الفصل الثاني: أقسام أشراط الساعة لقد تكلم العلماء رحمهم الله تعالى عن أشراط الساعة وقسموها إلى عدة أقسام:
١ - فبعضهم اعتبر خروج الأشراط وزمانها فقسمهما إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول من الأشراط: ظهر وانقضى وفق ما أخبر به رسول الله ﷺ، ومنها: بعثته ﵊ وموته، وفتح بيت المقدس، وظهور نار الحجاز، وغيرها من الأشراط التي وقعت وانقضت.
القسم الثاني: أشراط ظهرت ولا تزال تتابع باستمرار وهي كثيرة منها: كثرة الزلازل، وتضييع الأمانة، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، واتخاذ المساجد طرقا، ورفع العلم، وكثرة الجهل، وغيرها من الأشراط الكثيرة.
القسم الثالث: العلامات العظام والأشراط الجسام التي لم تظهر بعد والتي يعقبها قيام الساعة، ومنها: خروج المسيح الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، والدابة، وخروج الشمس من مغربها، ونحو ذلك.
وممن سار على هذا التقسيم الحافظ ابن حجر حيث قال: " ما أخبر النبي ﷺ بأنه سيقع قبل أن تقوم الساعة على أقسام:
أولها: ما وقع على وفق ما قال.
الثاني: ما وقعت مباديه ولم يستحكم.
والثالث: ما لم يقع منه شيء ولكنه سيقع " (١) .
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (١٣ / ٨٥) .
[ ٤١ ]
وعلى هذا التقسيم درج البرزنجي (١) في الإشاعة (٢) والسفاريني (٣) في لوامع الأنوار (٤) والشيخ صالح الفوزان في الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد (٥) .
وهناك من العلماء من اعتبر مكان وقوع الأشراط فقسمها إلى أشراط سماوية وأشراط أرضية. فمن الأشراط السماوية:
انشقاق القمر في زمن النبي ﷺ، وانتفاخ الأهلة بحيث يرى الهلال لليلة فيقال هو ابن ليلتين، ومنها طلوع الشمس من مغربها.
أما الأشراط الأرضية فهي كثيرة جدا ومنها: خروج المسيح الدجال، والدابة، وخروج النار، والريح التي تقبض أرواح المؤمنين وغيرها.
وقد أشار إلى هذا التقسيم الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - حيث قال: " فأما خروج الدابة على شكل غريب غير مألوف، ومخاطبتها الناس، ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر، فأمر خارج عن مجاري العادات وذلك أول الآيات الأرضية ".
" كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية " (٦) كما أشار إلى هذا الحافظ ابن حجر أيضا في كتابه الفتح (٧) .
_________________
(١) هو محمد بن رسول بن عبد السيد الحسيني البرزنجي، من فقهاء الشافعية، له علم بالتفسير والأدب، رحل إلى دمشق وبغداد واليمن ومصر، واستقر في المدينة ودرس بها، وكان من المكثرين في التصنيف، ومنها: الإشاعة لأشراط الساعة، النواقض على الروافض. توفي بالمدينة سنة ١١٠٣ هـ. انظر: هدية العارفين (٢ / ٣٠٢)، معجم المؤلفين: (٩ / ٣٠٨) .
(٢) انظر: الإشاعة لأشراط الساعة (٢٩، ١٥٣، ١٩١) .
(٣) هو العلامة محمد بن سالم السفاريني، كان عالما بالحديث والأدب، ولد في سفارين، له عدة مؤلفات ومنها: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية المضيئة لشرح الدرة المضيئة في عقد الفرقة الناجية، توفي في نابلس سنة ١١٨٨ هـ. انظر: الأعلام للزركلي (٦ / ١٤) .
(٤) انظر: لوامع الأنوار (٢ / ٦٦) .
(٥) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد (١٩٧) .
(٦) النهاية في الفن والملاحم (١ / ٢١٤) .
(٧) انظر: فتح الباري (١١ / ٣٥٣) .
[ ٤٢ ]
والبعض الآخر اعتبر الأشراط نفسها فقسمها إلى قسمين:
١ - أشراط صغرى: وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متطاولة كقبض العلم وظهور الجهل والتطاول في البنيان وغيرها من الأشراط الصغرى.
٢ - أشراط كبرى: وهي العلامات الكبيرة التي تظهر قرب قيام الساعة مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، وغير ذلك من العلامات الكبرى التي سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في المباحث القادمة.
وقد درج على هذا التقسيم الحافظ البيهقي - ﵀ - حيث قال: " وبهذه الأشراط صغار وكبار، فأما صغارها فقد وجد أكثرها، وأما كبارها فقد بدت آثارها، ونحن نفرد بعضها بالذكر مفصلا في أبواب، ليكون أقرب إلى الإدراك " (١) .
وعلى هذا التقسيم درج كثير من الذين تكلموا عن أشراط الساعة، وهو التقسيم الذي سرت عليه في هذا البحث. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) البعث والنشور للبيهقي (١٢٨) .
[ ٤٣ ]
[المبحث الأول أشراط الساعة الصغرى]
[المطلب الأول بعثة الرسول ﷺ]
المبحث الأول: أشراط الساعة الصغرى وفيه المطالب الآتية:
المطلب الأول: بعثة الرسول ﷺ
المطلب الثاني: انشقاق القمر
المطلب الثالث: نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى لها
المطلب الرابع: الفتن
المطلب الخامس: خروج الدجالين الكذابين أدعياء النبوة
المطلب السادس: ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاة الشاة في البنيان
المطلب السابع: قبض العلم وظهور الجهل
المطلب الثامن: تكليم السباع والجماد للإنس
المطلب التاسع: قطع الأرحام وسوء الجوار وظهور الفساد
المطلب العاشر: كثرة الزلازل وظهور الخسف والقذف والمسخ الذي يعاقب الله به بعض هذه الأمة
[ ٤٥ ]
المطلب الأول: بعثة الرسول ﷺ أخبر رسول الله ﷺ أن بعثته علامة من علامات الساعة ودليل على قرب قيامها، حيث إنه ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده.
وقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة الواردة عنه ﵊.
منها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين - يعني أصبعين -» (١) .
ومنها حديث سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى» (٢) .
ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين، كفضل أحدهما على الأخرى "، وضم السبابة والوسطى» (٣) .
فهذه الأحاديث وغيرها مما هو في معناها تدل على أن بعثته ﷺ أول أشراط الساعة، فهو خاتم النبيين وآخر المرسلين ولا نبي بعده، وإنما يليه قيام الساعة، كما يلي في الأصابع السبابة الوسطى، كما ورد هذا التشبيه في الأحاديث الماضية.
قال القرطبي - ﵀ - وهو يتحدث عن أشراط الساعة أولها النبي ﷺ، لأنه نبي آخر الزمان وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي (٤) .
وقال الحافظ ابن رجب - ﵀ - وقد فسر قوله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» فقرن بين السبابة والوسطى، بقرب زمانه من الساعة كقرب السبابة من الوسطى، وبأن زمن بعثته تعقبه الساعة من غير تخلل نبي آخر بينه وبين
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق. (٨ / ١٩٠) .
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن (٤ / ٢٢٧) .
(٤) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص (٧٣٣) .
[ ٤٧ ]
الساعة كما قال في الحديث الصحيح: «أنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب. . .» (١) .
فالحاشر الذي يحشر الناس يوم القيامة على قدمه، يعني أن بعثهم وحشرهم يكون عقب رسالته، فهو مبعوث بالرسالة وعقيبه يجمع الناس لحشرهم، والعاقب الذي جاء عقيب الأنبياء كلهم وليس بعده نبي، فكان إرساله ﷺ من علامات الساعة (٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب (٤ / ١٦٢) . ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل (٤ / ١٨٢٨) .
(٢) فتح الباري لابن رجب (٣ / ١٤٧، ١٤٨) .
[ ٤٨ ]
[المطلب الثاني انشقاق القمر]
المطلب الثاني: انشقاق القمر قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢] (١) .
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسيره عند هذه الآية ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] " قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات " (٢) .
وقال الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى -: وقد جعل الله انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وكان انشقاقه بمكة قبل الهجرة (٣) .
وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن القمر انشق في زمن النبي ﷺ، منها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﷺ: " اشهدوا» (٤) .
ومنها حديث أنس ﵁: «أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر» (٥) .
_________________
(١) سورة القمر، الآيتان: ١ - ٢.
(٢) تفسير ابن كثير (٤ / ٢٣٥) .
(٣) الحكم الجديرة بالإذاعة (١٩) .
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤ / ١١٥٨) .
(٥) المرجع السابق في صحيحه: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤ / ١١٥٨) .
[ ٤٩ ]
قال القاضي عياض (١) - ﵀ -: " انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا ﷺ، وقد رواها عدة من الصحابة ﵃ مع ظاهر الآية الكريمة وسياقها. قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين لمخالفي الملة، وذلك لما أعمى الله قلبه، ولا إنكار للعقل فيه؛ لأن القمر مخلوق لله تعالى يفعل فيه ما يشاء كما يفنيه ويكوره في آخر أمره " (٢) .
وقال الحافظ ابن حجر: " وقد أنكر جمهور الفلاسفة (٣) انشقاق القمر متمسكين بأن الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك من إنكارهم ما يكون يوم القيامة من تكوير الشمس وغير ذلك، وجواب هؤلاء: إن كانوا كفارا، أن يناظروا أولا على ثبوت دين الإسلام، ثم يشركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المعلمين، ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض ألزم التناقض، ولا سبيل إلى إنكار ما ثبت في القرآن من الانخراق والالتئام في القيامة، فيستلزم جواز وقوع ذلك معجزة لنبي الله ﷺ " (٤) .
_________________
(١) هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي الأندلسي، أبو الفضل، الحافظ المحدث الفقيه، صنف كتبا كثيرة منها: الشفا في شرف المصطفى، توفي سنة ٥٤٤ هـ. وفيات الأعيان (٣ / ٤٨٣)، سير أعلام النبلاء (٢٠ / ٢١٢) .
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨ / ٣٣٣) .
(٣) الفلاسفة: جمع فيلسوف، هم ينسبون إلى الفلسفة، والفلسفة كلمة يونانية مركبة من كلمتين: فيلا أي محب وصوفيا: معناه الحكمة، فمعناها: محب الحكمة، ومن آراء معظم الفلاسفة: القول بقدم العالم، وإنكار النبوات، وإنكار البعث الجسمانى، وقد دخل مذهب الفلاسفة إلى المسلمين بواسطة الكتب التي ترجمت إلى العربية. انظر: الملل والنحل: (٢ / ٧٩٥)، إغاثة اللهفان (٢ / ٢٥٦)، مبادئ الفلاسفة ص (١٦) .
(٤) فتح الباري لابن حجر (٧ / ١٨٥) .
[ ٥٠ ]
[المطلب الثالث نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى لها]
المطلب الثالث: نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى لها وردت أحاديث عن النبي ﷺ تبين أن من علامات الساعة خروج نار من أرض الحجاز تضيء منها أعناق الإبل ببصرى (١) .
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» (٢) .
قال النووي - ﵀ -: " خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارا عظيمة جدا، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة " (٣) .
وقال ابن كثير - ﵀ -: وقد ذكر الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٤) .
- وكان شيخ المحدثين في زمانه وأستاذ المؤرخين في أوانه - " في سنة أربع وخمسين وستمائة في يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة ظهرت نار بأرض المدينة النبوية في بعض تلك الأودية طول أربعة فراسخ، وعرض أربعة أميال،
_________________
(١) بصرى: بضم الباء آخرها ألف مقصورة، مدينة معروفة بالشام، ويقال لها حوران، بينها وبين دمشق ثلاث مراحل، فتحها المسلمون عام ١٣ هـ. معجم البلدان: (١ / ٤٤١)، وفتح الباري لابن حجر: (١٣ / ٨٠) .
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الفتن، باب خروج النار (٨ / ١٠٠)، ومسلم: كتاب الفتن - باب لا تقوم الساعة حتى تخرج النار من أرض الحجاز - (٤ / ٢٢٢٧) .
(٣) شرح مسلم للنووي (١٨ / ٢٨) .
(٤) هو أبو شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المقرئ النحوي المؤرخ، صاحب التصانيف، ومنها الباعث على إنكار البدع والحوادث، توفي سنة ٦٦٥ هـ. العبر للذهبي (٣ / ٣١٢)، شذرات الذهب (٥ / ٣١٨) .
[ ٥١ ]
تسيل الصخر حتى يبقى مثل الآنك، ثم يصير كالفحم الأسود، وان ضوءها كان الناس يسيرون عليه بالليل إلى تيماء (١) وأنها استمرت شهرا، وقد ضبط ذلك أهل المدينة وعملوا فيها أشعارا " (٢) .
وهذه النار غير النار التي تخرج في آخر الزمان وتحشر الناس وتبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في ذكر الأشراط الكبرى، قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - " والذي ظهر لي أن النار المذكورة في الحديث هي التي ظهرت في نواحي المدينة، كما فهمه القرطبي وغيره، وأما النار التي تحشر الناس، فنار أخرى " (٣) .
وقال البرزنجي: بعد ذكره لهذه النار: " وهذه النار غير النار التي تخرج آخر الزمان تحشر الناس إلى محشرهم، تبيت معهم وتقيل " (٤) .
_________________
(١) تيماء: بالفتح، بلدة تقع شمال المدينة النبوية على بعد (٤٢٠) كيلا والتيماء في الأصل: الأرض التي لا ماء فيها. معجم البلدان (٢ / ٦٧) . المعالم الأثيرة في السنة النبوية والسيرة (ص ٧٤) .
(٢) النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (١ / ٢٦، ٢٧) .
(٣) فتح الباري (١٣ / ٧٩) .
(٤) الإشاعة لأشراط الساعة (٩٤) .
[ ٥٢ ]
[المطلب الرابع الفتن]
المطلب الرابع: الفتن الفتن بكسر الفاء وفتح التاء جمع فتنة، قال ابن فارس (١) الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار (٢) .
وقال الأزهري (٣) جماع معنى الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان وأصلها مأخوذ من قولك " فتنت الفضة والذهب " أذبتهما بالنار ليتميز الرديء من الجيد، ومن هذا قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] (٤) أي يحرقون بالنار (٥) .
وقد وردت كلمة الفتنة في القرآن الكريم بمعنى الابتلاء والامتحان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣] (٦) .
" ومعنى: (وهم لا يفتنون) أي وهم لا يبتلون، ومعنى (فتنا) أي اختبرنا الذين من قبلهم من الأمم ممن أرسلنا إليهم رسلنا، فقالوا مثل ما قالته أمتك يا محمد بأعدائهم، وتمكيننا إياهم من أذاهم، كموسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل فابتليناهم بفرعون وملئهم، وكعيسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل فابتلينا من اتبعه بمن تولى عنه، فكذلك ابتلينا أتباعك بمخالفيك من أعدائك " (٧) .
_________________
(١) هو أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازى، أبو الحسين، من أئمة اللغة والأدب، أصله من قزوين، وأقام مدة في همذان، من أشهر كتبه: معجم مقاييس اللغة، والمجمل، وجامع التأويل في التفسير، توفي في الري سنة ٣٩٥ هـ. سير أعلام النبلاء (١٧ / ١٠٣) .
(٢) معجم مقاييس اللغة (٤ / ٤٧٢) .
(٣) هو أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الأزهري الهروي اللغوي الشافعي، قال الذهبي: كان رأسا في اللغة والفقه، ثقة، ثبتا دينا، له كتاب تهذيب اللغة، توفي سنة ٣٧١ هـ، سير أعلام النبلاء (١٦ / ٣١٥) .
(٤) سورة الذاريات، الآية: ١٣.
(٥) تهذيب اللغة (١٤ / ٢٩٦) .
(٦) سورة العنكبوت، الآية: ١ - ٣.
(٧) تفسير ابن جرير الطبري (٢٥ / ١٢٨) .
[ ٥٣ ]
وعرف الجرجاني (١) الفتنة بقوله: " الفتنة ما يتبين به ما للإنسان من الخير والشر، يقال: فتنت الذهب بالنار إذا أحرقته بها لتعلم أنه خالص أو مشوب، ومنه الفتان وهو الحجر الذي يجرب به الذهب والفضة " (٢) .
وأما الفتن التي أخبر بها النبي ﷺ في أحاديثه، وأن أمته سوف تبتلى بالكثير منها، وأنها ترسل عليها إرسال القطر فهي من قبيل الاختبار والامتحان؛ ليتبين حال الإنسان فيها من الخير والشر وتعلقه بها، كما يوجد فيها بعض المعاني الأخرى المذكورة عند أهل اللغة من القتل والاختلاف والعذاب وتغير الأحوال والأزمنة.
قال الحافظ ابن حجر: " وأصل الفتنة الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره، ويقال فتنت الذهب إذا اختبرته بالنار لتنظر جودته، وفي الغفلة عن المطلوب كقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] (٣) وتستعمل في الإكراه على الرجوع عن الدين كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] (٤) واستعملت أيضا في الضلال والإثم والكفر والعذاب، ويعرف المراد حيثما ورد بالسياق والقرائن" (٥) .
وقد دلت نصوص كثيرة صحيحة على أن من علامات الساعة كثرة الهرج، وهو القتل واللغط وظهور الفتن وانتشارها ونزولها في البلاد وكبر بلائها وهولها، حتى يمسي المرء المسلم من شدة وقعها كافرا، ويصبح مؤمنا، ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا، وتجيء الفتنة تلو الأخرى فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف وتظهر أخرى، فيقول هذه هذه إلى أن يشاء الله، فلا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، وكلما طال الزمان
_________________
(١) هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الحنفي المعروف بالشريف الجرجاني، فيلسوف، ومن كبار العلماء في العربية، ولد بجرجان سنة ٧٤٠ هـ، وتوفي سنة ٨١٦ هـ. بغية الوعاة (٢ / ١٩٦ - ١٩٧)، البدر الطالع (١ / ٤٨٨) .
(٢) التعريفات (٢١٢) .
(٣) سورة التغابن، الآية: ١٥.
(٤) سورة البروج، الآية: ١٠.
(٥) فتح الباري (١١ / ١٧٦) .
[ ٥٤ ]
بأهله وبعد بهم كانت الفتن أشد ومصائبها أعظم، كما شهدت بذلك نصوص الشرع، ودلت عليه الحوادث والوقائع، فعن الزبير بن عدي قال: «أتينا أنس بن مالك ﵁ فشكونا إليه ما نلقي من الحجاج فقال: " اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم ﷺ» (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (٢) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل (٣) ومنا من هو في جشره (٤) إذ نادى منادي رسول الله ﷺ الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن فيرقق (٥) بعضها بعضا،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن، (٨ / ٨٩، ٩٠) .
(٢) (أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان ١ / ١١٠) .
(٣) ينتضل: من المناضلة، والمناضلة: المقاتلة والمدافعة، وأصله من النضال: الرمي بالسهام، يقال: ناضلته فنضلته: أي راميته فغلبته. منال الطالب في شرح طوال الغرائب ص (١١٧) .
(٤) الجشر: بفتح الجيم والشين، هم قوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى ويبيتون مكانهم، ولا يأوون إلى البيوت. النهاية في غريب الحديث (١ / ٢٧٣) .
(٥) قال النووي - ﵀ -: هذه اللفظة رويت على أوجه: أحدها - وهو الذي نقله القاضي عياض عن جمهور الرواة -: يرقق بضم الياء وفتح الراء وبقافين: أي يصير بعضها رقيقا أي خفيفا لعظم ما بعده، فالثاني يجعل الأول رقيقا، وقيل: معناه: يثبه بعضها بعضا، وقيل: يدور بعضها في بعض، ويذهب ويجيء، وقيل: معناه يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها. والوجه الثاني: فيرفق: بفتح الياء وإسكان الراء وبعدها فاء مضمومة، والثالث: فيدفق بالدال المهملة الساكنة وبالفاء المكسورة أي يدفع ويصب، والدفق هو الصب. شرح صحيح مسلم للنووي (١٢ / ٢٣٣) .
[ ٥٥ ]
وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي، ثم تنكشف فيقول المؤمن هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه. . .» الحديث (١) . وقد أرشد ﷺ المسلمين إلى ما يعصمهم من هذه الفتن والشرور والآثام فأمرهم بالتعوذ بالله منها وبالابتعاد عنها مع المبادرة بالأعمال الصالحة والإيمان الصحيح بالله واليوم الآخر ولزوم جماعة المسلمين.
ومن ذلك قوله ﷺ: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» (٢) .
وعن حذيفة ﵁ قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟، قال: " نعم "، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: " نعم، وفيه دخن "، قلت: وما دخنه؟ قال: " قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر "، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: " نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها "، قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ قال: " هم من جلدتنا ويتكلمون بسنتنا "، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم "، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: " فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (٣) . إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي يطول حصرها وسردها في هذا المكان، وكلها دالة على هذا الأمر العظيم الذي نبه عليه رسول الله ﷺ، وحذر أمته من عاقبته، وأرشدهم إلى ما يعصمهم من هذه الشرور والآثام بالتعوذ منها والابتعاد عنها مع صحة الإيمان بالله تعالى واتباع أمره ونهيه ولزوم جماعة المسلمين أهل السنة والجماعة، وإن كانوا في ضعف وقلة عدد.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة (٣ / ١٤٧٢) .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنة وصفة نعيمها (٤ / ٢٢٠٠) .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن: (٨ / ٩٣) .
[ ٥٦ ]
[المطلب الخامس خروج الدجالين والكذابين أدعياء النبوة]
المطلب الخامس: خروج الدجالين والكذابين أدعياء النبوة من أمارات الساعة وأشراطها خروج الدجالين الكذابين، الذين يدعون النبوة ويثيرون الفتنة بأباطيلهم، وقد أخبر النبي ﷺ أن عدد هؤلاء قريب من ثلاثين فقال ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله» (١) .
وقد تحققت ووقعت هذه الآية، والعلامة من علامات الساعة، فخرج كثير من أدعياء النبوة قديما وحديثا، ولا يستبعد أن يظهر دجالون آخرون إلى أن يظهر الدجال الأعور الكذاب - نعوذ بالله من فتنته - فقد خطب رسول الله ﷺ يوما فقال: «إنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الكذاب» (٢) .
وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٣) .
" وقد ظهر من هؤلاء عدد كبير في الماضي، فادعى النبوة في آخر حياة الرسول ﷺ الأسود العنسي في اليمن حيث كانت ردته أول ردة في الإسلام على عهد رسول الله ﷺ (٤) وقد تحرك بمن معه من المقاتلين واستولى على جميع أجزاء اليمن، وبعد أن علم رسول الله ﷺ بما حدث، بعث برسالة إلى المسلمين هناك يحثهم فيها على الوقوف في وجهه ومقاتلته، فاستجابوا لذلك وقتلوه في منزله بمعاونة زوجته التي تزوجها قسرا بعد أن قتل زوجها، وقد كانت مؤمنة بالله ورسوله ﷺ، وبمقتله ظهر الإسلام وأهله، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ، وقد أتى إليه الخبر في ليلته من السماء فأخبر أصحابه، وقد دامت فترة
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: - كتاب المناقب - (٦ / ٦١٦) .
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٥ / ١٦) بسند صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١١ / ٣٢٤) والترمذي في سننه (٦ / ٤٦٦) وقال هذا حديث صحيح.
(٤) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (٣ / ١٨٥) والكامل في التاريخ (٢ / ٣٣٧) .
[ ٥٧ ]
ملك هذا الكذاب من حين ظهوره إلى أن قتل ثلاثة أشهر، وقيل أربعة أشهر " (١) .
