وفيه سبعة مباحث:
* المبحث الأول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم).
* المبحث الثاني: ما جاء في سحر النبي -ﷺ-.
* المبحث الثالث: ما جاء في إرسال الشهب على الشياطين.
* المبحث الرابع: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) مع قول أبي هريرة -﵁-: (أوصاني خليلي بثلاث).
* المبحث الخامس: حديث شريك في الإسراء.
* المبحث السادس: لطم موسى ﵇ لملك الموت.
* المبحث السابع: (اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي)، مع قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان).
[ ٣٩٥ ]
المبحث الأول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٣٩٧ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي)، متفق عليه (^١).
_________________
(١) البخاري في موضعين: في كتاب الأنبياء، باب: قوله ﷿ ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ قوله ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٣/ ١٢٣٣) ح (٣١٩٢)، وفي كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٤/ ١٧٣١) ح (٤٤١٧) لكن ليس فيه لفظ الشك، ومسلم في موضعين: في كتاب الإيمان، باب: زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة (٢/ ٥٤٢) ح (١٥١)، وفي كتاب الفضائل، باب: من فضائل إبراهيم الخليل -ﷺ- (١٥/ ١٣٢) ح (١٥١). وأخرجه البخاري مختصرًا في عدة مواضع: فأخرج ما يتعلق بإبراهيم ﵇ في كتاب التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (٤/ ١٦٥٠) ح (٤٢٦٣). وأخرج ما يتعلق بلوط ويوسف ﵇ في كتاب الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ (٣/ ١٢٣٩) ح (٣٢٠٧). وأخرج ما يتعلق بلوط ﵇ في كتاب الأنبياء، باب: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ (٣/ ١٢٣٥) ح (٣١٩٥)، وأخرجه أيضًا مسلم في كتاب الفضائل، الموضع السابق. وأخرج ما يتعلق بيوسف ﵇ في كتاب التعبير، باب: رؤيا أهل السجون والفساد والشرك (٦/ ٢٥٦٧) ح (٦٥٩١).
[ ٣٩٨ ]
بيان وجه الإشكال
الشك في اللغة: خلاف اليقين ونقيضه (^١)، وهو التردد بين شيئين، بحيث يصعب ترجيح أحدهما على الآخر (^٢)، وفي قوله -ﷺ-: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) ما قد يسبق إلى بعض الأذهان منه احتمال وقوع الشك من إبراهيم ﵇ (^٣)، لا سيما وقد استشهد النبي -ﷺ- بآية البقرة، فوجب إزالة اللَبْس، ودفع الوهم، وتصحيح الفهم، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما ما يتعلق بلوط ويوسف ﵇، فسيأتي الكلام عليه وبيان معناه في نهاية المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٩/ ٣١٦) مادة (شك)، ومعجم مقاييس اللغة (٣/ ٤٦٢) مادة (ظن)، والصحاح (٤/ ٣٠٨) مادة (شكك)، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (٤٦١) مادة (شكك)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (٢٩٢)، ولسان العرب (١٠/ ٤٥١) مادة (شكك)، والمصباح المنير (١/ ٣٢٠)، والقاموس المحيط (٣/ ٤٢١) مادة (الشك)، والتعريفات للجرجاني (١٢٨).
(٢) انظر: المفردات للراغب (٤٦١)، والمصباح المنير (١/ ٣٢٠)، والتعريفات للجرجاني (١٢٨).
(٣) انظر: تأويل مختلف الحديث (٩١)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢).
[ ٣٩٩ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم فى هذا الإشكال
سلك أهل العلم في معنى هذا الحديث - (نحن أحق بالشك من إبراهيم) - مسلكين:
أحدهما: تنزيه إبراهيم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام، عن الشك في قدرة الله على إحياء الموتى، والقطع بعدم دلالة الحديث على ذلك، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، لكنهم اختلفوا في معنى الحديث على عدة أقوال، أشهرها:
القول الأول: أن المراد بهذا الحديث نفي الشك عن إبراهيم ﵇، فكأنه قال: إن إبراهيم ﵇ لم يشك، ولو كان الشك متطرقًا إليه لكنا نحن أحق بالشك منه، فإذا كنا نحن لم نشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم ﵇ من باب أولى ألَّا يشك، قال ذلك ﵊ على سبيل التواضع وهضم النفس.
وإلى هذا القول ذهب جمهور أهل العلم، كابن قتيبة، والطحاوي (^١)، والخطابي، والحميدي (^٢)، وابن عطية (^٣)، وابن حزم (^٤)، والقاضي عياض (^٥)، وابن الجوزي، والنووي (^٦)، وصفي الرحمن
_________________
(١) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٨٤).
(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٩٢).
(٣) انظر: المحرر الوجيز (٢/ ٣٠٣).
(٤) انظر: الفصل (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣).
(٥) انظر: الشفاء (٣١٠).
(٦) انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢).
[ ٤٠٠ ]
المباركفوري (^١) وابن عثيمين (^٢) وغيرهم (^٣).
قال ابن قتيبة: "قال قوم سمعوا الآية: شك إبراهيم، ولم يشك نبينا -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: أنا أحق بالشك من إبراهيم -﵇-، تواضعًا منه، وتقديمًا لإبراهيم على نفسه، يريد: أنَّا لم نشك ونحن دونه فكيف يشك هو؟ " (^٤).
وقال الخطابي: "مذهب الحديث التواضع والهضم من النفس، وليس في قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم -﵇-، لكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما، يقول: إذا لم أشك أنا ولم أرتب في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك فيه وأن لا يرتاب" (^٥).
وقال ابن الجوزي: "مخرج هذا الحديث مخرج التواضع وكسر النفس، وليس في قوله: (نحن أحق بالشك) إثبات شك له ولا لإبراهيم، وإنما يتضمن نفي الشك عنهما، لأن قومًا ظنوا في قوله: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] أنه شك، فنفى ذلك عنه، وإنما المعنى: إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم أولى ألَّا يشك، فكأنه رفعه على نفسه" (^٦).
_________________
(١) انظر: منة المنعم في شرح صحيح مسلم (١/ ١٣٣)، و(٤/ ٦٣).
(٢) انظر: تفسير القرآن الكريم (٣/ ٣٠٥)، والقول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٢١٩).
(٣) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٥٢٥)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٨)، ومعالم التنزيل (١/ ٢٤٨)، وشرح السنة كلاهما للبغوي، وإكمال المعلم للقاضي عياض (١/ ٤٦٥)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢)، ومدارج السالكين (١/ ٥٠٧)، وفتح الباري (٦/ ٤١٢).
(٤) تأويل مختلف الحديث (٩١ - ٩٢).
(٥) أعلام الحديث (٣/ ١٥٤٥ - ١٥٤٦).
(٦) كشف المشكل (٣/ ٣٥٨).
[ ٤٠١ ]
القول الثاني: أن النبي -ﷺ-، سمَّى التفاوت بين الإيمان والاطمئنان شكًا، فأطلق على ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم -﵇- اسم الشك، وإلا فإبراهيم -﵇- كان مؤمنًا مَوقنًا، ليس عنده شك يقدح في يقينه، ولكن الرسول -ﷺ- عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة.
وإلى هذا ذهب ابن تيمية وابن القيم (^١) عليهما رحمة الله.
قال ابن تيمية: "ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمنًا، كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾، ولكن طلب طمأنينة قلبه، كما قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان، سماه النبي -ﷺ- شكًا لذلك بإحياء الموتى" (^٢).
القول الثالث: أن إبراهيم -﵇- ونبينا محمد -ﷺ- لم يشكا في قدرة الله على إحياء الموتى، وإنما شكَّا أن يجيبهما إلى ما سألا.
وإلى هذا ذهب المزني (^٣) (^٤) وابن حبان (^٥).
وذكر ابن الجوزي أن معنى قوله: (أنا أحق بالشك من إبراهيم) بناءً على هذا القول: "أي: أنا أولى أن أسأل مثل هذا الأمر العظيم الذي يشك السائل في إجابة ربه فيه، وإنما صار أحق، لِما عانى من تكذيب قومه له،
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٥٠٧).
(٢) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٧٨)، وانظر: (٢٣/ ١١).
(٣) هو الإمام إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل أبو إبراهيم المزني المصري صاحب الإمام الشافعي، كان زاهدًا عالمًا مجتهدًا فقيهًا قوي الحجة وهو إمام الشافعية توفي -﵀- سنة (٢٦٤ هـ) له مؤلفات منها: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والمختصر. [انظر: وفيات الأعيان (١/ ٢٢٠)، والعبر (١/ ٣٧٩)، وشذرات الذهب (٢/ ١٤٨)، والأعلام (١/ ٣٢٩)].
(٤) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٧)، ومعالم التنزيل (١/ ٢٤٨)، وشرح السنة (١/ ١١٥).
(٥) انظر: صحيح ابن حبان (١٤/ ٨٩ - ٩٠).
[ ٤٠٢ ]
وردهم عليه، وتعجبهم من ذكر البعث، فقال: أنا أحق أن أسأل ما سأل إبراهيم، لعظيم ما جرى عليَّ من قومي، ولمعرفتي بتفضيل الله -﷿- إياي على الأنبياء، ولكني لا أسأل" (^١).
هذه هي أهم الأقوال -التي تنفي الشك عن إبراهيم -﵇-- في معنى الحديث.
وأما الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فقد اختلف أصحاب هذا المسلك في معناها، أي: في سبب سؤال إبراهيم -﵇-، وطلبه من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى على عدة أقوال، أهمها:
١ - أنه سأل عن كيفية الإحياء، ليزداد بذلك إيمانًا ويقينًا، ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، وذلك عندما يرى كيفية الإحياء، ولم يكن بذلك شاكًا في القدرة، ولا جاهلًا بمعنى الإحياء، وعلى هذا القول جمهور أهل العلم (^٢).
ويكون معنى قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: ليزداد إيمانًا مع إيمانه، ويقينًا مع يقينه.
قال ابن قتيبة: "تأويل قول إبراهيم -﵇-: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي:
_________________
(١) كشف المشكل (٣/ ٣٥٨).
(٢) انظر: جامع البيان (٣/ ٤٩)، والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/ ٣٠١، ٣٠٣)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٨)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٥٢٥)، والفصل لابن حزم (٢/ ٢٩٢)، والمعلم للمازري (١/ ٢١٣)، و(٣/ ١٣٠)، ومعالم التنزيل للبغوي (١/ ٢٤٧، ٢٤٨)، وإكمال المعلم (١/ ٤٦٤)، والشفاء (٣١٠) كلاهما للقاضي عياض وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٣٥٨)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٧، ٢٩٩)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣)، ومدارج السالكين (١/ ٥٠٧)، وفتح الباري (٦/ ٤١٣)، وفتح القدير (١/ ٢٨١)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٢٣)، و(٢/ ٣٦٤)، ومنة المنعم لصفي الرحمن المباركفوري (١/ ١٣٣)، وتفسير القرآن الكريم للعثيمين (٣/ ٣٠٣).
[ ٤٠٣ ]
يطمئن بيقين النظر، واليقين جنسان: أحدهما يقين السمع، والآخر يقين البصر.
ويقين البصر أعلى اليقينين، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: (ليس المُخبر كالمُعاين) (^١)، حين ذكرَ قوم موسى وعكوفهم على العجل، قال: أعلمه الله تعالى أن قومه عبدوا العجل، فلم يُلقِ الألواح، فلما عاينهم عاكفين، غضب وألقى الألواح حتى تكسرت.
وكذلك المؤمنون بالقيامة والبعث والجنة والنار، مستيقنون أن ذلك كله حق، وهو في القيامة -عند النظر والعيان- أعلى يقينًا.
فأراد إبراهيم -﵇- أن يطمئن قلبه بالنظر الذي هو أعلى اليقينين" (^٢).
وقال الخطابي: "المسألة من قبل إبراهيم لم تعرض من جهة الشك، لكن من قبل زيادة العلم، واستفادة معرفة كيفية الإحياء، والنفس تجد من الطمأنينة بعلم الكيفية ما لا تجده بعلم الآنيَّة، والعلم في الوجهين حاصل، والشك مرفوع" (^٣).
وقال أبو عبد الله القرطبي: "إنما سأل كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفرقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزقها، فأراد أن يرتقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فقوله: ﴿أَرِنِي كَيْفَ﴾ طلب مشاهدة الكيفية" (^٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس: (٤/ ١٤٧) ح (٢٤٤٧)، ولفظه: (ليس الخبر كالمعاينة، إن الله -﷿- أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يُلقِ الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت)، وحكم أحمد شاكر على إسناده بالصحة، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥١) ح (٣٢٥٠)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، كما أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٤/ ٩٦، ٩٧) ح (٦٢١٤، ٦٢١٣)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٢) ح (٢٥). وأخرجه الإمام أحمد (٣/ ٢٥٤) ح (١٨٤٣) مختصرًا بدون ذكر القصة، وصحح إسناده أحمد شاكر.
(٢) تأويل مختلف الحديث (٩٢).
(٣) أعلام الحديث (٣/ ١٥٤٦).
(٤) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٩).
[ ٤٠٤ ]
٢ - أنه عندما بُشر بأن الله -﷿- قد اتخذه خليلًا، سأل ربه هذا السؤال، لتكون إجابة دعائه وإحياء الموتى بسؤاله دليلًا وعلامة على خلته، وعظيم منزلته عند الله تعالى، وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: بالخلة وعلو المنزلة (^١).
وإلى هذا القول ذهب الطحاوي (^٢)، وهو مروي عن السدي (^٣) وسعيد بن جبير (^٤) (^٥) وعبد الله بن المبارك (^٦).
٣ - أن سبب سؤاله: المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين النمرود، فطلب إبراهيم -﵇- من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، ليتضح استدلاله عيانًا بعد أن كان بيانًا (^٧). وهذا القول يؤول إلى القول الأول، ولذا قال الطبري: "وهذان القولان -أعني: الأول وهذا الآخر- متقاربا المعنى، في أن مسألة إبراهيم
_________________
(١) انظر: المعلم للمازري (٣/ ١٣٠)، وإكمال المعلم (١/ ٤٦٤)، والشفاء (٣١٠)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٠٠)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣).
(٢) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٨٤).
(٣) انظر: جامع البيان (٣/ ٥٠)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٠٠).
(٤) هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولاهم الكوفي أبو عبد الله -وقيل أبو محمد- الفقيه المفسر أحد الأعلام، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما، وكان مع عبد الرحمن بن الأشعث لما خرج على عبد الملك بن مروان فقتله الحجاج لذلك سنة (٩٥ هـ)، ولم يكمل الخمسين من عمره. [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٧٦)، والسير (٤/ ٣٢١) العبر (١/ ٨٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٤٩)].
(٥) انظر: جامع البيان (٣/ ٥٠)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، ومعالم التنزيل (١/ ٢٤٧)، وشرح السنة (١/ ١١٦)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٠٠).
(٦) انظر: أعلام الحديث للخطابي (٣/ ١٥٤٦)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٨)، وشرح السنة للبغوي (١/ ١١٦).
(٧) انظر: جامع البيان (٣/ ٤٩ - ٥٠)، ومعالم التنزيل (١/ ٢٤٧)، وإكمال المعلم (١/ ٤٦٥)، والشفاء (٣١٠)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٠٠).
[ ٤٠٥ ]
ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، كانت ليرى عيانًا ما كان عنده من علم ذلك خبرًا" (^١).
المسلك الثاني: الاستدلال بالحديث على وقوع الشك من إبراهيم -﵇-، وذلك عند ما سأل ربه أن يريه كيف يحيى الموتى، وكان هذا لعارض عرض له من الشيطان.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: لئلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي ألقى من الشك (^٢).
حكى هذا القول الطبري ورجحه، واستند في ذلك إلى ما يلي (^٣):
١ - ما رواه هو عن ابن عباس -﵁- أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: "ما في القرآن آية أرجى عندي منها".
٢ - وما رواه أيضًا عن عطاء بن أبي رباح (^٤) أنه قال في هذه الآية: "دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ".
٣ - حديث: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، حيث جعل ظاهره -كما تقدم- يدل على وقوع الشك من إبراهيم -﵇-.
فأصحاب هذا القول جعلوا سبب سؤال إبراهيم -﵇-: ما عرض له في قلبه من الشك.
_________________
(١) جامع البيان (٣/ ٥٠).
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٨)، وفتح الباري (٦/ ٤١٠).
(٣) انظر: جامع البيان (٣/ ٥١)، والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/ ٣٠١)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٨)، وفتح الباري (٦/ ٤١١).
(٤) هو عطاء بن أبي رباح القرشي مولاهم المكي الثقة الفقيه الفاضل مفتي أهل مكة ومحدثهم، سمع من عائشة وأبي هريرة وابن عباس وطائفة من الصحابة -﵃-، له مناقب في العلم والزهد والتأله كثيرة، توفي -﵀- سنة (١١٤ هـ)، وقيل سنة (١١٥). [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٩٨)، والسير (٥/ ٧٨)، وتقريب التهذيب (١/ ٦٧٤)].
[ ٤٠٦ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يمكن الجزم به هنا أن الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى منفي عن آحاد الأنبياء -﵈-، فضلًا عمن بلغ مرتبة الخلة وعظيم المنزلة عند الله تعالى، كإبراهيم -﵇-، ونبينا محمد -ﷺ-، بل ذلك مستحيل في حقهم -باعتبار حالهم لا باعتبار بشريتهم- لأنهم أنبياء، والأنبياء أعلم الناس بربهم وما يتصف به من صفات الحسن والكمال، والتي منها صفة القدرة، فهم يعلمون أن الله تعالى متصف بكمال القدرة والإرادة فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فتصور وقوع الشك منهم باطل، لأنه كفر والكفر لا يجوز في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كيف وهم الذين اختارهم الله تعالى واصطفاهم لتبليغ رسالاته وتحكيم شرعه؟ ! .
قال القاضي عياض عن عصمة النبي -ﷺ- وغيره من الأنبياء فيما يتعلق بأمور الدين: "اعلم -منحنا الله وإياك توفيقه- أن ما تعلق منه بطريق التوحيد، والعلم بالله وصفاته، والإيمان به وبما أوحي إليه، فعلى غاية المعرفة، ووضوح العلم واليقين، والانتفاء من الجهل بشيء من ذلك، أو الشك أو الريب فيه، والعصمة من كل ما يضاد ذلك واليقين، هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه" (^١).
وقال ابن الوزير: "أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء -﵈- عن الجهل بالله تعالى وصفاته وقواعد شرائعه، وعلى صحة عقائدهم فيما يتعلق
_________________
(١) الشفاء (٣٠٩).
[ ٤٠٧ ]
بأفعال الله وحكمته وجلالته" (^١).
وأما قوله -ﷺ-: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) فليس فيه إثبات للشك، كما قد يُتوهم، ولذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى، عند هذا الحديث: "ليس المراد ههنا بالشك: ما قد يفهمه من لا علم عنده، بلا خلاف" (^٢).
ومعنى الحديث الذي لا يحتمل غيره (^٣): -ما جاء في القول الأول من- أن النبي -ﷺ- أراد نفي الشك عن إبراهيم -﵇-، فقوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) أي: إن إبراهيم -﵇- لم يطلب رؤية إحياء الموتى لأجل الشك، لأنه لو كان شاكًا لكنا نحن أحق بالشك منه، وحيث إنا لا نشك فإن إبراهيم -﵇- لم يكن شاكًا من باب أولى (^٤)، ولا يلزم من هذا أن يكون إبراهيم -﵇- أفضل من نبينا محمد -ﷺ-، لأنه قال ذلك تواضعًا وأدبًا (^٥).
وسبب تخصيص إبراهيم -﵇- بالذكر، لكون آية البقرة قد يسبق منها إلى بعض الأذهان وقوع الشك منه (^٦).
قال ابن عطية عن هذا الحديث: "معناه: أنه لو كان شك لكنا نحن أحق به، ونحن لا نشك، فإبراهيم -﵇- أحرى ألا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم" (^٧).
وقال ابن حزم: "أما ما رُوي عن النبي -ﷺ-، من قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، فمن ظن أن النبي -ﷺ- شك قط في قدرة ربه -﷿- على
_________________
(١) الروض الباسم (٢/ ٤٦٥).
(٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٤٧١).
(٣) انظر: تفسير القرآن الكريم للعثيمين (٣/ ٣٠٥).
(٤) انظر: منة المنعم في شرح صحيح مسلم (١/ ١٣٣).
(٥) وقيل إنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه خير ولد آدم. [نظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢)].
(٦) انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢).
(٧) المحرر الوجيز (٢/ ٣٠٣).
[ ٤٠٨ ]
إحياء الموتى فقد كفر، وهذا الحديث حجة لنا، ونفي للشك عن إبراهيم، أي: لو كان هذا الكلام من إبراهيم -﵇- شكًا، لكان من لم يشاهد القدرة ما شاهد إبراهيم -﵇- أحق بالشك، فإذا كان من لم يشاهد من القدرة ما شاهد إبراهيم غير شاك، فإبراهيم -﵇- أبعد من الشك.
قال أبو محمد (^١): ومن نسب ها هنا إلى الخليل -﵇- الشك، فقد نسب إليه الكفر، ومن كفَّر نبيًا فقد كفر، وأيضًا فإن كان ذلك شكًا من إبراهيم -﵇-، وكنا نحن أحق بالشك منه، فنحن إذًا شكاك جاحدون كفار، وهذا كلام نعلم والحمد لله بطلانه من أنفسنا، بل نحن ولله الحمد مؤمنون مصدقون بالله تعالى، وقدرته على كل شيء يَسأل عنه السائل" (^٢).
وأما الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فليس فيها ما يدل على شك إبراهيم -﵇- في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ويظهر هذا من وجهين:
الأول: أن إبراهيم -﵇- مؤمن مصدق بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى، يدل على ذلك أنه قال في محاجته للنمرود: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وعندما سأل ربه أن يريه كيف يحيى الموتى، قال الله له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ فقوله: ﴿بَلَى﴾ يزيل كل لَبْس، وينفي كل توهم في نسبة الشك إلى إبراهيم -﵇-.
و"الاستفهام هنا: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ للتقرير، وليس للإنكار ولا للنفي، فهو كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، يعني: قد شرحنا لك، فمعنى ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾: ألست قد آمنت، لتقرير إيمان إبراهيم -﵇-" (^٣).
_________________
(١) يعني نفسه -﵀-.
(٢) الفصل (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣).
(٣) تفسير القرآن الكريم للعثيمين (٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، وانظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٣).
[ ٤٠٩ ]
قال ابن حزم: "فلم يقرره ربنا -﷿- وهو يشك في إيمان إبراهيم عبده وخليله ورسوله -﵇-، تعالى الله عن ذلك، ولكن تقريرًا للإيمان في قلبه، وإن لم يرَ كيفية إحياء الموتى، فأخبر -﵇- عن نفسه أنه مؤمن مصدق" (^١).
وقال ابن عطية: "إحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم أُعلم به، يدلك على ذلك قوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعًا" (^٢).
الثاني: أن سؤال إبراهيم -﵇- إنما هو عن الكيفية، لا عن الإمكان، كما هو صريح قوله: ﴿كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾.
قال ابن عطية: "وإذا تأملت سؤاله -﵇-، وسائر ألفاظ الآية لم تعطِ شكًا، وذلك أن الاستفهام بكيف، إنما هو عن حال شيء موجود، متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت: كيف ثوبك وكيف زيد، فإنما السؤال عن حال من أحواله
و(كيف) في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر" (^٣).
وقال ابن حزم: "إنما أراد أن يرى الكيفية فقط، ويعتبر بذلك، وما شك إبراهيم -﵇- في أن الله تعالى يحيي الموتى، وإنما أراد أن يرى الهيئة،
_________________
(١) الفصل (٢/ ٢٩٢).
(٢) المحرر الوجيز (٢/ ٣٠٣).
(٣) المحرر الوجيز (٢/ ٣٠٣). وانظر: جامع البيان (٣/ ٥٢)، والإبانة لابن بطة (٢/ ٨٣٣ - ٨٣٤)، وفتح الباري (١/ ٤٧)، ومنة المنعم (١/ ١٣٣)، وتفسير القرآن الكريم (٣/ ٣٠٥)، وزيادة الإيمان ونقصانه للدكتور عبد الرزاق البدر (٥٦ - ٥٨).
[ ٤١٠ ]
كما أننا لا نشك في صحة وجود الفيل، والتمساح، والكسوف، وزيادة النهر، والخليفة، ثم يرغب من لم يرَ ذلك منا في أن يرى كل ذلك، ولا يشك في أنه حق، لكن ليرى العجب الذي يتمثله في نفسه ولم تقع عليه حاسة بصره قط" (^١).
وأما قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فمعناه: ليزداد طمأنينة وإيمانًا، وإلا فقد كان مؤمنًا مطمئنًا، وفي هذا دليل على أن إيمان القلب يزيد وينقص، وأنه درجات بعضها فوق بعض، فإبراهيم -﵇- كان يؤمن بإحياء الموتى، ولكن طلب رؤية ذلك ليطمئن قلبه، فالاطمئنان الحاصل للقلب بالرؤية، درجة زائدة على أصل الإيمان والتصديق (^٢).
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (^٣) -﵀-: "وأما قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ فمن أعظم الأدلة على تفاوت الإيمان ومراتبه، حتى الأنبياء، فهذا طلب الطمأنينة مع كونه مؤمنًا، فإذا كان محتاجًا إلى الأدلة التي توجب له الطمأنينة فكيف بغيره" (^٤).
_________________
(١) الفصل (٢/ ٢٩٢)، وانظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٤٦)، وإكمال المعلم (١/ ٤٦٤)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٣).
(٢) انظر: جامع البيان (٣/ ٥٢)، والإبانة لابن بطة (٢/ ٨٣٣ - ٨٣٤)، وفتح الباري (١/ ٤٧)، ومنة المنعم (١/ ١٣٣)، وتفسير القرآن الكريم (٣/ ٣٠٥)، وزيادة الإيمان ونقصانه للدكتور عبد الرزاق البدر (٥٦ - ٥٨).
(٣) هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي شيخ الإسلام ومصباح الظلام مجدد ما اندرس من العقيدة في الجزيرة العربية، ولد في العيينة ورحل إلى حريملاء ودعا إلى مذهب السلف فخذله ابن معمر فرحل إلى الدرعية حيث ساعده وآزره أميرها محمد بن سعود فتعاضدا جميعًا على نشر الدعوة السلفية، وقمع البدعة والخرافة، توفي -﵀- في الدرعية سنة (١٢٠٦ هـ)، وله مؤلفات ورسائل عديدة أهمها وأشهرها كتاب التوحيد. [انظر: الأعلام (٦/ ٢٥٧)، وعلماء نجد (١/ ١٢٥)].
(٤) مجموع مؤلفات الشيخ، المجلد الثاني، قسم الفتاوى (٧٣).
[ ٤١١ ]
مناقشة الأقوال المرجوحة:
أما القول الثاني: وهو أن النبي -ﷺ- عبَّر بالشك على معنى: التفاوت بين الإيمان والاطمئنان، لا أنه أراد حقيقة الشك، لأن إبراهيم -﵇- كان موقنًا بلا ريب، فقول لا تسعفه اللغة، لأن معنى الشك -كما تقدم (^١) -: التردد بين شيئين، بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر، فهو نقيض اليقين.
وأما القول الثالث: وهو أن الخليلين -﵈- إنما شكَّا في إجابة الله تعالى لمَّا سألا، فليس في الآية والحديث ما يدل عليه، والله أعلم.
ومثله ما قيل في أن سبب سؤال إبراهيم -﵇- وطلبه من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى: ليتبيَّن خلته ومنزلته عند الله تعالى، إذ ليس في الآية ما يدل عليه، وإنما الآية دالة على ما تقدم من أن سؤاله كان عن كيفية الإحياء ليزداد بذلك إيمانًا ويقينًا واطمئنانًا، ويترقى بذلك من علم اليقين إلى عين اليقين.
قال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: "إبراهيم -﵇- عنده خبر اليقين بأن الله قادر، لكن يريد عين اليقين، ولهذا جاء في الحديث: (ليس الخبر كالمعاينة) (^٢)، وقد ذكر العلماء أن اليقين ثلاث درجات: علم، وعين، وحق، كلها موجودة في القرآن:
مثال "علم اليقين": قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ [التكاثر: ٥].
ومثال "عين اليقين ": قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ [التكاثر: ٧].
ومثال "حق اليقين": قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ [الواقعة: ٩٥] " (^٣).
_________________
(١) انظر: ص (٣٩٩) من هذا البحث.
(٢) حديث صحيح، تقدم تخريجه ص (٤٠٤).
(٣) تفسير القرآن الكريم (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
[ ٤١٢ ]
وأما المسلك الثاني: وهو القول بنسبة الشك إلى إبراهيم -﵇-، وادعاء أن ذلك لعارض عرض له من الشيطان؟ ! فقد تقدم بيان بطلانه، وأما ما استند إليه الطبري في ترجيح هذا القول، فيمكن الإجابة عنه كما يلي:
- أما استناده إلى ما رواه عن ابن عباس -﵁-، من أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: "ما في القرآن آية أرجى عندي منها" فاستناد في غير محله، لأن كلام ابن عباس هذا غير صريح في نسبة الشك لإبراهيم -﵇-، ولذا قال ابن عطية بعدما ذكر أن الطبري ترجم في تفسيره بقوله: "وقال آخرون: قال ذلك لربه، لأنه شك في قدرة الله تعالى" (^١)، وأنه أدخل تحت هذه الترجمة قول ابن عباس وقول عطاء، قال ابن عطية: "وما ترجم به الطبري عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة متأوَّل" (^٢).
- وأما قول عطاء: "دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوب الناس"، فإنه وإن كان أقرب من قول ابن عباس لهذا المعنى، إلا أنه ليس صريحًا فيه، بل هو محتمل له ولغيره، ولذا قال ابن عطية عنه: "معناه: من حُبِّ المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به" (^٣).
وعلى فرض صحة هذين الأثرين وصراحتهما في نسبة الشك لإبراهيم -﵇-، فإنه لا يُعوَّل عليهما، لأنها أقوال يستدل لها، لا بها، خاصة في مثل هذا الأمر الذي هو كفر، لا يشك مسلم في عصمة الأنبياء منه.
قال أبو عبد الله القرطبي: "لا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك، فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث" (^٤).
_________________
(١) انظر: جامع البيان (٣/ ٥١).
(٢) المحرر الوجيز (٢/ ٣٠٢)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٨)، وفتح القدير (١/ ٢٨١).
(٣) المحرر الوجيز (٢/ ٣٠٢)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٨).
(٤) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٩)، وانظر: ما تقدم من كلام ابن حزم وابن عطية في أول هذا المطلب.
[ ٤١٣ ]
ثم على هذا القول، كيف يفسر قوله -ﷺ- (نحن أحق بالشك من إبراهيم)؟ أيكون تفسيره ومعناه: نحن أحق بالشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى من إبراهيم؟ ! سبحانك هذا بهتان عظيم.
- وأما استدلال الطبري بحديث: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) فقد تقدم الكلام على معناه -قريبًا- بما يغني عن إعادته.
* * *
معنى قوله -ﷺ-: (ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد).
أشار -ﷺ- بهذا إلى قول لوط -﵇- لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠].
قال أهل التفسير (^١): أراد لوط -﵇- بقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: قبيلة قوية مانعة، لمنعتكم من الوصول إلى أضيافي، وذلك أن الملائكة لما جاءت لوطًا -﵇- في صورة شباب حِسان، في غاية الجمال والكمال -وهو لا يدري أنهم ملائكة- ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٨]، أي: شديد حرجه، لأنه يعلم أن قومه لا يتركونهم، فكان ما خشي، حيث جاءه قومه ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٧٨]، أي: مسرعين مبادرين، يريدون أضيافه بعملهم الخبيث، فاشتد قلق لوط -﵇- وخوفه على أضيافه، فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: قبيلة مانعة لمنعتكم، وعندها أخبرته الملائكة بحالهم، ليطمئن قلبه ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١].
قال ابن حجر: "يُقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه، لأنهم من سدوم، وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام، هاجر معه لوط، فبعث الله لوطًا إلى
_________________
(١) انظر: جامع البيان (٧/ ٧٩ - ٨٧)، والمحرر الوجيز (٩/ ١٩٥ - ١٩٨)، ومعالم التنزيل (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٦)، والجامع لأحكام القرآن (٩/ ٧٣ - ٧٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٧٠١ - ٧٠٢)، وفتح القدير (٢/ ٥١٣ - ٥١٥)، وتيسير الكريم الرحمن (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥).
[ ٤١٤ ]
أهل سدوم، فقال: لو أن لي منعةً وأقاربَ وعشيرة، لكنت أستنصر بهم عليكم، ليدفعوا عن ضيفاني" (^١).
قال البغوي: "قال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسوّر الجدار، فلما رأت الملائكة ما يلقى لوط بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن ربه -﷿- في عقوبتهم، فأذن له" (^٢).
* * *
وأما قوله -ﷺ-: (ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد)، فقد اختُلف في معناه على عدة أقوال، هي كالتالي:
القول الأول: أن المعنى، أي: ﵀ على هذا التمني الذي فرط منه في وقت الضيق والشدة، حيث سها فذكر الأسباب المحسوسة، من قومه وعشيرته، مع أنه كان يأوي إلى أشد الأركان وأقواها، وهو الله تعالى.
وإلى هذا ذهب ابن قتيبة والبغوي (^٣) والقاضي عياض (^٤) وابن الأثير (^٥) وأبو عبد الله القرطبي (^٦)، وهو ظاهر كلام الطحاوي (^٧) وجوَّزه النووي (^٨)
_________________
(١) فتح الباري (٦/ ٤١٥).
(٢) معالم التنزيل (٢/ ٣٩٦)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٧٨).
(٣) انظر: شرح السنة (١/ ١١٧).
(٤) انظر: إكمال المعلم (١/ ٤٦٦).
(٥) هو العلامة البارع القاضي مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري ثم الموصلي، كان فقيهًا محدثًا أديبًا نحويًا ورعًا عاقلًا، ذا برٍّ وإحسان، توفي -﵀- سنة (٦٠٦ هـ)، وله مصنفات بديعة منها جامع الأصول في أحاديث الرسول -ﷺ-، والنهاية في غريب الحديث. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٧)، والسير (٢١/ ٤٨٨)، وشذرات الذهب (٥/ ٢٢)].
(٦) نظر: الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٧٨).
