الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لا يتم إيمان العبد إلا به، واعتقاد أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر اعتقاد وسط ينجو المرء به من البدع والضلالات، فالعبد له إرادة ومشيئة مندرجة تحت إرادة الله ومشيئته، دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين، وبذلك يتميز أهل السنة والجماعة عن الفرق الضالة كالجبرية الذين نفوا عن العبد الاختيار مطلقًا، أو القدرية الذين أنكروا القدر مطلقًا.
[ ٦ / ١ ]
وسطية أهل السنة والجماعة في الاعتقاد في القضاء والقدر
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما زال الكلام موصولًا عن وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة، وتناولنا طرفًا من هذه الوسطية في الخطب الماضية، واليوم بمشيئة الله تعالى موعدنا مع وسطية أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأفعال الله ﷿، وهو المعروف في لسان الشرع بالقدر، والقدر غالت فيه فرق، كما فرطت فيه فرق، فبعضهم آمن بالقدر، لكنه غالى فيه أيما غلو، حتى نفى الإرادة والمشيئة التي أثبتها الله تعالى لعبده.
فقال: العبد مجبور مقهور على أفعاله لا علاقة له بها، وهؤلاء يلزمهم أن يقولوا: إذا كان هذا العبد مقهورًا على فعله، فمن الظلم البين أن يحاسبه الله ﷿ على أفعاله؛ لأن الفاعل الحقيقي هو الله ﷿، فلم يعذبهم إذًا؟ هذه نتيجة لابد من الوصول إليها مع أصحاب هذا المذهب، وهؤلاء هم المعروفون بالجبرية، قالوا: العبد مجبور على أفعاله ولا علاقة له بما يتعاطاه من أعمال وأفعال.
وعلى الطرف المقابل فريق هم أضل من هؤلاء أسماهم العلماء بالقدرية، هؤلاء قالوا: لا علاقة ألبتة لله ﷿ بفعل العبد، فالعبد مخير اختيارًا مطلقًا في أفعاله، ولا علاقة لله ﷿ من جهة المشيئة ولا الإرادة بفعل هذا العبد! ولذلك هؤلاء يلزمهم أن يقولوا -بل هم قد قالوا حقًا-: إن الله ﷿ لا يعلم أفعال العباد إلا بعد أن تكون! فنفوا عن الله ﷿ صفة من صفاته الأزلية، وهي صفة العلم، وصفة الإرادة والمشيئة كذلك.
أما أهل السنة والجماعة فهم وسط بين الفريقين، حيث قالوا: العبد له إرادة ومشيئة والله ﷿ له إرادة ومشيئة، ومشيئة العبد وإرادته مندرجة تحت مشيئة الله ﷿، مستشهدين في ذلك بآيات من كتاب الله ﷿، وبأحاديث من سنة النبي ﵊ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، فأثبت الله تعالى في هذه الآية مشيئة للعبد ومشيئة له ﷾، لكن مشيئة العبد مندرجة تحت مشيئة الله ﷿، وأن الله تعالى هو الذي خلق في العبد القوة والإرادة والمشيئة، فالعبد أحيانًا يقوى على الشيء لكنه لا يريده، كما أنه يريد الشيء أحيانًا لكنه لا يقوى عليه، حتى يخلق الله ﷿ فيه الإرادة والقوة والمشيئة، فإذا توفر ذلك في العبد -أي: خلق ذلك كله في العبد- أراد العبد الشيء بإرادة الله، وباشر العمل بخلق الله ﷿.
فالأعمال كلها مخلوقة لله ﷿، والإرادة من الأعمال، والقوة من الأعمال، والمشيئة من الأعمال، فالأعمال كلها مخلوقة لله، كما قال النبي ﵊: (إن الله تعالى خالق كل صانع وصنعته)، فهذا باب عظيم جدًا من أبواب الإيمان ثبتت فيه أقدام أهل السنة والجماعة، وزلت فيه أقدام أهل البدع والضلالة، فمنهم من غالى أيما غلو في إثبات مشيئة العبد على فعله، ومنهم من نفى مشيئة العبد مطلقًا، ولكن أهل السنة والجماعة توسطوا بين هؤلاء وبين هؤلاء.
