من أصول أهل السنة والجماعة المقررة عندهم: أن العقل لا يقدم على النقل، وأنهما لا يختلفان إذا صح النقل وسلم العقل من الآفات، ومع هذا فهم لا يقللون من شأن العقل أو يلغونه؛ فإن الشرع بنصوص الكتاب والسنة قد خاطب العقل والعقلاء، وجعل العقل هو مناط التكليف للمرء، ثم هم أيضًا لا يتجاوزون به حدوده، فيبحثون عن الحكمة والعلة في كل شيء، بل ما ظهر منها أخذوا به، وما لم يظهر أسلموا له وأذعنوا.
[ ٩ / ١ ]
بيان أهمية العقل في الإسلام وعدم تعارضه مع النقل
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فلا زال الكلام موصولًا عن أصول وخصائص أهل السنة والجماعة، وكنا قد تكلمنا عن الأصل الأول من أصول أهل السنة والجماعة، وهو أنهم يقدمون النقل على العقل، وبينا أن ذلك لا يكون إلا عند التعارض، والأصل ألا يختلف عقل صريح مع نص صحيح، ولأجل ذلك صنف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم الجليل: (درء تعارض العقل والنقل)، وبين أن العقل يتفق تمام الاتفاق مع النقل إذا صح عن الله ﷿ وعن رسوله صلوات ربي وسلامه عليه، وقلنا: لا يمكن أن يختلف العقل مع النقل إلا لأمرين لا ثالث لهما: الأمر الأول: عدم ثبوت النقل عن الله وعن رسوله، ويقصد بعدم ثبوت النقل عن الله؛ أي الأحاديث القدسية، أو عن رسوله في أحاديثه النبوية، ولذلك يستحيله العقل ويرده ردًا شديدًا؛ لأنه لم يثبت ابتداء فضلًا أنه لم يتفق مع العقل.
الأمر الثاني: عدم إدراك العقل لمقصود النص، النص ثابت لكن العقل يقصر تمامًا عن فهمه.
ومعنى تقديم النقل على العقل: أن النقل يكون حاكمًا على العقل وليس العكس، خلافًا لما فعلته الفرق الضالة؛ فإنهم جعلوا العقل حاكمًا على النقل، ومعنى حاكم، أي: أن كل واحد منهم إذا قرأ نصًا في كتاب الله أو في سنة النبي ﵊ ولم يفهمه، رد النص وقدم عليه العقل، حتى ولو كان آية في كتاب الله ﷿.
ولا أقول بإلغاء العقل تمامًا، فهذا مما لا ينبغي أن يحدث من عاقل؛ لأن الله في كتابه والنبي ﷺ في سنته إنما خاطب العقل وأمره بالنظر والتفكر والتدبر والعلم والسياحة في ملكوت الله ﷿، كما أن العقل في بني آدم هو مناط التكليف، فكيف يلغى؟! ولكن الذي ألغيه وأبطله: أن يقف العقل محادًا لله ورسوله، أما إبطال العقل بالكلية فلا، ولذلك آثرت أن يكون هذا الحديث متممًا للدرس السابق ومكملًا له، ومبينًا لأهمية العقل في الإسلام وأنه مناط التكليف.
[ ٩ / ٢ ]
خطاب الله للعقلاء في القرآن
أسوق لك هنا بعض الأدلة من كتاب الله ومن سنة النبي ﵊ وكذا من المعقول لأهمية العقل؛ لأنه لا يعقل أحد أن الله ﵎ قد أمر المجنون أو المعتوه الذي غاب عقله بالأوامر والنواهي، كما أن الله ﵎ إنما خاطبنا في كتابه وفي كلامه العظيم، وأمرنا أن ننظر في ملكوته، في سماواته وأرضه، في بحره وبره، وأن ننظر نعم الله علينا السابغة الظاهرة والباطنة حتى نتعرف عليه من واقع نظرنا وفكرنا وتدبرنا وتفكرنا في نعمائه وآلائه، هذا الذي يعبر عنه الناس بأننا نعرف الله ﵎ من واقع نعمه وآلائه، وإن كان أهل السنة والجماعة على أن الله ﵎ يعرف بالنقل لا بالعقل، وإن شئنا أن نجمع بين هذا وذاك نقول: الله ﵎ يعرف أولًا بالنقل الذي أمرنا به في كتابه، وأمرنا به نبيه ﵊ في سنته، ثم هو ﷾ يعرف بنعمه وآلائه، ثم هو يعرف كذلك بالعقل عند العقلاء.
