إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠]
"أما بعد: فإن الله تعالى قد اختار محمدًا -ﷺ- رسولًا أمينًا، ومعلمًا مبينًا، واختار له دينًا قويمًا، وهداه صراطًا مستقيمًا، وارتضاه لجميع البشر إمامًا، وجعله للشرائع النبوية ختامًا، وأقسم في كتابه الكريم تبجيلًا له وتعظيمًا، فقال عزَّ قائلًا كريمًا:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥] " (^١).
ونعته بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
_________________
(١) مقتبس من مقدمة ابن الوزير في كتابه الروض الباسم (١/ ٤) بتصرف يسير.
[ ٥ ]
وهذا ما جعل العارفين من أمته، والصادقين في محبته، والمجتهدين في اتباع شرعه يحرصون على تتبع سنته، ويهتمون بأقواله وأفعاله، فحفظوها وفهموها وعملوا بها، وحكَّموها فيما شجر بينهم، وعوَّلوا عليها في معتقدهم، وسائر أمور دينهم، ولا عجب في ذلك، فهي مع كتاب الله تعالى مصدر تشريعهم، وينبوع دينهم، ووحي ربهم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] وقال ﵊: (ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله معه) (^١).
وهي كذلك المفسرة والمبينة للقرآن، حيث قال الله تعالى: و﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] (^٢).
ولما كثر التدوين وشاع التأليف تعددت اهتمامات العلماء بالسنة، وتنوعت تصانيفهم فيها، فمنهم الجامع لأحاديثها، ومنهم الشارح لها، والمبين لما استُشكل منها، ومنهم المتكلم على أسانيدها، والمميز لصحيحها من سقيمها، ومنهم الذابُّ عن حياضها، والمنافح عن تشريعها
كل ذلك وغيره يُظهر بجلاء ووضوح نصرة أهل السنة للسنة، وشدة عنايتهم بها، ودفاعهم عنها، ولا سيما عندما تتأكد الحاجة إلى ذلك.
فعندما كثر الطاعنون في الكتاب والسنة، ووُجِد المتبعون لما تشابه منهما، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، مُدْلِينَ في ذلك بعلل رديئة، وشبهات باطلة (^٣) انبرى لهم حرَّاس الشريعة، وأمناء الملَّة، وعلماء الأمة، فأزالوا الشكوك، وأبطلوا الشبهات،
_________________
(١) أخرجه من حديث المقداد بن معديكرب: أبو داود (عون ١٢/ ٢٣١) ح (٤٥٩١)، والترمذي بنحوه (تحفة ٧/ ٤٢٦) ح (٢٨٠١)، وابن ماجة (١/ ٦) ح (١٢)، وصححه الألباني كما في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٨٧٠) ح (٣٨٤٨).
(٢) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٣/ ٧٠)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/ ٨٨٥).
(٣) انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (٢٢).
[ ٦ ]
وبينوا المتشابهات، وأوضحوا المستشكلات، سواءً ما يتعلق منها بالكتاب العزيز (^١) أو السنة المطهرة (^٢).
ولئن كانت هذه بداية التأليف في موضوع المشكل، فإن الأمر بعد ذلك صار أعم وأشمل، حيث قصد المؤلفون فيه، بالإضافة إلى ذلك: بيان ما يشكل فهمه من النصوص، أو تُتَوَهَّمُ استحالته، أو معارضته لغيره، وهو ما وقع شيء منه للصحابة -﵃-، لكنَّه سرعان ما يزول بعرضه على النبي -ﷺ-، حيث يجيبهم عما سألوا، ويدفع عنهم ما استشكلوا (^٣)، ومن ذلك:
ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-، قال: لمَّا نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أيُّنَا لا يظلم نفسه؟ قال: (ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ [لقمان: ١٣]) (^٤).
وأخرج البخاري ومسلم أيضًا من حديث أنس بن مالك -﵁-: أن رجلًا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: (أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟) قال قتادة (^٥):
_________________
(١) انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد، حيث عقد أول باب فيه بعنوان: باب بيان ما ضلت فيه الزنادقة من متشابه القرآن، وانظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة.
(٢) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ودرء التعارض لابن تيمية، والروض الباسم لابن الوزير، والأنوار الكاشفة للمعلمي.
(٣) انظر: مختصر الصواعق: (١/ ١٦٤).
(٤) البخاري (٣/ ١٢٦٢) ح (٣٢٤٦)، ومسلم (٢/ ٥٠٢) ح (١٢٤).
(٥) هو قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي البصري الضرير، حافظ العصر، وقدوة المفسرين والمحدثين، كان تابعيًا، وعالمًا كبيرًا، وكان إمامًا في النسب، ورأسًا في العربية واللغة وأيام العرب، توفي ﵀ بواسط في الطاعون سنة (١١٧ هـ)، وقيل سنة (١١٨ هـ).
[ ٧ ]
بلى وعزَّة ربنا (^١).
ولمَّا توفي النبي -ﷺ-، وانقرض ذلك الجيل -الذي قلَّ عنده استشكال النصوص، لسلامة قصده، وصحة فهمه، ووضوح الخطاب لديه- كثر السؤال عن المشكل، واشتدت الحاجة إلى بيانه وكشفه، وهكذا كلما بعد الناس أو الزمان عن آثار النبوة، وانتشر الجهل وقلَّ العلم، وظهرت الأهواء، عظمت الحاجة إلى بيان المشكل وكشفه (^٢).
ومن هنا اهتم العلماء بجمع النصوص المشكلة، وإزالة الإشكال عنها، سواءً ما يتعلق منها بكتاب الله تعالى (^٣)، أو بسنة النبي -ﷺ- (^٤).
ومن توفيق الله تعالى لي، وعظيم منته علي أن هيأ لي شرف المساهمة -المتواضعة- في هذا الجانب، وذلك بجمع ودراسة أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين.
ولا يخفى ما لهذا الموضوع من الأهمية، فهو متعلق بأصح كتابين بعد كتاب الله تعالى، وهما صحيحا البخاري ومسلم عليهما رحمة الله، كما أنَّه يُعنى بأصل مهم من أصول الدين، وهو أصل العقيدة، فيُسهم في إزالة ما استُشكل من أحاديثها.
وثَمَّة أسباب أخرى كانت وراء اختياري لهذا الموضوع، منها:
_________________
(١) = [انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٥١١)، والسير (٥/ ٢٦٩)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٢٢)، والعبر (١/ ١١٢) ثلاثتها للذهبي، وشذرات الذهب لابن العماد (١/ ١٥٣)].
(٢) البخاري (٤/ ١٧٨٤) ح (٤٤٨٢)، ومسلم (١٧/ ١٥٤) ح (٢٨٠٦).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٧).
(٤) انظر على سبيل المثال: تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء لابن تيمية، ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للشنقيطي.
(٥) انظر على سبيل المثال: اختلاف الحديث للشافعي، وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ومشكل الآثار للطحاوي، وكشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي.
[ ٨ ]
١ - أهمية هذا النوع من العلوم، وشدة الحاجة إليه، ولهذا قال النووي (^١): "هذا فنٌّ من أهم الأنواع، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف" (^٢).
٢ - أهمية الصحيحين، والعناية بما اشتملا عليه من المباحث العقدية، وذلك لاتفاق الأمة على تقديمهما وتلقيهما بالقبول.
٣ - أنني لم أجد -بعد البحث- كتابًا مفردًا على مذهب أهل السنة والجماعة يُعنى بالمشكل من أحاديث الصحيحين المتعلق بالعقيدة.
٤ - أن رسالتي في مرحلة الماجستير كانت فيما يوهم ظاهره التعارض من أحاديث الصحيحين (^٣)، وهذا التعارض بين الأحاديث نوع من أنواع المشكل، وليس هو كل المشكل، وعلى هذا فإن كتابتي في هذا الموضوع فيها إكمال وإتمام لما بدأته في مرحلة الماجستير، على أنني سألتزم في موضوعي هذا ألا أدرس حديثًا درسته هناك (^٤).
_________________
(١) هو الشيخ محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن الشافعي، فقيه حافظ زاهد كان -مع تبحره في العلم وسعة معرفته بالحديث والفقه واللغة وغير ذلك- رأسًا في الزهد والورع والقناعة، عديم المثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، توفي ﵀ بقرية نوى سنة (٦٧٦ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: المجموع في الفقه، وشرح صحيح مسلم، وكتاب الأذكار. [انظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٧٠)، والعبر (٣/ ٣٣٤)، وشذرات الذهب (٥/ ٣٥٤)].
(٢) التقريب، مطبوع مع شرحه تدريب الراوي (٢/ ١٨٠).
(٣) وكان عنوانها: أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين، دراسة وترجيح.
(٤) أما فيما يتعلق بالتمهيد فقد اقتضت نوعية البحث، وعلاقته بالصحيحين أن أعقد فيه أربعة مباحث، كنت قد عقدتها في رسالة الماجستير، وهي في هذه الرسالة: المبحث الأول والثاني والخامس والسادس، على أنني لم أذكرها كما هي هناك، بل زدت في المبحث الأول والثاني ما يقتضيه عموم موضوع البحث هنا، حيث إن المشكل أعم من موهم التعارض بين الأحاديث، فيشمله وغيره، كما سيأتي بيان ذلك في المبحث الأول، وأما المبحث الخامس والسادس، وهما المتعلقان =
[ ٩ ]
خطة البحث:
المقدمة: وأبين فيها أهمية البحث وأسباب اختياره وخطة البحث ومنهج البحث.
التمهيد: وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: تعريف المشكل وبيان الفرق بينه وبين المختلف.
المبحث الثاني: التعريف بأشهر المؤلفات في مشكل الحديث.
المبحث الثالث: ظواهر الكتاب والسنة كلها حق.
المبحث الرابع: العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه.
المبحث الخامس: ترجمة موجزة للبخاري ومسلم.
المبحث السادس: مكانة الصحيحين عند الأمة.
الباب الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في باب الإيمان بالله، وتحته فصلان:
الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في الأسماء والصفات (^١)، وفيه تمهيد، وأحد عشر مبحثًا:
التمهيد: بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات.
المبحث الأول: (خلق الله آدم على صورته)، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المطلب الرابع: في بيان معنى قوله -ﷺ-: (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون).
_________________
(١) = بترجمة الإمامين البخاري ومسلم، وبيان مكانة الصحيحين عند الأمة فقد اختصرتهما، درءًا للتكرار، واكتفاءً بما ذكرته هناك.
(٢) يدخل في هذا الفصل ما تُوهِمَ أنه اسم أو صفة لله تعالى وليس هو كذلك.
[ ١٠ ]
المبحث الثاني: (وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الثالث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا )، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الرابع: (لا يَمَلُّ الله حتى تَمَلُّوا)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الخامس: (مرضت فلم تعدني )، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المبحث السادس: (ما أحد أصبر على أذىً سمعه من الله)، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المبحث السابع: (ما تردَّدت عن شيء أنا فاعله )، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
[ ١١ ]
المطلب الثالث: الترجيح
المبحث الثامن: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح
المبحث التاسع: (يؤذيني ابن آدم يَسُبُّ الدهر وأنا الدهر )، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث العاشر: (الرحم شِجْنَةٌ من الرحمن)، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المبحث الحادي عشر: (فإذا متُّ فأحرقوني ثم اسحقوني)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
الفصل الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في القدر، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: (حجَّ آدم موسى)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
[ ١٢ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الثاني: (خلق الله التربة يوم السبت)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الثالث: (لا يُدخل أحدًا الجنةَ عملُه)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
الباب الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في باب النبوة، وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الثاني: ما جاء في سحر النبي -ﷺ-، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الثالث: ما جاء في إرسال الشهب على الشياطين، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
[ ١٣ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الرابع: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) مع قول أبي هريرة: (أوصاني خليلي بثلاث)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الخامس: حديث شريك في الإسراء، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المبحث السادس: لَطْمُ موسى ﵇ لملك الموت، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث السابع: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبدَ حبشي) مع قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
[ ١٤ ]
الباب الثالث: الأحاديث المتوهم إشكالها في أشراط الساعة والمعاد، وتحته فصلان:
الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في أشراط الساعة، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ) مع قوله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الثاني: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الثالث: ما جاء في طواف الدجال بالبيت مع ما ورد من أنه لا يدخل مكة ولا المدينة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الرابع: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
[ ١٥ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الخامس: (أن تَلِدَ الأمة ربَّتَها)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
الفصل الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في المعاد، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: أحاديث الميزان في ما الذي يوزن، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الثاني: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الثالث: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
[ ١٦ ]
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الرابع: (وإن ناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث الخامس: شفاعته -ﷺ- لعمه أبي طالب، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
المبحث السادس: ما جاء في سماع الأموات، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح.
الخاتمة: وفيها بيان أهم النتائج.
منهج البحث:
١ - قمت بتتبع الأحاديث المتوهم إشكالها في الصحيحين مما يتعلق بالعقيدة ثم تمييز كل أحاديث مسألة على حدة، مستعينًا بعد الله تعالى بجرد الصحيحين وبجرد طائفة من الكتب المتناولة للأحاديث المتوهم إشكالها، كتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (^١) ومشكل الآثار
_________________
(١) هو الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدَّيْنَوَري النحوي اللغوي، كان ثقة =
[ ١٧ ]
للطحاوي (^١) وغيرها، وكان نتيجة ذلك هو هذا الجمع.
٢ - ولما كان ضابط الإشكال مشكلًا، ويصعب تحديده، لأنه نسبي إضافي -كما سيأتي بيان ذلك- فما يكون مشكلًا عند شخص قد لا يكون كذلك عند آخر، فقد التزمت ألَّا أُدرج حديثًا في هذا البحث إلا وهو منصوص على إشكاله من قبل أهل العلم المعتبرين، أو كان في حكم ذلك، كأن يكون مذكورًا في الكتب المؤلفة في هذا الجانب، مراعيًا في ذلك تمييز كتب أهل السنة من غيرها عندما يكون الحديث في الصفات.
علمًا أن المراد بالإشكال هنا: الإشكال المعنوي، لا الإشكال اللفظي، لأن محل العناية به كتب الغريب.
٣ - اقتصرت من الأحاديث على ما كان الإشكال فيها ينشأ عنه مسألة عقدية سواءً كان الحديث واردًا في أبواب العقيدة المعروفة أو حتى في أبواب أخرى، كالسير والآداب والأحكام وغيرها.
٤ - قسمت هذا البحث إلى تمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة: ثم قسمت
_________________
(١) = دينًا فاضلًا، صاحب تصانيف مشهورة وكتب معروفة وفنون متنوعة، نزل بغداد، وصنف وجمع، وبَعُد صيته، لكنه ليس بصاحب حديث، وإنما هو من كبار العلماء المشهورين، عنده فنون جمَّة وعلوم مهمَّة، توفي ﵀ سنة (٢٧٦ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: غريب الحديث، وتأويل مشكل القرآن، وتأويل مختلف الحديث. [انظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٠/ ١٦٨)، ووفيات الأعيان (٣/ ٣١)، والسير (١٣/ ٢٩٦)].
(٢) هو الإمام العلامة أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي، محدث الديار المصرية وفقيهها، كان ثقة ثبتًا، انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، توفي ﵀ بمصر سنة (٣٢١ هـ) له مصنفات عديدة منها: مشكل الآثار، وشرح معاني الآثار، والعقيدة المعروفة بالعقيدة الطحاوية. [انظر: وفيات الأعيان (١/ ٩٣)، والسير (١٥/ ٢٧)، والعبر (٢/ ١١)، وشذرات الذهب (٢/ ٨٨)].
[ ١٨ ]
الأبواب إلى فصول والفصول إلى مباحث، هي عبارة عن تلك المسائل المشار إليها إلا إذا تعذر تقسيمها إلى فصول ثم مباحث، فإني أكتفي بالمباحث عن الفصول.
٥ - أما في عرض المسائل ذاتها فقد اجتهدت في أن يكون بطريقة تتناسب مع الأصل الذي قام عليه البحث وذلك بتقسيمها إلى ثلاثة مطالب -كما تقدم- على النحو التالي:
المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
المطلب الثالث: الترجيح (^١).
وقد التزمت هذه المنهجية في سائر البحث، وإذا كان في الحديث أكثر من إشكال فإني أُرجئ بقية الإشكالات إلى آخر المبحث، أي: في المطلب الثالث بعد الترجيح، ولم أُخالف هذه المنهجية إلا في حديث واحد، وهو: حديث شريك في الإسراء، وذلك لكثرة ما استُشكل فيه، حيث عُدَّ فيه أكثر من عشر مخالفات، كما سترى إن شاء الله تعالى.
٦ - لا ألتزم بذكر ما يتعلق بالحديث من مسائل أخرى، ما لم تكن ذات صلة واضحة في رفع الإشكال.
٧ - أعزو الآيات إلى سورها بذكر اسم السورة ورقم الآية.
٨ - أخرج الأحاديث من مصادرها الأصلية.
- فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإني أكتفي به لأن المقصود ثبوت الصحة.
- وقد اعتمدت لفظ البخاري في الحديث المتفق عليه، فإذا اعتمدت
_________________
(١) جدير بالتنبيه هنا أن الحديث إذا كانت أقوال أهل العلم في إزالة إشكاله متفقة غير مختلفة فإنه لا حاجة إلى هذا المطلب فيه.
[ ١٩ ]
لفظ مسلم -لفائدة معينة- بينت ذلك في التخريج بقولي مثلًا: أخرجه مسلم واللفظ له، وإذا كانت الفائدة بذكر اللفظين معًا -لفظ البخاري ولفظ مسلم- ذكرتهما معًا.
- وإذا كان للحديث -الذي في الصحيحين- طرقٌ فإني أذكرها إن كان لذكرها فائدة كأن يكون في بعضها ما ليس في البعض الآخر، فإن لم يكن لذكرها فائدة فإني لا ألتزم بذلك.
- إذا أحلت على مسلم في تخريج الحديث فإنما أعني طبعة مسلم بشرح النووي.
- إذا كان الحديث في غير الصحيحين فإني أُخرِّجه من الكتب الستة وغيرها حسب الوسع والطاقة.
- وفي مسند الإمام أحمد أحلت على طبعتين، فإذا ذكرت حكم الشيخ أحمد شاكر على الحديث فمعنى ذلك أن الإحالة على طبعته، وإذا لم أذكره فمعنى ذلك أن الإحالة على الطبعة الأخرى.
- في أحاديث الصحيحين الأصول -التي تكون في المطلب الأول من كل مبحث- ألتزم في تخريجها بذكر الكتاب والباب والجزء والصفحة ورقم الحديث، وفي غيرها لا ألتزم بذلك، بل أكتفي بذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الحديث.
٩ - إذا قلت في بعض الإحالات: الفتح، أو فتح الباري، فإنما أعني فتح الباري لابن حجر، فإذا أردت فتح الباري لابن رجب بينته.
١٠ - أترجم لكل عَلَمٍ له رأي أو قول معتبر -بغض النظر عن الشهرة أو عدمها لأنها غير منضبطةً- عدا الصحابة -﵃- فإني لا أترجم لهم، وكذا المعاصرون.
١١ - أعرف بالفرق وأبين معاني بعض الألفاظ الغريبة حسب الإمكان.
١٢ - في نقل الأقوال ونسبتها إلى قائليها، التزمت ما يلي:
[ ٢٠ ]
- إن كان المنقول نصًا وضعته بين قوسين، ثم أحلته في الهامش على مصدره.
- فإن تصرفت فيه، قلت بعد ذكر الإحالة في الهامش: بتصرف.
- فإن كان النقل بالمعنى، أو أردت الإشارة إلى وجود هذا القول، أو هذا الكلام في مصدر معين، قلت في الهامش قبل ذكر الإحالة: انظر.
١٣ - وضعت خاتمة في آخر الرسالة، بينت فيها أهم نتائج هذا البحث.