ومنهم طليحة بن خويلد الأسدي الذي قدم على النبي ﷺ في وفد بني أسد سنة ٩ هـ وأسلموا ورجعوا إلى بلادهم وقد تنبأ طليحة هذا في حياة الرسول ﷺ فوجه إليه ضرار بن الأزور عاملا على بني أسد وأمرهم بالقيام على من ارتد، فضعف أمر طليحة حتى لم يبق إلا أخذه فضربه بالسيف، فلم يصنع فيه شيئا، فظهر بين الناس أن السيف لا يعمل فيه، فكثر جمعه، ومات النبي ﷺ وهم على ذلك، ولما قام أبو بكر الصديق ﵁ بأمر الخلافة، أرسل إليه جيشا بقيادة خالد بن الوليد ﵁ فالتقى الجيشان، فهزم جيش طليحة ففر بعدها مع زوجته إلى الشام، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، ولحق بجيش المسلمين وأبلى في الجهاد في سبيل الله بلاء حسنا واستشهد بنهاوند ﵁ (٢) .
ومنهم مسيلمة الكذاب، الذي وفد على رسول الله ﷺ في العام التاسع الهجري مع جماعة من بني حنيفة، وبعد عودة الوفد إلى اليمامة، ارتد عدو الله وتنبأ وقال: إني قد أشركت في الأمر معه - أي مع رسول الله ﷺ - وكان يزعم أن الوحي يأتيه في الظلام، وقد أرسل له أبو بكر الصديق جيشا بقيادة خالد بن الوليد ﵁، وعكرمة بن أبي جهل ﵁ وشرحبيل بن حسنة ﵁ فاستقبلهم مسيلمة بجيش كان قوامه أربعين ألف مقاتل ودارت بينهم معارك حاسمة كانت الدائرة فيها على مسيلمة وجيشه، وقتل مسيلمة بيد وحشي بن حرب ﵁ وانتصر الحق وارتفعت راية التوحيد (٣) .
_________________
(١) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (٣ / ٢٣١)، الكامل في التاريخ (٢ / ٣٣٨)، المختصر في أخبار البشر (١٥٦ - ١٥٧)، البداية والنهاية (٦ / ٣٠٧ - ٣٠٩) .
(٢) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (٣ / ٢٦١)، الكامل في التاريخ (٢ / ٣٤٣ - ٣٤٨) .
(٣) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (٣ / ٢٧٢) الكامل في التاريخ (٢ / ٣٦١، ٣٦٢)، البداية والنهاية (٦ / ٣٢٣ - ٣٢٧) .
[ ٥٨ ]
ومنهم سجاح بنت الحارث التغلبية، كانت من نصارى العرب، وقد ادعت النبوة بعد موت الرسول ﷺ فالتف حولها أناس كثير من قومها ومن غيرهم وغزت بهم القبائل المجاورة حتى وصلت إلى بني تميم، فاصطلحوا معها، وسارت حتى وصلت اليمامة والتقت بمسيلمة وصدقته وتزوجها، ولما قتل مسيلمة رجعت إلى بلادها وأقامت في قومها بني تغلب، ثم أسلمت وحسن إسلامها، ثم انتقلت بعد ذلك إلى البصرة وماتت بها (١) .
وأما في عصر التابعين وما بعده فظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي، الذي تظاهر بالتشيع أولا فالتف حوله جماعة كثيرة من الشيعة (٢) وكان يقول بإمامة محمد بن الحنفية، وكان يدعو الناس إليه، وزعم أن جبريل ﵇ ينزل عليه، وقد استولى على الكوفة ونواحيها وقتل كل من كان بالكوفة من الذين قاتلوا الحسين بن علي بكربلاء، وقد دارت بينه وبين مصعب بن الزبير عدة معارك كانت الدائرة فيها عليه والغلبة لمصعب، فقتل المختار، وفرح المسلمون بذلك (٣) .
ومنهم الحارث بن سعيد الكذاب الذي أظهر التعبد والتنسك في دمشق ثم زعم أنه نبي، ولما علم أن الخبر وصل إلى الخليفة عبد الملك بن مروان اختفى وجهل الناس خبره، فاستطاع رجل من أهل البصرة أن يعرف مكانه وتظاهر له بالتصديق فأمر الحارث ألا يحجب منه هذا الرجل متى ما أراد الدخول عليه،
_________________
(١) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (٣ / ٢٧١ - ٢٧٥)، وتاريخ ابن خلدون (٢ / ٨٧٤)، والبداية والنهاية (٦ / ٣١٩ - ٣٢١) .
(٢) الشيعة: هم الذين شايعوا عليا ﵁، وقدموه على سائر الصحابة، ثم ظهرت فيها السبئية المنتسبون إلى عبد الله بيت سبأ فادعوا إمامة علي بالنص، وقالوا: بالغيبة والرجعة، ثم ساقوا الإمامة في ذريته على اختلاف بينهم، والشيعة فرق كثيرة منهم الغالي ومنهم دون ذلك، تم صار التشيع ستارا للفرق الباطنية الملحدة. انظر: مقالات الإسلاميين (١ / ٦٥)، والملل والنحل (١ / ١٤٦) .
(٣) انظر: الفرق بين الفرق (٤٥ - ٥٥)، والبداية والنهاية (٨ / ٣١١ - ٣١٤) .
[ ٥٩ ]
فاتصل هذا الرجل بعبد الملك وأخبره الخبر، فسير معه جنودا من العجم وتم القبض عليه وجيء به إلى عبد الملك، فأمر عبد الملك رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويعلموه أن هذا من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم، فصلبه عبد الملك بعد ذلك (١) .
وفي العصر الحديث قبل أكثر من قرن ظهر بالهند رجل يدعى ميرزا غلام أحمد القادياني - لعنة الله عليه - ادعى النبوة، وكان يزعم أنه يتلقى الوحي من السماء، كما زعم أن الله ﷿ أخبره بأنه سيعيش ثمانين سنة، وقد صار له أتباع وأعوان فانبرى له كثير من العلماء وردوا عليه وبينوا أنه دجال من الدجالين، وكان منهم العالم الكبير ثناء الله الأمر تسري الذي كان من أشد العلماء عليه حتى إنه في عام ١٣٢٦ هـ تحدى القادياني الشيخ ثناء الله هذا، بأن الكاذب المفتري من الرجلين سيموت، ودعا الله أن يقبض المبطل في حياة صاحبه ويسلط عليه داء مثل الهيضة والطاعون يكون فيه حتفه، وبعد ثلاثة عشر شهرا وعشرة أيام تقريبا أصيب القادياني بدعوته. وقد ذكر أبو زوجته نهايته بقوله: ولما اشتد مرضه أيقظني فذهبت إلى حضرته ورأيت ما يعانيه من الألم فخاطبني قائلا: أصبت بالكوليرا ثم لم ينطق بعد هذا بكلمة صريحة حتى مات (٢) .
وهكذا سيستمر خروج هؤلاء الكذابين الدجالين واحدا بعد الآخر، حتى تستوفي عدتهم التي أخبرنا الصادق المصدوق نبينا محمد ﷺ حتى يكون آخرهم المسيح الدجال الذي يخرج في آخر الزمان - نعوذ بالله من فتنته - وينزل عيسى ابن مريم ﵇ للقضاء عليه وعلى فتنته، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في أشراط الساعة الكبرى.
_________________
(١) انظر: تلبيس إبليس (٤٢٧ - ٤٣٠)، البداية والنهاية (٩ / ٢٧، ٢٨) .
(٢) القاديانية: لإحسان إلهي ظهير (١٥٥ - ١٥٩) .
[ ٦٠ ]
[المطلب السادس ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان]
المطلب السادس: ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان من علامات الساعة التي ظهرت وأخبر بها الرسول ﷺ ولادة الأمة ولدا يكون له السيادة عليها، وتفاخر الناس بالبنيان الشاهق، وزخرفة البيوت بعد أن كانوا حفاة يعيشون في خيام الشعر ويرعون الشياه والبعير، كما دل على ذلك الحديث المشهور عن عمر بن الخطاب ﵁ في حديث جبريل الطويل وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة، «قال له جبريل ﵇:. . فأخبرني عن الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل "، قال: فأخبرني عن أماراتها؟، قال: " أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (١) . ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث أن تنقلب الموازين، وتصبح الأمور في غير محلها اللائق بها، كأن يصبح الولد سيدا ومولى لأمه، ويحدث هذا عندما يتسع الإسلام، ويكثر السراري، ويتخذ الناس السراري ويكثر منهن الأولاد، فيكون الرجل من أمته في معنى السيد لأمه، إذا كانت مملوكة لأبيه، وملك الأب راجع إلى الولد، وكذلك ابنتها؛ لأنها في الحسب كأبيها. وكذلك بالنسبة للحفاة العراة رعاء الشاء، أهل الجهل والجفاء عندما تختل الموازين بكثرة الأموال بين أيديهم، يصبحون هم رؤوس الناس فيتطاولون في البنيان ويتنافسون على وجه التفاخر والخيلاء، في زخرفة العمارات وعدد أدوارها بعد أن كانوا أهل تنقل وترحال لا تستقر بهم دار.
يقول العلامة حمود التويجري - رحمه الله تعالى -: " والتطاول في البنيان يكون بتكثير طبقات البيوت ورفعها إلى فوق، ويكون بتحسين البناء وتقويته وتزويقه، ويكون بتوسيع البيوت وتكثير مجالسها ومرافقها، وكل ذلك واقع في زماننا حين كثرت الأموال وبسطت الدنيا على الحفاة العراة العالة، فالله المستعان (٢) ".
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان (١ / ٣٦) .
(٢) إتحاف الجماعة (٢ / ١٦٢) .
[ ٦١ ]
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تفسير هاتين العلامتين من أشراط الساعة، فقال الإمام النووي رحمه الله تعالى عن ولادة الأمة ربتها أو ربها الواردة في الحديث: «أن تلد الأمة ربتها» وفي الرواية الأخرى: " ربها " على التذكير، وفي الأخرى " بعلها " قال يعني السراري، ومعنى ربها وربتها: سيدها ومالكها وسيدتها ومالكتها.
قال الأكثرون من العلماء: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأن مال الإنسان صائر إلى ولده، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينة الحال، أو عرف الاستعمال.
وقيل معناه: أن الإماء يلدن الملوك، فتكون أمه من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته.
وقيل معناه: أن تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها ولا يدري، ويحتمل على هذا القول أن لا يختص هذا بأمهات الأولاد فإنه متصور في غيرهن، فإن الأمة تلد ولدا حرا من غير سيدها بشبهة أو ولدا رقيقا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ولدها، وهذا أكثر وأعم من تقديره في أمهات الأولاد.
وقيل معناه غير ما ذكرناه، وكلها أقوال ضعيفة جدا أو فاسدة فتركتها (١) .
ويقول الحافظ ابن حجر - ﵀ -: وقد اختلف العلماء قديما وحديثا في معنى ذلك، قال ابن التين: اختلف فيه على سبعة أوجه، فذكرها لكنها متداخلة، وقد لخصتها بلا تداخل فإذا هي أربعة أقوال:
الأول: قال الخطابي (٢) معناه اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد
_________________
(١) شرح صحيح مسلم النووي (١ / ١٥٨) .
(٢) هو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب الخطابي، الإمام الحافظ اللغوي الفقيه المحدث، من أشهر تصانيفه: غريب الحديث، توفي سنة ٣٨٨ هـ. سير أعلام النبلاء (١٧ / ٢٣)، شذرات الذهب (٣ / ١٢٧) .
[ ٦٢ ]
الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد فيها بمنزلة ربها لأنه وليد سيدها (١) . قال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين (٢) قلت: لكن في كونه المراد نظر؛ لأن استيلاد الإماء كان موجودا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم وقع أكثره في صدر الإسلام وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة.
الثاني: أن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد أو الاستهانة بالأحكام الشرعية.
الثالث: وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن، بأن تلد الأمة حرا من غير سيدها بوطء شبهة، أو رقيقا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها.
الرابع: أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام فأطلق عليه ربها مجازا لذلك، أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون - من كونها تدل على فساد الأحوال - مستغربة، ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربى مربيا، والسافل عاليا (٣) .
وأما تطاول الناس في البنيان فهو ظاهر وبين في هذا العصر حيث تسابق الناس إلى التباهي بالعمران والزخرفة بسبب كثرة الأموال حتى إن أهل البادية من أهل الفقر والحاجة أخذوا في بناء الأبنية ذوات الطوابق المتعددة وتنافسوا
_________________
(١) معالم السنن (٧ / ٦٧) .
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي (١ / ١٥٨) .
(٣) فتح الباري (١ / ١٢٢) .
[ ٦٣ ]
في ذلك، وكل هذا قد وقع كما أخبر به رسولنا ﷺ الصادق المصدوق كما سبق ذلك في حديث عمر بن الخطاب ﵁، وكما في حديث ابن عباس ﵄: «أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: فحدثني متى الساعة؟، قال رسول الله ﷺ: " سبحان الله من خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو. . . ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك. . . "، قال: أجل يا رسول الله فحدثني، قال رسول الله ﷺ: " إذا رأيت الأمة ولدت ربتها أو ربها، ورأيت أصحاب الشاء تطاولوا بالبنيان ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس فذلك من معالم الساعة وأشراطها "، قال: يا رسول الله ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: " العرب» (١) .
قال القرطبي: " المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على أمر، ويتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذه الأزمان " (٢) .
وقال ابن رجب الحنبلي: " ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها كما قال النبي ﷺ لمن سأله عن الساعة: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (٣) فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والجفاء رؤوس الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا " (٤) .
ويقول الحافظ ابن حجر: " ومعنى التطاول في البنيان أن كل من يبني بيتا يريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد: المباهاة في الزينة والزخرفة أو أعم من ذلك، وقد وجد الكثير من ذلك وهو في ازدياد " (٥) .
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤ / ٣٣٢) حديث رقم (٢٩٢٦)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر (١ / ١٢٣) .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق (٧ / ١٨٨) .
(٤) جامع العلوم والحكم (٣٦) .
(٥) فتح الباري (١٣ / ٨٨) .
[ ٦٤ ]
[المطلب السابع قبض العلم وظهور الجهل]
المطلب السابع: قبض العلم وظهور الجهل من علامات الساعة التي أخبر بها رسول الله ﷺ: قبض العلم وظهور الجهل، فعن أبي موسى وعبد الله بن مسعود - ﵄ - قالا: قال رسول الله ﷺ: «إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج: القتل» (١) .
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا» (٢) .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قالوا: يا رسول الله، أيم هو؟، قال: القتل القتل» (٣) .
قال ابن العربي (٤) " وأما ذهاب العلم، قال المشيخة: فيكون بوجوده، إما بمحوه من القلوب، وقد كان في الذين قبلنا، ثم عصم هذه الأمة، فذهاب العلم منها بموت العلماء، وقد قال جماعة من الناس: إن ذهاب العلم يكون أيضا بذهاب العمل به، فيحفظون القرآن ولا يعملون به فيذهب العلم. . . والذي عندي أن الوجوه الثلاثة في هذه الأمة، فقد يذنب الرجل حتى يذهب ذنبه علمه، وقد يقرؤه ولا يعمل به، وقد يقبض بعلمه فلا ينتفع أحد به، أو يمنع من بثه فيذهب لوقته " (٥) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن (٨ / ٨٩) .
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم (١ / ٢٨) .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم (١ / ٢٩) .
(٤) هو أبو بكر محمد بن عبد الله المعافري الإشمبيلي، المالكي المعروف بابن العربي، من حفاظ الحديث، صنف كتبا كثيرة في الحديث والفقه والأصول والتفسير، ومنها: العواصم من القواصم، وعارضة الأحوذي شرح سن الترمذي. توفي سنة ٥٤٣ هـ. وفيات الأعيان (١ / ٤٨٩) نفح الطيب (١ / ٣٤٠) .
(٥) عارضة الأحوذي (١٠ / ١٢١) .
[ ٦٥ ]
وقال القرطبي أثناء شرحه لحديث: «إن من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل»: وأما قلة العلم وكثرة الجهل فذلك شائع في جميع البلاد ذائع، أعني برفع العلم وقلته: ترك العمل به (١) .
وقال ابن حجر: قيل: إن المراد نقص علم كل عالم بأن يطرأ عليه النسيان مثلا، وقيل: نقص العلم بموت أهله، فكلما مات عالم ولم يخلفه غيره نقص العلم من تلك البلد (٢) .
وقد ورد ما يدل على أن المراد برفع العلم وكثرة الجهل: موت العلماء فلا يبقى إلا الجهال الذين يتخذهم الناس رؤساء فيضلوا ويضلوا غيرهم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٣) .
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: «لما كان في حجة الوداع؛ قام رسول الله ﷺ وهو يومئذ مردف الفضل بن عباس على جمل آدم، فقال: " يا أيها الناس خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم وقبل أن يرفع العلم "، وقد كان أنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١] (٤) . قال: فكنا قد كرهنا كثيرا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله ذلك على نبيه ﷺ. قال: فأتينا أعرابيا، فرشوناه بردا، فاعتم به، حتى رأيت حاشيته خارجة من
_________________
(١) التذكرة ص (٧٤٨ - ٧٤٩) .
(٢) فتح الباري (١٣ / ١٧) .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم (١ / ٣٤)، ومسلم في صحيحه: كتاب العلم (٤ / ٢٠٥٣) .
(٤) سورة المائدة، الآية: ١٠١.
[ ٦٦ ]
حاجبه الأيمن، قال: ثم قلنا له: سل النبي ﷺ. فقال له: يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها نساءنا وذرارينا وخدمنا؟ قال: فرفع النبي ﷺ رأسه وقد علت وجهه حمرة من الغضب، قال: فقال: " أي ثكلتك أمك، هذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يصبحوا يتعلقون منها بحرف مما جاءتهم به أنبياؤهم، ألا وأن من ذهاب العلم أن يذهب حملته (ثلاث مرات)» (١) .
يقول الحافظ النووي أثناء شرحه لحديث عبد الله بن عمرو السابق: " هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس محوه من صدور حفاظه ولكن معناه: أن يموت حملته ويتخذ الناس جهالا يحكمون بجهالتهم فيضلون ويضلون " (٢) .
وقد وقع ما أخبر به الرسول ﷺ في زمان من قبل فكيف بزماننا، قال ابن بطال (٣) " وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عيانا فقد نقص العلم وظهر الجهل، وألقي الشح في القلوب وعمت الفتن وكثر القتل " (٤) . من أجل هذا حث السلف على طلب العلم، قال عبد الله بن مسعود ﵁: «عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله، وعليكم بالعمل، فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، وعليكم بالعلم، وإياكم والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق» (٥) . وعن أبي الدرداء ﵁ قال: «ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون، فتعلموا قبل أن يرفع العلم، فإن رفع العلم ذهاب العلماء» (٦) . وقد ظهر مصداق هذا كله في زماننا ولم يبق العلم إلا في أناس قليل، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: (٣ / ٢٦٦)، والدارمي في سننه (١ / ٦٨) مختصرا.
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي: (١٦ / ٢٢٤) .
(٣) هو أبو الحسن علي بن خلف بن بصاد القرطبي، كان من أهل العلم والمعرفة، شرح صحيح البخاري، ينقل عنه الحافظ ابن حجر كثيرا، توفي سنة ٤٤٩ هـ. سير أعلام النبلاء (١٨ / ٤٧)، شذرات الذهب (٣ / ٢٨٣) .
(٤) انظر: كتاب فتح الباري لابن حجر: (١٣ / ١٦) .
(٥) أخرجه أبو داود في سننه: (٤ / ٦٣) .
(٦) أخرجه الدارمي في سننه: (١ / ٦٩)، وابن عبد البر في جامع ببان العلم وفضله ص (٢٠٧) .
[ ٦٧ ]
[المطلب الثامن تكليم السباع والجماد للإنس]
المطلب الثامن: تكليم السباع والجماد للإنس من أشراط الساعة التي أخبر بها الرسول ﷺ تكليم السباع الإنس، وإخبار فخذ الرجل بما يحدث أهله بعده، وكلام النعل والسوط لصاحبهما.
عن أبي هريرة ﵁ قال: «صلى رسول الله ﷺ الصبح، ثم أقبل على الناس فقال: " بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث، فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلم؟ فقال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم، وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب، فذهب منها بشاة، فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب يا هذا: استنقذتها مني فمن لها يوم السبع؟ يوم لا راعي لها غيري! فقال الناس: سبحان الله! ذئب يتكلم؟ قال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم» (١) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي، فانتزعها منه، فأقعى (٢) الذئب على ذنبه، قال: ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي، فقال: يا عجبي! ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما سبق، قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي بالصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للراعي: " أخبرهم "،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء: (٤ / ١٤٩) .
(٢) أقعى: من الإقعاء، تقول: أقعى الكلب: إذا جلس على أسته. ترتيب القاموس المحيط: (٣ / ٦٦٣) .
[ ٦٩ ]
فأخبرهم، فقال رسول الله ﷺ: " صدق، والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة (١) سوطه وشراك (٢) نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده» (٣) .
قال القرطبي: وفي هذا الحديث ما يرد على كفرة الأطباء والزنادقة الملحدين، وأن الكلام ليس مرتبطا بالهيبة والبله، وإنما الباري جلت قدرته يخلقه متى شاء في أي شيء شاء من جماد أو حيوان على ما قدره الخالق الرحمن، فقد كان الحجر والشجر يسلمان عليه ﷺ تسليم من نطق وتكلم، ثبت ذلك في غير ما حديث، وهو قول أهل أصول الدين في القديم والحديث.
وثبت باتفاق حديث البقرة والذئب وأنهما تكلما على ما أخبر عنهما ﷺ في الصحيحين، قاله ابن دحية (٤) (٥) .
فهذه أخبار عن رسول الله ﷺ كلها أمارات للساعة، وإن كانت أمورا خارقة للعادة جارية على غير المألوف إلا أنه يجب الإيمان بها وتصديقها لثبوتها عنه ﷺ.
_________________
(١) العذبة: هي طرف الشيء. النهاية في غريب الحديث (٣ / ١٩٥) .
(٢) الشراك: أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. النهاية في غريب الحديث (٢ / ٤٦٧) .
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣ / ٨٣، ٨٤) والترمذي في سننه (٤ / ٤٧٦) . وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤ / ٤٦٨)، وقال: هذا حديث صحيح. ووافقه الذهبي.
(٤) هو مجد الدين أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي الجميل الكلبي الداني، العلامة المحدث، كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متفننا في الحديث والنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها، توفي سنة ٦٣٣ هـ. سير أعلام النبلاء (٢٢ / ٣٨٩ - ٣٩٤)، شذرات الذهب (٥ / ١٦٠) .
(٥) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص: (٧٤٦) .
[ ٧٠ ]
[المطلب التاسع قطع الأرحام وسوء الجوار وظهور الفساد]
المطلب التاسع: قطع الأرحام وسوء الجوار وظهور الفساد من علامات الساعة التي أخبر بها الرسول ﷺ قطيعة الرحم وسوء الجوار وظهور الفساد والفحش، ومن الأحاديث الدالة على ذلك: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة» (١) .
وقد وقع ما أخبر به الرسول ﷺ فنرى الفساد ظاهرا بين الناس كما نرى التقاطع وسوء الجوار حاصلا بينهم، وحل التباغض والتنافر بينهم محل المحبة والصلة والمودة، حتى إن الجار لا يعرف جاره، والقريب لا يعرف عن بعض أرحامه هل هم من الأموات أم من الأحياء، ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل.
وقد جاءت الأدلة في الكتاب والسنة بالتحذير من قطيعة الرحم، وبينت أنها سبب للعنة والحرمان من دخول الجنة، قال الله تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣] (٢) .
وقال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» (٣) .
وقد حث الرسول ﷺ على صلة الرحم، وبين أنها سبب لطول العمر وكثرة
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٠ / ٢٦ - ٣١) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١ / ٧٥) وقال: هذا حديث صحيح.
(٢) سورة محمد، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب (٧ / ٧٢) . ومسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة (٤ / ١٩٨١) .
[ ٧١ ]
الرزق ورضا الله ﷾ كما جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه» (١) .
كما دلت الأدلة في الكتاب والسنة على وجوب الإحسان إلى الجيران وإكرامهم وعدم إيذائهم، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] (٢) . وقال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» (٣) .
وقال ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (٤) .
وعن أبي شريح قال: إن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (٥) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب (٧ / ٧٢)، ومسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة (٤ / ١٩٨٢) .
