من أصول أهل السنة والجماعة اعتقادهم في الصحابة أنهم خير أصحاب لخير نبي، وأنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، وأن المسلم لا يسعه تجاههم إلا إجلالهم والترضي عليهم والإعراض عما شجر بينهم، والإمساك عن خلافاتهم، وعدم الخوض في ذلك كما خاضت الفرق الضالة كالشيعة والخوارج، فضلوا وأضلوا.
[ ٣ / ١ ]
عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة وسلامة قلوبهم وألسنتهم فيهم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فلا زال الكلام عن أصول أهل السنة والجماعة موصولًا، وبعد أن تعرفنا على الأصل الأول وهو تقديم النقل على العقل مع أنه لا يمكن أن يتعارض نقل مع عقل وهذا بافتراض أن يصح النقل، فإن كان ثمة خلاف في الظاهر بين العقل والنقل فمرد ذلك إلى أمرين لا ثالث لهما: الأول: أن النقل غير صحيح، فإن كان صحيحًا فالثاني: أن العقل قاصر عن إدراك معنى هذا النص والمراد منه.
وبينا أهمية العقل، وأن هذا الكلام لا يرد به العقل، وإذا تكلمنا عن العقل فهو عقل العالم البصير بكتاب الله وسنة رسوله ﵊.
والأساس الثاني من أسس عقيدة أهل السنة والجماعة: إثبات عصمة الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم، وأنهم معصومون خاصة فيما يتعلق بتلقي الوحي وتبليغه بغير زيادة ولا نقصان، كما أنهم معصومون من كبائر الذنوب، وبينا هناك الرد على بعض الشبهات التي حامت حول أنبياء الله.
ومع أصلنا الثالث هنا: وهو أن من عقيدة أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم في أصحاب النبي ﷺ، وربما يبدو للمستمع
السؤال
ما قيمة الكلام في هذا الأمر؟ وإن قيمته لتبدو في بيان أن الصحابة لم يكونوا محل اتفاق جميع من نسب إلى الإسلام، فهم محل اتفاق أهل السنة والجماعة، وأنهم خير الناس عندهم، لكن هلك فيهم فريقان، وكلا الفريقين بين غال فيهم وبين جاف عنهم، فمنهم من بلغ بالصحابة مرتبة الإلهية، خاصة موقف الشيعة من آل البيت، أما الخوارج فإنهم قاموا على الصحابة تكفيرًا وتفسيقًا وتبديعًا، فهؤلاء غالوا في أهل البيت فأعطوهم ما لا يجوز إلا لله ﷿، وهؤلاء جافوا عنهم فجعلوهم أقل من عامة الناس في كل زمان ومكان، بل سووا بينهم وبين الكفار الأصليين، معاذ الله أن يكونوا كذلك.
فموقف أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﵊ أن تسلم ألسنتهم من الوقيعة في أعراضهم، فلا يسبونهم ولا يشتمونهم ولا يلعنونهم، ويعتقدون أن واحدًا منهم لم يقارف بدعة قط، وإن وقع في شيء مما خالف الشريعة فباجتهاد منه رجع عنه، وكذلك سلامة قلوبهم -أي: قلوب أهل السنة والجماعة- لأصحاب النبي ﵊؛ سلامة قلوبهم من الغل والحقد والحسد والضغينة والكراهية، وهذا يستلزم أن تمتلئ قلوبهم بالمحبة والمودة والألفة والموالاة والنصرة والتأييد وغير ذلك لأصحاب النبي ﵊.
[ ٣ / ٢ ]
الأدلة على فضل الصحابة من الكتاب والسنة
إذا خلت القلوب مما يسوء فلابد أن تمتلئ بما يسر تجاه أصحاب النبي ﵊، كيف لا وقد ثبتت خيريتهم، والخطاب بالدرجة الأولى موجه إليهم، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وإذا كان هذا الخطاب عامًا لجميع الأمة إلا أن المخاطب به أولًا هم أصحاب النبي ﵊، فهم أولى الناس بالخيرية، وقد جاء ذلك صريحًا في قوله ﵊: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، فهذا إثبات لخيرية أصحابه ﵊، ولم يستثن النص في كتاب الله ولا في سنته ﵊ من أصحابه أحدًا، ومن الخطأ أن يدخل في نظر الجهال في عموم الصحبة المنافقون، فهم ليسوا صحابة على الحقيقة؛ لأنهم عند الله كفار.