١٤ - وضعت عدة فهارس في آخر الرسالة تسهيلًا للوصول إلى ما حوته من مسائل وغيرها، وهي كالتالي:
فهرس للآيات القرآنية.
فهرس للأحاديث النبوية.
فهرس للآثار.
فهرس للأعلام المترجمين.
فهرس للفرق.
فهرس للكلمات الغريبة.
فهرس للمصادر والمراجع.
فهرس عام للمحتويات.
وبعد: فهذا ما تيسر جمعه وبحثه، وقد بذلت فيه جهدي، وقصارى طاقتي، متحريًا إصابة الحق، والبعد عن خلافه، مع اعترافي بضعفي، وقلة بضاعتي، وقصور نظري، فما كان من صواب فهو محض فضل الله الواحد المنان، وما كان فيه من خطأ أو زلل فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسولُه -ﷺ-.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أحمد الله تعالى على توالي نعمه عليَّ وتتابع مننه، والتي منها: توفيقه وتيسيره وإعانته على إتمام هذه الرسالة، فله الحمد أولًا وأخرًا، وظاهرًا وباطنًا.
[ ٢١ ]
كما أشكر للوالدين الكريمين حرصهما ودعاءهما، وجميل رعايتهما، وأسأل الله تعالى أن يبارك في أعمارهما، وأن يوفقني لبِرِّهِمَا، وأن يجعل الجنة مثواهما.
كما أشكر الجامعة الإسلامية، ممثلة بكلية الدعوة وأصول الدين، وأخص بمزيد الشكر: قسم العقيدة على ما بذلوه ويبذلونه في خدمة الباحثين والدارسين.
كما أتقدم بالشكر الوافر، والعرفان الجميل لشيخي فضيلة الأستاذ الدكتور: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، المشرف على هذه الرسالة على ما أولاني به من توجيهات نافعة، وملاحظات قيمة سديدة، كان لها أثر بالغ في هذه الرسالة، فجزاه الله عني أعظم الجزاء، وبارك له في علمه وعمله، ورفع درجته وأجزل مثوبته.
وأشكر أخيرًا كل من ساعدني بنصح أو إرشاد، أو إعارة كتاب، أو غير ذلك من أنواع المساعدة.
هذا وأسأل الله تعالى أن يجعل عملي لوجهه خالصًا، ولمراده موافقًا، وأن يوفقني لصالح القول والعمل، وأن يعيذني من فتنتهما، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
سليمان بن محمد بن علي الدبيخي
جوّال: ٠٥٠٤٢٨٣٣١٣
ص. ب ٣٩٠٦ بريدة
[ ٢٢ ]
التمهيد
وفيه ستة مباحث:
* المبحث الأول: تعريف المشكل وبيان الفرق بينه وبين المختلف.
* المبحث الثاني: التعريف بأشهر المؤلفات في مشكل الحديث.
* المبحث الثالث: ظواهر الكتاب والسنة كلها حق.
* المبحث الرابع: العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه.
* المبحث الخامس: ترجمة موجزة للبخاري ومسلم.
* المبحث السادس: مكانة الصحيحين عند الأمة.
* * *
[ ٢٣ ]
المبحث الأول: تعريف المشكل وبيان الفرق بينه وبين المختلف
أولًا: تعريف المشكل في اللغة والاصطلاح:
أ -المشكل في اللغة:
المشكل: اسم فاعل من أشكل، فاسم الفاعل من غير الثلاثي يأتي على زنة مضارعه، بإبدال حرف المضارعة ميمًا مضمومة، وكسر ما قبل الآخر (^١).
يقال -في اللغة-: أشكل الأمر، أي: التبس واختلط (^٢)، وأمور أشكال، أي: ملتبسة، وبينهم أشْكَلَة، أي: لبس (^٣).
"والأشكل من سائر الأشياء: الذي فيه سمرة وبياض قد اختلط" (^٤)، "ومنه قيل للأمر المشتبه: مشكل، وأشكل عليَّ الأمر إذا اختلط، وأشكلت عليَّ الأخبار وأحكَلَت بمعنى واحد" (^٥).
"وحرف مشكل: مشتبه مختلط" (^٦).
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)، وشذا العرف في فن الصرف للأستاذ أحمد الحملاوي (٧٤).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١٠/ ١٦)، والصحاح (٤/ ١٤١٨)، ولسان العرب (١١/ ٣٥٧) كلهم مادة (شكل).
(٣) انظر: لسان العرب، الموضع السابق.
(٤) لسان العرب، الموضع السابق.
(٥) لسان العرب، الموضع السابق، وانظر: تهذيب اللغة، الموضع السابق.
(٦) تهذيب اللغة (١٠/ ١٧)، وانظر: لسان العرب (١١/ ٣٥٨) كلاهما مادة (شكل).
[ ٢٥ ]
وأصله من المماثلة، قال ابن فارس (^١): "الشين والكاف واللام معظم بابه المماثلة، تقول: هذا شِكل هذا، أي: مثله، ومن ذلك يقال: أمر مشكل، كما يقال: أمر مشتبه، أي شابَهَ هذا، وهذا دخل في شكل هذا" (^٢).
ومما تقدم يظهر أن المعنى اللغوي لكلمة (المشكل) يدور حول: المماثلة والاشتباه والالتباس والاختلاط.
ب - مشكل الحديث في اصطلاح المحدثين (^٣):
يمكن معرفة معنى المشكل عند المحدثين من خلال ما سطره
_________________
(١) هو العلامة اللغوي المحدث أبو الحسن، أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب القزويني، المعروف بالرازي المالكي، كان رأسًا في اللغة والأدب، بصيرًا بفقه مالك، مناظرًا متكلمًا على طريقة أهل الحق، له مصنفات فريدة، من أهمها: (المجمل) في اللغة، ومقاييس اللغة، وهو المطبوع بعنوان: معجم مقاييس اللغة، توفي ﵀ بالري سنة خمس وتسعين وثلاثمائة (٣٩٥). [انظر: وفيات الأعيان (١/ ١٣٢)، والسير (١٧/ ١٠٣)، ومقدمة معجم مقاييس اللغة لعبد السلام هارون].
(٢) معجم مقاييس اللغة (٣/ ٢٠٤) مادة (شكل).
(٣) وهو المراد في هذا البحث، أما المشكل عند الأصوليين فذاك مصطلح آخر، له مدلول يختلف عن مدلوله عند المحدثين، حيث إن الأصوليين من الأحناف -والذين انفردوا بهذا المصطلح من بين سائر الأصوليين- يقسمون الألفاظ إلى قسمين: واضح ومبهم، ويقسمون المبهم باعتبار قوة الإبهام وضعفه إلى أربعة أقسام، وهي على الترتيب: الخفي ثم المشكل ثم المجمل ثم المتشابه، فالخفي أقلها إبهامًا، وأشدها المتشابه، والمشكل يمثل الدرجة الثانية من الإبهام، وهو ما خفي المراد منه لسبب في نفس اللفظ، بحيث لا يمكن أن يدرك إلا بقرينة تميزه عن غيره، [انظر: أصول السرخسي (١٦٨)، وكشف الأسرار لعبد العزيز البخاري (١/ ٥١ - ٥٥)، وتفسير النصوص في الفقه الإسلامي للدكتور محمد أديب صالح (١/ ٢٢٩ - ٢٥٦)، ومختلف الحديث وموقف النقاد والمحدثين منه، للدكتور أسامه الخياط (٣٤ - ٣٥)، والقاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (٢٧٢)]. وبهذا يظهر أن المشكل عند الأصوليين من الأحناف يمثل درجة معيَّنة =
[ ٢٦ ]
الطحاوي في مقدمة كتابه مشكل الآثار، حيث قال: "فإني نظرت في الآثار المروية عنه -ﷺ- بالأسانيد المقبولة، التي نقلها ذوو التثبت فيها، والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما سقطت معرفتها والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها" (^١).
فمن خلال هذا النقل يمكن استخلاص تعريف الطحاوي للمشكل بأنه: آثار مروية عن رسول الله -ﷺ- بأسانيد مقبولة، فيها أشياء غاب عن كثير من الناس علم معانيها، ودفع ما فيها من إحالات ظاهرية.
فاشتمل هذا التعريف لمشكل الحديث على الخصائص التالية:
- كونه آثارًا مروية عن النبي -ﷺ-.
- كون رواة هذه الآثار من الثقاة العدول.
- وجود ما يشعر بالإحالات في هذه الآثار، أو كون ظاهرها يوهم ذلك، أي يوهم أمورًا مستحيلة عقلًا، أو شرعًا، أو هما معًا، مما استغلق فهمه على وجهه، أو تعسر تأويله على كثير من الناس، فاحتيج في دفع هذا الإشكال إلى نظر وتأمل.
وبناءً على ما تقدم يمكن القول بأن مشكل الحديث هو: "أحاديث مروية عن رسول الله -ﷺ- بأسانيد مقبولة، يوهم ظاهرها معاني مستحيلة، أو معارضة لقواعد شرعية ثابتة" (^٢).
_________________
(١) = من درجات الإبهام، بينما لم يخصه المحدثون بدرجة معينة أو نوع معين، بل كل ما خفي معناه أو أشكل لأي سبب من الأسباب فهو مشكل عندهم، وهذا ألصق بالمعنى اللغوي كما تقدم.
(٢) مشكل الآثار (١/ ٣).
(٣) مختلف الحديث للدكتور أسامة الخياط (٣٦).
[ ٢٧ ]
ثانيًا: تعريف مختلف الحديث في اللغة والاصطلاح:
عند الحديث عن المشكل لا بد من الإشارة إلى معنى المختلف، لأن ثمة علاقة بينهما:
أ- فالمختلف في اللغة:
المختلف: مأخوذ من الاختلاف، والاختلاف مصدر فعل: اختلف، والمختلِف -بكسر اللام-: اسم فاعل، والمختلَف -بفتح اللام- اسم مفعول، والاختلاف ضد الاتفاق، يقال: تخالف الأمران واختلفا: أي لم يتفقا، وكل ما لم يساو فقد تخالف واختلف (^١).
ب - مختلف الحديث اصطلاحًا:
عرفه علماء المصطلح بعدة تعريفات متقاربة (^٢)، أكتفي منها بتعريف النووي ﵀، حيث عرفه: "بأن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرًا" (^٣).
ثالثًا: الفرق بين مشكل الحديث ومختلف الحديث:
ظهر من خلال تعريف كل من المشكل والمختلف أن بينهما علاقة وشبهًا، وبناءً عليه يحسن التنبيه على ما بينهما من الفرق، وذلك على النحو التالي:
١ - أن مختلف الحديث يعني: التعارض الظاهري بين حديثين أو أكثر كما تقدم، فإذا لم يوجد هذا التعارض فإنه لا يتحقق معنى (مختلف الحديث).
- بينما مشكل الحديث يشمل حالات كثيرة تختلف فيما بينها بحسب سبب الإشكال:
_________________
(١) انظر: القاموس المحيط (٣/ ١٨٦)، ولسان العرب (٩/ ٩١)، والمصباح المنير للفيومي (١٧٩) كلهم مادة (خلف).
(٢) للاطلاع على هذه التعريفات انظر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر لابن حجر (٣٣)، ومختلف الحديث للدكتور نافذ حسين حماد (١٣).
(٣) التقريب للنووي مطبوع مع شرحه تدريب الراوي (٢/ ١٨٠).
[ ٢٨ ]
أ - فقد يكون سبب الإشكال تعارضًا ظاهريًا بين حديثين أو أكثر، وهو ما يعرف بـ (مختلف الحديث).
ب - وقد يكون سببه غموضًا في دلالة لفظ الحديث على معناه لسبب في اللفظ ذاته، بحيث لا بد من قرينة خارجية تزيل خفاءه، كأن يكون لفظًا مشتركًا بين عدة معان، فلا يفهم أيها المقصود من اللفظ إلا بقرينة خارجية تعيِّنه.
ج - وقد يكون سبب الإشكال تعارضًا ظاهريًا بين آية وحديث.
د - وقد يكون سببه معارضة الحديث للإجماع أو القياس.
هـ - وقد يكون سببه مناقضة الحديث للعقل.
٢ - أن العمل في مختلف الحديث لإزالة التعارض بين الحديثين لا بد أن يكون جاريًا على القواعد التي رسمها أهل العلم عند وجود التعارض فيُحاول المجتهد التوفيق بين الأحاديث المختلفة بالجمع إن أمكن، فإن تعذر فالنسخ إن تحقق الناسخ، فإن تعذر فالترجيح (^١).
بينما العمل في مشكل الحديث يكون بالتأمل والنظر في المعاني التي يحتملها اللفظ وضبطها، ثم الاجتهاد في البحث عن القرائن التي يمكن بواسطتها معرفة المراد.
_________________
(١) انظر: اختلاف الحديث للشافعي (٣٩ - ٤٠)، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي الهمداني (٩)، وروضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة (٢/ ٤٥٧)، ومقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث (١٧٢ - ١٧٣)، والتقريب للنووي مع شرحه تدريب الراوي للسيوطي (٢/ ١٨١ - ١٨٢)، واختصار علوم الحديث لابن كثير مع شرحه الباعث الحثيث لأحمد شاكر (١٧٠)، ونزهة النظر بشرح نخبة الفكر لابن حجر (٣٣ - ٣٥)، وفتح المغيث للسخاوي (٣/ ٧١ - ٧٣)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لابن بدران (٣٩٦)، وإمتاع العقول بروضة الأصول لعبد القادر بن شيبة الحمد (٢٠٦)، ومنهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث لعبد المجيد السوسوة (١١٣ - ١١٥)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي حسن (١/ ٣٢٢ - ٣٢٥).
[ ٢٩ ]
- من خلال هذا التفريق بين مشكل الحديث ومختلف الحديث يتبين لنا أن مشكل الحديث أعم من مختلف الحديث، فكل مختلف مشكل، وليس كل مشكل مختلفًا، فبينهما عموم وخصوص مطلق (^١).
وهذا التفريق هو ما رجحه بعض الباحثين المعاصرين الذين تناولوا هذا النوع من علوم الحديث -على وجه الخصوص- بالبحث والدراسة (^٢)، وهو ظاهر صنيع الإمام الشافعي (^٣) في كتابه (اختلاف الحديث)، حيث اقتصر فيه على الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يدخل فيه شيئًا من حالات الحديث المشكل الأخرى.
وذهب آخرون إلى عدم التفريق، وأنهما شيء واحد (^٤)، وهو ظاهر صنيع ابن قتيبة في كتابه (تأويل مختلف الحديث)، حيث لم يقتصر فيه على المختلف كما هو عنوان الكتاب، بل تعدى ذلك ليتناول المشكل.
_________________
(١) انظر: مختلف الحديث لأسامة الخياط (٣٧)، ومختلف الحديث بين الفقهاء والمحدثين للدكتور نافذ حسين حماد (١٥ - ١٦)، ومنهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث للدكتور عبد المجيد السوسوة (٥٦).
(٢) انظر: مختلف الحديث للدكتور أسامة الخياط (٣٧ - ٤٤)، ومختلف الحديث للدكتور نافذ حسين حماد (١٥ - ١٧)، ومنهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث (٥٦ - ٥٨).
(٣) هو الإمام العلم حبر الأمة أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان الشافعي القرشي المطلبي كان حافظًا للحديث بصيرًا بعلله، عالمًا بالفقه وأصوله، ذا معرفة بكلام العرب واللغة والعربية والشعر، تتلمذ على الإمام مالك، وكان أول من تكلم في أصول الفقه، توفي ﵀ بمصر سنة (٢٠٤ هـ)، وله عدة مصنفات منها: الأم في الفقه، والرسالة، واختلاف الحديث. [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٥٤)، ووفيات الأعيان (٤/ ٢١)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٦١)، وشذرات الذهب (٢/ ٩)].
(٤) انظر: الرسالة المستطرفة للكتاني (١٢٣)، وأصول الحديث للدكتور محمد عجاج الخطيب (٢٩٥)، ومختلف الحديث للدكتور أسامة الخياط (٤٤)، ومختلف الحديث للدكتور نافذ حسين حماد (١٦ - ١٧).
[ ٣٠ ]
المبحث الثاني: التعريف بأشهر المؤلفات في مشكل الحديث
لما كانت الحاجة ماسة إلى بيان المشكل من الأحاديث وكشفه، وكون ذلك نوعًا من الدفاع عن سنة المصطفى -ﷺ-، فقد اهتم العلماء به، وخصوه بمزيد من العناية والدراسة والبحث، ومنهم من أفرده بالتصنيف والتأليف، حيث جمع في كتابه ما يراه مشكلًا، ثم اجتهد في إزالة الإشكال عنه، وبيان المقصود منه، وقد يكون لاختلاف مشاربهم العقدية، أو غلبة فن من فنون العلم على أحدهم أثر في نوعية النصوص المستشكلة، وكيفية إزالة الإشكال عنها، ولهذا تنوعت أساليبهم، وتعددت طرقهم، وتباينت اهتماماتهم، فمنهم من خصَّ كتابه بأحاديث الأحكام، ومنهم من خصَّه بنصوص العقيدة، ومنهم من جمع بينهما وزاد عليهما ما يتعلق بالآداب وغيرها، وفيما يلي عرض موجز لأشهر المؤلفات في ذلك:
١ - كتاب (اختلاف الحديث) للإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
يعتبر هذا الكتاب أول مؤلَّف في هذا الفن، حيث لم يتقدم الشافعي إلى التأليف فيه أحد من أهل العلم، ولذا قال الإمام السيوطي (^١) في ألفيته:
_________________
(١) هو العلامة عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الخضيري السيوطي الشافعي، إمام حافظ مسند، محقق مصنف له نحو (٦٠٠) مصنف، لما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس وخلا بنفسه فألف أكثر كتبه، توفي ﵀ سنة (٩١١ هـ) من مصنفاته: الإتقان في علوم القرآن، وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة. =
[ ٣١ ]
أول من صنف في المختلف الشافعي فكن بذا النوع حفي (^١)
وقد جمع فيه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى جملة من نصوص السنة المختلفة والمتعارضة في الظاهر، فأزال إشكالها ودفع التعارض عنها، وفق منهج علمي رصين، فيسلك سبيل الجمع إن أمكن، أو النسخ إن ثبت، أو الترجيح إن تعذر الجمع ولم يَثْبُتَ النسخ، وهذا المنهج هو ما التزمه الجمهور في دفع التعارض والتوفيق بين الأحاديث، وهو ما أشار إليه الشافعي في مقدمة كتابه هذا حيث قال: "وكلما احتمل حديثان أن يستعملا معًا، استعملا معًا، ولم يعطل واحد منهما الآخر فإذا لم يحتمل الحديثان إلا الاختلاف -كما اختلفت القبلة نحو بيت المقدس والبيت الحرام- كان أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا ومنها ما لا يخلو من أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله، أو أشبه بمعنى سنن النبي -ﷺ-، مما سوى الحديثين المختلفين، أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما عندنا أن يصار إليه" (^٢).
ولكنه لم يقصد في هذا الكتاب استيعاب النصوص المتعارضة في السنة، وإنما قصد التمثيل وبيان كيفية إزالة التعارض بينها لتكون نموذجًا لمن بعده من العلماء.
قال النووي رحمه الله تعالى: "وصنف فيه الإمام الشافعي، ولم يقصد رحمه الله تعالى استيفاءه، بل ذكر جملة ينبه بها على طريقه" (^٣).
وقال السخاوي (^٤): "وأول من تكلم فيه إمامنا الشافعي، وله فيه مجلد
_________________
(١) = [انظر: الضوء اللامع (٤/ ٦٥)، وشذرات الذهب (٨/ ٥١)، والبدر الطالع (١/ ٣٢٨)، والأعلام (٣/ ٣٠١)].
(٢) ألفية السيوطي (١٧٨).
(٣) اختلاف الحديث (٤٠).
(٤) التقريب مطبوع مع شرحه: تدريب الراوي (٢/ ١٨٠).