(٢) سورة النساء، الآية: ٣٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب: (٧ / ٧٨) .
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب: (٧ / ٧٨) .
(٥) المصدر السابق.
[ ٧٢ ]
[المطلب العاشر كثرة الزلازل وظهور الخسف والقذف والمسخ الذي يعاقب الله به بعض هذه الأمة]
المطلب العاشر: كثرة الزلازل وظهور الخسف والقذف والمسخ الذي يعاقب الله به بعض هذه الأمة من علامات الساعة وأماراتها التي أخبر بها الرسول ﷺ: كثرة الزلازل، وظهور الخسف، والقذف، والمسخ، وقد دل على هذا الأحاديث الثابتة عنه ﷺ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل. . .» (١) .
يقول الحافظ ابن حجر: " وقد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل، ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها " (٢) .
وقد كثرت الزلازل في عصرنا الحاضر في أماكن متعددة، وهذا مصداق لما أخبر به رسول الله ﷺ.
وعن عائشة - ﵂ - عن النبي ﷺ أنه قال: «يكون في آخر هذه الأمة خسف (٣) ومسخ (٤) وقذف (٥) " قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم، إذا ظهر الخبث» (٦) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الاستسقاء (٢ / ٢٢) .
(٢) فتح الباري: (١٣ / ٨٧) .
(٣) الخسف: هو سؤوخ الأرض بما عليها، يقال: خسف الله به الأرض خسفا أي غاب به فيها، ومنه قوله تعالى: فخسفنا به وبداره الأرض سورة القصص، الآية: ٨١. لسان العرب: (٩ / ٦٧) .
(٤) المسخ: هو تحويل صورة إلى صورة أقبح منها، وقد اختلف في المراد من هذه الكلمة الواردة في الأحاديث، قال الحافظ ابن حجر: قال ابن العربي: يحتمل على الحقيقة كما وقع للأمم السالفة، ويحتمل أن يكون كناية عن تبدل أخلاقهم، قلت: والأول أليق بالسياق. فتح الباري: (١٠ / ٥٦)، وانظر لسان العرب (٣ / ٥٥) .
(٥) القذف: هو الرمي بالسهم والحصى والكلام وكل شيء. لسان العرب (٩ / ٢٧٧) .
(٦) أخرجه الترمذي: كتاب الفتن - باب ما جاء في الخسف - (٤ / ٤٧٩) وقال: هذا حديث غريب، والحديث صححه الألباني. صحيح الجامع: (٢ / ١٣٥٥) .
[ ٧٣ ]
وعن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف " فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: " إذا ظهرت المعازف وكثرت القيان وشربت الخمور» (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اتخذ الفيء دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع» (٢) .
وقد أخبر الرسول ﷺ: أن وقوع الخسف والمسخ والقذف في الزنادقة وأهل القدر، فعن نافع قال: «بينما نحن عند عبد الله بن عمر - ﵄ - قعودا إذ جاء رجل، فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام - لرجل من أهل الشام - فقال عبد الله: بلغني أنه أحدث حدثا، فإن كان كذلك فلا تقرأن عليه مني السلام، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنه سيكون في أمتي مسخ وقذف وهو في الزنديقية والقدرية» (٣) .
فهذه الأحاديث السابقة التي فيها ذكر الخسف والقذف والمسخ فيها وعيد شديد للعصاة من أهل المعازف وشاربي الخمور بأن يعاقبهم الله تعالى بهذه العقوبات أو ببعضها على عصيانهم وتمردهم، وهي في نفس الوقت من أمارات الساعة التي كلما يقترب وقوعها يزداد ظهور المعاصي والذنوب؛ لأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الفتن (٤ / ٤٩٥) .
(٢) أخرجه الترمذي: كتاب الفتن (٤ / ٤٩٥) وقال: هذا حديث غريب.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٩ / ٧٣) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
[ ٧٤ ]
[المبحث الثاني أشراط الساعة الكبرى]
[المطلب الأول خروج المهدي]
[المسألة الأولى معنى المهدي]
المبحث الثاني: أشراط الساعة الكبرى وفيه المطالب الآتية:
المطلب الأول: خروج المهدي
المطلب الثاني: فتنة المسيح الدجال
المطلب الثالث: نزول عيسى ابن مريم ﵇
المطلب الرابع: خروج يأجوج ومأجوج
المطلب الخامس: طلوع الشمس من مغربها
المطلب السادس: خروج الدابة
المطلب السابع: الدخان الذي يكون في آخر الزمان
المطلب الثامن: الخسوفات الثلاثة
المطلب التاسع: النار التي تحشر الناس
[ ٧٥ ]
المطلب الأول: خروج المهدي من علامات الساعة وأماراتها الكبرى ظهور المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، ويلي أمر هذه الأمة ويجدد لها دينها، وهو رجل يحكم بالإسلام ويملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا وظلما، تنعم الأمة في عهده بالخيرات والنعم التي لم تنعم بمثلها قط، قال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: في زمانه تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدو راغم، والخير في أيامه دائم (١) .
وسيكون الكلام عليه في المسائل الآتية:
المسألة الأولى: معنى المهدي المهدي: لغة اسم مفعول من: هداه هدى وهديا وهداية، والهدى: هو الرشاد والدلالة، يقال: هداه الله للدين هدى، وهديته الطريق، وإلى الطريق هداية: أي عرفته (٢) .
وقال ابن الأثير: المهدي الذي هداه الله إلى الحق، وقد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة (٣) .
وقد وردت هذه الكلمة في أحاديث عديدة، منها حديث العرباض بن سارية، وفيه: «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (٤) .
وقال ابن الأثير: " ويريد بالخلفاء المهديين أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃ أجمعين وإن كان عاما في كل من سار سيرتهم " (٥) .
_________________
(١) النهاية في الفتن والملاحم (١ / ٣١) .
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث: (٥ / ٢٥٤)، ولسان العرب (١٥ / ٣٥٣، ٣٥٤) .
(٣) النهاية في غريب الحديث (٥ / ٢٥٤) .
(٤) جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤ / ١٢٦)، وأبو داود في سننه: كتاب السنة (٥ / ١٣)، والترمذي في سننه: كتاب العلم (٥ / ٤٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٥) النهاية في غريب الحديث (٥ / ٢٥٤) .
[ ٧٧ ]
والمراد بالمهدي هنا: هو الذي بشر به رسول الله ﷺ أنه يجيء في آخر الزمان، ويؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية، ويكون من أهل بيته ﷺ، ويخرج في زمنه عيسى ﵇، والدجال.
وقد وردت في شأن المهدي أحاديث كثيرة ما بين صحاح وحسان وضعاف تنجبر وضعاف شديدة الضعف (١) .
وهذه الأحاديث توضح وتخبر عن خروجه في الناس، وذلك بعد ما يعم الأرض الظلم والفساد والطغيان؛ فيأتي ويملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت جورا وظلما.
وهو من سلالة النبي ﷺ ومن أبناء فاطمة - ﵂ - وعلى خده شامة كأنها كوكب دري.
[المسألة الثانية اسمه واسم أبيه ونسبه]
المسألة الثانية: اسمه واسم أبيه ونسبه اسم المهدي (محمد)، واسم أبيه (عبد الله) .
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا مني - أو من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض. . .» الحديث.
وفي رواية أخرى: «لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» .
وفي رواية أخرى: «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»، قال: وقال أبو هريرة: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي. . .» (٢) .
_________________
(١) صرح بنحوه ابن القيم في المنار المنيف (١٤٨) إذ قال: هذه الأحاديث أربعة أقسام: صحاح وحسان، وغرائب، وموضوعة، وكذا قال الألباني في تخريج أحاديث فضائل الشام ص (٤٢) .
(٢) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب المهدي (٤ / ١٥١)، والترمذي في سننه: كتاب الفتن (٩ / ٧٤) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وذكر الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في منهاج السنة (٤ / ٢١١) وأشار إلى صحته.
[ ٧٨ ]
وأما نسبه: فالروايات الكثيرة تبين لنا أنه من ولد فاطمة البتول، ابنة النبي المصطفى ﵊ - ﵂ - وعن أولادها الطاهرين.
عن أم سلمة - ﵂ - قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من عترتي (١) من ولد فاطمة» (٢) .
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة» (٣) .
فهذه الأخبار كلها تؤكد أن المهدي من ذرية رسول الله ﷺ، من ولد فاطمة الزهراء، وهذا ما عليه جماهير الأمة، فلا يسوغ العدول عنه ولا الالتفات إلى غيره من الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
يقول الحافظ ابن كثير - ﵀ - في المهدي: وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني ﵁ (٤) .
[المسألة الثالثة صفة المهدي]
المسألة الثالثة: صفة المهدي من صفات المهدي الواردة في السنة ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: " المهدي مني، أجلى
_________________
(١) قال الخطابي: العترة: ولد الرجل لصلبه، ويكون العترة للأقرباء وبني العمومة، ومنه قول أبي بكر ﵁ يوم السقيفة: نحن عترة رسول الله ﷺ. معالم السنن (٤ / ٤٧٤) .
(٢) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب المهدي (٤ / ٤٧٤)، وابن ماجه في سننه: كتاب الفتن (٢ / ١٣٦٨)، والحاكم في المستدرك (٤ / ٥٥٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢ / ١٤٠) .
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١ / ٨٤) وابن ماجه في سننه: كتاب الفتن (٢ / ١٣٦٧) . ومعنى يصلحه الله في ليلة: يتوب عليه ويوفقه ويلهمه رشده بعد أن لم يكن كذلك، النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (١ / ٥٥) .
(٤) النهاية في الفتن والملاحم: (١ / ٣١) .
[ ٧٩ ]
الجبهة (١) أقنى الأنف (٢) يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، ويملك سبع سنين» (٣) .
ومن الأمور الدالة عليه، أنه يخرج في زمان ساد فيه الجور والظلم، فيقيم هو بأمر الله العدل والحق، ويمنع الظلم والجور، وينشر الله به لواء الخير على الأمة، حيث يسقيه الله الغيث فتمطر السماء كثيرا لا تدخر شيئا من قطرها، وتؤتي الأرض أكلها لا تدخر عن الناس شيئا من نباتها، وتكثر المواشي بسبب الخيرات، ويفيض المال فيقسمه بين الناس بالسوية. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعا، أو ثمانيا، يعني حججا» (٤) .
[المسألة الرابعة مكان خروج المهدي وزمانه ومدة مكثه في الأرض]
المسألة الرابعة: مكان خروج المهدي وزمانه ومدة مكثه في الأرض ليست هناك روايات صحيحة صريحة تدل على مكان خروجه، أو الزمن الذي يخرج فيه، ولكن استأنس أهل العلم في بيان ذلك من مفهوم بعض الروايات وإن لم تكن قطعية.
_________________
(١) (أجلى الجبهة): الأجلى: الخفيف الشعر ما بين النزعتين من الصدغين، والذي انحسر الشعر عن جبهته: النهاية في غريب الحديث (١ / ٢٩٠) .
(٢) (أقنى الأنف): القنا في الأنف: طوله ورقة أرنبته مع حدب في وسطه. النهاية في غريب الحديث (٤ / ١١٦) .
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣ / ١٧) وأبو داود برقم (٤٢٨٥) في المهدي، والحاكم في المستدرك (٤ / ٥٥٧)، وقد أشار الشيخ الألباني إلى صحته في تخريج المشكاة برقم (٥٤٥٤) .
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤ / ٥٥٧ - ٥٥٨) وقال: حديث حسن صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، والحديث أورده الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٢ / ٣٣٦)، وقال: هذا سند صحيح، رجاله ثقات.
[ ٨٠ ]
فعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقتتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم ". ثم ذكر شيئا لا أحفظه فقال: " فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي» (١) .
قال ابن كثير - ﵀ -: والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتتل عنده ليأخذه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق لا من سرداب سامرا، كما يزعمه جهلة الرافضة من أنه موجود فيه الآن وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، شديد من الشيطان؛ إذ لا دليل على ذلك، ولا برهان لا من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح ولا استحسان، إلى أن قال: " ويؤيده بناس من أهل المشرق ينصرونه ويقيمون سلطانه ويشدون أركانه، وتكون راياتهم سودا أيضا، وهو زي عليه الوقار؛ لأن راية رسول الله ﷺ كانت سوداء يقال له العقاب " إلى أن قال: " والمقصود: أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل خروجه وظهوره من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت كما دل على ذلك نص الأحاديث " (٢) .
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة فينزل عيسى فيقول أميرهم: تعال صلّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة» (٣) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان (٢ / ١٩٣) .
(٢) النهاية في الفتن والملاحم: (١ / ٥٥، ٥٦) .
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان (٢ / ١٩٣) .
[ ٨١ ]
وهناك رواية أوردها ابن القيم - ﵀ - في المنار المنيف حدد فيها اسم الأمير الذي يصلي إماما وأنه المهدي بلفظ: «فيقول أميرهم المهدي: تعال صلّ بنا» . . . إلى آخر الحديث. ثم قال ابن القيم - ﵀ - بعد أن أورد الحديث: وهذا إسناد جيد (١) .
وعن أم سلمة - ﵂ - قالت: قال رسول الله ﷺ: «يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض (٢) خسف بهم، فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته» (٣) .
وعن حفصة - ﵂ - أن رسول الله ﷺ قال: «سيعوذ بهذا البيت - يعني الكعبة - قوم ليست لهم منعة ولا عدد ولا عدة، يبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم» (٤) .
وعن عائشة - ﵂ - قالت: «عبث رسول الله ﷺ في منامه، فقلنا: يا رسول الله، صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله؟ فقال: " العجب أن ناسا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم "، فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد تجمع الناس، فقال: " نعم، فيهم المستبصر (٥) والمجبور (٦) وابن السبيل يهلكون مهلكا
_________________
(١) المنار المنيف ص (١٤٨) .
(٢) يقول النووي - ﵀ - قال العلماء: البيداء كل أرض ملساء لا شيء بها، وبيداء المدينة: الشرف الذي قدام ذي الحليفة أي إلى جهة مكة. شرح صحيح مسلم للنووي (١٨ / ٥) .
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه. كتاب الفتن: (٤ / ٢٢٠٩) .
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن: (٤ / ٢٢١٠) .
(٥) (المستبصر): المستبين للشيء، القاصد له عمدا، يعني أنهم كانوا على بصيرة من ضلالتهم: النهاية في غريب الحديث (١ / ١٣٢) .
(٦) (المجبور): أي المكره على الخروج دون إرادته. النهاية في غريب الحديث (١ / ٢٣٦) .
[ ٨٢ ]
واحدا، ويصدرون مصادر شتى (١) يبعثهم الله ﷿ على نياتهم» (٢) .
ففي هذه الروايات الثلاث عن أمهات المؤمنين - ﵅ - جميعا، إشارة صريحة للعائذ بالبيت وأنه من قريش، وأنه يؤيد بنصر الله، فيهلك الله أعداءه بالخسف.
وقد ورد أيضا في الأحاديث الصحيحة ذكر خليفة يكثر الخير في زمانه حتى إنه يحثو المال حثوا ولا يعده عددا ويعطيه للناس بدون عدد، ولكن الروايات هنا أيضا لم تحدد اسم هذا الخليفة.
فعن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله ﵃ أن النبي ﷺ قال: «يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده» .
وفي رواية: «يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثوا» (٣) .
وعن أم سلمة - ﵂ - قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج من بني هاشم فيأتي مكة فيستخرجه الناس من بيته بين الركن والمقام، فيجهز إليه رجل من قريش، أخواله من كلب، فيجهز إليه جيش فيهزمهم الله، فتكون الدائرة عليهم، فذلك يوم كلب، الخائب من خاب من غنيمة كلب، فيستفتح الكنوز ويقسم الأموال، ويلقي الإسلام بجرانه (٤) إلى الأرض، فيعيشون بذلك سبع سنين أو قال: تسعا» (٥) .
_________________
(١) (مصادر شتى): أي يهلكون جميعهم، ولكن مصادرهم عن الهلكة متفرقة، فمنهم إلى الجنة، ومنهم إلى النار على قدر أعمالهم ونياتهم: النهاية في غريب الحديث (٤ / ١٥) .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن (٤ / ٢٢١٠) .
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن (٤ / ٢٢٣٤، ٢٢٣٥) .
(٤) (بجرانه) الجران: باطن العنق، والمعنى: أن الإسلام قد قر قراره واستقام وطبقت أحكامه. لسان العرب (١٣ / ٨٦) .
(٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢ / ٣٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧ / ٣١٨): رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.
[ ٨٣ ]
وفي رواية أبي داود: ". . . «فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام» . . . " (١) الحديث.
ومن مجمل الروايات السابقة يتبين لنا أن المهدي رجل صالح يخرج في آخر الزمان، ويأوي إلى مكة هاربا من المدينة، فيبايع بين الركن والمقام عند الكعبة المشرفة، فيبعث إليه جيش لقتله فيخسف بهم، وينصره الله ويؤيده فيحكم بالإسلام، وينشر العدل بين الناس، ويعم الرخاء والنعمة بزمانه، ويلتقي مع نبي الله عيسى ﵇ فيؤم الأمة وعيسى ﵇ يصلي خلفه، ويخرج معه ويساعده على قتل الدجال، ويعيش سبعا أو تسع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون.
[المسألة الخامسة تواتر أحاديث المهدي]
المسألة الخامسة: تواتر أحاديث المهدي لقد نص على تواتر الأحاديث في المهدي تواترا معنويا عدد من الأئمة والعلماء:
يقول الحافظ أبو الحسن الآبري (٢) " وقد تواترت الأخبار واستفاضت وكثرت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ بخروجه، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأنه يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتل الدجال بباب لد (٣) بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه " (٤) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب المهدي (٤ / ٤٧٥) .
(٢) هو أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم السجستاني الآبري، المحدث، الحافظ، المؤرخ، صاحب مناقب الإمام الشافعي، توفي سنة ٣٦٣ هـ. سير أعلام النبلاء (١٦ / ٢٩٩)، شذرات الذهب (٣ / ٤٦) .
(٣) لد: بالضم والتشديد، بلدة معروفة في فلسطين، قريبة من بيت المقدس، وهي التي ببابها يدرك عيسى ﵇ الدجال فيقتله. معجم البلدان: (٥ / ١٥) .
(٤) انظر كلامه هذا في تهذيب التهذيب: (٩ / ١٤٤) .
[ ٨٤ ]
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم " (١) .
ويقول الحافظ ابن كثير: " فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان، وهو أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وليس بالمنتظر الذي تزعم الروافض وترتجي ظهوره من سرداب في سامرا، فإن ذاك ما لا حقيقة له ولا عين ولا أثر. . . وأما ما سنذكره فقد نطقت به الأحاديث المروية عن رسول الله ﵌ أنه في آخر الدهر، وأظن ظهوره يكون قبل نزول عيسى ابن مريم كما دلت على ذلك الأحاديث " (٢) .
ويقول العلامة محمد السفاريني في المهدي: " وقد كثرت بخروجه - أي المهدي - الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عد من معتقداتهم " (٣) .
ويقول أيضا: " وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم ﵃ بروايات متعددة وعن التابعين من بعدهم ما يفيد بمجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب، كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة " (٤) .
ويقول العلامة محمد البرزنجي في كتابه - الإشاعة لأشراط الساعة -: " قد علمت أن أحاديث المهدي وخروجه آخر الزمان وأنه من عترة رسول الله ﷺ من ولد فاطمة ﵍ بلغت حد التواتر المعنوي فلا معنى لإنكارها " (٥) .
_________________
(١) منهاج السنة النبوية: (٤ / ٩٥) .
(٢) النهاية في الفتن والملاحم: (١ / ٤٩) .
(٣) لوامع الأنوار البهية: (٢ / ٨٤) .
(٤) المصدر نفسه.
(٥) الإشاعة في أشراط الساعة (٢٣٦) .
[ ٨٥ ]
ويقول العلامة محمد صديق خان بن حسن القنوجي (١) في كتابه - الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة -: " الأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف روايتها كثيرة جدا تبلغ حد التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد " (٢) .
وقال العلامة الشوكاني: " الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك وشبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضا، لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك " (٣) .
وقال العلامة محمد بن جعفر الكتاني (٤) " والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجال وفي نزول عيسى ابن مريم ﵉ " (٥) .
ويقول العلامة أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي: " واعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل
_________________
(١) هو أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن خان القنوجي، ولد في بريلي، وتعلم في الهند، قرأ وكتب كثيرا، وله مصنفات كثيرة منها: الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة، الروضة الندية في شرح الدرة البهية، والدين الخالص، وغيرها، توفي سنة ١٣٠٧ هـ. انظر: الأعلام للزركلي: (٦ / ١٦٧ - ١٦٨) .
(٢) الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة: ١١٢ - ١١٣.
(٣) التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح. ورقة: (٤، ٥) .
(٤) هو أبو عبد الله محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني الحسني الفاسي، مؤرخ ومحدث، ولد في فاس بالمغرب، ورحل في طلب العلم، له عدة مصنفات منها: نظم المتناثر من الحديث المتواتر، توفي سنة ١٣٤٥ هـ. انظر: الأعلام (٦ / ٧٢ - ٧٣) .
(٥) نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص ١٧٤.
[ ٨٦ ]
من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على إثره، وأن عيسى ﵇ ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته.
وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبزار، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل: علي، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وأم حبيبة، وأم سلمة، وثوبان، وقرة بن إياس، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء ﵃ (١) .
ويقول سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ - ما ملخصه: " أمر المهدي معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، وتواترها تواتر معنوي، لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها، فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت وخروجه حق، وهو محمد بن عبد الله العلوي الحسني من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، وهذا الإمام من رحمة الله ﷿ بالأمة في آخر الزمان، يخرج فيقيم العدل والحق، ويمنع الظلم والجور، وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلا وهداية وتوفيقا وإرشادا للناس.
وقد اطلعت على كثير من أحاديثه فرأيتها كما قال الشوكاني وغيره، وكما قال ابن القيم وغيره: فيها الصحيح، وفيها الحسن، وفيها الضعيف المنجبر، وفيها أخبار موضوعة، ويكفينا من ذلك ما استقام سنده، سواء كان صحيحا لذاته أو لغيره، وسواء كان حسنا لذاته أو لغيره، وهكذا الأحاديث الضعيفة إذا
_________________
(١) عون المعبود شرح سنن أبي داود (١١ / ٣٦١) .
[ ٨٧ ]
انجبرت وشد بعضها بعضا، فإنها حجة عند أهل العلم. . . والحق أن جمهور أهل العلم - بل هو كالاتفاق - على ثبوت أمر المهدي، وأنه حق، وأنه سيخرج في آخر الزمان، أما من شذ عن أهل العلم في هذا الباب فلا يلتفت إلى كلامه في ذلك " (١) .
وقد أحصى فضيلة شيخنا الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر - حفظه الله - في كتابه القيم عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر عدد الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي فبلغوا ستة وعشرين صحابيا، كما أحصى عدد الأئمة الذين خرجوا هذه الأحاديث والآثار في كتبهم فبلغوا ستة وثلاثين إماما، منهم أصحاب السنن الأربعة والإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وغيرهم، كما ذكر بعض من ألف في شأن المهدي، والذين حكموا على أحاديث المهدي بالتواتر، كما ذكر بعض العلماء المحققين الذين احتجوا بأحاديث المهدي واعتقدوا موجبها وهم جمع كبير.
وفي الجملة: فهي رسالة جيدة وقيمة في هذا الموضوع يحسن الرجوع إليها وقراءتها لما اشتملت عليه من فوائد عظيمة.
[المسألة السادسة أقسام الناس في المهدي]
المسألة السادسة: أقسام الناس في المهدي انقسم الناس في أمر المهدي إلى طرفين ووسط:
١ - أما المذهب الوسط: فهو معتقد أهل السنة والجماعة الذين يثبتون خروج المهدي على ما دلت عليه النصوص الثابتة التي ذكر فيها اسمه واسم أبيه ونسبه وصفاته وأنه خليفة راشد ومصلح يظهر في آخر الزمان يؤيده الله ويصلح به العباد والبلاد.