[ ٦ / ٢ ]
أهمية الإيمان بالقدر
الإيمان القدر من واجبات الإسلام، بل هو من أوجب واجبات الإيمان بعد الإيمان بالله ورسوله؛ ولذلك لما أتى جبريل إلى النبي ﵊ يسأله عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر)، أفرد هذا بجملة مستأنفة.
قال: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره)، أي: أن يؤمن العبد أن الخير من عند الله، وأن الشر كذلك من عند الله ﷿.
لكن لنا وقفة مع قولنا: والشر من عند الله ﷿؛ لأن هذا أمر مشكل، خاصة مع قول النبي ﵊: (والشر ليس إليك)، وفي هذا بيان أن الشر المحض الذي لا خير فيه لا يكون من فعل الله ﷿، ولا من قدره، إنما هو من مقدورات الله ﷿، فهنا فرق بين القدر والمقدور، فالقدر كله خير، والله ﷿ شاء وقوع الزنا وشرب الخمر والقتل وغير ذلك من سائر المعاصي والمنكرات والذنوب، وإن كان الله تعالى لا يحب ذلك ولا يرضاه لعباده، بل نهاهم عنه، وأمرهم بالخير والطاعة والمعروف، ولكن كثيرًا من العباد تنكبوا طريق الطاعة، ووقعوا في طريق المعصية التي نهاهم عنها الله ﷿، لكن السؤال الآن: هل يكون في كون الله ﷿ غير ما أراد وغير ما شاء، وهل يقع فعل في الكون رغمًا عن الله ﷿؟!
الجواب
لا.
فالإرادة لنا معها كذلك موقف.
وقبل أن نبدأ في بيان هذا الأمر الخطير، نقول: إن النبي ﵊ قال: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر)، وأمرنا النبي ﵊ كما أمر أصحابه الكرام أننا إذا ذكر القدر نمسك عنه، وألا نخوض فيه، فالصحابة ﵃ كانوا يؤمنون حق الإيمان أن الله تعالى على كل شيء قدير، وأن الله تعالى خلق بقدرته كل شيء؛ الخير والشر، وإبليس الذي هو رأس الشر الله ﷿ هو الذي خلقه، بل إبليس عليه لعنة الله يعلم أن الهداية والضلال وأن الغواية والهدى وأن الخير والشر وأن الطاعة والمعصية وأن المعروف والمنكر كل ذلك بيد الله ﷿، إن شاء أذن في وقوعه، وإن شاء رفعه فلم يقع.
فإبليس هو الذي قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]، فهو يؤمن إيمانًا جازمًا أن الغواية بيد الله ﷿، والغواية ضد الهداية، وإبليس يؤمن أن الغواية والضلال والانحراف بيد الله ﷿، لكن هذا أمر عظيم جدًا ينبغي أن يضع المرء قلبه على كل حرف يخرج في هذا الباب، وإلا فحرف واحد يخرج المرء من الهداية إلى الضلال؛ ولذلك قال علماؤنا: القدر هو تقدير الله ﷿ للأفعال، فالقدر هو التقدير كما في قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات:٢٣]، أما القضاء فهو الحكم، ولذلك يقول أهل العلم: القضاء والقدر كالإيمان والإسلام، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا؛ فإذا ذكر القدر كان معه القضاء، وإذا ذكر القضاء فحسب كان معه القدر، وإذا ذكر كل منهما في نص واحد فيكون للقدر معنى وللقضاء معنى آخر، فالتقدير: هو ما قدره الله ﷿ في الأزل أن يكون في قلبك، أي: ما علم الله ﷿ أن العباد له فاعلون وإليه صائرون، فلما علم الله ﷿ ذلك من عباده قبل أن يخلقهم كتبه، بمعنى: قدره، بمعنى: أن ذلك مقدور في أفعالهم وأنهم لا محالة فاعلون ذلك باختيارهم، وبإرادة الله ﷿ ومشيئته أن تقع أفعالهم مخلوقة له ﷾.
والإيمان بالقدر من أوجب الواجبات، ومرتبته في الدين أنه أحد أركان الإيمان الستة، بل هو أهمها بعد الإيمان بالله ورسوله.
[ ٦ / ٣ ]
فوائد الإيمان بالقدر
من فوائده الإيمان بالقدر: أنه من تمام الإيمان ولا يتم الإيمان إلا به.