ولذلك عرف العلماء الصحابي بأنه: من آمن برسول الله ﵊ ولقيه ومات على ذلك، فمن لم يؤمن به كالمنافقين والملاحدة وغيرهم ليسوا صحابة على الحقيقة، قال ﵊: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده)، وهذا قسم منه ﵊ وهو الصادق المصدوق من غير قسم، فكلامه من المسلمات عند أهل السنة والجماعة والتوحيد: (والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
أما قوله: (لا تسبوا أصحابي) فالنهي يقتضي التحريم لأول وهلة إلا أن يصرفه صارف ولا صارف هنا، فالوقيعة في الصحابة علامة على بدعية الساب والشاتم، وأنه مبغض شانئ لهم، فإذا صدر من واحد سب لأصحاب النبي ﵊ على العموم كفر بذلك.
قال شيخنا علامة الزمان وعلامة المسلمين قاطبة محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله، وأعلى الله ذكره في الآخرة كما أعلى ذكره في الدنيا: وإني لأعجب ممن يشك في تكفير من كفر الصحابة.
وهذا كلام مشعر بإجماع أهل السنة والجماعة على أن من كفر الصحابة على العموم والإطلاق فإنه يكفر بذلك ويخرج من دائرة الإيمان والإسلام إلى حظيرة الكفر، كيف لا وهم الواسطة بين النبي ﵊ وبين عموم الأمة إلى قيام الساعة، ولولاهم لما نقل إلينا الكتاب ولا السنة، ولما عرفنا الحق من الباطل، ولما تعلمنا الحلال ولا الحرام.
فإنهم سهروا ليلهم دراسة وعلمًا وعملًا كي تصلح الأمة، كما أنهم أول من نشر الفضائل والأخلاق الحسنة بين عموم الأمة إلى قيام الساعة، وهذا يعلمه من طالع سيرتهم في كتب سيرهم ويعلم ذلك يقينًا، فلم يكن الصحابة أصحاب كلام، بل كانوا أصحاب عمل بالدرجة الأولى، كما أن بداية الفتوحات التي تمت في شرق الأرض وغربها كانت على أيديهم، وهم الذين بذلوا الغالي والنفيس، بذلوا الدماء والأموال في سبيل نصرة دين الله ﷿، وإعلاء كلمة الله ﷿ خفاقة عالية في سماء الدنيا شرقًا وغربًا، وهم الذين حرصوا على إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فكان الواحد منهم بأمة كاملة، هؤلاء هم أصحاب النبي ﵊، فرسان بالنهار رهبان بالليل، من مثلهم؟ ومن يدانيهم فضلًا عن أن يساويهم في الفضل والعلم والعمل؟ أثنى الله ﷿ عليهم وأثبت رضاه عنهم في كتابه في غيرما آية، ففي سورة الحشر يقول الله ﷿: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر:٨]، من منا يخرج من داره وأهله وماله كما خرجوا؟ قال: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر:٨]، وهذا يدل على إخلاصهم كذلك، خروج مما يملكون، بل من أعز ما يملكون، ودخول في أمر لا يبتغون من ورائه إلا رضا الله ﷿ قال: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٨] جمعوا بين الإخلاص القلبي والعمل الظاهري، ونعم العمل ما عملوا.
قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، فهذا وصف من الله ﷿ لهم بأنهم ما عملوا ذلك إلا صدقًا مع الله ومع رسوله ﵊.
ثم أثنى الله تعالى على طائفة أخرى منهم وهم الأنصار.
قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩]، والحب عمل قلبي، فربما تظاهر الناس بأنهم يحبون القادم عليهم ويحبون الضيف الذي نزل بهم، لكن الله تعالى هو الذي أخبر عن مكنون قلوب الأنصار.
قال: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر:٩]، كل ما يملكون إنما هو ملك لإخوانهم من المهاجرين: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].