يقول الحافظ ابن القيم - ﵀ - حينما تكلم عن أقسام الناس في المهدي عن معتقد أهل السنة والجماعة: " القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت
_________________
(١) نقلا عن كتاب: الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي لفضيلة شيخنا الشيخ عبد المحسن العباد - حفظه الله - ص: (١٥٧ - ١٥٩) .
[ ٨٨ ]
النبي ﷺ من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان، وقد امتلأت الأرض جورا وظلما، فيملؤها قسطا وعدلا، وأكثر الأحاديث على هذا تدل (١) ".
وقد سبق ذكر الأدلة التي تدل على خروجه وجملة من أقوال أهل العلم التي تبين معتقد أهل السنة والجماعة في المهدي.
٢ - وأما الطرف الأول: فهم الذين ينكرون خروج المهدي قديما وحديثا من الذين ليس لهم خبرة بالنصوص وأقوال أهل العلم، تمشيا مع مذهبهم الباطل في نفي الأمور الغيبية التي لا تدركها عقولهم ولا توافق أهواءهم ويقولون: إن المهدي أسطورة وخرافة دخلت على أهل السنة من جهة الشيعة، ويقولون أيضا: إن الأحاديث الواردة فيه بعضها باطل والبعض الآخر متناقض.
وقد رد العلماء على هؤلاء وبينوا فساد قولهم ومخالفته لما ثبت في النصوص الصحيحة.
ومن أجمل الردود في هذا الباب ما كتبه فضيلة شيخنا الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد - حفظه الله - في رسالته: الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي، وما كتبه فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله بن حمد التويجري - ﵀ - في كتابه الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر.
يقول شيخنا الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر - حفظه الله -: " أما الجواب عن السؤال الثاني فهو أني لم أقف على تسمية أحد في الماضين أنكر أحاديث المهدي أو تردد فيها سوى رجلين اثنين، أما أحدهما فهو أبو محمد بن الوليد البغدادي الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة، وقد مضى حكاية كلام شيخ الإسلام عنه وأنه قد اعتمد على حديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم»، وقال ابن تيمية: وليس مما يعتمد عليه لضعفه، انتهى، وسبق في أثناء كلام الذين نقلت عنهم أنه لو صح هذا الحديث فالجمع بينه وبين
_________________
(١) المنار المنيف ص (١٤٨) .
[ ٨٩ ]
أحاديث المهدي ممكن. ولم أقف على ترجمة لأبي محمد المذكور.
وأما الثاني: فهو عبد الرحمن بن خلدون المغربي المؤرخ المشهور، وهو الذي اشتهر بين الناس عنه تضعيفه أحاديث المهدي، وقد رجعت إلى كلامه في مقدمة تاريخه فظهر لي منه التردد لا الجزم بالإنكار، وعلى كل حال فإنكارها أو التردد في التصديق بما دلت عليه شذوذ عن الحق ونكوب عن الجادة المطروقة، وقد تعقبه الشيخ صديق حسن في كتابه الإذاعة حيث قال: " لا شك أن المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام؛ لما تواتر من الأخبار في الباب واتفق عليه جمهور الأمة خلفا عن سلف إلا من لا يعتد بخلافه " وقال: " لا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود والمنتظر المدلول عليه بالأدلة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حد التواتر " (١) انتهى.
ولعل المنكرين في عصرنا الحاضر للمهدي متأثرون بهذين الرجلين.
٣ - وأما الطرف الثالث: فهم من يغالي في أمر المهدي من الطوائف الضالة حتى ادعت كل طائفة منهم أن زعيمهم هو المهدي المنتظر، وقد أشار الحافظ ابن القيم - ﵀ - إلى هؤلاء بقوله: وأما الرافضة الإمامية فلهم قول رابع وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا، ويختم الفضا، دخل سرداب سامراء طفلا صغيرا من أكثر من خمسمائة سنة، فلم تره بعد ذلك عين، ولم يحس فيه بخبر ولا أثر، وهم ينتظرونه كل يوم!! يقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به أن يخرج إليهم: اخرج يا مولانا، اخرج يا مولانا، ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه، ولقد أحسن من قال:
ما آن للسرداب أن يلد الذي كلمتموه بجهلكم ما آنا؟
فعلى عقولكم العفاء فإنكم ثلثتم العنقاء والغيلانا
_________________
(١) وانظر عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر ص (٢١٠، ٢١١) .
[ ٩٠ ]
ولقد أصبح هؤلاء عارا على بني آدم، وضحكة يسخر منهم كل عاقل (١) .
وبهذا يتبين أنه لا يلتفت إلى ضعف مَن ضعَّف أحاديث المهدي أو كذب بها ممن ليس من فرسان هذا العلم ولا يعتد بخلافه. وأما الذين أنكروا خروج المهدي في آخر الزمان وأنه لا مهدي سوى عيسى ابن مريم احتجاجا بحديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» (٢) فإن هذا الحديث لا تقوم به حجة؛ لأنه حديث ضعيف ومداره على محمد بن خالد الجندي وهو رجل ضعيف.
قال القرطبي: " قيل إن هذا الحديث لا يصح لأنه انفرد بروايته محمد بن خالد الجندي، قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ الجندي هذا مجهول، واختلف عليه في إسناده. . . والأحاديث عن النبي ﷺ في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث فالحكم لها دونه " (٣) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " الحديث الذي فيه «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» رواه ابن ماجه وهو حديث ضعيف، رواه عن يونس عن الشافعي عن شيخ مجهول من أهل اليمن لا تقوم بإسناده حجة " (٤) .
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة محمد بن خالد الجندي: قال الأزدي: منكر الحديث، وقال أبو عبد الله الحاكم: مجهول.
_________________
(١) المنار المنيف ص (١٥٢) .
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه (٢ / ١٣٤٠)، والحاكم في المستدرك (٤ / ٤٤٢) وقال: فذكرت ما انتهى إلي من علة هذا الحديث تعجبا لا محتجا به في المستدرك على الشيخين - ﵄ - فإن أولى من هذا الحديث ذكره في هذا الموضع حديث سفيان الثوري. . . عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ".
(٣) التذكرة (٢ / ٧٢٣) .
(٤) منهاج السنة النبوية (٤ / ٢١١) .
[ ٩١ ]
قلت: - القائل الذهبي - حديثه: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم»، وهو خبر منكر أخرجه ابن ماجه.
وقال الحافظ الذهبي أيضا: " فأما حديث «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» فضعيف، فلا يعارض هذا الأحاديث (١) .
فهذا الحديث الضعيف لا يعارض به الأحاديث الصحيحة الثابتة عن المصطفى ﷺ في شأن المهدي، وعلى فرض صحة هذا الحديث فإنه كما قال الإمام القرطبي: يحتمل أن يكون قوله ﵊: «ولا مهدي إلا عيسى»: أي لا مهدي كاملا معصوما إلا عيسى، وعلى هذا تجتمع الأحاديث ويرتفع التعارض (٢) ويقول العلامة ابن قيم الجوزية: ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله ﷺ وبين الساعة، وقد دلت السنة الصحيحة عن النبي ﷺ على نزوله على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وحكمه بكتاب الله، وقتله اليهود والنصارى، ووضعه الجزية، وإهلاك أهل الملل في زمانه، فيصح أن يقال: لا مهدي في الحقيقة سواه وإن كان غيره مهديا، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا ما وقى وجه صاحبه، وكما يصح أن يقال: إنما المهدي عيسى ابن مريم، يعني المهدي الكامل المعصوم " (٣) .
ويقول الحافظ ابن كثير: " وعند التأمل لا يتنافيان، بل يكون المراد من ذلك أن المهدي حقا هو عيسى ابن مريم، ولا ينفي ذلك أن يكون غيره مهديا أيضا، والله أعلم " (٤) .
_________________
(١) ميزان الاعتدال (٣ / ٥٣٥) .
(٢) التذكرة (٢ / ٧٢٣) .
(٣) المنار المنيف (١٤٨) .
(٤) النهاية في الفتن والملاحم: (١ / ٥٨) .
[ ٩٢ ]
[المطلب الثاني فتنة المسيح الدجال]
المطلب الثاني: فتنة المسيح الدجال لفظ الدجال على وزن فعال بفتح أوله والتشديد من الدجل وهو التغطية، وأصل الدجل معناه: الخلط، يقال: دجل إذا لبس وموه، وجمع دجال: دجالون، ودجاجلة.
وسمي الدجال دجالا؛ لأنه يغطي الحق بباطله، أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم (١) .
المراد بالدجال هنا: الدجال الأكبر الذي يخرج قبيل قيام الساعة في زمن المهدي وعيسى ﵇.
وخروجه من الأشراط العظيمة المؤذنة بقيام الساعة، وفتنته من أعظم الفتن والمحن التي تمر على الناس، ويسمى مسيحا؛ لأن إحدى عينيه ممسوحة أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يوما، ولفظة المسيح تطلق على الصديق، وهو عيسى ﵇، وعلى الضليل الكذاب وهو الأعور الدجال (٢) .
قال القرطبي: " واختلف في لفظة المسيح لغة على ثلاثة وعشرين قولا، ذكرها الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه مجمع البحرين، وقال: لم أر من جمعها قبلي ممن رحل وجال ولقي الرجال " (٣) .
والمقصود بالمسيح هنا مسيح الضلالة الذي يفتن الناس بما يجري على يديه من الآيات، كإنزال المطر وإحياء الأرض، وبما يظهر على يديه من عجائب وخوارق للعادات، وأما مسيح الهدى فهو عيسى ابن مريم ﵇ الذي سيأتي الكلام عليه.
_________________
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث: (٢ / ١٠٢)، ولسان العرب (١١ / ٢٣٦)، وفتح الباري لابن حجر (٢ / ٣١٨) .
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث: (٤ / ٣٢٦)، ولسان العرب (٢ / ٥٩٤) .
(٣) التذكرة للقرطبي: (٢ / ٦٧٩ - ٦٨٣) .
[ ٩٣ ]
وقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ في ذكر خروج الدجال في آخر الزمان والتحذير منه، حيث وصفه الرسول ﷺ لأمته وصفا دقيقا لا يخفى على ذي بصيرة، كما حذر منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله أممهم ووصفوه لهم أوصافا ظاهرة.
ومن الأحاديث الواردة في ذلك حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: «قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: " إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه، إنه أعور، وان الله ليس بأعور» (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ: " ألا أخبركم عن الدجال حديثا ما حدثه نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذرتكم به كما أنذر به نوح قومه» (٢) .
وعن عبد الله بن عمر - ﵄ -: «أن رسول الله ﷺ ذكر يوما بين ظهراني الناس الدجال فقال: " إن الله تعالى ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية» (٣) " (٤) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، (٨ / ١٠٣) ومسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة، (٤ / ٢٢٤٨) .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٥٠) .
(٣) قال الخطابي: " كان هذا الحديث عندي من الواضح الذي يستغنى بظاهره عن تفسيره، وقد بقيت زمانا أحسبه أراد بالعنبة الطافية: الحبة من العنب تطفو على متن الماء، وذلك لأن الحدقة العوراء القائمة في المقلة الناتئة من أشبه شيء بها، حتى أخبرني مخبر عن أبي عمر صاحبنا قال: سئل أبو العباس ثعلب عن هذا القول فقال: الطافية: العنبة التي خرجت عن حد نبتة أخواتها، فعلت ونتأت وظهرت، يقال. طفا الشيء: إذا علا وظهر. غريب الحديث للخطابي (١ / ٦٦٧) .
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٥٠) .
[ ٩٤ ]
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «حدثنا رسول الله ﷺ يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما يحدثنا به أنه قال: " يأتي الدجال، وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ (١) التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خير الناس - فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه» (٢) .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بعث نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب (٣) بين عينيه ك. ف. ر» (٤) .
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: " ما شأنكم؟ " قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال الغداة، فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: " غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط (٥) عينه طافئة، كأني
_________________
(١) السباخ: بكسر المهملة جمع سبخة محركة ومسكنة، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر، النهاية في غريب الحديث (٢ / ٣٣٣) .
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، (٨ / ١٠٢)، ومسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٥٦)، واللفظ لمسلم.
(٣) قال الإمام النووي - ﵀ -: والصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقية جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكل مسلم كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك. شرح صحيح مسلم للنووي: (١٨ / ٦٠) .
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن - (٨ / ١٠٣)، ومسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٤٨) .
(٥) (قطط) أي صاحب الشعر الشديد الجعودة. النهاية في غريب الحديث (٢ / ٨١) .
[ ٩٥ ]
أشبهه بـ (عبد العزى بن قطن) فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا، وعاث شمالا، يا عباد الله فاثبتوا. قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله فذاك اليوم الذي كسنة: أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره، قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كان ذرا وأسبغه ضروعا، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله. قال: فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين (١) ليس بأيديهم شيء من أحوالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فيتبعه كنوزها كيعاسيب (٢) النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين، رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسيح ابن مريم ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين (٣) واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ (٤) فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى
_________________
(١) (ممحلين): الممحل: الذي أجدبت أرضه وقحطت وغلت أسعاره. لسان العرب (١٧ / ٦١٧) .
(٢) (يعاسيب النحل): جمع يعسوب، واليعسوب أصله فحل النحل، والمعنى هنا: أي تظهر له وتجتمع عنده كما تجتمع النحل على يعاسيبها. النهاية في غريب الحديث (٣ / ٢٣٥) .
(٣) (مهرودتين) روي بالدال وبالذال، مفردها: مهرودة، وهو الثوب الذي صبغ، والمعنى أنه لابس ثوبين مصبوغين بالورس ثم بالزعفران. النهاية في غريب الحديث (٥ / ٢٥٨) .
(٤) (جمان كاللؤلؤ): أي ينحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه، والجمان حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار. النهاية في غريب الحديث (١ / ٣٠١) .
[ ٩٦ ]
يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوما قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله ﷿ إلى عيسى ابن مريم: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار، فيرغب نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف (١) في رقابهم فيصبحون فرسى، كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (٢) ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة (٣) ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ كل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها (٤) ويبارك في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحا طيبا، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن ومسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» (٥) .
_________________
(١) (النغف) هو دود يكون في أنوف الإبل والغنم. واحدتها نغفة. النهاية في غريب الحديث (٥ / ٨٧) .
(٢) (زهمهم): أي دسمهم وريحهم المنتنة، وأراد أن الأرض تنتن من جيفهم. المصدر السابق (٢ / ٣١٣) .
(٣) (الزلفة): بالتحريك جمعها زلف: مصانع الماء، أراد أن المطر يغدر في الأرض فتصير كأنها مصنعة من مصانع الماء، وقيل الزلفة: المرآة، شبهها بها لاستوائها ونظافتها. النهاية في غريب الحديث (٢ / ٣٠٩) .
(٤) بقحفها: أي قشرها تشبيها بقحف الرأس، وهو الذي فوق الدماغ، وقيل: هو ما انفلق من جمجمته وانفصل. المصدر السابق (٤ / ١٧) .
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٥٥) .
[ ٩٧ ]
قال الخطابي - ﵀ -: " هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى، من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا، والخصب معه، وجنته وناره ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره ويقتله عيسى ﷺ ويثبت الله الذين آمنوا. هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار، خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج (١) والجهمية (٢) وبعض المعتزلة (٣) وخلافا للبخاري المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود، ولكن الذي يدعي مخارق وخيالات لا حقائق لها. وزعموا أنه لو كان حقًّا لم يوثق بمعجزات الأنبياء ﷺ
_________________
(١) الخوارج: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ عام ٣٧ هـ، ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي - ﵄ - كما أجمعوا - عدا النجدات منهم - على تكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار إذا مات مصرا عليها، وقد ورد في ذمهم والترغيب في قتالهم أحاديث صحيحة مرفوعة، وقد افترقوا على نحو عشرين فرقة، ومن أسمائهم أيضا الحرورية. انظر: مقالات الإسلاميين (١ / ١٦٧)، وتلبيس إبليس ص (٩)، والملل والنحل (١ / ١١٤) .
(٢) الجهمية هم أتباع الجهم بن صفوان الذي قال: بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات لها، وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط وأن الكفر هو الجهل به، وزعم أيضا أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان. انظر: مقالات الإسلامين (١ / ٣٣٨)، الفرق بين الفرق ص (٢١١)، والملل والنحل (١ / ٧٦) .
(٣) المعتزلة: سموا بذلك لاعتزال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد - من رؤسائهم - مجلس الحسن البصري لقولهما بأن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، وقيل سموا معتزلة لاعتزالهم منهج أهل السنة والجماعة، ومن عقائدهم إنكار جميع صفات الله، والقول بأن القرآن محدث، وأن الله لا يرى في الآخرة، وتصل فرقهم إلى حوالي عشرين فرقة، انظر: مقالات الإسلاميين (١ / ٢٣٥)، الفرق بين الفرق ص (١١)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص (٤٩) .
[ ٩٨ ]
، وهذا غلط من جميعهم؛ لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه، ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفا من أذاه؛ لأن فتنته عظيمة جدا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأرض فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله، ولهذا حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله. وأما أهل التوفيق فلا يغترون ولا يخدعون بما معه لما ذكرناه من الدلائل المكذوبة له مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول الذي يقتله ثم يحييه: ما ازددت فيك إلا بصيرة " (١) .
وقد دلت الأحاديث علي أن المسيح الدجال يدخل كل بلد إلا مكة والمدينة، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق» (٢) .
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: " قوله ﷺ: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال» هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم (٣) فقال: المراد: إلا يدخله بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته، وغفل عما ثبت في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر سنة " (٤) .
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٨ / ٥٨ - ٥٩) .
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن (٨ / ١٠٢) .
(٣) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، المحدث الفقيه، كان شافعيا ثم تركه إلى القول بالظاهر، له مؤلفات كثيرة منها: المحلى، الفصل في الملل والأهواء والنحل، توفي سنة ٤٥٦ هـ. وفيات الأعيان (٣ / ٣٢٥)، سير أعلام النبلاء (١٨ / ١٨٤) .
(٤) فتح الباري (٤ / ٩٦) .
[ ٩٩ ]
وقد بين الرسول ﷺ مدة مكثه في الأرض بعد خروجه، وأن قتله يكون على يد عيسى ابن مريم ﵇ كما في حديث النواس بن سمعان ﵁، وقد سبق ذكره (١) .
فظهور الدجال - أخسأه الله وأخزاه - وشدة فتنته وهوله وبلاء الناس به، وبما يجري على يديه من علامات الساعة العظيمة وأشراطها الجسيمة، وقد سبق إيراد الأحاديث النبوية في شأنه والخبر عنه وبيان وصفه ونعته والتحذير منه، وكان النبي ﷺ يستعيذ في صلاته وغيرها من فتنة الدجال وشره وأمر أمته بذلك.
فعن ابن عباس - ﵄ - «أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: " اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» (٢) .
وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: «بينما النبي ﷺ في حائط بني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: " من يعرف أصحاب هذه الأقبر "؟ فقال رجل أنا: قال: " متى مات هؤلاء "؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: " إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر "، قالوا: نعوذ بالله من النار، قال: " تعوذوا بالله من عذاب القبر "، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: " تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن "، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: " تعوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال "، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال» (٣) .
_________________
(١) تقدم ذكره وتخريجه ص ١١٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١ / ٤١٣) .
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صفة الجنة (٤ / ٢١٩٩ - ٢٢٠٠) .
[ ١٠٠ ]
وقد أرشد رسول الله ﷺ المؤمنين إلى ما يعصمهم من فتنة المسيح الدجال كما جاء في حديث أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال» .
قال مسلم: قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف (١) .
قال المناوي مبينا سبب العصمة: " وذلك لما في قصة أهل الكهف من العجائب، فمن علمها لم يستغرب أمر الدجال فلا يفتن، أو لأن من تدبر هذه الآيات وتأمل معناها حذره فأمن منه أو هذه خصوصية أودعت في السورة " (٢) .
فسورة الكهف لها شأن عظيم وفيها من العجائب والآيات الباهرات التي من تدبرها عصم من فتنة الدجال، وقد ورد الحث على قراءتها وخاصة في يوم الجمعة، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (٣) .
فينبغي على المسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة وحفظها وخاصة في يوم الجمعة.
وقبل الانتهاء من الكلام على الدجال أحب أن أشير إلى مسألتين لهما علاقة بالكلام على موضوع الدجال وهما:
١ - هل ابن صياد (٤) هو الدجال؟ .
٢ - الحكمة من عدم ذكر الدجال في القرآن.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين وقصرها (١ / ٥٥٥) .
(٢) فيض القدير: (٦ / ١١٨) .
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢ / ٣٦٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٤) ابن صياد: هو رجل من يهود المدينة، وقيل: إنه من الأنصار، واسمه " صاف " بمهملة وفاء وزن باع، وقيل: اسمه " عبد الله "، ذكره الذهبي في كتابه تجريد أسماء الصحابة (١ / ٣١٩) فقال: عبد الله بن صياد أورده ابن شاهين، وقال هو ابن صائد كان أبوه يهودياَ فولد عبد الله أعور مختونا، وهو الذي قيل إنه الدجال ثم أسلم، فهو تابعي له رؤية، وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر كلام الذهبي السابق في الإصابة (٣ / ١٣٣): ومن ولده عمارة بن عبد الله بن صياد، وكان من خيار المسلمين من أصحاب سعيد بن مالك، روى عنه مالك وغيره، وقال الحافظ بن كثير في النهاية في الفتن والملاحم (١ / ١٧٣): وقد كان ابن صياد من يهود المدينة، ولقبه " عبد الله " ويقال " صاف "، وقد جاء هذا وهذا، وقد يكون أصل اسمه " صاف " ثم تسمى لما أسلم بعبد الله، وقد كان ابنه عمارة بن عبد الله من سادات التابعين، وروى عنه مالك وغيره، وللمزيد انظر: مشكل الآثار للطحاوي (٤ / ٩٦ - ١٠٣)، وتهذيب التهذيب (٧ / ٤١٨، ٤١٩) .
[ ١٠١ ]
أما المسألة الأولى - وهي: هل ابن صياد هو الدجال؟ - فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافا شديدا، واضطربت فيه الروايات والآراء، وقبل الدخول في ذكر أقوال العلماء في ذلك أحب أن أشير إلى بعض الروايات الواردة في شأنه، من ذلك: رواية عبد الله بن عمر - ﵄ - «أن عمر بن الخطاب ﵁ انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط قبل ابن صياد حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: " أتشهد أني رسول الله "؟ فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد لرسول الله ﷺ: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه رسول الله ﷺ وقال: " آمنت بالله وبرسله "، ثم قال له رسول الله ﷺ: " ماذا ترى "؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال له رسول الله ﷺ: " خلط عليك الأمر "، ثم قال له رسول الله ﷺ: " إني خبأت لك خبيئا " فقال ابن صياد: هو الدخ (١) فقال له رسول الله ﷺ: " اخسأ فلن تعدو قدرك ". فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله أن أضرب عنقه، فقال له رسول الله ﷺ: " إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله» (٢) .
وقال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله بن عمر يقول: «انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب الأنصاري إلى النخل التي فيها ابن صياد حتى
_________________
(١) الدخ: هو الدخان، وفسر في الحديث أنه أراد بذلك يوم تأتي السماء بدخان مبين. النهاية في غريب الحديث (٢ / ١٠٧) .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٤٤) .
[ ١٠٢ ]
إذا دخل رسول الله ﷺ النخل طفق يتقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراش في قطيفة له فيها زمزمة (١) فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع، فقالت لابن صياد: يا صاف (وهو اسم ابن صياد) هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال رسول الله ﷺ " لو تركته بين» (٢) " (٣) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لقيه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر - يعني ابن صياد - في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله ﷺ: " أتشهد أني رسول الله "؟ فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: " آمنت بالله وملائكته وكتبه، ما ترى "؟ قال: أرى عرشا على الماء، فقال رسول الله ﷺ: " ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى "؟ قال: أرى صادقين وكاذبا - أو كاذبين وصادقا - فقال رسول الله ﷺ: " لبس (٤) عليه، دعوه» (٥) .