ومن فوائده كذلك: أنه من تمام الإيمان بالربوبية، وهي من خصائص الله ﷿، أن الله تعالى إله واحد لا رب سواه؛ لأن قدر الله تعالى من أفعاله، وأفعال الله تعالى في سلطان ربوبيته، وإذا آمن الإنسان بالقدر رد أموره كلها إلى ربه؛ لأنه إذا علم أن كل شيء بقضاء الله تعالى وقدره فإنه سيرجع إلى الله تعالى في كل شيء من حياته؛ ليدفع الضراء ويرفعها، ويجلب السراء ويعرف أنها من فضل الله ﷿.
الفائدة الرابعة من فوائد الإيمان بالقدر: أن الإنسان يعرف قدر نفسه، ولا يفخر إذا فعل الخير؛ لعلمه أن الله تعالى هو الذي وفقه إلى فعل الخير، فيكون المتفضل والمنعم على الحقيقة بهذه الطاعة أو بهذه النعمة أو بهذا الإحسان هو الله ﷿.
الفائدة الخامسة: إذا آمن المرء بقضاء الله وقدره هانت عليه المصائب التي تنزل عليه؛ لعلمه أن ذلك من عند الله، وأنه ما من مصيبة ولا ألم ولا وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها ابن آدم -أي: المسلم- إلا كفر الله ﷿ عنه بها خطاياه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، أي: ومن يؤمن أن كل شيء من عند الله هدأ قلبه واطمأن، فيرضى ويسلم.
سادسًا: إضافة النعم إلى مسديها، وكثير من الناس يغلط في ذلك غلطًا فاحشًا، إذا أسدى إليك إنسان معروفًا نسبت الفضل إليه هو، مع أن المتفضل بهذا المعروف وهذا الإحسان هو الله ﷿، وهذا العبد سبب جعله الله ﷿ في عباده لمباشرة الإحسان، كما قال النبي ﵊: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)، فالرازق الحقيقي هو الله ﷿، وجريان الرزق على يد فلان ما هو إلا سبب من الأسباب الشرعية التي هيأها الله ﷿ في الكون.
سابعًا: أن الإنسان يعرف بالإيمان بالقدر حكمة الله ﷿؛ لأنه إذا نظر في هذا الكون وما يحدث فيه من تغييرات باهرة عرف حكمة الله ﷿، بخلاف من نسي القضاء والقدر، فإنه لا يستفيد هذه الفائدة.
[ ٦ / ٤ ]
الشر المحض لا ينسب إلى الله ﷿
إن القدر منه ما هو خير، ومنه ما هو شر، ويجب الإيمان بالقدر بنوعيه.
أما قوله ﵊: (والشر ليس إليه) أي: ليس إلى الله ﷿، هذا باعتبار المقدور لا باعتبار القدر، فالشر في القدر ليس باعتبار تقدير الله ﷿ له، لكن باعتبار المقدور، فلدينا قدر ولدينا مقدور، كما أن هناك خلقًا ومخلوقًا وإرادة ومرادًا، فاعتبار تقدير الله ﷿ لهذا الفعل ليس شرًا محضًا، وكل ما يراه الناس شرًا ففيه وجه من وجوه الخير، أنت تتعاطى الدواء المر وهو بالنسبة لك شر، ومع هذا تتعاطاه لأنك تعلم أن هذا الدواء سبب للشفاء، فأنت تسلك الشفاء وإن كان الطريق إليه مرًا، الله ﷿ أذن في وقوع الزنا مع أنه قد نهى عنه، وبين في كتابه كما بين رسوله في سنته أنه لا يحب ذلك ولا يرضاه: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، وأذن في وقوعه لحكمة عظيمة جدًا.
إذًا: كل أمر في الكون من خير أو شر بحكمة الله ﷿، فمن الحكم ما أطلعنا الله ﷿ عليها، ومن الحكم ما استأثر بها في علم الغيب عنده، فلو أننا أخذنا مثالًا كالقتل فإنه بالنسبة إلى الناظر شر محض مع أنه ليس كذلك، فالقتل يكفر الله ﷿ به ذنوب المقتول، كما أن القاتل لو تاب من فعلته تاب الله ﷿ عليه، فاستشعر رحمة الله، وإذا أقيم عليه الحد على ملأ من الناس كان هذا جديرًا بأن يفكر كل إنسان أنه لو فعل فِعل فلان لفعل به مثلما نزل به من العذاب وإقامة الحد، فكان هذا أعظم رادع لكل من سولت له نفسه أن يرتكب ما يستوجب حدًا من حدود الله ﷿، فالزاني يفكر في العقوبة قبل أن يفكر في الزنا، والقاتل يفكر في العقوبة قبل أن يفكر في القتل، وشارب الخمر يفكر في العقوبة قبل أن يفكر في الشرب وهكذا في سائر المعاصي والذنوب.