ثم أثنى الله ﵎ على من أتى بعدهم وأنت منهم، ومن أتى من بعدك إلى قيام الساعة، لكن انظر إلى المهمة التي كلفت بها وإلى عقيدة سلفك: ﴿وَالَّذِين
[ ٣ / ٣ ]
أفضلية الخلفاء الراشدين على ترتيبهم في الخلافة
أما مراتب الصحابة فليسوا جميعًا على مرتبة واحدة، فبعضهم أفضل من بعض، وإجماع أهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة أبو بكر الصديق ثم من بعده عمر، ووقع النزاع بين أهل السنة في الأفضلية بين علي وعثمان، ومن قدم عليًا على عثمان في الفضل ثبت عنه الرجوع فاستقر مذهب أهل السنة والجماعة على أفضلية الخلفاء الراشدين على نحو ترتيبهم في الخلافة، أبو بكر أولًا، ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وفي كل واحد منهم ثبتت مناقب عظيمة لم تثبت لأمة من الأمم السابقة، بل ثبت أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قدم وفضل أبا بكر وعمر عليه، وهذه غصة في حلوق الشيعة الذين يقدمون عليًا على كل أحد، بل يقدمون عليًا ويضعونه في مرتبة النبوة ومنهم -بل كثير منهم- وضع عليًا في مرتبة الإله، وعلي ﵁ وأهل بيته والأئمة من بعده بريئون مما ينسب إليهم، وإنما نسب إليهم ذلك زورًا وبهتانًا وافتراء، كيف لا وقد علمتم من قبل أن الشيعة دينهم التقية التي تعني الكذب البواح، فهم يستحلون الكذب لأجل نصرة مذاهبهم الفاسدة.
[ ٣ / ٤ ]
أفضلية من أنفق من قبل الفتح وقاتل
يلي الخلفاء الراشدين في الفضل من أنفق من قبل الفتح وقاتل، فهم أعظم درجة ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل، والمقصود بالفتح صلح الحديبية الذي تم في العام السادس من هجرة النبي ﵊، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، أثنى الله ﵎ على هذا الفريق وعلى ذاك بقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠].
[ ٣ / ٥ ]
أفضلية المهاجرين
أما أصحاب المرتبة الثالثة: فهم المهاجرون، وهم أفضل من الأنصار، ويعلم ذلك من سياق القرآن الكريم كما في آية الحشر: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ [الحشر:٨]، إلى آخر ما ورد في حق المهاجرين، ثم ثنى الله ﵎ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر:٩] وهم الأنصار، فذكر الأنصار بعد ذكره للمهاجرين، وكذا قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] ولم يقل من الأنصار والمهاجرين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] فهذا إثبات الرضا عن المهاجرين والأنصار وعمن اتبع نهجهم وسار على سبيلهم ومنوالهم إلى قيام الساعة، وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١١٧]، فهذا إثبات التوبة لمن وقع في ذنب من المهاجرين والأنصار؛ ولذلك عمم النبي ﵊ ذلك باستثناء الأنبياء، فقال: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)، فإذا دخل الصحابة في عموم الخطاب، فهم أولى الناس بالتوبة مما عساهم أن يقعوا فيه من ذنب.
وكذلك لما اختلف المهاجرون والأنصار في بيعة أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة، وحسم هذا النزاع والخلاف عمر ﵁، بإثبات فضل المهاجرين على فضل الأنصار، وإثبات أسبقيتهم وجهادهم، وإسباق الأذى الذي وقع عليهم من المشركين في مكة، كل هذا يدل على أفضلية المهاجرين على الأنصار، فسلم الأنصار لذلك، فقاموا جميعًا وبايعوا أبا بكر الصديق ﵁، وهذا يدل كذلك على أن المهاجرين أفضل من الأنصار وفي كل خير، ولا خلاف بين أهل السنة والجماعة في أفضلية المهاجرين على الأنصار.
[ ٣ / ٦ ]
فضل أهل بدر
المرتبة الرابعة: تقديم أهل بدر على غيرهم، وكانوا قدر ثلاثمائة وبضعة عشر، أبلوا بلاء حسنًا فغيروا وجه الأرض ووجه التاريخ، وأذلوا وأرغموا أنوف صناديد الكفر في مكة، بل وفي شبه الجزيرة العربية كلها، وكان منهم البلاء الحسن في هذه الغزوة التي لو جعلت حدًا فاصلًا بين الإيمان والكفر، وبين التقويم الميلادي والهجري لما كان بعيدًا، وإنما جعل التقويم من هجرة النبي ﵊ لأنها حدث عظيم جدًا، وربما غزوة بدر أعظم حدثًا من هجرة النبي ﵊ وأصحابه إلى المدينة المنورة، وليس في التاريخ أعظم حدثًا من غزوة بدر إلا الإسراء والمعراج؛ لأنه أمر أذهل العقول وقل من ثبت فيه، ولا يثبت فيه إلا من كان مثل أبي بكر الصديق ومن كان على شاكلته.
