- تمهيد.
- الفصل الأوّل: المهدي.
- الفصل الثّاني: المسيح الدَّجَّال.
- الفصل الثّالث: نزول عيسى -﵇-.
- الفصل الرّابع: يأجوج ومأجوج.
- الفصل الخامس: الخسوفات الثّلاثة.
- الفصل السّادس: الدُّخان.
- الفصل السابع: طلوع الشّمس من مغربها.
- الفصل الثّامن: الدَّابَّة.
- الفصل التّاسع: النّار الّتي تحشر النَّاس.
[ ٢٣٧ ]
تمهيد
أوَّلًا: ترتيب أشراط السّاعة الكبرى:
لم أجد نصًّا صريحًا يُبَيِّنُ ترتيب أشراط السّاعة الكبرى حسب وقوعها، وإنّما جاء ذكرها في الأحاديث مجتمعة بدون ترتيب، إذ كان ترتيبها في الذكر لا يقتضي ترتيبها في الوقوع، فقد جاء العطف فيها بالواو، وذلك لا يقتضي التّرتيب.
ومن النصوص ما خالف ترتيبها فيه ترتيبها في نصّ آخر.
ولكي يتبيَّن هذا، فسأذكر نماذج من ذلك بذكر بعض الأحاديث الّتي تعرَّضت لذكر الأشراط الكبرى جملة أو ذكر بعضها:
١ - روى الإِمام مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: اطَّلع النبيُّ - ﷺ - علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون"؟ قالوا: نذكر السّاعة. قال: "إنها لن تقومَ حتّى ترونَ قبلها عشر آيات"، فذكر: الدُّخان، والدَّجَّال، والدَّابَّة، وطلوع الشّمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم - ﷺ -، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسفٌ
[ ٢٣٩ ]
بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن تطرد
النَّاس إلى محشرهم" (^١).
وروى مسلمٌ هذا الحديث عن حُذيفة بن أسيد بلفظ آخر، وهو: "إن السّاعة لا تكون حتّى تكون عشر آيات: خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، والدُّخان، والدَّجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشّمس من مغربها، ونارٌ تخرج من قعرة عدن ترحل النَّاس".
وفي رواية: "والعاشرة: نزول عيسى بن مريم" (^٢).
فهذا حديث واحدٌ عن صحابيٍّ واحد جاء بلفظين مختلفين في ترتيب الأشراط.
٢ - وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "بادِرُوا بالأعمال ستًّا: طلوع الشّمس من مغربها، أو الدُّخان، أو الدَّجال، أو الدَّابَّة، أو خاصّة أحدكم، أو أمر العامَّة" (^٣).
وروى مسلمٌ هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ آخر: "بادروا بالأعمال ستًّا: الدَّجَّال، والدُّخان، ودابَّة الأرض، وطلوع الشّمس من مغربها، وأمر العامة، وخويضَّةُ أحدكم" (^٤).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٨ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، (١٨/ ٢٨ - ٢٩ - مع شرح النووي).
(٣) و(^٤) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في بقية من أحاديث الدجال، (١٨/ ٨٧ - مع شرح النووي).
[ ٢٤٠ ]
وهذا أيضًا حديث واحد عن صحابيٍّ واحد جاء بلفظين مختلفين في ترتيب بعض الأشراط وفي أداة العطف، حيث جاء مرّة بـ (أو) والأخرى بـ (الواو)، وهما لا يدلُّاَّن على التّرتيب.
والذي يمكن معرفته هو ترتيب بعض الأشراط من خلال حدوث بعضها إثر بعض؛ كما ورد في بعض الروايات؛ مثل ما جاء في حديث النواس بن سمعان ﵁؛ كما سيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، فقد ذكر فيه بعض الآيات مرتبةً؛ حسب وقوعها؛ فإنّه ذكر أوَّلًا خروج الدَّجَّال على النَّاس، ثمّ نزول عيسى -﵇- لقتله، ثمّ خروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى -﵇-، وذكر دعاءه عليهم بالهلاك.
وكذلك جاء في بعض الروايات أن أول الآيات كذا، وفي بعضها آخر الآيات كذا، ومع هذا؛ فإن هناك اختلافًا في هذه الأوَّليَّة بين العلماء، ولهذا الاختلاف موجود من عصر الصّحابة ﵃، فقد روى الإِمام أحمد ومسلم عن أبي زرعة (^١)؛ قال: جلس إلى مروان بن الحكم بالمدينة ثلاثة نفر من المسلمين، فسمعوه وهو يحدِّث عن الآيات أن أوَّلها خروجًا الدَّجَّال، فقال عبد الله بن عمر: لم يقل مروان شيئًا، قد حفظتُ من رسول الله - ﷺ - حديثًا لم أنسه بعدُ، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "إن أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشّمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة على النَّاس
_________________
(١) قيل: اسمه هرم. وقيل: عبد الله. وقيل: عبد الرّحمن بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي من علماء التابعين، رأى عليًّا، وروى عن أبي هريرة ومعاوية وعبد الله بن عمرو بن العاص. انظر: "تهذيب التهذيب" (١٢/ ٩٩).
[ ٢٤١ ]
ضحىً، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبًا".
هذا لفظ مسلم.
وزاد الإِمام أحمد في روايته: "قال عبد الله - وكان يقرأُ الكتب -: وأظنُّ أولاها خروجًا طلوع الشّمس من مغربها" (^١).
نعم؛ جمع الحافظ ابن حجر بين أوَّليَّة الدَّجال وأوَّلية طلوع الشّمس من مغربها، فقال: "الّذي يترجَّحُ من مجموع الأخبار أن خروج الدَّجَّال أول الآيات العظام المؤذِنَة بتغير الأحوال العامَّة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى -﵇-، وأن طلوع الشّمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذِنة بتغيُّر أحوال العالم العلّوي، وينتهي ذلك بقيام السّاعة، ولعلّ خروج الدَّابَّة يقع في ذلك اليوم الّذي تطلع فيه الشّمس من المغرب".
ثمّ قال: "والحكمة في ذلك أنّه عند طلوع الشّمس من المغرب يُغْلَق باب التوبة، فتخرج الدَّابَّة؛ تُمَيِّزُ المؤمّن من الكافر؛ تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة، وأول الآيات المؤذِنَة بقيام السّاعة النّار الّتي تحشُرَ النَّاس" (^٢).
ويرى الحافظ ابن كثير أن خروج الدَّابَّة هو أول الآيات الأرضية الّتي
_________________
(١) "مسند أحمد" (١١/ ١١٠ - ١١١) (ح٦٨٨١)، تحقيق احمد شاكر، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: ذكر الدَّجال، (١٨/ ٧٧ - ٧٨ - مع شرح النووي).
(٢) "فتح الباريَ" (١١/ ٣٥٣).
[ ٢٤٢ ]
ليست بمألوفة؛ فإن الدَّابَّة الّتي تكلِّم النَّاس وتعيِّن المؤمّن من الكافر أمرٌ مخالفٌ للعادة المستقرَّة.
وأمّا طلوع الشّمس من مغربها، فهو أمرٌ باهرٌ جدًّا، وذلك أول الآيات السماوية.
أمّا ظهور الدَّجَّال ونزول عيسى بن مريم -﵇- من السَّماء، وخروج يأجوج ومأجوج؛ فإنهم وإن كان ظهورهم قبل طلوع الشّمس من مغربها، وقبل ظهور الدَّابَّة؛ إِلَّا أنّهم بشرٌ، مشاهدتُهم وأمثالهم من الأمور المألوفة؛ بخلاف ظهور الدَّابة وطلوع الشّمس من مغربها، فهو ليس من الأمور المألوفة (^١).
والذي يظهر أن المعوَّل عليه ما ذهب إليه ابن حجر؛ فإن خروج الدَّجَّال من حيث كونه بشرًا ليس هو الآية، وإنّما الآية خروجه في حالته الّتي هو عليها من حيث كونه بشرًا، ومع ذلك يأمر السَّماء أن تُمْطِرَ، فتمطر، الأرض أن تُنْبتَ، فتنبت، ويكون معه كذا وكذا ممّا ليس مألوفًا؛ كما سيأتي في الكلام عَلى الدَّجَّال.
فالدَّجَّال في الحقيقة هو أول الآيات الأرضية الّتي ليست بمألوفة.
وقال الطيبي (^٢):
_________________
(١) انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٦٤ - ١٦٨)، تحقيق د. طه زيني.
(٢) هو شرف الدين الحسن بن محمّد بن عبد الله الطيبي، من علماء الحديث والتفسير والبيان، وله عدة مصنفات؛ منها: "شرح مشكاة المصابيح"، و"شرح الكشاف"، و"الخلاصة في أصول الحديث"، وغيرها. =
[ ٢٤٣ ]
"الآيات أماراتٌ للساعة، إمّا على قربها، وإما على حصولها، فمن الأوّل: الدَّجَّال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف. ومن الثّاني: الدُّخان، وطلوع الشّمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة، والنار الّتي تحشر النَّاس" (^١).
وهذا ترتيبٌ بين جملة من الآيات وجملة أخرى منها؛ دون تعرُّض لترتيب ما اندرج تحت هاتين الجملتين، مع أنّه يظهر لي أن الطيبي يرى ترتيب الآيات حسب ما ذكره في كلّ قسم؛ فإن هذا التقسيم - الّذي ذهب إليه - تقسيمٌ حسنٌ ودقيقٌ؛ فإنّه إذا خرج القسم الأوّل الدَّالُّ على قرب السّاعة قربًا شديدًا؛ كان فيه إيقاظٌ للناس، ليتوبوا ويرجعوا إلى ربهم، ولم يكن هنالك تمييزٌ بين المؤمّن والكافر، وهذه العلّامات الّتي ذكرها في القسم الأوّل سبق أن ذكرتُ أنّه جاء ترتيبها حسب وقوعها، وأضاف إليها الخسوفات، وذلك مناسب لها.
وأمّا إذا ظهر القسم الثّاني - الدَّالُّ على حصول السّاعة - فإن النَّاس يتميَّزون إلى مؤمن وكافر؛ كما سيأتي أنّه عند ظهور الدُّخان يصيب المؤمّن كهيئة الزُّكام، والكافر ينتفخ من ذلك الدُّخان، ثمّ تطلع الشّمس من
_________________
(١) = قال فيه الحافظ ابن حجر: "كان آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن، مقبلًا على نشر العلم، حسن المعتقد" اهـ. توفي ﵀ سنة (٧٤٣ هـ). انظر ترجمته في "شذرات الذهب" (٦/ ١٣٧ - ١٣٨)، و"كشف الظنون" (١/ ٧٢٠)، و"الأعلام" (٢/ ٢٥٦) للزركلي.
(٢) "فتح الباري" (١١/ ٣٥٢ - ٣٥٣).
[ ٢٤٤ ]
مغربها، فيقفل باب التوبة، فلا ينفع الكافر إيمانه، ولا التائب توبته، ثمّ تظهر بعد ذلك الدَّابَّة، فتميِّز بين النَّاس، فيُعْرَف الكافر من المؤمّن؛ لأنّها تسم المؤمّن وتخطم الكافر؛ كما سيأتي ذكر ذلك، ثمّ يكون آخر ذلك ظهور النّار الّتي تحشر النَّاس.
وقد جريتُ في ذكرى لأشراط السّاعة الكبرى على لهذا التّرتيب الّذي ذكره الطيبي؛ لأنّه - في نظري - أقرب إلى الصواب، والله أعلم.
وقبل ذكري لهذه العلّامات العشر الكبرى تحدثتُ عن المهدي؛ لأنّ ظهوره يكون سابقًا لهذه العلّامات، فهو الّذي يجتمع عليه المؤمنون لقتال الدَّجَّال، ثمّ ينزل عيسى -﵇-، ويصلّي خلفه؛ كما سيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
* ثانيًا: تتابع ظهور الأشراط الكبرى:
إذا ظهر أول علامات السّاعة الكبرى، تتابعت الآيات كتتابع الخرز في النظام، يتبع بعضها بعضًا.
روى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "خروج الآيات بعضها على إثر بعض، يتتابعْنَ كما تتابع الخرز في النظام (^١) " (^٢).
_________________
(١) (النظام): العقد من الجوهر والخرز ونحوهما. و(سلكه): خيطه. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٥/ ٧٩)، و"جامع الأصول" (١٠/ ٤١١).
(٢) قال الهيثمي: "رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصّحيح؛ غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وداود الزهراني، وكلاهما ثقة". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٣١). =
[ ٢٤٥ ]
وروى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الآيات خرزات منظومات في سلك، فإن يُقْطَعِ السلك؛ يتبعْ بعضها بعضًا" (^١).
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن المراد بهذه الآيات هي علامات الساعةِ الكبرى؛ فإن ظاهر لهذه الأحاديث يدلُّ على تقارب ظهورها تقاربًا شديدًا.
ويؤيِّد ذلك ما سبق ذكره في الكلام على ترتيب أشراط السّاعة الكبرى؛ من أن بعض الأحاديث ذكرت أن بعض لهذه العلّامات تظهر في زمن متقارب؛ فإن أول العلّامات الكبرى بعد المهدي ظهور الدَّجَّال، ثمّ نزول عيسى -﵇- لقتله، ثمّ ظهور يأجوج ومأجوج، ودعاء عيسى -﵇- عليهم، فيهلكهم الله، ثمّ قال عيسى -﵇-: "ففيما عهد إليَّ ربي -﷿- أن ذلك إذا كان كذلك؛ فإن السّاعة كالحامل المُتِمِّ الّتي لا يدري أهلُها متى تفجؤهُم بولادها ليلًا أو نهارًا" (^٢).
وهذا دليلٌ على قرب السّاعة قربًا شديدًا؛ فإن بين موت عيسى عليه
_________________
(١) = وقال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٣/ ١١٠) (ح ٣٢٢٢).
(٢) "مسند أحمد" (١٢/ ٦ - ٧) (ح ٧٠٤٠)، شرح أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". وقال الهيثمي: "رواه أحمد، وفيه علي بن زيد، وهو حسن الحديث". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢١).
(٣) "مسند الإِمام أحمد" من حديث ابن مسعود ﵁ (٥/ ١٨٩ - ١٩٠) (ح ٣٥٥٦)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
[ ٢٤٦ ]
السّلام وقيام السّاعة شيء من العلّامات الكبرى؛ كطلوع الشّمس من مغربها، وظهور الدَّابَّة، والدُّخان، وخروج النّار الّتي تحشر النَّاس، فهذه العلّامات تقع في وقت قصير جدًّا قبل قيام السّاعة؛ مثلها كمثل العقد الّذي انفرط نظامه، والله أعلم.
وقد وجدتُ ما يؤَيدُ ما ذكرتُه، فقد قال الحافظ ابن حجر: "وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك، إذا انقطع؛ تناثر الخرز بسرعة، وهو عند أحمد" (^١).
* * * * *
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ٧٧).
[ ٢٤٧ ]
الفصل الأوّل: المَهْدِي
في آخر الزّمان يخرج رجلٌ من أهل البيت يؤيَد الله به الدين، يملك سبع سنين، يملأ الأرض عدلًا كما مُلِئت جورًا وظلمًا، تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعَمْها قطُ؛ تُخْرِجُ الأرض نباتها، وتُمْطِرُ السَّماء قطرها، ويُعْطى المال بغير عدد.
قال ابن كثير ﵀: "في زمانه تكون الثمار كثيرة، والزُّروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدِّين قائم، والعدوُّ راغم، والخير في أيامه دائم" (^١).
* اسمه وصفته:
وهذا الرَّجل اسمه كاسم رسول الله - ﷺ -، واسم أبيه كاسم أبي النّبيّ - ﷺ -، فيكون اسمه محمّد - أو أحمد - بن عبد الله، وهو من ذُرِّيَّة فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، ثمّ من ولد الحسن بن علي ﵃.
قال ابن كثير ﵀ في المهدي: "وهو محمَّد بن عبد الله
_________________
(١) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٣١)، تحقيق د. طه زيني.
[ ٢٤٩ ]
العلّوي الفاطمي الحسني ﵁" (^١).
وصفته الواردة: أنّه أجلى الجبهة (^٢)، أقنى الأنف (^٣).
* مكانُ خروجِه:
يكون ظهور المَهْدي مِن قِبَل المشرق، فقد جاء في الحديث عن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يقتَتِلُ عند كنزكم ثلاثة؛ كلهم ابن خليفة، ثمّ لا يصير إلى واحد منهم، ثمّ تطلع الرايات السود من قِبَل المشرق، فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قومٌ (ثمّ ذكر شيئًا لا أحفظه، فقال:) فإذا رأيتُمو؛ فبايِعوه، ولو حبوًا على الثَّلج؛ فإنّه خليفة الله المهدي" (^٤).
_________________
(١) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٢٩).
(٢) (أجلى الجبهة): الأجلى: الخفيف شعر ما بين النزعتين من الصدغين، والذي انحسر الشعر عن جبهته. انظر: "النهاية في غريب الحديث " (١/ ٢٩٠).
(٣) (أقنى الأنف): القنا في الأنف: طول ورقة أرنبته، مع حدب في وسطه. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ١١٦).
(٤) "سنن ابن ماجه"، كتات الفتن، باب خروج المهدي، (٢/ ١٣٦٧)، و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٦٣ - ٤٦٤)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير: "هذا إسناد قوي صحيح". "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٢٩) تحقيق د. طه زيني. وقال الألباني: "الحديث صحيح المعنى دون قولهّ: "فإن فيها خليفة الله المهدي"؛ فقد أخرجه ابن ماجه من طريق علقمة عن ابن مسعود مرفوعًا نحو رواية عثمان الثّانية، وإسناده حسن، وليس فيه: "خليفة الله"، وهذه الزيادة: "خليفة الله" ليس لها طريق ثابت، =
[ ٢٥٠ ]
قال ابن كثير ﵀: "والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتتل عنده ليأخذوه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتّى يكون آخر الزّمان، فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق، لا من سرداب سامرا؛ كما يزعمه جَهَلة الرافضة من أنّه موجودٌ فيه الآن، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزّمان، فإن هذا نوعٌ من الهَذَيان، وقسط كبيرٌ من الخذلان، شديدٌ من الشيطان، إذ لا دليل على ذلك، ولا برهان؛ لا من كتاب، ولا سنة، ولا معقول صحيح، ولا استحسان".
وقال أيضًا: "ويؤيَّد بناس من أهل المشرق ينصرونه، ويقيمون سلطانه، ويشيدون أركانه، وتكون راياتهم سودّ أيضًا، وهو زيّ عليه الوَقار؛ لأنّ راية رسول الله - ﷺ - كانت سوداء يقال لها: العقاب".
إلى أن قال: "والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزّمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق، ويبايَع له عند البيت؛ كما دلّ على ذلك بعض الأحاديث" (^١).
_________________
(١) = ولا ما يصلح أن يكون شاهدا لها، فهي منكرة ومن نكارتها أنّه لا يجوز في الشّرع أن يقال: خليفة الله. لما فيه من إيهام ما لا يليق بالله تعالى من النقص والعجز". ثمّ نقل عن "الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كلامًا يردُّ فيه على من قال: إن الخليفة هو الخليفة عن الله؛ لأنّ الله تعالى لا يجوز له خليفة، فهو الحي الشهيد المهيمن القيوم الرقيب الحفيظ الغني عن العالمين، وإن الخليفة إنّما يكون عند عدم المستخلف بموت أو غيبة، والله منَّزه عن ذلك. انظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة"، المجلد الأوّل، (ص ١١٩ - ١٢١) (ح ٨٥).
(٢) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٢٩ - ٣٠).
[ ٢٥١ ]
* الأدلَّة من السنَّة على ظهوره:
جاءت الأحاديث الصحيحة الدَّالَّة على ظهور المهدي، وهذه الأحاديث منها ما جاء فيه النَّصُّ على المهدي، ومنها ما جاء فيه ذكر صفته فقط (^١)، وسأذكر هنا بعض هذه الأحاديت، وهي كافية في إثبات ظهوره في آخر الزّمان علامة من علامات السّاعة.
١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "يخرج في آخر أمَّتي المهدي؛ يسقيه الله الغيث، وتُخْرِج الأرض نباتها، ويُعطى المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا أو ثمانيًا
_________________
(١) استقصى الشّيخ عبد العلّيم عبد العظيم في رسالته "الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان "الجرح والتعديل" لنيل درجة الماجستير الكلام على أحاديث المهدي، وذكر مَنْ أخرجها من الأئمة، وذكر أقوال العلماء في إسناد كلّ حديث، والحكم عليه، ثمَّ النتيجة الّتي توصل إليها، فمن أراد التوسع فعليه بهذه الرسالة، فإنها أوسع مرجع في الكلام على أحاديث المهدي؛ كما قال ذلك الشّيخ عبد المحسن العباد في "مجلة الجامعة الإِسلامية" (العدد ٤٥/ ص ٣٢٣). وجملة ما ذكره في هذه الرسالة من الأحاديث المرفوعة وآثار الصّحابة وغيرهم ست وثلاثون وثلاث مئة رواية، منها اثنان وثلاثون حديثًا، واحد عشر أثرًا، ما بين صحيح وحسن، الصريح منها في ذكر المهدي تسعة أحاديث وستة آثار، والباقي فيها أوصاف وقرائن تدل على أنّها في المهدي. وقد صحَّح كثير من الحفاظ أحاديث المهدي، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "منهاج السنة في نقض كلام الشيعة والقدرية" (٤/ ٢١١)، والعلّامة ابن القيم في كتابه "المنار المنيف في الصّحيح والضعيف" (ص ١٤٢ - وما بعدها)، تحقيق الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة، وصححها أيضًا الحافظ ابن كثير في كتابه "النهاية/ الفتن والملاحم". (١/ ٢٤ - ٣٢)، تحقيق د. طه زيني، وغيرهم من العلماء؛ كما سيأتي ذكر ذلك.
[ ٢٥٢ ]
(يعني: حججًا) " (^١).
٢ - وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أُبَشَرُكُم بالمهدي؛ يُبْعَثُ على اختلاف من النَّاس وزلازل، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلِئَت جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكن السَّماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحًا". فقال له رجلًا: ما صحاحًا؟ قال: "بالسوية بين النَّاس".
قال: "ويملأ الله قلوب أمة محمَّدٍ - ﷺ - غنى، ويسعهم عدلُه، حتّى يأمر مناديًا، فينادي، فيقول: مَنْ له في مال حاجة؟ فما يقوم من النَّاس إِلَّا رجلٌ، فيقول: ائتِ السَّدّان -يعني: الخازن-، فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالًا. فيقول له: احثُ، حتّى إذا حجره وأبرزه؛ ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمَّد نفسًا، أوَ عجز عني ما وسعهم؟! ". قال: "فيردُّه، فلا يُقبَلُ منه. فيقال له: إنا لا نأخذ شيئًا أعطيناه، فيكون كلّ لك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثمَّ لا خير في العيش بعده"، أوقال: "ثمَّ لا خير في الحياة بعده" (^٢).
_________________
(١) "مستدرك الحاكم" (٤/ ٥٥٧ - ٥٥٨)، وقال: "هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: "هذا سند صحيح، رجاله ثقات". "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (م ٢/ ص ٣٣٦) (ح ٧١١). وانظر: رسالة عبد العلّيم "أحاديث المهدي في ميزان الجرح والتعديل" (ص ١٢٧ - ١٢٨).
(٢) "مسند الإِمام أحمد" (٣/ ٣٧ - مع منتخب الكنز). قال الهيثمي: "رواه التّرمذيّ وغيره باختصار كثير، ورواه أحمد بأسانيد، وأبو يعلى =
[ ٢٥٣ ]
وفي هذا دليل على أنّه بعد موت المهدي يظهر الشرّ والفتن العظيمة.
٣ - وعن عليٍّ ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة" (^١).
قال ابن كثير: "أي: يتوب عليه، ويوفقه، ويلهمه، ويرشده، بعد أن لم يكن كذلك" (^٢).
٤ - وعن أبي سعيد الخُدري ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "المهدي منِّي أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلِئت ظلمًا وجورًا، يملك سبع سنين" (^٣).
_________________
(١) = باختصار كثير، ورجالهما ثقات". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣١٣ - ٣١٤). وانظر: "عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر" (ص ١٧٧) للشيخ عبد المحسن العباد.
(٢) "مسند أحمد" (٢/ ٥٨) (ح ٦٤٥)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح"، و"سنن ابن ماجه" (٢/ ١٣٦٧). والحديث صححه أيضًا الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ٢٢) (ح ٦٦١١).
(٣) "النهاية في الفتن والملاحم" (١/ ٢٩)، تحقيق د. طه زيني.
(٤) "سنن أبي داود"، كتاب المهدي، (١١/ ٣٧٥) (ح ٤٢٦٥)، و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٥٥٧) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". وقال الذهبي: "عمران (أحد رواة الحديث) ضعيف، لم يخرج له مسلم". وقال المنذري على سند أبي داود: "في إسناده عمران القطان وهو أبو العوام عمران ابن داور القطان البصري. استشهد به البخاريّ، ووثقه عفان بن مسلم، وأحسن عليه الثّناء =
[ ٢٥٤ ]
٥ - وعن أم سلمة ﵂؛ قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "المهدي من عترتي، من ولد فاطمة" (^١).
٦ - وعن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا؛ إن بعضهم أمير بعض؛ تكرمة الله لهذه الأمة" (^٢).
٧ - وعن أبي سعيد الخُدري ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "منا الّذي يصلِّي عيسى بن مريم خلفه" (^٣).
_________________
(١) = يحيى بن سعيد القطان، وضعفه يحيى بن معين والنسائيُّ". "عون المعبود" (١١/ ٣٧٥). وقال الذهبي في "الميزان": "قال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وقال أبو داود: ضعيف". "ميزان الاعتدال" (٣/ ٢٣٦). وقال ابن حجر فيه: "صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج". "تقريب التهذيب" (٢/ ٨٣). وقال ابن القيم على سند أبي داود: "جيد". "المنار المنيف" (ص ١٤٤)، تحقيق الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة. وقال الألباني: "إسناده حسن". "صحيح الجامع" (٦/ ٢٢ - ٢٣) (ح ٦٦١٢).
(٢) "سنن أبي داود" (١١/ ٣٧٣)، و"سنن ابن ماجه" (٢/ ١٣٦٨). قال الألباني في "صحيح الجامع": "صحيح" (٦/ ٢٢) (ح ٦٦١٠). وانظر: رسالة عبد العلّيم في المهدي (ص ١٦٠).
(٣) رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده"؛ كما في "المنار المنيف" لابن القيم (ص ١٤٧ - ١٤٨)، و"الحاوي في الفتاوي" للسيوطي (٢/ ٦٤). قال ابن القيم: "هذا إسناد جيد". وصححه عبد العلّيم في رسالته في المهدي (ص ١٤٤).
(٤) رواه أبو نعيم في "أخبار المهدي"؛ كما قال السيوطيّ في "الحاوي" (٢/ =
[ ٢٥٥ ]
٨ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تذهبُ أوَّلًا تنقضي الدنيا حتّى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي، يواطىء اسمُه اسمي" (^١)، وفي رواية: "يواطىءُ اسمُه اسمي واسم أبيه اسم
أبي" (^٢).
_________________
(١) = ٦٤)، ورمز له بالضعف، وكذلك المناوي في "فيض القدير" (٦/ ١٧). وقال الألباني: "صحيح". انظر "صحيح الجامع الصغير" (٥/ ٢١٩) (ح ٥٧٩٦). وقال عبد العلّيم في رسالته: "إسناده حسن لشواهده" (ص ٢٤١).
(٢) "مسند أحمد" (٥/ ١٩٩) (ح ٣٥٧٣)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". والترمذي (٦/ ٤٨٥)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". و"سنن أبي داود" (١١/ ٣٧١).
(٣) "سنن أبي داود" (١١/ ٣٧٠). قال الألباني: "صحيح". "صحيح الجامع الصغير" (٥/ ٧٠ - ٧١) (ح ٥١٨٠). وانظر رسالة عبد العلّيم في المهدي (ص ٢٠٢). وهاتان الرويتان مدارهما على عاصم بن أبي النجود، وهو ثقة حسن الحديث: قال فيه أحمد بن حنبل: "كان رجلًا صالحًا، وأنا أختار قرائنه". وقال أبو حاتم فيه: "محله عندي محلّ الصدق، صالح الحديث، ولم يكن بذلك الحافظ". وقال العقيلي: "لم يكن فيه إِلَّا سوء الحفظ". وقال الدارقطني: "في حفظه شيء". وقال الذهبي: "ثبت في القراءة، وهو في الحديث دون الثبت، صدوق يهم، وهو حسن الحديث". وقال: "قال أحمد وأبو زرعة: ثقة". وقال أيضًا: "خرج له الشيخان، لكن مقرونًا بغيره، لا أصلًا وانفرادًا". وقال ابن حجر: "صدوق، له أوهام، حجة في القراءة". انظر: "ميزان الاعتدال" (٢/ ٣٥٧)، و"تقريب التهذيب" (١/ ٣٨٣)، و"عون المعبود" (١١/ ٣٧٢).
[ ٢٥٦ ]
* بعض ما في الصحيحين من الأحاديث فيما يتعلّق بالمهدي:
١ - عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كيف أنتُم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامُكم منكم؟! " (^١).
٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تزال طائفةٌ من أُمَّتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة". قال: "فينزل عيسى بن مريم - ﷺ -، فيقول أميرُهم: تعالَ صلّ لنا. فيقول: لا، إن بعضَكُم على بعض إمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة" (^٢).
٣ - وعن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يكون في آخر أُمَّتي خليفة يحثي المال حثيًا لا يعدُّه عدد".
قال الجريري (^٣) - أحد رواة الحديث-: "قلتُ لأبي نضرة (^٤) وأبي
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم ﵉، (٦/ ٤٩١ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم - ﷺ - حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم - ﷺ - حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).
(٣) هو أبو مسعود سعيد بن إياس الجريري البصري، كان محدِّث أهل البصرة، ثقة، اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، توفي سنة (١٤٤ هـ) ﵀. انظر: "تهذيب التهذيب" (٤/ ٥ - ٧).
(٤) هو المنذر بن مالك بن قطعة العبدي البصري، ثقة، روى عن عدد من الصّحابة، وتوفي سنة (١٠٨ هـ) ﵀. انظر: "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٣٠٢ - ٣٠٣).
[ ٢٥٧ ]
العلّاء (^١): أتريان أنّه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا" (^٢).
فهذه الأحاديث الّتي وردت في الصحيحين تدل على أمرين:
أحدهما: أنّه عند نزول عيسى بن مريم ﵊ من السَّماء يكون المتولِّي لإِمرة المسلمين رجلا منهم.
والثّاني: أن حضور أميرهم للصلاة، وصلاته بالمسلمين، وطلبه من عيسى -﵇- عند نزوله أن يتقدَّم ليصلّي لهم يدلُّ على صلاح في هذا الأمير وهُدى، وهي وإن لم يكن فيها التَّصريح بلفظ: (المهدي)؛ إِلَّا أنّها تدلُّ على صفات رجل صالح، يؤمُّ المسلمين في ذلك الوقت، وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسِّرةً لهذه الأحاديث الّتي في الصحيحين، ودالةً على أن ذلك الرَّجل الصالح يسمَّى: محمَّدَ بنَ عبد اللهِ، ويُقالُ له: المهدي، والسُّنَّة يفسِّر بعضها بعضًا.
ومن الأحاديث الدّالَّة على ذلك الحديث الّذي رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" عن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرُهم المهدي " (^٣).
_________________
(١) هو يزيد بن عبد الله بن الشخير العامري، تابعي، ثقة، روى عن جماعة من الصّحابة، وتوفي سنة (١٠٨ هـ)، ﵀. انظر: "تهذيب التهذيب" (١١/ ٣٤١).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط والساعة، (١٨/ ٣٨ - ٣٩ - مع شرح النووي)، ورواه البغوي في "شرح السنة" تحت باب المهدي، (١٥/ ٨٦ - ٨٧)، تحقيق شعيب الأرناؤوط. قال البغوي: "هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم".
(٣) سبق بذكره وتخريجه.
[ ٢٥٨ ]
فهو دالٌّ على أن ذلك الأمير المذكور في "صحيح مسلم" الّذي طلب من عيسى بن مريم ﵊ أن يتقدَّم للصلاة؛ يقال له: المهدي.
وقد أورد الشّيخ صديق حسن في كتابه "الإِذاعة" جملةً كبيرةً من أحاديث المهدي، جعل آخرها حديث جابر المذكور عند مسلم، ثمَّ قال عقبه: "وليس فيه ذكر المهدي، ولكن لا مَحْمَلَ له ولأمثاله من الأحاديث إِلَّا المهدي المنتظر؛ كما دلَّت على ذلك الأخبار المتقدِّمة والآثار الكثيرة" (^١).
* تواتُر أحاديث المهدي:
ما سبق أن ذكرتُه من الأحاديث وغيرها ممَّا لم أنقلْهُ هنا - خشية الإِطالة- يدلُّ على تواتر الأحاديث في المهدي تواترًا معنويًا، وقد نصَّ على ذلك بعض الأئمة والعلّماء، وسأذكر هنا طائفة من أقوالهم:
١ - قال الحافظ أبو الحسن الآبري (^٢): "قد تواترتِ الأخبارُ واستفاضت عن رسول الله - ﷺ - بذكر المهدي، وأنّه من أهل بيته، وأنّه
_________________
(١) "عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر" (ص ١٧٥ - ١٧٦) للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، عام (١٤٠٢ هـ)، مطابع الرشيد، المدينة، وانظر: "الإذاعة" (ص ١٤٤).
(٢) هو الإمام الحافظ أبو الحسن محمّد بن الحسين السجستاني، كان مجوَّدًا ثبتًا مصنفًا، روى عن ابن خزيمة وطبقته، وله كتاب "مناقب الشّافعيّ"، توفي سنة (٣٦٣ هـ) ﵀. انظر: "تذكرة الحفاظ" (٣/ ٩٥٤ - ٩٥٥)، و"شذرات الذهب" (٣/ ٤٦ - ٤٧).
[ ٢٥٩ ]
يملك سبع سنين، وأنّه يملأ الأرض عدلًا، وأن عيسى -﵇- يخرج، فيساعده على قتل الدَّجّال، وأنّه يؤمُّ هذه الأمة، ويصلّي عيسى خلفه" (^١).
٢ - وقال محمَّدٌ البَرَزَنجي (^٢) في كتابه "الإِشاعة لأشراط السّاعة": "الباب الثّالث في الأشراط العظام والأمارات القريبة الّتي تعقبها السّاعة، وهي كثيرةٌ، فمنها المهدي، وهو أوَّلها، واعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر" (^٣).
وقال أيضًا: "قد علمتَ أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزّمان وأنّه من عِترة رسول الله - ﷺ - من ولد فاطمة ﵍ بلغت حدَّ التَّواتر المعنوي، فلا معنى لإِنكارها" (^٤).
٣ - وقال العلّامة محمَّد السَّفاريني (^٥): "وقد كَثُرَت بخروجه - أي:
_________________
(١) "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (٣/ ١١٩٤) لأبي الحجاج يوسف المزي، نسخة مصورة عن النسخة الخطية بدار الكتاب المصرية، و"المنار المنيف" (ص ١٤٢)، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، و"فتح الباري" (٦/ ٤٩٣ - ٤٩٤)، و"الحاوي للفتاوي" في جزء "العرف الوردي في أخبار المهدي" (٢/ ٨٥ - ٨٦)، وانظر: "عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر" (ص ١٧١ - ١٧٢) للشيخ عبد المحسن العباد.
(٢) هو الشّيخ محمَّد بن عبد الرسول بن عبد السَّيِّد الحسني البرزنجي من فقهاء الشّافعيّة، له علم بالتفسير والأدب، رحل إلى بغداد ودمشق ومصر، واستقر في المدينة، ودرس بها، وفيها توفي سنة (١١٠٣ هـ)، وله عدة مؤلفات ﵀. انظر: "الأعلام" للزركلي (٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
(٣) "الإشاعة" (ص ٨٧).
(٤) "الإشاعة" (ص ١١٢) وتعبيد الأسماء لغير الله تعالى لا يجوز.
(٥) هو العلّامة محمَّد سالم السفاريني، عالم بالحديث والأصول والأدب، محقق =
[ ٢٦٠ ]
المهدي - الروايات، حتّى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتّى عُدَّ مِن معتقداتهم".
ثمَّ ذكر طائفة من الأحاديث والآثار في خروج المهدي، وأسماء بعض الصّحابة ممَّن رواها، ثمَّ قال: "وقد رُوِيَ عمَّن دكِرَ من الصّحابة وغير مَنْ ذُكِر منهم ﵃ بروايات متعدِّدة، وعن التَّابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعُه العلم القطعي، فالإِيمان بخروج المهدي واجبٌ كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدوَّنٌ في عقائد أهل السنة والجماعة" (^١).
٤ - وقال الشوكاني: "الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر الّتي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا، فيها الصّحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحرَّرة في الأصول، وأمّا الآثار عن الصّحابة المصرِّحة بالمهدي؛ فهي كثيرة أيضًا، لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك" (^٢).
_________________
(١) = ولد في (سفارين)، من قرى نابلس، له عدة مؤلفات، وله منظومة في العقيدة وشرحها، سماها "لوامع أو لوائح الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية المضيئة لشرح الدرة المضيئة في عقد الفرقة المرضية"، وله "غذاء الألباب شرح منظومة الآداب"، وله "نفثات صدر المكمد وقرة عين المسعد شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد وغيرها"، توفي ﵀ سنة (١١٨٨ هـ) في نابلس. انظر ترجمته في: "الأعلام" للزركلي (٦/ ١٤).
(٢) "لوامع الأنوار البهية" (٢/ ٨٤)، وانظر: "عقيدة أهل السنة والأثر" (ص ١٧٣).
(٣) من رسالة للشوكاني اسمها: "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر =
[ ٢٦١ ]
٥ - وقال صديق حسن (^١): "الأحاديث الواردة فيه - أي: المهدي - على اختلاف رواياتها كثيرة جدًّا، تبلغ حدّ التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد" (^٢).
٦ - وقال الشّيخ محمَّد بن جعفر الكتاني (^٣): "والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتَظَر متواترة، وكذا الواردة في الدجال، وفي نزول سيدنا عيسى بن مريم ﵉" (^٤).
* العلماء الذين صنَفوا كتبًا في المهدي:
إضافة إلى كتب الحديث المشهورة؛ كالسنن الأربعة، والمسانيد؛
_________________
(١) = والدجال والمسيح"، ذكر ذلك صديق حسن في كتابه "الإِذاعة" (ص ١١٣ - ١١٤)، ونقل ذلك أيضًا عن الشوكاني الكتاني في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" (ص ١٤٥ - ١٤٦). وانظر أيضًا "عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر" (ص ١٧٣ - ١٧٤).
(٢) هو العلّامة محمَّد صديق خان بن حسن الحسيني البخاريّ القنوجي، صاحب المصنفات في التفسير والحديث والفقه والأصول، نزل بهوبال، وتزوج بملكتها، وتوفي سنة (١٣٠٧ هـ). انظر: "الأعلام" (٦/ ١٦٧ - ١٦٨) للزركلي.
(٣) "الإِذاعة" كان وما يكون بين يدي السّاعة" (ص ١١٢).