(٧) انظر: شرح مشكل الآثار (١/ ١٨٥ - ١٨٧).
(٨) انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٣).
[ ٤١٥ ]
ورجحه ابن حجر (^١) وغيره (^٢).
قال ابن قتيبة: "وأما قوله: (رحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد)، فإنه أراد قوله لقومه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] يريد سهوهُ في هذا الوقت الذي ضاق فيه صدره، واشتد جزعه بما دهمه من قومه، حتى قال: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، وهو يأوي إلى الله تعالى أشد الأركان" (^٣).
وقال ابن الأثير: " (رحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد) أي: إلى الله تعالى الذي هو أشد الأركان وأقواها، وإنما ترحم عليه، لسهوه حين ضاق صدره من قومه، حتى قال: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، أراد عز العشيرة الذين يُستندُ إليهم كما يستند إلى الركن من الحائط" (^٤).
واستشهد هؤلاء بما رواه الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (رحمة الله على لوط، إن كان ليأوي إلى ركن شديد، إذ قال لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ وما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه) (^٥)، قال الحافظ: "زاد ابن مردويه من هذا
_________________
(١) انظر: فتح الباري: (٦/ ٤١٥).
(٢) انظر: تحفة الأحوذي (٨/ ٥٤١)، ومنة المنعم (١/ ١٣٣)، و(٤/ ٦٣)، والقواعد الحسان للسعدي مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته، قسم التفسير (٨/ ١٥٧).
(٣) تأويل مختلف الحديث (٩٢).
(٤) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٦٠).
(٥) أخرجه الإمام أحمد (١٦/ ١٦٨) ح (٨٣٧٣)، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، وأخرجه الترمذي (تحفة ٨/ ٥٤٠، ٥٤١) ح (٥١١٩، ٥١٢٠)، وقال: "هذا حديث حسن"، والحاكم (٢/ ٦١١) ح (٤٠٥٤)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه الزيادة"، وأخرجه الطبري في التفسير (٧/ ٨٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٨٦) ح (١٦٢)، وحسنه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (٣/ ٦٤).
[ ٤١٦ ]
الوجه: (ألم تر إلى قول قوم شعيب: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] " (^١) والثروة: الكثرة والمنعه (^٢).
القول الثاني: ما ذهب إليه ابن حزم من أنه لا تثريب على لوط في قوله هذا، ولم يقصد النبي -ﷺ- لومه عليه، وإنما أراد الإخبار بأن لوطًا كان في نصر من الله بالملائكة، لكنه لم يكن يعلم ذلك.
قال -﵀-: "إن لوطًا -﵇-، إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه -مما هم عليه من الفواحش- من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين، وما جهل لوط -﵇- أنه يأوي من ربه تعالى إلى أمنع قوة وأشد ركن، فلا جناح على لوط -﵇- في طلب قوة من الناس، فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، فهذا هو الذي طلب لوط -﵇-.
وقد طلب رسول الله -ﷺ- من الأنصار والمهاجرين منعة حتى يبلغ كلام ربه تعالى، فكيف ينكِر على لوط أمرًا هو فعله -﵇-؟ تالله ما أنكر ذلك رسول الله، وإنما أخبر -﵇- أن لوطًا كان يأوي إلى ركن شديد، يعني: من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط -﵇- علم بذلك، ومن ظن أن لوطًا -﵇- اعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر، إذ نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر، وهذا أيضًا ظن سخيف، إذ من الممتنع أن يظن برب أراه المعجزات -وهو دائبًا يدعو إليه- هذا الظن" (^٣).
القول الثالث: ما ذهب إليه ابن الجوزي من أن لوطًا -﵇- لم يغفل عن الله تعالى، ولم يترك التوكل عليه، لكن لما كان ظاهر كلامه قد يفهم منه نسيانه لله تعالى، أراد النبي -ﷺ- منا ألَّا نقول ما يوهم ذلك.
_________________
(١) فتح الباري (٦/ ٤١٦).
(٢) انظر: سنن الترمذي (تحفة ٨/ ٥٤٢)، وجامع البيان (٧/ ٨٦)، وشرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٨٧)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ٢١٠).
(٣) الفصل (٢/ ٢٩٤).
[ ٤١٧ ]
قال -﵀-: "أما قصة لوط، فإن لوطًا لم يغفل عن الله -﷿-، ولم يترك التوكل عليه، وإنما ذكر السبب، وذكره للسبب وحده يتخايل منه السامع نسيانه لله، فأراد منه نبينا -﵇- ألَّا نقول ما يوهم هذا" (^١).
القول الرابع: ما ذهب إليه الأُبيِّ (^٢) وهو: أن لوطًا -﵇- قصد من قوله هذا إظهار العذر لأضيافه، وتطييب نفوسهم، ولم يكن قط معرضًا عن الله تعالى، والاعتماد عليه، وأما قول الرسول -ﷺ-: (رحم الله لوطًا ) فإنما أراد منه المدح والثناء.
قال -﵀-: "لوط -﵇- لم ينسَ اللجأ إلى الله تعالى في القضية، وإنما قال ذلك تطييبًا لنفوس الأضياف، وإبداء العذر لهم، بحسب ما ألف في العادة من أن الدفع إنما يكون بقوة أو عشيرة، وهذا في الحقيقة محمدة وكرم أخلاق، يستحق صاحبه الحمد، فقوله ﵊: (يرحم الله لوطًا) ثناءٌ لا نقد، وهو جارٍ على عرف العرب في خطابها" (^٣).
واستدل -﵀- بسياق الحديث، حيث إن القصد منه بيان فضل هؤلاء الأنبياء -﵈-، وسيأتي نقل كلامه قريبًا إن شاء الله تعالى.
هذه هي أهم الأقوال في معنى الحديث، وحاصلها:
- الاتفاق على أن لوطًا -﵇- عنى بقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: عشيرته وقومه.
_________________
(١) كشف المشكل (٣/ ٣٥٨ - ٣٨٩)، وانظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥٢٦).
(٢) هو محمد بن خِلْفَة بن عمر الأُبي المالكي، من أهل تونس، نسبته إلى (أُبَّة) من قراها، كان عالمًا محققًا، له شرح على صحيح مسلم سماه: إكمال إكمال المعلم، جمع فيه بين شرح المازري وعياض والقرطبي والنووي مع زيادات عليها، توفي -﵀- سنة سبع وعشرين وثمانمائة (٨٢٧). [انظر: البدر الطالع (٢/ ١٦٩)، والأعلام (٦/ ١١٥)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٢٧٨)].
(٣) إكمال إكمال المعلم (١/ ٤٣٦)، وانظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٣).
[ ٤١٨ ]
- وأن الرسول -ﷺ- عنى بقوله: (ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد): الله تعالى، فهو أقوى الأركان وأشدها.
- أنه لا خلاف في أن لوطًا -﵇-، لم يكن يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد، كيف وهو يركن ويأوي إليه في كل وقت وحين، ولذا قال ابن حزم رحمه الله تعالى -كما تقدم-: "ومن ظن أن لوطًا -﵇- اعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر".
وإنما موطن الخلاف في الآية هو: تلك اللحظة الحرجة التي تعرض لها لوط -﵇-، هل نسي فيها ربه عندما قال -مشيرًا إلى عشيرته وقبيلته -: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أم لا؟ وعلى هذا ينبني معنى الحديث.
فحرف المسألة في الحديث: هل قال ذلك النبي -ﷺ- لائمًا للوط -﵇-، وسائلًا الله له الرحمة والتجاوز عن هذا الخطأ، أم قاله منافحًا عنه، ومخبرًا عن حاله، أنه كان يأوي إلى الله تعالى ويعتمد عليه، حتى لا يتوهم متوهم أن لوطًا -﵇- في قوله هذا قد ترك الاعتماد على الله تعالى؟
أكثر أهل العلم -كما ترى- قالوا: بالأول، والثاني أليق بمقام النبوة، وعليه يدل السياق، حيث إن النبي -ﷺ- قال ذلك في سياق الثناء والمدح لهؤلاء الأنبياء -﵈-، ونفي ما قد يُتوهم في حقهم من الباطل.
قال الأُبيِّ: "السياق إنما يدل على أن المقصود: إظهار كمال هؤلاء السادة، ورزانة عقولهم، فمعنى قوله: (لقد كان يأوي إلى ركن شديد): أن لوطًا -﵇- كان مطمئن القلب بالاستناد إلى الله تعالى، غير ملتفت عنه أصلًا، وإنما قال ما قال بلسانه إظهارًا للعذر عند أضيافه، وقد وكد النبي -ﷺ- ثبوت لجأ لوط -﵇- إلى الله تعالى باللام المؤذنة بالقسم، وبقد المؤذنة بالتحقيق، وعبر بالمضارع وهو: (يأوي) للتنبيه على استقرار ذلك منه، وعدم مفارقته إياه.
فالكلام مسوق لدفع توهم إيواء لوط ﵊ لغير الله تعالى، كما أن قوله قبله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) مسوق لتنزيه
[ ٤١٩ ]
ساحة إبراهيم -﵇- من الشكوك، وأن ما صدر منه من سؤاله تعالى فالمقصود به شيء آخر" (^١).
وأما قول لوط -﵇- لقومه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: من قبيلة وعشيرة تمنعكم مما تريدون، فإنما هو ذكرٌ للأسباب المحسوسة المشهودة المباشرة (^٢)، وأهميتها في دفع الأذى عنه وعن أضيافه -وهو يعلم أنها لا تكون إلا من الله تعالى- ولذا قال النبي -ﷺ-: (ما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه)، ولا يلزم من هذا أنه قد نسي ربه، أو ترك الاعتماد عليه في هذا الموقف، فإن الأنبياء أكمل الناس إيمانًا وأعظمهم توكلًا على الله تعالى.
وقد قال ﵊ يوم حنين لما اشتد عليه المشركون، وأدبر عنه من كان حوله، حتى بقي وحده، قال مناديًا: (يا معشر الأنصار)، قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك (^٣)، فهل يصح أن يُقال: إن رسول الله -ﷺ- حينما ذكر أصحابه واستعان بهم، وناداهم، ولم ينادِ ربه، كان ذلك لأنه نسي ربه في هذا الموقف الحرج؟ قطعًا لا، وحاشاه من ذلك، بل كان ذاكرًا ربه في كل وقت وحين، يستعين به، ويتوكل عليه، ويثق بنصره، وأما نداؤه لأصحابه واستعانته بهم فلأنهم سبب من الأسباب، ليس غير.
كما لا يلزم من دعاء النبي -ﷺ- للوط -﵇- بالرحمة أن يكون قد أخطأ ونسي الله تعالى، كما قد يُتوهم، لأن ذلك قد يجري على سبيل المدح وبيان الفضل، كما في قوله -ﷺ- لما استُغضب: (يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، متفق عليه (^٤).
_________________
(١) إكمال إكمال المعلم (١/ ٤٣٧).
(٢) انظر: الفصل (٢/ ٢٩٤)، وتيسير الكريم الرحمن (٣/ ٤٤٥).
(٣) متفق عليه من حديث أنس -﵁-: البخاري: (٤/ ١٥٧٦) ح (٤٠٨٢)، ومسلم (٧/ ١٥٩) خ (١٠٥٩).
(٤) من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-: البخاري (٣/ ١٢٤٩) ح (٣٢٢٤)، ومسلم (٧/ ١٦٣) ح (١٠٦٢).
[ ٤٢٠ ]
وهذا منه -ﷺ- جارٍ على عادته في دفع توهم النقص عن الأنبياء -﵈-، خاصةً إذا صدر منهم ما يوهم ذلك، ومن أمثلة ذلك:
قوله هنا -في هذا الحديث- عن إبراهيم -﵇-: (نحن أحق بالشك من إبراهيم).
وقوله عن يونس -﵇- لما حصل منه ما حصل مما ذكره الله تعالى في كتابه (^١) -: (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)، متفق عليه (^٢).
ومما يدل على أن لوطًا -﵇- لم يكن ملومًا في تمنيه وجود العشيرة، أن الله تعالى لم يعاتبه على ذلك، مع أن من شأنه تعالى أنه لا يُقِر نبيًا على خطأ (^٣).
قال ابن تيمية عن أهل السنة: "هم متفقون على أنهم لا يُقَرُّون على خطأ في الدين أصلًا، ولا على فسوق ولا على كذب، ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله، فهم متفقون على تنزيههم عنه، وعامة الجمهور الذين يُجوزون عليهم الصغائر، يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها، فلا يصدر عنهم ما يضرهم" (^٤).
وقال أيضًا: "إن الله لم يذكر في كتابه عن نبي من الأنبياء ذنبًا إلا ذكر توبته منه، كما ذكر في قصة آدم وموسى وداود، وغيرهم من الأنبياء" (^٥).
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول من قوله -ﷺ-: (رحمة الله على لوط، إن كان ليأوي إلى ركن شديد، إذ قال لقومه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ
_________________
(١) انظر: معالم السنن للخطابي (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧).
(٢) من حديث أبي هريرة -﵁-: البخاري: (٢/ ٨٥٠) ح (٢٢٨١)، ومسلم (١٥/ ١٤٠) ح (٢٣٧٤).
(٣) انظر: الشفاء للقاضي عياض (٣٤٧).
(٤) منهاج السنة (١/ ٤٧٢)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ١٨٠، ١٩٤)، ومنة المنعم (٤/ ٦٣)، وفتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ٢٦٤).
(٥) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٤٨)، وانظر: (١٥/ ١٥٠).
[ ٤٢١ ]
آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ وما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه)، فليس فيه ما يدل على أن لوطًا -﵇- قد نسي ربه وسها عنه في هذا الموقف، بل غاية ما فيه أن لوطًا -﵇- تمنى أن لو كان ذا كثرة ومنعة من قوم أو عشيرة، حتى يستعين بهم في حماية أضيافه، وهذا لا إشكال فيه كما تقدم.
قال الطحاوي -﵀- -معلقًا على هذا الحديث-: "فدل ذلك أن قول لوط هذا، كان لأنه لم يكن في ثروة من قومه، يكونون له ركنًا يأوي إليهم" (^١).
* * *
معنى قوله -ﷺ-: (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي):
أراد الرسول -ﷺ- بهذا: الثناء على يوسف -﵇-، وبيان فضله، وقوة صبره وحزمه، حيث إنه لما جاءه رسول الملك، آذِنًا له بالخروج، لم يبادر إلى الخروج -كما هو مقتضى الطبيعة- مع أنه مكث في السجن بضع سنين، بل قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]، قال ذلك: حتى تظهر براءته وتتبين مظلمته، فيخرج خروج من له الحجة، لا خروج من قد عفي عنه، فقال النبي -ﷺ- -تواضعًا منه وأدبًا-: (لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، لأجبت الداعي) أي: لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن، ولما قدمت طلب البراءة.
فقوله: (الداعي) أي: داعي الخروج من السجن.
هذا هو معنى الحديث عند أهل العلم، كابن قتيبة والطحاوي والخطابي (^٢) والبغوي وابن عطية (^٣)، والمازري (^٤) والقاضي عياض (^٥) وابن
_________________
(١) شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٨٧).
(٢) انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٤٦ - ١٥٤٧).
(٣) انظر: المحرر الوجيز (٩/ ٣١٦ - ٣١٨).
(٤) انظر: المعلم (١/ ٢١٣).
(٥) انظر: إكمال المعلم (١/ ٤٦٥).
[ ٤٢٢ ]
الجوزي (^١) والنووي (^٢)، والأبي (^٣) وابن حجر (^٤) وابن عثيمين (^٥) وغيرهم (^٦).
قال ابن قتيبة في بيان معنى الحديث: "يعني: حين دعي للإطلاق من الحبس، بعد الغمِّ الطويل، فقال للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، ولم يخرج من الحبس في وقته، يصفه بالأناة والصبر، وقال: لو كنت مكانه، ثم دُعيت إلى ما دُعي إليه من الخروج من الحبس، لأجبت ولم أتلبث، وهذا جنس من تواضعه، لا أنه كان عليه لو كان مكان يوسف فبادر وخرج، أو على يوسف لو خرج من الحبس مع الرسول: نقص ولا إثم، وإنما أراد أنه لم يكن يستثقل محنة الله -﷿- له، فيُبادر ويتعجل، ولكنه كان صابرًا محتسبًا" (^٧).
وقال الطحاوي: "وأما قوله -ﷺ-: (ولو لبثت في السجن مثل ما لبث يوسف، لأجبت الداعي) أي: لأن يوسف لما جاءه الداعي، قال له: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ أي: كنت أجبت الداعي، لأن في ذلك خروجي من السجن الذي كنت فيه" (^٨).
وقال البغوي بعد ذكره للحديث: "وصف يوسفَ بالأناة والصبر، حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه رسول الملك -فِعْل المذنب الذي يُعفى عنه- مع طول لبثه في السجن، بل قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا
_________________
(١) انظر: كشف المشكل (٣/ ٣٥٩).
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤).
(٣) انظر: إكمال إكمال المعلم (١/ ٤٣٧).
(٤) انظر: فتح الباري (٦/ ٤١٣).
(٥) انظر: تفسير القرآن الكريم (٣/ ٣٠٥).
(٦) انظر: جامع البيان (٧/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٥٢٤)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٧٤٤)، والجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، وفتح القدير (٣/ ٣٣)، وتحفة الأحوذي (٨/ ٥٤٠)، ومنة المنعم (٤/ ٦٣).
(٧) تأويل مختلف الحديث (٩٣).
(٨) شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٨٧).
[ ٤٢٣ ]
بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، أراد أن يقيم عليهم الحجة في حبسهم إياه ظلمًا، وقال النبي -ﷺ- ذلك أيضًا على سبيل التواضع، لا أنه كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف.
والتواضع لا يصغِّر كبيرًا، ولا يضع رفيعًا، ولا يبطل لذي حق حقًا، ولكنه يوجب لصاحبه فضلًا، ويكسبه جلالًا وقدرًا" (^١).
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، "يقول تعالى إخبارًا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي رآها بما أعجبه وأيقنه، فعرف فضل يوسف -﵇-، وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه، وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه، فقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ أي: أخرجوه من السجن وأحضروه، فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلمًا وعدوانًا، فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ الآية، وقد وردت السنة بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره وصبره صلوات الله وسلامه عليه" (^٢)، ثم ذكر هذا الحديث.
* * *
_________________
(١) شرح السنة (١/ ١١٦)، وانظر: معالم السنن (٢/ ٤٣٠).
(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٧٤٤).
[ ٤٢٤ ]
المبحث الثاني: ما جاء في سحر النبي -ﷺ-
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الأشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٤٢٥ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن عائشة -﵂- قالت: سَحَرَ رسولَ الله -ﷺ- رجلٌ من بني زُرَيق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله -ﷺ- يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله (^١)، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: (يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب (^٢)، قال: من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال في مُشْطٍ ومُشَاطةٍ (^٣) وجفِّ طَلعِ نخلةٍ ذكرٍ (^٤)، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان)، فأتاها رسول الله -ﷺ- في ناس
_________________
(١) جاء هذا مفسرًا في الرواية التي تلي هذه الرواية، حيث قالت عائشة -﵂-: "حتى يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن".
(٢) أي: مسحور، كنوا بالطب عن السحر تفاؤلًا بالبُرء، كما كنوا بالسليم عن اللديغ، وبالمفازة عن الفلاة المهلكة، تفاؤلًا بالفوز والسلامة [انظر: تهذيب اللغة (١٣٢٠٧) مادة (طب)، والنهاية في غريب الحديث (٣/ ١١٠)، وكشف المشكل (٤/ ٣٤٠)، وفتح الباري (١٠/ ٢٢٨)].
(٣) المشط: هو الآلة المعروفة التي يسرح بها شعر الرأس واللحية، والمشاطة: هي الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط. [انظر: تهذيب اللغة (١١/ ٢١٨ - ٢١٩) مادة (مشط)، والنهاية في غريب الحديث (٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، وكشف المشكل (٤/ ٣٤٠)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٢٧)، وفتح الباري (١٠/ ٢٢٩)].
(٤) هو وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى، فلهذا قيده في الحديث بقوله: طلعة ذكر، وهو بإضافة طلعة إلى ذكر. =
[ ٤٢٦ ]
من أصحابه، فجاء فقال: (يا عائشة، كأن ماءها نُقَاعةُ الحِنَّاء (^١)، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين) قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: (قد عافاني الله، فكرهت أن أثوِّرَ على الناس فيه شرًا)، فأمر بها فدفنت.
وفي رواية: قالت عائشة: اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فقال: (لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرًا)، متفق عليه (^٢).
وفي رواية للبخاري: عن عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله -ﷺ- سُحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن -قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا- فقال: (يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم -رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقًا- قال: وفيم؟ قال: في مشط ومُشَاقَةٍ (^٣)، قال: وأين؟ قال في جفِّ طلعة ذكرٍ، تحت رَعُوفَةٍ (^٤) في بئر ذروان)، قالت: فأتى النبي -ﷺ- البئر حتى
_________________
(١) = [انظر: تهذيب اللغة (١٠/ ٢٧٠) مادة (جف)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ٢٧٨) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٢٨)، وكشف المشكل (٤/ ٣٤٠)، وفتح الباري (١٠/ ٢٢٩)].
(٢) أي أن لون ماء البئر لون الماء الذي ينقع فيه الحناء، يعني: أحمر. [انظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٢٨)، وفتح الباري (١٠/ ٢٣٠)].
(٣) البخاري في مواضع: في كتاب الطب، باب: السحر (٥/ ٢١٧٤) ح (٥٤٣٠)، وفي كتاب بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده (٣/ ١١٩٢) ح (٣٠٩٥)، وفي كتاب الدعوات، باب: تكرير الدعاء (٥/ ٢٣٤٧) ح (٦٠٢٨)، ورواه مختصرًا في كتاب الجزية، باب: هل يُعفى عن الذمي إذا سحر (٣/ ١١٥٩) ح (٣٠٠٤)، ومسلم في كتاب السلام، باب: السحر (١٤/ ٤٢٤) ح (٢١٨٩).
(٤) هي بمعنى: المشاطة، وقد تقدمت قريبًا. [نظر: تهذيب اللغة (٨/ ٢٦٥) مادة (مشق)، والنهاية في غريب الحديث (٤/ ٣٣٤)، وفتح الباري (١٠/ ٢٣٢)].
(٥) هي صخرة تُترك في أسفل البئر إذا حُفرت، تكون ناتئة هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المُنقِّي عليها، وقيل: هي حجر يكون على رأس البئر يقوم المُستَقي =
[ ٤٢٧ ]
استخرجه (^١)، فقال: (هذه البئر التي أُرِيْتُهَا، وكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين)، قال: فاستُخْرِجَ، قالت: فقلت: أفلا؟ -أي: تنشرت (^٢) - فقال: (أما الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًا) (^٣).
بيان وجه الإشكال
استُشكل هذا الحديث من عدة وجوه، منها:
- أن السحر من عمل الشياطين، فكيف يصل إلى النبي -ﷺ-، مع حياطة الله تعالى له، وتسديده إياه.
_________________
(١) = عليه. [انظر: تهذيب اللغة (٢/ ٢١٠) مادة (رعف)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٣٥)، وكشف المشكل (٤/ ٣٤١)، وفتح الباري (١٠/ ٢٣٤)].
(٢) هذه الرواية تفيد أن النبي -ﷺ- قد استخرج السحر، وفي الرواية التي قبلها ما يفيد ضد ذلك، وهو أن النبي -ﷺ- لم يستخرجه، قال ابن القيم في بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٢): "ولا تنافي بينهما، فإنه استخرجه من البئر حتى رآه وعلمه، ثم دفنه بعد أن شفي، وقول عائشة -﵂-: هلا استخرجته؟ أي: هلا أخرجته للناس، حتى يروه ويعاينوه، فأخبرها بالمانع له من ذلك، وهو أن المسلمين لم يكونوا ليسكتوا عن ذلك، فيقع الإنكار، ويغضب للساحر قومُه، فيحدث الشر، وقد حصل المقصود بالشفاء والمعافاة، فأمر بها فدفنت، ولم يستخرجها للناس، فالاستخراج الواقع غير الذي سألت عنه عائشة، والذي يدل عليه: أنه -ﷺ-، إنما جاء إلى البئر ليستخرجها منه، ولم يجئ إليه لينظر إليها ثم ينصرف، إذ لا غرض له في ذلك، والله أعلم"، وانظر: فتح الباري (١٠/ ٢٣٤).
(٣) قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٣٥): "ظاهر هذه اللفظة: أنه من النشرة ، ويُحتمل أن يكون من: النشر، بمعنى: الإخراج، فيوافق رواية من رواه بلفظ: (فهلا أخرجته)، ويكون لفظ هذه الرواية: (هلا استخرجت)، وحذف المفعول للعلم به".
(٤) صحيح البخاري: كتاب الطب، باب: هل يُستخرج السحر (٥/ ٢١٧٥) ح (٥٤٣٢)، وأخرجه أيضًا في كتاب الأدب، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾ (٥/ ٢٢٥٢) ح (٥٧١٦).
[ ٤٢٨ ]
- أن هذا يصدق قول المشركين في وصفهم النبي -ﷺ- بأنه مسحور، كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧].
- أن لحوق أثر السحر بالنبي -ﷺ-، يُنافي عصمته، ويقدح في نبوته، ويزيل الثقة بما يبلغه عن الله.
فهذه الوجوه وغيرها -مما سيأتي ذكره- جعلت البعض يقدح في صحة الحديث، أو يصححه، ولكن ينفي تأثر النبي -ﷺ- بذلك السحر.
ولا ريب أن الحديث متفق على صحته، متلقى بالقبول عند أهل العلم، فلا سبيل إلى رده أو الطعن فيه، وأما ما أُثير حوله من إشكالات أو شبهات، فسيأتي الجواب عنها في المطالب التالية، إن شاء الله تعالى.
* * *
[ ٤٢٩ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: كل من نفى حقيقة السحر وأثره (^١)، ورأى أنه مجرد تمويه وتخييل لا حقيقة له -فلا تأثير له في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد ولا غير ذلك- فقد نفى السحر عن النبي -ﷺ-، وأنكره من باب أولى، كالمعتزلة (^٢)، ومن وافقهم في هذا، كأبي منصور المَاتُرِيْدِي (^٣) وأبي جعفر الإسترابادي من الشافعية (^٤)، وأبي بكر الرازي الجصاص من
_________________
(١) انظر في الكلام على حقيقة السحر وأثره: كتاب السحر بين الحقيقة والخيال، للدكتور أحمد بن ناصر الحمد، وقد استفدت منه كثيرًا في هذا الجانب.
(٢) انظر: الكشاف للزمخشري (١/ ٣٠٦)، ومتشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (١/ ١٠١)، والإرشاد للجويني (١٣١)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٤/ ٣٤٢)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٤، ٤٦)، والنبوات (١/ ١٣٠، ٤٨٤) و(٢/ ١٠٣١، ١٠٣٦)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٥)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٢١٦، ٢٢٠)، وتيسير العزيز الحميد (٣٨٣)، وفتح القدير (١/ ١١٩، ١٢١)، وتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور (١/ ٦٧٣).
(٣) انظر: التوحيد له (٢٠٩). وأبو منصور هو: محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي -نسبة إلى (ماتريد) محلة بسمرقند- السمرقندي، من أئمة علماء الكلام، وهو الذي ينسب إليه المذهب الماتريدي، له مؤلفات منها: التوحيد، والرد على القرامطة، توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة (٣٣٣). [انظر: الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفية للقرشي (٣/ ١٥٣٢)، والمواعظ والآثار -خطط المقريزي- (٢/ ٣٥٩)، والأعلام (٦/ ١٩)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٦٩٢)].
(٤) انظر: روضة الطالبين للنووي (٩/ ٣٤٦)، وفتح الباري (١٠/ ٢٢٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ٤٦) غير أنه كناه بأبي إسحاق، ولم أجد له ذكرًا =
[ ٤٣٠ ]
الأحناف (^١) وابن حزم (^٢) وغيرهم (^٣)، وهو منسوب لأبي حنيفة (^٤)، ونقل القرافي (^٥) عن الحنفية: القولَ بعدم تأثير السحر ما لم يكن مباشرًا (^٦) ولعل هذا مراد أبي حنيفة -﵀-.
_________________
(١) = بهاتين الكنيتين في تراجم الشافعية ولا غيرها، وقد نقل ابن كثير في تفسيره (١/ ٢٢٠)، وحافظ الحكمي في معارج القبول (١/ ٣٦٨) كلام القرطبي في نسبة هذا القول لأبي إسحاق، لكنهما قالا: الإسفراييني، بدل: الإستراباذي، وقد اشتُهر عن أبي إسحاق الإسفراييني إنكاره لخوارق السحرة وكرامات الأولياء لئلا تلتبس بمعجزات الأنبياء، والله أعلم. [انظر: الإرشاد للجويني (١٢٩)، والنبوات لابن تيمية (١/ ١٣١)، و(٢/ ١٠٣١)، ولوامع الأنوار (٢/ ٣٩٤)، والإنصاف للصنعاني (٦٣)].
(٢) انظر: أحكام القرآن له (١/ ٤٣، ٤٩). وأبو بكر الجصاص هو: العلامة المفتي عالم العراق أحمد بن علي الرازي أبو بكر الجصاص الحنفي، انتهت إليه رئاسة الحنفية في وقته، صنَّف وجمع وتخرج به الأصحاب ببغداد، وإليه المنتهى في معرفة المذهب، وكان مع براعته في العلم ذا زهد وتعبد، عُرض عليه القضاء فامتنع، وقيل: إنه كان يميل إلى الاعتزال، توفي سنة سبعين وثلاثمائة (٣٧٠)، له مؤلفات منها: أحكام القرآن، والأسماء الحسنى. [انظر: تاريخ بغداد (٥/ ٧٢)، والسير (١٦/ ٣٤٠)، والجواهر المضية (١/ ٢٢٠)، وشذرات الذهب (٣/ ٧١)، والأعلام (١/ ١٧١)، ومعجم المؤلفين (١/ ٢٠٢)].
(٣) انظر: الفصل (٣/ ١٦٨ - ١٧٨)، والدرة فيما يجب اعتقاده (١٩٢ - ١٩٧)، والمحلى (١/ ٥٨).
(٤) انظر: تفسير التحرير والتنوير (١/ ٦٣٤، ٦٤٥).
(٥) انظر: الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة (٢/ ٢٢٦)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٢٢٠)، وفتح القدير (١/ ١١٩، ١٢١)، ومعارج القبول (١/ ٣٦٨).
(٦) هو: أبو العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي الأصل، المشهور بالقرافي، فقيه أصولي مفسر، من علماء المالكية، ولد بمصر وتوفي فيها سنة (٦٨٤ هـ) له عدة تصانيف منها: الفروق، والذخيرة في الفقه، والتنقيح في أصول الفقه. [انظر: الأعلام (١/ ٩٤)، ومعجم المؤلفين (١/ ١٠٠)].
(٧) انظر: الفروق (٤/ ١٤٩).
[ ٤٣١ ]
قال ابن حجر: "واختُلِف في السحر، فقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الإسترباذي (^١) من الشافعية وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة" (^٢).
وهؤلاء منهم من ردَّ الحديث أصلًا كالمعتزلة والجصاص (^٣)، ومنهم من أثبته كابن حزم وغيره، لكنه نفى أن يكون السحر قد أثر بالنبي -ﷺ- (^٤).
وقد استدلوا بأدلة عامة على نفي حقيقة السحر وأثره، وأدلة خاصة على نفي السحر عن النبي -ﷺ-، وإليك أهم هذه الأدلة، مبتدئًا بالأدلة العامة ثم الخاصة.
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، حيث نفى حصول الضرر بالسحر إلا بإذنه، مما يدل على أنه ليس له تأثير في نفسه وذاته، وليس المعنى: أن السحر قد يضر وقد لا يضر، بل المعنى أنه لا يضر منه إلا ما كان بإيصال أشياء ضارة بطبعها، ومباشَرَةِ بدن المسحور بها (^٥).
٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقوله: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩].
وقول عائشة -﵂-: أن النبي حين سُحر: كان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله.
_________________
(١) هكذا ذكره الحافظ، وقد تقدم أن النووي والقرطبي ذكراه بلفظ: الإسترابادي، وكنياه بأبي إسحاق.
(٢) فتح الباري (١٠/ ٢٢٢).
(٣) انظر: أحكام القرآن له (١/ ٤٩).
(٤) انظر: الفصل (٣/ ١٧٢)، وتفسير التحرير والتنوير (١/ ٦٣٤)
(٥) انظر: الكشاف (١/ ٣٠٦)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٦)، وتفسير التحرير والتنوير (١/ ٦٤٥).
[ ٤٣٢ ]
فقالوا: إن هذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن السحر إنما هو مجرد تمويه وتخييل على الأعين، وتحيل وكيد مفتعل لا حقيقة له ولا تأثير (^١).
قال ابن حزم: "وقد نص الله -﷿- على ما قلنا، فقال: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، فأخبر تعالى أن عمل أولئك السحرة إنما كان تخيلًا لا حقيقة له، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، فأخبر تعالى أنه كيد لا حقيقة له وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ أي: أنهم أوهموا الناس فيما رأوه ظنونًا متوهمة لا حقيقة لها، ولو فتشوها للاح لهم الحق" (^٢).
٣ - أنه لو كان للسحر تأثير وحقيقة لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات، لأنها حينئذٍ تشتبه، فلا يمكن التفريق والتمييز بين السحر والمعجزة.
قال الجصاص -مبينًا ما يلزم على القول: بحقيقة السحر وتأثر النبي -ﷺ- به-: يلزم من ذلك أن "لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة، وأن جميعه من نوع واحد، والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء -﵈-، وإثبات معجزاتهم، وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة" (^٣).
وقال الرازي في مَعْرِض بيان حجج المعتزلة، أنهم قالوا: "لو جاز ذلك من السحر، فكيف يتميز المعجز عن السحر" (^٤).
_________________
(١) انظر: الكشاف (٢/ ٤٨٦)، وأحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٣، ٤٩)، والتفسير الكبير (١٤/ ٢٠٣)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٦)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٢١٣)، وأضواء البيان (٤/ ٤٧٤).
(٢) الفصل (٣/ ١٧١ - ١٧٢) بتصرف يسير.
(٣) أحكام القرآن (١/ ٤٩).