لما أخطأ حاطب بن أبي بلتعة في أن أرسل رسالة كادت أن تصل إلى مشركي مكة، يخبرهم فيها -وكان معذورًا مجتهدًا متأولًا- أن النبي ﵊ ينوي قتالكم، ولكن خبر السماء نزل إلى النبي ﵊ يخبره بما كان من حاطب بن أبي بلتعة، فقام إليه عمر لما علم بأمره وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، وكان حاطب ممن أبلى بلاء حسنًا في غزوة بدر، فقال: (لا يا عمر!)، نفي لتهمة النفاق في حق حاطب كما أنه نفي لجواز قتله.
قال: (لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، أي: بسبب بلائهم ونصرتهم وتأييدهم لدين الله ﷿ دين الحق، فقد بذلوا ما أذهل العقول في هذه الغزوة، فكافأهم الله ﵎ بأن غفر ذنوبهم السابقة واللاحقة، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فهذا نص في إثبات أفضلية أهل بدر على غيرهم.
[ ٣ / ٧ ]
فضل أهل بيعة الرضوان
ثم من بعد هؤلاء أهل بيعة الرضوان، وهم الذين بايعوا النبي ﷺ تحت الشجرة، وكانوا ألفًا وأربعمائة، قال النبي ﵊: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وقال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وإن كان هذا النص عندي يجري على ظاهره على ما يليق بكماله وجلاله، لكن لا بأس أن نضم إلى هذا الظاهر أن تأييد الله ﵎ ونصر الله ﵎ مرهون كذلك بهؤلاء، مخصوص بهم كذلك.
[ ٣ / ٨ ]
شهادة أهل السنة والجماعة لصحابة رسول الله بالجنة
وأهل السنة كذلك يشهدون لمن شهد له القرآن والسنة من أصحابه ﵊ بأعيانهم وذواتهم بأنهم من أهل الجنة، ويرجون دخول الجنة لمن عداهم؛ ولذلك قال النبي ﵊: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة عامر بن الجراح في الجنة)، حتى ذكر العشرة، وهم المعلومون عند عامة الناس بالعشرة المبشرين بالجنة.
وذلك جمعهم الراجز في قوله: سعيد وسعد وابن عوف وطلحة وعامر فهر والزبير الممدح فقوله ﵊: (أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة)، ألا يكفي هذا النص للرد على الشيعة والخوارج؟ وقوله: (وعثمان في الجنة) ألا يكفي هذا النص في الرد على المعتزلة الذين توقفوا في إثبات إيمان عثمان بن عفان؟ بلاء عظيم جدًا وقع في الأمة بعد مقتل عمر أمير المؤمنين ﵁، وزادت الفتنة اشتعالًا بعد مقتل عثمان رضي الله عن أصحابه أجمعين.
وكذلك ثابت بن قيس بن شماس لما نزل قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، وكان صوت ثابت عاليًا بطبيعته وأصل خلقته، فظن أن هذه الآية نزلت تهديدًا له، وأنها خبر من الله بحبوط عمله، فلزم بيته وقال: أنا من أصحاب النار، فلما افتقده النبي ﵊ وعلم بخبره، قال: (اذهبوا إليه وبشروه بالجنة).
وكذا أمهات المؤمنين أزواج النبي ﷺ في الدنيا وفي الآخرة، لم يستثن الله ﵎ منهن أحدًا، وهن أمهات للمؤمنين والمؤمنات إلى قيام الساعة في التعظيم والتبجيل والاحترام والنكاح وغير ذلك، وليسوا أمهات فيما يتعلق بخاصة النسب من ثبوت الأمومة الحقة المباشرة، أو ثبوت النسب والميراث وغير ذلك مما يتعلق بحقوق النسب بين الأصول والفروع.
وكذلك بلال بن رباح في الجنة، والنبي ﵊ قال: (إني لأسمع خشخة بلال في الجنة، فلم يا بلال؟! قال: يا رسول الله! والله ما أزيد على أني إذا توضأت صليت ركعتين لكل وضوء) عمل صالح استحق به الجنة فدخلها، حتى بشره النبي ﵊ بذلك.
