم الصحاح" (^٢).
* * *
_________________
(١) = وبقية رجاله ثقات"، وقال عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٤٣٢): "سنده ضعيف"، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (٥/ ٤٠)، وعزاه لابن ماجه في التفسير، وقال عنه: "منكر". قلت: وعتبة هذا هو ابن يقظان الراسبي، أبو عمرو، قال فيه النسائي: غير ثقة، وقال علي بن الحسين ابن الجنيد: لا يساوي شيئًا، وقال ابن حجر: ضعيف. [انظر: الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٤)، وتهذيب الكمال (١٩/ ٣٢٦)، وميزان الاعتدال (٥/ ٣٩ - ٤٠)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٩٢)، وتقريب التهذيب (١/ ٦٥٤)].
(٢) انظر: الجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٥).
(٣) الجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٦)، وانظر: البعث (٦١).
[ ٦٩٢ ]
المبحث السادس: ما جاء في سماع الأموات
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٦٩٣ ]
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال
عن ابن عمر -﵄- قال: اطَّلع النبي -ﷺ- على أهل القَلِيب فقال: (وجدتم ما وعد ربكم حقًا)، فقيل له: تدعوا أمواتًا؟ فقال: (ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون)، رواه البخاري (^١).
وفي رواية: قال النبي -ﷺ-: (إنهم الآن يسمعون ما أقول) فذكر لعائشة، فقالت: إنما قال النبي -ﷺ-: (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق)، ثم قرأَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] حتى قرأَتْ الآية (^٢).
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة -﵂-، أنه ذُكر عندها: أن ابن عمر رفع إلى النبي -ﷺ-: (إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله عليه)، فقالت: وَهَلَ ابن عمر -﵀-، إنما قال رسول الله -ﷺ-: (إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن)، قالت: وذاك مثل قوله: إن رسول الله -ﷺ- قام على القليب، وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم مثل ما قال: (إنهم ليسمعون ما أقول)، إنما قال: (إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق)، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر (١/ ٤٦٢) ح (١٣٠٤)، وكتاب المغازي، باب: شهود الملائكة بدرًا (٤/ ١٤٧٦) ح (٣٨٠٢)، وانظر: تخريج الرواية الثانية.
(٢) البخاري: كتاب المغازي، باب: قتل أبي جهل (٤/ ١٦٢) ح (٣٧٦٠)، وأخرج ما ورد عن عائشة -﵂- في كتاب الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر (١/ ٤٦٢) ح (١٣٠٥).
[ ٦٩٤ ]
الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] (^١).
وعن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة: أن نبي الله -ﷺ- أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقُذفوا في طَويٍّ (^٢) من أطواء بدر، خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة (^٣) ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فَشُدَّ عليها رحلها، ثم مشى واتَّبعه أصحابه، وقالوا: ما نُرَى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شَفَةِ الرَّكِيِّ (^٤)، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: (يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟) قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله -ﷺ-: (والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا. متفق عليه (^٥).
وثبت هذا الحديث -أعني: حديث القليب- عند مسلم من طريق
_________________
(١) متفق عليه: البخاري: كتاب المغازي، باب: قتل أبي جهل (٤/ ١٤٦٢) ح (٣٧٥٩)، ومسلم: كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٦/ ٤٨٨) ح (٩٣٢).
(٢) الطوي: هي البئر التي طويت وبنيت بالحجارة، لئلا تنهار. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٦٧)، والمجموع المغيث (٢/ ٣٧٥)، والفتح (٧/ ٣٠٢)].
(٣) العرصة: كل موضع واسع لا بناء فيه. [انظر: المجموع المغيث (٢/ ٤٢٢)، والنهاية (٣/ ٢٠٨)].
(٤) أي: طرف البئر. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٦٧)، والمجموع المغيث (١/ ٧٩٨)، والنهاية (٢/ ٢٦١)، والفتح (٧/ ٣٠٢)].
(٥) البخاري: كتاب المغازي، باب: قتل أبي جهل (٤/ ١٤٦١) ح (٣٧٥٧)، ومسلم -بدون قول قتادة-: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه (١٧/ ٢١٢) ح (٢٨٧٥)، وأخرجه أيضا عن أنس -﵁-، ولم يذكر فيه أبا طلحة: ح (٢٨٤٧).
[ ٦٩٥ ]
عمر بن الخطاب -﵁- (^١).
بيان وجه الإشكال
هو أن ظاهر هذا الحديث قد يفهم منه مخالفة قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، ولهذا اعترضت عليه عائشة -﵂- -كما ترى- واستدلت بالآيتين.
قال ابن كثير: "هذا مما كانت عائشة -﵂- تتأوله من الأحاديث وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات" (^٢).
* * *
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب: الجنة وصفة نعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه (١٧/ ٢١١) ح (٢٨٧٦).
(٢) البداية والنهاية (٣/ ٢٩٣)، وانظر: المحرر الوجيز لابن عطية (١٢/ ١٣٠).
[ ٦٩٦ ]
المطلب الثانى: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
سلك أهل العلم في هذه المسألة مسلكين: أحدهما الجمع، والآخر الترجيح، وإليك البيان:
أولًا: مسلك الترجيح (^١)، وهو ما ذهبت إليه عائشة -﵂-، حيث خطأت ابن عمر -﵄- في حديثه، وعارضته بالآية، فقالت: إنما قال النبي -ﷺ-: (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كلنت أقول لهم هو الحق) ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.