(٥) هو العلامة محمد بن عبد الرحمن بن محمد شمس الدين السخاوي الشافعي، =
[ ٣٢ ]
جليل من جملة كتب الأم، ولكنه لم يقصد استيعابه، بل هو مدخل عظيم لهذا النوع يتنبه به العارف على طريقه" (^١).
وقد تميز هذا الكتاب بأنه تصنيف مستقل ومختص بنوع (مختلف الحديث)، فلم يأت فيه الشافعي بأنواع الحديث المشكل الأخرى، فصار مضمون الكتاب مطابقًا لعنوانه.
- ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن هذا الكتاب قد خصصه الشافعي رحمه الله تعالى في مسائل الفقه، ولم يذكر شيئًا من المسائل المتعلقة بالعقيدة.
٢ - كتاب (تأويل مختلف الحديث) لابن قتيبة رحمه الله تعالى:
لقد أوضح ابن قتيبة رحمه الله تعالى مقصوده من تأليف هذا الكتاب، حيث قال: "ونحن لم نرد في هذا الكتاب أن نَرُدَّ على الزنادقة والمكذبين بآيات الله ﷿ ورسله، وإنما كان غرضنا: الرد على من ادَّعى على الحديث التناقض والاختلاف، واستحالة المعنى من المنتسبين إلى المسلمين" (^٢).
وقد جاء كتابه متناولًا خمسة أنواع من الأحاديث، وهي كالتالي:
١ - الأحاديث التي ادُّعي عليها التناقض، وهو أكثرها (^٣).
_________________
(١) = إمام في الحديث، وبارع في الفقه والقراءات وغيرهما من العلوم، ساح في البلدان سياحة طويلة، وصنف مصنفات عديدة، وسمع الكثير من شيخه الحافظ ابن حجر ولازمه ملازمة شديدة، توفي ﵀ سنة (٩٠٢ هـ)، وله العديد من المصنفات منها: فتح المغيث في مصطلح الحديث، وكتاب الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع. [انظر: الضوء اللامع (٨/ ٢)، وشذرات الذهب (٨/ ١٥)، والأعلام (٦/ ١٩٤)].
(٢) فتح المغيث (٣/ ٧١).
(٣) تأويل مختلف الحديث (١١٧).
(٤) انظر على سبيل المثال: (٩٦، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٧، ١٠٨، ١١٠، ١١٤، ١٢١، ١٤٤).
[ ٣٣ ]
٢ - الأحاديث التي قيل فيها: إنها تخالف كتاب الله تعالى (^١).
٣ - الأحاديث التي قيل فيها: إنها تخالف النظر وحجة العقل (^٢).
٤ - الأحاديث التي قيل فيها: إنها تخالف الإجماع (^٣).
٥ - الأحاديث التي قيل فيها: إنها يبطلها القياس (^٤) (^٥).
ويظهر من هذا أن ابن قتيبة لم يقتصر في كتابه على المختلف بل تناول المشكل، ولذا فقد ذهب بعض الباحثين إلى أن "الأولى بابن قتيبة أن يسمي كتابه: تأويل مشكل الحديث" (^٦)، كما سمَّى كتابه الآخر: "تأويل مشكل القرآن"، وهذا بناءً على القول بالتفريق بين المختلف والمشكل -على ما تقدم-، أما على القول بأنهما شيء واحد فلا إشكال.
وقد امتاز هذا الكتاب باشتماله على جملة من الأحاديث التي يطعن بها أهل البدع على أهل السنة، فدفع التعارض عنها، وأزال ما استُشكل فيها، بتوجيهات سديدة، وأجوبة شافية غالبًا.
كما امتاز كتابه بتنوع الأدلة، فهو لا يقتصر في الاحتجاج على الأدلة الشرعية، بل يتبع ذلك أحيانًا بالأدلة العقلية، والشواهد اللغوية والشعرية، مما أكسبه أهمية بالغة عند أهل العلم.
والكتاب أيضًا متنوع المسائل، ففيه المسائل المتعلقة بالعقيدة، والمتعلقة بالفقه وغيرهما، وإن كانت مسائل العقيدة فيه أغلب.
ولكن يؤخذ على هذا الكتاب: افتقاره إلى الترتيب والتنسيق، فتجد مسائل الفقه مثلًا غير مرتبة على أبواب الفقه المعروفة، بل هي متناثرة في
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: (١١١، ١٨٠، ١٨١، ٢٢٧، ٢٧٩).
(٢) انظر على سبيل المثال: (٩١، ٩٤، ١٦٥).
(٣) انظر: (٢٤١).
(٤) انظر: (١٣٧)، وليس فيه غير هذا الموضع.
(٥) انظر: مختلف الحديث لأسامة الخياط (٤٠٢).
(٦) مختلف الحديث للدكتور نافذ حسين حماد (٦٥).
[ ٣٤ ]
الكتاب مختلطة بالمسائل الأخرى المتعلقة بالعقيدة وغيرها.
كما يؤخذ على ابن قتيبة رحمه الله تعالى في هذا الكتاب: أنه ربما أتى بالحديث الضعيف -دون ذكر سند له أو تخريج غالبًا- ثم حاول توجيهه والإجابة عنه، أو التوفيق بينه وبين حديث آخر صحيح، وكان الأولى له في هذه الحالة أن يبين ضعف الحديث، وعدم قيام الحجة به، وأنه لا ينهض لمعارضة الصحيح، فيزول بهذا الإشكال، وينتفي التناقض، إذ الحجة فيما صحَّ وثبت من سنة المصطفى -ﷺ-.
وقد يكون هذا التقصير من ابن قتيبة ﵀ راجعًا إلى قلة عنايته بالحديث، ومعرفة صحيحه من ضعيفه، وهو ما ذكره عنه الذهبي (^١) ﵀ حيث قال: "ابن قتيبة من أوعية العلم، لكنه قليل العمل في الحديث، فلم أذكره" (^٢) أي: لم يعده الذهبي من حفاظ الحديث، فلم يذكره في طبقاته (^٣).
ولعل هذا هو سبب تعرض بعض المحدثين لنقد كتابه هذا:
فقد قال ابن الصلاح (^٤) ﵀: "وكتاب مختلف الحديث لابن قتيبة في
_________________
(١) هو الحافظ المحدث محمد بن أحمد بن عثمان التركماني الأصل الفارقي ثم الدمشقي، المؤرخ الكبير صاحب التصانيف السائرة في الأقطار، كان أكثر أهل عصره تصنيفًا، تتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية واستفاد منه توفي ﵀ سنة (٧٤٨ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: تاريخ الإسلام، والسير، والعبر، وتذكرة الحفاظ، والعلو للعلي الغفار. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ١٥٣)، والبدر الطالع (٢/ ١١٠)، والأعلام (٥/ ٣٢٦)].
(٢) تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٣٣).
(٣) انظر: مختلف الحديث للدكتور نافذ حسين (٦٥).
(٤) هو الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام أبو عمرو عثمان ابن المفتي صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان الكردي الموصلي الشافعي، اشتغل بالعلم وأفتى وجمع وألف وتفقه، وبرع في المذهب وأصوله، وفي الحديث وعلومه، وكان سلفيًا حسن الاعتقاد كافًا عن تأويل المتكلمين، مؤمنًا بما ثبت من النصوص، توفي ﵀ =
[ ٣٥ ]
هذا المعنى، إن يكن قد أحسن فيه من وجه، فقد أساء في أشياء منه، قصر باعه فيها وأتى بما غيره أولى وأقوى" (^١).
وقال النووي: "صنَّف فيه ابن قتيبة، فأتى بأشياء حسنة وأشياء غير حسنة؛ لكون غيرها أقوى وأولى وترك معظم المختلف" (^٢).
وقال ابن كثير (^٣): "ابن قتيبة له فيه مجلد مفيد، وفيه ما هو غثٌّ، وذلك بحسب ما عنده من العلم" (^٤).
٣ - كتاب (مشكل الآثار) (^٥) للطحاوي رحمه الله تعالى:
يعتبر هذا الكتاب أوسع ما كتب في هذا المجال، وقد أوضح الطحاوي رحمه الله تعالى مقصوده من تأليف هذا الكتاب فقال: "إني نظرت في الآثار المروية عنه -ﷺ- بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبت فيها،
_________________
(١) = سنة (٦٤٣ هـ) له مصنفات من أشهرها: علوم الحديث، وصيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٢١٢)، والسير (٢٣/ ١٤٠)، والعبر (٣/ ٢٤٦)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٠)].
(٢) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث (١٧٣)، وانظر: الرسالة المستطرفة للكتاني (١٢٣).
(٣) التقريب للنووي مطبوع مع شرحه تدريب الراوي (٢/ ١٨١).
(٤) هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير البصري ثم الدمشقي، الحافظ الكبير والفقيه الشافعي، كان كثير الاستحضار قليل النسيان جيد الفهم كثير التصنيف، صحب ابن تيمية فاستفاد منه وأكثر عنه، توفي ﵀ سنة (٧٧٤ هـ) له مؤلفات كثيرة منها: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ٢٣١)، والبدر الطالع (١/ ١٥٣)، والأعلام (١/ ١٥٣)].
(٥) اختصار علوم الحديث مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث لأحمد شاكر (١٦٩).
(٦) هذا هو العنوان المشهور للكتاب، وهو الذي عليه الطبعة القديمة -الناقصة- وقد ذُكر للكتاب عدة أسماء متقاربة، وطبع أخيرًا كاملًا -ولأول مرة- بتحقيق شعيب الأرنؤوط، بعنوان: شرح مشكل الآثار، ويقع في ستة عشر مجلدًا.
[ ٣٦ ]
والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما سقطت معرفتها والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها، وأن أجعل ذلك أبوابًا أذكر في كل باب منها ما يهب الله ﷿ لي من ذلك فيها، حتى أبين ما قدرت عليه منها كذلك، ملتمسًا ثواب الله ﷿ عليه، والله أسأل التوفيق لذلك والمعونة عليه، فإنه جواد كريم وهو حسبي ونعم الوكيل" (^١).
من كلام الطحاوي هذا يظهر لنا أنه قصد في تأليفه هذا الكتاب أمورًا ثلاثة:
أحدها: بيان ما قدر عليه من مشكلها.
وثانيها: استخراج الأحكام التي فيها.
وثالثها: نفي الإحالات عنها.
وقد جاء كتابه -كما وعد- مستوفيًا لهذه الأمور الثلاثة، كما جاء كتابه متميزًا بالشمول والتنوع، فلم تقتصر مسائله على موضوع أو فنٍّ معين، بل شملت مواضيع وفنونًا متعددة: في العقائد والآداب، وفي الفقه والفرائض، وفي أسباب النزول والقراءات، وغيرها (^٢). وقد قسم كتابه إلى أبواب، وجعل لكل باب عنوانًا يدل على الإشكال الذي يريد الكلام عليه، وكثيرًا ما يُصَدِّرُ العنوان بقوله: "باب بيان مشكل ما روي عن النبي -ﷺ- " فيذكر الحديث.
وامتاز كتابه أيضًا باتصال أكثر أحاديثه التي يوردها، فهو يذكرها بسنده إلى رسول الله -ﷺ-، ممَّا يسهل الوقوف على الرواية ودرجة صحتها والحكم عليها.
_________________
(١) مشكل الآثار للطحاوي (١/ ٣).
(٢) انظر: مختلف الحديث لأسامة الخياط (٤١٣).
[ ٣٧ ]
وقد يتبع الرواية ببيان ما فيها من انقطاع، أو ضعف راوٍ، أو اشتباه في نسب، أو غير ذلك إن وجد.
ولكن مما يلاحظ على هذا الكتاب عدم الترتيب والتنظيم ممَّا يعسر معه الحصول على المطلوب، فتجد أبواب الموضوع الواحد متشتتة ومتفرقة من أول الكتاب إلى آخره، فإذا أردت البحث عن مسألة معينة لم تجد بُدًّا من استعراض جميع أبواب الكتاب.
ولذلك قال أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي (^١): "وكان تطويل كتابه -بكثرة تطريقه الأحاديث وتدقيق الكلام فيه حرصًا على التناهي في البيان- على غير ترتيب ونظام، لم يتوخ فيه ضم باب إلى شكله ولا إلحاق نوع بجنسه، فتجد أحاديث الوضوء فيه متفرقة من أول الديوان إلى آخره، وكذلك أحاديث الصلاة والصيام وسائر الشرائع والأحكام، تكاد أن لا تجد فيه حديثين متصلين من نوع واحد، فصارت بذلك فوائده ولطائفه منتشرة متشتتة فيه، يعسر استخراجها منه، إن أراد طالب أن يقف على معنى بعينه لم يجد ما يستدل به على موضعه إلا بعد تصفح جميع الكتاب، وإن ذهب ذاهب إلى تحصيل بعض أنواعه افتقر في ذلك إلى تحفظ جميع الأبواب" (^٢).
وقال السخاوي رحمه الله تعالى: "وهو من أجلِّ كتبه -يعني
_________________
(١) هو القاضي يوسف بن موسى بن محمد بن أحمد الملطي ثم الحلبي، ولد ونشأ بملطية (في شمال سوريا)، واستقر بحلب، وولي قضاء الحنفية بمصر في أواخر أعوامه ولم تحمد سيرته فيه، وقد انتقده العلماء على بعض أقواله وفتاويه، توفي ﵀ سنة (٨٠٣ هـ)، وله مؤلفات منها: المعتصر من المختصر من مشكل الآثار. [انظر: شذرات الذهب (٧/ ٤٠)، والأعلام (٨/ ٢٥٤)].
(٢) المعتصر من المختصر من مشكل الآثار (١/ ٣).
[ ٣٨ ]
الطحاوي- ولكنه قابل للاختصار غير مستغن عن الترتيب والتهذيب (^١) " (^٢).
٤ - تأويل الأحاديث المشكلة (^٣) لأبي الحسن الطبري (^٤):
يختلف هذا الكتاب في مضمونه عن الكتب السابقة، وإن كان يشابهها
_________________
(١) قد اختصره القاضي أبو الوليد ابن رشد (الجد) (ت: ٥٢٠ هـ)، وذلك بحذف أسانيد الأحاديث، وتقليل طرقها، واختصار كثير من ألفاظه من غير أن يخل بشيء من معانيه، كما أنه هذبه ورتبه فضم كل نوع إلى نوعه وألحق كل شكل بشكله. [انظر: المعتصر من المختصر (١/ ٣)] واختصر (مختصر ابن رشد): القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي في كتاب سماه (المعتصر من المختصر من مشكل الآثار)، وهو مطبوع متداول. كما قام الباحث خالد بن محمود الرباط بترتيب الأصل -مشكل الآثار- فقسمه إلى خمسة وعشرين كتابًا مرتبًا إياها على الموضوعات الفقهية، فابتدأه بكتاب الإيمان ثم الطهارة ثم الصلاة ثم الزكاة وهكذا، وختمه بكتاب الفتن ثم القيامة والجنة والنار، وقد جمع تحت كل كتاب ما يتعلق به من الأحاديث، وسماه: "تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار"، وهو مطبوع في عشر مجلدات. تنبيه: نسب أبو المحاسن يوسف بن موسى صاحب (المعتصر) كتاب (مختصر مشكل الآثار) للقاضي أبي الوليد الباجي (ت: ٤٧٤ هـ)، وهو الموجود على غلاف (المعتصر) بناءً على هذه النسبة، ولكن -بعد التحري والتثبت- تبيَّن لي أنه ﵀ قد وهم في هذه النسبة لأن المختصر ليس لأبي الوليد الباجي، وإنما هو للقاضي أبي الوليد ابن رشد (الجد) -كما تقدم- كما ذكر ذلك عدد كبير من أهل العلم كالذهبي في السير (١٩/ ٥٠٢)، وابن حجر في الفتح (١٠/ ٣٨٤)، وغيرهما، ولم أجد من نسب هذا الاختصار إلى أبي الوليد الباجي غير أبي المحاسن يوسف بن موسى في كتابه (المعتصر) فلعل سبب الوهم هو اشتراكهما في الكنية والعمل فكلاهما يقال له: (القاضي أبو الوليد)، والله تعالى أعلم.
(٢) فتح المغيث (٣/ ٧١).
(٣) وهو مخطوط وعندي منه نسخة، وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود (٢/ ٥١٦ - ٥٢٥).
(٤) هو أبو الحسن علي بن محمد بن مهدي الطبري، صحب أبا الحسن الأشعري =
[ ٣٩ ]
في التسمية، فهو يتميز عنها بكونه يبحث في مجال العقيدة، وفي نصوص الأسماء والصفات على وجه الخصوص، لكن مؤلفه بناه على مذهب الأشاعرة (^١)، حيث يقوم بتأويل كثير من نصوص الصفات وصرفها عن ظاهرها المراد منها، مدَّعيًا أن ظاهرها التجسيم والتشبيه، كما فعل في صفة الضحك (^٢) والعجب (^٣) والفرح (^٤) والنزول والمجيء والإتيان (^٥) وغيرها من الصفات.
_________________
(١) = بالبصرة، وأخذ عنه وتخرج به واقتبس منه، وكان من المبرِّزين في علم الكلام، والمشاركين في أصناف العلوم، له عدة تصانيف، أشهرها: تأويل الأحاديث المشكلة، توفي في حدود سنة ثلاثمئة وثمانين (٣٨٠ هـ). [انظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (١٩٥)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٣/ ٤٦٦)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢٢/ ١٤٣)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٥٢٧)].
(٢) الأشاعرة: هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري علي بن إسماعيل -الإمام المعروف- في مذهبه بعد رجوعه عن الاعتزال، وقبل إعلانه الرجوع إلى مذهب السلف كما في كتابيه: مقالات الإسلاميين والإبانه. وهم في الجملة: لا يثبتون من الصفات إلا سبعًا، لدلالة العقل عليها، وهي: الحياة والعلم والقدرة والكلام والإرادة والسمع والبصر، على أن حقيقة قولهم في صفة الكلام لا يعد إثباتًا، ويقولون: إن الإيمان هو التصديق، ومذهبهم في القدر يؤول إلى الجبر. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥): "الأشعرية: الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام، جبرية في باب القدر، وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم". [انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٤ - ١٠٣)، وأصول الدين (٩٠)، والفرق بين الفرق (٢٩٣)، وما بعدها، كلاهما للبغدادي، ومجموع الفتاوى (٤/ ٧٢)، و(٥/ ٥٥٦)، و(٦/ ٥٢ - ٥٥)، والمواعظ والآثار بذكر الخطط والآثار -المعروف بالخطط المقريزية- (٢/ ٣٥٨)، ومقدمة الشيخ حماد الأنصاري لكتاب الإبانة، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود].
(٣) انظر: (لوحة ٣١/ ب).
(٤) انظر: (لوحة ٣٥/ أ - ب).
(٥) انظر: (لوحة ٤٢/ أ).
(٦) انظر: (لوحة ٥٠/ أ - ب).
[ ٤٠ ]
وقد يثبت الصفة مع التفويض الكامل لها، كما فعل في اليدين (^١).
وفي بداية كتابه غمز أهل الحديث ونال منهم، حيث وصفهم بقلة "عنايتهم بمعرفة مصادر الكلام وموارده، وظاهره وباطنه، ومجازه وحقيقته واستعارته، وما يجوز إطلاقه في القديم وما لا يجوز إطلاقه"، ثم قال: "قد قنع الواحد منهم من العلم برسمه، ومن الحديث بجمعه واسمه " (^٢).
ويبين سبب تأليفه هذا الكتاب بقوله: "أما بعد فإنك كتبت إلي شكوى ما فشا بالناحية من معتقد الفرقة المنتسبة إلى الحديث المنتحلة للأثر، حتى مالوا إلى قوم من ضعفة المسلمين بمعاهدتهم بالتلبيس والتمويه " (^٣).