فبم أمرنا الله ﷿ في كتابه؟ انظر إلى قوله في سورة البقرة التي هي أطول سور القرآن: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤]، هذه الآيات وهذه المعجزات والآلاء والدلائل إنما تدل على القادر عليها، الخالق لها، المصرف لأمرها، ولكن لا يتدبر هذه الآيات إلا العقلاء، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤]، وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ﴾ [الرعد:٢ - ٣] أي: بسطها: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ [الرعد:٣]، والرواسي هي الجبال التي تمسك الأرض أن تميد وأن تمور وأن تذوب فتبتلع من عليها، فالله ﷿ إنما بسط الأرض وجعل الجبال فيها كالأوتاد والمسامير التي تحفظها أن تمور فتبتلع ما فيها: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ﴾ [الرعد:٣]، من كل نوع من أنواع الثمار جعل زوجين اثنين ذكرًا وأنثى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد:٣]، وإنما الفكر محله القلب والعقل على السواء: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد:٤]، ومعنى صنوان: أي: متحد في الأصل، الأرض واحدة، والماء الذي تسقى به الأرض واحد، فإذا زرعت رمانًا وتينًا كان لهذا طعم ولذاك طعم، مع أن الأرض واحدة والماء واحد، ولكن سبحان ربي جعل لهذا طعمًا وجعل للآخر طعمًا آخر، قال: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ [الرعد:٤]، أنت تقول: أنا أحب الرمان ولا أحب التين، أحب المانجو ولا أحب الجوافة، والأرض واحدة والماء واحد والجو الذي نبت فيه جميع الثمر واحد، ومع هذا أنت تحب هذا ولا تحب ذاك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤]، فهذا خطاب للعقل كذلك، للدلالة على قدرة الله ﷿.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ [النحل:١٠]، ماء السماء أعذب وأطيب ماء على الإطلاق، وهو حديث عهد بربه، كما قال ﵊، ولذلك كان المطر إذا نزل تعرض له النبي ﵊، وأدخله بين ثوبه وجلده، وهو يقول: (إنه حديث عهد بربه)، أطيب ماء هو ماء المطر، فالله ﷿ جعل لنا منه شرابًا سائغًا، ومعنى سائغًا: عذبًا زلالًا ولم يجعله ملحًا أجاجًا، تشربه وتستلذ به مع أنه نزل من السماء قد خالط الدخان والتراب وغير ذلك، ولكن الذي نقاه هو الله ﷿.
قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل:١٠]، أي: وجعل منه بعد مخالطته في الأرض شجرًا، «فِيهِ تُسِيمُونَ»، أي: ترعون فيه أنعامكم، ومنه الإبل السائمة، والسائمة من الإبل التي لا تربط في مكان معين، إنما تسيم
[ ٩ / ٣ ]
خطاب النبي للعقلاء في السنة
وفي سنة النبي ﵊ تجد نفس الخطاب، فعن علي وعمر ﵄ أن النبي ﵊ قال: (رفع القلم عن ثلاثة)، الحساب والجزاء والجنة والنار والثواب والعقاب إنما يرفع عن ثلاثة: (عن المجنون حتى يبرأ)، المجنون الذي لا عقل له حتى يبرأ من جنونه ومن مرضه العقلي؛ لأنه ليس من أهل التكليف، ولما كان العقل مناط التكليف عند الآدمي استلزم أن يكون له عقل.
(وعن النائم حتى يستيقظ)، لو أن إنسانًا نام عن الظهر والعصر فلا حرج عليه، يقول النبي ﵊: (إذا نام أحدكم عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها)، لم يؤثمه ولم يحرجه، بل يصلي ما فاته في نومه من صلاة النهار وإن كان في منتصف الليل وتعتبر أداء لا قضاء، ولذلك قال النبي ﵊: (لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة)، ينسب الإنسان للتفريط إذا فرط في جنب الله وهو مستيقظ متذكر، أما إذا كان التفريط في النوم فإنه ليس تفريطًا على الحقيقة، بل معفو عنه.
قال: (وعن الصبي حتى يحتلم) أي: عن الصغير حتى يبلغ ويكبر، كما جاء في رواية عائشة بلفظ: (وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر)، وفي رواية علي عند الترمذي وابن ماجه قال: (وعن الصبي حتى يشب)، أي: يصير شابًا.
(وعن المعتوه حتى يعقل).
وقال النبي ﵊: (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه) المغلوب على عقله، (كل طلاق جائز)، أي: واقع لا محالة، إلا أن يقول مجنون لامرأته: أنت طالق.