(٤) التفسير الكبير (٣/ ٢١٤)، وانظر: (٣/ ٣٠٦)، والمحلى (١/ ٥٨)، والدرة (١٩٤)، =
[ ٤٣٣ ]
٤ - أن القول: بأن النبي -ﷺ- قد أثر فيه السحر، يصدق قول المشركين في تعييرهم النبي -ﷺ- بأنه مسحور، كما حكى الله عنهم ذلك فقال: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، ومعلوم أن تعييرهم هذا باطل، ولذا ذمهم الله عليه (^١).
٥ - أن القول: بلحوق ضرر السحر بالنبي -ﷺ- منافٍ لعصمته، وطعن في نبوته، ومزيل للثقة بما جاء به، فإنه إذا سحر وخيل إليه أنه يفعل الأمر، وهو لم يفعله، أمكن أن يخيل إليه أنه أوحي إليه وهو لم يوحَ إليه، وأنه بلغ ما أوحي إليه، وهو لم يبلغه، وهكذا في جميع أمور الدين، مما يُفقد الحجة والاطمئنان بقوله وفعله (^٢).
٦ - أن السحر من عمل الشياطين، وهم لا يتسلطون إلا على من غفل عن الله تعالى وطاعته، أما من تحصن بطاعة الله تعالى وذكره -كالرسول -ﷺ-- فليس للشيطان عليه سلطان ولا سبيل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢] (^٣).
القول الثاني: أن للسحر حقيقة وأثرًا، كما دل على ذلك الكتاب والسنة (^٤) وقد سُحر النبي -ﷺ-، وأثر فيه ذلك السحر وأمرضه، فكان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله، غير أنه لم يوجب له خللًا في عقله، ولا تخليطًا له في قوله، إذ قد قام دليل النقل، وبرهان المعجزة على صدقه وعصمة الله تعالى له من الغلط فيما يبلغه بقوله وفعله، فالسحر الذي تعرض
_________________
(١) = والفصل (٣/ ١٧٣) ثلاثتها لابن حزم، والنبوات (١/ ٤٨٤)، و(٢/ ١٠٣٦ - ١٠٣٧)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٧١).
(٢) انظر التفسير الكبير للرازي (٣/ ٢١٤)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٣)، وأضواء البيان (٤/ ٥٠٦).
(٣) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٣)، والمعلم (٣/ ٩٣).
(٤) انظر: تأويل مختلف الحديث (١٦٦، ١٦٩)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٣)، والأنوار الكاشفة (٢٥٢).
(٥) سيأتي ذكر هذه الأدلة في المطلب التالي إن شاء الله تعالى.
[ ٤٣٤ ]
له المصطفى -ﷺ-، إنما هو عرض من الأعراض التي تعتري البشر جميعًا، بما في ذلك الأنبياء، كالمرض، والجوع والعطش، والحر والبرد، والتعب والإعياء والإغماء، وغيرها.
وإلى هذا القول ذهب عامة أهل السنة والجماعة (^١)، ومن وافقهم، وقد نص عليه ابن قتيبة (^٢)، والخطابي (^٣)، والمازري، وقوَّام السنة الأصبهاني (^٤)، وابن قدامة (^٥)، والقاضي عياض، وابن الجوزي (^٦)، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي (^٧)، والنووي (^٨)، والقرافي (^٩)، وابن القيم (^١٠)، وسليمان بن عبد الله (^١١)، وحافظ الحكمي (^١٢)، والمعلمي (^١٣)، والشنقيطي (^١٤)، وابن باز (^١٥)، وابن عثيمين (^١٦)، وغيرهم (^١٧).
_________________
(١) انظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني (٢٩٦)، ومعالم التنزيل (١/ ٩٩)، والمعلم (٣/ ٩٣)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٦)، والنبوات (١/ ٤٨٥)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٥)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٢٢٠)، وفتح القدير (١/ ١٢١).
(٢) انظر: تأويل مختلف الحديث (١٦٧ - ١٧٥)، وتأويل مشكل القرآن (١١٦).
(٣) انظر: أعلام الحديث (٢/ ١٥٠٠ - ١٥٠١).
(٤) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥١٩ - ٥٢١).
(٥) انظر: الكافي (٥/ ٣٣١).
(٦) انظر: كشف المشكل (٤/ ٣٤٢).
(٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٤، ٤٦).
(٨) انظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، وفتح الباري (١٠/ ٢٢٢).
(٩) انظر: الفروق (٤/ ١٤٩).
(١٠) انظر: زاد المعاد (٤/ ١٢٤)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٥).
(١١) انظر: تيسير العزيز الحميد (٣٨٢ - ٣٨٣).
(١٢) انظر: معارج القبول (١/ ٣٦٨).
(١٣) انظر: الأنوار الكاشفة (٢٤٩ - ٢٥٣).
(١٤) انظر: أضواء البيان (٤/ ٤٧٤).
(١٥) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعه له (٨/ ١٤٩).
(١٦) انظر: المجموع الثمين (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، وتفسير القرآن الكريم، له (١/ ٣٢٨).
(١٧) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٦/ ٦١٠)، ومنة المنعم (٣/ ٤٤٩)، وظلمات أبي رية =
[ ٤٣٥ ]
وعمدتهم في تأثر النبي -ﷺ- ومرضه بسبب السحر حديث عائشة -﵂- -المتقدم- قالت: سَحَرَ رسولَ الله -ﷺ- رجلٌ من بني زُرَيق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله -ﷺ- يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: (يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال في مُشْطٍ ومُشَاطةٍ وجفِّ طَلعِ نخلةٍ ذكرِ، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان)، فأتاها رسول الله -ﷺ- في ناس من أصحابه، فجاء فقال: (يا عائشة، كأن ماءها نُقَاعةُ الحِنَّاء، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين)، قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: (قد عافاني الله، فكرهت أن أثوِّرَ على الناس فيه شرًا) فأمر بها فدفنت.
قال القرطبي: "وقول عائشة -﵂-: (سحر رسولَ الله -ﷺ- يهوديٌّ)، هذا الحديث يدل على أن السحر موجود، وأن له أثرًا في المسحور، وقد دل على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسنة، بحيث يحصل بذلك القطع بأن السحر حق، وأنه موجود" (^١).
وقال الشنقيطي: "في هذا الحديث الصحيح أن تأثير السحر فيه -ﷺ- سبب له المرض، بدليل قوله: (أما الله فقد شفاني)، وفي بعض الروايات الثابتة في صحيح البخاري وغيره بلفظ: فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، أي: مسحور، وهو صريح بأن السحر سبب له وجعًا" (^٢).
وقال الخطابي: "السحر ثابت، وحقيقته موجودة، وقد اتفق أكثر
_________________
(١) = لمحمد عبد الرزاق حمزة (٢٦٩)، وفتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٥٦٩).
(٢) المفهم (٥/ ٥٦٨).
(٣) أضواء البيان (٤/ ٥٠٦).
[ ٤٣٦ ]
الأمم، من العرب والفرس والهند وبعض الروم على إثباته والأنبياء صلوات الله عليهم يجوز عليهم من الأعراض والعلل ما يجوز على غيرهم، إلا فيما خصهم الله به من العصمة في أمر الدين، الذي أرصدهم له، وبعثهم به، وليس تأثير السحر في أبدانهم بأكثر من القتل، وتأثير السم والأمراض وعوارض الأسقام فيهم، وقد قتل زكريا وابنه يحيى -﵇-، وسُمَّ نبينا -ﷺ- في الشاة التي أُهديت له بخيبر فلم يكن شيء مما ذكرنا قادحًا في نبوتهم، ولا دافعًا لفضيلتهم، وإنما هو امتحان وابتلاء فأما ما يتعلق من أمره -ﷺ- بالنبوة فقد عصمه الله في ذلك، وحرس وحيه أن يلحقه الفساد والتبديل، وإنما كان يخيل إليه من أنه يفعل الشيء ولا يفعله في أمر النساء خصوصًا، وفي إتيان أهله قصرةً، إذ كان قد أُخذ عنهن بالسحر، دون ما سواه من أمر الدين والنبوة، وهذا من جملة ما تضمنه قوله -﷿-: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية، فلا ضرر إذن مما لحقه من السحر على نبوته، ولا نقص فيما أصابه منه على دينه وشريعته، والحمد لله على ذلك" (^١).
وقال المازري: "أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة، خلافًا لمن أنكره ونفى حقيقته، وأضاف ما يتفق منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز، وذكر أنه مما يُتعلم، وذكر ما يشير إلى أنه مما يُكفَّرُ به، وأنه يُفرَّقُ به بين المرء وزوجه، وهذا كله مما لا يمكن أن يكون فيما لا حقيقة له، وكيف يُتعلم ما لا حقيقة له.
وهذا الحديث أيضًا فيه إثباته، وأنه أشياء دفنت وأُخرجت، وهذا كله يبطل ما قالوه" (^٢).
وقال القاضي عياض: "السحر مرض من الأمراض، وعارض من
_________________
(١) أعلام الحديث (٢/ ١٥٠٠ - ١٥٠٤).
(٢) المعلم (٣/ ٩٣).
[ ٤٣٧ ]
العلل، تجوز عليه -يعني: النبي -ﷺ-- كأنواع الأمراض مما لا يُنكَر، ولا يَقدح في نبوته -﵇-، وأما ما ورد أنه كان يُخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يُدخل عليه داخلةً في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طروؤه عليه في أمر دنياه، التي لم يبعث بسببها ولا فُضِّل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يُخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان" (^١).
وقال القرطبي: "الأنبياء من البشر، فيجوز عليهم من الأمراض والآلام والغضب والضجر والعجز والسحر والعين وغير ذلك ما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عما يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصدق، والعصمة عن الغلط في التبليغ، وعن هذا المعنى عبَّر الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، من حيث البشرية: يجوز عليهم ما يجوز عليهم، ومن حيث الخاصة النبوية: امتاز عنهم، وهو الذي شهد له العلي الأعلى بأن بصره ما زاغ وما طغى، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحي يُوحى، وأنه ما ينطق عن الهوى" (^٢).
* * *
_________________
(١) الشفاء (٣٧٨).
(٢) المفهم (٥/ ٥٧٠).
[ ٤٣٨ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي عليه أهل السنة والجماعة أن السحر ثابت موجود، له حقيقة وأثر لا يمكن إنكاره ولا نفيه.
قال الإمام الصابوني في معرض بيان عقيدة السلف: "ويشهدون أن في الدنيا سحرًا وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحدًا إلا بإذن الله -﷿-" (^١).
وقال البغوي: "والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة، وعليه أكثر الأمم" (^٢).
وتقدم قول المازري: "أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة" (^٣).
وقال أبو عبد الله القرطبي: "ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة" (^٤).
وقال النووي: "والصحيح أن له حقيقة وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة" (^٥).
وقال ابن القيم بعد ذكره لقول المنكرين لحقيقة السحر: "هذا خلاف
_________________
(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٢٩٦)، وانظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥١٩ - ٥٢١).
(٢) معالم التنزيل (١/ ٩٩).
(٣) المعلم (٣/ ٩٣).
(٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٦).
(٥) روضة الطالبين (٩/ ٣٤٦)، وانظر: فتح الباري (١٠/ ٢٢٢).
[ ٤٣٩ ]
ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث، وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء" (^١).
وقال الشوكاني: "قد أجمع أهل العلم على أن له تأثيرًا في نفسه وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة" (^٢).
وقد دلَّ على أن السحر له حقيقة وأثر: الكتاب، والسنة، والواقع، وإليك شيئًا من ذلك:
فمن أدلة الكتاب:
١ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢].
فهذه الآية تدل على أن للسحر حقيقة وأثرًا من عدة وجوه:
أ- أن الله تعالى ذكر السحر، وأخبر أنه مما يُعلَّم ويُتعلَّم، وهذا يدل على أن له حقيقة، إذ لو لم يكن كذلك لما أمكن تعلمه وتعليمه.
قال أبو عبد الله القرطبي: "لو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس، فدلَّ على أن له حقيقة" (^٣).
ب - أن الله تعالى أخبر في هذه الآية أن السحر يحصل به التفريق بين المرء وزوجه، فقال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، وهذا دليل واضح على أن للسحر حقيقة وأثرًا.
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٥).
(٢) فتح القدير (١/ ١٢١)، وانظر: تفسير ابن كثير (١/ ٢٢٠).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٦).
[ ٤٤٠ ]
قال الشوكاني: "في إسناد التفريق إلى السحرة، وجعل السحر سببًا لذلك، دليل على أن للسحر تأثيرًا في القلوب بالحب والبغض، والجمع والفرقة، والقرب والبعد" (^١).
وقال السعدي عند الآية السابقة: "وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله" (^٢).
ج- أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يدل على حصول الضرر بسببه (^٣)، لكنه لا يكون إلا بإذن الله الكوني القدري.
٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].
ففي هذه السورة أمر الله نبيه -ﷺ- بالاستعاذة من شر النفاثات في العقد، وهن السواحر، اللاتي يستعنَّ على سحرهن بالنفث في العقد (^٤)، مما يدل على أن للسحر حقيقة وأثرًا، وإلا لما كان للأمر بالاستعاذة منهن معنى، وقد حكى أبو عبد الله القرطبي اتفاق المفسرين على أن سبب نزول هذه السورة، ما تعرض له النبي -ﷺ- من سحر لبيد بن الأعصم (^٥).
قال ابن القيم: "وقد دلَّ قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ وحديث عائشة المذكور على تأثير السحر وأن له حقيقة" (^٦).
_________________
(١) فتح القدير (١/ ١٢٠).
(٢) تيسير الكريم الرحمن (١/ ١١٩)، وانظر: أضواء البيان (٤/ ٤٧٤، ٥٠٦).
(٣) انظر: التفسير الكبير للرازي (٣/ ٢١٣).
(٤) انظر: جامع البيان (١٢/ ٧٥٠)، ومعالم التنزيل (٤/ ٥٤٧)، والجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٥٧)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٩١٧)، وأضواء البيان (٩/ ٦٣٨)، وتيسير الكريم الرحمن (٧/ ٦٨٧).
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٦)، وأضواء البيان (٩/ ٦٣٨).
(٦) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٥).
[ ٤٤١ ]
وقال السعدي عن هذه السورة: "دلت على أن السحر له حقيقة، يُخشى من ضرره، ويُستعاذ بالله منه، ومن أهله" (^١).
ومن أدلة السنة على حقيقة السحر وأثره:
١ - حديث عائشة -﵂- -المتقدم- في سحر لبيد بن الأعصم للنبي -ﷺ-، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.
قال أبو عبد الله القرطبي: "وفيه -أي: الحديث- أن النبي -ﷺ- قال لمَّا حُلَّ السحر: (إن الله شفاني)، والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدلَّ على أن له حقًا وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه، وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق" (^٢).
٢ - حديث عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوةً، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سِحر)، متفق عليه (^٣). ففي هذا الحديث أرشد النبي -ﷺ- إلى ما فيه وقاية من ضرر السحر، مما يدل على أن له حقيقة وأثرًا، إذ لا يُتوقى إلا ما كان كذلك، كما أن في قرنه بالسم المتفق على حقيقته وأثره، دليلًا على أنه مثله في ذلك (^٤).
وأما دلالة الواقع على حقيقة السحر وأثره فأشهر من أن تُذكر، حيث تواترت أخباره وآثاره عند الناس، فلا تكاد تجد أحدًا ينكر حقيقته أو ينفي أثره.
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن (٧/ ٦٨٨)، وانظر: الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (١/ ٥٢١)، والكافي لابن قدامة (٥/ ٣٣١)، وأضواء البيان (٤/ ٤٧٤).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٦).
(٣) البخاري: (٥/ ٢٠٧٥) ح (٥١٣٠)، ومسلم: (١٤/ ٢٤٥) ح (٢٠٤٧).
(٤) انظر: السحر بين الحقيقة والخيال (٧٨).
[ ٤٤٢ ]
قال أبو عبد الله القرطبي: "لقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان، وتكلم الناس فيه، ولم يَبدُ من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله" (^١).
وقال ابن القيم: "والسحر الذي يؤثر مرضًا وثقلًا، وحلًا وعقدًا، وحبًا وبغضًا، ونزيفًا، وغير ذلك من الآثار: موجود تعرفه عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقًا بما أصيب به منه" (^٢).
وأما ما وقع للنبي -ﷺ- من السحر وتأثره به، فحق لا يمكن رده أو إنكاره، لدلالة حديث عائشة -﵂-، المتفق على صحته على ذلك (^٣).
قال ابن القيم -عن هذا الحديث-: "هذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم، لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار، وقابلوه بالتكذيب" (^٤).
وقال أيضًا: "قد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين" (^٥).
وقال الشنقيطي: "اعلم أن ما وقع من تأثير السحر في رسول الله -ﷺ-، لا يستلزم نقصًا ولا محالًا شرعيًا، حتى ترد بذلك الروايات الصحيحة، لأنه نوع من الأعراض البشرية، كالأمراض المؤثرة في الأجسام، ولم يؤثر البتة فيما يتعلق بالتبليغ" (^٦).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٦)، وانظر: الفروق للقرافي (٤/ ١٥٠).
(٢) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٥).
(٣) تقدم تخريجه ص (٤٢٦ - ٤٢٧).
(٤) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٢).
(٥) المرجع السابق (٢/ ٣٦٣).
(٦) أضواء البيان (٤/ ٥٠٨).
[ ٤٤٣ ]
وأما ما ذهب إليه المنكرون لحقيقة السحر وأثره، فباطل ظاهر البطلان، والأدلة المتقدمة على إثبات السحر وحقيقته حجة عليهم، وداحضة لقولهم، وأما ما استدلوا به فلا يعدو أن يكون شبهًا يمكن مناقشتها والإجابة عنها، كما سيأتي.
ويحسن التنبيه هنا إلى أن نفي هؤلاء لحقيقة السحر وأثره، لا يعني إنكارهم لأصل السحر ووجوده مطلقًا، لأنه قد تردد ذكره كثيرًا في الكتاب والسنة، وتواطأت على ذكره الأمم في كل زمان ومكان، فلا يمكن لأحد أن ينكره مطلقًا إلا أن يكون مكابرًا، ولذا قال ابن حجر: "نقل الخطابي أن قومًا أنكروا السحر مطلقًا، وكأنه عنى القائلين: بأنه تخييل فقط، وإلا فهي مكابرة" (^١).
وقال ابن قتيبة ردًا على من نفى حقيقة السحر، وزعم أنه مجرد تخييل: "نحن نقول: إن الذي يذهب إلى هذا مخالف للمسلمين واليهود والنصارى، وجميع أهل الكتب، ومخالف للأمم كلها: الهند، وهي أشدها إيمانًا بالرقى، والروم، والعرب في الجاهلية وفي الإسلام، ومخالف للقرآن، معاند له بغير تأويل" (^٢).
وبهذا يتبين أن الخلاف مع هؤلاء منصب على إنكارهم لحقيقة السحر وأثره، وزعمهم أنه لا يكون إلا تخييلًا، أو أنه لا يؤثر إلا إذا كان مباشرًا للبدن، وعليه أنكروا تأثر النبي -ﷺ- بالسحر، واستدلوا بأدلة في ما يلي مناقشتها:
مناقشة أدلة النافين لحقيقة السحر، وتأثر النبي -ﷺ- به:
١ - أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ على أن السحر ليس له تأثير في نفسه، لأن الله نفى حصول
_________________
(١) الفتح (١٠/ ٢٢٢)، وانظر: السحر بين الحقيقة والخيال (٤٥) هامش (١).
(٢) تأويل مختلف الحديث (١٦٧)، وانظر: أعلام الحديث للخطابي (٢/ ١٥٠٠).
[ ٤٤٤ ]
الضرر إلا بإذنه، فاستدلال مردود، لأن المراد بالإذن هنا الإذن الكوني القدري، فالسحر لا يتحقق ضرره إلا بإرادة الله الكونية، فلا يمكن أن يستقل هو بالفعل، إذ لا يستقل بذلك إلا الرب -﷾-، وليس هذا خاصًا بالسحر، بل كل ما يجري في هذا الكون فإنه مربوط بإرادة الله الكونية، فلا يقع في ملكه إلا ما يريد، وإلا كان خارجًا عن حكمه وملكه، فالاستثناء في الآية ليس فيه ما يدل على نفي حقيقة السحر وأثره، بل فيه ما يدل على عكس ذلك، وهو إثبات حقيقة السحر وأثره، كما تقدم.
قال الرازي: "الاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه" (^١).
وقال الشوكاني: "الحق أنه لا تنافي بين قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، وبين قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر تأثيرًا في نفسه، ولكنه لا يؤثر ضررًا إلا فيمن أذن الله بتأثيره فيه" (^٢).
وأما قولهم: إن السحر لا يحصل ضرره إلا بإيصال أشياء ضارة بطبعها، ومباشَرَةِ بدن المسحور بها، فقول باطل، فإن "قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ دليل على أن هذا النفث يضر المسحور في حال غيبته عنه، ولو كان الضرر لا يحصل إلا بمباشرة البدن ظاهرًا، كما يقوله هؤلاء، لم يكن للنفث ولا للنفاثات شر يُستعاذ منه" (^٣).
قال القرافي: "السحر له حقيقة، وقد يموت المسحور، أو يتغير طبعه وعادته، وإن لم يباشره" (^٤).
٢ - وأما استدلالهم -على أن السحر مجرد تخييل لا حقيقة له- بقوله
_________________
(١) التفسير الكبير (٣/ ٢١٣)، وانظر: تفسير ابن كثير (١/ ٢١٦)، والسحر بين الحقيقة والخيال (٦١ - ٦٢).
(٢) فتح القدير (١/ ١٢١).
(٣) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦).
(٤) الفروق (٤/ ١٤٩).
[ ٤٤٥ ]
تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وغيرها من الآيات، وكذا ما وقع للنبي -ﷺ- حين سُحر، من كونه يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، فالجواب عنه أن يُقال: غاية ما في هذه الأدلة أن السحر منه ما هو تخييل، وهذا حق لا خلاف فيه، إذ التخييل من جملة السحر، لكن ليس فيها أن السحر لا يكون إلا تخييلًا، ثم إن هذا التخييل الناتج عن السحر دليل على حقيقة السحر وأثره، إذ لو لم يكن له تأثير لم يحصل التخييل، فالتخييل نتيجةٌ لتأثير السحر.
قال الشنقيطي: التحقيق الذي عليه جماهير العلماء أن السحر منه ما هو حقيقة لا مطلق تخييل، ومنه ما هو تخييل لا حقيقة له (^١).
وبناءً على هذا، يكون أمر الخلاف مع من أقر بوقوع التخييل للنبي -ﷺ- -نتيجة السحر- لفظيًا، إذ الجميع متفقون على أن ما وقع للنبي -ﷺ- من السحر، إنما هو مجرد تخييل، كما هو نص الحديث، ويبقى الخلاف معه فيما سوى التخييل مما هو من أعراض السحر وآثاره.
وقد تكلم ابن القيم حول هذا الاستدلال بكلام نفيس، أسوقه بطوله لأهميته:
قال -﵀-: "إذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناظرين مع كثرتهم، حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به، مع أن هذا تغيُّر في إحساسهم، فما الذي يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم، وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية، والتغيير في صفة أخرى من صفات النفس والبدن، فإذا غيَّر إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركًا، والمتصل منفصلًا، والميت حيًا، فما المحيل لأن يُغير صفات نفسه، حتى يجعل المحبوب إليه بغيضًا، والبغيض محبوبًا، وغير ذلك من
_________________
(١) انظر: أضواء البيان (٤/ ٤٧٤، ٤٩٤)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٦)، وتحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد للعجيلي (٢/ ٢٦٩).
[ ٤٤٦ ]
التأثيرات، وقد قال تعالى عن سحرة فرعون إنهم: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، فبين سبحانه أن أعينهم سُحرت، وذلك: إما أن يكون لتغيير حصل في المرئي، وهو الحبال والعصي، مثل أن يكون السحرة استعانت بأرواح حرَّكتها وهي الشياطين، فظنوا أنها تحركت بأنفسها، وهذا كما إذا جَرَّ مَن لا يراه: حصيرًا أو بساطًا، فترى الحصير والبساط ينجرُّ ولا ترى الجارَّ له، مع أنه هو الذي يجره، فهكذا حال الحبال والعصي التبستها الشياطين فقلَّبتها كتقلُّب الحية، فظن الرائي أنها تقلبت بأنفسها، والشياطين هم الذين يقلبونها.
وإما أن يكون التغيير حدث في الرائي، حتى رأى الحبال والعصي تتحرك وهي ساكنة في أنفسها، ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها" (^١).
٣ - وأما قولهم: إن إثبات أثر السحر وحقيقته يتعذر معه التمييز بينه وبين المعجزة، والساحر والنبي، فالجواب عنه: أن هذا غير مسلم، فلا يمكن أن يلتبس أمر السحر بأمر النبوة على أحد، إذ الفرق بين النبي والساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار، فالنبي يأتيه ملك كريم من عند الله، يخبره عن الله، والساحر إنما معه شيطان يأمره ويخبره، فلا الخبر كالخبر، ولا الأمر كالأمر، ولا مُخبِر هذا كمُخبِر هذا، كما أنه ليس هذا مثل هذا (^٢).
قال ابن تيمية: "الفرقان بينهما أعظم، كالفرق بين الملائكة والشياطين، وأهل الجنة وأهل النار، وخيار الناس وشرارهم، وهذا أعظم الفروق بين الحق والباطل.
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٦).
(٢) انظر: النبوات لابن تيمية (٢/ ٧٠٤)، و(١/ ١٥٢)، ومما ينبغي التأكيد عليه أن موت النبي -ﷺ- قاطع لكل التباس، لأن النبوة قد ختمت به.
[ ٤٤٧ ]
والكفار قالوا عن الأنبياء: إنهم مجانين وسحرة، فكما يعلم بضرورة العقل وجود أعظم الفرق بينهم وبين المجانين، وأنهم أعقل الناس وأبعدهم عن الجنون، فكذلك يعلم بضرورة العقل أعظم الفرق بينهم وبين السحرة، وأنهم أفضل الناس وأبعدهم عن السحر" (^١).
ومن الفروق الواضحة بين آيات الأنبياء وبين ما يأتي به السحرة: أن جنس آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الخلق من الإنس والجن وسائر الحيوانات، كما في نبع الماء من بين أصابع النبي -ﷺ-، وكون الطعام القليل يصير كثيرًا، وغير ذلك.
أما ما يأتي به السحرة فهو لا يخرج عن مقدور الإنس والجن، كالطيران في الهواء، فإنه مقدور للجن، وكذا كون الساحر يقتل بسحره ويُمرض، ويفرق بين المرء وزوجه، كل ذلك مقدور للإنس والجن.
قال ابن تيمية: "الساحر قد يقدر على أن يقتل إنسانًا بالسحر، أو يمرضه، أو يفسد عقله أو حسه وحركته وكلامه، بحيث لا يجامع، أو لا يمشي، أو لا يتكلم، ونحو ذلك، وهذا كله مما يقدر الإنسان على مثله، لكن بطرق أخرى، والجن يطيرون في الهواء وعلى الماء، ويحملون الأجسام الثقيلة، كما قال العفريت لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩]، وهذا الجنس يكون لمن هو دون الإنس والجن من الحيوان، كالطيور والحيتان، والإنس يقدر على جنسه، ولهذا لم يكن هذا الجنس آية لنبي، لوجوده لغير الأنبياء، فكثير من الناس تحمله الجن، بل شياطين الجن، وتطير به في الهواء، وتذهب به إلى مكان بعيد، كما كان العفريت يحمل عرش بلقيس من اليمن إلى مكان بعيد" (^٢).
ومن الفروق أيضًا: أن معجزات الأنبياء لا يمكن لأحد أن يُعارضها
_________________
(١) النبوات (٢/ ١٠٤٩)، وانظر: (٢/ ٦٦٥).
(٢) النبوات (١/ ٥٢٣ - ٥٢٤)، وانظر: (١/ ١٤٤، ١٩٢)، و(٢/ ٩٩٢، ٩٩٥).
[ ٤٤٨ ]
بمثلها، أو يبطلها، كما قال تعالى عن القرآن: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]، ولما طلب فرعون معارضة ما جاء به موسى -﵇- -بعد ادعائه أنه ساحر- وجمع السحرة لهذا الأمر، أبطل الله كيده، وأبان عجزه، وعجز سحرته عن ذلك، بل إن السحرة لعلمهم بالسحر، تيقنوا أن ما جاء به موسى لا يمكن أن يكون سحرًا، فآمنوا إيمانًا جازمًا.
وهذا بخلاف خوارق السحرة، فإنه يمكن أن تُعارض بمثلها، وبأقوى منها (^١).
ولشيخ الإسلام ابن تيمية، كلام نفيس في هذا الباب، ذكر فيه الفروق بين الأنبياء وما يأتون به من الآيات، وبين السحرة والكهان، وما يأتون به من الخوارق وغيرها، فقال -﵀-:
"الأول -أي: من الفروق-: أن النبي صادق فيما يخبر به عن الكتب، لا يكذب قط، ومَن خالفهم من السحرة والكهان لا بُدَّ أن يكذب، كما قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢].
الثاني: من جهة ما يأمر به هذا ويفعله، ومن جهة ما يأمر به هذا ويفعله، فإن الأنبياء لا يأمرون إلا بالعدل، وطلب الآخرة، وعبادة الله وحده، وأعمالهم: البر والتقوى، ومخالفوهم: يأمرون بالشرك والظلم، ويعظمون الدنيا، وفي أعمالهم الإثم والعدوان.
الثالث: أن السحر والكهانة ونحوهما أمور معتادة، معروفة لأصحابها، ليست خارقة لعادتهم، وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن اتبعهم (^٢).
_________________
(١) انظر: النبوات (١/ ١٦٩، ١٩٣، ١٩٥) و(٢/ ١٠٨١ - ١٠٨٢)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٧).
(٢) أي لا تكون معتادة إلا لهم ولمن اتبعهم، قال ابن تيمية في موضع آخر: "وآيات =
[ ٤٤٩ ]
الرابع: أن الكهانة والسحر، يناله الإنسان بتعلمه وسعيه واكتسابه، وهذا مجرب عند الناس، بخلاف النبوة فإنه لا ينالها أحد باكتسابه.
الخامس: أن النبوة لو قدر أنها تنال بالكسب، فإنما تنال بالأعمال الصالحة، والصدق والعدل والتوحيد، لا تحصل مع الكذب على من دون الله، فضلًا عن أن تحصل مع الكذب على الله، فالطريق الذي تحصل به، لو حصلت بالكسب، مستلزم للصدق على الله فيما يخبر به.
السادس: أن ما يأتي به الكهان والسحرة، لا يخرج عن كونه مقدورًا للجن والإنس، وهم مأمورون بطاعة الرسل، وآيات الرسل لا يقدر عليها لا جن ولا إنس، بل هي خارقة لعادة كل من أرسل النبي إليه ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
السابع: أن هذه يمكن أن تعارض بمثلها، وآيات الأنبياء لا يمكن أحدًا أن يعارضها بمثلها.
الثامن: أن تلك ليست خارقة لعادات بني آدم، بل كل ضرب منها معتاد لطائفة غير الأنبياء، وأما آيات الأنبياء فليست معتادة لغير الصادقين على الله ولمن صدقهم.
التاسع: أن هذه لا يقدر عليها مخلوق، لا الملائكة ولا غيرهم، كإنزال القرآن، وتكليم موسى، وتلك تقدر عليها الجن والشياطين.
العاشر: أنه إذا كان من الآيات ما يقدر عليه الملائكة، فإن الملائكة
_________________
(١) = الأنبياء ليست معتادة لغير الذين يصدقون على الله، ويصدقون من صدق على الله، وهم الذين جاؤوا بالصدق وصدقوا، وتلك معتادة لمن يفتري الكذب على الله، أو يكذب بالحق لما جاءه، فتلك آيات على كذب أصحابها، وآيات الأنبياء آيات على صدق أصحابها" [النبوات (٢/ ١٠٨٣)، وانظر: (٢/ ١٠٧٥)].
[ ٤٥٠ ]
لا تكذب على الله، ولا تقول لبشر: إن الله أرسلك، ولم يرسله، وإنما يفعل ذلك الشياطين" (^١).
٤ - وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، حيث قالوا: إن تجويز السحر على رسول الله -ﷺ- يصدق قول هؤلاء المشركين في أن رسول الله -ﷺ- مسحور، فالجواب عنه: أن قصة السحر وقعت في المدينة، وهذه الآية مكية، وليس مراد الآية ما جاء في الحديث، فمن المعلوم يقينًا أن المشركين لا يريدون بقولهم هذا إثبات ما أثبته الحديث من أن النبي -ﷺ- سُحر وقتًا ما، وناله بعض التغير، ثم أدركه الله تعالى بالشفاء، وحفظ وحيه ودينه من أن يصل إليه شيء من ذلك التغير، وإنما يُريدون شيئًا آخر، وهو أن الرسول -ﷺ- قد اختلط عليه عقله، والتبس عليه أمره، فما يدعيه من أمر النبوة والوحي كله ناشئ عن السحر، وصادر عن الجنون، ولذلك قالوا عنه: ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، وأرادوا بهذا الادعاء: تنفير الناس عنه، وعن تصديقه واتباعه.
وعلى هذا فمن آمن بما دلَّ عليه الحديث، لا يلزم البتة أن يكون مصدقًا للمشركين ما حكى الله عنهم في الآية، لأن ما دلَّ عليه الحديث ليس هو ما عناه المشركون في الآية (^٢).
٥ - وأما قولهم: إن لحوق ضرر السحر بالنبي -ﷺ- مناف لعصمته، وطعن في نبوته، ومزيل للثقة بما جاء به، فالجواب عنه: أن الإجماع منعقد على عصمته -ﷺ- -وسائر الأنبياء- فيما يبلغ عن الله تعالى.
قال القاضي عياض: "أجمعت الأمة، فيما كان طريقه البلاغ، أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدًا وعمدًا،
_________________
(١) النبوات (١/ ٥٥٨ - ٥٥٩)، وانظر: (٢/ ١٠٧٤ - ١٠٩٥).
(٢) انظر: التفسير الكبير (٣٢/ ١٨٨)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، والأنوار الكاشفة للمعلمي (٢٥٢)، وأضواء البيان (٤/ ٥٠٦، ٥٠٨، ٥١٠ - ٥١١)، وظلمات أبي رية لمحمد عبد الرزاق حمزة (٢٦٩ - ٢٧٠).
[ ٤٥١ ]
ولا سهوًا أو غلطًا" (^١).