ومما تحسن الإشارة إليه أن الطبري قد أورد في كتابه هذا كثيرًا من الآيات الموهمة للتشبيه -على زعمه- ولم يقصره على الأحاديث، ولذلك نقل منه شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤) ﵀ وسماه: "مشكل الآيات" (¬٥).
٥ - كتاب (مشكل الحديث وبيانه) لابن فورك (^٦) رحمه الله تعالى:
هذا الكتاب لا يختلف كثيرًا عن سابقه (تأويل الأحاديث المشكلة
_________________
(١) انظر: (لوحة ٢١/ ب).
(٢) تأويل الأحاديث المشكلة (لوحة ١/ ب).
(٣) نفس المصدر (لوحة ١/ أ).
(٤) هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني، الفقيه المجتهد المفسر، كان يتوقد ذكاءً وكان رأسًا في الزهد والعلم والكرم والشجاعة، له تصانيف كثيرة سارت بها الركبان، وكان سيفًا على المبتدعة، عرف أقوال المتكلمين وبرع في ذلك ثم رد عليهم، وقد امتحن وأوذي مرات، توفي ﵀ محبوسًا بقلعة دمشق سنة (٧٢٨ هـ) له مؤلفات كثيرة منها: درء التعارض، ومنهاج السنة، واقتضاء الصراط المستقيم. [انظر: العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية لمحمد بن عبد الهادي، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٩٦)، والعبر (٤/ ٨٤)، وشذرات الذهب (٦/ ٨٣)].
(٥) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٣٥).
(٦) هو الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك المتكلم الأصولي الأديب النحوي =
[ ٤١ ]
لأبي الحسن الطبري)، حيث إنه خاص بأحاديث العقيدة المتعلقة بالأسماء والصفات، فأورد جملة منها، زاعمًا أن ظاهرها يوهم التشبيه والتجسيم، ثم ذهب يؤولها ويصرفها عن ظاهرها المراد منها، بما يتوافق مع مذهبه الأشعري، وكثيرًا ما يصدر الحديث الذي يريد تأويله بقوله: "ذكر خبر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه" (^١)، ومن الصفات التي أوَّلها: اليد (^٢)، والأصابع (^٣)، والقدم (^٤)، والنزول (^٥)، والضحك (^٦)، والعجب (^٧)، والفرح (^٨)، والاستواء (^٩)، والعلو (^١٠).
فالكتاب إذًا خاص بالعقيدة على المذهب الأشعري، وهو عبارة عن ثلاثة أقسام مرتبط بعضها ببعض (^١١).
فالقسم الأول أورد فيه أكثر من خمسة وسبعين حديثًا، مما يرى أن
_________________
(١) = الواعظ الأصبهاني، صاحب التصانيف في الأصول والعلم، تصدَّر للإفادة بنيسابور، وكان أشعريًا رأسًا في فن الكلام، توفي ﵀ سنة (٤٠٦ هـ) من مؤلفاته: مشكل الحديث وبيانه. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٠)، والسير (١٧/ ٢١٤)، والعبر (٢/ ٢١٣)، وشذرات الذهب (٣/ ١٨١)].
(٢) انظر على سبيل المثال: (٤٢، ١٢٨، ١٣٤، ١٤٢، ١٤٦، ١٥٢، ١٦٠).
(٣) انظر: (١٠٧ - ١١٤، ٤٥٧).
(٤) انظر: (٢٥٤).
(٥) انظر: (١٣٤ - ١٤٠).
(٦) انظر: (٢١٥).
(٧) انظر: (١٤٨).
(٨) انظر: (٢٠٧).
(٩) انظر: (٢٠٢ - ٢٠٣).
(١٠) انظر: (٤٧٧).
(١١) انظر: (١٦٧ - ١٦٨).
(١٢) انظر: مختلف الحديث للدكتور نافذ حسين (٧٢ - ٧٤).
[ ٤٢ ]
ظاهرها يوهم التشبيه، فأوَّلها وبين معناها من وجهة نظر أشعرية (^١).
وأما القسم الثاني فهو للرد على ابن خزيمة (^٢) في كتابه: (التوحيد) فأورد فيه عشرة أحاديث، يشترك بعضها مع القسم الأول، وأوَّلها كغيرها من أحاديث الصفات، وخطَّأَ ابنَ خزيمة في حملها على ظاهرها مع نفي المماثلة، وقد بدأه بقوله: "فصل فيما ذكره ابن خزيمة في كتاب التوحيد" (^٣).
وأما القسم الثالث فقد خصَّه للردِّ على أبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي (^٤) صاحب ابن خزيمة، في كتابه: (الأسماء والصفات)، وقد عقد فيه أكثر من عشرين فصلًا في تأويل صفات الله تعالى، وابتدأه بقوله: "فصل آخر فيما ذكره الصبغي في كتاب الأسماء والصفات" (^٥).
وختم هذا الكتاب بقوله: "كَمُلَ بيان ما أشكل ظاهره من صحيح الحديث مما أوهم التشبيه، ولبَّس بذلك المجسمون، وازداره الملحدون، وطعن في روايته الملحدون، وإيضاح ما خفي باطنه مما أغفله الجاهلون،
_________________
(١) يبدأ هذا القسم من أول الكتاب حتى ص (٣٩١).
(٢) هو الحافظ الكبير إمام الأئمة شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري، كان إمامًا ثبتًا معدوم النظير، رحل إلى الشام والحجاز والعراق ومصر، وتفقه على المزني وغيره، توفي ﵀ سنة (٣١١ هـ)، وله مصنفات منها: كتاب التوحيد. [انظر: تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٢٠)، والسير (١٤/ ٣٦٥)، والعبر (١/ ٤٦٢)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٦٢)].
(٣) يبدأ هذا القسم من (٣٩٢ - ٤٤٤).
(٤) هو الإمام العلامة المحدث أبو بكر أحمد بن أيوب النيسابوري الشافعي، المعروف بالصبغي، جمع وصنف، وبرع في الفقه، وتميَّز في علم الحديث، وكان يخلف ابن خزيمة في الفتوى بضع عشرة سنة، له مصنفات منها: الأسماء والصفات، والإيمان، والقدر، توفي ﵀ سنة اثنتين وأربعين وثلاثمئة (٣٤٢ هـ). [انظر: السير (١٥/ ٤٨٣)، والعبر (٢/ ٦٣)، وشذرات الذهب (٢/ ٣٦١)].
(٥) بداية هذا القسم من ص (٤٤٥).
[ ٤٣ ]
وأنكره المعطلون " (^١).
والمطلع على هذا الكتاب يلحظ أمرين عجيبين:
"أحدهما: البحث عن أوجه التأويل لكل حديث، والتكلف في ذلك، وهو يعتقد أن هذه مهمة طائفة من أهل الحديث، فقد قسمهم إلى فرقتين:
فرقة هم أهل النقل والرواية، وحصرِ أسانيدها وتمييز صحيحها من سقيمها.
وفرقة منهم يغلب عليهم تحقيق طرق النظر والمقاييس، والإبانة عن ترتيب الفروع على الأصول، ونفي شبه الملَبِّسين عنها.
فالفرقة الأولى للدين كالخزنة للملك، والفرقة الأخرى كالحرس الذين يَذُبُّوْنَ عن خزائن الملك (^٢).
وواضح أن ابن فورك في كتابه جعل مهمته تحقيق هدف الفرقة الثانية، ولذلك ذكر فيه ما يراه من مشكل الحديث.
والأمر الآخر: خلْطُه فيما يورده -من الأحاديث- بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة، حيث جعلها نسقًا واحدًا في الدلالة وضرورة التأويل، وإذا أشار إلى ضعف بعض الروايات لا يكتفي بذلك في ردها، وبيان عدم الحاجة إلى بحث ما دلت عليه من الصفة لله تعالى، وإنما يشير إلى ضعفها -إن أشار- بكلمات، ثم يجلب بخيله ورجله في تأويلها" (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مَعْرِضِ حديثه عن تأويلات أهل الكلام: "هؤلاء يقرنون بالأحاديث الصحيحة أحاديث كثيرة موضوعة، ويقولون بتأويل الجميع، كما فعل أبو بكر بن فورك في كتاب (مشكل الحديث) " (^٤).
_________________
(١) مشكل الحديث (٥٢٥).
(٢) انظر: مشكل الحديث لابن فورك (٣٢).
(٣) موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود (٢/ ٥٦٢/ ٥٦٣).
(٤) درء التعارض (٥/ ٢٣٦).
[ ٤٤ ]
٦ - كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (^١):
ألف ابن الجوزي هذا الكتاب لشرح ما استُشكِل من حديث الصحيحين، معتمدًا فيهما على كتاب (الجمع بين الصحيحين) للحميدي، والذي رتبه مؤلفه على المسانيد، ممَّا جعل ابن الجوزي يسلك سبيله في هذا الترتيب، فجاء كتاب ابن الجوزي مرتبًا على المسانيد، لا على الأبواب الفقهية، وهذا ما جعل الاستفادة منه صعبة وشاقة.
وقد أشار في مقدمة كتابه إلى السبب المباشر الذي حرَّك همته لتأليف هذا الكتاب، وهو أن سائلًا سأله ذلك، قال: "فأنعمت له، وظننت الأمر سهلًا، فإذا نيل سُهَيْلٍ أسهل"، لكن هذا الأمر لم يكن ليثني إرادته أو يوهن من عزيمته، يقول: "فلما رأيت طرق شرحه شاسعة، شمرت عن ساق الجَدِّ، مستعينًا بالله ﷿ " (^٢).
كما أشار إلى أنه سيُعنى بكشف الإشكال المعنوي، لكون الحاجة إليه أمس، والعناية به أجدر وأحق، خاصةً وأن الحميدي قد ألف كتابًا في شرح غريب مفردات أحاديث الصحيحين فسدَّ هذه الثغرة (^٣).
_________________
(١) هو الإمام العلامة الحافظ المفسر، عالم العراق وواعظ الآفاق، صاحب التصانيف السائرة في فنون العلم: أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله، ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق -﵁-، أكثر من التصنيف في أنواع العلوم من التفسير والحديث والفقه والزهد والوعظ والتاريخ وغيرها، توفي ﵀ سنة (٥٩٧ هـ)، ومن مصنفاته: كشف المشكل من حديث الصحيحين، وزاد المسير في علم التفسير، وتلبيس إبليس. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١١٦)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٤٢)، وشذرات الذهب (٤/ ٣٢٩)].
(٢) كشف المشكل (١/ ٦).
(٣) انظر: كشف المشكل (١/ ٦)، وكتاب الإمام الحميدي مطبوع متداول، وعنوانه: "تفسير غريب ما في الصحيحين".
[ ٤٥ ]
ومما تميز به هذا الكتاب عن الكتب السابقة أنه خاص بالصحيحين، فلم يُدْخِلْ فيه حديثًا ليس فيهما أو في أحدهما.
كما تميز بأنه لم يقتصر على فنٍّ معين، بل تنوعت مسائله وأحاديثه لتشمل فنونًا متعددة، وقد نال الفقه منها بحظ وافر.
وامتاز أيضًا بشرح الألفاظ الغريبة، مع العناية بضبط اللفظة، وذكر تصاريفها واشتقاقاتها، وبيان دلالتها مع الاستشهاد على ذلك من أقوال أئمة اللغة، وأشعار العرب (^١).
كما امتاز أيضًا باحتوائه على جملة كبيرة من المسائل الفقهية، مع عرضٍ لأقوال الفقهاء فيها ناسبًا كلَّ قول إلى قائله غالبًا (^٢).
وأما المآخذ على هذا الكتاب فهي كما يلي:
١ - أنه لم يستوعب جميع المشكل، خاصة ما يتعلق منه بالعقيدة، حيث لم يذكر منه إلا شيئًا قليلًا بالنسبة لما ترك، وقد يكون رأيه فيه مرجوحًا، لا سيَّما إذا كان الإشكال متعلقًا بأسماء الله تعالى وصفاته، وفي المقابل قد يذكر فيه ما ليس بمشكل، ولذا قام بعض العلماء باختصار الكتاب، وقال: "رأيته يذكر فيه شيئًا من الأحاديث غير مشكل، أو مشكلًا ولا يأتي فيه بشيء شافٍ" (^٣).
٢ - أنه اضطرب في صفات الله تعالى بين النفي والإثبات، وخاصة الصفات الخبرية فإنه كثيرًا ما يؤولها (^٤).
٣ - أنه لم يخصه في المشكل، ولذا فإنه قد يورد الحديث لا لإشكال
_________________
(١) انظر: مقدمة الكتاب (١/ ١٦).
(٢) انظر: مقدمة الكتاب (٢٤ - ٢٦).
(٣) انظر: كشف الظنون (٢/ ١٤٩٥).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ١٦٩)، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (١/ ٤١٤)، وابن الجوزي بين التأويل والتفويض للدكتور أحمد عطية الزهراني (١٥٤ - ١٥٥)، ومقدمة كتاب كشف المشكل للدكتور علي البواب (١/ ١٢، ٤٧).
[ ٤٦ ]
فيه -كما تقدم-، وإنما ليستخرج منه فائدة معينة (^١)، وقد يذكر الحديث ليوضح فيه معنى كلمةٍ غريبة فقط، ومن أمثلة ذلك:
قال في مسند عبادة بن الصامت: "وفي الحديث الثاني: (من تعارَّ من الليل) يعني استيقظ" (^٢).
وفي مسند أُبي بن كعب قال: "وفي الحديث الرابع: (لو اشتريت حمارًا تركبه في الرمضاء) يعني: الحر" (^٣).
وقال في مسند أبي سعيد الخدري: "وفي الحديث الثاني عشر: (لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة) المدى الغاية" (^٤).
ففي هذه الأحاديث لم يذكر فيها غير ما نقلت، ومثلها كثير (^٥).
٤ - جرأته ﵀ في ردِّ الروايات -إذا خالفت مذهبه ومعتقده-، واتهامه المحدثين بالغلط في الرواية أو التصرف، أو النقل بالمعنى، دون استناد إلى دليل أو برهان، وإليك مثالًا على ذلك:
قال بعد تأويله لصفة القدم لله ﷿: "فإن قيل: كيف يصح هذا التأويل وسيأتي في حديث أبي هريرة: (يضع فيها رجله)؟ فالجواب: أن هذا من تحريف بعض الرواة، لأنه ظنَّ أن القدم هي الرجل، فروى بالمعنى الذي يظنه" (^٦).
ولعل هذا نابع من تلك القاعدة التي ذكرها أثناء اتهامه بعض الرواة بأنهم عبَّروا بالمعنى، ولم يفهموا المقصود، مما أوقع الإشكال في كثير من
_________________
(١) انظر: مقدمة الكتاب (١/ ١٥ - ١٦).
(٢) كشف المشكل (٢/ ٨١).
(٣) كشف المشكل (٢/ ٧٠).
(٤) كشف المشكل (٣/ ١٦١).
(٥) انظر: مقدمة الكتاب للدكتور علي البواب (١/ ١٨).
(٦) كشف المشكل (٣/ ٢٤٥)، وانظر: مقدمة الكتاب (١/ ٤٧ - ٤٨).
[ ٤٧ ]
الأحاديث، حيث قال: "فمتى سمعت حديثًا فيه نوع خلل فانسُب ذلك إلى الرواة، فإن الرسول -ﷺ- منزَّه عن ذلك" (^١).
قلت: لا ريب أن الرسول -ﷺ- منزه عن الخلل في حديثه، ولكن لماذا لا يتهم الإنسان رأيه وفهمه واجتهاده قبل اتهام النقلة العدول الثقاة، أهل الضبط والإتقان والتحري والتثبت؟ ! فإن الإنسان كثيرًا ما يؤتى من قبل رأيه وفهمه واجتهاده، فيستشكل ما ليس بمشكل، كما وقع لابن الجوزي هنا في صفة القدم والرجل، والله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) كشف المشكل (٣/ ٧٠).
[ ٤٨ ]
المبحث الثالث: ظواهر الكتاب والسنة كلها حق
لما كان المقصود بالخطاب والكلام إفهام السامع مراد المتكلم من كلامه، وأن يبين له ما في نفسه من المعاني، وأن يدله على ذلك بأقرب الطرق (^١)، كان ذلك موقوفًا على أمرين:
- بيان المتكلم.
- وتمكن السامع من الفهم.
فإن لم يحصل البيان من المتكلم، أو حصل له ولم يتمكن السامع من الفهم، لم يحصل مراد المتكلم، وإذا بيَّن المتكلم مراده بالألفاظ الدالة على مراده، ولم يعلم السامع معنى تلك الألفاظ، لم يحصل البيان، فلا بد من تمكن السامع من الفهم، وحصول الإفهام من المتكلم (^٢).
ومعرفة مراد المتكلم من كلامه، من أهم الأمور وأنفعها، فإنه إذا عُرف ذلك، كان هذا هو ظاهر كلامه وحقيقته.
قال ابن القيم (^٣): "إذا فهم السامع مقصود المتكلم فقد فهم حقيقة كلامه" (^٤).
_________________
(١) هذا بناءً على الأصل، وإلا فقد يكون المتكلم مريدًا التعمية والتلبيس على السامع، وهو أمر يتنزه عنه الشارع، خاصةً في مَعْرِضِ البيان والدعوة والتوجيه والإرشاد.
(٢) انظر: الصواعق المرسلة (١/ ٣١٠)، ومختصر الصواعق (١/ ٥١).
(٣) هو أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي ثم الدمشقي، الفقيه المجتهد المفسر النحوي الأصولي، الشهير بابن القيم، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وأخذ عنه واستفاد منه كثيرًا، وقد امتحن وأوذي مرات، توفي ﵀ سنة (٧٥١ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: زاد المعاد، ومفتاح دار السعادة، والصواعق المرسلة وغيرها. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ١٦٨)، والأعلام (٦/ ٥٦)، ومعجم المؤلفين (٣/ ١٦٤)].
(٤) مختصر الصواعق (٢/ ٣١٣).
[ ٤٩ ]
وأعظم من يُحتاج إلى معرفة مراده، هو الله تعالى ورسوله -ﷺ-، لأن على هذه المعرفة ينبني الاعتقاد والعمل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا بد في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يفهم كلامه" (^١).
وقال أيضًا: "معرفة مراد الرسول، ومراد الصحابة، هو أصل العلم وينبوع الهدى" (^٢).
والقاعدة عند أهل السنة والجماعة في نصوص الكتاب والسنة: أنهم يُجْرُوْنَهَا على ظاهرها، معتقدين أنه هو الحق الذي يوافق مراد الله تعالى، ومراد رسوله -ﷺ-، لا سيما ما ليس للرأي فيه مجال، كنصوص الصفات (^٣) والمعاد وغيرها من أمور الغيب (^٤).
قال الشافعي ﵀: "آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله -ﷺ-" (^٥).
ومما يُوَضِّحُ هذا ويبينه، أنه من المعلوم بالضرورة أن الشارع متصف بكمال العلم، وصدق الحديث، وقوة الفصاحة وحسن البيان، وقصد الهدى والبيان والإرشاد (^٦)، وقد تكلم باللسان المفهوم لدى المخاطبين، فوجب قبول كلامه وفهمه على ظاهره.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ١١٦)، وانظر: (٧/ ١١٤ - ١١٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٣).
(٣) يلاحظ ارتباط هذه القاعدة كثيرًا بنصوص الصفات في كلام أهل العلم، وذلك لتعرضها للتحريف والتأويل الباطل أكثر من غيرها، وإلا فهي واجبة في جميع نصوص الكتاب والسنة.
(٤) انظر: القواعد المثلى (٣٣)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي حسن (١/ ٣٩١)، وما بعدها.
(٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٤)، وانظر: (٤/ ٢).
(٦) انظر: الصواعق (١/ ٣١٠، ٣٢٠)، وشرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد العثيمين (١/ ١٣١).
[ ٥٠ ]
و"لو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب، لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل بما يدل على نقيض مراده، وأراد منه فهم النفي بما يدل على غاية الإثبات " (^١).