(٤) هو أبو عبد الله محمَّد بن جعفر بن إدريس الكتاني الحسني الفاسي، مؤرخ ومحدث ولد في فاس، ورحل إلى الحجاز ودمشق، ثمَّ عاد إلى المغرب، وتوفي في فاس ﵀ سنة (١٣٤٥ هـ)، وله عدة مصنفات. انظر: "الأعلام" (٦/ ٧٢ - ٧٣).
(٥) "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" (ص ١٤٧) للشيخ محمَّد بن جعفر الكتاني.
[ ٢٦٢ ]
كـ "مسند أحمد"، و"مسند البزار"، و"مسند أبي يعلى"، و"مسند الحارث بن أبي أسامة"، و"مستدرك الحاكم"، و"مصنَّف ابن أبي شيبة"، و"صحيح ابن خزيمة"، وغيرها من المصنفات (^١) الّتي ذكر فيها أحاديث المهدي؛ فإن طائفة من العلماء أفردوا في المهدي المنتظر مؤلَّفات ذكروا فيها جمعًا كبيرًا من الأحاديث الواردة فيه، ومن هذه المؤلَّفات:
١ - جمع الحافظ أبو بكر بن أبي خيثمة (^٢) الأحاديث الواردة في المهدي، كما ذكر ذلك ابن خلدون في "مقدمته"؛ نقلًا عن السهيلي (^٣).
٢ - ألَف السيوطيّ جزءًا سمّاه "العرف الوردي في أخبار المهدي" مطبوع ضمن "الحلوي للفتاوي" (^٤).
٣ - ذكر الحافظ ابن كثير في كتابه "النهاية"/ الفتن والملاحم" أنّه أفرد في ذكر المهدي جزءًا على حدة (^٥).
_________________
(١) انظر: "عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر" (ص ١٦٦ - ١٦٨) للشيخ عبد المحسن العباد، فقد ذكر ستة وثلاثين كتابًا، وذكر جملة ممَّن ألَف في المهدي.
(٢) هو الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة، والده زهير بن حرب، حافظ من شيوخ مسلم، أخذ أبو بكر العلم عن أحمد بن حنبل وابن معين، وكان راوية للأدب، وله كتاب "التاريخ الكبير"، قال فيه الذهبي: "لا أعرف أغزر فوائد منه". توفي سنة (٢٧٩ هـ) ﵀. انظر: "سير أعلام النُّبَلاء" (١١/ ٤٩٢ - ٤٩٣)، و"تذكرة الحفاظ" (٢/ ٥٩٦)، و"طبقات الحنابلة" (١/ ٤٤).
(٣) انظر: "تاريخ ابن خلدون"، المقدِّمة، (ص ٥٥٦).
(٤) "الحاوي للفتاوي" (٢/ ٥٧).
(٥) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٣٠)، تحقيق د. طه زيني.
[ ٢٦٣ ]
٤ - ولعلّيٍّ المُتَّقي الهندي (^١): رسالة في شأن المهدي (^٢).
٥ - ولابن حجر المكِّي (^٣) مؤلَّفًا أسماه: "القول المختصر في علامات المهدي المنتظر" (^٤).
٦ - وللملا علي القاري (^٥) كتابًا اسمه: "المشرب الوردي في مذهب المهدي" (^٦).
٧ - ولمرعي بن يوسف الحنبلي (^٧): "فوائد الفكر في ظهور
_________________
(١) هو علي بن حسام الدين الهندي، كان من المشتغلين بالحديث، وجاور بمكة، وبها توفي سنة (٩٧٥ هـ) ﵀. انظر: "شذرات الذهب" (٨/ ٣٧٩)، و"الأعلام" (٤/ ٢٧١).
(٢) انظر: "الإشاعة لأشراط السّاعة" (ص ١٢١).
(٣) هو شهاب الدين أحمد بن محمَّد بن علي بن حجر الهيثمي، الفقيه الشّافعيّ، صاحب المصنفات، توفي بمكة سنة (٩٧٣ هـ)، وقيل: (٩٨٤ هـ) ﵀. انظر: "شذرات الذهب" (٨/ ٣٧٠)، و"الأعلام" (١/ ٢٣٤).
(٤) انظر: "الإِشاعة" (١٠٥)، و"لوامع الأنوار" (٢/ ٧٢)، ورسالة عبد العلّيم في المهدي (ص ٤٣).
(٥) هو علي بن سلطان محمَّد نور الدين الهروي، فقيه حنفي، سكن بمكة، وبها توفي سنة (١٠١٤ هـ) ﵀، وله عدة مصنفات. انظر: "الأعلام" (٥/ ١٢).
(٦) " الإِشاعة" (ص ١١٣).
(٧) هو مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي، مؤرخ وأديب من كبار الفقهاء، له نحو من سبعين كتابًا، توفي بالقاهرة لسنة (١٠٣٣ هـ) ﵀. انظر: "الأعلام" (٧/ ٢٠٣).
[ ٢٦٤ ]
المنتظر" (^١).
٨ - وللشوكاني: "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدَّجّال والمسيح" (^٢).
٩ - وقال صديق حسن: "وقد جمع السَّيِّد العلًّامة بدر الملة المنير محمَّد بن إسماعيل الأمير اليماني (^٣) الأحاديث القاضية بخروج المهدي من آل محمَّدٍ - ﷺ -، وأنّه يظهر في آخر الزّمان" (^٤).
* المنكِرون لأحاديث المهدي والرد عليهم:
ذكرت فيما سبق طائفة من الأحاديث الصحيحة الّتي تدلُّ دِلالة قاطعة على ثبوت ظهور المهدي في آخر الزّمان حَكَمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا، ونقلتُ طائفة من كلام العلماء الذين نصُّوا على تواتر أحاديث المهدي، وكذلك بعض المصنَّفات الّتي ألَّفها العلماء في شأنّه.
ومما يؤسف له أن طائفة من الكتاب (^٥) ظهرت في لهذا الزمن تنكر
_________________
(١) "لوامع الأنوار" (٢/ ٧٦)، و"الإذاعة" (ص ١٤٧ - ١٤٨).
(٢) انظر: "الإذاعة" (ص ١١٣).
(٣) هو محمَّد بن إسماعيل بن صلاح بن محمَّد الحسني الكحلاني ثمَّ الصنعاني، صاحب كتاب "سبل السّلام شرح بلوغ المرام"، وله عدة مصنفات، توفي بصنعاء سنة (١١٨٢ هـ). انظر: "الأعلام" (٦/ ٣٨).
(٤) "الإذاعة" (ص ١١٤).
(٥) من أبرزهم: الشّيخ محمَّد رشيد رضا في "تفسيره المنار" (٩/ ٤٩٩ - ٥٠٤)، ومحمد فريد وجدي في "دائرة معارف القرن العشرين" (١٠/ ٤٨٠)، وأحمد أمين في كتابه =
[ ٢٦٥ ]
ظهور المهدي، وتصف أحاديثه بالتناقض والبطلان، وأن المهدي ليس إِلَّا أسطورة اخترعها الشيعة، ثمَّ دخلت في كتب أهل السنة.
وقد تأثَّر بعض هؤلاء الكتاب بما اشتُهِرَ عن ابن خلدون المؤرِّخ (^١) من تضعيفٍ لأحاديث المهدي، مع أن ابن خلدون ليس من فرسان هذا الميدان حتّى يُقْبَل قوله في التصحيح والتضعيف، ومع هذا؛ فقد قال -بعد أن استعرض كثيرًا من أحاديث المهدي، وطعن في كثير من أسانيدها-: "فهذه جملة الأحاديث الّتي خرَّجها الأئمة في شأن المهدي، وخروجه آخر الزّمان، وهي -كما رأيتَ- لم يخلص منها من النقد إِلَّا القليل أو الأقل
_________________
(١) = "ضحى الإسلام" (٣/ ٢٣٧ - ٢٤١)، وعبد الرّحمن محمَّد عثمان في تعليقه على "تحفة الأحوذي" (٦/ ٤٧٤)، ومحمد عبد الله عنان في كتابه "مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام" (ص ٣٥٩ - ٣٦٤)، ومحمد فهيم أبو عبية في تعليقه على "النهاية/ الفتن والملاحم" لابن كثير (١/ ٣٧)، وعبد الكريم الخطيب في كتابه "المسيح في القرآن والتوراة والإِنجيل" (ص ٥٣٩)، وأخيرًا الشّيخ عبد الله بن زيد آل محمود في كتابه "لا مهدي ينتظر بعد الرسول - ﷺ - خير البشر". وقد تولى الرد على جميع هؤلاء فضيلة الشّيخ عبد المحسن بن محمَّد العباد في كتابه القيم "الرَّدِّ على مَنْ كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي"، وخص منها رسالة الشّيخ ابن محمود، حيث بيَّن أن ما فيها مجانب للحق والصواب، فجزاه الله عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء.
(٢) هو عبد الرّحمن بن محمَّد بن محمَّد بن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإِشبيلي، أشتهر بكتابه "العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر"، طبع في سبعة مجلدات، أولها "المقدِّمة"، وله عدة مصنفات وشعر، وقد نشأ في تونس، ورحل منها إلى مصر، وتولى قضاء المالكية فيها، وتوفي بالقاهرة سنة (٨٠٨ هـ) ﵀. انظر: "شذرات الذهب" (٧/ ٧٦ - ٧٧)، و"الأعلام" (٣/ ٣٣٠).
[ ٢٦٦ ]
منه" (^١).
فعبارته تدلُّ على أنّه قد سلم من نقده القليل من الأحاديث.
ونقول: لو صحَّ حديثٌ واحد؛ لكفى به حجَّة في شأن المهدي، كيف والأحاديث فيه صحيحة ومتواترة؟!
قال الشّيخ أحمد شاكر ردًّا على ابن خلدون: "إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين "الجرح مقدَّم على التَّعديل"، ولو اطلع على أقوالهم وفقهها؛ ما قال شيئًا ممّا قال، وقد يكون قرأ وعرف، ولكنه أراد تضعيف أحاديث المهدي بما غلب عليه من الرأي السياسي في عصره" (^٢).
ثمَّ بيَّن أن ما كتبه ابن خلدون في هذا الفصل عن المهدي مملوءٌ بالأغاليط الكثيرة في أسماء الرجال ونقل العلل، واعتذر عنه بأن ذلك قد يكون من الناسخين، وإهمال المصحِّحين، والله أعلم.
وإيثارًا للاختصار فسأذكر هنا ما قاله الشّيخ محمَّد رشيد رضا في المهدي، وهو نموذجٌ لغيره ممَّن أنكر أحاديث المهدي:
قال ﵀: "أمّا التَّعارض في أحاديث المهدي؛ فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتدَّ الشيخان بشيء من رواياتها في صحيحيهما، وقد كانت أكبر مثارات الفساد والفتن في الشعوب الإسلامية" (^٣).
_________________
(١) "مقدمة تاريخ ابن خلدون"، المجلد الأوّل، (ص ٥٧٤).
(٢) من تعليق الشّيخ أحمد شاكر على "مسند الإمام أحمد" (٥/ ١٩٧ - ١٩٨).
(٣) "تفسير المنار" (٩/ ٤٩٩).
[ ٢٦٧ ]
ثمَّ ذكر نماذج من تعارض أحاديث المهدي وتهافتها -كما يزعم- ومن ذلك قوله: "إن أشهر الروايات في اسمه واسم أبيه عند أهل السنة أنّه محمَّد بن عبد الله، وفي رواية: أحمد بن عبد الله، والشيعة الإِمامية متَّفقون على أنّه محمَّد بن الحسن العسكري، وهما الحادي عشر والثّاني عشر من أئمَّتهم المعصومين، ويلقَّبون بالحجة، والقائم، والمنتظر وزعمت الكيسانية (^١) أن المهدي هو محمَّد بن الحنفية، وأنّه حيٌّ مقيمٌ بجبل رضوى " (^٢).
وقال: "المشهور في نسبه أنّه علويٌ فاطميٌّ من ولد الحسن، وفي بعض الروايات من ولد الحسين، وهو يوافق قول الشيعة الإمامية، وهنالك عدة أحاديث مصرِّحة بأنّه من ولد العباس" (^٣).
ثمَّ ذكر أن كثيرًا من الإِسرائيليات دخلت في كتب الحديث، "وكذلك فإن للعصبيات العلّوية والعباسية والفارسية دورًا كبيرًا في وضع كثير من الأحاديث في المهدي، وكل طائفة تدَّعي أنّه منها، وإن اليهود والفرس روَّجوا لهذه الروايات؛ بقصد تخدير المسلمين، حتّى يتَّكلوا على ظهور
_________________
(١) (الكيسانية): إحدى فرق الرافضة، وهم أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب، وينسبون إلى كيسان مولى علي ﵁، وقيل: إن كيسان لقب لمحمد بن الحنفية. انظر: "الفرق بين الفرق" (ص ٣٨)، تحقيق الشّيخ محمَّد محيي الدين عبد الحميد.
(٢) "تفسير المنار" (٩/ ٥٠١).
(٣) "تفسير المنار" (٩/ ٥٠٢).
[ ٢٦٨ ]
المهدي، الّذي يؤيِّد الله به الدين، وينشر العدل في العالمين" (^١).
ويجاب عما قاله الشّيخ رشيد رضا بأن الروايات في خروج المهدي صحيحة ومتواترة تواترًا معنويًا؛ كما سبق أن ذكرت طائفة من هذه الأحاديث، ومَن نصَّ من العلماء على صحَّتها وتواترها.
وأمّا دعوى أن الشيخين لم يعتدّا بشيء من الأحاديث في المهدي؛ فنقول: إن السنة كلها لم تدوَّن في الصحيحين فقط، بل ورد في غيرهما أحاديث كثيرة صحيحة في السنن والمسانيد والمعاجم وغيرها من دواوين الحديث.
قال ابن كثير ﵀: "إن البخاريّ ومسلمًا لم يلتزما بإخراج جميع ما يُحْكَم بصحَّته من الأحاديث، فإنهما قد صحَّحا أحاديث ليست في كتابيهما؛ كما ينقل التّرمذيّ وغيره عن البخاريّ تصحيح أحاديث ليست عنده، بل في السنن وغيرها" (^٢).
وأمّا كون الأحاديث قد دخلها كثيرٌ من الإسرائيليات، وأن بعضها من وضع الشيعة وغيرهم من أهل العصبيات؛ فهذا صحيح، ولكن أئمة الحديث قد بيَّنوا الصّحيح من غيره، وصنَّفوا الكَتب في الموضوعات، وبيان الروايات الضعيفة، ووضعوا قواعد دقيقة في الحكم على الرجال، حتّى لم يبق صاحب بدعة أو كذب إِلَّا وأظهروا أمره، فحفظ الله السنة من
_________________
(١) انظر: "تفسير المنار" (٩/ ٥٠١ - ٥٠٤).
(٢) "الباعث الحثيث/ شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير" (ص ٢٥)، تأليف: أحمد شاكر، طبع دار الكتب العلمية.
[ ٢٦٩ ]
عبث العابثين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وهذا من حفظ الله لهذا الدين.
وإذا كان هناك روايات موضوعة في المهدي تعصّبًا؛ فإن ذلك لا يجعلنا نترك ما صحَّ من الروايات فيه، والروايات الصحيحة جاء فيها ذكر صفته واسمه واسم أبيه، فإذا عيّن إنسانٌ شخصًا، وزعم أنّه هو المهدي، دون أن يساعده على ذلك ما جاء من الأحاديث الصحيحة؛ فإن ذلك لا يؤدِّي إلى إنكار المهدي على ما جاء في الحديث.
ثمَّ إن المهدي الحقيقي لا يحتاج إلى أن يدعو له أحدٌ، بل يظهره الله للناس إذا شاء، ويعرفونه بعلامات تدلُّ عليه، وأمّا دعوى التعارض؛ فقد نشأت عن الروايات الّتي لم تصحّ، وأمّا الأحاديث الصحيحة؛ فلا تعارُض فيها ولله الحمد.
وأيضًا؛ فإن خلاف الشيعة مع أهل السنة لا يُعْتَدُّ به، والحكم العدل هو الكتاب والسُّنَّة الصحيحة، وأمّا خرافات الشيعة وأباطيلهم؛ فلا يجوز أن تكون عمدة يُرَدُّ بها ما ثبت من حديث رسول الله - ﷺ -. قال العلَّامة ابن القيم في كلامه على المهدي: "وأمّا الرافضة الإِمامية؛ فلهم قولٌ رابعٌ، وهو أن المهدي هو محمَّد بن الحسن العسكري (^١) المنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن،
_________________
(١) ولد سنة (٢٥٦ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٥ هـ) على القول بوجوده، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنّه لم يوجد. انظر: "منهاج السنة (٢/ ١٣١)، و"الأعلام" للزركلي (٦/ ٨٠).
[ ٢٧٠ ]
الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الّذي يورث العصا، ويختم الفضا، دخل سرداب سامراء طفلًا صغيرًا من أكثر من خمس مئة سنة، فلم تره بعد ذلك عينٌ، ولم يُحَسَّ فيه بخبر ولا أثر، وهم ينتظرونه كلّ يوم!! ويقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم: اخرج يا مولانا! أخرج يا مولانا! ثمَّ يرجِعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه، ولقد أحسن من قال:
مَا آنَ للسِّرْداب أَنْ يَلِدَ الَّذي كَّلَّمْتمُوهُ بجَهْلِكمْ مَا آنَا؟
فَعَلى عُقولِكُمُ العَفاءُ فإِنَّكمْ ثَلَّثْتُمُ العَنْقاءَ والغِيْلانَا
ولقد أصبح لهؤلاء عارًا علي بني آدم، وضحكة يسخر منهم كلّ عاقل" (^١).
* حديث "لا مهدي إِلَّا عيسى بن مريم" والجواب عنه:
احتجَّ بعض المنكرين لأحاديث المهدي بالحديث الّذي رواه ابن ماجه والحاكم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يزداد الأمر إِلَّا شدَّة، ولا الدُّنيا إِلَّا إدبارًا، ولا النَّاس إِلَّا شحًّا، ولا تقومُ السّاعة إِلَّا على شرار النَّاس، ولا المهدي إِلَّا عيسى بن مريم" (^٢).
_________________
(١) "المنار المنيف" (ص ١٥٢ - ١٥٣).
(٢) "سنن ابن ماجه" (٢/ ١٣٤٠ - ١٣٤١)، و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٤١ - ٤٤٢)، قال الحاكم: "فذكرت ما انتهى إلى من علة لهذا الحديث تعجُبًا لا محتجًّا به في =
[ ٢٧١ ]
ويُجاب عليهم بأن لهذا الحديث ضعيف؛ لأنَّ مداره على محمَّد بن خالد الجندي:
قال الذهبي فيه: "قال الأزدي: منكر الحديث. وقال أبو عبد الله الحاكم: مجهول. قلت -القائل الذهبي-: حديثه "لا مهدي إِلَّا عيسى بن مريم"، وهو خبرٌ منكرٌ، أخرجه ابن ماجه" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمَّد بن الوليد البغدادي وغيره عليه، وليس ممّا يعتمد عليه، ورواه ابن ماجه عن يونس عن الشّافعيّ، والشّافعيُّ رواه عن رجل من أهل اليمن يقال له محمَّد بن خالد الجندي، وهو ممَن لا يحتَجُّ به، وليس لهذا في مسند الشّافعيّ، وقد قيل: إن الشّافعيّ لم يسمعه من الجندي، وإن يونس لم يسمعه من الشّافعيّ" (^٢).
وقال فيه الحافظ ابن حجر: "مجهول" (^٣).
وقد خالف في ذلك الحافظ ابن كثير، فقال فيه: "إنّه حديث مشهور بمحمد بن خالد الجندي الصنعاني المؤذن، شيخ الشّافعيّ، وروى عنه
_________________
(١) = "المستدرك على الشيخين" ﵄؛ فإن أولى من هذا الحديث ذكره في هذا الموضع حديث سفيان عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: لا تذهب الأيَّام والليالي حتّى يملك (فذكر الحديث إلى آخره، وقد سبق ذكره) " (ص ٢٣٤).
(٢) "ميزان الاعتدال" (٣/ ٥٣٥).
(٣) "منهاج السنة النبوية" (٤/ ٢١١).
(٤) "تقريب التهذيب" (٢/ ١٥٧).
[ ٢٧٢ ]
غير واحد أيضًا، وليس هو بمجهول؛ كما زعمه الحاكم، بل قد رُوِي عن ابن مَعين أنَّه وثَّقه، ولكن من الرواة مَنْ حدَّث به عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن البصري مرسلًا، وذكرسولك شيخنا في "التهذيب" (^١) عن بعضهم أنّه رأى الشّافعيّ في المنام، وهو يقول: كذب علي يونس بن عبد الأعلى الصدفي ليس لهذا من حديثي. قلت: يونس بن عبد الأعلى الصدفي من الثقات، لا يُطْعَن فيه بمجرَّد منام، ولهذا الحديث فيما يظهر بادئ الرأي مخالف للأحاديث الّتي أوردناها في إثبات مهدي غير عيسى بن مريم، إمّا قبل نزوله -كما هو الأظهر، والله أعلم-، وإما بعده، وعند التأمل لا يتنافيان، بل يكون المراد من ذلك أن المهدي حق المهدي هو عيسى بن مريم، ولا ينفي ذلك أن يكون غيره مهديًّا أيضًا، والله أعلم" (^٢).
وقال أبو عبد الله القرطبي: "يحتمل أن قوله ﵊: "ولا مهدي إِلَّا عيسى"؛ أي: لا مهدي كاملًا معصومًا إِلَّا عيسى، وعلى هذا تجتمع الأحاديث ويرتفع التعارض" (^٣).
قلت: وعلى فرض احتمال ثبوته؛ فإنّه لا يقوم أمام الأحاديث الكثيرة الثابتة في شأن المهدي، وهي أصحُّ إسنادًا من هذا الحديث الّذي اختلفت أقوال العلماء في ثبوته من عدمه. والله أعلم.
_________________
(١) "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (٣/ ١١٩٣ - ١١٩٤) لأبي الحجاج المزي.
(٢) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٣٢) تحقيق د. طه زيني.
(٣) "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص ٦١٧).
[ ٢٧٣ ]
الفصل الثّاني المسيح الدَّجّال
* معنى المسيح:
ذكر أبو عبد الله القرطبي ثلاثةً وعشرين قولًا في اشتقاق هذا اللّفظ (^١)، وأوصلها صاحب "القاموس" إلى خمسين قولًا (^٢).
وهذه اللفظة تطلق على الصدِّيق، وعلى الضَلِّيل الكذاب.
فالمسيح عيسى بن مريم -﵇-: الصِّدِّيق، والمسيح الدَّجّال: الضِّلِّيل الكذاب.
فخلق الله المسيحين، أحدهما ضد الآخر:
فعيسى -﵇- مسيحُ الهدى؛ يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله.
والدَّجّال -لعنه الله- مسيح الضلالة، يفتن النَّاس بما يُعطاه من
_________________
(١) انظر: "التذكرة" (ص ٦٧٩).
(٢) انظر: "ترتيب القاموس" (٤/ ٢٣٩)، وذكر صاحب "القاموس" أنّه أورد هذه الأقوال في كتابه "شرح مشارق الأنوار" وغيره.
[ ٢٧٥ ]
الآيات، كإنزال المحطر، وإحياء الأرض بالنبات، وغيرهما من الخوارق.
وسُمِّي الدَّجّال مسيحًا؛ لأنَّ إحدى عينيه ممسوحة، أو لأنّه يمسح الأرض في أربعين يومًا (^١).
والقول الأوَّل هو الراجح؛ لما جاء في الحديث: "إن الدَّجّال ممسوح العين" (^٢).
* معنى الدَّجَّال:
أمّا لفظ (الدَّجّال)؛ فهو مأخوذٌ من قولهم: دَجَلَ البعير؛ إذا طلاه بالقطران، وغطّاه به (^٣).
وأصل الدَّجَل: معناه الخلط؛ يقال: دَجَل إذا لبس وموَّهَ.
والدَّجّال: المموِّهُ الكذّاب المُمَخْرِق، وهو من أبنية المبالغة، على وزن فعّال؛ أي: يكثر منه الكذب والتلبيس (^٤)، وجمعه: دجّالون، وجمعه الإِمام مالك على دجاجلة، وهو جمع تكسير (^٥).
وذكر القرطبي أن الدَّجّال في اللُّغة يطلق على عشره وجوه (^٦).
_________________
(١) انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، و"لسان العرب" (٢/ ٥٩٤ - ٥٩٥).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦١ - مع شرح النووي).
(٣) انظر: "لسان العرب" (١١/ ٢٣٦)، و"ترتيب القاموس" (٢/ ١٥٢).
(٤) انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ١٠٢).
(٥) "لسان العرب" (١١/ ٢٣٦).
(٦) "التذكرة" (ص ٦٥٨).
[ ٢٧٦ ]
ولفظة (الدَّجّال): أصبحت علمًا على المسيح الأعور الكذَّاب، فإذا قيل: الدَّجّال؛ فلا يتبادر إلى الذهن غيره.
وسمي الدَّجَّال دجالًا: لأنّه يغطي الحق بالباطل، أو لأنّه يغطي على النَّاس كفرَه بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم، وقيل: لأنّه يغطي الأمر بكثرة جموعه (^١). والله أعلم.
* صفة الدَّجّال والأحاديث الواردة في ذلك:
الدَّجّال رجلٌ من بني آدم، له صفاتٌ كثيرةٌ جاءت بها الأحاديث؛ لتعريف النَّاس به، وتحذيرهم من شره، حتّى إذا خرج؛ عرفه المؤمنون، فلا يفتنون به، بل يكونون على علم بصفاته الّتي أخبر بها الصادق - ﷺ -، وهذه الصفات تميِّزه عن غيره من النَّاس، فلا يغترَّ به إِلَّا الجاهل الّذي سبقت عليه الشِّقوة، نسأل الله العافية.
ومن هذه الصفات أنّه رجلٌ، شابٌّ، أحمر، قصيرٌ، أفحجُ، جعد الرّأس، أجلى الجبهة، عريض النَّحر، ممسوح العين اليمنى، وهذه العين ليست بناتئة (^٢)، ولا جحراء (^٣)؛ كأنّها عنبة طافئة، وعينه اليسرى عليها
_________________
(١) "لسان العرب" (١١/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، و"ترتيب القاموس" (٢/ ١٥٢).
(٢) (ناتئة): مأخوذة من النتوء، وهو الارتفاع والانتفاخ؛ أي: أن عينه ليست بارزة. انظر: "ترتيب القاموس" (٤/ ٣١٨)، و"عون المعبود" (١١/ ٤٤٤).
(٣) (جحراء): بفتح الجيم وسكون الحاء؛ أي: ليست غائرة منجحرة في نقرتها. وقال الأزهري: "هي بالخاء المعجمة"، وأنكر الحاء. انظر: "لسان العرب" (٤/ ١١٨)، و"عون المعبود" (١١/ ٤٤٤).
[ ٢٧٧ ]
ظفرة (^١) غليظة، ومكتوبٌ بين عينيه (ك ف ر) بالحروف المقَطعة، أو (كافر) بدون تقطيع، يقرؤها كلّ مسلم كاتب وغير كاتب، ومن صفاته أنَّه عقيمٌ لا يولد له.
وهذه بعض الأحاديث الصحيحة الّتي جاء فيها ذكر صفاته السابقة، وهي من الأدلَّة على ظهور الدَّجّال:
١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: "بيَّنَّا أنا نائمٌ أطوف بالبيت (فذكر أنّه رأى عيسى بن مريم -﵇-، ثمَّ رأى الدَّجَّال، فوصفه، فقال:) فإذا رجلٌ جسيمٌ، أحمر، جعدُ الرّأس، أعور العين، كأن عينه عنبةٌ طافئة؛ قالوا: هذا الدَّجّال أقرب النَّاس به شبهًا ابن قطن (^٢) "، رجل من خُزاعة (^٣).
_________________
(١) (ظفرة): بفتح الظاء المعجمة والفاء، لحمة تنبت عند المآقي، وقد تمتد إلى السواد فتغشاه. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ١٥٨). و(المآقي): هو مقدمة العين. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ٢٨٩).
(٢) ابن قطن: اسمه عبد العزى بن قطن بن عمرو الخزاعي، وقيل: من بني المصطلق من خزاعة، وأمه هالة بنت خويلد، وليس له صحبة، فقد هلك في الجاهلية. وما ورد أنّه قال للنبيﷺ -: "أيضرني شبهه؟ قال: لا، أنت مسلم وهو كافر"، فهي زيادة ضعيفة من رواية المسعودي عند أحمد، وقد اختلط عليه بحديث آخر. انظر: "تعليق أحمد شاكر على مسند أحمد" (١٥/ ٣٠ - ٣١)، وانظر: "الإصابة في تمييز الصّحابة" (٤/ ٢٣٩)، و"فتح الباري" (٦/ ٤٨٨ و١٣/ ١٠١).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٣/ ٩٠ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم "، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم -﵇- والمسيح الدجال، (٢/ ٢٣٧ - مع شرح النووي).
[ ٢٧٨ ]
٢ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - ذكر الدَّجَّال بين ظهراني النَّاس، فقال: "إن الله تعالى ليس بأعور، ألَّا وإن المسيح الدَّجّال أعور العين اليمنى؛ كأن عينه عنبة طافية" (^١).
٣ - وفي حديث النوَّاس بن سمعان ﵁: قال - ﷺ - في وصف الدَّجَّال: "إنّه شابٌ، قَطَطٌ (^٢)، عينه طافية، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن" (^٣).
٤ - وفي حديث عُبادة بن الصامت ﵁: قال رسول الله - ﷺ -: "إن مسيح الدَّجَّال رجلٌ، قصيرٌ، أفجع، جعدٌ، أعور، مطموسُ العين، ليس بناتئة ولا جحراء، فإن ألبس عليكم؛ فاعلموا أن ربكَم ليس بأعور" (^٤).
٥ - وفي حديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله - ﷺ -: "وأمّا
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٣/ ٩٠ - مع شرح الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٥٩ - مع شرح النووي)،
(٢) (قطط)؛ أي: شديد جعودة الشعر. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ٨١)، و"شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٦٥).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٥ - مع شرح النووي).
(٤) "سنن أبي داود" (١١/ ٤٤٣ - عون المعبود). والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٢/ ٣١٧ - ٣١٨) (ح ٢٤٥٥).
[ ٢٧٩ ]
مسيح الضَّلالة؛ فإنَّه أعور العين، أجلى الجبهة، عريض النَّحر، فيه دفأ (^١) " (^٢).
٦ - وفي حديث حُذيفة ﵁؛ قال - ﷺ -: "الدّجَّال أعور العين اليسرى، جفال الشعر (^٣) " (^٤).
٧ - وفي حديث أنس ﵁؛ قال - ﷺ -: "وإن بين عينيه مكتوبٌ كافر" (^٥).
وفي رواية: "ثمَّ تهجَّاها (ك ف ر)؛ يقرؤه كلّ مسلم" (^٦).
_________________
(١) (دفأ): الدفا مقصور: الانحناء. ورجل أدفى -بغير همز- فيه انحناء. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ١٢٦)، و"لسان العرب" (١/ ٧٧ و١٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤).
(٢) "مسند الإِمام أحمد" (١٥/ ٢٨ - ٣٠)، تحقيق وشرح أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح"، وحسنه ابن كثير. انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٣٠)، تحقيق د. طه زيني.
(٣) (جفال الشعر)؛ أي: كثيره. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٢٨٠).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٠ - ٦١ - مع شرح النووي).
(٥) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٣/ ٩١ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٥٩ - مع شرح النووي).
(٦) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٥٩ - مع شرح النووي).
[ ٢٨٠ ]
وفي رواية عن حذيفة: "يقرؤه كلّ مؤمن كاتب وغير كاتب" (^١).
وهذه الكتابة حقيقية على ظاهرها (^٢)، ولا يُشكل رؤية بعض النَّاس لهذه الكتابة دون بعض، وقراءة الأمي لها، "وذلك أن الإِدراك في البصر يخلُقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمّن بعين بصره، وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر، ولو كان يعرف الكتابة؛ كما يرى المؤمّن الأدلَّة بعين بصيرته، ولا يراه الكافر، فيخلق الله للمؤمن الإِدراك دون تعلُّم؛ لأنَّ ذلك الزمن تنخرق فيه العادات" (^٣).
قال النوويّ: "الصّحيح الّذي عليه المحقِّقون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنّها كتابة حقيقية، جعلها الله آية وعلامة من جملة العلّامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، يظهرها الله تعالى لكل مسلم، كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمَّن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك" (^٤).
٨ - ومن صفاته أيضًا ما جاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ في قصة الجساسة، وفيه قال تميم ﵁: "فانطلقنا سراعًا، حتّى دخلنا الدَّير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط، وأشدُّه وثاقًا" (^٥).
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١٨/ ٦١ - مع شرح النووي).
(٢) خلافًا لمن قال: إنها مجاز عن سمة الحدوث؛ فإنَّه مذهب ضعيف. انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٦٠ - ٦١)، و"فتح الباري" (١٣/ ١٠٠).
(٣) "فتح الباري" (١٣/ ١٠٠).
(٤) "شرح النووي لصحيح مسلم" (١٨/ ٦٠).
(٥) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قصة الجساسة، (١٨/ ٨١ - مع شرح النووي).
[ ٢٨١ ]
٩ - وفي حديث عمران بن حُصين ﵁؛ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام السّاعة خلقٌ أكبر من الدَّجّال" (^١).
١٠ - وأمّا أن الدَّجّال لا يولد له؛ فلما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في قصته مع ابن صياد، فقد قال لأبي سعيد: "ألستَ سمعتَ رسول الله - ﷺ - يقول: إنّه لا يولد له؟ قال: قلتُ: بلى" (^٢).
والملاحظ في الروايات السابقة أن في بعضها وصفُ عينه اليمنى بالعور، وفي بعضها وصف عينه اليسرى بالعور، وكل الروايات صحيحة، وهذا فيه إشكال.
فذهب الحافظ ابن حجر إلى أن حديث ابن عمر الوارد في الصحيحين والذي جاء فيه وصف عينه اليمنى بالعور أرجح من رواية مسلم الّتي جاء فيها وصف عينه اليسرى بالعور؛ لأنَّ المتَّفق على صحَّته أقوى من غيره (^٣).
وذهب القاضي عياض إلى أن عيني الدَّجّال كلتيهما معيبة؛ لأنَّ الروايات كلها صحيحة، وتكون العين المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة- بالهمز-؛ أي: الّتي ذهب ضوؤها، وهي العين اليمنى؛ كما في
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن، باب في بقية من أحاديث الدجال، (١٨/ ٨٦ - ٨٧ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٥٠ - مع شرح النووي).
(٣) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٩٧).
[ ٢٨٢ ]
حديث ابن عمر. وتكون العين اليسرى الّتي عليها ظفرة غليظة، وهي الطافية -بلا همز- معيبة أيضًا، فهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا، فكل واحدة منهما عوراء؛ أي: معيبة؛ فإن الأعور من كلّ شيء: المَعيب، لا سيما ما يختصُّ بالعين، فكلا عيني الدَّجَّال معيبة عوراء، إحداهما بذهابها، والأخرى بعيبها.
قال النوويّ في هذا الجمع: "هو في نهاية من الحسن" (^١).
ورجَّحه أبو عبد الله القرطبي (^٢).
* هل الدَّجّال حيٌّ؟ وهل كان موجودًا في زمن النّبيّ - ﷺ -؟
وقبل الجواب عن هذين السؤالين لا بد من معرفة حال ابن صياد؛ هل هو الدَّجّال أو غيره؟
وإذا كان الدَّجّال غير ابن صياد؛ فهل هو موجود قبل أن يظهر بفتنته أو لا؟
وقبل الإِجابة عن لهذه الأسئلة نعرِّف بابن صيّاد:
ابن صيَّاد:
اسمه هو صافي -وقيل: عبد الله- بن صيَّاد أو صائد (^٣).
_________________
(١) انظر: "شرح النوويّ لمسلم" (٢/ ٢٣٥).
(٢) "التذكرة" (ص ٦٦٣).
(٣) انظر: "فتح الباري" (٣/ ٢٢٠ و٦/ ١٦٤)، و"عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ" (٨/ ١٧٠ و١٤/ ٢٧٨ - ٣٠٣) لبدر الدين العيني طبعة دار الفكر، و"النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٢٨)، و"شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٤٦)، و"عون المعبود" (١١ =
[ ٢٨٣ ]
كان من يهود المدينة، وقيل: من الأنصار، وكان صغيرًا عند قدوم النّبيّ - ﷺ - إلى المدينة.
وذكر ابن كثير أنّه أسلم، وكان ابنه عُمارة من سادات التابعين، روى عنه الإِمام مالك وغيره (^١).
وترجم له الذهبي في كتابه "تجريد أسماء الصّحابة"، فقال: "عبد الله بن صيَّاد، أورده ابن شاهين (^٢)، وقال: هو ابن صائد، كان أبوه يهوديًّا، فولد عبد الله أعور مختونًا، وهو الّذي قيل: إنّه الدَّجّال، ثمَّ أسلم، فهو تابعيٌّ، له رؤية" (^٣).
وترجم له الحافظ ابن حجر في "الإِصابة"، فذكر ما قاله الذهبي، ثمَّ قال: "ومِن ولده عُمارة بن عبد الله بن صيَّاد، وكان من خيار المسلمين، من أصحاب سعيد بن المسيِّب، روى عنه مالكٌ وغيره".
_________________
(١) = / ٤٧٨)، و"إتحاف الجماعة" (٢/ ٦٣ - ٦٤)، و"التصريح بما تواتر في نزول المسيح" (ص ١٨٣ - ١٨٥) من تعليق الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة.
(٢) انظر: "النهاية / الفتن والملاحم" (١/ ١٢٨)، تحقيق د. طه زيني.
(٣) هو الحافظ أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين البغدادي الواعظ المفسر، كان من حفاظ الحديث، ومن أوعية العلم، له عدة مصنفات، أكثرها في التفسير والتاريخ، توفي سنة (٣٨٥ هـ) ﵀. انظر ترجمته في: "شذرات الذهب" (٣/ ١١٧)، و"الأعلام" (٥/ ٤٠) للزركلي.
(٤) "تجريد أسماء الصّحابة" (١/ ٣١٩) (رقم ٣٣٦٦)، للحافظ الذهبي، طبع دار المعرفة ببيروت.
[ ٢٨٤ ]
ثمَّ ذكر جملة من الأحاديث في شأن ابن صيّاد؛ كما سيأتي ذكرها فيما بعد.
ثمَّ قال: "وفي الجملة لا معنى لذكر ابن صياد في الصّحابة؛ لأنّه إن كان الدَّجّالَ؛ فليس بصحابيٍّ قطعًا؛ لأنّه يموت كافرًا، وإن كان غيره؛ فهو حالَ لُقِيِّهُ النبيَّ - ﷺ - لم يكن مسلمًا" (^١).
لكن إن أسلم بعد ذلك؛ فهو تابعيٌّ له رؤية؛ كما قال الذهبي.