ولذلك لما ارتفعت الحدود هاجت البشرية في أوحال المعصية، فلا تكاد تجد إنسانًا يعرف المعروف أو ينكر المنكر؛ لأنه اطمأن جانب العقوبة، فانطلق في أوحال المعصية وهو مطمئن أنه لا عقاب يقع عليه من أحد، فلما كان الأمر كذلك وارتفع شرع الله ﷿ من قلوب الخلق استحقوا الذل والمهانة على أيدي شر الخليقة وهم اليهود، الذين يسومون المسلمين بالليل والنهار سوء العذاب وسوء الأدب، وأنزلوا بهم النكال، والبعض يقول: لا نكال ولا عذاب ولا إهانة، فهذا شر ممن يعلم يقينًا أن النكال والخسف واقعان في الأمة، فهذا مسخ قلبه تمامًا، وشر البلية أنه لا يعلم ذلك، وهذا أيضًا من قدر الله ﷿، ومن سننه الكونية في الخلق أنهم إذا فرطوا في شرعه واستغنوا عن الله ﷿ جعلت أمور المسلمين ومقاليدهم وزمامهم بيد غير الله ﷿، فيلهثون خلفهم بالليل والنهار طلبًا للمصلحة ودفعًا للمضرة، مع أن الذي يملك ذلك هو الله ﷿ وحده، فهذا باب عظيم من أبواب القدر.
أيها السياسيون! تقولون: لو رفعت راية الجهاد ضد اليهود فإننا مغلوبون مقهورون لا محالة! هذا سوء ظن بالله ﷿، الله ﷿ وعد عباده الصالحين بالنصر والتمكين في الأرض، وذلك إن حققوا شرط الصلاح، وحققوا شرط التقوى.
فبدلًا من أن ندندن أن المعركة لصالح اليهود، والكرة على المسلمين ينبغي -بل يجب علينا وجوبًا شرعيًا أكيدًا- أن نشغل أنفسنا بأسباب الهزيمة النفسية، وأن نوقن أن النصر والتمكين لا محالة إنما يكون للمسلمين الصالحين القانتين المؤمنين الموحدين، فنشغل أنفسنا بما أوجب الله ﷿ علينا.
قال الله ﷿: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١]، فبين الله ﷿ أن الفساد واقع والذي يباشره هم العباد، هم الذين يفسدون في الأرض والبر والبحر والجو، وأن ذلك لا يكون إلا بمشيئة الله وإرادته الكونية القدرية، ومع ذلك فإن لظهور هذا الفساد حكمة عظيمة: «لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا»، ليكفر عنهم بعض ما ارتكبوا من ذنوب وآثام.
[ ٦ / ٥ ]
مراتب الإيمان بالقدر
والإيمان بالقدر خيره وشره واجب على كل مسلم، لكن بيت القصيد وهو الذي كان سببًا في انزلاق أقدام كثير من أهل العلم، أنهم نظروا إلى القدر نظرة عمياء، لكن أهل السنة نظروا إلى القدر نظرة شمولية فعرفوا أن للقدر مراتب أربع:
[ ٦ / ٦ ]
العلم الأولي الأزلي لله ﷿
المرتبة الأولى: مرتبة العلم، أي: إثبات العلم الأولي الأزلي لله ﷿، تظاهرت على ذلك الأدلة من كتاب الله ﷿ ومن سنة النبي ﵊، وهذا أمر لا يخفى على أحد، ومنكر ذلك كافر خارج عن ملة الإسلام؛ لأن الله ﷿ أثبت العلم لنفسه في غيرما آية، فالله ﷿ على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، وأحاط بكل شيء علمًا، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]، وقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧] وغير ذلك من الآيات كثير، ومن الأحاديث كثير وكثير في إثبات علم الله ﷿.