ولا ريب أن هذا ينافي قصد البيان والهدى والإرشاد الذي اتصف به الله تعالى واتصف به رسوله -ﷺ-، فالله تعالى يقول عن نفسه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦].
ويقول عن نبيه -ﷺ-: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ويقول أيضًا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وعلى هذا، فالواجب حمل نصوص الكتاب والسنة على ظاهرها، واعتقاد أنه حق، فمن رام غير هذا مؤْثرًا تحريفات المبطلين وتأويلات الجاهلين، على بيان رب العالمين، الذي قال عن نفسه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وبيان رسوله الصادق الأمين، الذي قال له ربه: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، فقد خاب وخسر وضل عن الصراط المستقيم والطريق القويم، كما أن سلوكه هذا السبيل يلزم منه أحد محاذير ثلاثة، لا بد منها أو من بعضها، وهي:
القدح في علم المتكلم بها -وهو الرسول -ﷺ- أو في بيانه، أو في نصحه (^٢)، فيكون هؤلاء المحرفون المبطلون أعظم منه علمًا، وأشد نصحًا، وأفصح لسانًا، وأحسن بيانًا وتعبيرًا عن الحق "وهذا مما يَعْلَم بطلانه
_________________
(١) الصواعق (١/ ٣١٠ - ٣١١).
(٢) انظر تقرير ذلك: في الصواعق المرسلة (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥) من كلام الشيخ عبد الله بن تيمية. وانظر أيضًا: (١/ ٣١٤ - ٣١٦) ففيه نقل ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية ما يلزم الصارف للنصوص عن ظاهرها من اللوازم الباطلة.
[ ٥١ ]
بالضرورة أولياؤه وأعداؤه، وموافقوه ومخالفوه، فإن مخالفيه لم يشكوا في أنه أفصح الخلق، وأقدرهم على حسن التعبير بما يطابق المعنى، ويخلصه من اللبس والإشكال وقد وصف الله رسله بكمال النصح والبيان، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، وأخبر عن رسله بأنهم أنصح الناس لأممهم، فمع النصح والبيان والمعرفة التامة" (^١)، يمتنع غاية الامتناع أن يريدوا بكلامهم خلاف ظاهره وحقيقته، وعدم البيان.
وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة وكذا العقل على وجوب إجراء نصوص الكتاب والسنة على ظاهرها، وأنه هو الحق الذي يوافق مراد الله ومراد رسوله -ﷺ-:
فمن أدلة الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥].
فوصف الله تعالى كتابه بأوضح البيان وأحسن التفسير، وأنه هدىً ورحمة ونور، وهذا يقتضي أن يكون ظاهره مطابقًا لمراده، وإلَّا لم يكن كذلك.
- وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢].
"وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي، إلَّا أن يمنع منه دليل شرعي" (^٢).
_________________
(١) الصواعق المرسلة (١/ ٣٢٥) من كلام الشيخ عبد الله بن تيمية.
(٢) القواعد المثلى للشيخ محمد العثيمين (٣٣)، وانظر: تقريب التدمرية له (٥٥).
[ ٥٢ ]
- وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فقد لعن كاتمه -يعني: العلم- وأخبر أنه بينه للناس في الكتاب، فكيف يكون قد بينه للناس وهو قد كتم الحق وأخفاه، وأظهر خلاف ما أبطن؟ فلو سكت عن بيان الحق كان كاتمًا، ومن نسب الأنبياء إلى الكذب والكتمان مع كونه يقول: إنهم أنبياء، فهو من أشر المنافقين وأخبثهم، وأبينهم تناقضًا" (^١).
- وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧].
قال ابن القيم: "تيسيره للذكر يتضمن أنواعًا من التيسير:
إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ.
الثاني: تيسير معانيه للفهم.
الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال.
ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المُخَاطَبُ، لم يكن ميسرًا له، بل كان معسرًا عليه، فهكذا إذا أُريد من المُخَاطَبِ أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني، أو يدل على خلافه، فهذا من أشد التعسير، وهو منافٍ للتيسير" (^٢).
ومن أدلة السنة على أن الأصل في النصوص حملها على ظاهرها:
- قوله -ﷺ-، كما في حديث العِرْبَاضِ بن سارية -﵁-: (تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلَّا هالك) (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٦٥).
(٢) الصواعق (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ١٦) ح (٤٣)، وأحمد (٢٨/ ٣٦٧) ح (١٧١٤٢)، والحاكم (١/ ١٧٦) ح (٣٣١)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٦) ح (٤٨)، وصححه الألباني في تخريجه للسنة.
[ ٥٣ ]
والبيضاء: الحجة الظاهرة القوية التي لا لبس فيها ولا اشتباه (^١).
- وقوله أيضًا ﵊، كما في حديث جابر بن عبد الله -﵄-: (قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: (أللهم اشهد، أللهم اشهد) ثلاث مرات (^٢).
فالرسول -ﷺ- قد أخبر أنه تركنا على المحجة البيضاء الواضحة البينة، التي لا لَبْسَ فيها ولا اشتباه، ظاهرها وباطنها سواء.
والصحابة رضوان الله عليهم قد شهدوا له بأنه قد بلَّغ وأدَّى ونصح، وهذا يعني: أن ظاهر كلامه مطابق لمراده، لأن هذا مقتضى البلاغ، وحسن الأداء، وكمال النصح.
"وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين، فوجب قبوله على ظاهره، وإلَّا لاختلفت الآراء، وتفرقت الأمة" (^٣).
وقد تواردت عبارات أهل العلم على بيان هذه القاعدة والتأكيد عليها، ومن ذلك:
قول الشافعي ﵀: "كل كلام كان عامًا ظاهرًا في سنة رسول الله فهو على ظهوره وعمومه، حتى يُعْلَمَ حديث ثابت عن رسول الله -بأبي هو وأمي- يدل على أنه إنما أُريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض" (^٤).
_________________
(١) انظر: لسان العرب (٧/ ١٢٤) مادة (بيض)، والمعجم الوسيط (١/ ٧٩).
(٢) أخرجه مسلم (٨/ ٤٢٠) ح (١٢١٨).
(٣) القواعد المثلى (٣٣).
(٤) الرسالة (٣٤١).
[ ٥٤ ]
وقال قِوَامُ السنة الأصبهاني (^١) وهو يتحدث عن الصفات: "الكلام في صفات الله ﷿، ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله -ﷺ-، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين: إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها (^٢) (^٣).
وقال ابن تيمية: "لم يكن أحد منهم -أي: الصحابة- يعتقد في خبره وأمره -يعني الرسول -ﷺ-- ما يناقض ظاهر ما بَيَّنَهُ لهم ودلهم عليه، وأرشدهم إليه، ولهذا لم يكن في الصحابة من تأول شيئًا من نصوصه على خلاف ما دل عليه، لا في ما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر به عما بعد الموت" (^٤).
وقال الذهبي عن نصوص الكتاب والسنة: "المراد بظاهرها، أي: لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له" (^٥).
وأقوال أهل العلم في تقرير هذا المعنى كثيرة، وسيأتي ذكر شيء منها عند الحديث عن الصفات (^٦).
_________________
(١) هو الحافظ الكبير شيخ الإسلام أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي التيمي الأصبهاني الشافعي، الملقب بقوام السنة، كان إمامًا في التفسير والحديث واللغة والأدب، عارفًا بالمتون والأسانيد، وكان قدوة أهل السنة في زمانه، أُصمت في صفر سنة (٥٣٤ هـ) ثم فُلج بعد مدة، وتوفي ﵀ سنة (٥٣٥ هـ) له مصنفات منها: الترغيب والترهيب، وكتاب دلائل النبوة وغيرها. [انظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٧٧)، والسير (٢٠/ ٨٠)، والعبر (٢/ ٤٤٦)، وشذرات الذهب (٤/ ١٠٥)].
(٢) أي: نفي العلم بالكيفية.
(٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٨).
(٤) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٥٢).
(٥) العلو (٢٥٤).
(٦) انظر: ص (١٠٤ - ١٠٦).
[ ٥٥ ]
وأختم هذا المبحث بالتأكيد على أمرين هامين:
الأول: أن المراد بظاهر (^١) النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنىً في سياق، ومعنىً آخر في سياق آخر (^٢).
قال ابن القيم ﵀: "السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير؟ " (^٣).
ولهذا فقد يُنْقَلُ عن أحد الأئمة ما ظاهره التأويل، وهو في الحقيقة ليس تأويلًا، لأنه نحى هذا المنحى لقرينة تدل عليه، أو لكون السياق يقتضيه، فيكون بهذا موافقًا لمراد الله تعالى أو مراد رسوله -ﷺ-، ولا يكون بذلك مخالفًا لمذهب السلف، ولا خارجًا عن قاعدة إجراء النصوص على ظاهرها، لأن المقصود هو فَهْمُ مراد المتكلم من كلامه -كما تقدم- فإذا فُهِمَ كان هذا هو ظاهر كلامه، ولم يكن تأويلًا، وإن صح تسميته تأويلًا، فهو تأويل صحيح لقيام الأدلة عليه، وموافقته النصوص الشرعية.
_________________
(١) الظاهر هنا غير الظاهر في اصطلاح الأصوليين، والذي يكون في مقابلة النص، وهو ما احتمل أمرين، وهو في أحدهما أظهر. [انظر: الواضح في أصول الفقه لابن عقيل (١/ ٣٣ - ٣٤)، وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٢٩ - ٣٠)، والقاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين للدكتور محمود حامد عثمان (٢٠٠)].
(٢) انظر: القواعد المثلى (٣٦)، وتقريب التدمرية (٥٥) كلاهما للشيخ محمد العثيمين، ونقض الدارمي على المريسي (١/ ٣٤٤)، والتحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية للشيخ فالح آل مهدي (١٧٦).
(٣) بدائع الفوائد (٤/ ٢٢٢)، وانظر: ص (١٨٤ - ١٨٧) من هذا البحث ففيها ذكر هذه القاعدة، مع توضيحها بالأمثلة.
[ ٥٦ ]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص، وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد، ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك، وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول، وما خالفه فهو المردود" (^١).
والثاني: لمَّا حدث في عرف المتأخرين القول بنفي الظاهر عن كثير من نصوص الكتاب والسنة -خاصةً ما يتعلق منها بالصفات- صار لفظ (الظاهر) فيه إجمالًا واشتراكًا، فهو في لسان السلف -وهو ما تقدم بيانه- غيره في عرف المتأخرين، مما يقتضي التفصيل فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلفظة (الظاهر) قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين" (^٢).
وقال أيضًا موضحًا ذلك فيما يتعلق بالصفات: "لفظ (الظاهر) فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد.
ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرًا، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، والله ﷾ أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال.
والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين:
تارةً يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك.
وتارةً يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل" (^٣).
_________________
(١) الصواعق المرسلة (١/ ١٨٧)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢٥٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٧٥).
(٣) التدمرية (٦٩).
[ ٥٧ ]
وقال الذهبي: "قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق والثاني باطل:
فالحق أن يقول: إنه سميع بصير مريد متكلم حي عليم، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلًا، وأمثال ذلك، فنُمِرُّهُ على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول: له تأويل يخالف ذلك.
والظاهر الآخر، وهو الباطل والضلال: أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل الباري بخلقه -تعالى الله عن ذلك- بل صفاته كذاته، فلا عِدْل له، ولا ضد له، ولا نظير له، ولا مثل له، ولا شبيه له، وليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته" (^١).
وقال ابن أبي العز (^٢): "يجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه، فهو لقصور فَهْمِهِ، ونقص علمه" (^٣).
وعلى هذا، فإن من قال: إن ظاهر النصوص غير مراد، فقد أخطأ على كل تقدير، لأنه إن فهم من ظاهرها معنىً فاسدًا فقد أخطأ في فَهْمِهِ، وأصاب في قوله: (غير مراد) وإن فهم من ظاهرها معنى صحيحًا، فقد أصاب في فهمه، وأخطأ في قوله: (غير مراد) (^٤).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٩).
(٢) هو علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الدمشقي، الفقيه الماهر، درس وأفتى، وتولى القضاء بدمشق ثم بالديار المصرية ثم بدمشق، وامتحن بسبب اعتراضه على قصيدة لابن أيبك الدمشقي، توفي ﵀ سنة (٧٩٢ هـ) له مؤلفات منها: شرح العقيدة الطحاوية، وكتاب الاتباع [انظر: شذرات الذهب (٦/ ٣٢٦)، والأعلام (٤/ ٣١٣)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٤٨٠)].
(٣) شرح العقيدة الطحاوية (٢٥٦).
(٤) انظر: تقريب التدمرية (٥٧).
[ ٥٨ ]
المبحث الرابع: العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه
هذه قاعدة جليلة القدر، عظيمة النفع، عاصمة -بإذن الله- من الوقوع في الزلل والخطأ والغلط والتحريف، ولهذا فقد نص عليها السلف وعملوا بها وأكدوا على أهميتها، لا سيما في النصوص المشكلة أو المتشابهة (^١).
وسوف أتناول هذه القاعدة -أو هذا المبحث- من خلال الحديث عن عدة قضايا، وهي: معنى المحكم والمتشابه في اللغة وفي الاصطلاح، والعلاقة بين المشكل والمتشابه، وعمل السلف بهذه القاعدة، وبيان أن الوضوح والإشكال من الأمور النسبية، وهل صفات الله تعالى من المتشابه؟ وأخيرًا: أسباب استشكال النصوص أو الاشتباه فيها.
فأولًا: معنى المحكم والمتشابه في اللغة وفي الاصطلاح:
المحكم في اللغة:
قال ابن فارس: "الحاء والكاف والميم: أصل واحد وهو المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم، وسميت حَكَمة الدابة، لأنها تمنعها، يقال: حَكَمْت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه وأحكمته، إذا أخذت على يديه" (^٢).
"والعرب تقول: حَكَمْتُ وأحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: منعت ورددت" (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٨٦)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (٢/ ٤٩٥).
(٢) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٩١)، وانظر: الصحاح للجوهري (٤/ ١٥٤٥)، والمفردات للراغب (٢٤٨)، والمعجم الوسيط (١/ ١٩٠) كلها مادة (حكم).
(٣) تهذيب اللغة للأزهري (٤/ ٦٩)، وانظر: لسان العرب (١٢/ ١٤١) مادة (حكم).
[ ٥٩ ]
وأحكم الأمر: أتقنه، والحكيم: المتقن للأمور (^١)، فيقال لمن يحسن الصناعات ويتقنها: حكيم (^٢).
والذكر الحكيم: الحاكم لكم وعليكم، وهو المحكم الذي لا اختلاف فيه ولا اضطراب (^٣).
وعليه، فالإحكام في اللغة: هو الفصل بين الشيئين، فصلًا يمنع اختلاطهما وتداخلهما.
وهو أيضًا: إتقان الشيء وإحسانه.
وكل واحد من المعنيين يعضد الآخر (^٤).
وأما المتشابه في اللغة:
فقد قال ابن فارس: "الشين والياء والهاء، أصل واحد يدل على تشابه الشىء وتشاكله لونًا ووصفًا، يقال: شِبْه وشَبَه وشبيه والمُشَبِّهات من الأمور: المشكلات، واشتبه الأمران إذا أشكلا" (^٥).
"والشُّبْهَةُ: الالتباس، وأمور مشتبهة ومشَبِّهَةٌ: مشكلة يشبه بعضها بعضًا" (^٦).
"والشِّبْهُ والشَّبَهُ والشبيه: المثل، والجمع: أشباه، وأشبه الشيءُ الشيء: ماثله" (^٧).
_________________
(١) انظر: لسان العرب (١٢/ ١٤٣)، والصحاح (٤/ ١٥٤٤)، والقاموس المحيط (١٤١٥)، والمعجم الوسيط (١/ ١٩٠) كلها مادة (حكم).
(٢) انظر: لسان العرب (١٢/ ١٤٠) مادة (حكم).
(٣) انظر: لسان العرب (١٢/ ١٤١) مادة (حكم).
(٤) انظر: التدمرية (١٠٢)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (٢/ ٤٧٢).
(٥) معجم مقاييس اللغة (٣/ ٢٤٣)، وانظر: تهذيب اللغة (٦/ ٥٩)، ولسان العرب (١٣/ ٥٠٣) كلها مادة (شبه).
(٦) لسان العرب (١٣/ ٥٠٤) مادة (شبه).
(٧) لسان العرب (١٣/ ٥٠٣) مادة (شبه).
[ ٦٠ ]
وعليه، فالمتشابه في اللغة هو: مشابهة الشيء لغيره، وهو يكون لقدر مشترك بينهما، مع وجود الفاصل بينهما، وهو القدر المميِّز (^١).
وهو أيضًا: المشكل والملتبس، وقد يكون الإشكال والالتباس لأجل المشابهة.
وأما المحكم والمتشابه في الاصطلاح: فهو يختلف باختلاف إطلاقاته، فهناك المحكم والمتشابه العام، وهناك المحكم والمتشابه الخاص (^٢)، وذلك باعتبار ورود هذين اللفظين في كتاب الله تعالى:
فحيث ورد وصف القرآن كله بأنه محكم، كما في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]، فالمراد به أنه متقن غاية الإتقان في أحكامه وألفاظه ومعانيه، فلا اختلاف فيه ولا اضطراب، من إحكام الشيء وهو إتقانه، "فإحكام الكلام: إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغَيِّ في أوامره" (^٣)، وهذا ما يعرف بالإحكام العام.
وحيث ورد وصف القرآن بأنه كله متشابه، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فالمراد به ما هو ضد الاختلاف المنفي في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وهو ما يعرف بالتشابه العام، ومعناه: "تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدِّق بعضه بعضًا، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن لوازمه، إذا لم يكن هناك نسخ.
وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته أو بثبوت ملزوماته
_________________
(١) انظر: التدمرية (٩٧، ١٠٥).
(٢) انظر: الصواعق المرسلة (٢/ ٢١٢).
(٣) التدمرية (١٠٣).
[ ٦١ ]
وهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضًا، لا يناقض بعضه بعضًا، بخلاف الإحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص" (^١).
وأما الإحكام الخاص والتشابه الخاص، فهو الوارد في آية آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
فالمحكم بمعناه الخاص هو: ما كان معناه واضحًا جليًا لا خفاء فيه.
وأما المتشابه بمعناه الخاص فهو: ما لم يتضح معناه، لدقته وغموضه، بحيث يُحتاج في فهم المراد منه إلى تفكر وتأمل، وعلى هذا فهو نسبي إضافي بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض (^٢) (^٣).
_________________
(١) التدمرية (١٠٤ - ١٠٥)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٤/ ١٠)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٥٢١).
(٢) انظر: التدمرية (١٠٥)، ومجموع الفتاوى (١٣/ ١٤٣ - ١٤٤)، و(١٧/ ٣٨٥)، والجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٠ - ١١)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٥١٧)، والمفردات للراغب الأصفهاني (٢٥١، ٤٤٣)، وفتح الباري (٨/ ٢١٠ - ٢١١)، وفتح القدير (١/ ٣١٤)، وشرح الشيخ ابن عثيمين على لمعة الاعتقاد (٨٥)، وأنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن الكريم للدكتور مساعد الطيار (١٠٨).
(٣) وهذا بناءً على قراءة الوصل في آية آل عمران، وعدم الوقف على لفظ الجلالة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ فيكون الراسخون في العلم ممن يعلم تأويله، وهو ما ذهب إليه بعض السلف وكثير من المفسرين والأصوليين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه يكون معنى التأويل في الآية: التفسير، ولا يَرِدُ على هذا القول أن الله ذم المتبعين للمتشابه، لأن الذم متوجه لمن اتبعه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، كما هو صريح الآية، أما من كان قصده الاسترشاد والاستفهام لإزالة ما عرض له من الشبهة، فهذا غير مذموم، وقد كان الصحابة -﵃- إذا عرض لأحدهم شبهة أو إشكال في آية أو حديث سأل عنه. =
[ ٦٢ ]
والمحكم والمتشابه بمعناهما الخاص هما المقصودان في هذا المبحث.