وكذلك عبد الله بن سلام الذي كان من أحبار اليهود بالمدينة، لما سمع بمقدم النبي ﵊ دخل في دينه على التو والفور، فبشره النبي ﵊ بأنه من أهل الجنة.
وكذلك عكاشة بن محصن الذين نحفظ حديثه جميعًا، قال: (يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم، قال: أنت منهم، فقام إليه آخر وقال: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم -أي: من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب-، فقال: سبقك بها عكاشة)، وليس هذا ردًا لهذا الرجل وأنه ليس من أهل الجنة، بل أراد النبي ﵊ إغلاق الباب حتى لا يقوم الجميع يطلبون هذا المطلب؛ فيقوم منهم المنافقون يطلبون هذا الطلب، فيضطر النبي ﵊ أن يقول للمنافقين: لستم من أهل الجنة، فيعلمهم بقية الأصحاب فتكون فتنة عظيمة جدًا تستأصل الأخضر واليابس، فأغلق النبي ﵊ الباب من أول الأمر، وقال: (سبقك بها عكاشة)، فكان هذا إشارة ألا يقوم ثالث من باب أولى.
وكذلك ماعز الأسلمي مع أنه زنى، لكنه لما أقيم عليه الحد، قال ﵊: (إني لأراه الآن يسبح في أنهار الجنة)؛ لأنه قد تاب من ذنبه، وكذلك الغامدية التي قال في حقها النبي ﵊: (إنها تابت توبة لو وزعت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم)، وفي رواية قال: (إنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس -أي: جابي ضرائب وآخذ لأموال الناس بغير حق- لتاب الله عليه).
[ ٣ / ٩ ]
عقيدة أهل السنة والجماعة في حبهم لآل بيت رسول الله
وأهل السنة والجماعة كذلك يحبون أهل بيت النبي ﷺ، لكن حب باعتدال بغير إفراط ولا تفريط؛ لأن أهل السنة والجماعة لا يعطون للنبي ما لا يجوز إلا لله ﷿، ولا يعطون للصحابة ما لا يجوز إلا للنبي ﵊، ولا يعطون لعموم الأمة ما هو خاص بأصحاب النبي ﵊، فكل له قدره، ولكل منزلته عند أهل السنة والجماعة.
فأهل بيت النبي ﵊ هم في عموم أصحابه ﵊، فلهم حق الصحبة، ويحبهم أهل السنة والجماعة للصحبة والنصرة والتأييد، والإيمان والعمل الصالح، كما أنهم يزيدون على عموم الأصحاب بقرابتهم من النبي ﵊، فهذا حق زائد لهم عن عموم أصحابه ﵊.
وأهل السنة والجماعة ينفذون وصية النبي ﵊ في أهل بيته التي قال فيها: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)، وقال ﵊: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، وعترتي أي: أوصيكم بعترتي وأهل بيتي، فأهل السنة والجماعة قاموا على هذه الوصية خير قيام، بالتبجيل والتعظيم والاحترام، في حدود ما هو جائز لأهل بيته ﵊ ورضي الله عنهم أجمعين.
وأهل السنة والجماعة لم ينزلوا أهل بيت النبي ﵊ منزلة النبوة فضلًا عن منزلة الإلهية، كما أنهم لم يجعلوهم في عموم الناس، بل ولا في عموم الأصحاب، وإنما فاقوا الصحابة بدرجة وهي درجة القرابة.
[ ٣ / ١٠ ]
اختلاف العلماء في أفضلية خديجة وعائشة
وقع نزاع بين أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بـ خديجة وعائشة أيهما أفضل من الأخرى، فبعض الناس قدم خديجة لسابق نصرتها وسابقتها في الإسلام؛ وتأييدها وبذلها المهج لنصرة النبي ﵊، ولكن عائشة ﵂ لها من العلم والفقه، وقد عاشت طويلًا وعمرت حتى ملأت الأرض علمًا، ولذلك وقع الخلاف في أيهما أفضل، وأرجح الأقوال: أن خديجة أفضل من عائشة من وجه، وعائشة أفضل من خديجة من وجه آخر، كأنهما في الفضل سواء.
[ ٣ / ١١ ]
عقيدة أهل السنة والجماعة فيما وقع من نزاع بين الصحابة
هناك موضوع في غاية الحساسية والأهمية، وهو اعتقادنا أن المعصومين فقط هم الأنبياء والمرسلون، وهذا يدل على أن من دونهم ليس معصومًا، ومن دون الأنبياء هم الصحابة، ومن باب أولى من أتى بعد الصحابة من التابعين وأتباع التابعين، ولذلك قرر مالك هذه القاعدة في عقيدة أهل السنة والجماعة.