قال ابن حجر: "وهذا مصير من عائشة إلى رد رواية ابن عمر المذكورة" (^٢).
ثانيًا: مسلك الجمع: أي: الجمع بين الآية والحديث، فقالوا: إن أهل القليب قد سمعوا قول النبي -ﷺ- لهم، كما هو صريح حديث عمر وابنه وأبي طلحة -﵃-، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، كقتادة (^٣)، وابن أبي عاصم (^٤)،
_________________
(١) بدأت به أولًا قبل مسلك الجمع لأن الكلام في مسلك الجمع طويل.
(٢) الفتح (٣/ ٢٣٤).
(٣) انظر: صحيح البخاري (٤/ ١٤٦١) ح (٣٧٥٧)، وقد تقدم كلامه في المطلب الأول.
(٤) هو أبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني البصري، كان إمامًا حافظًا كبيرًا بارعًا متَّبعًا للآثار، من أهل السنة والحديث والنسك، ولي قضاء أصبهان ونشر بها علمه، له مصنفات منها: كتاب السنة، توفي -﵀- سنة سبع وثمانين ومائتين (٢٨٧) [انظر: السير (١٣/ ٤٣٠)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٤٠)، وشذرات الذهب (٢/ ١٩٥)].
[ ٦٩٧ ]
وابن قتيبة (^١)، والبربهاري (^٢)، والمازري (^٣)، وابن عطية (^٤)، والقاضي عياض (^٥)، وابن الجوزي (^٦)، وأبي العباس القرطبي (^٧)، وأبي عبد الله القرطبي (^٨)، والنووي (^٩)، وابن تيمية (^١٠)، وابن القيم (^١١)، وابن كثير (^١٢)، وابن مفلح (^١٣)، والآلوسي (^١٤)، والشنقيطي (^١٥)، والألباني (^١٦)،
_________________
(١) انظر: تأويل مختلف الحديث (١٤٢ - ١٤٣).
(٢) انظر: شرح السنة (٣٤).
(٣) انظر: المعلم (٣/ ٢٠٧).
(٤) انظر: المحرر الوجيز (١٢/ ١٣٠، ١٣١).
(٥) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٤٧) (٨/ ٤٠٥).
(٦) انظر: كشف المشكل (١/ ١٤٨).
(٧) انظر: المفهم (٢/ ٥٨٥)، و(٧/ ١٥١).
(٨) انظر: التذكرة (١/ ٢٢٧).
(٩) انظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢١١ - ٢١٢).
(١٠) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٨)، و(٢٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤).
(١١) انظر: الروح (٦٧ - ٦٨).
(١٢) انظر: البداية والنهاية (٣/ ٢٩٣).
(١٣) انظر: الفروع (٢/ ٣٠١). وابن مفلح هو: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي ثم الصالحي الحنبلي، الشيخ الإمام العالم العلامة، تفقه وبرع ودرس وأفتى وأفاد، كان آية وغاية في نقل مذهب الإمام أحمد، قال ابن القيم: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح، تتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، توفي -﵀- سنة (٧٦٣ هـ) له مصنفات عديدة أشهرها كتاب الفروع. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ١٩٩)، والأعلام (٧/ ١٠٧)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٧٢٩)].
(١٤) انظر: روح المعاني (٢١/ ٥٧ - ٥٨). والآلوسي هو: أبو الثناء شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي، مفسر محدث أديب مجدد، من أهل بغداد، مولده ووفاته فيها، وكان مجتهدًا سلفي الاعتقاد، له مؤلفات منها: تفسيره المشهور، واسمه: روح المعاني، وغرائب الاغتراب، توفي سنة (١٢٧٠). [انظر: الأعلام (٧/ ١٧٦)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٨١٥)].
(١٥) انظر: أضواء البيان (٦/ ٤٢٢).
(١٦) انظر: مقدمة الآيات البينات (٤٠)، وكتاب السنة لابن أبي عاصم (٤١٤) هامش (١).
[ ٦٩٨ ]
وغيرهم (^١).
قال ابن أبي عاصم: "والأخبار التي في قليب بدر، ونداء النبي -ﷺ- إياهم، وما أخبر أنهم يسمعون كلامه، أخبار ثابتة توجب العمل والمحاسبة" (^٢).
وأما الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، فقد أجابوا عنها بعدة أجوبة (^٣).
قال الشنقيطي: "اعلم أن التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية، واستقراء القرآن أن معنى قوله هنا: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا يصح فيه من أقوال العلماء إلا تفسيران:
الأول: أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى، أي: لا تسمع الكفار الذين أمات الله قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه إسماع هدىً وانتفاع، لأن الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذنهم الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع
التفسير الثاني: هو أن المراد بالموتى: الذين ماتوا بالفعل، ولكن المراد بالسماع المنفي في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به، وأن هذا مَثَلٌ ضُرِبَ للكفار، والكفار يسمعون الصوت، لكن لا يسمعون سماع قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع أنواع السماع، كما لم يُنفَ ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا" (^٤).
_________________
(١) انظر: فتح القدير (٤/ ١٥١)، والآيات البينات (٥٥ - ٥٦، ٦٨).
(٢) السنة (٤١٤).