وقال ابن تيمية: "الأنبياء صلوات الله عليهم، معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه"، وقال: "والعصمة فيما يبلغونه عن الله، ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين" (^٢).
وأما بالنسبة إلى الأعراض البشرية، كأنواع الأمراض والآلام، ونحو ذلك، فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يعتريهم من ذلك ما يعتري البشر، لأنهم بشر كما قال تعالى عنهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، فليس من العصمة عدم ابتلائهم وتعرضهم للأضرار البدنية، بل هم أشد الناس بلاءً، كما صح عنه -ﷺ- ذلك، فعن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: قلت: يا رسول الله: أي الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ) (^٣).
والسحر الذي تعرض له الرسول -ﷺ-، وأثر عليه إنما كان ضرره جسديًا، وجاء في بعض الروايات تعيين نوع هذا التأثير، وهو كونه يُخيل إليه أنه يأتي النساء، وهو لم يأتِهن (^٤)، فتأثير السحر عليه لا يتجاوز هذه الرواية، مع كونه ﵊ يتيقن عدم الفعل، ولهذا دعا اللهَ تعالى أن يشفيه مما يجد من هذا الشعور.
_________________
(١) الشفاء (٣٣٠)، وانظر: (٣٧١).
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٩، ٢٩٠)، وانظر: (١٥/ ١٤٧ - ١٤٨)، ومنهاج السنة (١/ ٤٧٠)، و(٢/ ٣٩٦)، والجواب الصحيح (١/ ١٤١)، وأضواء البيان (٤/ ٥١٠)، وتيسير الكريم الرحمن (٦/ ٤٢٣).
(٣) أخرجه الترمذي (تحفة ٧/ ٧٨) ح (٢٥٠٩)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه (٢/ ١٣٣٤) ح (٤٠٢٣)، وأحمد (٣/ ١٤٨١)، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، وقال عنه الألباني، كما في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٨٦) ح (١٩٥٦): "حسن صحيح".
(٤) انظر: حديث عائشة -﵂- ص (٤٢٦ - ٤٢٧).
[ ٤٥٢ ]
قال ابن القيم: "غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده، وظاهر جوارحه، لا على عقله وقلبه، ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يُخيَّل إليه من إتيان النساء، بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له، ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض، والله أعلم" (^١).
وقال المازري: "وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث من طريق ثانية، وزعموا أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، ولعله يتخيل إليه جبريل ﵇، وليس ثَمَّ ما يراه، أو أنه أوحي إليه وما أوحي إليه، وهذا الذي قالوه باطل، وذلك أن الدليل قد قام على صدقه فيما يبلغه عن الله سبحانه، وعلى عصمته فيه، والمعجزة شاهدة بصدقه، وتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل.
وما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها، ولا كان رسولًا مفضَّلًا من أجلها، هو في كثير منه عرضة لما يعترض البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له" (^٢).
وقال القاضي عياض عن النبي -ﷺ-: "يجوز عليه من الآفات والتغيرات والآلام والأسقام، وتجرع كأس الحِمام، ما يجوز على البشر، وهذا كله ليس بنقيصة فيه، لأن الشيء إنما يسمى ناقصًا بالإضافة إلى ما هو أتم منه، وأكمل من نوعه، وقد كتب الله تعالى على أهل هذه الدار: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]، وخلق جميع البشر بمَدرجةِ الغِيَرَة، فقد مرض ﵇ واشتكى، وأصابه الحر والقر، وأدركه الجوع والعطش، ولحقه الغضب والضجر، وناله الإعياء والتعب، ومسه الضعف والكِبَر، وسقط فجُحش شقه، وشجه الكفار، وكسروا رباعيته، وسُقي السم، وسُحر، وتداوى ﵇، واحتجم، وتنشَّر وتعوَّذ، ثم قضى نحبه
_________________
(١) زاد المعاد (٤/ ١٢٦)، وانظر: فتح الباري (١٠/ ٢٢٧)، والأنوار الكاشفة (٢٤٩)، وأضواء البيان (٤/ ٥١٠)، والسحر بين الحقيقة والخيال (١٤٥ - ١٥٢).
(٢) المعلم (٣/ ٩٣).
[ ٤٥٣ ]
فتوفي -ﷺ-، ولحق بالرفيق الأعلى، وتخلص من دار الامتحان والبلوى، وهذه كلها سِمات البشر التي لا محيص لهم عنها، وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم من ذلك، فقُتِلوا قتلًا، ورموا في النار، ونُشروا بالمناشير، ومنهم من وقاه الله ذلك في بعض الأوقات" (^١).
٦ - وأما قولهم: إن السحر من عمل الشياطين، وهم لا يتسلطون إلا على من غفل عن الله تعالى، فكيف يتسلطون على رسول -ﷺ-، وهو أعظم الأمة إيمانًا، وذكرًا لله تعالى؟ فالجواب عنه: أن الأنبياء معصومون من إغواء الشيطان وإضلاله بلا ريب، فهم أول الأمة دخولًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]، فالشيطان لا يتسلط على قلوبهم بالإضلال والإغواء، وإيقاعهم بما يمنعهم من عفو الله تعالى (^٢)، فهذا هو المراد بالآية كما يدل عليه سياقها، فإن الله تعالى قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٣]، فالشيطان توعد العباد بالإغواء، واستثنى من ذلك المُخلَصين، فأخبر الله تعالى أنه ليس له عليهم سلطان بذلك، ويدل على ذلك أيضًا: أن الله تعالى وصف أتباع الشيطان الذين تسلط عليهم بالغاوين، وتوعدهم جهنم فقال: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ [الحجر: ٤٣].
هذا هو المراد بتسلط الشيطان المذكور في الآية، وليس المراد أنهم معصومون من تسلط الشيطان عليهم في أبدانهم وأهليهم وأموالهم، وإلقاء الوساوس عليهم، إذ أنهم معرَّضون لذلك بحكم بشريتهم، كما حصل لآدم وحواء ﵈، حيث تسبب الشيطان بوساوسه في إخراجهما من الجنة، كما
_________________
(١) الشفاء (٣٧٦).
(٢) انظر: معالم التنزيل (٣/ ٥١)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٨ - ٢٩)، وتيسير الكريم الرحمن (٤/ ١٦٦).
[ ٤٥٤ ]
قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقال تعالى عن نبيه أيوب: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ [ص: ٤١].
وهكذا نبينا محمد -ﷺ-، إنما تسلط الشيطان -كما في حديث السحر- على جسده لا غير.
قال الشنقيطي عند آية أيوب -﵇- المتقدمة: "وهذا لا يُنافي أن الشيطان لا سلطان له على مثل أيوب، لأن التسليط على الأهل والمال والجسد، من جنس الأسباب التي تنشأ عنها الأعراض البشرية، كالمرض، وذلك يقع للأنبياء، فإنهم يصيبهم المرض، وموت الأهل، وهلاك المال لأسباب متنوعة، ولا مانع أن يكون من جملة تلك الأسباب تسليط الشيطان على ذلك، للابتلاء" (^١).
وقال ابن القيم عن الشيطان: "ويكفي من شره أنه أقسم بالله ليقعدن لبني آدم صراطه المستقيم، وأقسم ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولقد بلغ شره أن أعمل المكيدة، وبالغ في الحيلة، حتى أخرج آدم من الجنة وتصدى للنبي -ﷺ-، وظاهر الكفار على قتله بجهده، والله تعالى يكبته ويرده خاسئًا، وتفلت على النبي -ﷺ- بشهاب من نار، يريد أن يرميه به وهو في الصلاة، فجعل النبي -ﷺ- يقول: (ألعنك بلعنة الله) (^٢)، وأعان اليهود على سحرهم للنبي -ﷺ-، فإذا كان هذا شأنه وهمته في الشر، فكيف الخلاص منه إلا بمعونة الله وتأييده وإعاذته" (^٣).
_________________
(١) أضواء البيان (٤/ ٧٤٥)، وانظر: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (١٦٠ - ١٦٠)، وبهذا يُعلم وهم القاضي عياض -رحمه الله تعالى- في ادعائه الإجماع على عصمة النبي -ﷺ- حتى في جسمه من الأذى، وخاطره من الوساوس، وذهب لأجل هذا يُؤَوِّل النصوص الواردة في ذلك. [انظر: الشفاء (٣٢٦)، وإكمال المعلم (١/ ٥٠٥ - ٥٠٦)].
(٢) أخرجه مسلم من حديث أبي الدرداء -﵁- (٥/ ٣٢) ح (٥٤٢).
(٣) بدائع الفوائد (٢/ ٣٩٠ - ٣٩١)، وانظر: تأويل مختلف الحديث (١٦٩).
[ ٤٥٥ ]
المبحث الثالث: ما جاء في إرسال الشهب على الشياطين
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٤٥٧ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن عبد الله بن عباس -﵄-، قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي -ﷺ- من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله -ﷺ-، رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله -ﷺ-: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله -ﷺ-: (فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا -﵎ اسمه- إذا قضى أمرًا، سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع، فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون (^١) فيه ويزيدون)، رواه مسلم (^٢).
وعنه -﵁-، قال: انطلق النبي -ﷺ- في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم
_________________
(١) أي: يخلطون فيه الكذب، من القرف، وهو الخلط. [انظر: معجم مقاييس اللغة (٥/ ٧٣) مادة (قرف)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (١٧٣)، ولسان العرب (٩/ ٢٨٠) مادة (قرف)، والمفهم (٥/ ٦٣٨)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٧٧)].
(٢) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان (١٤/ ٤٧٦) ح (٢٢٢٩).
[ ٤٥٨ ]
الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي -ﷺ-، وهو بنخلة (^١)، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن: ١، ٢]، فأنزل الله على نبيه -ﷺ-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] وإنما أوحي إليه قول الجن. متفق عليه (^٢).
بيان وجه الإشكال
استشكل أهل العلم (^٣) هذين الحديثين من حيث إن ظاهرهما قد يُفهم منه التعارض، فالحديث الأول صريح في أن الشهب قد كان يُرمى بها في الجاهلية، بينما الحديث الثاني يدل على أن الرمي بالشهب إنما كان بعد مبعث النبي -ﷺ- ونزول القرآن!
* * *
_________________
(١) موضع بين مكة والطائف، على مسافة ليلة من مكة. [انظر: فتح الباري (٨/ ٦٧٤)، والجواب الصحيح (٦/ ٦٠)].
(٢) البخاري في موضعين: في كتاب: صفة الصلاة، باب: الجهر بقراءة صلاة الفجر (١/ ٢٦٧) ح (٧٣٩)، وفي كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة الجن (٤/ ١٨٧٣) ح (٤٦٣٧)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن (٤/ ٤١١) ح (٤٤٩).
(٣) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٨/ ٥٨٤)، وفتح الباري (٨/ ٦٧٢).
[ ٤٥٩ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم تجاه هذه الأحاديث على عدة أقوال، أهمها:
القول الأول: أن الشهب كان يُرمى بها في الجاهلية، وقبل مبعث النبي -ﷺ-، لكن ليس ذلك على الدوام، فكانت تُرمى في وقت دون وقت، ومن جانب دون جانب، فلمَّا بُعث النبي -ﷺ-، كثُر ذلك وغُلِّظ، وشُدد في حراسة السماء، فأصبحوا يُرْمَون في كل وقت، ومن كل جانب.
وإلى هذا ذهب ابن عباس (^١) والزهري (^٢) وابن قتيبة (^٣)، والطحاوي (^٤) وابن بطال (^٥) والسهيلي (^٦) وأبو عبد الله القرطبي وابن تيمية وابن كثير وابن رجب (^٧)، وقال عنه ابن حجر: هذا جمع حسن (^٨)، وذكر أبو عبد الله
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم (٣/ ٣٦٥)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٤١٢)، وفتح الباري (٨/ ٦٧٢).
(٢) هو الحافظ أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري المدني، الإمام العَلَم حافظ زمانه، روى عن بعض صغار الصحابة وكبار التابعين، وله مناقب وفضائل كثيرة، توفي ﵀ سنة (١٢٣ هـ)، وقيل سنة (١٢٤ هـ). [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ١٠٨)، والسير (٥/ ٣٢٦)، وشذرات الذهب (١/ ١٦٢)].
(٣) انظر: تأويل مشكل القرآن (٤٣٠ - ٤٣١)، والجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٣).
(٤) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٨/ ٥٨٧ - ٥٨٨).
(٥) انظر: شرح صحيح البخاري له (٢/ ٣٨٧).
(٦) انظر: الروض الأنف (١/ ٢٣٥)، وفتح الباري (٨/ ٦٧٢).
(٧) انظر: فتح الباري له (٧/ ٦١).
(٨) انظر: فتح الباري (٨/ ٦٧٢).
[ ٤٦٠ ]
القرطبي أنه قول الأكثرين (^١).
قال القرطبي: "وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال: إن الذين قالوا: لم تكن الشياطين تُرمى بالنجوم قبل مبعث النبي -ﷺ- ثم رميت، أي: لم تكن ترمى رميًا يقطعها عن السمع، ولكنها كانت ترمى وقتًا ولا ترمى وقتًا، وترمى من جانب ولا ترمى من جانب، ولعل الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ [الصافات: ٨، ٩] إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يُرْمَون واصبًا" (^٢) أي: دائمًا (^٣).
وقال ابن تيمية: "وقد تواترت الأخبار بأنه حين المبعث كثر الرمي بالشهب، وهذا أمر خارق للعادة، حتى خاف بعض الناس أن يكون ذلك لخراب العالم، حتى نظروا هل الرمي بالكواكب التي في الفلك، أم الرمي بالشهب؟ فلما رأوا أنه بالشهب، علموا أنه لأمر حدث، وأرسلت الجن تطلب سبب ذلك، حتى سمعت القرآن، فعلموا أنه كان لأجل ذلك، وهذا من أعلام النبوة ودلائلها، وقبل زمان البعث وبعده كان الرمي خفيفًا، لم تمتلئ به السماء كما ملئت حين نزول القرآن" (^٤).
وقال ابن كثير في تفسير سورة الجن: "يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدًا -ﷺ-، وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له: أن السماء ملئت حرسًا شديدًا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك، لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط، ولا يدرى من الصادق،
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٢)، و(١٩/ ١٣)، وفتح القدير (٣/ ١٢٦).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٦٦)، وانظر: (١٩/ ١٣).
(٣) انظر: جامع البيان (١٠/ ٤٧٣)، وشرح مشكل الآثار (٨/ ٥٨٨)، ومعالم التنزيل (٤/ ٢٣)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٦).
(٤) الجواب الصحيح (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٥)، وانظر: (٦/ ٥٧ - ٦٧)، ومنهاج السنة (٧/ ٦٧).
[ ٤٦١ ]
وهذا من لطف الله تعالى بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قال الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [لجن: ٨، ٩] أي: من يروم أن يسترق السمع اليوم، يجد له شهابًا مرصدًا له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير، بل في الأحيان بعد الأحيان" (^١)، ثم استشهد بحديث ابن عباس المتقدم.
واستدل هؤلاء بما يلي:
١ - حديث ابن عباس -المتقدم- قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي -ﷺ- من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله -ﷺ-، رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله -ﷺ-: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله -ﷺ-: (فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا -﵎ اسمه- إذا قضى أمرًا، سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع، فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون).
قالوا: إن قوله -ﷺ- في هذا الحديث: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟)، يدل على أن الشهب كان يُرمى بها في الجاهلية، قبل مبعث النبي -ﷺ- (^٢).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦٧٢).
(٢) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٨/ ٥٨٧)، والمحرر الوجيز (١٠/ ١١٧)، و(١٦/ ١٣٦)، والجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٣).
[ ٤٦٢ ]
٢ - ما أُثر عن الزهري أنه لما روى الحديث المتقدم، قيل له: أكان يُرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قال السائل: أفرأيت قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٩]؟ قال: غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي -ﷺ- (^١).
٣ - أن الرمي بالشهب مذكور في شعر أهل الجاهلية، مما يدل على وجوده، ومن ذلك:
قول بشر بن أبي خازم (^٢):
والعير يُرْهِقُها الغبار وجحشها ينقضُّ خلفهما انقضاض الكوكب (^٣)
وقول أوس بن حجر (^٤):
فانقضَّ كالدريء يتبعه نقْعٌ يثور تخالُه طُنُبا (^٥)
قال السهيلي: "القذف بالنجوم قد كان قديمًا، وذلك موجود في
_________________
(١) انظر: جامع البيان للطبري (١٠/ ٤٧١)، وتأويل مشكل القرآن (٤٢٩)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٨٨)، ومعالم التنزيل (٣/ ٤٦)، وإكمال المعلم (٢/ ٣٦٥)، وكشف المشكل (٢/ ٣٧٠)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٤١٢)، والجواب الصحيح (٦/ ٦٣)، وفتح الباري (٨/ ٦٧٢).
(٢) هو: أبو نوفل بشر بن أبي خازم عمرو بن عوف الأسدي، شاعر جاهلي فحل شجاع، من أهل نجد من بني أسد بن خزيمة، توفي قتيلًا في إحدى الغزوات، وذلك قبل الهجرة بنحو ثنتين وعشرين سنة، وله ديوان مطبوع. [انظر: الشعر والشعراء (١٦٤)، والأعلام (٢/ ٥٤)].
(٣) انظر: ديوانه (٤٠)، وتأويل مشكل القرآن (٤٣٠)، وكشف المشكل (٢/ ٣٧٠).
(٤) هو أبو شريح أوس بن حجر بن مالك التميمي، من كبار شعراء بني تميم، في نسبه اختلاف بعد أبيه حجر، وهو زوج أم زهير بن أبي سلمى، عُمِّر طويلًا ولم يدرك الإسلام، وفي شعره حكمة ورقة، وكان غزلًا مغرمًا بالنساء، توفي قبل الهجرة بنحو سنتين، وله ديوان مطبوع. [الشعر والشعراء (١١٤)، والأعلام (٢/ ٣١)].
(٥) ديوان أوس بن حجر (٣)، وانظر: تأويل مشكل القرآن (٤٣٠)، وكشف المشكل (٢/ ٢٧٠).
[ ٤٦٣ ]
أشعار القدماء من الجاهلية، منهم: عوف بن الجزع وأوس بن حجر، وبشر بن أبي خازم، وكلهم جاهلي، وقد وصفوا الرمي بالنجوم" (^١).
القول الثاني: أنه لم يُرمَ بالشهب إلا قُبيل مولد النبي -ﷺ-، ثم استمر ذلك وكثُر حتى بُعث، فكان ذلك كالتأسيس لأمره، والتفخيم لشأنه. وإلى هذا ذهب ابن الجوزي ﵀ (^٢).
وهذا القول قريب من سابقه، إلا أنه حدد بداية الرمي بالشهب، بالوقت الذي هو قُبيل مولد النبي -ﷺ-، وأما قبل ذلك فلا.
القول الثالث: ما ذكره الحافظ ابن حجر، حيث قال: "يحتمل أن يكون المراد بقوله -ﷺ-: (إذا رُمي بها في الجاهلية) أي: جاهلية المخاطبين، ولا يلزم أن يكون ذلك قبل المبعث، فإن المخاطب بذلك الأنصار، وكانوا قبل إسلامهم في جاهلية، فإنهم لم يسلموا إلا بعد المبعث بثلاث عشرة سنة" (^٣).
القول الرابع: أن الشهب لم يكن يُرمى بها قبل مبعث النبي -ﷺ- (^٤).
وإلى هذا ذهب القاضي عياض في ظاهر قوله (^٥)، وذكره أبو عبد الله القرطبي عن عبد الله بن عمر ونافع بن جبير (^٦)، ونصَّ الزجاج على أن ذلك
_________________
(١) الروض الأنف (١/ ٢٣٥)، وانظر: فتح الباري (٨/ ٦٧٢).
(٢) انظر: كشف المشكل (٢/ ٣٧٠).
(٣) فتح الباري (٨/ ٦٧٢).
(٤) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٣٦٤)، وكشف المشكل (٢/ ٣٦٩)، والمفهم (٧/ ٤٢٠)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٢)، و(١٥/ ٦٦)، و(١٩/ ١٢)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٤١٢)، وفتح الباري (٨/ ٦٧٢)، وفتح القدير (٣/ ١٢٦)، و(٤/ ٣٨٧)، و(٥/ ٣٠٥).
(٥) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٣٦٤).
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٢/ ١٣)، ونافع هو: أبو محمد - وقيل: أبو عبد الله - نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي المدني، الفقيه الإمام الحجة، وهو وأخوه محمد من علماء قريش، روى =
[ ٤٦٤ ]
لم يكن إلا بعد مولد النبي -ﷺ- (^١).
واستدل هؤلاء بما يلي:
١ - حديث ابن عباس -المتقدم- قال: انطلق النبي -ﷺ- في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي -ﷺ-، وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء.
قال القاضي عياض: "وقوله في حديث ابن عباس: (وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب) ظاهر في أن هذا لم يكن قبل مبعثه ﵇، لإنكار الشياطين له، وطلبهم سببه، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب، ومرجوعًا إليها في حكمهم، وسرِّ علمهم، حتى قُطع سببها بأن حيل بين الشياطين وبين استراق السمع، كما قال تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٨، ٩]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ
_________________
(١) = عن أبيه وعن العباس والزبير وعائشة وغيرهم من الصحابة -﵃-، توفي سنة تسع وتسعين (٩٩). [انظر: السير (٤/ ٥٤١)، والعبر (١/ ٨٨)، وشذرات الذهب (١/ ١١٦)].
(٢) انظر: معاني القرآن له (٣/ ١٧٦)، والمحرر الوجيز (١٠/ ١١٧)، وكشف المشكل (٢/ ٣٦٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٢)، وفتح القدير (٣/ ١٢٦).
[ ٤٦٥ ]
إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ الآيات [الصافات: ٦ - ٩]، وقد جاءت الأخبار عن العرب باستغراب رميها وإنكاره، إذ لم يعهدوه قبل مبعثه ﵇، وكان أحد دلائل نبوته، وعلامات مبعثه، وما ذكر في الحديث من إنكار الشياطين لها يدل عليه" (^١).
٢ - كما استدلوا بما رواه الترمذي وغيره عن ابن عباس -﵄- أنه قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكون حقًا، وأما ما زادوه فيكون باطلًا، فلما بعث رسول الله -ﷺ-، مُنِعُوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله -ﷺ- قائمًا يصلي بين جبلين، أُرَاهُ قال: بمكةَ، فلقوه فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث في الأرض (^٢).
٣ - أن الشعراء في القديم لم يذكروا الرمي بالشهب في أشعارهم، فلم يشبهوا الشيء السريع به، كما شبهوه بالبرق وبالسيل، وغيرهما (^٣).
قال الزجاج: "الشهب -الكواكب المنقضة- من آيات الله للنبي -ﷺ-، والدليل على أنها كانت انقضت بعد مولد النبي -ﷺ- أن شعراء العرب الذين يمثِّلون في السرعة بالبرق وبالسيل وبالأشياء المسرعة، لم يوجد في أشعارها بيت واحد فيه ذكرُ الكواكب المنقضَّة، فلما حدثت بعد مولد النبي ﵇، استعملت الشعراء ذكرها، قال ذو الرمة (^٤):
_________________
(١) إكمال المعلم (٢/ ٣٦٤).
(٢) أخرجه الترمذي (تحفة ٩/ ٢٤٣) ح (٣٣٨٠)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، والنسائي في السنن الكبرى (١٠/ ٣١٥) ح (١١٥٦٢)، وأحمد (٤/ ١٦٠) ح (٢٤٨٢)، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (تحفة ٨/ ٥٨٥) ح (٦٢٥٨)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٧) ح (١٢٤٣١).
(٣) انظر: كشف المشكل (٢/ ٣٦٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٢)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٤١٢).
(٤) هو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي، من مضر أبو الحارث ذو الرمة، =
[ ٤٦٦ ]
كأنه كوكب في إثر عفريَةٍ مسوَّم في سواد الليل مُنْقضِبُ (^١) " (^٢)
* * *
_________________
(١) = شاعر فحل، حتى قيل: إن الشعر فتح بامرئ القيس وختم بذي الرمة، كان أكثر شعره تشبيبًا وبكاء أطلال، عشق (ميَّة) المنقرية واشتهر بها، توفي بأصبهان، وقيل بالبادية سنة سبع عشرة ومائة (١١٧)، وله ديوان مطبوع. [انظر: الشعر والشعراء (٣٥٠)، ووفيات الأعيان (٣/ ٤٥٣)، والأعلام (٥/ ١٢٤)].
(٢) ديوان ذي الرمة (١٩).
(٣) معاني القرآن (٣/ ١٧٦)، وانظر: كشف المشكل (٢/ ٣٦٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٢).
[ ٤٦٧ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم بالصواب- القول الأول، لأن فيه جمعًا بين النصوص، ومتى أمكن الجمع -بشرط احتمال النصوص له- وجب المصير إليه، لأن فيه إعمالًا لكلا الدليلين، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ولذا قال ابن كثير:
"لعل مراد من نفى ذلك: أنها لم تكن تحرس حراسة شديدة، ويجب حمل ذلك على هذا، لما ثبت في الحديث " (^١)، ثم ذكر حديث ابن عباس، أن النبي -ﷺ- قال: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟).
وعلى هذا يكون الرمي بالشهب موجودًا في الجاهلية، كما يدل عليه حديث ابن عباس: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟) لكنه لم يكن متواصلًا ومستمرًا في كل وقت، وفي كل حال، ومن كل جانب، فلما بعث النبي -ﷺ- شُدد في حراسة السماء، وكثُر الرمي بالشهب، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٨، ٩]، وعلى هذا يُحمل حديث ابن عباس -﵄- الآخر: (فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب) أي: أن الرمي بالشهب -لما بعث النبي -ﷺ-- زاد وكثر، على خلاف المعتاد والمعهود، مما جعل الناس تستغرب ذلك، والشياطينَ تنكره
_________________
(١) البداية والنهاية (٣/ ١٩).
[ ٤٦٨ ]
وترتاع له، حتى ضربوا مشارق الأرض ومغاربها بحثًا عن سبب ذلك، فلما رأوا النبي -ﷺ-، وسمعوا القرآن عرفوا أن هذا هو الذي حال بينهم وبين خبر السماء، وكان ذلك من آيات النبي -ﷺ- ودلائل نبوته.
قال ابن قتيبة: "الرجم قد كان قبل مبعثه، ولكنه لم يكن مثله الآن في شدة الحراسة وكانت تسترق في بعض الأحوال، فلما بعث منعت من ذلك أصلًا" (^١).
مناقشة الأقوال المرجوحة:
أما القول الثاني وهو: أن الرمي بالشهب لم يكن إلا قبيل مولد النبي -ﷺ-، فهو تحديد يفتقر إلى دليل، لا سيما وأن قوله -ﷺ-: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟) يستفاد منه حصول ذلك في مطلق الجاهلية، إذ لم يقيده النبي -ﷺ- بزمن معيَّن.
وأما القول الثالث وهو: أن المراد بالجاهلية في قوله -ﷺ-: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟): جاهلية المخاطبين؟ ! فالجواب عنه كالجواب عن القول السابق.
وأما القول الرابع وهو: أن الرمي بالشهب لم يكن إلا بعد مبعث النبي -ﷺ-، وأما قبله فلا، فيرده حديث ابن عباس -﵄-، أن النبي -ﷺ- قال: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟) لأنه صريح في وجود الرمي بالشهب قبل مبعثه ﵊.
وأما ما احتجوا به فيمكن الإجابة عنه كما يلي:
- أما استدلالهم بقول ابن عباس -﵄-: (فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب)، وكذا قوله في الحديث الآخر: (ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك)، فالجواب عنه: أن هذا محمول -كما تقدم- على أن الرمي بالشهب
_________________
(١) تأويل مشكل القرآن (٤٣٠).
[ ٤٦٩ ]
لم يكن قبل المبعث مثله بعد المبعث، حيث كان قبل المبعث خفيفًا متقطعًا، وأما بعد المبعث فكان شديدًا دائمًا، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ [الصافات: ٨، ٩] أي: دائم.
ومثل هذا يقال في الآيات التي استشهدوا بها، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]، فهي محمولة على أن الرمي بعد المبعث غُلِّظ فيه وشدد، وبهذا صرح الزهري رحمه الله تعالى، عندما اعتُرض عليه بهذه الآية، حيث قال: غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي -ﷺ- (^١).
بل إن بعض أهل العلم قد استدل بهذه الآية على وجود الرجم في الجاهلية:
قال ابن عطية عند هذه الآية: "هذا يقتضي أن الرجم كان في الجاهلية، ولكنه لم يكن يستأصل، وكان الحرس، ولكنه لم يكن شديدًا، فلما جاء الإسلام اشتد الأمر، حتى لم يكن فيه ولا يسير سماحة" (^٢).
- وأما استدلالهم على هذا القول بالشعر، حيث قالوا: إن الرمي بالشهب لم يكن مذكورًا في أشعار أهل الجاهلية، مما يدل على عدم وجوده، فالجواب عنه: أنه معارض بمثله، حيث ثبت وجوده في أشعارهم، وقد تقدم ذكر شيء من ذلك (^٣).
ثم إن هذا الاستدلال لا تُرد بمثله الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي -ﷺ-، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) تقدم ص (٤٦٣).
(٢) المحرر الوجيز (١٦/ ١٣٥ - ١٣٦)، وانظر: شرح مشكل الآثار (٨/ ٥٨٨).
(٣) انظر: ص (٤٦٣ - ٤٦٤) من هذا البحث.
[ ٤٧٠ ]
المبحث الرابع: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) مع قول أبي هريرة: (أوصاني خليلي بثلاث)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٤٧١ ]
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال
عن جندب بن عبد الله البجلي -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا)، رواه مسلم (^١).
وعن أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخوة الإسلام ومودته)، متفق عليه (^٢).
وعن ابن عباس -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: (لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي)، رواه البخاري (^٣).
وعن عبد الله بن مسعود -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: (لو كنت متخذًا خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله ﷿
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب: المساجد، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور، (٥/ ١٦) ح (٥٣٢).
(٢) البخاري في مواضع: في كتاب: المساجد، باب: الخوخة والممر في المسجد (١/ ١٧٧) ح (٤٥٤)، وفي كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي -ﷺ-: (سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر) (٣/ ١٣٣٧) ح (٣٤٥٤)، وفي باب: هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة (٣/ ١٤١٧) ح (٣٦٩١). ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق -﵁- (١٥/ ١٥٨) ح (٢٣٨٢).
(٣) صحيح البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي -ﷺ-: (لو كنت متخذًا خليلًا) (٣/ ١٣٣٨) ح (٣٤٥٦، ٣٤٥٧)، ورواه أيضًا في كتاب: المساجد، باب: الخوخة والممر في المسجد (١/ ١٧٨) ح (٤٥٥)، وفي كتاب: الفرائض، باب: ميراث الجد مع الأب والإخوة (٦/ ٢٤٧٨) ح (٦٣٥٧).
[ ٤٧٢ ]
صاحبكم خليلًا)، رواه مسلم (^١).
وعن ابن الزبير -﵄- قال، قال رسول الله -ﷺ-: (لو كنت متخذًا في هذه الأمة خليلًا لاتخذته) (^٢)، يعني: أبا بكر. رواه البخاري (^٣).
وعن أبي هريرة -﵁- قال: (أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام). متفق عليه (^٤).
وعن أبي ذر -﵁- قال: (إن خليلي أوصاني: أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا مجدَّع الأطراف). رواه مسلم (^٥).
بيان وجه الإشكال
أن جميع الأحاديث المتقدمة -ما عدا الحديثين الأخيرين- تنفي أن يكون للنبي -ﷺ- من أمته خليل، وفي المقابل نجد أن أبا هريرة -﵁- يقول: (أوصاني خليلي)، ومثله أبو ذر -﵁- حيث يقول: (إن خليلي أوصاني)، فهل يكون هذا مخالفًا لبقية الأحاديث؟ هذا ما سوف يتضح في المطالب التالية، إن شاء الله
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق -﵁- (١٥/ ١٥٩) ح (٢٣٨٣).
(٢) قال ابن تيمية في منهاج السنة (٧/ ٣٧٥): "هذا الحديث مستفيض، بل متواتر عند أهل العلم بالحديث، فإنه قد أُخرج في الصحاح من وجوه متعددة، من حديث ابن مسعود وأبي سعيد وابن عباس وابن الزبير" [وانظر: منهاج السنة (٧/ ٢٨٤، ٥٠٥)، و(٨/ ٥٦٥)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٤٠١)، و(٣٥/ ٦٢)، وفتح الباري (٧/ ٢٣)].
(٣) صحيح البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي -ﷺ-: (لو كنت متخذًا خليلًا) (٣/ ١٣٣٨) ح (٣٤٥٨).
(٤) البخاري في موضعين: في كتاب: الصوم، باب: صيام أيام البيض (٢/ ٦٩٩) ح (١٨٨٠)، وفي كتاب: التطوع، باب: صلاة الضحى في الحضر (١/ ٣٩٥) ح (١١٢٤). ومسلم: كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى (٥/ ٢٤٢) ح (٧٢١).
(٥) صحيح مسلم: كتاب: الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء من غير معصية (١٢/ ٤٦٧) ح (١٨٣٧).
[ ٤٧٣ ]
تعالى، وقبل الانتقال إليها، أبين معنى الخُلَّة الواردة في هذه الأحاديث:
قال أهل اللغة: الخُلالة والخَلالة والخِلالة: الصداقة والمودة.
وخالَّه مخالَّة وخلالًا: صادقه، ويُقال: خالَلَه، بفك الإدغام.
ويُقال: فلان كريم الخُلة: أي كريم الإخاء والمصادقة.
والخُلَّة: الصداقة المختصة التي ليس فيها خلل.
والخليل: المحب الذي ليس في محبته خلل (^١).
قال الزجاج: "الخليل: المحب الذي ليس في محبته خلل، فجائز أن يكون إبراهيم سُمِّي خليل الله لأنه أحبه الله -واصطفاه- محبة تامة كاملة" (^٢).
وقال النحاس (^٣) عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]: "الذي عليه أصحاب الحديث: أنه المحب المنقطع إلى الله، الذي ليس في انقطاعه اختلال (^٤) " (^٥).
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٦/ ٣٠١ - ٣٠٤) مادة (خل)، والصحاح (٤/ ١٣٨٢)، ولسان العرب (١١/ ٢١٦ - ٢١٨) كلاهما مادة (خلل)، والقاموس المحيط (٣/ ٥٠٧) مادة (الخل)، والمعجم الوسيط (١/ ٢٥٢) مادة (خَلَّ).