وعنه أيضا: «خرجنا حجاجا أو عمارا ومعنا ابن صياد، قال: فنزلنا منزلا، فتفرق الناس وبقيت أنا وهو. فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال: ففعل، قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق فجاء بعس (٦) فقال: اشرب أبا سعيد! فقلت: إن الحر شديد واللبن حار، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده - أو قال آخذ عن يده - فقال: أبا سعيد! لقد هممت أن آخذ
_________________
(١) الزمزمة: هي الصوت الخفي الذي لا يكاد يفهم، أو لا يفهم. النهاية في غريب الحديث (٢ / ٣١٣) .
(٢) قوله ﷺ: (لو تركته بين) أي لو لم تخبره ولم تعلمه أمه بمجيئنا لبين لنا من حاله ما نعرف به حقيقة أمره.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٤٥) .
(٤) لبس عليه: أي اختلط عليه الأمر.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٤١) .
(٦) العس: هو القدح الكبير، وجمعه عساس وأعساس، النهاية في غريب الحديث (٣ / ٢٣٦) .
[ ١٠٣ ]
حبلا فأعلقه بشجرة ثم أختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد: من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ؟ أليس قد قال رسول الله ﷺ: هو عقيم لا يولد له، وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ: لا يدخل المدينة ولا مكة، وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟ . قال أبو سعيد الخدري ﵁: حتى كدت أن أعذره، ثم قال: أما والله إني لأعرف مولده وأين هو الآن. قال: قلت له: تبا لك سائر اليوم» (١) (٢) .
ومن أقوال العلماء في ابن صياد هل هو الدجال الأكبر أم لا، قوله البيهقي في سياق كلامه على حديث تميم الداري السابق فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر ﷺ بخروجهم، وقد خرج أكثرهم، وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمع بينهما بعيد جدا؛ إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه محتلم، ويجتمع به النبي ﷺ ويسأله أن يكون في آخرها شيخا كبيرا مسجونا في جزيرة من جزائر البحر موثقا بالحديد يستفهم عن خبر النبي ﷺ هل خرج أو لا؟ فالأولى أن يحمل على عدم الاطلاع، أما عمر فيحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم ثم لما سمعها لم يعد إلى الحلف المذكور، وأما جابر فشهد حلفه عند النبي ﷺ فاستصحب ما كان اطلع عليه من عمر بحضرة النبي ﷺ (٣) .
وقال النووي: قال العلماء: وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره، ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة. قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوصف إليه بأنه المسيح الدجال ولا
_________________
(١) تبا لك سائر اليوم: خسرانا وهلاكا لك في باقي اليوم، وهو منصوب بفعل مضمر.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة: (٤ / ٢٢٤٢، ٢٢٤٣) .
(٣) نقلا عن فتح الباري لابن حجر (١٣ / ٣٢٦ - ٣٢٧) .
[ ١٠٤ ]
غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر ﵁: إن يكن هو فلن تستطيع قتله. وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له هو، وأنه لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة، فلا دلالة له فيه؛ لأن النبي ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض، ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكذابين قوله للنبي ﷺ: أتشهد أني رسول الله؟ ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشا فوق الماء، وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، وانتفاخه حتى ملأ السكة، وأما إظهاره الإسلام وحجه وجهاده وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال " (١) .
أقوال العلماء في ابن صياد:
قال أبو عبد الله القرطبي: " الصحيح أن ابن صياد هو الدجال بدلالة ما تقدم، وما يبعد أن يكون بالجزيرة في ذلك الوقت، ويكون بين أظهر الصحابة في وقت آخر " (٢) .
ويفهم من كلام النووي والقرطبي السابق أنهما يرجحان كون ابن صياد هو الدجال.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في معرض كلامه على الأحوال الشيطانية: " وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي ﷺ، وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال، وتوقف النبي ﷺ في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه من جنس الكهان " (٣) .
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٨ / ٤٦، ٤٧) .
(٢) التذكرة (٢ / ٨٢٢) .
(٣) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص (١٦٦) .
[ ١٠٥ ]
وقال الحافظ ابن كثير - ﵀ - بعد أن ساق الأحاديث الواردة في ابن صياد وهل هو الدجال الأكبر أم لا، قال: وقد قدمنا أن الصحيح أن الدجال غير ابن صياد وأن ابن صياد كان دجالا من الدجاجلة ثم تاب بعد ذلك فأظهر الإسلام، والله أعلم بضميره وسيرته (١) .
ولعل ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - والحافظ ابن كثير - ﵀ - هو الراجح في ابن صياد، وأنه دجال من الدجاجلة وليس هو الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان - والله أعلم.
وأما المسألة الثانية: وهي الحكمة من عدم ذكر الدجال في القرآن صراحة، فقد أجاب على ذلك الحافظ ابن حجر - ﵀ - بقوله: اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن مع ما ذكر عنه من الشر، وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة، وأجيب بأجوبة:
أحدها: أنه ذكر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] (٢) فقد أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رفعه: «ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها» .
الثاني: قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] (٣) وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] (٤) وصح أنه الذي يقتل الدجال فاكتفي بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يلقب المسيح كعيسى، لكن الدجال مسيح الضلالة وعيسى مسيح الهدى.
_________________
(١) النهاية في الفتن والملاحم: (١ / ١٧٣) .
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٥٩.
(٤) سورة الزخرف، الآية: ٦١.
[ ١٠٦ ]
الثالث: أنه ترك ذكره احتقارا، وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال والذي قبله، وتعقب بأن السؤال باق وهو ما الحكمة في ترك التنصيص عليه؟ وأجاب شيخنا الإمام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر في القرآن من المفسدين فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى وانقضى أمره، وأما من لم يجئ بعد فلم يذكر منهم أحدا، انتهى. وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج.
وقد وقع في تفسير البغوي (١) أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] (٢) وأن المراد بالناس هنا الدجال، من إطلاق الكل على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبي ﷺ ببيانه والعلم عند الله تعالى (٣) .
ومما سبق يتضح لنا أن خروج الدجال من أشراط الساعة الكبرى الثابتة، ومن الأخبار المتواترة التي يجب الإيمان بها، وفي ما مضى من الأدلة رد على من أنكر خروج الدجال بالكلية من الخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن سار على نهجهم قديما وحديثا، أو قال إن ما يأتي به الدجال خيالات لا حقيقة لها، فكل هؤلاء قد ردوا ما تواترت به الأحاديث الصحيحة من غير وجه عن رسول الله ﷺ كما تقدم.
قال الحافظ ابن كثير - ﵀ - في معرض رده على هؤلاء: " وقد تقدم حديث حذيفة وغيره أن ماءه نار وناره ماء بارد، وإنما ذلك في رأي العين، وقد تمسك بهذا الحديث طائفة من العلماء كابن حزم، والطحاوي وغيرهما في أن الدجال ممخرق (٤) مموه لا حقيقة لما يبدي للناس من الأمور التي تشاهد في زمانه بل كلها خيالات عند هؤلاء ".
_________________
(١) تفسير البغوي: (٤ / ١٠١) .
(٢) سورة غافر، الآية: ٥٧.
(٣) فتح الباري (١٣ / ٩١، ٩٢) .
(٤) الممخرق: المشعوذ.
[ ١٠٧ ]
وقال الشيخ أبو علي الجبائي (١) - شيخ المعتزلة -: لا يجوز أن يكون كذلك حقيقة؛ لئلا يشتبه خارق السحر بخارق النبي، وقد أجابه القاضي عياض وغيره بأن الدجال إنما يدعي الإلهية، وذلك مناف للبشرية فلا يمتنع إجراء الخارق على يديه والحالة هذه. وقد أنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه فلم يصنعوا شيئا، وخرجوا بذلك عن حيز العلماء لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة من غير وجه عن رسول الله ﷺ كما تقدم، وإنما أوردنا بعض ما ورد في هذا الباب؛ لأن فيه كفاية ومقنعا، والله المستعان.
والذي يظهر من الأحاديث المتقدمة أن الدجال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق المشاهدة في زمانه، كما تقدم أن من استجاب له يأمر السماء فتمطرهم والأرض فتنبت لهم زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم وترجع إليهم سمانا، ومن لا يستجيب له ويرد عليه أمره تصيبهم السنة والجدب والقحط والعلة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وأنه تتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل، ويقتل ذلك الشاب ثم يحييه، وهذا كله ليس بمخرقة بلِ له حقيقة امتحن الله به عباده في ذلك الزمان، فيضل به كثيرا ويهدي به كثيراَ، يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيمانا، وقد حمل القاضي عياض وغيره على هذا المعنى معنى الحديث «هو أهون على الله من ذلك» .
أي هو أقل من أن يكون معه ما يضل به عباده المؤمنين، وما ذاك إلا لأنه ظاهر النقص والفجور والظلم، وإن كان معه من الخوارق، وبين عينيه مكتوب كافر كتابة ظاهرة، وقد حقق ذلك الشارع في خبره بقوله: ك - ف - ر. وقد دل ذلك على أنها كتابة حسية لا معنوية، كما يقوله بعض الناس، وعينه الواحدة
_________________
(١) محمد بن عبد الوهاب الجبائي البصري أبو علي الجبائي، زعيم الطائفة الجبائية من المعتزلة، تتلمذ عليه أبو الحسن الأشعري ثم ناظره وهجره، توفي سنة ٣٠٣ هـ. لسان الميزان (٥ / ٥٧١)، شذرات الذهب (٢ / ٢٤١) .
[ ١٠٨ ]
عوراء شنيعة المنظر ناتئة، وهو معنى قوله: «كأنها عنبة طافية» أي طافية على وجه الماء، ومن روى ذلك طافئة فمعناه: لا ضوء فيها. وفي الحديث الآخر: «كأنها نخامة على حائط مجصص» أي بشعة الشكل، وقد ورد في بعض الأحاديث أن عينه اليمنى عوراء رحا (١) اليسرى، فإما أن تكون إحدى الروايتين غير محفوظة، أو أن العور حاصل في كل من العينين، ويكون معنى العور النقص والعيب.
ويقوي هذا الجواب: ما رواه الطبراني قال: حدثنا محمد بن محمد التمار وأبو خليفة قالا: حدثنا أبو الوليد، حدثنا زائدة، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «الدجال جعد هجان أقمر، كأن رأسه غصن شجرة، مطموس عينه اليسرى، والأخرى كأنها عنبة طافية» الحديث (٢) وكذلك رواه سفيان الثوري عن سماك بنحوه، لكن قد جاء في الحديث المتقدم: «وعينه الأخرى كأنها كوكب دري»، وعلى هذا فتكون الرواية الواحدة غلطا، ويحتمل أن يكون المراد أن العين الواحدة عوراء في نفسها، والأخرى عوراء باعتبار انبرازها، والله ﷾ أعلم بالصواب (٣) .
_________________
(١) "رحا اليسرى" أي مثلها، كأن عينيه في التماثل حجرا الرحا.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١ / ٢٧٣) .
(٣) النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير: (١ / ١٦٤ - ١٦٦) .
[ ١٠٩ ]
[المطلب الثالث نزول عيسى ابن مريم ﵇]
[المسألة الأولى الأدلة على نزوله من الكتاب والسنة]
المطلب الثالث: نزول عيسى ابن مريم ﵇ من أمارات الساعة العظام وأشراطها الكبار نزول عيسى ابن مريم ﵇ آخر الزمان من السماء، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أنه ينزل قبل قيام الساعة فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويحكم بالقسط ويقضي بشريعة النبي ﷺ، ويحيي من شأنها ما تركه الناس، ثم يمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يموت ويصلى عليه ويدفن.
والكلام على عيسى ﵇ يتضمن عدة مسائل:
المسألة الأولى: الأدلة على نزوله من الكتاب والسنة: ورد في القرآن الكريم ثلاث آيات تدل على نزول عيسى ﵇:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] (١) . أي أن نزول عيس ﵇ قبل القيامة علامة على قرب الساعة، ويدل على هذا: القراءة الأخرى (وإنه لَعَلَم للساعة) بفتح العين واللام، أي خروجه علم من أعلام الساعة وشرط من شروطها وأمارة على قرب قيامها. وروى الإمام أحمد والحاكم عن ابن عباس - ﵄ - في تفسير هذه الآية ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] قال: هو خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة (٢) .
وهذا المعنى مروي عن عدد من أئمة التفسير واختاره - الحافظ ابن كثير وغيره (٣) .
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] (٤) .
_________________
(١) سورة الزخرف، الآية: ٦١.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤ / ٣٢٩) حديث رقم ٢٩٢١، وقال أحمد شاكر - ﵀ -: إسناده صحيح، وفي مستدرك الحاكم (٢ / ٢٥٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٤ / ١٣١ - ١٣٢)، وأيضا: تفسير الطبري (٢٥ / ٩٠) .
(٤) سورة محمد، الآية: ٤.
[ ١١١ ]
قال البغوي - ﵀ - في تفسير هذه الآية: معنى الآية: " أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام، ويكون الدين كله لله، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵉ " (١) .
والآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] (٢) .
قرر كثير من المفسرين أن الضميرين في (به)، و(موته) لعيسى ابن مريم ﵇ (٣) .
وقد روى ابن جرير الطبري - ﵀ - عن أبي مالك - ﵀ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] قال: " ذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن به " (٤) .
يقول الحافظ ابن كثير - ﵀ -: " ولا شك أن هذا هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، فأخبر الله أنه رفعه إليه، وأنه باق حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريبا، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، يعني: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه
_________________
(١) تفسير البغوي (٤ / ١٧٩) .
(٢) سورة النساء، الآية: ١٥٩.
(٣) انظر: تفسير الطبري (٦ / ٢١)، وتفسير البغوي (١ / ٤٩٧)، وتفسير ابن كثير (١ / ٥٧٧) .
(٤) تفسير ابن جرير الطبري. (٦ / ١٨) .
[ ١١٢ ]
يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم " (١) .
وأما الأدلة من السنة المطهرة على نزوله فهي كثيرة جدا منها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، لا يقبلها من كافر، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها» (٢) .
ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرأوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] (٣) .
ومنها حديث جابر ﵁: قال: سمعت النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة "، قال: " فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله لهذه الأمة» (٤) .
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الأنبياء إخوة لعلات (٥) أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران (٦) كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله
_________________
(١) تفسير ابن كثير: (١ / ٥١٤) .
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء (٤ / ١٤٣)، ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان (١ / ١٣٥) .
(٣) سورة النساء، الآية: ١٥٩.
(٤) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، (١ / ١٣٧) .
(٥) العلات: جمع علة، والعلة هي الضرة، والمراد: الإخوة من أمهات مختلفة وأبوهم واحد، والمراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة: النهاية في غريب الحديث. (٣ / ٢٩١) .
(٦) الممصران: تثنية ممصر، والممصر من الثياب الذي فجه صفرة خفيفة. النهاية لابن الأثير (٤ / ٣٣٦) .
[ ١١٣ ]
في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون» (١) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.
قال الحافظ ابن كثير - ﵀ - معلقا على أحاديث نزول عيسى ﵇: " فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ من رواية أبي هريرة وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجمع بن جارية، وأبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵃، وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه، وأنه بالشام، بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند الإقامة لصلاة الصبح. . . فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النبي ﷺ بذلك، وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان، حيث تنزاح عللهم، وترتفع شبههم من أنفسهم، ولهذا كلهم يدخلون في دين الإسلام متابعة لعيسى ﵇ وعلى يديه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] (٢) . وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] (٣) وقرئ " لَعَلَم بالتحريك، أي أمارة ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنه ينزل بعد خروج المسيح الدجال فيقتله الله على يديه ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله ببركة دعائه " (٤) .
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢ / ٤٠٦) وقال أحمد شاكر: حديث صحيح، عمدة التفسير (٤ / ٣٦)، وأبو داود: كتاب الملاحم، باب خروج الدجال (٤ / ٤٩٨)، والحاكم (٢ / ٥٩٥)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير - ﵀ - في النهاية في الفتن والملاحم (١ / ١٨٨): وهذا إسناد جيد قوي.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٥٩.
(٣) سورة الزخرف، الآية: ٦١.
(٤) تفسير ابن كثير (١ / ٥١٩، ٥٢٠) .
[ ١١٤ ]
وقد أجمعت الأمة على نزول عيسى ﵇ علما من أعلام الساعة، ولم يخالف في ذلك إلا من شذ ممن لا يلتفت إليه ولا يعتد بخلافه (١) .
قال السفاريني - ﵀ -: " أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة، ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية، وليس ينزل بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء، وإن كانت قائمة به وهو متصف بها " (٢) .
[المسألة الثانية صفات عيسى ﵇]
المسألة الثانية: صفات عيسى ﵇ أخبرنا الرسول ﷺ عن صفات عيسى ﵇ فجاء في الروايات أنه رجل مربوع القامة ليس بالطويل ولا بالقصير، جعد أحمر اللون، عريض الصدر، أقرب الناس شبها به عروة بن مسعود الثقفي ﵁.
عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر» (٣) .
وفي حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم (٤) أن رسول الله ﷺ قال: «لم يكن بيني وبينه نبي - يعني عيسى - وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام. . .» الحديث.
_________________
(١) انظر: الشريعة للآجري ص (٣٨١) . والشرح والإبانة (٢٤١)، وشرح العقيدة الطحاوية: (٥٠٥) .
(٢) لوامع الأنوار البهية: (١ / ٩٤ - ٩٥) .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء، (٦ / ٤٧٧) .
(٤) تقدم تخريجه ص ١١٣.
[ ١١٥ ]
وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن رسول الله ﷺ قال: «عرض علي الأنبياء فإذا موسى. . . ورأيت عيسى ابن مريم، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود. . .» الحديث (١) .
[المسألة الثالثة مكان نزوله]
المسألة الثالثة: مكان نزوله ينزل عيسى ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعا كفيه على أجنحة ملكين، وعليه مهرودتان، ويكون هذا مع صلاة الفجر حيث اصطف المسلمون للصلاة، وقد تقدم إمامهم - والغالب أنه المهدي كما سبق - للصلاة بهم، فعندما يعلم بعيسى ﵇ يتأخر ويطلب من عيسى أن يتقدم ليؤمهم فيأبى، فيصلي بهم المهدي، فعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول ﷺ: «. . . فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلب بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوما قد عصمهم الله منه، فيسمح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة» (٢) .
يقول الحافظ ابن كثير - ﵀ -: " الأشهر في موضع نزوله أنه على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، وقد رأيت في بعض الكتب أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعل هذا هو المحفوظ، وتكون الرواية فينزل على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، فتصرف الراوي في التعبير بحسب ما فهم، وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي إلى شرق الجامع الأموي، وهذا هو الأنسب والأليق؛ لأنه ينزل وقد أقيمت الصلاة " (٣) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان (١ / ١٦٧) .
(٢) تقدم تخريجه ص ٩٧.
(٣) النهاية في الفن والملاحم: (١ / ١٩٢) .
[ ١١٦ ]
ويقول الحافظ ابن رجب - ﵀ -: " وبالشام ينزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان، وهو المبشر بمحمد ﷺ ويحكم به ولا يقبل من أحد غير دينه، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويصلي خلف إمام المسلمين ويقول: إن هذه الأمة أئمة بعضهم لبعض " (١) .
وأما مدة بقاء عيسى ﵇ إذا نزل: ففي بعض الروايات أنه يمكث سبع سنين، وفي الروايات الأخرى أنه يمكث أربعين عاما ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون، ففي حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن النبي ﷺ قال: «فيبعث الله عيسى ابن مريم. . . ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته» (٢) .
وفي حديث أبي هريرة ﵁ السابق: «ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» .
وقد جمع الحافظ ابن كثير - ﵀ - بين الروايتين فقال: " هكذا وقع في الحديث: أنه يمكث أربعين سنة، وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه يمكث في الأرض سبع سنين، فهذا مع هذا مشكل، اللهم إلا إذا حملت هذه السبع على مدة إقامته بعد نزوله، وتكون مضافة إلى مدة مكثه فيها قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثا وثلاثين سنة على المشهور، والله أعلم " (٣) .
وقد عارض السفاريني هذا الجمع فقال بعد أن ذكره بدون عزو: وهذا - والله أعلم - ليس بشيء لما مر من حديث عائشة عند الإمام أحمد وغيره «فيقتل الدجال، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة»، ثم حكى عن البيهقي أنه
_________________
(١) لطائف المعارف ص (٩٠) .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٥٨) .
(٣) النهاية في الفتن والملاحم (١ / ١٩٣) .
[ ١١٧ ]
اعتمد رواية " أربعين "، كما نقل عن السيوطي أنه ذهب إلى ترجيحها؛ لأن زيادة الثقة يحتج بها، ولأنهم يأخذون برواية الأكثر ويقدمونها على رواية الأقل لما معها من زيادة العلم، ولأنه مثبت والمثبت مقدم (١) .
وقال البرزنجي: " إن القليل لا ينافي الكثير " (٢) .
ولعل الراجح أن يقال: إن رواية " أربعين سنة " هي المعتمدة؛ لأنها رواية الأكثر، كما أشار إلى ذلك السفاريني، ولعل هذه السنين تمر كأنها سبع سنين، ويستأنس لذلك بما رواه عبد بن حميد عن أبي هريرة ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] (٣) . قال: خروج عيسى، يمكث في الأرض أربعين سنة، وتكون تلك الأربعون كأربع سنين، يحج ويعتمر (٤) . والله أعلم.
[المسألة الرابعة الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ متواترة]
المسألة الرابعة: الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ متواترة سبق ذكر بعض الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇، وهي تدل دلالة واضحة على ثبوت نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، ولا حجة لمن ردها أو قال: إنها أحاديث آحاد لا تقوم بها الحجة أو أن نزوله ليس عقيدة من عقائد المسلمين التي يجب عليهم أن يؤمنوا بها؛ لأنه إذا ثبت الحديث وجب الإيمان به وتصديق ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ ولا يجوز لنا رد قوله لكونه حديث آحاد؛ لأن هذه حجة واهية؛ لأن حديث الآحاد إذا صح وجب تصديق ما فيه، وإذا قلنا إن حديث الآحاد ليس بحجة، فإننا نرد كثيرا من أحاديث رسول الله ﷺ، ويكون ما قاله ﵊ عبثا لا معنى له، كيف والعلماء قد نصوا على تواتر الأحاديث في نزول عيسى ﵇.
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية (٢ / ٩٩) .
(٢) الإشاعة ص (٣٠٤) .
(٣) سورة الزخرف، الآية: ٦١.
(٤) انظر: الدر المنثور: (٦ / ٢٠) .
[ ١١٨ ]
قال الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ - " أصوله السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة ثم ذكر جملة من عقيدة أهل السنة ثم قال: والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه " كافر"، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ينزل فيقتله بباب لد " (١) . وقال أبو الحسن الأشعري (٢) - ﵀ - في سرده لعقيدة أهل الحديث والسنة " الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله وما رواه الثقّات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئا ويصدقون بخروج الدجال وأن عيسى يقتله، ثم قال في آخر كلامه: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول: وإليه نذهب " (٣) .
وقال ابن جرير الطبري بعد ذكره الخلاف في معنى وفاة عيسى ﵇، " وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض ورافعك إلي؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال " (٤) ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله.
وقال ابن كثير " تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى
_________________
(١) طبقات الحنابلة (١ / ٢٤١ - ٢٤٣) .
(٢) هو الإمام العلامة أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري البصري، نشأ في حجر زوج أمه أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في عصره، وقد تتلمذ عليه واعتنق مذهبه، ما يقارب من أربعين سنة، ثم هداه الله إلى مذهب أهل السنة والجماعة بعد مروره بمذهب الكلابية، فأعلن أنه على مذهب أحمد بن حنبل، وله مصنفات كثيرة، ومن أشهرها: مقالات الإسلاميين، وكتاب اللمع، والوجيز، وغيرها، وكان آخر ما ألف كتابه: الإبانة عن أصول الديانة، توفي سنة ٣٢٤ هـ. تبيين كذب المفتري: (٣٤) وسير أعلام النبلاء (١٥ / ٨٥) والبداية والنهاية (١١ / ١٨٦)، وشذرات الذهب (٢ / ٣٠٣ - ٣٠٥) .