فلا يحل لأحد أن ينفي علم الله ﷿ عنه، فالعلم الأزلي هو أن الله تعالى علم قبل أن يخلق الخلق ما هم عاملون وما هم إليه صائرون؛ ولذلك قال حميد بن عبد الرحمن الحميري: حججت أنا وصاحب لي، فلما قدمنا المدينة سألنا عبد الله بن عمر قلنا: يا أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا بالعراق أو بالبصرة أناس يتقفرون العلم -وفي رواية يتفقرون العلم- يترفعون فيه ويطلبون دقائق المسائل منه، يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، أي: مستأنف.
وهذا يعني: أن الله لا يعلم الفعل إلا بعد أن يقع، أما قبل وقوعه فإن الله لا يعلمه، فقال عبد الله بن عمر ﵄: أوقد فعلوها؟ إذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني.
قال الإمام النووي: وهذا يعني: أنهم كفار؛ لأنهم أنكروا ما هو معلوم من دين الله ﷿ ومن صفات الله وأسمائه بالضرورة، ومن أنكر شيئًا ثابتًا معلومًا من الدين بالضرورة فإنه كافر بالله العظيم، إلا أن يكون حديث عهد بإسلام أو في بلد ليس يدار فيه العلم بالليل والنهار، أو ليس بإمكانه أن يطلبه، فإذا أنكر المرء معلومًا من الدين بالضرورة أو ما هو واجب لله تعالى ولا يخفى على صبيان المسلمين فإنه يكفر بذلك ويخرج عن ملة الإسلام.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه المرتبة والمرتبة التي تليها -وهي مرتبة كتابة مقادير الخلائق- من أنكرهما كفر.
قال: وقد انقرض هؤلاء، فلم يبق إلا من ينازع في بقية مراتب القدر، أما هاتان المرتبتان -وهما العلم والكتابة- فقد هلك من كان ينكرهما مع الهالكين في أول الزمن، والعجيب أننا نرى في هذا الزمان من يتبجح بإنكار العلم والكتابة مع انتشار وذيوع الأدلة في الكتاب والسنة.
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فهذه المرتبة أعظم مراتب القدر، مرتبة أن الله ﷿ علم كل شيء قبل أن يخلق الخلق، وعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فعلم الله ﷿ العبد وعمله، وكيف يعمله، ومتى يعمله.
سئل علي بن أبي طالب عن القدر ما هو؟ قال: انظر إلى هذه.
فنظر إلى السبابة أو الوسطى أو الإبهام فأدخلها في لسانه وبلها من ريقه، ثم طبع بها في كفه اليسرى وقال: أؤمن أن الله تعالى علم أزلًا أن علي بن أبي طالب سيفعل هذا في هذا التوقيت وبهذه الكيفية.
انظروا إلى إيمان الصحابة بأن الله تعالى علم كل شيء كان وسيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ﷾.
فالكتاب والسنة والعقل تدل على أن الله تعالى عالم بما الخلق عاملون بعلم أزلي، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وهو ﷾ الموصوف بالعلم أزلًا وأبدًا، أزلًا احترازًا من الجهل، وأبدًا احترازًا من النسيان؛ ولذلك أنت موصوف بالعلم، لكن ليس أزلًا ولا أبدًا؛ لأنك قبل أن تكون عالمًا كنت جاهلًا، وبعد أن صرت عالمًا سيذهب هذا العلم منك لكبر السن، أو بالنسيان، أو ضعف العقل، أو آفة تطرأ على عقلك.
فالله ﷿ متصف بصفات الكمال والجلال، خلافًا لك يا ابن آدم! فأنت متصف بصفات العجز والنقص، فإن كنت لست تعلم فالله ﷿ يعلم، وشتان بين علمك وعلم الله ﷿، فعلم الله تعالى أزلي أبدي، وأنت لست كذلك.
علم الله تعالى جميع أحوال عباده من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، كما قال ﵊ كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك بكتب أربع؛ بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد)، أمر الله تعالى الذي ملك الأرحام أن يكتب هذا والطفل لا يزال في مراحله الأولى، أليس الله ﷿ هو اللطيف الخبير؟ بلى، لابد أن
[ ٦ / ٧ ]
كتابة مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة
المرتبة الثانية من مراتب القدر: هي مرتبة كتابة علم الله ﷿، فالله ﷿ كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولا نقول: قبل أن يخلق بني آدم أو الطير أو البهائم أو الحيوانات أو الوحوش أو السباع، بل قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فهذا شيء عظيم وهائل جدًا يجعل المرء يهدأ ويطمئن قلبه تمامًا إذا علم أن كل شيء بقدر، وأن الله تعالى هو الذي بيده الضر والنفع وأنه كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ الذي لا يقبل محوًا.