قال: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي ﵊، وهذا كلام صريح فيما يتعلق بنفي العصمة عن كل أحد ليس نبيًا ولا رسولًا، فإذا كنا نعتقد ذلك لابد أن نقول بتجويز الخطأ على أصحاب النبي ﵊ وتجويز الذنب، كيف لا ومنهم من وقع في السرقة، ومنهم من وقع في الزنا، وأقيم عليهم الحد فتطهروا فتابوا إلى الله ﷿، وهذا فارق جوهري بين وقوع صاحب رسول الله في ذنب، ووقوع عامة الأمة في الذنوب والمعاصي، أن الصاحب يبادر إلى إقامة الحد عليه، وإلى التوبة ولزوم الاستغفار، بخلاف غيرهم إذ تأخذ الواحد منهم الغفلة حتى يباغته الموت.
فإذا كان الأمر كذلك فالنزاع والشجار وقعا بين أصحاب النبي ﵊، فما عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالنزاعات والخلافات التي وقعت بين هؤلاء القوم الأفاضل؟ عقيدتهم باختصار الكف عما شجر بينهم، وعدم ذكر مساويهم قط، إلا إذا اضطر عالم إلى ذلك، واعتقاد أن لهم من الفضل والعلم والجهاد والنصرة والتأييد والعبادة ما يكفر جبالًا من الخطايا والذنوب، وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن ما وقع من النزاع بين الصحابة لم يقع عن هوى، إنما وقع عن اجتهاد، ولا يلزم أن يعتقد كل واحد منهم أنه محق فيما هو عليه، فأنت أنت إنما تفعل الفعل اليوم بظن منك واجتهاد أن هذا حق، وأن هذا فيه مرضاة لله ﷿، ثم تبادر إليك بالغد أنك كنت على الباطل الذي ليس بعده باطل، فأولى بصاحب رسول الله أن يكون أسلم اجتهادًا منك.
فوقع الاجتهاد بين معاوية وعلي ﵄، فقامت الحروب بينهما، والحق كان في جانب علي ﵁، لكن الأمر كما قال ﵊: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر) فـ معاوية ﵁ وعن أبيه كان متأولًا في خلافه مع علي ﵁، فهو مأجور عند الله، فالمأجور عند الله لا يستحق أن تطلق فيه الألسنة بالسب والشتم والتنقص وغير ذلك من سائر السفاسف والسفالات التي تصدر من ألسنة وأفواه بعض الخلق.
فلابد من سلامة صدورنا جميعًا نحو جميع أصحاب النبي ﵊، وامتلاء هذه القلوب بالحب والتقدير والتعظيم والتبجيل لأصحاب النبي ﵊، كما يلزمنا سلامة ألسنتنا وكفها عن الوقيعة في أصحاب النبي ﵊، وأعظم بقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى -وهو أشبه أن يكون خليفة راشدًا كالخلفاء الراشدين- لما طلب منه أن يتكلم في الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية ﵄ قال: فتنة طهر الله منها سيوفنا فلم لا نطهر منها ألسنتنا؟ ﵁ ورحمه.
[ ٣ / ١٢ ]
اعتقاد الفرق الضالة في أصحاب النبي ﷺ
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، صلى الله عليه وعلى جميع أنبيائه ورسله.
وبعد: فهذا مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأصحاب النبي ﵊، لكن الأمر كما قال الشاعر: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه فلا بأس أن نعرج على عقيدة الفرق الضالة وبيان مذهبهم وموقفهم من أصحاب النبي ﵊.
[ ٣ / ١٣ ]
عقيدة الشيعة في آل البيت والصحابة الكرام
الشيعة هم: الذين شايعوا عليًا وشرفوه كتشريف النصارى عيسى بن مريم، وغالوا فيه جدًا، وقالوا: إنه الإمام بعد رسول الله ﵊؛ فهم يرفضون إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، ويقولون بأن النبي نص على إمامته نصًا جليًا، ثم افتروا لذلك نصوصًا تثبت أن الإمام من بعد النبي ﷺ هو علي بن أبي طالب ﵁، وهذه النصوص كلها كذب وافتراء، واعتقدوا كذلك أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده، وإن خرجت فبظلم من غيره، أي: بظلم من أبي بكر وعمر وعثمان أو بتقية من علي، يعني: هو يعلم أن الإمامة له، لكنه تنازل عنها إلى أبي بكر وعمر وعثمان.