وترجم ابن حجر في كتابه "تهذيب التهذيب" لعُمارة بن صيَّاد، فقال: "عُمارة بن عبد الله بن صيَّاد الأنصاري، أبو أيوب المدني. روى عن: جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيّب، وعطاء بن يسار. وعنه: الضَّحاك بن عثمان الخُزامي، ومالك بن أنس، وغيرهما. قال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وكان مالك بن أنس لا يقدِّم عليه في الفضل أحدًا، وكانوا يقولون: نحن بنو أشيهب بن النَّجّار، فدفعهم بنو النَّجَّار، فهم اليوم حلفاء بني مالك بن النَّجَّار، ولا يُدْرى ممَّن هُم" (^٢).
أحواله:
كان ابن صيّاد دجّالًا، وكان يتكهَّنُ أحيانًا فيصدق ويكذب، فانتشر
_________________
(١) "الإِصابة في تمييز الصّحابة"، القسم الرّابع، ممّن اسمه (عبد الله)، (٣/ ١٣٣) رقم ٦٦٠٩) للحافظ ابن حجر العسقلاني، مطبعة السعادة، مصر، ط. الأولى، (١٣٢٨ هـ).
(٢) "تهذيب التهذيب" (٧/ ٤١٨) (رقم ٦٨١).
[ ٢٨٥ ]
خبره بين النَّاس، وشاع أنّه الدَّجّال؛ كما سيأتي في ذكر امتحان النّبيّ - ﷺ -
امتحان النّبيّ - ﷺ - له:
لما شاع بين النَّاس أمر ابن صيَّاد، وأنّه هو الدَّجَّال؛ أراد النّبيّ - ﷺ - أن يطَّلعَ على أمره، ويتبيَّنَ حالَه، فكان يذهب إليه مختفيًا حتّى لا يشعر به ابن صياد؛ رجاء أن يسمع منه شيئًا، وكان يوجِّه إليه بعض الأسئلة الّتي تكشف عن حقيقته.
ففي الحديث عن ابن عمر ﵄: أن عمر انطلق مع النّبيّ - ﷺ - في رهط قِبَل ابن صياد، حتّى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أُطُم (^١) بن مَغالة (^٢)، وقد قارب ابن صياد الحلم، فلم يشعر حتّى ضرب النّبيّ - ﷺ - بيده، ثمَّ قال لابن صيَّاد: "أتشهد أني رسول الله؟ ". فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صيَّاد للنبيﷺ -: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه، وقال: "آمنت بالله وبرسله". فقال له: "ما ترى؟ ". قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال النّبيّ - ﷺ -: "خلط عليك الأمر". ثمَّ قال له النّبيّ - ﷺ -: "إنِّي خبأت لك خبيئًا؟ ". فقال ابن صياد: هو الدُّخ (^٣). فقال: "اخسأ فلن تعدو قدرك". فقال عمر رضي الله
_________________
(١) (أطم)؛ بضمتين: بناء مرتفع كالحصن، وجمعه آطام. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٥٤)، و"فتح الباري" (٣/ ٢٢٠).
(٢) (مغالة): بفتح الميم والمعجمة الخفيفة: بطن من الأنصار. "فتح الباري" (٣/ ٢٢٠).
(٣) يريد الدخان لكنه قطمها على طريقة الكهان، كما سيأتي بيان ذلك.
[ ٢٨٦ ]
عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النّبيّ - ﷺ -: "إن يكنه؛ فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه؛ فلا خير لك في قتله" (^١).
وفي رواية أن النّبيّ - ﷺ - قال له: "ما ترى؟ ". قال: أرى عرشًا على الماء. فقال رسول الله - ﷺ -: "ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟ ". قال: أرى صادقين وكاذبًا، أو كاذبين وصادقًا. فقال رسول الله - ﷺ -: "لُبِّسَ عليه، دعوه" (^٢).
وقال ابن عمر ﵄: انطلق بعد ذلك رسول الله - ﷺ - وأبي بن كعب إلى النخل الّتي فيها ابن صياد، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النّبيّ - ﷺ - وهو مضطجعٌ -يعني: في قطيفة له فيها رمزة أو زمرة (^٣) -، فرأت أم ابن صياد رسول الله - ﷺ - وهو يتَّقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف -وهو اسم ابن صياد-! هذا محمَّد - ﷺ -. فثار ابن صياد، فقال النّبيّ - ﷺ -: "لو تركته بيَّن" (^٤).
وقال أبو ذرِّ ﵁: كان رسول الله - ﷺ - بعثني إلى أمه؛ قال:
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلّى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ (٣/ ٣١٨ - مع الفتح).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٤٩ - ٥٠ - مع شرح النووي).
(٣) (رمزة أو زمرة) على الشك في تقديم الراء على الزاي أو تأخيرها. ومعنى (رمزة): فعلة من الرمز، وهو الإشارة. وأمّا (زمرة): من الزمر، والمراد حكاية صوته. انظر: "فتح الباري" (٣/ ٢٢٠ - ٢٢١).
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلّى عليه؟، (٣/ ٣١٨ - مع الفتح).
[ ٢٨٧ ]
"سلها كم حملت به؟ ". فأتيتها، فسألتها، فقالت: حملتُ به اثني عشر شهرًا. قال: ثمَّ أرسلني إليها، فقال: "سلها عن صيحته حين وقع؟ ". قال: فرجعتُ إليها، فسألتُها، فقالت: صاح صيحة الصبي ابن شهر. ثمَّ قال له رسول الله - ﷺ -: "إنِّي قد خبأت لك خبئًا". قال: خبأت لي خطم شاة عفراء (^١) والدُّخان. قال: فأراد أن يقول الدُّخان، فلم يستطع، فقال: الدُّخ، الدُّخ (^٢).
فامتحان النّبيّ - ﷺ - له بـ (الدخان)؛ ليتعرف على حقيقة أمره.
والمراد بالدُّخان هنا قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فقد وقع في رواية ابن عمر عند الإِمام أحمد: "إنِّي قد خبأت لك خبيئًا، وخبأ له: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ " (^٣).
قال ابن كثير: "إن ابن صياد كاشف على طريقة الكهَّان، بلسان الجان، وهم يقرطون -أي: يقطعون- العبارة، ولهذا قال: هو الدُّخ؛
_________________
(١) (خطم شاة): أصل الخطم في السِّباع مقاديم أنوفها وأفواهها. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٥٠). و(العفراء): هي الّتي لونها غير ناصع كلون عفر الأرض؛ أي: وجهها. انظر: النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٢٦١).
(٢) "مسند أحمد" (٥/ ١٤٨ - بهامشه منتخب الكنز). قال ابن حجر في سنده: "صحيح" "فتح الباري" (١٣/ ٣٢٥). قال الهيثمي: "رواه أحمد والبزار والطبراني في "الأوسط"، ورجال أحمد رجال الصّحيح، غير الحارث بن حصيرة، وهو ثقة". "مجمع الزوائد" (٨/ ٢ - ٣).
(٣) "مسند أحمد" (٩/ ١٣٩) (ح ٦٣٦٠)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
[ ٢٨٨ ]
يعني: الدُّخان، فعندها عرف رسول الله - ﷺ - مادته، وأنّها شيطانية، فقال له: (اخسأ؛ فلن تعدو قدرك) " (^١).
وفاته:
عن جابر ﵁ قال: "فقدنا ابن صيَّاد يوم الحرَّة" (^٢).
وقد صحَّح ابن حجر لهذه الرِّواية، وضعَّف قول مَنْ ذهب إلى أنّه مات في المدينة، وأنّهم كشفوا عن وجهه، وصلَّوا عليه (^٣).
هل ابن صيَّاد هو الدَّجَّال الأكبر؟
مضى في الكلام على أحوال ابن صيَّاد وامتحان النّبيّ - ﷺ - له ما يدلُّ على أن النّبيّ - ﷺ - كان متوقِّفًا في أمر ابن صيَّاد؛ لأنّه لم يوحَ إليه أنّه الدَّجّال ولا غيره.
وكان عمر ﵁ يحلف عند النّبيّ - ﷺ - أن ابن صياد هو الدَّجّال، ولم يُنْكِر عليه ذلك رسولُ الله - ﷺ -.
وكان بعض الصّحابة ﵃ يرى رأي عمر، ويحلف أن ابن صيّاد هو الدَّجال، كما ثبت ذلك عن جابر، وابن عمر، وأبي ذر.
ففي الحديث عن محمَّد بن المنكدر (^٤)؛ قال: "رأيتُ جابر بن
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" (٧/ ٢٣٤).
(٢) "سنن أبي داود" (١١/ ٤٧٦ - مع عون المعبود).
(٣) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٣٢٨).
(٤) هو أبو عبد الله محمَّد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن عبد العزى التيمي، تابعي، وأحد الأئمة الأعلام، روى عن بعض الصّحابة، وتوفي سنة (١٣١ هـ) ﵀. =
[ ٢٨٩ ]
عبد الله يحلف بالله إن ابن صياد هو الدَّجّال. قلتُ: تحلف بالله؟! قال: إنِّي سمعتُ عمر يحلف على ذلك عند النّبيّ - ﷺ -، فلم ينكره النّبيّ - ﷺ -" (^١).
وعن نافعٍ (^٢)؛ قال: "كان ابن عمر يقول: والله ما أشكُّ أن المسيح الدَّجّال ابن صياد" (^٣).
وعن زيد بن وهب (^٤)؛ قال: "قال أبو ذر ﵁: لأنَّ أحلف عشر مرات أن ابن صائد هو الدَّجّال أحبُّ إليَّ من أن أحلف مرّة واحدة أنّه ليس به" (^٥).
وعن نافع؛ قال: لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة،
_________________
(١) = انظر: "تهذيب التهذيب" (٩/ ٤٧٣ - ٤٧٥).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، باب من رأى ترك النكير من النّبيّ - ﷺ - حجة لا من غير الرسول، (١٣/ ٢٢٣ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٥٢ - ٥٣ - مع شرح النووي).
(٣) هو أبو عبد الله الفقيه المدني مولى ابن عمر، أصابه في بعض مغازيه، روى عن كثير من الصّحابة، وكان ثقة كثير الحديث، توفي سنة (١١٩ هـ) ﵀. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٤١٢ - ٤١٤).
(٤) "سنن أبي داود" (١١/ ٤٨٣). قال ابن حجر: "سنده صحيح": "فتح الباري" (١٣/ ٣٢٥).
(٥) هو أبو سليمان زيد بن وهب الجهني الكوفي، رحل إلى النّبيّ - ﷺ -، فقبض وهو في الطريق، روى عن كثير من الصّحابة؛ كعمر، وعثمان، وعلي، وأبي ذر، وغيرهم ﵃، وكان ثقة كثير الحديث، توفي سنة (٩٦ هـ) ﵀. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٣/ ٤٢٧).
(٦) رواه الإِمام أحمد، وسبق تخريجه (ص ٢٦٨).
[ ٢٩٠ ]
فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتّى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله! ما أردتَ من ابن صائد؟! أمّا علمتَ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إنّما يخرُجُ من غضبةٍ يغضبها" (^١)؟!
وفي رواية عن نافع؛ قال: قال ابن عمر: لقيته مرتين؛ قال: فلقيته، فقلت لبعضهم: هل تَحَدَّثون أنَّه هو؟ قال: لا والله. قال: قلت: كذبتني، والله لقد أخبرني بعضكم أنّه لن يموت حتّى يكون أكثركم مالًا وولدًا، فكذلك هو زعموا اليوم. قال: فتحدَّثنا، ثمَّ فارقته. قال: فلقيتُه مرَّة أخرى وقد نفرت عينيه. قال: فقلتُ: متى فعلت عينُك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلتُ: لا تدري وهي في رأسك؟! قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه. قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت. قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتّى تكسَّرت، وأمّا أنا فوالله ما شعرتُ. قال: وجاء حتّى دخل على أم المؤمنين، فحدَّئَها، فقالت: ما تُريد إليه؟! ألم تعلم أنّه قد قال: "إن أول ما يبعثه على النَّاس غضبٌ يغضبه" (^٢).
وكان ابن صيَّاد يسمع ما يقوله النَّاس فيه، فيتأذَّى من ذلك كثيرًا، ويدافع عن نفسه بأنّه ليس الدَّجَّال، ويحتجُّ على ذلك بأن ما أخبر به النّبيّ - ﷺ - من صفات الدَّجَّال لا تنطبق عليه.
ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: "خرجنا حجَّاجًا أو عُمّارًا ومعنا ابن صائد. قال: فنزلنا منزلًا، فتفرَّق النَّاس، وبقيتُ
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٥٧ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم" (١٨/ ٥٧ - ٥٨ - مع شرح النووي).
[ ٢٩١ ]
أنا وهو، فاستوحشتُ منه وحشة شديدة ممّا يُقال عليه. قال: وجاء بمتاعه، فوضعه مع متاعي. فقلتُ: إن الحرَّ شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال: ففعل. قال: فرُفِعت لنا غنمٌ، فانطلق، فجاء بعس (^١)، فقال: اشرب أبا سعيد! فقلتُ: إن الحرير شديد، واللبن حارٌّ. ما بي إِلَّا أني أكره أن أشرب عن يده، أو قال: آخذ عن يده. فقال: أبا سعيد! لقد هممتُ أن آخذ حبلًا، فأعلقه بشجرة، ثمّ أختنق ممّا يقول لي النَّاس. يا أبا سعيد! من خفي عليه حديث رسول الله - ﷺ -؛ ما خفي عليكم معشر الأنصار. ألستَ من أعلم النَّاس بحديث رسول الله - ﷺ -؟ أليس قد قال رسول الله - ﷺ -: هو كافرٌ. وأنا مسلم؟ أوليس قد قال رسول الله - ﷺ -: هو عقيمٌ لا يولَدُ له. وقد تركتُ ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله - ﷺ - لا يدخل المدينة ولا مكّة. وقد أقبلتُ من المدينة، وأنا أُريد مكّة؟ قال أبو سعيد الخُدري: حتّى كدتُ أن أعذره. ثمَّ قال: أمّا والله إنِّي لأعرفه وأعرف مولده، وأين هو الآن. قال: قلتُ له: تبًّا لك سائر اليوم" (^٢).
وقال ابن صيَّاد في رواية: "أمّا والله إنِّي لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه. قال: وقيل له: أيسرُّك أنك ذاك الرَّجل؟ فقال: لو عُرِضَ
_________________
(١) (عُسي)؛ بضم العين: وهو القدح الكبير، وجمعه عساس؛ بكسر العين، وأعساس. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٢٣٦)، و"شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٥١).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٥١ - ٥٢ - مع شرح النووي).
[ ٢٩٢ ]
عليَّ ما كرهت" (^١).
وهناك بعض الروايات الّتي جاءت في شأن ابن صيَّاد، تركتُ ذكرها هنا خشية الإِطالة، ولأن بعض المحقِّقين كابن كثير وابن حجر وغيرهما ردُّوها لضعف أسانيدها (^٢).
وقد التبس على العلماء ما جاء في ابن صيَّاد، وأشكل عليهم أمره: فمن قائل: إنّه الدَّجَّال. ويحتج على ذلك بما سبق ذكره من حلف بعض الصّحابة ﵃ على أنّه الدَّجَّال، وبما كان من أمره مع ابن عمر وأبي سعيد ﵃.
وذهب بعض العلماء إلى أن ابن صياد ليس هو الدجَّال، ويحتج على ذلك بحديث تميم الدّاري ﵁، وقبل أن أسوق أقوال الفريقين أذكر حديث تميم بطوله:
روى الإِمام مسلم بسنده إلى عامر بن شراحيل الشّعبيّ (^٣) - شعب
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١٨/ ٥١ - مع شرح النووي).
(٢) انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٢٧)، تحقيق د. طه زيني، و"فتح الباري" (١٣/ ٣٢٦).
(٣) هو الإِمام الحافظ عامر بن شراحيل، وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل الشّعبيّ الحميري، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر، وروى عن كثير من الصّحابة، وكان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء ولا حدثني رجل بحديث إِلَّا حفظته، توفي بعد المئة وله من العمر تسعون سنة، ﵀. انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (٢/ ٦٤٣)، و"تهذيب التهذيب" (٥/ ٦٥ - ٦٩)
[ ٢٩٣ ]
همدان - أنّه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضَحّاك بن قيس - وكانت من المهاجرات الأوّل - فقال: حدثيني حديثًا سمعتيهِ من رسول الله - ﷺ - تسنديه إلى أحد غيره. فقالت: لئن شئت لأفعلنَ. فقال لها: أجل؛ حدَّثيني. فذكرت قصة تأيُمِها من زوجها، واعتدادها عند ابن أم مكتوم، ثمّ قالت: فلمَّا انقضت عدَّتي؛ سمعتُ نداء المنادي منادي رسول الله - ﷺ - ينادي: الصّلاة جامعة، فخرجتُ إلى المسجد، فصلّيتُ مع رسول الله - ﷺ -، فكنتُ في صف النِّساء الّتي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته؛ جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: "ليلزم كلّ إنسان مصلَّاه"، ثمَّ قال: "أتدرونَ لم جمعتُكُم؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إنِّي والله ما جمعتُكم لرغبةٍ ولا لرهبةٍ، ولكن جمعتُكُم لأنَّ تميمًا الدَّاريَّ (^١) كان رجلًا نصرانيًّا، فجاء، فبايع، وأسلم، وحدَّثني حديثًا وافق الّذي كنتُ أحدثكم عن مسيح الدَّجَّال، حدَّثني أنّه ركب في سفينة بحريَّة مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثمّ أرفؤوا (^٢) إلى جزيرةٍ في البحر، حتّى مغرب الشّمس، فجلسوا في
_________________
(١) هو أبو رقية، تميم بن أوس بن خارجة الداري، من بني لخم ﵁، كان من علماء أهل الكتاب، وقدم المدينة، وأسلم سنة تسع من الهجرة، وروى عن النّبيّ - ﷺ -، وروى عنه جماعة من الصّحابة؛ كابن عمر، وابن عبّاس، وأنس، وأبي هريرة ﵃، انتقل إلى الشّام بعد قتل عثمان، ونزل بيت المقدس، وتوفي سنة (٤٠ هـ). انظر: "تهذيب التهذيب" (١/ ٥١١ - ٥١٢).
(٢) (أرفؤوا): أرفأت السفينة إذا قربتها من الشط، والموضع الّذي تشد فيه: المرفأ. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٢٤١).
[ ٢٩٤ ]
أقرُب (^١) السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابَّه أهلب كثير الشعر، لا يدرون ما قُبُلُه من دُبُرِه من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرَّجل في الدَّير (^٢)؛ فإنّه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمَّت لنا رجلًا؛ فرِقْنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعًا حتّى دخلنا الدَّير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قطُّ خَلْقًا، وأشدُّه وثاقًا، مجموعةٌ يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد؛ قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحريًة، فصادَفْنا البحر حين اغتلم (^٣)، فلعب بنا الموج شهرًا، ثمَّ أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقرُبها، فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثير الشعر لا يُدرى ما قُبُلُه من دُبُرِه من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجسَّاسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: عمدوا إلى لهذا الرَّجل
_________________
(١) (أقرب)، بضم الراء: سفن صغار تكون مع السفن الكبار كالجنائب لها يتصرف فيها الركاب لقضاء حوائجهم، واحدها: قارب، وجمعه قوارب، وإما أقرب: فهو صحيح، ولكنه خلاف القياس. وقيل: أقرب السفينة: أدانيها وما قارب الأرض منها. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ٣٥)، و"شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٨١).
(٢) (الدير): بيت يتعبد فيه الرهبان، ويقال له دير إذا كان في الصحاري ورؤوس الجبال، وأمّا إذا كان في الأمصار؛ فيقال له بيعة أو كنيسة. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٤٩٥).
(٣) (اغتلم): أي: هاج واضطرمت أمواجه. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٣٨٢).
[ ٢٩٥ ]
في الدَّير؛ فإنّه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. قال: أخبروني عن نخل بيسان (^١)؟ قلنا: عن أي شأنّها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها: هل يُثْمِر؟ قلنا له: نعم. قال: أمّا إنّه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة طبريَّة؟ قلنا* عن أي شأنّها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر (^٢)؟ قالوا: عن أي شأنّها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم؛ هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأمبين؛ ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكّة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنّه قد ظهر على مَنْ يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أمّا إن ذاك خيرٌ لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني: إنِّي أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذَنَ
_________________
(١) (بيسان)، بالفتح ثمّ السكون وسين مهملة ونون، مدينة بالأردن بالغور الشامي، ويقال: هي لسان الأرض، وهي بين حوران وفلسطين، وبها عين الفلوس، وهي عين فيها ملوحة يسيرة، وتوصف بكثرة النخل. قال ياقوت: "وقد رأيتها مرارًا فلم أر فيها غير نخلتين حائلتين، وهو من علامات خروج الدجَّال". انظر: "معجم البلدان" (١/ ٥٢٧).
(٢) (زغر): على وزن زفر وصرد، وآخره راء مهملة. قال ياقوت: "حدثني الثقة أن زغر هذه في طرف البحيرة المنتنة في واد هناك بينها وبين بيت المقدس ثلاثة أيّام، وهي من ناحية الحجاز، ولهم هناك زروع". انظر: "معجم البلدان" (٣/ ١٤٢ - ١٤٣)، و"النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٣٠٤).
[ ٢٩٦ ]
لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إِلَّا هبطتها في أربعين ليلة؛ غير مكّة وطيبة، فهما محرَّمتان عليَّ كلتاهما، كلما أردتُ أن أدخل واحدة -أو واحدًا- منهما؛ استقبلني ملكٌ بيده السيف صلتًا يصدُّني عنها، وإن على كلّ نَقْب (^١) منها ملائكة يحرسونها".
قالت: قال رسول الله - ﷺوطعن بمخصرته (^٢) في المنبر-: "هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة -يعني: المدينة-. ألَّا هل كنت حدَّثتكم ذلك؟ ". فقال النَّاس: نعم. "فإنّه أعجبني حديث تميم أنّه وافقال في كنتُ أحدِّثكم عنه، وعن المدينة ومكة، ألَّا إنّه في بحر الشّام، أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو (وأومأ بيده إلى المشرق) ".
قالت: فحفظتُ لهذا من رسول الله - ﷺ - (^٣).
قال ابن حجر: "وقد توهَّم بعضُهم أنّه -أي: حديث فاطمة بنت قيس- غريب فرد، وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر" (^٤)؛ ﵃.
_________________
(١) (نقب): هو الطريق بين الجبلين. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٥/ ١٠٢).
(٢) (المخصرة): هي ما يختصره الإنسان بيده، فيمسكه من عصا أو عكازة أو مقرعة أو قضيب، وقد يتكىء عليه. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٣٦).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٧٨ - ٨٣ - مع شرح النووي).
(٤) "فتح الباري" (١٣/ ٣٢٨). =
[ ٢٩٧ ]
أقوال العلماء في ابن صيَّاد:
قال أبو عبد الله القُرطبيُّ: "الصّحيح أن ابن صيَّاد هو الدَّجَّال؛ بدلالة ما تقدَّم، وما يبعد أن يكون بالجزيرة في ذلك الوقت، ويكون بين أظهر الصّحابة في وقت آخر" (^١).
وقال النووي: "قال العلماء: وقصَّته مشكلة، وأمره مشتبه في أنّه هل هو المسيح الدَّجّال المشهور أم غيره، ولا شك في أنّه دجَّال من الدَّجاجلة.
قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النّبيّ - ﷺ - لم يوحَ إليه بأنّه المسيح الدَّجَّال ولا غيره، وإنّما أُوحِيَ إليه بصفات الدَّجَّال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النّبيّ - ﷺ - لا يقطع بأنّه الدَّجَّال ولا غيره، ولهذا قال لعمر ﵁: "إن يكن هو؛ فلن تستطيع قتله".
وأمّا احتجاجه هو بأنّه مسلم والدَّجَّال كافر، وبأنّه لا يولد للدَّجّال وقد ولد له هو، وأنّه لا يدخل مكّة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجِّه إلى مكّة؛ فلا دلالة له فيه؛ لأنَّ النّبيّ - ﷺ - إنّما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض.
_________________
(١) = قلت: وممَّن رد هذا الحديث العظيم الشّيخ أبو عبية، فقد قال: "هذا الحديث عليه طابع الخيال، وسمة الوضع". ونسأل أبا عبية: بأي دليل يردّ حديثًا صحيحًا تلقَّته الأمة بالقبول؟! اللَّهُمَّ إِلَّا الشذوذ والسعي وراء العقل القاصر، غفر الله لنا وله. انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٩٦)، بتعليق الشّيخ محمّد فهيم أبو عبية.
(٢) "التذكرة" (ص ٧٠٢).
[ ٢٩٨ ]
ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكاذبين قوله للنبيﷺ -: أتشهد أني رسول الله؟! ودعواه أنّه يأتيه صادق وكاذب، وأنّه يرى عرشًا فوق الماء، وأنّه لا يكره أن يكون هو الدَّجَّال، وأنّه يعرف موضعه، وقوله: إنِّي لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، وانتفاخه حتّى ملأ السكة.
وأمّا إظهاره الإسلام، وحجُّه، وجهاده، وإقلاعه عما كان عليه؛ فليس بصريح في أنّه غير الدَّجّال" (^١).
وكلام النووي هذا يُفْهَم منه أنَّه يرجِّح كون ابن صياد هو الدَّجّال.
وقال الشوكاني: "اختلف النَّاس في أمر ابن صياد اختلافًا شديدًا، وأشكل أمره، حتّى قيل فيه كلّ قول، وظاهر الحديث المذكور أن النّبيّ - ﷺ - كان متردِّدًا في كونه الدَّجّال أم لا؟
وقد أُحبيب عن التردُّد منه - ﷺ - بجوابين:
الأوّل: أنّه تردَّد - ﷺ - قبل أن يُعْلِمَهُ الله بأنّه هو الدَّجّال، فلما أعلمه؛ لم ينكر على عمر حَلِفَه.
الثّاني: أن العرب قد تُخْرِج الكلام مخرج الشك، وان لم يكن في الخبر شكٌّ.
ومما يدلُّ على أنَّه هو الدَّجَّال ما أخرجه عبد الرزَّاق (^٢) بإسناد صحيح عن ابن عمر؛ قال: "لقيت ابن صياد يومًا -ومعه رجلٌ من اليهود- فإذا عينُه قد طفت وهي خارجةٌ مثل عين الحمار، فلما رأيتُها؛ قلتُ: أنشدك الله يا
_________________
(١) "شرح النوويّ لمسلم" (١٨/ ٤٦ - ٤٧).
(٢) "المصنِّف" (١١/ ٣٩٦)، تحقيق حبيب الرّحمن الأعظمي.
[ ٢٩٩ ]
ابن صياد! متى طفت عينك؟ قال: لا أدري والرّحمن. قلت: كذبت وهي في رأسك. قال: فمسحها ونخر ثلاثًا" (^١).
وقد سبق ذكر نحو هذه القصة من رواية الإِمام مسلم (^٢).
والذي يظهر لي من كلام الشوكاني أنّه مع القائلين بأن ابن صياد هو الدَّجَّال الأكبر.
وقال البيهقي (^٣) في سياق كلامه على حديث تميم: "فيه أن الدَّجَّال الأكبر الّذي يخرج في آخر الزّمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدَّجالين الكذابين الذين أخبر - ﷺ - بخروجهم، وقد خرج أكثرهم.
وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدَّجَّال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا، فالجمع بينهما بعيد جدًّا، إذ كيف يلتئم أن يكون مَنْ كان في أثناء الحياة النبوية شبه محتلم، ويجتمع به النّبيّ - ﷺ - ويسأله؛ أن يكون في آخرها شيخًا كبيرًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر، موثقًا بالحديد، يستفهم عن خبر النّبيّ - ﷺ - هل خرج أو لا؟!
فالأولى أن يُحْمَلَ على عدم الاطلاع.
_________________
(١) "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار" (٧/ ٢٣٠ - ٢٣١) للشوكاني، طبعة مصطفى الحلبي، مصر.
(٢) (ص ٢٧٠ - ٢٧١).
(٣) هو الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الشّافعيّ، صاحب المصنفات؛ كـ "السنن الكبرى"، و"الصغرى"، و"دلائل النبوة"، و"المبسوط"، وغيرها، توفي في نيسابور سنة (٤٥٨ هـ) ﵀. انظر: "شذرات الذهب" (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، و"الأعلام" (١/ ١١٦).
[ ٣٠٠ ]
أمّا عمر؛ فيُحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم، ثمَّ لما سمعها؛ لم يعد إلى الحلف المذكور.
وأمّا جابر؛ فشهد حلفه عند النّبيّ - ﷺ -، فاستصحب ما كان اطَّلع عليه من عمر بحضرة النّبيّ - ﷺ -" (^١)
قلت: لكن جابر ﵁ كان من رواة حديث تميم؛ كما جاء في رواية أبي داود، حيث ذكر قصة الجساسة والدَّجال بنحو قصة تميم، ثمَّ قال ابن أبي سلمة (^٢): "إن في هذا الحديث شيئًا ما حفظتُه؛ قال (^٣): شهد جابر أنّه هو ابن صائد. قلت: فإنّه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنَّه قد أسلم. قال: وإن أسلم. قلت: فإنَّه قد دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة" (^٤).
فجابر ﵁ مصرٌّ على أن ابن صياد هو الدَّجّال، وان قيل:
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧).
(٢) هو عمر بن أبي مسلمة بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهريُّ قاضي المدينة، صدوق يخطئ، قتل بالشام سنة (١٣٢ هـ). انظر: "تقريب التهذيب" (٢/ ٥٦).
(٣) القائل هو أبو سلمة بن عبد الرّحمن والد عمر. انظر: "عون المعبود" (١١/ ٤٧٧).
(٤) "سنن أبي داود"، كتاب الملاحم، باب في خبر الجساسة، (١١/ ٤٧٦ - مع عون المعبود). قال ابن حجر على هذا الحديث: "ابن أبي سلمة عمر فيه مقال، ولكنه حديث حسن، ويتعقب به على مَنْ زعم أن جابر لم يطلع على قصة تميم". "فتح الباري" (١٣/ ٣٢٧).
[ ٣٠١ ]
إنّه أسلم، ودخل المدينة، ومات.
وقد تقدَّم أنّه صحَّ عن جابر ﵁ أنّه قال: "فقدنا ابن صياد يوم الحرة" (^١).
وقال ابن حجر: "أخرج أبو نُعيم الأصبهاني (^٢) في "تاريخ أصبهان" (^٣) ما يؤيِّد كون ابن صياد هو الدّجَّال، فساق من طريق شبيل بن عرزة عن حسان بن عبد الرّحمن عن أبيه؛ قال: لما افتتحنا أصبهان؛ كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها فنختار منها، فأتيتها يومًا، فإذا اليهود يزفنون ويضربون، فسألت صديقًا لي منهم؟ فقال: ملكنا الّذي نستفتح به على العرب يدخل، فبتُّ عنده على سطحٍ، فصلّيتُ الغداة، فلما طلعت الشّمس؛ إذا الرهج من قبل العسكر، فنظرتُ، فإذا رجلٌ عليه قبة من ريحان، واليهود يزفنون ويضربون، فنظرتُ، فإذا هو ابن صياد، فدخل المدينة فلم يعد حتّى السّاعة" (^٤).
قال ابن حجر: "ولا يلتئم خبر جابر هذا (أي: فقدهم لابن صياد يوم
_________________
(١) تقدّم تخريجه.
(٢) هو الحافظ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني، صاحب المصنفات الكبار؛ كـ "حلية الأولياء" وغيرها، كان من الثقات، ولد ومات في أصبهان سنة (٤٣٠ هـ) ﵀. انظر: "شذرات الذهب" (٣/ ٢٤٥)، و"الأعلام" (١/ ١٥٧).
(٣) ذكر أخبار أصبهان" (ص ٢٨٧ - ٢٨٨) لأبي نُعيم، طبع في مدينة ليدن بمطبعة بريل، (١٩٣٤ م).
(٤) "فتح الباري" (٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، قال ابن حجر: "عبد الرّحمن بن حسان ما عرفته والباقون ثقات".
[ ٣٠٢ ]
الحرة) مع خبر حسان بن عبد الرّحمن؛ لأنَّ فتح أصبهان كان في خلافة عمر؛ كما أخرجه أبو نعيم في "تاريخها"، وبين قتل عمر ووقعة الحرَّة نحو أربعين سنة.
ويمكن الحمل على أن القصة إنّما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان بهذه المدة، ويكون جواب (لما) في قوله: "لما افتتحنا أصبهان" محذوفًا تقديره: صرتُ أتعاهدها، وأتردَّد إليها، فجرت قصة ابن صياد، فلا يتَّحد زمان فتحها وزمان دخولها ابن صياد" (^١).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن "أمر ابن صياد قد أشكل على بعض الصّحابة، فظنُّوه الدَّجّال، وتوقَّف فيه النّبيّ - ﷺ - حتّى تبيَّن له فيما بعد أنّه ليس هو الدَّجّال، وإنّما هو من جنس الكهَّان أصحاب الأحوال الشيطانية، ولذلك كان يذهب ليختبره" (^٢).
وقال ابن كثير: "والمقصود أن ابن صياد ليس بالدَّجّال الّذي يخرج في آخر الزّمان قطعًا؛ لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية، وهو فيصل في هذا المقام" (^٣).
هذه هي طائفة من أقوال العلماء في ابن صيَّاد، وهي -كما ترى- متضاربة في شأن ابن صياد، ومع كلّ دليلُه.
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ٣٢٨).
(٢) انظر: "الفرقان بين أولياء الرّحمن وأولياء الشيطان" (ص ٧٧)، الطبعة الثّانية، عام ١٣٧٥ هـ في مطابع الرياض.
(٣) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٧٠)، تحقيق د. طه زيني.
[ ٣٠٣ ]
ولهذا فقد اجتهد الحافظ ابن حجر في التوفيق بين الأحاديث المختلفة، فقال: "أقرب ما يُجمع به بين ما تضمَّنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدَّجّال أن الدَّجّال بعينه هو الّذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطانٌ تبدَّى في سورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجّه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة الّتي قدَّر الله تعالى خروجه فيها، ولشدَّة التباس الأمر في ذلك؛ سلك البخاريّ مسلك الترجيح، فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صيّاد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم" (^١).
ابن صيَّاد حقيقة لا خرافة:
زعم أبو عبية أن "شخصية ابن صياد خرافة جازت على بعض العقول، فعاشت قصتها في بعض الكتب منسوبة إلى الرسول، والرسول عليه صلوات الله لا يصدر عنه من القول والفعل إِلَّا ما هو لُباب الحق ومُصاصه، ولقد آن الأوان لنأخذ بعين الاعتبار والجد روح الحديث ومعناه، ودلالته ومرماه؛ كما نأخذ سنده وطريقه؛ لتنجو مداركنا الإِسلامية من الشطط والغلط" (^٢).
هذا ما قاله الشّيخ أبو عبية في تعليقه على الأحاديث الواردة في ابن صيَّاد!!
ويُرَدُّ عليه بأن الأحاديث الواردة في ابن صياد صحيحة، جاءت بها
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ٣٢٨).
(٢) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٠٤)، تحقيق محمَّد أبو عبية.
[ ٣٠٤ ]
كتب السنة؛ كـ "الصحيحين"، وغيرهما، وليس في أحاديث ابن صيَّاد مخالفة لروح الحديث ولباب الحق، فابن صيَّاد -كما سبق- اشتبه أمره على المسلمين، وكان دجَّالًا من الدَّجاجلة، أظهر الله كذبه وباطله للرسول - ﷺ - والمسلمين.
وأبو عبيَّة متناقض في كلامه، فنجده في بعض تعليقاته على أحاديث ابن صياد يقول: "والحق أن ابن صياد قال كلمة بتراء لا معنى لها، على عادة الكهَّان، وأنّه لم يكن يعني شيئًا بكلمته، فهو مشعوذٌ أفّاك" (^١).
فكلامه هنا فيه اعترافٌ بأن ابن صياد مشعوذٌ أفّاك! فكيف يكون في وقت خرافة وفي وقت آخر رجلٌ مشعوذ؟!
لا شك أن أبا عبية متناقض في كلامه.
والمتتبِّع لتعليقات الشّيخ أبي عبيَّة على كتاب "النهاية/ الفتن والملاحم" للحافظ ابن كثير يرى العجب، فقد أطلق أبو عبيَّة لعقله العنان فيما أورده ابن كثير من الأحاديث، فما رآه هو وقَبِلَه؛ فهو الحق، وما سوى. ذلك؛ أوَّله بتأويلات مخالفة لظاهر الأحاديث، أو حكم على الأحاديث الصحيحة بالوضع؛ بدون دليل ولا برهان على صحيح.
يقول أبو عبيَّة على أحاديث ابن صيّاد: "هل الطفل مكلَّف؟ وهل يبلغ اهتمام الرسول بهذا المزعوم أن يقف إليه ويسأله هذا السؤال؟ وهل من المعقول أن ينتظر حتّى يتلقى جوابه؟ وهل من المقبول أن يسمح له بهذا الجواب الكافر المدَّعي للنبُوَّة والرسالة؟ وهل يبعث الله أطفالًا؟ أسئلة
_________________
(١) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٨٨).
[ ٣٠٥ ]
نسوقها إلى أولئك الذين يشلُّون عقولهم عن التفكير السديد الرشيد" (^١).
ويُجاب عن كلام أبي عبية هذا بأنّه لم يقل أحدٌ: إن الطفل مكلَّف، ولا إن الله يبعث أطفالًا، وإنّما أراد النّبيّ - ﷺ - أن يطَّلع على أمر ابن صياد؛ أهو الدَّجّال حقيقة أم لا؟ لأنّه شاع في المدينة أنّه الدَّجّال الّذي حذَّر منه النّبيّ - ﷺ -، وكان لم يوحَ إليه في أمر ابن صياد شيئًا، فرأى رسول الله - ﷺ - أن ما يكشف دجله -وهو مميِّزٌ يعقل الخطّاب- أن يقول له: "أتشهد أني رسول الله؟ " إلى أن قال له: "إنِّي قد خبأت لك خبيئًا؟ " إلى غير ذلك من الأسئلة الّتي وجَّهها إليه رسول الله - ﷺ -.
فليس المقصود بهذا الكلام تكليف ابن صيّاد بالإِسلام، وإنّما القصد إظهار حقيقة أمره، وإذا كان القصد ما ذكرنا؛ فلا غرابة أن يقف الرسول - ﷺ - ليرى جوابه، وقد ظهر من جوابه أنّه دجّال من الدَّجاجلة.
وأيضًا؛ فإنّه ليس هناك أي مانع في أن يَعرض النبيُّ - ﷺ - الإسلام على الصغير؛ فإن البخاريّ ﵀ أورد قصة ابن صياد وترجم لها بقوله: "باب كيف يُعْرَضُ الإسلام على الصبي" (^٢).
وأمّا كون النّبيّ - ﷺ - لم يعاقب ابن صياد مع ادِّعائه النبوَّة؛ فشبهة أثارها عدم اطلاع أبي عبية على أقوال العلماء في ذلك، وقد أجابوا عمَّا ذكره بأجوبة؛ منها:
_________________
(١) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٠٤).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الجهاد، باب كيف يعرض الإسلام على الصبي، (٦/ ١٧١ - مع الفتح).
[ ٣٠٦ ]
١ - أن ابن صيَّاد كان من يهود المدينة أوحلفائهم، وكان بينهم وبين النّبيّ - ﷺ - في تلك المدة عهدٌ ومهادنة، وذلك أن النّبيّ - ﷺ - عندما قدم المدينة كتب بينه وبين اليهود، وصالحهم على أن لا يُهاجَوْا وأن يُتْرَكوا على دينهم.