فلا يقع طلاقه.
وأخرج أحمد من حديث أنس ﵁ قال: (دخل النبي ﷺ المسجد فوجد حبلًا ممدودًا بين ساريتين -أي: بين عمودين- فسأل عنه، فقالوا: هذا حبل اتخذته فلانة، فإذا أعيت تعلقت به)، أي: إذا تعبت من طول القيام في الصلاة تعلقت بهذا الحبل وهي قائمة، فقال النبي ﵊: (خذوا الحبل، فليصل أحدكم ما عقل -أي: فليصل أحدكم ما دام عقله معه- فإذا غلبه النوم أو النعاس فلينم -وفي رواية: فليرقد-) وهذا في صلاة النافلة.
وعن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﵊ إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم عنه، وفي رواية: لتعقل عنه).
وقال ابن عمر ﵁: (أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين يضحي، فقام إلى ابن عمر رجل من الناس، فقال: يا أبا عبد الرحمن! أواجبة هي -يعني: أضحية العيد-؟ قال: قلت لك: إن النبي ﵊ أقام في المدينة عشرًا يضحي، قال: يا ابن عمر أواجبة هي؟ فغضب ابن عمر وقال: أتعقل عني، لقد قلت لك: إنه أقام عشر سنين بالمدينة يضحي)، يقول الترمذي راوي الحديث: وعلى هذا الحديث عمل أهل العلم: أن الأضحية سنة يستحب العمل بها لمن قدر عليها.
وأخرج أحمد عن النبي ﵊ أنه قال: (يا أبا ذر اعقل عني)، يخاطب أبا ذر بأن يجمع عقله وفكره وتدبره ونظره، يعني: افهم عني ما أقول لك، واستوعبه بعقلك جيدًا، قال: (لعناق يأتي رجلًا يوم القيامة خير له من مثل جبل أحد ذهبًا تركه وراح، أعقلت يا أبا ذر؟)، يعني: ولد الناقة تقدمه في سبيل الله ﷿ ستلقاه يوم القيامة، (خير لك يا أبا ذر من مثل جبل أحد ذهبًا تركته وراءك ولم تقدمه لله ﷿).
ثم قال: (يا أبا ذر اعقل عني ما أقول لك: إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة)، الذين يستكثرون من جمع حطام الدنيا وأموالها ومتاعها هم في الحقيقة المحسورون يوم القيامة، الموقوفون المحاسبون الذين يتمنون أن لو كانوا فقراء في حياتهم كلها (إلا من قال به هكذا وهكذا)، أي: إلا من أنفق من ماله في كل واد وعلى كل محتاج على الأرامل والمساكين والأيتام والفقراء وطلاب العلم وغير ذلك من المحتاجين: (يا أبا ذر! اعقل عني ما أقول لك: إن الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة).
وكذلك أخرج أحمد في مسنده: (أن رجلًا أخذ بزمام ناقة النبي ﵊)، يعني: ذهب إلى النبي ﷺ واعترضه، ثم أمسك بلجام ناقته، وقال: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يقربني إلى الجنة ويباعدني عن النار؟ فقال له النبي ﵊: فاعقل إذًا أو افهم)، إذا كنت تسأل هذا السؤال فليس أحد إلا ودندنته هذا.
[ ٩ / ٤ ]
إدراك العقل للأوامر الشرعية وتعليله لها
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
[ ٩ / ٥ ]
قبول الصحابة للأمور الغيبية التي أخبر بها النبي ﷺ
بعض النصوص يقرؤها الناس فيستبعدونها ويقولون: إن هذه النصوص لا يمكن أن تستقيم مع العقل، وهؤلاء بقصد أو بغير قصد جعلوا العقل حاكمًا على النص، وحاكمًا على النقل، وهذا مسلك خاطئ إلى أقصى حد، فالذي لا يدركه عقلك يدركه عقلي، والذي لا يدركه عقلي يدركه عقل غيري، والذي لا تدركه أنت اليوم بعقلك تدركه غدًا بعقلك، والذي لا تدركه أنت في حال جهلك تدركه في حال علمك، والذي لا تدركه في حال ضلالك تدركه في حال هدايتك، فكيف يكون العقل حاكمًا على النفس، وأي عقل هو؟ أي عقل هذا الذي يحكم على كلام الله وكلام رسوله ﵊؟ (امرأة يراها النبي ﵊ في النار لأجل هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)، اعترض على هذا بعض أرباب العقول.
