[المبحث الأول معنى الأشراط والعلامات لغة]
الفصل الأول: معنى أشراط الساعة وعلاماتها وأدلتها من الكتاب والسنة وفيه المباحث الآتية:
المبحث الأول: معنى الأشراط والعلامات لغة
المبحث الثاني: معنى الأشراط والعلامات اصطلاحا
المبحث الثالث: الأدلة من الكتاب على أشراط الساعة وعلاماتها
المبحث الرابع: الأدلة من السنة على أشراط الساعة وعلاماتها
[ ٣٣ ]
المبحث الأول: معنى الأشراط والعلامات لغة الأشراط جمع شرط بالتحريك، والشرط العلامة، وأشراط الساعة أي علاماتها، وأشراط الشيء أوائله، ومنه شرط السلطان وهم نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من مجموع جنده.
قال الجوهري (١) " أشراط الساعة علاماتها وأسبابها التي دون معظمها وقيامها " (٢) .
وقال ابن الأثير (٣) " الأشراط: العلامات، واحدها شرط بالتحريك، وبه سميت شرط السلطان؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها " (٤) .
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨] (٥) .
" أشراطها أي أماراتها وعلاماتها، وقيل: أشراط الساعة أسبابها التي هي دون معظمها، وفيه يقال للدون من الناس الشرط. . . إلى أن قال: وواحد الأشراط شرط، وأصله الأعلام، ومنه قيل الشرط؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، ومنه الشرط في البيع وغيره " (٦) .
_________________
(١) هو أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، أحد أئمة اللغة والأدب، يضرب به المثل في ضبط اللغة وحسن الخط وجودته، من أشهر مؤلفاته كتاب الصحاح، توفي سنة ٣٩٣ هـ. معجم الأدباء (٢ / ٢٩٢)، سير أعلام النبلاء (٧ / ٨٠)، بغية الوعاة (١ / ٤٤٦) .
(٢) الصحاح للجوهري (٣ / ١٣٦) .
(٣) أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجرزي، العلامة البارع البليغ، قرأ الحديث والأدب، صنف تصانيف مفيدة من أشهرها النهاية في غريب الحديث، توفي سنة ٦٠٦ هـ، سير أعلام النبلاء (٢١ / ٤٨٨)، بغية الوعاة (٢ / ٢٧٤ - ٢٧٥) .
(٤) النهاية في غريب الحديث (٢ / ٤٦٠) .
(٥) سورة محمد، الآية: ١٨.
(٦) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٦ / ٢٤٠) .
[ ٣٥ ]
فتبين من هذا أن الأشراط في اللغة هي علامات الشيء المتقدمة عليه والدالة عليه، ومما يدل على تسمية هذه الأشراط في السنة بالعلامات ما جاء في حديث جبريل المشهور عند النسائي، قال: «يا محمد، أخبرني متى الساعة، قال: فنكس، فلم يجبه شيئا ثم أعاد فلم يجبه شيئا ثم أعاد فلم يجبه شيئا ورفع رأسه فقال: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ولكن لها علامات تعرف بها. . .» الحديث (١) .
والساعة: هي جزء من أجزاء الليل أو النهار وجمعها ساعات وساع (٢) .
والساعة: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، وقد سميت بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنها تفاجئ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة (٣) .
قال ابن منظور في لسان العرب: " وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] (٤) يعني بالساعة: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، فلذلك ترك أن يعرف أي ساعة هي، فإن سميت القيامة ساعة فعلى هذا، والساعة القيامة ".
وقال الزجاج (٥) " الساعة اسم للوقت الذي تصعق فيه العباد، والوقت الذي يبعثون فيه وتقوم فيه القيامة. سميت ساعة لأنها تفاجئ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم عند الصيحة الأولى. . . والساعة في الأصل تطلق بمعنيين: أحدهما: أن تكون عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءا هي مجموع اليوم والليلة.
والثاني: أن تكون عبارة عن جزء قليل من النهار أو الليل.
قال الزجاج: معنى الساعة في كل القرآن الوقت الذي تقوم فيه القيامة، يريد أنها ساعة خفيفة يحدث فيها أمر عظيم فلقلة الوقت الذي تقوم فيه سماها ساعة " (٦) .
_________________
(١) سنن النسائي: كتاب الإيمان وشرائعه - باب صفة الإيمان والإحسان (٨ / ١٠٢) .
(٢) المعجم الوسيط (١ / ٤٦٦) .
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث (٢ / ٤٢٢) .
(٤) سورة الروم، الآية: ٥٥.
(٥) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد السري الزحاج البغدادي، الإمام، عالم بالنحو واللغة، له كتب كشجرة كثيرة منها: معاني القرآن، توفي سنة ٣١١ هـ. تاريخ بغداد (٦ / ٨٩)، وفيات الأعيان (١ / ٣١)، بغية الوعاة (١ / ٤١١) .
(٦) لسان العرب (٨ / ١٦٩) .
[ ٣٦ ]
[المبحث الثاني معنى الأشراط والعلامات اصطلاحا]
المبحث الثاني: معنى الأشراط والعلامات اصطلاحا أشراط الساعة اصطلاحا: هي العلامات التي تسبق يوم القيامة وتدل على قدومها.
يقول الحليمي (١) " أما انتهاء الحياة الأولى فإن لها مقدمات تسمى أشراط الساعة وهي أعلامها " (٢) .
ويقول البيهقي (٣) في تحديد المراد من الأشراط: " أي ما يتقدمها من العلامات الدالة على قرب حينها " (٤) .
ويقول الحافظ ابن حجر المراد بالأشراط: " العلامات التي يعقبها قيام الساعة " (٥) .