(٣) انظر: الفتح (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
(٤) أضواء البيان (٦/ ٤١٦ - ٤٢١)، وقد تكلم على معنى هذه الآية وقرره بكلام =
[ ٦٩٩ ]
قلت: والتفسير الأول الذي ذكره عليه أغلب المفسرين (^١)، وأما الثاني فقد قال: به ابن تيمية (^٢) وغيره (^٣).
قال ابن تيمية -﵀-: "وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، المراد السماع المعتاد الذي يتضمن القبول والانتفاع -كما في حق الكفار- السماع النافع في قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠]، فإذا كان قد نفى عن الكافر السمع مطلقًا، وعلم أنه إنما نفى سمع القلب المتضمن للفهم والقبول، لا مجرد سماع الكلام، فكذلك المشبه به وهو الميت" (^٤).
والقول في الآية الأخرى -آية فاطر- وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، كالقول في الآية المتقدمة (^٥).
وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في سماع الموتى، هل هو عام دائم، أم مخصوص مقيد بما ورد؟
١ - فذهب البعض إلى القول: بالعموم والإطلاق كابن مفلح (^٦)
_________________
(١) = رصين متين، لا تكاد تجده في غيره، فراجعه إن شئت.
(٢) انظر: جامع البيان (١٠/ ١٣)، وتفسير القرآن للسمعاني (٤/ ١١٢)، ومعالم التنزيل (٣/ ٤٢٨)، والجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٢٣٢)، والآيات البينات في عدم سماع الأموات (٢١ - ٢٢).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٨)، و(٢٤/ ٣٦٤)، وأضواء البيان (٦/ ٤٢٠).
(٤) انظر: الروح لابن القيم (٦٨)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٥٩٨)، وتهذيب الآثار للطبري (٢/ ٥٢٠).
(٥) المستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ٩٤).
(٦) انظر: جامع البيان (١٠/ ٤٠٧)، وتفسير القرآن للسمعاني (٤/ ٣٥٥)، ومعالم التنزيل (٣/ ٥٦٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٣٤٠)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٨٧٩)، وأضواء البيان (٦/ ٤١٩).
(٧) انظر: الفروع (٢/ ٣٠١).
[ ٧٠٠ ]
والشنقيطي، وهو ظاهر كلام قوام السنة الأصبهاني (^١) وغيره (^٢)، وحكاه الطبري وابن حجر عن جماعة من العلماء (^٣).
قال الشنقيطي: "اعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أن الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم، وأن قول عائشة -﵂- ومن تبعها: إنهم لا يسمعون استدلالًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وما جاء في معناها من الآيات غلط منها -﵂-، وممن تبعها، وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبني على مقدمتين:
الأولى منهما: أن سماع الموتى ثبت عن النبي -ﷺ- في أحاديثَ متعددة، ثبوتًا لا مطعن فيه، ولم يذكر النبي -ﷺ- أن ذلك خاص بإنسان ولا بوقت.
والمقدمة الثانية: هي أن النصوص الصحيحة عنه -ﷺ- في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها، وتأويل عائشة -﵂- بعض الآيات على معنى يخالف الأحاديث المذكورة، لا يجب الرجوع إليه، لأن غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه، فلا ترد النصوص الصحيحة عن النبي -ﷺ- بتأول بعض الصحابة بعضَ الآيات" (^٤).
وقال تعليقًا على حديث القليب: "وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر -ﷺ- في ذلك تخصيصًا، وكلام قتادة الذي ذكره عنه البخاري اجتهاد منه فيما يظهر" (^٥).
٢ - وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأموات يسمعون في الجملة، فيسمعون في حال دون حال، وفي وقت دون وقت.
_________________
(١) انظر: الحجة (٢/ ٣٣١).
(٢) انظر: تأويل مختلف الحديث (١٤٢).
(٣) انظر: تهذيب الآثار (٢/ ٥١٠)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٣٥٩)، وفتاوى الحافظ ابن حجر، قسم العقيدة (٥٨).
(٤) أضواء البيان (٦/ ٤٢١)، وانظر: (٦/ ٤٢٩).
(٥) أضواء البيان (٦/ ٤٢٢)، وانظر: (٦/ ٤٢٣، ٤٢٤، ٤٢٥).
[ ٧٠١ ]
وممن ذهب إلى هذا الطبري (^١)، وابن تيمية، وابن القيم (^٢)، وجوَّزه أبو العباس القرطبي (^٣).
قال ابن تيمية بعد ذكره لبعض النصوص، كحديث القليب وغيره: "فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض للحي، فإنه قد يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرض له، وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أمر به ونهي عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] (^٤) " (^٥).
واستدل هؤلاء -أعني: أصحاب هذين القولين- على قولهم: بسماع الموتى بعدة أدلة، أهمها:
- حديث القليب، وقد تقدم.
- حديث أنس -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان )،
_________________
(١) انظر: تهذيب الآثار (٢/ ٥٢٠ - ٥٢١)، وأهوال القبور لابن رجب (١٣٣).
(٢) انظر: الروح (٦٧ - ٦٨).
(٣) انظر: المفهم (٢/ ٥٨٦)، و(٧/ ١٥١).
(٤) انظر في تفسير الآية: جامع البيان (٦/ ٢٠٩)، ومعالم التنزيل (٢/ ٢٤٠)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ٣٨٨)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٦٨).
(٥) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٤)، وانظر (٤/ ٢٩٨).
[ ٧٠٢ ]
متفق عليه (^١).