وقتيل من الصحابة كان في صف الجهاد، يرى الصحابة أنه من أهل الجنة، والنبي ﵊ يقول: (أراه من أهل النار في بردة غلها) أي: عباءة أخذها من الغنيمة قبل أن توزع ثمنها أربعة دراهم يدخل بسببها النار، آمن بذلك الصحابة وكفر بذلك من كفر، واستبعدوا ذلك، وقالوا: لماذا لا يعفو الله تعالى عنه ويغفر له بجهاده؟ أيعذبه بسبب بردة ثمنها أربعة دراهم؟ (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله يهوي بها في النار سبعين خريفًا) بسبب كلمة وليس بردة كلمة قالها يستهزئ بها أو يسخر، كلمة خرجت منه تسبب سخط الله ﷿ عليه، كذلك (وإن الرجل ليدخل الجنة بكلمة قالها من رضوان الله).
ونساء كثيرات يدخلن النار لأنهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير، أي: تكفر المرأة عشرة زوجها وقد أحسن إليها الدهر كله، فإذا بدا منه شيء في يوم من الأيام، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط، أنكرت كل عشرته الطيبة وإنفاقه عليها، وتحصينه إياها، ومحافظته عليها وعلى أولادها؛ تنكر كل هذا في لحظة غضب ربما أساء فيها زوجها إليها.
وكذلك الذين يقتطعون حق إخوانهم بغير حق، قال النبي ﵊ عنهم: (من اقتطع حق أخيه المسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار)، من اقتطع، أي: من أخذ حق أخيه المسلم بيمينه أو بشماله، حتى لو كان بقدمه، إذ ليس تعيين اليمين هنا مقصودًا في النص بقدر ما يكون المقصود هو المعنى، أي: أخذ مال الغير بغير حق، فمن تعدى فقد أوجب الله له النار، (فقال رجل: يا رسول الله! وإن كان شيئًا يسيرًا، قال: وإن كان عودًا من أراك) عود من سواك، لا شجرة ولا أرضًا ولا بيتًا، بل أقل القليل من السواك إن أخذه واقتطعه بغير إذن صاحبه، وبغير طيب خاطر منه أو ثمن، فقد أوجب الله له النار.
(ورأى النبي ﷺ في يد رجل خاتمًا من ذهب فنزعه ثم ألقاه، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في أصبعه! -فبين النبي ﵊ أن لبس الذهب للرجال حرام، بل هو طريق إلى النار- ثم قال أحد الجالسين لهذا الرجل: خذ خاتمك، قال: والله ما كنت لآخذه بعد أن ألقاه النبي ﵊).
وامرأة دخلت النار لأنها كانت تؤذي جيرانها بلسانها؛ لأنها لم ترع حق الجوار بالسب والشتم والصياح والأصوات العالية والتلفزيون والأذى والعري وغيره، كل هذا إيذاء للجيران، بل كبيرة من الكبائر.
ورجل من المهاجرين عذب في قبره بسبب دينارين لم يسددهما، حتى سددهما عنه أبو قتادة الأنصاري ﵁، سأل النبي ﵊: (أعليه دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: هل ترك ما يوصي به؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: يا رسول الله صل عليه وعلي دينه، تحمل عنه الحمالة - فصلى عليه النبي ﵊، ثم في آخر اليوم، قال: أين الرجل الذي تحمل الحمالة، فقام أبو قتادة وقال: أنا يا رسول الله، قال: هل قضيت عن صاحبك؟ قال: لا، إنما هو اليوم -أي أن الأمر لا يتسع ليوم ولا يومين ولا شهر ولا شهرين، وإنما كان يجب أن يكون القضاء في نفس اليوم- فقال: اذهب فاقض عن صاحبك، وفي اليوم الثاني: قال يا رسول الله قضيت عنه الآن، فقال النبي ﷺ: الآن بردت عليه جلده).
ومر النبي ﵊ بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله) لا يستنزه، أي: لا يستبرئ من بوله، كان يبول كما تبول الحيوانات والدواب، ثم يضع ذكره في ثوبه وينصرف فينجس نفسه وينجس ثوبه، كيف تصح له صلاة مع هذه النجاسة؟ (والآخر كان يمشي بين الناس بالنميمة)، يعني: ليس الأمر الذي بسببه عذبا بأمر شاق عليهما، بل هو أمر يسير، كان بإمكان هذا أن يتطيب من بوله، وكان بإمكان هذا أن يكف لسانه، فلما تركوا الأمر واقترفوا النهي استحقوا العذاب.