والكتاب كتابان كما قال ابن عباس: كتاب يقبل المحو والإثبات، وهذه الكتب هي التي في يد الملائكة الحفظة الكتبة، يمحو الله تعالى فيها ما يشاء ويثبت بأمره ونهيه، أما اللوح المحفوظ فإن الله تعالى كتبه كتابة لا تقبل المحو؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، أي: اللوح المحفوظ الذي لا يقبل محوًا ولا إثباتًا بعد أن كتبه الله ﷿.
ولذلك قال شيخ الإسلام: إن المكتوب في اللوح المحفوظ لا يتغير أبدًا، والتغيير إنما يكون في الكتب التي بأيدي الملائكة، فأول ما خلق الله تعالى قلم القدرة فقال الله ﷿ له: اكتب، قال: وما أكتب؟ -جعل الله ﷿ للقلم إدراكًا وعقلًا يفهم الخطاب، ففهم القلم الخطاب الموجه إليه، ولكنه خفي عليه نوع الكتابة، فسأل عن النوعية ولم يسأل عن أصل الكتابة- قال القلم: وما أكتب؟ قال الله ﷿: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
ولا تتعجب من هذا الحوار بين القلم المخلوق وبين خالقه ﷾، فإن الجمادات بالنسبة إلى الله تعالى يركب فيها العقل ويخاطبها، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، وقال الله تعالى للنار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] فكانت كذلك، وقال الله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ:١٠] فأوبت معه.
والحاصل: أن الله تعالى أمر القلم أن يكتب فانفتل القلم وكتب كل شيء إلى يوم القيامة، فما من حركة ولا سكنة لخلق الله ﷿ قاطبة إلا وكتبها القلم في اللوح المحفوظ، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فإذا آمنت بهذا اطمأننت.
قال النبي ﵊: (جفت الأقلام وطويت الصحف) أي: جفت الأقلام بما أمر الله ﷿ من كتابة مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ، وطويت الصحف فلا محو فيها ولا إثبات -أي: اللوح المحفوظ- خلافًا لما بأيدي الملائكة من الكتب التي تقبل المحو والإثبات.
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠] أي: في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، أي: كتابة ذلك على الله أمر يسير؛ لأن الله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الحديد:٢٢] أي: ما وقعت مصيبة في الأرض: ﴿وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نخلقها: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
وقال النبي ﵊ كما في مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) وهذا التقدير التابع لعلمه ﷾ يقع في مواضع جملة وتفصيلًا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله.
والكتابة مراتب، فمنها كتابة ما قبل القبضتين، فالله ﷿ قبل أن يخلق آدم قبض قبضتين فقال: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهؤلاء في الجنة ولا أبالي، فهؤلاء مكتوبون أنهم من أهل الشقاء، وأن هؤلاء من أهل السعادة.
وهناك كتابة كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين عند نفخ الروح، ولا يزال الجنين في بطن أمه.
وهناك كذلك كتابة حولية، أي: على رأس كل عام كما قال الله ﷿: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٤ - ٥].
وهناك تقدير يومي، كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩].
فهذه أنواع الكتابة، كتابة القبضتين، وكتابة في علم الأجنة، وكتابة عند نفخ الروح، وكتابة سنوية، وكتابة يومية، وقيل غير ذلك من الكتابات.
فهذا التقدير الذي هو العلم والكتاب
[ ٦ / ٨ ]
إثبات مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة
أما المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر فهي: مرتبة إثبات مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، لكنك لابد أن تعلم أن مشيئة الله وإرادته منها ما هو كوني قدري، ومنها ما هو شرعي ديني، وهذا بيت القصيد في هذه المرتبة، ومن خفي عليه هذا التقدير لإرادة الله خفي عليه القدر كله؛ ولذلك صنف علماء السنة الإرادة إلى إرادتين: إرادة كونية قدرية، أي: تقع في الكون بقدرة الله ﷿.