- مشروعية السلام على أهل القبور بصيغة الخطاب للحاضر، وهذا ثابت في أحاديث كثيرة، كحديث أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، رواه مسلم (^٢).
قال ابن تيمية: "فهذا خطاب لهم، وإنما يخاطب من يسمع" (^٣).
وقال الشنقيطي: "وخطابه -ﷺ- لأهل القبور بقوله: (السلام عليكم)، وقوله: (وإنا إن شاء الله بكم) ونحو ذلك يدل دلالة واضحة على أنهم يسمعون سلامه، لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم" (^٤).
٣ - وذهب آخرون إلى أن الأصل عدم السماع، وأما حديث القليب وغيره مما ورد فهو مستثنى من هذا الأصل، فيكون من قَبِيْل تخصيص العموم، وهذا ما ذهب إليه قتادة والقاضي أبو يعلى (^٥)، والمازري، وابن عطية (^٦)، وابن الجوزي (^٧)، وأبو عبد الله القرطبي، والشوكاني (^٨)، والآلوسي (^٩)، وابنه نعمان (^١٠)،
_________________
(١) البخاري: (١/ ٤٦٢) ح (١٣٠٨)، ومسلم (١٧/ ٢٠٨) ح (٢٨٧٠).
(٢) تقدم تخريجه ص (٦٦١ - ٦٦٢).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٣)، وانظر: الروح لابن القيم (١٥ - ١٦، ٦٨)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٦٩٧، ٦٩٩).
(٤) أضواء البيان (٦/ ٤٢٥ - ٤٢٦).
(٥) نقل ذلك عنه ابن رجب في أهوال القبور (١٣٣).
(٦) انظر: المحرر الوجيز (١٢/ ١٣٠)، و(١٣/ ١٦٩).
(٧) انظر: كشف المشكل (١/ ١٤٨)، والفروع لابن مفلح (٢/ ٣٠٢).
(٨) انظر: فتح القدير (٤/ ١٥١).
(٩) انظر: روح المعاني (٢١/ ٥٧ - ٥٨).
(١٠) وقد ألَّف رسالةً في هذا بعنوان: "الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند =
[ ٧٠٣ ]
والألباني (^١) -وقد انتصرا له- وغيرهم (^٢).
قال قتادة: "أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا" (^٣).
وقال ابن بطال: "وعلى تأويل قتادة فقهاء الأئمة وجماعة أهل السنة، وعلى ذلك تأوَّله عبد الله بن عمر راوي الحديث عن النبي ﵇" (^٤).
وقال المازري تعليقًا على حديث القليب: "ذهب بعض الناس إلى أن الميت يسمع، أخذًا بظاهر هذا الحديث، والذي عليه المحصلون من العلماء: أن الله تعالى خرق العادة بأن أعاد الحياة إلى هؤلاء الموتى ليقرعهم -ﷺ-، وإلى هذا ذهب قتادة" (^٥).
وقال أبو عبد الله القرطبي: "اعلم رحمك الله أن عائشة -﵂- قد أنكرت هذا المعنى، واستدلت بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ولا تعارض بينهما، لأنه جائز أن يكونوا يسمعون في وقت ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المُخَصِّص، وقد وجد هنا بما ذكرناه -وقد تقدم (^٦) - وبقوله عليه الصلاة
_________________
(١) = الحنفية السادات". وهو: أبو البركات خير الدين نعمان بن محمود بن عبد الله الآلوسي، واعظ فقيه، ولد ونشأ ببغداد وبها توفي، وهو ابن العلامة محمود الآلوسي، له مؤلفات منها: كتابه المتقدم، وجلاء العينين في محاكمة الأحمدين، توفي سنة (١٣١٧). [انظر: الأعلام (٨/ ٤٢)، ومعجم المؤلفين (٤/ ٣٤)].
(٢) انظر: مقدمة كتاب: "الآيات البينات" (٤٠)، والسنة لابن أبي عاصم (٤١٤) هامش (١).
(٣) انظر: الفتح (٣/ ٢٣٥)، والآيات البينات (٥٨، ٦٨)، وفتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٤٧٢).
(٤) صحيح البخاري: (٤/ ١٤٦١) ح (٣٧٥٧).
(٥) شرح صحيح البخاري (٣/ ٣٥٩).
(٦) انظر: المعلم (٣/ ٢٠٧).
(٧) يعني حديث القليب.
[ ٧٠٤ ]
والسلام: (إنه ليسمع قرع نعالهم) (^١)، وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما، وغير ذلك" (^٢).
وهذا القول قريب من سابقه، فإن كلًا منهما لم يطلق القول: بالسماع، إلا أن القول السابق جعل السماع أصلًا، استنادًا إلى ما ورد من الأحاديث، وأما أصحاب هذا القول فقد جعلوا عدم السماع أصلًا، استنادًا إلى ما ورد من الآيات وغيرها، ولم يستثنوا من ذلك إلا ما ورد النص بإثباته.
قال الألباني: "وخلاصة البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال، كما في حديث خفق النعال، أو أن بعضهم سمع في وقت ما، كما في حديث القليب، فلا ينبغي أن يجعل ذلك أصلًا، فيقال: إن الموتى يسمعون، كما فعل بعضهم، كلا فإنها قضايا جزئية، لا تشكل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أن تستثنى منه، على قاعدة استثناء الأقل من الأكثر، أو الخاص من العام، كما هو المقرر في علم أصول الفقه" (^٣).