ومن غلاة الشيعة فرقة تسمى السبئية، وهم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام ودس السم في العسل، وأفسد عقائد المسلمين في زمانه.
قالوا: علي هو الإله حقًا، وابن سبأ اليهودي هو أول من أظهر القول بوجوب إمامة علي ﵁، وقال: إنه لم يمت، وإنما قتل ابن ملجم شيطانًا تصور في صورة علي ﵁، قال: وإنه في السحاب الآن، والرعد صوته والبرق سوطه، وبعد ذلك ينزل علي إلى الأرض فيملؤلها عدلًا كما ملئت جورًا! ولذلك هم يقولون عند سماع الرعد: عليك السلام يا أمير المؤمنين! أرأيتم ضلالًا وفسادًا أكثر من هذا؟! وأما الكاملية منهم وهم أتباع أبي كامل قالوا: كفر الصحابة بترك البيعة لـ علي، وكفر علي بترك طلب الحق، فلم ينج من ألسنتهم أحد لا علي ولا غيره.
وأما البيانية وهم أتباع بيان بن سمعان فقالوا بتناسخ الأرواح، وأن روح الله تعالى حلت في علي رضي الله تعالى عنه، حتى صار هو والإله سواء بسواء! وأما المغيرية فقالوا بأن الله عرض الأمانة، وفسروا الأمانة بمنع علي من الإمامة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، وقالوا الإنسان هنا هو: أبو بكر وعمر وعثمان، أي: حملها أبو بكر بأمر عمر حين ضمن له أن يعينه على ذلك بشرط أن يجعل الخلافة من بعده له.
انظروا إلى هذا الفساد! وأما المنصورية فقالوا بأن الجنة رجل.
لم يقولوا بأن الجنة حقيقة، قالوا: بل مصطلح الجنة، وكلمة الجنة التي وردت في الكتاب والسنة ما هي إلا عبارة عن رجل أمرنا بموالاته وهو الإمام، وأن النار رجل أمرنا بمعاداته وهو أبو بكر وعمر.
وأما الخطابية وهم أتباع أبي الخطاب الأسدي الهالك الضال، فقالوا: الأنبياء آلهة، وجعفر الصادق إله، وأبو الخطاب أفضل منه ومن علي.
كلام لا قيمة له ولا معنى.
وأما الذمية من فرق الشيعة فسموا بذلك؛ لأنهم ذموا محمدًا ﵊ ومدحوا عليًا ﵁، كالغرابية تمامًا الذين قالوا: إن عليًا أشبه بمحمد من الغراب بالغراب، والذباب بالذباب، وجبريل أخطأ وكان حقًا عليه أن ينزل بالوحي على علي، لكن لفرط الشبه بين علي ومحمد نزل الوحي على محمد.
فماذا قالت الذمية؟ قالوا: إن الله تعالى بعث محمدًا ليدعو الناس إلى علي فدعاهم إلى نفسه، وقالوا بإلهية علي ﵁.
ومنهم من قال بإلهية الخمسة: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فلما كان الضد لا يظهر حسنه إلا الضد قالوا: وضد هؤلاء الخمسة: أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وعمرو بن العاص، وكفروا هؤلاء الخمسة! وأما الهشامية فقالوا بعصمة الأئمة دون الأنبياء، قالوا: لأن النبي يوحى إليه، والناس يتقربون إلى الله بما أخذوه عن أنبيائهم، وأما الأئمة فإنهم ليسوا كذلك؛ ولذلك تلزمهم العصمة -أي: عصمة السماء- خلافًا للأنبياء.
حجة أوهى من بيت العنكبوت.