(٢) معاني القرآن (٢/ ١١٢) بتصرف يسير.
(٣) هو العلامة إمام العربية أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المصري النحوي، صاحب التصانيف، ارتحل إلى بغداد وأخذ عن الزجاج وغيره، ومن مصنفاته: معاني القرآن، وإعراب القرآن، توفي بمصر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة (٣٣٨). [انظر: وفيات الأعيان (١/ ١١٧)، والسير (١٥/ ٤٠١)، والعبر (٢/ ٥٤)، وشذرات الذهب (٢/ ٣٤٦)].
(٤) هذا بالنسبة لإبراهيم ﵇، وأما الخلة من جانب الله تعالى فهي صفة فعلية ثابتة له جلَّ وعلا على ما يليق بجلاله وعظمته، وقد دلَّ عليها الكتاب والسنة، أما الكتاب فالآية السابقة، وأما السنة فقوله -ﷺ-: (فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا). [انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٨٠)، و(٥/ ٧١)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٨٥١)، وشرح العقيدة الطحاوية (١٦٧)، وصفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف (١١٦)].
(٥) معاني القرآن له (٢/ ٢٠١).
[ ٤٧٤ ]
والخلة أخص من مطلق المحبة، فهي أعلى مراتبها، وأكمل درجاتها (^١)، ولذا فإن الخلة من الله تعالى لم تحصل إلا للخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأما محبته تعالى فهي لعموم المؤمنين، وعلى هذا فلا يلزم من نفي الخلة نفي المحبة، فقد نفى النبي -ﷺ- عن أبي بكر الخلة، وأثبت له المحبة والمودة فقال: (ولكن أُخوة الإسلام ومودته).
قال ابن تيمية: "والخلة أخص من مطلق المحبة، فإن الأنبياء ﵈ والمؤمنين يحبون الله ويحبهم الله، كما قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] الآية، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقد أخبر الله أنه يحب المتقين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص، وكان النبي -ﷺ- يخبر بحبه لغير واحد، كما ثبت عنه -ﷺ- في الصحيح أنه قال للحسن وأسامة: (اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما) (^٢)، وقال له عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: (عائشة) قال: فمن الرجال؟ قال: (أبوها) (^٣)، وقال: (والله إني لأحبكم) (^٤).
والناس في حب الله يتفاوتون ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهيم،
_________________
(١) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ١٢٩)، والشفاء (١٢٩)، والمفهم (٦/ ٢٤٢)، ومدارج السالكين (٣/ ٣١ - ٣٢)، وزاد المعاد (٣/ ٦٥)، وروضة المحبين (٦٥)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٨٥٠)، وشرح العقيدة الطحاوية (١٦٤)، وفتح الباري (٧/ ٢٣)، والأنوار الكاشفة للمعلمي (١٧٠)، وتيسير الكريم الرحمن (٢/ ١٧٨).
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ١٣٦٦) ح (٣٥٢٨) من حديث أسامة بن زيد، وليس فيه: (وأحب من يحبهما).
(٣) متفق عليه: البخاري: (٣/ ١٣٣٩) ح (٣٤٦٢)، ومسلم: (١٥/ ١٦٢) ح (٢٣٨٤).
(٤) أخرجه من حديث أنس -﵁-: أحمد (٢١/ ٤٣٦) ح (١٤٠٤٣)، وابن حبان (١٠/ ١٧٢) ح (٤٣٢٩)، والحاكم (٤/ ٩٠) ح (٦٩٧٦)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".
[ ٤٧٥ ]
إلى أدنى الناس درجة، مثل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وما بين هذين الحدَّين من الدرجات لا يحصيه إلا رب الأرض والسموات" (^١).
وقال ابن رجب: "قوله -ﷺ-: (لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا) يدل على أن مقام الخلة أفضل من مقام المحبة، فإنه -ﷺ- كان يحب أبا بكر، وقد نفى عنه الخلة، والله تعالى يحب أنبياءه ورسله كلهم، ولم يخص بالخلة غير محمد وإبراهيم صلى الله عليهما" (^٢).
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٦٧)، وانظر: (١٠/ ٦٧)، والفتاوى الكبرى (٢/ ٣٩٤).
(٢) فتح الباري (٣/ ٣٨١)، وانظر: القول المفيد (١/ ٤٢٥).
[ ٤٧٦ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا تعارض بين هذه النصوص، لأن المنفي فيها غير المثبت، فالرسول -ﷺ- نفى خلته لغير الله تعالى، لكنه لم يمنع غيره أن يتخذه خليلًا -كما فعل أبو هريرة -﵁-- فالخلة من جانب الرسول -ﷺ-، غير الخلة من جانب من سواه.
وقد نص على هذا النووي، وابن حجر، والمعلمي (^١)، وغيرهم (^٢)، وهو ظاهر كلام القرطبي (^٣).
قال النووي: "قوله: (أوصاني خليلي) لا يخالف قوله -ﷺ-: (لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا )؛ لأن الممتنع أن يتخذ النبي -ﷺ- غيره خليلًا، ولا يمتنع اتخاذ الصحابي وغيره النبيَ -ﷺ- خليلًا" (^٤).
وقال ابن حجر: "وقول أبي هريرة هذا لا يعارضه ما تقدم من قوله -ﷺ-: (لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر)؛ لأن الممتنع أن يتخذ هو -ﷺ- غيره خليلًا، لا العكس، ولا يقال: إن المخاللة لا تتم حتى تكون من الجانبين، لأنا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك، أو لعله أراد مجرد الصحبة أو المحبة" (^٥).
_________________
(١) انظر: الأنوار الكاشفة (١٧٠).
(٢) انظر: شرح السيوطي على سنن النسائي (٣/ ٢٥٤)، وعون المعبود (٤/ ٢١٨).
(٣) انظر: المفهم (٦/ ٣٦٠).
(٤) شرح النووي على مسلم (٥/ ٢٤٢)، وانظر: (١٥/ ١٦١).
(٥) فتح الباري (٣/ ٥٧).
[ ٤٧٧ ]
القول الثاني: أنه ليس لأحد أن يقول عن النبي -ﷺ-: إنه خليلي، وقد أنكر أصحاب هذا القول على أبي هريرة وغيره -من أصحاب رسول الله -ﷺ-- قولهم: سمعت خليلي، وأوصاني خليلي، وما أشبهها (^١).
واستدلوا بما تقدم من الأحاديث، حيث نفى النبي -ﷺ- أن يكون له من أمته خليل، كما في قوله: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا).
وممن نُقل عنه إنكار ذلك: الإمام الشعبي (^٢) رحمه الله تعالى، فقد روى الطحاوي عنه أنه قيل له: إن حفصة كانت تحدثنا عن أم عطية فتقول: حدثني خليلي -تعني: النبي -ﷺ-- فقال: هذا من عقول النساء، ثم احتج بالحديث المتقدم (^٣).
وإلى هذا مال الطحاوي (^٤) ﵀.
* * *
_________________
(١) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ١٢٤ - ١٢٥)، والمفهم (٢/ ٦٣٠)، والأنوار الكاشفة (١٧٠).
(٢) هو عامر بن شراحيل الهمذاني الشعبي علامة العصر، ثقة مشهور فقيه فاضل، حدَّث عن سعد بن أبي وقاص وأبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وجمع كثير من الصحابة -﵃-، كان ممن خرج على الحجاج مع عبد الرحمن بن الأشعث، توفي ﵀ سنة (١٠٥ هـ)، وقيل غير ذلك. [انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٢٢٢)، ووفيات الأعيان (٣/ ٦)، والسير (٤/ ٢٩٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٤٦١)].
(٣) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ١٢٥).
(٤) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ١٢٤).
[ ٤٧٨ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يترجح -والله تعالى أعلم- القول الأول، وهو أن مراد الرسول -ﷺ- بقوله: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا) غير ما أثبته أبو هريرة لنفسه، فالرسول ينفي الخلة من جانبه لأحد من المخلوقين، حيث أخلصها لله تعالى، وأما أبو هريرة -﵁- فإنه يثبت الخلة التي من جانبه هو للرسول -ﷺ-، أي: أن محبته للرسول -ﷺ- قد بلغت أعلاها وأكملها، وهي درجة الخلة، ولا يلزم من هذا حصول الخلة من الجانب الآخر.
قال القرطبي: "قد عاب بعض الطاعنين على أبي هريرة قوله: (خليلي) في النبي -ﷺ-، بناءً على أن النبي -ﷺ- لم يتخذه ولا أحدًا من الخلق خليلًا، وهذا إنما وقع فيه قائله ظنًا أن (خليل) بمعنى: مخالل، من المخاللة التي لا تكون إلا من اثنين، وليس الأمر كذلك، فإن خليلًا مثل حبيب، لا يلزم فيه من المفاعلة شيء، إذ قد يُحَبُّ الكارِه" (^١).
وقال المعلمي: "النبي -ﷺ- خليل كل مؤمن، وإن لم يكن أحد من الخلق خليلًا له -ﷺ-، لقوله: (لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر)، والخليل كالحبيب، فكما أنه لا يلزم من كون إنسان حبيبك أن تكون حبيبه، فكذلك الخليل، والخلة أعظم من المحبة، فلا يلزم من نفي الخلة نفي المحبة" (^٢).
_________________
(١) المفهم (٢/ ٣٦٠)، وانظر: فتح الباري (٣/ ٥٧).
(٢) الأنوار الكاشفة (١٧٠).
[ ٤٧٩ ]
وأما إنكار الشعبي -رحمه الله تعالى- على أم عطية قولها: (خليلي) تعني: رسول الله -ﷺ-، فالجواب عنه: أن هذا ثابت عن عدد من الصحابة -غير أم عطية- كأبي هريرة وأبي ذر -وقد تقدما- وأبي الدرداء (^١) وميمونة (^٢) رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
* * *
_________________
(١) انظر: سنن أبي داود (عون ٤/ ٢١٨) ح (١٤٣٠)، وسنن ابن ماجه (٢/ ١١١٩) ح (٣٣٧١)، و(٢/ ١٣٣٩) ح (٤٠٣٤).
(٢) انظر: سنن النسائي (٧/ ٣٦١) ح (٤٧٠٠).
[ ٤٨٠ ]
المبحث الخامس: حديث شريك في الإسراء
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
[ ٤٨١ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
جاء حديث الإسراء من عدة طرق عن أنس -﵁-، فجاء من طريق ثابت البناني والزهري وقتادة وشريك، وقد تفرد شريك بأشياء لم يذكرها غيره ممن روى الحديث عن أنس -﵁-، وفيما يلي أسوق هذه الطرق، مؤخرًا طريق شريك، حتى يظهر الفرق بينه وبين باقي الطرق:
أولًا: طريق قتادة: حدث قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة -﵄- أن نبي الله -ﷺ- حدثهم عن ليلة أسري به: (بينما أنا في الحطيم (^١)، وربما قال: في الحِجْر (^٢) (^٣) مضطجعًا، إذ أتاني
_________________
(١) قال ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٠٤): "المراد بالحطيم هنا: الحجر"، وانظر: أعلام الحديث (٣/ ١٦٧٩).
(٢) الشك من قتادة، كما بينته رواية أحمد في المسند (٢٩/ ٣٧٤) ح (١٧٨٣٥)، ولفظها: (بينما أنا في الحطيم، وربما قال: قتادة في الحجر )، وانظر: الفتح (٧/ ٢٠٤).
(٣) وفي رواية له في الصحيحن: (بينا أنا عند البيت)، وفي رواية شريك -ستأتي قريبًا-: (أسري برسول الله -ﷺ- من مسجد الكعبة)، ولا تعارض بين هذه الروايات لأن الحجر جزء من مسجد الكعبة، الذي هو البيت، فتحمل الرواية العامة -البيت- على الرواية الخاصة، وهو كونه في الحجر. وفي رواية الزهري -ستأتي قريبًا- أن الإسراء كان من بيته، حيث جاء فيها: (فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل -ﷺ-)، والجمع بينها وبين ما تقدم: أن النبي -ﷺ- كان في بيته بمكة، فأُخذ من هناك إلى الحجر، ومنه أُسري برسول الله -ﷺ-، ويؤيد هذا الجمع ما وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق: "أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد فأركبه البراق". وما قيل -غير ما تقدم- في تحديد المكان الذي أُسري بالنبي -ﷺ- منه -كالقول =
[ ٤٨٢ ]
آتٍ (^١) فَقَدَّ (^٢) - قال: وسمعته يقول (^٣): فشق -ما بين هذه إلى هذه- فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثُغْرة نحره إلى شعرته (^٤)، وسمعته يقول: من قَصِّهِ (^٥) إلى شِعْرَته -فاستخرج قلبي، ثم أُتيت بطست (^٦) من ذهب مملوءة إيمانًا، فغُسِل قلبي، ثم حُشِي، ثم أُعِيد، ثم أُتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض- فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم -يضع خَطْوَهُ عند أقصى طرْفه (^٧)، فحُمِلت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، قيل: وقد أرسل إليه (^٨)؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به
_________________
(١) = بأنه أُسري به من بيت أم هانئ - فهو مبني على روايات ضعيفة، لا تقوم بها حجة، والله أعلم. [انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٣٥، ٥٣٩)، والفتح (٧/ ٢٠٤)، والإسراء والمعراج ومسائل العقيدة فيهما (١/ ١٤٨ - ١٥١) رسالة ماجستير -غير مطبوعة- لعمر القرموشي، وقد استفدت منها في هذه المسألة].
(٢) هو جبريل ﵇، وقد صرحت به رواية شريك الآتية قريبًا، وانظر: الفتح (٧/ ٢٠٤).
(٣) أي: قطع، من القد، وهو: القطع [انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٦٧٩)، وشرح السنة للبغوي (١٣/ ٣٤٢)].
(٤) القائل: قتادة، والمقول عنه أنس، كما صرحت به رواية أحمد (٢٩/ ٣٧٤)، وانظر: الفتح (٧/ ٢٠٤).
(٥) من ثغرة، بضم المثلثة وسكون المعجمة، وهي: الموضع المنخفض الذي بين الترقوتين، وقوله: (شعرته) أي: شعر العانة، وفي رواية مسلم: (إلى أسفل بطنه). [انظر: الفتح (٧/ ٢٠٤)، وتفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي (١٣٨)].
(٦) "بفتح القاف وتشديد المهملة، أي: رأس صدره" الفتح (٧/ ٢٠٤)، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي (١٣٨)، وشرح السنة (١٣/ ٣٤٢)، والمجموع المغيث (٣/ ٧١٤).
(٧) "إناء معروف، وخص بذلك لأنه آلة الغسل عرفًا" الفتح (١/ ٤٦٠).
(٨) "أي: يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره" الفتح (٧/ ٢٠٦).
(٩) أي: للعروج، وليس المراد: أصل البعث والرسالة، لأن أمر بعثه رسولًا مشتهر =
[ ٤٨٣ ]
فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خَلَصْت فإذا فيها آدم (^١)، فقال: هذا أبوك آدم فسلِّمْ عليه، فسلمت عليه، فرد السلام ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت، فردا ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل، ومن معك؟ قال محمد، قيل، أَوَ قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إلى إدريس قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة
_________________
(١) = لا يخفى، ويدل على هذا: قوله: (إليه) [انظر: أعلام الحديث (١/ ٣٤٧)، و(٣/ ١٦٧٩)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٧١)، وفتح الباري (١/ ٤٦١)، و(٧/ ٢٠٩)].
(٢) قال ابن تيمية في الفتاوى (٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩): "وأما رؤيته الأنبياء ليلة المعراج في السماء فهذا رأى أرواحهم مصورة في صور أبدانهم، وقد قال بعض الناس: لعله رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور، وهذا ليس بشيء، لكن عيسى صعد إلى السماء بروحه وجسده، وكذلك قد قيل في إدرس، وأما إبراهيم وموسى وغيرهما فهم مدفونون في الأرض". وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٣١٧): "والذي رآه في السماء من الأنبياء ﵈ إنما هو أرواحهم، إلا عيسى ﵇، فإنه رفع بجسده إلى السماء" [وانظر: المحلى (١/ ٤٤)، وإبطال التأويلات (١/ ١٢٣)، وزاد المعاد (٣/ ٤٠ - ٤١)، والروح (٦٦) كلاهما لابن القيم، والفتح (٧/ ١١٠، ٢١٢)].
[ ٤٨٤ ]
فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد -ﷺ-، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنةَ من أمته أكثرُ ممن يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رُفِعَت لي سدرة المنتهى (^١)، فإذا نَبِقُها (^٢) مثل قِلَال هَجَر (^٣)، وإذا ورقها مثل آذان الفِيَلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران
_________________
(١) جاء في سبب تسميتها بالمنتهى ما أورده مسلم في صحيحه (٣/ ٥) ح (١٧٣) من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: (إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبط به من فوقها فيقبض منها)، وانظر: فتح الباري (٧/ ٢١٢ - ٢١٣).
(٢) "هو ثمر السدر" الفتح (٧/ ٢١٣).
(٣) القلال: الجرار، يريد أن ثمرها في الوفور والكِبَر مثل القلال. [انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٦٨٠)، والفتح (٧/ ٢١٣)]. وهجر: المشهور عند الإطلاق: هجر البحرين، فقيل إن هذه القلال كانت تجلب منها إلى المدينة، وقيل: بل عُملت هذه القلال بالمدينة على مثل قلال هجر، وقيل: هجر: قرية قرب المدينة، تُعمل فيها القلال، وليست هجر البحرين، [انظر: معجم البلدان (٥/ ٣٩٣)، والنهاية في غريب الحديث (٤/ ١٠٤)، والمعالم الأثيرة في السنة والسيرة، لمحمد محمد شراب (٢٩٣)].
[ ٤٨٥ ]
باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات (^١)، ثم رفع لي البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلوات: خمسين صلاةً كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بمَ أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاةً كل يوم، قال: إن أمتك لا
_________________
(١) قال القاضي عياض في الإكمال (١/ ٥٠٣): يشعر هذا أن أصل سدرة المنتهى في الأرض، لخروج النيل والفرات من أصلها. وتعقبه النووي في شرحه على مسلم (٢/ ٥٨٠) فقال: "قلت: هذا الذي قاله ليس بلازم، بل معناه: أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله تعالى حتى تخرج من الأرض وتسير فيها، وهذا لا يمنعه عقل ولا شرع، وهو ظاهر الحديث، فوجب المصير إليه، والله أعلم"، وقال في موضع آخر: "الأصح أنها على ظاهرها، وأن لها مادة من الجنة، والجنة مخلوقة موجودة اليوم عند أهل السنة" [شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٨٣)، وانظر: إكمال المعلم (٨/ ٣٧٢)، والمفهم (٧/ ١٨٦)]. وبمثل هذا القول قال ابن حزم وابن حجر [انظر: الفصل (١/ ١٤٣)، والفتح (٧/ ٢١٤)]. - وقيل: إن هذا ضرب مثل. [انظر شرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١)]. - وقيل: بل هو تشبيه لها بأنهار الجنة لما فيها من العذوبة والبركة. [انظر: المفهم (١/ ٣٩١)، و(٧/ ١٨٦)]. - وقيل: إنهما أُنزلا من الجنة إلى الأرض، وسيُرفعان عند رفع القرآن، واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ [انظر: الروض الأنف (٢/ ١٥٠)، وإكمال إكمال المعلم (١/ ٥٢٤)]. - والمتعين حمل الحديث على ظاهره، والإيمان به كما جاء، دون التعرض لكيفية ذلك، وقد ثبت في صحيح مسلم (١٧/ ١٨٣) ح (٢٨٣٩) من حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: (سيحان وجيحان والفرات والنيل كلٌ من أنهار الجنة)، وما ذكره النووي غير ممتنع في قدرة الله تعالى، والله أعلم.
[ ٤٨٦ ]
تستطيع خمسين صلاةً كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بمَ أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلِّم، قال: فلما جاوزت نادى منادٍ: أمضيتُ فريضتي وخففت عن عبادي)، متفق عليه (^١).
ثانيًا: طريق ثابت البناني: حدث ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله -ﷺ- قال: (أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرْفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء (^٢)،
_________________
(١) البخاري في مواضع: في كتاب: فضائل الصحابة، باب: المعراج (٣/ ١٤١٠) ح (٣٦٧٤)، وفي كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٣/ ١١٧٣) ح (٣٠٣٥)، وأخرجه مختصرًا: في كتاب: الأنبياء، باب: قول الله ﷿: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩)﴾ (٣/ ١٢٤٣) ح (٣٢١٣)، وباب: قول الله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)﴾ (٣/ ١٢٦٣) ح (٣٢٤٧)، وفي كتاب: الأشربة، باب: شرب اللبن (٥/ ٢١٢٨) ح (٥٢٧٨) لكنه ساقه عن أنسٍ مرفوعًا إلى النبي -ﷺ-، فلم يذكر مالك بن صعصعة. ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله -ﷺ- (٢/ ٥٨١) ح (١٦٤).
(٢) قال البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٨٥): "في رواية ثابت عن أنس دليل على أن =
[ ٤٨٧ ]
فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه: ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة: عيسى ابن مريم ويحيى بن زكرياء صلوات الله عليهما، فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد -ﷺ-، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف -﵇- إذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس فرحب ودعا لي بخير، قال الله ﷿: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون -﵇- فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى -﵇- فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد -ﷺ-، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم -﵇- مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي:
_________________
(١) = المعراج كان ليلة أُسري به من مكة إلى بيت المقدس" قال ابن كثير في التفسير (٣/ ٩): "وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية".
[ ٤٨٨ ]
تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إليَّ ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى -﵇- فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسًا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى -﵇- فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله -ﷺ-: فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه)، رواه مسلم (^١).
ثالثًا: طريق ابن شهاب الزهري: عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله -ﷺ- قال: (فُرِجَ (^٢) عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل -﵇- فَفَرَجَ صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح، قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد -ﷺ-، فقال: أرسل إليه؟ قال: نعم، فلما فتح علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد على يمينه أسودةٌ (^٣) وعلى يساره أسودةٌ،
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله -ﷺ- (٢/ ٥٦٧) ح (١٦٢).
(٢) أي شُقَّ وفتح. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٧٢)، وفتح الباري (١/ ٤٦٠)].
(٣) أي: شخوص، وكل شخص سواد: من متاع أو إنسان أو غيره، وجمع السواد: =
[ ٤٨٩ ]
إذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ يساره بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله: نسم (^١) بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، حتى عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال الأول، ففتح) قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس: فلما مرَّ جبريل بالنبي -ﷺ- بإدريس قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، (فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس، ثم مررت بموسى فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى فقال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى، ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم -﵇-).
قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم (^٢): أن ابن عباس وأبا حبَّة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي -ﷺ-: (ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى (^٣) أسمع فيه صريف الأقلام) (^٤)، قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال النبي -ﷺ-:
_________________
(١) = أسودة، وجمع الجمع: أساود. [انظر: أعلام الحديث (١/ ٣٤٧)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (٧٣، ٤٥٩، ٥٥٢)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٤)].
(٢) جمع نسمة، وهي النفس، والمراد بذلك: أرواح بني آدم. [انظر: أعلام الحديث (١/ ٣٤٧)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٤)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٦١)].
(٣) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. [انظر: فتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٨)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٦٢)].
(٤) أي: صعدت لمصعد، وارتقيت لمرتقى. [انظر: أعلام الحديث (١/ ٣٤٧)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٨)، والفتح لابن حجر (١/ ٤٦٢)].
(٥) أي: أصواتها حال الكتابة، والمراد: ما تكتبه الملائكة بأقلامها من أقضية الله =
[ ٤٩٠ ]
(ففرض الله ﷿ على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعني (^١) فوضع شطرها (^٢)، فرجعت إلى موسى قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها حبايل (^٣) اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك)،
_________________
(١) = تعالى ووحيه. [انظر: أعلام الحديث (١/ ٣٤٨)، والفتح لابن رجب (٢/ ٣١٨)، والفتح لابن حجر (١/ ٤٦٢)].
(٢) كذا في المطبوع، قال ابن حجر في الفتح (١/ ٤٦٢): "وللكشميهني -أحد رواة البخاري- (فراجعت)، والمعنى واحد".
(٣) قال القاضي عياض في الإكمال (١/ ٥٠٤): "الشطر في الحديث بمعنى: الجزء، لا بمعنى: النصف، وإن كان أصله النصف، فقد يُعبر به عن غير النصف، كما قالوا: أشطار الناقة، وهي أربع، وأشطار الدهر وهي كثيرة". وقال النووي في شرحه على مسلم (٢/ ٥٧٨): "المراد بحط الشطر هنا: أنه حُط في مرات بمراجعات، وهذا هو الظاهر" ثم قال معقبًا على كلام القاضي: "هذا الذي قاله محتمل، ولكن لا ضرورة إليه، فإن هذا الحديث مختصر، لم يذكر فيه كرات المراجعة، والله أعلم" [وانظر: الفتح (١/ ٤٦٢)].
(٤) هكذا جاءت هذه اللفظة في هذا الموضع من صحيح البخاري، وفي رواية له في كتاب الأنبياء: (جنابذ)، وهي كذلك عند مسلم. قال الخطابي عن لفظة (حبائل) (١/ ٣٤٨): "ليس بشيء، إنما هو جنابذ اللؤلؤ، يريد: قباب اللؤلؤ". وقال القرطبي في المفهم (١/ ٣٩٢): "وقع في كتاب البخاري في كتاب الصلاة: (حبائل اللؤلؤ)، وهو تصحيف". وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٣٢٦): "والصحيح: جنابذ" [وانظر: الفتح لابن حجر (١/ ٤٦٣)].
[ ٤٩١ ]
متفق عليه (^١).
رابعًا: طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر: حدَّث فقال: سمعت أنس بن مالك يقول: ليلة أسري برسول الله -ﷺ- من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر (^٢) قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ (^٣) فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه وتنام عينه، ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لَبَّته (^٤)، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتي بطست من ذهب، فيه تور (^٥) من ذهب،
_________________
(١) البخاري في مواضع: في كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء (١/ ١٣٥) ح (٣٤٢)، وفي كتاب: الأنبياء، باب: ذكر إدريس ﵇ (٣/ ١٢١٧) ح (٣١٦٤)، وأخرجه مختصرًا في كتاب الحج، باب: ما جاء في زمزم (٢/ ٥٨٩) ح (١٥٥٥). ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله -ﷺ- (٢/ ٥٧٦) ح (١٦٣).
(٢) هم من الملائكة، وجاء تسمية اثنين منهما، وهما: جبريل وميكائيل. [انظر: الفتح (١٣/ ٤٨٠)].
(٣) قال الحافظ في الفتح (١٣/ ٤٨٠): "فيه إشعار بأنه كان نائمًا بين جماعة أقلهم اثنان، وقد جاء أنه كان نائمًا معه حينئذٍ: حمزة بن عبد المطلب: عمه، وجعفر بن أبي طالب: ابن عمه".
(٤) قال في الفتح (١٣/ ٤٨١): "بفتح اللام وتشديد الموحدة، وهي: موضع القلادة من الصدر، ومن هناك تنحر الإبل" [وانظر: النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٢٣)].
(٥) التور: قيل: هو آنية كالقدح يكون من الحجارة، وقيل: إناء يُشرب منه، وقيل: هو الطست، وقيل: يشبه الطست، وقيل: هو مثل القدر يكون من صفر أو حجارة، وقد يُتوضأ منه. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١١٨، ١٣٦)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ١٩٩)، والفتح (١/ ٢٩١)]. قال ابن حجر في الفتح (١/ ٣٠٣) عن قوله في هذا الحديث: (ثم أتي بطست من =
[ ٤٩٢ ]
محشوًا إيمانًا وحكمةً، فحشا به صدره ولَغَادِيْدُه -يعني: عروق حلقه- ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد بعث؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك فسلم عليه، فسلم عليه، ورد عليه آدم وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نِعْم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يَطَّرِدان، فقال: (ما هذان النهران يا جبريل؟) قال: هذا النيل والفرات عُنْصُرُهُمَا (^١)، ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزَبَرْجَد، فضرب يده فإذا هو (^٢) مسك أَذْفَر، قال: (ما هذا يا جبريل؟) قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد -ﷺ-، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به وأهلًا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سمَّاهم، فَوَعَيْت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: رب لم أظن أن ترفع علي
_________________
(١) = ذهب، فيه تور من ذهب): "ظاهره المغايرة بينهما، ويحتمل الترادف، وكأن الطست أكبر من التور"، وانظر ص (٥١٠) من هذا البحث.
(٢) العنصر هو: الأصل. [انظر: المجموع المغيث (٢/ ٥١١)، والنهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٠٩)، والفتح (١٣/ ٤٨٢)].
(٣) قال في الفتح (١٣/ ٤٨٢): " (فضرب يده) أي: في النهر (فإذا هو) أي: طينه".
[ ٤٩٣ ]
أحدًا، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى (^١)، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه: خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: (عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة)، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي -ﷺ- إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار فقال، وهو مكانه: (يا رب، خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا)، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل -قومي- على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي -ﷺ- إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: (يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا)، فقال الجبار: يا محمد، قال: (لبيك وسعديك)، قال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: (خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها)، قال
_________________
(١) التدلي معناه: الدنو والزيادة في القرب، قال ابن فارس في المعجم (٢/ ٢٩٣) مادة (دلى): "الدال واللام والحرف المعتل: أصل يدل على مقاربة الشيء ومداناته بسهولة ورفق". وقال الزجاج في معاني القرآن (٥/ ٧٠): "معنى دنا وتدلى: واحد، لأن المعنى: أنه قرب، وتدلى أي: زاد في القرب" [وانظر: تهذيب اللغة (١٤/ ١٢٢) مادة (دلا)، والمفردات للراغب (٣١٧)، والفتح (١٣/ ٤٨٤)].
[ ٤٩٤ ]
موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا، قال رسول الله -ﷺ-: (يا موسى، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه)، قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في المسجد الحرام، متفق عليه (^١).
بيان وجه الإشكال
في رواية شريك عن أنس لحديث الإسراء عدة مخالفات، خالف فيها شريك غيره من الرواة، وقد تنبه لهذا أهل العلم، فنقدوا روايته، وبيَّنوا ما فيها من مخالفات وأخطاء، ليست عند غيره ممن روى الحديث عن أنس -﵁-، كقتادة والزهري وثابت البناني.
وقد ساق مسلم في صحيحه طرفًا من حديث شريك ثم قال: "قدم فيه شيئًا وأخر، وزاد ونقص" (^٢).
وقال البيهقي: "ذكر شريك بن عبد الله بن أبي نمر في روايته هذه ما يُستدل به على أنه لم يحفظ الحديث كما ينبغي: من نسيانه ما حفظه غيره، ومن مخالفته في مقامات الأنبياء -الذين رآهم في السماء- مَن هو أحفظ منه" (^٣).
وقال عبد الحق الإشبيلي (^٤): "وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه
_________________
(١) البخاري: كتاب: التوحيد، باب: قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٦/ ٢٧٣٠) ح (٧٠٧٩)، وأخرجه مختصرًا في كتاب: المناقب، باب: كان النبي تنام عينه ولا ينام قلبه (٣/ ١٣٠٨) ح (٣٣٧٧). ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله -ﷺ- (٢/ ٥٧٥) ح (١٦٢) ساق طرفًا منه ثم قال: "وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني، وقدم فيه شيئًا وأخر وزاد ونقص".
(٢) صحيح مسلم (٢/ ٥٧٥).
(٣) الأسماء والصفات (٢/ ٣٥٧).
(٤) هو الإمام الحافظ البارع المجود العلامة أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن =
[ ٤٩٥ ]
بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين، والأئمة المشهورين، كمثل ابن شهاب وثابت البناني وقتادة، فلم يأتِ أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث، والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المعوَّل عليها (^١) " (^٢).
وقال القاضي عياض: "وقد جاء في مسلم من رواية شريك في هذا الحديث اضطراب وأوهام، أنكرها عليه العلماء، وقد نبه مسلم على ذلك" (^٣).
وقال ابن القيم: "وقد غلَّط الحفَّاظ شريكًا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه ثم قال: فقدم وأخر وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث فأجاد ﵀" (^٤).
وقال الذهبي عن شريك: "في حديث الإسراء من طريقه: ألفاظ لم يُتابع عليها" (^٥).
وقال أيضًا عن حديث شريك: "هذا من غرائب الصحيح" (^٦).
_________________
(١) = عبد الله بن الحسين الأزدي الأندلسي الإشبيلي، المعروف في زمانه بابن الخرَّاط، كان فقيهًا عالمًا بالحديث وعلله، عارفًا بالرجال، مشاركًا في الأدب وقول الشعر، موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السنة، له مؤلفات من أشهرها: الجمع بين الصحيحين، توفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة (٥٨١). [انظر: السير (٢١/ ١٩٨)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٥٠)، والعبر (٣/ ٨٢)، وشذرات الذهب (٤/ ٢٧١)].
(٢) يعني: طريق قتادة وثابت والزهري.
(٣) الجمع بين الصحيحين (١/ ١٢٧)، وانظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٦٨)، والفتح (١٣/ ٤٨٤).
(٤) إكمال المعلم (١/ ٤٩٧).
(٥) زاد المعاد (٣/ ٤٢).
(٦) السير (٦/ ١٦٠).
(٧) ميزان الاعتدال (٣/ ٣٧٢).
[ ٤٩٦ ]
وقال ابن كثير: "شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه" (^١).
وقال ابن رجب عن حديث شريك: "فيه ألفاظ استُنكرت على شريك، وتفرد بها" (^٢).
وقال ابن حجر عن شريك: "هو راوي حديث المعراج الذي زاد فيه ونقص، وقدم وأخر، وتفرد فيه بأشياء لم يُتابع عليها" (^٣).
وقال أيضًا: "خالف فيه شريك أصحاب أنس في إسناده ومتنه" (^٤).