أما الإرادة الشرعية الدينية فهي الأوامر التي أمر الله بها عباده، من الطاعات والإيمان وغير ذلك من سائر ما يحبه الله ﷿ ويرضاه، وليس بلازم أن يقع، خلافًا للإرادة الكونية القدرية التي لابد أن تقع على مراد الله تعالى ومشيئته الكونية القدرية، أما المشيئة الشرعية الدينية كالصلاة فإن الله تعالى أحب الصلاة وأمر بها، وكذلك سائر الطاعات، لكن لا يلزم من ذلك الوقوع؛ ولذلك أمر الله تعالى بالصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر الطاعات، ونجد في المسلمين من لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يحج مع القدرة، ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، فالإرادة الشرعية الدينية مبناها على المحبة والرضا، لكن لا يلزم منها الوقوع.
والإرادة الكونية القدرية ليس مبناها المحبة، وإنما مبناها وقوع الفعل على مراد الله، والفعل منه ما يقع على مراده تعالى إرادة شرعية وكونية قدرية كالطاعة، ومنها ما يقع من معاص في الكون فذلك على مراد الله ﷿ الكوني القدري، وليس يعني (على مراد الله): أن الله يحب ذلك أبدًا، أو أن الله تعالى رخص للعباد أن يقعوا في هذه الذنوب والمعاصي، وإنما لا يقع في كون الله إلا ما أذن الله تعالى فيه؛ لحكمة عظيمة كما قلنا آنفًا؛ ولذلك قال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤]، وقال الله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فوقوع الإيمان في الكون إرادة شرعية، ووقوع الكفر في الكون إرادة كونية قدرية.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
قال العلماء: لا يكون في ملك الله إلا ما أراد وقدر، أي: إرادة كونية قدرية، لا إرادة شرعية؛ ولذلك قد ورد في الإرادة الكونية التي هي بمعنى المشيئة قول الله ﷿ على لسان نوح: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]، فأثبت أن الغواية بيد الله ﷿، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وقال النبي ﵊: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولأتى بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله ﷿ لهم).
أما الإرادة الشرعية التي بمعنى المحبة فقول الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فهذه إرادة شرعية دينية؛ لأن مبناها على المحبة، فالله تعالى يحب اليسر، ويحب أن يتوب على عباده، فهذا فارق بين الإرادة الكونية القدرية، والإرادة الشرعية الدينية.
ورب قائل يقول: هل المعاصي يريدها الله ﷿؟ نقول: نعم.
لكن ليست إرادة شرعية دينية؛ لأنه لم يأمر بها، بل نهى عنها ﷾، إلا أنه أذن في وقوعها لحكمة، فكل شيء الله قادر عليه وجودًا وإعدامًا، فإن الله تعالى على كل شيء قدير، أثبت لنفسه القدرة والمشيئة، وأثبت كذلك للعبد القدرة والمشيئة، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله تعالى هو خالقه، فلا خالق غيره ولا رب سواه.
[ ٦ / ٩ ]
خلق الله ﷿ لأفعال العباد
المرتبة الرابعة: خلق الله ﷿ لأفعال العباد، فالله ﷿ خالق كل صانع وصنعته، ولا يستطيع الصانع أن يصنع شيئًا إلا إذا أراد الله ﷿ إيجاد هذا الشيء، فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦]، وقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] أمرنا بأن نستمع لهذه الأمثلة ففيها العظة والعبرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣]، هؤلاء الآلهة -بوذا وغيرها من الأصنام والمعبودات الباطلة- لو اجتمعوا على أن يخلقوا ذبابة واحدة لا يقدرون على ذلك؛ فضلًا أن يملكوا الضر والنفع لعابديهم؛ ولذلك قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، لو أن ذبابة حطت على رأس صنم وأخذت منه شيئًا لا يستطيع هذا الصنم أن يأخذ من الذباب ما قد سلبه منه، فكيف يملك هذا الإله النفع والضر لغيره إذا كان لا يملكه لنفسه؟ مثل عظيم جدًا، قال الله ﷿: «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ» أي: تعبدون «مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ»، وإذا كانت عاجزة عن الدفع عن نفسها؛ فمن باب أولى أن تكون عاجزة عن الدفع عن غيرها.
وقال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] والآيات في ذلك كثيرة، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، فأنت وعملك مخلوق لله ﷿، عملك من خير وشر، من طاعة ومعصية لله ﷿ مخلوق، الله تعالى هو الذي أذن في خلقه، وأراده إذا كان طاعة إرادة شرعية، وإذا كان معصية أراده إرادة كونية قدرية على النحو الذي ذكرنا آنفًا، ومع ذلك فإن الله تعالى أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وأمره بذلك يمكن، فالمأمور مخلوق لله ﷿، وفعله كذلك مخلوق، ومع ذلك يأمر وينهى.