وعمدة هؤلاء فيما ذهبوا إليه أمران:
١ - الآيات الواردة في نفي سماع الموتى، والتي منها:
- الآيتان اللتان استدلت بهما عائشة -﵂-، وهما: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ [النمل: ٨٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
فقالوا: لا شك عند كل من تدبر الآيتين وسياقهما أن المعنى المراد
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) التذكرة (١/ ٢٢٧).
(٣) مقدمة الآيات البينات (٤٠).
[ ٧٠٥ ]
منهما هو: تشبيه الكفار الأحياء بحال الموتى وأهل القبور، فهما واردتان في حق الكفار على ما تقدم بيانه، لا ننازع في هذا، بل نقول: على هذا جرى علماء التفسير، لكن ذلك لا يمنع الاستدلال بهما على عدم سماع الموتى، لأن الموتى لمَّا كانوا لا يسمعون حقيقة، وكان ذلك معروفًا عند المخاطبين، شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع، فدل هذا التشبيه على أن المُشَبَّه بهم -وهم الموتى في قبورهم- لا يسمعون، كما يدل مثلًا تشبيه زيد في الشجاعة بالأسد على أن الأسد شجاع، بل هو في ذلك أقوى من زيد، ولذلك شُبِّه به، وإن كان الكلام لم يسق للتحدث عن شجاعة الأسد نفسه، وإنما عن زيد، وكذلك الآيتان السابقتان وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشبهوا بموتى القبور، فذلك لا ينفي أن موتى القبور لا يسمعون، بل إن كل عربي سليم السليقة، لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أن هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم، كما في المثال السابق.
قالوا: ومما يؤكد عدم سماع الأموات: تمام الآية الأولى: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، فقد شبه الله موتى الأحياء من الكفار بالصم أيضًا، فهل هذا يقتضي في المُشَبَّه بهم (الصم) أنهم يسمعون أيضًا، ولكن سماعًا لا انتفاع فيه؟ ! أم أنه يقتضي أنهم لا يسمعون مطلقًا، كما هو الحق الظاهر الذي لا خفاء فيه (^١).
قال ابن الهُمَام (^٢) عن هاتين الآيتين: "إنهما تفيدان تحقق عدم
_________________
(١) انظر: مقدمة الآيات البينات (٢١ - ٢٣)، وروح المعاني (٢/ ١٩ - ٢٠).
(٢) هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السواسي الأصل، الإسكندري ثم القاهري الحنفي، المعروف بابن الهمام -كمال الدين- من علماء الحنفية وفقهائهم، مشارك في الأصول والتفسير والنحو والصرف وغيرها، له مؤلفات منها: شرح الهداية في فروع الفقه الحنفي، سماه: فتح القدير، وله أيضًا: التحرير في أصول الفقه، توفي سنة (٨٦٠). [انظر: الضوء اللامع (٨/ ١٢٧)، والبدر الطالع (٢/ ٢٠١)، والأعلام (٦/ ٢٥٥)، =
[ ٧٠٦ ]
سماعهم، فإنه تعالى شبه الكفار بالموتى، لإفادة تعذر سماعهم، وهو فرع عدم سماع الموتى" (^١).
قالوا: وفي التفسير المأثور ما يؤيد هذا، فقد قال الطبري في تفسيره: "وقوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، يقول: وكما لا تقدر أن تسمع الصم -الذين قد سلبوا السمع- الدعاءَ، إذا هم ولُّوا عنك مدبرين، كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء -الذين قد سلبهم الله فَهَم آيات كتابه-، لسماع ذلك وفهمه"، ثم روى بإسناده عن قتادة أنه قال: "هذا مثل ضربه الله للكافر، فكما لا يسمع الميت الدعاء، كذلك لا يسمع الكافر، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، يقول: لو أن أصم ولَّى مدبرًا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما يسمع" (^٢).
قالوا: وبهذا يتبين صحة فهم عائشة -﵂- للآية، وتَوَجُّهِ اعتراضها، لولا أنه في مقابلة النص، وقد وافقها على هذا الفهم عمر -﵁-، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أنس -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- ترك قتلى بدر ثلاثة أيام، حتى جيفوا، ثم أتاهم فقام عليهم فقال: (يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا)، قال: فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله، أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ يقول الله ﷿ ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فقال: (والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا) (^٣).
_________________
(١) = ومعجم المؤلفين (٣/ ٤٦٩)].
(٢) نقل ذلك عنه الآلوسي في الآيات البينات (٥٩).
(٣) جامع البيان (١٠/ ١٩٧)، والأثر صحح إسناده الألباني في مقدمته للآيات البينات (٢٣)، وانظر: فتح القدير (٤/ ١٥٠ - ١٥١).
(٤) المسند (٢١/ ٤٥١) ح (١٤٦٤)، وقال الألباني في الآيات البينات: "سنده صحيح على شرط مسلم".
[ ٧٠٧ ]
فعمر -﵁- فهم من عموم الآية دخول أهل القليب فيه، فأشكل عليه مخاطبة النبي -ﷺ- لهم، فبين له النبي -ﷺ- أنهم يسمعونه، ولم ينكر عليه فهمه للآية (^١).