ولكثرة ما استُشكل في حديث شريك -حيث عُدَّ فيه أكثر من عشر إشكالات- فقد اتبعت طريقةً تتناسب مع كثرتها، وذلك أنني عندما أورد الإشكال المعين، أذكر كل ما يتعلق به، بما في ذلك الترجيح إن أمكن، ثم أنتقل إلى الإشكال الآخر، وهكذا
وقبل الانتقال إلى هذه الإشكالات يحسن التنبيه على أمرين:
الأول: أن حديث الإسراء مما أجمع عليه المسلمون (^٥)، وقد نصَّ عدد من أهل العلم على تواتر أحاديث الإسراء والمعراج، كالبغوي (^٦)، والقرطبي (^٧)، وابن تيمية، وابن القيم (^٨)، وغيرهم.
قال ابن تيمية: "وأحاديث المعراج، وصعوده إلى ما فوق السماوات، وفرض الرب عليه الصلوات الخمس حينئذ، ورؤيته لما رآه من الآيات،
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٧).
(٢) فتح الباري (٢/ ٣١١).
(٣) الفتح (١١/ ٣٤١)، وانظر: (١٣/ ٤٨٠).
(٤) هدي الساري (٣٨٣).
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤١)، والأنوار الكاشفة للمعلمي (١٢١).
(٦) انظر: معالم التنزيل (٣/ ٩٢).
(٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٠٥).
(٨) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية (٩٨).
[ ٤٩٧ ]
والجنة والنار، والملائكة والأنبياء في السموات، والبيت المعمور، وسدرة المنتهى، وغير ذلك: معروف متواتر في الأحاديث" (^١).
مع العلم أن الإسراء ثابت بنص كتاب الله تعالى، كما قال جلَّ وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
وبعض أهل العلم يرى أن المعراج كذلك، أي: ثابت بكتاب الله تعالى، كما في الآيات في أوائل سورة النجم، وقد أشار إليه -أيضًا- في الآية السابقة بقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، فإن هذا يوافق قوله تعالى في سورة النجم: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، فإن المراد بها ما رآه في معراجه مما لم يره أحد من الناس، كرؤية جبريل، وسدرة المنتهى، وغير ذلك (^٢).
والأمر الثاني: تحرير القول في شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وذلك بذكر أقوال الأئمة فيه، كما يلي:
قال عنه ابن سعد (^٣): ثقة كثير الحديث.
وقال أبو داود (^٤): ثقة.
_________________
(١) الجواب الصحيح (٦/ ١٦٨)، وانظر: (٦/ ١٦٥).
(٢) انظر: الجواب الصحيح (٦/ ١٦٥ - ١٦٦)، والشفاء (١٠٦)، ومعارج القبول (٢/ ٣١٢).
(٣) هو أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الزهري البصري، كاتب الواقدي وصاحب الطبقات، كان حافظًا علامةً حجة، طلب العلم في صغره ولحق بالكبار، وكان كثير العلم، كثير الحديث والرواية، كثير الكتب، توفي في بغداد سنة ثلاثين ومائتين (٢٣٠). [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٦٠)، والسير (١٠/ ٦٦٤)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢٥)، والتقريب (٢/ ٧٩)].
(٤) هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، صاحب السنن، إمام حافظ محدث ثقة، وكان مع إمامته في الحديث وفنونه من كبار الفقهاء، =
[ ٤٩٨ ]
وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس.
وقالا مرة: ليس بالقوي.
وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه.
وقال ابن عدي (^١): إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته (^٢).
وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ (^٣).
وخلاصة الأمر في شريك ما قاله ابن حجر: "صدوق يخطئ" (^٤).
وقال أيضًا بعد ذكره لأقوال الأئمة فيه: "قلت: احتج به الجماعة، إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة" (^٥).
* * *
_________________
(١) = وكتابه يدل على ذلك، وكان من نجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدَّة وسأله عن دقائق المسائل في الفروع والأصول، توفي ﵀ سنة (٢٧٥). [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٥٦)، ووفيات الأعيان (٢/ ٣٣٧)، والسير (١٣/ ٢٠٣)، والتقريب (١/ ٣٨٢)].
(٢) هو الحافظ الكبير أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك بن القطان الجرجاني، كان ثقة متقنًا ناقدًا، أكثر الترحال في طلب العلم، فرحل إلى الحرمين ومصر والشام والعراق وخراسان والجبال، وطال عمره وعلا سنده، توفي ﵀ سنة (٣٦٥ هـ) له مصنفات أشهرها: الكامل في ضعفاء الرجال. [انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٠)، والسير (١٦/ ١٥٤)، والعبر (٢/ ١٢١)، وشذرات الذهب (٣/ ٥١)].
(٣) انظر: الكامل (٤/ ١٣٢١)، وميزان الاعتدال (٢/ ٢٦٩)، والسير (٦/ ١٥٩)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٠٨)، وهدي الساري (٤٠٩ - ٤١٠).
(٤) انظر: الثقات (٤/ ٣٦٠).
(٥) تقريب التهذيب (١/ ٤١٨).
(٦) هدي الساري (٤١٠)، وانظر: الفتح (١٣/ ٤٨٥).
[ ٤٩٩ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن في حديث شريك أكثر من عشر إشكالات، وقد اجتهد في محاولة الإجابة عنها، ببيان عدم التفرد تارة، وبالتأويل تارة أخرى، وبيَّن أن هذا المسلك هو الأولى في التعامل مع مخالفات شريك، حيث قال: "والأولى: التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيره، والجواب عنها، إما بدفع تفرده، وإما بتأويله على وفاق الجماعة، ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء، بل تزيد على ذلك" (^١).
والحق أن في بعض هذه المخالفات -التي عُدت على شريك- نظر، إذ الصواب فيها مع شريك ﵀، إما لموافقة غيره له فيها، وحينئذٍ تنتفي دعوى التفرد، وإما لكونها ليست مخَالَفة في الحقيقة.
ويبقى عدد من هذه المخالفات يصعب الإجابة عنها، ومن رام ذلك فقد تكلف عنتًا، وفيما يلي عرض لهذه المخالفات مرتبة حسب ورودها في الحديث، مع بيان ما يترجح فيها حسب الإمكان:
أولًا: قوله: (ليلة أسري برسول الله -ﷺ- من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه) ففي هذا أن حادثة الإسراء والمعراج وقعت قبل البعثة، وهذا خطأ ظاهر، والعلماء مجمعون على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون ذلك إذا كان الإسراء قبل أن يوحى إليه؟ ! (^٢)
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٤٨٥)، وانظر: (١٣/ ٤٨٦).
(٢) انظر: إكمال المعلم (١/ ٤٩٨)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٦٨)، وفتح =
[ ٥٠٠ ]
ولذا أنكر أهل العلم هذه اللفظة على شريك وعدوها من أخطائه، وممن أنكر ذلك: الخطابي وابن حزم وعبد الحق الإشبيلي والقاضي عياض والنووي (^١) وابن القيم (^٢).
قال القاضي عياض عن هذه اللفظة: "هو غلط لم يوافق عليه" (^٣).
قال الحافظ: "وفي دعوى التفرد نظر، فقد وافقه كثير بن خنيس -بمعجمة ونون، مصغر- عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب المغازي من طريقه" (^٤).
وقد خرَّج هذه اللفظة ابن كثير وابن حجر على أن المجيء كان مرتين:
الأول: قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة، ولم يكن فيها شيء.
والثاني: بعد أن أُوحي إليه، وحينئذٍ وقع شق الصدر ثم الإسراء والمعراج.
وقبل ذكر كلامهما أسوق ما يتعلق بهذه اللفظة من الحديث، حتى يتضح مأخذهما منه: حدَّث شريك عن أنس: (ليلة أسري برسول الله -ﷺ- من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته ).
_________________
(١) = الباري (١٣/ ٤٨٠).
(٢) انظر: فتح الباري (١٣/ ٤٨٠)، وكشف المشكل (٣/ ٢١٢).
(٣) انظر: زاد المعاد (١/ ٩٩ - ١٠٠).
(٤) إكمال المعلم (١/ ٤٩٧).
(٥) فتح الباري (١٣/ ٤٨٠).
[ ٥٠١ ]
قال ابن كثير: "وفي سياقه -أي: حديث شريك- غرابة من وجوه، منها: قوله: (قبل أن يوحى إليه)، والجواب: أن مجيئهم أول مرة كان قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة، ولم يكن فيها شيء، ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى، ولم يقل في ذلك: (قبل أن يوحى إليه) بل جاءه بعد ما أُوحي إليه، فكان الإسراء قطعًا بعد الإيحاء، إما بقليل كما زعمه طائفة، أو بكثير نحو من عشر سنين كما زعمه آخرون، وهو الأظهر" (^١).
وقال ابن حجر: "قوله: (فلم يرهم) أي: بعد ذلك (حتى أتوه ليلة أخرى)، ولم يعين المدة التي بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه، وحينئذٍ وقع الإسراء والمعراج وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق: أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة، ويسقط تشنيع الخطابي وابن حزم وغيرهما، بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وبالله التوفيق" (^٢).
ولكن يشكل على هذا الجواب: أن الحديث ينص على أن المجيء الأول كان ليلة الإسراء حيث جاء في أوله: (ليلة أسري برسول الله -ﷺ- من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه )، وقوله في هذا المجيء -أعني الأول-: (فقال آخرهم: خذوا خيرهم)، يشعر أنه قد كان في هذه الليلة شيء، والله أعلم.
وأجاب بعضهم: بأن الوحي ها هنا مقيد، وليس بالوحي المطلق الذي هو مبدأ النبوة، والمراد: قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء، فأسري به فجأة من غير تقدم إعلام (^٣).
_________________
(١) البداية والنهاية (٣/ ١٠٩) بتصرف يسير.
(٢) فتح الباري (١٣/ ٤٨٠)، وانظر: (٦/ ٥٧٩).
(٣) انظر: زاد المعاد (١/ ١٠٠)، وفتح الباري (١٣/ ٤٨٥).
[ ٥٠٢ ]
قال ابن حجر: "ويؤيده: قوله في حديث الزهري: (فرج سقف بيتي) " (^١).
ولا يخفى ما في هذا الجواب من التكلف، والله أعلم.
ثانيًا: قوله: (وهو نائم في المسجد الحرام)، ثم أكد ذلك بقوله في آخر الحديث: (واستيقظ وهو في مسجد الحرام)، وبهذا ونحوه تعلق من جعل الإسراء والمعراج وقعا منامًا (^٢).
قال ابن رجب: "هذه اللفظة مما تفرد بها شريك، وقد تعلق بها من قال: إن الإسراء كان منامًا" (^٣).
وقد أجاب عن هذا القاضي عياض والقرطبي فقالا: قوله: (وهو نائم في المسجد الحرام) أي: أنه كان قد ابتدأ نومه، فأتاه الملك فأيقظه.
وأما قوله: (واستيقظ وهو في مسجد الحرام)، فيحتمل أن يكون استيقاظه من نوم نامه بعد الإسراء، ويحتمل أن يكون بمعنى: أفقت، أي أنه أفاق مما كان فيه من شغل البال بما شاهده من العجائب والآيات العظيمة والملكوت (^٤).
وبنحو هذا أجاب ابن كثير (^٥)، وابن حجر (^٦)، وغيرهما (^٧).
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٤٨٥).
(٢) انظر: أعلام الحديث (٤/ ٢٣٥٢)، ومعالم التنزيل (٣/ ٩٦)، وكشف المشكل (٣/ ٢١١، ٢١٢)، وإكمال المعلم (١/ ٤٩٩)، وفتح الباري (١٣/ ٤٨٣)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٤٤٥).
(٣) فتح الباري (٢/ ٣٢٠).
(٤) انظر: الشفاء (١١٥) المفهم (١/ ٣٨٥).
(٥) انظر: البداية والنهاية (٣/ ١١٢).
(٦) انظر: فتح الباري (٧/ ٢٠٤)، و(١٣/ ٤٨١).
(٧) انظر: الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (١/ ٥٤٠)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣٢٠)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٤٤٦).
[ ٥٠٣ ]
وحاول بعضهم الجمع بين الروايات فقال: بالتعدد، أي أن الإسراء وقع مرتين: مرة يقظة، ومرة منامًا (^١).
والحق الذي عليه جمهور أهل السنة أن الإسراء والمعراج وقعا مرة واحدة، يقظة لا منامًا، وأن ذلك كان بجسده وروحه.
وقد سمَّى القاضي عياض من ذهب إلى هذا فقال: "ذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة، وهذا هو الحق"، ثم ذكر أنه قول ابن عباس، وجابر، وأنس، وحذيفة، وعمر، وأبي هريرة، ومالك بن صعصعة، وأبي حبَّة البدري، وابن مسعود، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن المسيب (^٢)، وابن شهاب، والحسن، وإبراهيم (^٣)، ومسروق (^٤)،
_________________
(١) انظر: زاد المعاد (٣/ ٤٢)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢٧١).
(٢) هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو المخزومي القرشي، شيخ الإسلام وفقيه المدينة وعالمها، وسيِّد التابعين في زمانه، رأى عمر وسمع عثمان وعليًا وزيد بن ثابت وجمعًا من الصحابة سواهم -﵃-، وكانت أكثر روايته عن أبي هريرة -﵁-، وكان قد تزوج ابنته، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، توفي -﵀- سنة (٩٤ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ٣١٣)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٥٤)، والسير (٤/ ٢١٧)، والعبر (١/ ٨٢)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٦٤)، وشذرات الذهب (١/ ١٠٢)].
(٣) هو أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الإمام الحافظ فقيه العراق، روى عن علقمة ومسروق وطائفة ودخل على أم المؤمنين عائشة -﵂- وهو صبي توفي سنة ست وتسعين وقيل في آخر سنة خمس وتسعين (٩٥). [انظر: وفيات الأعيان (١/ ٥٢)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٧٣)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٠)، وتقريب التهذيب (١/ ٦٩)].
(٤) هو الإمام العلم القدوة أبو عائشة، مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية الهمداني الكوفي، يُقال: إنه سُرق وهو صغير ثم وُجد فسُمي مسروقًا، وكانت عائشة قد تبنته فسمى بنته عائشة، صحب ابن مسعود -﵁- وصلى خلف أبي بكر الصديق -﵁-، وكان فقيهًا عابدًا، توفي ﵀ سنة (٦٣ هـ). [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٤٩)، والسير (٤/ ٦٣)، والعبر (١/ ٥٠)، وتقريب التهذيب (٢/ ١٧٥) شذرات الذهب (١/ ٧١)].
[ ٥٠٤ ]
ومجاهد، وعكرمة (^١)، وابن جريج (^٢)، وابن حنبل، وجماعة عظيمة من المسلمين، وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين (^٣).
وممن نصَّ على هذا القول أيضًا: الطبري (^٤)، والطحاوي (^٥)، والبربهاري (^٦)، والآجري (^٧)، وابن منده (^٨)، وابن حزم (^٩)، وقوَّام السنة الأصبهاني (^١٠)، وأبو العباس القرطبي (^١١)، وأبو عبد الله القرطبي (^١٢)، وابن القيم (^١٣)،
_________________
(١) هو عكرمة بن عبد الله القرشي مولاهم المدني، أصله بربري كان مولى ابن عباس وكان ثقة ثبتًا عالمًا بالتفسير، حدث عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة وابن عمر وطائفة كثيرة من الصحابة -﵃- اتهم بأنه على رأي الخوارج، توفي ﵀ سنة (١٠٧ هـ). [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٩٥)، والسير (٥/ ١٢)، والعبر (١/ ١٠٠)، وتقريب التهذيب (١/ ٦٨٥)].
(٢) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، العلامة الثقة الحافظ شيخ الحرم، وأول من دون العلم بمكة، لازم عطاء فأكثر عنه وجوَّد، وكان صاحب تعبد وتهجد، وكان يدلس ويرسل، توفي سنة خمسين ومائة (١٥٠)، وقيل غير ذلك. [انظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٣٩٩)، ووفيات الأعيان (٣/ ١٣٨)، والسير (٦/ ٣٢٥)، والتقريب (١/ ٦١٧)].
(٣) انظر: الشفاء (١١٣).
(٤) انظر: جامع البيان (٨/ ١٦).
(٥) انظر: العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢٧٠).
(٦) انظر: شرح السنة (٣٦).
(٧) انظر: الشريعة (٣/ ١٥٣٩).
(٨) انظر: التوحيد له (٣/ ٢٧٦).
(٩) انظر: المحلى (١/ ٥٧).
(١٠) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٤٠).
(١١) انظر: المفهم (١/ ٣٨٤).
(١٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٠٨).
(١٣) انظر: زاد المعاد (١/ ٩٩)، و(٣/ ٣٤).
[ ٥٠٥ ]
وابن كثير (^١)، وابن أبي العز (^٢)، وابن حجر (^٣)، وغيرهم كثير.
قال ابن القيم ﵀: "كان الإسراء مرة واحدة، وقيل: مرتين: مرة يقظة ومرة منامًا، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وقوله: (ثم استيقظت) وبين سائر الروايات، ومنهم من قال: بل كان هذا مرتين: مرة قبل الوحي لقوله في حديث شريك: ( قبل أن يوحى إليه)، ومرة بعد الوحي كما دلت عليه سائر الأحاديث، ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده، وكل هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع، والصواب الذي عليه أئمة النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة.
ويا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارًا، كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسًا، ثم يقول: (أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي)، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرًا عشرًا؟ ! " (^٤).
ومن الأدلة على أن الإسراء كان يقظةً لا منامًا، وأنه كان بجسده وروحه (^٥):
١ - ظاهر القرآن حيث قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٨، ٣٩)، والبداية والنهاية (٣/ ١١٢).
(٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢٧٣).
(٣) انظر: فتح الباري (١/ ٤٦٠)، و(٧/ ٢١٨).
(٤) زاد المعاد (٣/ ٤٢)، وانظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٨).
(٥) انظر: جامع البيان (٨/ ١٦)، والشريعة للآجري (٣/ ١٥٣٩)، والحجة في بيان المحجة (١/ ٥٤٠)، والمعلم (١/ ٢٢٠)، والشفاء (١١٣)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٠٨)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٩)، والبداية والنهاية (٣/ ١١٢)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢٧٦)، وفتح الباري (١/ ٤٦٠)، و(٧/ ٢١٨).
[ ٥٠٦ ]
مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
وجه الدلالة: أن التسبيح إنما يكون عند الأمور العظيمة والآيات الباهرة، مما يدل على أن الإسراء كان في اليقظة، بالروح والجسد، ولو كان منامًا، أو بالروح فقط لم يكن فيه كبير أمر، ولم يكن مستعظمًا.
ووجه آخر من الآية: وهو أنه تعالى قال: ﴿بِعَبْدِهِ﴾، والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح، فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلًا، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر.
٢ - ظاهر أحاديث الإسراء -كما تقدم- فإن سياقاتها تدل دلالة واضحة على أن الإسراء كان يقظة بالروح والجسد، ففيها ذكر الركوب والصعود في المعراج والصلاة وغير ذلك، ولذا قال البغوي: "الأكثرون على أنه أسري بجسده في اليقظة، وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك" (^١).
٣ - مبادرة مشركي قريش إلى إنكار ذلك وتكذيبه، وارتداد بعض من ضعف إسلامه عن الإسلام، ولو كان منامًا لما أنكروه، لأنهم لا ينكرون أن يرى الرائي في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل؟ ! فدل هذا على أنه أخبرهم بأنه أسري به يقظة لا منامًا.
قال الطبري عن القول: بأن الإسراء كان منامًا: "ذلك دفع لظاهر التنزيل، وما تتابعت به الأخبار عن رسول الله -ﷺ-، وجاءت به الآثار عن الأئمة من الصحابة والتابعين" (^٢).
_________________
(١) معالم التنزيل (٣/ ٩٢).
(٢) جامع البيان (٨/ ١٦).
[ ٥٠٧ ]
وقال الآجري: "من زعم أنه منام فقد أخطأ في قوله، وقصَّر في حق نبيه -ﷺ-، ورد القرآن والسنة، وتعرض لعظيم" (^١).
وقال القرطبي: "الذي عليه معظم السلف والخلف، أنه أسري بجسده وحقيقته في اليقظة، إلى آخر ما انطوى عليه الإسراء، وعليه يدل ظاهر الكتاب، وصحيح الأخبار، ومبادرة قريش لإنكار ذلك وتكذيبه، ولو كان منامًا لما أنكروه، ولما افتتن به من افتتن، إذ كثيرًا ما يُرى في المنام أمور عجيبة، وأحوال هائلة، فلا يستبعد ذلك في النوم، وإنما يستبعد في اليقظة" (^٢).
ثالثًا: قوله: (فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ).
أنكر بعضهم -كالقاضي عياض (^٣) وغيره (^٤) - وقوع شق الصدر ليلة الإسراء، وعدوا هذا من أغلاط شريك (^٥)، وقالوا: إنما وقع ذلك وهو صغير، عندما كان مسترضعًا في بني سعد، كما في صحيح مسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله -ﷺ- أتاه جبريل -﵇-، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني: ظِئْره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره (^٦).
_________________
(١) الشريعة (٣/ ١٥٤٠).
(٢) المفهم (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، وانظر: الشفاء للقاضي عياض (١١٣).
(٣) انظر: إكمال المعلم (١/ ٤٩٨)، وفتح الباري (١/ ٤٦٠).
(٤) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٣٥)، وفتح الباري (٧/ ٢٠٤).
(٥) انظر: فتح الباري (١٣/ ٤٨٥).
(٦) صحيح مسلم (٢/ ٥٧٤) ح (١٦٢).
[ ٥٠٨ ]
ولا ريب أن إنكارهم هذا غير صحيح، فشق الصدر ثابت ليلة الإسراء، وشريك لم يتفرد بهذا، بل وافقه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، والزهري عن أنس عن أبي ذر، كما تقدم.
قال ابن رجب: "وشق صدره -ﷺ- ليلة المعراج، وغسله من طست من ذهب من ماء زمزم، ومَلؤه إيمانًا وحكمة مما تطابقت عليه أحاديث المعراج" (^١).
وعلى هذا يكون شق الصدر قد وقع مرتين: مرة في صغره، كما في حديث أنس المتقدم قريبًا، ومرة في ليلة الإسراء.
قال القرطبي عند حديث أنس المتقدم -في شق صدر رسول الله -ﷺ- في صغره-: "هذا الشق هو خلاف الشق المذكور في حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة، بدليل اختلاف الزمانين، والمكانين، والحالين، أما الزمانان: فالأول: في صغره، والثاني: في كبره، وأما المكانان: فالأول: كان ببعض جهات مكة، عند مرضعته، والثاني: عند البيت، وأما الحالان: فالأول نُزع من قلبه ما كان يضره وغسل، وهو إشارة إلى عصمته، والثاني: غُسل وملئ حكمة وإيمانًا، وهو إشارة إلى التهيؤ إلى مشاهدته ما شاء الله أن يشهده.
ولا يُلتفت إلى قول من قال: إن ذلك كان مرةً واحدةً في صغره، وأخذ يُغلِّط بعض الرواة الذين رووا أحد الخبرين، فإن الغلط به أليق، والوهم منه أقرب، فإن رواة الحديثين أئمةٌ مشاهير حفاظ، ولا إحالة في شيء مما ذكروه، ولا معارضة بينهما ولا تناقض، فصحَّ ما قلناه، وبهذا قال جماعة من العلماء" (^٢).
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٣١٢).
(٢) المفهم (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، وانظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٤١)، والروض الأنف (١/ ١٩٠)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٣)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٦٠)، و(٧/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
[ ٥٠٩ ]
رابعًا: قوله: (ثم أتي بطست من ذهب، فيه تور من ذهب، محشوًا إيمانًا وحكمةً، فحشا به صدره ولغاديده ) حيث ذكر التور، بينما الروايات الأخرى ليس فيها ذكر التور، وإنما فيها الاقتصار على ذكر الطست، ففي رواية قتادة عن أنس: (ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانًا فغسل قلبي ثم حشي).
وفي رواية ابن شهاب عن أنس: (ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدري).
قال الحافظ ابن حجر عند رواية شريك: "هذا يقتضي أنه غير الطست، وأنه كان داخل الطست فإن كانت هذه الزيادة محفوظة، احتمل أن يكون أحدهما فيه ماء زمزم، والآخر هو المحشو بالإيمان، واحتمل أن يكون التور ظرف الماء وغيره، والطست لما يُصب فيه عند الغسل، صيانة له عن التبدد في الأرض، وجريًا له على العادة في الطست وما يوضع فيه الماء" (^١).
وقد يُقال: إن ذكر التور ليس فيه مخالفة، وإنما هو من قبيل زيادة الثقة، والله أعلم.
خامسًا: قوله: (فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: (ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عُنْصُرُهُمَا)، فهذا يخالف الثابت في غير روايته، من كون النيل والفرات في السماء السابعة، وأنهما من تحت سدرة المنتهى، كما في حديث مالك بن صعصعة، فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: (وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات)، وفي رواية للبخاري قال بعد ذكر سدرة المنتهى: (في أصلها أربعة أنهار ) (^٢)، ولفظ مسلم: (يخرج من أصلها ).
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٤٨١).
(٢) صحيح البخاري (٣/ ١١٧٣) ح (٣٠٣٥).
[ ٥١٠ ]
قال ابن حجر عند رواية شريك: "ظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة، فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: (فإذا في أصلها أربعة أنهار)، ويجمع بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى، ومقرهما في السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض" (^١).
وقال نقلًا عن ابن دحية (^٢): "الجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بالعنصر: عنصر امتيازهما في السماء الدنيا" (^٣).
وهذا الجواب فيه بعد، وما ذكره الحافظ ابن حجر يشكل عليه أنه جاء في رواية شريك قوله: (هذا النيل والفرات عُنْصُرُهُمَا) أي: أصلهما، والله أعلم.
سادسًا: جاء في روايته ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور الثابت أنه في الجنة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (الكوثر نهر في الجنة) (^٤).
وعن أنس -﵁- في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ أن
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٤٨٢)، وانظر: (١٣/ ٤٨٥).
(٢) هو العلامة أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي بن الجُميل الكلبي الأندلسي الداني الأصل ثم السبتي، الحافظ اللغوي الظاهري المذهب -يذكر أنه من ولد دحية الكلبي- كان بصيرًا بالحديث معنيًا بتقييده مكبًا على سماعه، عيب عليه أنه كان يثلب علماء المسلمين، ويقع في أئمة الدين، ومن أجل ذلك ترك الناس كلامه، توفي ﵀ سنة (٦٣٣ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٣٩٣)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٢٠)، والعبر (٣/ ٢١٧)، وشذرات الذهب (٥/ ١٦٠)].
(٣) فتح الباري (٧/ ٢١٤).
(٤) أخرجه الترمذي (تحفة ٩/ ٢٩٤) ح (٣٤١٩)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه (٢/ ١٤٥٠) ح (٤٣٣٤)، وأحمد (٩/ ٢٥٧) ح (٥٣٥٥)، وصححه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٣٥) ح (٢٦٧٧).
[ ٥١١ ]
النبي -ﷺ- قال: (هو نهر في الجنة) (^١).
قال ابن حجر عند رواية شريك: "هذا مما يُستشكل من رواية شريك، فإن الكوثر في الجنة، والجنة في السماء السابعة" ثم قال محاولًا الجمع بينها وبين سائر الروايات: "ويمكن أن يكون في هذا الموضع شيء محذوف تقديره: ثم مضى به في السماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر " (^٢).
والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن هذا من الأخطاء المعدودة على شريك.
سابعًا: قوله: (كل سماء فيها أنبياء قد سمَّاهم، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله)، وهذا مخالف لسائر الروايات في تحديد أماكن الأنبياء، مما يدل على أن شريكًا لم يضبط أماكنهم، كما قد صرح هو بذلك.
قال ابن رجب: "هذا كله إنما جاء من عدم ضبط منازلهم، كما صرح به في الحديث نفسه" (^٣) ونحوه قال ابن حجر (^٤).
وقد وافق الزهري شريكًا في كون إبراهيم في السماء السادسة، فجاء في روايته: (قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات: آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (تحفة ٩/ ٢٩١) ح (٣٤١٧)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، والنسائي في الكبرى (١٠/ ٢٧٤) ح (١١٤٦٩)، وأحمد (٢٠/ ١٠٩) ح (١٢٦٧٩)، وصححه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٣٤) ح (٢٦٧٥).
(٢) فتح الباري (١٣/ ٤٨٢)، وانظر: (١٣/ ٤٨٥)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٤٥١).
(٣) فتح الباري (٢/ ٣١٧).
(٤) فتح الباري (١٣/ ٤٨٥).
[ ٥١٢ ]
قال ابن رجب: "هذا -والله أعلم- مما لم يحفظه الزهري جيدًا" (^١).
وعلى هذا، فالصحيح في ترتيب أماكن الأنبياء ما جاء في رواية قتادة وثابت عن أنس -﵁-: ففي الأولى آدم ﵇، وفي الثانية عيسى ويحيى ﵇، وفي الثالثة يوسف ﵇، وفي الرابعة إدريس ﵇، وفي الخامسة هارون ﵇، وفي السادسة موسى ﵇، وفي السابعة إبراهيم ﵇.
قال ابن حجر: "الأكثر وافقوا قتادة، وسياقه يدل على رجحان روايته، فإنه ضبط اسم كل نبي والسماء التي هو فيها، ووافقه ثابت عن أنس وجماعة، فهو المعتمد" (^٢).
وقد ذهب البعض كابن كثير (^٣) وغيره (^٤) إلى ترجيح رواية الزهري وشريك في كون إبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، وأيدوا ذلك بقوله عند ذكر موسى: (وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله)، فقالوا: هذا التعليق يدل على أن شريكًا قد ضبط كون موسى في السابعة (^٥).
قال ابن حجر: "لكن المشهور في الروايات: أن الذي في السابعة هو إبراهيم، وأكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة بأنه كان مسندًا ظهره إلى البيت المعمور" (^٦).
وقال أيضًا: "الأرجح رواية الجماعة لقوله فيها: (أنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور)، وهو في السابعة بلا خلاف" (^٧).
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٣١٦).
(٢) فتح الباري (١٣/ ٤٨٢).
(٣) انظر: البداية والنهاية (٣/ ١١٠)، وفي التفسير (٣/ ٣٨) ذكر العكس، فأشار إلى أن موسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة.
(٤) انظر: شرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٤٥٣).
(٥) انظر: فتح الباري (١٣/ ٤٨٢)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٤٥٣).
(٦) فتح الباري (١٣/ ٤٨٢).
(٧) فتح الباري (١/ ٤٦٢)، وانظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٤١).
[ ٥١٣ ]
كما استدلوا بما حصل من المراجعة بين موسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام، فقالوا: إن ذلك يناسب كون موسى في السابعة (^١).
وقد أُجيب عن هذا: بأن المراجعة إنما وقعت من موسى ﵇ لأنه كان له أمة عظيمة، عالجهم أشد المعالجة، وكان عليهم في دينهم آصارٌ وأثقال، فلهذا تفرد بمخاطبة النبي -ﷺ- في ذلك دون إبراهيم ﵇ (^٢).
وقد حاول ابن حجر الجمع بين الروايات فقال: "إن موسى كان في حالة العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة، على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة فأُصعد معه إلى السابعة، تفضيلًا له على غيره من أجل كلام الله تعالى" (^٣).
وبنحو هذا الجمع قال النووي (^٤)، وهو جمع محتمل لكنه يفتقر إلى دليل، والله أعلم.
ثامنًا: قوله بعد ذكر السماء السابعة: (ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى).
قال ابن حجر: "كذا وقع في رواية شريك، وهو مما خالف فيه غيره، فإن الجمهور على أن سدرة المنتهى في السابعة (^٥)، وعند بعضهم في السادسة (^٦) " (^٧).
_________________
(١) انظر: فتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٩)، وفتح الباري لابن حجر (١٣/ ٤٨٢).
(٢) انظر: فتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٩).
(٣) فتح الباري (١٣/ ٤٨٢).
(٤) انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٧٦).
(٥) كما يدل على ذلك باقي روايات الإسراء، وانظر: عارضة الأحوذي (١٢/ ١١٩)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٥)، وإكمال إكمال المعلم (١/ ٥٣٧)، وفتح الباري (٧/ ٢١٣).
(٦) لِما ثبت عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: "لما أسري برسول الله -ﷺ- انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة" أخرجه مسلم (٣/ ٥) ح (١٧٣).
(٧) فتح الباري (١٣/ ٤٨٣)، وانظر: (١٣/ ٤٨٥)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٨).
[ ٥١٤ ]
ثم قال محاولًا الجمع: "لعل في السياق تقديمًا وتأخيرًا، وكان ذكر سدرة المنتهى قبل، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله ويحتمل أن يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلو البالغ لسدرة المنتهى: صفة أعلاها، وما تقدم صفة أصلها" (^١).
تاسعًا: قوله: (ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى).
استنكرت هذه اللفظة على شريك، إذ لم يذكرها غيره ممن روى الحديث، حتى قال الخطابي: "ليس في هذا الكتاب حديث أشنع ظاهرًا وأبشع مذاقًا من هذا الحديث"، ثم قال معللًا ذلك: "إن هذا يوجب تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي يعلو من فوق إلى أسفل"، وقال: "حاصل الأمر في التدلي وإطلاق اللفظ به على الوجه الذي تضمنه الخبر: أنه رأي: إما أنس بن مالك، وإما رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ، إذا رواها من حيث لا يتابعه عليها سائر الرواة، وأيهما صح هذا القول عنه وأضيف إليه، فقد خالفه فيه عامة السلف المتقدمين والعلماء، وأهل التفسير منهم ومن المتأخرين ولم يثبت في شيء مما رُوي عن السلف أن التدلي مضاف إلى الله سبحانه، جل ربنا عن صفات المخلوقين، ونعوت المربوبين المحدودين، وقد رُوي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك بن عبد الله، فلم تذكر فيه هذه الألفاظ البشعة، فكان ذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من قبل شريك، والله أعلم" (^٢).
_________________
(١) الفتح (١٣/ ٤٨٣).
(٢) أعلام الحديث (٤/ ٢٣٥٢ - ٢٣٥٤)، وانظر: كشف المشكل (٣/ ٢١٢)، وفتح الباري (١٣/ ٤٨٣ - ٤٨٤)، وقد تعقب الشيخ عبدُ الله الغنيمان الخطابيّ في كلامه هذا. [انظر: شرح كتاب التوحيد (٢/ ٤٥٦ - ٤٦٠)].
[ ٥١٥ ]
وممن استنكر هذه اللفظة أيضًا ابن حزم (^١) وهو ظاهر كلام ابن رجب، فإنه لما ذكر هذا الجزء من الحديث قال: "قد تفرد شريك بهذه الألفاظ في هذا الحديث، وهي مما أنكرت عليه فيه" (^٢).