ويؤيِّد هذا ما رواه الإِمام أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ في ذكر قصة ذهاب النّبيّ - ﷺ - إلى ابن صياد ومقالته، وقول عمر ﵁: ائذن لي فأقتله يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن يكن هو؛ فلست صاحبه؛ إنّما صاحبه عيسى بن مريم ﵊، وإلا يكن هو؛ فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد" (^١).
وإلى هذا الجواب ذهب الخطابي (^٢) والبغويِ (^٣).
- وقال ابن حجر: "هو المتعيِّن" (^٤).
٢ - أن ابن صيَّاد كان في ذلك الوقت صغيرًا، لم يبلغ الحلم.
ويؤِّيد هذا الجواب ما رواه البخاريّ عن ابن عمر ﵄ في قصة ذهاب النّبيّ - ﷺ - إلى ابن صياد، وفيها قوله: "حتّى وجده يلعب مع الغلمان عند أُطُم بني مَغالة، وقد قارب يومئذ ابن صياد يحتلم" (^٥).
_________________
(١) "الفتح الرِّبَاني" (٢٤/ ٦٤ - ٦٥). قال الهيثمي: "رجاله رجال الصّحيح". "مجمع الزوائد" (٨/ ٣ - ٤).
(٢) "معالم السنن" (٦/ ١٨٢).
(٣) "شرح السنة" (١٥/ ٨٠) تحقيق شعيب الأرناؤوط.
(٤) "فتح الباري" (٦/ ١٧٤).
(٥) "صحيح البخاريّ"، (٦/ ١٧٢ - مع الفتح).
[ ٣٠٧ ]
واختار القاضي عياض لهذا الجواب (^١).
٣ - وهناك جواب ثالث ذكره الحافظ ابن حجر، وهو أن ابن صياد لم يصرِّح بدعوى النبوة، وإنّما أوهم أنّه يدَّعي الرسالة، ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى النبوَّة؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣] (^٢).
* مكان خروج الدَّجّال:
يخرج الدجّال من جهة المشرق؛ من خراسان (^٣)، من يهودية أصبهان (^٤)، ثمَّ يسير في الأرض، فلا يترك بلدًا إِلَّا دخله؛ إِلَّا مكّة والمدينة، فلا يستطيع دخولهما؛ لأنَّ الملائكة تحرسهما.
ففي حديث فاطمة بنت قيس السابق أن النّبيّ - ﷺ - قال في الدَّجّال: "ألَّا إنّه في بحر الشّام، أو بحر اليمن، لا بل من قِبَل المشرق ما هو، من
_________________
(١) "شرح النوويّ لمسلم" (١٨/ ٤٨).
(٢) "فتح الباري" (٦/ ١٧٤).
(٣) (خراسان): بلاد واسعة في جهة المشرق، وتشتمل على عدة بلدان؛ منها: نيسابور، وهراة، ومرو، وبلخ، وما يتخلل ذلك من المدن دون نهر جيحون. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٣٥٠).
(٤) (أصبهان): قال ياقوت: "مدينة أصبهان بالموضع المعروف بـ (جي)، وهو الآن يعرف بـ (شهرستان)، وبـ (المدينة)، فلما سار بختنصر وأخذ بيت المقدس وسبى أهلها؛ حمل معه يهودها، وأنزلها أصبهان، فبنوا لهم في طرف مدينة جي محلة، ونزلوها، وسميت اليهودية فمدينة أصبهان اليوم هي اليهودية". "معجم البلدان" (١/ ٢٠٨).
[ ٣٠٨ ]
قبل المشرق ما هو (وأومأ بيده إلى المشرق) " (^١).
وعن أبي بكر الصدِّيقِ ﵁؛ قال: حدّثنا رسول الله - ﷺ -؛ قال: "الدَّجَّالُ يخرج من أرض بالمشرق؛ يُقالُ لها: خراسان" (^٢).
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يخرج الدَّجَّال من يهودية أصبهان، معه سبعونٍ ألفًا من اليهود" (^٣).
قال ابن حجر: "وأمّا من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزمًا" (^٤).
وقال ابن كثير: "فيكون بدء ظهوره من أصبهان، من حارة يقال لها: اليهودية" (^٥).
* الدَّجَّال لا يدخل مكّة والمدينة:
حرم على الدجَّال دخول مكّة والمدينة حين يخرج في آخر الزّمان؛ لورود الأحاديث الصحيحة بذلك، وأمّا ما سوى ذلك من البلدان؛ فإن الدّجَّال سيدخلها واحدًا بعد الآخر.
جاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ أن الدَّجَّال قال:
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١٨/ ٨٣ - مع شرح النووي).
(٢) "جامع التّرمذيّ"، باب ما جاء من أين يخرج الدجال؟ (٦/ ٤٩٥ - مع تحفة الأحوذي). قال الألباني: "صحيح". "صحيح الجامع الصغير" (٣/ ١٥٠) (ح ٣٣٩٨).
(٣) "الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد" (٢٤/ ٧٣). قال ابن حجر: "صحيح". "فتح الباري" (١٣/ ٣٢٨).
(٤) "فتح الباري" (١٣/ ٩١).
(٥) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٢٨)، تحقيق د. طه زيني.
[ ٣٠٩ ]
"فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إِلَّا هبطتُها في أربعين ليلة؛ غير مكّة وطيبة (^١)، فهما محرَّمتان على كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة - أو واحدًا- منهما؛ استقبلني مَلَك بيده السيف صلتًا يصدُّني عنها، وإن على كلّ نقبٍ منها ملائكة يحرسونها" (^٢).
وثبت أيضًا أن الدَّجَّال لا يدخل أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، والمسجد الأقصى.
روى الإِمام أحمد عن جُنادة بن أبي أُميَّة الأزدي؛ قال: ذهبتُ أنا ورجل من الأنصار إلى رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، فقلنا: حدّثنا ما سمعت من رسول الله - ﷺ - يذكر في الدجال (فذكر الحديث، وقال:) "وإنه يمكث في الأرض أربعين صباحًا، يبلغ فيها كلّ منهل، ولا يقرب أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، ومسجد الأقصى" (^٣).
وأمّا ما ورد في الصحيحين (^٤) أن النّبيّ - ﷺ - رأى رجلًا، جعدًا،
_________________
(١) (طيبة): هي المدينة المنورة.
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قصة الجساسة، (١٨/ ٨٣ - مع شرح النوويّ).
(٣) "الفتح الرباني" (٢٤/ ٧٦ - ترتيب الساعاتي). قال الهيثمي: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٤٣). وقال ابن حجر: "رجاله ثقات". "فتح الباري" (١٣/ ١٠٥).
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾، (٦/ ٤٧٧ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم -﵇- والمسيح الدجال، (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٥ - مع شرح النووي).
[ ٣١٠ ]
قططًا، أعور عين اليمنى، واضعًا يديه على منكبي رجل، يطوف بالبيت، فسأل عنه؟ فقالوا: إنّه المسيح الدَّجَّال. فيجاب عنه بأن منع الدّجَّال من دخول مكّة والمدينة إنّما يكون عند خروجه في آخر الزّمان. والله أعلم (^١).
* أتباع الدَّجَّال:
أكثر أتباع الدَّجَّال من اليهود والعجم والترك، وأخلاط من النَّاس، غالبهم الإعراب والنساء.
روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "يتبع الدَّجَّال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطَّيالسة" (^٢).
وفي رواية للإِمام أحمد: "سبعون ألفًا عليهم التَيجان" (^٣).
وجاء في حديث أبي بكر السابق: "يتبعه أقوامٌ كأنَّ وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة" (^٤).
قاد ابن كثير: "والظاهر -والله أعلم- أن المراد هؤلاء الترك أنصار الدَّجّال" (^٥).
_________________
(١) انظر: "شرح النووي لمسلم" (٢/ ٢٣٤)، و"فتح الباري" (٦/ ٤٨٨ - ٤٨٩).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في بقية من أحاديث الدَّجَّال، (١٨/ ٨٥ - ٨٦ - مع شرح النووي).
(٣) "الفتح الرِّبَا ني ترتيب المسند" (٢٤/ ٧٣). والحديث صحيح. انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٢٣٨).
(٤) رواه التّرمذيّ، ومر تخريجه (ص ٢٩١).
(٥) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١١٧) تحقيق د. طه زيني.
[ ٣١١ ]
قلت: وكذلك بعض الأعاجم؛ كما جاء وصفهم في حديث أبي هريرة: "لا تقوم السّاعة حتّى تقاتلوا خوزًا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجو، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة، نعالهم الشعر" (^١).
وأمّا كون أكثر أتباعه من الإعراب؛ فلأن الجهل غالبٌ عليهم، ولما جاء في حديث أبي أُمامة الطويل قوله - ﷺ -: "وإن من فتنته -أي: الدجَّال- أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثتُ لك أباك وأمَّك؛ أتشهد أنى ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثَلُ له شيطانان في سورة أبيه وأمِّه، فيقولان: يا بني! اتْبَعْهُ؛ فإنَّه ربُّك" (^٢).
وأمّا النِّساء؛ فحالهنَّ أشدُّ من حال الإعراب؛ لسرعة تأثُّرهن، وغلبة الجهل عليهن، ففي الحديث عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال النّبيّ - ﷺ -: "ينزل الدَّجَّال في هذه السبخة بمرقناة (^٣)، فيكون أكثر من يخرج إليه النِّساء، حتّى إن الرَّجل يرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمَّته فيوثقها رباطًا؛ مخافة أن تخرج إليه" (^٤).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، (٦/ ٦٠٤ - فتح).
(٢) "سنن ابن ماجه"، كتاب الفتن، باب فتنة الدَّجال وخروج عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، (٢/ ١٣٥٩ - ١٣٦٣)، والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ٢٧٣ - ٢٧٧) (ح ٧٧٥٢).
(٣) (مرقناة): واد بالمدينة يأتي من الطائف، ويمر بطرف القدوم في أصل قبور الشهداء بأحد. انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٤٠١).
(٤) "مسند أحمد" (٧/ ١٩٠) (ح ٥٣٥٣)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
[ ٣١٢ ]
* فتنة الدَّجَّال:
فتنة الدَّجَّال أعظم الفتن منذ خلق الله آدم إلى قيام السّاعة، وذلك بسبب ما يخلق الله معه من الخوارق العظيمة الّتي تبهر العقول، وتحيِّر الألباب.
فقد ورد أن معه جنَّةً ونارًا، وجنَّتُه نارٌ، ونارُه جنَةٌ، وأن معه أنّهار الماء، وجبال الخبز، ويأمر السَّماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تُنْبِت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض، ويقطع الأرض بسرعة عظيمة؛ كسرعة الغيث استدبرته الريح إلى غير ذلك من الخوارق.
وكل ذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة:
فمنها ما رواه الإِمام مسلم عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الدَّجَّالُ أعورُ العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنَّةٌ ونارٌ، فناره جنَّة، وجنَّتُه نارٌ" (^١).
ولمسلم أيضًا عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لأنا أعلم بما مع الدَّجَّال منه، معه نهران يجريان، أحدهما رأي العين ماءٌ أبيض، والآخر رأي العين نارٌ تأجَّج، فإمَّا أدركن أحدٌ؛ فليأت النهر الّذي يراه نارًا، وليغمض، ثمَّ ليطأطئ رأسه، فيشرب منه؛ فإنَّه ماءٌ باردٌ" (^٢).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجَّال، (١٨/ ٦٠ - ٦١ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجَّال، (١٨/ ٦١ - مع شرح النووي).
[ ٣١٣ ]
وجاء في حديث النواس بن سمعان ﵁ في ذكر الدَّجَّال أن الصّحابة قالوا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قالوا: وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث إذا استدبرته الريح، فيأتي على القوم، فيدعوهم، فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السَّماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم (^١) أطول ما كانت ذَرًّا (^٢)، وأسبغه (^٣) ضروعًا، وأمده خواصر، ثمَّ يأتي القوم، فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحِلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمرُّ بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (^٤)، ثمَّ يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رميةَ الغرض، ثمَّ يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك" (^٥).
_________________
(١) (سارحتهم): السارحة هي الماشية.
(٢) (ذرا): بضم الذال المعجمة وهي الأعالي والأسنمة.
(٣) (أسبغة): بالسين المهملة والغين المعجمة؛ أي: أطوله لكثرة اللبن، وكذا أمده خواصر لكثرة امتلائها من الشبع. انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٦٦).
(٤) (يعاسيب النحل): هي ذكور النحل. وقال القاضي عياض: "أي: جماعاتها، وأصل اليعسوب أمير النحل، ويسمى كلّ سيد يعسوبًا، وإذا طار أمير النحل؛ اتبعته جماعاتها". "مشارق الأنوار" (٢/ ٣٠٥) للقاضي عياض، طبع دار التراث، القاهرة، وانظر: "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٦٧).
(٥) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٥ - ٦٦ - مع شرح النووي).
[ ٣١٤ ]
وجاء في رواية البخاريّ عن أبي سعيد الخُدري ﵁ أن هذا الرَّجل الّذي يقتله الدجَّال من خيار النَّاس، أو خير النَّاس؛ يخرج إلى الدجال من مدينة رسول الله - ﷺ -، فيقول للدَّجَّال: "أشهد أنك الدَّجَّال الّذي حدَّثنا رسول الله - ﷺ - حديثه. فيقول الدَّجَّال: أرأيتُم إن قتلتُ هذا ثمّ أحييتُه؛ هل تشكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا. فيقتله، ثمَّ يحييه، فيقول (أي: الرَّجل): والله ما كنتُ فيك أشدُّ بصيرة مني اليوم، فيريد الدَّجَّال أن يقتله، فلا يسلَّط عليه" (^١).
وسبق ذكر رواية ابن ماجه عن أبي أُمامة الباهلي ﵁ (وفيها قول النّبيّ - ﷺ - في الدَّجَّال: "إن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيتَ إن بعثتُ لك أباك وأمَّكَ؛ أتشهد أني ربُّك؟ فيقول: نعم. فيتمَثَّلُ له شيطانان في سورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بن! اتبعه؛ فإنَّه ربُّك" (^٢).
نسأل الله العافية، ونعوذ به من الفتن.
* الرَّدِّ على منكري ظهور الدَّجَّال:
ما تقدَّم من الأحاديث يدلُّ على تواتر خروج الدَّجَّال في آخر الزّمان، وأنّه شخصٌ حقيقة، يعطيه الله ما شاء من الخوارق العظيمة.
وقد ذهب الشّيخ محمَّد عبده إلى أن الدَّجَّال رمز للخرافات والدَّجَل والقبائح (^٣)، وتبعه الشّيخ أبو عبية، فذهب إلى أن الدَّجَّال رمز لاستشراء
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة، (١٣/ ١٠١ - مع الفتح).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) انظر: "تفسير المنار" (٣/ ٣١٧).
[ ٣١٥ ]
الباطل، وليس رجلًا من بني آدم، ولهذا التّأويل صرفٌ للأحاديث عن ظاهرها بدون قرينةٍ!!
وإليك ما قاله الشّيخ أبو عبيَّة في تعليقه على أحاديث الدَّجَّال؛ قال: "اختلاف ما رُوِي من الأحاديث في مكان ظهور الدَّجَّال، وزمان ظهوره، وهل هو ابن صيّاد أم غيره؟ يشير إلى أن المقصود بالدَّجَّال الرمز إلى الشر، واستعلائه، وصولة جبروته، واستشراء خطره، واستفحال ضرره في بعض الأزمنة، وتطاير أذاه في كثير من الأمكنة، بما يتيسَّر له من وسائل التمكُّن والانتشار والفتنة بعض الوقت، إلى أن تنطفىء جذوته، وتموت جمرته بسلطان الحق، وكلمة الله: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراءِ: ٨١] " (^١).
ويقول أيضًا: "أليس الأولى أن يُفْهَم من الدَّجَّال أنّه رمز الشر والبهتان والإِفك " إلخ (^٢).
ونرد على هذه الأقوال بأن الأحاديث صريحة في أن الدَّجَّال رجل بعينه، وليس هناك ما يدلُّ على أنَّه رمز للخرافات والدَّجَل والباطل، وليس في الروايات اختلاف ولا تعارض، وقد سبق الجمع بينها، فبيَّنت أن أول ما يخرج الدَّجّال من أصبهان من جهة خراسان -وكلها في جهة المشرق-، وبيَّنتُ ما قيل عن ابن صياد هل هو الدَّجَّال أم غيره؟ وذكرتُ أقوال العلماء في ذلك.
وإذا تبيَّنَ لهذا، وأن الروايات ليس فيها اضطراب؛ لا من حيث مكان
_________________
(١) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١١٨ - ١١٩)، تحقيق الشّيخ محمَّد فهيم أبو عبية.
(٢) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٥٢).
[ ٣١٦ ]
خروجه، ولا من حيث زمان ظهوره؛ لم يكن هناك ما يدعو إلى ما ذهبا إليه، لا سيما مع ما جاء من صفاته الّتي نبَّهَت عليها الأحاديث، والتي تدلُّ دون ارتكاب تجوُّز لا داعي له على أنّه شخصٌ حقيقة.
وأيضًا؛ فأبو عبية متناقضٌ في تعليقاته على الأحاديث الواردة في الدَّجّال في كتاب "الفتن والملاحم" لابن كثير؛ فإنَّه يعلَّق على قول النّبيّ - ﷺ -: "إنّه مكتوبٌ بين عينيه (كافر)؛ يقرؤه مَنْ كره عمله، أو يقرؤه كلّ مؤمن". وقوله: "تعلَّموا أنّه لن يرى أحدٌ منكم ربَّه حتّى يموت".
يقول أبو عبية: "وهذا يقرِّر كذب الدَّجّال في دعواه الرُّبوبية قبَّحَهُ الله، وأتمَّ عليه غضبه ولعنه" (^١).
فهو هنا يرى أن الدَّجَّال إنسان حقيقة، يَدَّعي الرُّبوبية، ويدعو عليه بالغضب واللعنة، وفي موضع آخر ينفي أن يكون هناك دجّال على الحقيقة، وإنّما هو رمزٌ للشَّرِّ والفتنة!!
ولا شك أن هذا تناقضٌ واضحٌ منه.
وأرجو أن لا ينطبق على هؤلاء المنكرين لظهور الدَّجّال قوله - ﷺ -: "إنّه سيكون من بعدكم قومٌ يكذِّبون بالرجم، وبالدَّجّال، وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النّار بعد ما امتحشوا" (^٢).
وسيأتي في الكلام على خوارق الدَّجَّال، والأمر بالتعوُّذ من فتنته،
_________________
(١) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٨٩).
(٢) "مسند أحمد" (١/ ٢٢٣) (ح ١٥٧)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
[ ٣١٧ ]
والإِخبار عن هلاكه، ما يدلُّ دِلالة قاطعة على أنّه شخصٌ بعينه.
* خوارق الدَّجّال أمورٌ حقيقة:
مضى ذكر بعض الخوارق الّتي تكون مع الدَّجّال في الكلام على فتنته، ولهذه الخوارق حقيقية، وليست بخيالات وتمويهات؛ كما ادَّعى ذلك بعض العلماء:
فقد نقل ابن كثير عن ابن حزم والطحاوي أنّهما يقولان بأن ما مع الدجَّال ليس له حقيقة.
وكذلك نقل عن أبي عليٍّ الجبائي (^١) شيخ المعتزلة قوله: "لا يجوز أن يكون كذلك حقيقة؛ لئلا يُشبَّه خارق الساحر بخارق النّبيّ" (^٢).
ثمَّ جاء من بعدهم الشّيخ رشيد رضا، فأنكر أن يكون مع الدَّجّال خوارق، وزعم أن ذلك مخالفٌ لسنن الله تعالى في خلقه، فقال في الكلام على أحاديث الدَّجَّال: "ما ذُكِرَ فيها من الخوارق تضاهي أكبر الآيات الّتي أيَّد الله بها أولي العزم من المرسلين، أو تفوقها، وتعدُّ شبهة عليها؛ كما قال بعض علماء الكلام، وعد بعض المحدثين ذلك من بدعتهم، ومن المعلوم أن الله ما آتاهُم هذه الآيات إِلَّا لهداية خلقه الّتي هي مقتضى سبق رحمته لغضبه، فكيف يؤتى الدَّجّال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده؟! فإن من تلك الروايات أنّه يظهر على الأرض كلها في أربعين يومًا
_________________
(١) هو محمَّد بن عبد الوهّاب بن سلام البصري، توفي سنة (٣٠٣ هـ). انظر ترجمته في: "شذرات الذهب" (٢/ ٢٤١)، و"الأعلام" (٦/ ٢٥٦).
(٢) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٢٠)، تحقيق د - طه الزيني.
[ ٣١٨ ]
إِلَّا مكّة والمدينة"
إلى أن قال: "إن ما عُزِيَ إليه من الخوارق مخالفٌ لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصموص القرآن القطعية أنّه لا تبديل لسنَّته تعالى ولا تحويل، ولهذه الروايات المضطربة المتعارضة لا تصلح لتخصيص هذه النصوص القطعية ولا لمعارضتها" (^١).
واستشهد على تعارُض أحاديث الدَّجّال بأنّه ورد في بعض الروايات -كما سبق- أن معه جبال الخبز وأنّهار الماء والعسل، وأن معه جنة ونارًا إلى غير ذلك، ولهذا يتعارض مع الحديث الّذي في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة؛ قال: ما سأل أحدٌ النبيَّ - ﷺ - عن الدَّجّال ما سألتُه، وإنه قال لي: "ما يضرُّك منه؟ قلتُ: لأنّهم يقولون إن معه جبلُ خبزٍ، ونهرُ ماء. قال: بل هو أهون على الله من ذلك" (^٢).
وممَّن أنكر خوارق الدجِّال أبو عبية، فقد قال في تعليقه على الأحاديث الواردة في ذلك: "هل يقف أمام هذه الفتنة العظيمة الكثرة الكاثرة من النَّاس؟! يميت ثمَّ يحيي على ملأ ومسمع من البشر، ثمَّ يكب الله العباد في جهنَّم لأنّهم افتتنوا به!! إن الله ﷿ ألطف بعباده وأرحم لهم من أن يسلِّط عليهم مثل هذا البلاء، الّذي لا يستطيع الوقوف له إِلَّا مَنْ رُزِقَ حظًّا غير محدود من ثبات الإِيمان وقوَّة العقيدة، وإن الدَّجَّال -أي
_________________
(١) "تفسير المناوي" (٩/ ٤٩٠).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٣/ ٨٩ - مع شرح الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجَّال، (١٨/ ٧٤ - مع شرح النوويّ).
[ ٣١٩ ]
دجال - أهون على الله من أن يسلِّطه على خلقه، ويمدَّه بهذه الأسلحة الخطيرة الفتاكة المزلزِلة للعقيدة وللدين في قلوب أكثر العالمين" (^١).
والرد على هؤلاء يتلخَّص في الآتي:
١ - أن الأحاديث الواردة في ذكر خوارق الدَّجَّال ثابتة وصحيحة، لا يجوز ردُّها أو تأويلها؛ لما ذُكر من شبه، وليس فيها اضطراب، ولا بينها تعارُض.
وما استشهد به رشيد رضا من أن حديث المغيرة الّذي في الصحيحين يعارض أحاديث الدَّجَّال، فيجاب عنه بأن معنى قول النّبيّ - ﷺ -: "هو أهون على الله من ذلك"؛ أي: أهون من أن يجعل ما يخلقه على يدي الدَّجّال من الخوارق مضلًّا للمؤمنين، ومشكِّكًا لقلوب المؤمنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويرتاب الّذي في قلوبهم مرضٌ، فهو مثل قول الّذي يقتله الدَّجَّال: "ما كنتُ أشدَّ بصيرةً مني فيك اليوم"، وليس المراد من قوله: "هو أهون على الله من ذلك" أنّه ليس شيءٌ من ذلك معه، بل المراد أهون من أن يجعلَ شيئًا من ذلك آية على صدقه، ولا سيما وقد جعل فيه آية ظاهرة تدلُّ على كذبه وكفره، يقرؤها كلّ مسلم كاتب وغير كاتب، زائدة على شواهد كذبه من حدثه ونقصه (^٢)؛ كما مر في الكلام على صفته.
٢ - لو سلمنا أن الحديث على ظاهره؛ فيكون قول النّبيّ - ﷺ - له ذلك
_________________
(١) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١١٨)، تحقيق محمَّد أبو عبية.
(٢) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (١٨/ ٧٤)، و"فتح الباري" (١٣/ ٩٣).
[ ٣٢٠ ]
قبل أن ينزل على النّبيّ - ﷺ - بيان ما معه من الخوارق؛ بدليل قول المغيرة للنبيﷺ -: "يقولون: إن معه "، ولم يقل للنبيﷺ -: إنك قلت فيه كذا وكذا. ثمَّ جاء الوحي بعد ذلك ببيان ما يكون مع الدَّجَّال من الخوارق والآيات، فلا منافاة بين حديث المغيرة وأحاديث الدَّجَّال.
٣ - إن خوارق الدَّجّال حقيقية، وليست بخيالات ولا تمويهات، وهذه الخوارق من الأمور الّتي أقدره الله عليها فتنةً وابتلاءً للعباد، والدَّجَّال لا يمكن أن يشتبه حاله بحال الأنبياء؛ لأنّه لم يثبت أنّه يدعي النبوَّة حال ظهور الخوارق على يديه، بل يكون ظهور الخوارق عند ادِّعائه الرُّبوبية (^١).
٤ - إن استبعاد رشيد رضا لما رُوي من أن الدَّجَّال يظهر على الأرض كلها في أربعين يومًا؛ إِلَّا مكّة والمدينة: ليس عليه دليل، بل جاء الدّليل بخلافه؛ فإنَّه ورد في رواية مسلم أن بعض أيّام الدَّجَّال يكون قدر سنة، وبعضها قدر شهر، وبعضها قدر أسبوع كما سبق ذكر ذلك (^٢).
٥ - أن ما يُعْطاهُ الدَّجَّال من الخوارق ليس فيه مخالفة لسنن الله الكونية؛ فإننا لو أجرينا كلام رشيد رضا على ظاهره لأبطلنا معجزات الأنبياء؛ لأنّها مخالفة لسنن الله الكونية، وما يُقال في خوارق الأنبياء وأنّها ليست مخالفة لسنن الله تعالى يقال في الخوارق الّتي يُعطاها الدَّجَّال على سبيل الفتنة والامتحان والابتلاء.
٦ - لو سلَّمنا أن خوارق الدَّجَّال مخالفة لسنن الله الكونية؛ فإننا
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ١٠٥).
(٢) انظر (ص ٢٩٨).
[ ٣٢١ ]
نقول: إن زمن الدَّجَّال تنخرق فيه العادات، وتحدث أمور عظيمة مؤذِنة بخراب العالم وزوال الدُّنيا وقرب السّاعة، وإذا كان خروجه في زمن فتنة أرادها الله؛ فلا يُقال: إن الله ألطف بعباده أن يفتنهم بخوارقه، فهو اللطيف الخبير، ولكن اقتضت حكمته أن يبتلي العباد به، وقد أنذرهم وحذَّرهم منه.
وبعد هذا؛ فأرى من المناسب هنا أن أنقل طائفة من كلام العلماء الأعلام في إثبات خوارق الدَّجَّال، وأنّها حقيقة جعلها الله فتنة وامتحانًا للعباد:
قال القاضي عياض ﵀: " هذه الأحاديث الّتي ذكرها مسلمٌ وغيرُه في قصَّة الدَّجّال حجَّة لمذهب أهل الحق في صحَّة وجوده، وأنّه شخصٌ بعينه، ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى؛ من إحياء الميِّت الّذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره، ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السَّماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنتب، فيقع كلّ ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثمَّ يُعجِزُه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرَّجل ولا غيره، ويُبْطِل أمره، ويقتله عيسى - ﷺ -، ويثبِّت الله الذين آمنوا.
هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدِّثين والفقهاء والنُظار؛ خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهميَّة وبعض المعتزلة وغيرهم في أنّه صحيح الوجود، ولكن الّذي يدَّعى مخاوف وخيالات لا حقائق لها، وزعمو أنّه لو كان حقًّا؛ لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
[ ٣٢٢ ]
وهذا غلطٌ من جميعهم؛ لأنّه لم يدَّع النبوَّة، فيكون ما معه كالتصديق له، وإنّما يدَّعي الإِلهيَّة، وهو في نفس دعواه مكذِّبٌ لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الّذي في عينيه، وعن إزالة الشّاهد بكفره المكتوب بين عينيه.
ولهذه الدَّلائل وغيرها لا يغترُّ به إِلَّا رعاع من النَّاس؛ لسد الحاجة والفاقة؛ رغبة في سد الرمق، أو تقيَّة، أو خوفًا من أذاه؛ لأنّه فتنة عظيمة؛ تدهش العقول، وتحيِّر الألباب، مع سرعة مروره في الأرض، فلا يمكث بحيث يتأمَّل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص، فيصدِّقه من صدَّقه في هذه الحالة.
ولهذا حذَّرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنتّه، ونبَّهوا على نقصه ودلائل إبطاله.
وأمّا أهل التوفيق؛ فلا يغترُّون به، ولا يُخْدَعون لما معه؛ لما ذكرناه من الدَّلائل المكذِّبة له، مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول له الّذي يقتله ثمَّ يحييه: ما ازددت فيك إِلَّا بصيرة" (^١).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: "إن الدّجَّال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق المشاهَدَة في زمانه كما تقدّم أن من استجاب له يأمر السَّماء فتمطرهم، والأرض فتنبت لهم زرعًا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم، وترجع إليهم مواشيهم سمانًا لبنًا، ومن لا يستجيب له، ويرد عليه أمره؛ تصيبهم السَّنَة والجَدْب والقحط والقلة وموت الأنعام ونقص الأموال
_________________
(١) "شرح النوويّ لمسلم" (١٨/ ٥٨ - ٥٩)، و"فتح الباري" (١٣/ ١٠٥).
[ ٣٢٣ ]
والأنفس والثمرات، وأنّه يتبعه كنوز كيعاسيب النحل، ويقتل ذلك الشاب ثمَّ يحييه، وهذا كله ليس بمخرقة، بل له حقيقة امتحن الله بها عباده في آخر الزّمان، فيضلُّ به كثيرًا، ويهدي به كثيرًا؛ يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا" (^١).
وقال الحافظ ابن حجر: "وفي الدَّجَّال مع ذلك دلالة بيِّنة لمن عقل على كذبه؛ لأنّه ذو أجزاء مؤلَّفة، وتأثير الصنعة فيه ظاهر مع ظهور الآفة به من عَور عينيه، فإذا دعا النَّاس إلى أنّه ربهم: فأسوأ حال من يراه من ذوي العقول أن يعلم أنّه لم يكن لِيُسَوِّي خلق غيره ويَعْدِله ويُحْسِنه ولا يدفع النقص عن نفسه، فأقل ما يجب أن يقول: يا من يزعم أنّه خالق السَّماء والأرض! صوِّر نفسك وعدِّلْها وأزل عنها العاهة، فإن زعمتَ أن الرَّبَّ لا يُحدث في نفسه شيئًا؛ فأزل ما هو مكتوب بين عينيك" (^٢).
وقال ابن العربي (^٣): "الّذي يظهر على يد الدَّجَّال من الآيات؛ من إنزال المطر والخصب على مَنْ يصدقه، والجدب على مَنْ يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنَّة ونار ومياه تجري؛ كلّ ذلك محنة من الله، واختبار؛ ليهلك المرتاب، وينجو المتيقَن، وذلك كله أمر مخوفٌ، ولهذا
_________________
(١) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٢١)، تحقيق د. طه زيني.
(٢) "فتح الباري" (١٣/ ١٠٣).
(٣) هو أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن محمَّد المعافري الإشبيلي المالكي، صاحب المصنفات؛ كـ"أحكام القرآن"، وغيرها، توفي بالقرب من فاس بالمغرب، ودُفن بها سنة (٥٤٣ هـ) ﵀. انظر: "الأعلام" (٦/ ٢٣٠).
[ ٣٢٤ ]
قال - ﷺ -: لا فتنة أعظم من فتنة الدَّجَّال" (^١).
* الوقاية من فتنة الدَّجَّال:
أرشد النّبيّ - ﷺ - أمته إلى ما يعصمها من فتنة المسيح الدَّجَّال، فقد ترك أمَّته على المحجَّة البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إِلَّا هالك، فلم يدع - ﷺ - خيرًا إِلَّا دلَّ أمَّته عليه، ولا شرًّا إِلَّا حذَّرها منه، ومن جملة ما حذَّر منه فتنة المسيح الدَّجَّال؛ لأنّها أعظم فتنة تواجهها الأمة إلى قيام السّاعة، وكان كلّ نبيٍّ ينذر أمته الأعور الدَّجَّال، واختص محمَّدٌ - ﷺ - بزيادة التَّحذير والإِنذار، وقد بيَّن الله له كثيرًا من صفات الدَّجَّال؛ ليحذر أمته؛ فإنَّه خارجُ في هذه الأمة لا محالة؛ لأنّها آخر الأمم، ومحمَّدٌ - ﷺ - خاتم النبيِّين.
وهذه بعض الإِرشادات النبويَّة الّتي أرشد إليها المصطفى - ﷺ - وأمته؛ لتنجو من هذه الفتنة العظيمة الّتي نسأل الله العظيم أن يعافينا ويعيذنا منها:
١ - التمسُّك بالإِسلام، والتسلّح بسلاح الإِيمان، ومعرفة أسماء الله وصفاته الحسنى الّتي لا يشاركه فيها أحدٌ، فيعلم أنَّ الدَّجَّال بشرٌ يأكل ويشرب، وأن الله تعالى منزَّه عن ذلك، وأن الدَّجَّال أعور، والله ليس بأعور، وأنّه لا أحد يرى ربه حتّى يموت، والدَّجَّال يراه النَّاس عند خروجه؛ مؤمنهم وكافرهم.
٢ - التعوُّذ من فتنة الدَّجَّال، وخاصة في الصّلاة، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة:
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ١٠٣).
[ ٣٢٥ ]
فمنها ما رواه الشيحان والنسائيُّ عن عائشة زوج النّبيّ - ﷺ -: "أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو في الصّلاة: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدَّجَّال الحديث" (^١).
وروى البخاريّ عن مُصْعَب (^٢)؛ قال: كان سعدٌ يأمر بخمس ويذكرهنَّ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه كان يأمر بهن (منها:) "وأعوذ بك من فتنة الدُّنيا (يعني: فتنة الدَّجَّال) " (^٣).
"وفي إطلاق الدُّنيا على الدَّجَّال إشارة إلى أن فتنة الدَّجَّال أعظم الفتن الواقعة في الدُّنيا" (^٤).
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا تشهَّد أحدُكُم؛ فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من عذاب جهنَّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ فتنة المسيح الدَّجَّال" (^٥).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الأذان، باب الدُّعاء قبل السّلام، (٢/ ٣١٧ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب المساجد ومواضع الصّلاة، باب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم، (٥/ ٨٧ - مع شرح النووي).
(٢) هو مُصْعَب بن سعد بن أبي وقّاص. انظر: "فتح الباري" (١١/ ١٧٥).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الدعوات، باب التعوذ من عذاب القبر، (١١/ ١٧٤ - مع الفتح).
(٤) "فتح الباري" (١١/ ١٧٩).
(٥) "صحيح مسلم"، كتاب المساجد ومواضع الصّلاة، باب التعوُّذ من عذاب القبر وعذاب جهنم، (٥/ ٨٧ - مع شرح النووي).
[ ٣٢٦ ]
وكان الإِمام طاوس (^١) يأمر ابنه بإعادة الصّلاة إذا لم يقرأ بهذا الدُّعاء في صلاته (^٢).
وهذا دليلٌ على حرص السلف على تعليم أبنائهم لهذا الدُّعاء العظيم.
قال السفاريني: "ممّا ينبغي لكل عالم أن يبثَّ أحاديث الدَّجَّال بين الأولاد والنساء والرجال وقد ورد أن من علامات خروجه نسيان ذكره على المنابر (^٣) ".
إلى أن قال: "ولا سيما في زماننا هذا الّذي اشرأبَّت فيه الفتن، وكَثُرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنن، وصارت السنن فيه كالبدع، والبدعة شرعٌ يُتَّبع، ولا حول ولا قوَّة إِلَّا بالله العلّي العظيم" (^٤).
_________________
(١) هو الإِمام طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرّحمن، من كبار التابعين، أدرك خمسين من الصّحابة، وحج أربعين حجة، وكان مستجاب الدّعوة، قال ابن عيينة: متجنبو السلطان ثلاثة: أبو ذر في زمانه، وطاوس في زمانه، والثوري في زمانه. توفي سنة ست ومئة ﵀. انظر: "تهذيب التهذيب" (٥/ ٨ - ١٠).
(٢) انظر: "صحيح مسلم"، كتاب المساجد، باب التعوذ من عذاب القبر، (٥/ ٨٩ - مع شرح النووي).
(٣) ورد في ذلك حديث صححه الهيثمي في "مجمع الزوائد" عن الصعب بن جثامة؛ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يخرج الدجال حتّى يذهل النَّاس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر". انظر: "مجمع الزوائد ومنبع الفوائدة (٧/ ٣٣٥).
(٤) "لوامع الأنوار البهية" (٢/ ١٠٦ - ١٠٧).
[ ٣٢٧ ]
٣ - حفظ آيات من سورة الكهف، فقد أمر النّبيّ - ﷺ - بقراءة فواتح سورة الكهف على الدَّجَّال، وفي بعض الروايات خواتيمها، وذلك بقراءة عشر آيات من أولها أو آخرها.
ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما رواه مسلم من حديث النوَّاس بن سمعان الطويل (وفيه قوله - ﷺ -:) "من أدركه منكم؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف" (^١).
وروى مسلم أيضًا عن أبي الدرداء ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف؛ عُصِمَ من الدَّجال"؛ أي: من فتنته.
قال مسلم: "قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف" (^٢).
قال النوويّ: "سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمَن تدبَّرَها؛ لم يفتتن بالدَّجَّال، وكذلك آخرها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ [الكهف: ١٠٢] " (^٣).
وهذا من خصوصيات سورة الكهف، فقد جاءت الأحاديث بالحث على قراءتها، وخاصة في يوم الجمعة.
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجَّال، (١٨/ ٦٥ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، (٦/ ٩٢ - ٩٣ - مع شرح النووي).
(٣) "شرح النووي لمسلم" (٦/ ٩٣).
[ ٣٢٨ ]
روى الحاكم عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال: "إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة؛ أضاء له من النور ما بين الجمعتين" (^١).
ولا شكَّ أن سورة الكهف لها شأنٌ عظيمٌ، ففيها من الآيات الباهرات؛ كقصة أصحاب الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، وبناءه للسدِّ العظيم حائلًا دون يأجوج ومأجوج، وإثبات البعث والنشور والنفخ في الصُّور، وبيان الأخسرين أعمالًا وهم الذين يحسبون أنّهم على الهدى وهم على الضلالة والعمى.
فينبغي لكل مسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة، وحفظها، وترديدها، وخاصة في خير يوم طلعت عليه الشّمس، وهو يوم الجمعة.