ثانيًا: علاقة المشكل بالمتشابه:
ثمة علاقة بين المشكل والمتشابه الخاص النسبي، يتضح ذلك من خلال النظر في تعريف كل منهما، وبيان ذلك كما يلي:
أولًا: من حيث التعريف اللغوي: حيث جاء في التعريف اللغوي للمشكل أن المراد به: المماثل والمشتبه والملتبس (^١).
وجاء في التعريف اللغوي للمتشابه أن المراد به: المماثل والمشكل والملتبس.
وقد أوضح ذلك ابن قتيبة ﵀ حيث قال: "ومثل المتشابه: (المشكل) وسمي مشكلًا لأنه أشكل، أي: دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله.
ثم قد يقال لما غَمُض -وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة-: مشكلًا" (^٢).
_________________
(١) = وأما على قراءة الوقف على لفظ الجلالة، وهو مذهب الجمهور من السلف والخلف، فإن معنى التأويل الوارد في الآية: حقيقة الشيء التي يؤول إليها، وهو ما استأثر الله بعلمه، كوقت الساعة ومجيء أشراطها، وكيفية نفسه وصفاته، وحقيقة ما في الجنة والنار وبناءً عليه يكون المراد بالمتشابه في الآية: المتشابه الكلي الحقيقي، وهو ما نفهم معناه ولا ندرك حقيقته وكيفيته. [انظر: التدمرية (٩٠ - ٩٨)، ومجموع الفتاوى (١٣/ ١٤٣ - ١٤٤، ٣١١)، و(١٧/ ٣٨٣ - ٣٨٦، ٣٩٣)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٥٢٠ - ٥٢١)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٥٩)، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي (١/ ٦٤٢)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (٢/ ٤٨٠ - ٤٨٤)].
(٢) انظر: ص (٢٥ - ٢٦) من هذا البحث.
(٣) تأويل مشكل القرآن (١٠٢).
[ ٦٣ ]
وقال: "أصل التشابه: أن يشبه اللفظُ اللفظَ في الظاهر والمعنيان مختلفان
ثم قد يقال لكل ما غَمُض ودقَّ: متشابه، وإن لم تقع الحَيرة فيه من جهة الشبه بغيره" (^١).
ثانيًا: من حيث التعريف الاصطلاحي: حيث إننا نجد أن المشكل يرادف المتشابه الخاص، الذي يقابل المحكم الخاص، وهو ما يخفى على بعض دون بعض، فمن خفي عليه المعنى المراد فهو متشابه ومشكل عنده، ومن علم المراد منه زال عنه الإشكال، وانتفى عنه التشابه، وصار محكمًا عنده (^٢).
ثالثًا: عمل السلف بهذه القاعدة:
إن الواجب على كل مسلم تجاه نصوص الكتاب والسنة الصحيحة أن يؤمن بها كلها، محكمها ومتشابهها، ويعمل بما استبان له منها، ويكل ما اشتبه عليه إلى الله تعالى، وهو ما نص عليه كثير من السلف، كابن عباس (^٣) وعائشة (^٤) والحسن (^٥) وقتادة والضحاك (^٦)
_________________
(١) تأويل مشكل القرآن (١٠١ - ١٠٢)
(٢) انظر: أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن الكريم للدكتور مساعد الطيار (٩٥، ١٠٨).
(٣) انظر: جامع البيان للطبري (٣/ ١٨٦)، والإتقان للسيوطي (٢/ ٦٤٤).
(٤) انظر: الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦٤٤).
(٥) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، كان من سادات التابعين وكبرائهم، جمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادةِ، وكان أبوه مولى زيد بن ثابت -﵁-، نشأ بالمدينة، وحفظ القرآن في خلافة عثمان، وسمعه يخطب مرات، وروى عن عمران بن حصين والمغيرة بن شعبة وجمع من الصحابة -﵃- توفي ﵀ سنة (١١٠ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ٥٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٧١)، والسير (٤/ ٥٦٣)، وشذرات الذهب (١/ ١٣٦)].
(٦) انظر: جامع البيان (٣/ ١٨٦)، والضحاك هو: ابن مزاحم الهلالي الخراساني =
[ ٦٤ ]
وغيرهم (^١).
قال الحسن عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، "يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه" (^٢).
وقال قتادة في آية آل عمران: "آمنوا بمتشابهه، وعملوا بمحكمه" (^٣).
وقال ابن تيمية: "ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه" (^٤).
ومن طريقة السلف أيضًا: أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه.
قال ابن القيم بعد أن ذكر أن من طريقة المخالفين للسلف: أنهم يتمسكون بالمتشابه في رد المحكم: "وأما طريقة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، كالشافعي والإمام أحمد (^٥)،
_________________
(١) = أبو محمد، وقيل: أبو القاسم، صاحب التفسير، كان من أوعية العلم، حدث عن ابن عباس وابن عمر وأنس وطائفة من الصحابة -﵃-، وليس بالمجوِّد لحديثه، وهو صدوق في نفسه، وثقه الإمام أحمد وغيره، وكان يؤدب الأطفال، ورد أنه كان فقيه مكتبٍ عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي، وكان يركب حمارًا ويدور عليهم إذا عيي، توفي ﵀ سنة (١٠٢ هـ). [انظر: السير (٤/ ٥٩٨)، والعبر (١/ ٩٤)، وشذرات الذهب (١/ ١٢٤)، والأعلام (٣/ ٢١٥)].
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٨٦).
(٣) جامع البيان (١/ ٥٦٨).
(٤) جامع البيان (٣/ ١٨٦).
(٥) التدمرية (٩٦).
(٦) هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي، إمام المحدثين وناصر الدين، والمناضل عن السنة، والصابر في المحنة، قدمت أمه بغداد وهي حامل به فولدته، ونشأ بها، وطلب العلم وسمع من شيوخها، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة فكتب عن =
[ ٦٥ ]
ومالك (^١) وأبي حنيفة (^٢)، وأبي يوسف (^٣) والبخاري وإسحاق (^٤) فعكس هذه
_________________
(١) = علمائها، كان إمامًا في الحديث وضروبه، إمامًا في الفقه ودقائقه، إمامًا في السنة وطرائقها، إمامًا في الورع وغوامضه، إمامًا في الزهد وحقائقه، قاله الذهبي، توفي ﵀ سنة (٢٤١ هـ) له مؤلفات منها: السنة، والرد على الجهمية. [انظر: تاريخ بغداد (٥/ ١٧٨)، ووفيات الأعيان (١/ ٨٧)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٣١)، والعبر (١/ ٣٤٢)، وتقريب التهذيب (١/ ٤٤)].
(٢) هو شيخ الإسلام وإمام دار الهجرة وحجة الأمة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث، طلب العلم وهو حدث فأخذ عن نافع وسعيد المقبري وابن المنكدر والزهري وغيرهم كثير، وتأهل للفتيا، وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة، وقصده طلبة العلم من الآفاق وازدحموا عليه في خلافة الرشيد وإلى أن مات سنة (١٧٩ هـ)، وله مؤلفات ورسائل من أهمها: كتاب الموطأ. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٣)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٧)، والسير (٨/ ٤٨)، وشذرات الذهب (١/ ٢٨٨)].
(٣) هو النعمان بن ثابت بن زوطا التيمي مولاهم الكوفي، إمام أصحاب أهل الرأي، وفقيه أهل العراق، أحد الأئمة الأربعة المشهورين، كان إمامًا ورعًا عالمًا عاملًا متعبدًا كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان، بل يتَّجر ويتكسب، أُريد على القضاء فأبى فضُرب لذلك، توفي ﵀ ببغداد مسجونًا -لتمنعه على القضاء- سنة (١٥٠ هـ) على الأصح. [انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٣٢٥)، ووفيات الأعيان (٤/ ٥٧٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٦٨)، والعبر (١/ ١٦٤)، وشذرات الذهب (١/ ٢٢٧)].
(٤) هو الإمام المجتهد العلامة المحدث فقيه العراقيين، القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، صاحب أبي حنيفة، حيث لازمه وتفقه عليه، وهو أنبل تلامذته وأعلمهم، حدث عنه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما، سكن بغداد، وولي القضاء، وهو أول من دُعي بقاضي القضاة في الإسلام، توفي ﵀ سنة ثنتين وثمانين ومائة (١٨٢ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٥)، ووفيات الأعيان (٥/ ٣٢٤)، والسير (٨/ ٥٣٥)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٢)، والعبر (١/ ٢١٩)].
(٥) هو إسحاق بن إبراهيم بن مَخلَد بن إبراهيم أبو يعقوب الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، كان أحد أئمة المسلمين وعَلَمًا من أعلام الدين، اجتمع =
[ ٦٦ ]
الطريق، وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه، ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتُوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره" (^١)، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
وقال ابن كثير: "فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه، وحكَّم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس" (^٢).
رابعًا: الوضوح والإشكال في النصوص من الأمور النسبية:
وصف الله تعالى القرآن بأنه نور مبين، وبيان للناس وفرقان، وأنه تبيان لكل شيء وهدىً ورحمةً، وشفاءً لما في الصدور، كما وصف نبيه -ﷺ- بأنه يهدي إلى صراط مستقيم، وأنه رحمةً للعالمين، وحجةً على الخلق أجمعين، وهذا يقتضي أن لا يكون في النصوص ما هو مشكل من حيث الواقع، بحيث لا يمكن لأحد من الأمة معرفة معناه، وإنما الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي، يختلف به الناس بحسب ما عندهم من العلم والفهم، فما يكون مشكلًا عند شخص قد لا يكون كذلك
_________________
(١) = له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد، رحل إلى العراق والحجاز واليمن والشام، وسمع من سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح ومن في طبقتهما، وروى عنه البخاري ومسلم، عاد في آخر حياته إلى خراسان فاستوطن نيسابور وبها توفي سنة (٢٣٨ هـ) وقيل: غير ذلك. [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٣٤٣)، ووفيات الأعيان (١/ ٢٠٥)، والسير (١١/ ٣٥٨)، وتقريب التهذيب (١/ ٧٨)، وشذرات الذهب (٢/ ٨٩)].
(٢) أعلام الموقعين (٢/ ٢٩٤)، وانظر: جامع البيان (٣/ ١٨٦)، والجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٠)، ومجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٦ - ٣٠٧).
(٣) تفسير القرآن العظيم (١/ ٥١٧).
[ ٦٧ ]
عند آخر، بل يكون عنده واضحًا جليًا (^١)، وأما أن يكون في النصوص الشرعية ما لا يمكن لأحد من الأمة معرفة معناه فهذا غير موجود، حتى ما لا ندرك حقيقته وكيفيته فإننا نعرف معناه، ونفهم المراد بلفظه، كصفات الله تعالى وحقيقة ما في البرزخ والجنة والنار.
قال النووي: "يَبْعُدُ أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته" (^٢).
وقال ابن تيمية: "والمقصود هنا: أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلامًا لا معنى له، ولا يجوز أن يكون الرسول -ﷺ- وجميع الأمة لا يعلمون معناه، كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين، وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ فإن معنى الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره، وهذا مما يجب القطع به" (^٣).
وقال: "ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال: هذه من المتشابه الذي لا يُعلم معناه، ولا قال قَطُّ أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول الله -ﷺ-، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه" (^٤).
وقال أيضًا: "وبالجملة: فالدلائل الكثيرة توجب القطع ببطلان قول من يقول: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها الرسول ولا غيره، نعم، قد
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٧)، وشرح الشيخ ابن عثيمين على لمعة الاعتقاد (٣٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٥٩).
(٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٩٠).
(٤) المرجع السابق (١٣/ ٢٨٥)، وانظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (٩٨، ١٠٠).
[ ٦٨ ]
يشكل في القرآن آيات لا يعلم معناها كثير من العلماء، فضلًا عن غيرهم، وليس ذلك في آية معينة، بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا" (^١).
خامسًا: هل صفات الله تعالى من قبيل المتشابه (^٢)؟
تقدم بيان أن المتشابه منه ما هو كلي حقيقي، لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو ما استأثر الله بعلمه من حقائق الأشياء وكيفياتها، ومنه ما هو نسبي إضافي، يشتبه على بعض الناس دون بعض، ولأجل هذا فإنه لا يصح إطلاق القول: بأن صفات الله تعالى من المتشابه، بل لا بد من التفصيل في ذلك، فإن صفات الله تعالى لها اعتباران:
الأول: من جهة معناها: وهي بهذا الاعتبار معلومة لنا، وتقدم -قريبًا- بيان أنه لا يوجد شيء من نصوص الشرع لا يعلم معناه أحد من الناس، لأنها حينئذٍ تكون بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، وهذا ما يُنزه عنه كلام الله تعالى وكلام رسوله -ﷺ-.
وعليه فإن نصوص الصفات بهذا الاعتبار ليست من المتشابه الكلي الحقيقي الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وجعلها منه قول باطل، لا يُعرف عن أحد من سلف الأمة ولا من أئمتها المتبوعين.
نعم، قد يكون منها ما قد يشتبه على بعض الناس دون بعض، وهذا من التشابه النسبي الذي سرعان ما يزول بِرَدِّه إلى المحكم، أو إلى أهل العلم الراسخين فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
_________________
(١) المرجع السابق (١٧/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، وانظر: (١٧/ ٣٩٥ - ٤٠٠)، و(١٣/ ٣٠٦).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٧٢ - ٣٧٩)، و(١٣/ ١٤٤، ٢٩٤ - ٣١٣)، والتدمرية (٨٩)، وما بعدها، والصواعق المرسلة (١/ ٢١٣)، ومنهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي (٣٢)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (٢/ ٤٨٨).
[ ٦٩ ]
وأما الاعتبار الثاني: فهو من جهة كيفيتها وحقيقة ما هي عليه: فهي بهذا الاعتبار غير معلومة لنا، لأنه مما استأثر الله بعلمه، كما هو الحال بالنسبة لوقت الساعة، وحقيقة ما في البرزخ والجنة والنار، وسائر أمور الغيب.
فصفات الله تعالى من هذا الوجه يصح أن يُقال عنها: إنها من المتشابه، والمراد به: التشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
وعلى هذا، فصفات الله تعالى معلومة لنا من وجه، ومجهولة لنا من وجه آخر، فالمعنى معلوم، والكيف مجهول، يوضح ذلك قوله -ﷺ-، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟) قالوا: نعم، قال: (فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم) (^١).
وقوله -ﷺ-، كما في حديث أبي هريرة أيضًا: (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، متفق عليه (^٢).
ومن هنا نعلم خطأ من أطلق القول بأن صفات الله تعالى من المتشابه، ولم يفرق بين المعنى والكيف، كما فعل ابن قدامة (^٣)
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (١/ ٢٧٧) ح (٧٧٣)، ومسلم (٣/ ٢١) ح (١٨٢).
(٢) البخاري (٣/ ١١٨٥) ح (٣٠٧٢)، ومسلم (١٧/ ١٧١) ح (٢٨٢٤).
(٣) انظر: روضة الناظر (١/ ١٨٦)، واللمعة وشروحها. وابن قدامة هو: العلامة الفقيه الحنبلي، موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، كانت أوقاته مستغرقة في العلم والعمل، وكان إليه المنتهى في معرفة المذهب الحنبلي وأصوله، وكان مع تبحره في العلوم صاحب ورع وزهد وهيبة ووقار، وعقيدة صحيحة، توفي رحمه سنة (٦٢٠ هـ) له عدة مصنفات منها المغني والكافي والمقنع وغيرها. [انظر: العبر (٣/ ١٨٠)، وشذرات الذهب (٥/ ٨٨)، والدر المنضد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد لعبد الله بن حميد (٣٢)، ومختصر طبقات الحنابلة لابن شطي (٥٢)].
[ ٧٠ ]
والسيوطي (^١) وغيرهما.
ومثله من جعل نصوص الصفات من المتشابه باعتبار أن إجراءها على ظاهرها اللائق بالله تعالى يقتضي التشبيه والتمثيل، فذهب لأجل هذا إلى تأويلها وصرفها عن ظاهرها المراد منها، كما فعل ابن اللبان (^٢) في كتابه: (إزالة الشبهات عن الآيات والأحاديث المتشابهات) (^٣).
_________________
(١) انظر: الإتقان في علوم القرآن (١/ ٦٤٩).
(٢) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الإسعردي ابن اللبان الشافعي، كان عارفًا بالفقه والعربية، أديبًا شاعرًا، لكنه من المغالين في التأويل، المائلين إلى القول: بوحدة الوجود، له كلام في التصوف على طريقة الشاذلية، وله مؤلفات منها: ترتيب الأم للشافعي، وألفية في النحو، وإزالة الشبهات عن الآيات والأحاديث المتشابهات، توفي بمصر بمرض الطاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة (٧٤٩). [انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٣/ ٣٣٠)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٣٥٩)، وشذرات الذهب (٦/ ١٦٣)، وذيل تذكرة الحفاظ (١٢١)، والأعلام (٥/ ٣٢٧)].
(٣) ظاهر هذا الكتاب: تأويل الآيات والأحاديث على منهج الأشاعرة، وفي حقيقته إشارات وتلميحات إلى بعض معتقدات غلاة الصوفية، كالقول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ولهذا قال ابن حجر عن هذا الكتاب، كما في الدرر الكامنه (٣/ ٣٣١): "فيه إشارات أهل الوحدة، وهو في غاية الحلاوة لفظًا، وفي المعنى سم ناقع". وقد طبع أخيرًا بتحقيق الدكتور فريد مصطفى سلمان، وقد خدم الكتاب خدمة طيبة من حيث إخراج النص، وتخريج أحاديثه، وشرح غريبه، كما قدم له بمقدمة مختصرة، بيَّن فيها منهج المؤلف في كتابه، ثم أعقبه ببيان منهج السلف في أسماء الله وصفاته. لكن مما يحسن التنبيه عليه: أن المحقق وفقه الله ترك كثيرًا من تحريفات ابن اللبان دون رد أو تعليق، مكتفيًا بما ذكره في مقدمة الكتاب من عرض مختصر لعقيدة السلف في الأسماء والصفات، حيث يقول ص (٧٩): "منهج السلف في آيات الصفات معروف، وقد بينت هذا المنهج الأساسي في الدراسة ليتم عرض هذه الشبهات على تلك القواعد الأساسية". ولا يخفى ما في هذه الطريقة من حصول اللبس والإيهام، إذ ليس كل من قرأ =
[ ٧١ ]
سادسًا: أسباب استشكال النصوص، أو الاشتباه فيها:
لا ريب أن استشكال النصوص له أسباب متعددة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية جملة منها فقال: "قد يكون في القرآن آيات لا يعلم معناها كثير من العلماء، فضلًا عن غيرهم، وليس ذلك في آية معينة، بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا، وذلك تارة يكون لغرابة اللفظ، وتارة لاشتباه المعنى بغيره، وتارة لشبهة في نفس الإنسان تمنعه من معرفة الحق، وتارة لعدم التدبر التام، وتارة لغير ذلك من الأسباب" (^١).
وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام يمكن إرجاعه إلى سبب واحد، وهو: الغلط في الفهم، وثمة سبب آخر بالغ الأهمية، وهو: ضعف الرواية، وذلك عندما يكون النص حديثًا مرويًا عن النبي -ﷺ-، ولعل شيخ الإسلام لم يذكره لأنه في معرض الحديث عن القرآن، وهذا السبب غير وارد فيه، كما هو معلوم.
وعلى هذا، فاستشكال النصوص راجع إلى أمرين أساسيين:
أحدهما: الغلط في الفهم. والثاني: ضعف النص.