يا إخواني هذا الكلام له أهميته؛ لأن الشيعة الآن يمثلهم قطاع عريض جدًا من المسلمين، بل لهم دولة وصولة ونجدة، ولهم أئمة يقتدون بهم في بلاد فارس في إيران وغيرها، بل امتدت حبائل الشيعة إلى بلادنا هذه، فنحن لا نعدم أن يكون في هذا المسجد منهم أحد، بل أقسم بالله أن في المسجد الآن من الشيعة أناس أنا أعرفهم، وإنما أتوا باتفاق معي ليسمعوا هذا الكلام، وقد اتصلوا بي قبل مجيئي إلى هنا مباشرة، وقالوا: نحن نتصل بك من أمام مسجد الرحم
[ ٣ / ١٤ ]
عقيدة الخوارج في الصحابة الكرام
أما الفرقة التي تقابل الشيعة ولهم موقف في غاية الخزي من صحابة النبي ﵊ فهم الخوارج، خلافًا للمعتزلة الذين جعلوا بعض الصحابة في منزلة بين المنزلتين، لكن الخوارج يمثلهم الناس في زماننا بجماعة التكفير والهجرة، وأقولها صراحة لله ﷿.
هذه الفرقة -وهم الخوارج ويمثلهم الآن جماعة التكفير والهجرة- قد أساءوا إلى الدين والإيمان والإسلام والمسلمين أعظم من إساءة اليهود والنصارى، وأعظم من إعمال القتل في رقاب المسلمين على طول التاريخ وعرضه، وهؤلاء تنطعوا غاية التنطع وجهلوا دين الله أعظم جهل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإليه المرجع والمآب وعليه الاحتساب من كل من أساء إلى دين الله ﷿، أو إلى عامة المسلمين.
وليس من عجيب أن تقول عائشة ﵂ لما قيل لها: إن ناسًا يقعون في أعراض الصحابة حتى وقعوا في عرض أبي بكر وعمر، قالت: وهل في ذلك عجب؟! قوم قد انقطع عنهم العمل فأراد الله تعالى ألا يقطع عنهم الأجر، أي: هم مأجورون بوقيعة هؤلاء السفهاء في أعراضهم وهم أموات في قبورهم، فالخوارج وقفوا موقفًا في غاية الخزي والعار والشنار من أصحاب النبي ﵊.
فالمُحكِمة: هم الذين خرجوا على علي عند التحكيم وكفروه، وكفروا عثمان وأكثر الصحابة، وكفروا مرتكب الكبيرة كذلك.
والبيهسية منهم زادوا بقولهم: إذا كفر الإمام كفرت الرعية حاضرًا أو غائبًا، وهذا الذي يقوله الآن جماعة التكفير والهجرة، يقولون: الحكام كفرة وكذلك الشعوب؛ لأن الحاكم إذا كفر كفرت الرعية! وعندهم هذه الأمور مسلمات (١+١=٢)، وانتهت القضية على ذلك! أي علم هذا وأي دين هذا؟! هذا سفه وجنون في دين الله ﷿.
والأزارقة -وهم أتباع نافع بن الأزرق - كفروا مرتكب الكبيرة، وكفروا الصحابة عمومًا، وكفروا عليًا خصوصًا، وزعموا أنه هو الذي نزل في شأنه قول الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]! هكذا زعموا، وقالوا: بأن ابن ملجم الذي قتل عليًا كان محقًا في قتل علي ﵁، وهو الذي نزل فيه قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧]! وكذا الإباضية وهم أتباع عبد الله بن إباض وما أكثرهم في الأحياء القديمة في القاهرة، ولعل الكثير منكم يعرفهم، ويعرف مساجدهم وأنهم لا يسمحون قط بدخول أحد للصلاة معهم وخلفهم إلا أن يكون على معتقدهم، وهم ينطلقون في أحيائهم بشراء البيوت والمحلات حتى تصفو لهم هذه الأحياء؛ فلا يكون فيها غيرهم؛ فتكون دولًا داخل دولة واحدة.
أمور عجيبة تتم في بلاد الإسلام وعلى مرأى ومسمع من المسلمين حكامًا ومحكومين، وكأن لا أحد يعنيه الأمر.
قالت الإباضية: إن عليًا هو الحيران في قول الله تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام:٧١]، ويقولون: أصحابه الذين كانوا يدعونه إلى الهدى هم أهل النهروان.
وأما نحن أهل السنة والجماعة فنقول: نبرأ إلى الله ﷿ من طريقة الشيعة والخوارج في آن واحد وكذلك طريقة المعتزلة، ونقول كما قال الشاعر: برئت من الخوارج لست منهم من الغزال منهم وابن باب ومن قوم إذا ذكروا عليًا يردون السلام على السحاب اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا وكل ذلك عندنا.
وصلى الله على نبينا محمد.
[ ٣ / ١٥ ]