٤ - الفرار من الدَّجَّال، والابتعاد منه، والأفضل سكنى مكّة والمدينة، فقد سبق أن الدَّجَّال لا يدخل الحرمين، فينبغي للمسلم إذا خرج الدَّجّال أن يبتعد منه، وذلك لما معه من الشبهات والخوارق العظيمة الّتي يجريها الله على يديه فتنة للناس؛ فإنّه يأتيه الرَّجل وهو يظن في نفسه الإِيمان والثبات، فيتبع الدَّجَّال، نسأل الله أن يعيذنا من فتنته وجميع المسلمين.
_________________
(١) "مستدرك الحاكم" (٢/ ٣٦٨)، وقال: "هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه". وقال الذهبي: "نعيم (أي: ابن حماد) ذو مناكير". وقال الألباني: "صحيح". "صحيح الجامع الصغير" (٥/ ٣٤٠) (ح ٦٣٤٦).
[ ٣٢٩ ]
روى الإِمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي الدَّهماء (^١)؛ قال: سمعتُ عمران بن حُصين يحدِّث، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من سمع بالدَّجَّال؛ فلينأَ عنه، فوالله إن الرَّجل ليأتيه وهو يحسب أنّه مؤمن، فيتبعه ممّا يبعث به من الشُّبهات، أو لما يبعث به من الشبهات" (^٢).
* ذكر الدَّجَّال في القرآن:
تساءل العلماء عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدَّجَّال في القرآن مع عظم فتنته، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة من فتنته في الصّلاة، وأجابوا عن ذلك بأجوبة، منها:
١ - أنّه مذكورٌ ضمن الآيات الّتي ذُكِرَت في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
وهذه الآيات هي: الدَّجَّال، وطلوع الشّمس من مغربها، والدَّابة، وهي المذكورة في تفسير هذه الآية.
_________________
(١) هو قرفة بن بهيس العدوي البصري، تابعي، ثقة، روى عن بعض الصّحابة؛ كعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، وغيرهما. انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب" (٨/ ٣٦٩).
(٢) "الفتح الرِّبَاني" (٢٤/ ٧٤)، و"سنن أبي داود" (١١/ ٢٤٢ - مع عون المعبود)، و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٥٣١). قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإِسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وسكت عنه الذهبي. والحديث صححه الألباني. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٥/ ٣٠٣) (ح ٦١٧٧).
[ ٣٣٠ ]
فقد روى مسلمٌ والترمذي عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاث إذا خرجْنَ لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنت من قبلُ أوكسبت في إيمانِها خيرًا: طلوع الشّمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابَّة الأرض" (^١).
٢ - أن القرآن ذكر نزول عيسى -﵇-، وعيسى هو الّذي يقتل الدَّجَّال، فاكتفى بذكر مسيح الهُدى عن ذكر مسيح الضَّلالة، وعادة العرب أنّها تكتفي بذكر أحد الضدين دون الآخر.
٣ - أنّه مذكورٌ في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وإن المقصود بالناس هنا الدَّجَّال؛ من إطلاق الكل على البعض.
قال أبو العالية (^٢): "أيَ أعظم من خلق الدَّجَّال حين عظمته اليهود" (^٣).
قال ابن حجر: "وهذا -إن ثبت- أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفَّل النّبيّ - ﷺ - ببيانه، والعلّم عند الله" (^٤).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب الزمن الّذي لا يقبل فيه الإِيمان، (٢/ ١٩٥ - مع الفتح)، و"جامع التّرمذيّ في تحفة الأحوذي" (٨/ ٤٤٩).
(٢) هو رفيع بن مهران الرياحي مولاهم البصري من كبار التابعين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النّبيّ - ﷺ -، وروى عن كثير من الصّحابة ﵃، وتوفي سنة (٩٠ هـ). انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥).
(٣) "تفسير القرطبي" (١٥/ ٣٢٥).
(٤) "فتح الباري" (١٣/ ٩٢).
[ ٣٣١ ]
٤ - أن القرآن لم يذكر الدَّجَّال احتقارًا لشأنّه؛ لأنّه يدَّعي الرُّبوبية وهو بشرٌ ينافي حاله جلال الرَّبَّ وعظمته وكماله وكبرياءه وتنزُّهه عن النقص، فلذلك كان أمره عند الله أحقر وأصغر من أن يُذْكَرَ، ومع هذا حذَّرت الأنبياء منه، وبيَّنت خطره وفتنته، كما سبق أن كلّ نبيٍّ أنذر أمته منه، وحذَّرها من فتنته.
فإن اعتُرِض بأن القرآن ذكر فرعون وهو قد ادَّعى الرُّبوبية والألوهيَّة، فيقال: إن أمر فرعون انقضى وانتهى، وذُكِر عبرة للناس وعظمة، وأمّا أمر الدَّجَّال؛ فسيحدث في آخر الزّمان، فتُرِك ذكره امتحانًا به، مع أن ادِّعاءه الرُّبوبية أظهر من أن يُنَبَّهَ على بطلانه؛ لأنَّ الدَّجَّال ظاهر النقص، واضح الذَّم، أحقر وأصغر من المقام الّذي يدَّعيه، فترك الله ذكره؛ لما يعلم تعالى من عباده المؤمنين؛ أن مثل هذا لا يخيفهم ولا يزيدهم إِلَّا إيمانًا وتسليمًا لله ورسوله؛ كما يقول الشاب الّذي يقتله الدَّجَّال ويجيبه: "والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم" (^١).
وقد يُترَك ذكرُ الشيء لوضوحه؛ كما ترك النّبيّ - ﷺ - في مرض موته أن يكتب كتابًا بخلافة الصدِّيق ﵁ لوضوحه، وذلك لعظم قدر أبي بكر عند الصّحابة ﵃، ولذلك قال النّبيّ - ﷺ -: "يأبى الله والمؤمنون إِلَّا أبا بكر" (^٢).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة، (١٣/ ١٠١ - مع الفتح).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفضائل، باب فضائل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، (١٥/ ١٥٥ - مع شرح النووي).
[ ٣٣٢ ]
وذكر ابن حجر -﵀- أن السؤال عن عدم ذكر الدَّجَّال في القرآن لا يزال واردًا؛ لأنَّ الله تعالى ذكر يأجوج ومأجوج في القرآن، وفتنتهم قريبة من فتنة الدَّجَّال (^١).
هذا؛ ولعلّ الجواب الأوّل هو الأقرب، والله أعلم، فيكون الدَّجَّال قد ذُكِرَ ضمن بعض الآيات، ويكون النّبيّ - ﷺ - تكفَّل ببيان ذلك المجمل.
* هلاك الدَّجَّال:
يكون هلاك الدَّجَّال على يدي المسيح عيسى بن مريم ﵇؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وذلك أنَّ الدَّجَّال يظهر على الأرض كلِّها إِلَّا مكّة والمدينة، ويكثر أتباعه، وتعمُّ فتنتّه، ولا ينجو منها إِلَّا قلَّة من المؤمنين، وعند ذلك ينزل عيسى بن مريم -﵇- على المنارة الشرقية بدمشق، ويلتف حولَه عبادُ الله المؤمنون، فيسير بهم قاصدًا المسيح الدَّجَّال، ويكون الدَّجَّال عند نزول عيسى متوجِّهًا نحو بيت المقدس، فيلحق به عيسى عند باب (لد) (^٢)، فإذا رآه الدَّجَّال؛ ذاب كما يذوب الملح، فيقول له عيسى -﵇-: "إن لي فيك ضربة لن تفوتني"، فيتدراكه عيسى، فيقتله بحربته، وينهزم أتباعه، فيتبعهم المؤمنون، فيقتلونهم، حتّى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديٌ خلفي، تعال فاقتله؛ إِلَّا الغرقد؛ فإنّه من شجر اليهود (^٣).
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ٩١ - ٩٢ - مع الفتح).
(٢) (لد): بلدة في فلسطين قرب بيت المقدس. انظر: "معجم البلدان" (٥/ ١٥).
(٣) انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٢٨ - ١٢٩)، تحقيق د. طه زيني.
[ ٣٣٣ ]
وإليك بعض الأحاديث الواردة في هلاك الدَّجَّال وأتباعه:
روى مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يخرج الدَّجَّال في أمَّتي (فذكر الحديث، وفيه:) فيبعث الله عيسى بن مريم كأنّه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلكه" (^١).
وروى الإِمام أحمد والترمذي عن مجمع بن جارية الأنصاري ﵁؛ يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "يقتل ابنُ مريم الدَّجَّالَ بباب لد" (^٢).
وروى مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ حديثًا طويلًا عن الدَّجَّال (وفيه قصة نزول عيسى وقتله للدَّجَّال، وفيه قوله - ﷺ -:) "فلا يحلُّ لكافرٍ يجد ريح نفسه إِلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه، حتّى يدركه بباب لد، فيقتله" (^٣).
وروى الإِمام أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ أنّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يخرج الدَّجَّال في خفقة من الدين وإدبار من العلم (فذكر الحديث، وفيه:) ثمَّ ينزل عيسى بن مريم، فينادي من السَّحَر، فيقول: أيها النَّاس! ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذَّاب الخبيث.
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدَّجَّال، (١٨/ ٧٥ - ٧٦ مع شرح النووي).
(٢) "الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد" (٢٤/ ٨٣)، والترمذي (٦/ ٥١٣ - ٥١٤ - مع تحفة الأحوذي).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٧ - ٦٨ - مع شرح النووي).
[ ٣٣٤ ]
فيقولون: لهذا رجلٌ جنيٌّ. فينطلقون، فإذا هم بعيسى بن مريم - ﷺ -، فتقام الصّلاة، فيُقال له: تقدَّم يا روح الله! فيقول: ليتقدَّم إمامُكُم، فليصلِّ بكم، فإذا صلَّى صلاة الصُّبح؛ خرجوا إليه. قال: فحين يرى الكذاب ينماث (^١) كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه، فيقتله، حتّى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله! هذا يهوديٌّ، فلا يَتْرُك ممّن كان يتبعه أحدًا إِلَّا قتله" (^٢).
وبقتله -لعنه الله- تنتهي فتنته العظيمة، وينجي الله الذين آمنوا من شرِّه وشرِّ أتباعه على يدي روح الله وكلمته عيسى بن مريم -﵇- وأتباعه المؤمنين، ولله الحمد والمنة.
* * * * *
_________________
(١) (ماث الشيء ميثًا)؛ أي: مرسه. وماث الملح في الماء؛ أي: أذابه. انظر: "لسان العرب" (٢/ ١٩٢).
(٢) " الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد" (٢٤/ ٨٥ - ٨٦). قال الهيثمي: "رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصّحيح". انظر: "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٤٤).
[ ٣٣٥ ]
الفصل الثّالث: نزول عيسى -﵇-
قبل أن نتحدَّث عن نزول عيسى بن مريم -﵇- يحْسن بنا أن نتعرَّف على صفته الّتي وردت بها النّصوص الشرعية
* صفة عيسى -﵇-.
صفته الّتي جاءت بها الروايات أنَّه رجلٌ، مربوع القامة، ليس بالطويل ولا بالقصير، أحمر، جعدٌ، عريض الصدر، سبط الشعر، كأنما خرج من ديماس -أي: حمَّام- له لمة (^١) قد رجَّلها تملأ ما بين منكبيه.
الأحاديث الواردة في ذلك:
منها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ليلة أسري بي لقيتُ موسى (فنعتَهُ إلى أن قال:) ولقيتُ عيسى (فنعته فقال:) ربعةٌ، أحمرُ، كأنما خرج من ديماس (يعني:
_________________
(١) (اللمة)؛ بكسر اللام: شعر الرّأس. يقال له إذا جاوز شحمة الأُذُنَين: لمة. وإذا زاد عن ذلك فهو: جمة. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ٢٧٣).
[ ٣٣٧ ]
الحمام) " (^١).
وروى البخاريّ عن ابن عبّاس ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "رأيتُ عيسى وموسى وإبراهيم، فأمّا عيسى؛ فأحمر جعدٌ عريضُ الصَّدر" (^٢).
وروى مسلمٌ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لقد رأيتَني في الحجر وقريشٌ تسألني (فذكر الحديث، وفيه:) وإذا عيسى بن مريم -﵇- قائمٌ يصلّي، أقرب النَّاس به شبهًا عروة ابن مسعود الثقفي (^٣) ".
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]، (٦/ ٧٦ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، باب الإِسراء برسول الله - ﷺوفرض الصلوات، (٢/ ٢٣٢ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب آحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾، (٦/ ٤٧٧ - مع الفتح).
(٣) هو الصحابي الجليل أبو مسعود عروة بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي ﵁، أسلم بعد انصراف النّبيّ - ﷺ - من الطائف، وكانت له اليد البيضاء في تقرير صلح الحديبية، وكان رجلًا محببًا مطاعًا في قومه أهل الطائف، فلما دعاهم إلى الإسلام؛ قتلوه، ولما أصابه سهم منهم؛ قيل له: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إِلَّا ما في الشهداء الذين قُتِلوا رسول الله - ﷺ - قبل أن يرتحل عنكم، فقال فيه النّبيّ - ﷺ -: "مثل عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله، فقتلوه". وقيل: إنّه المراد بقوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. انفر: "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (٣/ ١٠٦٦ - ١٠٦٧) تحقيق علي البجاوي لابن عبد البرّ، و"الإصابة في تمييز الصّحابة" (٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨) لابن حجر، =
[ ٣٣٨ ]
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: "أراني ليلة عند الكعبة، فرأيت رجلًا آدم (^١) كأحسن ما أنت راءٍ من أدم الرجال، له لِمَّةٌ كأحسن ما أنت راء من اللِّمم، قد رجَّلها، فهي تقطر ماء، متَّكئًا على رجلين أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت: مَنْ هذا؟ فقيل: هذا المسيح بن مريم" (^٢).
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر؛ قال: "لا والله؛ ما قال النّبيّ - ﷺ - لعيسى أحمر، ولكن قال: (فذكر تمام الحديث بنحو الرِّواية السابقة) " (^٣).
وفي رواية لمسلم عنه ﵁؛ قال - ﷺ-: "فإذا رجُلٌ آدَمُ (إلى أن قال:) رَجِلُ الشَّعر" (^٤).
والجمع بين هذه الروايات من كونه في بعضها أحمر، وبعضها آدم، وما جاء أنّه سبط الشعر، وفي بعضها بأنّه جعد:
_________________
(١) = و"تجريد أسماء الصّحابة" (١/ ٣٨٠) للذهبي. والحديث في "صحيح مسلم"، باب ذكر المسيح ابن مريم -﵇-، (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨ - مع شرح النووي).
(٢) (آدم): الآدم هو الأسمر الشديد السمرة، وقيل: هو من أئمة الأرض؛ أي: لونها، وبه سمي آدم -﵇-. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٣٢).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب أحاديث الأنبياء، (٦/ ٤٧٧ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، باب ذكر المسيح ابن مريم -﵇-، (٢/ ٢٣٣ - مع شرح النووي).
(٤) "صحيح البخاريّ" (٦/ ٤٧٧).
(٥) "صحيح مسلم" (٢/ ٢٣٦).
[ ٣٣٩ ]
إنّه لا منافاة بين الحُمرة والأدْمَة؛ لجواز أن تكون أُدمته صافية (^١).
وأمّا ما جاء من إنكار ابن عمر لرواية أن عيسى أحمر؛ فهو مخالفٌ لما حفظه غيره، فقد روى أبو هريرة وابن عبّاس ﵄ أنّه ﵇ أحمر اللون.
وأمّا كونه في رواية سبط الشعر، وفي أخرى أنّه جعدٌ، والجعد ضد السبط، فيمكن أن يجمع بينهما بأنّه سبط الشعر، وأمّا وصفه بأنّه جعدٌ؛ فالمراد بذلك جعودةٌ في جسمه لا شعره، وهو اجتماع اللّحم واكتنازه (^٢).
* صفة نزوله -﵇-:
بعد خروج الدَّجَّال، وإفساده في الأرض، يبعث الله عيسى ﵇، فينزل إلى الأرض، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشّام، وعليه مهرودتان (^٣)، واضعًا كفَّيْهِ على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدَّر منه جمانٌ كاللؤلؤ، ولا يَحِلُّ لكافرٍ يجِدُ ريح نَفَسه إِلَّا مات، ونَفَسَهُ ينتهي حيث ينتهي طرفه.
ويكون نزوله على الطائفة المنصورة، الّتي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدَّجَّال، فينزل وقت إقامة الصّلاة، يصلّي خلف أمير
_________________
(١) "الإشاعة" (ص ١٤٣).
(٢) انظر: "فتح الباري" (٦/ ٤٨٦).
(٣) (مهرودتان): روي بالدال المهملة والذال المعجمة، والمهملة أكثر، والمعنى: لابس مهرودتين؛ أي ثوبين مصبوغين بورس ثمَّ زعفران. انظر: "شرح النوويّ لمسلم" (١٨/ ٦٧)، و"لسان العرب" (٣/ ٤٣٥)، و"النهاية في غريب الحديث" (٥/ ٢٥٨).
[ ٣٤٠ ]
تلك الطائفة.
قال ابن كثير: "هذا هو الأشهر في موضع نزوله أنّه على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، وقد رأيت في بعض الكتب أنّه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعلّ هذا هو المحفوظ وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى الّتي إلى جانب الجامع الأموي بدمشق من شرقيه، وهذا هو الإنسب والأبيق؛ لأنّه ينزل وقد أُقيمت الصّلاة، فيقول له إمام المسلمين: يا روح الله! تقدَّم. فيقول: تقدَّم أنت؛ فإنّه أُقيمت لك. وفي رواية: بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة (^١) " (^٢).
وذكر ابن كثير أنّه في زمنه سنة إحدى وأربعين وسبع مئة جدَّد المسلمون منارة من حجارة بيض، وكان بناؤها من أموال النصارى الّذي حرقوا المنارة الّتي كانت مكأنّها، ولعلَّ هذا يكون من دلائل النبوَّة الظاهرة، حيث قيَّض الله بناء هذه المنارة من أموال النصارى، لينزل عيسى بن مريم عليها، فيقتل الخنزير، ويكسر الصلّيب، ولا يقبل منهم جزية، ولكن من أسلم وإلا قُتِل، وكذلك غيرهم من الكفار (^٣).
ففي حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر خروج الدَّجَّال ثمَّ نزول عيسى -﵇- قال - ﷺ -: "إذا بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب بيان نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبيّنا محمّد - ﷺ -، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).
(٢) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٤٤ - ١٤٥)، تحقيق د. طه زيني.
(٣) انظر "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٤٥).
[ ٣٤١ ]
ملكين، إذا طأطا رأسه قطر، وإذا رفعه تحدَّرَ منه جُمانٌ كاللؤلؤ، فلا يحلُّ لكافرٍ يجد ريح نفسه إِلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه -أي: يطلب الدّجَّال- حتّى يدركه بباب لد، فيقتله، ثمَّ يأتي عيسى بن مريم قومٌ قد عصمهم الله منه، فيمسح وجوههم، ويحدِّثهم بدرجاتهم في الجنَّة" (^١).
* أدلة نزوله -﵇-:
نزول عيسى -﵇- في آخر الزّمان ثابتٌ في الكتاب والسُّنَّة الصحيحة المتواترة، وذلك علامة من علامات السّاعة الكبرى.
أ - أدلة نزوله من القرآن الكريم:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٥٧ - ٦١].
فهذه الآيات جاءت في الكلام على عيسى -﵇-، وجاء في آخرها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ أي: نزول عيسى -﵇- قبل يوم القيامة علامةٌ على قرب السّاعة، ويدلُّ على ذلك القراءة الأخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ بفتح العين واللام؛ "أي: علامة وأمارة على قيام السّاعة، ولهذه القراءة مرويَّة عن ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما من أئمَّة التفسير" (^٢).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٧ - ٦٨ - مع شرح النووي).
(٢) "تفسير القرطبي" (١٦/ ١٠٥)، وانظر: "تفسير الطّبريّ" (٢٥/ ٩٠ - ٩١).
[ ٣٤٢ ]
وروى الإِمام أحمد بسنده إلى ابن عبّاس ﵄ في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ قال: "هو خروج عيسى بن مريم ﵇ قبل يوم القيامة" (^١).
وقال الحافظ ابن كثير: "الصّحيح أنّه -أي: الضمير- عائد على عيسى؛ فإن السياق في ذكره" (^٢).
واستبعد أن يكون معنى الآية: ما بُعِثَ به عيسى -﵇- من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من ذوي الأسقام.
وأبعدُ من ذلك ما رُوِيَ عن بعض العلماء أن الضَّمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ عائدٌ على القرآن الكريم (^٣).
٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النِّساء: ١٥٧ - ١٥٩].
فهذه الآيات؛ كما أنّها تدلًّ على أن اليهود لم يقتلوا عيسى ﵇، ولم يصلبوه، بل رفعه الله إلى السَّماء؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
_________________
(١) "مسند أحمد" (٤/ ٣٢٩) (ح ٢٩٢١)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
(٢) "تفسير ابن كثير" (٧/ ٢٢٢).
(٣) انظر: "تفسير ابن كثير" (٧/ ٢٢٣).
[ ٣٤٣ ]
فإنها تدلُّ على أنَّ من أهل الكتاب مَنْ سيؤمن بعيسى -﵇- آخر الزّمان، وذلك عند نزوله (^١) وقبل موته؛ كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة الصحيحة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جوابه لسؤال وُجِّهَ إليه عن وفاة عيسى ورفعه: "الحمد لله، عيسى -﵇- حىٌّ، وقد ثبت في الصَّحيح عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: "ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا، فيكسر الصلّيب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية" (^٢)، وثبت في الصّحيح عنه أنّه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنّه يقتل الدَّجَّال، ومَن فارقت روحه جسده؛ لم ينزل جسده من السَّماء، وإذا أُحيي؛ فإنّه يقوم من قبره.
وأمّا قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فهذا دليلٌ على أنّه لم يعنِ بذلك الموت، إذ لو أراد بذلك الموت؛ لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم، ويعرج بها إلى السَّماء، فعُلِم أن ليس في ذلك خاصِّيَّة، وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء، أو غيره من الأنبياء.
وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ
_________________
(١) نزولًا حقيقيًا، وليس المراد بنزوله وحكمه في الأرض في آخر الزّمان كناية عن غلبة روحه وسر رسالته على النَّاس بما غلب عليها من الأمر بالرّحمة والمحبة والسلم والأخذ بمقاصد الشّريعة دون الوقوف عند ظواهرها؛ فإن ذلك مخالفٌ للأحاديث المتواترة في أنّه ينزل بروحه وجسده كما رفع بروحه وجسده -﵇-.
(٢) انظر كلام الشّيخ محمَّد عبده في "تفسير المنار" (٣/ ٣١٧).
[ ٣٤٤ ]
﴿لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، فقوله هنا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ يُبَيِّنُ أنّه رفع بدنه وروحه؛ كما ثبت في الصّحيح أنّه ينزل ببدنه وروحه، إذ لو أُريد موته؛ لقال: وما قتلوه وما صلبوه، بل مات
ولهذا قال مَنْ قال من العلماء: إنِّي متوفِّيك؛ أي: قابضك؛ أي: قابض روحك وبدنك؛ يقال: توفيت الحساب واستوفيته.
ولفظ (التَّوَفِّي) لا يقتضي نفسه توفي الرُّوح دون البدن، ولا توفيهما جميعًا؛ إِلَّا بقرينة منفصلة.
وقد يُراد به توفِّي النوم؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] (^١).
وليس الكلام في هذا البحث عن رفع عيسى -﵇-، وإنّما جاء ذكر ذلك لبيان أنّه رُفَع ببدنه وروحه، وأنّه حيٌّ الآن في السَّماء، وسينزل في آخر الزّمان، ويؤمن به من كان موجودًا من أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال ابن جرير: "حدّثنا ابن بشار؛ قال: حدّثنا سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).
[ ٣٤٥ ]
قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ قال: قبل موت عيسى بن مريم" (^١).
قال ابن كثير: "وهذا إسنادٌ صحيحٌ" (^٢).
ثمَّ قال ابن جرير بعد سياقه للأقوال في معنى هذه الآية: "وأولى الأقوال بالصحة قول مَنْ قال: تأويل ذلك: وان من أهل الكتاب إِلَّا ليؤمِنَنَّ بعيسى قبل موت عيسى" (^٣).
وروى بسنده عن الحسن البصري أنّه قال: "قبل موت عيسى، والله إنّه الآن حيٌّ عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون" (^٤).
وقال ابن كثير: "ولا شك أن هذا الّذي قاله ابن جرير هو الصّحيح؛ لأنّه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادَّعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم مَنْ سلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنّه لم يكن الأمر كذلك، وإنّما شُبَّهَ لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبيَّنون ذلك، ثمَّ إنّه رُفع إليه، وإنه باقٍ حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث المتواترة" (^٥).
وذَكَرَ أنّه روي عن ابن عبّاس وغيره أنّه أعاد الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ على أهل الكتاب، وقال: "إن ذلك لو صح لما كان منافيًا لهذا،
_________________
(١) "تفسير الطّبريّ" (٦/ ١٨).
(٢) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٣١). وأثر ابن عبّاس صححه أيضًا ابن حجر في "الفتح" (٦/ ٤٩٢).
(٣) "تفسير الطّبريّ" (٦/ ٢١).
(٤) "تفسير الطّبريّ" (١/ ١٨).
(٥) "تفسير ابن كثير" (٢/ ٤١٥).
[ ٣٤٦ ]
ولكن الصّحيح في المعنى والإِسناد ما ذكرناه" (^١).
ب - أدلة نزوله من السنَّة المطهَّرة:
الأدلَّة من السنة على نزول عيسى -﵇- كثيرةٌ ومتواترةٌ، سبق ذكر بعضها، وسأذكر هنا بعضًا منها خشية الإِطالة:
١ - فمنها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده؛ ليوشكَنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصلّيب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتّى لا يقبله أحدٌ، حتّى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدُّنيا وما فيها".
ثمَّ يقول أبو هريرة: "واقرؤوا إن شئتُم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ " (^٢).
ولهذا تفسيرٌ من أبي هريرة ﵁ لهذه الآية بأن المراد بها أن مِن أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى -﵇- قبل موته، وذلك عند نزوله آخر الزّمان؛ كما سبق بيانه.
٢ - وروى الشيخان أيضًا عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كيفَ أنتُم إذا أنزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟! " (^٣).
_________________
(١) " النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٣٧).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم ﵉، (٦/ ٤٩٠ - ٤٩١ - مع الفتح) و"صحيح مسلم"، باب نزول عيسى بن مريم - ﷺ -، حاكما (٢/ ١٨٩ - ١٩١ - مع شرح النووي).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم عليهم =
[ ٣٤٧ ]
٣ - وروى مسلم عن جابر ﵁؛ قال: سمعتُ النّبيّ - ﷺ - يقول: "لا تزال طائفة من أُمَّتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة؛ قال: فينزل عيسى بن مريم - ﷺ -، فيقول أميرُهم: صلِّ لنا. فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله لهذه الأمة" (^١).
٤ - وتقدَّم حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السّاعة الكبرى، وفيه: "ونزول عيسى بن مريم - ﷺ - " (^٢)
٥ - وروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة أن النّبيّ - ﷺ - قال: "الأنبياء إخوة لعَلَاّت، أمهاتهم شتَى ودينهم واحد، وإني أولى النَّاس بعيسى بن مريم؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيٌ؛ لأنّه نازلٌ، فإذا رأيتُموه؛ فاعرفوه" (^٣).
* الأحاديث في نزول عيسى -﵇- متواترة:
ذكرتُ فيما سبق بعض الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه
_________________
(١) = السّلام، (٦/ ٤٩١ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، باب نزول عيسى بن مريم - ﷺ - حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٨ - مع شرح النووي).
(٤) "مسند أحمد" (٢/ ٤٠٦ - بهامشه منتخب الكنز). والحديث صحيح. انظر: هامش "عمدة التفسير" (٤/ ٣٦)، تحقيق الشّيخ أحمد شاكر. وصدر هذا الحديث رواه: البخاريّ (٦/ ٤٧٨ - مع الفتح)، ورواه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٩٥)، وقال: "هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
[ ٣٤٨ ]
السّلام، ولم أذكر جميع الأحاديث الوارده في نزوله؛ خشية أن يطول البحث، وقد جاءت هذه الأحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد وغيره من دواوين السنة، وهي تدلُّ دلالة صريحة على ثبوت نزول عيسى ﵇ في آخر الزّمان، ولا حجَّة لمَن ردَّها، أو قال: إنها أحاديث آحاد لا تقوم بها الحجة، أو: إن نزوله ليس عقيدة من عقائد المسلمين الّتي يجب عليهم أن يؤمنوا بها (^١)؛ لأنّه إذا ثبت الحديث، وجب الإِيمان به، وتصديق ما أخبر به الصادق المصدوق - ﷺ -، ولا يجوز لنا ردًّ قوله؛ لكونه حديث آحاد؛ لأنَّ هذه حجة واهية، سبق أن عقدتُ فصلًا في أول هذا البحث بيَّنْتُ فيه أن حديث الآحاد إذا صحَّ؛ وجب تصديق ما فيه، وإذا قلنا: إن حديث الآحاد ليس بحجة؛ فإننا نردُّ كثيرًا من أحاديث رسول الله - ﷺ -، ويكون ما قاله ﵊ عبثًا لا معنى له، كيف والعلّماء قد نصُّوا على تواتر الأحاديث في نزول عيسى -﵇-؟!
وسأذكر هنا طائفة من أقوالهم:
_________________
(١) انظر كتاب "الفتاوى" (ص ٥٩ - ٨٢) للشيخ محمود شلتوت، طبع دار الشروق، ط. ٨، عام ١٣٩٥ هـ، بيروت؛ فإنّه ﵀ أنكر فيه على مَنْ قال برفع عيسى -﵇- ببدنه، وأيضًا أنكر نزوله في آخر الزّمان، ورد الأحاديث الواردة في ذلك، وقال: إنّه لا حجة فيها؛ لأنّها أحاديث آحاد!! ومسألة رفع عيسى وهل هو ببدنه أو بروحه مسألة خلافية بين العلماء، ولكن الحق أنّه رفع ببدنه وروحه؛ كما ذهب إلى ذلك جمهور المفسرين؛ كالطّبريّ، والقرطبي، وابن تيمية، وابن كثير، وغيرهم من العلماء. انظر: "تفسير الطّبريّ" (٣/ ٢٩١)، و"تفسير القرطبي" (٤/ ١٠٠)، و"مجموع الفتاوى" لابن تيمية (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣)، و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٤٠٥).
[ ٣٤٩ ]
قال ابن جرير الطّبريّ -بعد ذكره الخلاف في معنى وفاة عيسى -: "وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قولُ مَنْ قال: "معنى ذلك: إنِّي قابضك من الأرض، ورافعك إلى"؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدَّجَّال" (^١).
ثمَّ ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله.
وقال ابن كثير: "تواترات الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - أنّه أخبر بنزول عيسى -﵇- قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا" (^٢).
ثمَّ ذكر أكثر من ثمانية عشر حديثًا في نزوله.
وقال صديق حسن: "والأحاديث في نزوله -﵇- كثيرة، ذكر الشوكاني منها تسعة وعشرين حديثًا؛ ما بين صحيح، وحسن، وضعيف منجبر، منها ما هو مذكورٌ في أحاديث الدَّجَّال ومنها ما هو مذكورٌ في أحاديث المنتظر، وتنضمّ إلى ذلك أيضًا الآثار الواردة عن الصّحابة، فلها حكم الرفع، إذ لا مجال لاجتهاد في ذلك".
ثمَّ ساقها وقال: "جميع ما سقناه بالغ حدَّ التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطِّلاع" (^٣).
وقال الغُماري (^٤): "وقد ثبت القول بنزول عيسى -﵇- عن غير
_________________
(١) "تفسيير الطّبريّ" (٣/ ٢٩١).
(٢) "تفسير ابن كثير" (٧/ ٢٢٣).
(٣) "الإذاعة" (ص ١٦٠).
(٤) هو أبو الفضل عبد الله محمَّد الصديق الغماري، من علماء هذا العصر.
[ ٣٥٠ ]
واحد من الصّحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلّماء من سائر المذاهب على ممر الزّمان إلى وقتنا هذا" (^١).
وقال: "تواتر هذا تواترًا لا شكَّ فيه، بحيث لا يصحُّ أن ينكره إِلَّا الجهلة الأغبياء؛ كالقاديانية ومَن نحا نحوهم؛ لأنّه نُقِل بطريق جمع عن جمع، حتّى استقرَّ في كتب السنة الّتي وصلت إلينا تواترًا بتلقِّي جيل عن جيل" (^٢).
وقد ذكر من رواه من الصّحابة، فعد أكثر من خمسة وعشرين صحابيًّا، رواه عنهم أكثر من ثلاثين تابعيًّا، ثمّ رواه تابعو التَّابعين بأكثر من هذا العدد وهكذا حتّى أخرجه الأئمة في كتب السنة، ومنها المسانيد؛ كـ "مسند" الطيالسي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وأبي يعلى، والبزار، والديلمي، ومن أصحاب الصحاح: البخاريّ، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، وأبو عوانة، والإِسماعيلي، والضياء المقدسي، وغيرهم، ورواه أصحاب الجوامع، والمصنَّفات، والسنن، والتفسير بالمأثور، والمعاجم، والأجزاء، والغرائب، والمعجزات، والطبقات، والملاحم.
وممَّن جمع الأحاديث في نزول عيسى -﵇- الشّيخ محمّد أنور شاه الكشميري (^٣) في كتابه "التصريح بما تواتر في نزول المسيح"،
_________________
(١) "عقيدة أهل الإسلإم فىِ نزول عيسى -﵇-" (ص ١٢).
(٢) "عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى -﵇-" (ص ٥).
(٣) هو الشّيخ المحدث محمّد أنور شاه الكشميري الهندي، له عدة مصنفات، منها: "فيض الباري على صحيح البخاريّ" في أربعة مجلدات، و"العرف الشذي على =
[ ٣٥١ ]
فذكر أكثر من سبعين حديثًا.
وقال صاحب "عون المعبود شرح سنن أبي داود": "تواترت الأخبار عن النّبيّ - ﷺ - في نزول عيسى بن مريم - ﷺ - من السَّماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب السّاعة، ولهذا هو مذهب أهل السنة" (^١).
وقال الشّيخ أحمد شاكر: "نزول عيسى -﵇- في آخر الزّمان ممّا لم يختلف فيه المسلمون؛ لورود الأخبار الصحاح عن النّبيّ - ﷺ - بذلك، وهذا معلومٌ من الدين بالضَّرورة، لا يؤمن من أنكره" (^٢).
وقال في تعليقه على "مسند الإِمام أحمد": "وقد لعب المجدِّدون أو المجرِّدون في عصرنا الّذي نحيا فيه بهذه الأحاديث الدالَّة صراحة على نزول عيسى بن مريم -﵇- في آخر الزّمان، قبل انقضاء الحياة الدُّنيا، بالتأويل المنطوي على الإِنكار تارة، وبالإِنكار الصريح أخرى! ذلك أنّهم -في حقيقة أمرهم- لا يؤمنون بالغيب، أو لا يكادون يؤمنون، وهي أحاديث متواترة المعنى في مجموعها، يُعْلم مضمون ما فيها من الدين بالضرورة، فلا يجديهم الإِنكار ولا التّأويل" (^٣).
وقال الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني: "اعلم أن أحاديث الدَّجَّال
_________________
(١) = جامع التّرمذيّ"، وغيرهما، توفي (١٣٥٢ هـ) ﵀ في مدينة ديونيد. انظر ترجمته في مقدمة كتاب "التصريح" للشيخ عبد الفتاح أبو غدة.
(٢) "عون المعبود" (١١/ ٤٥٧) لأبي الطيب محمّد شمس الحق العظيم آبادي.
(٣) من حاشية "تفسير الطّبريّ" (٦/ ٤٦٠)، تخريج الشّيخ أحمد شاكر، وتحقيق محمود شاكر، مطبعة دار المعارف، مصر.
(٤) "حاشية مسند الإِمام أحمد" (١٢/ ٢٥٧).
[ ٣٥٢ ]
ونزول عيسى -﵇- متواترة، يجب الإِيمان بها، ولا تغترً بمن يدَّعي فيها أنّها أحاديث آحاد؛ فإنهم جُهَّال بهذا العلم، وليس فيهم مَنْ تتبَّعَ طرقها، ولو فعل؛ لوجدها متواترة؛ كما شهد بذلك أئمة هذا العلم؛ كالحافظ ابن حجر.
ومن المؤسف حقًا أن يتجرَّأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم، لا سيما والأمر دينٌ وعقيدة" (^١).
ونزول عيسى -﵇- ذكره طائفة من العلماء في عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنّه ينزل لقتل الدَّجَّال قبَّحه الله.
قال الإِمام أحمد بن حنبل ﵀: "أصول السنة عندنا: التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ -، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة".
ثمّ ذكر جملةً من عقيدة أهل السنة، ثمّ قال: "والإِيمان أن المسيح الدَّجَّال خارجٌ مكتوبٌ بين عينيه (كافر)، والأحاديث الّتي جاءت فيه، والإِيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ينزل فيقتله بباب لد" (^٢).
وقال أبو الحسن الأشعري (^٣) ﵀ في سرده لعقيدة أهل
_________________
(١) "حاشية شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٥٦٥) بتخريج الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني محدث الشّام.
(٢) "طبقات الحنابلة" (١/ ٢٤١ - ٢٤٣) للقاضي الحسن بن محمّد بن أبي يعلى، طبع دار المعرفة للنشر، بيروت.
(٣) هو الإِمام العلّامة أبو الحسن علي بن إسماعيل من ذرية أبي موسى الأشعري الصحابي الجليل، نشأ في حجر زوج أمه أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في عصره، وقد =
[ ٣٥٣ ]
الحديث والسُّنَّة: "الإِقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله - ﷺ -، لا يردُّون من ذلك شيئًا ويصدِّقون بخروج الدَّجَّال، وأن عيسى يقتله".
ثمَّ قال في آخر كلامه:
"وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب" (^١).
وقال الطحاوي (^٢): "ونؤمن بأشراط السّاعة؛ من خروج الدَّجَّال،
_________________
(١) = تتلمذ عليه، واعتنق مذهبه ما يقارب من أربعين سنة، ثمّ هداه الله إلى مذهب أهل السنة والجماعة، فأعلمت أنّه على مذهب أحمد بن حنبل، وله مصنفات كثيرة بلغت خمسة وخمسين مصنفًا، وقد ذكرت الدكتورة فوقية حسين محمود في مقدمة تحقيقها لكتاب الإِبانة نحو مئة مصنف، ومن أشهرها: "مقالات الإِسلامبين"، و"كتاب اللمع"، و"الوجيز"، وغيرها، وكان آخر ما ألف كتاب "الإِبانة عن أصول الديانة"، توفي ﵀ سنة (٣٢٤ هـ). انظر ترجمته في: كتاب "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (ص ٣٤ - وما بعدها)، و"البداية والنهاية" (١١/ ١٨٦)، و"شذرات الذهب" (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٥)، ومقدمة كتاب "الإِبانة" (ص ٧ - ١٦) لأبي الحسن الندوي تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، ط. الأولى، نشر دار البيان، دمشق، (١٤٠١ هـ)، ومقدمة "الإِبانة" تحقيق د. فوقية حسين محمود، ط. الأولى، ١٣٩٧ هـ، دار الأنصار، القاهرة.