وقال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢]، والله تعالى يحب المتقين المحسنين والمخلصين كما قال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]، وانظر إلى الطاعات واقعة في دائرة المحبة، والمعاصي واقعة في دائرة البغض والكره: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، ويرضى الله ﷿ عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين كما لا يحب الفسق، ويرضى الله عن الذين آمنوا كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة:١٠٠]، والرضا من محبة الله ﷿، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٧ - ٨].
أما الكفر فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]، والله تعالى لا يرضى عن القوم الفاسقين، كما قال: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:١٨ - ٢٠].
لو أن حكومة أعلنت عن وظيفتين إحداهما: بألف جنيه في الشهر، والأخرى بمائة جنيه في الشهر، فإلام تصبو نفسك؟ لابد أنها تصبو للراتب الأكبر، وهذا يدل على أنك مميز تعقل ما ينفعك وما هو داخل في مصلحتك، وإذا كان الذاهب إ
[ ٦ / ١٠ ]
الكتاب والسنة والإجماع على أن الله خلق أفعال العباد
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أجمع علماء الأمة من الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله ﷿، طاعاتها ومعاصيها.
فعن طاوس قال: أدركت ثلاثمائة من الصحابة ﵃ كلهم يقول: كل شيء بقدر، والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وقال ﵊: (إن الله خالق كل صانع وصنعته).
وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، قال: هم الذين يقولون: إن الله على كل شيء قدير.
وسئل أحمد بن حنبل عن القدر ما هو؟ قال: هو قدرة الله ﷿.
هل لها منتهى؟
الجواب
لا، لا منتهى لقدرة الله ﷿.
وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال: (جاء مشركو مكة إلى النبي ﷺ ينازعونه في القدر، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩]).
وأوصى السلف ﵃ بترك عيادة مرضى القدرية، وترك الصلاة على موتاهم، وعدم رد السلام عليهم.
وفي قول الله ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٧] سمع ابن عباس ﵄ رجلًا يقول: الشر ليس بقدر، فقال: بيننا وبين أهل القدر قول الله ﷿: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]، هذا يدل على أن الهداية والضلال بيد الله ﷿.
قال ابن عباس: حتى العجز والكيس.
حتى النشاط والهمة والفتور والعجز بيد الله ﷿، وبقدر الله ﷿، وهذا قد رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا ﵄.
وفي قول الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، الله ﷿ يبتلي عباده بالشر فتنة لهم واختبارًا وامتحانًا، كما ابتلى إبراهيم بذبح ولده، وبترك زوجه وولده الرضيع في أرض قفر، وكما ابتلى موسى وآدم ومحمدًا ﵊، وغير ذلك من الابتلاءات التي وقعت بخير الخليقة، والنبي ﵊ يقول: (أعظم الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل)، وقال الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩].
قال ابن عباس في قوله: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» أي: نبتليكم بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة.
وقال زيد بن أسلم: والله ما قالت القدرية كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، ولا قالت كما قالت الملائكة: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢]، أي: نفوا المشيئة، فلم يبلغوا ما أمر الله ﷿ به وأخبر، وكذلك لم تقل القدرية بإثبات العلم كما قالت الملائكة، ولا قالت القدرية كما قال الأنبياء على لسان شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف:٨٩]، ولا قالت القدرية كما قال أهل النار: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، أي: بسبب أعمالنا، ولا قالت القدرية كما قال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]، قال الشافعي: لأن يلقى الله العبد بكل شيء -وفي رواية عنه: بكل ذنب- ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه ببدعة، أو قال: ببدعة القدرية، أو قال: بشيء من هذه الأهواء.
قال علي بن أبي طالب ﵁: القدر طريق مظلم فلا تسلكه، وبحر عظيم فلا تلجه، وهو سر الله في خلقه فلا تكشفه.
وقال ابن عباس: ما غلا أحد في القدر إلا خرج من الإسلام.
وقال أيضًا: إياك والقدر فإنه يدعو إلى الزندقة.
ولما تكلم صبيغ بن عسل في القدر، جيء به إلى عمر فلما دخل عليه، قال عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ قال عمر: وأنا عبد الله عمر بن ا
[ ٦ / ١١ ]