[ ٩ / ٦ ]
وجوب التسليم بالنقل الثابت
أيها الإخوة! إن تكذيب قدر الله ﷿ كفر، ورد الأمر على الله ﷿ كذلك كفر، والعبودية الحقة لله ﷿ هي: طاعة الأمر فيما عقل معناه وفيما لم يعقل.
كثير من الناس الآن يقولون: حديث الذبابة الذي أخرجه البخاري في صحيحه أن النبي ﵊ قال: (إذا وقعت ذبابة في شراب أحدكم فليغمسها وليشرب الشراب، فإن في إحدى جناحيها داء وفي الآخر دواء).
كثير من الناس رد هذا الخبر، لا لأن إسناده منقطع، ولا لأنه شاذ أو منكر، ولا لأن رواته ليسوا عدولًا ولا ضابطين -وهذه معايير ثبوت الرواية- إنما قالوا: هذا الحديث غير معقول ألبتة، عرضناه على عقولنا فلم تقبله، نقول لهم: النقل صحيح يجب التسليم له، والنقل ثابت شئتم أم أبيتم، ويلزمكم الإيمان به، أما عقولكم فينبغي لكم أن تلغوها هنا تمامًا؛ لأنها قصرت عن فهم النص مع ثبوته، هذا الذي عنيته بالعقل، وهو العقل الباطل السفيه الذي يقف محادًا لله ولرسوله، فأقول بقول النبي ﵊: (إذا وقعت الذبابة في شراب أحدكم فليغمسها في الماء؛ لأن في إحدى جناحيها داء وفي الآخر دواء)، وهو لا يدري لما سقطت سقطت بأي الجناحين، فإن كانت سقطت بجناح الشر فجناح الخير يطيب هذا الشر، وينقى الشر من الشراب، وإذا سقطت بجناح الخير فإن جناح الشر لا يؤثر فيه، فتكون بذلك قد عملت بالحديث، ولم تعمل فيه عقلك؛ لأنك هنا غير مكلف بإعمال العقل، وإنما أنت مكلف بالطاعة والسمع والامتثال والانقياد والذل والإذعان والخضوع والإيمان والتسليم المطلق لله ﷿، وهذا عنوان إيمانك وعنوان إسلامك.
فالعبودية الحقة لله ﷿ هي طاعة الأمر فيما عقل معناه وفيما لم يعقل معناه، صغيرًا أو كبيرًا، وافق معقولًا أو خالفه؛ لأن الرب ﷾ أعلم بما يأمر به وينهى عنه، والعبد الذي حقق العبودية لله ﷿ تمام التحقيق هو الذي أطاع معبوده دون تردد ولا شك ولا ريب، ولا توقف ولا
السؤال
لم، وكيف؟ لم أمر الله بكذا؟ وكيف يأمر الله تعالى بكذا؟ وكيف ينهى عن كذا؟ وإذا كان العبد لا يطيع الله إلا فيما وافق هواه وعقله لكان المعبود بحق هو الهوى والعقل، لو كنت لا تطيع الله إلا فيما وافق عقلك، فلابد أن تعلم أنك تعبد عقلك ولا تعبد الله ﵎ على الحقيقة، وربما ذهبت لتطيع عقلك وهواك فوقعت في المهالك والفواحش، كما قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦].
[ ٩ / ٧ ]
وجوب الإيمان بالغيب وإن لم تعقل صوره
لا يمنع أن يكون في الدين ما يوافق معقول الإنسان ونظره، فبعض الدين بين الله ﵎ الحكمة منه، وكانت تتمشى مع العقل السليم، لكن الله ﵎ أخفى على عباده حكمة بعض الأوامر والنواهي ليبتلي إيمانهم أيؤمنون به أم لا، وأنا أضرب لك أمثلة أنت تؤمن بها، ولكنك لا تتصورها، ولا يمكن أن تتخيلها بل ولا تعقلها: الجنة وما فيها من نعيم، والنار وما فيها من عذاب هل تتصورها؟
الجواب
لا.
النبي ﵊ يقول: (إن الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف) من يعقل هذا؟ لا أحد.