(٢) "مقالات الإِسلامبين واختلاف المصلّين" (١/ ٣٤٥ - ٣٤٨)، تحقيق الشّيخ محمّد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الثّانية، (١٣٨٩ هـ)، طغ مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.
(٣) هو الحافظ الفقيه المحدث أبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة الطحاوي الأزدي المصري، شيخ الحنفية في عصره في مصر، ونسبته إلى (طحا)؛ قرية بصعيد مصر، له مصنفات كثيرة، منه: "العقيدة الطحاوية"، وكتاب "معاني الآثار"، وكتاب "مشكل =
[ ٣٥٤ ]
ونزول عيسى بن مريم -﵇- من السَّماء" (^١).
وقال القاضي عياض: "نزول عيسى وقتله الدَّجَّالَ حقُّ وصحيحٌ عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشّرع ما يبطله فوجب إثباته" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمسيح - ﷺ - وعلى سائر النبيين لا بد أن ينزل إلى الأرض كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السَّماء الثّانية، مع أنّه أفضل من يوسف وإدريس وهارون؛ لأنّه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة، بخلاف غيره، وآدم كان في سماء الدُّنيا؛ لأنّ نسم بنيه تُعْرَض عليه" (^٣).
* الحكمة في نزول عيسى -﵇- دون غيره:
تلمَّس بعض العلماء الحكمة في نزول عيسى -﵇- في آخر الزّمان دون غيره من الأنبياء، ولهم في ذلك عدَّة أقوال:
١ - الردُّ على اليهود في زعمهم أنّهم قتلوا عيسى -﵇- فبيَّن الله تعالى كذبهم، وأنّه الّذي يقتلهم ويقتل رئيسهم الدَّجَّال، كما سبق بيان
_________________
(١) = الآثار"، توفي سنة (٣٢١ هـ) بمصر ﵀. انظر ترجمته في: "البداية والنهاية" (١١/ ١٧٤)، و"شذرات الذهب" (٢/ ٢٨٨)، ومقدمة "شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٩ - ١١) بتحقيق وتخريج الألباني.
(٢) "شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٥٦٤)، تحقيق الألباني.
(٣) "شرح صحيح مسلم" (١٨/ ٧٥).
(٤) "مجموع الفتاوى" (٤/ ٣٢٩) لابن تيمية.
[ ٣٥٥ ]
دلك في الكلام على قتال اليهود (^١).
ورجَّحَ الحافظ ابن حجر هذا القول على غيره (^٢).
٢ - إن عيسى -﵇- وجد في الإِنجيل فضل أمة محمّد كما في قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى﴾ [الفتح: ٢٩]، فدعا اللهَ أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه حتّى ينزل آخر الزّمان مجدِّدًا لأمر الإسلام.
قال الإِمام مالك ﵀: "بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصّحابة الذين فتحوا الشّام يقولون: والله لهؤلاء خيرٌ من الحواريِّين فيما بلغنا" (^٣).
وقال ابن كثير: "وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدِّمة والأخبار المتداوَلَة" (^٤).
وقد ترجم الإِمام الذهبي لعيسى -﵇- في كتابه "تجريد أسماء الصّحابة"، فقال: "عيسى بن مريم -﵇-: صحابي، ونبيٌّ؛ فإنّه رأى النبيَّ - ﷺ - ليلة الإِسراء، وسلَّم عليه، فهو آخر الصّحابة موتًا" (^٥).
٣ - إن نزول عيسى -﵇- من السَّماء؛ لِدُنُوِّ أجله، ليُدْفَنَ في الأرض، إذ ليس لمخلوقٍ من التراب أن يموت في غيرها، فيوافق نزوله
_________________
(١) (ص ٣٠٣).
(٢) "فتح الباري" (٦// ٤٩٣).
(٣) و(^٤) "تفسير ابن كثير" (٧/ ٣٤٣).
(٤) "تجريد أسماء الصّحابة" (١/ ٤٣٢).
[ ٣٥٦ ]
خروج الدَّجَّال، فيقتله عيسى -﵇-.
٤ - إنّه ينزل مكذِّبًا للنصارى، فيُظْهِر زيفهم في دعواهم الأباطيل، ويُهْلِك الله المللَ كلها في زمنه إِلَّا الإسلام؛ فإنّه يكسر الصلّيب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية.
٥ - إن خصوصيته بهذه الأمور المذكورة لقول النّبيّ - ﷺ -: "أنا أولى النَّاس بعيسى بن مريم، ليس بيني وبينه نبيٌّ" (^١).
فرسول الله - ﷺ - أخص النَّاس به، وأقربهم إليه؛ فإن عيسى بشَّر بأن رسول الله - ﷺ - يأتي من بعده، ودعا الخلق إلى تصديقه والإِيمان به (^٢)؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وفي الحديث: "قالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك؟ قال: نعم؛ أنا دعوة أبي إبراهيم بشرى أخي عيسى" (^٣).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" (٦/ ٤٧٧ - ٤٧٨ - مع الفتح)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦]، و"صحيح مسلم" (١٥/ ١١٩ - مع شرح النووي)، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى -﵇-.
(٢) انظر: "المنهاج في شعب الإِيمان" (١/ ٤٢٤ - ٤٢٥) للحليمي، و"التذكرة" للقرطبي (ص ٦٧٩)، و"فتح الباري" (٦/ ٤٩٣)، وكتاب "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" (ص ٩٤) تعليق الشّيخ عبد الفتاح أبي غدة.
(٣) رواه ابن إسحاق في "السيرة". انظر: "تهذيب سيرة ابن هشام" (ص ٤٥) لعبد السّلام هارون، طبعة "المجمع العلّمي العربي الإِسلامي، منشورات محمّد الداية، بيروت. قال ابن كثير في إسناده: "هذا إسناد جيد"، وروى له شواهد من وجوه أخر، رواها الإِمام أحمد في "المسند". "تفسير ابن كثير" (٨/ ١٣٦)، و"مسند الإِمام أحمد" (٤/ ١٢٧ و٥/ ٢٦٢ - بهامشه منتخب الكنز).
[ ٣٥٧ ]
* بماذا يحكم عيسى -﵇-؟
يحكم عيسى -﵇- بالشريعة المحمَّدِيَّة، ويكون من أتباع محمَّد - ﷺ -، فإنّه لا ينزل بشرع جديد؛ لأنَّ دينَ الإسلام خاتمُ الأديان، وباقٍ إلى قيام السّاعة، لا ينسخ، فيكون عيسى -﵇- حاكمًا من حكام هذه الأمة، ومجدَّدًا لأمر الإسلام، إذ لا نبى بعد محمَّدٍ - ﷺ -.
روى الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامُكُم منكم؟! ".
فقلتُ (القائل الوليد بن مسلم) (^١) لابن أبي ذئب (^٢): إن الأوزاعي حدّثنا عن الزّهريُّ عن نافع عن أبي هريرة: "وإمامكم منكم". قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمَّكم منكم؟ قلت: تخبرني؟ قال: فأمَّكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيِّكم - ﷺ - (^٣).
وعن جابر بن عبد الله ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتِلون على الحق، ظاهرين إلى يوم
_________________
(١) هو الوليد بن مسلم القرشي، مولى بني أمية، عالم الشّام، توفي سنة (١٩٥ هـ) ﵀. انظر: "تهذيب التهذيب" (١١/ ١٥١ - ١٥٢).
(٢) هو محمَّد بن عبد الرّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، الإِمام، الثقة، توفي سنة (١٥٩ هـ)، ﵀. انظر: "تهذيب التهذيب" (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٧).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب بيان نزول عيسى بن مريم حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).
[ ٣٥٨ ]
القيامة". قال: "فينزل عيسى بن مريم - ﷺ -، فيقول أميرهم: تعال صلِّ بنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة" (^١).
قال القرطبي: "ذهب قومٌ إلى أنَّه بنزول عيسى -﵇- يرتفع التكليف؛ لئلا يكون رسولًا إلى أهل ذلك الزّمان؛ يأمرهم عن الله تعالى، وهذا (يعني: كونه رسولًا بعد محمّد) أمرٌ مردودٌ بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقوله ﵊: "لا نبىَّ بعدي" (^٢)، وقوله: "وأنا العاقب" (^٣)؛ يريد آخر الأنبياء وخاتمهم.
وإذا كان ذلك؛ فلا يجوز أن يُتوهَّم أن عيسى ينزل نبيًّا بشريعة متجدِّدة غير شريعة محمَّد نبيِّنا - ﷺ -، بل إذا نزل؛ فإنّه يكون يومئذٍ من أتباع محمَّد - ﷺ -؛ كما أخبر - ﷺ -، حيث قال لعمر: "لو كان موسى حيًّا؛ ما وسعه إِلَّا اتباعي" (^٤)، فينزل وقد عُلِّم بأمر الله تعالى له في السَّماء قبل أن ينزل ما
_________________
(١) "صحيح مسلم"، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفضائل، باب في أسمائه - ﷺ -، (١٥/ ١٠٤ - مع شرح النووي).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب التفسير، باب ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، (٨/ ٦٤٠ - ٤١ - مع الفتح).
(٤) "مسند الإِمام أحمد" (٣/ ٣٨٧ - بهامشه منتخب الكنز). قال ابن حجر: "رجاله موثقون؛ إِلَّا أن في مجالد (أحد رواة الحديث) ضعفًا". "فتح الباري" (١٣/ ٣٣٤). وقد رواه عبد الرزّاق في "المصنِّف" (١٠/ ٣١٣ - ٣١٤)، تحقيق حبيب الرّحمن الأعظمي. ومجالد هو مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، روى له مسلم مقرونًا بغيره، =
[ ٣٥٩ ]
يحتاج إليه من علم لهذه الشّريعة للحكم به بين النَّاس، والعمل به في نفسه، فيجتمع المؤمنون عند ذلك إليه، ويحكِّمونه على أنفسهم ولأن تعطيل الحكم غير جائز، وأيضًا؛ فإن بقاء الدنيا إنّما يكون بمقتضى التكليف إلى أن لا يقال في الأرض: الله، الله" (^١).
والذي يدلُّ على بقاء التكليف بعد نزول عيسى -﵇- صلاته مع المسلمين، وحجُّه، وجهاده للكفار.
فأمّا صلاته؛ فقد سبق في الأحاديث ذكر ذلك.
وكذلك قتاله للكفار وأتباع الدَّجَّال.
وأمّا حجه؛ ففي "صحيح مسلم" عن حنظلة الأسلمي؛ قال: سمعتُ أبا هريرة ﵁ يحدِّث عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "والذي نفسي بيده، ليُهِلَّنَّ ابنُ مريم بفجِّ الرَّوحاء (^٢) حاجًّا أو معتمرًا، أو ليثنِّيَنَّهما" (^٣)؛ أي: يجمع بين الحجِّ والعمرة.
وأمّا وضع عيسى للجزية عن الكفار- مع أنّها مشروعة في الإسلام
_________________
(١) = قال فيه ابن حجر: "صدوق". انظر: "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٣٩ - ٤١).
(٢) "التذكرة " (ص ٦٧٧ - ٦٧٨).
(٣) (فج الروحاء): موضع بين مكّة والمدينة، سلكه النّبيّ - ﷺ - إلى بدر وإلى مكّة عام الفتح وفي الحجِّ. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٤١٢)، و"معجم البلدان، (٤/ ٢٣٦).
(٤) "صحيح مسلم بشرح النووي"، كتاب الحجِّ، باب جواز التمتع في الحجِّ والقرآن، (٨/ ٢٣٤ - مع شرح النووي).
[ ٣٦٠ ]
قبل نزوله -﵇-؛ فليس هذا نسخًا لحكم الجزية جاء به عيسى شرعًا جديدًا؛ فإن مشروعية أخذ الجزية مقيَّد بنزول عيسى -﵇- بإخبار نبيّنا محمَّد - ﷺ -، فهو المبيِّن للنَّسخ (^١) بقوله لنا: "واللهِ لينزلَنَّ ابنُ مريم حكمًا عدلًا، فليكسرَنَّ الصَّليب، وليقتلنَّ الخنزير، وليضَعَنَّ الجزية" (^٢).
* انتشار الأمن وظهور البركات في عهده -﵇-:
وزمن عيسى -﵇- زمن امن وسلام ورخاء، يرسل الله فيه المطر الغزير، وتخرج الأرض ثمرتها وبركتها، ويفيض المال، وتذهب الشحناء والتباغض والتحاسد.
فقد جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر الدَّجَّال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى -﵇- ودعائه عليهم وهلاكهم، وفيه قوله - ﷺ -: "ثمَّ يرسل الله مطرًا لا يُكِنُّ منه بيتُ مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتّى يتركها كالزلفة (^٣)، ثمّ يقال للأرض أنبتي ثمرتك، ورُدِّي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (٦/ ٤٩٢).
(٢) "صحيح مسلم"، باب نزول عيسى -﵇- حاكمًا، (٢/ ٢٩٢ - مع شرح لنووي).
(٣) (الزلفة): روي بفتح الزاي واللام والقاف وروي بالفاء، وكلها صحيحة، ومعناه كالمرآة شبه الأرض بها لصفائها ونظافتها. انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٦٩).
[ ٣٦١ ]
بقحفها، ويبارَك في الرِّسل (^١)، حتّى إن اللقحة من الإِبل لتكفي الفئام من النَّاس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من النَّاس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من النَّاس" (^٢).
وروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال: "والأنبياء إخو لعَلَّات (^٣)؛ أمهاتهم شتَّى، ودينهم واحد، وأنا أولى النَّاس بعيسى ابن مريم؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ، وإنه نازل فيهلك الله في زمانه المسيح الدَّجَّال، وتقع الأمنة على الأرض حتّى ترتع الأسود مع الإِبل، والنِّمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم" (^٤).
وروى الإِمام مسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "والله لينزلَنَّ عيسى بن مريم حكمًا عادلًا وليضعَنَّ الجزية، ولتُتْرَكنَّ القِلاص (^٥) فلا يُسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض
_________________
(١) (الرِّسل): بكسر الراء وإسكان السين هو اللبن. انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٦٩).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٣ - ٧٠ - مع شرح النووي).
(٣) (إخؤ لعلّات): علات: بفتح العين المهملة، وتشديد اللام. وأولاد العلّات: الذين أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد؛ أي: أن إيمان الأنبياء واحد وشرائعهم مختلفة. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٢٩١)، و"تفسير الطّبريّ" (٦/ ٤٦٠)، تعليق محمود شاكر، وتخريج أحمد شاكر.
(٤) "مسند أحمد" (٢/ ٤٠٦ - بهامشه منتخب الكنز). قال ابن حجر: "سنده صحيح". "فتح الباري" (٦/ ٤٩٣).
(٥) (القلاص): بكسر القاف، جمع قلوص بفتح القاف، وهي الناقة الشابة.=
[ ٣٦٢ ]
والتحاسد، وليدعونَّ إلى المال؛ فلا يقبله أحد" (^١).
قال النوويّ: "ومعناه أن يزهد النَّاس فيها -أي: الإِبل- ولا يرغب في اقتنائها؛ لكثرة الأموال، وقلَّة الآمال، وعدم الحاجة، والعلّم بقرب القيامة.
وإنّما ذُكِرَت القلاص؛ لكونها أشرف الإِبل، الّتي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيهٌ بمعنى قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤]، ومعنى: "لا يُسْعَى عليها": لا يُعْتَنى بها" (^٢).
وذهب القاضي عياض إلى أن المعنى: أي: لا تُطْلَب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها.
وأنكر لهذا القول النووي (^٣).
* مدة بقائه بعد نزوله ثمّ وفاته:
وأمّا مدَّة بقاء عيسى -﵇- في الأرض بعد نزوله؛ فقد جاء في بعض الروايات أن يمكث سبع سنين، وفي بعضها أربعين سنة.
ففي رواية الإِمام مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄: "فيبعث الله عيسى بن مريم ثمَّ يمكث النَّاس سبع سنين ليس بين
_________________
(١) = انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ١٠٠)، و"شرح النووي لمسلم" (٢/ ١٩٢).
(٢) "صحيح مسلم"، باب نزول عيسى -﵇-، (٢/ ١٩٢ - مع شرح النووي).
(٣) "شرح النووي لمسلم" (٢/ ١٩٢).
(٤) انظر "شرح النووي لمسلم" (٢/ ١٩٢).
[ ٣٦٣ ]
اثنين عداوة، ثمّ يرسل الله ريحًا باردةً من قِبَلِ الشّام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرَّة من خيرٍ أو إيمانٍ إِلَّا قبضته" (^١).
وفي رواية الإِمام أحمد وأبي داود: "فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثمّ يُتَوَفَى، ويصلّي عليه المسلمون" (^٢).
وكلا هاتين الروايتين صحيحة، ولهذا مشكلٌ؛ إِلَّا أن تُحْمَلَ رواية السير سنين على مدَّة إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مُكْثِه في الأرض قبل رفعه إلى السَّماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور (^٣).
والله أعلم.
* * * * *
_________________
(١) "صحيح مسلم"، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٥ - ٧٦ - مع شرح النووي).
(٢) "مسند الإِمام أحمد" (٢/ ٤٠٦ - بهامشه منتخب الكنز. قال ابن حجر: "صحيح" (٦/ ٤٩٣). و"سنن أبي داود"، كتاب الملاحم، باب خروج الدجال، (١١/ ٤٥٦ - مع عون المعبود).
(٣) انظر: "النهاية / الفتن والملاحم" (١/ ١٤٦)، تحقيق د. طه زيني.
[ ٣٦٤ ]
الفصل الرّابع: يأجوج ومأجوج
* أصلهم:
قبل الحديث عن خروج يأجوج ومأجوج أرى من المناسب أن نتعرَّف على أصلهم، وماذا يعني لفظ (يأجوج) و(مأجوج)؟
يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، وقيل: عربيان.
وعلى هذا يكون اشتقاقهما من أجَّت النّار أجيجًا: إذا التهبت. أو من الأُجاج: وهو الماء الشديد الملوحة، المحرق من ملوحته. وقيل عن الأجّ: وهو سرعة العدو. وقيل: مأجوج من ماج؛ إذا اضطرب. وهما على وزن يفعول في (يأجوج)، ومفعول في (مأجوج)، أو على وزن فاعول فيهما.
هذا إذا كان الاسمان عرببين، أمّا إذا كانا أعجميَّين؛ فليس لهما اشتقاق؛ لأنّ الأعجميَّة لا تُشْتَقُّ من العربيّة.
وقرأ الجمهور ﴿يَأْجُوجَ﴾ و﴿مَأْجُوجَ﴾؛ بدون همز، فتكون الألفان زائدتين، وأصلهما (يجج)، و(مجج)، وأمّا قراءة عاصم؛ فهي الهمزة
[ ٣٦٥ ]
الساكنة فيهما.
وكل ما ذُكِرَ في اشتقاقهما مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق من (ماج) بمعنى اضطرب قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، وذلك عند خروجهم من السد (^١).
وأصل يأجوج ومأجوج من البشر، من ذرية آدم وحواء ﵉.
وقد قال بعض العلماء: إنهم من ذرِّية آدم لا من حواء (^٢)، وذلك أن آدم احتلم، فاختلط منيُّه بالتراب، فخلق الله من ذلك يأجوج ومأجوج.
وهذا ممّا لا دليل عليه، ولم يردّ عمَّن يجب قبول قوله (^٣).
قال ابن حجر: "ولم نر لهذا عند أحدٍ من السلف؛ إِلَّا عن كعب الأحبار، ويردّه الحديث المرفوع: أنّهم من ذريَّة نوح، ونوحٌ من ذُرِّيَّة حواء قطعًا" (^٤).
ويأجوج ومأجوج من ذريَّة يافث أبي الترك، ويافث من ولد نوح ﵇ (^٥).
_________________
(١) انظر: "لسان العرب" (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، و"ترتيب القاموس المحيط" (١/ ١٥٥ - ١١٦)، و"فتح الباري" (١٣/ ١٠٦)، و"شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٣).
(٢) انظر: "فتاوى الإِمام النووي" المسمى "المسائل المنثورة " (ص ١١٦ - ١١٧ - ترتيب تلميذه علاء الدين العطار)، ذكره ابن حجر في "الفتح" (١٣/ ١٠٧)، ونسبه للنووي، فقال: "ووقع في فتاوى محيي الدين".
(٣) انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٥٢ - ١٥٣)، تحقيق د. طه زيني.
(٤) "فتح الباري" (١٣/ ١٠٧).
(٥) انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٥٣).
[ ٣٦٦ ]
والذي يدلُّ على أنّهم من ذرِّيَّة آدم -﵇- ما رواه البخاريّ عن أبي سعيد الخُدري ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: "يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبَّيك وسعديك، والخير في يديك. فيقول: أخرج بعث النّار. قال: وما بعث النّار؟ قال: من كلّ ألف تسع مئه وتسعة وتسعين. فعنده يشيب الصغير، وتضع كلُّ ذات حمل حملها، وترى النَّاس سُكارى وما هُم بسكارى، ولكنَّ عذاب الله شديد". قالوا: وأيُّنا ذلك الواحد؟ قال: "أبشروا؛ فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف" (^١).
وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله - ﷺ -: "أن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وأنّهم لو أُرْسِلوا إلى النَّاس؛ لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحدٌ؛ إِلَّا ترك من ذرِّيَّتِه ألفًا فصاعدًا" (^٢).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، (٦/ ٣٨٢ - مع شرح الفتح).
(٢) "منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي"، كتاب الفتن وعلامات السّاعة، باب ذكر يأجوج ومأجوج، (٢/ ٢١٩ - ترتيب الشّيخ أحمد عبد الرّحمن البنا)، ط. الثّانية، عام (١٤٠٠ هـ)، المكتبة الإِسلامية، بيروت. وروى الحاكم طرفًا منه في "المستدرك" (٤/ ٤٩٠)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي". وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط"، ورجاله ثقات". "مجمع الزوائد" (٨/ ٦). وقال ابن حجر: "أخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عبد الله بن سلام مثله". "فتح الباري" (١٣/ ١٠٧). وذكر ابن كثير رواية الطبراني لهذا الحديث، ثمَّ قال: "وهذا حديث غريب، وقد =
[ ٣٦٧ ]
* صفتُهُم:
أمّا صفتهم الّتي جاءت بها الأحاديث؛ فهي أنّهم يُشْبِهون أبناء جنسهم من التُرك الغتم (^١) المغول، صغار العيون، ذلف الأنوف، صهب الشعور، عراض الوجوه، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة، على أشكال الترك وألوانهم (^٢).
روى الإِمام أحمد عن ابن حرملة عن خالته؛ قالت: خطب رسول الله - ﷺ - وهو عاصبٌ أصبعه من لدغة عقرب، فقال: "إنكم تقولون: لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًّا حتّى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، شُهب الشعاف (^٣)، من كلّ حَدَب ينسلون، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة" (^٤).
وقد ذكر ابن حجر بعض الآثار في صفتهم، ولكنها روايات ضعيفة،
_________________
(١) = يكون من كلام عبد الله بن عمرو من الزاملتين". "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٥٤)، تحقيق د. طه زيني.
(٢) (الغتم): الغتمة: عجمة في المنطق. ورجل أغتم وغتمى: لا يفصح شيئًا. "لسان العرب" (١٢/ ٤٣٣).
(٣) نظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٥٣)، تحقيق د. طه زينى.
(٤) (الشعاف): جمع شعفة وهي أعلى شعر الرّأس، والمراد: شهب الشعور. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٤٨١ - ٤٨٢)، و"لسان العرب" (٩/ ١٧٧).
(٥) "مسند الإِمام أحمد" (٥/ ٢٧١ - بهامشه منتخب الكنز). قال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصّحيح". "مجمع الزوائد" (٨/ ٦).
[ ٣٦٨ ]
ومما جاء في لهذه الآثار أنّهم ثلاثة أصناف:
١ - صنف أجسادهم كالأرْز، وهو شجر كبار جدًّا.
٢ - وصنف أربعة أذرع في أربعة أذرع.
٣ - وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى.
وجاء أيضًا أن طولهم شبر وشبرين، وأطولهم ثلاثة أشبار (^١).
والذي تدل عليه الروايات الصحيحة أنّهم رجالٌ أقوياء، لا طاقة لأحد بقتالهم، ويبعد أن يكون طول أحدهم شبر وشبرين.
ففي حديث النواس بن سمعان أن الله تعالى يوحي إلى عيسى ﵇ بخروج يأجوج ومأجوج، وأنّه لا يُدان لأحد بقتالهم، ويأمره بإبعاد المؤمنين من طريقهم، فيقول لهم: "حرز عبادي إلى الطور".
كما سيأتي ذكر ذلك في الكلام على خروجهم بإذن الله تعالى
* أدلَّة خروج يأجوج ومأجوج:
خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزّمان علامة من علامات السّاعة
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ١٠٧). وقد أنكر ابن كثير لهذه الصفات، وقال: إن من زعم أن هذه صفاتهم؛ "فقد تكلف ما لا علم له به"، وقال: "ما لا دليل عليه". "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٥٣). وذكر الهيثمي حديثًا رواه حذيفة عن النّبيّ - ﷺ - في وصف يأجوج ومأجوج ببعض هذه الصفات، وأنّه من رواية الطبراني في "الأوسط"، وفي إسناده يحيى بن سعيد العطار، وهو ضعيف، وقال فيه ابن حجر: "ضعيف جدًا". انظر: "مجمع الزوائد" (٨/ ٦)، و"فتح الباري" (١٣/ ١٠٦).
[ ٣٦٩ ]
الكبرى، وقد دلَّ على ظهورهم الكتاب والسُّنَّة:
أ - الأدلة من القرآن الكريم:
١ - قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧].
٢ - وقال تعالى في سياقه لقصة ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا. قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا. وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٢ - ٩٩].
فهذه الآيات تدلُّ على أن الله تعالى سخَّر ذا القرنين (^١) الملك
_________________
(١) (ذو القرنين): اختلف في اسمه، فروي عن ابن عبّاس أن اسمه: عبد الله بن الضحاك بن معد. وقيل: مُصْعَب بن عبد الله بن قنان من الأزد، ثمّ من قحطان، وقيل غير ذلك. وسمي بذي القرنين لأنّه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشيطان ويغرب، وقيل: غير ذلك، وكان عبدًا مؤمنًا صالحًا، وهو غير ذي القرنين الإِسكندر المقدوني المصري؛ فإن هذا كان كافرًا، وهو متأخر عن المذكور في القرآن وبينهما أكثر من ألفي سنة.=
[ ٣٧٠ ]
الصالح لبناء السدِّ العظيم؛ ليحجز بين يأجوج ومأجوج القوم المفسدين في الأرض وبين النَّاس، فإذا جاء الوقت المعلوم، واقتربت السّاعة؛ اندكَّ هذا السدُّ، وخرج يأجوج ومأجوج بسرعة عظيمة، وجمعٍ كبير، لا يقف أمامه أحدٌ من البشر، فماجوا في النَّاس، وعاثوا في الأرض فسادًا.
وهذا علامةٌ على قرب النفخ في الصور، وخراب الدنيا، وقيام السّاعة (^١)؛ كما سيأتي بيان ذلك في الأحاديث الثابتة.
ب - الأدلَّة من السنَّة المطهَّرة:
الأحاديث الدَّالَّة على ظهور يأجوج ومأجوجِ كثيرة، تبلغ حدَّ التواتر المعنوي، سبق ذكر بعض منها، وسأذكر هنا طرفًا من هذه الأحاديث:
١ - فمنها ما ثبت في "الصحيحين" عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب بنت جحش أن رسول الله - ﷺ - دخل عليها يومًا فَزِعًا يقول: "لا إله إِلَّا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وحلَّق بأصبعيه الإِبهام والتي تليها) ". قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله! أفنهلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كَثُرَ الخَبَثُ" (^٢).
_________________
(١) انظر: "البداية والنهاية" (٢/ ١٠٢ - ١٠٦)، و"تفسير ابن كثير" (٥/ ١٨٥ - ١٨٦).
(٢) انظر: "الطّبريّ" (١٦/ ١٥ - ٢٨ و١٧/ ٨٧ - ٩٢)، و"تفسير ابن كثير" (٥/ ١٩١ - ١٩٦ و٥/ ٣٦٦ - ٣٧٢)، و"تفسير القرطبي" (١١/ ٣٤١ - ٣٤٢).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، (٦/ ٣٨١ - مع الفتح)، وكتاب الفتن، (١٣/ ١٠٦ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن =
[ ٣٧١ ]
٢ - ومنها ما جاء في حديث النوَّاس بن سمعان ﵁، وفيه: "إذا أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجتُ عبادًا لي لا يُدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كلّ حَدَب ينسلون (^١)، فيمرُّ أولئك على بحيرة طبريَّة، فيشربون ما فيها، ويمرُّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرَّة ماء، ويُحْصَرُ نبي الله عيسى وأصحابه حتّى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب إلى الله عيسى وأصحابُه، فْيرسلُ الله عليهم النَّغَف (^٢) في رقابهم، فيصبحون فرسى (^٣) كموت نفسٍ واحدةٍ، ثمّ يُهْبَط بنبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إِلَّا ملأه زهمُهم ونَتَنُهم، فيرغب نبىُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البُخت (^٤)، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله" (^٥).
_________________
(١) = وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢ - ٤ - مع شرح النووي).
(٢) (الحدب): هو كلّ موضع غليظ مرتفع، والجمع أحداب وحداب، والمعنى يظهرون من غليظ الأرض ومرتفعها. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٣٤٩)، و"لسان العرب" (١/ ٣٠١).
(٣) (النغف)؛ بالتحريك: دود يكون في أنوف الإِبل والغنم، واحدتها نغفة. "النهاية في غريب الحديث" (٥/ ٨٧).
(٤) (فرسى)؛ بفتح الفاء؛ أي: قتلى. الواحد: فريس، من فَرْس الذئب الشاة وافترسها إذا قتلها. "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٢٢٨).
(٥) (البخت): هي جمال طوال الأعناق، وهي لفظة معرَّبة، واحدتها بختية للأنثي، وبختي للذكر، وقد سبق شرحها (ص ١٦٥). انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ١٠١).
(٦) "صحيح مسلم"، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٨ - ٦٩ - مع شرح النووي).
[ ٣٧٢ ]
رواه مسلم، وزاد في رواية -بعد قوله: "لقد كان بهذه مرّة ماء"-: "تم يسيرون حتّى ينتهوا إلى جبل الخّمْرِ (^١)، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا مَنْ في الأرض، هلمَّ فلنقتل مَنْ في السَّماء، فيرمون بنشابهم (^٢) إلى السَّماء، فيردُّ الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا" (^٣).
٣ - وجاء في حديث حذيفة بن أسيد ﵁ في ذكر أشراط السّاعة، فذكر منها: "يأجوج ومأجوج" (^٤).
٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: لما كان ليلة أسري برسول الله - ﷺ -؛ لقي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا السّاعة إلى ان قال: "فردُّوا الحديث إلى عيسى (فذكر قتل الدَّجَّال، ثمّ قال:) ثمّ يرجع النَّاس إلى بلادهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج، وهم من كلّ حَدَبِ يَنْسِلون، لا يمرون بماء إِلَّا شربوه، ولا بشيء إِلَّا أفسدوه، يجأرودن إليًّ فأدعو الله، فيميتهم، فتَجْوى الأرض من ريحهم، فيجأرودن إليَّ، فأدعو الله، فيرسل السَّماء بالماء، فيحملهم،
_________________
(١) (جبل الخّمْرِ): الخّمْرِ بخاء معجمة وميم مفتوحة، والخمر: الشجر الملتف الّذي يستر من فيه، وقد جاء تفسيره في الحديث بأنّه جبل ببت المقدس. انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٧١).
(٢) (النشاب): بطلق على النبل والسهام، واحدته: نشابه. انظر: "لسان العرب" (١/ ٧٥٧).
(٣) "صحيح مسلم"، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٠ - ٧١ - مع شرح النووي).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - مع شرح النووي).
[ ٣٧٣ ]
فيقذف بأجسامهم في البحر" (^١).
٥ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - (فذكر الحديث، وفيه): "ويخرجون على النَّاس، فيستقون المياه، ويفرُّ النَّاس منهم، فيرمون سهامهم في السَّماء، فترجع مخضبةً بالدماء، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وغلبنا مَنْ في السَّماء قوَّةً وعلوًّا". قال: "فيبعث الله ﷿ عليهم نَغَفًا في أقفائهم". قال: "فيهلكهم، والذي نفس محمّد بيده؛ إن دوابَّ الأرض لتسمن، وتبطر، وتشكر شكرًا (^٢)، وتسكر سكرًا (^٣) من لحومهم" (^٤).
_________________
(١) "مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي في "تلخيصه". ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ١٨٩ - ١٩٠) (ح ٣٥٥٦)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". وقال الألباني: "ضعيف". انظر: "ضعيف الجامع الصغير" (٥/ ٢٠ - ٢١) (ح ٤٧١٢). قلت: الشواهد من الأحاديث ترجح أنّه صحيح. والله أعلم.
(٢) (تشكر شكرًا)؛ يقال: شكِرت الشاة -بالكسر- تشْكَر شَكَرًا- بالتحريك-: إذا سمنت وامتلأ ضرعها لبنًا، والمعنى أن دواب الأرض تسمن وتمتلىء شحمًا. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٤٩٤).
(٣) (تسكر سكرًا): السَّكَر -بفتح السين والكاف- الخّمْرِ، ويطلق السَّكَر على الغضب والامتلاء. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٣٨٣)، و"لسان العرب"، (٤/ ٣٧٣ - ٣٧٤).
(٤) "سنن التّرمذيّ"، أبواب التفسير، سورة الكهف، (٨/ ٥٩٧ - ٥٩٩)، قال =
[ ٣٧٤ ]
* سدُّ يأجوج ومأجوج:
بني ذو القرنين سدَّ يأجوج ومأجوج؛ ليحجز بينهم وبين جيرانهم الذين استغاثوا به منهم.
كما ذكر الله تعالى ذلك في القرآن الكريم: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٤ - ٩٥].
لهذا ما جاء في الكلام علي بناء السد، أمّا مكانه؛ ففي جهة المشرق (^١)؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٩٠].
ولا يُعْرَف مكان هذا السد بالتحديد، وقد حاول بعض الملوك
_________________
(١) = التّرمذيّ: "هذا حديث حسن غريب". وسنن ابن ماجه، كتاب الفتن، (٢/ ١٣٦٤ - ١٣٦٥) (ح ٤٠٨٠)، تحقيق الشّيخ محمّد فؤاد عبد الباقي. ورواه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٤٨٨)، وقال فيه: "حديث صحيح على شرط الصحيحين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في "الفتح" (١٣/ ١٠٩): "رجاله رجال الصّحيح؛ إِلَّا أن قتادة مدلس". ولكن جاء في رواية ابن ماجه أن قتادة صرح بالسماع من شيخه أبي رافع. وصححه أيضًا الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٥) (ح ٢٢٧٢).
(٢) انظر: "تفسير ابن كثير" (٥/ ١٩١).
[ ٣٧٥ ]
والمؤرخين أن يتعرَّفوا على مكانه، ومن ذلك "أن الخليفة الواثق (^١) بعث بعض أمرائه يتَّجه معه جيشًا سرية؛ لينظروا إلى السد، ويعاينوه، وينعتوه له إذا رجعوا، فوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتّى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنّهم رأوا فيه بابًا عظيمًا، وعليه أقفالٌ عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعسل في برج هناك، وأن عنده حراسًا من الملوك المتاخمة له، وأنّه منيفٌ شاهقٌ، لا يُستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثمّ رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالًا وعجائب" (^٢).
وهذه القصة ذكرها ابن كثير ﵀ في التفسير، ولم يذكر لها سندًا، فالله أعلم بصحة ذلك.
والذي تدل عليه الآيات السابقة أن هذا السد بُني بين جبلين؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾، والسدان: هما جبلان متقابلان. ثمّ قال: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾؛ أي: حاذى به رؤوس الجبلين (^٣)، وذلك بزبر الحديد، ثمّ أفرغ عليه نحاسًا مذابًا، فكان سدًّا محكمًا.
قال الإِمام البخاريّ: "قال رجلٌ للنبيﷺ -: رأيتُ السَّدَّ من البرد
_________________
(١) هو الخليفة العباسي هارون بن محمّد المعتصم بن هارون الرشيد، بويع له بالخلافة سنة ست وعشرين، وتوفي سنة (٢٣٢ هـ) بطريق مكّة وهو ابن ست وثلاثين سنة. انظر: "البداية والنهاية" (١٠/ ٣٠٨).
(٢) "تفسير ابن كثير" (٥/ ١٩٣).
(٣) انظر: "تفسير ابن كثير" (٥/ ١٩١ - ١٩٢).
[ ٣٧٦ ]
المحبر. قال: قد رأيته" (^١).
وقال سيد قطب: "كُشِف سدٌّ بمقربة من مدينة (ترمذ) (^٢)، عُرف - (باب الحديد)، قد مرَّ به في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي العالم الألماني (سيلدبرجر) وسجَّله في كتابه، وكذلك ذكره المؤرِّخ الأسباني (كلا فيجو) في رحلته سنة (١٤٠٣ م)، وقال: سد مدينة باب الحديد على الطريق سمرقند والهند وقد يكون هو السد الّذي بناه ذو القرنين" (^٣).
قلت: ولعلَّ هذا السد هو السور المحيط بمدينة (ترمذ)، الّذي ذكره ياقوت الحموي في "معجم البلدان"، وليس هو سد ذي القرنين.
وأيضًا؛ فإنّه لا يعنينا في هذا البحث تحديد مكان السد، بل نقف عند ما أخبرنا الله تعالى به، وما جاء في الأحاديث الصحيحة، وهو أن سدَّ يأجوج ومأجوج موجودٌ إلى أن يأتي الوقت المحدَّد لدَكِّ هذا السد، وخروج يأجوج ومأجوج، وذلك عند دُنو السّاعة؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٨ - ٩٩]
_________________
(١) رواه البخاريّ معلقًا في "صحيحه"، في باب قصة يأجوج ومأجوج، (٦/ ٣٨١ - مع الفتح).
(٢) (ترمذ): قال ياقوت "مدينة مشهورة من أمهات المدن، راكبة على نهر جيحون، من جانبه الشرقي، يحيط بها سور وأسواقها مفروشة بالآجر، وممن ينسب إليها الإِمام أبو عيسى التّرمذيّ صاحب "الجامع الصّحيح" و"العلل". "معجم البلدان" (٢/ ٢٦ - ٢٧).
(٣) "تفسير الظلال" (٤/ ٢٢٩٣)، وانظر: كتاب "أشراط السّاعة وأسرارها" (ص ٧٥) لمحمد سلامة جبر، طبع شركة الشعاع، الكويت، ط. الأولى، (١٤٠١ هـ).
[ ٣٧٧ ]
والذي يدلُّ على أن هذا السدَّ موجود لم يندكَّ ما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - في السد؛ قال: "يحفرونه كلّ يوم حتّى إذا كادوا يخرقونه؛ قال الّذي عليهم: ارجِعوا، فستخرقونه غدًا. قال: فيعيده الله ﷿ كأشدَّ ما كان، حتّى إذا بلغوا مدَّتَهم، وأراد الله تعالى أن يبعثهم على النَّاس؛ قال الّذي عليهم: ارْجِعُوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنى. قال: فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه، فيخرقونه، ويخرجون على النَّاس، فيستقون المياه، ويفرُّ النَّاس منهم" (^١).