قال ابن رجب: "وقد وافق عائشة على نفي سماع الموتى كلام الأحياء، طائفة من العلماء، ورجحه القاضي أبو يعلى من أصحابنا واحتجوا بما احتجت به عائشة، وبأنه يجوز أن يكون ذلك معجزة مختصة بالنبي -ﷺ- دون غيره، وهو سماع الموتى كلامه" (^٢).
- ومما استدلوا به أيضًا على عدم سماع الموتى، قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣، ١٤].
فقالوا: هذه الآية صريحة في نفي السمع عن أولئك الذين كان المشركون يدعونهم من دون الله تعالى، وهم موتى الأولياء والصالحين، الذين كان المشركون يمثلونهم في تماثيل وأصنام لهم، يعبدونهم فيها، وأخبر أن المعبودين يتبرؤؤن من عابديهم يوم القيامة، فإنهم محشورون جميعًا كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾ [الفرقان: ١٧، ١٨].
وقال أيضًا: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١].
_________________
(١) انظر: الآيات البينات (٣١، ٦٨).
(٢) أهوال القبور (١٣٣).
[ ٧٠٨ ]
٢ - أن هذه المسألة من الأمور الغيبية التي لا يجوز الخوض فيها إلا بنص، ولم يرد ما يدل على أن الموتى يسمعون مطلقًا، فيجب الوقوف عند حدود ما ورد (^١).
وأما أدلة أصحاب القولين السابقين فقد أجاب عنها بعضهم بما يلي:
- أما حديث القليب فقالوا: إنه وإن دل على سماع المشركين للنبي -ﷺ- حين مناداته لهم، إلا أنه لا يدل على عموم هذا السماع في كل وقت وحين، ومما يؤيد هذا ما جاء في رواية ابن عمر -﵄-، أن النبي -ﷺ- قال: (إنهم الآن يسمعون ما أقول)، فقوله: (الآن) قيد يفهم منه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت، وعلى هذا يكون هذا الحديث حجة في كون الأصل في الموتى عدم السماع.
ومما يدل على هذا أيضًا -من نفس الحديث- أن النبي -ﷺ- أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرًا في نفوسهم واعتقادهم من أن الموتى لا يسمعون، فلم ينكر ذلك عليهم، وإنما بين لهم ما كان خافيًا عليهم من شأن أهل القليب، وأنهم سمعوا كلامه حقًا (^٢).
- وأما حديث أنس -﵁-: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان )، فهو محمول على أنه في أول الوضع، أي أن هذا السماع خاص بهذا الوقت، وبقية الحديث يشعر بهذا، فإن روحه تعاد حينئذ استعدادًا لسؤال الملكين (^٣).
قال المُنَاوِي (^٤) عند هذا الحديث: "وعورض بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ
_________________
(١) انظر: مقدمة الآيات البينات للألباني (٢٠ - ٢١).
(٢) انظر: روح المعاني (٢١/ ٥٦)، ومقدمة الآيات البينات للألباني (٢٩ - ٣٢).
(٣) انظر: الآيات البينات (٥٦، ٥٩).
(٤) هو العلامة محمد عبد الرؤوف بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، من كبار العلماء، انزوى للبحث والتصنيف، وكان قليل الطعام كثير السهر فمرض وضعفت أطرافه، فجعل ولده محمد يستملي منه تأليفه، توفي ﵀ =
[ ٧٠٩ ]
بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، وأُجيب: بأن السماع في حديثنا مخصوص بأول الوضع في القبر مقدمة للسؤال" (^١).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إنه "وارد في وقت خاص، وهو انصراف المشيعين بعد الدفن" (^٢).
- وأما استدلالهم بمشروعية السلام على أهل المقابر بصيغة المخاطب، فالجواب عنه: أنه لا يلزم من السلام عليهم أن يسمعوا، ولهذا كان المسلمون يسلمون على النبي -ﷺ- في حياته في التشهد وهو لا يسمعهم قطعًا، وهذا شائع في العربية، فإن العرب تسلم على الديار وتخاطبها، على بعد المزار (^٣).
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن مثل هذا الخطاب يقصد منه استحضار المخاطب في القلب، ثم قال بعد ذكر السلام في التشهد: "والإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا، يخاطب من يتصور في نفسه، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب" (^٤).
وقال القاضي عياض تعليقًا على الحديث السابق في سلام النبي -ﷺ- على أهل المقابر: "يحتمل أن يُحيوا له حتى يسمعوا كلامه، كما سمعه أهل القليب، ويحتمل أن يفعل ذلك مع موتهم ليبين ذلك لأمته" (^٥).
وقال ابن عطية: "هذا كله غير معارض للآية، لأن السلام على القبور إنما هو عبادة، وعند الله الثواب عليها، وهو تذكير للنفس بحالة الموت، وبحالة الموتى في حياتهم" (^٦).
_________________
(١) = سنة (١٠٣١ هـ) له مصنفات عديدة منها: فيض القدير، وشرح الشمائل للترمذي. [انظر: البدر الطالع (١/ ٣٥٧)، والأعلام (٦/ ٢٠٤)، ومعجم المؤلفين (٢/ ١٤٣)].
(٢) فيض القدير (٢/ ٢٩٨).
(٣) القول المفيد (٢٩٠).
(٤) انظر: الآيات البينات (٣٩، ٩٥ - ٩٦)، والقول المفيد (١/ ٢٩٠).
(٥) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٩٣).
(٦) إكمال المعلم (٢/ ٤٧)، وانظر: الآيات البينات (٩٧).