(٣) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (١ / ٣٤٥) .
(٤) تفسير الطبري ٣ / ٢٩١.
[ ١١٩ ]
﵇ قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا " (١) . وقال صديق حسن خان "والأحاديث في نزوله ﵇ كثيرة، ذكر الشوكاني منها تسعة وعشرين حديثا ما بين صحيح وحسن وضعيف منجبر، منها ما هو مذكور في أحاديث الدجال. . . ومنها ما هو مذكور في أحاديث المنتظر، وتنضم إلى ذلك أيضا الآثار الواردة عن الصحابة فلها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في ذلك، ثم ساقها وقال: جميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع " (٢) .
وقال الغماري: " وقد ثبت القول بنزول عيسى ﵇ عن غير واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء من سائر المذاهب على ممر الزمان إلى وقتنا هذا (٣) وقال: تواتر هذا تواترا لا شك فيه بحيث لا يصح أن ينكره إلا الجهلة الأغبياء كالقاديانية ومن نحا نحوهم؛ لأنه نقل بطريق جمع عن جمع حتى استقر في كتب السنة التي وصلت إلينا تواترا بتلقي جيل عن جيل " (٤) . وممن جمع الأحاديث في نزول عيسى ﵇ الشيخ محمد أنور شاه الكشميري (٥) في كتابه " التصريح بما تواتر في نزول المسيح " فذكر أكثر من سبعين حديثا.
وقال صاحب عون المعبود شرح سن أبي داود: " تواترت الأخبار عن النبي ﷺ
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٧ / ٢٢٣.
(٢) الإذاعة ص ١٦٠.
(٣) عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى ﵇ ص ١٢.
(٤) المصدر السابق ص: ٥.
(٥) هو العلامة المحدث محمد أنور شاه الكشميري الهندي، له عدة مؤلفات منها: فيض الباري على صحيح البخاري في أربعة مجلدات، والعرف الشذي على جامع الترمذي وغيرهما. توفي في ديوبند سنة ١٣٥٢ هـ. انظر ترجمته في مقدمة كتاب التصريح لعبد الفتاح أبو غدة محقق الكتاب.
[ ١٢٠ ]
في نزول عيسى ابن مريم ﷺ من السماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب الساعة، وهذا هو مذهب أهل السنة " (١) .
وقال الشيخ أحمد شاكر: " نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون لورود الأخبار الصحاح عن النبي ﷺ بذلك. . . وهذا معلوم من الدين بالضرورة لا يؤمن من أنكره " (٢) .
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: " اعلم أن أحاديث الدجال، ونزول عيسى ﵇ متواترة، يجب الإيمان بها، ولا تغتر بمن يدعي فيها أنها أحاديث آحاد، فإنهم جهال بهذا العلم، وليس فيهم من تتبع طرقها ولو فعل لوجدها متواترة كما شهد بذلك أئمة هذا العلم كالحافظ ابن حجر وغيره، ومن المؤسف حقا أن يتجرأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم لا سيما والأمر دين وعقيدة " (٣) .
[المسألة الخامسة الحكمة من نزول عيسى ﵇ دون غيره]
المسألة الخامسة: الحكمة من نزول عيسى ﵇ دون غيره ذكر بعض العلماء - رحمهم الله تعالى - الحكمة من نزول عيسى ﵇ دون غيره، ومن أقوالهم في ذلك:
١ - الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوا عيسى ﵇، فبين الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم ويقتل رئيسهم الدجال، ورجح الحافظ ابن حجر هذا القول على غيره (٤) .
٢ - أن عيسى ﵇ وجد في الإنجيل فضل أمة محمد ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] (٥) فدعا الله أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل
_________________
(١) عون المعبود ١١ / ٤٥٧.
(٢) من حاشية تفسير الطبري ٦ / ٤٦٠ تخريج الشيخ أحمد محمد شاكر، وتحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة دار المعارف مصر.
(٣) انظر: حاشية العقيدة الطحاوية تخريج الألباني ص ٥٦٥.
(٤) فتح الباري ٦ / ٤٩٣.
(٥) سورة الفتح، الآية: ٢٩.
[ ١٢١ ]
آخر الزمان مجددا لما درس من دين الإسلام دين محمد ﵊، فتوافق خروج الدجال فيقتله (١) .
٣ - أن نزول عيسى ﵇ من السماء لدنو أجله ليدفن في الأرض؛ إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، فيوافق نزوله خروج الدجال فيقتله عيسى ﵇ (٢) .
٤ - أنه ينزل مكذبا للنصارى فيظهر زيفهم في دعواهم الأباطيل، ويهلك الله الملل كلها في زمنه إلا الإسلام فإنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية.
٥ - أن خصوصيته بهذه الأمور المذكورة لقول النبي ﷺ: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، ليس بيني وبينه نبي» (٣) فرسول الله ﷺ أخص الناس وأقربهم إليه، فإن عيسى مبشر بأن رسول الله ﷺ يأتي من بعده ودعا الخلق إلى تصديقه والإيمان به (٤) . كما في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] (٥) وفي الحديث: «قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، قال: " نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى» (٦) .
_________________
(١) التذكرة للقرطبي (٢ / ٧٩٤) .
(٢) التذكرة للقرطبي (٢ / ٧٩٥) .
(٣) صحيح البخاري في صحيحه: ٦ / ٤٧٧ - ٤٧٨، كتاب أحاديث الأنبياء (٦ / ٤٧٧)، ومسلم في صحيحه: كتاب الفضائل (٤ / ١٨٣٧) .
(٤) انظر هذه الأقوال في المنهاج في شعب الإيمان (١ / ٤٢٤ - ٤٢٥) للحليمي، والتذكرة للقرطبي (٢ / ٦٧٩)، وفتح الباري لابن حجر (٦ / ٤٩٣)، وكتاب التصريح بما تواتر في نزول المسيح ص (٩٤) .
(٥) سورة الصف، الآية: ٦.
(٦) رواه الإمام أحمد في مسنده (٤ / ١٢٧)، قال ابن كثير عن إسناده: " هذا إسناد جيد "، وروى له شواهد من وجوه أخر، تفسير ابن كثير: (٤ / ٣٢٤) .
[ ١٢٢ ]
[المسألة السادسة الأمور التي تكون في زمن عيسى ﵇]
[قتل المسيح الدجال]
المسألة السادسة: الأمور التي تكون في زمن عيسى ﵇ ١ - قتل المسيح الدجال:
سبق ذكر أن نبي الله عيسى ابن مريم ﵇ ينزل والمسلمون في حال إعداد أنفسهم لحرب الدجال، وعلمنا أن الصلاة تقام في ذلك الوقت، فيصلي عيسى ابن مريم ﵇ خلف الرجل الصالح، وعند ما يعلم الدجال بنزول عيسى ﵇ يهرب، فيلحقه نبي الله إلى بيت المقدس فيدركه وقد حاصر عصابة من المسلمين، فيأمرهم عيسى ﵇ بفتح الباب فيفعلون ويكون وراءه الدجال فينطلق هاربا، فيلحقه نبي الله ﵇ فيدركه عند باب لد الشرقي فيقضي عليه وعلى من معه من يهود.
ففي الحديث الصحيح عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتحون ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، فيقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب لد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله ﷿ ليتوارى به يهودي إلا أنطق ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق، إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله. . .» (١) .
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الفتن (٢ / ١٣٦١)، والحاكم في المستدرك (٤ / ٤٣٦)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ١٢٣ ]
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «. . . فبينما هم يعدون للقتال ويسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم ﵇، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكنه يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته» (١) ".
وهكذا يكون أول عمل يقوم به نبي الله عيسى ابن مريم ﵇ بعد نزوله من السماء هو مواجهة الدجال والقضاء عليه وعلى من يتبعه من يهود.
[هلاك يأجوج ومأجوج]
إن خروج قوم يأجوج ومأجوج علامة من علامات الساعة الكبرى، وسيأتي الكلام على هذه العلامة، والمراد هنا بيان أن عيسى ﵇ بعد أن يقضي على الدجال وفتنته، يفسد هؤلاء القوم في الأرض فسادا كبيرا، فيتضرع نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الله تعالى فيهلكهم شر هلكة، ويصبحون موتى لا يبقى منهم أحد، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله في الكلام على يأجوج ومأجوج.
[القضاء على كل الشرائع والحكم بالإسلام]
عيسى ﵇ عندما ينزل من السماء يكون تابعا لشرع الإسلام، فيحكم بكتاب الله ﷿، وبسنة نبينا محمد ﷺ، وبذلك يقضي على كل الشرائع التي تحكم الناس سوى الإسلام، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، فإن شريعة الإسلام ناسخة للشرائع قبلها، وقد أخذ الله العهد والميثاق على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويتابعوه إذا بعث وهم أحياء، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] (٢) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٥٣) .
(٢) سورة آل عمران، آية: ٨١.
[ ١٢٤ ]
ومن أجل هذا فهو يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية فلا يقبل من أحد إلا الإسلام، أو القتل. يقول القرطبي - ﵀ -: " ذهب قوم إلى أنه بنزول عيسى ﵇ يرتفع التكليف لئلا يكون رسولا إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم، وهذا أمر مردود بالأخبار التي ذكرناها. . . وبقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (١) وقوله ﵊: «لا نبي بعدي» (٢) وقوله ﷺ: «أنا العاقب» (٣) . يريد آخر الأنبياء وخاتمهم، وإذا كان ذلك فلا يجوز أن يتوهم أن عيسى ينزل نبيا بشريعة متجددة غير شريعة محمد نبينا ﷺ، بل إذا أنزل فإنه يكون يومئذ من أتباع محمد ﷺ كما أخبر النبي ﷺ حيث قال لعمر: «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» (٤) . فعيسى ﵇ إنما ينزل مقررا لهذه الشريعة مجددا لها؛ إذ هي آخر الشرائع ومحمد ﷺ آخر الرسل (٥) .
[رفع الشحناء والتباغض من بين الناس وانتشار الأمن والرخاء بين الخلق]
من الأمور التي أخبرنا عنها رسول الله ﷺ أنها تحدث في زمن عيسى ﵇: أن الشحناء والتباغض والتحاسد ترفع من بين الناس حيث تجتمع كلمة الجميع على الإسلام، وتعم البركة، وتكثر الخيرات، حيث تنبت الأرض نبتها، ولا يرغب في اقتناء المال لكثرته، وينزع الله في ذلك الوقت سم كل ذي سم حتى يلعب الأولاد بالحيات والعقارب فلا تضرهم، وترعى
_________________
(١) سورة الأحزاب، آية: ٤٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل (٤ / ١٠٤) .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب (٤ / ١٦٢) .
(٤) أخرجه الأمام أحمد في مسنده (٣ / ٣٨٧) وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣ / ٣٣٤) رجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفا.
(٥) التذكرة للقرطبي (٢ / ٧٩٢) .
[ ١٢٥ ]
الشاة مع الذئب فلا يضرها، فتملأ الأرض أمنا وسلما، وينعدم القتال بين البشر فترخص الخيل لعدم القتال، وترتفع أسعار الثور؛ لأن الأرض تحرث كلها.
ففي حديث النواس بن سمعان ﵁ السابق أن رسول الله ﷺ قال: «. . . ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرِسْل (١) حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس. . .» الحديث (٢) .
ومن حديث أبي أمامة الطويل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «. . . فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكما عدلا، وإماما مقسطا يدق الصليب، ويذبح الخنزير ويضع الجزية ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتضر الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور (٣) الفضة، تنبت نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات. . .» (٤) .
_________________
(١) الرسل: بكسر الراء وإسكان السين هو اللبن، انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٨ / ٦٩)، النهاية في غريب الحديث (٣ / ٤١٢) .
(٢) تقدم تخريجه ص ٩٧.
(٣) الفاثور: الخوان، وقيل: هو طست أو جام من فضة أو ذهب، النهاية في غريب الحديث (٣ / ٤١٢) .
(٤) تقدم تخريجه ص ١٢٣.
[ ١٢٦ ]
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «والله لينزلن عيسى ابن مريم حكما عادلا. . . وليضعن الجزية ولتتركن القلاص (١) فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد» (٢) .
قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: ومعناه أن يزهد الناس فيها، ولا يرغب في اقتنائها لكثرة الأموال وقلة الآمال وعدم الحاجة والعلم بقرب القيامة، وإنما ذكرت القلاص لكونها أشرف الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب وهي شبيهة بمعنى قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ٤] (٣) . ومعنى لا يسعى عليها: لا يعتني بها (٤) .
[المسألة السابعة موت عيسى ﵇ ودفنه]
المسألة السابعة: موت عيسى ﵇ ودفنه لم يرد عن الشارع نص يبين لنا مكان موت عيسى ﵇، ولكن ذكر بعض العلماء أنه يموت ﵇ في المدينة النبوية، وقيل إنه يدفن مع رسول الله ﷺ وصاحبيه ﵄.
قال القرطبي - ﵀ -: " واختلف حيث يدفن فقيل: بالأرض المقدسة ذكره الحليمي، وقيل: يدفن مع النبي ﷺ على ما ذكرناه من الأخبار" (٥) .
_________________
(١) القلاص: بكسر القاف جمع قلوص، بفتح القاف، وهي الناقة الشابة. النهاية في غريب الحديث (٤ / ١٠٠) .
(٢) تقدم تخريجه ص ١١٣.
(٣) سورة التكوير، آية: ٤.
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي (٢ / ١٩٢) .
(٥) التذكرة (٢ / ٧٩٤)، وانظر لوامع الأنوار البهية (٢ / ١١٣) .
[ ١٢٧ ]
[المطلب الرابع خروج يأجوج ومأجوج]
[المسألة الأولى أصل يأجوج ومأجوج ونسبهم]
المطلب الرابع: خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى التي أخبر بها الرسول ﷺ خروج يأجوج ومأجوج، والكلام على هذه العلامة يتضمن المسائل التالية:
المسألة الأولى: أصل يأجوج ومأجوج ونسبهم اختلف في اشتقاق الكلمتين:
فقيل: هما اسمان أعجميان منعا من الصرف للعلمية والعجمة، وعلى هذا فليس لهما اشتقاق؛ لأن الأعجمية لا تشتق من العربية.
وقيل: بل هما عربيان، واختلف في اشتقاقهما، فقيل: من أجيج النار وهو التهابها، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: من الأج وهو سرعة العدو، وقيل: من الأجة بالتشديد وهي الاختلاط والاضطراب.
وعند جمهور القراء: ياجوج وماجوج بدون همز، وأما قراءة عاصم فهي بالهمزة الساكنة فيهما (١) .
والخلاصة من هذا: أن جميع ما ذكر في اشتقاقهما مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق من ماج قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] (٢) . وذلك حين يخرجون من السد (٣) .
وقد اختلف في نسبهم، فقيل: إنهم من ذرية آدم.
والذي رجحه الحافظ ابن حجر - ﵀ - أنهم قبيلتان من ولد يافث بن نوح (٤) . فهما من ولد آدم وحواء، ويؤيد ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁
_________________
(١) انظر: لسان العرب (٢ / ٢٠٧)، التذكرة للقرطبي ص (٨١٥)، فتح الباري لابن حجر (١٣ / ١٠٦)، لوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢ / ١١٣) .
(٢) سورة الكهف، الآية: ٩٩.
(٣) الإشاعة لأشراط الساعة للبرزنجي ص٣٢٤.
(٤) فتح الباري لابن حجر (١٣ / ١٠٦) .
[ ١٢٩ ]
قال: قال رسول ﷺ: «يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف (أراه قال) تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] (١) . فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي ﷺ: " من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد. . .» الحديث (٢) .
[المسألة الثانية الأدلة على خروجهم من القرآن والسنة]
المسألة الثانية: الأدلة على خروجهم من القرآن والسنة ورد ذكرهم في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا - قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا - قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا - آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا - فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا - قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٣ - ٩٨] (٣) .
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ - وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧] (٤) .
فدلالة الآيتين على كون خروجهم من أشراط الساعة: أن فيهما التصريح بأنه إذا فتحت يأجوج ومأجوج فإن ذلك دليل على اقتراب الوعد الحق والمراد به يوم القيامة (٥) .
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقائق (٧ / ١٩٦)، ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان (١ / ٢٠١) .
(٣) سورة الكهف، الآيات ٩٣ - ٩٨.
(٤) سورة الأنبياء، الآيتان: ٩٦، ٩٧.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير (٣ / ١٨٧) .
[ ١٣٠ ]
فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] حتى " فيه متعلقة بما قبل الآية، أي كل قرية أهلكت تبقى في الهلاك حتى قيام الساعة، أو تبقى في عدم الرجعة إلى الدنيا، أو إلى التوبة حتى قيام الساعة، وهذه الأقوال مُفرعة على معنى الآية السابقة (١) وهي قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] (٢) .
وقيل: إن "حتى" متعلقة بقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٣] (٣) أي استمر الخلاف بين الأمم حتى قيام الساعة (٤) وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] المراد إذا فتح الردم عن هاتين القبيلتين العظيمتين وتمكنوا من الخروج، فيخرجون من كل حدب وهو المرتفع من الأرض (٥) يسرعون في المشي إلى الفساد.
وأما الأدلة من السنة على خروجهم فهي كثيرة:
منها: حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂، عن زينب بنت جحش ﵂: «أن رسول الله ﷺ دخل يوما فزعا يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه "، وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت يا رسول الله أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم، إذا كثر الخبث» (٦) .
_________________
(١) انظر: تفسير أبي السعود (٣ / ٥٣٥) وتفسير الألوسي (١٧ / ٩٢) .
(٢) سورة الأنبياء، آية: ٩٥.
(٣) سورة الأنبياء، آية: ٩٣.
(٤) انظر: البحر المحيط (٦ / ٣٣٩) وقد نسب القول به إلى ابن عطية، وانظر أيضا تفسير الألوسي (١٧ / ٩٢) .
(٥) انظر: تفسير الطبري: (١٧ / ٧٢ - ٧٣)، والقرطبي (١١ / ٣٤١)، وانظر المفردات للراغب ص١١٠، وتفسير ابن كثير (٣ / ١٨٧) .
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء (٦ / ٣٨١) وكتاب الفتن (١٣ / ١٠٦)، ومسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٠٧) .
[ ١٣١ ]
ومنها: حديث النواس بن سمعان ﵁ الذي تقدم ذكره كثيرا، وفيه: «إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب إلى الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله» (١) وفي رواية بعد قوله " لقد كان بهذه مرة ماء ": «ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخَمَر (٢) وهو جبل ببيت المقدس فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما» (٣) .
ومنها حديث حذيفة بن أسيد ﵁ في ذكر أشراط الساعة فذكر منها: يأجوخ ومأجوج (٤) .
ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ لقي إبراهيم وموسى وعيسى - ﵈ - فتذاكروا الساعة إلى أن قال: فردوا الحديث إلى عيسى، فذكر قتل الدجال ثم قال: ثم يرجع الناس إلى
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٩٧.
(٢) جبل الخمر: الخمر بخاء معجمة وميم مفتوحتين، والخمر: الشجر الملتف الذي يستر من فيه، وقد جاء تفسيره في الحديث بأنه جبل بيت المقدس. انظر: شرح مسلم للنووي (١٨ / ٧١) .
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٥٠) .
(٤) المصدر السابق (٤ / ٢٢٢٦) .
[ ١٣٢ ]
بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون لا يمرون بماء إلا شربوه ولا بشيء إلا أفسدوه. يجأرون إلي فأدعو الله فيميتهم فتجوى الأرض من ريحهم، فيجأرون إلي فأدعو الله فيرسل السماء بالماء فيحملهم فيقذف بأجسامهم في البحر» (١) .
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، فذكر الحديث وفيه: «ويخرجون على الناس فيستقون المياه ويفر الناس منهم فيرمون سهامهم في السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون: قهرنا أهل الأرض وغلبنا من في السماء قوة وعلوا، قال: فيبعث الله ﷿ عليهم نغفا في أقفائهم، قال: فيهلكهم، والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكرا (٢) وتسكر سكرا (٣) من لحومهم» (٤) .
إلى غير ذلك من الأدلة التي تدل على خروجهم وأنه يجب الإيمان بها وتصديقها.
قال ابن قدامة المقدسي - ﵀ -: " ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وما جهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤ / ٤٨٨ - ٤٨٩) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٤ / ١٨٩ - ١٩٠) تحقيق أحمد شاكر وقال إسناده صحيح.
(٢) يقال: شكرت الشاة بالكسر تشكر شكرا بالتحريك إذ سمنت وامتلأ ضرعها لبنا، والمعنى: أن دواب الأرض تسمن وتمتلئ شحما. النهاية في غريب الحديث (٢ / ٤٩٤) .
(٣) السكر بفتح السين والكاف: الخمر، ويطلق السكر على الغضب والامتلاء. انظر: النهاية في غريب الحديث (٢ / ٣٨٣) .
(٤) أخرجه الترمذي في سننه: أبواب التفسير (٨ / ٥٩٧ - ٥٩٩) وقال: هذا حديث حسن غريب. وخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الفتن (٢ / ١٣٦٤ - ١٣٦٥) . وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤ / ٤٨٨) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ١٣٣ ]
الإسراء والمعراج. . . إلى أن قال: ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج. . . " (١) .
وقال القاضي عياض: " الأحاديث الواردة في يأجوج ومأجوج: هذه الأخبار على حقيقتها يجب الإيمان بها؛ لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة، وقد ورد في خبرهم أنه لا قدرة لأحد على قتالهم من كثرتهم، وأنهم يحصرون نبي الله عيسى ﵇ ومن معه من المؤمنين الذين نجوا من الدجال، فيدعو عليهم فيهلكهم الله ﷿ أجمعين بالنغف - وهو دود في رقابهم - فيؤذون الأرض والمؤمنين بنتنهم، فيدعو عيسى وأصحابه ربهم فيرسل الله طيرا فتحملهم حيث شاء الله " (٢) .
وقال السفاريني - ﵀ -: " إن خروجهم من وراء السد على الناس حق ثابت لوروده في الذكر وثبوته عن سيد البشر، ولم يحله عقل فوجب اعتقاده " (٣) .
[المسألة الثالثة السد ويأجوج ومأجوج]
المسألة الثالثة: السد ويأجوج ومأجوج بنى ذو القرنين (٤) سد يأجوج ومأجوج ليحجز بينهم وبين جيرانهم الذين استغاثوا به منهم. وقد ورد في القرآن الكريم ذكر هذا السد، فقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا - قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٤ - ٩٥] (٥) .
_________________
(١) لمعة الاعتقاد لابن قدامة ص (٣٠) .
(٢) إكمال المعلم (٦ / ١١٥، ١١٦) .
(٣) لوامع الأنوار (٢ / ١١٦) .
(٤) اختلف في اسمه، فروي عن ابن عباس - ﵄ - أنه عبد الله بن الضحاك، وقيل: مصعب بن عبد الله، وقيل غير ذلك، وسمي بذي القرنين؛ لأنه قد بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشيطان ويغرب، وقيل غير ذلك، وكان ذو القرنين عبدا مؤمنا صالحا، وهو عبر ذي القرنين الإسكندر المقدوني، فإن هذا كان كافرا، وزمنه متأخر عن المذكور في القرآن الكريم وبينهما أكثر من ألفي سنة، والله أعلم. انظر: البداية والنهاية: (٢ / ١٠٢ - ١٠٦)، وتفسير ابن كثير (٣ / ١٠٠، ١٠١) .
(٥) سورة الكهف، الآيتان: ٩٤، ٩٥.
[ ١٣٤ ]
هذا ما ورد في القرآن على بناء هذا السد.
أما مكانه: ففي جهة المشرق (١) لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٩٠] (٢) .