ولهذا قال ابن القيم في نونيته:
"فإذا تعارض نص لفظ وارد والعقل حتى ليس يلتقيان
فالعقل إما فاسد ويظنه الرائي صحيحًا وهو ذو بطلان
_________________
(١) = الكتاب أو نظر فيه سيرجع إلى المقدمة، فقد يتوهم متوهم أن ما فيه هو معتقد السلف، فاقتضى الأمر -إن كان لا بد من تحقيق الكتاب وطبعه- أن يُعلق على كل خطأ أو تحريف في مكانه الذي ورد فيه. وعلى كل حال فالكتاب لا يحسن نشره لما فيه من التضليل والتجهيل، وتحقيقه بهذا الشكل غير كافٍ في رد ما فيه من الباطل، لا سيما وأن الكتاب -كما قال المحقق ص (٧٨) -: "يكاد يكون الكتاب الأول في بيان منهج الصوفية وموقفهم من الأسماء والصفات"، وقال أيضًا ص (٧٩): إنه "يحتاج إلى كتب في الردود على ما أثاره من قضايا".
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٠٠).
[ ٧٢ ]
أو أن ذاك النص ليس بثابت ما قاله المعصوم بالبرهان" (^١)
وقال أيضًا: "وما يُؤتى أحد إلا من غلط الفهم أو غلط في الرواية، متى صحت الرواية وفهمت كما ينبغي تبيَّن أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق، وبالله التوفيق" (^٢).
فالسبب الأول: الغلط في الفهم: وهو سبب ظاهر في استشكال كثير من النصوص، والناس متفاوتون فيه تفاوتًا عظيمًا.
قال ابن تيمية: "قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها، فتكون مشكلة بالنسبة إليهم، لعجز فهمهم عن معانيها" (^٣).
وقال الشاطبي (^٤): "لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم" (^٥).
وقال أيضًا: "لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية، ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جارٍ على مهيع واحد، ومنتظم إلى معنى واحد، فإذا أدَّاه بادي الرأي إلى ظاهر اختلاف، فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف، لأن الله تعالى قد شهد له أن لا اختلاف فيه " (^٦).
_________________
(١) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية -المشهورة بنونية ابن القيم- شرح ابن عيسى (٢/ ٩٥).
(٢) شفاء العليل (١/ ٦٧)، وانظر: زاد المعاد (٤/ ١٤٩) وأعلام الموقعين (٢/ ٣)، ودرء التعارض لابن تيمية (١/ ١٤٧).
(٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٧).
(٤) هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، أصولي حافظ من أهل غرناطة، كان من أئمة المالكية، توفي ﵀ سنة (٧٩٠ هـ) له مصنفات عديدة منها: الموافقات، وكتاب الاعتصام. [انظر: الأعلام (١/ ٧٥)، ومعجم المؤلفين (١/ ٧٧)].
(٥) الموافقات في أصول الشريعة (٤/ ٢١٧)، وانظر: (٤/ ٩٣).
(٦) الاعتصام (٣/ ٣٨٢).
[ ٧٣ ]
وقال المعلمي (^١): "اعلم أن الناس تختلف مداركهم وأفهامهم وآراؤهم، ولا سيما فيما يتعلق بالأمور الدينية والغيبية، لقصور علم الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته، ولهذا كان في القرآن آيات كثيرة يستشكلها كثير من الناس، وقد أُلفت في ذلك كتب، وكذلك استشكل كثير من الناس كثيرًا من الأحاديث الثابتة عن النبي -ﷺ-، منها ما هو من رواية كبار الصحابة أو عدد منهم وبهذا يتبين أن استشكال النص لا يعني بطلانه" (^٢).
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -فيما تقدم (^٣) - بعض الأسباب المؤدية إلى الغلط في الفهم، ويمكن إجمالها بما يلي:
١ - غرابة اللفظ.
٢ - اشتباه المعنى بغيره.
٣ - وجود شبهة في نفس الإنسان تمنعه من معرفة الحق ..
٤ - عدم التدبر التام.
وزوال الإشكال الناتج عن هذا السبب يكون بتدبر النصوص، وإدامة النظر والتأمل فيها، وهو ما أمر الله تعالى به حيث قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]،
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المعلمي العتمي، علَّامة فقيه، نسبته إلى (بني المعلم) من بلاد عُتمة باليمن، ولد ونشأ في عتمة، وتردد إلى بلاد الحُجَرية (وراء تعز)، وتعلم بها، وسافر إلى جيزان وتولى رئاسة القضاء فيها، ثم سافر إلى الهند وعمل في دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد مصححًا كتب الحديث والتاريخ، ثم عاد إلى مكة فعُيِّن أمينًا لمكتبة الحرم المكي سنة (١٣٧٢ هـ)، ولم يزل كذلك حتى توفي ﵀ سنة (١٣٨٦ هـ) له مؤلفات منها: التنكيل، والأنوار الكاشفة. [انظر: الأعلام (٣/ ٣٤٢)، ومعجم المؤلفين (٢/ ١٢٦)].
(٢) الأنوار الكاشفة (٢٢٣).
(٣) انظر: ص (٧٢).
[ ٧٤ ]
فإن ظهر له المعنى وزال عنه الإشكال، وإلا رجع إلى أهل الذكر الذين يعلمونه، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
وأعظم معين على إزالة الإشكال ودفع الاشتباه: اللجوء إلى الله تعالى بدوام الاستغفار، وكثرة الابتهال، والإلحاح في الدعاء بأن يورثه علم ما أشكل عليه، فإن الله تعالى إذا علم من عبده صدق اللجوء، وحسن النية، وصواب الطريقة، أعانه ووفقه وسدده وهداه، ودفع عنه ما أشكل عليه.
قال ابن تيمية: "إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء أو الحالة التي تشكل علي، فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل، حتى ينشرح الصدر، وينحل إشكال ما أشكل" (^١).
ومما يشار إليه هنا أن هذا السبب هو الذي أوقع كثيرًا من أهل البدع في استشكال كثير من النصوص، حيث ابتدعوا معتقدات باطلة، وجعلوها هي الأصل الذي يجب اعتقاده والبناء عليه، ثم نظروا في الكتاب والسنة، فما أمكنهم تأويله أوَّلوه، وإلا قالوا: هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة التي لا ندري ما أُريد بها، فجعلوا بدعهم أصلًا محكمًا، وما جاء به الرسول -ﷺ- فرعًا ومشكلًا إذا لم يوافقه.
والواجب أن يجعل ما أنزله الله من الكتاب والحكمة أصلًا في جميع الأمور، وإليه يرد ما استشكل من ذلك (^٢).
قال ابن تيمية مبينًا تخبط أهل البدع وتناقضهم في استشكال النصوص: "ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعل الفريق الآخر مشكلًا:
_________________
(١) العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، لابن عبد الهادي (٦).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٦).
[ ٧٥ ]
فمنكر الصفات الخبرية يقول: نصوصها مشكلة متشابهة وكذلك يقول من ينكر العلو والرؤية: نصوص هذه مشكلة.
ومنكر الصفات مطلقًا يجعل ما يثبتها مشكلًا دون ما يثبت أسماءه الحسنى.
ومنكر معاني الأسماء يجعل نصوصها مشكلة.
ومنكر معاد الأبدان وما وُصفت به الجنة والنار يجعل ذلك مشكلًا أيضًا.
ومنكر القدر يجعل ما يثبت أن الله خالق كل شيء وما شاء كان، مشكلًا " (^١).
وأما السبب الثاني فهو: ضعف النص، فكثيرًا ما يستشكل الناس حديثًا مرويًا عن النبي -ﷺ-؛ لمخالفته لصحيح المنقول أو صريح المعقول مخالفة ظاهرة، لا يمكن القول معها بمفهومه ودلالته، وعند تأمل درجته والنظر في سنده نجد أنه لا يصح عن النبي -ﷺ-، وببيان ضعفه يزول إشكاله.
قال ابن تيمية: "لا يُعْلَمُ حديثٌ واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف، بل موضوع" (^٢).
ومما يحسن التنبيه عليه أن اتهام الفهم عند استشكال النص يجب أن يكون مقدمًا على اتهام النص نفسه وتضعيفه -ما لم يكن ضعفه بَيِّنًا- فلا يسوغ الاستعجال في رد النصوص وتوهينها لمجرد استشكالها، فكثيرًا ما يؤتى المرء من قبل رأيه وفهمه واجتهاده.
قال المعلمي: "وبالجملة: لا نزاع أن النبي -ﷺ- لا يخبر عن ربه وغيبه بباطل، فإن رُوي عنه خبر تقوم الحجة على بطلانه فالخلل من الرواية، لكن
_________________
(١) درء التعارض (١/ ١٦ - ١٧).
(٢) درء التعارض (١/ ١٥٠).
[ ٧٦ ]
الشأن كل الشأن في الحكم بالبطلان، فقد كثر اختلاف الآراء والأهواء والنظريات، وكثر غلطها، ومن تدبرها وتدبر الرواية وأمعن فيها، وهو ممن رزقه الله تعالى الإخلاص للحق والتثبت، علم أن احتمال خطأ الرواية التي يثبتها المحققون من أئمة الحديث أقل جدًا من احتمال خطأ الرأي والنظر، فعلى المؤمن إذا أشكل عليه حديث قد صححه الأئمة، ولم تطاوعه نفسه على حمل الخطأ على رأيه ونظره أن يعلم إن لم يكن الخلل في رأيه ونظره وفهمه فهو في الرواية، وليفزع إلى من يثق بدينه وعلمه وتقواه، مع الابتهال إلى الله ﷿ فإنه ولي التوفيق" (^١).
وقال أيضًا: "الاستشكال لا يستلزم البطلان، بدليل استشكال كثير من الناس كثيرًا من آيات القرآن والخلل في ظن البطلان أكثر جدًا من الخلل في الأحاديث التي يصححها الأئمة المثبتون" (^٢).
* * *
_________________
(١) الأنوار الكاشفة (٢٣٦ - ٢٣٧).
(٢) المرجع نفسه (٢٩٣).
[ ٧٧ ]
المبحث الخامس: ترجمة موجزة للبخاري ومسلم عليهما رحمة الله
أولًا: الإمام البخاري رحمه الله تعالى:
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه (^١) الجعفي البخاري.
- كانت ولادته رحمه الله تعالى يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة.
- ونشأ يتيمًا حيث توفي والده وهو صغير فنشأ في حجر أمه، فأحسنت تربيته وتنشئته حتى غدا مولعًا بالعلم وأهله، فأصبح يتنقل بين حلقات العلم والمحدثين وهو في سنٍّ مبكرة (^٢).
يقول ﵀: "أُلهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب"، قيل: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ قال: "عشر سنين أو أقل" (^٣)، ثم خرج منها وبدأ يختلف إلى علماء عصره وأئمة بلده، يأخذ عنهم ويراجعهم ويناقشهم، ثم خرج من بلده طلبًا للعلم والحديث حتى أصبح إمامًا في العلم ورأسًا في الحديث، يقصده طلاب العلم ومريدوه من كل حدب وصوب.
_________________
(١) هكذا ضبطها ابن حجر في تغليق التعليق (٥/ ٣٨٤): (بفتح الباء الموحدة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة مكسورة ثم زاي ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة).
(٢) انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٥ - ٦)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩١ - ٣٩٢)، وهدي الساري (٤٧٧).
(٣) تاريخ بغداد (٢/ ٧)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٣٩).
[ ٧٨ ]
وكانت أول رحلة قام بها البخاري هي رحلته إلى مكة للحج، وهو في سن السادسة عشرة من عمره تقريبًا.
قال ابن حجر (^١): "فكان أول رحلته على هذا سنة عشر ومائتين، ولو رحل أول ما طلب لأدرك ما أدركته أقرانه من طبقة عالية" (^٢).
وقد أكثر البخاري رحمه الله تعالى بعد ذلك من الرحلة إلى سائر الأمصار في طلب العلم والحديث.
حدَّث البخاري عن نفسه فقال: "لقيت أكثر من ألف رجل: أهل الحجاز والعراق والشام ومصر لقيتهم كرَّات، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، وبالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان" (^٣).
وقد رُزق البخاري رحمه الله تعالى حافظة قوية، وذكاءً حادًا، وذهنًا متوقدًا، واطلاعًا واسعًا.
رُوي عنه أنه قال: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي
_________________
(١) هو العلامة الحافظ أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الشافعي أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر، من أئمة العلم والتاريخ، أصله من عسقلان بفلسطين، ومولده ونشأته ووفاته بمصر، ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث، ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ، وعلت له شهرة، فقصده الناس للأخذ عنه، وأصبح حافظ الإسلام في عصره، ولي قضاء مصر مرات، توفي ﵀ سنة (٨٥٢ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وكتاب تهذيب التهذيب، وكتاب تغليق التعليق وغيرها. [انظر: الضوء اللامع (٢/ ٣٦)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٧٠)، والبدر الطالع (١/ ٨٧)، والأعلام (١/ ١٧٨)].
(٢) هدي الساري (٤٧٨).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٠٧)، وانظر: تاريخ بغداد (٢/ ٥)، وهدي الساري (٤٧٨).
[ ٧٩ ]
ألف حديث غير صحيح (^١) " (^٢).
وليس أدل على قوة حافظة البخاري وتوّقد ذهنه من تلك الحادثة التي حدثت له ببغداد، وذلك أنه لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، فجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة رجال، كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك إلى البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحدًا بعد الآخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم.
ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدًا تلو الآخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه.
_________________
(١) تاريخ بغداد (٢/ ٢٥)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٦١).
(٢) ليس المراد بهذه الألوف الكثيرة أنها كلها أحاديث متغايرة كما يظن البعض -فيُشكل عليه تصديق ذلك- وإنما هي طرق متعددة للأحاديث، وقد يُروى الحديث الواحد بعشرات الأسانيد فتعتبر هذه الأسانيد بمثابة الأحاديث وما هي في الواقع إلا طرقًا لحديث واحد، وأيضًا فإنه يدخل في هذه الألوف آثار الصحابة والتابعين وغيرهم. [انظر: مقدمة ابن الصلاح (٢٣)، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ٤٦ - ٤٧)، والتعريف بكتب الحديث الستة للشيخ محمد محمد أبي شهبة (٣٧).
[ ٨٠ ]
فلما عرف البخاري أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع حتى أتى على تمام العشرة، فردَّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل (^١).
ثناء العلماء عليه:
لقد أثنى على البخاري رحمه الله تعالى -في سعة علمه وقوة حفظه وبراعته في علم الحديث- عدد كبير من أهل العلم والفضل في سائر الأمصار، وليس المثنون عليه هم تلامذته أو من جاء بعدهم فقط، بل حتى شيوخه وأقرانه قد دانوا له بالفضل واعترفوا له بالعلم والحفظ وإليك بعض أقوالهم:
قال علي بن المديني (^٢): "ما رأى مثل نفسه" (^٣).
وقال فيه أحمد بن حنبل: "ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل" (^٤).
وقال نعيم بن حماد (^٥): "محمد بن إسماعيل فقيه هذه
_________________
(١) انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٠)، وتهذيب الكمال (٢٤/ ٤٥٣)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٠٨).
(٢) هو علي بن عبد الله بن جعفر السعدي مولاهم أبو الحسن بن المديني البصري، ثقة ثبت إمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله حتى قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني، عابوا عليه إجابته في المحنة، لكنه تنصل وتاب واعتذر بأنه خاف على نفسه، توفي ﵀ سنة (٢٣٤ هـ). [انظر: السير (١١/ ٤١) العبر (١/ ٣٢٩) تقريب التهذيب (١/ ٦٩٧) شذرات الذهب (٢/ ٨١)].
(٣) تاريخ بغداد (٢/ ١٨)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٥١).
(٤) تاريخ بغداد (٢/ ٢١)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٥٦).
(٥) هو الإمام الشهير أبو عبد الله الخزاعي المروزي الفرضي نزيل مصر، كان شديدًا =
[ ٨١ ]
الأمة" (^١).
وقال ابن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم هذه السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري" (^٢).
وقال أبو عيسى الترمذي (^٣): "لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كثير أحدٍ أعلم من محمد بن إسماعيل" (^٤).
مصنفاته:
لقد صنف البخاري رحمه الله تعالى العدد الكثير من الكتب والمؤلفات، وإليك أشهر الكتب المطبوعة:
١ - الجامع الصحيح، وهو المعروف بصحيح البخاري.
_________________
(١) = على الجهمية، وكان يقول: كنت جهميًا فلذلك عرفت كلامهم، فلما طلبت الحديث علمت أن مآلهم إلى التعطيل، قيل: إنه أول من جمع المسند، وكان من أوعية العلم إلا أنه لا يحتج به، ضعفه النسائي وغيره، امتحن في محنة القرآن، وتوفي رحمه الله تعالى سنة (٢٢٨ هـ) على الأصح. [انظر: تذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٨)، والعبر (١/ ٣١٨)، وتقريب التهذيب (٢/ ٢٥٠)، وشذرات الذهب (٢/ ٦٦)].
(٢) تاريخ بغداد (٢/ ٢٤)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٥٩).
(٣) تاريخ بغداد (٢/ ٢٦)، وانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٣١).
(٤) هو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الضرير فقد بصره -على الصحيح- في كبره بعد رحلته وكتابته العلم، كان عالمًا حافظًا إمامًا بارعًا، شارك البخاري في بعض شيوخه وتتلمذ عليه توفي ﵀ سنة (٢٧٩ هـ)، وقيل غير ذلك، له مصنفات منها: الجامع المشهور بسنن الترمذي، وكتاب العلل. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٤)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٣٣)، والسير (١٣/ ٢٧٠)، والعبر (١/ ٤٠٢)].
(٥) كتاب العلل (٥/ ٧٣٨) الملحق بآخر كتاب سنن الترمذي، وانظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٦).
[ ٨٢ ]
٢ - التاريخ الكبير.
٣ - التاريخ الأوسط.
٤ - التاريخ الصغير.
٥ - الأدب المفرد.
٦ - خلق أفعال العباد.
٧ - القراءة خلف الإمام.
وفاته:
كانت وفاته ﵀ "ليلة السبت عند صلاة العشاء -ليلة الفطر- ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر يوم السبت لغرة شوال من سنة ست وخمسين ومائتين، وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا" (^١).
ثانيًا: الإمام مسلم رحمه الله تعالى (^٢):
هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن وَرْدٍ القشيري النيسابوري (^٣).
- اختلف في مولده على أقوال أصحها ما ذهب إليه ابن الصلاح والنووي وغيرهما أنه ولد سنة ست ومائتين (^٤).
_________________
(١) تاريخ بغداد (٢/ ٦) بتصرف يسير، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٣٨)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٦٨).
(٢) يلاحظ المتتبع لكتب التراجم في سيرة هذا الإمام أنها شحيحة بالمعلومات الشخصية عنه ولذلك فإنه من الصعوبة بمكان التعرف على ملامح حياته من جميع جوانبها بخلاف الإمام البخاري فإنه حظي بترجمة واسعة واهتمام بالغ حتى صفوا خُلُقه وخَلْقَه.
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٥٧)، وتاريخ بغداد (١٣/ ١٠١)، وصيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط لابن الصلاح (٥٥).
(٤) انظر: صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح (٦٢)، وشرح النووي على مسلم (١/ ١١٦).
[ ٨٣ ]
وقد نشأ ﵀ في بيت علم وجاه، فقد كان والده متصدرًا لتربية الناس وتعليمهم، ومن كان هذه حاله فلا شك أنه سيكون له أثر واضح على ابنه نحو طلب العلم والتزام حلقات التعليم (^١).
وقد بدأ الإمام مسلم ﵀ في طلب العلم وسماع الحديث في سن مبكرة، وكان أول سماع له سنة ثماني عشرة ومائتين، وعمره آنذاك اثنتا عشرة سنة (^٢).