والذي جاء في حديث "الصحيحين" -كما سبق- أنّه فُتحَ منه جزءٌ يسير، ففزع من ذلك النبيُّ - ﷺ -.
ويرى الأستاذ سيد قطب ﵀ من باب الترجيح لا من باب اليقين أن وعد الله بدكِّ السَّدَّ قد وقع، وأنّه قد خرج يأجوج ومأجوج، وهم التتار الذين ظهروا في القرن السابع الهجري، ودمَّروا الممالك الإِسلامية، وعاثوا في الأرض فسادًا (^٢).
وفي هؤلاء التتار يقول القرطبي: "وقد خرج منهم - أي: الترك - في هذا الوقت أممٌ لا يحصيهم إِلَّا الله تعالى، ولا يردُّهم عن المسلمين إِلَّا الله تعالى، حتّى كأنّهم يأجوج ومأجوج أو مقدِّمتهم" (^٣).
وكان ظهور هؤلاء التتار في زمن القرطبي، وسمع عنهم ما سمع من
_________________
(١) رواه التّرمذيّ واين ماجه والحاكم، ومر تخريجه قريبًا، وهو صحيح، انظر (ص ٣٥٩).
(٢) انظر: "في ظلال القرآن" (٤/ ٢٢٩٣ - ٢٢٩٤).
(٣) "تفسير القرطبي" (١١/ ٥٨).
[ ٣٧٨ ]
الفساد والقتل، فظنَّهُم يأجوج ومأجوج أو مقدِّمَتَهُم.
والكن الّذي هو من أشراط السّاعة الكبرى - وهو خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزّمان - لم يقع بعد؛ لأنّ الأحاديث الصحيحة تدلُّ على أن خروجهم يكون بعد نزول عيسى -﵇-، وأنّه هو الّذي يدعو عليهم، فيهلكهم الله، ثمّ يرميهم في البحر، ويريح البلاد والعباد من شرهم.
[ ٣٧٩ ]
الفصل الخامس: الخُسوفات الثّلاثة
* معنى الخسف:
يقال: خسف المكان يخسف خسوفًا إذا ذهب في الأرض، وغاب فيها (^١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١].
والخسوفات الثّلاثة الّتي هي من أشراط السّاعة جاء ذكرها في الأحاديث ضمن العلّامات الكبرى.
* الأدلَّة من السنَّة المطهَّرَة على ظهور الخسوفات:
١ - عن حذيفة بن أسيد ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن السّاعة لن تقوم حتّى تروا عشر آيات (فذكر منها:) وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب" (^٢).
٢ - وعن أم سلمة قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "سيكون
_________________
(١) انظر: "ترتيب القاموس المحيط" (٢/ ٥٥)، و"لسان العرب" (٩/ ٦٧).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٨ - مع شرح النووي).
[ ٣٨١ ]
بعدي خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ في جزيرة العرب". قلت: يا رسول الله! أَيُخْسَفُ بالأرض وفيها الصالحون؟ قال لها رسول الله - ﷺ -: "إذا أكثر أهلها الخبث" (^١).
* هل وقعت هذه الخسوفات؟
وهذه الخسوفات الثّلاثة لم تقع بعدُ؛ كغيرها من الأشراط الكبرى الّتي لم يظهر شيءٌ منها، وإن كان بعض العلماء يرى أنّها قد وقعت كما ذهب إلى ذلك الشريف البرزنجي (^٢)، ولكنَّ الصّحيح انه لم يحدث شيء منها إلى الآن، وإنّما وقع بعض الخسوفات في أماكن متفرِّقة، وفي أزمان متباعدة، وذلك من أشراط السّاعة الصغرى.
أمّا هذه الخسوفات الثّلاثة، فتكون عظيمة وعامة لأماكن كثيرة من الأرض في مشارقها ومغاربها وفي جزيرة العرب.
قال ابن حجر: "وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثّلاثة قدرًا زائدًا على ما وُجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا أو قدرًا" (^٣).
ويؤيد هذا ما جاء في الحديث أنّها إنّما تقع إذا كَثُر الخبث في النَّاس، وفشت فيهم المعاصي. والله أعلم.
_________________
(١) رواه الطبراني في "الأوسط"؛ كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ١١)، وقال: "في الصّحيح بعضه، وفيه حكيم بن نافع، وثَّقه ابن معين، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات".
(٢) انظر: "الإِشاعة" (٤٩).
(٣) "فتح الباري" (١٣/ ٨٤).
[ ٣٨٢ ]
الفصل السّادس: الدُّخان
ظهور الدُّخان في آخر الزّمان من علامات السّاعة الكبرى الّتي دلَّ عليها الكتاب والسُّنَّة.
* أدلة ظهوره:
أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١].
والمعنى: انتظر يا محمّد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السَّماء بدخان مبينٍ واضحٍ يغشى النَّاس ويعمُّهم، وعند ذلك يُقال لهم: هذا عذابٌ أليمٌ؛ تقريعًا لهم وتوبيخًا، أو يقول بعضهم لبعض ذلك (^١).
وفي المراد بهذا الدُّخان؟ وهل وقع؟ أو هو من الآيات المرتقبة؟ قولان للعلّماء:
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٦/ ١٣٠)، و"تفسير ابن كثير" (٧/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
[ ٣٨٣ ]
الأوّل: أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشًا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النّبيّ - ﷺ - حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون في السَّماء كهيئة الدُّخان.
وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن مسعود ﵁، وتبعه جماعة من السلف (^١).
قال ﵁: "خمسٌ قد مضين: اللزام (^٢)، والروم، والبطشة، والقمر، والدُّخان" (^٣).
ولما حدث رجل من كندة عن الدُّخان، وقال: إنّه يجيء دخانٌ يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم؛ غضب ابن مسعود ﵁، وقال: "مَنْ علم فليقل، ومَن لم يعلم؛ فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وإن قريشًا أبطؤوا عن
_________________
(١) انظر: "تفسير الطّبريّ" (١٥/ ١١١ - ١١٣)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ١٣١)، و"تفسير ابن كثير" (٧/ ٢٣٣).
(٢) (اللزام): هو ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]؛ أي: يكون عذابًا لازمًا يهلكهم نتيجة تكذيبهم، وهو ما وقع لكفار قريش في بدر من القتل والأسر. انظر: "تفسير ابن كثير" (٦/ ١٤٣ و٣٠٥)، و"شرح النووي لمسلم" (١٧/ ١٤٣).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب التفسير، باب ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٨/ ٥٧١ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الدخان، (١٧/ ١٤٣ - جمع شرح النووي).
[ ٣٨٤ ]
الإسلام، فدعا عليهم النّبيّ - ﷺ -، فقال: "اللَّهُمَّ أعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف"، فأخذتهم سنةٌ جتى هلكوا فيها، وأكلوا الميِّتة والعظام، ويرى الرَّجل ما بين السَّماء والأرض كهيئة الدُّخان (^١).
وهذا القول رجَّحه ابن جرير الطّبريّ، ثمّ قال: "لأنَّ الله جلَّ ثناؤه توعَّد بالدُّخان مشركي قريش، وأن قوله لنبيه محمَّد - ﷺ -: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم؛ بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٨ - ٩]، ثمّ أتبع ذلك قوله لنبيه ﵊: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتِيَهم بأسه، وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّهُ بهم، أشبه من أن يكون أخَّره عنهم لغيرهم" (^٢).
الثّاني: أن لهذا الدُّخان من الآيات المنتظرة، الّتي لم تجىء بعد، وسيقع قرب قيام السّاعة.
وإلى هذا القول ذهب ابن عبّاس وبعض الصّحابة والتابعين؛ فقد روى ابن جرير الطّبريّ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي مُليكة (^٣)؛ قال:
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب التفسير، سورة الروم، (٨/ ٥١١ - مع الفتح)، وباب ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٨/ ٥٧١ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الدخان، (١٧/ ١٤٠ - ١٤١ - مع شرح النووي).
(٢) "تفسير الطّبريّ" (٢٥/ ١١٤).
(٣) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي =
[ ٣٨٥ ]
"غدوتُ على ابن عبّاس ﵄ ذات يوم، فقال: ما نمت اللَّيلة حتّى أصبحت. قلتُ: لم؟ قال: قالوا طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدُّخان قد طرق، فما نمت حتّى أصبحت" (^١).
قال ابن كثير: "وهذا إسناد صحيح إلى ابن عبّاس حبر الأمة، وترجمان القرآن، وهكذا قول مَنْ وافقه من الصّحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها .. بما فيه مقنع ودِلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنّه ظاهر القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بيِّن واضح يراه كلّ أحد، على أن ما فسر به ابن مسعود ﵁ إنّما هو خيالٌ رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد.
وهكذا قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾؛ أي: يتغشَّاهم ويعمُّهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصُّ أهل مكّة المشركين؛ لما قيل فيه: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ " (^٢).
وثبت في الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - قال لابن صيَّاد: "إنِّي خبَّأتُ لك خبئًا". قال: هو الدُّخ. فقال له: "اخسأ؛ فلن تعدو قدرك". وخبأ له رسول الله - ﷺ -: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٣).
_________________
(١) = المكي، كان قاضيًا ومؤذِّنًا لابن الزبير، وروى عن العبادلة الأربعة، وكان ثقة كثير الحديث، توفي سنة (١١٧ هـ) ﵀. انظر: "تهذيب التهذيب" (٥/ ٣٠٦ - ٣٠٧).
(٢) "تفسير الطّبريّ" (٢٥/ ١١٣)، و"تفسير ابن كثير" (٧/ ٢٣٥).
(٣) "تفسير ابن كثير" (٧/ ٢٣٥).
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي، (٣/ ٢١٨ - مع =
[ ٣٨٦ ]
وفي هذا دليلٌ على أن الدُّخان من المنتظر المرتقب، فإن ابن صياد كان من يهود المدينة، ولم تقع هذه القصة إِلَّا بعد الهجرة النبويَّة إلى المدينة المنوَّرة.
وأيضًا؛ فإن الأحاديث الصحيحة ذكرت أن الدُّخان من أشراط السّاعة الكبرى كما سيأتي.
وأمّا ما فسَّر به ابن مسعود ﵁؛ فإن ذلك من كلامه، والمرفوع مقدَّم على كلّ موقوف (^١).
ولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلّامة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، فيكشف عنهم، ثمَّ يعودون، وهذا قرب القيامة.
على أن بعض العلماء ذهب إلى الجمع بين هذه الآثار (^٢) بأنّهما دخانان ظهرت إحداهما وبقيت الأخرى، وهي الّتي ستقع في آخر الزّمان، فأمّا الّتي ظهرت؛ فهي ما كانت تراه قريشٌ كهيئة الدُّخان، وهذا الدُّخان
_________________
(١) = الفتح)، و"صحيح مسلم"، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٤٧ - ٤٩ - مع النووي)، والترمذي، باب ما جاء في ذكر ابن صياد، (٦/ ٥١٨ - ٥٢٠)، و"مسند أحمد" (٩/ ١٣٦ - ١٣٩) ح ٦٣٦٠)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". وذكرت تصحيح أحمد شاكر لهذا الحديث، مع أنّه في الصحيحين؛ لأنَّ قوله: "وخبأ له رسول الله - ﷺ -: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ﴾ الآية لم تذكر في الصحيحين، بل في رواية الإِمام أحمد والترمذي عن ابن عمر، وهي موضع الشّاهد هنا، فنبهت على أنّها صحيحة.
(٢) انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٧٢) تحقيق د. طه زيني.
(٣) انظر: "التذكرة" (ص ٦٥٥)، و"شرح النوويّ لمسلم" (١٨/ ٢٧).
[ ٣٨٧ ]
غير الدُّخان الحقيقي، الّذي يكون عند ظهور الآيات الّتي هي من أشراط السّاعة
قال القرطبي: "قال مجاهدٌ (^١): كان ابن مسعود يقول: هما دخانان قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السَّماء والأرض، ولا يجد المؤمّن منه إِلَّا كالزكمة، وأمّا الكافر؛ فتثقب مسامعه" (^٢).
وقال ابن جرير: "وبعد؛ فإنّه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعَّدهم بهذا الوعيد ما توعَّدَهم، ويكون مُحِلًّا فيما يُستأنف بعد بآخرين دخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - عندنا كذلك؛ لأنّ الأخبار عن رسول الله - ﷺ - قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنّه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُوِيا عن رسول الله - ﷺ - صحيح" (^٣).
ب - الأدلَّة من السنة المطهَّرة:
_________________
(١) هو الإِمام الحافظ مجاهد بن جبر المكي أبو الحجاج، لازم ابن عبّاس كثيرًا، وأخذ عنه التفسير، وأجمعت الأمة على إمامته والاحتجاج به. ومن أقواله: "الفقيه من يخاف الله وإن قل علمه، والجاهل من عصى الله وإن كثر علمه". توفي سنة اثنين أو ثلاث ومئة من الهجرة ﵀. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" (١/ ٩٢ - ٩٣)، و"البداية والنهاية" (٩/ ٢٢٤ - ٢٢٩)، و"تهذيب التهذيب" (١٠/ ٤٢ - ٤٤).
(٢) "التذكرة" (ص ٦٥٥).
(٣) "تفسير الطّبريّ" (٢٥/ ١١٤ - ١١٥).
[ ٣٨٨ ]
مضى ذكر بعض الأحاديث الدَّالَّة على ظهور الدُّخان في آخر الزّمان، وسأذكر هنا مزيدًا من الأحاديث الدالَّة على ذلك:
١ - روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "بادِروا بالأعمال ستًّا: الدَّجَّال، والدُّخان" (^١).
٢ - وجاء في حديث حذيفة في ذكر أشراط السّاعة الكبرى: "الدُّخان" (^٢).
٣ - وروى ابن جرير والطبراني عن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن ربَّكم أنذركم ثلاثًا: الدُّخان يأخذ المؤمنَ كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتّى يخرج من كلّ مسمع منه" (^٣).
* * * * *
_________________
(١) "صحيح مسلم"، باب في بقية من أحاديث الدجال (١٨/ ٨٧ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٨ - مع شرح النووي).
(٣) "تفسير الطّبريّ" (٢٠/ ١١٤)، و"تفسير ابن كثير" (٧/ ٢٣٥)، قال ابن كثير: "إسناده جيد". وذكر ابن حجر رواية الطّبريّ عن أبي مالك وابن عمر، ثمّ قال: "وإسنادهما ضعيف جدًا، لكن تضافر هذه الأحاديث يدلُّ على أن ذلك أصلًا". "فتح الباري" (٨/ ٥٧٣).
[ ٣٨٩ ]
الفصل السابع: طُلوعُ الشَّمسِ من مغرِبِها
طلوع الشّمس من مغربها من علامات السّاعة الكبرى، وهو ثابت بالكتاب والسُّنَّة.
* الأدلَّة على وقوع ذلك:
أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
فقد دلَّت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية هو طلوع الشّمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين (^١).
قال الطّبريّ - بعد ذكره لأقوال المفسرين في هذه الآية -: "وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال:
_________________
(١) انظر: "تفسير الطّبريّ" (٨/ ٩٦ - ١٠٢)، و"تفسير ابن كثير" (٣/ ٣٦٦ - ٣٧١)، و"تفسير القرطبي" (٧/ ١٤٥)، و"إتحاف الجماعة" (٢/ ٣١٥ - ٣١٦).
[ ٣٩١ ]
ذلك حين تطلع الشّمس من مغربها" (^١).
وقال الشوكاني: "فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه؛ فهو واجب التقديم، محتَّم الأخذ به" (^٢).
ب - الأدلَّة من السنة المطهَّرة:
الأحاديث الدالَّة على طلوع الشّمس من مغربها كثيرة، وإليك جملة منها:
١ - روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا طلعت، فرآها النَّاس؛ آمنوا أجمعون، فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا" (^٣).
٢ - وروى البخاريّ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى تقتتل فئتان (فذكر الحديث، وفيه:) وحتى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا طلعت، آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا" (^٤).
_________________
(١) "تفسير الطّبريّ" (٨/ ١٠٣).
(٢) "تفسير الشوكاني" (٢/ ١٨٢).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، (١١/ ٣٥٢ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب الزمن الّذي لا يقبل فيه الإِيمان، (٢/ ١٩٤ - مع شرح النووي).
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح).
[ ٣٩٢ ]
٣ - وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "بادِروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشّمس من مغربها" (^١).
٤ - وتقدَّم حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السّاعة الكبرى، فذكر منها: "طلوع الشّمس من مغربها" (^٢).
٥ - وروى الإِمام أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "حفظتُ من رسول الله - ﷺ - حديثًا لم أنسه بعد، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: إن أول الآيات خروجًا طلوعُ الشّمس من مغربها" (^٣).
٦ - وعن أبي ذر ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال يومًا: "أتدرون أين تذهب هذه الشّمس؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إن هذه تجري حتّى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخرُّ ساجدةً، فلا تزال كذلك، حتّى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثمّ تجري حتّى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخرُّ ساجدة، ولا تزال كذلك حتّى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثمّ تجري لا يستنكر النَّاس منها شيئًا، حتّى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة
_________________
(١) "صحيح مسلم "، باب في بقية من أحاديث الدجال، (١٨/ ٨٧ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٨ - مع شرح النووي).
(٣) "مسند أحمد" (١١/ ١١٠ - ١١١) (ح ٦٨٨١)، تحقيق أحمد شاكر، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٧ - ٧٨ - مع شرح النووي).
[ ٣٩٣ ]
من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها". فقال رسول الله - ﷺ -: "أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانِها خيرًا" (^١).
* مناقشة رشيد رضا في رده لحديث أبي ذر في سجود الشّمس:
أورد رشيد رضا حديث أبي ذر السابق، وعلَّق عليه بأن متنه من أعظم المتون إشكالًا، وقال في سنده: "هذا الحديث رواه الشيخان من طرق عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي عن أبي ذر، وهو - على توثيق الجماعة له مدلِّس -؛ قال الإِمام أحمد: "لم يلق أبا ذر". كما قال الدارقطني: "لم يسمع من حفصة، ولا من عائشة، ولا أدرك زمانهما". وكما قال ابن المديني: "لم يسمع من علي، ولا ابن عبّاس". ذكر ذلك في "تهذيب التهذيب".
وقد رُوِي غير هذا عن هؤلاء بالعنعنة، فيحتمل أن يكون مَنْ حدَّثه عنهم غير ثقة.
فإذا كان في بعض روايات الصحيحين والسنن مثل هذه العلل، وراء احتمال دخول الإِسرائيليات، وخطأ النقل بالمعنى، فما القول فيما تركه الشيخان وما تركه أصحاب السنن؟! " (^٢).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن، باب بيان الزمن الّذي لا يقبل فيه الإِيمان، (٢/ ١٩٥ - ١٩٦ - مع شرح النووي)، ورواه البخاريّ مختصرًا في "صحيحه"، كتاب التفسير، باب: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، (٨/ ٥٤١ - مع الفتح)، وكتاب التّوحيد، باب "وكان عرشه على الماء، وهورب العرش العظيم"، (١٣/ ٤٠٤ - مع الفتح).
(٢) "تفسير المنار" (٨/ ٢١١ - ٢١٢)، تأليف محمّد رشيد رضا، الطبعة الثّانية بالأوفست، طبع دار المعرفة، بيروت، لبنان.
[ ٣٩٤ ]
هذا ما قاله الشّيخ محمّد رشيد رضا ﵀!!
وكلامه هذا كلامٌ خطير جدًّا، وطعنٌ في الأحاديث الثابتة عن رسول الله - ﷺ -، وتشكيك في صحَّتها، لا سيما ما كان في "الصحيحين" اللذين أجمعت الأمة على تلقِّيهما بالقبول.
ويا ليت انه أنعم النظر في سند هذا الحديث، وسلم متنه من الإِشكال الّذي ادَّعاه، وتبع ما قاله هنا سلفه من العلماء الأعلام الذين آمنوا بما ثبت عن رسول الله - ﷺ -، ولم يتكلَّفوا ما لا علم لهم به، بل أجروا كلامه - ﷺ - على المعنى الصّحيح المتبادر من الحديث.
قال أبو سليمان الخطابي في قوله - ﷺ -: "مستقرُّها تحت العرش": "لا ننكر أن يكون لها استقرار تحت العرش؛ من حيث لا ندركه، ولا نشاهده، وإنّما أُخبرنا عن غيب، فلا نكذب به، ولا نكيِّفه؛ لانَ علمنا لا يحيط به".
ثمّ قال عن سجودها تحت العرش: "وفي هذا إخبار عن سجود الشّمس تحت العرش، فلا يُنْكَر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها، والتصرف لما سُخِّرت له، وأمّا قوله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٥]؛ فهو نهاية مدرك البصر إياها حالة الغروب، ومصيرها تحت العرش للسجود إنّما هو بعد الغروب" (^١).
وقال النووي: "وأمّا سجود الشّمس؛ فهو بتمييز وإدراك يخلقه الله تعالى فيها" (^٢).
_________________
(١) "شرح السنة" للبغوي (١٥/ ٩٥ - ٩٦)، تحقيق شعيب الأرناؤوط.
(٢) "شرح النووي لصحيح مسلم" (٢/ ١٩٧).
[ ٣٩٥ ]
وقال ابن كثير: "يسجد لعظمته كلّ شيءٍ طوعًا وكرهًا، وسجود كلّ شيءٍ ممّا يختصُّ به" (^١).
وقال ابن حجر: "وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كلّ يوم وليلة عند سجودها، ومقابل الاستقرار المسير الدائم، المعبَّر عنه بالجري، والله أعلم" (^٢).
وعلى كلّ حال؛ فالكلام هنا ليس على استقرار الشّمس، ولا على سجودها، وإنّما أردتُ أن أبيَنَ أن حديث أبي ذرٍّ ﵁ ليس في متنه إشكال كما زعم رشيد رضا ﵀، وأن العلماء قد تلقَوْه بالقبول، وبيَّنوا معناه.
وأمّا قدحه في سند هذا الحديث؛ فوهمٌ منه؛ فإن الحديث متَّصل الإِسناد برواية الثقات، وما ذكره من تدليس إبراهيم بن يزيد التيمي وانه لم يلق أبا ذر ولا حفصة وعائشة وانه لم يدرك زمانهما، فيجاب عنه:
١ - أن الحديث ليس في سنده رواية إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبي ذر، وإنّما سنده -كما في البخاريّ ومسلم- من رواية إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه عن أبي ذر.
وأبو إبراهيم هو: يزيد بن شريك التيمي، روى عن عمر وعلي وأبي ذر وابن مسعود وغيرهم من الصّحابة ﵃، وروى عنه ابنه إبراهيم وإبراهيم النخعي وغيرهما، وثَّقه ابن معين وابن حبّان وابن سعد
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" (٥/ ٣٩٨).
(٢) "فتح الباري" (٨/ ٥٤٢).
[ ٣٩٦ ]
وابن حجر، وروى عنه الجماعة، وقال أبو موسى المديني: "يقال: إنّه أدرك الجاهلية" (^١).
٢ - إن إبراهيم بن يزيد قد صرَّح بالسَّماع من أبيه يزيد؛ كما في رواية مسلم؛ فإنّه قال: " حدّثنا يونس عن إبراهيم بن يزيد التيمي سمعه فيما أعلم عن أبيه عن أبي ذر" (^٢).
والثقة إذا صرَّح بالسماع؛ قُبِلت روايته؛ كما هو مقرَّر في علم مصطلح الحديث (^٣).
* عدم قبول الإِيمان والتوبة بعد طلوع الشّمس من مغربها:
إذا طلعت الشّمس من مغربها؛ فإنّه لا يقبل الإِيمان ممَّن لم يكن قبل ذلك مؤمنًا؛ كما لا تقبل توبة العاصي، وذلك لان طلوع الشّمس من مغربها آية عظيمة، يراها كلّ مَنْ كان في ذلك الزّمان، فتنكشف لهم الحقائق، ويشاهدون من الأهوال ما يلوي أعناقهم إلى الإِقرار والتصديق بالله وآياته، وحكمهم في ذلك حكم من عاين بأس الله تعالى؛ كما قال ﷿: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥].
_________________
(١) انظر: "تهذيب التهذيب" (١١/ ٣٣٧).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن، باب بيان الزمن الّذي لا يقبل فيه الإيمان" (٢/ ١٩٥ - مع شرح النووي).
(٣) انظر: "تيسير مصطلح الحديث" (ص ٨٣).
[ ٣٩٧ ]
قال القرطبي: "قال العلماء: وإنّما لا ينفع نفسًا إيمانُها عند طلوع الشّمس من مغربها لانه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كلّ شهوة من شهوات النفس، وتفتر كلّ قوة من قوى البدن، فيصير النَّاس كلهم - لإِيقانهم بدُنوِّ القيامة- في حالِ مَنْ حضره الموت؛ في انقطاع الدواعي إلى أنوع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم، فمَن تاب في مثل هذه الحال؛ لم تقبل توبته؛ كما لا تقبل توبة مَنْ حضره الموت" (^١).
وقال ابن كثير: "إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذ لا يقبل منه، فأمّا مَنْ كان مؤمنًا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحًا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن كان مخلطًا فأحدث توبة؛ حينئذ لم تقبل منه توبة" (^٢).
وهذا هو الّذي جاء به القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة؛ فإن الله تعالى قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
وقال - ﷺ -: "لا تنقطع الهجرة ما تُقُبِّلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتّى تطلع الشّمس من المغرب، فإذا طلعت؛ طُبِعَ على كلّ قلب بما فيه، وكفي النَّاس العمل" (^٣).
_________________
(١) "التذكرة" (ص ٧٠٦)، و"تفسير القرطبي" (٧/ ١٤٦).
(٢) "تفسير ابن كثير" (٣/ ٣٧١).
(٣) "مسند الإِمام أحمد" (٣/ ١٣٣ - ١٣٤) (ح ١٦٧١)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". وقال ابن كثير: "وهذا إسناد جيد- قوي". "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٧٠). وقال الهيثمي: "رجال أحمد ثقات". "مجمع الزؤائد" (٥/ ٢٥١).
[ ٣٩٨ ]
وقال ﵊: "إن الله ﷿ جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا للتوبة، لا يغلق حتّى تطلع الشّمس من قبله، وذلك قول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ ﴾ الآية (^١).
ويرى بعض العلماء (^٢) أن الذين لا يُقبل إيمانُهم هم الكِفار الذين عاينوا طلوع الشّمس من مغربها، أمّا إذا امتدَّ الزّمان، ونسي النَّاس ذلك؛ فإنّه يُقْبل إيمان الكفار وتوبة العصاة.
قال القرطبي: "قال - ﷺ -: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" (^٣)؛ أي: تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الّذي يرى فيه مقعده من الجنَّة ومقعده من النّار، فالمشاهد لطلوع الشّمس من مغربها مثله، وعلى
_________________
(١) رواه التّرمذيّ في باب ما جاء في فضل التوبة والاستغفار، (٩/ ٥١٧ - ٥١٨ - مع تحفة الأحوذي). قال التّرمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وقال ابن كثير: "صححه النسائي". "تفسير ابن كثير" (٣/ ٣٦٩).
(٢) انظر: "التذكرة" للقرطبي، (ص ٧٠٦)، و"تفسير الألوسي" (٨/ ٦٣).
(٣) "مسند الإِمام أحمد" (٩/ ١٧ - ١٨) (ح ٦١٦٠)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". ومعنى (يغرغر)؛ بغينين معجمتين، الأولى مفتوحة، والثّانية مكسورة، وبراء مكررة، ومعناه: لم تبلغ روحه حلقومه. (الغرغرة): أن يجعل المشروب في. الفم، ويردِّده إلى أصل الحلق، ولا يبلع. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٣٦٠)، و"شرح مسند أحمد" (٩/ ١٨) لأحمد شاكر.
[ ٣٩٩ ]
هذا ينبغي أن تكون توبة كلّ مَنْ شاهد ذلك أو كان كالشّاهد له مردودةً ما عاش؛ لأنّ علمه بالله تعالى وبنبيِّه - ﷺ - وبوعده قد صار ضرورة، فإن امتدَّت أيّام الدنيا إلى أن يَنْسى النَّاس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا يتحدَّثون عنه إِلَّا قليلًا، فيصير الخبر عنه خاصًّا، وينقطع التواتر عنه، فمَن أسلم في ذلك الوقت أو تاب؛ قُبِل منه، والله أعلم" (^١).
وأيَّد ذلك بما رُوي: "إن الشّمس والقمر يُكْسَيان بعد ذلك الضوء والنور، ثمّ يطلعان على النَّاس ويغربان".
وبما روي عن عبد الله بن عمرو عن النّبيّ - ﷺ -: "يبقى النَّاس بعد طلوع الشّمس من مغربها عشرين ومئة سنة".
وروي عن عمران بن حصين أنّه قال: "إنّما لم تُقْبَل وقت الطلوع حتّى تكون صيحة، فيهلك فيها كثيرٌ من النَّاس، فمَن أسلم أو تاب في ذلك الوقت ثمّ هلك؛ لم تقبل توبتُه، ومَن تاب بعد ذلك؛ قُبِلَت توبته" (^٢).
والجواب عن هذا كله: "أن النصوص دلَّت على أن التوبة لا تُقبل بعد طلوع الشّمس من مغربها، وأن الكافر لا يُقبل منه الإسلام، ولم تفرِّق النصوص بين مَنْ شاهد هذه الآية وبين من لم يشاهِدها".
والذي يؤيِّد هذا ما رواه الطّبريّ عن عائشة ﵂؛ قالت: "إذا خرج أول الآيات؛ طُرِحَت الأقلام، وحُبِسَت الحفظة، وشهِدت الأجسام على الأعمال" (^٣).
_________________
(١) "تفسير القرطبي" (٧/ ١٤٦ - ١٤٧)، "التذكرة" (ص ٧٠٦).
(٢) "التذكرة" (ص ٧٠٥ - ٧٠٦).
(٣) "تفسير الطّبريّ" (٨/ ١٠٣). =
[ ٤٠٠ ]
والمراد بأول الآيات هنا هو طلوع الشمس من مغربها، أما ما كان قبل طلوعها من الآيات؛ فإن الأحاديث تدلُّ على قَبول التوبة والِإيمان في ذلك الوقت.
وروى ابن جرير الطبري أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: "التوبة مبسوطةٌ ما لم تطلع الشمس من مغربها" (^١).
وروى الإِمام مسلم عن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" (^٢).
فجعل - ﷺ - غاية قبول التوبة هو طلوع الشمس من مغربها.
وقد ذكر ابن حجر أحاديث وآثارًا كثيرة تدلُّ على استمرار قفل باب التوبة إلى يوم القيامة، ثم قال: "فهذه آثار يشدُّ بعضها بعضًا متَّفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب؛ أُغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختصُّ بيوم الطلوع، بل يمتدُّ إلى يوم القيامة" (^٣).
وأما ما استدلَّ به القرطبي؛ فالجواب عنه:
_________________
(١) = قال ابن حجر: "سنده صحيح، وهو وإن كان موقوفًا فحكمه حكم الرفع". "فتح الباري" (١١/ ٣٥٥).
(٢) "تفسير الطبري" (٨/ ١٠١). قال ابن حجر: "سنده جيد". "فتح الباري" (١١/ ٣٥٥).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، (١٧/ ٧٦ - مع شرح النووي).
(٤) "فتح الباري" (١١/ ٣٥٤ - ٣٥٥).
[ ٤٠١ ]
أن حديث عبد الله بن عمرو قال فيه الحافظ ابن حجر: "رَفْع هذا لا يثبت".
وحديث عمران بن حصين: "لا أصل له" (^١).
وأما حديث: "إن الشمس والقمر يُكْسَيان الضوء والنور " إلخ؛ فلم يذكر له القرطبي سندًا، وعلى فرض ثبوته؛ فإن عودتهما إلى ما كانا عليه ليس فيه دليلٌ على أن باب التوبة قد فُتح مرة أخرى.
وذكر الحافظ أنه وقف على نصِّ فاصل في هذا النزاع، وهو حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكر فيه طلوع الشمس من المغرب، وفيه: "فمن يومئذ إلى يوم القيامة ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية" (^٢).
* * * * *
_________________
(١) "فتح الباري" (١١/ ٣٥٤).
(٢) "فتح الباري" (١٣/ ٨٨)، وذكر الحافظ أنه رواه الطبراني والحاكم، وبحثت عنه في "المستدرك" للحاكم في مظانه، فلم أعثر عليه.
[ ٤٠٢ ]
الفصل الثّامن: الدَّابَّة
ظهور دابَّة الأرض في آخر الزّمان علامة على قرب السّاعة ثابت بالكتاب والسُّنَّة:
* أدلَّة ظهورها:
أ- الأدلة من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢].
فهذه الآية الكريمة جاء فيها ذكر خروج الدَّابَّة، وأن ذلك يكون عند فساد النَّاس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يُخْرِج الله لهم دابَّة من الأرض، فتكلِّم النَّاس على ذلك (^١).
قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيَ: وجب الوعيد عليهم؛ لتماديهم في العصيان والفسوق والطغيان، وإعراضهم عن آيات الله، وتركهم تدبُّرها، والنزول على حكمها،
_________________
(١) انظر: "تفسير ابن كثير" (٦/ ٢٢٠).
[ ٤٠٣ ]
وانتهائهم في المعاصي إلى ما لا ينجح معه فيهم موعظةٌ، ولا يصرفهم عن غِيِّهِم تذكرةٌ، يقول عز من قائل: فإذا صاروا كذلك؛ أخرجنا لهم دابَّة من الأرض تكلِّمهم، أي: دابة تعقل وتنطق، والدَّوابُّ في العادة لا كلام لها ولا عقل؛ ليعلم النَّاس أن ذلك آية من عند الله تعالى (^١).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "وَقْعُ القول يكون بموت العلماء، وذهاب العلم، ورفع القرآن".
ثمّ قال: "أكثِروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع". قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الرجال؟! قال: "يُسْرى عليه ليلًا، فيُصْبِحونَ منه قَفْرًا، وينسون (لا إلهَ إِلّا الله)، ويقعون في قول الجاهليَّةِ وأشعارهم، وذلك حين يقعُ القولُ عليهم" (^٢).
ب - الأدلَّة من السنة المطهَّرة:
١ - روى الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاثٌ إذا خرجْنَ لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشّمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابَّة الأرض" (^٣).
٢ - وله عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: حفظتُ من
_________________
(١) "التذكرة" (ص ٦٩٧) بتصرُّف يسير.
(٢) "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٣٤).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب الزمن الّذي لا يقبل فيه الإِيمان، (٢/ ١٩٥ - مع شرح النووي).
[ ٤٠٤ ]
رسول الله - ﷺ - حديثًا لم أنسه بعد، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "إن أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشّمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة على النَّاس ضحىً، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على أثرها قريبًا" (^١).
٣ - ومضى حديث حذيفه بن أسيد في ذكر أشراط السّاعة الكبرى، فذكر منها الدَّابة، وفي رواية: "دابة الأرض" (^٢).
٤ - وروى الإِمام أحمد عن أبي أُمامة ﵁ يرفعه إلى النّبيّ - ﷺ - قال: "تخرج الدَّابَّة، فتسم النَّاس على خراطيمهم (^٣)، ثمّ يغمرون (^٤) فيكم حتّى يشتري الرَّجل البعير، فيقول: ممَّن اشتريته؟ فيقول: من أحد المخطبين" (^٥).
٥ - وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٧ - ٧٨ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٨ - مع شرح النووي).
(٣) (الخرطوم): الأنف. وقيل: مقدم الأنف. انظر: "لسان العرب" (١٢/ ١٧٣).
(٤) (يغمرون)؛ أي: يكثرون. و(الغمرة): الزحمة من النَّاس والماء.
(٥) "مسند الإِمام أحمد" (٥/ ٢٦٨ - بهامشه منتخب الكنز). قال الهيثمي: "رجاله رجال الصّحيح؛ غير عمر بن عبد الرّحمن بن عطية، وهو ثقة". "مجمع الزوائد" (٨/ ٦). وقال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٣/ ٣٧) (ح ٢٩٢٤)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (م ١/ ٣/ ٣١) (ح ٣٢٢).
[ ٤٠٥ ]
قال: "بادِروا بالأعمال ستًّا (وذكر منها:) دابَّة الأرض" (^١).
٦ - وروى الإِمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - قال: "تخرج الدَّابة ومعها عصا موسى -﵇-، وخاتم سليمان -﵇-، فتخطم (^٢) الكافر- قال عفان (^٣) (أحد رواة الحديث): أنف الكافر- بالخاتم، وتجلو وجه (^٤) المؤمّن بالعصا، حتّى إن أهل الخوان (^٥) ليجتمعون على خوانهم، فيقول هذا: يا مؤمن! ويقول هذا: يا كافر" (^٦).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، باب في بقية من أحاديث الدجال، (١٨/ ٧٨١ - مع شرح النووي).
(٢) (تخطم الكافر): أي تسمه، من: خطمتُ البعير إذا كويته خطمًا من الأنف إلى أحد خديه، وتسمى تلك السمة الخطام، ومعناه: أن تؤثر في أنفه سمة يعرف بها. انظر: "لسان العرب" (١٢/ ١٨٨)، و"ترتيب القاموس" (٢/ ٧٩ - ٨٠)، و"النهاية" في غريب الحديث" (٢/ ٥٠).
(٣) هو أبو عثمان، عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار البصري، كان ثقة، ثبتًا، حجة، كثير الحديث، توفي سنة (٢٢٠ هـ) ﵀. انظر: "تهذيب التهذيب" (٧/ ٢٣٠ - ٢٣٤).
(٤) (تجلو وجه المؤمّن): الجلى- مقصورة-: انحسار مقدم الشعر، والمعنى تصقله وتبيضه. انظر: "ترتيب القاموس" (١/ ٥٢٣)، و"تحفة الأحوذي" (٩/ ٤٤).
(٥) (الخوان): هو ما يوضع عليه الطّعام عند الأكل. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٨٩ - ٩٠).
(٦) "مسند الإِمام أحمد" (١٥/ ٧٩ - ٨٢) (ح ٧٩٢٤)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".=
[ ٤٠٦ ]
* من أيِّ الدَّوابِّ دابة الأرض:
اختلفت الأقوال في تعيين دابَّة الأرض، وإليك بعض ما قاله العلماء في ذلك:
الأوّل: قال القرطبي: "أول الأقوال أنها فصيل ناقة صالح، وهو أصحها، والله أعلم" (^١).
واستشهد لهذا القول بما رواه أبو داود الطيالسي عن حذيفة بن أسيد الغفاري؛ قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الدَّابَّة (فذكر الحديث، وفيه:) "لم يرعهم إِلَّا وهي ترغو بين الركن والمقام" (^٢).