وقد ذكر الحافظ ابن كثير - ﵀ - قصة عن السد ومحاولة بعض الملوك الوصول إليه فقال: وقد بعث الخليفة الواثق (٣) في دولته بعض أمرائه وجهز معه جيشا سرية لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا، فوصلوا من بلاد إلى بلاد ومن ملك إلى ملك حتى وصلوا إليه ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابا عظيما وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حراسا من الملوك المتاخمة له وأنه عال منيف شاهق، لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم وكانت غيبتهم أكثر من سنتين وشاهدوا أهوالا وعجائب (٤) .
ولم يذكر الحافظ ابن كثير - ﵀ - سندا لهذه القصة، ولم يتكلم عليها بشيء.
والذي تدل عليه الآيات السابقة أن هذا السد بني بين جبلين لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣] والسدان: هما جبلان متقابلان، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٦] أي حاذى به رؤوس الجبلين (٥) وذلك بزبر الحديد ثم أفرغ عليه نحاسا مذابا فكان سدّا محكما.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (٥ / ١٩٥) .
(٢) سورة الكهف، الآية: ٩٠.
(٣) هو الخليفة العباسي هارون بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، بويع له بالخلافة سنة ٢٢٨ هـ، وتوفي سنة ٢٣٢ هـ. انظر: البداية والنهاية: (١٠ / ٣٠٨) .
(٤) تفسير ابن كثير: (٣ / ٩٩) .
(٥) المصدر السابق: (٣ / ٩٨، ٩٩) .
[ ١٣٥ ]
قال الإمام البخاري - ﵀ -: «قال رجل للنبي ﷺ: رأيت السد من البرد المحبر. قال: " قد رأيته» (١) .
ويمكن أن يكون هذا السد هو السور المحيط بمدينة ترمذ (٢) الذي ذكره ياقوت الحموي (٣) في معجم البلدان، وليس هو سد ذي القرنين.
وأيضا: فإن البحث في تحديد مكان السد لا يهم كثيرا؛ ولا يحصل بعدم معرفته خلل في الاعتقاد؛ لأن المقصود بيان أن ما أخبرنا الله تعالى به، وما جاء في الأحاديث الصحيحة من أن سد يأجوج ومأجوج موجود إلى أن يأتي الوقت المحدد لدك هذا السد وخروج يأجوج ومأجوج، وذلك عند دنو الساعة بهما في قوله ﷿: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا - وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٨ - ٩٩] (٤) كل ذلك: حقيقة يجب التصديق به.
والذي يدل على أن السد موجود ولم يندك، حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في السد قال: «يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا، قال: فيعيده الله ﷿ كأشد ما كان حتى إذا بلغوا مدتهم وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا إن شاء الله تعالى واستثنى، قال: فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس، فيستقون المياه ويفر الناس منهم» (٥) .
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقا في صحيحه في باب قصة يأجوج ومأجوج ٦ / ٣٨١.
(٢) (ترمذ): قال ياقوت: مدينة مشهورة من أمهات المدن راكبة على نهر جيحون من جانبه الشرقي. . . يحيط بها سور وأسواقها مفروشة بالآجر، وممن ينسب إليها الإمام محمد بن عيسى بن سَوَرة الترمذي صاحب الجامع الصحيح والعلل. معجم البلدان (٢ / ٢٦، ٢٧) .
(٣) هو أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، أصله من الروم، الإخباري النحوي، المؤرخ، من مؤلفاته معجم البلدان، توفي سنة ٦٢٦ هـ. وفيات الأعيان (٦ / ١٢٧)، سير أعلام النبلاء (٢٢ / ٣١٢) .
(٤) سورة الكهف، الآيتان: ٩٨، ٩٩.
(٥) تقدم تخريجه ص ١٣٣.
[ ١٣٦ ]
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في الفتح: قال ابن العربي - ﵀: " في هذا الحديث ثلاث آيات: الأولى: أن الله منحهم أن يوالوا الحفر ليلا ونهارا، والثانية: منعهم أن يحاولوا الرقي على السد بسلم أو آلة فلم يلهمهم ذلك ولا علمهم إياه، الثالثة: أنه صدهم عن أن يقولوا: إن شاء الله حتى يجيء الوقت المحدد " (١) .
فخروجهم الذي هو من أشراط الساعة الكبرى في آخر الزمان لم يقع؛ لأن الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ تدل على أن خروجهم بعد نزول عيسى ﵇، وهو الذي يدعو الله ﷿ بأن يهلكهم فيهلكون ويسلم الناس من شرهم.
فيجب على كل مسلم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة عن السد ويأجوج ومأجوج، ولا عبرة بمن أنكر وجود يأجوج ومأجوج ووجود السد الذي بناه ذو القرنين بينهم وبين الناس بحجة ظهور دول الكفر المتقدمة في الصناعة، وأن هؤلاء استطاعوا أن يكتشفوا كل ما في الأرض ولم يتركوا منها شيئا إلا أتوا عليه، ولكنهم لم يعثروا على يأجوج ومأجوج، ولم يروا سد ذي القرنين، ولا شك أن هذا قول فاسد؛ لأنه تكذيب صريح لما جاء في كتاب الله ﷿، ولما أخبر به رسولنا ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ومن كذب بشيء جاء في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ فقد كفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٧] (٢) .
وأما دعواهم أن الأرض اكتشفت كلها ولم يجدوا فيها يأجوج ومأجوج والسد، فهي دعوى باطلة تدل على عجز البشر وقصورهم؛ لأن معرفة جميع بقاع الأرض والإحاطة بما فيهما من المخلوقات لا يقدر عليها إلا الله ﷿ الذي
_________________
(١) فتح الباري (١٣ / ١٩٠) .
(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٤٧.
[ ١٣٧ ]
أحاط بكل شيء علما، ولا يلزم من عدم رؤيتهم عدم وجودهم؛ لأنه قد يكون الله ﷿ صرفهم عن رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد، أو جعل بينهم وبين الناس أشياء تمنع من الوصول إليهم كما حصل لبني إسرائيل حين ضرب الله عليهم التيه في فراسخ قليلة من الأرض، فلم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه، والله ﷾ على كل شيء قدير، جعل لكل شيء أجلا ووقتا، قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ - لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٦ - ٦٧] (١) . وما عجز الأوائل عن اكتشاف ما اكتشفه المتأخرون إلا لأن الله ﷿ جعل لكل شيء أجلا (٢) .
[المسألة الرابعة هلاك يأجوج ومأجوج وطيب العيش وبركته بعد موتهم]
المسألة الرابعة: هلاك يأجوج ومأجوج وطيب العيش وبركته بعد موتهم بعد طغيان يأجوج ومأجوج وإفسادهم وعتوهم في الأرض وإهلاكهم للحرث والنسل، يتضرع نبي الله عيسى ابن مريم ﵇ وأصحابه إلى الله ﷾، ليكشف عنهم ما حل بهم من البلاء والمحن التي لم يجدوا بأنفسهم حيلة ولا قوة لدفعها، فيستجيب الله لهم، فيسلط الله عليهم الدود الصغير فيهلكهم فيصبحون موتى موت الجراد، يركب بعضهم بعضا، فتمتلئ الأرض من نتنهم، فيؤذون الناس بنتنهم أشد من حياتهم، فيتضرع نبي الله عيسى وأصحابه ثانية إلى الله ﷿ فيرسل طيرا تحملهم وتطرحهم في البحر، ثم يرسل مطرا تغسل آثارهم، ثم يأمر الله الأرض لترد بركتها وتنبت ثمارها، فيعم الرخاء، وتطرح البركة فيعيش عيسى ابن مريم وأصحابه في عيش رغيد.
ففي حديث النواس بن سمعان ﵁ الطويل الذي مر ذكره فيما سبق أن الرسول ﷺ قال فيه: «ويحاصر عيسى ابن مريم وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى عليه
_________________
(١) سورة الأنعام، الآيتان: ٦٦، ٦٧.
(٢) انظر: إتحاف الجماعة (٢ / ٢٩٧)، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد (٢١٤) .
[ ١٣٨ ]
السلام وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم، ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس» (١) .
وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «. . . ثم يهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع متخضبة دما للبلاء والفتنة، فبينا هم على ذلك، بعث الله دودا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حسٌّ، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه، فينظر ما فعل هذا العدو، قال: فيتجرد رجل منهم لذلك محتسبا لنفسه قد أطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى، بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين: ألا أبشروا، فإن الله قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لها رعيٌ إلا لحومهم، فتشكر عنه كأحسن ما تشكر عن شيء من النبات أصابته قط» (٢) .
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٩٧.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣ / ٧٧)، والحاكم في المستدرك (٢ / ٢٤٥) (٤ / ٤٨٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ١٣٩ ]
[المطلب الخامس طلوع الشمس من مغربها]
المطلب الخامس: طلوع الشمس من مغربها طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى كما هو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع العلماء.
قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] (١) .
قال ابن جرير الطبري - ﵀ - بعد ذكره لأقوال المفسرين في الآية: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ذلك حين تطلع الشمس من مغربها» (٢) .
ومن الأحاديث على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن الناس أجمعون، فذلك حيث لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» (٣) .
ومنها حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (٤) .
ومنها حديث صفوان بن عسال ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله فتح بابا قبل المغرب، عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه» (٥) .
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: ١٥٨.
(٢) تفسير ابن جرير الطبري (٨ / ١٠٣) .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق (٧ / ١٩١)، ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان (١ / ١٣٨) .
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب التوبة (٤ / ٢١١٣) .
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤ / ٢٤٠)، والترمذي في سننه: كتاب الدعوات (٥ / ٥٤٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الفتن (٢ / ١٣٥٣)، والطبراني في معجمه الكبير (٨ / ٦٧) وقال الألباني: حديث حسن. صحيح الجامع (٢ / ٤٤٣) .
[ ١٤١ ]
ومنها حديث عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر ومعاوية ﵃ عن النبي ﷺ قال: «لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل» (١) .
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا وذكر منها طلوع الشمس من مغربها» (٢) .
وقد ذكر القرطبي - ﵀ - عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها فقال: " قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحالة لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت " (٣) .
ومنها حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها. . .» الحديث (٤) .
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: " الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣ / ١٣٣) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وقال ابن كثير في النهاية الفتن والملاحم (١ / ٢٢١) . وهذا إسناد جيد قوي. وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢ / ٣٠٤) والطبراني في المعجم الأوسط (١ / ٦٩) . والكبير (١٩ / ٣٨١)، وقال الهيتمي في المجمع (٥ / ٢٥٠)، رواه أحمد والطبراني والبزار. . . ورجال أحمد ثقات.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان (١ / ١٣٩) .
(٣) التذكرة للقرطبي (٢ / ٧٥٣، ٧٩٤) .
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٦٠) .
[ ١٤٢ ]
وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب " (١) .
قال البرزنجي في الإشاعة: وهذا جمع حسن - ﵀ - (٢) .
وعن أبي ذر ﵁: «أن النبي ﷺ قال يوما: " أتدرون أين تذهب هذه الشمس "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي اصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها، فقال رسول الله ﷺ: أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» (٣) .
وهذا السجود للشمس لا ندري كيفيته ولا يعلمها إلا الله ﷾ الذي يسجد له كل من في السماوات والأرض كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] (٤) .
_________________
(١) فتح الباري (١١ / ٣٥٣) .
(٢) الإشاعة لأشراط الساعة ص (٣٥٠) .
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان (١ / ١٣٧) .
(٤) سورة الحج، آية: ١٨.
[ ١٤٣ ]
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ - وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ - يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٨ - ٥٠] (١) .
قال ابن كثير: " يخبر تعالى عن عظمته وكبريائه الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء بأسرها جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، أي: بكرة وعشيا، فإنه ساجد بظله لله تعالى " (٢) .
وقد تكلم العلماء - رحمهم الله تعالى - عن حديث سجود الشمس تحت العرش وردوا على من أول ذلك، وبينوا أن سجودها تحت العرش سجود حقيقي.
قال أبو سليمان الخطابي - ﵀ - في قول رسول الله ﷺ: «مستقرها تحت العرش» قال: " لا ننكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا ندركه ولا نشاهده وإنما أخبرنا عن غيب فلا نكذب به ولا نكيفه؛ لأن علمنا لا يحيط به. . . ثم قال عن سجودها تحت العرش: وفي هذا إخبار عن سجود الشمس تحت العرش فلا ينكر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها والتصرف لما سخرت له، وأما قوله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] (٣) . فهو نهاية مدرك البصر إياها حالة الغروب ومصيرها تحت العرش للسجود، وإنما هو بعد الغروب " (٤) . قال القاضي عياض عقب شرحه للحديث السابق: " وهو على ظاهره عند
_________________
(١) سورة النحل، الآيات: ٤٨ - ٥٠.
(٢) تفسير ابن كثير (٢ / ٥٧٢) .
(٣) سورة الكهف، آية: ٨٦.
(٤) انظر كلامه في شرح السنة للبغوي (١٥ / ٩٥) .
[ ١٤٤ ]
أهل الفقه والحديث والمتكلمين من أهل السنة خلافا لمن تأوله من المبتدعة والباطنية، وهو أحد أشراط الساعة العظام المنتظرة " (١) .
وقال الإمام النووي - ﵀ -: " وأما سجود الشمس فهو بتمييز وإدراك يخلقه الله تعالى " (٢) .
وقال الإمام ابن كثير - ﵀ -: يسجد لعظمته تعالى كل شيء طوعا وكرها، وسجود كل شيء مما يختص به (٣) .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -: وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبر عنه بالجري - والله أعلم (٤) .
_________________
(١) إكمال المعلم (٣ / ٧٠٠) .
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي (٢ / ١٩٧) .
(٣) تفسير ابن كثير (٣ / ٥٧١) .
(٤) فتح الباري (٨ / ٤٠٣) .
[ ١٤٥ ]
[المطلب السادس خروج الدابة]
[المسألة الأولى الأدلة على خروجها من الكتاب والسنة]
المطلب السادس: خروج الدابة من أشراط الساعة الكبرى خروج دابة من الأرض في آخر الزمان تكلم الناس وتسميهم مؤمنا وكافرا، وذلك عند فساد الناس وتركهم أوامر الله تعالى.
والكلام على هذه العلامة يشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: الأدلة على خروجها من الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] (١) .
عن ابن عباس ﵄، أن معنى تكلمهم: تجرحهم، بمعنى تكتب على جبين الكافر كافرا، وعلى جبين المؤمن مؤمنا. وروي عنه أيضا بمعنى تخاطبهم.
قال الحافظ ابن كثير: " هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق. يخرج الله لهم دابة من الأرض فتكلم الناس على ذلك " (٢) .
وقال الألوسي (٣) " أي تكلمهم بأنهم لا يتيقنون بآيات الله تعالى الناطقة بمجيء الساعة ومباديها أو بجميع آياته التي من جملتها تلك الآيات " (٤) .
_________________
(١) سورة النمل، آية: ٨٢.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٣ / ٣٥١) .
(٣) هو العلامة محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، شهاب الدين أبو الثناء، ولد في بغداد سنة ١٢١٧هـ، من كبار المفسرين، له مؤلفات مفيدة منها (روح المعاني، ودقائق التفسير)، توفي سنة ١٢٧٠ هـ. الأعلام (٧ / ١٧٦)، جلاء العينين ص (٢٧، ٢٨) .
(٤) انظر: روح المعاني (٦ / ٣١٤) .
[ ١٤٧ ]
وأما الأدلة من السنة:
فمنها حديث أبي أمامة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «ثم تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل البعير، فيقال: ممن اشتريت؟ فيقول اشتريته من أحد المخطمين» (١) .
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بادروا بالأعمال ستا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة (٢) أحدكم» (٣) .
ومنها حديث حذيفة بن أسيد ﵁ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: " ما تذاكرون "؟: قالوا: نذكر الساعة قال: " إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (٤) .
ومنها حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت من رسول الله ﷺ يقول: " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا» (٥) .
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥ / ٢٦٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٨ / ٦): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير عمر بن عبد الرحمن بن عطية، وهو ثقة.
(٢) " خويصة أحدكم " أي: الواقعة التي تخص أحدكم، يريد حادثة الموت التي تخص كل إنسان، وهي تصغير خاصة، وصغرت لاحتقارها في جنب ما بعدها من البعث والعرض والحساب. النهاية في غريب الحديث (٢ / ٣٧) .
(٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٦٧) .
(٤) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٢٦) .
(٥) تقدم تخريجه ص ١٤٢.
[ ١٤٨ ]
[المسألة الثانية صفة الدابة]
المسألة الثانية: صفة الدابة اختلف العلماء في صفة الدابة إلى عدة أقوال:
القول الأول: أنها فصيل ناقة صالح، قال القرطبي: " أولى الأقوال أنها فصيل ناقة صالح وهو أصحها، والله أعلم " (١) واستدل بحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدابة فقال: " لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة - ثم تكمن زمنا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية، يعني مكة، قال رسول الله ﷺ: " ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض رأسها عن التراب فتركض الناس منها شتى ومعا، وتثبت عصابة من المؤمنين عرفوا أنهم لم يعجزوا الله فبدأت بهم، فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان: الآن تصلي!؟ فتقبل عليه فتسمه في وجهه. . .» (٢) .
ووجه الدلالة من هذا الحديث قوله: وهي ترغو والرغاء للإبل. وقال القرطبي في التذكرة: " وقد قيل إن الدابة التي تخرج هي الفصيل الذي كان لناقة صالح ﵇، فلما قتلت الناقة هرب الفصيل بنفسه فانفتح له الحجر فدخل فيه ثم انطبق عليه، فهو فيه إلى وقت خروجه، حتى يخرج بإذن الله تعالى، ويدل
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٣ / ٢٣٥) .
(٢) منحة المعبود ترتيب مسند الطيالسي (٢ / ٢٢٠)، وأخرجه الحاكم (٤ / ٤٨٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أبين حديث في ذكر دابة الأرض ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: (تركه أحمد)، ويقصد الذهبي طلحة بن عمرو الحضرمي، وهو رجل ضعيف في سند الطيالسي والحاكم، قال عنه ابن معين: ليس بشيء، ضعيف. انظر: تهذيب التهذيب (٥ / ٢٣، ٥٤) .
[ ١٤٩ ]
على هذا القول حديث حذيفة. . . "، ولقد أحسن من قال:
واذكر خروج فصيل ناقة صالح يسم الورى بالكفر والإيمان (١)
القول الثاني: أنها دابة جمعت من خلق كل حيوان.
القول الثالث: أنها إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم حتى يتبين الصادق من الكاذب فيحيا من حيَّ عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، وقد رد القرطبي - رحمه الله تعالى - على هذا القول وبين أنه قول فاسد مخالف لظاهر الآية والأحاديث الصحيحة فقال - ﵀ -: " وإنما كان هذا القائل الأقرب لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من العشر آيات المذكورة في الحديث؛ لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير، فلا آية خاصة بها، فلا ينبغي أن تذكر مع العشر، وترتفع خصوصية وجودها إذا وقع القول، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي على أهل الأرض أن يسموه باسم الإنسان أو بالعالم أو بالإمام إلى أن يسمى بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير، والله أعلم بحقائق الأمور " (٢) .
القول الرابع: أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة (٣) .
القول الخامس: أنها دابة مزغبة شعراء ذات قوائم، طولها ستون ذراعا، ويقال: إنها الجساسة (٤) المذكورة في حديث تميم الداري ﵁ والذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن فاطمة بنت قيس ﵂ عن رسول الله ﷺ.
_________________
(١) التذكرة (٢ / ٨٢٢) .
(٢) تفسير القرطبي (١٣ / ٢٣٦)، والتذكرة له (٢ / ٨١٨) .
(٣) التذكرة للقرطبي (٢ / ٢٣٦)، فتح القدير للشوكاني (٤ / ١٥١) .
(٤) انظر التذكرة (٢ / ٨١٩)، وشرح النووي لمسلم (١٨ / ٧٨)، وفتح القدير للشوكاني (٤ / ١٥١) .
[ ١٥٠ ]
تقول فاطمة بنت قيس ﵂، وهي تحكي قصة اعتدادها بعد وفاة زوجها ابن المغيرة عند ابن عمها عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم: «فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي - منادي رسول الله ﷺ - ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله ﷺ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك فقال: " ليلزم كل إنسان مصلاه "، ثم قال: " أتدرون لم جمعتكم "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال: حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم أرفؤوا (١) إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قُبلُهُ من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟! فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانة، قال: فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا، وأشده وثاقا، مجموعة يداه إلى عنقه وما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك، ما أنت؟! قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهرا ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر، لا يدرى ما قُبلُهُ من دبره من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة: قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في
_________________
(١) أرفأت السفينة: إذا قربتها من الشط، والموضع الذي تشد فيه: المرفأة. النهاية في غريب الحديث (٢ / ٢٤١) .
[ ١٥١ ]
الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة، فقال: أخبروني عن نخل بَيْسان؟ (١) . قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا يثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثير الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زُغَر (٢)؟ قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال كيف صنع بهم؟، فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه. وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ملك بيده سيف صلتا (٣) يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها ". قالت: قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر: " هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة "يعني المدينة " ألا هل كنت حدثتكم ذلك "؟ فقال الناس: نعم. قال: " فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة ألا إنه في بحر
_________________
(١) بيسان: بالفتح ثم السكون، وسين مهملة، مدينة بالأردن، بين حوران وفلسطين، وتوصف بكثرة النخل، تبعد عن القدس ١٢٧ كيلا، وقد هدمها اليهود وأقاموا مكانها مستعمرة. معجم البلدان (١ / ٥٢٧)، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص (٦٨) .
(٢) عين زغر: بزاي معجمة مضمومة ثم غين معجمة مفتوحة ثم راء، وهي قرية بمشارف الشام، قيل: إن زغر اسم بنت لوط ﵇ نزلت بهذه القرية فسميت باسمها، وعين زغر تغور في آخر الزمان، وهي من علامات القيامة. معجم البلدان (٤ / ١٤٣) .
(٣) صلتا: مسلولا.
[ ١٥٢ ]
الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل الشرق ما هو من قبل الشرق، ما هو من قبل الشرق، ما هو " وأوما بيده إلى المشرق، قالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ» (١) .
وسميت بالجساسة؛ لأنها تجس الأخبار للدجال (٢) .
القول السادس: أنها الدابة، اسم جنس لكل ما يدب وليست حيوانا مشخصا معينا يحوي العجائب والغرائب، ولعل المقصود من هذا ما ذهب إليه بعض المتأخرين من أن الدابة نوع من الحشرات الموجودة الآن، وأنها ستكثر لأي سبب من الأسباب، فيكون هجومها على الناس على ضعفها وصغر حجمها وتحميلهم الأذى الكبير وعجزهم عن مقاومتها مع ما أوتوه من بسطة العلم والحيلة، آية من آيات الله، وبعضهم قال إنها الجراثيم الخطيرة التي تفتك بالإنسان، وهذه لا شك أنها تأويلات فاسدة وباطلة؛ لأنها تكذيب للنبي ﷺ فيما أخبر به عن هذه الدابة (٣) .
قال الشيخ أحمد شاكر - ﵀ -: " والآية صريحة بالقول العربي أنها (دابة)، ومعنى الدابة في لغة العرب معروف واضح، لا يحتاج إلى تأويل، وقد بين الحديث بعض فعلها، ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج هذه الدابة الآية، وأنها تخرج آخر الزمان، ووردت آثار أخر في صفتها لم تنسب إلى رسول الله ﷺ المبلغ عن ربه والمبين آيات كتابه، فلا علينا أن ندعها.
ولكن بعض أهل عصرنا من المنتسبين إلى الإسلام، الذين فشا فيهم المنكر من القول، والباطل من الرأي، الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب، ولا يريدون إلا أن يقفوا عند حدود المادة التي رسمها لهم معلموهم وقدوتهم من ملحدي
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن والملاحم (٤ / ٢٢٦١ - ٢٢٦٢) .
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث (١ / ٢٧٢) .