خلق الملائكة: ملك واحد بلغت أجنحته ستمائة جناح، الجناح الواحد يسد ما بين السماء والأرض، من يعقل ذلك؟! ولذلك ابتلى الله ﷿ إبراهيم ﵇ صاحب الحنيفية أبو الأنبياء، وجعل الله تعالى الأنبياء من نسله، ولذلك كان إمام الأنبياء؛ لأنه سلم في غير المعقول، من منا يأخذ امرأته وولده ويتركهما في أرض قفر صحراء لا زرع فيها ولا ماء، لابد أنه قبل الآخرين يحكم على نفسه بالجنون، إبراهيم ﵇ لما أمر بترك ولده وزوجه في صحراء مكة عند البيت الحرام قبل بنائه وقبل ظهور معالمه لما أمر بترك زوجه وولده في هذا المكان القفر تركهم بغير تردد ولا شك ولا ارتياب، ثم انطلق إلى ربه، وكذلك لما أمر بذبح ولده البكر إسماعيل نفذ الأمر مباشرة، فلما علم الله ﷿ منه الصدق والإذعان أنزل نجاة ولده كبشًا يذبح فداء، وهو سنة لجميع أهل الإسلام إلى قيام الساعة، من منا يفعل ما كان يفعله إبراهيم ﵇.
الإيمان عجيب إذا خالطت بشاشته القلوب، ينطلق صاحبه لينفذ كل أمر ويجتنب كل نهي.
النبي ﵊ يقول: (ضرس الكافر يوم القيامة كجبل أحد) ضرس من أضراس الكافر يوم القيامة كجبل أحد، فما بالكم بجميع أضراسه، بل ما بالكم بجميع بدنه كيف يكون الكافر حينذاك؟ لابد من التسليم، وإلا إذا لم تسلم وقعت في التكذيب وهو كفر.
ويقول النبي ﵊: (إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر)، وهجر هي أرض البحرين الآن، بين قوائم الباب الواحد من أبواب الجنة كما بين مكة والبحرين، وفي رواية: (ما بين مكة وبصرى) أي: الشام، من منا يصدق أن بابًا واحدًا سعته ما بين البحرين ومكة، أو مكة والشام، من منا يصدق أن في الجنة شجرة يسير الراكب المسرع في ظلها مائة عام؟ لابد من الإيمان والتسليم وإلا وقعت في التكذيب والجحود والنكران، لابد أن تقول: سمعنا وأطعنا حتى تتميز عن غيرك، وحتى تكون حقًا مقدمًا للنقل على العقل.
وكذلك القبر وما فيه من عذاب ونعيم نؤمن به إيمانًا جازمًا، ونؤمن أن هذا القبر الضيق الذي لم يبلغ عرضه مترًا وطوله مترين نؤمن أنه يفتح لأهل الإيمان وأهل الطاعة حتى يكون مد بصرهم، وينعمون فيه أكثر من نعيمهم في حياتهم الدنيا، كما نؤمن أن هذا القبر يكون على أهل الكفر والجحود والعناد وعلى أصحاب المعاصي حفرة من حفر النار يضيق على صحابه؛ حتى يبعثه الله ﷿ يوم القيامة فيدخله النار، نؤمن بهذا كله، وإن كان المعقول يقول: هذا شيء غير معقول، لكننا لا نحكم عقولنا والحالة هذه، بعض الناس يقول: لابد لي من إثبات الحكمة من الأمر والنهي؛ لأن دين الله ﵎ مبني على الحكمة، وهو الحكيم الخبير اللطيف ﷾.
أقول: نعم، لا يوجد أمر إلهي إلا ووراءه حكمة، لكن الفارق بيني وبينك: أنني أؤمن أن الله ﵎ أحيانًا يبين الحكمة في الأمر والنهي، وأحيانًا يخفيها ابتلاء لإيمان العبد.
نعم، كل أمر ونهي مبني على الحكمة لا محالة، الله تعالى لا يشرع شرعه سدى ولا هباء ولا بغير مصلحة للعباد، وربما ظهرت المصلحة وربما خفيت، لكنها تخفى على العباد ولا تخفى على رب العباد الذي شرعها وأمر بها أو نهى عنها.
[ ٩ / ٨ ]
الحكمة في الأمور التعبدية
بعض الناس يقول في عدة المرأة: إن حكمتها وعلتها استبراء الرحم، وبيان هل في الرحم حمل أم لا؟
الجواب
أن هذا يتبين بحيضة واحدة، فلماذا جعلت العدة لمن تحيض ثلاث حيضات، مع أن براءة الرحم تظهر بحيضة واحدة بعد الطلاق، ثم المرأة هي المرأة، والرحم هو الرحم عند الأمة والحرة، فلماذا جعل الشرع عدة الحرة ثلاث حيضات، وجعل للأمة حيضتين؟ ولماذا جعل الله ﵎ العدة ثلاثة قروء لمن تحيض، وثلاثة أشهر لمن أيست من المحيض أو الصغيرة المقدور على جماعها والتي لم تبلغ سن الحيض بعد، ولكنها تزوجت قبل الحيض؟ مع أن المرأة التي أيست من المحيض إذا اعتدت بالأشهر فأدركها الحيض أو أتتها حيضة في أثناء أشهرها ولو في الشهر الثالث انقلبت العدة في حقها من الأشهر إلى القروء، ولزمها أن تمكث حيضتين أخريين بعد حيضتها التي أدركتها في الشهر الثاني.