ثم رحل بعد ذلك في طلب العلم والحديث رحلةً واسعةً، فقد رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر وخراسان والري وغيرها من بلدان العالم الإسلامي (^٣).
ومن العلماء الذين استفاد منهم الإمام مسلم وتأثر بهم وسلك سبيلهم ونهج نهجهم، خاصة في تأليف كتابه الصحيح: الإمام البخاري ﵀، فقد كان شيخه وأستاذه.
قال الخطيب البغدادي (^٤): "إنما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذا حذوه، ولما ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه" (^٥).
_________________
(١) انظر: الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح لمشهور بن حسن آل سلمان (١/ ١٩).
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٥٨)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٨٨).
(٣) انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ١٠١)، وصيانة صحيح مسلم (٥٥ - ٥٦).
(٤) هو الإمام الكبير محدث الشام والعراق أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي، كان من الحفاظ المتقنين والعلماء المتبحرين، ولو لم يكن له سوى (التاريخ) لكفاه فإنه يدل على اطلاع عظيم، صنف قريبًا من مائة مصنف، توفي ﵀ ببغداد سنة (٤٦٣ هـ) له عدة مؤلفات من أشهرها: تاريخ بغداد. [انظر: وفيات الأعيان (١/ ١١١)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٣٥)، والسير (١٨/ ٢٧٠)، وشذرات الذهب (٣/ ٣١١)].
(٥) تاريخ بغداد (١٣/ ١٠٣).
[ ٨٤ ]
وقال النووي: "وقد صح أن مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث" (^١).
ثناء العلماء عليه:
لقد حظي ﵀ بثناء عطر وذكر جميل من علماء عصره ومن بعدهم، وما ذاك إلا لجلالة قدره وعظيم منزلته في نفوس المسلمين، خاصةً بعد كتابه (الصحيح) الذي يعد -هو وصحيح البخاري- أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.
وفي ما يلي أذكر نتفًا مما قيل في الثناء عليه:
قال محمد بن بشار (^٢): "حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى" (^٣).
وقال فيه الخطيب البغدادي: "أحد الأئمة من حفاظ الحديث" (^٤).
وقال ابن الصلاح: "رفعه الله ﵎ بكتابه الصحيح هذا إلى مناط النجوم، وصار إمامًا حجة يبدأ ذكره ويعاد في علم الحديث وغيره من العلوم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (^٥).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٢٠).
(٢) هو محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان، الإمام الحافظ راوية الإسلام أبو بكر العبدي البصري المعروف ببندار، لُقب بذلك لأنه كان بندار الحديث في عصره ببلده، والبندار: الحافظ، وكان ثقة عالمًا بحديث البصرة متقنًا مجودًا، لم يرحل برًا بأمه، ثم ارتحل بعدها، توفي ﵀ سنة (٢٥٢ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ١٠٠)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥١١)، والسير (١٢/ ١٤٤)، وتقريب التهذيب (٢/ ٥٨)].
(٣) تاريخ بغداد (٢/ ١٦)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٤٩).
(٤) تاريخ بغداد (١٣/ ١٠١).
(٥) صيانة صحيح مسلم (٦٠).
[ ٨٥ ]
وقال النووي: "هو أحد أعلام أئمة هذا الشأن، وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ والإتقان، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان، والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان، والمرجوع إلى كتابه والمعتمد عليه في كل الأركان" (^١).
ونعته الذهبي بعدة أوصاف فقال عنه مرةً: "الإمام الحافظ حجة الإسلام" (^٢).
وقال مرةً: "الإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق" (^٣).
وقال مرة ثالثةً: "الحافظ أحد أركان الحديث" (^٤).
مصنفاته:
صنف الإمام مسلم ﵀ تصانيفَ عديدة ومؤلفات فريدة، ولكن لم يصلنا منها إلا النزر اليسير وأغلب تصانيفه -إن لم تكن كلها- في الحديث وعلومه، كأوهام المحدثين، وأسمائهم، وطبقاتهم، وفي العلل وغيرها: وإليك سرد أهم كتبه المطبوعة:
١ - المسند الصحيح وهو المعروف بصحيح مسلم.
٢ - الأسماء والكنى.
٣ - التمييز.
٤ - الطبقات.
٥ - المنفردات والوحدان (^٥).
_________________
(١) مسلم بشرح النووي (١/ ١١٤).
(٢) تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٨٨).
(٣) السير (١٢/ ٥٥٧).
(٤) العبر في خبر من غبر (١/ ٣٧٥).
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٧٩)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٩٠)، والإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح لمشهور آل سلمان (١/ ٢٣٣)، وما بعدها.
[ ٨٦ ]
وفاته:
توفي رحمه الله تعالى عشية يوم الأحد، ودفن يوم الإثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين.
وقد ذكروا قصة عجيبة في سبب وفاته فقالوا: إنه عقد له مجلس للمذاكرة، فذُكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخلن أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أُهديت لنا سلة فيها تمر، فقال: قدموها إليّ، فقدموها إليه، فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث، قال الحاكم (^١) -الراوي لهذه القصة-: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مرض ومات (^٢).
* * *
_________________
(١) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري الشافعي، ويُعرف أيضًا بابن البَيِّع، حافظ ناقد، قرأ القراءات على جماعة، وبرع في معرفة الحديث وفنونه، فصنف وخرج، وجرح وعدَّل، وصحَّ وعلَّل، وكان من بحور العلم، على تشيُّعٍ قليل فيه، له تصانيف كثيرة، أشهرها: المستدرك على الصحيحين، توفي ﵀ سنةً خمس وأربع مائة (٤٠٥ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٣/ ٩٣)، ووفيات الأعيان (٤/ ١٠٥)، والسير (١٧/ ١٦٢)، والعبر (٢/ ٢١٠)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣٩)].
(٢) انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ١٠٤)، وصيانة صحيح مسلم (٦٢ - ٦٤).
[ ٨٧ ]
المبحث السادس: مكانة الصحيحين عند الأمة
لقد حظي الصحيحان باهتمام بالغ وعناية فائقة من أهل العلم لم تحصل لغيرهما من كتب السنة، كما هو واضح من كثرة المؤلفات التي ألفت عليهما من شروحات ومستخرجات ومستدركات، وتعاليق وملخصات ولا عجب من ذلك فهما أول الكتب المؤلفة في الصحيح المجرد، كما أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، ولذلك فقد تلقتهما الأمة بالرضى والقبول، وتواردت أقوال أهل العلم في الثناء عليهما وإعظام شأنهما وبيان منزلتهما، وإليك بعض أقوالهم في ذلك:
قال ابن الصلاح: "أول من صنف الصحيح: البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم، وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز" (^١).
وقال النووي: "أول مُصَنَّف في الصحيح المجرد: صحيح البخاري ثم مسلم، وهما أصح الكتب بعد القرآن" (^٢).
وقال أيضًا: "اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان: البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من كتاب البخاري ومسلم" (^٤).
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث (١٩ - ٢٠).
(٢) التقريب مطبوع مع شرحه تدريب الرواي (١/ ٧٠، ٧٣).
(٣) مسلم بشرح النووي (١/ ١٢٠).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٢١).
[ ٨٨ ]
وقال أيضًا: "ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن وما جمع بينهما" (^١).
وقال ابن كثير عن هذين الكتابين: "هما أصح كتب الحديث" (^٢).
وقال ابن أبي العز: "الصحيحان اللذان جمعهما البخاري ومسلم أصح الكتب المصنفة، هذا الذي عليه أئمة الإسلام" (^٣).
وقال السخاوي: "وبالجملة فكتاباهما أصح كتب الحديث" (^٤).
وقال العيني (^٥): "اتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب الله تعالى أصح من صحيحي البخاري ومسلم" (^٦).
ومما يزيدهما جلالة وقدرًا في نفوس الأمة ما تميَّز به البخاري ومسلم عليهما رحمة الله من الحفظ والإتقان، والحرص على الدقة والتحري، والاجتهاد في التثبت والتوثق:
- فالبخاري قد انتقى أحاديث كتابه انتقاءً دقيقًا من بين عددٍ كبير من الأحاديث، حيث يقول: "أخرجت هذا الكتاب -يعني: الصحيح- من زُهَاءِ
_________________
(١) المرجع السابق (١٨/ ٧٤).
(٢) اختصار علوم الحديث مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث (٢٣).
(٣) الاتباع (٤٦).
(٤) فتح المغيث (١/ ٤٤).
(٥) هو العلامة محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد أبو محمد بدر الدين العيني الحنفي، مؤرخٌ علَّامة من كبار المحدثين، أصله ومولده ونشأته في عينتاب (وإليها نسبته) أقام مدة في حلب ومصر ودمشق والقدس، وولي في القاهرة الحسبة وقضاء الحنفية ونظر السجون، ثم صُرف في آخر حياته عن وظائفه وعكف على التصنيف والتدريس إلى أن توفي في القاهرة سنة (٨٥٥ هـ) له مؤلفات من أشهرها: عمدة القاري في شرح صحيح البخاري. [انظر: الضوء اللامع (١٠/ ١٣١)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٨٦)، والأعلام (٧/ ١٦٣)].
(٦) عمدة القاري (١/ ٥).
[ ٨٩ ]
ستمائة ألف حديث" (^١).
ومثله مسلم حيث قال: "صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة" (^٢).
- والبخاري أيضًا قد استغرق وقتًا طويلًا في تصنيف صحيحه، مما يدل على شدة تحريه وتأنيه، وعدم عجلته، قال ﵀: "صنفت كتابي (الصحيح) لستَ عشرةَ سنةً" (^٣).
ومثله مسلم حيث قال تلميذه أحمد بن سلمة (^٤): "كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمسَ عشرةَ سنةً" (^٥).
- كما أن البخاري قد التزم الصحة فيما يخرجه من الأحاديث، واشترط في ذلك أرقى وأعلى شروط الصحة.
قال ﵀: "ما أدخلت في كتابي (الجامع) إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول" (^٦).
وأما شرطاه اللذان تميز بهما فهما:
١ - أن يكون الراوي قد عاصر شيخه.
_________________
(١) تاريخ بغداد (٢/ ٩)، وانظر: (٢/ ١٤)، وتهذيب الكمال (٢٤/ ٤٤٢، ٤٤٨، ٤٤٩).
(٢) تاريخ بغداد (١٣/ ١٠٢).
(٣) تاريخ بغداد (٢/ ١٤)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٤٨).
(٤) هو أحمد بن سلمة بن عبد الله أبو الفضل البزاز المَعدَّل النيسابوري، أحد الحفاظ المتقنين، رفيق مسلم في الرحلة إلى بلخ وإلى البصرة سمع من قتيبة بن سعيد وابن راهويه وطبقتهما، وحدَّث عنه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما، توفي ﵀ سنة (٢٨٦ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٤/ ٤٠٨)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٣٧)، والسير (١٣/ ٣٧٣)، وشذرات الذهب (٢/ ١٩٢)].
(٥) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٦٦).
(٦) تاريخ بغداد (٢/ ٩)، وانظر: مقدمة ابن الصلاح (٢٢).
[ ٩٠ ]
٢ - أن يثبت سماع الراوي من شيخه (^١).
ومثله مسلم، حيث قال: "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه" (^٢).
إلا أنه رحمه الله تعالى نزل في شرطه عن البخاري، فلم يشترط إلا المعاصرة مع إمكان اللقيا (^٣).
لكنه تميَّز عن البخاري بميزة فريدة، وهي أنه يجمع طرق الحديث في مكان واحد، ولا يكررها -غالبًا- ولا يقطعها ولا يفرقها بين الكتب والأبواب، بخلاف البخاري رحمه الله تعالى فإنه يقطع الحديث الواحد حسب مواضيعه، فيضعه في موضعين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، مما يُشَكِّلُ صعوبةً كبيرةً في الحصول على كامل الحديث.
قال النووي: "وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة وهي كونه أسهل متناولًا، من حيث إنه جعل لكل حديث موضعًا واحدًا يليق به، جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها، وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها، ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه، بخلاف البخاري فإنه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة، وكثير منها يذكره في غير بابه الذي يسبق إلى الفهم أنه أولى به، وذلك لدقيقة يفهمها البخاري منه، فيصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث، فقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا في مثل هذا، فنفوا رواية البخاري أحاديث هي موجودة في صحيحه في غير مَظَانِّهَا السابقة إلى الفهم" (^٤).
_________________
(١) انظر: اختصار علوم الحديث، مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث (٢٣).
(٢) مسلم بشرح النووي (٤/ ٣٦٥).
(٣) انظر: مسلم بشرح النووي (١/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٤) مسلم بشرح النووي (١/ ١٢١).
[ ٩١ ]
مآخذ بعض أهل العلم على هذين الكتابين:
أخذ بعض أهل العلم -كالدارقطني (^١) وغيره (^٢) - على البخاري ومسلم في صحيحيهما مأخذين:
أحدهما: أنهما لم يستوعبا الأحاديث التي على شرطهما.
والثاني: انتقادهما في بعض الأحاديث المخرجة في كتابيهما، وعددها: (٢١٠) أحاديث، انفرد البخاري منها بـ (٧٨) حديثًا، وانفرد مسلم بـ (١٠٠) حديث، واشتركا جميعًا بـ (٣٢) حديثًا (^٣).
أما المأخذ الأول فصحيح: فإن مما لا شك فيه أن البخاري ومسلمًا عليهما رحمة الله لم يستوعبا في صحيحيهما كل الأحاديث الصحيحة، لكنهما لم يلتزما بذلك، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم والحديث (^٤)، بل إن البخاري ومسلمًا قد نصا على ذلك أيضًا كما تقدم (^٥)،
_________________
(١) انظر: كتابيه: الإلزامات والتتبع، دراسة وتحقيق الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ﵀. والدارقطني هو: الإمام الحافظ المجوِّد علم الجهابذة، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي المقرئ المحدِّث، من أهل محلة دار القطن ببغداد، كان من بحور العلم انتهى إليه معرفة علل الحديث ورجاله، مع التقدم في القراءات وطرقها، وهو أول من صنف في القراءات توفي ﵀ سنة (٣٨٥ هـ)، له مصنفات عديدة منها السنن، والمختلف والمؤتلف. [انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٣٤)، ووفيات الأعيان (٣/ ٢٦٠)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٩١)، والسير (١٦/ ٤٤٩)، والعبر (٢/ ١٦٧)].
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (١/ ١٣٧)، وفتح المغيث (٤٤/ ٤٥).
(٣) انظر: هدي الساري (٣٤٦).
(٤) انظر: شروط الأئمة الخمسة للحازمي (٦٢ - ٦٦)، ومقدمة ابن الصلاح (٢١)، والتقريب للنووي مطبوع مع شرحه تدريب الرواي (١/ ٨٠)، وشرح النووي على مسلم (١/ ١٣٤)، واختصار علوم الحديث لابن كثير، مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث (٢٣)، والروض الباسم لابن الوزير (١/ ١٤٢)، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ٤٤ - ٤٥).
(٥) انظر: ص (٩٠ - ٩١).
[ ٩٢ ]
وقد نُقل عنهما تصحيح أحاديث ليست في كتابيهما، وإنما هي في السنن وغيرها، كما في نقل الترمذي عن البخاري (^١).
وبناءً على هذا، فإن إلزام الدارقطني وغيره لهما بإخراج أحاديث صحيحة قد تركاها مع أنها على شرطهما ليس بلازم.
قال النووي رحمه الله تعالى: "وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة، فإنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه، وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح، كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله، لا أنه يحصر جميع مسائله" (^٢).
وقال السخاوي: "ولكنهما لم (يعُمَّاه) أي: يستوعبا كل الصحيح في كتابيهما، بل لو قيل: إنهما لم يستوعبا مشروطهما لكان موجهًا، وقد صرح كل منهما بعدم الاستيعاب وحينئذ فإلزام الدارقطني لهما في جزء أفرده بالتصنيف، بأحاديث رجال من الصحابة رُويت عنهم من وجوه صحاح، تركاها مع كونها على شرطهما، وكذا قول ابن حبان (^٣): ينبغي أن يُناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما: ليس بلازم" (^٤).
_________________
(١) انظر: اختصار علوم الحديث لابن كثير، مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث (٢٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١/ ١٣٤).
(٣) هو أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ التميمي البستي الشافعي، صاحب التصانيف كان حافظًا ثبتًا، إمامًا حجة سمع من النسائي وابن خزيمة وطبقتهما، وحدَّث عنه الحاكم وطبقته، وكان من أوعية العلم في الحديث والفقه واللغة والوعظ وغير ذلك، حتى الطب والنجوم والكلام، ولي قضاء سمرقند ثم قضاء نسا، توفي ﵀ في وطنه بُسْت سنة (٣٥٤ هـ) له مصنفات عدة أشهرها: الصحيح المعروف بصحيح ابن حبان. [انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٢٠)، والسير (١٦/ ٩٢)، والعبر (٢/ ٩٤)، وشذرات الذهب (٣/ ١٦)].
(٤) فتح المغيث (٤٤ - ٤٥).
[ ٩٣ ]
وأما المأخذ الثاني وهو: انتقاد بعض الأحاديث المخرجة في صحيحيهما، فقد انتدب لها عدد من العلماء والحفاظ فأجابوا عنها كلها، ومن أشهر من تعرض لذلك الإمام النووي في شرحه لمسلم، والحافظ ابن حجر في هدي الساري.
غير أنهما -وغيرهما من أهل العلم والحديث- قد استثنيا عددًا قليلًا من هذه الأحاديث المنتقدة يصعب الجواب عنها، لأن الحق فيها والصواب مع النقاد.
قال الإمام ابن الصلاح بعد تقريره لصحة ما في كتابي البخاري ومسلم، وأن الأمة قد تلقت ما فيهما بالقبول، قال: "إذا عرفت هذا فما أخذ عليهما من ذلك وقدح فيه معتمد من الحفاظ، فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة" (^١).
وقال النووي بعد ذكره لمن انتقد بعض أحاديث الصحيحين: "وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره" (^٢).
قال ابن حجر تعليقًا على كلام النووي: "هو الصواب، فإن منها ما الجواب عنه غير منتهض" (^٣).
وقال أيضًا، بعد جوابه عن كل الأحاديث المنتقدة على البخاري: "هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد، المطلعون على خفايا الطرق، وليس كلها من أفراد البخاري بل شاركه مسلم في كثير منها وليست كلها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف" (^٤).
_________________
(١) صيانة صحيح مسلم (٨٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (١/ ١٣٧).
(٣) هدي الساري (٣٤٦).
(٤) المرجع السابق (٣٨٣)، وانظر: الروض الباسم لابن الوزير (١/ ١٥٨).
[ ٩٤ ]
وهذا الكلام من الحافظ ابن حجر ﵀ غاية في الدقة والإنصاف، والتجرد من التعصب والهوى والإفراط، فحسبك به من إمام حافظ ناقد بصير.
وختامًا، فإنه لا يضير الصحيحين ما انتقد عليهما، ولا ينقص ذلك من شأنهما وقدرهما، بل لو قيل: إن ذلك لا يزيدهما إلا مكانة وشرفًا ورفعة وقدرًا، لما كان ذلك بعيدًا، لأننا إذا علمنا أنهما قد اشتملا على أحاديثَ كثيرةٍ -تعد بالألوف- ولم يشكل منها إلا هذا النزر اليسير من الأحاديث، ازددنا يقينًا بجلالتهما وعظيم منزلتهما.
قال ابن حجر بعد ذكره للأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري والجواب عنها: "فإذا تأمل المنصف (^١) ما حررته من ذلك، عظم مقدار هذا المصنف في نفسه، وجلَّ تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم، وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم" (^٢).
* * *
_________________
(١) في الأصل (المصنف) هكذا، ولعل الصواب ما أثبته، والله أعلم.
(٢) هدي الساري (٣٨٣).
[ ٩٥ ]