(٣) انظر: إتحاف الجماعة للتويجري (٣ / ١٨٢) وما بعدها، فقد ذكر هذا القول ورد عليه فأجاد وأفاد رحمه الله تعالى.
[ ١٥٣ ]
أوربا الوثنيين الإباحيين، المتحللين من كل خلق ودين، فهؤلاء لا يستطيعون أن يؤمنوا بما نؤمن به، ولا يستطيعون أن ينكروا إنكارا صريحا، فيجمجمون ويحاورون ويداورون، ثم يتأولون فيخرجون الكلام عن معناه الوضعي الصحيح للألفاظ في لغة العرب، يجعلونه أشبه بالرموز، لما وقر في أنفسهم من الإنكار الذي يبطنون! .
بل إن بعضهم لينقل التأويل عن رجل هندي معروف أنه من طائفة تنتسب للإسلام، وهي له عدو مبين، وعبيد لأعدائه المستعمرين!! فانظر إليهم أنى يترددون ويصرفون؟ وأي نار يقتحمون؟ ذلك بأنهم بآيات الله لا يوقنون " (١) أ. هـ.
فالواجب على كل مؤمن الإيمان بأن الله ﷾ سيخرج للناس دابة مخالفة لما يعتاده الناس تكلمهم وتختم على الكافر بالكفر وعلى المؤمن بالإيمان، وهذا من الإيمان بالغيب الذي مدح الله به المؤمنين.
يقول العلامة عبد الرحمن بن سعدي - ﵀ -: " وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة، كما تكاثرت بذلك الأحاديث ولم يذكر الله ورسوله كيفية هذه الدابة، وإنما ذكر أثرها والمقصود منها، وأنها من آيات الله تكلم الناس كلاما خارقا للعادة حين يقع القول على الناس، وحين يمترون بآيات الله فتكون حجة وبرهانا للمؤمنين وحجة على المعاندين " (٢) .
[المسألة الثالثة مكان خروج الدابة]
المسألة الثالثة: مكان خروج الدابة اختلف العلماء في مكان خروج الدابة إلى عدة أقوال:
القول الأول: أنها تخرج من جبل الصفا أو من المسجد الحرام بمكة المكرمة.
قال القرطبي: " واختلف من أي موضع تخرج، فقال عبد الله بن عمر: تخرج من جبل الصفا بمكة، يتصدع فتخرج منه، وقال عبد الله بن عمرو نحوه، قال:
_________________
(١) انظر: مسند الإمام أحمد بتحقيق الأستاذ أحمد محمد شاكر (١٥ / ٨٢) .
(٢) تفسير ابن سعدي (٥ / ٦٠٣) .
[ ١٥٤ ]
لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت " (١) .
ومما يدل على خروجها من أعظم المساجد، ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن حذيفة بن أسيد - أراه رفعه - قال: «تخرج الدابة من أعظم المساجد، فبينا هم إذ دبت الأرض فبينا هم كذلك إذ تصدعت» . قال ابن عيينة (٢) تخرج حين يسوي الإمام الجمع، وإنما جعل سابقا ليخبر الناس أن الدابة لم تخرج (٣) .
قال محمد صديق حسن خان: وهو المشهور (٤) .
القول الثاني: أن لها خرجات، الأولى من أقصى البادية، ثم تختفي، ثم تخرج من بعض أودية تهامة، ويصدق عليها أنه من وراء مكة، وفي المرة الأخيرة تخرج من مكة. وهذا القول الأخير هو الذي يجمع بين الأقوال في خروجها.
يقول السخاوي - ﵀ - " وتخرج كما في بعض المرفوعات أو الموقوفات ثلاث خرجات من الدهر، فمرة من أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية، يعني مكة، ثم تكمن زمانا طويلا ثم تخرج مرة أخرى دون تلك فيعلو ذكرها في أهل البادية ويدخل ذكرها القرية، يعني مكة، " (٥) .
ويقول محمد صديق حسن خان بعد ذكره للأقوال في خروج الدابة: ويجمع بين هذه الأقوال بما جاء في الأحاديث المرفوعة والموقوفة كما قال السخاوي وغيره من أنها تخرج ثلاث خرجات (٦) ثم ذكر كلام السخاوي السابق.
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٣ / ٢٦٣) .
(٢) هو سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي، أبو محمد، محدث الحرم المكي، ولد سنة ١٠٧ هـ، وكان حافظا ثقة ثبتا إماما، قيل: حج سبعين سنة، توفي سنة ١٩٨هـ. تذكرة الحفاظ (١ / ٢٤٢) .
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢ / ١٧٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٨ / ٨): رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.
(٤) الإذاعة (١٣٩) .
(٥) القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة للسخاوي ص (٤٠) .
(٦) الإذاعة (١٣٩) .
[ ١٥٥ ]
[المسألة الرابعة عمل الدابة]
المسألة الرابعة: عمل الدابة عمل هذه الدابة كما جاءت به الأحاديث أنها تسم الناس المؤمن والكافر، حتى إنه جاء في بعض الروايات: فتلقى المؤمن فتسمه في وجهه، ويشترك الناس في الأقوال ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن الكافر وبالعكس.
قال ابن كثير: وعن ابن عباس: تكلمهم، تجرحهم، يعني تكتب على جبين الكافر كافر، وعلى جبين المؤمن مؤمن، ومنه تخاطبهم، وتخرجهم، وهذا القول ينتظم من مذهبين وهو قوي حسن جامع، والله تعالى أعلم (١) .
ويتلخص عمل الدابة في الأمور التالية:
١ - أنها دابة تكلم الناس.
٢ - أنها تسم المؤمن بعلامة وتجلو وجهه حتى ينير.
٣ - أنها تسم الكافر بعلامة قيل: هي خطم الأنف.
قال ابن الأثير: يعني تصيبه فتجعل له أثرا مثل أثر الخطام (٢) .
_________________
(١) النهاية في الفتن والملاحم (١ / ٢٠٨) .
(٢) النهاية في غريب الحديث (٢ / ٥٠)، وانظر المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (١ / ٤٢٦، ٤٢٧) .
[ ١٥٦ ]
[المطلب السابع الدخان الذي يكون في آخر الزمان]
[المسألة الأولى الأدلة من الكتاب والسنة]
المطلب السابع: الدخان الذي يكون في آخر الزمان من علامات الساعة وأشراطها العظمى ظهور دخان قبل قيام الساعة. والكلام على هذه العلامة يتضمن المسائل التالية:
المسألة الأولى: الأدلة من الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ - يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ - أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٣] (١) .
أما الأدلة من السنة على هذا الأمر فهي كثيرة:
منها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري المتقدم، قال: «اطلع علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر الساعة فقال: " ما تذاكرون "؟ قلنا: نذكر الساعة، قال: " إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آَيات فذكر الدخان والدجال والدابة. . .» الحديث (٢) .
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال. . .» الحديث (٣) .
ومنها قوله ﷺ: «إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية: الدابة، والثالثة: الدجال» (٤) .
[المسألة الثانية اختلاف العلماء حول المراد بالدخان ومتى يحدث]
_________________
(١) سورة الدخان، الآيات: ١٠ - ١٣.
(٢) تقدم تخريجه ص ١٤٨.
(٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٦٧) .
(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره عن أبي مالك الأشعري (١٥ / ١١٤) وذكره ابن كثير في تفسيره (٤ / ١٣٨) وقال: رواه ابن جرير الطبري وإسناده جيد، وذكر ابن حجر رواية الطبري عن أبي مالك وابن عمر وقال: (إسنادهما ضعيف أيضا، لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلا) . فتح الباري (٨ / ٤٣٦) .
[ ١٥٧ ]
لقد اختلف العلماء - ﵏ - في المراد بالدخان الوارد في الآية والأحاديث المتقدمة على قولين:
١ - فذهب بعضهم إلى أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي ﷺ حين لم يستجيبوا له، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان، وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن مسعود ﵁ وتبعه جماعة من السلف ورجحه ابن جرير الطبري ﵀ (١) .
وقد استدل هؤلاء بما جاء في حديث مسروق بن الأجدع (٢) - ﵀ - قال: «كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصا يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام " فقال عبد الله، وجلس وهو غضبان: " يا أيها الناس اتقوا الله، من علم منكم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله ﷿ قال لنبيه ﷺ: " قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ " (٣) إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارا قال لهم: " اللهم سبع كسبع يوسف " (٤) قال: فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوعِ، وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان» (٥) . وقال ابن مسعود أيضا: «خمس قد مضين:
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢٥ / ١١٣، ١١٤)، وتفسير البغوي (٤ / ١٤٩ - ١٥٠)، وتفسير القرطبي (١٦ / ١٣١)، وتفسير ابن كثير (٤ / ١٢٤ - ١٢٥) .
(٢) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمذاني، الوادعي، الكوفي، من كبار أئمة التابعين وفقهائهم، ثقة عابد، أخرى له الستة، توفي سنة ٦٣ هـ. سير أعلام النبلاء (٤ / ٦٣)، تهذيب التهذيب (ص ١٠ / ١٠٩) .
(٣) سورة ص، الآية: ٨٦.
(٤) هذا دعاء من النبي ﷺ على كفار مكة بأن يبعث الله عليهم سجع سنين مجدبة كالتي في زمن يوسف ﵇ التي ذكرها الله ﷾ في القرآن.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير (٦ / ٤٠)، ومسلم في صحيحه: كتاب صفات المنافقات: (٤ / ٢١٥٦) .
[ ١٥٨ ]
اللزام (١) والروم (٢) والبطشة (٣) والقمر (٤) والدخان» (٥) .
٢ - وذهب كثير من العلماء سلفا وخلفا إلى أن الدخان هو من الآيات المنتظرة التي لم تأت بعد، وسيقع قرب يوم القيامة، وإلى هذا ذهب علي بن أبي طالب وابن عباس وأبو سعيد الخدري ﵃ وغيرهم، وكثير من التابعين.
وقد رجح الحافظ ابن كثير - ﵀ - هذا، مستدلا بالأحاديث التي سبق ذكرها عند الاستدلال على هذه الآية (آية الدخان)، وبغيرها من الأحاديث، وأيضا بما أخرجه ابن جرير وغيره عن عبد الله بن أبي مليكة (٦) قال: غدوت على ابن عباس - ﵄ - ذات يوم فقال: " ما نمت البارحة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت " (٧) .
قال ابن كثير - ﵀ - بعد ذكره لهذا الأثر: " وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ﵄ حبر وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين ﵃ مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها
_________________
(١) اللزام: هو ما جاء في قوله تعالى: " فقد كذبتم فسوف يكون لزاما " سورة الفرقان، الآية ٧٧. أي يكون عذابا لازما نتيجة تكذيبهم، وهو ما وقع لكفار قريش في بدر من القتل والأسر. انظر: تفسير البغوي (٣ / ٣٨٠)، وتفسير ابن كثير (٣ / ٣٣٠)، وشرح صحيح مسلم للنووي: (١٧ / ١٤٣) .
(٢) إشارة إلى قوله تعالى: " الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ " سورة الروم، الآيات (١ - ٣) .
(٣) إشارة إلى قوله تعالى: " يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ " سورة الدخان، الآية: ١٦.
(٤) إشارة إلى قوله تعالى: " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ " سورة القمر، الآية: ١.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير، (٦ / ٤١)، ومسلم في صحيحه: كتاب صفات المنافقين (٤ / ٢١٥٧) .
(٦) هو الإمام الجليل أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، أحد تلامذة ابن عباس - ﵄ - كان قاضيا ومؤذنا لعبد الله بن الزبير، وكان ثقة فاضلا كثير الحديث، روى عن العبادلة الأربعة وأدرك ثلاثين من الصحابة، توفي سنة ١١٧هـ. انظر: مشاهير علماء الأمصار (٨٢)، وسير أعلام النبلاء (٥ / ٨٨) .
(٧) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥ / ١١٣)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤ / ١٢٥) .
[ ١٥٩ ]
التي أوردوها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن، قال الله ﵎: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] أي بين واضح، يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود ﵁ إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان: ١١] وقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا " (١) .
٣ - وقد ذهب بعض العلماء (٢) إلى الجمع بين هذه الآثار بأن قالوا هما دخانان ظهر أحدهما وبقي الآخر الذي سيقع في آخر الزمان، فأما الآية الأولى التي ظهرت فهي ما كانت قريش تراه كهيئة الدخان، وهذا الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من أشراط الساعة.
قال القرطبي - ﵀ -: قال مجاهد: كان ابن مسعود يقول: " هما دخانان قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض ولا يجد المؤمن إلا كالزكمة، وأما الكافر فتثقب مسامعه " (٣) .
وقال الإمام ابن جرير الطبري - ﵀ -: " وبعد فإنه غير منكر أن يكون أحل بالكفار الذين توعدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون محلا فيما يستأنف بعد بآخرين دخانا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رويا عن رسول الله ﷺ صحيح " (٤) .
وقال النووي رحمه الله تعالى: ويحتمل أنهما دخانان للجمع بين هذه الآثار " (٥) .
ولا شك أن الجمع هو أفضل الطرق ولا منافاة بين الرأيين حينئذ - والله تعالى أعلم، ورد العلْم إليه أسلم.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤ / ١٢٥ - ١٤٠)، وانظر: النهاية في الفتن والملاحم له (١ / ١٧٢) بتحقيق د / طه زيني.
(٢) انظر: التذكرة القرطبي (٦٥٥)، وشرح صحيح مسلم (١٨ / ٢٧) .
(٣) التذكرة (٦٥٥) .
(٤) تفسير الطبري (٢٥ / ١١٤ - ١١٥) .
(٥) شرح صحيح مسلم للنووي (١٨ / ٢٨) .
[ ١٦٠ ]
[المطلب الثامن الخسوفات الثلاثة]
المطلب الثامن: الخسوفات الثلاثة من العلامات الكبرى التي أخبر الرسول ﷺ بحدوثها في آخر الزمان الخسوفات الثلاثة، وقد دلت على هذا حديث حذيفة بن أسيد ﵁ - وقد سبق ذكره - وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، وذكر منها ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب» (١) .
ومنها حديث أم سلمة - ﵂ - قالت: سمعت رسول ﷺ يقول: «سيكون بعدي خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب "، قلت: يا رسول الله أيخسف بالأرض وفيها الصالحون؟ قال لها رسول الله ﷺ: " إذا أكثر أهلها الخبث» (٢) .
فهذه الخسوفات الثلاثة من الأشراط الكبرى التي لا تظهر إلا في آخر الزمان، وهي غير الخسوفات التي وقعت في الماضي وفي أماكن متعددة؛ لأن هذه من أشراط الساعة الصغرى، أما هذه الخسوفات الثلاثة فهي خسوفات عظيمة.
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: " وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرا زائدا على ما وجد، كأن يكون أعظم منه مكانا أو قدرا " (٣) .
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٤٨.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٤ / ٧٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨ / ١١): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حكيم بن نافع، وثقه ابن معين وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات.
(٣) فتح الباري (١٣ / ٨٤) .
[ ١٦١ ]
[المطلب التاسع النار التي تحشر الناس]
[المسألة الأولى الأدلة على خروجها]
المطلب التاسع: النار التي تحشر الناس آخر الآيات الكبرى والعلامات العظمى لأشراط الساعة وأول الآيات المؤذنة بقيام القيامة خروج نار تحشر الناس إلى محشرهم، والكلام عليها في عدة مسائل:
المسألة الأولى: الأدلة على خروجها جاءت الروايات بأن خروج هذه النار يكون من اليمن من قعرة عدن، وجاءت روايات أخرى بأنها تخرج من بحر حضرموت، ومن الأحاديث التي تبين ذلك:
١ - حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط الساعة وآخره قوله ﷺ: «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم»، وفي رواية: «نار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس» (١) .
٢ - حديث ابن عمر ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: «ستخرج نار من حضرموت أو من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس» (٢) .
٣ - حديث أنس ﵁: «أن عبد الله بن سلام لما أسلم سأل النبي ﷺ عن مسائل ومنها: ما أول أشراط الساعة؟ فقال النبي ﷺ: " أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب» (٣) .
[المسألة الثانية الجمع بين الأحاديث الواردة في مكانها]
المسألة الثانية: الجمع بين الأحاديث الواردة في مكانها الجمع بين ما جاء أن هذه النار هي آخر أشراط الساعة الكبرى وما جاء أنها أول أشراطها بأن يقال: إن آخريتها باعتبار ما ذكر معها من الآيات الواردة معها في حديث حذيفة، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٢٥، ٢٢٢٦) .
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٧ / ١٣٣) برقم (٥١٤٦) بتحقيق أحمد شاكر، وقال عنه: إسناده صحيح. والترمذي: كتاب الفتن (٤ / ٤٣١)، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وقد صححه الألباني. انظر: صحيح الجامع (٣ / ٢٠٣) .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء (٦ / ٤١٧ - ٤١٨) .
[ ١٦٣ ]
أمور الدنيا أصلا، بل يقع بانتهاء هذه الآيات النفخ في الصور بخلاف ما ذكر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة، فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا (١) .
أما ما جاء في بعض الروايات بأن خروجها يكون من اليمن، وفي بعضها الآخر أنها تحشر الناس من المشرق إلى المغرب فيجاب عن ذلك بأجوبة:
١ - أنه يمكن الجمع بين هذه الروايات بأن كون النار تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها، والمراد بقوله ﷺ: «تحشر الناس من المشرق إلى المغرب» إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب.
٢ - أن النار عندما تنتشر يكون حشرها لأهل المشرق أولا، ويؤيد ذلك أن ابتداء الفتن دائما من المشرق، وأما جعل الغاية المغرب فلأن الشام بالنسبة إلى أهل المشرق مغرب.
٣ - يحتمل أن تكون النار المذكورة في حديث أنس كناية عن الفتن المنتشرة التي أثارت الشر العظيم والتهبت كما تلتهب النار، وكان ابتداؤها من قبل المشرق حتى خرب معظمه وانحشر الناس من جهة المشرق إلى الشام ومصر وهما من جهة الغرب، كما شوهد ذلك مرارا في عهد التتر والمغول وغيرهم، وأما النار التي في حديثي حذيفة بن أسيد وابن عمر فهي نار حقيقية، والله أعلم (٢) .
[المسألة الثالثة مكان الحشر]
المسألة الثالثة: مكان الحشر المكان الذي يكون الحشر إليه في آخر الزمان هو الشام كما صحت بذلك الأحاديث الكثيرة منها:
١ - حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١٣ / ٨٦) .
(٢) انظر: فتح الباري (١٣ / ٨٦) .
[ ١٦٤ ]
يقول: «إنكم محشورون رجالا وركبانا، وتجرون على وجوهكم ها هنا، وأومأ بيده إلى الشام» (١) .
٢ - حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الشام أرض المحشر والمنشر» (٢) إلى غير ذلك من الأحاديث.
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: " وفي تفسير ابن عيينة عن ابن عباس ﵄: «من شك أن المحشر ههنا، يعني الشام، فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول الله ﷺ: " يومئذ اخرجوا "، قالوا: إلى أين؟ قال: " إلى أرض المحشر» (٣) .
والسبب في كون الشام هي أرض المحشر أن الأمن والإيمان حين تقع الفتن في آخر الزمان يكون بالشام، وقد دعا النبي ﷺ للشام بالبركة فقال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا» (٤) .
وقد وردت أحاديث كثيرة في فضائل الشام والترغيب في سكنها لا مجال لذكرها هنا (٥) وقد تقدم أن نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان يكون بالشام وبه يكون اجتماع المؤمنين لقتال الدجال، وهناك يقتله المسيح ﵇ بباب لد، هذا بالإضافة إلى أن أرض الشام مهبط الأنبياء ومسرى رسول الله ﷺ.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥ / ٣)، والترمذي في كتاب صفة القيامة (٤ / ٥٣٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦ / ٤٦٣)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة (١ / ٤٥٠)، وأخرجه الربعي في فضائل الشام (٤)، وصححه الألباني في تخريجه له.
(٣) فتح الباري (١١ / ٣٨٠)، وانظر تفسير ابن كثير (٤ / ٣٣٠) .
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن: (٨ / ٩٥) .
(٥) للحافظ الربعي كتاب قيم بهذا الشأن سماه (فصائل الشام) جمع فيه الأحاديث الواردة في فضل الشام، وقد شرحه العلامة القاسمي، وطبع بتحقيق وتخريج العلامة الشيخ الألباني بالمكتب الإسلامي فليراجع.
[ ١٦٥ ]
[المسألة الرابعة زمان الحشر]
المسألة الرابعة: زمان الحشر وأما عن زمن الحشر: فقد اختلف أهل العلم فيه، فذهب بعض العلماء كالبيهقي والغزالي (١) وغيرهما إلى أن هذا الحشر ليس في الدنيا وإنما هو في الآخرة عند الخروج من القبور (٢) .
وذهب جماهير العلماء (٣) إلى أن هذا الحشر يكون في الدنيا قبل قيام الساعة حيث يحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف فهو على خلاف الصورة الواردة في حشر الناس إلى الشام حيث جاء في وصف حشر الدنيا ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا» (٤) إلى غير ذلك من الأحاديث التي تدل على أن المراد به حشر الموجودين في آخر الدنيا من أقطار الأرض إلى محلة المحشر بأرض الشام، وقد ورد في هذا الحديث وغيره الركوب والأكل والنوم وإماتة النار من يتخلف، ولو كان هذا بعد نفخة البعث لم يبق موت ولا ظهر يركب ويشترى ولا أكل ولا لبس في عرصات القيامة، وأيضا: فإن حشر الآخرة قد جاءت به الأحاديث تبين بأن الناس مؤمنهم وكافرهم يحشرون حفاة عراة لا عاهات فيهم، ففي الصحيح عن ابن عباس
_________________
(١) هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، فيلسوف متصوف، له كتب كثيرة في الفقه والأصول والتفسير وغيرها، ومنها: المستصفي، الاقتصاد في الاعتقاد، توفي سنة ٥٠٥ هـ. العبر (٢ / ٣٨٧)، شذرات الذهب (٤ / ١٠) .
(٢) انظر: المنهاج في شعب الإيمان (١ / ٤٤٢) وفتح الباري (١١ / ٣٨٧) .
(٣) شرح مسلم للنووي (١٧ / ١٩٤ - ١٩٥) وفتح الباري (١١ / ٣٨٧) .
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق (٧ / ١٩٤)، مسلم في صحيحه: كتاب الجنة وصفة نعيمها (٤ / ٢١٩٤) .
[ ١٦٦ ]
﵄ قال: «قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا بموعظة فقال: " يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا (١) ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] (٢) ألا وأن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇» (٣) . فمن أين للذين يبعثون بعد الموت حفاة عراة حدائق يدفعونها في الشوارف، أو أبعرة يركبها من يساق من الموقف إلى الجنة، إن هذا في غاية البعد (٤) .
وبهذا يتبين أن الحشر الوارد في الأحاديث السابقة إنما يكون في الدنيا قبل يوم القيامة، أما حشر يوم القيامة فقد بينه حديث ابن عباس السابق، فمن ذهب إلى خلاف ذلك فقد أخطأ وجانب الحق والصواب - والله أعلم.
قال الحافظ ابن رجب - ﵀ -: " فأما شرار الخلق فتخرج نار في آخر الزمان تسوقهم إلى الشام قهرا حتى تجمع الناس كلهم بالشام قبل قيام الساعة " (٥) .
وقد سبق التنبيه إلى أن هذه النار غير النار التي خرجت في المدينة والتي تعد من الأشراط الصغرى، والله أعلم.
_________________
(١) جمع أغرل، وهو من بقيت غرلته، وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر: النهاية في غريب الحديث (٣ / ٣٦٢) .
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق (٧ / ١٩٤)، ومسلم في صحيحه: كناب الجنة وصفة نعيمها (٤ / ٢١٩٤) .
(٤) انظر: النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (١ / ٢٣٠ - ٢٣١)، وفتح الباري لابن حجر (١١ / ٣٨٤) .
(٥) لطائف المعارف لابن رجب (٩٠) .
[ ١٦٧ ]