المرأة الحامل تعتد وعدتها وضع الحمل، هب أن امرأة حاملًا توفي عنها زوجها، المعلوم أن عدة المرأة التي توفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، بعض الناس قالوا: هذا لحرمة الزوج، ولعدم جرح أولياء الميت، فلزم المرأة أن تنتظر أربعة أشهر وعشرًا، على أية حال ربما تكون هي الحكمة، لكننا لا نعتمد عليها، بل نقول: إن هذا مردود بأن المرأة لو توفي عنها زوجها وهي حامل، ووضعت حملها وزوجها على فراشه بعد أن مات وقبل أن يدفن حل لها أن تتزوج، فأين الأربعة أشهر وعشرًا؟ إنما الأربعة أشهر وعشرًا للمرأة التي مات عنها زوجها وهي غير حامل، أما الحامل فعدتها وضع الحمل وإن كان لحظة واحدة، لو أن الرجل شخص بصره إلى السماء ولفظ أنفاسه ثم وضعت المرأة حملها ولا يزال الرجل على السرير، جاز لمن أدرك الرجل قبل أن يدفن أن يتزوج هذه المرأة، فأين الأربعة أشهر وعشرًا؟ أين خاطر الأولياء؟ لابد من التسليم وعدم الاعتماد على العلة والحكمة، فأحيانًا تظهر وأحيانًا لا تظهر، وهل أنت لا تؤمن بما في كتاب الله ولا بما في سنة النبي ﵊ إلا إذا بانت لك العلة وظهرت لك الحكمة؟ إذًا أنت لا تعبد إلا نفسك، فالجانب التعبدي في الإسلام وفي دين الله ﷿ كبير جدًا، فالشريعة الإسلامية في عمومها فيها ما يوافق أهل العقل والحجى والحكمة، لكن الجانب التعبدي كبير جدًا كذلك، فإن مواقيت الصلاة، وأعداد الركعات من الأمور التعبدية، هل يمكن أن تقول لله ﷿: لماذا جعلت المغرب ثلاثًا والظهر أربعًا والصبح اثنتين؟ وما هي الحكمة في ذلك؟ إذا كنت لا تؤمن بأمر إلا إذا ظهرت حكمته لك، فقل لي بربك: ما حكمة توقيت الصلاة في هذه المواقيت بالذات وأعداد الصلوات؟ نعم لها حكمة، لكن لا يعلمها إلا الخبير اللطيف ﷾.
وكذلك كون الزكاة في بعض الأموال دون جميعها، وجعل النصاب في الغنم غير البقر غير الإبل غير الزروع غير الثمار، فكل له مقدار وله توقيت، فزكاة المال ٢.
٥% إذا حال عليه الحول وبلغ النصاب، ربما يقول قائل: لماذا ٢.
٥ بالذات، لِمَ لمْ يكن ٢ فقط، أو ٣ أو ٥؟ أقول: آمنت بالله وصدقت النبي ﵊.
وكذلك أعمال الحج من طواف وسعي وتقبيل للحجر والوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ومنى ورمي الجمار، كلها أعمال تعبدية، ولذلك تحرج عمر ﵁ من تقبيل الحجر الأسود، ولولا أنه رأى النبي ﵇ يقبله ما قبله؛ لأن عمر أمر بما أمر الله تعالى به ورسوله، لذا يسمع ويطيع وإن كان الأمر فوق المعقول، يقول عمر: والله لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك، وهذا إيمان من عمر.