ويلاحظ أن منطلق الخطابي في استنكار هذه اللفظة: اعتقاده أن فيها تشبيهًا للخالق بالمخلوق، ولا ريب أن هذا منطلق فاسد، لا يجوز أن ترد بمثله الأحاديث الصحيحة، فإن هذا شأن أهل التعطيل الذين يردون النصوص الثابتة أو يؤولونها لمجرد توهم التشبيه.
والحق الذي لا يجوز العدول عنه: ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات ما تضمنته النصوص الصحيحة من الصفات لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تأويل.
وقد ذهب بعض السلف إلى القول: بما تضمنه هذا الحديث من إثبات صفة الدنو والتدلي لله تعالى، وممن ذهب إلى هذا ابن خزيمة (^٣) وابن القيم وابن أبي العز (^٤) ومحمد خليل هراس (^٥):
قال ابن القيم: "فأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتدليه" (^٦).
وأما ابن كثير فقد أثبت ذلك في كتابه الفصول، حيث قال: "ودنا الجبار، رب العزة فتدلى، كما يشاء على ما ورد في الحديث" (^٧).
وأما في كتابه البداية والنهاية فقد جوَّز أن يكون ذلك من فهم الراوي، فقال: "فأما قول شريك عن أنس في حديث الإسراء: (ثم دنا
_________________
(١) انظر: كشف المشكل (٣/ ٢١٢)، وفتح الباري (١٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥).
(٢) فتح الباري (٢/ ٣١٨).
(٣) انظر: التوحيد (٢/ ٥٢١).
(٤) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢٧٦).
(٥) انظر: تعليقه على كتاب التوحيد لابن خزيمة (١٤٠، ٢١٣).
(٦) زاد المعاد (٣/ ٣٨)، وانظر: نونيته بشرح ابن عيسى (١/ ٤٠٨، ٤١٠).
(٧) الفصول في سيرة الرسول -ﷺ- (٢٦٧).
[ ٥١٦ ]
الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى)، فقد يكون من فهم الراوي، فأقحمه في الحديث، والله أعلم" (^١).
وجدير بالتنبيه هنا أن هؤلاء -عدا ابن خزيمة- يقولون: إن الدنو والتدلي المذكور في قصة الإسراء هو غير الدنو والتدلي الوارد في سورة النجم، فإن المراد به في سورة النجم جبريل ﵇.
قال ابن القيم: "وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٨]، فهو غير الدنو والتدلي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه، كما قالت عائشة (^٢) وابن مسعود (^٣)، والسياق يدل عليه، فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٥]، وهو جبريل ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٦ - ٨]، فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلِّم الشديد القوى، وهو ذو المرَّة، أي: القوة، وهو الذي استوى بالأفق الأعلى، وهو الذي دنى فتدلى، فكان من محمد -ﷺ- قدر قوسين أو أدنى، فأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتدليه، ولا تَعَرُّض في سورة النجم لذلك، بل فيها أنه رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمد على صورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، والله أعلم" (^٤).
وقال ابن كثير بعد ذكره لآية النجم: "الصحيح من قول المفسرين، بل المقطوع به: أن المتدلي في هذه الآية هو جبريل ﵇، كما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة -﵂-: أنها سألت رسول الله -ﷺ- عن ذلك فقال: (ذاك جبريل) (^٥)، فقد قطع هذا الحديث النزاع، وأزاح الإشكال" (^٦).
_________________
(١) البداية والنهاية (٣/ ١١٠).
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ١١٨١) ح (٣٠٦٣)، ومسلم (٣/ ١٤) ح (١٧٧).
(٣) أخرجه البخاري (٣/ ١١٨١) ح (٣٠٦٠)، ومسلم (٣/ ٦) ح (١٧٤).
(٤) زاد المعاد (٣/ ٣٨)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢٧٦).
(٥) أخرجه البخاري (٤/ ١٨٤٠) ح (٤٥٧٤) لكن بدون هذا اللفظ، وأخرجه مسلم واللفظ له (٣/ ١٠) ح (١٧٧).
(٦) الفصول (٢٧٢)، وانظر: البداية والنهاية (٣/ ١١٠).
[ ٥١٧ ]
ولا ريب في اتصاف الله تعالى بصفة الدنو الذي هو بمعنى: القرب، فإن هذه الصفة ثابتة لله تعالى في غير هذا الحديث، كما في صحيح مسلم من حديث عائشة -﵂-: أن رسول الله -ﷺ- قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟) (^١).
وعلى إثبات هذه الصفة لله تعالى معتقد أهل السنة والجماعة.
قال ابن تيمية: "وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر" (^٢).
وأما ما يتعلق بصفة التدلي فليس فيها -فيما وقفت عليه بعد البحث- إلا رواية شريك هذه، ولذا فإني أتوقف فيها، لا سيما وقد روى هذا الحديث أئمة أثبات، هم أوثق من شريك وأحفظ، كقتادة وثابت والزهري، ولم يذكروا هذه اللفظة فيه، مع أن إثباتها يدل على عظيم المنزلة ورفعة الدرجة للنبي -ﷺ- عند ربه، فالظن أنهم لا يغفلونها وهي بهذه المنزلة، بل سيكونون على نقلها وإثباتها أشد حرصًا، خاصة وأنهم نقلوا تفاصيل وقعت في الإسراء هي أقل شأنًا منها، والله أعلم.
عاشرًا: قوله: (فعلا به إلى الجبار فقال، وهو مكانه: يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا).
قال الخطابي: "وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرد بها شريك لم يذكرها غيره، وهي: قوله: (فقال وهو مكانه)، والمكان لا يضاف إلى الله
_________________
(١) صحيح مسلم (٩/ ١٢٥) ح (١٣٤٨)، وذكر ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٨٣) أنه جاء عند الطبري من حديث ميمون بن سياه عن أنس، في قصة الإسراء: "فدنا ربك ﷿، فكان قاب قوسين أو أدنى".
(٢) شرح حديث النزول (٣١٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٦٦).
[ ٥١٨ ]
سبحانه، إنما هو مكان النبي -ﷺ-، ومقامه الأول الذي أُقيم فيه" (^١).
والحق أنه لا وجه لاستشكال هذه اللفظة، لأن الضمير في قوله: (وهو مكانه) عائد إلى النبي -ﷺ-، أي: وهو في مكانه الذي أوحى الله إليه فيه قبل نزوله إلى موسى ﵇ (^٢) وما ذكره الخطابي ليس في السياق ما يدل عليه.
قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على كلام الخطابي: "وهذا الأخير متعين، وليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى" (^٣).
وأما قول الخطابي: "والمكان لا يضاف إلى الله سبحانه" فهذا الإطلاق فيه نظر، لأن إجماع السلف منعقد على ما دلَّ عليه الكتاب والسنة من أن الله تعالى على عرشه فوق سماواته، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، لكن لفظ المكان يتوقف في إطلاقه على الله تعالى لعدم ورود النص به (^٤).
قال الشيخ عبد الله الغنيمان تعليقًا على قول الخطابي في الإشكال المتقدم: "إن هذا يوجب تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما" قال: "مفهوم هذا القول من الخطابي: أنه لا تمييز بين مكان الخالق والمخلوق، ولا مسافة، ولا تحديد، وهذا لا يعدو أمرين لا ثالث لهما:
إما أن يكون الرب تعالى حالًا في الخلق، ومداخلًا لهم، فهو في كل
_________________
(١) أعلام الحديث (٤/ ٢٣٥٥)، وانظر: كشف المشكل (٣/ ٢١٢)، وفتح الباري (١٣/ ٤٨٤)، و(١٣/ ٤٨٥).
(٢) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (٢/ ٤٦١).
(٣) الفتح (١٣/ ٤٨٤).
(٤) ينبه هنا إلى أن الإمام الدارمي ﵀، قد أطلق لفظ المكان على الله تعالى، مفسرًا ذلك بما دلت عليه النصوص من أنه سبحانه على عرشه فوق سماواته، ويلاحظ أنه قال ذلك في مقام الرد على المنكرين لعلو الله تعالى وفوقيته واستوائه على عرشه. [انظر: نقضه على المريسي (١/ ٢٢٣ - ٢٢٨، ٤٩٣)].
[ ٥١٩ ]
مكان، لا يختص به مكان دون آخر، حتى أجواف الحيوانات والناس والأمكنة الخبيثة، وهذا مذهب الحلولية الذين هم من أضل خلق الله، وأبعدهم عن معرفة الله، والتمييز بينه وبين خلقه، وهذا غاية الكفر ومنتهاه.
الثاني: أنه لا مكان لله أصلًا، ومن ليس له مكان -بمعنى: أنه ليس في جهة- فهو عدم لا وجود له، والعدم هو إله المعطلة والملاحدة" (^١).
الحادي عشر: قوله: (فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات)، ففي هذه الرواية أن التخفيف للصلوات أثناء المراجعة كان عشرًا عشرًا، وقد عدَّ الحافظ ابن حجر هذا من مخالفات شريك، لأن مقتضى رواية ثابت عن أنس أن التخفيف كان خمسًا خمسًا (^٢).
والحق أن شريكًا لم يتفرد بهذا، فقد تابعه عليه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، كما تقدم.
وقد رجح ابن الجوزي هذه الرواية، أي: كون التخفيف عشرًا عشرًا لاتفاق البخاري ومسلم عليها من حديث أنس عن مالك بن صعصعة، ومن حديث أنس نفسه، بخلاف رواية التخفيف خمسًا خمسًا فإنها من أفراد مسلم، وقال عنها: إنها غلط من الراوي، وتابعه على هذا السفاريني (^٣).
أما ابن حجر فقد رجح رواية ثابت البناني في كون التخفيف كان
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد (٢/ ٤٨٥)، وانظر: (١/ ٣٦٤ - ٣٦٦).
(٢) انظر: الفتح (١٣/ ٤٨٥).
(٣) انظر: لوامع الأنوار (٢/ ٢٨٤)، والسفاريني هو: محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي عالم بالحديث والأصول والأدب ولد ونشأ في سفارين من قرى نابلس، ثم رحل إلى دمشق لطلب العلم فأخذ عن علمائها ثم رجع إلى بلده نابلس فدرس وأفتى وأفاد حتى توفي ﵀ سنة (١١٨٨ هـ)، وله مؤلفات عدة أشهرها: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية. [انظر: الأعلام (٦/ ١٤)، ومعجم المؤلفين (٣٦٥)، وآخر الجزء الأول من لوامع الأنوار فيه ترجمة مطولة له].
[ ٥٢٠ ]
خمسًا خمسًا، فقال: "وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة معتمدة، يتعين حمل باقي الروايات عليها" (^١)، وبناءً على هذا، فهو يرى أن عدد مرات المراجعة كانت تسعًا (^٢).
ولكن يشكل على هذا الترجيح أن كون التخفيف خمسًا خمسًا لا يصح جعله زيادة، لأن التخفيف جاء ذكره في باقي الروايات، لكن ليس على هذه الصفة، فالحق أن هذا يعتبر مخالفة لا زيادة، لأنه لا يمكن القول: بكلا الروايتين، فإحداهما تخالف الأخرى، وليسن لزيادة عدد مرات المراجعة أثر في جعل هذه الرواية زيادة يجب قبولها، لكونها أكثر تفصيلًا لأن قبولها يعني: طرح رواية العشر، مع أنها متفق على صحتها.
ومما قد يرجح رواية العشر: أنها استوعبت ذكر مرات المراجعة كلها، مما يدل على أن الراوي قد ضبط روايته، وإليك نص هذه الرواية: قال -ﷺ-: (ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بمَ أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم).
وهذا بخلاف رواية الخمس فإنه لم يُذكر فيها من مرات المراجعة إلا واحدةً، ثم اختصر الباقي بقوله: (فلم أزل أرجع بين ربي ﵎
_________________
(١) الفتح (١/ ٤٦٢).
(٢) انظر: الفتح (١٣/ ٤٨٥، ٤٨٦).
[ ٥٢١ ]
وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة).
الثاني عشر: قوله: (فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل -قومي- على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي -ﷺ- إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: (يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا»، ففي هذه الرواية: رجوع النبي -ﷺ- بعد استقرار الفرض على خمس صلوات، لطلب التخفيف، وهو مما انفرد به شريك، لأن المحفوظ -كما في الروايات الأخرى- أن النبي -ﷺ- امتنع عن الرجوع، وقال لموسى ﵇ عندما حثه على الرجوع بعد الخمس: (قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه).
ولذا فقد أنكر الداودي هذا الرجوع فقال: "هذا الرجوع الأخير ليس بثابت، والذي في الروايات أن قال: (استحييت من ربي) " (^١).
وقال قوَّام السنة الأصبهاني: "الصحيح أنه لم يرجع بعد ذلك" (^٢).
الخلاصة:
أن حديث أنس -﵁- في الإسراء جاء من أربعة طرق:
١ - طريق قتادة.
٢ - وطريق ثابت البناني.
٣ - وطريق الزهري.
٤ - وطريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر.
_________________
(١) الفتح (١٣/ ٤٨٦)، وانظر: (١٣/ ٤٨٥)، والحجة في بيان المحجة (١/ ٥٣٦ - ٥٣٧).
(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٤٢).
[ ٥٢٢ ]
وقد انتقد أهل العلم طريق شريك، لاشتماله على عدد من الإشكالات والمخالفات، والتي ليست عند غيره ممن روى الحديث عن أنس -﵁-.
وقد تتبع الحافظ ابن حجر هذه الإشكالات، وحاول الإجابة على أغلبها، ثم قال بعد ذلك: "فهذه أكثر من عشرة مواضع في هذا الحديث، لم أرها مجموعة في كلام أحد ممن تقدم، وقد بينت في كل واحد إشكال من استشكله، والجواب عنه إن أمكن" (^١).
ويمكن تقسيم هذه الإشكالات -بناءً على ما تقدم- إلى قسمين:
القسم الأول: ما لم يتفرد به شريك، أو تفرد به، لكنه ليس بمشكل أصلًا:
فالأول: كحادثة شق الصدر، حيث وافقه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، والزهري عن أنس عن أبي ذر، وليس في هذه الحادثة ما يُستشكل، وقد أبعد من عدَّها مخالفة.
وكذا ما جاء في روايته من أن تخفيف الصلوات كان عشرًا عشرًا، حيث وافقه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، وحديثه في الصحيحين، بخلاف رواية الخمس فإنها من أفراد مسلم، وتقدم أن الأظهر ما جاء في رواية قتادة وشريك، والله أعلم.
وأما الثاني: وهو ما تفرد به شريك، وليس فيه ما يُستشكل: فهو قوله: (فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه )، فقوله: (وهو مكانه) ليس فيها ما يُشكل، لأن الضمير فيه عائد إلى النبي -ﷺ-، وهذا ظاهر.
القسم الثاني: ما تفرد به شريك وهو مشكل فعلًا، بحيث لا يمكن القول بموجبه، لأنه خطأ ظاهر، كمخالفته غيرَه في أماكن الأنبياء، ورجوع النبي -ﷺ- إلى ربه بعد أن استقر الفرض على خمس صلوات لطلب التخفيف، لأن المحفوظ في سائر الروايات أنه امتنع عن الرجوع حياءً من
_________________
(١) الفتح (١٣/ ٤٨٦).
[ ٥٢٣ ]
ربه، وكذا ما ورد في روايته من أن نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمحفوظ أنه في الجنة
وأغلب هذه الإشكالات قد أُجيب عنها، بمحاولة الجمع بينها وبين الروايات الأخرى، إلا أن في بعض هذه الإجابات بُعْدٌ واضح، لا يستقيم مع ظاهر الحديث.
وهذا يؤكد ما قاله الحافظ ابن حجر -ملخصًا القول في رواية شريك-: "في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة" (^١).
وقال الألباني: "القلب لا يطمئن للاستفادة من حديثه، إلا فيما توبع عليه، وهو قليل جدًا، وقد حسَّن الحافظ بعضها، والله أعلم" (^٢).
* * *
_________________
(١) هدي الساري (٤١٠)، وانظر: الفتح (١٣/ ٤٨٥).
(٢) الإسراء والمعراج له (٣٦).
[ ٥٢٤ ]
المبحث السادس: لطم موسى ﵇ لملك الموت
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٥٢٥ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
جاء هذا الحديث عن أبي هريرة -في الصحيحين- من طريقين:
الأول: طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعًا، ولفظه:
حدثنا أبو هريرة -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله -ﷺ-: (جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال له: أجب ربك، قال: فلطم (^١) موسى ﵇ عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياةَ تريد، فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن (^٢) ثور فما توارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه (^٣)؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، ربِّ أمتني من الأرض المقدسة رميةً بحجر) (^٤)، قال رسول الله -ﷺ-: (والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق (^٥) عند الكثيب (^٦)
_________________
(١) أي: ضرب وجهه بيده مبسوطة [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٣٢٦، ١٤٦)، والمجموع المغيث (٢/ ٢٨٠)، و(٣/ ١٣٠)، وكشف المشكل (٣/ ٤٤٣)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ١٣٧)].
(٢) أي: ظهر. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٢٥)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ١٣٧)، والفتح (٦/ ٤٤٢)].
(٣) أي: ثم ماذا؟ كما في الرواية الثانية [انظر: شرح النووي (١٥/ ١٣٧)، والمفهم (٦/ ٢٢٢)].
(٤) أي: "أدنني إليها حتى يكون بيني وبينها هذا القدر" قاله الحافظ في الفتح (٣/ ٢٠٧).
(٥) أي: طريق بيت المقدس. [انظر: المفهم (٦/ ٢٢٢)].
(٦) هو: ما اجتمع من الرمل وارتفع. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١٩٤)، =
[ ٥٢٦ ]
الأحمر)، متفق عليه (^١).
والثاني: طريق طاوس عن أبي هريرة موقوفًا، ولفظه:
عن أبي هريرة -﵁- قال: أُرسِل ملك الموت إلى موسى ﵇، فلما جاءه صكَّهُ (^٢)، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله عليه عينه وقال: ارجع فقل له: يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رميةً بحجر. قال: قال رسول الله -ﷺ-: (فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر)، متفق عليه (^٣).
بيان وجه الإشكال
استشكل هذا الحديث من حيث إن موسى ﵇ قد لطم ملك الموت، إذ كيف يجوز أن يفعل نبي الله هذا الصنيع بملَكٍ من ملائكة الله، جاءه بأمر من أمره، فيستعصي عليه ولا يأتمر له؟ ! ثم كيف يخالف الملَك أمر ربه فيعود إليه دون أن ينفذ أمره بقبض روح موسى ﵇؟ !
وقد عنون ابن حبان لهذا الحديث بقوله: "ذكر خبر شَنَّع به على منتحلي سنن المصطفى -ﷺ- مَن حُرم التوفيق لإدراك معناه" (^٤).
_________________
(١) = وكشف المشكل (٣/ ٤٤٣)، والفتح (٦/ ٤٤٢)].
(٢) البخاري: كتاب: الأنبياء، باب: وفاة موسى وذكره بعدُ (٣/ ١٢٥٠) ح (٣٢٢٦) ذكر سنده بعد الحديث الموقوف، ولم يذكر متنه. ومسلم واللفظ له: كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى -ﷺ- (١٥/ ١٣٦) ح (٢٣٧٢).
(٣) أي: لطمه كما في الرواية السابقة.
(٤) البخاري في موضعين: في كتاب: الجنائز، باب: من أحب الدفن في الأراضي المقدسة أو نحوها (١/ ٤٤٩) ح (١٢٧٤)، وفي كتاب: الأنبياء، باب: وفاة موسى وذكره بعدُ (٣/ ١٢٥٠) ح (٣٢٢٦). ومسلم: كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى -﵇- (١٥/ ١٣٦) ح (٢٣٧٢).
(٥) صحيح ابن حبان (١٤/ ١١٢)، وانظر: أعلام الحديث (١/ ٦٩٦)، والمعلم (٣/ ١٣٢)، وكشف المشكل (٣/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، والمفهم (٦/ ٢٢٠).
[ ٥٢٧ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في هذا الحديث على عدة أقوال:
القول الأول: أن ملك الموت قد أتى موسى ﵇ في صورة بشرية، ولم يعرفه موسى ﵇، فلطمه، لأنه رآه آدميًا قد دخل داره بغير إذنه يريد نفسه، فدافع موسى ﵇ عن نفسه مدافعة أدَّت إلى فقء عين ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذنه.
وقالوا: إن مجيء الملك على صورة البشر، وعدم معرفة موسى له: له نظائر، فقد جاءت الملائكة إلى غير واحد من الأنبياء على صورة البشر، دون أن يعرفوا أنهم ملائكة، كما جاءت إلى إبراهيم وإلى لوط وإلى نبينا محمد عليهم الصلاة والسلام.
وإلى هذا ذهب ابن خزيمة (^١)، وابن حبان، والخطابي (^٢)، والبغوي (^٣)، والمازري (^٤)، والقاضي عياض (^٥)، وابن الجوزي (^٦)، وابن
_________________
(١) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٣٢٢)، وإكمال المعلم (٧/ ٣٥٣)، والمفهم (٦/ ٢٢١)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ١٣٨)، وفتح الباري (٦/ ٤٤٢).
(٢) انظر: أعلام الحديث (١/ ٦٩٨ - ٧٠٠)، وقد نقل كلامه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٤٥٠ - ٤٥٢)، ولم ينقل غيره، ومثله البغوي في شرح السنة (١٠/ ٢٦٦ - ٢٦٨).
(٣) انظر: شرح السنة (١٠/ ٢٦٦ - ٢٦٨).
(٤) انظر: المعلم (٣/ ١٣٣).
(٥) انظر: إكمال المعلم (٧/ ٣٥٣).
(٦) انظر: كشف المشكل (٣/ ٤٤٤).
[ ٥٢٨ ]
كثير (^١)، وابن الوزير (^٢)، والقسطلاني (^٣)، والمعلمي (^٤)، واستحسنه القرطبي (^٥).
قال ابن حبان: "كان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى ﵇ عليها، وكان موسى غيورًا، فرأى في داره رجلًا لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي يتصور بها، لا الصورة التي خلقه الله عليها ولمَّا كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل دارَه بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته بغير أمره، من غير جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه، للأخبار الجمة الواردة فيه كان جائزًا اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمَّن فقأ عين الداخل دارَه بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحًا له، ولا حرج عليه في فعله، فلما رجع ملك الموت إلى ربه، وأخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيًا بأمر آخر، أمر اختبار وابتلاء فلما علم موسى كليم الله صلى الله على نبينا وعليه أنه ملك الموت، وأنه جاءه بالرسالة من عند الله، طابت نفسه بالموت، ولم يستمهل، وقال: الآن.
فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به" (^٦).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١/ ٢٩٦).
(٢) انظر: العواصم والقواصم (٨/ ٣٦٩ - ٣٧٠)، والروض الباسم (٢/ ٤٧٧).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٣/ ٤٢٥)، والقسطلاني هو: الإمام أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك القسطلاني الأصل المصري الشافعي، ولد ونشأ بمصر كان من علماء الحديث، توفي ﵀ سنة (٩٢٣ هـ) له عدة مؤلفات من أشهرها وأهمها: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. [انظر: شذرات الذهب (٨/ ١٢١)، والبدر الطالع (١/ ١٠٢)، والأعلام (١/ ٢٣٢)]
(٤) انظر: الأنوار الكاشفة (٢١٩ - ٢٢٠).
(٥) انظر: المفهم (٧/ ٢٢١).
(٦) صحيح ابن حبان (١٤/ ١١٥ - ١١٦).
[ ٥٢٩ ]
وقال المازري: فإن قيل: "فقد رجع إليه ثانية واستسلم موسى إليه، فدلَّ على معرفته به، قلنا: قد يكون أتاه في الثانية بآية وعلامة علم بها أنه ملك الموت، وأنه من قِبَل الله ﷿، فاستسلم لأمر الله، ولم يأته أولًا بآية يعرفه بها، فكان منه ما كان" (^١).
القول الثاني: أن ملك الموت قد تصوَّر لموسى ﵇ بصورة بشر -وهي صورة تمثيل وتخييل- وقد لطمه موسى وأذهب عينه التي هي تمثيل وتخييل، لا حقيقة، ثم أعاده الله إلى خلقته الحقيقية، وهذا معنى قوله: (فرد الله عليه عينه).
وإلى هذا ذهب ابن قتيبة وغيره (^٢).
قال ابن قتيبة: "قد جعل الله سبحانه للملائكة من الاستطاعة أن تتمثل في صور مختلفة، وأتى رسولَ الله -ﷺ- جبريلُ ﵇ في صورة دحية الكلبي، وفي صورة أعرابي، ورآه مرة قد سد بجناحيه ما بين الأفقين.: وليس ما تنتقل إليه من هذه الأمثلة على الحقائق، إنما هي تمثيل وتخييل، لتلحقها بالأبصار، وحقائق خلقها أنها أرواح لطيفة
ولما مَثَلَ ملك الموت لموسى ﵇وهذا ملك الله، وهذا نبي الله- وجاذبه، لطمه موسى لطمةً أذهبت العين التي هي تمثيل وتخييل، وليست حقيقة، وعاد ملك الموت ﵇ إلى حقيقة خلقته الروحانية كما كان، لم ينتقص منه شيء" (^٣).
القول الثالث: أن موسى ﵇ قد أُذن له بهذا الفعل -اللطمة- ابتلاءً وامتحانًا لملك الموت.
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٣٣).
(٢) انظر: مشكل الحديث لابن فورك (٣٣٤)، والحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، والمعلم (٣/ ١٣٢)، والمجموع المغيث (٢/ ٦٢٩)، والمفهم (٦/ ٢٢١).
(٣) تأويل مختلف الحديث (٢٥٧ - ٢٥٨)، وانظر: الفتح (٦/ ٤٤٣).
[ ٥٣٠ ]
جوَّز هذا ابن فورك (^١)، وابن عقيل (^٢)، والنووي (^٣)، واستحسنه المازري (^٤).
قال ابن عقيل: "يجوز أن يكون قد أُذن له في ذلك الفعل، وابتلي ملك الموت بالصبر عليه، كقصة الخضر مع موسى" (^٥)، حيث أُمر بالصبر على ما يصنع الخضر.
القول الرابع: أن هذا على طريق التوسع والتجوّز في الكلام، والمراد به: أن موسى ﵇ ناظره فغلبه في الحجة، فقوله: (فقأ عينه) أي: أبطل حجته.
ذكر هذا ابن فورك ومال إليه (^٦).
القول الخامس: أن موسى لطم ملك الموت وهو يعرفه، وفعل ذلك لأن ملك الموت جاء لقبض روحه من قبل أن يخيره، وكان من علم موسى أن الأنبياء لا تُقبض حتى تُخيَّر.
وإلى هذا ذهب القرطبي، حيث قال: "قد أظهر لي ذو الطَوْل
_________________
(١) انظر: مشكل الحديث (٤٣٤).
(٢) هو العلامة البحر شيخ الحنابلة أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي المتكلم، صاحب التصانيف، كان يتوقد ذكاءً، وكان صاحب معارف وفضائل، إلا أنه انحرف عن السنة ووافق المعتزلة في عدة بدع، من أشهر مصنفاته: كتاب الفنون، توفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة (٥١٣). [انظر: طبقات الحنابلة (٣/ ٤٨٢)، والسير (١٩/ ٤٤٣)، والعبر (٢/ ٤٠٠)، وشذرات الذهب (٤/ ٣٥)].
(٣) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (٦/ ٤٤٢).
(٤) انظر: المعلم (٣/ ١٣٣).
(٥) نقل ذلك عنه ابن الجوزي في كشف المشكل (٣/ ٤٤٤)، وابن حجر في فتح الباري (٦/ ٤٤٣)، وانظر: المفهم (٦/ ٢٢١).
(٦) انظر: مشكل الحديث (٤٣٤)، والمعلم (٣/ ١٣٢ - ١٣٣)، والمفهم (٦/ ٢٢١)، والفتح (٦/ ٤٤٢).
[ ٥٣١ ]
والإفضال وجهًا حسنًا يحسم مادة الإشكال، وهو أن موسى عرف ملك الموت، وأنه جاء لقبض روحه، لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أُمر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نصَّ عليه نبينا -ﷺ- من أن الله تعالى (لا يقبض روح نبيٍّ حتى يخيره) (^١)، فلما جاءه على غير الوجه الذي أُعلم به، بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدب ملك الموت، فلطمه فانفقأت عينه، امتحانًا لملك الموت، إذ لم يُصرِّح له بالتخيير، ومما يدل على صحة هذا: أنه لما رجع إليه ملك الموت، فخيَّره بين الحياة والموت، اختار الموت واستسلم" (^٢).
* * *
_________________
(١) متفق عليه من حديث عائشة: البخاري (٤/ ١٦١٢ - ١٦١٣) ح (٤١٧١، ٤١٧٢)، ومسلم (١٥/ ٢١٧ - ٢١٨) ح (٢٤٤٤).
(٢) المفهم (٦/ ٢٢١).
[ ٥٣٢ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يجب في مثل هذه النصوص الصحيحة: الإيمان بها كما جاءت، وعدم ردها أو تأويلها بما يخرجها عن ظاهرها، لمجرد استشكالها، فمن ظهر له المعنى فذاك، وإلا فليتهم عقله وفهمه.
وقد سُئل أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه عن هذا الحديث في جملة من أحاديث الصفات فقال أحمد: "كل هذا صحيح" وقال إسحاق: "هذا صحيح ولا يدفعه إلا مبتدع، أو ضعيف الرأي" (^١).
وقال الحافظ عبد الغني المقدسي (^٢): "ونؤمن بأن ملك الموت أُرسل إلى موسى ﵇ فصكَّه ففقأ عينه، كما صح عن رسول الله -ﷺ-، لا ينكره إلا ضال مبتدع، راد على الله ورسوله" (^٣).
وأقرب الأقوال مما تقدم -والله تعالى أعلم بالصواب- القول الأول، وهو: أن موسى حينما لطم ملك الموت ففقأ عينه، لم يكن يعرف أنه ملك
_________________
(١) رواه الآجري في الشريعة (٣/ ١١٢٧) ح (٦٩٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٤٧ - ١٤٨).
(٢) هو تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الحنبلي، إمام عالم حافظ صادق عابد أثري متبع، وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم، له مصنفات عديدة منها: الاقتصاد في الاعتقاد، وذم الرياء، وفضائل الحج، توفي سنة ستمائة (٦٠٠). [انظر: السير (٢١/ ٤٤٣)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٧٢)، وشذرات الذهب (٤/ ٣٤٥)].
(٣) عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (٩٥).
[ ٥٣٣ ]
الموت، وإنما ظنه شخصًا معتديًا، وقد دخل داره بغير إذنه "وقد عُرف من خُلق موسى وخَلقه: الشدة، والأخذ بالأقوى، فقد دفع القبطي عن الإسرائيلي، فوكزه فقضى عليه، ولما رأى عبادة قومه للعجل في غيابه أخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه، وأخوه يسترحمه بقوله: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [طه: ٩٤]، وألقى الألواح حتى انكسرت" (^١)، وهكذا هنا حينما لطم وجه ملك الموت لظنه شخصًا معتديًا، ولما عرف في المرة الثانية أنه ملك الموت، سلَّم الأمر لله، وطلب قربه من الأرض المقدسة.
ومما يؤيد هذا ما يلي:
١ - سياق الحديث، فإنه يدل على أن موسى ﵇ حين لطم ملك الموت لم يكن يعرفه، وذلك أنه لما جاءه في المرة الثانية وعرف أنه رسول من عند الله لم يصنع به ما صنع في المرة الأولى، بل سلَّم الأمر واختار الموت، ولو كان قد عرفه في المرة الأولى لصنع به في المرة الثانية ما صنع في الأولى.
ولهذا يقول ابن حبان: "لو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به" (^٢).
٢ - وأما كون الملائكة يتمثلون بصور مختلفة، مما أقدرهم الله عليها، كصور الرجال مثلًا، فيراهم بعض الأنبياء فلا يعرفونهم، بل يظنونهم من بني آدم: هذا مما ثبت في الكتاب والسنة، كما في قصة إبراهيم ﵇ مع أضيافه، فإنه لم يعرفهم ابتداءً، حتى إنه أوجس منهم خيفة.
ومثله لوط ﵇، فإنه لو عرف الملائكة حين أتوه في صورة آدميين لما خاف عليهم من قومه.
_________________
(١) مقتبس من كتاب ظلمات أبي رية (٢٢٠ - ٢٢١)، وانظر: أعلام الحديث (١/ ٦٩٨).
(٢) صحيح ابن حبان (١٤/ ١١٦).
[ ٥٣٤ ]
وقد قال تعالى عن مريم: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ [مريم: ١٧، ١٨].
وفي السنة ما يدل على هذا أيضًا، كما في حديث جبريل المشهور حين أتى إلى النبي -ﷺ- في صورة رجل، فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان (^١)، فإن النبي -ﷺ- لم يعرفه في أول الأمر.
٣ - أنه قد جاء في شريعتنا جواز فقء عين الناظر دارًا بغير إذن صاحبها، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه) (^٢)، فما المانع أن يكون ذلك كذلك في شريعة موسى ﵇ - فمن المعلوم أن الشرائع تتفق في بعض الأحكام (^٣) - لا سيما وأن موسى ﵇ لم يُلَم على هذا الفعل، مع أن الأنبياء لا يُقَرُّون على خطأ (^٤)، وقد ردَّ الله تعالى لملك الموت عينه؟ .
قال ابن حجر: "وقيل: على ظاهره، ورد الله إلى ملك الموت عينه البشرية، ليرجع إلى موسى على كمال الصورة فيكون ذلك أقوى في اعتباره، وهذا هو المعتمد" (^٥).
وقال الخطابي -مقررًا هذا القول-: "لما دنا حينُ وفاته -وهو بشر يكره الموت طبعًا ويجد ألمه حسًا- لطُفَ له -أي الله- بأن لم يفاجئه
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة: البخاري (١/ ٢٧) ح (٥٠)، ومسلم (١/ ٢٧٥) ح (٩)، وأخرجه مسلم أيضا من حديث عمر بن الخطاب -﵁- (١/ ٢٦٨) ح (٨).
(٢) صحيح مسلم (١٤/ ٣٨٦) ح (٢١٥٨)، وانظر: صحيح البخاري (٦/ ٢٥٣٠ - ٢٥٣١).