(٧) المحرر الوجيز (١٢/ ١٣١).
[ ٧١٠ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يترجح -والله تعالى أعلم- في أهل القليب أنهم قد سمعوا كلام النبي -ﷺ- -على ما جاء في المسلك الثاني- كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة الصريحة المتعددة، كقوله -ﷺ- في حديث ابن عمر -﵁-: (إنهم الآن يسمعون ما أقول)، وقوله ﵊: (والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم).
وأما اعتراص عائشة -﵂- على ذلك، وتخطئتها لابن عمر -﵄- في روايته، فقد قال عنه أهل العلم: إن ذلك وَهْم منها -﵂- (^١)؛ لأن ابن عمر -﵄- لم ينفرد بذلك، بل وافقه عليه غيره من الصحابة، كعمرَ وأبي طلحة -﵄-، وهما ممن شهد بدرًا.
قال ابن تيمية: "وأهل العلم بالحديث والسنة اتفقوا على صحة ما رواه أنس وابن عمر، وإن كانا لم يشهدا بدرًا، فإن أنسًا روى ذلك عن أبي طلحة، وأبو طلحة شهد بدرًا والنص الصحيح عن النبي -ﷺ- مقدم على تأويل من تأول من أصحابه" (^٢).
وقال ابن كثير: "والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر، لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة" (^٣).
_________________
(١) انظر: المفهم (٢/ ٥٨٥)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٨)، والبداية والنهاية (٣/ ٢٩٣)، والفتح (٣/ ٢٣٤)، و(٧/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، والسنة لابن أبي عاصم، بتعليق الألباني (٤١٤) هامش (١).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨).
(٣) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٦٩٧).
[ ٧١١ ]
وقال ابن حجر: "وقد خالفها الجمهور في ذلك، وقبلوا حديث ابن عمر، لموافقة من رواه غيره عليه" (^١)، وبتأمل رواية عائشة -﵂- نجد أنها قد اعترضت بأمرين:
أحدهما: أنها قالت: إنما قال النبي -ﷺ-: (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق)، والجواب عنه: أنه إن كانت قد سمعت هذا من النبي -ﷺ- بهذا اللفظ، فإنه لا يعارض رواية ابن عمر وغيره، لأن العلم لا ينافي السماع، ومن جاز عليه العلم جاز عليه السماع.
قال البيهقي: "العلم لا يمنع من السماع" (^٢).
وقال الإسماعيلي: "وأما جوابها بأنه إنما قال: (إنهم ليعلمون) فإن كانت سمعت ذلك، فلا ينافي رواية (يسمعون) بل يؤيدها" (^٣).
وقال السهيلي: "إذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين، جاز أن يكونوا سامعين" (^٤).
وأما اعتراضها الثاني: فهو احتجاجها بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وقد تقدم الجواب عنها، بأن الجمع ممكن، وذلك بتخصيص الآية بحديث القليب وغيره مما ورد، وعلى هذا فلا تعارض بين الآية والحديث.
قال الإسماعيلي: "كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية، والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية
_________________
(١) الفتح (٣/ ٢٣٤)، وانظر: (٧/ ٢٩٨).
(٢) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (٧/ ٣٠٣)، وانظر: تهذيب الآثار للطبري (٢/ ٥١٨)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٣٥٩).
(٣) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (٧/ ٣٠٤).
(٤) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (٧/ ٣٠٤)، وانظر: (٣/ ٢٣٤)، والإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للزركشي (٩٩)، وأهوال القبور لابن رجب (١٣٤).
[ ٧١٢ ]
الثقة إلا بنص مثله، يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن" (^١).
وقال الخطابي: "تأويل قتادة في هذا أحسن من رأي عائشة، وادِّعائها على ابن عمر الغلط، وحديث أبي طلحة يؤكد ما رواه ابن عمر" (^٢).
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى ورود رواية عن عائشة -﵂-، توافق فيها رواية بقية الصحابة، فقال ﵀: "ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة، وفيه: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا فكأنها رجعت عن إنكاره، لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة" (^٣).
وأما مسألة سماع الموتى على وجه العموم فالذي يترجح -والله تعالى أعلم- أن الأصل عدم السماع، فلا يثبت منه إلا ما ورد النص بإثباته- على ما جاء في القول الثالث، لقوة أدلتهم، وإجابتهم عن أدلة المخالفين -لأن أحوال البرزخ من عالم الغيب الذي لا يجوز لأحد أن يقول فيه برأيه أو اجتهاده، بل يتعين فيه الوقوف عند حدود ما ورد.
قال ابن عطية: "قد صح أن النبي -ﷺ- قال: (ما أنتم بأسمع منهم) فيشبه أن قصة بدر هي خرق عادة لمحمد -﵇-، في أن رد الله إليهم إدراكًا يسمعون به مقاله، ولولا إخبار رسول الله -ﷺ- بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين منهم" (^٤).
وقال ابن التين (^٥): "لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية، لأن
_________________
(١) الفتح (٧/ ٣٠٤).
(٢) أعلام الحديث (٣/ ١٧٠٨).
(٣) الفتح (٧/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٤) المحرر الوجيز (١٢/ ١٣٠)، وانظر: (١٣/ ١٦٩).
(٥) هو الإمام المحدث أبو محمد عبد الواحد بن التين الصفاقصي المالكي، له عناية =
[ ٧١٣ ]
الموتى لا يسمعون بلا شك، لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، وقوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] الآية" (^١).