كما أن العقوبات والحدود الشرعية أمور تعبدية، لا يمكن أن يقال لله: لمَ، وكيف؟ فعقوبة الزاني المحصن تختلف عن غير المحصن، عقوبة الزنا غير عقوبة السرقة، عقوبة السرقة غير عقوبة قطع الطريق، فالله ﷿ رتب لكل عقوبة حدًا معينًا، لا يجوز لأحد أن يعترض على الله، بل نقول: سمعًا وطاعة لله ﷿، ولذلك جعل الله ﷿ عقوبة السرقة قطع اليد، لكن ليست أي سرقة، سرقة من حرز وربع دينار فصاعدًا، لقوله ﵊: (لا قطع في أقل من ربع دينار فصاعدًا)، أما أقل من ربع دينار فيعزر السارق، وربع دينار فصاعدًا يحد حدًا، وتقطع يده من الرسغ، أي: تقطع كفه اليمنى، فإذا سرق ثانية قطعت كفه اليسرى، أما إذا عتدى أحد عليك فقطع يدك، فالدية خمسمائة دينار، فلماذا لا تكون ربع دينار؟ لأن العقل يقول هذا، ولذلك بعض الملاحدة قال: يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار يعترض على الله ﷿، يقول: هي ديتها خمسمائة دينار، فلماذا تقطع في ربع دينار؟ إما أن تكون ديتها ربع دينار أو أنها لا تقطع إلا إذا سرقت خمسمائة دينار فصاعدًا، فرد عليه المؤمن الموحد وقال: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت، فافهم حكمة الباري.
لما كانت أمينة واعتدي عليها استحقت دية عظيمة خمسمائة دينار، فلما خانت ومدت يدها لأموال الناس بغير حق وسرقت هانت.
[ ٩ / ٩ ]
رد الشبهات في جانب الحكمة والتعليل في الأمور التعبدية
هذا المخذول المعتوه الملحد مصطفى محمود خرج علينا منذ شهر بفرية أخرى، وهو أقل من أن يأتي بشبهة من كتاب الله أو من سنة النبي ﵊، ولكنه يقرأ لسلفه من الملاحدة والطاعنين في دين الله ﷿، فيأتي بشبههم، فإذا انطفأت النار وهدأ الجو تلقف شبهة أخرى من أسياده، فهو يقول الآن ويدندن حول قول الله ﷿: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، والآية خاصة بالإماء لا بالحرائر، فإذا أتت الأمة الزنا، «فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ» أي: الحرائر «مِنَ الْعَذَابِ».
يقول وهو يضحك تارة ويبتسم أخرى: لقد استدركت على ربي، هكذا أراد أن يقول، لكن ربما استحى أن يقول هذا باللفظ، فيقول: إذا كانت الأمة عليها إذا زنت نصف ما على المحصنة من العذاب، ولكن لو زنت الحرة المحصنة رجمت حتى الموت، فكيف ينتصف الموت في حق الأمة؟ ولعلك إذا سمعت هذا مني قلت: نعم، كلامه صحيح.
الجواب
أنه قد جاء في صحيح مسلم والبخاري وغيرهما أنه (لا رجم على الأمة ألبتة)، والنبي ﵊ قال: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، فإن عادت فليجلدها، فإن عادت الثالثة -وقال الراوي ولا أدري أقال ذلك في الثالثة أم في الرابعة- فليبعها ولو بحبل) ولم يقل: ليرجمها، وإجماع أهل العلم على أن الأمة إذا زنت وهي محصنة فلا رجم عليها، تشهد لذلك النصوص التي وردت عن النبي، بل أمة للنبي ﵊ زنت فحدها بخمسين جلدة.
والأمر طويل، والشبهات كثيرة جدًا، ومردها إلى مرض القلوب الذي يتقلب فيه الملاحدة بالليل والنهار طعنًا في دين الله ﷿، وما أباحه الله تعالى وحرمه.
هناك أمر تعبدي آخر، وهو: أن الله ﵎ أباح البيع وحرم الربا، مع أن الصورة واحدة في البيع والربا، مع أن المرابي قد يكسب دينارًا واحدًا، والبائع يكسب ألف دينار والبيعة واحدة، ومع هذا أحل الله هذا وحرم ذاك؛ حتى نقول: سلمنا وآمنا.
وقد أمرت المرأة ألا تحد على أحد قط أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرًا، يعني: المرأة لا تحد على أبيها ولا أمها ولا أخيها ولا عمها، وهم أقاربها بالدرجة الأولى إلا ثلاثة أيام، ويحرم عليها أن تحد عليهم اليوم الرابع، أما زوجها فيحرم عليها أن تخرج من بيتها حدادًا عليه قبل مرور أربعة أشهر وعشرة أيام، لماذا؟ سلمنا وآمنا، وهذا هو الابتلاء في الدين؛ ليختبر الله ﵎ إيمانك.
وغير ذلك من الأمور التي وردت في كتاب الله وسنة النبي ﷺ لا يمكن أبدًا أن يقف أمامها العقل، وليس له إلا أن يقول: سلمنا وآمنا.
أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وكل ذلك عندنا.
وصلى الله على نبينا محمد.
[ ٩ / ١٠ ]