(٣) انظر: صحيح ابن حبان (١٤/ ١١٥)، وأعلام الحديث (١/ ٦٩٩)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٣٢٣)، وشرح السنة (٥/ ٢٦٧).
(٤) انظر: ص (٤٢١) من هذا البحث.
(٥) الفتح (٦/ ٤٤٣).
[ ٥٣٥ ]
بغتة، ولم يَأمر الملك الموكل به أن يأخذه قهرًا وقسرًا، لكن أرسله إليه منذرًا بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر فلما نظر نبي الله موسى ﵇ إلى صورة بشرية هجمت عليه من غير إذن، يريد نفسه ويقصد هلاكه، وهو لا يُثبته معرفةً، ولا يستيقن أنه ملك الموت ورسول رب العالمين فيما يُراوده منه، عَمَدَ إلى دفعه عن نفسه بيده وبطشه، فكان ذلك ذهاب عينه، وقد امتُحن غير واحد من الأنبياء صلوات الله عليهم بدخول الملائكة عليهم في صورة البشر، كدخول الملكين على داود في صورة الخصمين لما أراد الله ﷿ من تعريفه إياه بذنبه، وتنبيهه على ما لم يرضه من فعله، وكدخولهم على إبراهيم ﵇ حين أرادوا إهلاك قوم لوط فقال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] وقال: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]، وكان نبينا -ﷺ- أول ما بُدئ بالوحي يأتيه الملك فيلتبس عليه أمره، ولما جاءه جبريل ﵇ في صورة رجل فسأله عن الإيمان لم يُثْبتْه، فلما انصرف عنه تبيَّن أمره فقال: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم) (^١)، فكذلك كان أمر موسى ﵇ فيما جرى من مُناوشته ملك الموت، وهو يراه بشرًا، فلما عاد الملك إلى ربه ﷿ مستثْبتًا أمره فيما جرى عليه، ردَّ الله ﷿ عليه عينه، وأعاده رسولًا إليه بالقول المذكور في الخبر، ليعلم نبي الله -ﷺ- إذا رأى صحة عينه المفقوءة وعودة بصره الذاهب أنه رسول الله بعثه لقبض روحه، فاستسلم حينئذٍ لأمره وطاب نفسًا بقضائه، وكل ذلك رفق من الله ﷿ به، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بدٌّ من لقائه والانقياد لمورد قضائه" (^٢).
فإن قيل: إذا كان أجل موسى ﵇ قد حضر، فكيف تأخر مدة هذه المراجعة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وقد تقدم تخريجه ص (٥٣٥).
(٢) أعلام الحديث (١/ ٦٩٨ - ٧٠٠) بتصرف يسير.
[ ٥٣٦ ]
يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]؟ وإن كان لم يحضر، فكيف جاء الملك لقبض روحه؟ (^١).
فالجواب: أن أجل موسى لم يكن قد حضر، فلم يُبعث إليه ملك الموت في المرة الأولى لكي يقبض روحه، وإنما بُعث إليه اختبارًا وابتلاءً، وليس أمرًا يريد الله ﷿ إمضاءه، وإنما هو كأمره خليله إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ابتلاءً وامتحانًا، فإنه ﷿ لم يُرد إمضاء الفعل، ولهذا لما عزم إبراهيم ﵇ على ذبح ابنه، وتلَّه للجبين، فداه الله بالذبح العظيم.
ولو أراد الله تعالى قبض روح موسى حين لطم ملك الموت لكان ما أراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠].
وبهذا أجاب ابن خزيمة (^٢) وابن حبان (^٣) والخطابي (^٤) والبغوي (^٥) وابن الجوزي (^٦) واستحسنه العراقي (^٧).
وخلاصة الجواب: أن أجل موسى قد كان قرب حضوره، ولم يبق منه إلا مقدار ما دار بينه وبين ملك الموت من المراجعتين، فأُمر بقبض روحه أولًا، مع سبق علم الله أن ذلك لا يقع إلا بعد المراجعة، والله أعلم (^٨).
_________________
(١) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٣٢٢)، وطرح التثريب (٣/ ٣٠٠).
(٢) انظر: طرح التثريب (٣/ ٣٠١)، والفتح (٦/ ٤٤٢).
(٣) انظر: صحيح ابن حبان (١٤/ ١١٤).
(٤) انظر: أعلام الحديث (١/ ٦٩٨).
(٥) انظر: شرح السنة (٥/ ٢٦٧).
(٦) انظر: كشف المشكل (٣/ ٤٤٥).
(٧) انظر: طرح التثريب (٣/ ٣٠١).
(٨) انظر: فتح الباري (٦/ ٤٤٣).
[ ٥٣٧ ]
مناقشة الأقوال المرجوحة:
أما القول الثاني وهو: أن العين التي فقأها موسى ﵇، إنما هي تمثيل وتخييل، لا عينًا حقيقة، لأن ما تنتقل الملائكة إليه من الصور ليس على الحقائق، وإنما هو تمثيل وتخييل، فالجواب عنه: أن هذا يقتضي أن كل صورة رآها الأنبياء من الملائكة فإنما هي مجرد تمثيل وتخييل لا حقيقة لها، وهذا باطل، فإن النبي -ﷺ- قد رأى جبريل ﵇ على صورته التي خلق عليها، سادًا عِظَمُ خَلْقِه ما بين السماء إلى الأرض، ففي الصحيحين من حديث عائشة، أنها سألته عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]، فقال: (إنما هو جبريل لم أرَه على صورته التي خُلِق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًا عِظَمُ خَلْقِه ما بين السماء إلى الأرض) (^١).
ولهذا قال القرطبي: هذا القول لا يُلتفت إليه لظهور فساده، فإنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له، وهو قول باطل بالنصوص المنقولة والأدلة المعقولة (^٢).
ثم إن هذا القول -أيضًا- لم يُزل الإشكال، لأنه يمكن أن يُقال: إذا كان قد علم أنه ملك، وأن ذلك تخييل، فلماذا يلطمه، ويقابله بهذه المقابلة؟ ! هذا مما لا يليق بالنبي (^٣).
وأما القول الثالث وهو: أن موسى قد أُذن له بهذا الفعل، ابتلاءً وامتحانًا لملك الموت، فالجواب عنه، أن يُقال: إن كان المراد بالإذن هنا: الإذن الكوني القدري، فهو صحيح، لكن ليس هذا جوابًا، لأن كل شيء يقع فهو بإذن الله تعالى الكوني القدري.
_________________
(١) البخاري (٤/ ١٨٤٠) ح (٤٥٧٤)، ومسلم واللفظ له (٣/ ١٠) ح (١٧٧).
(٢) انظر: المفهم (٦/ ٢٢١).
(٣) انظر: المعلم (٣/ ١٣٢).
[ ٥٣٨ ]
وإن كان المراد: الإذن الشرعي -وهو الأقرب- فهو محتمل لكنه يحتاج إلى دليل، والله أعلم.
وقد قال القرطبي عن هذا القول: "هذا ليس بجواب، فإنه إنما وقع الإشكال في صدور سبب هذا الامتحان من موسى، وكيف يجوز وقوع مثل هذا؟ " (^١).
وأما القول الرابع وهو: أن المراد بالحديث: أن موسى ﵇ ناظر ملك الموت فغلبه بالحجة، فقول باطل، لأنه مخالف لظاهر الحديث وما يقتضيه سياقه.
قال قِوَام السنة الأصبهاني: "هذا الحديث: حكم أهل الحفظ بصحته، وحمله أهل السنة على ظاهره، وأن ذلك الفعل كان من موسى ﵇، على الحقيقة"، إلى أن قال: "وقول من قال: معنى اللطمة: إلزام الحجة، غلط، لأن في الخبر أنه عرج إلى ربه فرد عليه عينه، ولا يكون هذا إلا في عين حقيقة، لأن التي ليست بحقيقة لا تحتاج إلى ردها.
وقوله: اللطمة: إلزام الحجة: لو كانت اللطمة إلزام الحجة لم يعد إلى قبض روحه، لأن الحجة قد لزمته في ترك قبض روحه" (^٢).
وقال ابن حجر عن هذا القول: "هو مردود بقوله في نفس الحديث: (فرد الله عينه)، وبقوله: (لطمه) و(صكه) وغير ذلك من قرائن السياق" (^٣).
وأما القول الخامس وهو: أن موسى قد لطم ملك الموت وهو يعرفه، لأنه لم يُخيِّره، ففيه نظر من وجهين:
الأول: أنه من المستبعد جدًا أن يصدر هذا الفعل من كليم الرحمن
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢٢١).
(٢) الحجة (٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، وانظر: المعلم (٣/ ١٣٣)، والمفهم (٦/ ٢٢١).
(٣) الفتح (٦/ ٤٤٢ - ٤٤٣).
[ ٥٣٩ ]
تجاه ملك الموت -الذي هو رسول رب العالمين- وهو يعرفه، فإن هذا مما يُنزه عنه الأنبياء.
الثاني: أن هذا الجواب ليس فيه حسم لمادة الإشكال، لأن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، فلماذا خالف ملك الموت أمر الله هنا، فلم يُخيِّر موسى ﵇؟ ! .
ولهذا قال ابن حجر عن هذا الجواب: "فيه نظر، لأنه يعود أصل السؤال، فيقال: لِمَ أقدم ملك الموت على قبض نبي الله وأخل بالشرط؟ ! " (^١).
* * *
_________________
(١) الفتح (٦/ ٤٤٢).
[ ٥٤٠ ]
المبحث السابع: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي) مع قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش. . .)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٥٤١ ]
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال
عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة (^١»، رواه البخاري (^٢).
وفي رواية قال: قال النبي -ﷺ- لأبي ذر -﵁-: (اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة)، متفق عليه (^٣).
ولفظ مسلم: قال أبو ذر: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا مجدَّع الأطراف (^٤).
وعن أم الحصين -﵂- أنها سمعت النبي -ﷺ- يخطب في حجة الوداع، وهو يقول: (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا)، رواه مسلم (^٥).
_________________
(١) واحدة الزبيب المعروف، الكائن من العنب إذا جف، قيل شبهه بذلك: لصغر رأسه، وذلك معروف في الحبشة، وقيل: لسواده، وقيل: لقصر شعر رأسه وتفلفله. [انظر: الفتح (١٣/ ١٢٢)، و(٢/ ١٨٧)].
(٢) صحيح البخاري: كتاب الأحكام، باب: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٦/ ٢٦٢١) ح (٦٧٢٣)، وأخرجه أيضًا في كتاب: الجماعة والإمامة، باب: إمامة العبد والمولى (١/ ٢٤٦) ح (٦٦١).
(٣) البخاري: كتاب الجماعة والإمامة، باب: إمامة المفتون والمبتدع (١/ ٢٤٧) ح (٦٦٤)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء من غير معصية (١٢/ ٤٦٧) ح (١٨٣٧).
(٤) "يعني: مقطوعها، والمراد: أخس العبيد، أي: اسمع وأطع وإن كان دنيء النسب، حتى لو كان عبدًا أسود مقطوع الأطراف" [شرح النووي على مسلم (١٢/ ٤٦٧)، وانظر: المفهم (٤/ ٣٧)].
(٥) صحيح مسلم: كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء من غير معصية =
[ ٥٤٢ ]
وفي رواية له: (إن أُمِّر عليكم عبد ).
وعن ابن عمر -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: (لا يزال هذا الأمر في قريش (^١) ما بقي منهم اثنان (^٢»، متفق عليه (^٣).
وعن أبي هريرة -﵁-: أن النبي -ﷺ- قال: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن: مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم (^٤» متفق عليه (^٥).
وعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: (الناس تبع لقريش في الخير والشر)، رواه مسلم (^٦).
وحدَّث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-: أنه سيكون ملك من
_________________
(١) = (١٢/ ٤٦٥) ح (١٨٣٨).
(٢) قال ابن حجر: "الحديث وإن كان بلفظ الخبر، فهو بمعنى الأمر، كأنه قال: ائتموا بقريش خاصة، وبقية طرق الحديث تؤيد ذلك" [الفتح (١٣/ ١١٨)، وانظر: (٦/ ٥٣٦)، والمفهم (٤/ ٦)].
(٣) قال ابن حجر في الفتح (١٣/ ١١٧): "ليس المراد حقيقة العدد، وإنما المراد به: انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش"، وانظر: إرشاد الساري (١٥/ ٩٠).
(٤) البخاري في موضعين: في كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش (٣/ ١٢٩٠) ح (٣٣١٠)، وفي كتاب: الأحكام، باب: الأمراء من قريش (٦/ ٢٦١٢) ح (٦٧٢١)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب: الناس تبع لقريش (١٢/ ٤٤٢) ح (١٨٢٠).
(٥) قال ابن حجر: "وقع مصداق ذلك، لأن العرب كانت تعظِّم قريشًا في الجاهلية بسكناها الحرم، فلما بُعث النبي -ﷺ- ودعا إلى الله توقف غالب العرب عن اتباعه، وقالوا: ننظر ما يصنع قومه، فلما فتح النبي -ﷺ- مكة، وأسلمت قريش، تبعتهم العرب ودخلوا في دين الله أفواجًا، واستمرت خلافة النبوة في قريش، فصدق أن كافرهم كان تبعًا لكافرهم، وصار مسلمهم تبعًا لمسلمهم" [الفتح (٦/ ٥٣٠)، وانظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٧٨)، والإفصاح (٦/ ٣١١)، وإكمال المعلم (٦/ ٢١٥)، والمفهم (٤/ ٥ - ٦)، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ٤٤٣)].
(٦) البخاري: كتاب: المناقب، باب: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣/ ١٢٨٨) ح (٣٣٠٥)، ومسلم: كتاب: الإمارة، باب: الناس تبع لقريش (١٢/ ٤٤١).
(٧) صحيح مسلم: كتاب: الإمارة، باب: الناس تبع لقريش (١٢/ ٤٤٢) ح (١٨١٩).
[ ٥٤٣ ]
قحطان، فغضب معاوية -﵁-، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه بلغني أن رجالًا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله -ﷺ-، فأولئك جُهَّالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها (^١)، فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين)، رواه البخاري (^٢).
بيان وجه الإشكال
دلت الأحاديث المتقدمة، المتعلقة بقريش على وجوب تقديمهم في الإمامة العظمى، وأن القرشية شرط فيها، وهو ما أجمع عليه الصحابة والتابعون، وأطبق عليه جماهير علماء المسلمين، ولم يخالف فيه إلا بعض أهل البدع من المتكلمين وغيرهم (^٣).
وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، كابن بطال (^٤)، والماوردي (^٥)،
_________________
(١) قال الشنقيطي: "اعلم أن قول عبد الله بن عمرو بن العاص -الذي أنكره عليه معاوية في الحديث المذكور-: إنه سيكون ملك من قحطان، إذا كان عبد الله بن عمرو -﵄- يعني به: القحطاني الذي صحت الرواية بملكه، فلا وجه لإنكاره، لثبوت أمره في الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه) ". [أضواء البيان (١/ ٥٤)، وانظر: فتح الباري (١١٥)، وإرشاد الساري (١٥/ ٨٩)] والحديث الذي أشار إليه متفق عليه: البخاري (٣/ ١٢٩٦) ح (٣٣٢٩)، ومسلم (١٨/ ٢٥٢) ح (٢٩١٠)، ولعل إنكار معاوية لعدم علمه بحديث أبي هريرة، والله أعلم.
(٢) صحيح البخاري: كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش (٣/ ١٢٨٩) ح (٣٣٠٩)، وأخرجه أيضًا في كتاب: الأحكام، باب: الأمراء من قريش (٦/ ٢٦١١) ح (٦٧٢٠).
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ١٥١)، والفصل (٣/ ٦)، وأعلام الحديث (٥/ ٢٣٣٥)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٨/ ٢١٠)، وإكمال المعلم (٦/ ٢١٤)، والمفهم (٤/ ٦)، والفتح (١٣/ ١١٨).
(٤) انظر: شرح صحيح البخاري (٨/ ٢١١).
(٥) انظر: الأحكام السلطانية (٦٢). والماوردي هو: العلامة أبو الحسن علي بن =
[ ٥٤٤ ]
وابن العربي (^١)، والقاضي عياض، والقرطبي (^٢)، والنووي، والشنقيطي (^٣)، وغيرهم (^٤).
قال القاضي عياض تعليقًا على الأحاديث المتعلقة بإمامة قريش: "هذه الأحاديث -وما في معناها في هذا الباب- حجة أن الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم، وبهذا احتج أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعها أحد عنه، وقد عدها الناس في مسائل الإجماع، إذ لم يؤثر عن أحد من السلف فيها خلاف" (^٥).
وقال النووي: "هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر: أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع، أو عرض بخلاف من غيرهم، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة" (^٦).
وهذا الأمر، وهو اشتراط القرشية في الإمامة العظمى، مشروط بإقامتهم للدين، واستقامتهم على أمر الله وأمر رسوله -ﷺ-، فإن خالفوا ذلك فغيرهم ممن يطيع الله تعالى، وينفذ أوامره أولى، وعلى هذا دلت النصوص
_________________
(١) = محمد بن حبيب البصري المعروف بالماوردي، فقيه شافعي، كان من وجوه الفقهاء الشافعية وكبرائهم له عدة مصنفات في أصول الفقه وفروعه وغير ذلك، وجعل إليه ولاية القضاء ببلدان كثيرة، توفي ﵀ ببغداد سنة (٤٥٠ هـ) له مصنفات أشهرها: كتاب الحاوي في فقه الشافعية، والأحكام السلطانية. [انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ١٠١)، ووفيات الأعيان (٣/ ٢٤٧)، والسير (١٨/ ٦٤)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٨٥)].
(٢) انظر: عارضة الأحوذي (٩/ ٥٣).
(٣) انظر: المفهم (٤/ ٦).
(٤) انظر: أضواء البيان (١/ ٥٢).
(٥) انظر: الفصل (٣/ ٦)، والفتح (١٣/ ١١٩).
(٦) إكمال المعلم (٦/ ٢١٤).
(٧) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٤٤١ - ٤٤٢).
[ ٥٤٥ ]
الشرعية، كما في حديث معاوية المتقدم: (إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين).
قال الشنقيطي عند هذا الحديث: "لفظة (ما) فيه: مصدرية ظرفية مُقَيِّدَةٌ لقوله: (إن هذا الأمر في قريش)، وتقرير المعنى: إن هذا الأمر في قريش مدة إقامتهم الدين، ومفهومه: أنهم إن لم يقيموه لم يكن فيهم، وهذا هو التحقيق الذي لا شك فيه في معنى الحديث" (^١).
كما أن مما أجمع عليه أهل العلم، ولم يختلفوا فيه: أن الإمام لا بد أن يكون حُرًّا، فلا يجوز أن يكون عبدًا، لأن المملوك لا يحق له التصرف في شيء إلا بإذن سيده، فلا ولاية له على نفسه، فكيف تكون له الولاية على غيره (^٢).
وفد نقل ابن بطال عن المهلب (^٣) قوله: "أجمعت الأمة على أنه لا يجوز أن تكون الإمامة في العبيد" (^٤).
إذا تبيَّن هذا فما الجواب عن قوله -ﷺ-: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) وغيره من الأحاديث مما في معناه، حيث إنها قد يُفهم منها جواز إمامة غير القرشي حتى ولو كان عبدًا؟ هذا ما سوف يتضح في المطالب التالية، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) أضواء البيان (١/ ٥٣)، وانظر: الفتح (١٣/ ١١٦ - ١١٧)، وإرشاد الساري للقسطلاني (١٥/ ٨٨)، و(٨/ ١٠ - ١١)، والسياسة الشرعية لابن تيمية (٢١ - ٢٢).
(٢) انظر: المفهم (٤/ ٣٧)، وإرشاد الساري للقسطلاني (١٥/ ٩٢)، وأضواء البيان (١/ ٥٥).
(٣) هو الإمام المهلب بن أحمد بن أبي صفرة الأسدي الأندلسي، كان أحد الأئمة الفصحاء الموصوفين بالذكاء، ولي قضاء المَريَّة، توفي ﵀ سنة (٤٣٥ هـ) له من المصنفات: شرح صحيح البخاري. [انظر: السير (١٧/ ٥٧٩)، والعبر (٢/ ٢٧٢)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٥٥)].
(٤) شرح صحيح البخاري (٨/ ٢١٥)، وانظر: الفتح (١٣/ ١٢٢)، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ٤٦).
[ ٥٤٦ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم فى هذا الإشكال
لم يختلف أهل العلم -كما تقدم- في وجوب تقديم القرشي في الإمامة العظمى، كما هو مقتضى الأحاديث المتقدمة، وذلك بالشرط المذكور في الحديث، وهو: إقامة الدين، وحينئذٍ ينحصر الخلاف في توجيه الأحاديث التي قد يفهم منها جواز إمامة العبد، وقد اختلف أهل العلم في توجيهها على عدة أقوال:
القول الأول: أن المراد بها: أن الإمام الأعظم إذا استَعْمَل العبدَ على إمارة بلد مثلًا، وجبت طاعته، وليس فيها أن العبد الحبشي يكون هو الإمام الأعظم.
وإلى هذا ذهب الخطابي والمهلب وابن الجوزي واختاره ابن رجب (^١) والشنقيطي (^٢).
قال الخطابي عند حديث: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة): "هذا فى الأمراء والعمال، دون الخلفاء والأئمة، فإن الحبشة لا تُولى الخلافة، ولا يستخلف إلا قرشي، لما جاء من الحديث فيه" (^٣).
وقال المهلب: "قوله ﵇: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي) لا يوجب أن يكون المستعمِل للعبد إلا إمام قرشي، لما تقدم
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٦/ ١٧٩)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ١١٩).
(٢) انظر: أضواء البيان (١/ ٥٦).
(٣) أعلام الحديث (٤/ ٢٣٣٤)، وانظر: معالم السنن (٤/ ٢٧٨).
[ ٥٤٧ ]
أنه لا تجوز الإمامة إلا في قريش" (^١).
وقال ابن الجوزي عند الحديث المتقدم: "اعلم أن هذا إنما هو في العمال والأمراء دون الأئمة والخلفاء، فإن الخلافة لقريش، لا مدخل فيها للحبشة، لقوله ﵇: (لا يزال هذا الأمر فى قريش)، وإنما للأئمة تولية من يرون، فتجب طاعة ولاتهم" (^٢).
القول الثانى: أن هذا من باب ضرب المثل، للمبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يُتصور شرعًا أن يلى العبد ذلك، وقد يُضرب المثل بما لا يقع في الوجود، كقوله -ﷺ-: (من بنى لله مسجدًا، ولو كمَفْحَص (^٣) قطاة، بنى الله له بيتًا في الجنة) (^٤)، فإن قدر مفحص القطاة لا يصلح لمسجد.
ذكر هذا الخطابي (^٥)، وابن رجب (^٦)، وغيرهما (^٧)، واختاره القرطبي (^٨).
قال الشنقيطي: "ويشبه هذا الوجه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ
_________________
(١) نقل ذلك عنه ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٨/ ٢١٥)، وانظر: الفتح (١٣/ ١٢٢).
(٢) كشف المشكل (٣/ ٢٩٢)، وانظر: الفتح (٢/ ١٨٧).
(٣) أي: موضعها الذي تجثم وتبيض فيه، وسمي مَفْحَصًا، لأنها لا تجثم حتى تفحص عنه التراب، وتصير إلى موضع مستوٍ، والفحص: الطلب والبحث. [انظر: المجموع المغيث (٢/ ٥٩٨)، والنهاية (٣/ ٤١٥)].
(٤) أخرجه من حديث أبي ذر -﵁-: ابن حبان في صحيحه (٤/ ٤٩٠، ٤٩١) ح (١٦١٠، ١٦١١)، وأبو داود الطيالسي في مسنده، موقوفًا (١/ ٣٦٩) ح (٤٦٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ٤٥٤) ح (٤٤٢).
(٥) انظر: معالم السنن (٤/ ٢٧٨).
(٦) انظر: فتح الباري (٦/ ١٧٩)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٠).
(٧) انظر: الفتح (١٣/ ١٢٢)، وإرشاد الساري (١٥/ ٩٢)، وأضواء البيان (١/ ٥٦).
(٨) انظر: المفهم (٤/ ٣٤).
[ ٥٤٨ ]
فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١] على أحد التفسيرات" (^١).
القول الثالث: أن المراد بذلك العبد المتغلِّب لا المختار، فإنه في هذه الحالة تجب طاعته بالمعروف، وإن كان عبدًا حبشيًا، درءًا للفتنة (^٢).
القول الرابع: أن إطلاق لفظ العبد في الأحاديث المتقدمة، نظرًا لاتصافه بذلك سابقًا، مع أنه وقت التولية حر، ونظيره: إطلاق لفظ اليتم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] (^٣).
وهذا القول احتمله الحافظ ابن حجر (^٤) والقسطلاني (^٥).
* * *
_________________
(١) أضواء البيان (١/ ٥٦).
(٢) انظر: الفتح (٢/ ١٨٧)، والإمامة العظمى للدكتور عبد الله الدميجي (٢٤٢).
(٣) انظر: أضواء البيان (١/ ٥٦).
(٤) انظر: الفتح (١٣/ ١٢٢).
(٥) انظر: إرشاد الساري (١٥/ ٩٢).
[ ٥٤٩ ]
المطلب الثالث: الترجيح
تقدم بيان أن الخلاف منحصر في الأحاديث المتعلقة بإمامة العبد، لأن فيها إشكالًا من وجهين:
أحدهما: أن الإجماع منعقد على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجوب تقديم القرشي في الإمامة العظمى، بشرط إقامة الدين.
والثاني: أن الإجماع منعقد على عدم جواز تولية العبد الإمامة العظمى، لأن من شرطها: الحرية.
وقبل ذكر الراجح من الأقوال لا بُدَّ من بيان أن الخلاف في توجيه هذه الأحاديث المتعلقة بإمامة العبد إنما هو باعتبار حال الاختيار، أما إذا تغلَّب العبد وكان ذا شوكة وقوة فإنه تجب طاعته إخمادًا للفتنة، ما لم يأمر بمعصية.
قال النووي: "وتُتَصوَّر إمارة العبد إذا ولَّاه بعض الأئمة، أو إذا تغلب على البلاد بشوكته وأتباعه، ولا يجوز ابتداءً عقد الولاية له مع الاختيار، بل شرطها الحرية" (^١).
وقال ابن حجر عند ذكر الأقوال في هذه المسألة: "هذا كله إنما هو فيما يكون بطريق الاختيار، وأما لو تغلب عبد حقيقة بطريق الشوكة، فإن طاعته تجب، إخمادًا للفتنة، ما لم يأمر بمعصية" (^٢).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٤٦٧).
(٢) الفتح (١٣/ ١٢٢)، وانظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ١١٠)، وإرشاد الساري (١٥/ ٩٢)، وأضواء البيان (١/ ٥٦)، وشرح رياض الصالحين للعثيمين (٢/ ٤٩٢).
[ ٥٥٠ ]
وأما هذه الأحاديث التي قد يفهم منها جواز إمامة العبد، كقوله -ﷺ-: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)، فأحسن ما قيل في الجواب عنها: القول الأول، وهو أن المرد: وجوب طاعته لكونه مستعملًا من قبل الإمام الأعظم، لا أنه هو الإمام الأعظم، وقد قال القرطبي: "أجمعت الأمة على أن جميع الولايات تصح لغير قريش ما خلا الإمامة الكبرى" (^١).
وعقد البيهقي في سننه بابًا بعنوان: "باب: جواز تولية الإمام من ينوب عنه وإن لم يكن قرشيًا" (^٢)، وذكر تحته عدة أحاديث، منها: حديث أم الحصين -﵂- أنها سمعت النبي -ﷺ- يقول: (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا) (^٣).
ومما يؤيد هذا القول: ما أخرجه الحاكم من حديث علي -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (الأئمة من قريش وإن أمَّرَتْ عليكم عبدًا حبشيًا مجدَّعًا فاسمعوا له وأطيعوا) (^٤).
ويعضده أيضًا: بعض ألفاظ الحديث، ففي رواية يقول: (وإن استعمل عليكم)، وفي رواية أخرى: (إن أُمِّر عليكم عبد)، فظاهر هذه الألفاظ أن العبد مستعمل ومؤمَّر من قبل الإمام الأعظم، وليس هو الإمام الأعظم (^٥).
وأما بقية الأقوال فمحتمَلة ما عدا الرابع منها وهو: أن إطلاق لفظ
_________________
(١) المفهم (٤/ ٧).
(٢) السنن الكبرى (٨/ ١٥٤).
(٣) أخرجه مسلم، وقد تقدم تخريجه ص (٥٤٢).
(٤) المستدرك (٤/ ٨٥ - ٨٦) ح (٦٩٦٢)، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: "إسناده جيد، ولكنه رُوي عن علي موقوفًا، وقال الدارقطني: هو أشبه"، وصححه الألباني كما في صحيح الجامع (١/ ٥٣٤) ح (٢٧٥٧)، وانظر: إرواء الغليل (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠) كما أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٦) ح (٣٥٢١) لكنه بلفظ: (أُمر) بدل: (أمرت).
(٥) انظر: الإمامة العظمى للدميجي (٢٤٣).
[ ٥٥١ ]
العبد في الأحاديث السابقة إنما هو باعتبار اتصافه بذلك سابقًا، فإن هذا القول بعيد عن ظاهر الحديث، وليس عليه دليل يعضده، ثم إنه جواب عن شرط الحرية فقط، وأما شرط القرشية فيبقى دون جواب.
وأما حديث عبد الله بن عمرو -﵄- -المتقدم- في أنه سيكون ملك من قحطان، وكذا حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه)، متفق عليه (^١). فإنهما لا يعارضان كون الإمامة في قريش، لأنهما إخبار عن حال سيقع، وهذا لا يعني عدم استحقاق قريش لها، وقد يكون ذلك عند ضعف قريش عن إقامة الدين، لأن استحقاقهم للإمامة مقيد بذلك -كما تقدم- كما في حديث معاوية -﵁-: أن النبي -ﷺ- قال: (إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين).
وعن عبد الله بن مسعود -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (أما بعد، يا معشر قريش، فإنكم أهل هذا الأمر ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يَلْحَاكم (^٢) كما يُلحى القضيب، لقضيب في يده، ثم لحا قضيبه فإذا هو أبيض يَصْلِد (^٣» (^٤).
وعن أنس -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: (الأئمة من قريش، ولهم
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٥٤٤) هامش (١).
(٢) قال في النهاية (٤/ ٢٣٥): "اللحت: القشر، ولحت العصا، إذا قشرها، ولحته: إذا أخذ ما عنده، ولم يدع له شيئًا".
(٣) أي: يبرُق ويَبِصُّ. [النهاية (٣/ ٤٦)].
(٤) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ١٧٦) ح (٤٣٨٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥١٦) ح (١١١٩)، وأبو يعلى في مسنده (٨/ ٤٨٣) ح (٥٠٢٤)، وقال الهيثمي في المجمع: "رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح، ورجال أبي يعلى ثقات"، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٦٩) ح (١٥٥٢) عن إسناد أحمد: "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".
[ ٥٥٢ ]
عليكم حق، ولكم مثل ذلك، ما إذا استُرْحِموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (^١).
قال القسطلاني معلقًا على حديث عبد الله بن عمرو في خروج القحطاني وإنكار معاوية عليه بكون الخلافة في قريش: "ولا تناقض بين الحديثين، لأن خروج هذا القحطاني إنما يكون إذا لم تُقِم قريش الدين، فيُدال عليهم في آخر الزمان، واستحقاق قريش الخلافة لا يمنع وجودها في غيرهم، فحديث عبد الله في خروج القحطاني حكاية عن الواقع، وحديث معاوية في الاستحقاق، وهو مقيد بإقامة الدين" (^٢).
وقد يقال: إن خروج هذا القحطاني وملكه إنما يكون بطريق التغلب والقوة، لا بطريق الاختيار، وربما دلَّ على هذا قوله في الحديث: (يسوق الناس بعصاه).
قال ابن العربي عن حديث أبي هريرة في خروج القحطاني: هذا إنذار من النبي -ﷺ- بما يكون من الشر في آخر الزمان، من تسوّر العامة على منازل أهل الاستقامة، ولا يعارض هذا ما ثبت من أن الأئمة من قريش، لأنه ليس خبرًا عمَّا ينبغي (^٣).
وقد ذكر البخاري حديث أبي هريرة -المتقدم- في خروج القحطاني تحت باب: "تغير الزمان حتى تعبد الأوثان".
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٢٠/ ٢٤٩) خ (١٢٩٠٠)، و(١٩/ ٣١٨) ح (١٢٣٠٧)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٥٧) ح (٦٦١٠)، والبزار (كشف ٢/ ٢٢٨) ح (١٥٧٩) إلا أنه قال: "الملك في قريش"، والبيهقي في سننه (٨/ ١٤٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٩٢): رجال أحمد رجال ثقات. وصححه الألباني كما في الإرواء (٢/ ٢٩٨) ح (٥٢٠)، وتخريج السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٥١٧) ح (١١٢٠).
(٢) إرشاد الساري (٨/ ١١)، وانظر: تعليق الألباني على حديث ابن مسعود المتقدم، في السلسلة الصحيحة (٤/ ٧٠).
(٣) انظر: عارضة الأحوذي (٩/ ٥٣)، والفتح (١٣/ ٧٨).
[ ٥٥٣ ]
قال المهلب في بيان وجه ذكر الحديث تحت هذا الباب: "وجه ذلك أنه إذا قام رجل من قحطان ليس من فخذ النبوة، ولا من رهط الشرف الذين جعل الله فيهم الخلافة، فذلك من أكبر تغير الزمان، وتبديل أحكام الإسلام، أن يَدَّعي الخلافة، وأن يُطاع في الدين من ليس أهلًا لذلك" (^١).
وقال ابن حجر معقبًا على كلام المهلب: "وحاصله أنه مطابق لصدر الترجمة وهو تغير الزمان" (^٢).
وقال القسطلاني: "ومطابقة الحديث للترجمة: من حيث إن سوق القحطاني الناس إنما هو في تغير الزمان، وتبدل أحوال الإسلام، لأن هذا الرجل ليس من قريش الذين فيهم الخلافة، فهو من فتن الزمان وتبدل الأحكام" (^٣).
* * *
_________________
(١) نقل ذلك عنه ابن بطال في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٦٠)، وانظر: الفتح (١٣/ ٧٨).
(٢) الفتح (١٣/ ٧٨).
(٣) إرشاد الساري (١٥/ ٦٤).
[ ٥٥٤ ]