_________________
(١) هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، كان رئيس المحدثين والمتكلمين في بلاد ما وراء النهر، كان مناظرا طويل الباع في الأدب والبيان، له تصانيف، من أشهرها: - المنهاج في شعب الإيمان -، توفي سنة ٤٠٣ هـ. سير أعلام النبلاء (١٧ / ٢٣١)، شذرات الذهب (٣ / ١٦٧) .
(٢) المنهاج في شعب الإيمان (١ / ٢٢) .
(٣) هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله البيهقي، الإمام الحافظ المصنف، ولد بخسرو جرد من قرى بيهق سنة ٣٨٤ هـ، له مصنفات كثيرة مفيدة، منها: السنن الكبرى، السنن الصغرى، والجامع في شعب الإيمان وغيرها، توفي سنة ٤٥٨ هـ. سير أعلام النبلاء (١٨ / ١٦٣)، شذرات الذهب (٣ / ٣٠٤) .
(٤) البعث والنشور: ص (٦٩) .
(٥) فتح الباري (١٣ / ٩٧) .
[ ٣٧ ]
[المبحث الثالث الأدلة من الكتاب على أشراط الساعة وعلاماتها]
المبحث الثالث: الأدلة من الكتاب على أشراط الساعة وعلاماتها موعد قيام الساعة من الغيب الذي استأثر الله ﷿ بعلمه، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] (١) .
وإذا كان الله ﷾ قد أخفى الساعة عن الخلق، فقد جعل لها ﷿ علامات تدل على قرب وقوعها، ومن الآيات الدالة على ذكر الأشراط قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] (٢) .
قال ابن كثير - ﵀ - في تفسيره عند هذه الآية: " فقد جاء أشراطها أي أمارات اقترابها كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى - أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٦ - ٥٧] (٣) وكقوله جلت عظمته: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] (٤) وكقوله ﷾: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] (٥) وقوله جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] (٦) فبعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة؛ لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله تعالى به الدين وأقام به الحجة على العالمين، وقد أخبر ﷺ بأمارات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله. . . " (٧) .
وقد ورد في القرآن الكريم ذكر الأدلة على بعض أشراط الساعة مثل: خروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، وغيرها، وسيأتي ذكر هذه الأدلة في موضعها عند ذكر هذه الأشراط مفصلة في المباحث القادمة إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.
(٢) سورة محمد، الآية: ١٨.
(٣) سورة النجم، الآية: ٥٦، ٥٧.
(٤) سورة القمر، الآية: ١.
(٥) سورة النحل، الآية: ١.
(٦) سورة الأنبياء، الآية: ١.
(٧) تفسير ابن كثير، (٤ / ١٥٩) .
[ ٣٨ ]
[المبحث الرابع الأدلة من السنة على أشراط الساعة وعلاماتها]
المبحث الرابع: الأدلة من السنة على أشراط الساعة وعلاماتها وردت أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ فيها ذكر جملة من أشراط الساعة وعلاماتها، ومن ذلك حديث عمر بن الخطاب ﵁، المشهور بحديث جبريل، حيث سئل فيه ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان ووقت الساعة، وفيه قال جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ: «. . . فأخبرني عن الساعة؟ فقال ﷺ: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها؟، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان» (١) .
ومنها حديث عوف بن مالك ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة أدم فقال: " اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان (٢) يأخذ فيكم كقعاص الغنم (٣) ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر (٤) فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية (٥) تحت كل غاية اثنا عشر ألفا» (٦) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان (١ / ٣٧، ٣٨) .
(٢) موتان: بضم الميم وسكون الواو هو الموت كثير الوقوع، انظر: النهاية في غريب الحديث (٤ / ٣٧٠) .
(٣) قعاص الغنم: القعاص بالضم: هو داء يصيب الدواب، فيسيل من أنوفها شيئا فتموت فجأة. انظر: النهاية في غريب الحديث (٤ / ٨٨) .
(٤) بنو الأصفر: هم الروم، وسبب تسميتهم بذلك قولان كما حكاهما القرطبي، الأول: أن جيشا من الحبشة غلبوا على ناحيتهم في بعض الدار، فوطئوا نساءهم فولدن أولادا صفرا، قاله ابن الأنباري. والثاني: أنهم نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم قاله ابن إسحاق. وقال القرطبي: وهذا أشبه من القول الأول. التذكرة للقرطبي (٢ / ٦٨٩) . انظر: النهاية في غريب الحديث (٣ / ٣٧) .
(٥) الغاية: الراية، سميت بذلك لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف، وروي بالباء الموحدة وهو الأجمة، كأن كثرة الرماح شبهت بالأجمة، قال القرطبي: والصحيح: الأول، وقد جاء في بعض الروايات: كلمة " الراية " بدل " الغاية ". التذكرة (٢ / ٦٨٩) . وانظر: النهاية في غريب الحديث (٣ / ٤٠٤)، وفتح الباري لابن حجر (٦ / ٢٧٨) .
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجزية والموادعة (٤ / ٦٨) .
[ ٣٩ ]
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» (١) .
ومنها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: «طلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: " ما تذاكرون "؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: " إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ". فذكر الدخان والدجال والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (٢) إلى غير ذلك من الأحاديث، وهي كثيرة جدا.
وهذه العلامات منها ما هو قريب من قيام الساعة، وهو ما يسمى بعلامات الساعة الكبرى، مثل: نزول عيسى ﵇، وخروج الدجال، وطلوع الشمس من مغربها وغيرها، ومنها ما يكون قبل ذلك وهو ما يسمى بعلامات الساعة الصغرى.
وهذه الأشراط والعلامات الواردة في الأحاديث السابقة وغيرها مما لم يرد سيأتي تفصيلها والكلام عليها وتوضيحها فيما يأتي - إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن (٨ / ١٠١) .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٢٥، ٢٢٢٦) .
[ ٤٠ ]