_________________
(١) = وسنن التّرمذيّ، أبواب التفسير، سورة النمل، (٩/ ٤٤)، وقال: "حديث حسن". و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٨٥ - ٤٨٦). وقال الألباني: "ضعيف" في "ضعيف الجامع الصغير" (٣/ ٢٦) (ح ٣٤١٢). وسبب تضعيفه لهذا الحديث أن في سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو عنده ضعيف. أمّا الشّيخ أحمد شاكر؛ فيرى انه ثقة، حيث قال في تعليقه على "المسند" (٢/ ١٢٢) (ح ٧٨٣): "علي بن زيد: هو ابن جدعان، وقد سبق أننا وثقناه، وهو مختلف فيه، والراجح عندنا توثيقه، وقد صحح له التّرمذيّ أحاديث".
(٢) "تفسيرالقرطبي" (١٣/ ٢٣٥).
(٣) "منحة المعبود ترتيب مسند الطيالسي"، باب خروج الدابة" (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١) للساعاتي، ولفظه: "ترنو"، وليس فيه: "ترغو". ورواه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٤٨٤)، وقال: "هذا حديث صحيح الإِسناد، وهو أبين حديث في ذكر دابة الأرض، ولم يخرجاه". قلت: الحديث ضعيف؛ لان في إسناده عند الطيالسي والحاكم طلحة بن عمرو =
[ ٤٠٧ ]
وموضع الشّاهد قوله: "ترغو"، والرغاء إنّما هو للإِبل، وذلك "أن الفصيل لما قُتِلَتِ الناقة هرب، فانفتح له حجر، فدخل في جوفه، ثمّ انطبق عليه، فهو فيه حتّى يخرج بإذن الله ﷿".
ثمَّ قال: "لقد أحسن من قال:
واذْكُرْ خُروجَ فَصِيْلَ ناقَةِ صالحٍ يَسِمُ الوَرَى بالكُفْرِ والإِيْمانِ" (^١)
وترجيح القرطبي لهذا القول فيه نظر؛ فإن الحديث الّذي استند إليه في سنده رجلٌ متروك.
وأيضًا؛ فإنّه جاء في بعض كتب الحديث لفظ: (تدنو) و(تربو)؛ بدل: (ترغو)؛ كما في "المستدرك" للحاكم.
الثّاني: أنها الجسَّاسة المذكورة في حديث تميم الداري ﵁ في قصة الدَّجَّال.
وهذا القول منسوبٌ إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (^٢).
_________________
(١) = الحضرمي: قال ابن معين: "ليس بشيء ضعيف"، وقال الذهبي في "ذيل المستدرك": "تركه أحمد"، وقال الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه طلحة بن عمرو، وهو متروك". "مجمع الزوائد" (٨/ ٧)، وانظر: "تهذيب التهذيب" (٥/ ٢٣ - ٢٤). وهذا الحديث أخرجه الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، وعزاه للطيالسي، ولفظه: "تزعق"، بدل: "ترغو".
(٢) "التذكرة" (ص ٧٠٢).
(٣) "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٢٨). =
[ ٤٠٨ ]
وليس في حديث تميم ما يدلُّ على أن الجساسة هي الدَّابة الّتي تخرج آخر الزّمان، وإنّما الّذي جاء فيه انه لقي دابَّة أهلب كثيرة الشعر، فسألها: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة.
وسُمِّيت بالجساسة لأنها تجسُّ الأخبار للدَّجَّال (^١).
وأيضًا؛ فما جاء في شأن الدَّابَّة الّتي نتحدث عنها من تعنيف النَّاس وتوبيخهم على كفرهم بآيات الله تعالى يُبيِّن أنها غير الجساسة الّتي تنقل الأخبار للدَّجَّال، والله أعلم.
الثّالث: أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة الّتي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة.
ولهذا القول نسبه القرطبي (^٢) إلى ابن عبّاس ﵄؛ منقولًا من كتاب النقاش، ولم يذكر له مستندًا في ذلك، وذكره الشوكاني في "تفسيره" (^٣).
الرّابع: أن الدَّابَّة إنسانٌ متكلِّم يناظر أهل البدع والكفر، ويجادلهم؛
_________________
(١) = وممَّن قال بأنها الجساسة: البيضاوي في "تفسيره" (٤/ ١٢١)، طبعة مؤسسة شعبان، بيروت. وانظر: "الإِذاعة" (ص ١٧٣)، وكتاب "العقيدة الركن الأوّل في الإسلام" (ص ٣٢٠) للشيخ محمّد الفاضل الشريف التقلاوي، دار العلوم للطباعة، القاهرة.
(٢) "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٢٧٢)، و"شرح السنة" للبغوي، (١٥/ ٦٨).
(٣) "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٣٦).
(٤) "تفسير الشوكاني/ فتح القدير" (٤/ ١٥١).
[ ٤٠٩ ]
لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بيِّنة، ويحيا من حيَّ عن بينة.
وهذا القول ذكره القرطبي، وردَّه بأن الدَّابَّة لو كانت إنسانًا يناظر المبتدعة، لم تكن الدَّابَّة آية خارقة وعلامة من علامات السّاعة العشر.
وأيضًا فيه العدول عن تسمية هذا الإِنسان المناظر الفاضل العالم الّذي على أهل الأرض أن يسمُّوه باسم الإِنسان أو العالم أو الإِمام إلى أن يسمَى بالدَّابَّة، وهذا خروجٌ عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء (^١).
الخامس: أن الدَّابَّة اسم جنس (^٢) لكلِّ ما يدبُّ، وليست حيوانًا مشخَّصًا معيَّنًا يحوي العجائب والغرائب، ولعلّ المراد بها تلك الجراثيم الخطيرة الّتي تفتك بالإِنسان وجسمه وصحته، فهي تجرح وتقتل، ومن تجريحها وأذاها كلمات واعظة للناس لو كانت لهم قلوبٌ تعقل، فترجع بهم إلى الله، وإلى دينه، وتلزمهم الحجة، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال؛ فإن من معاني التكليم التجريح.
وهذا القول هو ما ذهب إليه أبو عبيَّة في تعليقه على "النهاية/ الفتن والملاحم" لابن كثير (^٣)، وهو رأي بعيد عن الصواب، وذلك لأمور:
أ - أن الجراثيم موجودة من قديم الزّمان، وكذلك الأمراض الّتي
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧).
(٢) في كون الدابة اسم جنس لدواب كثيرة ذكر هذا القول البرزنجي في "الإِشاعة" (ص ١٧٧)، ونسبه لتفسير ابن علان "ضياء السبيل"، وهذا القول لم يذكر له دليلًا صحيحًا يعتمد عليه.
(٣) (١/ ١٩٠، ١٩٩)، تحقيق محمّد فهيم أبو عبية.
[ ٤١٠ ]
تفتك بالناس في أجسامهم وزروعهم ودوابِّهم (^١)، والدَّابَّة الّتي هي من أشراط السّاعة لم تظهر بعد.
ب - أن الجرائم غالبًا لا ترى بالعين المجرَّدة، وأمّا الدَّابَّة؛ فلم يقل أحدٌ: إنها لا تُرى، بل إن النّبيّ - ﷺ - ذكر من أحوالها ما يدلُّ على رؤية النَّاس لها، فذكر أن معها عصا موسى وخاتم سليمان ﵉ إلى غير ذلك ممّا سبق ذكره.
ج - أن هذه الدَّابَّة تَسِم النَّاس على وجوههم بالكفر والإِيمان، فتجلو وجه المؤمّن، وتخطم أنف الكافر، وأمّا الجراثيم؛ فلا تفعل شيئًا من ذلك.
د - الّذي يظهر أن الّذي دفعه لهذا القول هو ما ذُكِرَ في صفة الدَّابَّة من الأقوال الكثيرة المختلفة (^٢)، ولكن قدرة الله أعظم، وما صحَّ عن رسول الله - ﷺ - يجب التسليم به.
وكذلك؛ فأي مانع من حمل اللّفظ على المعنى المتبادر، ولا نلجأ
_________________
(١) انظر: "إتحاف الجماعة" (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧).
(٢) ذكر بعض المفسرين آثارًا كثيرة في صفة هذه الدابة، وذُكرت هذه الآثار أيضًا في بعض كتب أشراط السّاعة، ولم أطلع بعد البحث على تصحيح أحد من العلماء لهذه الآثار، فالله أعلم بحالها. وهذه بعض الكتب الّتي تعرضت لذلك: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، و"التذكرة" (ص ٦٩٩)، و"تفسير ابن كثير" (٦/ ٢٢٠ - ٢٢٣)، و"النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٦٢ - ٢٦٣)، و"تفسير الشوكاني" (٤/ ١٥١ - ١٥٣)، و"لوامع الأنوار" (٢/ ١٤٦ - ١٤٧)، و"الإشاعة" (ص ١٧٤ - ١٧٥)، و"تحفة الأحوذي" (٦/ ٤١٣ - ٤١٤).
[ ٤١١ ]
إلى التجوُّز إِلَّا إذا تعذَّرتِ الحقيقة، لا سيما أن قوله هذا مخالفٌ لأقوال المفسرين؛ فإنهم ذكروا أن هذه الدَّابَّة مخالفة لما يعتاده البشر، فهي من خوارق العادات، كما أن طلوع الشّمس من مغربها أمرٌ خارقٌ للعادة.
وقد جاء في الحديث انهما يخرجان في وقت متقارب؛ قال - ﷺ -: "أول الآيات خروجًا طلوع الشّمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة على النَّاس ضحىً، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبًا" (^١).
والذي يجب الإِيمان به هو أن الله تعالى سيخرج للناس في آخر الزّمان دابَّة من الأرض تكلِّمهم، فيكون تكليمها آية لهم دالَّة على انهم مستحقون للوعيد بتكذيبهم آيات الله، فإذا خرجت الدَّابَّة؛ فهم النَّاس، وعلموا أنها الخارقة المنبئة باقتراب السّاعة، وقد كانوا قبل ذلك لا يؤمنون بآيات الله، ولا يصدِّقون باليوم الموعود.
والذي يؤيِّد أن هذه الدَّابَّة تنطق وتخاطب النَّاس بكلام يسمعونه ويفهمونه هو انه جاء ذكرها في سورة النمل، وهذه السورة فيها مشاهد وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير والجن وسليمان -﵇-، فجاء ذكر الدَّابَّة وتكليمها النَّاس متناسقًا مع مشاهد السورة وجوها العام (^٢).
قال أحمد شاكر ﵀: "والآية صريحةٌ بالقول العربي أنّها (دابَّة)، ومعنى (الدَّابَّة) في لغة العرب معروفٌ واضحٌ، لا يحتاج إلى تأويل ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج هذه (الدَّابَّة)
_________________
(١) رواه مسلم (١٨/ ٧٧ - ٧٨).
(٢) انظر: "في ظلال القرآن" (٥/ ٢٦٦٧).
[ ٤١٢ ]
الآية، وأنها تخرج آخر الزّمان، ووردت آثار أخرى في صفتها لم تنسب إلى رسول الله - ﷺ - المبلِّغ عن ربه، والمبين آيات كتابه، فلا علينا أن ندعها، ولكن بعض أهل عصرنا، من المنتسبين للإِسلام، الذين فشا فيهم المنكر من القول والباطل من الرأي، الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب، ولا يريدون إِلَّا أن يقفوا عند حدود المادة الّتي رسمها لهم معلِّموهم وقدوتُهم؛ ملحدو أوروبا الوثنيون الإِباحيون، المتحلِّلون من كلّ خلق ودين، هؤلاء لا يستطيعون أن يؤمنوا بما نؤمن به، ولا يستطيعون أن ينكروا إنكارًا صريحًا، فيجمجمون (^١)، ويحاورون، ويداورون، ثمّ يتأوَّلون، فيخرجون بالكلام عن معناه الوضعي الصّحيح للألفاظ في لغة العرب، يجعلونه أشبه بالرموز؛ لما وقر في أنفسهم من الإِنكار الّذي يبطنون" (^٢).
* مكان خروج الدَّابَّة:
اختلفت الأقوال في تعبين مكان خروج الدَّابَّة، فمنها:
١ - أنها تخرج من مكّة المكرَّمة من أعظم المساجد.
ويؤيد هذا القول ما رواه الطبراني في "الأوسط" عن حذيفة بن أسيد - أراه رفعه -؛ قال: "تخرج الدَّابَّة من أعظم المساجد، فبينا هم إذ دبَّت الأرض، فبينا هم كذلك إذ تصدَّعت" (^٣).
_________________
(١) (الجمجمة): هو أن لا يبين كلامه. انظر: "ترتيب القاموس المحيط" (١/ ٥٣٣).
(٢) شرح أحمد شاكر لـ "مسند أحمد" (١٥/ ٨٢).
(٣) "مجمع الزوائد" (٨/ ٧ - ٨).
[ ٤١٣ ]
قال ابن عيينة (^١): "تخرج حين يسري الإِمام جمع، وإنّما جعل سابقًا ليخبر النَّاس أن الدَّابَّة لم تخرج" (^٢).
٢ - أن لها ثلاث خَرَجات، فمرة تخرج في بعض البوادي ثمّ تختفي، ثمّ تخرج في بعض القرى، ثمّ تظهر في المسجد الحرام (^٣).
_________________
(١) ابن عيينة: هو الإِمام الحجة الحافظ أبو محمّد سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي، محدث الحرم، ولد سنة (١٠٧ هـ)، وأخذ عن الزّهريُّ وطبقته، وروى عن الشّافعيّ وأحمد بن حنبل وابن معين وطبقتهم، واتفقت الأئمة على الاحتجاج به؛ لحفظه وأمانته، وقد حج سبعين سنة. قال الشّافعيّ: "لولا مالك وسفيان؛ لذهب علم الحجاز". ويقول: "ما رأيت أحدًا فيه من آلة العلم ما في سفيان، وما رأيت أحدًا أكف عن الفتيا منه". توفي سنة (١٩٨ هـ) ﵀. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" (١/ ٢٦٢ - ٢٦٥)، و"تهذيب التهذيب" (٤/ ١١٧ - ١٢٢)، و"الخلاصة" (ص ١٤٥ - ١٤٦).
(٢) "مجمع الزوائد" (٨/ ٧ - ٨). قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
(٣) جاء في حديث حذيفة بن أسيد عند الحاكم: إن لها "ثلاث خرجات"، وذكر الحديث بطوله، ثمّ قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووأفقه الذهبي في "تلخيصه المستدرك" (٤/ ٤٨٤ - ٤٨٥). وروى الطبراني والحاكم عن حذيفة أيضًا، وفيه: "أنها تخرج ثلاث خرجات؛ تخرج من أقصى اليمن، ثمّ تخرج قريبًا من مكّة، ثمّ تخرج من المسجد الحرام بين الركن الأسود وبين باب بني مخزوم". ولكن هذه الرِّواية في سندها طلحة بن عمرو الحضرمي، وهو ضعيف، وقد مضى تخريج هذا الحديث.
[ ٤١٤ ]
وهناك أقوالٌ أخرى غير ما ذكرته، غالبها يدور على أن خروجها من الحرم المكِّي (^١)، فالله أعلم بذلك.
* عمل الدَّابَّة:
إذا خرجت هذه الدَّابَّة العظيمة؛ فإنها تسم المؤمّن والكافر.
فأمّا المؤمّن؛ فإنها تجلو وجهه حتّى يشرق، ويكون ذلك علامة على إيمانه.
وأمّا الكافر؛ فإنها تخطمه على أنفه؛ علامة على كفره والعياذ بالله.
وجاء في الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢].
وفي معنى هذا التكليم اختلفت أقوال المفسرين:
١ - أن المراد: تكلمهم كلامًا؛ أي: تخاطبهم مخاطبة، ويدلُّ على هذا قراءة أبي بن كعب ﵁: (تنبئهم).
٢ - تجرحهم، ويؤيد ذلك قراءة (تَكْلمهم)؛ بفتح التاء وسكون الكاف، من الكَلْم، وهو الجَرْح، وهذه القراءة مرويَّة عن ابن عبّاس ﵁؛ أي: تسمهم وسمًا (^٢).
وهذا القول يشهد له حديث أبي أُمامة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ -
_________________
(١) انظر: "التذكرة" (ص ٦٩٧ - ٦٩٨)، و"الإِشاعة" (ص ١٧٦ - ١٧٧)، و"لوامع الأنوار" (٢/ ١٤٤ - ١٤٦).
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (١/ ٢٣٧)، و"تفسير ابن كثير" (٦/ ٢٢٠)، و"تفسير الشوكاني" (٤/ ١٥٢).
[ ٤١٥ ]
قال: "تخرج الدَّابَّة، فتسم النَّاس على خراطيمهم" (^١).
وروي عن ابن عبّاس انه قال: "كلًّا تفعل"؛ أي: المخاطبة والوسم.
قال ابن كثير: "وهو قولٌ حسن، ولا منافاة، والله أعلم" (^٢).
وأمّا الكلام الّذي تخاطبهم به؛ فهو قولها: "إن النَّاس كانوا بآياتنا لا يوقنون".
وهذا على قراءة مَنْ قرأها بفتح همزة (إن)؛ أي: تخبرهم أن النَّاس كانوا بآيات الله لا يوقنون، وهذه قراءة عامة قراء الكوفة وبعض أهل البصرة.
وأمّا قراءة عامَّة قراء الحجاز والبصرة والشام؛ فبكسر همزة (إن) على الاستئناف، ويكون المعنى: تكلِّمُهم بما يسوؤهم، أو ببطلان الأديان سوى دين الإسلام (^٣).
قال ابن جرير: "والصواب من القول في ذلك أنها قراءتان متقاربتا المعنى، مستفيضتان في قراءة الأمصار" (^٤).
* * * * *
_________________
(١) رواه الإِمام أحمد وسبق تخريجه.
(٢) "تفسير ابن كثير" (٦/ ٢٢٠).
(٣) انظر: "تفسير الطّبريّ" (٢٠/ ١٦)، و"تفسير القرطبي،" (١٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، و"تفسير الشوكاني" (٤/ ١٥٢).
(٤) "تفسير الطّبريّ" (٢٠/ ١٦).
[ ٤١٦ ]
الفصل التّاسع: النّار الّتي تحشر النَّاس
ومنها خروج النّار العظيمة، وهي آخر أشراط السّاعة الكبرى، وأول الآيات المؤذِنة بقيام السّاعة.
* مكان خروجها:
جاءت الروايات بأن خروج هذه النّار يكون من اليمن، من قعرة عدن (^١)، وتخرج من بحر حضرموت؛ كما جاء في روايات أخرى.
وإليك طائفة ممّن الأحاديث الّتي تبيِّن مكان خروج هذه النّار، وهي من الأدلَّة على ظهورها.
١ - جاء في حديثَ حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السّاعة الكبرى قوله - ﷺ -: "وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد النَّاس إلى محشرهم".
_________________
(١) (عدن): هي المدينة المعروفة في اليمن جنوب الجزيرة العربيّة، وهي واقعة على بحر حضرموت، ويسمى اليوم: البحر العربي. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ١٩٢).
[ ٤١٧ ]
رواه مسلم (١).
٢ - وفي رواية له عن حذيفة أيضًا: "ونارٌ تخرج من قعرة عدن ترحل النَّاس" (٢).
٣ - وروى الإِمام أحمد والترمذي عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ستخرج نارٌ من حضرموت أو من بحر حضرموت، قبل يوم القيامة، تحشر النَّاس" (^٣).
٤ - وروى الإِمام البخاريّ عن أنس ﵁ أن عبد الله بن سلام لما أسلم سأل النّبيّ - ﷺ - عن مسائل، ومنها: ما أول أشراط السّاعة؟ فقال النّبيّ - ﷺ -: "أمّا أول أشراط السّاعة؛ فنار تحشر النَّاس من المشرق إلى المغرب" (^٤).
والجمع بين ما جاء أن هذه النّار هي آخر أشراط السّاعة الكبرى وما جاء أنها أول أشراط السّاعة: أن آخريتها باعتبار ما ذُكِر معها من الآيات
_________________
(١) (١ و٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٩ - مع شرح النووي).
(٢) "مسند الإِمام أحمد" (٧/ ١٣٣) (ح ٥١٤٦)، قال أحمد شاكر: "إسناده صحيح". والترمذي (٦/ ٤٦٣ - ٤٦٤ - مع تحفة الأحوذي). قال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٣/ ٢٠٣) (ح ٣٦٠٣).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب أحاديث، الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، (٦/ ٣٦٢ - مع الفتح) (ح ٣٣٢٩).
[ ٤١٨ ]
الواردة في حديث حذيفة، وأوليتها باعتبار أنها أوَّل الآيات الّتي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلًا، بل يقع بانتهاء هذه الآيات النفخ في الصور؛ بخلاف ما ذُكِرَ معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة؛ فإنّه يبقى بعد كلّ آية منها أشياء من أمور الدُّنيا (^١).
وأمّا ما جاء في بعض الروايات بأن خروجها يكون من اليمن، وفي بعضها الآخر أنها تحشر النَّاس من المشرق إلى المغرب؛ فيجاب عن ذلك بأجوبة:
١ - أنه يمكن الجمع بين هذه الروايات بأن كون النّار تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها النَّاس من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها، والمراد بقوله: "تحشر النَّاس من المشرق إلى المغرب"؛ إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب (^٢).
٢ - أن النّار عندما تنتشر يكون حشرها لأهل المشرق أوَّلًا، ويؤيِّد ذلك أن ابتداء الفتن دائمًا من المشرق، وأمّا جعل الغاية إلى المغرب؛ فلأن الشّام بالنسبة إلى المشرق مغرب.
٣ - يحتمل أن تكون النّار المذكورة في حديث أنس كناية عن الفتن المنتشرة الّتي أثارت الشر العظيم والتهبت كما تلتهب النّار، وكان ابتداؤها من قِبَل المشرق، حتّى خرب معظمه، وانحشر النَّاس من جهة المشرق
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ٨٢).
(٢) "فتح الباري" (١٣/ ٨٢).
[ ٤١٩ ]
إلى الشّام ومصر، وهما من جهة المغرب؛ كما شوهد ذلك مرارًا من عهد جنكزخان ومَن بعده.
وأمّا النّار الّتي في حديثي حذيفة بن أسيد وابن عمر؛ فهي نارٌ حقيقية (^١)، والله أعلم.
* كيفية حشرها للناس:
عند ظهور هذه النّار العظيمة من اليمن؛ تنتشر في الأرض، وتسوق النَّاس إلى أرض المحشر، والذين يحشرون على ثلاثة أفواج:
الأوّل: فوجٌ راغبون طاعِمون كاسون راكبون.
والثّاني: وفوجٌ يمشون تارة ويركبون أخرى، يعتقبون على البعير الواحد؛ كما سيأتي في الحديث: "اثنان على بعير، وثلاثة على بعير إلى أن قال: وعشرة على بعير يعتقبونه"، وذلك من قلة الظهر يومئذ.
والفوج الثّالث: تحشرهم النّار، فتحيط بهم من ورائهم، وتسوقهم من كلّ جانب إلى أرض المحشر، ومن تخلَّف أكلته النّار (^٢).
ومما جاء من الأحاديث في بيان كيفية حشر هذه النّار للناس:
١ - روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "يحشر النَّاس على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويَحْشُر بقيتَهم النارُ؛
_________________
(١) "فتح الباري" (١١/ ٣٧٨ - ٣٧٩) بتصرُّف بسيط.
(٢) انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٢٣٠ - ٢٣١).
[ ٤٢٠ ]
تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا" (^١).
٢ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تبعث نارٌ على أهل المشرق، فتحشرهم إلى المغرب؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم، وتخلف وتسوقهم سوق الجمل الكسير" (^٢).
٣ - وعن حذيفة بن أسيد ﵁؛ قال: قام أبو ذرٍّ ﵁، فقال: يا بني غِفار! قولوا ولا تختلفوا؛ فإن الصادق المصدوق - ﷺ - حدثني "أن النَّاس يُحْشَرون ثلاثة أفواج: فوجٌ راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النّار". فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: "يلقي الله الآفة على الظَّهر حتّى لا يبقى ظَهرٌ، حتّى إن الرَّجل لَيكون له الحديقة المعجبة، فيعطيها بالشارف (^٣) ذات القتب (^٤)؛ فلا
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب الحشر، (١١/ ٣٧٧ - مع الفتح) (ح ٦٥٢٢)، و"صحيح مسلم"، كتاب الجنَّة وصفة نعيمها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، (١٧/ ١٩٤ - ١٩٥ - مع شرح النووي).
(٢) رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، ورجاله ثقات. "مجمع الزوائد" (٨/ ١٢) ورواه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥٤٨)، وقال: "هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي على تصحيحه.
(٣) (الشارف): هي الناقة المسن أو الهرمة. "لسان العرب" (٩/ ٧٣).
(٤) (القتب): بكسر القاف وسكون التاء، هو الرحل الّذي يوضع على قدر سنام =
[ ٤٢١ ]
يقدر عليها" (^١).
* أرض المحشر:
يحشر النَّاس إلى الشّام في آخر الزّمان، وهي أرض المحشر؛ كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة:
١ - منها ما روي عن ابن عمر ﵄ في ذكر خروج النّار، وفيه: قال: قلنا: يا رسول الله! فماذا تأمرنا؟ قال: "عليكم بالشام" (^٢).
٢ - وروى الإِمام أحمد عن حكيم بن معاوية البهزي عن أبيه (فذكر الحديث، وفيه قوله - ﷺ -:) "ها هُنا تُحْشَرون، ها هُنا تُحْشَرون، ها هُنا تُحْشرون (ثلاثًا)؛ ركبانًا، ومشاة، وعلى وجوهكم".
_________________
(١) = البعير، والمعنى: الناقة العاملة. انظر: "لسان العرب" (١/ ٦٦٠ - ٦٦١).
(٢) "مسند الإِمام أحمد" (٥/ ١٦٤ - ١٦٥ - بهامشه منتخب كنز العمال)، و"سنن النسائي"، كتاب الجنائز، باب البعث، (٤/ ١١٦ - ١١٧)، و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٥٦٤)، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإِسناد إلى الوليد بن جميع، ولم يخرجاه". وقال الذهبي في "تلخيصه للمستدرك": "الوليد قد روى له مسلم متابعة، واحتج به النسائي". قلت: سند النسائي رجاله ثقات، وفيه الوليد بن جميع: وثقه ابن معين والعجلي، وقال الإِمام أحمد وأبو داود: "ليس به بأس، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث". وقال ابن حجر: "صدوق يهم". انظر: "ميزان الاعتدال" (٤/ ٣٣٧)، و"تهذيب التهذيب" (١١/ ١٣٨ - ١٣٩)، و"تقريب التهذيب" (٢/ ٣٣٣).
(٣) رواه الإمام أحمد والترمذي، وقد سبق تخريجه (ص ٤٠٠).
[ ٤٢٢ ]
قال ابن أبي بكير (^١): فأشار بيده إلى الشّام، فقال: "إلى ها هُنا تُحْشَرون" (^٢).
٣ - وفي رواية التّرمذيّ عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؛ قال: قلت: يا رسول الله! أين تأمرني؟ قال: "ها هنا (ونحا بيده نحو الشّام) " (^٣).
٤ - وروى الإِمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو؛ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز النَّاس إلى مُهاجَرِ إبراهيم، لا يبقى في الأرض إِلَّا شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تنذرهم نفس الله، تحشرهم النّار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلَّف" (^٤).
_________________
(١) هو أبو زكريا يحيى بن أبي بكير، واسمه نسر الأسدي الكرماني الكوفي الثقة، توفي سنة ثمان أو تسع ومئتين ﵀. انظر: "تهذيب الكمال" (٣/ ١٤٩١)، و"تهذيب التهذيب" (١١/ ١٩٠).
(٢) "مسند أحمد" (٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧ - بهامشه منتخب كنز العمال).
(٣) التّرمذيّ (٦/ ٤٣٤ - ٤٣٥ - مع تحفة الأحوذي)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح ". وفي الروايتين قال ابن حجر: "أخرجه التّرمذيّ والنسائي وسنده قوي". انظر: "فتح الباري" (١١/ ٣٨٠).
(٤) "مسند الإِمام أحمد" (١١/ ٩٩) (ح ٦٨٧١)، قال أحمد شاكر: "إسناده صحيح". و"سنن أبي داود" (٧/ ١٥٨ - مع عون المعبود) (٢٤٦٥). وقال الحافظ ابن حجر: "أخرجه أحمد، وسنده لا بأس به". "فتح الباري" (١١/ ٣٨٠).
[ ٤٢٣ ]
قال ابن حجر: "وفي تفسير ابن عيينة عن ابن عبّاس: من شكَّ أن المحشر هاهنا -يعني: الشّام-؛ فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول الله - ﷺ - يومئذٍ: اخرجوا. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر" (^١).
والسبب في كون أرض الشّام هي أرض المحشر أن الأمن والإِيمان حين تقع الفتن في آخر الزّمان يكون بالشام.
وقد جاء في فضله والترغيب في سكناه أحاديث صحيحة:
منها ما أخرجه الإِمام أحمد عن أبي الدَّرداء؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "بيَّنَّا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتُمِل من تحت رأسي، فظننتُ انه مذهوبٌ به، فأتبعْتُهُ بصري، فعُمِدَ به إلى الشّام، ألَّا وإن الإِيمان حين تقع الفتن بالشام" (^٢).
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن حوالة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "رأيتُ ليلة أُسري بي عمودًا أبيض كانه لواءٌ تحمله الملائكة، فقلتُ: ما تحمِلون؟ قالوا: عمود الكتاب؛ أُمِرنا أن نضعه بالشام" (^٣).
وروى أبو داود بسنده إلى عبد الله بن حوالة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودًا مجنَدة: جندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق". قال ابن حوالة: خِرْ لي يا رسول الله
_________________
(١) "فتح الباري" (١١/ ٣٨٠)، وانظر: "تفسير ابن كثير" (٨/ ٨٤ - ٨٥).
(٢) "مسند الإِمام أحمد" (٥/ ١٩٨ - ١٩٩ - بهامشه منتخب الكنز). قال ابن حجر: "أخرجه أحمد، ويعقوب بن سفيان، والطبراني وسنده صحيح". انظر: "فتح الباري" (١٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣).
(٣) "فتح الباري" (١٢/ ٤٠٣)، قال الحافظ: "سنده حسن".
[ ٤٢٤ ]
إن أدركتُ ذلك. فقال: "عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأمّا إذا أبيتم؛ فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم، فإن الله توكَّل لي بالشام وأهله" (^١).
وقد دعا رسول الله - ﷺ - للشام بالبركة؛ كما ثبت في "الصّحيح" عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال النّبيّ - ﷺ -: "اللَّهُمَّ بارك لنا في شامنا، اللَّهُمَّ بارك لنا في يمننا" (^٢).
وقد تقدَّم أن نزول عيسى -﵇- في آخر الزَّمان يكون بالشام، وبه يكون اجتماع المؤمنين لقتال الدَّجَّال.
وقد أنكر أبو عبيَّة أن تكون أرض الشّام هي أرض المحشر، فقال: "الكلام الّذي يحدِّد أرض المحشر لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، بل في القرآن الكريم ما ينقضه؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، فأين أرض الشّام إذن؟! " (^٣).
ويجاب عنه بأن الأدلة متضافرة على أن أرض المحشر هي الشّام؛ كما سبق ذكرها.
والحامل له على هذا هو اعتقاده أن هذا الحشر في الآخرة، وليس
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٧/ ١٦٠ - ١٦١ - مع عون المعبود) (ح ٢٤٦٦). والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٣/ ٢١٤ - ٢١٥) (ح ٣٥٥٣).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب قول النّبيّ - ﷺ -: "الفتنة من قبل المشرق" (١٣/ ٤٥ - مع الفتح).
(٣) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٢٥٧)، تعليق محمّد فهيم أبو عبية.
[ ٤٢٥ ]
في الدنيا، وسأبين في البحث الآتي أن هذا الحشر في الدُّنيا؛ كما تدل عليه النصوص الصحيحة.
* هذا الحشر في الدُّنيا:
هذا الحشر المذكور في الأحاديث يكون في الدُّنيا، وليس المراد به حشر النَّاس بعد البعث من القبور، وقد ذكر القرطبي أن الحشر معناه الجمع، وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة:
أمّا حشرا الدُّنيا:
فالأول: إجلاء بني النضير إلى الشّام.
والثّاني: حشر النَّاس قبل القيامة إلى الشّام، وهي النّار المذكورة هنا في الأحاديث" (^١).
وكون هذا الحشر في الدُّنيا هو الّذي أجمع عليه جمهور العلماء؛ كما ذكر ذلك القرطبي، وابن كثير، وابن حجر، وهو الّذي تدلُّ عليه النصوص كما تقدَّم بسطها.
وذهب بعض العلماء، كالغزالي (^٢)، والحليمي (^٣) إلى أن هذا الحشر
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٨/ ٢ - ٣)، و"التذكرة" (ص ١٩٨ - ١٩٩).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١١/ ٣٧٩)، و"التذكرة" (ص ١٩٩).
(٣) هو الحافظ أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمّد بن حليم الجرجاني، فقيه شافعي، تولى القضاء في بخارى، وكان كثير الترحال في بلاد خراسان، ومن مصنفاته: "المنهاج في شعب الإيمان"، وقد نقل عنه الحافظ البيهقي كثيرًا في كتابه "شعب الإِيمان"، كانت وفاة الحليمي سنة (٤٠٣ هـ)، وله من العمر خمس وستون سنة، ﵀. =
[ ٤٢٦ ]
ليس في الدُّنيا (^١)، وإنّما هو في الآخرة.
وذكر ابن حجر أن بعض شُرَّاح المصابيح حمله على الحشر من القبور، واحتجوا على ذلك بعدة أمور:
١ - أن الحشر إذا أُطلق في عرف الشّرع؛ إنّما يُراد به الحشر من القبور؛ ما لم يخصه دليلٌ.
٢ - أن هذا التقسيم في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى الشّام؛ لان المهاجر لا بد أن يكون راغبًا أو راهبًا أو جامعًا بين الصفتين.
٣ - أن حشر البقية على ما ذكر، وإلجاء النّار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتّى لا تفارقهم: قولٌ لم يردّ به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النّار في الدُّنيا على أهل الشِّقوة من غير توقيف.
٤ - أن الحديث يفسر بعضه بعضًا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن علي بن زيد عن أوس بن أبي أوس عن أبي هريرة بلفظ: "ثلاثًا على الدَّواب، وثلاثًا ينسلون على أقدامهم، وثلاثًا على وجوههم"، وهذا التقسيم الّذي في هذا الخبر موافق لما جاء في سورة الواقعة في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ (^٢) [الواقعة: ٧].
_________________
(١) = انظر كتابه "المنهاج في شعب الإِيمان" (١/ ١٣ - ١٩) لحلمي محمّد فودة، وانظر: "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٠٣٠)، و"شذرات الذهب" (٣/ ١٦٧ - ١٦٨).
(٢) انظر: "المنهاج في شعب الإِيمان" (١/ ٤٤٢).
(٣) انظر: "فتح الباري" (١١/ ٣٨٠).
[ ٤٢٧ ]
والإِجابة عمَّا احتجوا به يتلخَّص فيما يأتي:
١ - أن الدَّليل قد جاء بأن هذا الحشر في الدُّنيا؛ كما سبق ذكر الأحاديث في ذلك.
٢ - أن التقسيم المذكور في آيات سورة الواقعة لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث؛ فإن الّذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر ويسرة من الزّاد راغبًا فيما يستقبله راهبًا فيما يستدبره، وهم الصنف الأوّل في الحديث، ومَن توانى حتّى قلَّ الظهر اشتركوا فيه وهم الصنف الثّاني، والصنف الثّالث هم الذين تحشرهم النّار وتسحبهم الملائكة.
٣ - انَه تبيَّن من شواهد الأحاديث انه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنّما هي نارٌ تخرج في الدُّنيا، أنذر النّبيّ - ﷺ - بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة.
٤ - أن الحديث الّذي احتجُّوا به من رواية علي بن زيد - وهو مختلف في توثيقه - لا يخالف الأحاديث الّتي بيَّنت أن هذا الحشر في الدُّنيا، وقد وقع في حديث علي بن زيد المذكور عند الإِمام أحمد (^١) انهم "يتَّقون بوجوههم كلّ حدب وشوك وأرض الموقف يوم القيامة أرض مستوية لا عوج
_________________
(١) "مسند الإِمام أحمد" (١٦/ ٣٦٥) (ح ٨٦٣٢)، تحقيق أحمد شاكر، أكمله د. الحسيني عبد المجيد هاشم، وذكر أن إسناده حسن، ولكن الحافظ ابن حجر ضعَّف راويه علي بن زيد بن جدعان. انظر: "فتح الباري" (١١/ ٣٨١).
[ ٤٢٨ ]
فيها ولا أكمة ولا حدب ولا شوك" (^١).
قال النوويّ: "قال العلماء: وهذا الحشر في آخر الدُّنيا قبيل القيامة، وقبيل النفخ في الصور؛ بدليل قوله - ﷺ-: تحشر بقيتهم النّار؛ تبيت معهم وتقيل وتصبح وتمسي" (^٢).
وقال الحافظ ابن كثير - بعد ذكره للأحاديث الواردة في خروج النّار مبينًا أن هذا الحشر في الدنيا -: "فهذه السياقات تدل على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدنيا من أقطار الأرض إلى محلة المحشر، وهي الأرض الشّام وهذا كله ممّا يدلُّ على أن هذا في آخر الزّمان حيث الأكل والشرب والركوب على الظهر المشترى وغيره، وحيث تهلك المتخلفين منهم النّار، ولو كان هذا بعد نفخة البعث لم يبق موتٌ، ولا ظهرٌ يُشترى، ولا أكل، ولا شرب، ولا لبس في العرصات" (^٣).
وأمّا حشر الآخرة؛ فإنّه قد جاء في الأحاديث أن النَّاس مؤمنهم وكافرهم يحشرون حفاة عراة غرلًا (^٤) بهمًا (^٥)، ففي الصّحيح عن ابن
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (١١/ ٣٨٠ - ٣٨١).
(٢) "شرح النووي لمسلم" (١٧/ ١٩٤ - ١٩٥).
(٣) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٣٢٠ - ٣٢١)، تحقيق د. طه زيني، والعَرَصات هي الساحات الواسعة.
(٤) (غُرلًا): جمع أغرل، وهو الأقلف، وهو من بقيت غرلته، وهي الجلدة الّتي يقطعها الخاتن من الذكر. انظر: "النهاية في غربب الحديث" (٣/ ٣٦٢)، و"فتح الباري" (١١/ ٣٨٤).
(٥) (بهمًا): جمع بهيم، وهو في الأصل الّذي لا يخالطه لون سواه، والمعنى: =
[ ٤٢٩ ]
عبّاس؛ قال: قام فينا النّبيّ - ﷺ -، فقال: "إنكم محشورون حفاة عراة غُرلًا؛ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وإن أول الخلق يُكْسى يوم القيامة إبراهيم الخليل" (^١).
قال ابن حجر: "ومن أين للذين يُبْعَثون بعد الموت عراة حفاة حدائق حتّى يدفعوها في الشوارف" (^٢).
فدل هذا على أن هذا الحشر يكون في الدُّنيا قبل يوم القيامة، ومَن ذهب إلى خلاف ذلك فقد جانب الحق، والله تعالى أعلم.
* * * * *
_________________
(١) = ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض الّتي تكون في الدنيا. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ١٦٧).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب الحشر، (١١/ ٣٧٧ - مع الفتح).
(٣) "فتح الباري" (١١/ ٣٨٢).
[ ٤٣٠ ]