وقال الشوكاني: "وظاهر نفي إسماع الموتى العموم، فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل" (^٢)، ثم مثل بحديث القليبب، وحديث سماع خفق النعال.
وقال الألباني: "اعلم أن كون الموتى يسمعون أو لا يسمعون، إنما هو أمر غيبي من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلا الله ﷿، فلا يجوز الخوض فيه بالأقيسة والآراء، وإنما يوقف فيه مع النص إثباتًا ونفيًا" (^٣).
وهذا القول هو ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، حيث قالت: "الأصل أن الموتى عمومًا لا يسمعون نداء الأحياء من بني آدم، ولا دعائهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ " (^٤).
ولا يخفى ما في هذا القول من إغلاق الباب على القبوريين، الذين يتشبثون بهذا الحديث وأمثاله، لإثبات جواز الاستغاثة بالموتى والتوسل بهم، بحجة أنهم يسمعون دعاءهم ونداءهم.
قال الألباني: "ومن المعلوم أن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون، هو السبب الأقوى لوقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأكبر، ألا وهو
_________________
(١) = بالفقه والتفسير، وله شرح على صحيح البخاري سماه: المخبر الفصيح في شرح البخاري الصحيح، ينقل منه ابن حجر كثيرًا في الفتح، توفي سنة (٦١١). [انظر: كشف الظنون (١/ ٤٦)، وهدية العارفين (١/ ٦٣٥)، وشجرة النور (١٦٨)].
(٢) الفتح (٤/ ٢٣٥).
(٣) فتح القدير (٤/ ١٥١).
(٤) الآيات البينات (٢١)، وانظر: (٢٠).
(٥) فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٤٧٢).
[ ٧١٤ ]
دعاء الأولياء والصالحين، وعبادتهم من دون الله ﷿، جهلًا أو عنادًا
فإذا تبين أن الصواب أن الموتى لا يسمعون، لم يبقَ حينئذ معنى لدعاء الموتى من دون الله تعالى" (^١).
وعلى فرض أنهم يسمعون فإنهم لا يقدرون على الإجابة، كما قال تعالى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥]، وقال أيضًا: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَفِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣، ١٤].
قال السعدي: " ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾؛ لأنهم ما بين جماد وأموات وملائكة مشغولين بطاعة ربهم، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على وجه الفرض والتقدير ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾؛ لأنهم لا يملكون شيئًا، ولا يرضى أكثرهم بعبادة من عبده، ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ " (^٢).
وقال الشيخ عبد الله أبو بطين: "فالمتصف بعدم سماع الدعاء، وعدم الاستجابة، أو المتصف بأحدهما ممتنع دعاؤه شرعًا وعقلًا" (^٣).
وأما القول الأول، وهو أن الموتى يسمعون مطلقًا فقول بعيد، إذ لا يوجد نص صحيح صريح يدل على العموم والإطلاق، وقد قال الألباني ﵀: "لم أرَ فيها -أي: في هذه المسألة- من صرح بأن الميت يسمع سماعًا مطلقًا عامًا، كما كان شأنه في حياته، ولا أظن عالمًا يقول
_________________
(١) الآيات البينات (١٠ - ١١)، وانظر: (٤١، ١٥).
(٢) تيسير الكريم الرحمن (٦/ ٣٠٨)، وانظر: تيسير العزيز الحميد (٢٥١)، وفتح المجيد (٢١٢)، والقول المفيد (١/ ٢٩٠)، ودعاوى المناوئين (٣٦٠).
(٣) تأسيس التقديس (٩٠).
[ ٧١٥ ]
به، وإنما رأيت بعضهم يستدل بأدلة يثبت بها سماعًا لهم في الجملة" (^١).
وأما القول الثاني، وهو أنهم يسمعون في الجملة، أي: في وقت دون وقت، وحال دون حال، فإنه وإن لم يكن بعيدًا عن هذا القول -الذي تقدم ترجيحه- إلا أنه جعل السماع أصلًا، والأولى مراعاة ما ورد من النصوص في ذلك، فحيث جاءت الآيات واضحة في نفي السماع مطلقًا - ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ و﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ - ولم يرد مثل ذلك في الإثبات، تعيَّن القول: بأن الأصل عدم السماع، وما ورد من الإثبات في ذلك فهو مخصِّصٌ له، والله أعلم.
وقد يكون مراد بعضهم بقوله: إنهم يسمعون في الجملة، أي: فيما ورد الدليل بإثباته، وهذا ما عبر به الآلوسي ﵀ حيث قال: "والحق أن الموتى يسمعون في الجملة فيقتصر على القول: بسماع ما ورد السمع بسماعه" (^٢).
وعلى هذا، يكون الخلاف مع من كان هذا مراده لفظيًا، مع عدم الموافقة على هذا مثل هذا التعبير، لما فيه من الإيهام، فقد يُفهم منه أن الأصل هو السماع، أي: أنهم يسمعون في غالب أحوالهم، ولا يخفى ما في هذا من قلب الحقائق (^٣)، والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
_________________
(١) الآيات البينات (٣٧).
(٢) روح المعاني (٢١/ ٥٧ - ٥٨)، وانظر: الآيات البينات (٤٠).
(٣) انظر كلام الألباني ص (٧٠٥) من هذا البحث.
[ ٧١٦ ]